قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios
قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios
أعلن الدكتور Moody Smith في رئاسته لجمعية الأدب الكتابي في سنة 2000، معلقًا على الفترة التاريخية بين وجود كتابات العهد الجديد ودمجها في قانونية العهد الجديد.¹ وقد أدرك مودي المبدأ الرئيسي الرابع للدراسات الكنسية الحديثة، ألا وهو أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون وعي بسلطتهم الخاصة ودون نية أن تكون كتبهم مقدسة.² ويقال إن كتاباتهم كُتبت لتكون حلًا ومعالجة لمشاكل الكنيسة الفورية.
وإنه لم تكتسب هذه الكتابات مكانة موثوقة إلا عندما بدأت الكنيسة اللاحقة تُظهر تقديرًا لهذه الكتابات.³ ويؤكد Mark Allan Powell في كتابه هذا الرأي بشكل واضح فيقول: “لم يكن مؤلفو العهد الجديد لديهم علم أنهم يكتبون وحيًا”.⁴ ويتخذ Schneemelcher نفس المنهج فيقول: “لم تُكتب الأناجيل ككتب قانونية بمعنى أن كُتّابها لم يكونوا يكتبون كتابًا مقدسًا له سلطة الوحي”.⁵
وبالطبع، لا بد أن نعترف أن هذا الفهم ممكن أن يكون صحيحًا في عدد من النقاط المهمة.
أنْ لا أحد من كُتّاب العهد الجديد كان لديه معرفة بالمستقبل بأنهم سوف يكتبون وحيًا، فهذا ليس شيئًا يمكن توقعه.⁶ ومن الصحيح أنهم تناولوا مشاكل عرضية في الكنيسة في القرن الأول.⁷
ومع ذلك، هل يعني هذا أن كُتّاب العهد الجديد لم يكن لديهم إدراك أنهم يكتبون بوحي؟ وكتبوا بدون قصد كتاباتهم لتُسيِّر حياة الكنيسة؟
على الرغم من أن هذه الادعاءات حول كُتّاب العهد الجديد قد تكون واسعة الانتشار ومتكررة، إلا أن بعض العلماء بدأوا يرفضونها. ولم يقتصر الأمر على سميث،⁸ بل قام جون بارتون،⁹ و إن. تي. رايت.¹⁰
فلهذا، كَتبتُ هذا الفصل لتحدي فكرة أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون إدراك أنهم يكتبون وحيًا. فطرحُنا البسيط سيُظهر أن كُتّاب العهد الجديد أدركوا أن كتاباتهم ستنقل تقليدًا رسوليًا أصيلًا ذا سلطة. وبالتالي، كانوا يؤمنون أن لهذه الكتابات سلطة عليا داخل حياة الكنيسة.¹¹ كما قال إن. تي. رايت: “كانوا الكُتّاب مدركين أنهم يكتبون رسالة فريدة عن يسوع بقيادة الروح القدس، وستُشكّل الكنيسة فيما بعد، بناءً على كرازتهم، فهناك جيل سيتلقى من الجيل الأول”.¹²
فاستخدام مصطلح “Scripture” لوصف كيفية فهم كُتّاب العهد الجديد سيثير جدلًا واختلافًا – وهذا المصطلح مقبول لدى البعض، والبعض الآخر لا يرتاح كثيرًا له. فعلى سبيل المثال، لا يقر Robert Spivey و Smith بأن بولس كان يكتب كتابًا مقدسًا، ولكنه كان يكتب بوعي سلطته الرسولية.¹³ لكنهم لم يفسروا الاختلاف الجوهري بين السلطة الرسولية والوحي. فالسلطة الرسولية يمكن أن تُقاد بإلهام من الروح القدس بكتابة أو تكلم بكلمات الله ذاتها، فما هو الاختلاف إذًا؟
إذًا، هل كتابتهم تختلف عن الكتب المقدسة؟ يجيب Barton ويقول إن المرحلة الأولى لم تتسم بأنهم يكتبون كتابًا مقدسًا بالقدر الذي قد نتوقعه، ولا يرجع هذا إلى افتقارهم إلى الوحي، بل يرجع إلى أنهم في وقتهم كانوا ينظرون إلى الكتب المقدسة على أنها شيء قديم وأصيل، وكانت هذه الكتابات جديدة.
ولا يبدو أن هناك أهمية في إطلاق اسم “كتاب مقدس” عليها أم لا، فكانت هذه الكتب لها مكانتها كأحد أهم الكتب في العالم، ومكانتها مضمونة. فكانت كتبهم بمثابة كتب مقدسة، ولها سلطة ومكانة الكتب المقدسة عند اليهود لدى المسيحيين.
القضية الرئيسية هنا ليست إطلاق كُتّاب العهد الجديد على كتبهم أنها “كتاب مقدس”، مثلما ورد في كتاباتهم في بطرس الثانية 3: 16 وتيموثاوس الأولى 5: 18، لكن هل كتب هؤلاء الكُتّاب بوعيٍ كتبًا فهموا أنها تحتوي على وحي رسولي جديد عن يسوع المسيح، وبالتالي ستكون لها سلطة الوحي العليا في الكنيسة؟¹⁶
سننتقل إلى تحليل لنصوص كتابية من أجزاء متفرقة في العهد الجديد، بما في ذلك رسائل بولس والأناجيل وبعض كتابات العهد الجديد الأخرى. فلا يوجد مجال لنأخذ كل ما ورد في العهد الجديد (27 سفرًا)، ولكن نأخذ عينات فقط من النصوص التي تكون كافية لإثبات النقطة المطلوبة.
أولًا: رسائل بولس الرسول
رسالة غلاطية
بما أن معظم العهد الجديد هو رسائل بولس، فالأفضل أن نبدأ نقاشنا هذا بكتاباته.
توجد تصريحات لبولس عن رسوليته، ولكن لا يوجد أوضح من نص رسالة غلاطية عن سلطانه الرسولي. وقد لاحظ F. F. Bruce أن بولس يتكلم هنا ويؤكد أن مصدر رسالته مصدر إلهي لرسالة رسولية.¹⁷ لا شك أن قول بولس هذه الصيغة التي في الآية هو رد على بعض من شككوا في سلطانه الرسولي في غلاطية.¹⁸ وكان بولس يرغب في تصحيح فهمهم في بداية رسالته.
لذلك، في غلاطية 1: 1، يبذل بولس قصارى جهده ليؤكد أن رسالته رسولية ليس فيها نوع من البشرية؛ لأنها لم تأتِ من الناس ولا بواسطة إنسان: οὐκ ἀπ᾽ ἀνθρώπων οὐδὲ δι᾽ ἀνθρώπου. وقوله هذا يشير إلى أن من دعا بولس ليسوا الرسل الآخرين، فلم تأتِ هذه الدعوة من خلال وسيط بشري (قارن ما قاله في غلاطية 1: 17–20):
بل على العكس، أتت من خلال يسوع المسيح والله الآب، وفي إشارة إلى ما حدث مع بولس في طريقه إلى دمشق، حسب أيضًا نص أعمال الرسل 9: 1–9. فبولس يؤكد على سلطته الفريدة، ويتحدث دائمًا أنه رسول ليسوع المسيح، وسنتناول المواقف التي تُعرض أمامه من خلال هذا السلطان. وفي غلاطية 6: 1 يقول: «إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ».
فيشير بولس أن بعض الغلاطيين قد بدأوا يهجرون إنجيل النعمة ويتجهون نحو إنجيل آخر. ويطمئنهم بولس أن الإنجيل الذي بشّر به ليس إنجيل إنسان، بل كتبه بوحي من خلال يسوع المسيح. نجد هذا في غلاطية 1: 11: «فَأُعْلِمُكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَّ الْبِشَارَةَ الَّتِي بَشَّرْتُكُمْ بِهَا لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنِ الْبَشَرِ. 12 فَأَنَا مَا تَلَقَّيْتُهَا وَلاَ أَخَذْتُهَا عَنْ إِنْسَانٍ، بَلْ عَنْ وَحْيٍ مِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ».
يؤكد بولس هنا أنه تلقى وحيًا من يسوع المسيح، ولذلك لا ينبغي عليكم يا أهل غلاطية التخلي عنه. وبولس في غلاطية 1: 8: «فَلَوْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ بَشَّرَكُمْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِبِشَارَةٍ غَيْرِ الَّتِي بَشَّرْنَاكُمْ بِهَا، فَلْيَكُنْ مَلْعُونًا!»، يُنذرهم أن هناك دينونة لكل من ينكر البشارة أو الإنجيل الذي يُبشَّر به أنه إنجيل فيه حق.
كل هذا يعطينا انطباعًا أن بولس كان يرى أن رسالة غلاطية كتبها بسلطان المسيح نفسه، وأنها كُتبت لتصحيح أفكار خاطئة عن رسالة الإنجيل. كما لاحظ أيضًا Ronald Fung أن بولس كان يرغب أن يقول لهم إن رسالة الإنجيل وصلت إليهم من خلاله نتيجة كشف الله له عن المسيح، وكان الإنجيل ما زال يُبشَّر به في وقت كتابته الرسالة. فلذلك، كان بولس يدعو إلى العودة إليه.²¹
أما مسألة إطلاق اسم على كتابات بولس أنها “كتاب مقدس” فهي فكرة ثانوية؛ لأنها من الأساس هذه الرسائل تحمل سلطة عليا، وأعلى سلطة يمكن أن تكون على نص مكتوب من جهة وحيها.
رسالة تسالونيكي الأولى
في تسالونيكي الأولى 2: 13: «وَنَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّهُ لَمَّا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ اللهِ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ حَقًّا كَكَلِمَةِ اللهِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ». يصرح بولس مرة أخرى بسلطانه الرسولي أنه رسول يسوع المسيح، ويستخدم تعبير “كلمة الله”.
ولا شك أن بولس أيضًا أشار إلى تقليد رسولي تلقاه أهل تسالونيكي من خلال تبشيرهم الشفهي، من خلال التعليم والوعظ.²⁴ واستخدم بولس مصطلح “تسلمتم” إشارة إلى قبول تقليد رسولي، وهذا مستخدم كثيرًا في كورنثوس الأولى 11: 23 و15: 1–3، وغلاطية 1: 9، وكولوسي 2: 6–8، وكورنثوس الثانية 3: 6. واستخدم بولس تعبير “كلمة الله” في مواضع متعددة إشارة إلى تعليم إلهي موحى به، على سبيل المثال: كورنثوس الأولى 14: 36، وكولوسي 1: 25، وتيموثاوس الثانية 2: 9. وهكذا في نص تسالونيكي الأولى 2: 13.
يقول Ernest Best إن بولس يقدم ادعاءً جريئًا أن كلماته هي كلمات الله.²⁶ كانت كلمات بولس الرسولية تشمل وحيًا وسلطة إلهية، وهي متكررة في تسالونيكي الأولى، ليس في هذا النص فقط، بل شملت نصوصًا أخرى تؤكد سلطة الرسالة ووحيها. في تسالونيكي الأولى 4: 2–8، يُصرح بولس صراحة أنه يكرر تعليمًا رسوليًا عن القداسة سبق أن سُلِّم إليه، وتعليم رجاء بواسطة يسوع المسيح، وبإرادة الله. وهكذا، تقدم رسالة تسالونيكي الأولى لكل إنسان أنها رسالة تحتوي على تعليم الله، لدرجة أنه بعدما أنهى بولس إرشاده عن القداسة، حذر أهل تسالونيكي من أن يتجاهلوا هذه التعليمات.
وفي نص تسالونيكي الأولى 4: 8: «إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ». يقول Gordon Fee إن رفض تعليم بولس هو بمثابة رفض الله نفسه.²⁹ يقر بولس في موضع آخر بأسلوبه الرسولي في التعليم، ويقول في تسالونيكي الثانية 2: 15: «فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا».
وفي الواقع، يشير بولس في آيات أخرى إلى أن جسده ضعيف وأن الرسائل أقوى من هذا الجسد، في كورنثوس الثانية 10: 10: «لأَنَّهُ يَقُولُ: الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ». ويختتم بولس رسالته إلى أهل تسالونيكي بطلب قراءة هذه الرسائل علنًا في الكنيسة، في تسالونيكي الأولى 5: 27 (قارن هذا الأسلوب بكورنثوس الثانية 10: 9، وكولوسي 4: 16، ورؤيا 1: 3).
