هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

يخبرنا القديس أثناسوس في العديد من أعماله[1]، أن مجمع نيقية قد جاهد جهادًا عنيفًا من أجل التوصل إلى الصياغة النهائية للفقرات الحاسمة في قانون الإيمان، وقد تم ذلك على مراحل متتالية. ففي أول الأمر، عندما وافق الأريوسيون على صيغة أن الابن هو “من الله” أو “من عند الله” كما جاء في “نور من نور”، أصرَّ آباء نيقية على تعريف “من الله” أو “من عند الله” على أنها تعني “من جوهر الآب” (κ τς οσίας το Πατρός)، وذلك لتوضيح وتحديد العلاقات في داخل الله. وكان هذا يعني أن الابن خاص بصميم جوهر الله، وأنه “من الله” الآب وهو الأمر الذي لا ينطبق على المخلوقات وأنه هو إله من إله.

ولكن عندما تظاهر أتباع أريوس ويوسابيوس وفي موقف مثير للدهشة بالموافقة على عبارة “من جوهر الآب”، أدرك آباء نيقية أن هؤلاء الهراطقة سيفسرون هذه العبارة على نحو يمكن فيه أن تُطبَّق أيضًا على البشر الذين خُلقوا ليس فقط ك “أولاد الله” بل على “صورة الله ومجده”.

ولذلك قرَّر الآباء قطع الشك باليقين وإزالة أية إمكانية لسوء الفهم، فأضافوا التعبير اللاهوتي الحاسم بأن الابن “له ذات الجوهر الواحد” مع الآب (ὁμοούσιος τῶ Πατρί)، والذي يعني أن كلاًّ من الابن والآب هو إله مساوٍ داخل جوهر الله الواحد[2]. وفي نفس الوقت أضاف الآباء ملحقًا لقانون الإيمان يدحض الاعتقاد بأن الابن “من جوهر آخر مختلف (عن الآب)”، وبذلك أعلن المجمع إدانته للهرطقتان السابيلية والأريوسية والتي كانت كل منهما تميل إلى التداخل في الأخرى[3].

وهكذا رفض الآباء أي تعليم يفيد أن الابن هو من جوهر آخر غير الله، أو أنه ابن الله من خلال فقط مشاركته في الله. وأقرَّوا بشكل واضح تمامًا وبدون أي لبس أن الابن من صميم جوهر الله، وأنه هو الله، على نفس النحو الذي به الآب هو الله، لأنه واحد معه بصورة كاملة وفريدة[4]. وهو (أي الابن) وفي اتحاد كامل مع الآب كان منذ الأزل هو الله القائل “أنا هو”[5].

وقد حاول بعض الأشخاص في مجمع نيقية وما بعده الاستعاضة عن مصطلح هوموأووسيوس (ὁμοούσιος) بمصطلح آخر وهو “هومي أووسيوس” (ὁμοιούσιος) والذي يعني أن الابن هو فقط “مشابه في الجوهر” للآب[6].

وفي الواقع، كان القديس أثناسيوس ذاته قد استخدم في بعض الأحيان تعبير أن الابن “يشبه الآب”[7] (وذلك حين كان يتكلَّم عن الابن بكونه صورة الآب ورسمه)، ولكن سرعان ما انصرف القديس أثناسيوس عن هذا المصطلح حتى لو كان يقصد بالمشابهة أن الابن هو الصورة الكيانية المطابقة (للآب)، لأن المشابهة تنطبق على الصفات والعادات وليس على الجوهر، وعلى أية حال فإن التشابه يعني ضمنيًّا أن هناك قدرًا من عدم التشابه*[8].

ومن هنا أصبح واضحًا أمام آباء نيقية أن مصطلح “مشابه للآب” لا يعتبر كافيًا لاهوتيًّا حتى ولو أضيفت إليه كلمة “تمامًا” أو كلمة “جوهريًّا”، لأنه لا يزال عندئذ يعطي مساحة لسوء التفسير. ورغم أن مصطلح “التشابه في الجوهر” (ὁμοιούσιος) يمكن أن يحمل في صورته المطلقة مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” (ὁμοούσιος)[9]، إلاّ أن المجمع فضَّل استخدام الأخير[10].

فالابن مولود من الآب بالطبيعة (φύσει)، وهو خاص بجوهر الله الآب ومطابق له، وله ذات الطبيعة الواحدة (ὁμοφυής) مع الآب الذي وَلَدَه ذاتيًّا منذ الأزل. وهو (أي الابن) لا يشارك في الآب مجرد مشاركة، بل هو جوهريًّا وكليًّا واحد مع الآب في الجوهر وفي الكينونة[11]. ويقول القديس أثناسيوس: “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن، والابن هو الله بأكمله[12]“.

المعاني المتضمَّنة في مصطلح هوموأووسيوس

وحيث إن مصطلح هوموأووسيوس لم يكن مأخوذًا من الكتاب المقدس، بل كان تعبيرًا جديدًا نسبيًّا، فقد تحتم على آباء نيقية تفسيره بمنتهى العناية والدقة كما قال القديس هيلاري[13]. وهذا هو ما شرع آباء نيقية في عمله بمجرد انتهاء أعمال المجمع[14].

وصار واضحًا تمامًا في الكنيسة، أن مصطلح هوموأووسيوس قد تمّ استخدامه على هذا النحو، كمصطلح لاهوتي “تقني” يحمل معنى “واحد في ذات الجوهر والطبيعة” (مع الآب). ومن هنا فقد تمّ الاعتماد عليه ليكون بمثابة إعلان محدد ودقيق للإيمان المسيحي في مواجهة الهرطقة الأريوسية[15].

وبالطبع كان القديس أثناسيوس في مقدمة مَن أدركوا أن مصطلح هوموأووسيوس، فيما هو يعبِّر عن مساواة الابن الكاملة للآب، فإنه يحمل معنى أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وأنه واحد معه في الطبيعة “هوموفيس” (μοφυής). إذن فالفهم الدقيق والصحيح للتعبير اللاهوتي النيقي “هوموأووسيوس” مع الآب (μοούσιος τ Πατρί)، إنما يعني: أن (الابن) “له ذات جوهر الآب تمامًا”.

وقد ذكر القديس أثناسيوس أن الله ذاته هو الذي أُعلن لنا كآب وابن وأن الابن المتجسد مثله مثل الله الآب هو نفس الجوهر ذاته.[16] ولم تكن هناك صياغة أقوى من تلك التي عبَّر بها القديس أثناسيوس عن ذلك المعنى حين قال “إن كيان الابن بأكمله هو مكافئ تمامًا لكيان الآب”، وأن “ملء لاهوت الآب هو كيان الابن[17]“. إذن فالابن والآب هما بالضرورة نفس الله الواحد تمامًا، لدرجة كما كان يردد القديس أثناسيوس أن الابن هو كل ما هو الآب ما عدا كونه “آبًا”[18].

وبما أن الأمر كذلك، فإن أي انتقاص للابن يكون بالضرورة هو انتقاص للآب، لأن أي إنكار لطبيعة الابن الإلهية يكون إنكارًا لكون الله “آب” منذ الأزل. ومن هذا المنطلق أيضًا، فإن أي إنكار لحقيقة “الكلمة” الإلهي يكون بمثابة القول بأن الله في داخله هو بدون كلمة (λογος)، أو بدون حكمة (σοφος)[19]. وكما علَّم الرب يسوع المسيح نفسه في الإنجيل، فإن مَن يكرم الابن يكرم الآب ومَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله. حيث إن الابن المتجسد له كل ما لله الآب ما عدا “الأبوة”[20].

وعلاوة على ذلك فإن مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος ينطوي على معنى آخر هام. لأنه إذا كان الابن مولودًا من الآب أزليًّا داخل جوهر اللاهوت، إذن فإن مصطلح هوموأووسيوس بالإضافة إلى كونه يعبِّر عن الوحدانية بين الآب والابن، فإنه يعبِّر أيضًا عن التمايز الذي بينهما داخل هذه الوحدانية. وكما يقول القديس باسيليوس: “لأنه لا يمكن لأي أحد أن يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع نفسه، بل يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع آخر[21]“.

وهكذا فقد كان هذا المصطلح هوموأووسيوس يحمل معنى أنه في حين أن الآب والابن هما واحد في ذات الجوهر، إلاّ أنهما أيضًا متمايزان أزليًّا، لأن الآب بغير تغيير هو الآب وليس الابن، وكذلك الابن بغير تغيير هو الابن وليس الآب. لذلك صار مصطلح هوموأووسيوس حصنًا منيعًا ضد كل من السابيلية والأريوسية على حَدٍّ سواء أي ضد مذهب التوحيد الذي ينكر الثالوث وضد مذهب “تعدد الآلهة”[22].

وهذه الإشارة إلى التمايز الأزلي داخل جوهر اللاهوت الواحد، والتي يتضمَّنها مصطلح هوموأووسيوس، سوف نقابلها ثانية عندما نأتي إلى تطبيق القديس أثناسيوس لنفس المصطلح مع الروح القدس، وهو ما مكَّنه ومعه الآباء الآخرون الذين دافعوا عن عقيدة الروح القدس من توضيح فهم الكنيسة للثالوث القدوس في القرن الرابع[23].

