عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

مقدمة

عبارة «إله من إله» تشير الي ان كلاً من اقنوم الآب والابن لهم نفس الجوهر الالهي الواحد فكلمة اله لا تشير الي اله منفصل بل تشيل الي ماهية الابن اللاهوتية للرد علي قول اريوس ان الابن مخلوق فهي اشارة الي ان الابن له نفس طبيعة الآب من ناحية الجوهر وأنهما من نفس الجوهر أو الطبيعة الواحدة. وهي تُشبه العبارة: «إنسان من إنسان»، أي إنسان مولود من إنسان آخر، يشترك معه في نفس الطبيعة. فـ”الولادة” تعني الإصدار أو الانبثاق الطبيعي، أي أن يلد الواحد مَن هو على نفس طبيعته.مع عدم تشبيه الله بالمركبات لان الله ليس مركب كالانسان ولكن للاستدلال العقلي وليس للقياس بالله.

شيث (Seth) هو مولود من آدم (Adam). وكلاهما من نفس الطبيعة البشرية، ولهذا نقول: إنسان من إنسان. كذلك، الابن مولود من الآب. وكلاهما يشتركان في نفس الطبيعة الإلهية. أقنوم إلهي من أقنوم إلهي. ولهذا تقول العقيدة: “إله حق من إله حق”.

خلفية تاريخية

النزاع الآريوسي

في بداية القرن الرابع الميلادي، نشأ خلاف عقائدي خطير داخل الكنيسة عندما بدأ آريوس (256-336م) في الإسكندرية بالتعليم بأن ابن الله مخلوق من الآب، وأنه أقل منه في الجوهر والمكانة. ادّعى آريوس أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، وأن الآب وحده هو الإله الحقيقي غير المخلوق.

 

مجمع نيقية وقانون الإيمان النيقاوي – سنة ٣٢٥م

يُعتبر قانون الإيمان النيقاوي أحد أهم الوثائق في تاريخ المسيحية، والذي صدر عن المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م (Council of Nicaea I) بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الأول. جاء هذا المجمع كاستجابة للجدل اللاهوتي الحاد الذي أثاره آريوس، الكاهن الإسكندري، حول طبيعة المسيح وعلاقته بالآب. ووضع المجمع قانون الإيمان هذا لإرشاد الكنيسة في ما يخص اللاهوت، والكريستولوجيا (عقيدة المسيح)، والتعليم عن الثالوث القدوس.

وقد دار جدل كبير حول استخدام مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος – Homoousios) أي: “واحد في الجوهر”. حتى عند صياغته، لم يحظَ قانون الإيمان بموافقة كاملة من جميع الحاضرين، وسرعان ما تعرّض للهجوم، وتمت مراجعته لاحقًا في مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م (Council of Constantinople I – 381 AD).

 

النص الأصلي لقانون الإيمان سنة ٣٢٥م

نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى.

وبربٍّ واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الآب، [الابن الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله،] نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر.

الذي به كان كل شيء [ما في السماء وما على الأرض]؛

الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسد، وتأنس؛

وتألم، وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات؛ وصعد إلى السماوات،

ومن هناك يأتي ليدين الأحياء والأموات.

ونؤمن بالروح القدس.

 

الإدانة المضافة في نهاية النص (الموجَّهة ضد تعاليم آريوس)

أما الذين يقولون: “كان هناك وقت لم يكن فيه”، أو “لم يكن قبل أن يُولد”، أو “صُنع من العدم”، أو “هو من جوهر أو طبيعة أخرى”، أو أنّ “ابن الله مخلوق”، أو “قابل للتغيير” أو “للتحول” – فهؤلاء تُدينهم الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية.

 

دور الكنيسة القبطية في المجمع

لعبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بقيادة البابا إسكندر البطريرك العشرين (312-326م) وخلفه القديس أثناسيوس الرسولي (326-373م)، دوراً محورياً في مقاومة الآريوسية والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي. كان القديس أثناسيوس، الذي حضر المجمع كشماس مع بطريركه، من أبرز المدافعين عن الطبيعة الإلهية للمسيح. ورغم صغر سنه ورتبته، برز أثناسيوس في المجمع كمفكر ولاهوتي قوي، وتميّز بوضوح عقيدته، خاصة في نقطتين:

  • تأكيد لاهوت الابن:

دافع بشدة عن أن الابن هو “مولود غير مخلوق”، “مساوٍ للآب في الجوهر” (ὁμοούσιος τῷ Πατρί)، رافضًا الطرح الآريوسي القائل بأنه “كان هناك وقت لم يكن فيه الابن”.

  • صياغة جوهر قانون الإيمان:

يُعتقد أن القديس أثناسيوس لعب دورًا محوريًا في صياغة الألفاظ الأساسية في قانون الإيمان النيقاوي، لا سيما عبارة:

“نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”

التي تهدف إلى تأكيد أن الابن ليس مخلوقًا بل مولودًا من نفس جوهر الآب.

أصل عبارة “إله من إله” من الإنجيل

عبارة “إله من إله” لها جذورها في إنجيل يوحنا ١:١، حيث يُقال أن معرفة الله لذاته وتعبيره عن نفسه هو كونه “إله”. أي أن “الفكر الإلهي عن نفسه” كان هو الله، أو كما تقول الترجمات الإنجليزية الشائعة: “وكان الكلمة الله” (The Word was God).

 

الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي لوغوس λόγος وفي المقطع الأخير من يوحنا 1:1c وأيضًا في يوحنا 1:18a، تأتي الكلمة بلا أداة تعريف (anarthrous)، ومع ذلك تُترجم إلى الإنجليزية كاسم علم: “God” أي الله.

يوحنا ١:١: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.”

الخلفية اليهودية لمفردة لوغوس “الكلمة – λόγος”

لم يكتب القديس يوحنا الإنجيلي هذه الآية من فراغ، بل كانت لديه خلفية يهودية ساعدته على التعبير عنها. في أيامه، كان مفهوم “اللوغوس – λόγος” معروفًا جيدًا، خاصة في اليهودية الهيلينية في فترة الهيكل الثاني.

هذا المفهوم يتضح في الترجمة السبعينية (LXX) وفي بعض الكتابات اليهودية الدينية بين العهدين. وبسبب انتشار هذا المفهوم، استخدمه يوحنا ليشرح البشارة.

آيات من العهد القديم في الترجمة السبعينية LXX التي تُشكل أساس يوحنا ١:١-٣

لدينا العديد من الآيات في العهد القديم والتي استند إليها القديس يوحنا الإنجيلي في استخدام كلمة لوغوس، منها:

  1. تكوين ١:١
  2. مزمور ٤٥:١
  3. مزمور ٣٣:٦
  4. أمثال ٨:٢٢–٣٠

معنى لوغوس

الكلمة اليونانية “لوغوس” لها معانٍ متعددة، منها: الكلمة، الخطاب، الرسالة، الخطة، والعقل/المنطق. والمعنى يُفهم بحسب السياق. في يوحنا ١:١، اللوغوس يُشير إلى الفكر الإلهي الداخلي والتعبير الذاتي لله، أي أن الكلمة هي تعبير خارجي عن معرفة الله لذاته. وهذا يعبر عنه هكذا:

المفكِّر = الله

الفكر = الله

إذن، نحن أمام الله الذي يعرف نفسه، ويفكر في نفسه، ويعبّر عن نفسه بالكلمة، وهذه الكلمة ليست شيئًا مخلوقًا، بل هي “إله من إله”، كما تُعلِن العقيدة النيقاوية (The Nicene Creed) والتي نسميها أيضاً قانون الإيمان.

التعبير اللاهوتي: الله في ذاته ومن ذاته — الله يعرف نفسه بكُليّة ذاته، وتعبيره الذاتي أو كلمته هو إله مثله، له نفس الجوهر الإلهي. الله لا يظن عن نفسه أنه إله جزئي، بل يرى نفسه على أنه الله بالكامل.

أمثال ٢٣:٧: “لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ هكَذَا هُوَ. “

وفقًا لإنجيل يوحنا ١:١، الكلمة (الابن) هو “إله من إله”، فهو ذات الفكر الإلهي، التعبير الكامل عن ذات الله، ولهذا فهو الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

تحليل عبارة “إله من إله” من المنظور الأرثوذكسي

تؤكد الكنيسة الأرثوذكسية أن عبارة “إله من إله” تشير إلى وحدة الجوهر (الأوسيا oύσiα) — أي الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود — بين الآب والابن. هذا يعني أن الابن ليس إلهاً منفصلاً أو مختلفاً عن الآب، بل هو من نفس الجوهر الإلهي، مما يؤكد على الوحدة الجوهرية في الثالوث المقدس. ويقول البابا شنودة الثالث في كتابه “قانون الإيمان” في تفسير هذه العبارة:

إله حق، أي له طبيعة الله بالحق. وليس مثل الذين دعوا آلهة بمعنى سادة، وليسوا هم آلهة بالحقيقة.

ويذكر أيضاً في موضع آخر:

ولكن السيد المسيح هو إله حق، أي له كل صفات الألوهية:
فهو أزلي خالق، قادر على كل شيء، موجود في كل مكان، غير محدود.. فاحص القلوب والكلى، قدوس، رب الأرباب، غافر الخطايا.. إلى آخر كل تلك الصفات الخاصة بالله وحده.

