لماذا سمح الله لأيوب بالمعاناة، وهل هو المسؤول عن معاناة أيوب؟ – ترجمة: Patricia Michael

لماذا سمح الله لأيوب بالمعاناة، وهل هو المسؤول عن معاناة أيوب؟ – ترجمة: Patricia Michael

وهل دَخَل الله في رهان مع الشيطان كما يزعم الملحدون

 

لماذا سمح الله لأيوب بالمعاناة، وهل هو المسؤول عن معاناة أيوب؟ – ترجمة: Patricia Michael

المقدمة:

 

نظرة عامة على قصة معاناة ايوب في الكتاب المقدس

 

يُقدّم سفر أيوب واحدة من أكثر الروايات التي نوقشت كثيرًا فيما يتعلق بالمعاناة البشرية، ودور الله، ووجود الشر. من الأمور المحورية في هذا السّفر هو حول نقطة ما إذا كان الله مسؤولاً عن معاناة أيوب، وجاء هذا الافتراض بناء على الاصحاحين الاول والثاني من سفر ايوب والذي نقرأ فيه عن امتثال الشيطان امام الله وتحدّيه لمصداقية وسلامة ايمان ايوب.

 

الاتهام الذي وجهه الشيطان هو أن أيوب انسان أمين فقط لأنه كان يحظى بالبركات وبالرخاء المادي والحماية الالهية خلال الصعوبات. يلمّح الشيطان إلى أن إيمان أيوب متوقف على نجاحه فقط وما لديه من بركات مادية وزمنية.

 

وجّه الشيطان كلامه الى الله متحدّيا:

 

أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ.

وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ»

(أيوب 1: 11 – 12)

 

* بالرجوع الى النص الكتابي نقرأ التالي:

 

سفر ايوب الاصحاح الاول:

 

6 وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ.

7 فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنَ أَيْنَ جِئْتَ؟» فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا».

8 فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ».

9 فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟

10 أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ.

11 وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ».

12 فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ.

 

(سفر ايوب 1: 6 – 12)

 

من قراءة النص نفهم ان الله سمح للشيطان أن يجرّب أيوب، ولكن ضمن معايير محددة.

 

(ايوب 1: 12) فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ.

 

(ايوب 2: 6) فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ».

 

أدت هذه التجربة إلى خسارة أيوب ثروته وأولاده وصحته, وبالتالي شدة معاناة أيوب دفعت العديد من القرّاء إلى التساؤل عن سبب سماح الله بهذه الأحداث ان تحصل لأيوب وما إذا كان الله، إلى حد ما، مسؤولاً عن محنة أيوب.

 

للرد لا بد ان نتطرق الى النقاط التالية:

 

اولا: دور الشيطان وطبيعة التحدّي

 

إن فهم دور الشيطان في سفر أيوب أمر بالغ الأهمية لفهم طبيعة معاناة أيوب.

الشيطان (هذه لفظة عبرانية بصيغة اسم فاعل, وهي مشتقة من الفعل “شطن” بمعنى عانَد أو خاصَم أو قاوَم)، هذا المخاصم والمقاوم يعمل في هذه الرواية كمنافس لسيادة الله والتشكيك بمصداقية وسلامة الإيمان البشري تجاه الله.

عندما يُقدّم الشيطان الاتهام ضد أيوب، فإن ذلك يكون أكثر من مجرد هجوم على فرد واحد ؛ إنه تحدّي مباشر لصدق الإيمان البشري بالله.

 

من خلال الإشارة إلى أن ولاء أيوب مشروط بالبركات المادية، يشير الشيطان ضمنًا إلى أن البشر غير قادرين على خدمة الله والولاء له والايمان به بدافع المحبة والقداسة فقط.

 

لا بدّ أن نلاحظ أن الشيطان في قصة أيوب هو الذي جلب المصائب مباشرة على أيوب. الله لم يتسبّب في معاناة أيوب، لكنه سمح للشيطان بتنفيذ أعماله التدميرية. وهذا التمييز ضروري لأنه يكشف أنه بالرغم من سماح الله بدخول ايوب في تلك المحنة، إلا أنه لم يكن السبب المباشر لعذاب ومحنة أيوب. تتجلّى هذه الديناميكية في (أيوب 1: 12) حيث يقول الله: فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ.

 

وهكذا، لم يكن دور الله التسبب في معاناة أيوب، بل بالسماح للوقت الصعب بأن يستمر في ظل التحدي الذي قدّمه الشيطان. تمّ منح هذا الإذن الالهي للشيطان في إطار غرض إلهي أوسع، والذي من شأنه أن يُثبِت في النهاية مصداقية وسلامة الإيمان البشري ويدعم سيادة الله على خليقته.

 

ثانيا: قصد الله في السماح بمعاناة أيوب

 

إحدى النقاط الرئيسية التي يجب فهمها فيما يتعلق بسفر أيوب هي أن القصة تتكشف ضمن سياق أكبر بكثير للحرب الروحية ومسألة سيادة الله. لم يكن اتّهام الشيطان يتعلق بأيوب فحَسْب، بل يتعلق أيضًا بقدرة البشرية على الإيمان والبرّ الغير المشروط بالمنافع الزمنية والمادية. لقد تساءل الشيطان أساسًا عما إذا كان البشر سيبقون أمناء للّه إذا أُزيلت البركات الزمنية والمادية عنهم، مما يشكل تحديًا لأساس علاقة الله بالبشر.

 

القضية المركزية في سفر أيوب ليست مجرد معاناة أيوب الشخصية، بل تبرئة اسم الله وإظهار الأمانة لواحد من خُدّامه الاتقياء. يتم إلقاء الضوء على هذه القضية الروحية الأوسع في فقرات مثل(أيوب 1: 8)، حيث يتحدّث الله عن كمال أيوب ويمتدح استقامته.

 

فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». (ايوب 1: 8)

 

من خلال السماح لأيوب بمواجهة هذه التجربة، كان الله يُظهِر أن الأمانة له لا تقوم على مصالح أنانية أو مكافآت مادية بل على المحبة الحقيقية والايمان والقداسة.

 

يُشير يعقوب الرسول في رسالته عن مثابرة أيوب وأيضا يُشير فيها إلى معاملات الله:

 

“هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ.” (يع 5: 11).

 

تسلّط هذه الآية الضوء على أن هدف الله النهائي كان إظهار تعاطفه مع ايوب، وتمسُّك ايوب في ايمانه خلال محنة التجربة.

 

ثالثا: اتهام الله بالرّهان مع الشيطان

 

من الانتقادات الشائعة التي يثيرها الملحدون أن سماح الله لأيوب بالمعاناة يبدو وكأنه رهان قاسٍ بين الله والشيطان. مما لا شكّ فيه فإن هذا التفسير يسيء فهم خطورة القضية الكونية المطروحة. إن الحوار الذي حصل بين الله والشيطان ليس رهانا، بل هو عنصر حاسم في الصراع الكبير حول سيادة الله وكمال الإيمان البشري. لم يكن الدافع وراء تصرفات الله هو الحاجة إلى إثبات نقطة ما للشيطان بمعنى الرّهان كما يدّعي الملحدون، الله لا يدخل في رهانات مع الشيطان، بل بالأحرى الهدف هو دعم الحق بشأن طبيعة البر والإخلاص البشري تجاه الله والتأكيد على سيادة الله على الخليقة.

 

ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن أيوب لم يكن قط بَيْدقًا في لعبة لا معنى ولا مغزى لها. لقد كانت معاناته مسموح بها ضمن إطار إلهي كان له آثار روحية عميقة، ليس عليه فقط، بل على الخليقة كلها. إن التحدّي الذي قدّمه الشيطان شكّك في أساس الإيمان البشري والولاء لله. في هذا السياق، أصبح صبر أيوب والتمسُّك بأيمانه خلال التجربة شهادة على قوة الاخلاص والايمان والبرّ الحقيقي.

 

رابعا: استجابة أيوب للمعاناة: الحفاظ على النزاهة والإيمان

 

أحد الجوانب الملفتة للانتباه بشكل كبير في سفر أيوب هو كيفية استجابة أيوب لمعاناته. على الرغم من فقدان أولاده، وغناه، وصحته، كان رد فعل أيوب الأولي هو أنه سقط على الأرض ساجدًا، “وَقَالَ: «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا».” (أي 1: 21). وهذا الرد يعكس ثقة عميقة في سيادة الله حتى في وجه الخسارة الفادحة.

 

ومع أن أيوب كان يصارع الارتباك والحيرة والألم، كما رأينا في كل أجزاء السّفر، إلا أنه لم يتخلّ قط عن إيمانه بالله.

في (أيوب 13: 15) يعلن أيوب: هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ.

 

تُظهر هذه العبارة أن علاقة أيوب بالله لم تكن مبنيّة على ما يمكن أن يناله من الله، بل على إيمان عميق تخطّى وتجاوز ظروفه المادية.

 

إن مثابرة أيوب هي بمثابة تذكير قوي بأن الأمانة لله لا تتوقف على غياب الألم. وبدلاً من ذلك، يتم تنقية الإيمان الحقيقي وتقويته من خلال التجارب. وكما كتب الرسول بطرس لاحقاً، “”لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،” (1 بط 1: 7).

 

خامسا: استجابة الله لأيوب: تأكيد السيادة والرّحمة

 

في الاصحاحات الأخيرة من سفر أيوب، يتكلّم الله نفسه وسط ألم أيوب وإحباطاته. ولكن، بدلًا من تقديم تفسير مفصّل لمعاناة أيوب، يلفت الله انتباه أيوب إلى اتّساع وتعقيد خليقته. في الاصحاحات 38-41، يتحدى الله أيوب ليجيب عن اسئلته ويجعله يفكّر في عظمة الخالق وسيطرته السيادية على الكون، قائلاً: “أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ.” (أي 38: 4).

 

تُذَكِّر هذه الاصحاحات أيوب — والقارئ — بأن الفهم البشري محدود، وأن حكمة الله تفوق بكثير ما يمكننا فهمه.

 

ومع ذلك، فإن استجابة الله لم تكن باردة وغير مبالية، فهو بعد ان أكّد سيادته على الكون، ردّ لأيوب ثروته، ومنحه ضعف ما كان له من قبل. إن هذا الاجراء الذي قام به الرب ليس مجرد مكافأة لأمانة أيوب، بل هو أيضًا دليل هام على رأفة الله ورحمته.

 

“وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا.” (أي 42: 10).

 

ويؤكد يعقوب الرسول على رحمة الله ورأفته قائلاً: “هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ.” (يع 5: 11).

 

بالإضافة الى ذلك فانّ الاجراء الذي قام به الله تجاه ايوب يكشف ويؤكد لنا ايضا أنه لم يتخلّ عن أيوب في معاناته، بل بالأحرى، كان لديه هدف أعظم لم يتمكن أيوب من رؤيته بالكامل أثناء تجاربه.

 

لماذا سمح الله لأيوب بالمعاناة، وهل هو المسؤول عن معاناة أيوب؟ – ترجمة: Patricia Michael

 

سادسا: المعاناة الإنسانية في ضوء تجربة أيوب

 

يقدّم سفر أيوب رؤى عميقة حول طبيعة الألم ودور الله فيه. في حين أن معاناة أيوب كانت شديدة وغير قابلة للتفسير في ذلك الوقت، إلا أنها في النهاية خدمت غرضًا أسمى في الصراع الروحي الكبير بين الخير والشر.

 

تُذكرنا قصة أيوب أن المعاناة ليست دائمًا عقابًا مباشرًا من الله، ولا تعني أنه قد تخلى عن اولاده.

 

في اختباراتنا الحياتية قد نواجه تجارب تختبر إيماننا وتتحدى فهمنا لصلاح الله. ولكن، مثل أيوب، نحن مدعوون إلى الثقة في حكمة الله وسيادته، حتى عندما لا نفهم بشكل كامل أسباب معاناتنا.

 

تقدم رسالة رومية التعزية، وتذكّرنا بأن “الله في كل شيء يعمل للخير للذين يحبونه، الذين هم مدعوون حسب قصده”.

 

“وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ.” (رو 8: 28).

 

في حين قد يُفسّر الملحدون سفر أيوب على أنه قصة قاسية عن “مراهنة” الله مع الشيطان، فإن الفحص الدقيق للنص يكشف أن معاناة أيوب كانت جزءًا من قصد إلهي أكبر أكّد قوة الايمان خلال التجربة وايضا برّ الله.. وبدلا من أن يكون الله مراقبا من بعيد للألم البشري، فإنه يشارك بشكل فعّال في حياة اولاده، لتزويدهم بالقوة والتعزية في أوقات التجربة. وكما تذكر رسالة كورنثوس الثانية، “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ، الَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي نَتَعَزَّى نَحْنُ بِهَا مِنَ اللهِ.” (2 كو 1: 3-4).

 

سابعا: الإيمان وسط المعاناة

 

الدرس المستفاد من أيوب هو أن الإيمان بالله لا يعتمد على ظروفنا. أمانة أيوب خلال المعاناة تظهر لنا أن البرّ الحقيقي لا يعتمد على تلقّي البركات، بل متأصّل في الثقة العميقة بشخصية الله. وقد ردد الرسول بولس هذا المفهوم عندما كتب: “لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا.” (2 كو 4: 17).

 

ختاما، نحن مدعوون، كمؤمنين، إلى الحفاظ على إيماننا واستقامتنا، حتى في مواجهة التجارب، عالمين أن مقاصد الله أعظم بكثير ممّا يمكننا أن نتصوره في كثير من الأحيان.

تشجعنا قصة أيوب على الثقة في صلاح الله وسيادته على الخليقة، بغض النظر عن التحديات التي قد نواجهها في هذه الحياة.

 

ليكون للبركة

 

ترجمة: Patricia Michael

 

Why Did God Allow Job to Suffer, and Is He Responsible for Job’s Suffering?

لماذا سمح الله لأيوب بالمعاناة، وهل هو المسؤول عن معاناة أيوب؟ – ترجمة: Patricia Michael

تساؤلات الله في سفري أيوب والمزامير PDF – الأنبا ايساك الاسقف العام

تساؤلات الله في سفري أيوب والمزامير PDF – الأنبا ايساك الاسقف العام

03 تساؤلات الله في سفري أيوب والمزامير PDF – الأنبا ايساك الاسقف العام

تساؤلات الله في سفري أيوب والمزامير PDF – الأنبا ايساك الاسقف العام

تحميل الكتاب PDF

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين (6 أجزاء) – كميل خشيمة اليسوعي PDF

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين (6 أجزاء) – كميل خشيمة اليسوعي PDF

 

 

الجزء الأول

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين (6 أجزاء) – كميل خشيمة اليسوعي PDF

تحميل الجزء الأول [آبا – أيوب] PDF

الجزء الثاني

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين ج2 – كميل خشيمة اليسوعى PDF

تحميل الجزء الثاني[بابادوبولوس – جريديني] PDF

الجزء الثالث

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين ج3 – كميل خشيمة اليسوعى PDF

تحميل الجزء الثالث [حريديني – خليفة] PDF

الجزء الرابع

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين ج4 – كميل خشيمة اليسوعى PDF

تحميل الجزء الرابع [خليل – الريس] PDF

الجزء الخامس

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين ج5 – كميل خشيمة اليسوعى PDF

تحميل الجزء الخامس [الزاخر – شكري] PDF

الجزء السادس

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين ج6 – كميل خشيمة اليسوعى PDF

تحميل الجزء السادس [شكور – عبدالله] PDF

 

المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين (6 أجزاء) – كميل خشيمة اليسوعي PDF

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج3، من أيوب لنشيد الانشاد PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج3، من أيوب لنشيد الانشاد PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج3، من أيوب لنشيد الانشاد PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج3، من أيوب لنشيد الانشاد PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

تحميل الكتاب PDF

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج1، من التكوين خروج لاويين عدد تثنية يشوع PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج2 من قضاة الى استير PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج4، من اشعياء إلى ملاخي PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج6 من رومية إلى الرؤيا PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

إعادة النظر إلى الصورة الكبيرة – مشكلة الشر

إعادة النظر إلى الصورة الكبيرة – مشكلة الشر

إعادة النظر إلى الصورة الكبيرة – مشكلة الشر

إعادة النظر إلى الصورة الكبيرة – مشكلة الشر

 

رؤيا 5

«ورأيت على يمين الجالس على العرش سفراً مكتوباً من داخل ومن وراء مختوماً بسبعة ختوم. ورأيت ملاكاً قوياً ينادي بصوت عظيم من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه. فلم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه. فصرت أبكي كثيراً لأنه لم يوجد أحد مستحقاً أن يفتح السفر ويقرأه ولا أن ينظر إليه. فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك. هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض. فأتى وأخذ السفر من يمين الجالس على العرش. ولما أخذ السفر خرت الأربعة الحيوانات الأربعة والعشرون شيخاً أمام الخروف ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخوراً هي صلوات القديسين. وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة فسنملك على الأرض. ونظرت وسمعت صوت ملائكة كثيرين حول العرش والحيوانات والشيوخ وكان عددهم ربوات ربوات وألوف ألوف قائلين بصوت عظيم مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة. وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كل ما فيها سمعتها قائلة للجالس على العرش وللخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين. وكانت الحيوانات الأربعة تقول آمين. والشيوخ الأربعة والعشرون خروا وسجدوا للحي إلى أبد الآبدين.»