وقبل انعقاد مجمع القسطنطينية بسنتين، وصف القديس إبيفانيوس الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب والتي تعتبر لب قانون الإيمان النيقي على أنها “رباط الإيمان” (σύνδεσμος τς πίστεως)[24]. وهذا بالحقيقة ما قد ثبت صحته في الكنيسة: حيث كان لهذا المفهوم (أي الوحدانية في ذات الجوهر) الدور الرئيسي في إرشاد المؤمنين في تفسيرهم للكتب المقدسة، وفي توضيح وتأمين فهمهم “للحق” الإنجيلي، وكذلك في تمكينهم من إدراك التركيب الداخلي المترابط للإيمان المسيحي.

وإذا نظرنا إلى مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” في نطاق تلك الأهمية، سوف نستطيع أن ندرك بعمق أكثر مركزية المسيح (Christocentricity) في قانون الإيمان النيقي القسطنطيني.

37 Athanasius, De syn., 33ff, 46; De decr., 19ff; Ad Afr., 5f.

38 Athanasius, De syn., 41.

39 See Basil, Ep., 125.1; Ep., 214. See also Ep., 236.6; Gregory/Basil, Ep., 38.1ff, etc. Cf. Athanasius, Con. Ar., 3.65; 4.33; Ad Afr., 4ff & 8.

40 Athanasius, De syn., 48-54; Ad Afr., 8-9.

41 Athanasius, , Con. Ar., 1.11ff, 34, 46ff, 60; 2.12, 14, 18, 20, 53f, 56, 59, 61, 82; 3.1f, 5f, 9, 19, 22, 24f, 27, 33; 4.4; De decr., 22, 30; De syn., 34, 48f; Ad Afr., 4; Ad Ser., 1.28; 2.2; In ill. om., 4. See also Gregory Naz., Or., 30.18.

42 Athanasius, De decr., 20; De syn., 8, 26, 29 (the Arian creed); 37f, 41, 46, 50, 52f. Cf. Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

43 Athanasius, Con. Ar., 1.20f, 26, 40; 2.17f, 22, 34; 3.11, 20, 26, 67; Ad episc., 17; Ad Afr., 7; cf. Exp. Fidei, 1.

* إن لفظة ’مشابه‘ تعني أنه ليس هو تمامًا، ولكن يشبهه في بعض الأمور وبالتالي فإنه لا يشبهه في أمور أخرى. ونلاحظ أن الفرق بين المصطلحين اليونانيين هو حرف واحد (ι). (المترجم)

44 Athanasius, De syn., 41 & 53; De decr., 20; cf. Evagrius/Basil, Ep., 8.3.

45 Athanasius, Con. Ar., 1.21, 26, 40; 2.17f, 22, 33; 3.10f, 14, 26, 67; De syn., 26, 38, 41. 47-54; De decr., 20, 23; Ad episc., 17; Hilary, De syn., 89; Evagrius/Basil, Ep., 8.3; 9.3. Cf. Epiphanius, Haer., 73.22; and Cyril of Jerusalem, Cat., 4.7; 11.4, 18.

46 Athanasius, Cf. the stance taken by Basil of Ancyra, Athanasius, De syn., 41; Epiphanius, Haer., 73.22.

[11] كان القديس أثناسيوس يرى أن علاقة ’الكلية‘ التي بين الابن والآب متضمَّنة في تشبيه النور والشعاع. (Con. Ar., 2.33, 35; cf. De inc., 17; Con Ar., 3.6.)

وكان يرى أن هذا التشبيه يتضمَّن أيضاً علاقة التواجد المتبادل بينهما.(De decr., 25.)

48 Athanasius, Con. Ar., 3.3 Cf. Ad. Ser., 1.16 and Exp. Fidei, 1.

حيث قيل عن الابن أنه ’كلي من كل‘ (wholly from the whole).

49 Hilary, De syn., 70, 91.

50 Hilary, De Trin., 4.4-7; De syn., 84.

51 Cf. Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, op. cit., pp. 1-15.

52 Athanasius, De syn., 49-54; Ad Afr., 8.

53 Athanasius, Con. Ar., 3.3, 6; 4.1ff.

54 See Athanasius, Con. Ar., 3.4; De syn., 49; Ad Afr., 8, etc. Gregory Naz., Or., 30.11.

55 Athanasius, Con. Ar., 1.8, 14ff, 18ff, 24f; 2.2, 32f; 3.42, 61ff; 4.2f, 14; De decr., 15, 26; De sent. Dion., 16, 23; Ad Ser., 2.2.

56 Athanasius, Con. Ar., 1.8, 15ff, 33; 2.24f, 32; 3.4ff, 35f, 44; Ad episc., 17; Ad Afr., 8; Ad Ser., 1.30; 3.2; 4.6.

57 Basil, Ep., 52.3.

58 Athanasius, De decr., 23; Con. Ar., 3.4; 4.2; De syn., 34, 45; Basil, Ep., 52. 1ff; Epiphanius, Anc., 6.4; Haer., 65.8; 69.72; 76.7.

59 Cf. Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.2; and Ad Jov., 4; Ad Ant., 6; Con. Apol., 1.9.

60 Epiphanius, Anc., 6.4; cf. Haer., 69, 70; Ambrose, De fide, 3.15.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

 

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا  Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد  John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:

1- عصر الآباء الأولين:

أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.

ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:

أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..

 ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.

ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.

ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]

أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian   و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.

† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].

† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].

هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.

د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.

2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:

1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)

هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].

وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.

جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.

كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.

2- القديس جيروم Jerome

سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.

وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian)  و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).

ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.

ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.

فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…

3- جيناديوس Gennadius

حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.

4- آخرون

† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.

† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.

† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.

† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.

† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.

† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.

† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.

3- عصر النهضة العلمية والدراسات النقدية[8]:

† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).

† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).

† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:

1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.

2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.

كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:

1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.

2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.

3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.

4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.

5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.

6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.

† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.

† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.

في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.

علم الآباء في مصر:

† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…

منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.

† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.

† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.

† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.

† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.

† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.

† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.

† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).

† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.

اتباع أثر الآباء:

بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:

” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]

اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.

[1] المتنوعات كتاب 51: 1: 11.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطي: مفاهيم إيمانية (2): الكنيسة والتقليد، ص9

[3] J. Quasten. Patrology. Vol. 4 ,p.512 ff.

[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى –  مارس 2006 م. ص 8، 9

[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.

[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.

[8]  القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.

[9] N&P.N.Fathers, 1st ser . Vol. IV p.168

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

كريستولوجية القديس أثناسيوس الرسولي – الأنبا بيشوي

كريستولوجية القديس أثناسيوس الرسولي – الأنبا بيشوي *

كريستولوجية القديس أثناسيوس الرسولي – الأنبا بيشوي

كثيراً ما يردد صاحب القداسة البابا شنوده الثالث القول: “أن القديس أثناسيوس دافع بالتساوى عن كلٍ من لاهوت وناسوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح”.

وقد بنى القديس كيرلس السكندري تعليمه الكريستولوجي على كريستولوجية القديس أثناسيوس، قدّم خطاب القديس أثناسيوس إلى أبيكتيتوس كمرجع أولى لتعليم الكنيسة الكرستولوجى (الخاص بطبيعة المسيح) الصحيح ملقباً إياه “خطاب أبونا القديس أثناسيوس إلى إبيكتيتوس”. [1]

فى دفاع القديس أثناسيوس عن الناسوت الكامل الذي لربنا يسوع المسيح، رفض الأفكار الخاطئة التى تنص على أن {الجسد المولود من مريم مساو فى الجوهر للاهوت الكلمة، أو أن الكلمة تغيَّر إلى جسد وعظام وشعر وجسد كامل، وتحول عن طبيعته الخاصة}.[2]

“the body born of Mary is coessential with the Godhead of the Word, or that the Word has changed into flesh, bones, hair, and the whole body, and altered from its own nature”

قال القديس أثناسيوس بوضوح أن:

“the body in which the Word was is not coessential with the Godhead, but was truly born of Mary, while the Word Himself was not changed into bones and flesh, but came in the flesh.

For what John said: “The Word was made flesh”[3], has this meaning, as we may see by a similar passage; for it is written in Paul: “Christ has become a curse for us.”[4] And just as He has not Himself become a curse, but He is said to have done so because He took upon Him the curse on our behalf, so also He has become flesh not by being changed into flesh, but because He assumed on our behalf living flesh, and has become man.”[5]

{الجسد الذي كان الكلمة فيه (اتخذه الكلمة) لم يكن مساوياً للاهوت فى الجوهر، ولكنه كان مولوداً بحق من مريم، بينما الكلمة نفسه لم يتغير إلى عظم ولحم، لكنه أتى فى جسد. لأن ما قاله يوحنا: “الكلمة صار جسداً” له هذا المعنى، كما يمكننا أن نرى فى عبارة مشابهة، فبولس الرسول يكتب قائلاً: “المسيح.. صار لعنة لأجلنا” كما أنه هو نفسه لم يصر لعنة، ولكن قيل إنه صار كذلك لأنه أخذ لنفسه اللعنة نيابةً عنا، وهكذا أيضاً صار جسداً ليس بأن تغير إلى جسد، ولكن لأنه نيابة عنا أخذ جسداً حياً وصار إنساناً}.