ويفسر التقليد القبطي من جهته هذه العبارة كتأكيد على أن العلاقة بين الآب والابن أزلية وليست زمنية. فالابن “من” الآب لا يعني أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، بل يشير إلى العلاقة الأقنومية الأزلية داخل الذات الإلهية الواحدة.

تعبر هذه العبارة عن مفهوم الولادة الإلهية الأزلية، حيث يُولد الابن من الآب منذ الأزل وإلى الأبد. هذه الولادة ليست جسدية أو زمنية، بل هي ولادة روحية أزلية تحافظ على وحدة الطبيعة الإلهية.

كما واجهت الكنيسة القبطية فكرة التبني التي تقول إن المسيح إنسان تبناه الله. عبارة “إله من إله” تؤكد على الطبيعة الإلهية الحقيقية للمسيح وليس مجرد التبني. كما أن كلمة (إله) هنا ليست مجرد لقب كما قيل عن آلهة الأمم أو كما قيل عن بعض البشر.

في الليتورجيا الإلهية، تُتلى عبارة “إله من إله” في كل قداس إلهي في الكنيسة، وتحديداً أثناء تلاوة قانون الإيمان. هذا التكرار اليومي يؤكد على أهمية هذا التعليم في الحياة الروحية والعبادية للمؤمنين.

في التعليم الآبائي، طور القديس أثناسيوس، الذي يُلقب بـ”عمود الإيمان”، تفسيراً عميقاً لهذه العبارة في كتاباته ضد الآريوسيين. أكد على أن الابن “من جوهر الآب” وليس “من لا شيء” كما ادّعى آريوس. وواصل القديس كيرلس الإسكندري (376-444 م) التقليد الأثناسي في تفسير العبارة، مؤكداً على وحدة الطبيعة الإلهية بين الآب والابن، مما ساهم في مقاومة النسطورية لاحقاً.

في التقليد الرهباني، تبنى الآباء الرهبان في مصر هذا التعليم وجعلوه جزءاً من تأملاتهم اليومية. الأنبا مقار الكبير والأنبا باخوم وغيرهم من آباء البرية المصرية أكدوا على أهمية فهم هذه الحقيقة الإيمانية في الحياة الروحية.

على مستوى العقيدة، تساهم عبارة “إله من إله” في تأسيس العقيدة الثالوثية السليمة، حيث تحافظ على التوازن بين وحدة الله وتمايز الأقانيم. هذا التوازن أساسي في الفهم الأرثوذكسي للثالوث.

أما من الناحية الروحية، تؤكد العبارة على أن المسيح الذي نعبده ونصلي إليه هو إله حقيقي، مما يبرر العبادة المسيحية ويعطيها معناها العميق. كما تؤكد على أن الخلاص الذي قدمه المسيح هو خلاص إلهي حقيقي.

كذلك على مستوى الكرازة، تستخدم الكنيسة هذه العبارة في الكرازة والتعليم لتأكيد ألوهية المسيح أمام التحديات المعاصرة، سواء من الديانات الأخرى أو من التيارات الليبرالية داخل المسيحية.

 

الخلاصة

تمثل عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي حجر الزاوية في التعليم الأرثوذكسي حول ألوهية المسيح. هذه العبارة، التي وُلدت من صراع لاهوتي عميق في القرن الرابع، تستمر في لعب دور مركزي في الحياة العقائدية والروحية والليتورجية للكنيسة.

من خلال تأكيدها على وحدة الجوهر بين الآب والابن، تحافظ هذه العبارة على التوازن الدقيق في فهم الثالوث، بينما تقاوم في الوقت نفسه الانحرافات العقائدية التي تهدد جوهر الإيمان المسيحي. التقليد الكنسي، المتجذر في تعاليم القديس أثناسيوس والقديس كيرلس، يواصل الدفاع عن هذا التعليم وتطبيقه في الحياة المعاصرة.

إن فهم هذه العبارة ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو في صميم الإيمان الأرثوذكسي والحياة الروحية للمؤمنين. فهي تؤكد على أن المسيح الذي نعبده هو الإله الحقيقي، وأن الخلاص الذي قدمه لنا هو عمل إلهي حقيقي قادر على تحويل حياتنا وضمان أبديتنا.

 

المراجع:

  1. شرح لاهوتي لعبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي – رابط: https://christianity.stackexchange.com/a/40068
  2. ملخص تاريخي لمجمع نيقية الأول وصياغة قانون الإيمان سنة 325م – Church History 101 – “Fourth Century Church History – The Council of Nicea (325 AD)” – رابط: https://www.churchhistory101.com/century4-p8.ph
  3. كتاب “قانون الإيمان” لقداسة البابا شنودة الثالث، الأنبا تكلا – الباب الخامس عشر – رابط: https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/35-Kanoun-El-Iman/Christian-Faith__15-Truth.html

بحث وكتابة: عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

تحميل الكتاب بصيغة PDF

الإيمان وقانون الإيمان للقديس أغسطينوس – د. عادل زكري

الإيمان وقانون الإيمان للقديس أغسطينوس – د. عادل زكري

الإيمان وقانون الإيمان للقديس أغسطينوس – د. عادل زكري

الإيمان وقانون الإيمان للقديس أغسطينوس – د. عادل زكري

 

تحميل الكتاب PDF

قبل بداية مجمع خلقيدونية

قبل بداية مجمع خلقيدونية

قبل بداية مجمع خلقيدونية

بدأت الكنيسة المسيحية على أساس إيمان متمركز في شخص الرب يسوع المسيح، وقد حاولت الكنيسة أن تحافظ على هذا الإيمان في حياة المجتمعات المسيحية بطرق متنوعة تضمَّنت تبني عبارات (إقرارات) مختصرة تعبِّر عن الإيمان، وهي التي سُميت فيما بعد بقوانين الإيمان.[1]

وكان لدى الكنيسة في كل مكان نوع أو آخر من هذه الإقرارات المختصرة ـ التي كانت تعتبرها تشكِّل دستوراً للإيمان ـ حيث تقوم بتعليمها للمتقدمين للعماد كما تتلوها في عبادتها المنتظمة.

ومنذ العصور الأولى للمسيحية، كان المبشِّرون والمدافعون يقومون بشرح دستور الإيمان هذا لمن حولهم، وكانوا يركِّزون في شرحهم على أن يسوع المسيح هو ابن الله، الذي من خلاله يستطيع الرجال والنساء أن يكون لهم وصول مباشر لله (الآب)، ومنذ وقت انتشار كتابات العهد الجديد بدأوا يشيرون إليها لتأييد تفاسيرهم باعتبارها تقاليد رسولية متواترة.

وكانت هناك محاولات أخرى عديدة لشرح الإيمان قامت الكنيسة برفضها أثناء القرنين الثاني والثالث، حيث قام البعض بالإشارة إلى ’الابن‘ بكونه يتصل بالله الأزلي بعلاقة إعتمادية؛ والبعض الآخر أشار إليه بأنه الله ذاته في علاقته مع عالم الطبيعة؛ ورآه آخرون أنه إنسان مثلنا حل عليه روح الله وعمل فيه بصورة فائقة؛ وهناك من قالوا أنه مخلوق كامل أحضره الله للوجود قبل (أن يخلق) أي شيء آخر.

وبينما كان كل واحد من هؤلاء المبتدعين يحاول الترويج لأفكاره، كانت هناك سلسلة متواصلة على الدوام من قادة الكنيسة الذين فندوا تلك الأفكار الغريبة وشرحوا الإيمان بطرق أكثر قبولاً. وقام هؤلاء الرجال بتسليم الأجيال التالية أنماط معينة للتفكير، اعتبرتها الكنيسة قاعدة للوصول إلى المقياس العقائدي الصحيح.

وعلى الرغم من ذلك لم تكن تلك الأنماط موحدة، فمنذ القرن الثاني تقريباً بدأت تظهر على الأقل ثلاثة تقاليد عريضة (في الكنيسة): واحد في الإسكندرية، وآخر في أنطاكيا، والثالث في الغرب.

ومنذ البداية كانت هناك أيضاً محاولات لتوحيد أنماط التفكير المسيحي، وأولى هذه المحاولات الناجحة هي التي تحققت في القرن الرابع في مواجهة تعليم أريوس وأتباعه الذي زعم بأن الابن كان في الأساس مخلوقاً.

واستطاعت الكنيسة من خلال مجمع نيقية عام 325م ـ وبمساندة سلسلة من الرجال المقتدرين أمثال ق. أثناسيوس السكندري والآباء الكبادوك ـ أن تؤكد رسمياً أن الابن المتجسد يسوع المسيح ، هو الله بالكمال منذ الأزل على نفس النحو الذي به الآب أو الروح القدس، وذلك بدون أي تعارض مع الوحدة الإلهية.

وقد ضمَّن المجمع هذا الاعتراف داخل قانون إيمان، أكد فيه أن الابن “له ذات الجوهر الواحد (هوموأووسيوس)” مع الآب. وابتدأ هذا القانون ـ في صورته المطولة تلك ـ يحل بالتدريج محل كل قوانين الإيمان الأخرى في الشرق، مؤكداً على أن الابن له بالكامل ومنذ الأزل ذات الجوهر الواحد مع الآب.