ربما تكون مثلي، مغرماً بروايات الجرائم المثيرة. فلا بد أن أعترف أنني أحب أن أجلس وأستغرق في مغامرات أجاثا كريستي من وقت لآخر. فهل لاحظت من قبل عدد القصص التي يرى فيها شخص شيء ما يبدأ الإثارة عن طريق المصادفة. ربما عن طريق ثقب الباب مثلاً؟ ربما يحدث أن أحد الخدم “بالمصادفة” كان ينحني ليربط حذاءه، فرأى شيئاً غريباً يحدث، والذي يتضح بعد ذلك أنه مهم. لكن تكمن المشكلة في النظر من خلال ثقوب الأبواب في أن مجال الرؤية يكون محدوداً وضيقاً (إنني لست معتاداً بالطبع على النظر من خلال ثقب الباب!). لكن قد يكون هناك شخصاً يقف بعيداً عن الأنظار، أو يكون هناك شيء يحدث لا تستطيع أن تراه، ولكنه يصنع اختلافاً كبيراً في عالم تفسيرك للأشياء. ويبدو لي أن المسيحيين في بعض الأحيان يشتركون فيما يطلق عليه “لاهوت ثقب الباب”، بمعنى أنه يأخذون جزء مما يعرفونه على الله أو عن الكتاب المقدس، ويفهمونه عن خطأ باعتباره هو الصورة الكلية. فمثلاً، في مرقص 11: 24 يقول يسوع: «لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم.» يفهم البعض هذه الآية كأنها “شيك على بياض” للصلاة، كما لو أنه يمكن للمرء أن يطلب أي شيء، وإذا كان لدى المرء إيمان كاف فإنه لا بد وأن ينال هذا الشيء، مهما كان. لذلك ليس من المستغرب أن يصاب البعض بالإحباط سريعاً، عندم لا ينالون استجابة لبعض من صلواتهم بالطريقة التي توقعوها على أساس هذه الآية. فما يحدث هنا هو أنه يتم آخذ آية واحدة منفردة باعتبارها ثقب الباب لفهم موضوع الصلاة بأكمله، دون الانتباه إلى المقاطع الكتابية الأخرى التي تؤكد على سيادة الله وسلطانه على كل الأمور، وحقيقة أن الله ملك ولذلك فإن لديه الحق والسلطان لعدم إجابة بعض من صلواتنا، أو تعديلها وإعطائنا شيئاً أفضل.

لكننا في رؤيا 5 لا يكون لدينا ثقب الباب هذا، بل مكان بأكمله مفتوح لنا، باب يكشف عمل الله السيادي الكامل في الخليقة كلها من خلال ابنه يسوع المسيح.

العرش الذي يقع في المركز

قبل أن نلقى نظرة على هذا المقطع المدهش بالتفصيل، قد يكون من المفيد أن نقول كلمات قليلة عن فهم سفر الرؤيا عامة. دعونا نواجه حقيقة أن هذا السفر كان أرضاً خصبة للطوائف المختلفة، إذ يقدم مادة وفيرة لتدعيم معتقدات كل منها الخاصة. يضل الناس بسهولة عندما يقرأون في هذا السفر، والسبب الأساسي في ذلك هو الفشل في إدراك نوع هذا السفر، فهو ليس لغز ديني عبارة عن كلمات متقاطعة، تم تصميمه لشغل عقول أولئك الذين لديهم وقت فراغ كبير. بل هو رسالة رعوية مكتوبة للمسيحيين الذين كانوا يتمزقون حرفياً بسبب إيمانهم. وباستخدام التشبيهات القوية التي يأتي معظمها من العهد القديم، يقصد بهذا السفر أن يكون مصدراً لتعزية المؤمنين الذين يجدون الحياة صعبة لدرجة لا يمكن احتمالها. كما أن أسلوب كتابته، الذي يطلق عليه الأسلوب النبوي، قد يبدو غريباً وغير معتاد بالنسبة لنا، لكن في الوقت الذي كان يوحنا يكتبه فيه (في حوالي التسعينات من القرن الميلادي الأول)، ومنذ حوالي قرن قبل ذلك، كان هذا الأسلوب مألوفاً بالنسبة للكثيرين. فالرموز، وخاصة استخدام الأرقام، كانت شائعة بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا التعامل مع هذا النوع الخاص من الأساليب الأدبية.

لكن الرسالة الوحيدة الجلية التي لا يمكن أن نخطئها من هذا السفر، والتي تتكرر المرة تلو الأخرى، هي أن “إلهنا يملك”. هذا هو ما يعنى به سفر الرؤيا في الأساس. فلا شيء يحدث بالمصادفة، سواء كان في المجال الواسع للتاريخ البشري، أو في المشهد الأضيق للحياة المسيحية الشخصية. بل أن الله من خلال ابنه يأتي بأهدافه الأبدية لأجل خيرنا النهائي ومجده الأسمى، على الرغم من أنه في بعض الأحيان لا يبدو الأمر كذلك. وحيث أن الأمر لا يبدو كذلك في بعض الأحيان، فإننا نؤخذ مع يوحنا خلف المسرح، في الكواليس، لكي نرى ما هو مخفي عنا في الوقت الحاضر.

فالخلفية التي يتم وصفها في الأصحاح الرابع، هي كالآتي: يرى يوحنا في رؤيته باباً مفتوحاً له إلى العالم الروحي غير المرئي، في السماويات. فيرى أمامه مباشرة عرش الله، وهو عرش يشع بالنور والمجد، ويحتل مكانة المركز لكل شيء. ويحيط بالعرش أربعة وعشرون شيخاً، يمكن أن نعتبر أنهم يمثلون شعب الله بأكمله، في كل من العهدين القديم والجديد – متمثل في أسباط إسرائيل الاثني عشر وفي الاثني عشر رسولاً. ثم نلمح بعد ذلك الحيوانات الموجودة في عدد 6؛ فهناك أربعة حيوانات ترمز إلى أربعة أطراف الأرض. وهكذا، كما أن الشيوخ الأربع والعشرين يمثلون سيادة الله وحكمه على شعبه، تمثل الحيوانات الأربعة سيادة الله على كل خليقته. فلا شيء يقع أبعد من نطاق سلطانه وغرضه، فكل شيء قد خلق به ولأجله:

«أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة لأنك أنت خلقت كل الأشياء وهي بإرادتك كائنة وخلقت.» (4: 11)

لكن هذا هو الله الذي ليس فقط في محور الكون، ولكنه يجلس متوجاً ببهاء في وسط شعبه عندما يلتقون معاً. ثم نجد مفاجأة، أو على الأقل يمكن أن تكون مفاجأة بالنسبة لمسيحية يهودية في الثامنة عشرة من عمرها، والتي سنطلق عليها جوديث، من كنيسة سميرنا الصغيرة، عندما تسمع عن هذا السفر. ففي عام 95 ميلادية، وبسبب إيمانها، كانت مطروحة في زنزانة في السجن. فأسرتها اليهودية لم يكن لديهم ما يفعلونه معها، فهم لا يفهمون لماذا تركت ديانتها اليهودية وكل ما تقدمه لها، لكي تعبد نجار مصلوب من الناصرة. وحيث كانت جالسة ووحيدة في الزنزانة الباردة، كان الإمبراطور الروماني دوميتيان الذي يبدو جالساً آمناً على عرشه، هو الذي يحدد المصائر. لكن لا، لأنه بحسب هذه الرؤية، هذه الفتاة المسيحية، تلمس أطراف عرش الله الإلهي. فالله يحبها، ولا يزال يراها ويلاحظها ويهتم بها، وهي تعرف أنه هو المتحكم في الأمور، هل تؤمن بذلك؟ يا له من إيمان رائع، وهو إيمان جاء بتعزية لا يمكن التعبير عنها لعدد لا حصر له من المسيحيين عبر الأجيال، إذ كانوا يواجهون أكثر المواقف المروعة والمرعبة.

المستقبل الآمن

لكنك قد تقول: «إن ما يهمنى هو المستقبل. فقد يكون الله هو الخالق والحافظ لكل شيء، لكن هل يمكننا أن نتأكد من أن الأحداث المستقبلية لن تخرج عن السيطرة؟ إني أخاف من أن أستمع إلى نشرة أخبار الغد، لئلا أرى الأمور تتجه إلى الأسوأ.» هل سبق أن شعرت هكذا؟ إن كان كذلك، فإن رؤيا 5 يحوي رسالة لك؛ لأنه يحوي مسألة حماية وضمان الله للمستقبل:

«ورأيت على يمين الجالس على العرش سفراً مكتوباً من داخل ومن وراء مختوماً بسبعة ختوم. ورأيت ملاكاً قوياً ينادي بصوت عظيم من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه. فلم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه، فصرت أنا ابكي كثيراً لأنه لم يوجد أحد مستحقاً أن يفتح السفر ويقرأه ولا أن ينظر إليه.» (الأعداد 1-4)

تشير يد الله دائماً إلى حكمه، وإلى أهدافه الصالحة التي يريد أن يحققها. أما السفر الذي في يده اليمنى فهو وثيقة قانونية مكتوبة على كلا وجهيها، ومختومة بسبعة أختام. وتفترض طبيعة تلك الوثيقة محتواها وهدفها، فهذه الوثيقة هي خطة الله، فهي حكم ومرسوم الله الملكي الخاص بالتاريخ البشري بأكمله. لكن هناك مشكلة، وهي أن الوثيقة مختومة بسبعة أختام (رقم الكمال)، وإذا لم يتم فتحها، ليس فقط لن يتم إعلان مشيئة الله، بل أيضاً لن يتم تنفيذها. بكلمات أخرى يمكن أن نقول إن فك الأختام هو أمر ضروري لأجل إعلان وتفعيل هذا المرسوم.

لذلك تخرج صرخة عظيمة في عدد 2، بصوت يتردد صداه عبر كل الكون، على أمل أن يكون هناك شخص ما يستطيع فك الأختام: «من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه؟»

حاول أن تشعر بذروة التوتر في تلك اللحظة، والتي يعقبها صمت ثقيل، حيث تنتظر المخلوقات السماوية، راجية، ومصلية، أن تكون هناك إجابة. لكن يتبع ذلك ذعر ويأس مطبق: «فلم يستطيع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه.» فبكى يوحنا كثيراً، لأنه لم يوجد أحد.

هل حدث وحلمت بكابوس، رأيت فيه شيئاً مريعاً يحدث لك، وأنت تحاول الصراخ، لكن صوتك لا يخرج، ثم تستيقظ فجأة لتجد نفسك تبكي؟ كان هذا ما شعر به يوحنا هنا. لكن لماذا؟ حسناً، دعنا نفكر في النتائج. إذا لم يتم فتح هذا السفر، فلن يتم تحقيق خطة الله، ولن يتم حكم العالم لمصلحة الله وشعبه. لن يكون هناك حكم ودينونة، ولا تصحيح للأخطاء، ولا نصرة نهائية للخير على الشر. كما أن رجال مثل هتلر وستالين، وكل الطغاة الذين ظهروا عبر التاريخ، وحتى إبليس نفسه، كل هؤلاء سوف ينجون بأفعالهم الشريرة. باختصار، إذا لم يستطع الله أن يحقق أهدافه للعالم. فلن يكون هناك رجاء بتحقيق العدل أياً كان. ألا يعد هذا بالتأكيد هو الموقف المأساوي لأولئك الذي يعيشون بدون الله، الذين يؤمنون أننا نعيش في كون ليس له معنى ولا مغزى حقيقي، بل كل شيء فيه مجرد مصادفة كونية عظيمة؟ فقد يحاولون الحصول على أفضل ما يمكن من خلال وظيفة سيئة، لكن في نهاية اليوم، لا يوجد اختلاف جوهري بين اللص والقديس، فكلاهما يموت، وأخيراً سينتهي العالم إلى لا شيء. هذه هي النتيجة المنطقية الوحيدة لعدم الإيمان: «لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت». يا له من أمر مأساوي لو لم يكن هناك إله!

 لكن، يحدث شيء بعد ذلك في عدد 5، وهو الإجابة على أزمة يوحنا، وفي الحقيقة على أزمة البشرية كلها. فقد وجد الشخص الذي يستطيع أن يفتح السفر ويفك ختومه ويحقق النصرة النهائية للخير على الشر: «فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك. هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة».

ومن هو هذا الشخص؟ إنه الرب يسوع المسيح.

الأسد الذي هو الخروف

هل تتخيل ذهول يوحنا الكامل، عندما ينظر فيرى أسداً، هذا الوحش الملكي الذي يرمز إلى القوة، فقط لكي يلمح خروفاً، ضعيفاً، وهو يعرج كما لو كان مذبوحاً: «ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح» (ع 6). ومع ذلك، فالاثنان هما واحد. لأن يسوع المسيح الذي هو جالس الآن في السماوات فوق كل قوة وسلطة ورياسة، يلبس الجلال والبهاء، يشغل هذا المكان بالتحديد لأنه هو الوحيد الذي تألم ومات على الصليب. وحتى وهو في السماء، لا يزال يحمل جروح وندبات موته، يديه المثقوبتين، وجنبه المطعون. فالأسد هو الخروف. فقد قدم يسوع حياته كالحمل المذبوح لكي يغسل كل نجاسات خطيتنا، ولكي يرد عنا غضب الله، بأن تحمله هو نفسه، وبذلك هزم الخطية والموت والشيطان. فهو الحاكم المطلق، كلي المعرفة، كما تشير إلى ذلك القرون السبعة (فالقرون تشير إلى الحكم)، والعيون السبعة (التي ترمز إلى العلم والمعرفة الكلية). لا يوجد أحد آخر مستحق أو قادر على كشف وتنفيذ إرادة الله الآب إلا يسوع المسيح وحده، لذلك نجد التسبيح يقدم له في عدد 9:

«مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة».

لقد عاش يسوع في طاعة تامة ومحبة كاملة للآب، حتى إلى مرحلة الموت صلباً دون أن يستحق ذلك، لكي يتمكن خطاة أشقياء مثلي ومثلك أن يذوقوا الحياة الأبدية. إن شخصاً مثل ذلك لا يستحق فقط أن يحكم كإله، ولكنه أيضاً قادر على ذلك. فيمكنك أن تثق في أن شخصاً مثله سيفعل الصواب. إنه أمر مذهل، كيف أنه عبر التاريخ كان الناس يبحثون عن قادة ونماذج، عن أشخاص لكي يتبعوهم – لكن الكتاب المقدس يقول لا تبحث أكثر من ذلك، فالقائد المطلق، يسوع المسيح، قد جاء.

الخطة التامة الكاملة

إن السؤال الذي يجب أن يرد على أذهاننا بقراءتنا لهذه الأعداد هو: «لماذا كان من الضروري لشخص ما أن يفتح السفر وينفذ خطط الله؟ لماذا لم يقم الله بذلك بنفسه، فهو الله على أية حال؟» تكمن الإجابة على ذلك السؤال في أن الكتاب المقدس يعلمنا عن قصد الله الأصلي لعالمه، ففي تكوين 1، 2، نرى أن خطة الله كانت أن يحكم عالمه ويعتني به من خلال الإنسان. لكن آدم، مع بقيتنا، قد أفسدنا هذا المخطط بتحولنا بعيداً عن الله، محاولين أن نعيش ونسلك كما لو كنا آلهة، محدثين فوضى عارمة في كل شيء حولنا! لكن الله كان مصراً على تحقيق قصده الأصلي، بأن يكون هناك شخص يملك على خليقته تحت سلطانه، ولكن كان عليه أولاً أن ينفذ تلك الخليقة ويخلصها، لكي يسلم الناس حياتهم إليه بحب، وكان هذا الشخص هو الإله الإنسان – يسوع المسيح.

وهذه هي الطريقة التي يعبر بها كاتب العبرانيين عن هذا الأمر، بقوله:

«فإنه لملائكة لم يخضع العالم العتيد الذي نتكلم عنه. لكن شهد واحد في موضع قائلاً ما هو الإنسان حتى تذكره وابن الإنسان حتى تفتقده. وضعته قليلاً عن الملائكة. بمجد وكرامة كللته وأقمته على أعمال يديك. أخضعت كل شيء تحت قدميه. لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئاً غير خاضع له. على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مخضعاً له. ولكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد.» (عبرانيين 2: 5-9)

إننا لا نرى كل شيء مخضع له بعد، لكن يسوع لا يزال على العرش، وبالإيمان نراه هناك، يوجه ويقود ويحرك كل الأحداث بحسب حكمته الفائقة إلى أن يأتي اليوم الذي سيعود فيه لكي يختم المسرحية كلها، ويصحح كل الأخطاء، ويأخذ أتباعه لكي يكونوا معه في “العالم الآتي” إلى الأبد، إذاً يوجد الآن مستقبل نتطلع إليه بشوق!

لاحظ الطريقة التي يطور بها الرسول بولس نفس الفكرة في رومية 8: 28: «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذي هم مدعوون حسب قصده.» هذا هو ما يرمي إليه رؤيا 5. إن الله يعمل كل شيء ويحقق كل شيء من خلال المسيح، لأجل خير أولئك الذين يحبونه (حيث أن “الخير” هو أن نشابه صورة يسوع، كما يواصل القول في عدد 29). كل الأشياء؟ حتى الآلام والصعوبات؟ هذا هو ما يقوله تماماً.