وقد كان القديس أثناسيوس أيضاً واضحاً فى تعليمه عن الجسد الحي الذي اتخذه كلمة الله أنه يعنى ناسوت كامل، أى جسد ونفس عاقلة معاً.

وكتب يقول:

“But truly our salvation is not merely apparent, nor does it extend to the body only, but the whole man, body and soul alike, has truly obtained salvation in the Word Himself”[6]

{لكن حقاً إن خلاصنا ليس ظاهراً فحسب، كما أنه ليس ممتداً إلى الجسد فقط، إنما الإنسان كله، الجسد والنفس على السواء، قد حصلا على الخلاص فى الكلمة نفسه}.

وقال أيضاً:

“For to say “The Word became flesh”, is equivalent to saying “the Word has become man”; according to what is said in Joel: “I will pour forth of My Spirit upon all flesh”[7]; for the promise did not extend to the irrational animals, but to men, on whose account the Lord is become Man”[8].

{أن نقول إن ” الكلمة صار جسداً”، يعادل قولنا أن “الكلمة صار إنساناً”؛ كما جاء فى يوئيل : “إنى أسكب روحى على كل بشر”؛ لأن الوعد لم يمتد إلى الحيوانات غير العاقلة، وإنما للبشر، الذين صار الرب إنساناً من أجلهم (لحسابهم)}.

وقد أنكر أيضاً القديس أثناسيوس أن ناسوت ربنا يسوع المسيح كان موجوداً قبل تجسد الكلمة من العذراء القديسة. وكتب قائلاً:

“They all will reasonably condemn themselves who have thought that the flesh derived from Mary existed before her, and that the Word, prior to her, had a human soul, and existed in it always even before His coming”[9]

{كلهم سوف يدينون أنفسهم بحق، أولئك الذين ظنوا أن الجسد الذى أخذ من مريم كان موجوداً قبلها، وأن الكلمة كانت له نفس بشرية قبلها (مريم)، كان كائناً فيها (النفس البشرية) دائما حتى قبل مجيئه}. ومن الواضح أن القديس أثناسيوس لم يتأثر على الإطلاق بتعليم أوريجينوس عن الوجود السابق للنفوس.

تعاليم القديس أثناسيوس ضد النسطورية:

بالرغم من أن نسطور جاء لاحقاً للقديس أثناسيوس، إلا أن القديس أثناسيوس قدم تعليماً صارماً ضد هرطقة نسطور .

فقد كتب:

“How did men called Christians venture even to doubt whether the Lord, who proceeded from Mary, while Son of God by Essence and Nature, is “of the seed of David according to the flesh”[10], and of the flesh of the Holy Mary? Or who have been so venturesome as to say that Christ who suffered in the flesh and was crucified is not Lord, Saviour, God, and Son of the Father?

Or how can they wish to be called Christians who say that the Word has descended upon a holy man as upon one of the prophets, and has not Himself become man, taking the body from Mary; but that Christ is one person, while the Word of God, Who before Mary and before the ages was Son of the Father, is another? Or how can they be Christians who say that the Son is one, and the Word of God another?”[11]

He wrote also, “The Word of God came in His own Person, because it was He alone, the image of the Father, who could recreate man made after the Image”[12].

{كيف يغامر أناساً يدعون مسيحيين مجرد أن يرتابوا فيما إذا كان الرب الذي ولد من مريم، بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، هو “من نسل داود من جهة الجسد”، ومن جسد القديسة مريم؟ أم من كان مجازفاً فيقول أن المسيح الذى تألم بالجسد وصلب ليس رباً ومخلصاً وإلهاً وابن الآب؟

أو كيف يستطيعون أن يتمنوا أن يدعوا مسيحيين الذين يقولون أن الكلمة حل على رجل قديس كما على أحد الأنبياء، ولم يصر هو نفسه إنساناً، آخذا جسداً من مريم؛ لكن إن المسيح هو شخص ما، بينما كلمة الله، الذى كان قبل مريم وقبل الدهور ابناً للآب، هو آخر؟ أم كيف يدعون مسيحيين أولئك الذين يقولون إن الابن واحد ما وكلمة الله آخر؟} كتب أيضاً أن : {كلمة الله جاء فى شخصه هو نفسه، لأنه هو وحده صورة الآب، الذى يقدر أن يعيد خلقة الإنسان الذى عُمل على صورته}.

وعلى عكس تعليم القديس أثناسيوس الأرثوذكسى، علم نسطور بالآتى :

“For this reason also Christ is named God the Word, because he has an uninterrupted conjoining to the Christ”[13].

{لهذا السبب أيضاً يدعى المسيح الله الكلمة، لأن له صلة غير منقطعة بالمسيح}.

وأيضاً :

“Accordingly, let us safeguard the unconfused conjoining of natures, for let us admit God in man and because of the divine conjoining let us reverence the man worshiped together with the almighty God”[14].

{بالتالى دعنا نحفظ الاتصال غير المختلط الذى للطبائع، لأنه علينا أن نقبل الله فى الإنسان، وبسبب الاتصال الإلهى دعنا نبجل الإنسان المعبود مع الله القدير}.

وقال نسطور أيضاً :

“God is inseparable from the one who is visible, because of this, I do not separate the honor of the one not separated. I separate the natures; but I unite the adoration”[15].

{الله غير منفصل عن الواحد المرئى، ومن أجل هذا، أنا لا أفرق كرامة الواحد غير المنفصل. أنا أفرِّق الطبائع؛ ولكن أوحِّد الكرامة}.

علَّق القديس كيرلس السكندرى على هذه الفقرة الأخيرة فى خطابه إلى أكاكيوس كالآتى:

“Not having known the meaning of the incarnation, he names two natures but separates them from one another, putting God apart and likewise man in turn, conjoined to God by an external relationship only according to the equality of honor or at least sovereign power” (paragraph 16 of the letter).

{لأنه لم يعرف معنى التجسد، فإنه يذكر طبيعتين ولكنه يفصلهما الواحدة عن الأخرى، واضعاً الله جانباً، وهكذا الإنسان بدوره، متصلاً بالله بواسطة علاقة خارجية فقط وفقاً للمساواة فى الكرامة أو على الأقل سلطة السيادة} (فقرة 16 من الخطاب). 

لقد رفض القديس أثناسيوس أى فصل بين لاهوت وناسوت ربنا يسوع المسيح.  وكتب قائلاً :

“The others, dividing what is indivisible, denied the truth that “the Word was made Flesh, and dwelt among us”. [16], [17].

 {الآخرين الذين قسموا غير المنقسم ينكرون حقيقة أن “الكلمة صار جسداً وحل بيننا”}.

وكتب أيضاً:

“We do not worship a creature. Far be the thought. For such an error belongs to heathens and Arians. But we worship the Lord of Creation, Incarnate, the Word of God. For if the flesh also is in itself a part of the created world, yet it has become God’s body.

And we neither divide the body, being such, from the Word, and worship it by itself, nor when we wish to worship the Word do we set Him far apart from the flesh, but knowing as we said above, that ‘the Word was made flesh’ we recognize Him as God also, after having come in the flesh.

Who, accordingly, is so senseless, as to say to the Lord : “Leave the body that I may worship Thee”, or so impious as to join the senseless Jews in saying, on account of the Body, “why dost Thou, being a man, make Thyself God?”[18]. But the leper was not one of this sort, for he worshipped God in the Body, and recognized that He was God, saying, “Lord if Thou wilt, Thou canst make me clean”[19], [20].

{نحن لا نعبد مخلوقاً. ليبعد هذا التفكير، لأن مثل هذا الخطأ يخص الوثنيين والأريوسيين. ولكننا نعبد رب الخليقة، المتجسد، كلمة الله. لأنه وإن كان الجسد أيضاً فى ذاته هو جزء من العالم المخلوق، إلا أنه صار جسد الله. لهذا نحن لا نقسم الجسد عن الكلمة، لنعبده فى ذاته، كما أننا عندما نرغب فى عبادة الكلمة نحن لا نفرده (نعز له) بعيداً عن الجسد، ولكن كما ذكرنا سابقاً، أننا فى معرفتنا، أن “الكلمة صار جسداً” نحن ندركه أنه الله أيضاً، بعدما صار جسداً.

وبالتالى من هو فاقد الشعور هذا الذى يقول لله: “أترك الجسد حتى أستطيع أن أعبدك” أو غير التقى لينضم إلى اليهود فاقدى الشعور فى قولهم، بخصوص الجسد، “فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً؟” أما الأبرص فلم يكن من هذا النوع لأنه سجد لله فى الجسد، وأدرك أنه كان الله قائلاً: “يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرنى”}.

شرح القديس أثناسيوس كيف أن كلمة الله جعل خصائص الجسد خاصة به وكتب:

“the incorporeal Word made His own the properties of the Body, as being His own Body. Why, when the Body was struck by the attendant, as suffering Himself He asked, “Why smittest thou Me?”[21]. And being by nature intangible, the Word yet said, “I gave My back to the stripes, and My cheeks to blows, and did not turn My face from shame and spitting”[22].

For what the Human body of the Word suffered, this the Word, dwelling in the Body, ascribed to Himself… And verily it is strange that He it was Who suffered and yet suffered not. Suffered, because His own body suffered; suffered not, because the Word, being by nature God, is impassible”[23].

