وحدانية القدرة والعمل بين الابن المتجسد والآب

وحدانية القدرة والعمل بين الابن المتجسد والآب

وحدانية القدرة والعمل بين الابن المتجسد والآب
 

ماذا يمكن أن يحدث لو لم تكن هناك وحدانية في القدرة والعمل بين الابن المتجسد والله الآب؟

وللإجابة على هذا السؤال، سنجد أن تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί قد أكَّد بوضوح عدم وجود انفصال ليس فقط بين جوهر الابن وجوهر الآب، بل أيضا بين أعمال الابن وأعمال الله الآب. وحين قال السيد المسيح في إنجيل القديس يوحنا: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل، فقد كان يطابق بين عمله وعمل الله الخالق[1]. ويقول القديس أثناسيوس: هو الذي صنعنا بكلمته، صنع كل الأشياء الصغيرة منها والكبيرة.

وليس لنا أن نقسم الخليقة ونقول إن هذا صنعه الآب وذاك صنعه الابن، لأن الكل صنعه الله الواحد الذي يعمل بكلمته الحقيقي مثل يده ويخلق الكل به لنا إله واحد، الآب الذي منه جميع الأشياء، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء[2]. ولكن إذا فصلنا بين الابن والآب، فإن ذلك سوف يجعلنا بالتالي نفصل عمل الابن عن عمل الآب، لأنه سوف ينزل بعمل الابن إلى مستوى عمل المخلوق[3].

فلو لم يكن يسوع المسيح هو نفسه الله، لغاب كل سلطان وكل شرعية في أي شيء قاله أو صنعه لأجل البشر؛ ولو لم يكن هو الله لما استطاع أن يعمل كإله؛ ولو لم يكن هو الخالق لما استطاع أن يخلِّص ويعيد خلقة البشرية[4] كما أكَّد القديس أثناسيوس أنه لا يمكن لمخلوق أن يخلِّص مخلوقًا أبدًا[5].

إذن فللإجابة عن سؤالنا الافتراضي، لا بد أن نقول إنه لو فُصلت أعمال يسوع المسيح عن أعمال الله الآب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل الأشياء ما يُرى وما لا يُرى، لسقط أساس الإنجيل كله. ولو اعتبرنا أن ما صنعه المسيح لأجلنا ليس هو عمل الله الذي صار إنسانًا بل فقط هو عمل إنسان قد لُقِّب ب ابن الله كمكافأةٍ له مقابل خدمته للآخرين من البشر لكان المسيح لا يجسد نعمة χάρις الله الخلاصية للبشر، ولكان عاجزًا تمامًا عن عمل التأليه θεοποίησις[6].

وفي المقابل، إذا كان يسوع المسيح لا ينفصل لا في الجوهر ولا في العمل عن الله الآب، فإنه بالتالي يكون بالجوهر وبالعمل وفي حضوره المتجسد وتدبيره الخلاصي هو إعطاء الله ذاته للجنس البشري[7]. وهكذا فكما أن تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب يؤكد أن الله ذاته هو مضمون إعلانه في يسوع المسيح، فإن هذا التعبير أيضًا يؤكد أن الله ذاته هو محتوى أو مضمون نعمته الخلاصية في يسوع المسيح[8]. ففي يسوع المسيح: مُعطي النعمة وعطية النعمة هما واحد تمامًا*، لأن في المسيح وبالمسيح لا يكون إلاّ الله ذاته هو الذي يعمل لأجلنا ولأجل خلاصنا[9].

وكان المصطلح المميَّز الذي استُخدم في الفكر اللاهوتي الآبائي المدوَّن باليونانية للتعبير عن إعطاء الله ذاته للجنس البشري بالمسيح وفي الروح القدس: هو التأله#θέωσις[10]. فالمسيح لم يكن إلهًا لأنه يشترك في الله، بل هو ذاته الله بالتمام والكمال وله ذات الجوهر الواحد مع الآب. وبفضل حقيقته الإلهية، وحضوره المتجسد داخل الجنس البشري، فهو يعمل في البشر بفعله الإلهي الخالق بطريقة فائقة، جاعلاً إياهم يشتركون فيه من خلال النعمة، وبهذا يشتركون في الله.

وهكذا فإن مصطلح التأليه θεοποίησις أو التأله θέωσις قد اُستخدم لوصف الفعل الفريد لله المتجسد*، ذلك الفعل الذي يلازم جوهره الإلهي بغير انفصال: فهو فعله الكائن في جوهره أو هو جوهره الكائن في فعله. فيسوع المسيح في شخصه المتجسد هو فعل الله الفريد الذي به نخلص ونتجدد، ولكن بطبيعة الحال نحن لا نحصل على الخلاص أو التجديد بواسطة عمل المسيح دون أن نكون متحدين به وشركاء فيه.

وقد بنى لاهوتيّو نيقية مفهومهم عن التأليه θεοποίησις معتمدين على قول الرب في إنجيل يوحنا 35:10، بأن الكتب المقدسة قد دعتهم آلهة θεοί أولئك الذين صارت إليهم كلمة# الله[11]. وقد فهم الآباء أن هذا يشير إلى أولئك الذين رغم أنهم مخلوقون قد صاروا شركاء للكلمة بواسطة فعله الخالق فيهم. فالمسيح وحده هو الله Θεός، إله حق من إله حق، وهو وحده الابن الحقيقي للآب، ولكن بواسطة فعله التأليهي θεοποίησις، تم تبنينا وصرنا أبناءً لله فيه، ومن هذا المنطلق فإن أولئك الذين من خلال الاتحاد بالمسيح قد قبلوا نعمة ونور روحه القدوس يُقال عنهم أنهم آلهة θεοί[12].

وفي تطبيقهم لمصطلح هوموأووسيوس على الابن المتجسد وكلمة الله، رفض آباء نيقية رفضًا قاطعًا فكرة أنه مخلوق متوسط بين الله والإنسان، بل بالأحرى رأوا أنه ينبغي النظر إليه على أنه وسيط بكل ما تعنيه الكلمة، وذلك بكونه هو الله وإنسانًا في آنٍ واحد. ففي الابن المتجسد، الله ذاته وهو في جوهره الأزلي، قد تنازل ليصير إنسانًا، وذلك لكي يعطي ذاته ويعلن ذاته وليس جزءً من ذاته للبشرية.

وبنفس الطريقة عند تطبيقهم مفهوم الهوموأووسيوس على عطية النعمة، رفض الآباء رفضًا قاطعًا فكرة أن النعمة هي مجال مخلوق بين الله والإنسان، بل على العكس اعتبروا أن النعمة هي إعطاء الله ذاته لنا في ابنه المتجسد، والذي فيه أي في الابن المتجسد المُعطي والعطية هما واحد بغير انفصال[13]. ويقول القديس أثناسيوس: من خلال الابن نحن نُعطى ما نُعطَى، فالآب لا يعمل شيئًا إلاّ بالابن، لذلك فالنعمة محفوظة لمَن يحصل عليها[14].

وفي ظل هذا النمط من العطاء الذي تحكمه الوحدانية التي بين الآب والابن، فإن النعمة لا يمكن أن تكون هبة إلهية قابلة للانفصال عن الله أو قابلة للانتقال منه لتُعطى للإنسان، وهي التي بفضلها يصير الإنسان بصورة ما مؤلَّهًا أو إلهيًّا*[15].

إن نعمة ربنا يسوع المسيح ينبغي أن نفهمها بنفس الطريقة التي نفهم بها حقيقة الروح القدس الذي كما عبَّر قانون الإيمان النيقي القسطنطيني عنه، هو الرب المحيي. وقد أكد القديس أثناسيوس هذه النقطة مرات كثيرة وبصفة خاصة في رسائله إلى سرابيون إذ قال: إن الروح القدس هو هو بغير تغيير على الدوام، وهو لا ينتمي إلى طبيعة الذين يشتركون فيه رغم أن كل الأشياء تشترك فيه[16].