وهكذا استطاعت الكنيسة في القرن الرابع أن تتفق رسمياً على عقيدة الثالوث القدوس، التي تضمَّنت علاقة الوحدانية في ذات الجوهر للآب والابن والروح القدس. ولكن إذا نظرنا إلى تفسير قانون الإيمان، فسنجد أنه بالرغم من أن التقليد السكندري والأنطاكي كانا بصورة أو بأخرى متفقين معاً، إلاّ أنهما لم يتفقا مع الغرب في نفس نمط التفكير الذي اتبعه، فبينما التزم الشرق بالتراث اللاهوتي للآباء الكبادوك (في تفسيرهم لعقيدة الثالوث)، تمسك الغرب بالتعليم الذي قدَّمه ق. أغسطينوس.

ولكن هذا الاختلاف مع ذلك لم يسبب أي انقسام بين الشرق والغرب مثلما حدث في الخلاف حول شخص المسيح في القرن الخامس.

[1] كان أغلب تلك الإقرارات يبدأ بكلمة ’أؤمن‘ لذلك سٌميت بإقرارات الإيمان (التي توحدت فيما بعد في قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني).

قبل بداية مجمع خلقيدونية

النظرة “الثنائية” السائدة وقت ظهور المسيحية

النظرة “الثنائية” السائدة وقت ظهور المسيحية

النظرة “الثنائية” السائدة وقت ظهور المسيحية

“نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السموات والأرض، ما يُرى وما لا يُرى”

عندما امتدت الكنيسة المسيحية من مركزها في اليهودية (بفلسطين) إلى عالم البحر الأبيض المتوسط، واجهت كرازتها وتعليمها بالإنجيل معارضة شديدة من المذهب المتطرف الخاص “بالثنائية” بين الجسد والعقل، والذي كان سائدًا ومنتشرًا في كل جانب من جوانب الحضارة اليونانية ـ الرومانية.

وقد أدى هذا المذهب إلى تقسيم الاختبار الإنساني إلى قسمين مما أثر على أنماط الفكر الأساسية في كل من الدين والفلسفة والعلوم على حد سواء. وقد كان الفصل (χωρισμός) الذي نادى به أفلاطون بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) (κόσμος αι̉σθητός) وعالم المدرَكات العقلية (الأشياء التي تُدرك بالعقل) (κόσμος νοητός) ـ والذي شدَّد عليه أرسطو أيضًا ـ هو الذي تحكم في عملية الانفصال بين كل من: العمل والتفكير، الحدث الواقع والفكرة، ما يمكن أن يحدث وما هو موجود فعلاً، المادي والروحي، المنظور وغير المنظور، الزمني والأبدي.

وكان هذا هو الأساس الذي بنى عليه بطليموس ـ بطريقة علمية ـ العلم الخاص بالكونيات (الذي يبحث في الكون)، والذي ساد على الفكر الأوروبي لأكثر من ألف عام. وقد نتج عن مذهب “الثنائية” هذا ـ والذي سيطر على كل شيء ـ استبعاد الله من عالم الواقع الحاصل في الزمان والمكان.

وعندما نُوديَ بالبشارة المسيحية في هذا المناخ، سرعان ما نشأ نزاع حاد بين أنماط الفكر الهلليني والفكر العبري، وأيضًا بين أسلوب التفكير الأسطوري (μυθολογει̃ν) الذي يرتكز على عقل الإنسان، وأسلوب التفكير اللاهوتي (θεολογει̃ν) الذي مركزه الله نفسه.

وقد تعيَّن بصفة خاصة، على التعليم الكتابي عن عناية الله وعمله الخلاصي في التاريخ، والتعليم المسيحي عن التجسد والفداء ـ حتى يمكن لهذا التعليم أن يجد من يستمع إليه وحتى يمكن أن يتأصل بشكل صحيح تمامًا ـ أن يدخل في صراع مع الافتراضات التي ترتكز عليها النظرة “الثنائية” تجاه الله والعالم.

وازدادت صعوبة هذه المشكلة بسبب الترابط غير العادي بين مفاهيم التعالي والسمو الخاصة بالله في اليهودية والهللينية. فقد آمن كل المسيحيين مع اليهود بالله الواحد خالق السماوات والأرض، ولكن الفارق الهائل بين الخالق والمخلوق (الذي يظهر في اليهودية) كان يميل، في بعض النواحي، إلى تأكيد التركيبة “الثنائية” التي اتسم بها الفكر اليوناني، سواء الأفلاطوني أو الأرسطوطالي أو الرواقي.

وبدا هذا واضحًا في تعاليم فيلو الفيلسوف الإسكندري، الذي علَّم بأن الله والعالم بعيدان كل البعد أحدهما عن الآخر إلى درجة أنه سعى لإيجاد علاقة بينهما من خلال عالم متوسط من الأفكار المبهمة. واتضح هذا الأمر بدرجة كبيرة في الأنظمة الأسطورية الخاصة بالغنوسيين، والتي فيها اتسعت “الثنائية” بين الله والعالم لتصبح هوة ضخمة.

كما اتضح أيضًا وبنفس المقدار في “الثنائية” الماكرة للأريوسيين الذين أنكروا ألوهية يسوع المسيح الحقيقية، واعتقدوا أن ابن الله ليس “أزليًّا” بالطبيعة وأنه ينتمي إلى المخلوقات، التي تقع في الجانب الآخر من الخط الفاصل بين الله وبين العالم المخلوق[1].

الدور الذي اضطلعت به الكنيسة في مواجهة النظرة “الثنائية”

وفي صراع الكنيسة مع الافتراضات السائدة “للثنائية”، والتي كان من الممكن أن تعوق فهم رسالتها، وجدت الكنيسة أنه يتعيَّن عليها تغيير أسس الفكر اليوناني – الروماني ذاتها. وبعملها هذا، وضعت الكنيسة الأساس لمدخل مختلف تمامًا عن الكون المخلوق، من أجل الوصول في النهاية إلى تفسير علمي ـ مقبول عقليًّا ـ للنظام الأساسي لهذا العالم.

وقد اقتضى عمل خطير من هذا النوع ـ لتغيير وإعادة بناء المفاهيم ـ قيام الكنيسة بنشاط ذهني دؤوب وشاق، على مدى القرون الستة الأولى، مما ترك بصمته الدائمة على الحضارة الغربية، وكان هذا العمل لحساب مهمة الكنيسة التبشيرية الأساسية في الكرازة بالإنجيل للعالم، ونشر معرفة الله الخلاصية بابنه يسوع المسيح بين الأمم، وإعطاء شعب الله عبر التاريخ فهمًا واضحًا لجوهر الإيمان.

ووفقًا للتقليد الرسولي، ركَّزت الكنيسة على أولية ومركزية “العلاقة بين الآب والابن” التي عرفتها في الإنجيل والتي أبرزتها في قانون الإيمان، لأنه على أساس هذه العلاقة بالتحديد بُني كل شيء آخر في الإنجيل.

ولذلك عندما بدأت تشتد طرق التفكير “الثنائية” بين أنصار الهرطقة الأريوسية، وهدَّدت بتقويض الإيمان بألوهية المسيح ـ وذلك بقطع العلاقة الجوهرية بينه وبين الله الآب ـ اهتمت الكنيسة في مجمع نيقية بوضع بيان دقيق ومحدد عن الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسِّد والآب، لأن هذا الأمر كان هو المحور الرئيس الذي اعتمد عليه في النهاية اعتراف الإيمان بأكمله، بنفس الدرجة التي اعتمد بها على الإيمان بالله الآب ضابط الكل[2].

وسوف نولي اهتمامًا كاملاً بهذا الموضوع في حينه، ولكننا إذ ننتقل إلى موضوع هذا الفصل وهو “السبيل إلى الآب” علينا أن نفترض مسبقًا صلة هذا الموضوع بالعلاقة الداخلية بين الابن والآب.

1  See Athanasius, De syn., 46; Ad episc. Aeg., 4ff.

2  Athanasius, Ad Afr., 4-11; Ad Jov., 1 etc.

النظرة “الثنائية” السائدة وقت ظهور المسيحية

كتاب هذا إيماني PDF البابا تواضروس الثاني

كتاب هذا إيماني PDF البابا تواضروس الثاني

كتاب هذا إيماني PDF البابا تواضروس الثاني

كتاب هذا إيماني PDF البابا تواضروس الثاني

تحميل الكتاب

كتاب قوانين الايمان واقرارته PDF – دورها وتاثيرها في الكنيسة – القس عبد المسيح اسطفانوس

كتاب قوانين الايمان واقرارته – دورها وتاثيرها في الكنيسة PDF القس عبد المسيح اسطفانوس

كتاب قوانين الايمان واقرارته – دورها وتاثيرها في الكنيسة PDF القس عبد المسيح اسطفانوس

كتاب قوانين الايمان واقرارته PDF – دورها وتاثيرها في الكنيسة – القس عبد المسيح اسطفانوس

تحميل كتاب قوانين الايمان واقرارته – دورها وتاثيرها في الكنيسة PDF القس عبد المسيح اسطفانوس

عقيدة الروح القدس والفهم الثالوثي لله في الكنيسة

عقيدة الروح القدس والفهم الثالوثي لله في الكنيسة

عقيدة الروح القدس والفهم الثالوثي لله في الكنيسة

شهادة مجمع نيقية عن الروح القدس

لقد تكلَّم الآباء في مجمع نيقية عام 325م عن الروح القدس في جملة واحدة فقط وهي الجملة الأخيرة من قانون الإيمان: “نؤمن بالروح القدس”. ورغم قصر هذه العبارة إلاّ أنها أبرزت بوضوح تأكيد إنجيل العهد الجديد على طبيعة الروح القدس الإلهية والأقنومية، والذي مع الآب والابن هو موضوع وهدف الإيمان، ومن خلاله وفيه نؤمن بيسوع المسيح وننال الخلاص.