 {أن الكلمة غير المادى جعل خصائص الجسد خاصة به، حيث إنه جسده الخاص به. لماذا، عندما ضرب الجسد بواسطة أحد الخدام، فلأنه هو الذى تألم، سأل : “لماذا تضربنى؟” وبالرغم من كونه بالطبيعة غير محسوس، إلا أن الكلمة قال : “بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين، وجهى لم أستر عن العار والبصق” لأن ما تألم به الجسد البشرى الذى للكلمة، هذا نسبه الكلمة الساكن فى الجسد إلى نفسه.. وأنه لعجيب بالحقيقة أنه هو الذى تألم مع أنه لم يتألم.

تألم لأن جسده الخاص تألم؛ ولم يتألم لأن الكلمة بما أنه بالطبيعة هو الله، فهو غير قابل للألم}.

ومن ناحية أخرى فقد شرح القديس أثناسيوس كيف أن جسد ربنا يسوع المسيح تمجد فوق خصائصه الخاصة التى للطبيعة. وكتب يقول :

“But the Body itself being of mortal nature, beyond its own nature rose again by reason of the Word which was in it; and it has ceased from natural corruption, and having put on the Word which is above man, has become incorruptible”[24]

{ولكن بما أن الجسد فى نفسه هو من طبيعة مائتة، فقد قام مرة أخرى بواسطة ما يفوق طبيعته الخاصة بسبب الكلمة الذى كان فيه؛ وقُطع عن الفساد الطبيعى، وبلبسه الكلمة الذى هو فوق الإنسان، صار غير قابل للفساد}.

القديس أثناسيوس يستخدم لقب “والدة الإله” ثيئوتوكوس للعذراء مريم ويؤكده:

المقال الثالث ضد الأريوسية النقطة 14:

“And the Angel on his appearance, himself confesses that he has been sent by his Lord; as Gabriel confessed in the case of Zacharias, and also in the case of Mary, bearer of God.”[25]

“والملاك عند ظهوره اعترف بنفسه أنه مرسل من الله، كما اعترف غبريال فى حالة زكريا وأيضاً فى حالة مريم والدة الإله (th” qeotokou Maria”).”[26]

 

المقال الثالث ضد الأريوسية النقطة 29:

“Now the scope and character of Holy Scripture, as we have often said, is this, -it contains a double account of the Saviour; that He was ever God, and is the Son, being the Father’s Word and Radiance and Wisdom; and that afterwards for us He took flesh of a Virgin, Mary bearer of God.”[27]

“والآن منظور وأسلوب الأسفار المقدسة -كما قلنا كثيراً- هو ما يلى، أنها تحوى وصف مزدوج عن المخلص؛ أنه دائماً الله والابن لكونه كلمة الآب وشعاعه وحكمته؛ وأنه بعد ذلك لأجلنا أخذ جسداً من عذراء هى مريم والدة الإله (qeotokou) وصار إنساناً.”[28]

المقال الثالث ضد الأريوسية النقطة 33:

“Jermiah was hallowed even from the womb, and John, while yet in the womb, leapt for joy at the voice of Mary Bearer of God.”[29]

“أرميا تقدس منذ أن كان فى الرحم، ويوحنا بينما هو فى الرحم إرتكض بابتهاج عند سماع صوت مريم والدة الإله (qeotokou).”[30]

المقال الرابع ضد الأريوسية النقطة 32:

“…hearing of the Word which has been united to the flesh, let him understand the divine mystery one and simple. More clearly however and indisputably than all reasoning does what was said by the Archangel to the Bearer of God herself.”[31]

“عندما يُسمع أن “الكلمة” اتحد بالجسد، فليُفهم أن سر التجسد الإلهى واحد وبسيط. والأكثر وضوحاً، والذى لا يقبل الجدل من أى عاقل هو ما قاله رئيس الملائكة فى بشارته لوالدة الإله (qeotokon) نفسها.”[32]

* عن محاضرة ألقاها نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوي فى مؤتمر الدراسات الآبائية سنة 1993 فى قاعة المؤتمرات بدير الأنبا بيشوى.

6 The Fathers of the Church, St. Cyril of Alexandria, letters, vol. 1, Letter 44, to Eulogius the priest at Constantinople, translated by J. McEnerney, CUA Press 1987, p. 189.

7P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Letter to Epictetus, par. 2,  p.570.

8 John 1:14

9 Gal. III. 13

10 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978 Letter to Epictetus, par. 8, p.573.

11  Ibid., Par. 7, p.572.

12 Joel II. 28.

13  P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978 Letter to Epictetus, par.8, p.573

14 Ibid.

15 Rom.1. 2.

16 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Letter to Epictetus, par.2, p. 571.

17 A Religious of C.S.M.V., St. Athanasius On the Incarnation, chap. III, par.13, SVS Press, 1982, P. 41.

18 The Fathers of the Church, St. Cyril of Alexandria, letters, vol. 1 translated by J. McEnerney, CUA Press 1987, Letter of St. Cyril to Acacius, Bishop of Melitene p.159, p.160, p.162. See Loofs, Nestoriana, 275. 9-11, 249. 1-4, 262. 4-6

19 Ibid.

 20Ibid.

21John I.14.

22 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Letter to Adelphius, par.2, p.575

23John X.33

24Mat. VIII.2

25 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Letter to Adelphius, par. 3, p.575.

26 John XVIII. 23.

27 Isaiah 50.6

28 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Letter to Epictetus, par. 6, p.572,573

29 Ibid., par. 10, p.574.

[25] N&PN Fathers, series 2, Vol IV, Discourse III, par 14, p. 401.

[26] J.P. Migne, Ellhnikh Patrologia Patrologia Graeca, Tomos 26, Tou agiou kata areianwn logos tritos( kentron paterikwn eklosewn( aqhnai 1999( p. 349.

[27] N&PN Fathers, series 2, Vol IV, Discourse III, par 29, p. 409.

[28] PG26, p. 385.

[29] N&PN Fathers, series 2, Vol IV, Discourse III, par 33, p. 411.

[30] PG 26, p. 393.

[31] N&PN Fathers, series 2, Vol IV, Discourse IV, par 32, p. 446.

[32] PG 26, logos tetartos( p. 517.

كريستولوجية القديس أثناسيوس الرسولي – الأنبا بيشوي

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أهم 3 أفكار لـ أريوس

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أفكار أريوس

من هو أريوس .. وفرقته .

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أفكار أريوس للبروفسور ب. ك خريستو أستاذ الآباء بجامعة تسالونيكى باليونان

 

ولد أريوس فى ليبيا بعد منتصف القرن الثالث بقليل، ودرس بمدرسة لوكيانوس بأنطاكية حيث كان زميل دراسة لبعض الأشخاص الذين أرتقوا فيما بعد إلى درجات الرئاسة الكهنوتية. وهم الذين عضدوه ودفعوا به للمضى في طريق الكفاح لأجل نشر أفكاره.

وكل هؤلاء الزملاء الذين درسوا في مدرسة لوكيانوس صاروا يلقبون بأسم “اللوكيانيين” أو “الاتحاد اللوكيانى”. وهذا لا يمنع أن اريوس درس أيضًا في مدرسة الأسكندرية اللاهوتية قبل دراسته بأنطاكية.

ويمكن أن يقال إن اريوس جمع في تعليمه بين إتجاهين مختلفين لمدرستى أنطاكية والأسكندرية. وفيما بعد أخذ المنتمون لمدرسة أنطاكية يهاجمونه ويتهمونه بأنه أسكندرى، في حين أن المنتمين إلى مدرسة الأسكندرية كانوا يحاربونه متهمينه بأنه أنطاكى.

إستوطن اريوس في الأسكندرية حيث رسمه الأسقف بطرس كاهنا .. وأظهر في أول حياته ميولاً متعصبة متمردة لأنه قبل رسامته وبعدها كان منضمًا للأسقف المنشق ميليتوس أسقف ليكوبوليس (أسيوط).

ولهذا السبب جرد من رتبته الكهنوتية، إلا أنه فيما بعد أعيد مرة أخرى إلى رتبته على يد الأسقف أخيلاس خليفة الأسقف بطرس. وما لبث أن عمل على تأييد إنتخاب الكسندروس أسقفًا للأسكندرية خلفًا لأخيلاس. وإن كان آريوس نفسه قد أستطاع بتأثير ثقافته وصفاته الشخصية أن يصير ذو شأن كبير في المدينة.

إلاّ أنه بعد بضعة سنوات (حوالي عام 318م) اصطدم مع الكسندروس بسبب الإختلاف حول تفسير نص في الكتاب المقدس خاص بشخص ابن الله. وكان الكسندروس قد أعطاه كما أعتاد الأسقف أن يفعل مع الكهنة موضوعًا ليبحثه. وفى الشرح الذي قدمه اريوس حاول أن يعبر عن ابن الله بمفاهيم مخالفة للإيمان المستقيم.

رأى الكسندروس في تقرير آريوس محاولة للتقليل من شأن ابن الله وتحقيره… وأثبتت الاتصالات بين الرجلين على أن اريوس أصر على رأيه وأعتبر أفكار الكسندروس أنها سابيلية (1). وبالرغم من هذا فإن الأسقف لم يتعجل في اتخاذ أى إجراء ضد كاهنه. إلا أنه فيما بعد أضطر الأسقف أن يتخذ قرارًا من مجمع قسوس الكنيسة، أدان فيه اريوس بسبب بدعته وقطعه من شركة الكنيسة.