وقد أدرك العلماء أن هذه الممارسات هي بالتوازي مع الممارسات اليهودية في قراءة أجزاء من العهد القديم بصوت عالٍ في العبادات العامة في المجمع (راجع لوقا 4: 17–20، وأعمال الرسل 13: 15 و15: 21).³² ومع ذلك، إصرار بولس على قراءة رسالة تسالونيكي الأولى علنًا يقترن بادعائه السلطة الرسولية والوحي في الرسالة نفسها، وهذا يوفر سببًا وجيهًا بأن الشعب ينظرون إلى هذه الرسالة أنها تحمل سلطان الله أو وحيه.³⁴
يصرح بولس هنا بسلطانه الرسولي أنه يكتب وصايا الرب نفسه، ويختم قوله بمعنى: من عرف أنني أكتب أو لم يعرف. فبولس يعلن بدقة وبوضوح أنه يكتب أمر الله، فهذه العبارة في اليونانية تشير إلى أنه يكتب أمرًا صادرًا عن الله نفسه، كما أعطى الله أمره لموسى.³⁵ واستخدم بولس نفس الأسلوب في كورنثوس الأولى 7: 19.³⁶ إنه يكتب وصايا الله، أي أنه يكتب وصايا ذات سلطة صادرة عن الله نفسه.
وهناك تنوع بين تركيبات بولس اللغوية، مثل رسالة تيطس 1: 14: «لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ». هنا يفرق بولس بين وصايا الناس وبين وصايا الله، وفي رسالة كورنثوس الأولى 14: 37–38، يساوي بولس بين ما يكتبه وبين كلام الله نفسه.³⁷ ومما يؤدي إلى وثوق بولس بسلطته على التكلم باسم الرب لدرجة أنه يُعلن أن كل من لا يقر بسلطان كتاباته يصفهم بأنهم سيكون عليهم دينونة.³⁹
يجادل Raymond Collins بأن بولس يحذر من مصيبة أخروية لكل من يرفض رسالته.⁴⁰ وهذه الصيغة تعكس دور بولس كرسول للعهد الجديد في كورنثوس الثانية 3: 6: «لَقَدْ جَعَلَنَا خُدَّامًا لِعَهْدِهِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ عَهْدٌ لاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الشَّرَائِعِ الْمَكْتُوبَةِ، بَلْ عَلَى الرُّوحِ». وينذر بولس من يرفض الخضوع لسلطته الرسولية الممنوحة من الله.⁴¹
ويلخص Archibald Robertson و Alfred Plummer أن بولس من هذه الآيات مدرك أنه لا يتكلم من نفسه، ولكن يتكلم بلسان المسيح.⁴²
في تسالونيكي الثانية 3: 6: «ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا». و14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ». كما قلنا عن نص كورنثوس الأولى 14: 37–38، فإن بولس يقول إنه ينبغي طاعة تعاليمه، وأن هناك دينونة على من سيرفضونها. فيقول بولس أن يتم تجنب كل أخ يسلك بلا ترتيب خلافًا للتقليد الذي تسلموه منا، فإن التقليد الذي يشير إليه بولس هنا بلا شك تعليم رسولي موثوق تم إعطاؤه إلى أهل تسالونيكي، وهو أمر يؤكد استخدام مصطلحات أساسية.
ولهذا السبب، يعلن بولس حكمًا نبويًا عن الذين يرفضون تعليمه الرسولي.⁴⁵ ويقول لأهل تسالونيكي أن يبتعدوا عن الأخ الذي يسلك بلا ترتيب، وهذا إشارة إلى نوع من التأديب الكنسي، وربما الحرمان الكنسي. وكما وضحنا أنه في تسالونيكي الثانية 3: 6 يقول إن ما يقوله بولس هو وصايا المسيح نفسه. يلاحظ هنا Leon Morris أن ما يقوله بولس يجعل الأمر أكثر إلهامًا وسلطانًا إلهيًا. وفي تسالونيكي الثانية 3: 14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ»، يقدم تحذيرًا ألا يتم التعامل مع من لا يطيع الرسالة، بل أيضًا يُصدر عقابًا كنسيًا لمن يعصي، ويقول إنه لا ينبغي التعامل معه.⁴⁸
يقول Charles Wanamaker بقول صريح إن بولس يدعو إلى حرمانهم الكنسي.⁴⁹
تستطيع الآن أن ترى اتجاهًا سائدًا في العديد من مقاطع بولس بشكل منتظم، تأكيدًا على سلطته الرسولية على التحدث باسم المسيح، وتوضيح أن السلطة الرسولية ليست في كلامه الشفهي بل في رسائله المكتوبة، وأن كل من يرفض تعليمه الشفهي والمكتوب يرفض وصايا المسيح ويكون له دينونة وحرمان كنسي. فلذلك، من الصعب قبول فكرة أن بولس لم يكن على دراية بما يكتب بأنه يكتب وحيًا إلهيًا.
قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios
كتاب الأناجيل
الأناجيل تختلف عن أدب الرسائل، فلا نتوقع أنهم سيقدمون أنفسهم بتصريحات مباشرة وصريحة حول سلطتهم الرسولية كما فعل بولس في الرسائل،⁵¹ فهم يعملون خلف الكواليس ولا يظهرون أنفسهم إلا نادرًا في سياق القصة.⁵² ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار عدم الكشف الرسمي عن هوية الأناجيل دليلًا على أن مؤلفيها لم يروا أن ما يكتبونه هو وحي يحمل سلطان الله. جادل Armin Baum بأن الكتب التاريخية في العهد الجديد – ويقصد بها الأناجيل وسفر الأعمال – كُتبت عمدًا بدون ذكر للأسماء لتكون مثلها مثل العهد القديم، والتي لم تتضمن هوية الكاتب في داخلها.⁵³
وهذا ما يجعل الأناجيل وأعمال الرسل مميزة عن معظم السير الذاتية اليونانية-الرومانية التي عادةً تتضمن اسم الكاتب، وإن لم يكن دائمًا.⁵⁴ وقد أعطى هذا الأسلوب لكُتّاب الإنجيل إعطاء الأولوية لموضوع الأناجيل.⁵⁵ وهكذا، فإن إخفاء الهوية لم يقلل من سلطان ووحي الأناجيل، بل ساهم في الواقع في زيادة الوحي عمدًا، أنها كُتبت مثل تقليد العهد القديم.⁵⁶
بالإضافة إلى حجة باوم، هناك طرق أخرى يمكن من خلالها تقييم وعي مؤلفي الأناجيل بسلطانهم بالإلهام.
وعلى الرغم من عدم ذكر أسماء الأناجيل رسميًا، ولكن هناك أدلة أكثر دقة تقدم دلائل حول هوية الكُتّاب، والأهم من ذلك، حول نيتهم في نقل تقليد رسولي موثوق به حول شخصية يسوع الناصري.
في مرقس 1: 1، لاحظ Robert Guelich أن افتتاحية مرقس تثير الجدل حول معاني كل كلمة فيها، فيقول: “بداية إنجيل يسوع المسيح!”. هذا عنوان الكتاب، ومرتبط بما سيأتي فيما بعد من كتابة مرقس.
ويلاحظ Robert Stein تذكيرًا بأن العمل بأكمله يؤكد مرقس أنه البشارة عن يسوع المسيح.⁶¹ إن استخدام مرقس للكلمة اليونانية εὐαγγελίον (الإنجيل)،⁶² لم يكن قد استُخدم من خلال مرقس للإشارة إلى النصوص المكتوبة، بل إلى إشارة إلى موثوقية الكلام الرسولي الذي سيقدمه.⁶³ وهكذا، فمنذ البداية يوضح مرقس أنه ينبغي أن نفهم أن الرسالة رسولية، والمصطلح نفسه يستخدمه في مرقس 14: 9: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا»، مما يخلص تضمينًا أدبيًا واضحًا يعزز فكرة أن العمل بأكمله يجب تفسيره أنه الهدف من ملخص كتابته للإنجيل.⁶⁴
وقد دفع هذا اثنين من الباحثين، John Roberts و Andreas du Toit، إلى أن مرقس ادعاء عظيم حول الوحي والسلطان. وبالمثل، يجادل مارتن هينجل بأن مرقس يقدم إنجيله أنه رسالة خلاصية ليسوع المسيح، وبالتالي هو يلبي متطلبات أن هذه كتابات مقدسة.
ولكن هناك أدلة أخرى تدعم هذا الفهم.
تتطابق الافتتاحية في مرقس مع نفس افتتاحيات بعض كتب العهد القديم النبوية، على سبيل المثال: هوشع 1: 2: «أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ». نجد صيغة مشابهة لاستخدام مرقس لكلمة “بداية إنجيل”، وهنا في هوشع “أول ما كلم”.⁶⁷ ويعلق Gerd Theissen على استخدام مرقس لهذه الصيغة قائلًا: “كان قراء وسامعو إنجيل مرقس على دراية بكتب الأنبياء، والتي بدأت بكلمة الله التي وصلت للإنسان”.⁶⁸ فيشير إنجيل مرقس إلى أنه يقدم الإنجيل كرسالة من الله مثل العهد القديم.
مرقس يقدم إنجيله لتجسيد التقاليد الرسولية، فهو يتبع ما جاء في عظة بطرس في أعمال الرسل 10: 34–43.⁶⁹ فعظة بطرس يعتقد العديد من العلماء أنها تقليد سابق للوقا، وبالتالي من المرجح أن تكون واحدة من أقدم التعبيرات عن رسالة الإنجيل.⁷⁰ فيبدأ إنجيل مرقس وسفر أعمال الرسل 10: 34–43 بمصطلحات إنجيلية،⁷¹ ويتحدثان عن يسوع باعتباره المسيا،⁷² ويربطان المسيح بسياق إشعياء في العهد القديم،⁷³ ويضعان بداية الخدمة من الجليل،⁷⁴ ويناقشان دور يوحنا المعمدان،⁷⁵ وبالطبع يسلطان الضوء على خدمة المسيح من الفداء والموت والقيامة.⁷⁶ وتشير هذه المقارنات إلى أن إنجيل مرقس هو تجسيد لمواد سابقة رسولية تقليدية، وخاصة تقاليد من القديس بطرس.⁷⁷
يعلق Guelich: “إذا كان الإطار الأساسي والسياقي هو إنجيل يسوع المسيح، ويتوافق هذا السياق مع تقليد كامل وراء أعمال الرسل 10: 34–43، فإن الطابع التقليدي لمرقس هو المواد السابقة له في كتابته للإنجيل”.⁷⁸
إن حقيقة أن مرقس يقدم إنجيله كمحتوى رسالة رسولية ويؤكد رسوليتها من ناحية الأدلة الداخلية، أن مصادره هي شهادة الرسول بطرس نفسه. فإلى جانب حقيقة أن هناك صلة بين مرقس وبطرس، وهذه الصلة مذكورة ومعروفة في كتابات آباء الكنيسة الأوائل،⁷⁹ ونجد العلاقة بين مرقس وبطرس مشهودة في آيات العهد الجديد مثل بطرس الأولى 5: 13 وأعمال الرسل 12: 12–17.⁸⁰ فإن إنجيل مرقس يذكر ارتباط مرقس ببطرس من خلال تشكيل ضمني لما يقوله بطرس نفسه.
أول تلميذ مذكور في مرقس هو بطرس في مرقس 1: 16، وآخر تلميذ مذكور هو بطرس في 16: 7.⁸¹ علاوة على هذا، فإن ذكر بطرس كان واضحًا في إنجيل مرقس، مما يُظهر مرقس أنه يبذل قصارى جهده لتبيان وإبراز شخصية بطرس في مقدمة كلامه.⁸² هذا الذكر لبطرس، والطريقة التي يتمركز فيها بطرس في إنجيل مرقس وروايات التلاميذ،⁸⁴ يتضح أن بطرس هو المصدر الرئيسي لشهادة شهود العيان الذي يقف خلف إنجيل مرقس.⁸⁵ يلاحظ هينجل أن ذكر اسم سمعان بطرس كتلميذ هو أولًا وأخيرًا، ذكر أن كلام مرقس مبني على تقليد، وبالتالي سلطته.⁸⁶
ومن العوامل الجديرة بالملاحظة طريقة ربط مرقس قصة يسوع المسيح وقصة النبوات اليهودية، وهذا ما تفعله جميع الأناجيل الإزائية بدرجة أو بأخرى.⁸⁷ وبالنسبة لمرقس، فإن بداية الإنجيل ليست ميلاد يسوع أو حتى خدمته العلنية، بل يذكر فيها التوقعات والتطلعات المسيانية لليهود كما تتجلى في مقاطع مختلفة في العهد القديم.⁸⁸ على وجه الخصوص، يصور مرقس 1: 2 المسيح أنه محقق وعد أتى في ملاخي 3: 1 (قارن هذا بخروج 23: 20)، وتم تحويل الآية عن يهوه إلى يسوع بذكر “طريق أمامي” إلى لفظ مرقس “أمامك” عن يسوع.