كذلك أيضًا النعمة، لأن النعمة هي إعطاء الله ذاته لنا في المسيح يسوع، ولا يمكن فصلها، أو بالحري فصله أي المسيح عن الله بأي شكل من الأشكال، لأنه واحد في ذات الجوهر مع الله المعطي[17]. وإعطاء الله ذاته لنا في النعمة لا يمكن فصله أبدًا عن الجوهر الواحد والفعل الواحد الذي للثالوث القدوس.

ويقول القديس أثناسيوس في ذلك: الثالوث القدوس المبارك واحد في ذاته بغير انقسام. وعندما يُذكر الآب، فإن ذلك يتضمن كلمته والروح القدس الذي هو في الابن. وعندما يُذكر الابن، فإن الآب هو في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة. لأنه توجد نعمة واحدة من الآب تتحقق بالابن في الروح القدس[18].

ويعود القديس أثناسيوس ليؤكِّد مرة أخرى: هذه النعمة والعطية التي تُعطى، إنما تُعطى في الثالوث القدوس، من الآب بالابن في الروح القدس. وكما أن النعمة المعطاة لنا هي من الآب بالابن، فإنه لا تكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه، تكون لنا محبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس ذاته[19].

ولمصطلح هوموأووسيوس أهمية إنجيلية تتضح تمامًا في أعمال المسيح الخلاصية مثل الشفاء والغفران والمصالحة وفداء البشرية الساقطة، لأن هذا المصطلح أكَّد بأقصى ما يمكن على أن كل هذه الأعمال تمت نتيجة علاقة الوحدة غير المنفصلة والشركة التامة الكاملة بين يسوع المسيح والله الآب. كما تكمن أهمية موضوع التأليه θεοποίησις في تأكيده القاطع على الوحدانية في الفعل كما في الجوهر بين الابن والآب، مما يجعل أعمال المسيح الخلاصية في الإنجيل هي نفسها أعمال الله ذاته لأجلنا ولأجل خلاصنا.

وهكذا ينكشف مدى تأثير وشرعية هذه الأعمال من خلال الإصرار على أن هذه الأعمال هي تلك التي يستطيع الله الآب وحده بكونه ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يرى وما لا يرى أن يعملها.

وبدون هذا الأساس كما رأى آباء نيقية فإننا نفرغ الإنجيل من جوهره الخلاصي. وعلى سبيل المثال: ماذا تكون قيمة وفاعلية كلمة الغفران التي قالها السيد المسيح لأحد الخطاة لو أن المسيح كان مجرد مخلوق، لأن الله وحده هو الذي يستطيع أن يغفر الخطايا وهو يغفرها بالفعل كما لو كان الخاطىء لم يفعل هذه الخطية بل ويجدد كيانه أيضًا؟ الحقيقة أنه فلو لم تكن كلمات يسوع المسيح وأعمال محبته الغافرة مؤسسة على كيان الله وحقيقته، لما كان لها أي أثر أو معنى.

ثم ماذا عن آلام السيد المسيح وفدائه للبشرية؟ وماذا تكون غاية الصليب لو أن المسيح الذي عليه كان منفصلاً عن الله، أي لو أن المسيح وهو على الصليب كان مجرد مخلوق والله بعيد تمامًا عنه ومنعزلاً في كيانه الإلهي؟ كيف كان ممكنًا أن يتم الفداء ما لم يكن الله ذاته في حبه وتحننه الفائق هو الذي أتى إلينا في يسوع المسيح ليجعل طبيعتنا وموتنا خاصًّا به من أجل خلاصنا؟

وكان هذا هو السؤال الذي طرحه القديس أثناسيوس في جداله الطويل مع الأريوسيين، حيث أظهر أنه في يسوع المسيح اتخذ ابن الله الأزلي شكل العبد ليصير بالتحديد كاهنًا وذبيحة في آنٍ واحد، وذلك في تدبيره الخلاصي لأجلنا[20]. ولم يكن لدى آباء نيقية أدنى شك في أن موت المسيح على الصليب كان هو عمل الله نفسه في أعماق وجودنا البشري المخلوق من أجل خلاصنا، وإلاّ فيكون ما حدث على الصليب بلا أي معنى أو فائدة. وقد عبَّر القديس غريغوريوس النزينزي عن هذا المعنى في عظة في عيد الفصح: الله مصلوب … هذه هي المعجزة.

لقد كنا في حاجة إلى إله يتجسد، إله يموت لكي نحيا نحن. فكلنا قد متنا معه حتى نتطهر، وقد قمنا ثانيةً معه لأننا متنا معه. وقد تمجَّدنا معه لأننا قمنا معه[21]. إذن فهذا الفداء يكون مفرغًا من مضمونه تمامًا، لو لم يكن الابن المتجسد، الإله الحق من الإله الحق، هو الذي تألم ومات لأجلنا على الصليب.

ثم ماذا عن المصير النهائي للبشرية عندما يأتي السيد المسيح في مجيئه الثاني ليدين الأحياء والأموات؟ كيف يكون التفكير في ذلك لو لم يكن يسوع المسيح هو نور من نور، إله حق من إله حق، بل مجرد كيان زائل يرحل عن هذا العالم مع بقية الخليقة؟ ولن يكون السيد المسيح في هذه الحالة كفيلاً لمستقبلنا، بل سيكون كل ما يمكن أن نرجوه في النهاية هو ملاقاة إله مستبد ومجهول لنا تمامًا، ولا علاقة له بيسوع المسيح أو بكل ما كان قد أعلنه.

ولكن ما هو الوضع إذا كان المسيح هو الله الظاهر في الجسد، الذي قد أخذ على عاتقه دينونة العالم وبحكم هذا فهو الوسيط بين الله والإنسان وبه يدين الله جميع الناس في اليوم الأخير؟[22] هذا بالتحديد هو ما يوضحه قانون الإيمان النيقي، لأن لمصطلح هوموأووسيوس تأثيره البالغ في فهمنا للدينونة الإلهية، لأنه يؤكد أنه لا يوجد فاصل أو مسافة من أي نوع بين يسوع المسيح والله ديَّان العالم كله.

فدينونة المسيح ودينونة الله هي واحدة تمامًا، لأنه حتى في الدينونة الأخيرة فإن الله الآب والابن المتجسد هما واحد تمامًا في الجوهر وفي العمل. وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت قانون الإيمان يؤكد أن المسيح ليس لملكه انقضاء، لأن التجسد لن يزول أبدًا بل سيدوم وسيبقى إلى أبد الآبدين[23].

المكانة المحورية لمصطلح هوموأووسيوس في الكنيسة

عندما شرع آباء الكنيسة العظام في التأمل بدقة في كل ما يمكن أن يترتب على تعبير هوموأووسيوس μοούσιος، اكتشفوا أن هذا التعبير يحمل في طياته معاني تزيد بكثير عما كان مُدركًا وقت صياغته واستخدامه في قانون الإيمان. وسرعان ما صار هذا التعبير هو ركيزة أرثوذكسية المسيحية أو التقوى، وصار مَن يرفضه كمَن أنكر رسالة الخلاص إنكارًا صريحًا كما قال القديس غريغوريوس النيصي[24]. بل ما هو أكثر من هذا، أن الآباء قد غمرهم الانبهار والدهشة إزاء دلالة العلاقة الداخلية التي للابن المتجسد بجوهر الله الحي، وماذا تعني هذه العلاقة بالنسبة لحياة السيد المسيح كلها، والتي ينبغي اعتبارها متضمَّنة داخل علاقات التواجد الاحتواء المتبادل التي للثالوث القدوس.

فما صار فيه ابن الله في تجسده، وما اختبره وقاله وصنعه لأجلنا ولأجل خلاصنا، كان مؤسسًا في الله، ومُعتبرًا أنه في داخل الله وخاصًّا به تمامًا. والأدهش من هذا كله، أن يسوع ابن العذراء مريم الذي عاش حياة بشرية كاملة بيننا كواحد منا، لم يكن هو إلاّ الله ذاته الذي قد صار إنسانًا، وهو وفي نفس الوقت وإلى الأبد ينتمي إلى عمق جوهر اللاهوت[25]. ولا عجب إذن في أن آباء الكنيسة قد جاهدوا بشدة من أجل الحفاظ على صحة هذا الإيمان الذي توهج نوره بقوة في ذهن الكنيسة في نيقية، مما ولَّد قناعة لدى المؤمنين بأن ما حدث في هذا المجمع كان بالحقيقة من الله.

