“نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السموات والأرض، ما يُرى وما لا يُرى”
عندما امتدت الكنيسة المسيحية من مركزها في اليهودية (بفلسطين) إلى عالم البحر الأبيض المتوسط، واجهت كرازتها وتعليمها بالإنجيل معارضة شديدة من المذهب المتطرف الخاص “بالثنائية” بين الجسد والعقل، والذي كان سائدًا ومنتشرًا في كل جانب من جوانب الحضارة اليونانية ـ الرومانية.
وقد أدى هذا المذهب إلى تقسيم الاختبار الإنساني إلى قسمين مما أثر على أنماط الفكر الأساسية في كل من الدين والفلسفة والعلوم على حد سواء. وقد كان الفصل (χωρισμός) الذي نادى به أفلاطون بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) (κόσμος αι̉σθητός) وعالم المدرَكات العقلية (الأشياء التي تُدرك بالعقل) (κόσμος νοητός) ـ والذي شدَّد عليه أرسطو أيضًا ـ هو الذي تحكم في عملية الانفصال بين كل من: العمل والتفكير، الحدث الواقع والفكرة، ما يمكن أن يحدث وما هو موجود فعلاً، المادي والروحي، المنظور وغير المنظور، الزمني والأبدي.
وكان هذا هو الأساس الذي بنى عليه بطليموس ـ بطريقة علمية ـ العلم الخاص بالكونيات (الذي يبحث في الكون)، والذي ساد على الفكر الأوروبي لأكثر من ألف عام. وقد نتج عن مذهب “الثنائية” هذا ـ والذي سيطر على كل شيء ـ استبعاد الله من عالم الواقع الحاصل في الزمان والمكان.
وعندما نُوديَ بالبشارة المسيحية في هذا المناخ، سرعان ما نشأ نزاع حاد بين أنماط الفكر الهلليني والفكر العبري، وأيضًا بين أسلوب التفكير الأسطوري (μυθολογει̃ν) الذي يرتكز على عقل الإنسان، وأسلوب التفكير اللاهوتي (θεολογει̃ν) الذي مركزه الله نفسه.
وقد تعيَّن بصفة خاصة، على التعليم الكتابي عن عناية الله وعمله الخلاصي في التاريخ، والتعليم المسيحي عن التجسد والفداء ـ حتى يمكن لهذا التعليم أن يجد من يستمع إليه وحتى يمكن أن يتأصل بشكل صحيح تمامًا ـ أن يدخل في صراع مع الافتراضات التي ترتكز عليها النظرة “الثنائية” تجاه الله والعالم.
وازدادت صعوبة هذه المشكلة بسبب الترابط غير العادي بين مفاهيم التعالي والسمو الخاصة بالله في اليهودية والهللينية. فقد آمن كل المسيحيين مع اليهود بالله الواحد خالق السماوات والأرض، ولكن الفارق الهائل بين الخالق والمخلوق (الذي يظهر في اليهودية) كان يميل، في بعض النواحي، إلى تأكيد التركيبة “الثنائية” التي اتسم بها الفكر اليوناني، سواء الأفلاطوني أو الأرسطوطالي أو الرواقي.
وبدا هذا واضحًا في تعاليم فيلو الفيلسوف الإسكندري، الذي علَّم بأن الله والعالم بعيدان كل البعد أحدهما عن الآخر إلى درجة أنه سعى لإيجاد علاقة بينهما من خلال عالم متوسط من الأفكار المبهمة. واتضح هذا الأمر بدرجة كبيرة في الأنظمة الأسطورية الخاصة بالغنوسيين، والتي فيها اتسعت “الثنائية” بين الله والعالم لتصبح هوة ضخمة.
كما اتضح أيضًا وبنفس المقدار في “الثنائية” الماكرة للأريوسيين الذين أنكروا ألوهية يسوع المسيح الحقيقية، واعتقدوا أن ابن الله ليس “أزليًّا” بالطبيعة وأنه ينتمي إلى المخلوقات، التي تقع في الجانب الآخر من الخط الفاصل بين الله وبين العالم المخلوق[1].
الدور الذي اضطلعت به الكنيسة في مواجهة النظرة “الثنائية”
وفي صراع الكنيسة مع الافتراضات السائدة “للثنائية”، والتي كان من الممكن أن تعوق فهم رسالتها، وجدت الكنيسة أنه يتعيَّن عليها تغيير أسس الفكر اليوناني – الروماني ذاتها. وبعملها هذا، وضعت الكنيسة الأساس لمدخل مختلف تمامًا عن الكون المخلوق، من أجل الوصول في النهاية إلى تفسير علمي ـ مقبول عقليًّا ـ للنظام الأساسي لهذا العالم.