ويستشهد مرقس 1: 3 بإشعياء 40: 3، حيث كان على الشعب أن يُعدّوا طريق الرب – مرة أخرى، إشارة إلى أن يسوع هو تحقيق واضح لمجيء يهوه شخصيًا. ويشير إلى صوت سماوي وإعطاء الروح القدس في مرقس 1: 10–11، وهو أن يسوع هو الخادم المجهز بالروح القدس المذكور في إشعياء 42: 1 (وقارن هذا بإشعياء 52: 7 وإشعياء 61: 1). وبما لا شك أن هذه الروابط التي استخدمها مرقس ليست بالضرورة تؤكد أنه يكتب بوحي إلهي، ولكنها تشكل جهدًا من مرقس لتقديم إنجيله على أنه استمرار للسرد الكتابي،⁹¹ وهذا ما أدركه بلا شك من قرأوه.
وكما لاحظ إن. تي. رايت بقوله: “لم يفكر اليهود تلك الفترة في التقاليد الكتابية أنها مجرد سرد فقط، بل كانوا قادرين على تصور القصة بالكامل والبحث بانتظام عن ختام هذه القصة المناسب”.⁹²
وعي إنجيل يوحنا
يوحنا 21: 24: على عكس الأناجيل الإزائية، فإن إنجيل يوحنا كان أكثر وضوحًا بشأن هوية مؤلفيه، في قول يوحنا: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا».⁹³ فهو يؤكد هوية هذا التلميذ الغامض.
فأثارت عبارة “التلميذ الحبيب” جدلًا أكاديميًا واسعًا، وثم اقتراحات مختلفة حول الهوية.⁹⁴ ومع ذلك، بغض النظر عن الاقتراحات، فمن الواضح أن هذا الشخص داخل الدائرة الرسولية الداخلية، وكان من أوائل التلاميذ الذين تم دعوتهم في يوحنا 1: 35–40، وحضر العشاء الأخير في يوحنا 13: 23، وحضر الصليب في يوحنا 19: 26–35، وكان مع بطرس ويسوع في يوحنا 21: 20.
في الواقع، إن التلميذ الحبيب هو من شهود العيان الذين لديهم شمول في شهادتهم، وبظهوره في بداية إنجيل يوحنا 1: 35–40 ونهايته يوحنا 21: 20، تمامًا كما ذكرنا أسلوب ذكر مرقس لبطرس كشخصية محورية.⁹⁶ ويلخص Bauckham إلى أن إنجيل يوحنا يقدم التلميذ الحبيب على أنه التلميذ الذي يعبر عن شهود العيان كأهم مصدر صلب تاريخي للإنجيل.⁹⁷ وهكذا، على أقل تقدير، يوضح يوحنا 21: 24 أن إنجيل يوحنا لديه شهادة شهود عيان من الرسل، أي من شخص مرتبط مباشرة بالدائرة المقربة من يسوع.⁹⁸ وهناك المزيد من هذا، فمكانة هذا التلميذ الحبيب.
إن يوحنا هو الشاهد الموثوق به (μαρτυρῶν)، وكان موجودًا من البداية. ونجد أن هذه الفكرة فيها تشابه كبير بين ما أعلنه يوحنا عن نفسه في يوحنا 15: 27: «وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ»، بمعنى: ستشهدون أنتم لأنكم كنتم معي منذ البداية.⁹⁹ وتأتي قوة الشهادة هنا من الروح القدس الذي وعد يسوع أن يكون فيهم في يوحنا 15: 26.¹⁰⁰ ومن المفيد أن نرى الآيتين جنبًا إلى جنب: «سَتَشْهَدُونَ (μαρτυρεῖτε) لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبَدْءِ» (يوحنا 15: 27)،
مع الآية التي تقول: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ (μαρτυρῶν) بِهذِهِ الأُمُورِ وَكَتَبَ هذِهِ الأُمُورَ» (يوحنا 21: 24). وهكذا، فإن يوحنا 21: 24 هو إعلان قوي على أن وعد يسوع في يوحنا 15: 26 و27 بإرسال شهود ذوي سلطة وإلهام من الروح القدس قد تحقق. فما سيكتبونه هو شهادة موثوقة لتلاميذ مملوءين بالروح القدس.¹⁰¹
وبناءً على كل هذا، تمكن Jean Zumstein من التصريح بأن إنجيل يوحنا يتمتع بمكانة مماثلة مثل العهد القديم.¹⁰² ويرى Ridderbos أن يوحنا 21: 24 دليل أن التلميذ الحبيب دوّن شهادته وجعلها في الكتاب المقدس.¹⁰³
وفي المقطع الأخير، يقر الكاتب أن ليس كل شيء كُتب في الإنجيل، ولكن ما كُتب هو يكفي لتعرفوا أن لنا حياة باسمه. وهذه العبارة دقيقة: γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ –
من المقاطع الرئيسية في العهد القديم، تشير بوضوح إلى الكتاب المقدس:
Deut 28:58: “careful to do all the words of this law that are written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”
2 Chron 34:21: “do according to all that is written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”
Jer 25:13: “I will bring upon that land . . . everything written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”
وبالإضافة إلى قولهم ما جاء في سفر الرؤيا عن وعي الكاتب أنه يكتب كتابًا مقدسًا، مثلما يكتبون في رؤيا 22: 18: «لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ».¹⁰⁵ وفي الآية 22: 18، يقدم تحذيرًا أنه لا يجوز تغيير نبوة هذا الكتاب، أي المكتوب داخل هذا الكتاب.
وكاتب إنجيل يوحنا رأى يوحنا المعمدان كنبي له دور مثل دور أنبياء العهد القديم، وكان مهتمًا بكتابة الكلمات الخاصة به. وفي إنجيل يوحنا 20: 31 يقول إن من يؤمن به سيكون له حياة باسمه. ويعقل كينر ويقول إن يوحنا 20: 30–31 تشير إلى أن كاتب الإنجيل الرابع يرى أن عمله ينتمي إلى فئة الكتب المقدسة القديمة.
لوقا ووعيه أنه يكتب وحيًا
لوقا 1: 1–4: بطريقة مشابهة لإنجيل يوحنا، مقدمة إنجيل لوقا تخاطب الذين يزعمون أنهم ينقلون تقليدًا رسوليًا.¹⁰⁹
يقول الكاتب إنه تسلّم من أولئك الذين كانوا مُعايِنين كشهود عيان وخُدّامًا للكلمة. فهو يشير أولًا إلى شهود العيان، ثم خُدّام الكلمة، مما يجعل الكاتب لوقا مسيحيًا من الجيل الثالث.
ومع ذلك، فإن الحقيقة أن لوقا استخدم أداة تعريف مفردة، مما يجعل المصطلحين يشيران إلى أن شهود العيان هم أنفسهم المعاينون وخُدّام للكلمة. لذلك، يرى معظم الباحثين أنه يقصد شهود عيان وخُدّامًا للكلمة، وليس مجموعتين.¹¹³ ويدعم هذا الاعتقاد البحثي عند الباحثين وصف خدمة الرسل في آيات أخرى بلغة مشابهة للغاية.
1- على الرغم من أن لوقا استخدم كلمة “شهود العيان” في المقدمة، يقول Joel Green إن كلمات لوقا هي مراعاة للمخاوف التاريخية، فيُقيم شهادته على شهادة العيان. لذلك، لوقا يؤكد أن كلامه مبني على شهادة العيان.¹¹⁴
ويزخر إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل بإشارات كثيرة تشير إلى أن الرسل هم شهود عيان شهدوا أعمال يسوع العظيمة في أعمال الرسل 1: 8، و3: 15، و5: 32، و10: 39–41، و26: 16. والجدير بالذكر أن لوقا 24: 48 يختم الإنجيل ويصف الرسل أنهم شهود (μάρτυρες)، مما يشكل شمولًا أدبيًا رائعًا للإنجيل بأكمله، ويعزز الشمول أن بداية إنجيل لوقا مبنية على أنهم شهود ونهايته. وفي لوقا 1: 1–2، يذكر أن الرسل شهود على ما تحقق في خدمة يسوع.¹¹⁵ وفي لوقا 24: 48، يوحي بهذا الشمول، ولوقا كان يعتبر إنجيله شاهدًا رسوليًا على تحقق أسفار العهد القديم وإكمالها من خلال خدمة يسوع المسيح.
فيمكن اعتبار كتابات لوقا أنها تكملة لسرد تاريخي للعهد القديم.
كما يلاحظ Marshall أن لوقا اعتبر عمله هو استمرار للتصور التاريخي المدون في العهد القديم.¹¹⁶ ويؤكد Craig Evans أن لوقا كان يقصد أن يُقرأ إنجيله بجوار القصص الكتابية، وكان يعتقد أنها أصبحت جزءًا من الكتاب المقدس.¹¹⁷
2- يصف أعمال الرسل 1: 22 السمتين الرئيسيتين للرسل: وجوب أن يكونوا حاضرين منذ البدء، وأن يكونوا شهودًا أساسيين للقيامة. وهذا يشكل تشابهًا لافتًا مع أولئك الذين كانوا شهود عيان منذ البدء في لوقا 1: 2، بالمقارنة مع أعمال الرسل 10: 37. ويظهر هذا المزيج أيضًا في يوحنا 15: 27 عندما يقول يسوع: «أَنْتُمْ شُهُودِي لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ».¹¹⁸
3- لوقا أيضًا يصف تلقي بولس للخدمة في أعمال الرسل 26: 16، فيصف بولس أنه الخادم والشاهد (nasb; ὑπηρέτην καὶ μάρτυρα)، يشبه تمامًا تعبيره في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، · καὶ ὑπηρέται».
4- يشير سفر أعمال الرسل 6: 4 إلى أن الرسل مكرسون لخدمة الرب بقوله (τῇ διακονίᾳ τοῦ λόγου)، وهذه العبارة مشابهة بشكل ملفت لعبارة لوقا في لوقا 1: 2 عندما وصفهم أنهم خُدّام للكلمة (ὑπηρέται τοῦ λόγου). في الواقع، كما ذكرنا في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، تُستخدم كلمة “الكلمة” في جميع أنحاء العهد الجديد إشارة إلى رسالة إلهية موثوقة.¹¹⁹ ويُعلق Fitzmyer على استخدام هذه العبارة في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».
يمكن أن يُفهم أن “الكلمة” هنا مصطلح عام يُقصد به قصة الفكر المسيحي، إلا أن الاستخدام الذي تكتسبه الصيغة في اليونانية (ho logos) تشير في سفر الأعمال إلى كلمة الله في أعمال 8: 4، وأعمال 10: 36، و11: 19، و14: 25. وبالمقارنة بلوقا 8: 12–15، يعطيها دلالة واضحة على كلمة الله. تجدر الإشارة إلى أن أعمال الرسل 1: 1 يقول لوقا ويستعيد صيغته الإنجيلية بمصطلح (τὸν λόγον).
كما لوحظ في مناقشة نص رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، استخدام لغة مثل παρέδοσαν التي تعني “مُسلَّم” في لوقا 1: 2 في آيات متعددة في العهد الجديد عن نقل وتسليم تقليد رسولي.¹²¹
تشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا يقدم إنجيله على أنه تجسيد للكلمة الرسولية ذات الوحي، سُلِّمت إليه وأُوكِلت إليه. وبالطبع، يُقر لوقا بأنه ينشئ روايته الخاصة لهذا التقليد،¹¹² فهو يقدم ترتيبًا منظمًا (καθεξῆς).¹²³ ومع ذلك، لا يكتب لوقا كشخص من جيل ثالث، فلوقا ليس غريبًا، بل يكتب كشخص تلقى مادته مباشرة من الرسل. يشير David Moessner إلى أن كلمة παρηκολουθηκότι لا تُشير إلى أن لوقا بحث في هذه الأمور، بل إلى أنه شخص زُرعت فيه هذه التقاليد وتدرب عليها.¹²⁴
وهكذا، يقدم لوقا نفسه أنه قد تعلم جميع هذه التقاليد لبعض الوقت (ἄνωθεν) من القديس بولس، وربما من آخرين.¹²⁵ وبهذه الطريقة، يُعطي لوقا القارئ شهادة متميزة،¹²⁶ تبرز وجوب الوثوق فيها، فهو يتحدث بصوت رسولي. من المهم جدًا أن يُقدم لوقا هذه الشهادات الرسولية إن أراد تحقيق الغرض الذي يكتب لأجله، ألا وهو أن يكون لدى ثاوفيلس يقين بشأن الأمور المتيقنة عنده. يجادل Bock أن هذه اللغة تشير إلى أن ثاوفيلس مؤمن، أو ربما شخص عرف الرب حديثًا ويحتاج طمأنينة بشأن التعليم الذي تلقاه سابقًا.¹²⁷
يقول Marshall إن ثاوفيلس كان على الأرجح متلقيًا للتعليم المسيحي الرسمي.¹²⁸ إذا كان الأمر كذلك، فإن لوقا لا يكتب ببساطة لإعادة الحقائق التاريخية الخام، بل يكتب بناءً لاهوتيًا.¹²⁹ يقدم لوقا إنجيله أنه مصدر رسولي ليشجع المسيحيين ويطمئنهم بشأن البشارة التي آمنوا بها، أي أنه يكتب كتابًا مكتوبًا للكنيسة. لم يكن الأمر مجرد كتابة تاريخية، بل تاريخ الخلاص.¹³⁰
وكما يذكر Fitzmyer، أن لوقا ليس مؤرخًا هيلينستيًا علمانيًا، بل أقرب في كتابته إلى تاريخ العهد القديم الكتابي.¹³¹ وتشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا قدم إنجيله كوثيقة رسولية تُظهر أن المسيح أكمل العهد القديم، وتعزز الثقة بالحقائق المسيحية الأساسية. ويلخص Evans قائلًا: “لا يرى لوقا نفسه في المقام الأول كاتبًا للسيرة، ولا حتى مؤرخًا، بل إن لوقا يكتب كتابًا مقدسًا، كتابًا يعلن ما فعله الله عندما كان بيننا”.¹³²
إنجيل متى
على عكس الأناجيل الثلاثة، احتوى إنجيل متى على عدد أقل من الأدلة الداخلية التي تشير إلى أنه ينقل تقليدًا رسوليًا. متى 9: 9: «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ». متى 10: 3: «فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ».