وفي أثناء التوصل إلى صياغة مصطلح هوموأووسيوس بنيقية، حدث أمر جوهري في فكر الكنيسة الأولى، فقد تمت خطوة حاسمة نحو مستوى أعمق في فهم الإنجيل، وفي نفس خط التقليد الرسولي الذي لا يمكن للكنيسة أن تتراجع عنه طاعة منها لإعلان الله الخلاصي في المسيح يسوع. وقد كانت هذه الخطوة حدثًا لا رجعة فيه في تاريخ الفكر اللاهوتي المسيحي.

ويمكننا أن نستدل على أهمية ما قد تم إذا نظرنا إلى ما نفعله في لعبة لغز الصورة المُقطَّعة jig-saw puzzle أي الأحجية المؤلفة من قطع صغيرة يتعين على المرء أن يرتبها بحيث تشكِّل صورة ما. فنحن نرتب القطع المتناثرة حتى يظهر منها الشكل المطلوب، وإذا أعدنا تفكيكها فلن نجد صعوبة كبيرة في إعادة ترتيبها مرة أخرى. ولكننا لا نستطيع عمل هذا بدون تذكر الصورة التي توصلنا إليها في المرة الأولى، لأن شيئًا ما قد حدث في العقل والذاكرة يتعذر إلغاؤه، وهو الذي يؤثر على كل المحاولات التالية للرجوع إلى الشكل المتكامل الأصلي المكوَّن من القطع المختلفة.

وقد وقع حدث لن يُمحى من هذا النوع في عقل وذاكرة الكنيسة في مجمع نيقية عام 325م، وكان هذا نقطة تحول ذات أهمية كبرى وتطور في الفهم لا رجوع عنه. وعندما تأكد مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب، وتمت صياغته بوضوح في مصطلح هوموأووسيوس μοούσιος، كان هذا خطوة عملاقة إلى الأمام نحو إدراك أعمق لترابط الإنجيل كما نقلته إلينا كتابات الرسل. وبمجرد الوصول إلى هذا المفهوم في الكنيسة، لم يكن من الممكن التراجع عنه، لأن المضمون الإنجيلي للإيمان كان قد تم حفظه وتأمينه في ذهن الكنيسة بشكل دائم وباقٍ. وكما قال القديس أثناسيوس: إن كلمة الله التي جاءت خلال المجمع المسكوني بنيقية تدوم إلى الأبد[26].

مصطلح هوموأووسيوس ينطبق على علاقة الابن الأزلي بالآب، وينسحب بالتالي على علاقة الابن المتجسد بالآب

لقد تناولنا في هذا الفصل، الأهمية الكبرى التي ينطوي عليها مصطلح هوموأووسيوس في توضيحه وتأكيده للوحدانية في ذات الجوهر بين يسوع المسيح والله الآب. وقد اهتممنا بتوضيح حقيقة إنجيلية هامة، ألا وهي أن ما هو الله في يسوع المسيحفي كل إعلانه وعمله الخلاصي نحونا هو نفس ما هو الله في جوهره الذاتي. ولكن يوجد جانب آخر لهذه الحقيقة وهي أن مفهوم هوموأووسيوس أي الوحدانية في ذات الجوهر، ينطبق ليس فقط على العلاقة بين الابن الأزلي والآب، بل أيضًا كما أشرنا على العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والآب، ولذا كان علينا أن نبحث فيما يعنيه هذا من جهة بشرية المسيح.

وقد طُرح هذا السؤال في الكنيسة فورًا عقب مجمع نيقية كما نرى من رسالة القديس أثناسيوس إلى إبكتيتُس: وماذا عن بشرية الرب يسوع، إذا كان علينا أن نعطي مفهوم هوموأووسيوس هذه المكانة الرئيسية في إيماننا وفكرنا؟ وبلا شك كما ذكرنا فإننا نقول، إن يسوع المسيح وهو في كمال وتمام طبيعته البشرية له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وبكونه هو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، فلابد أن يكون إنسانًا كاملاً من إنسان، كما أنه في نفس الوقت إله من إله.

[1]كان لاهوتيو نيقية يقتبسون هذه الآية يو 17:5 بصورة متكررة، كما نرى في:

 Athanasius, In ill. om., 1; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.21f, 29, etc.

93 Athanasius, De decr., 7, & 1Cor. 8.6-see further De decr., 19ff; Con. Ar., 1.19; 2.31; 3.4, 39; De syn., 35, etc.

94 Athanasius, De syn., 46.

95 Athanasius, Con. Ar., 2.21ff, 29, 31, 56ff; Ad Max., 3f.

96 Athanasius, Ad Adel., 8.

97 Athanasius, Con. Ar., 1.6, 38-39, 42-43.

98 Athanasius, De decr., 1, 25; Con. Ar., 2.6, 9f, 45, 51f, 75f; Ad Ant., 7.

[8]يقول القديس أثناسيوس: هي نفس النعمة الواحدة، من الآب في الابن، كما أن النور الذي للشمس وللشعاع هو واحد، وكما أن إضاءة الشمس تتحقق من خلال الشعاع.

 Athanasius, Con. Ar., 3.11; cf. also 3.13

*إن نعمة ربنا يسوع المسيح هي كل ما عمله في جسد بشريته لأجلنا، ولا يمكن فصل ما عمله المسيح نعمة المسيح عن المسيح نفسه. وبما أن هناك وحدانية في العمل بين المسيح الابن المتجسد والله الآب وذلك بسبب الوحدانية في ذات الجوهر بينهما فإن النعمة العطية التي لنا في المسيح ومُعطي النعمة الله الآب هما واحد تمامًا. المترجم

100 Athanasius, De decr., 14; Con. Ar., 1.16, 39f, 50; 3.12f.

#انظر شرح المفهوم الأرثوذكسي لمصطلح ’التأله‘ في كتاب طبيعة وأقنوم للقمص تادرس يعقوب ملطي، مراجعة نيافة الأنبا بيشوي كنيسة مارجرجس سبورتنج طبعة سبتمبر 1987 صفحة 26. المترجم

[10] رغم أن مصطلح التأله θέωσις لم يرد حرفيًّا في كتابات القديس أثناسيوس، إلاّ أنه بالتأكيد كان متضمَّنًا في استخدامه للفعل يؤله θεοποιε: لقد صار إنساناً، لكي ما يؤلهنا نحن

ατός γάρ νηνθρώπησεν να μες θεοποιηθμεν. De inc., 54.

*إن مفهوم ’تأليه الإنسان‘ عند الآباء لا يعني أبدًا أن الإنسان سيصبح غير محدود وعالم بكل شيء، ولا يلغي طبيعة الإنسان المخلوقة أو يغير جوهره، لأن هذا معناه انتهاء الشركة نفسها التي بين الإنسان والله. ولكنه يعني تحقيق غاية خلقة الإنسان بالشركة مع الله والاتحاد به ونوال نعمة الحياة الأبدية.

ولكن الله سيظل على الدوام ’آخر‘ بالنسبة للإنسان، وسيظل الإنسان المخلوق متلقيًا من الله الخالق. وفي هذا يقول القديس اثناسيوس: ورغم أننا بشر من الأرض، ومع ذلك نصير آلهة، ليس مثل الإله الحقيقي أو كلمته، بل كما قد سُر الله الذي وهبنا هذه النعمة ضد الأريوسيين 3: 19. المترجم

#كان القديس أثناسيوس قد فسَّر ’كلمة الله‘ في هذه الآية على أنها تشير إلى اللوغوس الذي حل بيننا متجسدًا. ضد الأريوسيين 39:1. المترجم

[11]يو 35:10 – انظر القديس أثناسيوس Con. Ar., 1.39; Ad Afr., 7

وكان مفهوم ’التأليه‘ θεοποίησις هذا، يُدعِّم بمفهوم ’الاستنارة‘ φωτισμός، لأنه حيث إن المسيح هو إله من إله ونور من نور، وليس مجرد أنه يشهد للنور بل هو النور الحقيقي، فإن إنارته لنا تكون بالحقيقة فعلاً إلهيًّا ومؤلِّهًا. انظر:

 Athanasius, De decr., 23f; Con. Ar., 1.43; 2.41; 3.3ff, 125; 4.18; Ad Ser., 1.19f, 30, etc.