وقد اقتضى عمل خطير من هذا النوع ـ لتغيير وإعادة بناء المفاهيم ـ قيام الكنيسة بنشاط ذهني دؤوب وشاق، على مدى القرون الستة الأولى، مما ترك بصمته الدائمة على الحضارة الغربية، وكان هذا العمل لحساب مهمة الكنيسة التبشيرية الأساسية في الكرازة بالإنجيل للعالم، ونشر معرفة الله الخلاصية بابنه يسوع المسيح بين الأمم، وإعطاء شعب الله عبر التاريخ فهمًا واضحًا لجوهر الإيمان.
ووفقًا للتقليد الرسولي، ركَّزت الكنيسة على أولية ومركزية “العلاقة بين الآب والابن” التي عرفتها في الإنجيل والتي أبرزتها في قانون الإيمان، لأنه على أساس هذه العلاقة بالتحديد بُني كل شيء آخر في الإنجيل.
ولذلك عندما بدأت تشتد طرق التفكير “الثنائية” بين أنصار الهرطقة الأريوسية، وهدَّدت بتقويض الإيمان بألوهية المسيح ـ وذلك بقطع العلاقة الجوهرية بينه وبين الله الآب ـ اهتمت الكنيسة في مجمع نيقية بوضع بيان دقيق ومحدد عن الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسِّد والآب، لأن هذا الأمر كان هو المحور الرئيس الذي اعتمد عليه في النهاية اعتراف الإيمان بأكمله، بنفس الدرجة التي اعتمد بها على الإيمان بالله الآب ضابط الكل[2].
وسوف نولي اهتمامًا كاملاً بهذا الموضوع في حينه، ولكننا إذ ننتقل إلى موضوع هذا الفصل وهو “السبيل إلى الآب” علينا أن نفترض مسبقًا صلة هذا الموضوع بالعلاقة الداخلية بين الابن والآب.
1 See Athanasius, De syn., 46; Ad episc. Aeg., 4ff.
إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه “الحق” الإلهي في تجسد “الكلمة” (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.
إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[1].
وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.
التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق
وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه.
مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد “كلمته” في يسوع المسيح، أي في “ما هو” يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.
وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على “حقيقة” الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص.
وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار “للحق” رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة. ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو “الحق” الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه.
هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في “الحق” الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.
إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت “للحق” الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.
ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[2].
وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى “إنجيل آخر” والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[3]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له “جوهر” مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[4].
إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن “الحق”[5].
المجال المفتوح والمتسع للإيمان
وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه “حقيقة” إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة “الإيمان” ومرتكزًا على “الحقيقة” الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.
وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون “مفتوحًا” لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق “للحق”.
إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى “للحق”، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية “ذات مجال مفتوح ومتسع” (open range in its focus “σκοπός”) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.
وقد أكد على مفهوم “مجال الإيمان المفتوح” كل من ق. أثناسيوس وق. هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح ق. أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[6].
فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو “الحق” الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان “الضابط المعياري” الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[7].
إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[8].
ولم يكن ق. هيلاري أقل من ق. أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[9].
إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من “اللانهائية”، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم “شيء” عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله.
وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة “إيمان”، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[10].
وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن “الحق” الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[11].
الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن “الحق” الذي لا يُنطق به
إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال “المفتوح والمتسع بلا حدود” للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى “الحق” الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها.
ولذا نجد أن مجال الإيمان “المفتوح” قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[12].
ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن “الحق” الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة “معرفة” الله.
هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح “هوموأووسيوس” (ομοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن “الحقيقة” الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن ق. هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.
ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[13].
[1] Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.
[2] Athanasius, Con. Ar., 4.12:
“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.
ماذا يمكن أن يحدث لو لم تكن هناك وحدانية في القدرة والعمل بين الابن المتجسد والله الآب؟
وللإجابة على هذا السؤال، سنجد أن تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί قد أكَّد بوضوح عدم وجود انفصال ليس فقط بين جوهر الابن وجوهر الآب، بل أيضا بين أعمال الابن وأعمال الله الآب. وحين قال السيد المسيح في إنجيل القديس يوحنا: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل، فقد كان يطابق بين عمله وعمل الله الخالق[1]. ويقول القديس أثناسيوس: هو الذي صنعنا بكلمته، صنع كل الأشياء الصغيرة منها والكبيرة.