ومع ذلك، لا يزال هناك دلائل على أن هذا الإنجيل قد كُتب بقصد إكمال قصة العهد القديم.¹³⁴ ولعل أبرز ما يميزه بهذا الصدد هو الطريقة الفريدة التي يبدأ بها متى إنجيله بعنوان افتتاحي، متى 1: 1: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ». يتبعه سلسلة النسب في متى 1: 2–17.
يشير Davies و Allison إلى أن العبارة الأولى لمتى (Βίβλος γενέσεως) لا تشير إلى بداية سلسلة النسب بقدر ما تشير إلى الكتاب ككل،¹³⁵ وهي الطريقة التي استُخدمت في تكوين 2: 4: «هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ»، وتكوين 5: 1: «هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ». فهو لا يشير إلى النسب في حد ذاته، بل التاريخ الأولي لشعب الله.¹³⁶ بالإضافة إلى ذلك، يجادل ديفيز وأليسون بأن المصطلح (γενέσεως) من شأنه أن يقودنا في التفكير في عنوان سفر التكوين في الترجمة السبعينية، فكان سفر التكوين يُطلق عليه (Γένεσις).
ومن ثم، يدفع المرء أن يتساءل عما إذا كان الاستخدام التمهيدي لكلمة (Βίβλος γενέσεως) يدفع قراء متى إلى التفكير في أول سفر في التوراة، ويتوقع القارئ أن إنجيل متى هو سفر تكوين جديد، سفر خاص بتكوين يسوع المسيح.¹³⁷ وبالتالي، فإن العبارة الافتتاحية لإنجيل متى تُفهم على أفضل وجه على أنها سفر التكوين الجديد الذي كتبه يسوع المسيح.¹³⁸
تشير هذه البداية إلى أن متى يكتب عمدًا بأسلوب كتابي. فقد نظر إلى كتابته وأراد من قرائه أن ينظروا إليه على أنه استمرار لقصة التوراة. وهكذا، استطاع Willi Marxsen أن يعلن: “متى بواسطة هذه العبارة يقدم إنجيل متى على أنه سفر التكوين المقدس، قياسًا للعهد القديم”.¹³⁹
إن الحقيقة أن متى يبدو وكأنه يصوغ إنجيله على غرار كتب العهد القديم تؤكدها حقيقة أنه يتحول فورًا إلى سلسلة الأنساب، واضعًا يسوع من قصة بني إسرائيل، مع التركيز بشكل خاص على داود.¹⁴⁰ وسلسلة النسب. وكان هذا بالطبع نوعًا أدبيًا معروفًا في العهد القديم، ويُستخدم كثيرًا لإظهار الكشف التاريخي لعمل الله لفداء شعبه.¹⁴¹ وفي هذا الصدد، فإن أقرب نظير لإنجيل متى هو سفر أخبار الأيام، الذي يبدأ أيضًا بسلسلة نسب تركز على سلسلة نسب داود.¹⁴²
وكان سفر أخبار الأيام يُعتبر بحلول القرن الأول هو السفر الأخير في الشريعة كما جادل بعض الباحثين.¹⁴³ فإن إنجيل متى سيكون بالتأكيد استكمالًا له. إن وجود شريعة للعهد القديم تنتهي بسفر أخبار الأيام كان الغرض من ذلك تذكير اليهود بأن عودة إسرائيل من السبي المذكور في عزرا ونحميا ليس معناه انتهاء القضية. إنها مجرد عودة جسدية وليست روحية، فكانت قلوب الناس لا تزال تحتاج لتغيير.
وظلت إسرائيل في المنفى الروحي.¹⁴⁴ وكانت إسرائيل تتطلع متى سيأتي المسيح ابن داود إلى أورشليم ويجلب الخلاص الكامل لشعبه.¹⁴⁵
وفي الفصل الافتتاحي من إنجيل متى، سيكون من الواضح أنه ينوي أن ينهي هذه القصة، فيكمل ما انتهى به العهد القديم، مع التركيز على داود وخلاص إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن الأمر العظيم في نهاية إنجيل متى 28: 18: «فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ».
كل هذا صدى لنهاية سفر أخبار الأيام الثاني 36: 23: «هكَذَا قَالَ كُورَشُ مَلِكُ فَارِسَ: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَ السَّمَاءِ قَدْ أَعْطَانِي جَمِيعَ مَمَالِكِ الأَرْضِ، وَهُوَ أَوْصَانِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا فِي أُورُشَلِيمَ الَّتِي فِي يَهُوذَا. مَنْ مِنْكُمْ مِنْ جَمِيعِ شَعْبِهِ، الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ وَلْيَصْعَدْ».
مما دفع Greg Beale إلى القول إن متى بنى إنجيله جزئيًا ليعكس بداية ونهاية سفر أخبار الأيام.¹⁴⁶ وبغض النظر عما إذا كان المرء يقبل أن سفر أخبار الأيام الأول هو السفر الأخير في القانونية العبرانية، فإن الروابط بين إنجيل متى وسفر أخبار الأيام لا تزال قائمة في الواقع. وبناءً على هذا الأساس، يستنتج Davies و Allison أن متى اعتبر إنجيله استمرارًا للتاريخ الكتابي، وربما أيضًا تصور عمله أنه ينتمي إلى نفس الفئة الأدبية التي كُتب بها العهد القديم، والتي تناولت أيضًا شخصياته.¹⁴⁷
فمتى كان يرغب بتسجيل خطة خلاص الله الذي طال انتظار شعبه لها. ثانيًا، إن صح التعبير، فلا عجب إذًا أن يكون متى حريصًا كل الحرص على تصوير يسوع كموسى الثاني.
وهذا النمط من موسى موجود في متى عندما كان يسوع رضيعًا، ومع ذلك يتم نجاته في خروج 2: 1–10 ومتى 2: 1–18. ويكرر يسوع الخروج الأصلي من مصر (هوشع 11: 1 ومتى 2: 15). ويحظى يسوع بفترة للخروج للخدمة العلنية في خروج 3: 1 ومتى 2: 23–3: 13. ويبدأ يسوع خدمته عند نهر الأردن في المعمودية (راجع خروج 14 وقارنها بمتى 3: 13–17، قارن أيضًا كورنثوس الأولى 10: 2).
ويسوع مثل موسى يطعم الناس في البرية (قارن بين خروج 16 وعدد 11 ومتى 14: 13–20).¹⁴⁸
ومن الجدير بالملاحظة أن يسوع صعد إلى الجبل في متى 5: 1، وأن موسى صعد إلى الجبل ليتلقى الشريعة في خروج 19: 3، 12–13، 18، والتثنية 1: 24، 41، 43؛ و5: 5، ويوصف أنه جلس هناك في تثنية 9: 9.¹⁴⁹ فلا شك أن هذه الصورة تُصدِّر يسوع في إنجيل متى أنه المخلص الجديد والنهائي برؤية جديدة ومتقنة.
فكان يكتب شريعة ذات سلطان إلهي. وهذا ما دفع Smith وآخرين إلى إعادة النظر إلى تقسيم إنجيل متى إلى خمسة أجزاء تعليمية، ليوازي أسفار موسى الخمسة، باعتباره مقدمًا إنجيله على أنه الوحي النهائي ليسوع.¹⁵⁰
قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios
كتابات العهد الجديد الأخرى
على الرغم من أننا لا نستطيع تناول جميع الأسفار المتبقية في العهد الجديد، ولكن سنسلط الضوء على بعض المواضيع الأخرى التي فيها إدراك للوحي والسلطة الرسولية للكاتب أثناء كتابته.
في رسالة العبرانيين، نجد أن هوية الكاتب سيطرت على كلامه. فبدلًا من اتباع استنتاج أوريجانوس القائل عن العبرانيين: “الله يعلم من كتب هذه الرسالة”،¹⁵² استمر الباحثون في تقديم دراسات وربطها بأبلوس، وبريسكلا، ولوقا. للأسف، أدى هذا إلى إغفال أمر مهم، أن الكاتب يقدم نفسه أنه يعتمد على تقليد رسولي مباشر.
عندما أشار إلى خلاص عظيم، وأن الغرض من هذه الرسالة استكشاف هذا الخلاص، ويشير الكاتب أن رسالة الخلاص أُعلنت أولًا من قبل الرب، وصارت لنا ثابتة من قبل الذين سمعوا وشهدوا آيات وعجائب ومعجزات متنوعة من الروح القدس. فذِكرُه لعبارة “الذين سمعوا”، أي الرسل الذين سمعوا من يسوع مباشرة، والذين أُيِّدت خدمتهم بآيات وعجائب ومظاهر التقوى.
وبالمقارنة بلوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».¹⁵⁶ إن استخدام كلمة ἐβεβαιώθη اليونانية يسلط الضوء على سلطة الرسل، فهم لم يبلغوا الرسالة فحسب، بل أكدوا وأثبتوا وضمنوا الرسالة. فكلمة “إلينا” (εἰς ἡμᾶς)، فالكلمة لا تعني بالضرورة أن الكاتب تلقى هذا التقليد مع الجمهور، ولكن هي لغة مستخدمة من لوقا 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 2، ولا تذكر الآيات أن الجمهور تلقى مع الكاتب التسليم.
وهكذا، يصور الكاتب نفسه على أنه في وضع مشابه جدًا لوضع مرقس ولوقا، فيكتب شهادة رسولية موثوقة وينقلها إلى مستمعيه.
ولاحظ Donald Hagner في هذا الصدد أن كاتب العبرانيين يمكن تشبيهه بلوقا.¹⁶¹ وبالمثل، يلاحظ George Buchanan أن الكاتب كان ينقل تقليدًا رسوليًا تلقاه مباشرة من الرسل أنفسهم.¹⁶² وتتأكد الصلة بين الكاتب والدائرة الرسولية من خلال حقيقة أن رفيق كاتب العبرانيين هو تيموثاوس، الذي عرف بولس وسيلا وسافر معهما حسب ما جاء في أعمال الرسل 16: 3، وأعمال 17: 14، ورومية 16: 21، وكورنثوس الأولى 4: 17، وكورنثوس الثانية 1: 19.¹⁶³
إذا كان الأمر هكذا، فإن الكاتب – على الرغم أنه ليس شاهد عيان مباشر ليسوع في حياته – لكن يقدم نفسه أنه كان مساعدًا للرسول، وأنه مشارك في الرسالة الرسولية. وهذا يتناقض مع كُتّاب مثل إغناطيوس،¹⁶⁴ وكليمندس الروماني،¹⁶⁵ الذين يميزون بوضوح بين الفترة الرسولية وفترة حياتهم. إنهم ينظرون إلى خدمة الرسل ولا يقدمونها. لذا، لا ينبغي أن نستعجب أن المسيحيين الأوائل اعتبروا الرسالة للعبرانيين كتابًا رسوليًا. في الواقع، فهم أوريجانوس السفر بهذه الطريقة تحديدًا عندما قال إنه كُتب من قبل شخص كان جزءًا من الدائرة الرسولية، ومن المرجح أنه كان رفيقًا وتلميذًا لبولس نفسه.¹⁶⁶ وهذا من شأنه أن يفسر سبب ارتباط كاتب رسالة العبرانيين ارتباطًا وثيقًا بالرسل في بداية المسيحية المبكرة.