103Athanasius, Con. Ar., 1.9, 16, 37-43, 46-50; 2.47, 53, 59, 63-70, 74, 76-78; 3.17, 19-25, 34, 39-40, 53; 4.33-36. See also De decr., 14; De syn., 51; Ad Adel., 4; Ad Ser., 1.24.

[13]وفي تعليقه على فيلبي 9:2-10 كتب القديس أثناسيوس: لأنه كما مات المسيح ثم مُجِّد كانسان، فبالمثل قيل عنه أنه أخذ كانسان ما كان له دائماً كإله، وذلك لكي يمكن للنعمة المعطاه أن تصل إلينا. لأن الكلمة لم يُنتقص منه شيئاً بأخذه جسداً حتى يسعى للحصول على النعمة، لكن بالأحرى هو قد ألّه θεοποίησεν ما قد أخذه جسده الخاص، بل والأكثر من هذا أنه أنعم χαρίσατο بهذه العطية التأليه على الجنس البشري.

Con. Ar., 1.42. Cf. 2.69; 3.39-40

105 Athanasius, Con. Ar., 3.12.

*وحيث إن نعمة ربنا يسوع المسيح لا يمكن فصلها عن المسيح، فإن نوال هذه النعمة تعني الاشتراك في المسيح ذاته لأنها ليست أمرًا بعيدًا عنه، وهذا يتم من الآب في الروح القدس. وحيث إن المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، فبالتالي يصبح نوال نعمة ربنا يسوع المسيح هو هو شركة الثالوث الأقدس. المترجم

[15]كثيراً ما يُستخدممع الأسفهذا المعنى الضعيف للنعمة لتفسير مفهوم ’التأله أوالتأليه‘

θέωσις, θεοποίησιςوذلك في الإشارة إلى الآية شركاء الطبيعة الإلهية 2بط 4:1 –وهذا الأمر هو ما رفضه القديس أثناسيوس بشدة وبوضوح. Con. Ar., 2.17ff, 24f

انظر استخدام القديس أثناسيوس للآية 2بط 4:1 في Ad Adel., 4 مع الإشارة إلى حقيقة أن ابن الله بكونه صار إنسانًا، فإنه قد نقل ’نسلنا المخطىء‘ πλανηθεσαν γέννησιν إلى نفسه، حتى ما يمكن أن نكون ’جنسًا مقدسًا‘.

107Athanasius, Ad Ser., 1.27.

108Athanasius, Con. Ar., 2.18; 3.11ff, 24-25, 39f; 4.6f.

109Athanasius, Ad Ser., 1.14; cf. 3.5.

110Athanasius, Ad Ser., 1.30.

111Athanasius, Con. Ar., 1.41ff, 59ff; 2.7ff, 68ff, 75f; 3.31ff, 56f; 4.6f; and see especially the Athanasian Con. Apol., I & II.

112Gregory Naz., Or., 45.28f; cf. also ibid., 22.

113Athanasius, Con. Gent., 47; De inc., 20f, 56; In ill. om., 2; Con. Ar., 1.59f; 2.14, 31, 69, 76; 4.6f; Con. Apol., I.II; cf. De inc. et con. Ar., 22; and Serm. maj. de fid., 26.

114See Athanasius, Con. Ar., 1.42f.

115Gregory Nyss, Con. Eun., 1.15; cf. 2.12.

116See especially Athanasius, Con. Ar., 1.46; 2.69-76; 3.1-6, 30-35; 4.1ff. 33-36; Ad Epict., 5-9.

117 Athanasius, Ad Afr., 2.

وحدانية القدرة والعمل بين الابن المتجسد والآب

الأهمية اللاهوتية التفسيرية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية اللاهوتية التفسيرية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية اللاهوتية التفسيرية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

العلاقة المتبادلة بين الإيمان الرسولي والتقليد الرسولي

لقد كان عصر نيقية هو العصر الذي تم فيه توضيح قانون الحق أو قاعدة الإيمان[1]، وذلك من خلال الكشف عن مضمون الإيمان الداخلي في صياغة ثالوثية. كما كان هذا العصر أيضًا هو الذي تحقَّق فيه الاعتراف بقانونية الكتب المقدسة بكونها المستودع الذي يحتوي الإعلان الإلهي الذي نقله الرسل والأنبياء[2].

ولم يكن تزامن هذين الأمرين معًا من قبيل المصادفة، لأن توضيح وديعة الإيمان الرسولي في مواجهة التعاليم الخاطئة أي الدفاع عن الإيمان المُسلَّم، هو أمر متداخل ومترابط بشدة مع عملية تمييز التقليد الرسولي عن أي تقليد آخر أي تمييز وتحديد الأسفار القانونية. وقد كان هناك تفاعل دائم بين قانون الحق الإيمان الرسولي المُسلَّم، وقانون الكتب المقدسة التقليد الرسولي.

فالكتب التي قُبلت بكونها تنقل الإعلان الإلهي كانت فقط هي تلك التي جاءت متفقة مع قانون الحق الإيمان المُسلَّم، وكذلك الإيمان الذي قُبل كإيمان رسولي أصيل كان فقط هو ذلك الذي جاء متفقًا مع تعاليم الكتب المقدسة المقبولة التقليد الرسولي. وأثناء ذلك كله، كانت السلطة والأوليَّة التي أعطتها الكنيسة للإيمان الرسولي على أي إيمان آخر قد حملت ضمنيًّا معها سلطة وأوَّلية الكتب المقدسة الرسولية. وقد حدث الاعتراف الكامل بالأسفار المقدسة، فقط حين وُجد أن تركيبها الداخلي وتناغمها هو بالضبط نفس التركيب والتناغم الموجود في وديعة الإيمان الرسولي.

 

اهتمام مجمع نيقية بتوضيح الجوهر الداخلي للإنجيل وإعطائه صيغة رسمية في قانون الإيمان

إن ما نراه جليًّا تمامًا في المجمع الكبير، هو أن الآباء بنيقية كما عبَّر القديس أثناسيوس قد تنفسوا روح الكتب المقدسة[3]. فمن ناحية، اهتم الآباء بتحديد المعنى الأساسي الذي تضمَّنته الكتب المقدسة في العديد من نصوصها فيما يخص علاقة الرب يسوع المسيح بالآب، وقد حققوا ذلك من خلال التعمُّق في الجوهر الداخلي للإنجيل. ولكن من ناحية أخرى، كان اهتمام الآباء أيضًا أن يقدموا صياغة دقيقة ومحددة للإيمان بيسوع المسيح بكونه ابن الله المتجسد، وذلك من خلال استجلاء طبيعة علاقته الحقيقية بالله الآب. وفي هذا الصدد لم يكن أمام الآباء ومن خلال الإعلان الإنجيلي إلاّ أن يشهدوا بإيمانهم بألوهية المسيح الكاملة، بكونه إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب.

ومن هنا توصل آباء نيقية ومن خلال جهودهم التفسيرية واللاهوتية إلى الصيغة الفائقة الأهمية: هوموأووسيوس ὁμοούσιος والذي يعني أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب. وترجع أهمية هذه الصيغة إلى أنها قدَّمت في تعبير محدد، العلاقة الكيانية بين الابن المتجسد والآب والتي بُنيَت عليها رسالة العهد الجديد، وفي ضوئها تُفسَّر وتُربَط نصوصه المختلفة.

ومن خلال خضوع مجمع نيقية للمعنى διάνοια المتضمَّن في الأسفار المقدسة، ومن خلال خضوعه كذلك للفكر التقوى φρόνημα الرسولي والذي هو بكل يقين فكر νος المسيح الذي يملأهم استطاع المجمع أن يوضح البناء الداخلي للإنجيل وأن يعطيه صيغة رسمية في قانون الإيمان، وبذلك أعطى المجمع للأسفار المقدسة سلطة وأوليَّة غير مسبوقة في فكر الكنيسة الجامعة[4].