وإذ يتأمل في سيادة الله من خلال استخدامه للألم لأجل تقديس شعبه، يكتب جون نيوتن، مؤلف الترانيم العظيم، والذي كان فيما سبق تاجراً من تجار الرقيق، هذه الكلمات، فيقول:

طلبت من الله أن أنمو
لكي أعرف المزيد عن خلاصه،
فهو الذي علمني أن أصلي هكذا،
ولكن هذا حدث بطريقة كادت
كنت أتمنى لو أنه في ساعة طيبة
وبمحبته القديرة الآسرة؛
لكنه بدلاً من ذلك، جعلني أشعر
وترك قوى الجحيم الغاضبة
بل الأكثر، بدا كما أنه بيديه هو نفسه
إذ قام بإلغاء كل الخطط التي بنيتها
“لماذا يا رب؟”، صرخت بارتعاد،
فأجاب الرب، “إنه بهذه الطريقة
“فإني أستخدم التجارب الداخلية
وأحبط مخططاتك بالأفراح الأرضية

 

في الإيمان والمحبة، في كل نعمة،
وأطلب وجهه بكل جدية.
وهو الذي أثق أنه قد استجاب لصلاتي؛
أن تودي بي إلى اليأس.
قد استجاب طلبتي في الحال؛
تغلب على خطاياي، وأعطاني الراحة.
بالشرور المخفية في قلبي،
تهاجم نفسي من كل ناحية.
يقصد أن يزيد من محنتي،
وأبلى كل يقطينة، تركني حزيناً.
“لماذا تأمر ديدانك بإماتة يقطينتي؟”
أستجيب لصلاتك بطلب النعمة والإيمان.
من الذات والكبرياء، لأجل تحريرك،
لكي تجدها جميعها فيّ.”

عندما نؤمن بذلك (ولا يمكن إلا للمسيحي الحقيقي أن يؤمن بذلك)، يصبح عندها من الممكن أن ننظر إلى الحياة والعالم بعيون مختلفة. ورغم أن الألم لا يزال موجوداً (حيث سيظل موجوداً دائماً في هذا العالم الساقط)، ومهما شعرنا بالضعف والتقلب، من الممكن بنعمة الله أن نواجه الحياة بيقين كامل بأن الله سيفعل ما هو صواب، فنحن لا نعرف ما يحمله لنا المستقبل، لكننا نعرف الشخص الذي يحمل المستقبل – الخروف الجالس على العرش.

إعادة النظر إلى الصورة الكبيرة – مشكلة الشر

آلام القديسين – مشكلة الشر

آلام القديسين – مشكلة الشر

آلام القديسين – مشكلة الشر

آلام القديسين – مشكلة الشر

1بطرس 4: 12-19

«أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين. إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم لن روح المجد والله يحل عليكم. أما من جهتهم فيجدف عليه وأما من جهتكم فيمجد. فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أو فاعل شر أو متداخل في أمرو غيره. ولكن إن كان كمسيحي فلا يخجل بل يمجد الله من هذا القبيل. لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله. فإن كان أولاً منا فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله. وإن كان البار بالجهد يخلص فالفاجر والخاطئ أي يظهران. فإذاً الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير.»

واحد من أكثر المواقف المحزنة التي كان عليّ أن أتعامل معها عندما كنت قساً لكنيسة جامعة كيلي، هو موقف طالبة شابة، جاءت هذه الطالبة إلى الجامعة مليئة بالحياة والحماسة المسيحية، فقد قادت الكثيرين من أصدقائها إلى الإيمان الخلاصي بيسوع المسيح، وكانت قائدة لواحدة من مجموعات دراسة الكتاب المقدس، كما تم ترشيحها لتكون النائبة التالية لاتحاد الشباب المسيحي. لم يكن من الممكن أن تبدو الأمور واعدة ومبشرة بالخير أكثر من ذلك. لكن بعد ذلك، بدأ الناس تدريجياً يلحظون تغيراً، فلم تعد تهتم بالدراسة الكتابية، كما أن حضورها لاجتماعات اتحاد الشباب المسيحي والكنيسة أصبح غير منتظم، إلى أن توقفت في النهاية عن الحضور تماماً. بل أنها بدأت تقضي في حانة الشباب نفس قدر الوقت الذي اعتادت أن تقضيه في الاجتماعات المسيحية. كما بدأت أيضاً علاقة مع شخص غير مسيحي.

لذلك فقد طُلب إليّ أن أذهب لكي أتحدث معها. عندما التقيت بها أخيراً كانت محبطة للغاية وغير سعيدة. فسألتها بلطف بشأن التغيير الذي حل بها، ولماذا بدا عليها أنها قد ابتعدت عن الإيمان الذي كان في وقت ما ثميناً للغاية بالنسبة لها. فكانت إجابتها: «لقد تعرضت ببساطة للخداع. فقد كنت أعتقد أن المرء عندما يصبح مسيحياُ فإنه يكون سعيداً دائماً، لكني وجدت الأمور صعبة، وقد مررت بصراعات حقيقية، وأنت تعرف أن الله لا يجيب الصلاة دائماً. لذلك فقد فكرت: ما معنى كل هذا؟»

ربما نشعر ببعض التعاطف مع ما تقوله تلك الفتاة الشابة، خاصة في ضوء ما يقال في العظات التبشيرية هذه الأيام، حيث يعطى انطباع أن يسوع هو نوع من العلاج لكل الأمراض، ويقال الكثير عن بركات كون المرء مسيحياً، بينما لا يقال إلا القليل عن التكلفة والنفقة. إن النقطة التي أخطأت فيها تلك الشابة هي اعتقادها أن اهتمام الله الأعظم هو أن نكون سعداء – خالين من المتاعب ونشعر بمشاعر جيدة – بينما يوضح الكتاب المقدس تماماً أن إرادة الله هي أن نكون قديسين، بمعنى أن نصبح أكثر فأكثر شبه يسوع المسيح (1تسالونيكي 4: 3).

هل يمكنك أن تفكر في أحد أكثر صلاحاً وعطفاً من يسوع؟ هل هناك شخص أكثر رحمة ومحبة من يسوع؟ هل كان هناك شخص أكثر طاعة ورضى في علاقته بالله الآب أكثر من يسوع؟ لكي أيضاً، هل تعرض إنسان قط للاضطهاد أكثر من يسوع، أو تألم بأسوأ مما يمكن أن نتخيل، بالصلب والهزء، والجلد، والتعليق على خشبة والمسامير في يديه ورجليه؟ يخبرنا الكتاب المقدس أن يسوع «تعلم الطاعة مما تألم به» (عبرانيين 5: 8).

بكلمات أخرى، يستخدم الله الألم بصورة ما لكي يشكل شخصيتنا، بالتخلص من الأنانية وبناء الصفات المحببة مثل الصبر واللطف والتفهم. ومن خبرتي الشخصية، أجد أن أولئك المسيحيين الذين تألموا أكثر، يحبون أكثر، وتوجد بداخلهم سمات المسيح الرائعة، ولكن تلك السمات قد تم تحقيقها بتكلفة كبيرة.

يركز 1بطرس 4: 12-19 على الطريقة التي بها يستخدم الله شيئاً مثل الاضطهادات لجعل المؤمنين أشخاصاً أفضل. فكم من المرات التي صرخ فيها الناس: «لماذا يحدث هذا لي يا رب؟» وإحدى الإجابات على هذا السؤال، تقدمها لنا هذه الأعداد.

قاعدة إلهية

«أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا…» (ع 12). هذا يعني أن على المسيحي أن يتوقع حدوث مقاومة أو اضطهاد فقط على أساس أنه تابع للمسيح. ويسوع نفسه أخبرنا بذلك عندما قال: «إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم… ليس عبد أعظم من سيده. إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم.» (يوحنا 15: 18-20).

فالبشر، كما يخبرنا الكتاب المقدس كثيراً، ليسوا متعادلين في علاقتهم بالله، بل هم في حالة من التمرد والعصيان. فالرجال والنساء الذين يريدون أن يديروا حياتهم بأنفسهم بدون الله، ولا يستطيعون أن يحاربوا الله مباشرة، يكون أفضل شيء يمكنهم أن يفعلوه بعد ذلك هو أن يحاربوا أتباعه.

في حالة الناس الذي كان يوجه لهم بطرس رسالته، كان هذه المحاربات تعني الاضطهاد العنيف لهم. فقد كان نيرون يقوم بغمر المسيحيين بالقار وإشعار النار فيهم لإنارة حفلاته التي كان يعقدها في حديقته الإمبراطورية! كما كان يلقيهم إلى الكلاب المتوحشة ويحرقهم على شباك حديدية ساخنة. كما كانت هناك أشكال أخرى خبيثة من الاضطهاد تتمثل في حرمان المؤمنين من الحصول على وظائف، مما يعني بالتالي عدم تمكنهم من دفع فواتيرهم، ويؤدي بالتالي إلى مصادرة ممتلكاتهم، ثم سجنهم بسبب الديون. كانت هذه هي أنواع الاضطهاد والآلام التي يجتازها هؤلاء الناس.

لكنك قد تقول: «لكن بالتأكيد الأمر مختلف في مجتمعنا، فالمهم هو أن تعيش وتترك غيرك يعيش، فلن يتعرض المسيحيون لهذا النوع من الضغوط بسبب إيمانهم، أليس كذلك؟ «هل تعتقد ذلك فعلاً؟ قل ذلك للصبي اليهودي الذي أصبح مسيحياً، ودفنته أسرته لذلك. قل ذلك للممرضة التي حُرمت من ترقيتها الوظيفية لأنها رفضت إجراء عمليات إجهاض غير مشروعة.

هل تفترض أنه لن تكون هناك اضطهادات للشاب الذي يعمل في عالم التجارة، والذي يجد أن آفاقه المهنية تتضاءل لأنه لم يشترك في صفقات ومعاملات تجارية مشبوهة؟ بالنسبة لآخرين، قد يتمثل الأمر في أن يتخلى عنهم أصدقاؤهم القدامى، ويتهامسون عليهم من خلف ظهروهم: «ماذا حدث له؟ لقد أصبح غريب الأطوار مؤخراً، فهو لم يعد يشاركنا النكات القذرة في العمل، كما أنه أصبح مهووساً دينياً.» هذا جارح، أليس كذلك؟

لكن بطرس يريدنا أن ندرك أنه عندما يحدث هذا، فإننا بذلك نشارك في آلام المسيح. بكلمات أخرى، إن العلاقة بين المؤمن وبين المسيح المقام هي علاقة شديدة الحميمية، حتى أنه عندما يتم محاربة المؤمن، فإن المسيح نفسه هو الذي تتم محاربته.

تذكر كلمات يسوع لشاول في طريقه إلى دمشق، عندما كان ذاهباً للقبض على المسيحيين ووضعهم في السجن: «شاول شاول لماذا تضطهدني.» (أعمال 9: 4). كان شاول يضطهد المسيحيين، ولكنه إذ كان يمسهم كان يمس حدقة عين المسيح. وهذا هو السبب في أن محاربة المؤمنين هي أمر شديد الخطورة.

الغرض الإلهي

الأكثر من ذلك، أنه عندما يجتاز المسيحيون في آلام، خاصة عندما تكون في شكل اضطهادات، يكون هناك غرض إلهي وراءها: «التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم» (ع 12)؛ «لأنه الوقت لابتداء القضاء (أي عملية الغربلة) من بيت الله.» (ع 17). وتكمن الفكرة هنا في حرق الشوائب من المعادن الثمينة، أو غربلة حياتنا من كل ما يلوثها. باختصار، يهدف كل ذلك إلى تنقيتنا.

فإذا كنت مؤمناً بيسوع المسيح، فإن الله يحبك لدرجة أنه يصمم على تغييرك لكي تكن الشخصية الرائعة الجميلة أخلاقياً، التي في يوم ما في السماء، حتى الملائكة سوف يتعجبون بالنظر إليها. فهو يصمم على صنفرة الحواف الحادة في حياتنا، حتى أنه يكون مستعداً لاستخدام الصعوبات والمقاومات كأدوات بين يديه الماهرتين للقيام بذلك.

يصف سي إس لويس تلك الطريقة التي يعمل بها الله بقوله:

«عندما كنت طفلاً، كنت أعاني كثيراً من آلام الأسنان، وكنت أعرف إنني إذا ذهبت إلى والدتي فإنها ستعطيني مسكناً لتهدئة الألم طوال فترة الليل. ولكني لم أكن أذهب إليها إلا عندما يصبح الألم شديداً ويصعب احتماله. وكان السبب في عدم ذهابي مبكراً هو الآتي. لم أكن أشك في أنها ستعطيني الأسبرين، ولكني كنت أعرف أنها ستفعل شيئاً آخر. فهي ستأخذني إلى طبيب الأسنان في الصباح التالي. فلم أكن أستطيع الحصول على شيء أرغبه منها، دون أن أحصل كذلك على شيء آخر لم أكن أريده. وأنا أعرف أطباء الأسنان؛ كنت أعرف أنهم يبدأون في فحص الأسنان الأخرى التي لم تبدأ في الوجع بعد، فهم لا يتركون الأمور على حالها، فإذا أعطيتهم الفرصة لشيء صغير فإنهم يستغلونها للقيام بعمل أكير في بقية الأسنان. وربنا مثل طبيب الأسنان. فإذا سمحت له بمكان ما فإنه سيطلب المزيد من العمل. عشرات من الأشخاص يذهبون إليه لكي يشفيهم من خطية معينة تضايقهم. فيقوم بعمله في تلك الخطية، ولكنه لا يتوقف عند هذه النقطة. ربما كان ذلك هو كل ما طلبت، ولكنك إذا طلبت الرب مرة للدخول إلى حياتك، فإنه سيعطيك علاجاً كاملاً، هذا هو السبب الذي لأجله حذر الناس “بحساب النفقة”، قبل أن يصبحوا مؤمنين. فهو يقول لك: لا يخطئن أحد، فإنك إذا دعوتني إلى حياتك، فسأجعلك كاملاً.»[1]

فعندما نجد أنفسنا في مواقف صعبة – ربما بسقوط أحد أفراد أسرتنا تحت وطأة مرض ما فجأة، أو المعاناة الشديدة في العمل، أو التعرض للاضطهاد بسبب كوننا مسيحيين – كيف يمكن لله أن يستخدم هذه الأمور لجعلنا أشخاصاً أكثر تقوى؟ يخبرنا عدد 19: «فإذاً الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمير في عمل الخير.» وقد وجدت شخصياً أن أكثر الأوقات الثمينة وذات المغزى والحميمية مع الله، قد استمتعت بها خلال تلك الأوقات التي كنت أجتاز بها بأشد الصعوبات والآلام.

نعم، لقد استمتعت بها خلال تلك الأوقات التي كنت أجتاز بها بأشد الصعوبات والآلام. نعم، لقد استمتعت بالله في الأوقات الطيبة، ولكني عندما كنت أتعرض للمحاربات من كل الجهات، وعندما كانت تحدث أمور تجعلني أدرك أنه ليس لدي موارد داخلية في نفسي، عندها كنت أقترب للمسيح أكثر في الصلاة، بطريقة مختلفة تماماً. فكنت أشعر أنني مضطر أن أستودع نفسي للخالق، لأنه هو وحده الذي يستطيع أن يحفظها.

وأيضاً عندما تنتزع منا أمور معينة، يجب علينا أن نمارس الإيمان. ففي تلك الحالة تنكشف ما هي حالتنا الروحية الحقيقية، وكما يقول بطرس، يكون علينا أن نفعل الصلاح، فهذه هي الاستجابة المسيحية السليمة، عندما نجتاز في أمور صعبة.

هناك مثل مؤثر على ذلك قدمه القس جون آرثر من كاليفورنيا، في مؤتمر حضرته منذ بضع سنوات. فقد أخبرنا عن أسرة من أصدقائه، عن خادم وأسرته، كانوا يعملون في كنيسة صغيرة مجاهدة في يوتا لكي يربحوا المرمون للمسيح.

وفي أحدا الأيام اتصلت تلك الأسرة هاتفياً بماك آرثر وقالوا إنه يرغبون في الذهاب لزيارة كنيسته، وإدراج ابنتيهما المراهقتين اللطيفتين في كلية لدراسة الكتاب المقدس. وكانوا سيحضرون معهم اثنين من الطلاب الإيطاليين كانوا يرغبون في تعريفهما بالمسيح. وهكذا انطلق الأب والأم والابن والفتاتان الشابتان والطالبان الإيطاليان في سيارتهم الاستيشن واجن، ووصلوا يوم السبت. كانوا يشعرون بالإثارة لحضور اجتماع الأحد، لأنهم كانوا يرغبون في رؤية الاجتماع الكبير – الذي كان يتمثل في بضعة آلاف، مع فريق ترنيم ضخم. فوصلوا إلى هناك وقضوا وقتاً رائعاً في البركة والشركة المسيحية، وكانوا يشعرون بفرح غامر.

لكن في طريق العودة إلى المنزل، لسبب ما لا يمكن معرفته، اندفع الأب بسرعة عند نقطة تقاطع الإشارة الحمراء، في نفس الوقت الذي كان فيه شاحنة ضخمة تندفع أسفل التل. فما كان إلا أن صدمت الشاحنة سيارتهم وهي منطلقة بأقصى سرعتها أسفل الطريق، فاندفعت الفتاتان من النافذة الخلفية للسيادة واصطدمتا بالحاجز الحجرة فماتتا في الحال. وتم أخذ الابن والطالبان الإيطاليان إلى العناية المركزة وهم يعانون من جروح داخلية خطرة. انشطرت السيارة إلى نصفين تقريباً، ثم انفجرت ككرة من النار، لكن الوالدان نجيا بأعجوبة، فما بدأ كيوم من الفرح الغامر، انتهى إلى محرقة رهيبة.

بمجرد أن وصل ماك آرثر إلى المستشفى، ذهب ليرى الأب، وسأله: «بم تفكر يا جون؟». أجاب جون والدموع تملأ عينيه: «أحاول أن أقنع نفسي أن هذا ربما كان حلماً، وأني سأستيقظ منه سريعاً، لكن أعلم أن هذا ليس صحيحا.» ثم قال بعد ذلك: «أما ما فكرت فيه بعد ذلك، فهو: أليس الله صالحاً؟ فقد أبقى على حياة هذين الشابين الإيطاليين غير المؤمنين، وأخذ ابنتي المسيحيتين.» كان هذا الأب يعرف أن ابنتيه في محضر الله الآن، فقد كان يتعامل مع الكتاب المقدس بجدية – وكان إيمانه حقيقياً. لكنه قال بعد ذلك: «لقد أردت لابنتيّ أن تستمتعا باجتماع كنسي كبير، لكني لم أتوقع أن يكون بمثل هذه الضخامة. وأردت لهما أن تستمعا بالترنيم مع فريق ضخم للتسبيح، ولكن لم أتوقع أنه سيكون مع الملائكة.»