وليس لنا أن نقسم الخليقة ونقول إن هذا صنعه الآب وذاك صنعه الابن، لأن الكل صنعه الله الواحد الذي يعمل بكلمته الحقيقي مثل يده ويخلق الكل به لنا إله واحد، الآب الذي منه جميع الأشياء، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء[2]. ولكن إذا فصلنا بين الابن والآب، فإن ذلك سوف يجعلنا بالتالي نفصل عمل الابن عن عمل الآب، لأنه سوف ينزل بعمل الابن إلى مستوى عمل المخلوق[3].
فلو لم يكن يسوع المسيح هو نفسه الله، لغاب كل سلطان وكل شرعية في أي شيء قاله أو صنعه لأجل البشر؛ ولو لم يكن هو الله لما استطاع أن يعمل كإله؛ ولو لم يكن هو الخالق لما استطاع أن يخلِّص ويعيد خلقة البشرية[4] كما أكَّد القديس أثناسيوس أنه لا يمكن لمخلوق أن يخلِّص مخلوقًا أبدًا[5].
إذن فللإجابة عن سؤالنا الافتراضي، لا بد أن نقول إنه لو فُصلت أعمال يسوع المسيح عن أعمال الله الآب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل الأشياء ما يُرى وما لا يُرى، لسقط أساس الإنجيل كله. ولو اعتبرنا أن ما صنعه المسيح لأجلنا ليس هو عمل الله الذي صار إنسانًا بل فقط هو عمل إنسان قد لُقِّب ب ابن الله كمكافأةٍ له مقابل خدمته للآخرين من البشر لكان المسيح لا يجسد نعمة χάρις الله الخلاصية للبشر، ولكان عاجزًا تمامًا عن عمل التأليه θεοποίησις[6].
وفي المقابل، إذا كان يسوع المسيح لا ينفصل لا في الجوهر ولا في العمل عن الله الآب، فإنه بالتالي يكون بالجوهر وبالعمل وفي حضوره المتجسد وتدبيره الخلاصي هو إعطاء الله ذاته للجنس البشري[7]. وهكذا فكما أن تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب يؤكد أن الله ذاته هو مضمون إعلانه في يسوع المسيح، فإن هذا التعبير أيضًا يؤكد أن الله ذاته هو محتوى أو مضمون نعمته الخلاصية في يسوع المسيح[8]. ففي يسوع المسيح: مُعطي النعمة وعطية النعمة هما واحد تمامًا*، لأن في المسيح وبالمسيح لا يكون إلاّ الله ذاته هو الذي يعمل لأجلنا ولأجل خلاصنا[9].
وكان المصطلح المميَّز الذي استُخدم في الفكر اللاهوتي الآبائي المدوَّن باليونانية للتعبير عن إعطاء الله ذاته للجنس البشري بالمسيح وفي الروح القدس: هو التأله#θέωσις[10]. فالمسيح لم يكن إلهًا لأنه يشترك في الله، بل هو ذاته الله بالتمام والكمال وله ذات الجوهر الواحد مع الآب. وبفضل حقيقته الإلهية، وحضوره المتجسد داخل الجنس البشري، فهو يعمل في البشر بفعله الإلهي الخالق بطريقة فائقة، جاعلاً إياهم يشتركون فيه من خلال النعمة، وبهذا يشتركون في الله.
وهكذا فإن مصطلح التأليه θεοποίησις أو التأله θέωσις قد اُستخدم لوصف الفعل الفريد لله المتجسد*، ذلك الفعل الذي يلازم جوهره الإلهي بغير انفصال: فهو فعله الكائن في جوهره أو هو جوهره الكائن في فعله. فيسوع المسيح في شخصه المتجسد هو فعل الله الفريد الذي به نخلص ونتجدد، ولكن بطبيعة الحال نحن لا نحصل على الخلاص أو التجديد بواسطة عمل المسيح دون أن نكون متحدين به وشركاء فيه.