رحل آريوس إلى فلسطين ثم اتجه إلى سوريا قاسيًا الصغرى. وتمكن من أن يجمع حوله عدد من الأساقفة وأفقوه على آرائه، وكان من بين هؤلاء “أوسابيوس أسقف فيقوميديا” اللوكيانى، و”أوسابيوس أسقف قيصرية” الأوريجانى. وأن الأساقفة الذين تجمعوا حوله قد أيدوه وبرأوه في مجمع عقدوه. وطالبوا بأن يعود مرة أخرى إلى الكنيسة.. وسرعان من كتب اريوس أقرارًا وافقوا عليه في مجمع عقدوه في نيقوميديا، وأرسله كرسالة إلى أسقف الأسكندرية الذي رفضه. ودعا بالطبع إلى مجمع بالأسكندرية سنة 318م اعتمد إدانة آريوس.

وبعد ذلك بقليل، بسبب الاضطرابات التي نشأت نتيجة للمصادمات التي وقعت بين قسطنطين الكبير وليكينيوس، تمكن اريوس من العودة مرة أخرى إلى الأسكندرية. حيث أخذ بعمل بحماس شديد وبأساليب مبتكرة لأجل ترويج أرائه ونشرها بين الجماهير عن طريق الأحاديث والأشعار… وقد ساعد على نشر آريوسيته ما كان يظهر به اريوس من مظاهر الورع والتقوى إلى جانب ما يتصف به من الكبرياء والتباهي وحبه للنضال.. وكان يجرى مباحثاته اللاهوتية مع الشعب. فأنتهز الوثنيون تلك الفرصة وأخذوا يسخرون من المسيحية في مسارحهم بسبب تلك المناقشات (2).

وهكذا أثار هذا الموقف قلق قادة الكنيسة. كما أزعج الإمبراطور أيضًا، الذي رأى أن هذه المشاكل ستكون خطرًا على السلام الذي حققه بجهود مضنية وكفاح مرير ولكنه لم يتوقع أن تكون خطرًا على السلام على المدى البعيد. لذلك فهو إذ رأى أن هذه المعركة تبدو أمرًا تافهًا لا يستحق أن يصدر له نطقًا ساميًا، فاكتفى بأن أرسل “هوسيوس” أسقف قرطبة بأسبانيا إلى الأسكندرية بخطاب إلى رؤساء الأطراف المتنازعة (3). ولكن هذه المحاولة لم تأت بأية نتيجة. عندئذ دعا الإمبراطور إلى مجمع عام يعقد في نيقية عام 325 والذي اشتهر باسم، “المجمع المسكوني الأول”…

وقد أدان هذا المجمع تعاليم اريوس وحرم أسقف نيقوميدية مع ثلاثة أساقفة آخرين لتأييدهم لتعاليم آريوس. أما اريوس فإنه في البدء أُرسل إلى نيقوميديا مكبلاً بالقيود، ثم نفى بعد ذلك إلى الليريا… ألا أنه على الرغم من هذه التدابير فإن هذه المحاولة للتهدئة لم تنجح، لأن أصدقاء اريوس استمروا في نشر مبادئه وتعاليمه… ولذا إقتنع قسطنطين بواسطة العناصر المهادنة للآريوسية والمحبة لها، وتأثر بهم. مما جعله يستدعى اريوس من منفاه عام 327.

وبعد تحريض من أسقف نيقوميديا عرضوا صيغة اعتراف إيمان على الإمبراطور أخفوا عنه فيها. حقيقة عقيدة آريوس، وكانت كنيسة نيقوميديا قد وافقت على هذه الصيغة في المجمع الذي عقد بها. إلا أن الأرثوذكسيين لم يجبروا على منح اريوس العفو. حتى أن الكسندروس أسقف الأسكندرية وأثناسيوس الذي خلفه لم يقبلاه في الأسكندرية.

ولم يرغب قسطنطين حينئذ أن يؤزم المسائل أكثر بأن يفرض على أسقف الأسكندرية بأن يقل آريوس. بل أنه في الواقع عندما طلب أنصار آريوس من الإمبراطور برسالة محررة بلهجة شديدة أن يتدخل لأجل تأمين عودة آريوس إلى الأسكندرية، غضب قسطنطين وأعاد أدانتهم بمرسوم آخر أسماهم فيه “بالبورفوريين” أى أنهم مشايعون لتعليم “بورفيريوس” (4).

وبعد وساطات متعددة غيروا مرة أخرى من مشاعر قسطنطين ورحل آريوس إلى القسطنطينية حيث أعترف بالإيمان الأرثوذكسي أمام الإمبراطور وتمسك بأن يصير مقبولاً بطريقة رسمية على نطاق أوسع بالكنيسة. إلا أن الأمر بتحديد موعد بقبوله في كنيسة القسطنطينية قد تلاشى نهائيًا، إذ أن آريوس سقط ومات في مرحاض عام فجأة ليلة الموعد المحدد لقبوله (5).

مؤلفات وكتب أريوس:

استحوذ آريوس على مركز هام في التاريخ الكنسي، لكنه لم يترك أثارًا كثيرة. فقد كتب أعمالاً قليلة نسبيًا وصلنا منها النذر اليسير. وهذه الكتابات التي وصلتنا عبارة عن رسائل خارجية. إلا أنها في واقع الأمر تحوى إعترافاته وهى:

 

(أ) رسالة اريوس إلى أسقف نيقوميدية:

وقد حفظها لنا إبيفانيوس في كتابه “باناريون” (6). وكذلك ثيئودوريتس في كتابه “التاريخ الكنسى” (7). وفى هذه الرسالة يحتج على تحامل الكسندروس ضده وضد أتباعه ويعرض آراءه وتعاليمه في صراحة تامة. ويقول أن الابن إله لكنه “ليس غير مولود Agenntos” “ولا جزء من غير المولود” وفى النهاية يستنجد باوسابيوس أسقف نيقوميديا مسميا إياه أنه من “الاتحاد اللوكيانى”.

 

(ب) رسالة اريوس إلى الكسندروس أسقف الأسكندرية:

حفظت هذه الرسالة في أعمال “أثناسيوس عن المجامع” (8). وفى كتاب “باناريون” لابيفانيوس (9). كما حفظت باللغة اللاتينية في كتاب “الثالوث لايلارى” (10). وهى الاعتراف الإجمالي إلى كان قد قدمه لمجمع نيقوميديا الأول والذي عقده الآريوسيون المنفيون. وفى هذه الرسالة تحاشى التعبيرات المثيرة وأعتبر أن “الابن قد ولد قبل كل الدهور”. إلا أنه لم يكن موجودًا من قبل أن يولد.

 

(ج) إعتراف الإيمان لاريوس:

حفظت هذه الرسالة في التاريخ الكنسي لسقراط (11) والتاريخ الكنسي لسوزومينوس (12). وفى هذه الرسالة حجب عقيدته الحقيقية وقال بأن الابن قد ولد قبل كل الدهور (لأنه لو كتبت كلمة gegennimenos المولود” بحذف حرف n منها أى gegenimenos لتغير معناها وأصبحت تعنى المخلوق وليس المولود.

 

(د) ”ثاليا” اريوس:

حفظ أثناسيوس في كتاباته بعض نصوص هذا الكتاب (13). وكلمة “ثالثا” معناها مأدبة أدبية. وقد دبجها كلها تقريبًا بأبيات منظومة وبلحن نسائي. وفى افتتاحيتها نجده يظهر نفسه أنه مملوء بالعقيدة والعواطف الشجية عندما يتعرض للحديث عن الله..

“بحسب إيمان مختارى الله… عارفى الله…

أبناء قديسين. ذوى التعاليم الشرعية الثابتة.. حاصلين على روح الله القدس…

أنا نفسى تعلمت هذا .. من حكمة المشاركين.. السابقين.. عارفى الله..

حسب كل أقوال الحكماء.. أتيت أنا مقتفيًا أثر كل هؤلاء..

وأنا ذو السمعة الحميدة.. متمش بنفس العقيدة..

ومتحمل كثيرًا من أجل مجد الله.. بنفس حكمة الله..

وفيما عدا هذا، يبدو أنه كان لآريوس مجموعة أخرى من الأشعار لكل مناسبة من مناسبات الحياة (14). (كما أشار بذلك أثناسيوس) في المجموعة التي تسمى “البحرية”، “الرحى” “الرحلة”.. الخ.

ووفقًا لما يقوله أثناسيوس فإن كل هذه القصائد قد دبجت بلهجة ونغمة داعرة مثل التي كان يكتب بها سوتيادوس أشعاره القومية.. كانوا يتغنون بها في مأدبهم بضجيج صخب وعبث..

تعاليم أريوس:

لا يتضح من تعاليم آريوس تناسقًا في كل ما وصلنا من نصوصه حيث أن بعضها كانت تخفى وراءها واقع الأمر وحقيقته. إذ كانت تعاليمه مضللة.. ويبدو هذا جليًا في رسالته إلى أسقف نيقوميدية، وفى باقته الشعرية “ثالثا”. ولم تقتصر تعاليمه هذه على مدرسة واحدة، كما قال كثيرون أى أنها لم تنطلق لا عن وحدانية الله الكتابية التي أعتنقها الأنطاكيون المتطرفون الذين اعتقدوا بأن الابن تهذب وتشكل بهبوط قوة إلهية مجردة على يسوع.