أترى ما فعله هذا الرجل؟ كان يفعل ما هو صواب، فكان يستودع نفسه ونفسي ابنتيه إلى إله أمين. وهذا إيمان قوي، تم اختباره وتنقيته، فخرج نقياً مائة بالمائة من بوتقة الألم. وإني أتحدى أي إنسان يفسر ذلك، إلا بأن الله كان يعمل في حياة هذا الرجل من خلال كلمة الله.

لكن قد يسأل المرء: «هل تقول إن الألم، بل وحتى الاضطهاد، هو مشيئة الله؟» أنا لا أقول ذلك، بل لنحاول أن نفهم ما يقوله بطرس. فهذه الأمور تقع داخل مجال سماح الله. وإذا توقفت وفكرت في هذا للحظات، فأين ستجد راحة أفضل من ذلك، من أنه لا يوجد شيء خارج نطاق سلطانه؟ أليس من المعزي أن نعرف، أنه بسبب سيادة وسلطان أبينا السماوي المحب على كل الأمور، هناك حدود للألم، سواء في شدته أو في مدته، وهي حدود وضعها خالقنا ومخلصنا؟ ألا توجد تعزية في معرفتنا أننا ونحن في يديه، تكون الآلام لأجل خيرنا، وتنقيتنا، وجذبنا أكثر إليه، لكي يمسح بعطفه الدموع من أعيننا؟ لكن فوق كل هذا، ألا توجد تعزية في معرفتنا أننا لسنا بمفردنا عندما نتألم، بل أننا يمكن أن نعتمد على إله أمين؟ بالتأكيد توجد تعزية في ذلك، وإذا فقدنا تلك النظرة، فلن نتمكن من التكيف مع الصعوبات بطريقة مسيحية ولو للحظة واحدة.

يمثل هذا الأمر معنى عميقاً لنا في الطريقة التي نرى بها أبناءنا. ففي بعض الأحيان نكون شديدي الحماية بشكل مبالغ فيه، ونرغب في حمايتهم من الصعوبات بسرعة شديدة. لكني أسأل الوالدين المسيحيين، ألا تريدان النظر إلى أبنائكما وترغبان في أن يلاقوا ما يكفي من الصعوبات التي تجعلهم أقوياء، وما يكفي من الإهانات التي تجعلهم يختارون، وما يكفي من الاختيارات الصعبة التي تجعلهم يرون أن اتباع يسوع يتضمن تكلفة وحساب النفقة، وأن تلك التكلفة أمر يستحق للغاية، ولكنها مع ذلك لا تزال مكلفة؟

البركات الإلهية

إن الألم هو الطريق الأكيد لنوال بركات الله:

«بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين. إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكن لأن روح المجد والله يحل عليكم.» (العددان 13-14).

أليس هذا أمراً رائعاً؟ كان المسيحيون الأوائل يعتبرونه وسام شرف على صدورهم أن يتعرضوا لظروف صعبة بسبب اتباعهم للمسيح. لم يكن هذا مثار ضيق أو حرج، بل مبعث فرح، أنهم حُسبوا مستأهلين أن يتبعوا خطوات المسيح.

لاحظ كيف يعمل بطرس مراراً وتكراراً على جذب انتباهنا إلى المستقبل المجيد الذي ينتظرنا: «وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع بعد ما تألمتم يسيراً هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم.» (1بطرس 5: 10)، فلو كانت هذه الحياة هي كل شيء، لكان المسيحيون بالطبع يحسبون مخبولين إن هم احتملوا وتقبلوا الألم. وكان بالطبع أناس، مثل هذه الطالبة الشابة، سيصابون سريعاً بالإحباط، وسيشعرون أنهم قد تعرضوا للوهم والخداع. لكن هذه الحياة ليس هي كل شيء، كما أنها ليست هي أهم شيء. بل أهم شيء هو الحياة الآتية، «ثقل المجد الأبدي» الذي سيختبره المؤمنون، والذي يجعل هذه الحياة تبدو وكأنها ليست أكثر من مجرد حلم. هذا هو ما ينتظرنا، وهذا هو السبب الذي يجب لأجله أن نثبت أنظارنا على المستقبل، وألا نرى أي شيء بمنظور تلك الحياة هنا والآن.

لكننا إذن نقول ذلك، نقول إننا يمكن أن نعرف شيئاً عن ذلك الفرح الآن، حتى وسط الآلام. اقرأ القصة المؤثرة لريتشارد ورمبراند “Tortured for Christ”[2]. كان ورمبراند قسيساً رومانياً، قضى سنوات كثيرة في السجون الشيوعية بسبب إيمانه. تم أخذ زوجته بعيداً في معسكر عمل، وأجبرا على ترك ابنهما ذو التسعة أعوام تائهاً في الشوارع. وفي كتابه تقرأ عن كل من فساد الأشرار الذي يغرق فيه البشر في معاملتهم لإخوتهم في البشرية، وأيضاً عن تفوق وسيادة الله، إذ تكتشف أن الرجال المسيحيين الذين تعرضوا للضرب المبرح، استمروا في الصلاة والكرازة لخاطفيهم. وستذهل لوجود ريتشارد ورمبراند في زنزانته الباردة، وهو يرقص حرفياً من الفرح، لأن لديه هذا الشعور المجيد بحضور المسيح وبطعم السماء، وهو في جحيمه على هذه الأرض. هذا هو روح المجد الذي يعمل في حياة كل الذين يرغبون في اتباع المسيح. والسؤال الآن هو، هل ترغب أنت في اتباعه؟

[1] سي. إس لويس Mere Christianity (Fount، 1978(

[2] آر وورمبراند Tortured For Christ (Hodder & Stoughton، 1967).

آلام القديسين – مشكلة الشر

مشكلة الشر ماذا يقول يسوع؟

مشكلة الشر ماذا يقول يسوع؟

مشكلة الشر ماذا يقول يسوع؟

ماذا يقول يسوع؟ مشكلة الشر

لوقا 13: 1-5

«وكان حاضراً في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم. فأجاب يسوع وقال لهم أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من كل الجليليين لأنهم كابدوا مثل هذا. كلا أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون. أو أولئك الثمانية عشر الذي سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم. كلا أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون

كنت في الثامنة من عمري، في بيتي في ويلز مع والديّ وإخوتي، عندما سمعت نداء عاجل لطلب المعونة تم بثه على الراديو. ففي نفس ذلك الصباح، انهار جبل من غبار ورواسب الفحم، فطمر مدرسة ابتدائية في بلدة أبيرفان الصغيرة، فتم حث رجال ويلز الأقوياء على شق طريقهم إلى هذه القرية. فأمسك أبي وإخوتي بالمجارف وذهبوا إلى هناك، واشتركت أنا أيضاً معهم في ذلك.

توهجت المنطقة بالأضواء الكاشفة، تلك المنطقة التي كانت منذ ساعات قليلة تردد صدى لعب الأطفال. كان عمال المناجم الأقوياء يبكون بصوت واضح وهم ينقبون في الأنقاض طوال الليل. وكان صمت ثقيل يهبط على الجميع، بعد أن تخرج صرخة تعلن العثور على جثة أحد الأطفال. وأخيراً تم إخراج كل جثث الأطفال البالغة 116 طفل، و28 من جثث البالغين. ولا تزال ذكرى تلك المأساة الرهيبة تعيش في أذهان الأحباء والأصدقاء[1].

إن تلك المأساة وغيرها الكثير قبلها وبعدها، تنتزع من القلوب الحساسة أسئلة مثل: «لماذا؟ أين الله من كل هذا؟ ماذا يمكن أن يقول أو يفعل؟»

في إحدى المرات واجه يسوع أسئلة مشابهة تتعلق بمأساتين حدثتا في زمانه. وقد تفيدنا الطريقة التي أجاب بها في تقييم منظور خاص بمشكلة الألم، والذي يمكن أن نتجاهله بسهولة شديدة. ليس هذا هو كامل المنظور مسيحياً تماماً، ولكنه مع ذلك منظور مهم. ونجد الرواية الخاصة بهاتين المأساتين في لوقا: 1: 1-5.

الحدث

هناك حدثان مأساويان قدما فرصة لرد يسوع بخصوص الآلام البشرية.

الحدث الأول هو من صنع بشري، فهو مذبحة. يتحدث سياق الأصحاح السابق عن يسوع وهو يدعو الناس إلى فهم علامات الأزمنة بشكل سليم. ثم نقرأ في أصحاح 13: «وكان حاضراً في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم» (ع 1). لسبب ما، قام بيلاطس بعمل مذبحة هائلة لبعض اليهود الجليليين، ربما أثناء استعدادهم لاحتفالات الفصح. فبينما كان هؤلاء الناس يقومون بإعداد خروف الفصح، ويستعدون للإتيان أمام الله في احتفال ديني عظيم، قام الجنود الرومانيون، بأوامر من بيلاطس، بقتل أعداد من اليهود في الجليل. كان هذا الفعل الوحشي الإجرامي ليصدم أي إنسان، فهو يشبه ما نطلق عليه التطهير العرقي، الذي يحدث مؤخراً في البوسنة – هذه هي الصورة التي يمكن أن تعلق بأذهاننا. كانت مذبحة مروعة. يمكن للبعض أن يفكروا أنه حيث أن هؤلاء الذين قتلوا كانوا أناساً مكرسين لله ومتدينين، كان يجب على الله أن يوفر لهم نوعاً من الحماية الخاصة. وحيث أنه لم يوفرها لهم، فلا بد أنهم كانوا أشراراً بشكل خاص، وكانت هذه دينونة الله عليهم.

أما الحدث الثاني، فقد كان مأساة طبيعية نوعاً ما: متمثلة في انهيار برج، وقتك ثمانية عشر شخصاً. ربما كان الضحايا من البالغين، لكن هناك احتمال لوجود أطفال بينهم أيضاً، مما يضاعف المأساة أكثر في أذهان سامعي يسوع. كانت هذه المأساة مروعة بالنسبة لليهود، كما كانت مأساة استاد هيلزبورو لكرة القدم مروعة بالنسبة لسكان شيفيلد وليفربول، أو كما كان انهيار جبل الفحم مأساوياً بالنسبة لأهل أبيرفان كما كان طوفان تسانومي رهيباً على بلدان جنوب شرق آسيا. إننا نتحدث الآن عن أحداث حقيقية وقعت لأناس حقيقيين – فهي معاناة بشرية حقيقية. لذلك، فقد أراد الناس أن يعرفوا كيف يفكر يسوع في هذه المواقف المأساوية.

رد فعل يسوع

لكن يسوع عندما تحدث، كان قاطعاُ في كلامه. إننا في كبريائنا نشير إلى المعاناة والآلام البشرية ونسأل: «ماذا سيفعل الله بشأنها؟» لكن يسوع يشير إلى الآلام البشرية ويقول: «ماذا ستفعل أنت بشأنها؟» إننا ننظر إلى كارثة فنقول: «كيف يمكن أن يكون الله صالحاً؟»، لكن يسوع ينظر إلى المأساة ويوجه كلامه إلينا، لي ولك ويقول: «كيف يمكن أن تكون شديد السوء؟» يكمن خلف كلمات يسوع توبيخ يشكك في افتراضنا بأننا نستحق النجاح والسلام والبركة (التي لدينا بقدر كبير)، ولكنها عندما تكون لدينا، نتجاهل الله، إلى أن تصدمنا مأساة فجأة فنقوم بإلقاء اللوم عليه. لكن هذه طريقة تفكير خاطئة، يقول يسوع، لأن ما نفشل في وضعه في الاعتبار هو أن الكارثة هي بالضبط ما نستحقه، وأنه عندما تقع مأساة يجب ألا تجعلنا نهز قبضتنا في وجه الله، بل أن نتوب ونرجع إلى الله. إن عنوان هذا الكتاب هو: «لماذا يتألم الأتقياء؟» وربما نظن أن هذا سؤال جيد. لكن بحسب الكتاب المقدس، يكون السؤال الحقيقي في ضوء الطريقة المريعة التي نتعامل بها مع خالقنا وخليقته، كما التي نتعامل بها مع الآخرين، هو: «لماذا تحدث أمور جيدة للأشرار؟» فهذا هو اللغز الحقيقي.

هناك ثلاث أمور تختص برد فعل يسوع، والتي قد نجدها مثيرة للصدمة قليلاً. الأمر الأول هو أن يسوع لم يفترض أن أولئك الذين قتلهم بيلاطس، أو أولئك الذين قتلهم انهيار البرج، لم يكونوا يستحقون قدرهم. فحقيقة أنه توجه إلى الجموع وحثهم على حقيقة أنهم إذا لم يتوبوا سيهلكون هم أيضاً، توضح أن يسوع كان يفترض ببساطة أن كل أنواع الموت هي ببساطة، بشكل أو بآخر، نتيجة للخطية، ولذلك فهي مستحقة (العددان 3، 5). يتفق هذا الأمر مع التعليم الكتابي بأكمله: «وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت». يقول الله (تكوين 2: 17)؛ «لأن أجرة الخطية هي موت»، يقول بولس (رومية 6: 23). لذلك فإن الموت والمآسي التي تحيط به كثيراً، هو حكم الله العادل على عصياننا – نحن أخطأنا، لذلك فنحن نموت.

لكننا إذا رأينا دينونة الله تعمل بصورة ما في الآلام البشرية، يجب ألا نقفز إلى استنتاجات خاطئة. فنجد يسوع يؤكد هنا على أن موت هؤلاء، بمثل هذه الوسائل، ليس دليلاً على أن الذين يتألمون بمثل هذه الطريقة هم أكثر شراً من أولئك الذين ينجون من هذا المصير، بل الافتراض هو أننا جميعاً نستحق أن نموت، وأنه إذا كانت مثل هذه الأمور قد حدثت لنا، فلن تكون أكثر مما نستحق: «أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من كل الجليليين لأنهم كابدوا مثل هذا» (ع 3)، لاحظ أنهم “خطاة” بحسب كلام يسوع: «أو أولئك الثمانية عشر الذي سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم» (ع 4).ولكلا السؤالين، يقدم يسوع الإجابة: «كلا أقول لكم.» لكن هذا لا يعني أن الآخرين يستحقون أقل من هذا، لأن يسوع يقول في عدد 3: «بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون». هذا يعني أنه لا يوجد مكان للتعالي الأخلاقي والاعتداد بالنفس، الذي نميل إلى إظهاره عندما يحدث أمر مريع لأشخاص معينين – خاصة إذا كان لدينا سبب لبغض هؤلاء الأشخاص. وهناك تصريح يرضى الذات يقول: «ماذا تتوقع غير ذلك لأناس مثل هؤلاء؟». إننا لا نقوم بإعلان ذلك بالطبع في بعض الأحيان، لكننا نفكر هكذا. لكن يسوع يقول: «هل تعتقد أنهم يستحقون مثل هذه المعاملة؟ لكن هذا لا يعد شيئاً بالنسبة لما تستحقه أنت.» لذلك علينا أن نظهر نوعاً من الاتضاع السليم.

لكن، ثالثاً، لا بد أن نتعامل بجدية مع الطريقة التي رأى بها يسوع الحروب والكوارث الطبيعية. ليس كفرصة للنقاش الفلسفي المجرد حول صلاح الله وسيادته، بل كفرصة لدعوة الرجال والنساء إلى التوبة. فقد ذكر يسوع هذا الأمر مرتين، أنه إن لم تتوبوا – أي ترجعوا عن طرقكم الخاصة إلى الله واتباع يسوع – فجميعكم كذلك تهلكون. وهذا أمر أكيد يقيني مثل يقينية مجيء النهار بعد الليل.

وقد أوضح يسوع هذه الحقيقة الرهيبة بمثل:

«كانت لواحد شجرة تين مغروسة في كرمه. فأتى يطلب فيها ثمراً ولم يجد. فقال للكرام هوذا ثلاث سنين آتي أطلب ثمراً في هذه التينة ولم أجد. أقطعها. لماذا تبطل الأرض أيضاً. فأجاب وقال له يا سيد اتركها هذه السنة أيضاً حتى أنقب حولها وأضع زبلاً. فإن صنعت ثمراً وإلا ففيما بعد تقطعها.» (لوقا 13: 6-9)

هل ترى ما يبحث عنه الله في البشر، وماذا سيفعل إذا لم يجده؟ إنه يبحث عن ثمر، أي علامات على توبتنا وحياتنا كأناس نعكس محبته. أساساً، كان يسوع يتحدث عن إسرائيل. فقد كانوا يرون يسوع وهو يعلم ويخدم بينهم على مدى ثلاث سنوات. لكن كان الوقت قد قارب على الانتهاء، وإذا لم تكن هناك استجابة له، ستكون هناك دينونة. وقد حدث هذا فعلياً. لأنه خلال أربعين عاماً كانت أورشليم قد خربت، وقد أوضح يسوع تماماً أن هذه هي دينونة الله التي يتم تنفيذها (مرقص 13: 2، 28-30). إن الله صالح في مثل صلاح كلمته؛ لذلك فإذا قال شيئاً ما لابد وأن ينفذه.