وقد بنى لاهوتيّو نيقية مفهومهم عن التأليه θεοποίησις معتمدين على قول الرب في إنجيل يوحنا 35:10، بأن الكتب المقدسة قد دعتهم آلهة θεοί أولئك الذين صارت إليهم كلمة# الله[11]. وقد فهم الآباء أن هذا يشير إلى أولئك الذين رغم أنهم مخلوقون قد صاروا شركاء للكلمة بواسطة فعله الخالق فيهم. فالمسيح وحده هو الله Θεός، إله حق من إله حق، وهو وحده الابن الحقيقي للآب، ولكن بواسطة فعله التأليهي θεοποίησις، تم تبنينا وصرنا أبناءً لله فيه، ومن هذا المنطلق فإن أولئك الذين من خلال الاتحاد بالمسيح قد قبلوا نعمة ونور روحه القدوس يُقال عنهم أنهم آلهة θεοί[12].
وفي تطبيقهم لمصطلح هوموأووسيوس على الابن المتجسد وكلمة الله، رفض آباء نيقية رفضًا قاطعًا فكرة أنه مخلوق متوسط بين الله والإنسان، بل بالأحرى رأوا أنه ينبغي النظر إليه على أنه وسيط بكل ما تعنيه الكلمة، وذلك بكونه هو الله وإنسانًا في آنٍ واحد. ففي الابن المتجسد، الله ذاته وهو في جوهره الأزلي، قد تنازل ليصير إنسانًا، وذلك لكي يعطي ذاته ويعلن ذاته وليس جزءً من ذاته للبشرية.
وبنفس الطريقة عند تطبيقهم مفهوم الهوموأووسيوس على عطية النعمة، رفض الآباء رفضًا قاطعًا فكرة أن النعمة هي مجال مخلوق بين الله والإنسان، بل على العكس اعتبروا أن النعمة هي إعطاء الله ذاته لنا في ابنه المتجسد، والذي فيه أي في الابن المتجسد المُعطي والعطية هما واحد بغير انفصال[13]. ويقول القديس أثناسيوس: من خلال الابن نحن نُعطى ما نُعطَى، فالآب لا يعمل شيئًا إلاّ بالابن، لذلك فالنعمة محفوظة لمَن يحصل عليها[14].
وفي ظل هذا النمط من العطاء الذي تحكمه الوحدانية التي بين الآب والابن، فإن النعمة لا يمكن أن تكون هبة إلهية قابلة للانفصال عن الله أو قابلة للانتقال منه لتُعطى للإنسان، وهي التي بفضلها يصير الإنسان بصورة ما مؤلَّهًا أو إلهيًّا*[15].
إن نعمة ربنا يسوع المسيح ينبغي أن نفهمها بنفس الطريقة التي نفهم بها حقيقة الروح القدس الذي كما عبَّر قانون الإيمان النيقي القسطنطيني عنه، هو الرب المحيي. وقد أكد القديس أثناسيوس هذه النقطة مرات كثيرة وبصفة خاصة في رسائله إلى سرابيون إذ قال: إن الروح القدس هو هو بغير تغيير على الدوام، وهو لا ينتمي إلى طبيعة الذين يشتركون فيه رغم أن كل الأشياء تشترك فيه[16].
كذلك أيضًا النعمة، لأن النعمة هي إعطاء الله ذاته لنا في المسيح يسوع، ولا يمكن فصلها، أو بالحري فصله أي المسيح عن الله بأي شكل من الأشكال، لأنه واحد في ذات الجوهر مع الله المعطي[17]. وإعطاء الله ذاته لنا في النعمة لا يمكن فصله أبدًا عن الجوهر الواحد والفعل الواحد الذي للثالوث القدوس.
ويقول القديس أثناسيوس في ذلك: الثالوث القدوس المبارك واحد في ذاته بغير انقسام. وعندما يُذكر الآب، فإن ذلك يتضمن كلمته والروح القدس الذي هو في الابن. وعندما يُذكر الابن، فإن الآب هو في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة. لأنه توجد نعمة واحدة من الآب تتحقق بالابن في الروح القدس[18].
ويعود القديس أثناسيوس ليؤكِّد مرة أخرى: هذه النعمة والعطية التي تُعطى، إنما تُعطى في الثالوث القدوس، من الآب بالابن في الروح القدس. وكما أن النعمة المعطاة لنا هي من الآب بالابن، فإنه لا تكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه، تكون لنا محبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس ذاته[19].
ولمصطلح هوموأووسيوس أهمية إنجيلية تتضح تمامًا في أعمال المسيح الخلاصية مثل الشفاء والغفران والمصالحة وفداء البشرية الساقطة، لأن هذا المصطلح أكَّد بأقصى ما يمكن على أن كل هذه الأعمال تمت نتيجة علاقة الوحدة غير المنفصلة والشركة التامة الكاملة بين يسوع المسيح والله الآب. كما تكمن أهمية موضوع التأليه θεοποίησις في تأكيده القاطع على الوحدانية في الفعل كما في الجوهر بين الابن والآب، مما يجعل أعمال المسيح الخلاصية في الإنجيل هي نفسها أعمال الله ذاته لأجلنا ولأجل خلاصنا.