وباليقين كانت الأناجيل ورسائل بولس الرسول قد قُبلت بشكل غير رسمي وألحقت بأسفار العهد القديم باعتبارها كتبًا مقدسة مقبولة ومعتَرف بها، ولكن قائمة الأسفار القانونية المعترف بها لم تتحدد بالضبط إلاّ بعد مجمع نيقية. إذن فلا عجب في أن يكون القديس أثناسيوس والذي يرجع إليه الفضل في ترسيخ مفهوم ال هوموأووسيوس في فكر الكنيسة هو الذي ندين له بأول قائمة محددة للأسفار القانونية، المُسَلَّمة إلينا والمُعترف بأنها إلهية.

وقد أوضح القديس أثناسيوس ذلك بقوله: إن هذه الأسفار هي ينابيع الخلاص، ولذلك فكل من يعطش يستطيع أن يمتلئ من الكلمات الحيَّة التي فيها. وفي هذه الأسفار وحدها يتضح قانون التقوى. فلا ندع أي إنسان يضيف إليها شيئًا أو ينتقص منها شيئًا[5].

ويتضح من وقائع جلسات مجمع نيقية التي وصلت إلينا، أن مصطلح هوموأووسيوس كان يُستخدم في أول الأمر للتفسير والتوضيح، وأنه تكوَّن في داخل إيمان وعبادة الكنيسة، وتشكَّل في ظل تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ليساعد الكنيسة على إدراك معنى διάνοια وحقيقة λήθεια مفاهيم وعبارات وصور أمثلة الكتاب المقدس.

ويخبرنا القديس أثناسيوس أنه نظرًا للأسلوب المراوغ الذي استخدمه وفسَّر به الأريوسيون الأسفار المقدسة، وضع آباء نيقية فقرات الكتاب المقدس الواحدة تلو الأخرى من العهدين القديم والجديد تحت الدراسة والفحص والتدقيق والمقارنة، مع الأخذ في الاعتبار المجال الذي قيلت فيه والزمان والمكان والشخص والموضوع قيد البحث.

وكذلك أسلوب الكتاب المقدس المميَّز في الحديث، وكل ذلك من أجل توضيح الفهم الحقيقي والصحيح لهذه النصوص، ومن أجل كشف بكل أمانة ممكنة المعنى الدقيق الذي تنقله تلك النصوص[6]. وقد رفض الآباء الأفكار الأسطورية والمادية التي أقحمها الأريوسيون على النصوص المقدسة واعتبروها أفكارًا غير كتابية وغير إيمانية[7].

 

لماذا اضطر الآباء، في تعبيرهم عن الإيمان، لاستخدام مصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس؟

لقد وجد الآباء أنفسهم مضطرين أحيانًا لاستخدام عبارات ومصطلحات غير كتابية لم ترد في الكتاب المقدس مثل أوسيا oύσiα و هوموأووسيوس ὁμοούσιος، وذلك من أجل التعبير بأقصى دقة وتحديد عن معنى διάνοια النصوص الكتابية وقوتها δύναμις فيما يختص بوحدانية يسوع المسيح غير المنفصلة مع الآب.

وعند اتهامهم بأن هذا يعد خروجًا عن الكتب المقدسة، أقرَّ الآباء بأن توضيح وشرح الحق بعبارات مأخوذة من الأسفار المقدسة وليس من أي مصدر آخر هو الأفضل من جهة الدقة والصحة، ولكنهم بالرغم من ذلك أُجبروا بسبب ضلال التفسيرات الخاطئة أن يصيغوا ويشكِّلوا مصطلحات جديدة لكي يحافظوا على الحق وعلى أسس الإيمان السليم، ولكي يحموا هذا الإيمان من سوء الفهم[8].

وكما أوضح القديس أثناسيوس، فإن أهم ما في الموضوع ليس هو كلمات أو مصطلحات بعينها وردت في الكتب المقدسة، بقدر ما هو المعاني التي تنقلها والحقائق التي تشير إليها هذه الكلمات والمصطلحات[9]. وكانت القاعدة العامة عند القديس أثناسيوس: أنه عندما تُستخدم التعبيرات في الحديث عن البشر، فإنها ينبغي أن تُفهم بمعنى يختلف تمامًا عن معناها حين تُستخدم في الحديث عن الله، لأن الله يتمايز عن البشر تمايزًا كليًّا وفائقًا، ولذلك فعندما تُستخدم نفس المصطلحات مع الله ومع الإنسان، يجب أن تُفسر تفسيرًا مختلفًا وفقًا لطبيعة من تشير إليه[10].

وكان التغيير الذي حدث في استخدام اللغة وفي مفهوم المصطلحات تحت تأثير قوة الإنجيل هو ما عبَّر عنه القديس أثناسيوس ورسخه كمبدأ تفسيري هام، حيث قال: إن التعبيراتλέξεις لا تنتقص من طبيعته أي طبيعة الله، بل بالأحرى فإن طبيعة الله تسحب هذه التعبيرات إليها وتحولها. لأن التعبيرات لم تسبق الكيانات οσαι، بل الكيانات كانت أولاً ثم جاءت التعبيرات التي تعبِّر عن هذه الكيانات وتشير إليها[11].

ولا ينطبق هذا المبدأ التفسيري على فهمنا لمصطلحات وتعبيرات الكتاب المقدس فقط، ولكنه يحكم أيضًا التعبيرات التي نأتي بها نحن لشرح وتفسير الكتاب المقدس. ولذلك فإن مصطلحات مثل أوسيا oύσiα وهوموأووسيوس ὁμοούσιος، التي استخدمت في الحديث عن الله في مجمع نيقية، لم تُوظف بنفس المعنى المعتاد لها في المراجع اليونانية، ولكن أُعطيت معنى جديدًا تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح والذي غيَّر معاني هذه المصطلحات وأعطاها أبعادًا جديدة[12].

 

الدور التفسيري لمصطلح هوموأووسيوس

ومن هذا المنظور، كان التعبير النيقي: أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί يعتبر أداة تفسيرية بالإضافة إلى كونه أداة لاهوتية. ومع التسليم بأن هذا التعبير كان يُعتبر في البداية تعبيرًا لاهوتيًّا قاطعًا نشأ من الفحص الدقيق لعبارات الكتاب المقدس وأنماط الحديث الواردة فيه، وتمت صياغته في شكل موجز مضغوط بلغة دقيقة ومكافئة ليس لنص كلمات الكتاب المقدس بعينها وإنما للمعنى أو الحقيقة التي تنقلها أو تشير إليها هذه الكلمات[13]

ولكن مع ذلك فإنه بمجرد استقرار هذا التعبير كأداة لاهوتية تساعد الفكر على الإدراك، بدأ يساهم أيضًا كمرشد لفهم الكتب المقدسة، وكأساس إيماني رئيسي يُرجع إليه عند تعليم المؤمنين. وعلى حد قول القديس أثناسيوس، فإن الكنيسة عندما تدخل في مثل هذا الإدراك اللاهوتي الذي يقدمه مفهوم هوموأووسيوس، تكون قد وضعت قدميها على الأساس الرسولي الثابت، وتكون قادرة على أن تُسلِّم للجيل التالي التعليم الصحيح كما قد تسلَّمته من الجيل السابق بدون تحريف أو تشويه[14].

وبعد أن تثبت مفهوم ال هوموأووسيوس في الكنيسة على هذا النحو، ساهم هذا المفهوم أيضًا في إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهلليني اليوناني كما ذكرنا في فصل سابق*. فنجد أن معاني بعض المصطلحات مثل أوسيا oύσiα وهيبوستاسيس ύπόστασiς وكذلك لوغوس λόγος وإنرجيا νέργεια، قد خضعت لتغييرات جذرية من خلال الاستخدام الذي وُظِّفت فيه وذلك أثناء عمل الكنيسة التفسيري واللاهوتي.

وأصبح ينبغي أن تُفهم معاني هذه المصطلحات في ضوء رسالة الإنجيل التي استُخدمت هذه المصطلحات لنقلها، أي في ضوء حقيقة: إن الله الذي هو المصدر الخالق لكل الوجود قد صار إنسانًا وواحدًا معنا، لكي نُعطى بالابن وفي الروح القدس سبيلاً إلى الآب وفقًا لما هو في ذاته.