ففي الروح القدس، الله ذاته يكون حاضرًا مباشرة في وسطنا، وعاملاً بطريقة إعجازية من أجل خلاصنا، ومن خلال الروح القدس يعلن الله عن ذاته بكونه “ربًا”؛ إذ إن الله نفسه يكون هو محتوى (أو مضمون) كل ما يفعله الروح لنا أو ينقله إلينا. فالروح القدس ليس مجرد شيء إلهي، أو شيء شبيه بالله ينبعث منه، ولا هو عمل يتم بعيدًا عن الله أو عطية منفصلة عن نفسه، لأن في الروح القدس الله ذاته يعمل مباشرةً فينا، وعندما يعطينا الله روحه القدوس فهو لا يعطينا إلاّ ذاته، حيث إن مُعطي الروح وعطية الروح هما واحد[1]، ولذلك نجد في قانون الإيمان النيقي أن الإيمان بالروح القدس اقترن بالإيمان بالآب وبالابن باعتباره إيمانًا بإله واحد ورب واحد[2].

 

شهادة الكتاب المقدس عن الروح القدس

ولقد شهد الرسل بوضوح منذ البداية عن طبيعة الروح الإلهية والأقنومية بكونه “الرب”، وذلك من خلال تفرده بلقب “القدس” (γιος) أي (القدوس) كترجمة للكلمة العبرية “قادوش” (קָדוֹשׁ) التي كانت قد استخدمت في أسفار العهد القديم للتحدث عن طبيعة الله الفائقة الإدراك، وعن مجده وجلاله الذي لا يُدنى منه: “قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض[3]“.

ولذا نجد أن كلمة “قادوش” (קָדוֹשׁ) استخدمت في سفر إشعياء للإشارة إلى الرب باعتباره “قدوس إسرائيل”، وخاصةً في التعبير عن عمله الخلاصي في حياة وتاريخ شعبه[4]، كما اُستخدمت هذه الكلمة أيضًا في أحيان أخرى للإشارة إلى روح الله بوصفه “الروح القدس”[5]. ومما لا شك فيه أنه نظرًا لطبيعة الروح الفريدة والتي لا تُضَاهى، فإن كلاًّ من العهد القديم (في ترجمته السبعينية إلى اليونانية) والعهد الجديد لم يستخدما الكلمة اليونانية الأكثر شيوعًا “يروس” (ερός) بل فَضَّلا استخدام الكلمة النادرة نسبيًّا “أجيوس” (γιος) للتعبير عن القداسة والتميُّز الفائق الخاص بالألوهية، ولذلك فإن مصطلح “الروح القدس” كان يعبِّر عن الإدراك بأن حلول الروح هو حلول “للروح” في سموه وعلوه الفائق.

 

وعلاوة على ذلك، كانت الكلمة العبرية المستخدمة للتعبير عن الروح “رُوَح” (רוּחַ) تحمل معنى محدَّدًا وديناميكيًّا، وهو الأمر الذي لم يكن كذلك بالنسبة الكلمة اليونانية “بنفما” (πνεύμα) التي تُستخدم في الفكر والأدب اليوناني القديم[6]. ولذلك عندما ربط العهد القديم كلمتي “روح” (רוּחַ) و”قدس” (קָדוֹשׁ) معًا فقد قصد بذلك الإشارة بوضوح إلى الله الحي القدير، وإلى أن حضور روحه القدوس يجب أن يُفهم في الحال على أنه هو الحضور الشخصي الحقيقي والفعَّال لله.

إن روح الله ليس هو انبعاث لبعض القوة الإلهية المنفصلةً عن الله، بل هو تقابل الله نفسه مع البشر ومع شئونهم، حيث يؤثر الله بقوته الإلهية وقداسته ويعمل بصورة مباشرة و”شخصية” في حياتهم. وقد تأكد جدًّا هذا المفهوم عن روح الله من خلال العلاقة الحميمة بين “كلمة” الله و “روح” الله في عمله الإعلاني والخلاصي[7]. وكانت هذه النظرة العبرية هي ما ميَّز تعليم إنجيل العهد الجديد عن الروح القدس، باعتباره وصول الله إلى البشر لتقديسهم وفدائهم وإعطائهم الحياة بواسطة كلمته، جاذبًا إياهم إلى الشركة وجهًا لوجه مع نفسه[8].

وكما يُنظر إلى القداسة والطبيعة الفائقة لكل من الله (الآب) في العهدين القديم والجديد والرب يسوع المسيح، وتُقدم لهما العبادة والسجود، فكذلك أيضًا روح الله، الذي بفضل طبيعته الذاتية المقدسة يستوجب نفس العبادة والسجود. لأن في الروح القدس لا يكون إلاّ الله ذاته القدوس الضابط الكل حاضرًا بصورة شخصية مع شعبه، يجتمع بهم ويتحدث معهم.

 

علاقة عقيدة الروح القدس بعقيدة الآب والابن في الكنيسة

لقد كان إيمان آباء نيقية بالروح القدس متمشيًا مع تعليم الكتاب المقدس حينما اعترفوا قائلين: “نؤمن بإله واحد … وبرب واحد يسوع المسيح … وبالروح القدس”، حيث قد أكدوا بذلك أن الإيمان بالروح القدس هو في داخل إطار الثالوث القدوس، طبقًا لطقس المعمودية المقدسة التي تتم بالاسم الواحد: الآب والابن والروح القدس، وطبقًا للإيمان المسلَّم لهم من الرسل. وكما عبَّر عن ذلك القديس باسيليوس: “إننا ملتزمون بأن نُعمِّد بالأحكام التي تسلَّمناها، وبأن نعلن إيماننا بالأحكام التي تعمَّدنا بها[9]“.

إذن فإن التأكيد الواضح على العبارة الخاصة بالروح القدس في قانون الإيمان، قد أظهر كمال فهم الكنيسة لله، كما أنه أعطى مركزية لعقيدة الثالوث القدوس. وحيث إن تعليم إنجيل العهد الجديد عن الله أنه روح، وأنه يُعرف بالحقيقة ويُسجد له بكونه روحًا لأن طبيعة جوهر الله الأزلي أنه روح: سواء آب أو ابن أو روح قدس فلذلك ينبغي علينا أن نفهم الآب والابن والروح القدس في ذاتهم وفي علاقاتهم الداخلية المتبادلة بطريقة روحية فقط.

ويمكننا أن نفهم تأثير عقيدة الروح القدس بالنسبة لعقيدة الآب والابن من العبارة التي قالها القديس أثناسيوس: “وبينما أن المسيح هو “الهيئة” (Εδος) الوحيدة أو “الشكل” الوحيد أو “الصورة” الوحيدة للاهوت الآب، فإن الروح هو “هيئة” (Εδος) أو “صورة” الابن[10]“. والقول بأن الروح هو “صورة” الابن قد يكون محيرًا بعض الشيء إلى أن ندرك أن الروح نفسه بلا صورة، وحيث إن الآب والابن والروح القدس لهم ذات الطبيعة الواحدة[11]، فيتعين أن يكون تفكيرنا فيهم وفي علاقاتهم المتبادلة داخل الثالوث القدوس بطريقة فائقة وروحية تمامًا ولا تصوير فيها (imageless)[12].

ويقول القديس إبيفانيوس في هذا الصدد: (في تعاملنا مع الله) علينا أن نستخدم آذاننا بدلاً من أعيننا، لأننا نعرفه فقط من خلال كلمته ونراه فقط بالذهن[13]، لأن “الله روح” ويُعرف فقط بالمسيح، كلمة الله الحي و”الهيئة” الوحيدة أو “الصورة” الوحيدة لله غير المنظور[14]. وقد أشرنا في الفصل الثاني إلى أن الوحي الإلهي عندما يستخدم مصطلحي “آب” و”ابن الله”، فإننا يجب أن نفكر في هذين المصطلحين بكونهما يشيران إلى الآب والابن بطريقة لا تصوير فيها، وبدون إقحام أي نوعٍ من الصور (أو الأمثلة) المخلوقة أو أي شكل من أشكال الفكر المادي[15].

بل المقصود هو أن نربط معًا في أذهاننا صورة الآب بالابن، وصورة الابن بالروح القدس، وهكذا نستطيع أن نشير بصور مأخوذة من علاقاتنا البشرية إلى اللاهوت بطريقة روحية وليس بطريقة مادية بشرية[16].