نرى هنا إشارة تقليدية لمعنى أن يكون المرء “نبوياً”. كيف يمكن للمسيحي أن يكون نبوياً اليوم؟ إنه يكون نبوياً عندما يربط كلام الله ببعضه البعض وبالأحداث. فيكون عليه أن ينظر إلى المواقف المختلفة من خلال عدسات الكتاب المقدس، ويسأل: «ما الذي يقوله الله من خلال ذلك، وما الذي يطلب منا الله أن نفعله؟» وفي حالات الحرب والكوارث من هذا النوع، تكون الإجابة دائماً هي نفسها: توبوا، وتوقفوا عن التفكير في أن الله مدين لنا بفضل ما، وتوقفوا عن استغلال لطفه وإحساناته تجاهنا، لتدركوا قدر الفوضى التي فعلتموها، من عيشكم كأمة أو ككنيسة أو كأفراد، بعيدين عن الله دون الرجوع إلى الله وإلى قيمه. لذلك تعقلوا وارجعوا قبل فوات الأوان. بمعنى آخر، يجب أن تكون الآلام فرصة لنوع من الفحص الجدي للنفس، وسؤالها عن الدروس التي يجب أن أتعلمها أنا شخصاً من ذلك.

جاءت الحرب العالمية الثانية كصدمة للكثيرين داخل الكنائس. كان الكثيرون من قادة الكنائس يتبنون اتجاهاً إنسانياً متفائلاً، مؤمنين حقاً أن الجنس البشري قد تعلم دروسه من الحرب العالمية الأولى. وأن الأمور ستصبح أفضل أكثر فأكثر كل يوم. وكانوا يعتقدون بإخلاص أن كل ما يجب أن تفعله مع شخص مثل هتلر هو أن تتحدث معه حديثاً لطيفاً، وتجادله بالمنطق. يبدو من الواضح أنهم تركوا كتبهم المقدسة خلفهم (فما بالك بالحس الفطري)! لذلك حدث ارتباك كامل بالنسبة للبعض عندما اندلعت الحرب، وبدأوا يتساءلون: كيف يمكنك أن تفسر ذلك؟ كيف يسمح إله صالح بحدوث هذا؟

لكن هناك رجل أخبر الناس دون خجل بما كان يحدث، وكان هذا الرجل هو د. مارتن ليود جونز، والذي يبدو أنه تعامل مع لوقا 13 بجدية. وهذا هو ما نادى به في إحدى عظاته عام 1939، عند اندلاع الحرب العالمية الثانية:

«يسمح الله بحدوث أمور مثل الحروب لكي يؤدبنا ويعاقبنا؛ ولكي يعلمنا، ولكي يجعلنا نتوب عن خطايانا، وفوق كل شيء، لكي يدعونا للتوبة وقبول عرض نعمته السخي. لذلك فإن السؤال الحيوي بالنسبة لنا، ليس أن نقول: “لماذا يسمح الله بالحرب؟” بل أن نتأكد من أننا نتعلم الدرس ونتوب أمام الله عن خطايا قلوبنا الشخصية وخطايا الجنس البشري بأكمله، التي قادت إلى مثل هذه النتائج[2]

هذا هو صوت النبي.

أليست هذه علامة على دينونة الله علينا كأمة، إننا نادراً ما نسمع مثل هذه الأصوات اليوم بين قادة كنائسنا المحلية؟ هل نطلب الكثير من القادة المسيحيين الوطنيين مثلاً، الذين لديهم تواجد في الإعلام، عندما نطلب منهم أن يذكروا ببساطة حقائق أساسية في الإنجيل؟ أن هناك إله، وأننا سوف نقدم له حساباً عن أنفسنا؟ وأنه هو الشخص الوحيد الذي يمكن أن يجعلنا في علاقة صحيحة وسليمة معه، وأنه قد فعل ذلك من خلال موت ابنه، مع ما يترتب على ذلك من دعوته لنا بأن نرجع إليه ونضع ثقتنا وإيماننا فيه؟ يجب أن أقول أنني لم أسمع هذا يقال بوضوح من قبل. لكننا مع ذلك لدينا سياق اجتماعي في هذا البلد، يقدم حرفياً فرصة إلهية لعرض مثل هذه الدعوة؛ يتمثل ذلك في الوثنية الاقتصادية، وارتفاع معدلات الجريمة، والتحلل والتفكك الاجتماعي. على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت لدينا أحداث هزت مجتمعنا من أساساته، مثل الخيانة الزوجية العلنية من جانب الأسرة المالكة، وقتل الأطفال في ليفربول. وذبح أطفال في دنبلين، وطعن رجال الدين، وغيرها. ماذا يمكن أن يفعل الله أكثر من ذلك للفت انتباهنا، ولجعلنا ندرك أن الأمور ليس على ما يرام؟ فهناك علاقة قوية شديدة الوضوح بين هذه الأمور وبين حق الإنجيل.

لكن دعونا لا نسيء فهم ذلك. إنني لا أفترض أننا يجب أن نكون قساة أو غير مبالين بآلام البشرية، فالأمر أبعد ما يكون عن ذلك. فإنني أشك كثيراً في أن يسوع قال هذه الكلمات دون أن تملأ الدموع عينيه، ويظهر الحزن والأسى في نبرة صوته. لكن ترك الأمر فقط عند مرحلة التعاطف، دون إرشاد الناس إلى المسيح، هو أقسى شيء يمكن أن نفعله – لأننا بذلك نسلب الناس الرجاء الوحيد الذي لديهم. هل تستطيع أن تفكر في أي أمر أكثر بشاعة من هروب المرء من مأساة في هذه الحياة. فقط لكي يعاني من مأساة أعظم بالذهاب إلى أبدية بلا مسيح في الحياة الآتية؟ يقدم الله للناس من خلال الآلام البشرية فرصة تلو الأخرى لكي يعودوا إليه. هل لاحظت في المثل كيف تم مد فرصة التوبة؟ وهذا بسبب محبة الله، ولكن هذه الفرصة لن تطول إلى الأبد، فلا يمكننا أن نستمر في تأجيل استجابتنا لله، بل يجب أن نستجيب له الآن.

أتعجب دائماً وأتضايق من أن الناس الذين يحضرون خدمات الدفن – وهي المناسبة التي تركز الفكر أكثر من غيرها على الأبدية، وعلى قصر الحياة الأرضية، وعلى حقيقة أننا يوم ما سوف نموت ويأتي دورنا لأن نوضع في هذا التابوت – ولكنهم يخرجون من الخدمة كما دخلوا، بنفس ابتعادهم عن ملكوت الله. فإنه مع كل مأساة من المآسي البشرية، يأتي كذلك فعل من أفعال الرحمة، بدعوة الله إلينا بأن نرجع إليه ونضع ثقتنا وإيماننا فيه.

إن مضمون ما يعلمه يسوع هنا ليس أن الألم هو المهم في حد ذاته، لكن المهم هو اتجاهنا واستجابتنا له. يقدم ديفيد واتسون في واحج من كتبه مثالاً على ذلك، عن طريق أبوين شابين. فقد كل منهما ابناً له في الرابعة أو الخامسة من العمر بطريقة مأساوية. أحدهما توفى نتيجة لمرض اللوكيميا؛ بينما الآخر غرق في حوض سباحة. أحدهما كان مسيحياً شاهداً، ولكنه أصبح الآن بعد هذه الحادثة ملحداً. بينما الآخر كان ملحداً، وبعد تلك الحادثة، أصبح مسيحياً. نجد هنا موقفان مأساويان متشابهان، لكن استجابتين مختلفتين بالكامل. أحدهما أتى بالمرارة واليأس، وقاد إلى الضياع، بينما قاد الآخر إلى فتح القلب للمحبة والسلام الموجودين في المسيح يسوع. يدعو يسوع الرجال والنساء لكي يفهموا أن هذه الحياة ليست هي كل شيء، وأن المآسي ستأتي، وأننا بعيدون عن الله، نجني فقط ثمار ما قد زرعناه. لقد دعينا لأن نتخلى عن تمردنا ضد الله ونرجع إليه كأبينا السماوي، من خلال آلام ابنه بدلاًعنا على الصليب.

[1] ميندون بورينج، Care، خطاب، يناير 1995.

[2] دي إم ليود جونز Why doses God allow war?  (Evangelical Press of Wales، 1986).

مشكلة الشر ماذا يقول يسوع؟

هذا ليس عدلاً – مشكلة الشر

هذا ليس عدلاً – مشكلة الشر

هذا ليس عدلاً – مشكلة الشر

هذا ليس عدلاً – مشكلة الشر

مزمور 73

«إنما صالح الله لشعبه لأنقياء القلب.

أما أنا فكادت تزل قدماي. لولا قليل لزلقت خطواتي.

لأني غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار.

لأنه ليست في موتهم شدائد وجسمهم سمين.

ليسوا في تعب الناس ومع البشر لا يصابون.

لذلك تقلدوا الكبرياء. لبسوا كثوب ظلمهم.

جحظت عيونهم من الشحم.

جاوزوا تصورات القلب.

يستهزئون ويتكلمون بالشر ظلماً من العلاء يتكلمون.

جعلوا أفواههم في السماء وألسنتهم تتمشى في الأرض.

لذلك يرجع شعبه إلى هنا وكمياه مروية يمتصون منها.

وقالوا كيف يعلم الله وهل عند القدير معرفة.

هوذا هؤلاء هم الأشرار ومستريحين إلى الدهر يكثرون ثروة.

حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي.

وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح.

لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك.

فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعب في عيني.

حتى دخلت مقادس الله وانتبهت إلى آخرتهم.

حقاً في مزالق جعلتهم. أسقطتهم إلى البوار.

كيف صاروا للخراب بغتة. اضمحلوا فنوا من الدواهي.

كحلم عند التيقظ يا رب عند التيقظ تحتقر خيالهم.

لأنه تمرمر قلبي وانتخست في كليتي.

وأنا بليد ولا أعرف. صرت كبهيم عندك.

ولكني معك. أمسكت بيدي اليمنى.

برأيك تهديني وبعد إلى مجد تأخذني.

من لي في السماء. ومعك لا أريد شيئاً في الأرض.

قد فني لحمي وقلبي. صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر.

لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون. تهلك كل من يزني عنك.

أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي.

جعلت السيد الرب ملجأي لأخبر بكل صنائعك

إن صرخة، «هذا ليس عدلاً»، ليست ادعاء مقصور على الأطفال في الملاعب، عندما يقرر أحد الصغار أن يُخضع قوانين اللعبة لكي تتناسب معه. بل الحقيقة أنها صرخة قلبية نسمعها في كل مجالات الحياة. «ليس من العدل أن أعمل بكل هذا الجهد للحصول على تلك الترقية، لكي يأخذها منى شخص آخر أقل في الإمكانيات.» «ليس عدلاً أن حوت القروض الذي دمر بخداعه حياة أسر لا حصر لها يكون نموذجاً للصحة الجيدة، بينما تلك الممرضة السابقة التي قضت كل حياتها تعتني بالناس، تصاب بالزهايمر» إلخ….

إذا كنت تشعر هكذا، فأنت إذاً في صحبة كاتب المزمور الذي كان ليتفق معك سريعاً، إذ يقول، «هذا حقيقي للغاية، فالحياة ليست عادلة، فيبدو أن الأشرار يزدهرون ويغتنون على حساب الأمناء والمجدين، بينما أولئك الذين يحاولون أن يبتعدوا عن المتاعب، ينتهون نهاية قاسية على هامش الحياة».

لكن ما يجعل هذا المزمور أكير صعوبة هو أن كاتبه كان يؤمن بإله عادل وصالح. وفي البداية على الأقل، جعل هذا الإيمان ما يراه أسوأ، وليس أفضل، لأنه وجد أنه من الصعب أن يقتنع بأن صلاح الله يمكن أن يسمح للأشرار بأن ينجوا بفعلتهم. كيف يمكن لله أن يقف متفرجاً وهو يشاهد هذه الأمور تحدث؟ وإذا كنا أمناء مع أنفسنا، سنجد أننا يمكن أن نتعاطف كثيراً مع تلك النظرة.

لذلك دعونا نرى كيف تعامل كاتب المزمور مع ما يبدو بالنسبة له، وما يمكن أن يبدو بالنسبة لنا أيضاً – محنة الإيمان.

افتراض أساسي

يبدأ الكتاب مزموره بمقدمة أو افتراض أساسي، وهو عبارة إيمان أساسية، «إنما صالح الله لشعبه لأنقياء القلوب». هذا مبدأ إيماني غير قابل للتفاوض، وهو معادل ومساو لعقيدتنا – بأن الله صالح. فضلاً عن ذلك، فإنه صالح بصفة خاصة لشعبه، ولأولئك الذين يكرسون أنفسهم لاتباعه، أو لأولئك الذين يمكن أن نطلق عليهم اليوم “مؤمنين”.

المشكلة

ولكنه يخبرنا بعد ذلك مباشرة، وفي الحقيقة أنه يخبر الله بتعبيرات أكيدة، بأن اختباره يبدو أنه يضع هذا الاعتقاد موضع شك: «أما أنا فكادت تزل قدماي. لولا قليل لزلقت خطواتي. لأني غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار.» (ع 2). فلماذا كان يغار؟ لأنه رأى “سلامة الأشرار“، تلك هي المشكلة. أو بمعنى آخر، كان هناك تناقض أساسي بين إيمانه (أي ما يؤمن به بعقله – بأن الله صالح لأولئك الذين يحبونه) وبين الحقائق (ما تراه عيناه – أي سلامة وخير الأشرار). فهذا أمر غير مفهوم، والنتيجة هي أن قلبه كان مضطرباً للغاية. كان يريد أن يستمر في إيمانه بإله صالح، لكن ما وجده كان يثير في داخله الحسد والغيرة من الأشرار، والأسوأ من ذلك الاستياء متزايد نحو خالقه.

انظر إلى ما يقوله في العددين 4-5:

«لأنه ليست في موتهم شدائد وجسمهم سمين. ليسوا في تعب الناس ومع البشر لا يصابون

فحياتهم نعيم مستمر، بحسب زعم كاتب المزمور. إن لديهم كان أنواع المعدات الحديثة التي تجعلهم مستريحين، لذلك فإنهم لا يتثقلون بأحمال متعبة مثل بقيتنا، نحن البشر الأدنى منهم. كما أن أجسامهم صحيحة ولا يصابون بالأمراض، إذ لديهم عضوية في أكبر هيئات الرعاية الطبية التي يمكن للمال أن يوفرها – المال الذي تم الحصول عليه بالطبع بطرق غير مشروعة. بل أنه حتى حين تأتيهم ساعة الموت، يبدو أنهم يموتون بسلام – حيث أن هذه هي ترجمة عدد 4: «ليست في موتهم شدائد». فالديكتاتور الروسي، جوزيف ستالين، والذي كان وحده مسؤولاً عن موت أكثر من 20 مليون روسي، مات بسلام تام في سريره وابتسامة على وجهه! ويستمر كاتب المزمور في قوله، «لكن إذا كانت الحياة غير عادلة، فهل الموت أيضاً غير عادل؟».

إن هؤلاء الناس تدور حياتهم كلها حول العنف (ع 6). «لبسوا كثوب ظلمهم.» مثل إنسان يلف جسمه بمعطف دافئ ليحمي نفسه من البرد. فهؤلاء الناس يحمون أنفسهم من الصعوبات عن طريق إلقائها على الآخرين: «يستهزئون ويتكلمون بالشر ظلماً من العلاء يتكلمون» (ع 8). فهم يشعرون أن لا شيء يمكن أن يمسهم أو يهددهم، ولا تستطيع المحاكم النيل منهم، فهم فوق الوسائل العادية للعدالة، ومهما طالت ذراع العدالة فلن تستطيع أن تمسهم. كل هذا يجعل المرنم شديد الاكتئاب، ويحطم معنوياته.

ربما نشعر بنفس هذا الأمر ونحن ننظر إلى مجتمعنا. وقد قيل لي هذا الأمر مرات ومرات، «يقولون إن الجريمة لا تفيد، لكن من الواضح أنها تفيد كثيراً». أسأل المجرمين، الذين يرتدون خواتم الألماس والسلاسل الذهبية عما إذا كانت الجريمة تفيد. اسأل اللص الذي اقتحم منزلي السابق في صباح الكريسماس عما إذا كانت الجريمة تفيد، حيث أنه لم يتم القبض عليه حتى الآن.

ربما لو تم الحد من تأثير ونفوذ مثل هؤلاء الناس بشكل ما، قد يجعل هذا الحياة أكثر احتمالاً. لكن هذا لا يحدث، بل إن نفوذهم ينتشر مثل السرطان، بل وينظر الناس إليهم باعتبارهم نماذج يقلدونها، وهكذا تجتذبهم هذه الشبكة الشريرة: «لذلك يرجع شعبه إلى هنا وكمياه مروية يمتصون منهم.» (ع 10). ولإضافة مزيد من الإهانة إلى هذا الجرح، فإنهم يستهزئون بالمؤمنين ويسخرون منهم، قائلين: «كيف يعلم الله وهل عند العلي معرفة.» (ع 11) فهم يقولون، يبدو أن الله لا يعلم كل شيء، وإلا فلماذا ينجون هم بفعلتهم؟ وإذا كان يعرف كل شيء فعلاً، فلا يمكن أن يكون كلي القدرة وإلا لكان قد وضع حداً لما يفعلونه.