بالإضافة إلى أن الكاتب يقول عن نفسه في هذا السفر إنه يقدم شروط العهد الجديد من خلال المسيح، بنفس الطريقة التي عُرضت بها شروط العهد القديم من خلال موسى في سفر التثنية.¹⁶⁸ في دراسته الحديثة، لم يُظهر David Allen أن رسالة العبرانيين تعتمد على نص وموضوعات سفر التثنية فقط، بل أظهر أيضًا أن أساس بنية الرسالة – التثنية بأكمله من دعوة شعب الله والاختيار بين الحياة والموت – مُعاد تقديمها في رسالة العبرانيين بغرض مسيحي.¹⁶⁹ ونتيجة لذلك، خلص ألين إلى أن الرسالة للعبرانيين لا تستخدم سفر التثنية فقط، بل وصفها أنها تثنية جديد.¹⁷⁰ في جوهرها، تعيد رسالة العبرانيين صياغة سفر التثنية وإعادة تشكيل قصة بني إسرائيل لجيل جديد، وبالتالي أصبحت توراة جديدة.¹⁷¹
وفي رسالة بطرس الثانية 3: 2: «لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ».
هذا النص يتجاهله البعض، فالكاتب يطلب من القارئ الخضوع لنبوات الأنبياء ووصية الرب والمخلص من خلال الرسل، وهذا ما يؤكده الكاتب.¹⁷²
أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد يظهرون كمتساويين كمصدر للوحي والسلطة. فهناك تساوي بين تنبؤات الأنبياء القديسين في النصوص المكتوبة ووصايا الرب من خلال الرسل. ويدعم السياق المباشر هذا، فرسائل بولس يعتبرها الكاتب أنها جزء من القانونية في بطرس الثانية 3: 16: «كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ».
بل إن كاتب بطرس الأولى يذكر أنه كتب نصوصًا أخرى، بطرس الثانية 3: 1: «أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَنَا الآنَ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ رِسَالَتِي الثَّانِيَةَ». وإشارة إلى بطرس الأولى 1: 1: «مِنْ بُطْرُسَ، رَسُولِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُخْتَارِينَ الْمُتَغَرِّبِينَ الْمُشَتَّتِينَ فِي بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَآسِيَةَ وَبِيثِينِيَّةَ».¹⁷⁸
لذلك، اعتبر كاتب رسالة بطرس الثانية النصوص الرسولية المكتوبة سابقًا هي نصوص موثوقة في بطرس الثانية 3: 16، ويقول لقرائه إنه ينبغي أن يخضعوا إليها ولوصاياها في بطرس الثانية 3: 2.
المرجع:
Were the New Testament Authors Unaware of Their Own Authority? Lee McDonald
قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios
سوف نحاول في هذا البحث الموجز عزيزي القارئ الإجابة على تساؤلات في غاية الأهمية تمس قضية الموت، وهي: هل الله يُمِيت البشر؟ وهل الله يُعاقِب البشر بالموت؟ وهل الله يُهلِك البشر؟ وهل الله هو علة موت البشر؟ تساؤلات جد خطيرة تمس واقعنا المسيحيّ المعاصر. لقد خرج علينا البعض يدَّعون على الله زورًا وبهتانًا أن إله يميت! وإنه يقتل البشر! وإنه يُهلِك البشر! بل ويُقدِّمون صورًا مشوهةً على الألوهة مستغلين آيات الكتاب المقدَّس التي يأوِّلونها حسب أهوائهم وأفكارهم الضحلة والمشوَّهة عن الألوهة المنزَّهة عن الموت والهلاك والفناء. فالله كليّ الصلاح بسبب صلاحه جلب الإنسان من العدم إلى الوجود، فكيف يُرسِله بيديه مرةً أخرى إلى العدم؟ هل هذا معقول؟! هؤلاء يفعلون كما فعل الوثنيون قديمًا حيث كانوا ينسبون الموت إلى إله الموت وذلك في سياق تعدُّد الآلهة، وكأنهم لم يسمعوا عن الله معطي الحياة الذي أُظهِر بالكامل وأُعلِن عنه بالكامل في ابنه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي خبَّر عن الله الذي لم يره أحدٌ قط. فالمسيح هو الإعلان الحقيقيّ والكامل عن الله الحيّ، لم يقل المسيح عن نفسه في الإنجيل أنا هو الموت، لم يقل عن نفسه أنا هو المهلِك، لم يقل أنه هو علة هلاك البشرية وسبب إماتها، بل قال عن نفسه أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، جئتُ لأُخلِّص العالم لا لأُدين العالم، هؤلاء لم يعرفوا المسيح القائم من بين الأموات بعد، هؤلاء لازالوا قابعين في حرفية الناموس والفريسية البغيضة التي طالما رفضها السيد المسيح، هؤلاء لازالوا في مرحلة البداوة الروحية، للأسف لازال هؤلاء يُفكِّرون بمنطقٍ همجيّ بربريّ عن الألوهة ناسبين إليها فعل الإماتة والإهلاك والإفناء للبشرية، هؤلاء أبناء الموت وليسوا أبناء الحياة. هؤلاء يُمثِّلون ردة إلى اليهودية والتهود، بل يُمثِّلون ردة إلى عصور ما قبل التاريخ البشريّ المتحضر، ينسبون للألوهة ما ليس فيها، ويُسقِطون أفكارهم المريضة والمشوَّشة عن الألوهة كلية الصلاح والرحمة والرأفة، معتقدين إنهم بذلك يعبدون الإله الحقيقيّ المميت المهلِك في نظرهم، بل يعتقدون إنهم يُقدِّمون خدمة لله بالدفاع عنه كمبيد وقتال للبشر، ونسوا أن إبليس الكذَّاب وأبو الكذَّاب هو الذي كان قتَّالاً للناس منذ البدء، إبليس مخترع الموت والخطية، الذى أغوى الإنسان وأسقطه في الخطية بإرادته، فصار الإنسان علة موته مشارِكًا في هلاكه وفنائه بسبب خضوعه لغواية إليس وتعديه وعصيانه لله، وإنفصاله الإراديّ عن مصدر حياته، أي الله، فصار هو نفسه علة موته وهلاكه، وليس الله جابله وخالقه ومانحه الحياة.
سوف نُحاوِل الإجابة على سؤال: هل الله يُمِيت البشر؟ وذلك من خلال شهادات الكتاب المقدَّس وشهادات آباء الكنيسة الجامعة المعلِّمين، وشهادة صلوات الليتورچية المقدَّسة.
أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من الشهادات والنصوص الكتابية والآبائية والليتورچية التي تؤيد هدف البحث، وهو أن الله لا يميت البشر، بل هو المحيي ومانح وواهب الحياة والخلاص من الموت للبشرية جمعاء.
الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس
يدَّعي البعض عن جهل وبدون وعي أن الله يُنزِل الموت على البشر كعقوبة، وكأنَّ الله هو علة موت الإنسان. وهذا التعليم عارٍ تمامًا عن الصحة، بل وضد تعاليم الكتاب المقدس والتقليد الرسولي والآبائي كما سنرى. يُعدّ الموت في تعاليم الكتاب المقدس هو نتيجة التعدي والعصيان، وليس من الله، حيث قال الله للإنسان: ”وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ“ (تك 2: 17). ويذكر سليمان الحكيم أن الشرير يموت من خطيته وليس بإنزال الله الموت عليه قائلاً: ”الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ. إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ عَدَمِ الأَدَبِ، وَبِفَرْطِ حُمْقِهِ يَتَهَوَّرُ“ (أم 5: 23). ويقول إرميا النبي أن الموت هو نتيجة ذنب الشخص نفسه كالتالي: ”بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ“ (إر 31: 30).
ويتحدَّث سفر الحكمة أن الموت هو نتيجة أفعال البشر الشريرة، وليس من الله كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول التالي: ”لا تغاروا على الموت في ضلال حياتكم ولا تجلبوا عليكم الهلاك بأعمال أيديكم، اذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره“ (حك 1: 12، 13)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أيضًا أن البشر هم مَن جلبوا الموت على أنفسهم بأيديهم وأقوالهم، وليس الله هو مَن أنزل الموت كالتالي: ”لكن المنافقين هم استدعوا الموت بأيديهم وأقوالهم ظنوه حليفًا لهم فاضمحلوا وإنما عاهدوه لأنهم أهل أن يكونوا من حزبه“ (حك 1: 16)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ولم يكن الله هو علة موت الإنسان كالتالي: ”فإن الله خلق الإنسان خالدًا وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد ابليس دخل الموت الى العالم“ (حك 2: 23، 24).
ويُؤكِّد حزقيال النبي أن النفس التي تخطئ هي التي تموت، وليس الله هو مَن يميتها قائلاً: ”اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ“ (حز 18: 4)، ويقول الله في سفر حزقيال أنه لا يسره موت الشرير، فكيف يكون الله هو علة موته كالتالي: ”هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟“ (حز 18: 23). ويُؤكِّد يشوع بن سيراخ أن الموت دخل إلى العالم بخطية المرأة حواء، وليس من الله كالتالي: ”من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت نحن أجمعون“ (سي 25: 33). ويُؤكِّد سفر المكابين الثاني أن الله هو رب الحياة وليس رب الموت كالتالي: ”ودعا رب الحياة والروح أن يردهما عليه ثم فاضت نفسه“ (2 مك 14: 46).
ويُشدِّد المسيح له كل المجد أن الله هو إله أحياء وليس إله أموات قائلاً: ”لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ“ (مت 22: 32). وهكذا يؤكد بولس الرسول أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، وليس من الله قائلاً: ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ“ (رو 5: 12). ويُشدِّد بولس الرسول على أن أجرة أو ثمن الخطية هو الموت، وبالتالي، الموت نتيجة للخطية وليس من الله قائلاً: ”لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا“ (رو6: 23). وهذا ما يقوله مُعلِّمنا يعقوب الرسول أن الموت هو نتيجة عن الخطية، وليس نتيجة عن الله كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي: ”ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا“ (يع 1: 15). وهكذا نجد أن الكتاب المقدس بعهديه يؤكد على أن الخطية والشر هما علة الموت، وليس الله هو علة الموت. فالله لم يقل في الكتاب المقدس: ”أنا هو الموت“ حاشا! بل قال: ”أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ“ (يو 11: 25)، وقال أيضًا: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ“ (يو 14: 6).
فالحياة هي صفة جوهرية من صفات الجوهر الإلهي منذ الأزل، فالله هو معطي الحياة وواهبها، وجابل الخليقة من العدم إلى الحياة، فكيف يميت الله الإنسان بعدما أحضره من العدم إلى الوجود والحياة؟! الحياة هي صفة من صفات أقانيم الثالوث القدوس ولا يوجد الموت كصفة من صفات الجوهر الإلهي، فكيف يميت الله البشر، أو يُنزِل الموت عليهم؟ هل الموت صفة أزلية في الله الثالوث يمارسها بين أقانيمه منذ الأزل كصفات المحبة، والقداسة، والحكمة، والبر، والحياة… إلخ؟ بالطبع، لا. بل الآب والابن هما مصدر الحياة ولهما الحياة في ذاتيهما وليس الموت أو الإماتة كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول يوحنا الرسول التالي: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ“ (يو 5: 26). وتُمارِس أقانيم الثالوث فعل الإحياء، وليس فعل الإماتة، كما يقول يوحنا الرسول: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ“ (يو 5: 21). والروح القدس هو روح الحياة وليس روح الموت. فأريد أن أسأل أولئك الذين يدَّعون بالباطل على الله أنه يميت البشر، كيف يميت الله خليقته التي جلبها من العدم إلى الوجود، ليرجعها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ فلماذا جلبها بالأساس من العدم إلى الوجود لكي يعيدها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ أليس هذا تناقض صارخ؟!
يُشِير الكتاب المقدَّس في إشارات عديدة إلى أن إبليس هو الذي كان قتالاً للناس منذ البدء، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت. حيث يؤكد الكتاب المقدس على أن الشر هو الذي يميت الشرير، وليس الله قائلاً: ”الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ“ (مز 34: 21). وهكذا نرى في قصة طوبيا أن الشيطان هو الذي كان يقتل أزواج سارة، لذا نجد طوبيا يتحدث عن أن الشيطان هو الذي قتل أزواج سارة السبعة قائلاً: ”فأجاب طوبيا وقال: إني سمعت أنه قد عُقِدَ لها على سبعة أزواج فماتوا، وقد سمعت أيضًا أن الشيطان قتلهم“ (طو 6: 14). فالشيطان إذًا هو الذي يقتل البشر وليس الله.