وكان تطبيق مفهوم ال “هوموأووسيوس” (ὁμοούσιος) مع الروح القدس في خلال الفترة التي بين مجمعيّ نيقية والقسطنطينية[17] إنما يعني أن الابن له ذات جوهر الله بالضبط كما هو الحال بالنسبة للروح القدس، وكذلك أن الروح القدس له ذات جوهر الله بالضبط كما هو الحال بالنسبة للابن.

وكان تطبيق مفهوم ال “هوموأووسيوس” (ὁμοούσιος) مع الروح القدس بالطبع مع ما تضمَّنه ذلك من التأكيد التام على ألوهية الروح القدس قد ساعد الكنيسة على أن تدرك بشكل أعمق مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” (ὁμοούσιος) التي للابن المتجسد مع الآب، وكذلك العلاقات الجوهرية داخل الثالوث القدوس. وهكذا اكتمل التعبير عن عقيدة الروح القدس بوضوح كامل من داخل إيمان الكنيسة بالثالوث، واحتلت هذه العقيدة مكانًا راسخًا في ذهن الكنيسة، بالضبط كما هو الحال بالنسبة لعقيدة الابن[18].

 

الهدف من وراء الاستخدام الثلاثي لفعل “نؤمن” في قانون الإيمان النّيقيّ

وكان القديس أثناسيوس قد أكد على هذه النقطة الأساسية في خطابه المجمعي عام 369م والذي سبق الإشارة إليه وذلك في تعرضه لتعاليم أنصاف الأريوسيين وإنكارهم لألوهية الروح القدس، حيث قال: “لأن مجمع نيقية هذا، قد فَضَح بالحقيقة كل هرطقة، كما أنه يحبط أولئك الذين يجدِّفون على الروح القدس ويدعونه مخلوقًا. لأن الآباء بعد حديثهم عن الإيمان بالابن أضافوا على الفور “ونؤمن بالروح القدس”، لكي باعترافهم الأمين والكامل بالثالوث القدوس يعلنون الشكل الدقيق لإيمان المسيح وتعليم الكنيسة الجامعة.

فمن الواضح لكم وللجميع ولا يمكن لأي مسيحي أن يساوره شك في هذا أننا لا نؤمن بمخلوقٍ بل بإله واحد؛ الآب ضابط الكل خالق كل شيء ما يُرى وما لا يُرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابنه الوحيد، وبروح قدس واحد: إله واحد يُعرف في الثالوث الكامل القدوس، الذي به (باسمه) نعتمد، وفيه نتحد بالإلوهة (بالله)[19]“. وقد ذكر القديس باسيليوس وق. إبيفانيوس[20] أنه في مجمع نيقية، لم يكن هناك أي جدال بالنسبة للروح القدس، لأنه على مدى حياة الكنيسة وتسبحتها وإيمانها: كان الروح القدس مرتبطًا بالآب والابن بغير انفصال في العبادة والتمجيد (الذي تقدِّمه الكنيسة) باعتبار أن الروح القدس هو المصدر الإلهي للخلاص والتجديد[21].

ولكن حينما تفجَّر الخلاف بعد عام 350م، رفض القديس أثناسيوس الادعاء القائل بأن الروح القدس مخلوق، واعتبر أن هذا الكلام يقوِّض أسس الإيمان لأنه يقسِّم الثالوث القدوس ويهدم سر المعمودية المقدسة. واستند القديس أثناسيوس في ذلك ليس فقط إلى تقليد الكنيسة الجامعة، بل أيضًا إلى التعليم الرسولي والكتابي المتضمَّن في هذا التقليد، والذي كان قد كرَّس نفسه (أي القديس أثناسيوس) لشرحه وتوضيحه[22].

وكما قال القديس غريغوريوس النزينزي في وقت لاحق، أنه فقط بعد أن أعطانا الله معرفة واضحة عن الآب وعن الابن، كان في تدبير إعلان الله عن ذاته أن تصبح معرفتنا عن ألوهية الروح القدس الساكن في الكنيسة معرفة جليّة، وأن يتضح أيضًا أن عبادتنا لله الآب والله الابن والله الروح القدس، هي مقدمة لثلاثة أقانيم ولاهوت واحد[23].

 

النصوص الكتابية التي ساهمت في فهم الكنيسة لعقيدة الثالوث

وكانت الوصية التي أعطاها المسيح القائم للكنيسة كلها والتي كانت ذات أهمية قصوى في تقليد الكنيسة هي أن تعمِّد باسم الآب والابن والروح القدس كما جاء في الإنجيل بحسب القديس متى وذلك استنادًا إلى ما حدث في معمودية المسيح نفسه في نهر الأردن عندما أعلن الآب أنه ابنه الحبيب، ونزل عليه الروح معلنًا أنه المسيح. وفي العهد الجديد، كانت هناك ثلاثة نصوص ذات أهمية لاهوتية خاصة، وقد دخلت تلك النصوص في صلب الإيمان الرسولي والتعليم والعبادة والتقليد، وتجلى مضمونها داخل الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى. وهذه النصوص هي:

  1. صيغة المعمودية كما وردت في (مت 19:28) “باسم الآب والابن والروح القدس”.
  2. البركة الرسولية كما وردت في (2كو 14:13) “نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم”.
  3. الفقرة المأخوذة من (1كو 4:12-6) والتي نوقشت كثيرًا في الكنيسة الأولى: “فأنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد. وأنواع خِدَم موجودة، ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد، الذي يعمل الكل في الكل”.

ويلفت نظرنا كارل لودويج شميدت في وقتنا المعاصر وقد سبقه في ذلك كل من القديس غريغوريوس النزينزي وديديموس في القرن الرابع إلى أنه في تلك النصوص الثلاثة، هناك تنوع في الترتيب الذي ذُكر به كل من “الآب” و”الابن” و”الروح القدس”[24]. وحقيقة أن كل من “الآب” و”الابن” و”الروح القدس” قد ذُكر أولاً (في الترتيب) في أحد هذه النصوص، إنما يشير إلى أن الترتيب الذي اُستخدم في أي منها لا ينتقص من المساواة الكاملة بين الثلاثة أقانيم الإلهية.

فبينما في الليتورجيا الكنسية وفي طقس المعمودية يُذكر الآب أولاً، نجد أنه في البركة الرسولية المذكورة في الإنجيل والتي سادت في عصر ما بعد الرسل كما أشار أوسكار كولمان[25] يأتي ذكر الابن أولاً لأن الإيمان بالله الآب والله الروح القدس كان متضمنًا في الإيمان بيسوع المسيح كرب ومخلِّص، بيد أنه في حياة أبناء الكنيسة وفي خدمتهم الروحية، كان التركيز المباشر على عمل ومواهب الروح القدس.

ورغم أن القديس أثناسيوس اعترف بهذا التنوع في ترتيب ذكر الأقانيم وفقًا لفهمه للإيمان المسيحي والحياة المسيحية، إلاّ أنه حذَّر من تغيير ترتيب أقانيم الثالوث عن الترتيب الذي ذُكر في صيغة المعمودية المقدسة، وذلك في مواجهة هرطقة سابليوس[26]. وهناك شواهد أخرى عن الثالوث القدوس في العهد الجديد كان لها قدر من التأثير على نمو الفكر اللاهوتي في فترة ما قبل نيقية وما بعد نيقية[27]، ومن أهم هذه الشواهد ما يلي:

  1. 1. (أع32:2-33): “فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعًا شهود لذلك. وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه”.
  2. (1بط2:1): “إلى…. المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق، في تقديس الروح للطاعة، ورش دم يسوع المسيح: لتكثر لكم النعمة والسلام”.
  3. (2تس13:2-14): “وأما نحن فينبغي لنا أن نشكر الله كل حين لأجلكم أيها الإخوة المحبوبون من الرب، أن الله اختاركم من البدء للخلاص، بتقديس الروح وتصديق الحق. الأمر الذي دعاكم إليه بإنجيلنا، لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح”.
  4. (أف18:2): “لأن به (يسوع المسيح) لنا كلينا قدومًا في روح واحد إلى الآب”.
  5. (أف4:4 7): “جسد واحد، وروح واحد، كما دعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم. ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح”.

 

الإيمان بالثالوث كان مستقرًّا في عبادة الكنيسة وخبرتها قبل صياغته في مجمعيّ نيقية والقسطنطينية

وتبين تلك النصوص أن تعاليم الإنجيل التي تسلَّمناها بواسطة التقليد الرسولي كانت تعلن الإيمان الراسخ بالآب والابن والروح القدس، وهو الإيمان الذي استقر في خبرة الكنيسة التي أسسها المسيح. ونجد الدليل على هذا، في التسابيح الأولى المتبقية لدينا من فترة ما بعد العصر الرسولي مثل: تسبحة باكر “المجد لله في الأعالي…” (Δόξα εν υψίστοις Θεώ) التي وُجدت في المخطوطة السكندرية للكتاب المقدس (Codex Alexandrinus)، وقد وُجدت ملحقة بسفر المزامير[28]، وكذلك تسبحة المساء “النور الساطع للمجد المقدس” (Φως ιλαρόν αγίας δόξης) التي ذكرها القديس باسيليوس في كتابه “عن الروح القدس”[29]. كما تتضح أيضًا عمومية هذه النظرة الثالوثية في الكنيسة من كتابات أخرى ترجع إلى العصور الأولى[30].