كما أنها لم تنطلق عن فكرة الوحدانية التي أعتنقها السكندريون المتطرفون الذين اعتقدوا بأن هذه الوحدانية الإلهية اتسعت لتحوى كل الموجودات الإلهية، بل هى نشأت عن فلسفة الوحدانية. وحيث أن آريوس كان موحدًا متطرفًا فإنه أراد أن يؤكد أن الله كان واحدًا وأنه في نفس الوقت متحول. أن حل وحدانية الله إنما سيعنى تمييز الله إلى أب وابن. أما حل التحول إنما سيكون بواسطة خليقة هذا العالم. وهو أمر سئ في كل الأحوال.

وبحسب هذه الأفكار، فإن الله واحد، غير مولود وحده، سرمدى وحده، ليس له بداية وحده. الحقيقي وحده، الذي له الخلود وحده (15). وبجانب الله، لا يوجد كائن آخر.. ولكن عن طريقه توجد قوة عامة (لا شخصية) هى “الحكمة والكلمة”.. وهذه التعاليم مأخوذة عن “الوحدانية المقتدرة” التي لبولس الساموساطى. ولكن فكره اللاهوتي يوضح إعتمادًا أكثر على “المدافعين”. وتأثيرات “الغنوسيين”. فيما أن الله كان واحدًا فهو لم يكن أبًا “الله لم يكن دائمًا أبًا. أما فيما بعد فقد صار أبًا”.

ولقد صار الله أبًا عندما أراد أن يخلق العالم. عندئذ خلق كائنًا واحدًا. هذا الكائن أسماه الابن، ويسمى استعاريًا الكلمة أو الحكمة.

إذن فحسب تعاليم اريوس توجد حكمتان:

1 قوة الله الواحدة العامة.

2 وكائن إلهي ذاتي واحد. وهذا الكائن هو الحكمة الثانية الذي جاء إلى الوجود من العدم. ومن ثم فهو مخلوق. إذ يقول “كلمة الله ذاته خلق من العدم.. وكان هناك وقت ما حينما لم يكن موجودًا. وقبل أن يصير لم يكن موجودًا.. بل أنه هو نفسه أول الخليقة لأنه صار” ويقول أيضًا “الله وحده كان وحده دون أن يكون هناك الكلمة والحكمة.. ومن بعد ذلك عندما أراد أن يخلقنا عندئذ بالضبط خلق شخصًا وهو الذي دعاه الكلمة والابن، وذلك كي يخلقنا بواسطته” (17).

ولكي يؤيد تعاليمه استخدم نصًا خاصًا اقتبسه من سفر الأمثال: “الرب أقامنى أول طرقه..” (أم22:8)، وكان أوريجانوس من قبل قد تحدث عن “خضوع الابن”، كما تحدث عن “ميلاد الكلمة الأزلي” وهنا أخذ اريوس الجزء الأول فقط من تعليم أوريجانوس، وذلك عندما أضطر فيما بعد أن يقر “بالميلاد قبل الدهور” مفسرًا ذلك بأنه يعنى فقط الزمن الذي سبق خلقه العالم.

فعند آريوس. يبدأ هذا العالم بخلق الابن، عندما بدأ الزمن أيضًا أن يوجد.. والابن هو المولود الأول ومهندس الخليقة.. ومن المستحيل عنده أن يعتبر الابن إله كامل. ويعتبر أن معرفته محدودة لأ،ه لا يرى الآب ولا يعرفه.. والأمر الأكثر أهمية أنه يمكن أن يتحول ويتغير كما يتحول ويتغير البشر.. “وبحسب الطبيعة فإنه مثل جميع الكائنات، هكذا أيضًا الكلمة ذاته قابل للتغيير والتحويل ولكن بنفس أرادته المطلقة، طالما أنه يرغب في أن يبقى صالحًا.. حينئذ عندما يريد فإنه في استطاعته هو أيضًا أن يتحول مثلنا، حيث أن طبيعته قابلة للتغير” (18).

أن بولس الساموساطى استعمل اصطلاح “القدرة على الاكتمال الذي أتخذ منه اريوس كل تعبيراته.. وفقًا لتعليمه وهو أن المسيح هو ظهور بسيط للكلمة في إنسان. ومن ناحية أخرى فهو يعتبر إنسان كامل فقط وليس إله كامل.. وبالتالي فإن الابن يمكن أن يدعى الله إستعاريًا فقط. وهو نفس الاسم الذي يمكن أن يدعى به البسطاء من الناس أيضًا حينما يصلون إلى درجة كاملة من الروحانية والأخلاق.. وهنا يتضح كل تعليم هرطقة “التبني Adoptionism” عن المسيح.

النتيجة الأولى لهذا التعليم:

هو أن الإيمان بالثالوث يتلاشى ويذوب.. بالطبع تحدث اريوس أيضًا عن الثالوث إلا أنه اعتبره أنه قد صدر متأخرًا ولم يكن أصليًا وأزليًا. لأنه وفقًا لتعليمه فإن الآب وحده كان إلهًا أزليًا.

أما النتيجة الثانية:

فهى أن الحياة الجديدة للإنسان التي صيغت كنتيجة لتأنس الكلمة، لا تتكون نتيجة تأليه بل بواسطة سمو روحي وأخلاقي.. وبهذا يتمكن أى شخص أن يقول أن هذا الموقف قد اقتبسه اريوس من المدافعين (19) الذين وفقًا للتقاليد نشأوا من مدارس فلسفية. وكانوا قد اتخذوا موقفًا مماثلاً عن الحياة الجديدة.. إلا أن موقف “المدافعين” يجد له مبررًا بسبب العصر الذي عاشوا فيه والعالم الذي كانوا يتوجهون إليه بالحديث. أما فيما يتعلق بآريوس فإن الموقف يظهر ركود أفكاره التي ولو أنها كانت حادة. إلا أنها خالية من الحركة والعمق.

ونتيجة لتعاليم اريوس بقوله أن كلمة الله مخلوق وقوله عن المسيح أنه إنسان مؤله (بضم الميم وفتح الواو). بسبب كمال روحي وخلقي. هذه التعاليم نجم عنها نزاع شديد زعزع أركان الكنيسة والدولة الرومانية.. أن البدعة الاريوسية لم يتم تنظيمها بطريقة سرية مثل غيرها من البدع والهرطقات. بل دخل في صفوفها رجال رسميين فى الكنيسة وفى الدولة. وهددت بالاستيلاء على التنظيم الكنسي بأكمله.. وقد استمرت المصالحة السياسية التي تبعت ذلك حتى موت اريوس وقسطنطين بدون أن تكون على حساب قرارات مجمع نيقية وذلك عن طريق تفسيرهم المتباين والمؤول بطريقة يشوبها الالتباس.. إلا أن تعاليمهم لم تأت بنتائج.

وذلك لأن زعماء الأرثوذكسية لم يقبلوا اريوس في الكنيسة وذلك بسبب اعترافاته المشتبه فيها.. حقًا إنه أثناء هذه الفترة لوحظ تقدم ملحوظ في الحركة التي قادت أيضًا إلى تفوق طفيف للآريوسية. وفى الواقع أن الآريوسيين بواسطة سلسلة المجامع التي أشرفوا عليها بأنفسهم – نجحوا في تنحية وأبعاد الرؤساء من خصومهم بإتهامات باطلة واهية. وهؤلاء الرؤساء هم أوستاتيوس الأنطاكي عام 330م. وأثناسيوس الأسكندرى عام 335م، وماركيلوس الانقيرى عام 336م.

ساءت الأحوال بعد وفاة قسطنطين الكبير، لأن حاكم الشرق قسطنديوس، فرض الاريوسية على المناطق التي كان يحكمها.. أما بعد وفاة أخيه قسطنس عام 350م، فقد فرضها على جميع أنحاء الإمبراطورية.. وسحق هذا الحاكم نشاط معارضيه ومقاوميه الأرثوذكسيين وانشغل بإحلال أساقفة آريوسيين بدلاً من الأساقفة الشرعيين في أهم مراكز الشرق وبعض جهات الغرب.

وبعد وفاة قسطنديوس أنهار فجأة بناء الآريوسيين الشامخ. لأن يوليانوس الذي كان يدين بالعقيدة الوثنية عامل جميع المذاهب المسيحية معاملة متساوية. وعندئذ عاد المنفيون إلى أماكنهم. وبدأت الأرثوذكسية في أعادة تنظيم شملها. مما جعلها تسود وتنتصر. وقد وصلت إلى أكبر درجة من السيادة أثناء حكم الإمبراطور الأرثوذكسي يوفيانوس…

 

الفرق الاريوسية :

كان البناء الآريوسى فى عهد قسطنديوس على الأقل، يبدو عظيمًا في الظاهر.. إلا أنه كان من البدء عملاً مزعزعًا. وذلك ليس فقط لأنه حصل على قوته من عناصر كنسية منشقة، ولكن أيضًا لأن إتجاهه اللاهوتي لم يكن متحدًا.. فإن جميع الآريوسيين رفضوا اصطلاحات مجمع نيقية.. ولكن ليس لأجل الأسباب دائمًا.. لذا فإن الخلافات فيما بينهم انكشفت وتحددت عند كثيرين منهم عن طريق موقفهم من اصطلاحات هذا المجمع.