ومن هنا كان يُعد تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί أنه تعبير فذ وحاسم: لأنه عبَّر عن حقيقة أن ما هو الله نحونا وفي وسطنا من خلال الكلمة الذي صار جسدًا، هو بالحقيقة نفس ما هو الله في ذاته#؛ أي إن ما هو الله في العلاقات الداخلية لجوهره الفائق كآب وابن وروح قدس هو نفس ما هو الله في عمله الإعلاني والخلاصي نحو البشر في الزمان والمكان[15].

 

المدلول اللاهوتي لمصطلح أوسيا oύσiα ومصطلح هيبوستاسيس ύπόστασiς

تشير كلمة أوسيا oύσiα في استخدامها اللاهوتي الحالي إلى الجوهر، ولكن ليس ببساطة كما ما هو عليه أي لا تشير إلى الجوهر في صورة عامة مجردة، وإنما تشير إلى ماهية هذا الجوهر فيما يتعلق بحقيقته الداخلية. وتشير كلمة هيبوستاسيس ύπόστασiς إلى الجوهر، ليس في وجوده المستقل، بل في توجهه أو هدفه الآخري الذي نحو الآخر.

وطبقًا لشرح برستيج، فإن أوسيا oύσiα تعني الجوهر في مدلوله الداخلي، بينما تعني هيبوستاسيس الجوهر في مدلوله الخارجي[16]. ومما يتعيَّن ذكره أيضًا أن هذه المصطلحات في الاستخدام اللاهوتي تحمل بالضرورة ضمنيًّا المعنى أو المفهوم الشخصي الأقنومي، وهو ما لم تكن تتضمَّنه تلك المصطلحات في استخدامها في اللغة اليونانية الكلاسيكية.

إذن فمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος يشير إلى علاقات شخصية أقنومية كائنة في اللاهوت، ففي جوهر الله الواحد: الآب والابن والروح القدس كل منهم متمايز λλος عن الآخر وهم جميعًا لهم ذات الجوهر الواحد؛ ومن جهة علاقة كل منهم بالآخر فإنهم في علاقة أقنومية ποστατός, ποστατικός مع بعضهم البعض، أو يمكن القول إنهم في علاقة كيانية أقنومية داخل الجوهر الواحد νυπόστατος, νυποστατικός.

ووحدانية الابن والروح القدس في ذات الجوهر إنما تشير إلى أن لهما ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، كما أنها تشير كذلك إلى وحدتهما وتساويهما المطلق معه داخل هذا الجوهر الواحد غير المنقسم. وهكذا صارت الصيغة جوهر واحد، ثلاثة أقانيم Μία ουσίατρεις υποστάσεις صيغة إيمانية مقبولة عند التحدث عن الثالوث القدوس[17].

وهنا يجب أن نتذكر التغيير الذي حدث في الفهم اللاهوتي لجوهر الله، بفضل ما تضمَّنته التعبيرات التي قدَّمها القديس أثناسيوس عن: اللوغوس الكائن في الجوهر νούσιος Λόγος والفعل أو الطاقة الكائن في الجوهر νούσιος νέργεια، وقد تعرَّضنا لهذه التعبيرات في مناسبة سابقة*. فإذا كان ما هو الله في ذاته هو نفس ما هو في شخص وفعل ابنه وكلمته المتجسد، فإن جوهر οσία الله يجب أن يُفهم بشكل مختلف تمامًا عما كان في الفكر اليوناني.

فبالنسبة لله، اللوغوس الكائن في الجوهر νούσιος Λόγος والفعل أو الطاقة الكائن في الجوهر νούσιος νέργεια، إنما يعبِّران عن حقيقة أن جوهر الله ليس بلا كلمة أو بلا فعل، أي ليس صامتًا أو خاملاً ساكنًا، بل هو بليغ وفعَّال. وجوهر الله ينبغي فهمه بكونه جوهر متحدِّث وبليغ، لأن جوهر الله وكلمته متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فصميم جوهره هو الكلمة وصميم كلمته هو الجوهر.

وبالمثل أيضًا، فإن جوهر الله هو جوهر فعَّال ديناميكي، لأن جوهر الله و فعله أو طاقته متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فجوهره هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله*.

وهكذا صاغ آباء نيقية مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος تحت تأثير إعلان الله عن ذاته، وعمله الخلاصي في يسوع المسيح، وقد ساهم هذا المصطلح بالفعل في دعم وتعميق العقيدة المسيحية المتميزة عن الله.

 

[1] ارجع إلى مفهوم القديس إيرينيئوس عن ’قانون الحق‘ في الفصل الأول:

Adv. Haer., 1.20, vol. 1, p. 87f; 1.15, pp. 188f; 2.8.1, p. 272; 2.40f, pp. 347ff; 3.1-5, vol. 2, pp. 2-20; 3.11.7, pp. 41; 3.12.6f, pp. 58ff; 3.15.1, p. 79; 3.38.1f, pp. 131f; 4.57.2ff, pp. 273ff; 5. Pref., p.313f; 5.20.1f, pp. 377ff; and Dem., 1-6.

ارجع أيضاً إلى مفهوم أوريجينوس في الفصل الأول عن ’قانون التقوى‘ الذي يمكِّن الكنيسة من فهم وتفسير الكتب المقدسة وفقاً ل ’فكر المسيح‘:

De prin., praef. 1-2; 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.3.4; 3.5.3; 4.2.2f; 4.3.14f.

[2] انظر للمؤلف: ’وديعة الإيمان‘ SJT, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28

63 Athanasius, Ad Afr., 4.

64 Alfred Robertson, St Athanasius: Select Works and Letters, pp. xvii and Lxxv.

65 Athanasius, Fest. Ep. of 367, 39.1-7; cf. Eusebius, Hist. eccl., 4.26.14.

66 Athanasius, Con. Ar., 1.55; 2.44; 3.28ff; De decr., 10f, 14, 19-22; De syn., 38-45; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.8.Cf. also Ep. Euseb., 5- appended to the De decr.

67 Athanasius, De decr., 24; Ad episc., 4, 9, 12f; De syn., 39, 42, 45; Con. Ar., 1.1, 8ff, 15, 37, 53; 2.1ff, 33, 72; 3.18f, etc.

68 Athanasius, De decr., 18f, 32; Hilary, De syn., 88, 91.

وقد أشار القديس أثناسيوس إلى أن المصطلحات غير الإنجيلية التي استُخدمت، كانت مأخوذة بالفعل من آباء سابقين:

De decr., 18, 25; De syn., 43; cf. 33ff. See C. Stead’s examination of the use of οσία and μοούσιος before the Council of Nicaea, op. cit., pp. 199-232.

69 Athanasius, De decr., 18, 21; De syn., 39, 41, 45; Con. Ar., 2.3; Ad Afr., 9; Ad episc., 4, 8; cf. Ad Ant., 8.

70 Athanasius, De decr., 10f.

ينطبق هذا الأمر على الأفعال ’يخلق‘ و’يصنع‘:

De decr., 11; De syn., 51. Cf. Hilary, De syn., 17; Basil, Con. Eun., 2.23; Gregory Naz., Or., 20.9.

انظر أيضًا للمؤلف:

‘The Hermeneutics of St Athanasius’, Ekklesiastikos Pharos, vol. 52, 1970, pp. 446-468; 89-106; 237-49; vol. 53, 1971, pp. 133-149.

71 Athanasius, Con. Ar., 2.3. Cf. also Gregory Naz., Or., 42.16; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.37, and Hilary, De Trin., 4.14.

[12] وفي ضوء هذا الاستخدام المتنوع للمصطلحات، أعلن القديس أثناسيوس أن كل مجمع له أسبابه ومنطقه في استخدام لغته الخاصة. De syn., 45

73 Athanasius, De decr., 10f, 20-24; Con. Ar., 1.20, 55ff; 3.19ff.

74 Athanasius, De decr., 4.

* ارجع إلى الفصل الثاني من صفحة 97 إلى صفحة 106. المترجم

# لأنه إذا كان الكلمة الذي صار جسدًا وحل بيننا هو ’هوموأووسيوس‘ مع الآب والروح القدس، فإن كل ما أعلنه لنا يكون مطابقًا تمامًا ل ’ما هو‘ الله في ذاته.