وقد وجد آباء نيقية أن الشهادة (التعاليم) الإنجيلية عن الآب والابن والروح القدس، تتضمَّن بالفعل فهمًا ثالوثيًّا لجوهر الله الواحد. وهذه الشهادة لا يمكن فهمها بعيدة عن عقيدة الثالوث، تلك العقيدة التي نشأت عن تفسير أمين وصادق للعهد الجديد ونمت في حياة الكنيسة الليتورجية وخبرتها الإنجيلية منذ البداية. ومن هنا يمكننا القول أنه قد تم بالفعل استجلاء ما كانت تتضمَّنه وديعة الإيمان الأساسية[31] من خلال صياغة مصطلح “هوموأووسيوس”؛ إذ قد تم توضيح وإظهار العلاقة الجوهرية بين الابن والآب والتي تقوم عليها رسالة الإنجيل.

وبتطبيق نفس مفهوم “هوموأووسيوس” على الروح القدس للتعبير عن وحدانيته في ذات الجوهر مع الآب والابن فإن الفهم الثالوثي لله يكون قد اكتمل وترسَّخ بشدة في ذهن الكنيسة. وكان مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر يحمل في طياته أيضًا مفهوم التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة أقانيم الإلهية داخل جوهر الله الواحد[32]. وهكذا بواسطة مفهوم ال “هوموأووسيوس” تم تتبع إعلان الله عن ذاته كآب وابن وروح قدس والذي حدث في التجسد ودخلت الكنيسة بالفعل من خلاله إلى معرفة الله وفقً “لما هو” الله أقنوميًّا في جوهره الذاتي الأزلي[33].  

 

التلازم المتبادل بين عقيدة الابن وعقيدة الروح القدس

وفي أعقاب مجمع نيقية، وفي ظل الحرب المستمرة ضد الأريوسية والتي ظلت قائمة نتيجة وجود بعض التدخلات اللاهوتية للقادة السياسيين في تلك الفترة أصبح واضحًا أن إنكار إلوهية الابن يترتَّب عليه إنكار لإلوهية الروح القدس، لأن رسالة وتعاليم الإنجيل قدَّمت الابن والروح القدس معًا بشكل متلاحم جدًّا، حتى أن الاعتراف بإلوهية الابن الكاملة كان يحمل معه الاعتراف بإلوهية الروح القدس الكاملة.

ولذلك كان لا بد للإيمان التقليدي بالروح القدس بكونه “الرب” من أن يُعطَى الصياغة اللاهوتية المناسبة، أسوة بما حدث بالنسبة للابن، وهذا يفسر إلى حد ما السبب وراء تأكيد عقيدة الروح القدس انطلاقًا من عقيدة الابن[34]. وكانت الأولوية في هذا السياق أيضاً، لإيمان الكنيسة وصلاتها وعبادتها لله من خلال المسيح وفي الروح القدس*، والذي انعكس على شكل تسبيحها الدائم أي أن الأولوية كانت للدخول إلى الآب بالمسيح وفي روح واحد.

وقد أوضح لنا القديس باسيليوس هذا الجانب من عقيدة ما بعد نيقية في كتابه “عن الروح القدس”[35]، حيث قام اللاهوتيّون في الفترة التي تلت نيقية، بوضع صياغة قانونية لما كان مستقرًّا ومُتَفقًا عليه بالنسبة للروح القدس بالضبط مثلما فعل آباء نيقية بالنسبة للابن في علاقته بالله الآب إذ قد صار واضحًا أن حقيقة الإنجيل وفاعليته لا تعتمد فقط على الوحدانية في ذات الجوهر والفعل بين الابن المتجسد والله الآب، بل أيضًا على الوحدانية في ذات الجوهر والفعل بين الروح القدس وكل من الابن والآب.

ولذلك علَّم القديس كيرلس الأورشليمي طالبي العماد قائلاً: “آمنوا أيضًا بالروح القدس، وتمسكوا بالنسبة له بنفس التعليم الذي أخذتموه عن الآب والابن … فهو مع الآب والابن ممجد بمجد اللاهوت[36]“.

 

1 Athanasius, Ad Ser., 1.30; Epiphanius, Haer., 74.7.

[2]  انظر تركيز القديس إبيفانيوس على الاستخدام الثلاثي لفعل ’نؤمن‘ مع كل من الآب والابن والروح القدس في قانون الإيمان: Haer., 73.25; 74.14; and Basil, Ep., 236.6 .

[3]  إش 3:6؛ انظر أيضاً لا 45:11؛ 2:19؛ 7:20؛ إلخ.

[4]  إش 4:1؛ 19:5،24؛ 17:10،20؛ 6:12؛ 7:7؛ 19:29،23،23؛ 11:30؛1:31؛ 23:37؛ 25:40؛ 14:40،16،20؛ 3:43،14؛ 11:45؛ 4:47؛ 17:48؛ 7:49؛ 5:54؛ 9:60،15؛ مر 24:1؛ لو 34:4؛ يو 69:6؛ أع 14:3؛ 1يو 20:2.

[5]  إش 10:63؛ مز 11:51.

[6] الكلمة اليونانية ’بنفما‘ (πνεμα) مثلها مثل العبرية، تعني حرفيًّا’ريح‘ أو ’نفس – نفخة‘، ولكن بينما خَفُتَ هذا الصدى الأصلي للكلمة في الأدب اليوناني، نجد أنه قد أُبقي عليه إلى حد كبير في العبرية وبالتالي في الاستخدام الإنجيلي للكلمة كما في يو 3: 8، أع 2: 1؛ انظر أيضًا: Gregory Nyss., Or. Cat., 2.

[7] إش 1:11؛ 1:42؛ 3:44؛ 16:48؛ 21:59؛ 61؛ 7:63.

8 Cf. K. L. Schmidt, ‘Das Pneuma Hagion als Person und als Charisma’, Eranos Jahrbuch, 1945 (XIII), pp. 190ff; and A. I. C. Heron, The Holy Spirit, 1983, pp. 1-60.

9 Basil, Ep., 125.3.

10 See Con. Ar., 3.6, 10; Ad Ser., 1.19f; cf. Didymus, De Trin., 2.5, 11, and John of Damascus, De Fide, 1. 13.

11 Cf. Cyril of Jer., Cat., 16.3:

“الآب الواحد، والابن الواحد، والروح القدس الواحد ينتمون جوهريًّا وبلا انفصال بعضهم إلى البعض الآخر (أو يخصون بعضهم البعض الآخر)”.

12 Cf. Eusebius, De eccl .theol., 1.12; Gregory Naz., Or., 24.4; 28.12; 29.2, 8; 30.17; 31.7, 33; Basil, Hom., 111; Cyril of Jer., Cat., 11.11, 19; Epiphanius, Haer., 70.5.

13 Epiphanius, Haer., 70.4-8.

14 Cf. Ps. Athanasius, Con. Sabellianos, 5ff (MPG, 28.105f) which is evidently a variation on Basil’s Homily 111.

15 See Athanasius, Con. Ar., 1.15, 21; De decr., 24; De syn., 42& 51. See Basil, Con. Eun., 2.16; De Sp. St., 15, 84; Gregory Nyss., Con. Eun., 11.6, 4; Didymus, De Sp. St., 57.

إن عدم تصوير الله (imagelessness) كان متضمنًا في مفهوم أن الله ’نور‘ وأنه ’روح‘:

Athanasius, Ad Ser., 1.19, 30; Basil, De Sp. St., 47. 64; Epiphanius, Haer., 70.5, etc.

[16] وهذا قد يمنع أي تفكير سخيف عن وجود نوع للجنس (أي ذكر أو أنثى) في الله:

Gregory Naz., Or., 31.7.

17 Cf. Epiphanius, Anc., 7, 46, 69f; Haer., 69.17f, 32f; 74.6, etc.

18 See Didymus, De Trin., 2.6ff; Epiphanius, Haer., 73.15ff, 24f, 34f, and especially the long refutation of the ‘Pneumatomachians’, 74.1-14.

19 Athanasius, Ad Afr., 11; see Ad Ant., 3; and Epiphanius, Haer., 73.34.

20 Basil, Ep., 125, 159.2, 226.3; Ep. ad Epiph., 258.2; Epiphanius, Haer., 74.14.

[21] ومن هنا كان هذا التركيز على التمجيد الواحد (μία δοξολογία) الذي يُقدم للثالوث:

Epiphanius, Anc., 24; Haer., 62.3, 8; 69.29, 33, 56, 75; 74.14; 76. Ref. Aet., 10, 21, 30; Exp. fidei, 17, etc.

22 Athanasius, Ad Ser., 1.1-33; cf. Epiphanius, Anc., 65ff & Haer., 74.2ff.

23 Gregory Naz., Or., 34.26-28.

24 K.L. Schmidt, op. cit., pp. 215f. See Gregory Naz., Or., 36.15; and Didymus, De Trin., 1.18.

25 O. Cullmann, Early Christian Confessions.

26 Athanasius, Ad Ser., 4.5. Also Basil, Ep., 125.3.

27 See K.L. Schmidt, op. cit., pp. 209f, 216ff.

[28] انظر أيضًا التسبحة التي وردت في (Apost. Const., 7.47): “المجد لله في الأعالي… الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح، والروح القدس الرب الإله”. ارجع كذلك إلى القديس إبيفانيوس في (Haer., 74.10.).