وهكذا ينكشف مدى تأثير وشرعية هذه الأعمال من خلال الإصرار على أن هذه الأعمال هي تلك التي يستطيع الله الآب وحده بكونه ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يرى وما لا يرى أن يعملها.
وبدون هذا الأساس كما رأى آباء نيقية فإننا نفرغ الإنجيل من جوهره الخلاصي. وعلى سبيل المثال: ماذا تكون قيمة وفاعلية كلمة الغفران التي قالها السيد المسيح لأحد الخطاة لو أن المسيح كان مجرد مخلوق، لأن الله وحده هو الذي يستطيع أن يغفر الخطايا وهو يغفرها بالفعل كما لو كان الخاطىء لم يفعل هذه الخطية بل ويجدد كيانه أيضًا؟ الحقيقة أنه فلو لم تكن كلمات يسوع المسيح وأعمال محبته الغافرة مؤسسة على كيان الله وحقيقته، لما كان لها أي أثر أو معنى.
ثم ماذا عن آلام السيد المسيح وفدائه للبشرية؟ وماذا تكون غاية الصليب لو أن المسيح الذي عليه كان منفصلاً عن الله، أي لو أن المسيح وهو على الصليب كان مجرد مخلوق والله بعيد تمامًا عنه ومنعزلاً في كيانه الإلهي؟ كيف كان ممكنًا أن يتم الفداء ما لم يكن الله ذاته في حبه وتحننه الفائق هو الذي أتى إلينا في يسوع المسيح ليجعل طبيعتنا وموتنا خاصًّا به من أجل خلاصنا؟
وكان هذا هو السؤال الذي طرحه القديس أثناسيوس في جداله الطويل مع الأريوسيين، حيث أظهر أنه في يسوع المسيح اتخذ ابن الله الأزلي شكل العبد ليصير بالتحديد كاهنًا وذبيحة في آنٍ واحد، وذلك في تدبيره الخلاصي لأجلنا[20]. ولم يكن لدى آباء نيقية أدنى شك في أن موت المسيح على الصليب كان هو عمل الله نفسه في أعماق وجودنا البشري المخلوق من أجل خلاصنا، وإلاّ فيكون ما حدث على الصليب بلا أي معنى أو فائدة. وقد عبَّر القديس غريغوريوس النزينزي عن هذا المعنى في عظة في عيد الفصح: الله مصلوب … هذه هي المعجزة.
لقد كنا في حاجة إلى إله يتجسد، إله يموت لكي نحيا نحن. فكلنا قد متنا معه حتى نتطهر، وقد قمنا ثانيةً معه لأننا متنا معه. وقد تمجَّدنا معه لأننا قمنا معه[21]. إذن فهذا الفداء يكون مفرغًا من مضمونه تمامًا، لو لم يكن الابن المتجسد، الإله الحق من الإله الحق، هو الذي تألم ومات لأجلنا على الصليب.
ثم ماذا عن المصير النهائي للبشرية عندما يأتي السيد المسيح في مجيئه الثاني ليدين الأحياء والأموات؟ كيف يكون التفكير في ذلك لو لم يكن يسوع المسيح هو نور من نور، إله حق من إله حق، بل مجرد كيان زائل يرحل عن هذا العالم مع بقية الخليقة؟ ولن يكون السيد المسيح في هذه الحالة كفيلاً لمستقبلنا، بل سيكون كل ما يمكن أن نرجوه في النهاية هو ملاقاة إله مستبد ومجهول لنا تمامًا، ولا علاقة له بيسوع المسيح أو بكل ما كان قد أعلنه.
ولكن ما هو الوضع إذا كان المسيح هو الله الظاهر في الجسد، الذي قد أخذ على عاتقه دينونة العالم وبحكم هذا فهو الوسيط بين الله والإنسان وبه يدين الله جميع الناس في اليوم الأخير؟[22] هذا بالتحديد هو ما يوضحه قانون الإيمان النيقي، لأن لمصطلح هوموأووسيوس تأثيره البالغ في فهمنا للدينونة الإلهية، لأنه يؤكد أنه لا يوجد فاصل أو مسافة من أي نوع بين يسوع المسيح والله ديَّان العالم كله.