وهكذا يواجه المؤمن المشكلة التي كانت تعذب المسيحيين على مر العصور، وهي المشكلة التي نصيغها في معضلتنا هنا: إذا كان الله صالح، فلا بد أنه يرغب في إبادة الشر. وإذا كان كلي القدرة فلا بد أنه يستطيع إبادة الشر. لكن الشر موجود، لذلك لا يمكن أن يكون الله كلي القدرة وكلي الصلاح معاً في نفس الوقت. هذه هي قوة المنطق الظاهرية: إما أن يكون الله صالحاً ويرغب في التخلص من الشر ولكنه لا يستطيع، أو أنه يستطيع التخلص من الشر ولكنه لا يريد، وبذلك لا يكون صالحاً. هذه معضلة مؤلمة بالنسبة للمؤمنين. فكيف قام المرنم بحلها؟

يجب أن نعترف أن كاتب المزمور على الأقل شخص أمين، فهو لا يدفن رأسه في الرمال كما يفعل بعض الناس، لكي يحجم عن الصراع مع المسائل الصعبة مثل هذه. كما أن الله يحترم تلك الأمانة، حتى لو أدت إلى الشك:

«حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي. وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح.» (العددين 13-14)

فالرجل يتشكك في إيمانه. فهو يتساءل: «ما معنى محاولة العيش حياة تقية؟ يبدو أنها لا تؤدي إلا إلى المزيد من الحزن والألم. بل هي مضيعة للوقت، ووهم كبير، هل الله صالح لشعبه؟ هل أعامل الناس كما أريد أن يعاملوني؟ كلا، يبدو أن هذه لعبة خاسرة، بل يجب أن أعامل الناس بالطريقة التي يعاملونني هم بها».

ربما يمكننا التعرف على مثل هذه المشاعر في اختبارنا الشخصي، لكننا سنكون على خطأ لو تركنا مثل هذه المشاعر بداخلنا. فالتعبير عن الشك شيء، لكن تركه غير محسوم هو شيء آخر. لأننا إذا لم نواجه هذه المشاعر ونتعامل معها فإنها ستصبح أسوأ، ويمكن أن تقودنا إلى الانزلاق إلى عدم الإيمان، وهنا تكون المأساة.

لذلك فبعد أن نفّس الكتاب عن غضبه وشكه، جاء التأمل الهادئ ليحل محل الشك. فيعود ليقول: «لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك» (ع 15). بمعنى آخر، هو يقول: «على الرغم من أني يمكن أن أفكر في هذه الأمور وأعبر عنها أمامك يا رب، فإني لن أكون عديم المسؤولية بحيث أقولها في وسط شعب الله». فكونه في موقع القيادة، لم يكن يرغب في إرباك إيمان الآخرين. كما نقرأ في عدد 16، لماذا رغم كون مشكلة الشر مربكة بما يكفي بالنسبة له، لم تقع فجأة تلك المشكلة من على كتفي المؤمن الشاب الرقيقتين لكي يقولها أمام الناس: «فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعب في عيني“.

عندما نفكر في ذلك، نجد أنه كان تصرفاً ناضجاً للغاية. فقد كانت مصلحة المؤمنين الآخرين تشغل قلبه وتفكيره، على أية حال. فلم يكن ليستخدم المنبر أو مجموعة درس الكتاب لإرباك إيمان الآخرين بالتعبير عن شكوكه بشأن إيمانه الشخصي. ونحن أيضاً لا بد أن نفكر مرتين قبل أن نعلن عن مشاكلنا على الملأ، بل يجب أن نقوم بالحديث الشخصي الهادئ مع أحد المؤمنين الناضجين بشأنها. فيجب أن يكون لدينا نوع من التمييز.

كان هناك شيء آخر مثير للإعجاب في هذا الرجل؛ كان يعرف مدى خزي تصرفاته. يمكننا جميعاً أن نتصرف بنفس تلك الطريقة المخزية عندما نشعر بالإحباط. فتكون لدينا ردود أفعال بحسب طبعنا وفطرتنا، بطريقة ليست أفضل من الحيوانات البرية: «لأنه تمرمر قلبي وانتخست في كليتي. وأنا بليد ولا أعرف. صرت كبهيم عندك.» (العددان 21-22). فبدلاً من سماحنا لإعلان كلمة الله من كلمته أن يوجه أفكارنا ويشكل مشاعرنا، فإننا نسمح للمرارة أن تفسد أذهاننا. وبدلاً من التفكير المنطقي المبنى على حقائق وأساسيات الكتاب المقدس – يغلب علينا التفكير العاطفي.

منظور سليم

تُرى، ما الذي غير اتجاهه؟ كان إعلان الله هو الذي أعطاه منظوراً سليماً للأشياء:

«فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعب في عيني.

حتى دخلت مقادس الله وانتبهت إلى آخرتهم.

حقاً في مزالق جعلتهم. أسقطتهم إلى البوار.

كيف صاروا للخراب بغتة. اضمحلوا فنوا من الدواهي.

كحلم عند التيقظ يا رب عند التيقظ تحتقر خيالهم.

لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون. تهلك كل من يزني عنك.» (الأعداد 16-20، 27)

بمعنى آخر، كان منظور الأبدية هو الذي غير كل شيء، وهو المنظور الذي كان الله في محوره. لذلك نحتاج أن نتذكر دائماً أن هذه الحياة ليس كل شيء لدينا، إذ تنشأ مشاكلنا عندما نتعامل معها كما لو كانت كذلك. يشبه الأمر مشاهدة فيلم يبدو فيه أن الشرير سيتمكن من النجاة بعد أن قام بجريمة قتل حرفياً، ثم نقوم بإيقاف الفيلم قبل أن يُكمل إلى نهايته، هكذا يبدو أنه ليس هناك عدك. لكن ما علينا القيام به، وهو أن نسمح للفيلم بأن يصل إلى نهايته، حيث ينال القاتل جزاءه العادل.

لكن الحقيقة المروعة هي أن الناس قد يهربون من الحكم والإدانة هنا في هذا العالم، ولكنهم بالتأكيد لن يستطيعوا الهروب منه هناك في الأبدية. فالناس الذين يظنون أن الله لا يراقب ولا يرى كل شيء، ولا يلاحظ الأفعال الشريرة، من الأفضل لهم أن يفكروا مرة أخرى. فليست هناك كلمة واحدة مسيئة، ولا فعل واحد غير أمين، لا يراه الله ولا يتذكره. فبدلاً من أن نحسد هؤلاء الناس يجب أن نشفق عليهم.

وبدلاً من أن نرغب في أن نكون مثلهم، ويكون لدينا ما لديهم، يجب أن نصلي لكي يصبحوا مثلنا. فيجب أن نشاركهم ببشارة الإنجيل لكي يرجعوا إلى المخلص قبل فوات الأوان. ففي يوم ما سوف يُظهر الله عدله بغضب لا يهدأ – هكذا قال يسوع – فيما يسمى بيوم الدينونة. ولكنه في الوقت الحاضر يظهر صلاحه في طول أناته وصبره غير المحدود، مقدماً للناس فرصة للتوبة ولتغيير طرقهم (2بطرس 3: 9).

كيف يكون الله إذاً صالحاً للمؤمنين، لأنقياء القلب؟

«ولكني دائماً معك. أمسكت بيدي اليمنى. برأيك تهديني وبعد إلى مجد تأخذني. من لي في السماء ومعك لا أريد شيئاً في الأرض. قد فني لحمي وقلبي. صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر.» (23-26).

أيهما أفضل، أن نعاني من الظلم والصعوبات في هذا العالم، والله إلى جانبنا، أم أن نعاني عدل القصاص والظلمة الأبدية في العالم الآتي، حيث يتركنا الله خارجاً؟ نعم، قد يحظى الفاسدون والخطاة بقدر من المتعة، لكن ما هذه بالمقارنة بالإرشاد المخلص والدائم، ورعاية الآب السماوي التي يعطيها لأبنائه – حتى أبنائه الذين قد يشكون ويصرخون فيه في اكتئابهم؟ أيهما أفضل؟

في إحدى الأيام توجهت امرأة إلى مكتب مشير مسيحي معروف، وهذا هو ما قالته له: «قبل أن آتي إلى هنا، كنت منغمسة في حياة المتعة واللهو، وكنت أشعر أنني على ما يرام. قد كان هذا مثيراً وممتعاً. لكني منذ أن قررت أن أسلم حياتي للمسيح، وجدت أن الحياة قد أصبحت صراعاً مستمراً. كانت الحياة العالمية أكثر سهولة وأسعد حالاً من الحياة المسيحية. لكني لست مستعدة أن أرجع إلى الوراء لأي سبب من الأسباب، فقد ذقت الحق. ورغم أنه في بعض الأحيان يكون مؤلماً، إلا أنني أريد المزيد منه. فلأول مرة في حياتي أشعر أنني حية فعلياً وأنني مكتملة. إنها حياة حارقة مثل النيران، ولكنها تستحق أن تعاش، لأنني الآن إنسانة مكتملة.»

من الأفضل كثيراً أن تكون مسيحياً واقعياً ويكون لديك هذا المنظور السليم والمحبة والفرح بالمسيح في حياتك، من ألا تكون مسيحياً وتحيا حياة فارغة وطائشة، ستنتهي يوماً ما نهاية غير سعيدة.

فإذا كان الله صالحاً لا بد أن يرغب في إزالة الشر، وإذا كان كلي القدرة فلا بد أنه يستطيع إزالة الشر. ونحن نؤمن أن الله كلي الصلاح وكلي القدرة معاً، لأن لدينا، على عكس كاتب المزمور، امتياز النظر إلى المشكلة من جانب الصليب. لأننا نستطيع أن نقول أنه بنظرنا إلى الصليب، رغم أن الله لم يُزل الشر بعد، (رغم أنه سيفعل ذلك في يوم من الأيام)، إلا أنه أعطى الشر لطمة حاسمة وقاضية.

بل الأكثر من ذلك، عند ذلك الصليب يمكننا أن نرى صلاح الله وقدرته ظاهرة بشكل مميز للغاية، لأن هذه بالتحديد هي الطريقة التي اختارها لكي يغفر لنا خطايانا ويأتي بنا إلى بيته وإلى نفسه. لذلك يمكننا بالأحرى أن نقول بثقة أعظم:

«أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي. جعلت السيد الرب ملجأي لأخبر بكل صنائعك.» (ع 28).

هذا ليس عدلاً – مشكلة الشر

شكل غريب للغاية من أشكال الألم – مشكلة الشر

شكل غريب للغاية من أشكال الألم – مشكلة الشر

شكل غريب للغاية من أشكال الألم – مشكلة الشر

شكل غريب للغاية من أشكال الألم – مشكلة الشر

مزمور 42

كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه

هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله.

عطشت نفي إلى الله إلى الإله الحي.

متى أجيء وأتراءى قدام الله.

صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً

إذ قيل لي كل يوم أين إلهك.

هذه أذكرها فأسكب نفسي عليّ.

لأني كنت أمر مع الجماع أتدرج معهم إلى بيت الله

بصوت ترنم وحمد جمهور معيد.

لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ.

ارتجي الله لأني بعد أحمده لأجل خلاص وجهه.

يا إلهي نفسي منحنية فيّ.

لذلك أذكرك من أرض الأردن وجبال حرمون من جبل مصعر.

غمر ينادي غمراً عند صوت ميازيبك.

كل تياراتك ولججك طمت عليّ.

بالنهار يوصي الرب رحمته وبالليل تسبيحه عندي صلاة لإله حياتي.

أقول لله صخرتي لماذا نسيتني.

لماذا أذهب حزيناً من مضايقة العدو.

بسحق في عظامي عيرني مضايقي بقولهم لي كل يوم أين إلهك.

لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ.

ترجي الله لأني بعد أحمده خلاص وجهي وإلهي

«لو كنت مسيحياً أفضل، لما شعرت بمثل هذا الإحباط الشديد». لقد سمعت هذه العبارة مرات كثيرة من مؤمنين كانوا يشعرون بالإحباط، أو يجتازون بنكسة عميقة. وأنا أعتقد أن هذا أمر لا يثير الدهشة، حيث أنهم يقرأون ذلك في بعض الكتب المسيحية، كما أن بعض الوعاظ يغذون فكرة أنك إذا كنت مكتئباً فهذا علامة على عدم الإيمان، حيث أن الحياة المسيحية الطبيعية هي حياة النصرة التي لا تنتهي. ويتم حثنا بدلاً من ذلك على أن «نمتلك مواعد الله»، «فالله هو المهدئ الوحيد الذي احتاج إليه»، هذا هو ما قاله أحد المشاهدين الذين اتصلوا تليفونياً في برنامج تلفزيوني كان يظهر فيه طبيب نفسي مسيحي معروف. والنتيجة هي أن أولئك الأشخاص المعرضين للاكتئاب من وقت إلى آخر، يشعرون بالنقص، حيث يتم وضعهم ضمن «الذين يتم تحديهم روحياً».

لذلك يدعو الأمر إلى الراحة أن نكتشف الكم الكبير من كتاب الكتاب المقدس الذين عرفوا تماماً ماذا يعني الاكتئاب. فيفكر المرء في الحال في أيوب وهو يجتاز عذاب فقده لأبنائه، ومرضه، أو في إرميا، الذي كانت عدم استجابة مستمعيه لكلمة الله قد جعلته يرغب لو لم يكن قد ولد أبداً. بل وحتى أعظم هؤلاء جميعاً، في وسط الحزن والخوف الذي كان يشعر به في بستان جثسيماني، وقع على كاهله حمل ثقيل من الاكتئاب. لذلك فوسط شعب الله، لا يعتبر الاكتئاب أمراً غريباً أو نادراً. فمارتن لوثر[1]، وديفيد برينرد[2]، وسي إتش سبيرجن[3]، وآمي كارميشل[4]، وديفيد واتسون[5]، وكثيرون غيرهم، كان عليهم جميعاً أن يصارعوا مع ما أطلق عليه ونستون تشرشل “اكتئاب الكلب الأسود”.

وفي هذا الفصل، سنفكر في حالة شخص اجتاز ما يمكن أن نصفه فقط بأنه اكتئاب روحي – وهو كاتب مزمور 42. فإذ نستمع إلى همساته الفكرية لا نكتشف فقط الكثير مما يمكن أن نشابهه فيه، بل أيضاً نتعلم بعض الدروس الثمينة لكيفية تأقلمنا مع هذا النوع من الاكتئاب وتكيفنا معه. فالحقيقة أننا نكتشف أن هناك ثلاث مراحل أساسية لا بد أن نجتاز فيها لكي نتكيف مع الاكتئاب الروحي، وهي: الاعتراف، والتفكير بتروي، والتماسك والرجاء.

 

الاعتراف

أول كل شيء، يجب أن نعترف بما نشعر به. ألا يثير دهشتنا مدى صراحة وشفافية هذا الرجل بشأن مشاعره، فهو يدع مشاعره تتدفق ببساطة أمام الله، فلا يوجد لديه التحفظ الإنجليزي بزم الشفتين وكبت المشاعر، ولا اللجوء إلى وضع القناع المسيحي البلاستيكي الباسم، بل هو يقوم بالاعتراف بصراحة بكامل مشاعره المخيفة والمحبطة.

انظر إلى نوع التشبيه الذي يستخدمه لوصف حالته الفكرية والروحية، فهو يشعر بالجفاف:

«كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي. متى أجيء وأتراءى قدام الله

فكر معي في تلك الصور لحرب الخليج، والقوات وهي تشعر بالضعف والجفاف في الصحراء الحارة القاحلة، حيث لا ترى العين سوى الرمال الحارقة والسماوات الزرقاء الصافية. تخيل أنك موجود هناك دون أية مياه، وأنك وصلت إلى مرحلة الجفاف. ستشعر بالضعف، وكل ما يمكنك التفكير فيه هو الراحة التي ستشعر بها إذا شرب كوب من الماء المثلج. هذه هي الحالة التي شعر بها هذا الرجل روحياً. فقد كان يشتاق إلى الله مثل رجل ظمآن يتوق إلى المياه. وهذا كان يعني له أن يتقابل مع الله في هيكله «هذه أذكرها فأسكب نفسي عليّ. لأني كنت أمر مع الجماع أتدرج معهم إلى بيت الله بصوت ترنم وحمد جمهور معيد.» (ع 4)، بالطبع، كان المرنم يؤمن أنه يمكنه الاقتراب إلى الله في أي مكان، وإلا لما كان قد صلى على الإطلاق، لكنه يؤمن أيضاً أن الله يسكن وسط شعبه بطريقة خاصة عندما يجتمعون معاً في الهيكل، أو كما يمكننا أن نصيغها بشكل آخر، عندما نلتقي معاً في الكنيسة، ولكنه الآن بعيد عن كل هذا ومعزول عن كل شيء، وهذا يقوده حرفياً إلى الاكتئاب.

الأكثر من ذلك، إنه ممتنع عن الطعام، كما يحدث هذا كثيراً عندما نشعر بالاكتئاب، «صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك.» (ع 3). فهو لا يستطيع أن يأكل، كما يشعر بالاضطراب وعدم الراحة، فلا يستطيع أن ينام، أو أن يتوقف عن البكاء. وقد يشعر بالتذبذب، ففي لحظة ما يشعر أنه متماسك. وفي اللحظة التالية قد يشعر دون سبب واضح أنه يبكي دون قدرة على التحكم، ولكنه لا يشعر بالخجل من الاعتراف لله بذلك.

لكن ما يجعل الأمور أسوأ، إن كان يمكن أن تكون أسوأ، هو التهكم والسخرية الذي يكون عليه تحمله من الذين يشاهدونه، الذين يفرحون بالإشارة إلى بطلان إيمانه بالله: «صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك.» (ع 3). فهو يتمنى أنه لو فقط استطاع أن يوضح لهم أمراً ما، نوعاً من عمل الله، فيقول: «إنه ليس هكذا، بل هو إله يعتني». لكما في ذلك نوع من التعزية. لكنه يشعر أنه لا يستطيع القيام بذلك، فيبدو أن أعداءه كان لديهم كل من السبب والخبرة لكي يقولوا، هذا كثير جداً على إيمانك، فما الهدف من وجود إله غير فعال وغير متواجد عندما تحتاج إليه؟» فكيف يمكن للمرء أن يجيب على هذا؟ إنه أمر جارح، فهو يفرك الملح في جرح متقيح بالفعل.