29 Basil, De Sp. St., 73.

30 See Didache, 7.1; Ignatius, Magn., 13. 1; Polc. martyr., 14.3; Justin Martyr, Apol., 1.6, 13, 61, 65; Athenagoras, Leg., 6, 10, 12, 24; Irenaeus, Adv. haer., 1.2ff, vol. 1, p.90ff; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 22ff; 4.1f, pp. 146ff; 4.53.1, p. 261f; 5.20.1f, pp. 377f; Dem., 5f; Hippolytus, Apost. Trad., 3, 8, 21; Novatian, De Trin., 7, 16, 29f; Tertullian, Adv. Prax., 2-5, 8f, 11ff, 25, 30, etc.; Origen, De prin., 1.3.5, 7f; 4.2f; 6.2; 2.2.2; 3.5.8; 4.3.14f; 4.1, 3; In Jn., 2.6; 6.17, etc.

[31] هذا بالتأكيد كان هو القصد وراء الحاشية التي وُجدت في ’الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس والمعروفة ب الفولجاتا‘ على 1يو 7:5-8 وهي: “فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم. والثلاثة هم في واحد”.

32 See Athanasius, Ad Ser., 1.27; 2.3, 5; 3.1; Epiphanius, Haer., 63.6; 65.1ff; 74.12; 76.2; 76.35; Exp. fidei, 14.

33 Athanasius, Con. Ar., 3.1ff; Epiphanius, Anc., 2-7, 10, 67, 72, 81; Haer., 62.1ff; 64.9; 72.11; 73.20; 74.9, 11ff; 76.30; 77.22; Gregory Naz., Or., 29.16, 20; 31.10; Schol., MPG, 36. 911; Ep., 58; Or., 43.68.

34 Athanasius, Ad Ser., 3.1ff.

* أي إن الاعتراف بالروح القدس بكونه ’الرب‘ بدأ في عبادة الكنيسة وتسبيحها قبل أن يظهر في صورة صياغة رسمية قانونية. (المترجم)

[35] وقد لجأ القديس باسيليوس لتعضيد آرائه إلى كل من إيرينيئوس وكليمندس وأوريجانوس وديونيسيوس السكندري انظر: (De Sp. St., 72.).

36 Cyril of Jer., Cat., 4.16. Thus also Amphilochius, Ep. Syn., 2.

انظر أيضًا الليتورجيا البيزنطية (F.E. Brightman, Eastern Liturgies, p.382): “هلّم نحب بعضنا بعضًا حتى ما نعترف بذهن واحد بالآب والابن والروح القدس، الثالوث غير المنقسم والواحد في ذات الجوهر”.

عقيدة الروح القدس والفهم الثالوثي لله في الكنيسة

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

يخبرنا القديس أثناسوس في العديد من أعماله[1]، أن مجمع نيقية قد جاهد جهادًا عنيفًا من أجل التوصل إلى الصياغة النهائية للفقرات الحاسمة في قانون الإيمان، وقد تم ذلك على مراحل متتالية. ففي أول الأمر، عندما وافق الأريوسيون على صيغة أن الابن هو “من الله” أو “من عند الله” كما جاء في “نور من نور”، أصرَّ آباء نيقية على تعريف “من الله” أو “من عند الله” على أنها تعني “من جوهر الآب” (κ τς οσίας το Πατρός)، وذلك لتوضيح وتحديد العلاقات في داخل الله. وكان هذا يعني أن الابن خاص بصميم جوهر الله، وأنه “من الله” الآب وهو الأمر الذي لا ينطبق على المخلوقات وأنه هو إله من إله.

ولكن عندما تظاهر أتباع أريوس ويوسابيوس وفي موقف مثير للدهشة بالموافقة على عبارة “من جوهر الآب”، أدرك آباء نيقية أن هؤلاء الهراطقة سيفسرون هذه العبارة على نحو يمكن فيه أن تُطبَّق أيضًا على البشر الذين خُلقوا ليس فقط ك “أولاد الله” بل على “صورة الله ومجده”.

ولذلك قرَّر الآباء قطع الشك باليقين وإزالة أية إمكانية لسوء الفهم، فأضافوا التعبير اللاهوتي الحاسم بأن الابن “له ذات الجوهر الواحد” مع الآب (ὁμοούσιος τῶ Πατρί)، والذي يعني أن كلاًّ من الابن والآب هو إله مساوٍ داخل جوهر الله الواحد[2]. وفي نفس الوقت أضاف الآباء ملحقًا لقانون الإيمان يدحض الاعتقاد بأن الابن “من جوهر آخر مختلف (عن الآب)”، وبذلك أعلن المجمع إدانته للهرطقتان السابيلية والأريوسية والتي كانت كل منهما تميل إلى التداخل في الأخرى[3].

وهكذا رفض الآباء أي تعليم يفيد أن الابن هو من جوهر آخر غير الله، أو أنه ابن الله من خلال فقط مشاركته في الله. وأقرَّوا بشكل واضح تمامًا وبدون أي لبس أن الابن من صميم جوهر الله، وأنه هو الله، على نفس النحو الذي به الآب هو الله، لأنه واحد معه بصورة كاملة وفريدة[4]. وهو (أي الابن) وفي اتحاد كامل مع الآب كان منذ الأزل هو الله القائل “أنا هو”[5].

وقد حاول بعض الأشخاص في مجمع نيقية وما بعده الاستعاضة عن مصطلح هوموأووسيوس (ὁμοούσιος) بمصطلح آخر وهو “هومي أووسيوس” (ὁμοιούσιος) والذي يعني أن الابن هو فقط “مشابه في الجوهر” للآب[6].

وفي الواقع، كان القديس أثناسيوس ذاته قد استخدم في بعض الأحيان تعبير أن الابن “يشبه الآب”[7] (وذلك حين كان يتكلَّم عن الابن بكونه صورة الآب ورسمه)، ولكن سرعان ما انصرف القديس أثناسيوس عن هذا المصطلح حتى لو كان يقصد بالمشابهة أن الابن هو الصورة الكيانية المطابقة (للآب)، لأن المشابهة تنطبق على الصفات والعادات وليس على الجوهر، وعلى أية حال فإن التشابه يعني ضمنيًّا أن هناك قدرًا من عدم التشابه*[8].

ومن هنا أصبح واضحًا أمام آباء نيقية أن مصطلح “مشابه للآب” لا يعتبر كافيًا لاهوتيًّا حتى ولو أضيفت إليه كلمة “تمامًا” أو كلمة “جوهريًّا”، لأنه لا يزال عندئذ يعطي مساحة لسوء التفسير. ورغم أن مصطلح “التشابه في الجوهر” (ὁμοιούσιος) يمكن أن يحمل في صورته المطلقة مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” (ὁμοούσιος)[9]، إلاّ أن المجمع فضَّل استخدام الأخير[10].

فالابن مولود من الآب بالطبيعة (φύσει)، وهو خاص بجوهر الله الآب ومطابق له، وله ذات الطبيعة الواحدة (ὁμοφυής) مع الآب الذي وَلَدَه ذاتيًّا منذ الأزل. وهو (أي الابن) لا يشارك في الآب مجرد مشاركة، بل هو جوهريًّا وكليًّا واحد مع الآب في الجوهر وفي الكينونة[11]. ويقول القديس أثناسيوس: “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن، والابن هو الله بأكمله[12]“.

المعاني المتضمَّنة في مصطلح هوموأووسيوس

وحيث إن مصطلح هوموأووسيوس لم يكن مأخوذًا من الكتاب المقدس، بل كان تعبيرًا جديدًا نسبيًّا، فقد تحتم على آباء نيقية تفسيره بمنتهى العناية والدقة كما قال القديس هيلاري[13]. وهذا هو ما شرع آباء نيقية في عمله بمجرد انتهاء أعمال المجمع[14].

وصار واضحًا تمامًا في الكنيسة، أن مصطلح هوموأووسيوس قد تمّ استخدامه على هذا النحو، كمصطلح لاهوتي “تقني” يحمل معنى “واحد في ذات الجوهر والطبيعة” (مع الآب). ومن هنا فقد تمّ الاعتماد عليه ليكون بمثابة إعلان محدد ودقيق للإيمان المسيحي في مواجهة الهرطقة الأريوسية[15].

وبالطبع كان القديس أثناسيوس في مقدمة مَن أدركوا أن مصطلح هوموأووسيوس، فيما هو يعبِّر عن مساواة الابن الكاملة للآب، فإنه يحمل معنى أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وأنه واحد معه في الطبيعة “هوموفيس” (μοφυής). إذن فالفهم الدقيق والصحيح للتعبير اللاهوتي النيقي “هوموأووسيوس” مع الآب (μοούσιος τ Πατρί)، إنما يعني: أن (الابن) “له ذات جوهر الآب تمامًا”.