فدينونة المسيح ودينونة الله هي واحدة تمامًا، لأنه حتى في الدينونة الأخيرة فإن الله الآب والابن المتجسد هما واحد تمامًا في الجوهر وفي العمل. وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت قانون الإيمان يؤكد أن المسيح ليس لملكه انقضاء، لأن التجسد لن يزول أبدًا بل سيدوم وسيبقى إلى أبد الآبدين[23].
المكانة المحورية لمصطلح هوموأووسيوس في الكنيسة
عندما شرع آباء الكنيسة العظام في التأمل بدقة في كل ما يمكن أن يترتب على تعبير هوموأووسيوس μοούσιος، اكتشفوا أن هذا التعبير يحمل في طياته معاني تزيد بكثير عما كان مُدركًا وقت صياغته واستخدامه في قانون الإيمان. وسرعان ما صار هذا التعبير هو ركيزة أرثوذكسية المسيحية أو التقوى، وصار مَن يرفضه كمَن أنكر رسالة الخلاص إنكارًا صريحًا كما قال القديس غريغوريوس النيصي[24]. بل ما هو أكثر من هذا، أن الآباء قد غمرهم الانبهار والدهشة إزاء دلالة العلاقة الداخلية التي للابن المتجسد بجوهر الله الحي، وماذا تعني هذه العلاقة بالنسبة لحياة السيد المسيح كلها، والتي ينبغي اعتبارها متضمَّنة داخل علاقات التواجد الاحتواء المتبادل التي للثالوث القدوس.
فما صار فيه ابن الله في تجسده، وما اختبره وقاله وصنعه لأجلنا ولأجل خلاصنا، كان مؤسسًا في الله، ومُعتبرًا أنه في داخل الله وخاصًّا به تمامًا. والأدهش من هذا كله، أن يسوع ابن العذراء مريم الذي عاش حياة بشرية كاملة بيننا كواحد منا، لم يكن هو إلاّ الله ذاته الذي قد صار إنسانًا، وهو وفي نفس الوقت وإلى الأبد ينتمي إلى عمق جوهر اللاهوت[25]. ولا عجب إذن في أن آباء الكنيسة قد جاهدوا بشدة من أجل الحفاظ على صحة هذا الإيمان الذي توهج نوره بقوة في ذهن الكنيسة في نيقية، مما ولَّد قناعة لدى المؤمنين بأن ما حدث في هذا المجمع كان بالحقيقة من الله.
وفي أثناء التوصل إلى صياغة مصطلح هوموأووسيوس بنيقية، حدث أمر جوهري في فكر الكنيسة الأولى، فقد تمت خطوة حاسمة نحو مستوى أعمق في فهم الإنجيل، وفي نفس خط التقليد الرسولي الذي لا يمكن للكنيسة أن تتراجع عنه طاعة منها لإعلان الله الخلاصي في المسيح يسوع. وقد كانت هذه الخطوة حدثًا لا رجعة فيه في تاريخ الفكر اللاهوتي المسيحي.
ويمكننا أن نستدل على أهمية ما قد تم إذا نظرنا إلى ما نفعله في لعبة لغز الصورة المُقطَّعة jig-saw puzzle أي الأحجية المؤلفة من قطع صغيرة يتعين على المرء أن يرتبها بحيث تشكِّل صورة ما. فنحن نرتب القطع المتناثرة حتى يظهر منها الشكل المطلوب، وإذا أعدنا تفكيكها فلن نجد صعوبة كبيرة في إعادة ترتيبها مرة أخرى. ولكننا لا نستطيع عمل هذا بدون تذكر الصورة التي توصلنا إليها في المرة الأولى، لأن شيئًا ما قد حدث في العقل والذاكرة يتعذر إلغاؤه، وهو الذي يؤثر على كل المحاولات التالية للرجوع إلى الشكل المتكامل الأصلي المكوَّن من القطع المختلفة.
وقد وقع حدث لن يُمحى من هذا النوع في عقل وذاكرة الكنيسة في مجمع نيقية عام 325م، وكان هذا نقطة تحول ذات أهمية كبرى وتطور في الفهم لا رجوع عنه. وعندما تأكد مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب، وتمت صياغته بوضوح في مصطلح هوموأووسيوس μοούσιος، كان هذا خطوة عملاقة إلى الأمام نحو إدراك أعمق لترابط الإنجيل كما نقلته إلينا كتابات الرسل. وبمجرد الوصول إلى هذا المفهوم في الكنيسة، لم يكن من الممكن التراجع عنه، لأن المضمون الإنجيلي للإيمان كان قد تم حفظه وتأمينه في ذهن الكنيسة بشكل دائم وباقٍ. وكما قال القديس أثناسيوس: إن كلمة الله التي جاءت خلال المجمع المسكوني بنيقية تدوم إلى الأبد[26].