لكن هذا الرجل لا يشعر فقط كما لو أنه في صحراء روحية، ولكنه يشعر كذلك أنه يغرق عاطفياً: «غمر ينادي غمراً عند صوت ميازيبك. كل تياراتك ولججك طمت عليّ” (ع 7). ليس في هذا تناقض مع ما قاله سابقاً عن حالة الجفاف التي يشعر بها، بل هو أمر مرتبط باختباره. فبينما يشير العطش إلى غياب شيء ما – غياب سلام الفكر أو غياب الله – فإن الغرق يشير إلى العجز الذي نشعر به عندما نكون “في الأعماق”. فتجربة الاكتئاب بأكملها تطمو علينا حتى أننا نشعر أننا لا نستطيع أن نبقي رؤوسنا مرفوعة فوق المياه، بل نغوص تحتها بسهولة.

نجد هنا مبدأ شديد الأهمية نحتاج أن نفهمه جيداً إذا أردنا أن نتكيف مع هذا النوع من المشاعر، وهذا المبدأ هو الحاجة إلى الاعتراف بتلك المشاعر. فبدلاً من رفضها وقولنا: «إنها لا تهم»، أو ما هو أسوأ، أن ننكر وجودها كلية، لا بد أن نواجهها ونعبر عنها. واحد من الأمور التي يلاحظها علماء النفس، هو أن الاكتئاب يرتبط في كثير من الأحيان بالغضب المكبوت، بل أن أحد المعالجين النفسيين دعا الاكتئاب بأنه حالة من “الغضب المتجمد”. فإذا تم كبت هذه المشاعر الغاضبة في المؤمن، فمن السهل للغاية أن يتم تحويلها إلى الله، فنشعر داخلياً بالثورة والضيق والغضب تجاه الله. وإذا حدث ذلك، فإننا، مثل كاتب المزمور، نحتاج أن نخبر الله ونشاركه بكل هذه المشاعر التي نحس بها تجاهه: «أقول لله صخرتي لماذا نسيتني. لماذا أذهب حزيناً من مضايقة العدو. بسحق في عظامي عيرني مضايقي بقولهم لي كل يوم أين إلهك.» (العددان 9 -10).

كتب ويليام بليك قصيدة صغيرة تعبر عن هذا الأمر جيداً:

غضبت من صديقي.

فأخبرته بغضبي،

فانتهى غضبي.

غضبت من عدوي.

فلم أخبره بغضبي،

فازداد غضبي.

هذا صحيح. فإننا إذا شعرنا بالغضب تجاه الله وأخبرناه به، فعندها يمكن التعامل مع هذا الغضب. ولكننا إذا لم نفعل، فإنه ببساطة سوف يزداد. لذلك يعتبر أمر حيوي أن نعبر عما نشعر به بدلاً من كبته، فغالباً ما يكون الاكتئاب غضباً تحول إلى الداخل. لذلك فمن الأفضل جداً أن نحوله إلى الخارج، وأن نعبر لله عن هذه المخاوف والهموم.

التفكير بتروي

إلا أن مجرد إخراج مشاعرنا والتنفيس عنها ليس كافياً، بل يجب أن نشغل فكرنا – ونفكر بتروي. وهذا بالتحديد هو ما فعله هذا الرجل في عدد 5: «لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ. ارتجي الله لأني بعد أحمده لأجل خلاص وجهه

في كتابه الكلاسيكي، Spiritual Depression، يكتب د. مارتن ليود جونز، طبيب هارلي ستريت الذي تحول إلى واعظ، ما يلي:

لا بد أن نتحدث إلى أنفسنا، بدلاً من أن ندع أنفسنا تتحدث إلينا. فالمشكلة الحقيقية في هذا الاكتئاب الروحي بأكمله هي أننا نسمح لأنفسنا بأن نتحدث إلينا بدلاً من أن نتحدث نحن إلى النفس. لا بد أن تأخذ نفسك بين يديك، وتخاطبها، سائلاً إياها، وقائلاً لها، “ارتجي الله”، بدلاً من أن تتمتم بكلمات الاكتئاب والحزن.[6]

فكيف يتحدث إلى نفسه، ويحث نفسه على أن تضع رجاءها في الله؟

أولاً، يبدأ بالتذكر، والنظر إلى الخلف، وإلى الأيام السالفة في العبادة الجماعية: «هذه أذكرها فأسكب نفسي عليّ. لأني كنت أمر مع الجماع أتدرج معهم إلى بيت الله بصوت ترنم وحمد جمهور معيد.» (ع 4). لكن يجب الاعتراف بأن هذه تجربة حلوة ومريرة في نفس الوقت. فقد كانت هذه أوقات ماضية طيبة، أوقات اللقاء مع الله ومع شعبه، في المناسبات العظيمة التي كان يستمع فيها إلى كلمة الله وهي تقرأ، بكل وعودها، والتي كان يرفع فيها قلبه مع المؤمنين الآخرين في الصلاة والتسبيح. لذلك فهو يفكر في تلك الأوقات العظيمة، ويتأمل فيها.

ومن المهم أنه يبدأ بالعبادة الجماعية بدلاً من العبادة الشخصية، حيث أن هذه تضفي نوعاً من الموضوعية إلى الموقف. فإذا كان قد ركز فقط على حياته الدينية الشخصية، كان يمكن أن يعرض نفسه للشك في أنها كانت كلها تخيلية. لكنه بتفكيره في أشخاص آخرين، وفي كلمة الله التي كانت تعلن بينهم – كان هذا أمراً يصعب إنكاره، فمن غير الممكن أن يكون كل هؤلاء الناس في تلك المناسبات العظيمة مخدوعين أو واهمين. وهذا يعني أن الإيمان المسيحي ووجود الله يظل حقيقة بغض النظر عن مشاعرنا بهذا الشأن. فليس الأمر أن الله «حقيقي بقدر ما أشعر به»، فهذا تفكير ذاتي للغاية. لذلك يرجع الكثير من يأس المسيحيين اليوم، للأسف، إلى أن الناس يقيسون حقيقة وواقعية وجود الله بهذه المقاييس العاطفية، وهذا أمر لا جدوى منه. والآن هل يمكنك أن تفهم لماذا يكون اللقاء المنتظم مع مؤمنين آخرين في الكنيسة، والاشتراك في مجموعات دراسة الكتاب المقدس، أمور مهمه للغاية؟ فهي تقدم لنا النظرة الموضوعية والقوة، وهي الأمور التي نحتاج إليها للحفاظ على ثقتنا في الله، كما أنها تعطينا هذا المنظور المنفتح بأن المسيحية صادقة وواقعية. لذلك نستطيع العودة إلى تلك الأمور، وتذكرها، عندما نجد أنفسنا بمفردنا ونحن نواجه المتاعب والاضطرابات.

كما نجد هذا المبدأ أيضاً في عدد 8: «بالنهار يوصي الرب رحمته وبالليل تسبيحه عندي صلاة لإله حياتي.» (أتذكر الله نهاراً وليلاً، وكيف اعتاد أن يظهر لي محبة عهده: فكنت أسبحه بترنيم، وأصلي إلى الله الذي كان هو حياتي) (بحسب ترجمة المؤلف). فهو يتحدث عن محبة عهد الله، أي الوعد بنعمته كما أعلنها من خلال كلمته، أو كما يمكننا أن نعبر عن ذلك اليوم، وعد محبته الذي لدينا في الإنجيل. فالله قد تكلم، ووعد بأنه سيحبنا بمحبة أبدية، وأنه على الرغم من خطيتنا فإنه لن يتركنا أبداً. هذه حقيقة، وهذا هو الحق الذي أعلنه الله، وهو لا يكذب أو ينكث عهوده.

إحدى المقاطع التي تلقي بالضوء على هذا الأمر هو رومية 8: 37، فهناك يذكر بولس كل الصعوبات التي يمكن أن تواجه المسيحي في هذه الحياة – مثل الاضطهاد، والألم، والجوع – أي الظروف التي يمكن عادة أن تشككنا في محبة الله. وإذ ذكر كل هذه الأمور، يقول الرسول بولس: «في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا». لكننا لو كتبنا ذلك اليوم لما كنا سنكتبه بهذه الطريقة، بل كنا سنقول: «في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي يحبنا». لكن بولس يستخدم الزمن الماضي الذي يشير إلى أن هذا «قد حدث بالفعل مرة واحدة». وليس من الصعب فهم سبب ذلك. لأنه أين يمكننا أن نرى محبة الله معلنة بوضوح شديد إلى في الصليب؟ فإن هذا الحدث التاريخي هو الذي يجب أن ننظر إليه لننال الثقة واليقين في أن الله أحبنا ويستمر في محبته لنا، وهي محبة بدايتها منذ الأزل، وهي التي جعلت ابن الله يعلق على الصليب كفارة لخطايانا، وهي التي ستأخذنا إلى السماء. لذلك نحتاج أن نرجع بعيون أذهاننا باستمرار إلى هناك ونقول «إذا كان الله قد فعل كل هذا لأجلي، فهل سيتخلى عني الآن؟» وستكون الإجابة هي «كلا، بالطبع». فلا يمكن أن يفعل الله ذلك.

لكن هذا اليقين لا يأتي بطريقة تلقائية، فنحن نحتاج أن نفكر فيه، وأن نحلله، وأن نغوص بأفكارنا في الحق الكتابي ونعيش حياتنا في ضوء أمجاده. كما يعبر عن ذلك د. ليود جونز بقوله: «تحدث إلى نفسك، بدلاً من أن تدع نفسك تتحدث إليك.» فالمشاعر تمضي وتجيء، والاختبارات الشخصية قد تكون متذبذبة، لكن الحق لا يمكن إضعافه بسهولة. وهذا هو السبب الذي لأجله أعطانا الله الكتاب المقدس؛ الذي من خلاله يمكننا أن ننال الثقة في أمانه الله ولذلك فإننا نتأمل فيه ونأكله بفرح.

التماسك والرجاء

وأخيراً نأتي إلى المرحلة الثالثة، وهي التماسك والرجاء. من الضروري للغاية أن ندرك أن هذا التماسك يأتي في النهاية. فيجب ألا نقول على الإطلاق لشخص أثناء اجتيازه لهذا النوع من الأزمات: «قم انتفض وتماسك». فهذا أمر قاس وغير حساس رعوياً. بل يجب أن نكون معه ونسانده على التعبير عما يشعر به، مع تقديم تشجيع رقيق من الكتاب المقدس. عندنا فقط بمعونة الله سيكون لديه التصميم على المضي إلى الأمام.

والآن، في عدد 11، هل يقول المرنم أنه عند نقطة معينة في المستقبل سوف يسبح الله، أم أنه سوف يبدأ في تسبيح الله في الحال؟

«لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ. ترجي الله لأني بعد أحمده خلاص وجهي وإلهي

لقد فهم المرنم لماذا يشعر بالإحباط، وما الظروف التي جعلته يشعر أنه وحيد وبعيد عن شعب الله وعن وسائط النعمة، لماذا يطارده أعداؤه. لكنه بعد ذلك يرفع عينيه إلى ما هو أبعد من الوقت الحالي، ويحصل على منظور أكبر لله باعتباره صخرة، الله الملئ بمحبة العهد، والذي أظهر أمانته في الماضي، ولذلك فإنه يصمم قائلاً: «ترجي الله لأني بعد أحمده خلاص وجهي وإلهي.» وهذا فعل إرادي، مبني على الحق، فإذا تبعته المشاعر، حسناً، وإذا لم تتبعه المشاعر، فلا بد أن نستمر ونواصل التقدم للأمام.

لقد ذكرت من قبل أن المصلح العظيم مارتن لوثر اجتاز بمثل هذا الاكتئاب. ففي مرحلة ما من مراحل حياته عانى من اكتئاب حاد. فقد كانت الكنيسة تضطهده، وكان ابنه يعاني من مرض شديد، وكانت زوجته تمر بحمل صعب به الكثير من المتاعب، وكان إبليس يجربه بشكل مروع. لذلك يمكننا أن نفهم لماذا بدأ يشك فيما إذا كان الله يعتني ويهتم حقاً. وفيما يلي بعض الكلمات التي يصف بها أحد رواة سيرته الذاتية استجابته تجاه ذلك:

ليس المهم المدة أو شدة حالات الاكتئاب التي شعر بها مارتن لوثر، حيث أنها كانت تتكرر كثيراً طوال حياته، ولكن المهم هو أنه كان يستطيع أن يتغلب عليها من خلال كم مذهل من العمل. فقد كان يشعر أنها أمور حتمية إذا كان المرء يريد فهماً حقيقياً للأمور الروحية، لأنه «لا يعرف ما هو الرجاء الذي يمكن أن يكون لدى شخص لم يخضع فقط للتجارب.» وفي نفس الوقت، كان لا بد من تجنب الوقوع في هذه الحالات إن أمكن. لكن كيف؟ باعتباره رائداً روحياً في عصره، لم يكن يستطيع أن ينظر إلى الآخرين طلباً للتأكيد والمساندة، كما أنه لم يكن يجد في نفسه أي شيء يمكن أن يبني عليه رجاؤه. لذلك كان لا بد أن يأتي تأكيده ومساندته من الله، ولكنه لا يستطيع أن يعرفه معرفة مباشرة، لذلك ففي التحليل الأخير كان لا بد أن يتأصل في الكتاب المقدس. هذا هو السبب في أنه أعطى الأولوية لترجمة الكتاب المقدس؛ وهذا لكي يجد كل إنسان الحق بنفسه. وفي مرات أخرى، كان يقول بطريقة التفكير الأرضية العادية أن أفضل طريقة للتغلب على اليأس هي الخروج والجلوس بين الناس، والضحك، والفكاهة، والترنيم، والانشغال، وحتى الغضب معهم؛ افعل شيئاً نافعاً، مثل تلجيم حصان، أو نثر السماد في الحقول. كما أن الموسيقا فعالة بصورة خاصة لأن إبليس كائن كئيب يهرب من الموسيقا.[7]

إنها نصيحة حكيمة من رجل حكيم بشأن نوع غريب من الألم.

 

[1] دولينا ماكويش، Luther and His Katie (CFP، 1974).

[2] انظر The Works of Jonathan Edwards, Volume 2، الصفحات 313-447 للتعرف على قصة حياة براينرد (Banner of Truth، 1988)

[3] انظر إي سكوجلاند، Coping، الصفحات 12-38 (Regal Books، 1980).

[4] نفس المرجع السابق.

[5] ديفيد واتسون You Are My God (Hodder & Stoughton، 1983).

[6] دي إم ليود جونز، Spiritual Depression , its cause and cures (Pickering and Inglis، 1974).

[7] Luther and His Katie

مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء

مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء

مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء

مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء

أيوب 42

فيما يلي جزء من مثل رواه البروفيسور باسيل ميتشل: في زمن الحرب في بلد من البلاد المحتلة، التقى عضو من المقاومة في إحدى الليالي بغريب أذهله بعمق، وقضيا تلك الليلة يتجاذبان أطرف الحديث معاً فأخبر الغريب هذا العضو أنه هو نفسه إلى جانب المقاومة – والحقيقة أنه هو قائدها، وحث المقاوم على أن يثق فيه مهما حدث، كان المقاوم مقتنعاً تماماً بصدق وإخلاص الغريب في هذا اللقاء، وشرع في الثقة فيه.

لكنهما لم يلتقيا في ظروف مماثلة بعد ذلك، لكنه في بعض الأحيان كان يرى الغريب يساعد أعضاء في المقاومة، وكان عضو المقاومة ممتناً له وقال لأصدقائه، «إنه إلى جانبنا». وفي بعض الأحيان كان يُرى مرتدياً زي الشرطة وهو يسلم الوطنيين إلى قوى الاحتلال. وعندها كان أصدقاؤه يتمتعون بكلمات ضده: لكن المقاوم كان لا يزال يقول: «إنه إلى جانبنا». كان لا يزال يؤمن بذلك على الرغم من المظاهر المخالفة، فالغريب لم يخدعه، وفي بعض الأحيان كان يطلب المساعدة من الغريب، وكان يتلقاها بشكر. وفي أحيان أخرى، كان يطلب المساعدة لكن لا يتلقاها. وعندها كان يقول: «الغريب يعرف أفضل.»[1]

إننا إذ نأتي إلى نهاية دراستنا لأيوب، يبدو لنا معنى هذا المثل واضحاً. لأنه في الجوهر، كان هذا هو الدرس الذي يجب أن يتعلمه أيوب. وبحسب العهد الجديد، إنه الدرس الذي علينا نحن أيضاً أن نتعلمه، وهو أنه على الرغم من المظاهر المناقضة، فإن “الغريب” – أي الله – يعرف أفضل، ونحن قد دعينا لأن نثق فيه.