وقد ذكر القديس أثناسيوس أن الله ذاته هو الذي أُعلن لنا كآب وابن وأن الابن المتجسد مثله مثل الله الآب هو نفس الجوهر ذاته.[16] ولم تكن هناك صياغة أقوى من تلك التي عبَّر بها القديس أثناسيوس عن ذلك المعنى حين قال “إن كيان الابن بأكمله هو مكافئ تمامًا لكيان الآب”، وأن “ملء لاهوت الآب هو كيان الابن[17]“. إذن فالابن والآب هما بالضرورة نفس الله الواحد تمامًا، لدرجة كما كان يردد القديس أثناسيوس أن الابن هو كل ما هو الآب ما عدا كونه “آبًا”[18].

وبما أن الأمر كذلك، فإن أي انتقاص للابن يكون بالضرورة هو انتقاص للآب، لأن أي إنكار لطبيعة الابن الإلهية يكون إنكارًا لكون الله “آب” منذ الأزل. ومن هذا المنطلق أيضًا، فإن أي إنكار لحقيقة “الكلمة” الإلهي يكون بمثابة القول بأن الله في داخله هو بدون كلمة (λογος)، أو بدون حكمة (σοφος)[19]. وكما علَّم الرب يسوع المسيح نفسه في الإنجيل، فإن مَن يكرم الابن يكرم الآب ومَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله. حيث إن الابن المتجسد له كل ما لله الآب ما عدا “الأبوة”[20].

وعلاوة على ذلك فإن مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος ينطوي على معنى آخر هام. لأنه إذا كان الابن مولودًا من الآب أزليًّا داخل جوهر اللاهوت، إذن فإن مصطلح هوموأووسيوس بالإضافة إلى كونه يعبِّر عن الوحدانية بين الآب والابن، فإنه يعبِّر أيضًا عن التمايز الذي بينهما داخل هذه الوحدانية. وكما يقول القديس باسيليوس: “لأنه لا يمكن لأي أحد أن يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع نفسه، بل يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع آخر[21]“.

وهكذا فقد كان هذا المصطلح هوموأووسيوس يحمل معنى أنه في حين أن الآب والابن هما واحد في ذات الجوهر، إلاّ أنهما أيضًا متمايزان أزليًّا، لأن الآب بغير تغيير هو الآب وليس الابن، وكذلك الابن بغير تغيير هو الابن وليس الآب. لذلك صار مصطلح هوموأووسيوس حصنًا منيعًا ضد كل من السابيلية والأريوسية على حَدٍّ سواء أي ضد مذهب التوحيد الذي ينكر الثالوث وضد مذهب “تعدد الآلهة”[22].

وهذه الإشارة إلى التمايز الأزلي داخل جوهر اللاهوت الواحد، والتي يتضمَّنها مصطلح هوموأووسيوس، سوف نقابلها ثانية عندما نأتي إلى تطبيق القديس أثناسيوس لنفس المصطلح مع الروح القدس، وهو ما مكَّنه ومعه الآباء الآخرون الذين دافعوا عن عقيدة الروح القدس من توضيح فهم الكنيسة للثالوث القدوس في القرن الرابع[23].

وقبل انعقاد مجمع القسطنطينية بسنتين، وصف القديس إبيفانيوس الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب والتي تعتبر لب قانون الإيمان النيقي على أنها “رباط الإيمان” (σύνδεσμος τς πίστεως)[24]. وهذا بالحقيقة ما قد ثبت صحته في الكنيسة: حيث كان لهذا المفهوم (أي الوحدانية في ذات الجوهر) الدور الرئيسي في إرشاد المؤمنين في تفسيرهم للكتب المقدسة، وفي توضيح وتأمين فهمهم “للحق” الإنجيلي، وكذلك في تمكينهم من إدراك التركيب الداخلي المترابط للإيمان المسيحي.

وإذا نظرنا إلى مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” في نطاق تلك الأهمية، سوف نستطيع أن ندرك بعمق أكثر مركزية المسيح (Christocentricity) في قانون الإيمان النيقي القسطنطيني.

37 Athanasius, De syn., 33ff, 46; De decr., 19ff; Ad Afr., 5f.

38 Athanasius, De syn., 41.

39 See Basil, Ep., 125.1; Ep., 214. See also Ep., 236.6; Gregory/Basil, Ep., 38.1ff, etc. Cf. Athanasius, Con. Ar., 3.65; 4.33; Ad Afr., 4ff & 8.

40 Athanasius, De syn., 48-54; Ad Afr., 8-9.

41 Athanasius, , Con. Ar., 1.11ff, 34, 46ff, 60; 2.12, 14, 18, 20, 53f, 56, 59, 61, 82; 3.1f, 5f, 9, 19, 22, 24f, 27, 33; 4.4; De decr., 22, 30; De syn., 34, 48f; Ad Afr., 4; Ad Ser., 1.28; 2.2; In ill. om., 4. See also Gregory Naz., Or., 30.18.

42 Athanasius, De decr., 20; De syn., 8, 26, 29 (the Arian creed); 37f, 41, 46, 50, 52f. Cf. Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

43 Athanasius, Con. Ar., 1.20f, 26, 40; 2.17f, 22, 34; 3.11, 20, 26, 67; Ad episc., 17; Ad Afr., 7; cf. Exp. Fidei, 1.

* إن لفظة ’مشابه‘ تعني أنه ليس هو تمامًا، ولكن يشبهه في بعض الأمور وبالتالي فإنه لا يشبهه في أمور أخرى. ونلاحظ أن الفرق بين المصطلحين اليونانيين هو حرف واحد (ι). (المترجم)

44 Athanasius, De syn., 41 & 53; De decr., 20; cf. Evagrius/Basil, Ep., 8.3.

45 Athanasius, Con. Ar., 1.21, 26, 40; 2.17f, 22, 33; 3.10f, 14, 26, 67; De syn., 26, 38, 41. 47-54; De decr., 20, 23; Ad episc., 17; Hilary, De syn., 89; Evagrius/Basil, Ep., 8.3; 9.3. Cf. Epiphanius, Haer., 73.22; and Cyril of Jerusalem, Cat., 4.7; 11.4, 18.

46 Athanasius, Cf. the stance taken by Basil of Ancyra, Athanasius, De syn., 41; Epiphanius, Haer., 73.22.

[11] كان القديس أثناسيوس يرى أن علاقة ’الكلية‘ التي بين الابن والآب متضمَّنة في تشبيه النور والشعاع. (Con. Ar., 2.33, 35; cf. De inc., 17; Con Ar., 3.6.)

وكان يرى أن هذا التشبيه يتضمَّن أيضاً علاقة التواجد المتبادل بينهما.(De decr., 25.)

48 Athanasius, Con. Ar., 3.3 Cf. Ad. Ser., 1.16 and Exp. Fidei, 1.

حيث قيل عن الابن أنه ’كلي من كل‘ (wholly from the whole).

49 Hilary, De syn., 70, 91.

50 Hilary, De Trin., 4.4-7; De syn., 84.

51 Cf. Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, op. cit., pp. 1-15.

52 Athanasius, De syn., 49-54; Ad Afr., 8.

53 Athanasius, Con. Ar., 3.3, 6; 4.1ff.

54 See Athanasius, Con. Ar., 3.4; De syn., 49; Ad Afr., 8, etc. Gregory Naz., Or., 30.11.

55 Athanasius, Con. Ar., 1.8, 14ff, 18ff, 24f; 2.2, 32f; 3.42, 61ff; 4.2f, 14; De decr., 15, 26; De sent. Dion., 16, 23; Ad Ser., 2.2.

56 Athanasius, Con. Ar., 1.8, 15ff, 33; 2.24f, 32; 3.4ff, 35f, 44; Ad episc., 17; Ad Afr., 8; Ad Ser., 1.30; 3.2; 4.6.

57 Basil, Ep., 52.3.

58 Athanasius, De decr., 23; Con. Ar., 3.4; 4.2; De syn., 34, 45; Basil, Ep., 52. 1ff; Epiphanius, Anc., 6.4; Haer., 65.8; 69.72; 76.7.

59 Cf. Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.2; and Ad Jov., 4; Ad Ant., 6; Con. Apol., 1.9.

60 Epiphanius, Anc., 6.4; cf. Haer., 69, 70; Ambrose, De fide, 3.15.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية.

وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن “عدم التقوى” و”عدم الورع” (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (απόδειζις ευσεβείας)[1].

وقد أخبر ق. أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τὴν τη̃ς ευσεβείας διάνοιαν)[2].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “لـ الله” أو “من الله”، أوضح ق. أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (ευσεβη̃ τὴν διάνοιαν)، كما أوضح ق. أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح”  (υψηλὴ διάνοια καὶ φιλόχριστος ευσέβεια). [3]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم ق. أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (ευσέβει̃ λογισμω̃ μετ ̉ ευλαβείας)[4] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان ق. أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[5].

دور التقوى في حفظ الإيمان

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر ق. هيلاري، وكما قد رأينا فإن ق. هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد ق. هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[6]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن ق. هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول ق. هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[7].

وبهذا الأسلوب لم يكن ق. هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[8].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه ق. هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[9].

دور التقوى في حفظ الإيمان

[1] Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

[2]  Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

[3] Athanasius, De syn., 39.

[4] Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

[5] Athanasius, Ep., 11.9-11.

[6] Hilary, De Trin., 5.18, 20.

[7] Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

[8] Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

[9] Hilary, De Trin., 1.38.

دور التقوى في حفظ الإيمان

Exit mobile version