يتحدَّث السيد المسيح له كل المجد عن أن الشيطان كان قتَّالاً للناس، ويميت البشر منذ البدء، وليس الله كالتالي: ”أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ“ (يو 8: 44). ويُؤكِّد بولس الرسول أن إبليس هو مَن له سلطان الموت، أيّ القدرة على إماتة البشر، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت كالتالي: ”فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ“ (عب 2: 14). ويُشبِّه بطرس الرسول إبليس خصم البشر بأنه كأسد زائر يلتمس مَن يبتلعه ويميته، وليس الله هو الذي يميت البشر كالتالي: ”اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ“ (1بط 5: 8). ويتحدَّث بولس الرسول عن تسليم الخاطئ إلى الشيطان لهلاك الجسد مؤكدًا على أن الموت والهلاك من الشيطان، وليسا عقوبةً من الله للبشر كالتالي: ”أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ“ (1كو 5: 5).
ولكن قد يتحجَّج البعض ويقول إن الكتاب يذكر عن الله أنه يحيي ويُمِيت كالتالي: ”الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ“ (1صم 2: 6)، فنرد أن الكتاب ذكر أيضًا أن الله هو خالق الظلمة وخالق الشر كالتالي: ”أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ“ (إش 45: 6، 7). فنتساءل هل الله هو خالق الظلمة والشرّ أيضًا مثلما يُمِيت؟ بالطبع لا، ولكن الكتاب المقدَّس كان يهتم بالإعلان عن وحدانية الألوهة في وسط الشعوب التي تُؤمِن بمذهب تعدُّد الآلهة، ويجعلون لكل شيء إله، إله للنور، وإله للظلام، وإله الخير، وإله الشرّ، وإله الموت… إلخ. وكانت هناك الشعوب التي تُؤمِن بمذهب ثنائية الألوهة كالزرادشتية والغنوسية والمانوية، حيث يرون أن هناك إلهان: إله الخير وإله الشرّ، النور والظلمة، الحياة والموت، وهكذا. لذا كان يُحارِب الكتاب المقدَّس هذه المذاهب المنحرِفة عن الألوهة بنسب كل الأشياء إلى الإله الواحد الوحيد، حتى لو كان الله ليس هو خالق الظلمة، أو الشر، أو الموت، بل الله صالحٌ وهو خالق النور والخير والحياة، وبالتالي، لا بد أن ننتبه إلى حديث الكتاب المقدَّس عن وحدانية الألوهة للتأكيد على وجود كل الأشياء في دائرة سيطرة الله وتدبيره وعنايته بالخليقة كلها، فلا يحدث شيء خارج سيطرة الله الواحد الوحيد.
هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة
سوف أستعرض في هذا الفصل من بحثنا تعاليم الآباء القديسين المعلِّمين في الكنيسة الجامعة التي تُؤكِّد على أن الله لم يخلق الموت، وليس هو علة الموت، بل الموت كان نتيجة عن الخطية، وأن الموت والإماتة ليسا لهما وجود في طبيعة الله، بل الله حيّ ويُحِيي الأشياء، كما يقول الكتاب: ”لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ“ (أع 17: 28).
كما يُؤكِّد آباء الكنيسة المعلِّمين على حقيقة مهمة جدًا، ألا وهي أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس وبخطية الإنسان، متبعين الكتاب المقدَّس في ذلك. ولم يكن الموت عقوبة من الله للبشر، بل يُؤكِّدون على أمر غريب جدًا، ألا وهو أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يظلّ الإنسان يُمارِس الشرَّ والخطية إلى الأبد، وبالتالي، تأبيد الشرِّ والخطية واستمرارهما إلى الأبد. لأنه إذا كانت العقوبة القانونية في حالة العقوبات البشرية القضائية العادية مثل عقوبة السجن على سبيل المثال، تُعتبر سلبًا لحرية الشخص المعاقَب، وعقوبة الإعدام هي سلب لحياة الشخص المعاقَب، وبالتالي، تُعتبر العقوبة البشرية القانونية شرًا بالنسبة للشخص المعاقَب، وليس خيرًا أو في مصلحته. وهكذا، لو كانت العقوبة الإلهية – بحسب المنادين بالعقوبة القانونية الجزائية – هي عقوبة قانونية أو جزائية أو انتقامية من الله للبشرية، فسوف تكون العقوبة هي شرٌّ بالنسبة للكائن المعاقَب، وليست لصالحه، لأنها سوف تُؤدِي إلى هلاك الشخص المعاقَب وموته. بل يرى آباء الكنيسة على العكس من ذلك أن الموت الذي دخل إلى العالم بعد السقوط كان في مصلحة البشرية، وليس شرًا للإنسان، وبالتالي، لم يكن الموت عقوبةً قانونيةً من الله للبشرية، بل كان الموت في مصلحة البشرية من أجل الحفاظ عليها من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد.
ق. إيرينيؤس أسقف ليون
حواء هي سبب الموت لنفسها
يُشِير ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، إلى أن حواء غير المطيعة كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، وليس الله كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:
”وإذ صارت [حواء] غير مطيعة، كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، هكذا أيضًا، فإن مريم إذ كانت مخطوبةً لرجلٍ، ومع ذلك كانت عذراءً، وأذعنت بطاعةٍ، فصارت سبب الخلاص لنفسها ولكل الجنس البشريّ“.[1]
الشيطان هو جالب الموت على الإنسان
يرى ق. إيرينيؤس أن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت، لأنه بينما وعد بأنهم سيكونون آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم كالتالي:
”لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم“.[2]
الموت كان لصالح الإنسان
يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الموت كان لصالح الإنسان، وليس عقوبة من الله للإنسان، حتى لا يستمر الإنسان خاطئًا إلى الأبد كالتالي:
”لذلك أيضًا، طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شجرة الحياة، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية، التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير مُتناهٍ، وعديم العلاج. ولكنه وضع حدًا لخطيئته بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية، بأن وضع لها نهاية بانحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطية، ويموت عنها، ويبدأ أن يحيا لله“.[3]
ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي
الإنسان جنى الموت بالعصيان
ينفي ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن يكون الله هو علة موت الإنسان، بل الإنسان جنى بالعصيان الموت لنفسه، وبالتالي، الإنسان هو المسئول عن موته، وليس الله هو المسئول قائلاً:
”مرةً أخرى، لو خلقه الله فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته […] ولكن إنْ توجه [الإنسان] إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته […] لأنه كما بالعصيان جنى الإنسان الموت لنفسه، هكذا بالطاعة (رو 5: 18، 19) لمشيئة الله، يستطيع كل مَن أراد أن يحصل على الحياة الأبدية لنفسه“.[4]
ظهور الموت بسبب حسد إبليس
ويُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن بداية الموت ظهرت في العالم بسبب حسد إبليس، وليس أن الله أوقع الموت على البشر، وهكذا حرَّض إبليس قايين على قتل أخيه هابيل، فظهرت بداية الموت في العالم كالتالي:
”عندما رأى إبليس أن آدم وزوجته ليسا فقط أحياء، بل أنجبا ذريةً أيضًا، غُلِبَ من الحسد، لأنه لم يكن بالقوة الكافية ليميتهم. ولأنه رأى أن هابيل يُرضِي الله، فعمل على أخيه المُسمَّى قايين، وجعله يقتل أخاه. ومِن ثم ظهرت بداية الموت في هذا العالم، ليصل الجنس البشري بكامله إلى هذا اليوم“.[5]
ق. يوستينوس الشهيد
البشر جلبوا الموت على أنفسهم
يرى ق. يوستينوس الشهيد أن البشر هم الذين جلبوا الموت على أنفسهم مثل آدم وحواء بعصيانهم، وليس أن الله يجلب الموت على البشر كالتالي:
”ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت أن الروح القدس يُوبِّخ الناس المخلوقين على صورة الله، متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسِبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله، ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم“.[6]
ق. ميثوديوس الأوليمبي
الله وضع نهاية للخطية بالموت
يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على حقيقة أن الله وضع نهاية للخطية بالموت، وليس أن الموت عقوبة من الله للبشر كالتالي:
”والآن، كانت خيمتنا في الأول مُزوَّدةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحوَّلت بواسطة التعدي، وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهاية للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون مُعرضًا للعنة الأبدية“.[7]
الإنسان هو علة موته وفنائه
يُشِير ق. ميثوديوس إلى أن الإنسان قد وُضِعَ في مكان وسط بين الفساد وعدم الفساد، الموت وعدم الموت، ولكنه عندما أختار الفساد، فإنه أصبح فاسدًا وفانيًا كالتالي:
”والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيَّرًا أو شريرًا، لكنه وُضِعَ في مكانٍ وسط، بين الفساد وعدم الفساد. ميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة، التي وُضِعَت عليه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا؛ وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا وخالدًا“.[8]
نوفاتيان الأفريقي
عقوبات الله الشفائية
يرى نوفاتيان الأفريقيّ – وهو أحد الآباء اللاتين – أن العقوبات الإلهية هي عقوبات شفائية، ولا تنبع في الله من رذيلة أو ضعف، بل لإرجاع البشر إلى المسار الصحيح كالتالي:
”كذلك حقيقة أن الله يغضب لا تنبع من أي رذيلة فيه. وإنما يتصرف هكذا لمنفعتنا. فهو رحيمٌ حتى عندما يُهدِّد، لأنه بهذه التهديدات يُرجِع البشر إلى المسار الصحيح. فالخوف أمرٌ ضروريّ لمَّن يفتقدون إلى الحافز إلى الحياة الصالحة، حتى أن الرافضين للعقل يتحرَّكون على الأقل بدافع الخوف. ولذلك، فكل هذه المواضع عن الغضب والكراهية وما شابه ذلك من جانب الله، قد أُعلِنَت، كما يتبيَّن من حقيقة الأمر، لشفائنا، وهي تنبع عن قصد مُتعمَّد، وليس من رذيلة أو من ضعف“.[9]
ق. ديونيسيوس الإسكندري
لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق
يُؤكِّد ق. ديونيسيوس الإسكندريّ أن الله لا يريد موت الخاطئ على الإطلاق، بل أن يتوب كالتالي:
”فهم يتشفعون لبعض الأخوة الساقطين، الذين جلبوا على أنفسهم اتهامات تقديم ذبائح للأوثان، يترقبون عودتهم وتوبتهم، ويقبلونها بكونها مقبولةً عند [الله] الذي لا يريد على الإطلاق موت الخاطئ، بل أن يتوب“.[10]
ق. أثناسيوس الرسولي
الموت هو نتيجة التعدي
يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ أن الموت هو نتيجة تعدي الإنسان للوصية، ولم يكن الموت من الله على الإنسان، حيث جلب البشر الموت على أنفسهم كالتالي:
”أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا عن الخير، وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم“.[11]
البشر هم علة فساد الموت
ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن البشر هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد الموت، وليس الله كما يدَّعي الجهلاء كالتالي:
”ولكن البشر حوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحوَّلوا إلى أعمال الفساد الطبيعيّ، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة، كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ، لو أنهم بقوا صالحين“.[12]
دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس
ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وليس من الله كالتالي:
”وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يمسهم كما يقول سفر الحكمة: ’الله خلق الإنسان لعدم فساد، وجعله على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23- 24)، وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون“.[13]
جلب البشر الموت على أنفسهم
ويُكرِّر ق. أثناسيوس أيضًا أن البشر هم الذين جلبوا الموت والفساد على أنفسهم، ولم يُنزِل الله عليهم الموت قائلاً:
”فالبشر لم يقفوا عند حد مُعيَّن في خطاياهم، بل تمادوا في الشرِّ، حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصار يخترعون الشرَّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد“.[14]
الموت لتلافي النتيجة المرعبة
يُشِير ق. أثناسيوس الرسوليّ إلى أن الله أعلن حكم الموت بسبب التعدي، حتى لا تصير النتيجة مرعبة وغير لائقة، ألا وهي تأبيد الشر والخطية كالتالي:
”لأن الموت أيضًا، وكما قُلت سابقًا، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدي)، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مُرعِبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت“.[15]
ق. هيلاري أسقف بواتييه
لا يوجد موت في الله
يرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ أن الله لا يوجد فيه موت البتة، بل هو غير المائت، فكيف يدَّعي البعض عن جهل وبدون علم أن الله يُمِيت البشر كالتالي:
”مرةً أخرى، إنْ كنتم تسمعون أنه ذاتيّ المنشأ، إلا أنه لا يوجد مثلٌ يكون فيه مُعطِي نعمة الحياة مطابقًا للحياة التي تُعطَى. إنْ كنتم تسمعون أنه غير مائتٍ، إذًا، فهناك شيءٌ لم ينبثق منه وليس له اتصال معه بطبيعته ذاتها؛ وفي الواقع، الموت ليس هو الشيء الوحيد الذي يدَّعي تعبير ’غير مائت‘ أنه بعيدٌ عن الله“.[16]
ق. باسيليوس الكبير
الله لا يميت أحد بل يحيي
يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير أن الله لا يميت أحد ويُحِيي آخر، بل يُحِيي بالأشياء المائتة، ويشفي بالأمور المؤلمة كالتالي:
”إذًا، الله لا يُمِيت أحد، ويُحِيي آخر، ولكن هو يُحِيي بالأشياء التي تُمِيت، ويشفي بالأمور التي تجرح“.[17]
الإنسان أمات نفسه بنفسه
ويُوضِّح ق. باسيليوس الكبير أن الإنسان أمات نفسه بنفسه بخطيئته، وجلب وصنع الموت لنفسه، فالموت ليس له كيان في حد ذاته، بل هو انعدام الحياة كالتالي:
”إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطية هي موت‘ (رو6: 23)، أي أن كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو خالق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة“.[18]
سقوط الإنسان في الموت بالخطية
يُشِير ق. باسيليوس أيضًا إلى أن الإنسان سقط في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية، ولم يكن الله هو المنفِّذ لهذا الموت كالتالي:
”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[19]
الإنسان جلب الموت بإرادته
ويُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير نفس الأمر أيضًا أن الله لم يخلق الموت، بل جلب الإنسان الموت عليه بإرادته الشريرة، وهكذا لم يوقف الله الموت حتى لا يظل المرض أي الخطية إلى الأبد بلا نهاية كالتالي:
”لأن أجرة الخطيئة هي موت (رو 6: 23) أي كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[20]
لايوجد الموت مع الحياة في الله
ويستنكر ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الموت، ويرفض أن يجتمع في الله الشيء وضده، فلا يجتمع الموت والحياة معًا في الله، وبالتالي، يدحض إدعاءات الذين يقولون إن الله يُهلِك ويُمِيت البشر كالتالي:
”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[21]
ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
الموت في مصلحة الإنسان
يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ أن الموت كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصير الشر خالدًا، فكيف يكون الموت عقوبةً جزائيةً إنتقاميةً من الله على البشرية، ويكون في مصلحة البشرية في نفس الوقت لكي يمنع تأبيد الشرِّ؟! حيث يقول النزينزيّ التالي:
”وأول نتيجة [لهذا السقوط] أن أدركه الخجل والخزي، واختفى عن الله، وربح [الإنسان الأول] الموت، وقطع الخطيئة، لئلا يصير الشر خالدًا، وهكذا يبيت العقاب إحسانًا بالبشر، لأني هكذا أؤمن بأن الله يُجازِي“.[22]
لا يريد الله موت الخاطئ
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ إلى أن الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا، فهو الذي أنارنا نحن الذين كنا في ظلمة الموت وظلاله كالتالي:
”هذا، إذًا، ما يُؤثِره الله، فله الحرية والقدرة والسجود. ومَن يدري إذَا كان الله الذي يحلُّ قيود المائتين، ويصعد من أبواب الموت، وهو الذي لا يريد موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، وهو الذي أنارنا نحن الذين كُنا في ظلمة الموت وظلاله؟ مَن يدري إذَا كان سيتعهد يومًا ويُدرِك برحمته هؤلاء الضالين ويرعاهم بعصا رعايته، جاعلاً إياهم تحت تأديب عصاه الحديدية؟“.[23]
ق. غريغوريوس النيسي
الموت عقيم لم يغرسه الله
يرى ق. غريغوريوس النيسيّ، مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه، أن الموت لم يغرسه الله في الإنسان عندما كان في الفردوس، ولم يغرسه بالطبع بعدما خرج الإنسان من الفردوس، لأن الموت في حدّ ذاته عقيم، وليس له أصل أو جذر، ولم يطرأ تغيُّر على الله قبل وبعد سقوط الإنسان، بحيث قبل السقوط لم يكن يُمِيت الإنسان، ثم صار بعد السقوط، يُمِيت الله الإنسان كالتالي:
”والدرس الذي يجب أن نتعلَّمه هو أن الحياة هي المركز الأصليّ لكل عمل الله، ولم يغرس الله الموت، ولم يكن له جذر ولا مكان له في الفردوس، لأن الموت عقيمٌ، ولأن الحياة كانت هي مركز كل شيء خلقه الله، وللموت طبيعة، وهي توقف الحياة“.[24]
الشيطان هو مصدر الموت
وينفي ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو خالق الموت، بل الشيطان هو مصدر الموت، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:
”لم يخلق الله الموت، وإنما أبو ومصدر الموت هو ملك الشر أيّ الشيطان، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس“.[25]
الشر هو بداية الموت وليس الله
يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ أن الشر هو بداية الموت وأساس الفساد، وليس الله كالتالي:
”فيما الشرّ هو مختلف الألوان، ويمثلُ أمامنا بحيث نحسبه شيئًا، ومع الخبرة يتبيَّن لنا شيئًا آخر. وإن معرفته، أي تقبله بالخبرة، هي بداية الموت وأساس الفساد“.[26]
الله ليس خالق الموت
ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الله لم يخلق الموت، بل ملك الشرّ، أي إبليس الذي حرم ذاته من الحياة، وصار هو أبو الموت، لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:
”لم يكن الله هو خالق الموت، بل ملك الشرّ، إبليس، الذي حرم ذاته من الحياة. صار أبًا للموت. لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس“.[27]
التعدي هو أم الموت
يُؤكِّد النيسيّ على أن التعدي بالآكل من شجرة معرفة الخير والشر هو أم الموت بالنسبة للبشر، وليس الله هو مُنزِله على البشرية كالتالي:
”وأصبحت هذه الأكلة أم الموت بالنسبة إلى البشر“.[28]
دخول الموت لمنع تأبيد الشر
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ في نفس سياق الآباء السابقين إلى دخول الموت إلى العالم، حتى لا يظل الشر مُؤبَّدًا في البشر كالتالي:
”ولكن لأن كل جلد ينفصل عن الحيوان هو شيء ميت، أعتقد أن شافي شرّنا ببصيرته، قد كسا بعد ذلك البشر بهذه القوة نحو الموت، التي هي خاصية الطبيعة غير العاقلة، حتى لا يبقى الشرّ بعد ذلك في البشر إلى الأبد. لأن الأقمصة هي شيء يُوضَع خارجنا مُقدِّمةً خدمة مؤقتة لأجسادنا، وليست متأصلةً في طبيعة الإنسان“.[29]
ويُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر أنه لكي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية العظمى للموت، فالموت هو تنقية من الشر كالتالي:
”الموت ليس أكثر من تنقية من الشرِّ […] كي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية الأعظم للموت، وبإزالة الشرِّ على هذا المنوال، فإن الطبيعة الإنسانية يُعَاد تشكيلها لتقوم مرةً ثانيةً، فتنفصل عن الشرّ، وتعود إلى حياتها الأولى“.[30]
الإنسان أمات نفسه بنفسه
يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله، الذي هو مصدر الحياة، ولذلك أدخل الإنسان برغبته أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه كالتالي:
”الإنسان، بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله الذي هو أصل الحياة. ولهذا السبب، فإن الإنسان أدخل، وبرغبته، أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه“.[31]
ق. يوحنا ذهبي الفم
الخطية سبب الموت وليس الله
يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم، مثله مثل الآباء السابقين واللاحقين عليه، أن خطية الإنسان هي سبب الموت، وليس الله نفسه هو علة الموت كالتالي:
”لأن خطية الإنسان كانت هي سبب الموت، ولكن بعد أن أتى المسيح، أبطل الخطية، وحرَّرنا منها عن طريق المعمودية“.[32]
يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم عن سبب الموت، فيجيب بنفسه أن سبب الموت هو الخطية، وليس الله هو علة الموت، بل هو الذي قضى على الموت وجرَّده من كل أسلحته، وأنهى على كل مملكة الخطية قائلاً:
”إذًا، ما هو سبب الموت؟ سبب الموت هو الخطية، قال هذا لكي يُقدِّم الخطية كما لو كانت ملكًا، والموت مثل الجندي يخضع لأوامره، ويأخذ مؤونته منه. وبناءً على ذلك، فلو أن الخطية قدَّمت مؤونةً للموت، فمن الواضح جدًا أن البرَّ لاشى الخطية، والذي أتى بالنعمة لم يُجرِّد الموت فقط من أسلحته، بل وقضى عليه أيضًا وأنهى كل مملكة الخطية تمامًا“.[33]
وبالتالي، فمَّن يقول أن الله يُمِيت البشر فهو دون أن يدري يُساوِي بين الله والخطية، حاشا! ويجعل من الله علة الموت كما الخطية وحاشا أن يكون الله كذلك!