 الدعوة إلى الثقة

بدأ اتجاه أيوب الشخصي بمزيج من الشفقة على الذات والثقة في الذات. فحيث أن حياته قد انهارت وتدمرت بمصيبة تلو الأخرى، لم يكن من المستغرب أن يغوص أيوب في أحزانه. لكنه على الرغم من نصيحة زوجته له بأن يلعن الله ويموت، أصر أيوب على الدفاع عن براءته الشخصية. لكن على النقيض من ذلك، كان الاتجاه الذي شجع عليه أصدقاء أيوب الثلاثة هو اتهام الذات. «لا بد أن تعترف يا أيوب أنك تتألم بسبب خطيتك. هذه هي دينونة الله عليك، تب وسيكون كل شيء على ما يرام.» لكن أيوب رفض أن يتم إجباره على توقيع اتهام باطل، وإنكار براءته. بعد ذلك ظهر الصديق الرابع أليهو في المشهد، وحث أيوب على تبني اتجاه آخر، وهو تهذيب النفس. فدعا أيوب أن يرى أن هناك نوع من السبب والهدف من ألمه، فليس الأمر قصاصاً بل تهذيباً وتدريباً، لكي يدرك أنه بقدر ما، هذه هي طريقة الله لتهذيبنا وتقويمنا. ثم أخيراً، تحدث الله إلى أيوب، والاتجاه الوحيد الذي ترك مفتوحاً لأيوب كان التسليم، والسقوط أمام الله في مهابة ورهبة واتضاع. وهذا بالطبع هو الاتجاه الذي يريده الله.

يشعر كثيرون من الناس أن القصة كان يجب أن تنتهي في أيوب 42: 6، بسقوط أيوب على ركبتيه، وهو يقول: «لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد.» لكن يبدو أمراً لا يمكن تصديقه تقريباً بالنسبة للبعض، أنه بعد ذلك الصراع القاسي مع مشكلة الألم التي فيها تم التعبير صراحة عن تحدي المعتقدات التقليدية القديمة، أن يتخلى الكاتب عن كل ذلك، وينهي القصة مثل نهايات الروايات الخيالية، «وعاشوا جميعاً معاً بسعادة.» قد تكون للروايات الخيالية نهايات سعيدة، ولكن ذلك لا يحدث في معظم الأحيان في الحياة الواقعية. فعندما تنتهي القصة بأن أيوب أصبح لديه أكثر مما كان له في الأصل، فإن هذا يقوض الجدل الرئيسي للسفر، لأنه يعطي الانطباع بأن نظرية القصاص العقابية هي نظرية صائبة؛ وهي أنك إذا كنت شريراً سوف تعاقب، وإذا كنت صالحاً سوف تكافأ؛ كما لو أن الله كان يحاول أن يسترضيه بقليل من الأشياء الجيدة، وهو يقول له: «إنني لست شريراً على أية حال، فأنا عطوف، كما تعرف».

بالقراءة السطحية للنص، يمكن للبعض فعلاً أن يعتقدوا ذلك، ولكني أعتقد أنه لم يكن من الممكن أن تكون النهاية غير ذلك. لأننا إذا كنا قد انتهينا ببساطة بمجرد لقاء أيوب مع الله، كان يمكن أن يتم تبرير حكمة الله وقوته، ولكن ليس عدله، إذا كان قبل كل شيء هو الاهتمام الأساسي لأيوب.

في هذه الخاتمة، نرى كلاً من عدل الله ورحمته، يلتقيان معاً بشكل كامل.

بل وأكثر من العدل.

بداية، نرى عدل الله في الطريقة التي تعامل بها مع أصدقاء أيوب الثلاثة:

«وكان بعدما تكلم الرب مع أيوب بهذا الكلام أن الرب قال لأليفاز التيماني قد احتمى غضبي عليك وعلى كلا صاحبيك لأنكم لم تقولوا فيّ الصواب كعبدي أيوب. والآن فخذوا لأنفسكم سبعة ثيران وسبعة كباش واذهبوا إلى عبدي أيوب وأصعدوا محرقة لأجل أنفسكم وعبدي أيوب يصلي من أجلكم لأني أرفع وجهه لئلا أصنع معكم حسب حماقتكم لأنكم لم تقولوا فيّ الصواب كعبدي أيوب. فذهب أليفاز التيماني وبلدد الشوحي وصوفر النعماني وفعلوا كما قال الرب لهم ورفع الرب وجه أيوب» (أيوب 42: 7-9).

هل تذكر كيف كان على أيوب أن يتحمل الكثير من الافتراءات، وكيف تم ذمه مرات ومرات، وتم وضع صفاته وشخصيته موضع المساءلة والتشكك؟ هل تتذكر الآن كيف تم اتهامه بأنه مرائي، وأنه يتبنى أفكاراً شريرة، وأنه قد حصل على ثروته من خلال ممارسات قاسية؟ كان هذا مؤلماً للغاية. ولكنه كلما اعترض أكثر، كلما اقتنع متهموه أكثر بأنه يخفي شيئاً ما. كان أيوب يحتاج بشدة إلى شخص يأتي للدفاع عنه؛ شخص يعرف الحقيقة ويشهد ببراءته. لكن لم يكن هناك إلا شخص واحد استطاع أن يفعل ذلك، الله نفسه.

وهذا بالتحديد هو ما نجد الله يفعله هنا. فقد غضب من المعزين الثلاثة لأيوب بسبب ما قالوه. ربما كانوا مخلصين في اعتقاداتهم، لكن الإخلاص ليس مبرراً، فقد كانوا على خطأ واضح. كانوا مخطئين فيما قالوه عن أيوب، كما أن مفاهيمهم كان خاطئة بالنسبة لما قالوه عن الله، فمما يثير السخرية أن هؤلاء الثلاثة اعتقدوا أنهم يمثلون الله، بينما في الحقيقة كانوا طوال الوقت يسيئون فهمه. وفي النهاية، قام لاهوتهم بالتقليل من الله إلى مجرد طاغية متناقض مع نفسه، زاعمين أنه يفعل كل شيء لمجرد فقط العقاب، لكن من الواضح أن نظريتهم لم تتفق مع الحقائق، لذلك كانت النتائج ظهور الله وكأنه وحش متجبر، يعاقب بعض الناس ويترك الآخرين. وهذه نظرة خاطئة لله. لذلك نحتاج أن نكون شديدي الحذر حتى لا نجد أنفسنا نشوه صورة الله، ربما بالتركيز على عدله. لكن مثل هذه الصورة المريعة الباطلة لن تمر مرور الكرام.

لقد تم تبرئة أيوب في الوقت المناسب، لكن هذا لا يحدث دائماً بالنسبة للمسيحيين، فقد نواجه سوء الفهم أو تشويه السمعة، حتى ممن يطلق عليهم أصدقاؤنا المسيحيون، ويكون علينا أن نعيش مع هذا الألم. لكن سيأتي اليوم الذي سينكشف فيه كل شيء، عندما تفتح الأسفار – وسيكون هذا هو يوم الدينونة. وعندها سوف توضع الأمور في نصابها الصحيح، وتنكشف تلك الأكاذيب وأنصاف الحقائق، وتلك السخرية والاحتقار التي ربما كان علينا احتمالها، ليس فقط لأنه قد دعي علينا اسم يسوع، بل أيضاً لأنه كانت لدينا الشجاعة لكي نطبق إيماننا بطرقة عملية، حيث أحجم المسيحيون الآخرون عن ذلك. لذلك ليس علينا أن ننشغل كثيراً بمحاولة تبرئة أنفسنا، بل بدلاً من ذلك، علينا أن نكمل ما دعانا الله لتحقيقه، ونترك الحكم له. وسوف يعمل هو على إعلان براءتنا إذا كنا أبراراً. لذلك دعونا ألا نقلق بشأن هذا الأمر بإفراط.

وها هي الكلمات الحكيمة التي قالها الرسول بولس في هذا الشأن (وهو رجل مثل أيوب، عرف معنى أن يساء فهمه ويفترى عليه بواسطة أصدقائه): «إذاً لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله.» (1كورنثوس 4: 5).

نعمة مذهلة

لا نرى هنا فقط عدالة الله العاملة، لكننا نجد رحمته كذلك – رحمة الله التي لا نستحقها. فقد أظهر الله رحمته عندما قدم طريقة للتعامل مع خطايا أصدقاء أيوب وغفرانها. فلو كان الله قد عاملهم بحسب عدله الصارم، كما كانوا يجادلون بأن الله لا بد أن يعامل كل إنسان بهذه الطريقة، لكانوا قد أزيلوا من الوجود. ولكن الله لم يتعامل معهم هكذا. كان لا بد من التكفير عن الخطية، وقد تطلب ذلك ذبيحة. بل الأكثر من ذلك، كان لا بد من وجود شخص لكي يتشفع لأجل الخطاة، شخص له مكانة جيدة، شخص يسمعه الله. وكان الشخص الوحيد الذي حقق كل هذه المتطلبات هو الشخص الذي افتروا عليه باعتباره كاذباً ومخادعاً – أيوب.

وقد صلى أيوب لأجلهم بالفعل، وقبل الله صلاته. لم يكن لدى أيوب حقد أو استياء وغضب ضد هؤلاء الرجال الذين باتهاماتهم القاسية، قد أشعروه بألم وحزن أكثر مما استطاع احتماله. بل كان لديه فقط العطف تجاههم. وإني أتساءل، ترى كم منا يمكن أن تكون له نفس النعمة في التصرف بتلك الطريقة؟ إن أيوب شخص يثير الإعجاب حقاً، أليس كذلك؟ ففي كثير من الأحيان، عندما يقول شخص ما كلمات سيئة ضدنا فإننا لا ننساها، ونعمل على ألا ينساها هو أيضاً. لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة لأيوب، فقد صلى لأجل أصدقائه. وهنا نتذكر سريعاً شخصاً آخر تألم وصلى لأجل أولئك الذين سخروا منه واستهزئوا به وبصقوا على وجهه وصلبوه. فقد صلى يسوع: «يا أبتاه اغفر له لأنهم لا يعلمون ما يفعلون.» ألا يوجد في استجابة أيوب على الأقل شبه بعيد بالطريقة التي كان الله يظهر بها دون أي شك أنه عادل ورحيم في نفس الوقت، بأن قدم أعظم تضحية وذبيحة لأجل خطايانا، في جسد ابنه الوحيد على الجلجثة (رومية 3: 26)؟ فالله لا يناقض نفسه، كما أوحى منطق أصدقاء أيوب بذلك، إذ أن الله لا يتجاهل الخطية، بل قد تعامل معها بأن حملها في نفسه في شخص ابنه الحبيب، لكي ننال نحن الحرية.

فضلاً عن ذلك، إننا نرى أيضاً رحمة الله تظهر لأيوب في الطريقة التي استرد بها حياته السابقة، ليس فقط كما كانت، بل أكثر بكثير: «ورد الرب سبي أيوب لما صلى لأجل أصحابه وزاد الرب على كل ما كان لأيوب ضعفاً.» (42: 10).

لكن من المهم ألا نرى ذلك باعتباره تعويضاً عن كل ما مر به أيوب. تذكر كيف كانت سخرية إبليس في البداية، بأن السبب الوحيد الذي يجعل أيوب تقياً هو كمية البركات التي تمتع بها، وأنه كان هناك دافع خفي لتقواه. لكن بأخذ كل شيء من أيوب، أظهر الله أن سخرية إبليس كانت كاذبة. فحتى عندما لم يكن لديه شيء يغريه بالإيمان بالله، ظل أيوب يثق فيه ويؤمن به. فلم يكن أيوب يفكر بمنطق: «حسناً، لو تمكنت فقط من الصمود إلى النهاية، فقد يكون لدى الله بعض المكافآت لي.» فأيوب لم يكن يعرف كيف ستكون النتيجة والنهاية، بل الحقيقة أنه كان يفكر على الأرجح أنه سيموت. ولكنه رغم ذلك استمر يثق في الله – “فالغريب” يعرف أفضل.

ألم يكن في ذلك مؤشراً للسماء؟ فقد ظهر سفر أيوب في تاريخ شعب الله المبكر، قبل وضوح أية أفكار معلنة عن السماء وعن الحياة بعد الموت. فقط بواسطة تبرير الله لأيوب في الوقت المناسب، بدلاً من تبرئته في نهاية الأزمنة، أمكن للعدل أن يرى. وفقط بواسطة مباركة الله لأيوب في هذا العالم، كما في العالم الآتي، أمكن إظهار أن الحياة التقية تستحق أن نحياها.

ورغم أننا لا يجب أن نتبع الله فقط بسبب ما يمكن أن نجنيه من وراء ذلك، لكنه من المنطقي جداً أن نتبع الله لأن هذه هي فقط الحياة المشبعة. فهذا أمر مشبع في هذه الحياة، عن طريق العلاقة الشخصية مع الله، ووجود توجه وإرشاد لنا في الحياة – “الحياة الأفضل”، كما قال يسوع. ورغم أننا مادياً قد لا يكون لدينا الكثير للتظاهر به، إلا أن هذا لا يمكن مقارنته بالأمور الروحية.

لكن الأمر المشبع كذلك في الحياة الآتية، لأننا عندها سوف نختبر الفرح الكامل لكوننا مؤمنين بالمسيح، بدلاً من العذاب الأبدي. وهنا نرى أيوب، بطريقته الخاصة، يكتشف تلك الحقيقة بنفسه، وهي أن الله يكرم الذين يكرمونه. فهو لا يأتي لنا خالي الوفاض، لكوننا قد تألمنا لأجله وظللنا أمناء له رغم صعوبة وقسوة الطريق، ومن الجيد بالنسبة للمؤمن الذي يجتاز في نيران الألم أن تكون له هذه النظرة الخاصة بتعزيات السماء. استمع مثلاً إلى تلك الكلمات من كتاب سفر العبرانيين، الذي كان يكتب للمؤمنين المحدثين الذين كانوا يطحنون من الألم بسبب إيمانهم:

«ناظرين إلى رئيس السلام ومكمله يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي فجلس في يمين عرش الله.» (عبرانيين 12: 2).

وحتى يسوع أعطيت له الشجاعة والقوة لكي يتحمل أشنع الآلام قسوة، بأن كان في قلبه وأمام عينيه السرور الآتي الموضوع أمامه. السرور ليس فقط لعودته إلى أبيه السماوي ولتلك العلاقة الرائعة للمحبة والمجد الذي استمتع به منذ الأزل؛ وليس فقط مجرد السرور لحكمه مع أبيه على الكون بأكمله الذي خلقه؛ لكن الفرح والسرور الفائق برؤية الكثيرين من الأبناء الروحيين يأتون إلى المجد من خلال الإيمان به. فقد أخرج أيوب نسله من الشدة والمحنة، كما فعل يسوع بأولئك الذين آمنوا به. أليس أمراً مؤثراً أن نعرف أنه ظننا مستحقين لذلك؟ فإذ نظر ابن الله الأزلي إلينا من السماء عبر الزمن، ورأى وجه كل ابن من أبنائه المختارين، قال: «لأجلهم سأذهب إلى الصليب، لأجلهم سأتحمل المهانة والسخرية وكل الألم الذي سيلقيه الناس عليّ، بل إني سأتحمل ذنبهم، ما دامت هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها تحريرهم. نعم، لأجل هذا السرور برؤيتهم في السماء، فإني مستعد للألم.»

الإيمان بإله متألم

لكن، ربما لا تزال غير مقتنع. فمثل الكاتب فيليب يانسي، قد تقول: «لو كان الله فعلاً هو المسؤول والمتحكم في كل شيء، وإن كانت له علاقة بشكل ما بكل الآلام التي تجري في العالم، فلماذا نجده متقلباً وغير عادل؟ هل هو شخص سادي يفرح بمشاهدتنا ونحن نتلوى من الألم؟»[2] وربما نقول: «لا بأس بذلك بالنسبة لله الذي يجلس مستريحاً وآمناً في السماء، فماذا يعرف هو عن الألم، وماذا يعرف عن الانهيار النفسي المدمر؟»

لكن لا بد للمؤمن بالتأكيد أن يرد بأن الله يعرف أكثر بكثير مما يعرف أي إنسان منا، ويعتبر أيوب نموذجاً لذلك من عدة نواح، مشيراً بذلك إلى الآخر الآتي، وهو الشخص الذي كان يعرف أيضاً بأنه عبد الرب، وهو شخص آخر أراد إبليس أن يجربه. لكن بينما لم يسمح الله بالنسبة لأيوب أن يقوم إبليس بتجربته إلى درجة الموت، فإنه مع ذلك العبد الآخر، سُمح لإبليس بأن يذهب الطريق بأكمله. فلم يكن هناك ألم كان أكبر من أن يوقعه على هذا البار. وإذا كان أيوب قد نزل إلى الدرجة التي كان فيها يجلس في التراب والرماد، فإن يسوع قد انتزعت منه ملابسه، وسمر على الصليب مثل خيال المآتة على تل من النفايات.

قد تجد من الصعب أن تؤمن بالله بسبب الألم، لكني أجد أنه يجب أن أومن بالله بسبب الألم – آلام يسوع. ففيها نرى الله الذي يهتم فعلاً، والذي يعتني بنا بما يكفي لأن يحمينا من العذاب الأبدي الذي تستحقه خطايانا، حتى أنه تألم مكاننا. هل ترغب حقاً في أن تسبر غور سر الألم؟ إذاً أنت تحتاج أن تنظر إلى ذلك الشخص المعلق منعزلاً ووحيداً ومشوهاً على الصليب، حيث المسامير تخترق يداه ورجلاه، وظهره ممزق، وأطرافه متهرئة، وجبينه يقطر دماً من إكليل الشوك، وفمه جاف ويشعر بعطش رهيب، وهو يهوي في ظلمة تجاهل الآب له. تحتاج أن تنظر إلى هناك، وإذا أردت أن ترى كيف يتحول هذا الكم الرهيب من الألم إلى خير غير محدود، فانظر إلى القبر الفارغ، وإلى البستان الذي يقف فيه المصلوب المنتصر، ويداه ممدودتان، مقدماً عطية الحياة الأبدية، وهو يقول لك: «ثق، وآمن بي.»

[1] باسيل ميتشل Theology and Falsification, in New Essaysin Philosophical Theology، إيه فلو وإيه ماكينتر (محرران)، (SCM، 1958).

[2] فيليب يانسي Where is God When it Hurts? (Zondervan، 1977).

Exit mobile version