75 Athanasius, Con. Ar., 2.11; 3.1ff; Ad Ser., 1.14-17, 20f, 30f; 2.2; 3.1f; 4.6.

76 G.L. Prestige, Fathers and Heretics, 1954, p. 88; God in Patristic Thought, pp. 168f, 188f. See also, T.F. Torrance, Theology in Reconciliation, 1975, pp. 243ff; and Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

77 Athanasius, Ad Ant., 5-6.

* ارجع إلى صفحتي 103، 104 في الفصل الثاني. المترجم

* إن الحديث عن أن الله يتعامل معنا بأفعاله أو طاقاته وليس بجوهره، ينبغي ألاّ يُفهم بمعنى وجود ثنائية في الله وكأن الله مثل دائرتين لهما مركز واحد: واحدة داخلية تمثل الجوهر وحولها الأخرى مثل الهالة تمثل فعل الله أو طاقته. وحيث إن الله لا توجد به مثل هذه الثنائية، فيمكننا أن نمثل جوهر الله وفعله أو طاقته كأنهما دائرتان متساويتان تمامًا ولهما مركز واحد أي كائنتان في بعضهما البعض تمامًا فيكون جوهر الله هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله.

ولكن مع ذلك تبقى علاقة الله معنا هي علاقة مشاركة من الخارج Κατ Μετοχν Επακτν أي علاقة خارجية. لأنه توجد هناك علاقة شركة في الجوهر وهي التي بين الآب والابن والروح القدس فقط، وهناك علاقة شركة خارجية مثل حلول الروح القدس علينا. المترجم

الأهمية اللاهوتية التفسيرية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

يخبرنا القديس أثناسوس في العديد من أعماله[1]، أن مجمع نيقية قد جاهد جهادًا عنيفًا من أجل التوصل إلى الصياغة النهائية للفقرات الحاسمة في قانون الإيمان، وقد تم ذلك على مراحل متتالية. ففي أول الأمر، عندما وافق الأريوسيون على صيغة أن الابن هو “من الله” أو “من عند الله” كما جاء في “نور من نور”، أصرَّ آباء نيقية على تعريف “من الله” أو “من عند الله” على أنها تعني “من جوهر الآب” (κ τς οσίας το Πατρός)، وذلك لتوضيح وتحديد العلاقات في داخل الله. وكان هذا يعني أن الابن خاص بصميم جوهر الله، وأنه “من الله” الآب وهو الأمر الذي لا ينطبق على المخلوقات وأنه هو إله من إله.

ولكن عندما تظاهر أتباع أريوس ويوسابيوس وفي موقف مثير للدهشة بالموافقة على عبارة “من جوهر الآب”، أدرك آباء نيقية أن هؤلاء الهراطقة سيفسرون هذه العبارة على نحو يمكن فيه أن تُطبَّق أيضًا على البشر الذين خُلقوا ليس فقط ك “أولاد الله” بل على “صورة الله ومجده”.

ولذلك قرَّر الآباء قطع الشك باليقين وإزالة أية إمكانية لسوء الفهم، فأضافوا التعبير اللاهوتي الحاسم بأن الابن “له ذات الجوهر الواحد” مع الآب (ὁμοούσιος τῶ Πατρί)، والذي يعني أن كلاًّ من الابن والآب هو إله مساوٍ داخل جوهر الله الواحد[2]. وفي نفس الوقت أضاف الآباء ملحقًا لقانون الإيمان يدحض الاعتقاد بأن الابن “من جوهر آخر مختلف (عن الآب)”، وبذلك أعلن المجمع إدانته للهرطقتان السابيلية والأريوسية والتي كانت كل منهما تميل إلى التداخل في الأخرى[3].

وهكذا رفض الآباء أي تعليم يفيد أن الابن هو من جوهر آخر غير الله، أو أنه ابن الله من خلال فقط مشاركته في الله. وأقرَّوا بشكل واضح تمامًا وبدون أي لبس أن الابن من صميم جوهر الله، وأنه هو الله، على نفس النحو الذي به الآب هو الله، لأنه واحد معه بصورة كاملة وفريدة[4]. وهو (أي الابن) وفي اتحاد كامل مع الآب كان منذ الأزل هو الله القائل “أنا هو”[5].

وقد حاول بعض الأشخاص في مجمع نيقية وما بعده الاستعاضة عن مصطلح هوموأووسيوس (ὁμοούσιος) بمصطلح آخر وهو “هومي أووسيوس” (ὁμοιούσιος) والذي يعني أن الابن هو فقط “مشابه في الجوهر” للآب[6].

وفي الواقع، كان القديس أثناسيوس ذاته قد استخدم في بعض الأحيان تعبير أن الابن “يشبه الآب”[7] (وذلك حين كان يتكلَّم عن الابن بكونه صورة الآب ورسمه)، ولكن سرعان ما انصرف القديس أثناسيوس عن هذا المصطلح حتى لو كان يقصد بالمشابهة أن الابن هو الصورة الكيانية المطابقة (للآب)، لأن المشابهة تنطبق على الصفات والعادات وليس على الجوهر، وعلى أية حال فإن التشابه يعني ضمنيًّا أن هناك قدرًا من عدم التشابه*[8].

ومن هنا أصبح واضحًا أمام آباء نيقية أن مصطلح “مشابه للآب” لا يعتبر كافيًا لاهوتيًّا حتى ولو أضيفت إليه كلمة “تمامًا” أو كلمة “جوهريًّا”، لأنه لا يزال عندئذ يعطي مساحة لسوء التفسير. ورغم أن مصطلح “التشابه في الجوهر” (ὁμοιούσιος) يمكن أن يحمل في صورته المطلقة مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” (ὁμοούσιος)[9]، إلاّ أن المجمع فضَّل استخدام الأخير[10].

فالابن مولود من الآب بالطبيعة (φύσει)، وهو خاص بجوهر الله الآب ومطابق له، وله ذات الطبيعة الواحدة (ὁμοφυής) مع الآب الذي وَلَدَه ذاتيًّا منذ الأزل. وهو (أي الابن) لا يشارك في الآب مجرد مشاركة، بل هو جوهريًّا وكليًّا واحد مع الآب في الجوهر وفي الكينونة[11]. ويقول القديس أثناسيوس: “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن، والابن هو الله بأكمله[12]“.

المعاني المتضمَّنة في مصطلح هوموأووسيوس

وحيث إن مصطلح هوموأووسيوس لم يكن مأخوذًا من الكتاب المقدس، بل كان تعبيرًا جديدًا نسبيًّا، فقد تحتم على آباء نيقية تفسيره بمنتهى العناية والدقة كما قال القديس هيلاري[13]. وهذا هو ما شرع آباء نيقية في عمله بمجرد انتهاء أعمال المجمع[14].

وصار واضحًا تمامًا في الكنيسة، أن مصطلح هوموأووسيوس قد تمّ استخدامه على هذا النحو، كمصطلح لاهوتي “تقني” يحمل معنى “واحد في ذات الجوهر والطبيعة” (مع الآب). ومن هنا فقد تمّ الاعتماد عليه ليكون بمثابة إعلان محدد ودقيق للإيمان المسيحي في مواجهة الهرطقة الأريوسية[15].

وبالطبع كان القديس أثناسيوس في مقدمة مَن أدركوا أن مصطلح هوموأووسيوس، فيما هو يعبِّر عن مساواة الابن الكاملة للآب، فإنه يحمل معنى أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وأنه واحد معه في الطبيعة “هوموفيس” (μοφυής). إذن فالفهم الدقيق والصحيح للتعبير اللاهوتي النيقي “هوموأووسيوس” مع الآب (μοούσιος τ Πατρί)، إنما يعني: أن (الابن) “له ذات جوهر الآب تمامًا”.