ولقد استخدم أباء مجمع نيقية في قانون الإيمان إصطلاح؟ هومو أوسيوس” أى “الواحد في الجوهر مع .. أو المساوي في الجوهر ل..”. وأرادوا أن يثبتوا بهذا الاصطلاح أن الابن مع الآب هما واحد. وأن هذا الجوهر هو كيان أساسي واحد..

وأضاف نفس الآباء بعد قانون الإيمان بسبب المحرومين نصًا قالوا فيه بأن الابن “ليس من هيبوستاسيس آخر” أى ” ليس من جوهر أخر”.. وهكذا فقد أغضب الاصطلاح الأول الآريوسيين المتشددين، أما الإصطلاح الثاني فقد أغضب الآريوسيين المعتدلين.. (أو أنصاف الآريوسيين Semi – arians) ويبدو أن القانون دبجه لاهوتي غربي من المحتمل أن يكون “هوسيوس” أسقف قرطبة.

وكلمة “Hypostasis” (20) “هيبوستاسيس” فيه هى ترجمة للكلمة اللاتينية” Substantia” إلا أنه في الغرب – نظرًا لعجز اللغة اللاتينية حيث كانت كلمة Substantia تعنى كلاً من “أوسيا” Oucia أى الجوهر أو الكيان. وكلمة “هيبوستاسيس” Hypostasis أى القوام أو الأقنوم. لذا أوضح أباء نيقية وحدة تشابه هذين الاصطلاحين لأنهم كانوا يخشون لو أنهم اعترفوا باثنين هيبوستاسيس (أى قوامين) أن يتهموا بأنهم يقبلون الاعتراف بجوهرين أى يكونوا مثل الآريوسيين.

 

1 الآريوسيون المعتدلون:

كان الآريوسيون المعتدلون (Semi – Arians) أوريجانيين قدامى وكان يتزعمهم أسقف قيصرية أوسابيوس، وهم الذين قبلوا بتعاطف عن رضى تعليمًا واحدًا يرتكز على النظرية الأوريجانية الخاصة بخضوع الابن، هؤلاء أصروا على التمييز المشدد بين الآب والابن.. ورفضوا أيضًا اصطلاحي مجمع نيقيا واعتبروهما سابيليان. ولأنهما لم يردا بين نصوص الإنجيل.. إلا أنهم كانوا على استعداد لقبول معنى “التساوى في الجوهر Omooucios” لكن بتعبير مخالف.. لهذا تمسكوا بالتعبير “مماثل للآب فى كل شئ” (21).

وبعد موت أوسابيوس قام باسيليوس أسقف أنقيرا وجورجيوس اللاوديكى بتنظيمهم. وتميزوا بوضوح أكثر من الآريوسيين الآخرين. وذلك في مجمع ميديولانوس عام 355م. حيث أنهم قبلوا “تماثل الجوهر” أو التشابه في الجوهر “هوميوأوسيوس” الأمر الذي من أجله أطلق عليهم اسم “هوميوأوسيين” وكانوا يختلفون عن القائلين “بالتساوى في الجوهر” أى “الهوموأوسيين” قليلاً، ولذلك أطلق على النزاع بينهم أنه نزاع على لا شئ.

 

2 الآريوسيون المتشددون:

هؤلاء كانوا على عكس المعتدلين. وهؤلاء المتشددون كانوا قد نشأوا عن اللوكيانيين الذين قبلوا تعليم “بدعة التبني”.. وكان يرأسهم في البدء أوسابيوس النيقوميدى. وفيما بعد أوسابيوس القسطنطينى. وهذا الفريق تشدد في الفصل بين الآب والابن بدرجة أكبر.. وان كانوا أحيانًا يخفون آراءهم لأسباب تنظيمية. إلا أنهم كانوا متشددين.. وبعد موت أوسابيوس هذا فى عام 341. برز بين صفوفهم “ايتيوس” الأنطاكى الذي اندفع إلى تعليم أريوس الأشد تطرفًا من أجل تكوين فريق أريوسى جديد.

وهذا الفريق الجديد تشكل بطريقة أكثر تنسيقًا على يد تلميذه “يونوميوس”. أن المنتمين إلى هذا الفريق وضعوا مناهج وأساليب متكاملة.. وتدخلوا بفكرهم ليفحصوا جوهر كل الكائنات. بما فيها الله أيضًا.. وزعموا أن جوهر الله هو فى عدم الولادة. أما جوهر الابن فهو فى كونه مولود.. ومن ثم فإن جوهرى الآب والابن ليسا فقط لم يكونا شبيهين بل نقيضين تمامًا.. ولكى يؤكدوا تمييزهم لله الآب بفرادة خاصة وحده. اعتادوا أن يمارسوا المعمودية بغطسة واحدة فقط بدلاً من ثلاثة غطسات.

1 بسبب التباين بينهم، تشكل فريق ثالث بإيحاء من الإمبراطور قسطنديوس. هو فريق “الاوميويين” أى (الشبيهيين) وهؤلاء استخدموا الإصطلاح “أوميوس OMIOS” (أى شبيه أو مثيل)، ألا أنهم لم يكن لاهوتهم الخاص.. بل بحسب الظروف كانوا ينحازون لفريق أو لأخر.

وقد أدى ذلك إلى إضفاء تفسيرين على كلمة “أوميوس OMIOS” فصار من الممكن أن تعنى أما “تشابه الجوهر” أو تشابه المشيئة.. وأتخذ مشايعو هذا الفريق لزعامتهم أساقفة الحدود الشمالية أمثال أورساكيوس السنجدونى، وأولتتاس المورصى… وكذلك أكاكيوس القيصرى، وهؤلاء فرضوا وجهات نظرهم في المجمع الذي أنعقد فى سرميوس عام 359م.

 

مواجهة الاريوسية :

هز الآريوسيون أرجاء الكنيسة بسبب الطريقة التي ظهروا بها، حيث إنهم على وجه الخصوص نشروا وفرضوا أفكارهم بكل ضرب من ضروب البدع الغريبة على ذلك العصر. فهم لم يستعينوا فقط بالأحاديث الدينية، وتحرير الرسائل اللاهوتية ونشر عقائدهم على هيئة أفكار منتظمة قانونية، كما تأمر بذلك “أحكام الرسل” بل كما سبق أن قيل أيضًا، فإنهم استخدموا كذلك اشعارهم الغنائية التي كانوا يتغنون بها في كل مناسبة.

أما سلاحهم الأكثر مضاء وصلابة، فكان استغلالهم للقوى السياسية التي أقحموها للتدخل – لأول مرة في شئون الكنيسة الداخلية, وهكذا أبعدوا خصومهم بوسائل عنيفة.. وأرغموا أثناسيوس على أن يبارح كرسيه خمس مرات.. وفى مرتين منها أقاموا أساقفتهم على هذا الكرسى.. وكان تفوقهم الساحق أكثر ثباتًا واستقروا فى أنطاكيا، بعد عزل الأسقف أوستاتيوس عام 330م.. وفى عام 360 أقاموا هناك صديقهم ميليتيوس الذي ما لبث أن أعرب في الحال عن اتجاهه إلى قانون إيمان نيقيا..

أما في أسيا فكان نفوذهم أقل، ولو أن موقفهم هناك كان أكثر هدوءا، الأمر الذي لأجله كان موقف الأرثوذكسيين مرنًا..

وفى القسطنطينية على مدى أربعين سنة خلف أربعة أساقفة آريوسيين الواحد الآخر.. وهكذا عندما صار غريغوريوس الثيئولوغوس أسقفًا للقسطنطينية أستقر في بيت صغير للصلاة (Chapel) ، لأن الأريوسيين كانوا قد أستولوا على جميع الكنائس، ولكن غريغوريوس خلص القسطنطينية منهم.. وفى الغرب حصلوا على نجاح محدود حيث استولوا فقط على بعض مراكز هامة قليلة مثل المديولانيين وذلك لعدة سنوات قليلة فقط.. إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى كرسي أسقفية روما.

وكانت حالة المسيحية في ذلك العصر تثير الحزن والأسى. فبينما أعطيت لها الفرصة لأول مرة لكي تمد كرازتها في كل مكان، اضطر قادتها أن يهملوا ذلك قهرا. واضطروا للإنشغال بأمور عقائدية دقيقة.

كانت شوارع الأسكندرية تعج باستمرار للاشتراك بالأساقفة الذين، أما كانوا يفدون نحو منفاهم وأما كانوا يتوجهون للاشتراك في المجامع غير المكتملة. وفى وسط هذه المحازفات والمخاطر أظهرت قيادة الأرثوذكسية شجاعة مقترنة بدبلوماسية تجاه مضطهديهم، كما أظهرت تمسكًا شديدًا بالتقليد والإيمان المسلم.. فكانوا إما ينادون بعقائدهم وينفون بسببها وإما كانوا يحافظون على هذه العقائد ويمكثون في أماكنهم كي يصونوا الإيمان الأرثوذكسي الذي لا يطفأ، ومن حول هؤلاء كانت خلايا المؤيدين المخلصين تصارع وتتصادم من أجل عقيدة مجمع نيقية.

إن مسئولية الدفاع عن هذه العقيدة كان لها أولاً: مجموعة القادة الأول: الكسندروس السكندرى. وأوستاتيوس الأنطاكى، وهوسيوس القرطبى.