مصطلح هوموأووسيوس ينطبق على علاقة الابن الأزلي بالآب، وينسحب بالتالي على علاقة الابن المتجسد بالآب
لقد تناولنا في هذا الفصل، الأهمية الكبرى التي ينطوي عليها مصطلح هوموأووسيوس في توضيحه وتأكيده للوحدانية في ذات الجوهر بين يسوع المسيح والله الآب. وقد اهتممنا بتوضيح حقيقة إنجيلية هامة، ألا وهي أن ما هو الله في يسوع المسيحفي كل إعلانه وعمله الخلاصي نحونا هو نفس ما هو الله في جوهره الذاتي. ولكن يوجد جانب آخر لهذه الحقيقة وهي أن مفهوم هوموأووسيوس أي الوحدانية في ذات الجوهر، ينطبق ليس فقط على العلاقة بين الابن الأزلي والآب، بل أيضًا كما أشرنا على العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والآب، ولذا كان علينا أن نبحث فيما يعنيه هذا من جهة بشرية المسيح.
وقد طُرح هذا السؤال في الكنيسة فورًا عقب مجمع نيقية كما نرى من رسالة القديس أثناسيوس إلى إبكتيتُس: وماذا عن بشرية الرب يسوع، إذا كان علينا أن نعطي مفهوم هوموأووسيوس هذه المكانة الرئيسية في إيماننا وفكرنا؟ وبلا شك كما ذكرنا فإننا نقول، إن يسوع المسيح وهو في كمال وتمام طبيعته البشرية له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وبكونه هو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، فلابد أن يكون إنسانًا كاملاً من إنسان، كما أنه في نفس الوقت إله من إله.
[1]كان لاهوتيو نيقية يقتبسون هذه الآية يو 17:5 بصورة متكررة، كما نرى في:
Athanasius, In ill. om., 1; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.21f, 29, etc.
93 Athanasius, De decr., 7, & 1Cor. 8.6-see further De decr., 19ff; Con. Ar., 1.19; 2.31; 3.4, 39; De syn., 35, etc.
98 Athanasius, De decr., 1, 25; Con. Ar., 2.6, 9f, 45, 51f, 75f; Ad Ant., 7.
[8]يقول القديس أثناسيوس: هي نفس النعمة الواحدة، من الآب في الابن، كما أن النور الذي للشمس وللشعاع هو واحد، وكما أن إضاءة الشمس تتحقق من خلال الشعاع.
Athanasius, Con. Ar., 3.11; cf. also 3.13
*إن نعمة ربنا يسوع المسيح هي كل ما عمله في جسد بشريته لأجلنا، ولا يمكن فصل ما عمله المسيح نعمة المسيح عن المسيح نفسه. وبما أن هناك وحدانية في العمل بين المسيح الابن المتجسد والله الآب وذلك بسبب الوحدانية في ذات الجوهر بينهما فإن النعمة العطية التي لنا في المسيح ومُعطي النعمة الله الآب هما واحد تمامًا. المترجم
#انظر شرح المفهوم الأرثوذكسي لمصطلح ’التأله‘ في كتاب طبيعة وأقنوم للقمص تادرس يعقوب ملطي، مراجعة نيافة الأنبا بيشوي كنيسة مارجرجس سبورتنج طبعة سبتمبر 1987 صفحة 26. المترجم
[10] رغم أن مصطلح التأله θέωσις لم يرد حرفيًّا في كتابات القديس أثناسيوس، إلاّ أنه بالتأكيد كان متضمَّنًا في استخدامه للفعل يؤله θεοποιε: لقد صار إنساناً، لكي ما يؤلهنا نحن
ατός γάρ νηνθρώπησεν να μες θεοποιηθμεν. De inc., 54.
*إن مفهوم ’تأليه الإنسان‘ عند الآباء لا يعني أبدًا أن الإنسان سيصبح غير محدود وعالم بكل شيء، ولا يلغي طبيعة الإنسان المخلوقة أو يغير جوهره، لأن هذا معناه انتهاء الشركة نفسها التي بين الإنسان والله. ولكنه يعني تحقيق غاية خلقة الإنسان بالشركة مع الله والاتحاد به ونوال نعمة الحياة الأبدية.