وقد ذكر القديس أثناسيوس أن الله ذاته هو الذي أُعلن لنا كآب وابن وأن الابن المتجسد مثله مثل الله الآب هو نفس الجوهر ذاته.[16] ولم تكن هناك صياغة أقوى من تلك التي عبَّر بها القديس أثناسيوس عن ذلك المعنى حين قال “إن كيان الابن بأكمله هو مكافئ تمامًا لكيان الآب”، وأن “ملء لاهوت الآب هو كيان الابن[17]“. إذن فالابن والآب هما بالضرورة نفس الله الواحد تمامًا، لدرجة كما كان يردد القديس أثناسيوس أن الابن هو كل ما هو الآب ما عدا كونه “آبًا”[18].

وبما أن الأمر كذلك، فإن أي انتقاص للابن يكون بالضرورة هو انتقاص للآب، لأن أي إنكار لطبيعة الابن الإلهية يكون إنكارًا لكون الله “آب” منذ الأزل. ومن هذا المنطلق أيضًا، فإن أي إنكار لحقيقة “الكلمة” الإلهي يكون بمثابة القول بأن الله في داخله هو بدون كلمة (λογος)، أو بدون حكمة (σοφος)[19]. وكما علَّم الرب يسوع المسيح نفسه في الإنجيل، فإن مَن يكرم الابن يكرم الآب ومَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله. حيث إن الابن المتجسد له كل ما لله الآب ما عدا “الأبوة”[20].

وعلاوة على ذلك فإن مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος ينطوي على معنى آخر هام. لأنه إذا كان الابن مولودًا من الآب أزليًّا داخل جوهر اللاهوت، إذن فإن مصطلح هوموأووسيوس بالإضافة إلى كونه يعبِّر عن الوحدانية بين الآب والابن، فإنه يعبِّر أيضًا عن التمايز الذي بينهما داخل هذه الوحدانية. وكما يقول القديس باسيليوس: “لأنه لا يمكن لأي أحد أن يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع نفسه، بل يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع آخر[21]“.

وهكذا فقد كان هذا المصطلح هوموأووسيوس يحمل معنى أنه في حين أن الآب والابن هما واحد في ذات الجوهر، إلاّ أنهما أيضًا متمايزان أزليًّا، لأن الآب بغير تغيير هو الآب وليس الابن، وكذلك الابن بغير تغيير هو الابن وليس الآب. لذلك صار مصطلح هوموأووسيوس حصنًا منيعًا ضد كل من السابيلية والأريوسية على حَدٍّ سواء أي ضد مذهب التوحيد الذي ينكر الثالوث وضد مذهب “تعدد الآلهة”[22].

وهذه الإشارة إلى التمايز الأزلي داخل جوهر اللاهوت الواحد، والتي يتضمَّنها مصطلح هوموأووسيوس، سوف نقابلها ثانية عندما نأتي إلى تطبيق القديس أثناسيوس لنفس المصطلح مع الروح القدس، وهو ما مكَّنه ومعه الآباء الآخرون الذين دافعوا عن عقيدة الروح القدس من توضيح فهم الكنيسة للثالوث القدوس في القرن الرابع[23].

وقبل انعقاد مجمع القسطنطينية بسنتين، وصف القديس إبيفانيوس الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب والتي تعتبر لب قانون الإيمان النيقي على أنها “رباط الإيمان” (σύνδεσμος τς πίστεως)[24]. وهذا بالحقيقة ما قد ثبت صحته في الكنيسة: حيث كان لهذا المفهوم (أي الوحدانية في ذات الجوهر) الدور الرئيسي في إرشاد المؤمنين في تفسيرهم للكتب المقدسة، وفي توضيح وتأمين فهمهم “للحق” الإنجيلي، وكذلك في تمكينهم من إدراك التركيب الداخلي المترابط للإيمان المسيحي.

وإذا نظرنا إلى مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” في نطاق تلك الأهمية، سوف نستطيع أن ندرك بعمق أكثر مركزية المسيح (Christocentricity) في قانون الإيمان النيقي القسطنطيني.

37 Athanasius, De syn., 33ff, 46; De decr., 19ff; Ad Afr., 5f.

38 Athanasius, De syn., 41.

39 See Basil, Ep., 125.1; Ep., 214. See also Ep., 236.6; Gregory/Basil, Ep., 38.1ff, etc. Cf. Athanasius, Con. Ar., 3.65; 4.33; Ad Afr., 4ff & 8.

40 Athanasius, De syn., 48-54; Ad Afr., 8-9.

41 Athanasius, , Con. Ar., 1.11ff, 34, 46ff, 60; 2.12, 14, 18, 20, 53f, 56, 59, 61, 82; 3.1f, 5f, 9, 19, 22, 24f, 27, 33; 4.4; De decr., 22, 30; De syn., 34, 48f; Ad Afr., 4; Ad Ser., 1.28; 2.2; In ill. om., 4. See also Gregory Naz., Or., 30.18.

42 Athanasius, De decr., 20; De syn., 8, 26, 29 (the Arian creed); 37f, 41, 46, 50, 52f. Cf. Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

43 Athanasius, Con. Ar., 1.20f, 26, 40; 2.17f, 22, 34; 3.11, 20, 26, 67; Ad episc., 17; Ad Afr., 7; cf. Exp. Fidei, 1.

* إن لفظة ’مشابه‘ تعني أنه ليس هو تمامًا، ولكن يشبهه في بعض الأمور وبالتالي فإنه لا يشبهه في أمور أخرى. ونلاحظ أن الفرق بين المصطلحين اليونانيين هو حرف واحد (ι). (المترجم)

44 Athanasius, De syn., 41 & 53; De decr., 20; cf. Evagrius/Basil, Ep., 8.3.

45 Athanasius, Con. Ar., 1.21, 26, 40; 2.17f, 22, 33; 3.10f, 14, 26, 67; De syn., 26, 38, 41. 47-54; De decr., 20, 23; Ad episc., 17; Hilary, De syn., 89; Evagrius/Basil, Ep., 8.3; 9.3. Cf. Epiphanius, Haer., 73.22; and Cyril of Jerusalem, Cat., 4.7; 11.4, 18.

46 Athanasius, Cf. the stance taken by Basil of Ancyra, Athanasius, De syn., 41; Epiphanius, Haer., 73.22.

[11] كان القديس أثناسيوس يرى أن علاقة ’الكلية‘ التي بين الابن والآب متضمَّنة في تشبيه النور والشعاع. (Con. Ar., 2.33, 35; cf. De inc., 17; Con Ar., 3.6.)

وكان يرى أن هذا التشبيه يتضمَّن أيضاً علاقة التواجد المتبادل بينهما.(De decr., 25.)

48 Athanasius, Con. Ar., 3.3 Cf. Ad. Ser., 1.16 and Exp. Fidei, 1.

حيث قيل عن الابن أنه ’كلي من كل‘ (wholly from the whole).

49 Hilary, De syn., 70, 91.

50 Hilary, De Trin., 4.4-7; De syn., 84.

51 Cf. Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, op. cit., pp. 1-15.

52 Athanasius, De syn., 49-54; Ad Afr., 8.

53 Athanasius, Con. Ar., 3.3, 6; 4.1ff.

54 See Athanasius, Con. Ar., 3.4; De syn., 49; Ad Afr., 8, etc. Gregory Naz., Or., 30.11.

55 Athanasius, Con. Ar., 1.8, 14ff, 18ff, 24f; 2.2, 32f; 3.42, 61ff; 4.2f, 14; De decr., 15, 26; De sent. Dion., 16, 23; Ad Ser., 2.2.

56 Athanasius, Con. Ar., 1.8, 15ff, 33; 2.24f, 32; 3.4ff, 35f, 44; Ad episc., 17; Ad Afr., 8; Ad Ser., 1.30; 3.2; 4.6.

57 Basil, Ep., 52.3.

58 Athanasius, De decr., 23; Con. Ar., 3.4; 4.2; De syn., 34, 45; Basil, Ep., 52. 1ff; Epiphanius, Anc., 6.4; Haer., 65.8; 69.72; 76.7.

59 Cf. Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.2; and Ad Jov., 4; Ad Ant., 6; Con. Apol., 1.9.

60 Epiphanius, Anc., 6.4; cf. Haer., 69, 70; Ambrose, De fide, 3.15.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

Exit mobile version