ثم بعد ذلك بقليل وقع عبء الدفاع عن عقيدة نيقية على أكتاف القديس أثناسيوس الكبير الذي أدار النضال طيلة خمسين عامًا تقريبًا.. معضدًا أيضًا من الآباء الآخرين أمثال كيرلس الأورشليمى وسرابيون أسقف تيميس، وديديموس الضرير، وهيلاريوس البكتافى وأخيرًا الآباء الكبادوكيين العظام:

باسيليوس أسقف قيصرية وغريغوريوس الثيئولوغوس وغريغوريس النيصصى، أن هؤلاء اللاهوتيين – باستنادهم على حجج وبراهين من الكتاب المقدس والتقاليد الشرعية الصحيحة – قاموا بتجريد لاهوت اريوس من غطائه المتستر بالكتاب المقدس. وكشفوا أن الاريوسية إنما هى دراسة فلسفية جافة وعميقة تظهر الله بدون حياة أو حركة..

كشف أثناسيوس الكبير أن تعاليم اريوس أدت إلى أمرين غير لائقين:

أولهما: أنه أذاب التعليم بالثالوث القدوس ولاشاه، وفتح الطريق أمام الاعتقاد بتعدد الآلهة، إذ أنه سمح بعبادة المخلوق.

وثانيهما: أنه قلب “بناء الخلاص” كلية. فإن المخلص الذي أخذ على عاتقه خلاص البشرية يلزم أن يكون هو نفسه حاصلاً على ملء اللاهوت، ما دام قد أخذ على عاتقه أن يؤله الإنسان. فكيف يكون من الممكن أن الكلمة الذي يقوم بعمل التأليه لا يكون واحدًا في الجوهر مع الله؟

إن قمة براهين أثناسيوس هى أن المسيح لم يصر أبنًا لله كجزاء لكماله الأدبي بل على العكس فإنه هو الذي إلهنا (بتشديد اللام) (أى جعلنا إلها). فيقول أثناسيوس “لذلك إذن فالمسيح لم يكن انسانًا وفيما بعد صار إلهًا، بل أنه كان إلها ثم صار إنسانًا لكي يؤلهنا” (المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 39).

وعلى الرغم من صرامته وحزمه لم يكن أثناسيوس متصلبًا بل كان يعرف كيف يتدبر الأمر بتفهم وتسامح .. وعندما تخلص من الضغط السياسي الخطير عرض المشكلة بحذر ويقظة أكثر. ووضع موقف الأرثوذكسيين تحت الفحص. وعندئذ تحقق من قصور وعجز حججهم وسعى لكي يجد لها علاجًا.. فإن المطابقة المشار إليها سابقًا بين الاصطلاحين “اوسيا” (أى الجوهر).

و”هيبوستاسيس” (أى القوام) صارت مقبولة في الغرب بدون اعتراض. ولكن في الشرق رأى كثير من اللاهوتيين أن فيها خطر البدعة “السابيلية”. وأدرك أثناسيوس هذه الحيرة وقام بحركة توفيق فعالة أثناء مجمع الأسكندرية عام 362م حيث أقر بأن كل من لا يرغب في الإعتراف بصيغة “الاوموأوسيوس” (أى المساواة أو الوحدة فى الجوهر)، ولكنه يقبل في نفس الوقت بوحدة “الآب والابن فإنه يوجد على الطريق المستقيم.

وقام بخطوة عوطة التسليم بالمبدأ الشرقى للثالوث مع التفريق بين معنى الاصطلاحين “أوسيا”، و”هيبوستاسيس” مع إضافة معنى “طريقة الوجود الخاص بالكيان” إلى “الهيبوستاسيس”.. وهكذا فإن الله يكون من جوهر واحد ولكنه يوجد في ثلاث أقانيم (هيبوستاسيس) أو أشخاص (بروسوبا)، وهذه الصيغة توسع فيها أكثر الآباء الكبادوكيوسن بعد ذلك.. ومن ذلك الوقت فتح الباب أمام جماعة “الهوميواوسيين”.

وأن غالبية الذين رجعوا وانضموا إلى أتباع مجمع نيقيا الأرثوذكسيين، وصلوا أيضًا بعد ذلك إلى قبول مبدأ “الهوموأوسيوس” (التساوي أو الوحدة في الجوهر) ولكن البعض من هؤلاء لم يكونوا على استعداد لقبول الاعتقاد بمساواة الروح فى الجوهر أيضًا (أى مع الآب والابن) .

ولهذا السبب ضمن مجمع نيقيا ضمن قانون الإيمان. مجرد عبارة “وبالروح القدس” بدون أية خاصية أو صفة أخرى، وكان هؤلاء يعتقدون بثنائى فقط في الله بدلاً من الثالوث. ولهذا أطلق عليهم أسم “أعداء الروح” ولأنه كان يتزعمهم “مقدونيوس” . الذى جرده “الأوميوون” من رتبته. لهذا أطلق عليهم أيضًا أسم “المقدونيون”. وهؤلاء حكم عليهم بواسطة مجمع أنطاكية سنة 379م. والمجمع المسكونى الثاني بالقسطنطينية سنة 381م.

ولكى يتجنب الاباء أى مخاطرات جديدة أو أى إساءة فهم للأمور. فانهم لم يستخدموا فى هذا المجمع الأخير أى اصطلاحات مثيرة، مثل “الهومواوسيوس” بل استخدموا عبارات متباينة وهى عبارات توضح “المساواة في الكرامة”. وهم في هذا قد أتبعوا السياسة الحكيمة التي كان يسير عليها باسيليوس الكبير. ثم أصدر الامبراطور ثيئودوسيوس قرارًا بوضع حد لهذا الصراع داخل إمبراطوريته، فكانت النهاية الحاسمة، مما أدى إلى الاعتراف بشكل دينى واحد وهو المسيحية الأرثوذكسية التي أقرها “داماسوس” أسقف روما. “وبطرس” أسقف الأسكندرية.

وبالتالي أنضم غالبية الآريوسيين إلى الكنيسة، أما البقية الذين تخلفوا فقد انضموا على التوالي إلى بدع وهرطقات أخرى، وخاصة انضموا إلى النسطورية وهى البدعة التي حاولت أن تنقص من ألوهية المسيح بطريقة أخرى.

اريوس – من هو اريوس ؟ ما هي أفكار أريوس

 

(1) نسبة إلى سابيليوس صاحبة البدعة السابيلية المعروفة باسمه، والذى ظهر فى روما أوائل القرن الثالث. والسابيلية تعلم بأن الآب والابن والروح القدس هم شخص واحد وليس ثلاثة أقانيم. فنقول “أن الآب أعطى الناموس في العهد القديم، ثم ظهر هو نفسه باسم الابن فى التجسد، وبعد أن اختفى المسيح بالصعود ظهر هو نفسه باسم الروح القدس. أى أن الثالوث هو ثلاث ظهورات متوالية في التاريخ لشخص واحد، وليس ثلاثة أقانيم لهم جوهر واحد (المعرب).

(2) انظر “حياة قسطنطين لأوسابيوس المؤرخ” (61:2) والتاريخ الكنسى لسقراط (7:1).

(3) أوسابيوس فى حياة قسطنطين (64:2).

(4) التاريخ الكنسي لسقراط (9:1) بوفيريوس هو أحد فلاسفة “الأفلاطونية الجديدة” الوثنيين قرب نهاية القرن الثالث. هاجم المسيحية بعنف وخاصة هاجم ألوهية المسيح (المعرب).

(5) الرسالة الدورية إلى الأساقفة بقلم أناسيوس 5:18.

(6) باناريون معناها سلة الخير.

(7) التاريخ الكنسى لثيئودوريتس (4:1) انظر “باناريون” لإبيفانيوس (6:69).

(8) “أثناسيوس عن المجامع” 16.

(9) “باناريون” لإبيفانيوس (7:29).

(10) “ايلاريوس عن الثالوث” (12:4، 5:6ه).

(11) “التاريخ الكنيسى لسقراط” (26:1).

(12) التاريخ الكنسى لسوزومينوس” (27:2).

(13) أثناسيوس ضد الأريوسيين (5:1-6).

(14) أثناسيوس عن مجمع نيقية 16 – فيلوستورغيوس التاريخ الكنسى (2:2).

(15) اريوس فى رسالته إلى الكسندروس وجدت فى كتاب أثناسيوس عن المجامع 16.

(17) المرجع السابق.

(18) “ثاليا” كما جاء فى أثنايوس ضد الأريوسيين مقالة 5:1.

(19) هم معلمى الكنيسة الذين قاموا بالدفاع عن المسيحية والمسيحيين أمام الأباطرة الوثنيين. وأمام الفلسفات الوثنية المعاصرة وأحيانًا ضد الهجمات اليهودية. خلال القرنين الثاني والثالث، ومن أشهر المدافعين يوستيتوس. وتاتيان واتيناغوراس وأوريجانوس (المعرب).

(20) كلمة “هيبوستاسيس Hyposasis” اليونانية تعنى القوام، أو الأساس أو ما يقف عليه الشئ “الدعامة” أو طبيعة الشئ، أو الشخص، أو أقنوم (المعرب).

(21) أوسابيوس: رسالة إلى كنيسته في كتاب “التاريخ الكنسى لسقراط”.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

Exit mobile version