ولكن الله سيظل على الدوام ’آخر‘ بالنسبة للإنسان، وسيظل الإنسان المخلوق متلقيًا من الله الخالق. وفي هذا يقول القديس اثناسيوس: ورغم أننا بشر من الأرض، ومع ذلك نصير آلهة، ليس مثل الإله الحقيقي أو كلمته، بل كما قد سُر الله الذي وهبنا هذه النعمة ضد الأريوسيين 3: 19. المترجم
#كان القديس أثناسيوس قد فسَّر ’كلمة الله‘ في هذه الآية على أنها تشير إلى اللوغوس الذي حل بيننا متجسدًا. ضد الأريوسيين 39:1. المترجم
[11]يو 35:10 – انظر القديس أثناسيوس Con. Ar., 1.39; Ad Afr., 7
وكان مفهوم ’التأليه‘ θεοποίησις هذا، يُدعِّم بمفهوم ’الاستنارة‘ φωτισμός، لأنه حيث إن المسيح هو إله من إله ونور من نور، وليس مجرد أنه يشهد للنور بل هو النور الحقيقي، فإن إنارته لنا تكون بالحقيقة فعلاً إلهيًّا ومؤلِّهًا. انظر:
Athanasius, De decr., 23f; Con. Ar., 1.43; 2.41; 3.3ff, 125; 4.18; Ad Ser., 1.19f, 30, etc.
103Athanasius, Con. Ar., 1.9, 16, 37-43, 46-50; 2.47, 53, 59, 63-70, 74, 76-78; 3.17, 19-25, 34, 39-40, 53; 4.33-36. See also De decr., 14; De syn., 51; Ad Adel., 4; Ad Ser., 1.24.
[13]وفي تعليقه على فيلبي 9:2-10 كتب القديس أثناسيوس: لأنه كما مات المسيح ثم مُجِّد كانسان، فبالمثل قيل عنه أنه أخذ كانسان ما كان له دائماً كإله، وذلك لكي يمكن للنعمة المعطاه أن تصل إلينا. لأن الكلمة لم يُنتقص منه شيئاً بأخذه جسداً حتى يسعى للحصول على النعمة، لكن بالأحرى هو قد ألّه θεοποίησεν ما قد أخذه جسده الخاص، بل والأكثر من هذا أنه أنعم χαρίσατο بهذه العطية التأليه على الجنس البشري.
Con. Ar., 1.42. Cf. 2.69; 3.39-40
105 Athanasius, Con. Ar., 3.12.
*وحيث إن نعمة ربنا يسوع المسيح لا يمكن فصلها عن المسيح، فإن نوال هذه النعمة تعني الاشتراك في المسيح ذاته لأنها ليست أمرًا بعيدًا عنه، وهذا يتم من الآب في الروح القدس. وحيث إن المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، فبالتالي يصبح نوال نعمة ربنا يسوع المسيح هو هو شركة الثالوث الأقدس. المترجم
[15]كثيراً ما يُستخدممع الأسفهذا المعنى الضعيف للنعمة لتفسير مفهوم ’التأله أوالتأليه‘
θέωσις, θεοποίησιςوذلك في الإشارة إلى الآية شركاء الطبيعة الإلهية 2بط 4:1 –وهذا الأمر هو ما رفضه القديس أثناسيوس بشدة وبوضوح. Con. Ar., 2.17ff, 24f
انظر استخدام القديس أثناسيوس للآية 2بط 4:1 في Ad Adel., 4 مع الإشارة إلى حقيقة أن ابن الله بكونه صار إنسانًا، فإنه قد نقل ’نسلنا المخطىء‘ πλανηθεσαν γέννησιν إلى نفسه، حتى ما يمكن أن نكون ’جنسًا مقدسًا‘.
111Athanasius, Con. Ar., 1.41ff, 59ff; 2.7ff, 68ff, 75f; 3.31ff, 56f; 4.6f; and see especially the Athanasian Con. Apol., I & II.
112Gregory Naz., Or., 45.28f; cf. also ibid., 22.
113Athanasius, Con. Gent., 47; De inc., 20f, 56; In ill. om., 2; Con. Ar., 1.59f; 2.14, 31, 69, 76; 4.6f; Con. Apol., I.II; cf. De inc. et con. Ar., 22; and Serm. maj. de fid., 26.
114See Athanasius, Con. Ar., 1.42f.
115Gregory Nyss, Con. Eun., 1.15; cf. 2.12.
116See especially Athanasius, Con. Ar., 1.46; 2.69-76; 3.1-6, 30-35; 4.1ff. 33-36; Ad Epict., 5-9.