الموت في صالح الإنسان
ويرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الموت لم يكن عقوبةً، بل كان الموت في صالح الإنسان لمنع تأبيد الخطية والشر إلى الأبد، وبالتالي، كان الموت خيرًا للبشر وليس عقوبةً كالتالي:
”أننا لم نُضَار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا، بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً، لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت، فإن ذلك سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا، لكي تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى. لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا، وعندما ننتظره، فإنه يُقنِعنا أن نكون متواضعين، ومتعقلين، وبسطاء، وأن نتخلص من كُل شرّ. ومع هذا، فمن الأفضل أن نقول أولاً إننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة، لأنه من هنا استُعلِنَت أكاليل الشهداء، ومكافآت الرسل. هكذا تبرَّر هابيل، وهكذا تبرَّر إبراهيم الذي قدَّم ابنه ذبيحةً، وهكذا أيضًا تبرَّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح، وأيضًا الفتية الثلاثة، كما تبرَّر دانيال. لأنه لو أردنا البرَّ، فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبِّب لنا ضررًا أو أذى“.[34]
الموت فائدة للإنسان
ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن الموت كان لفائدة الإنسان في موضع آخر، حيث يرى أن كسر الوصية جلب الموت على الإنسان، وهكذا أصبح الإنسان عرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، فطرده الربُّ من الفردوس، ودبَّر الموت على نحوٍ مفيد لكي لا يبقى في الخطيئة إلى الأبد، إذَا ما أكل من شجرة الحياة التي تُقدِّم الحياة الأبدية، وهكذا منع الله بتدبيرٍ حسن تأبيد الشر والخطية، ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أيضًا أن دافع الله الوحيد من هذا الإجراء كان حبه للإنسان، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنه عقوبة جزائية انتقامية من الله لكي يُهلِك ويُمِيت الإنسان الخاطئ، مُجدِّفين على الله وناسبين إليه إفناء وإماتة البشرية. بل يرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الطرد من الجنة كان علامةً على الرعاية وليس الغضب من قِبَل الله، وهكذا كشف الله عن رعايته لنا في العقاب، فالعقاب من أجل التقويم والإصلاح والتعليم، وليس الهلاك والفناء كما يدَّعي الجهلاء بدون وعي كالتالي:
”وقدَّم أمثلة هناك هاتين الشجرتين، واحدةٌ للحياة والأخرى للموت (إذَا جاز التعبير)، بمعنى أن تذوقها وكسر الوصية جلب الموت عليه. لذلك، عندما أكل من هذه الشجرة أصبح عُرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، وكانت بداية دخول الخطيئة، وتمَّ تدبير الموت على نحوٍ مُفيد من قِبَل الربِّ، فلم يسمح بعد لآدم بالبقاء في الجنة لكنه أمره بمغادرتها، مُوضِّحًا لنا أن دافعه الوحيد للقيام بذلك هو حبه له. […] بعبارةٍ أخرى، بما أنه أظهر بأمثلةٍ كثيرةٍ الفجور من خلال الوصية التي أعطاه إياها بالفعل وأصبح عُرضةً للفساد، لئلا يمد يده إلى هذه الشجرة التي تهب حياة أبدية ويبقى في الخطيئة إلى الأبد. فإنه من الأفضل له أن يتمَّ طرده من هنا. وهكذا كان الطرد من الجنة علامةً على الرعاية وليس الغضب. كشف ربُّنا بذلك عن عنايته لنا في العقاب بما لا يقل عن منحه العطايا، وحتى عقابه في هذه الحالة من أجل التعليم“.[35]
الموت ليس شرًا بل خيرًا
يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن الموت ليس شرًا، ولكنه خيرٌ، فالموت هو تحرُّر من الهموم ومعونة للمعذَّبين، ويُوقِّفنا عن فعل الخطية، ويرى ذهبيّ الفم أن الموت هو نتيجة لخطايانا، وليس الله هو علته وفاعله كالتالي:
”لا يمكن أن يُعتبر الموت شرًا يا أخوتي، ولكنه خيرٌ. ولست أقول هذا من ذاتي، بل أيوب الصديق يُعلِنه بقوله: ’الموت راحةٌ للإنسان‘ (أي 3: 5). ويُعلِن بولس الرسول: ’الذي مات قد تبرأ من الخطية‘ (رو 6: 7). الموت تحرُّر من الهموم ومعونةٌ للمعذَّبين. الموت يُوقِّفنا عن فعل الخطية. أرأيت محبة السيد الربّ للبشر. لقد جعل العقاب الذي نتج عن خطايانا – أي الموت – خلاصًا. لأنه إنْ لم يوجد الموت، لمَّا كان لنا أن نتوقف عن فعل الشرِّ، وإنْ كنا لا ننتظر الديَّان الآتيّ، لمَّا ابتعدنا عن الفساد الذي لَحقَ بطبيعتنا نتيجة الخطية، وإنْ كنا لا ننتظر الدينونة، لمَّا أصبح لنا رجاء“.[36]
ق. كيرلس الإسكندري
الخطية هي علة الموت وليس الله
يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على قبول آدم للموت كنتيجة للعصيان والخطية، لذا نستنتج أن الخطية والعصيان هما علة الموت، وليس الله كالتالي:
”وكما أن آدم قَبِلَ الموت كنتيجة للخطية والعصيان، أصبح التبرير بواسطة المسيح جرمًا بحسب جهل اليهود، هكذا، فإنه بألم الموت، كُلِّل المسيح بالكرامة والمجد بحسب كلمات بولس الطوباويّ (أنظر عب 2: 9؛ في 2: 9)“.[37]
الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات
يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الإرادة الإلهية تُمقِت إفناء المخلوقات، لأن الله خلق كل شيء للوجود، وليس للفناء كالتالي:
”لأنه يقول: ’الله خلق كل شيء ليكون موجودًا، وتكوين العالم خلاص، ولا توجد مملكة الجحيم على الأرض. بل جاء الموت إلى العالم من حسد الشيطان‘ (حك1: 14). فقد بدَّلت الإرادة الإلهية الموت، وأبطلت الفساد، وهي تُمقِت إفناء المخلوقات؛ لأن الله خلق كل شيء لكي يوجد كما هو مكتوب“.[38]
الخطأة هم قتلة أنفسهم
ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ بوضوحٍ في موضع آخر أن الخطاة هم قتلة أنفسهم، وليس الله يُعاقِبهم بالموت كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي:
”ليس أمرًا غير متوقع أن يُحسَب كل الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله كما يقول الكتاب: ’لأن تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21)“.[39]
الموت في مصلحة الإنسان
ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن وجود الموت الجسديّ كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصل الإنسان إلى مرحلة الدمار الكامل كالتالي:
”هكذا حُكِمَ على الإنسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشرِّ، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشرِّ. فحسنًا، بطريقةٍ مفيدةٍ، وُجِدَ الموت الجسدي الذي لم يُؤدِ بالإنسان إلى الدمار الكامل“.[40]
دخول الموت بحسد إبليس
ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الموت دخل بواسطة الخطية، وأنها بعد ذلك تسبَّبت في الموت، فالله لم يخلق الموت، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس قائلاً:
”ولكن من الواضح أن الموت دخل بواسطة الخطية (رو 5: 12). […] لقد خلق الله كل شيء في عدم فساد، وهو لم يخلق الموت، بل ’دخل الموت بحسد إبليس‘ (حك 1: 13؛ 2: 24)“.[41]
ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية
الشيطان مسلمنا إلى الموت
يُشِير ق. بروكلس، رئيس أساقفة القسطنطينية، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكوني الثالث 431، إلى أننا بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا إلى الموت قائلاً:
”لأنه كما قال بولس: ’إذ الجميع أخطأوا‘ (رو 3: 23)؛ لأنه بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا للموت“.[42]
قطف آدم الموت لنفسه
يرى ق. بروكلس القسطنطينيّ أن آدم عندما مدَّ يده إلى الشجرة قطف الموت، بينما المسيح بسط يديه على الصليب وعانق العالم كالتالي:
”هذا [آدم] مدَّ يده إلى الشجرة وقطف الموت، ولكن هذا بسط يديه على الصليب وعانق العالم، وصرخ في الأناجيل قائلاً: ’وأنا إنْ ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع‘ (يو 12: 32)“.[43]
ق. ساويروس الأنطاكي
الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد كالتالي:
”التعرض للموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد. ولكن كلمة الله القادر على كل شيء، والذي هو نفسه القدرة والحياة، قد وحَّد أقنوميًا معه هذا الجسد الضعيف المحيَي بنفسٍ عاقلةٍ. أمَّا أنه تألم في الجسد من أجلنا، فهذا تؤكده الكتب الإلهية“.[44]
سيادة الموت والهموم بعد السقوط
يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى أن الضيق والتعاسة وفساد الموت لم يحدث للإنسان إلا بعد تعديه الوصية والحكم عليه بالسقوط من الفردوس، رغم أن الله نفسه لم يصنع الموت، ولا يسر بهلاك الأحياء كالتالي:
”لأن ما قاله الحكيم: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس والخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم‘ (حك 9: 15). هذا لم يحدث إلا بعد تعدي الوصية، وبحدوثه حُكِمَ على الإنسان بالسقوط من الفردوس، وبالمضايقات وبالتعاسة وبالأحزان وبفساد الموت؛ فكان يسمع فعلاً: ’وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخِذت منها. لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 18-19). لكن قبل أن يعصي وصية الله الذي كان يمتحن حريته، كان مُكرَّمًا بنعمة الخلود؛ لأن الذي قال: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس‘، قال قبل ذلك بقليل: ’لأن الله لم يصنع الموت ولا يُسرّ بهلاك الأحياء‘ (حك 1: 13). إن الهموم أيضًا قد سادت بسبب الخطية والشرِّ، ومكتوب فعلاً في سفر أيوب المملوء حكمةً: ’الشرير هو يتلوى كل أيامه وكل عدد السنين المعدودة للعاتي‘ (أي 15: 20)“.[45]
دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، رغم أن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لأن الإنسان الأول، آدم، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس المملوءة حسدًا كالتالي:
”وأخصُّ بكلمتي سقوط الطبيعة البشرية الذي حدث بالحيلة، حينئذٍ أحزن وأئن، ’فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23-24)، لأن آدم، الإنسان الأول، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس التي أملاها الحسد“.[46]
مار أغريس البنطي
لا يشأ الله موت أحد
يُؤكِّد مار أوغريس ”إيفاجريوس“ البنطيّ، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، على أن الله لا يشأ موت أحد، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطية، بل لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يعمله ضد طبيعته، وهذا يؤكد على أن الله لا يُمِيت البشر كما يدَّعي البعض عن دون وعي قائلاً:
”هناك ثلاثة أشياء مستحيلة عند الله، أن تعجز إرداته، أو قدرته الخلاَّقة، أو قدرته الفاعلة. فهو لا يشأ موت أحد (2بط 3: 9)، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطيةً. لكن لا يوجد شيء يمكن أن يُعمَل ضد طبيعته“.[47]
لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت
ويُشدِّد مار أوغريس على استحالة وجود الحياة والموت في نفس الشخص وفي نفس الوقت، فما بالك الله الذي هو الحياة ومصدر كل حياة، كيف يدَّعي هؤلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:
”تمامًا كما أن الحياة والموت لا يمكن أن يوجدا معًا في نفس الشخص وفي نفس الوقت. هكذا أيضًا من المستحيل للمحبة أن توجد مع محبة المال“.[48]
موت النفس هو الشر
ويُشِير مار أوغريس إلى أن موت ومرض النفس هو الشر، وليس الله هو مُهلِكها وفانيها قائلاً: ”موت ومرض النفس هما شرٌ“.[49]
مار إسحاق السرياني
لا يوجد الموت في الله
يرى مار إسحاق السريانيّ، أحد أهم الآباء النساك الذي أثرت ميامره النسكية في العالم المسيحي كله بكافة طوائفه، أن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج أو تأثيرات، وليسوا جواهر أو مواد في حد ذاتهم كالتالي:
”إن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج [أو تأثيرات]، وليسوا جواهر أو مواد. فالخطيئة هي ثمرة الإرادة الحرة. كان هناك وقت لم توجد فيه الخطيئة، وسوف يأتي وفت حين لا تكون موجودةً أيضًا. جهنم هي ثمرة الخطيئة. وجهنم بدأت في وقتٍ مُعيَّنٍ من الزمن، إلا أن نهايتها غير معروفة. الموت، على كل حال، هو تدبير أو حكم صادر من حكمة الخالق. وهو سوف يملك إلى فترة قصيرة فقط على الطبيعة؛ ثم بعد ذلك سوف يُلغَى تمامًا. اسم الشيطان جاء من انحرافه الإراديّ عن الحق؛ وهو لا يشير إلى وجوده هكذا بصورةٍ طبيعيةٍ“.[50]
ق. مكاريوس الكبير
موت الإنسان عن الله
يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، أن آدم عند اقتنى نيات وأفكار شريرة، فإنه مات عن الله، وهكذا ندرك أن الموت هو نتيجة العصيان وفعل إراديّ خاص بالإنسان الذي يموت بخطيته ونياته وأفكاره الشريرة عن الله، فالإنسان أمات نفسه بنفسه عن الله بمعصيته كالتالي:
”هكذا كانت الضيعة – التي هي شخص آدم – ثمينةً قبل المعصية، ولكن لأنه اقتنى نياتٍ وأفكارًا شريرةً، مات عن الله. غير أنا لا نقول إنه قد فَنِيَ بالتمام وهلك ومات؛ فإنه مات عن الله ولكنه ما فتئ يحيا بطبيعته الخاصة“.[51]
الإنسان هو علة هلاكه وموته
يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى أن الإنسان هو علة هلاكه وموته إذَا أراد، لأن الله منحه إرادة حرة كما أن الله له إرادة حرة وما يريده يفعله كالتالي:
”لهذا، فإنك أنت على صورة الله وشبهه، لأنه كما أن لله إرادة حرة وما يريده يفعله – فإنْ كان يشاء، فبحسب سلطانه، يُرسِل الأبرار إلى جهنم والخطأة إلى الملكوت، ولكنه لا يختار هذا ولا يقبله لأن الربَّ هو الديَّان العادل – هكذا أنت أيضًا لك سلطانٌ على ذاتك، وحتى إلى الهلاك إنْ كنت تشاء. فأنت ذو طبيعة قابلة لتغيير مسارها، فإن أردت أن تُجدِّف أو سمًا وتقتل به أحدًا، فليس مَن يُقاوِمك أو يمنعك“.[52]
موت النفس بانفصالها عن الروح القدس
يرى ق. مكاريوس الكبير أن النفس الإنسانية تكون ميتة عن الملكوت وذلم بانفصالها عن الروح القدس، الروح الإلهيّ، كالتالي:
”هكذا بدون النفس السماوية، أي الروح الإلهيّ، تكون النفس ميتةً عن الملكوت، إذ لا قدرة لها على فعل شيءٍ مما لله بدون الروح القدس“.[53]
ق. يوحنا كاسيان
الله ليس صانع الموت
ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء المصرية الكبار آنذاك، عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت، وليس كما يدَّعي الجهلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:
”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[54]
هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية
دخول الموت بحسد إبليس
تحتوي الليتورچية القبطية على العديد من الإشارات التي تنفي أن يكون الله علة موت الإنسان، أو يميت الإنسان كعقوبة له على الخطية، بل الله جبل الإنسان على غير فساد (موت)، بينما دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس. حيث يُصلِي الكاهن في صلاة الصلح في القداس الباسيليّ الآتي:
”يا الله العظيم الأبديّ الذي جبل الإنسان على غير فساد: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح“.[55]
الإنسان أختطف الموت لنفسه
وهكذا يُصلِي الكاهن في القداس الغريغوريّ في صلاة ”قدوس“ مُؤكِّدًا على أن الإنسان هو الذي بإرادته خالف الوصية، وأختطف له قضية الموت، ولم يكن الله هو الذي عاقبه بالموت كالتالي:
”غرسٌ واحدٌ نهيتني أن آكل منه، فأكلتُ بإرادتي، وتركتُ عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفتُ لي قضية الموت“.[56]
تأديبات الله المؤدية للحياة
ويُصلِي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت يا سيدي“ في القداس الغريغوريّ مُخاطبًا الله الذي حوَّل عقوبة الموت إلى خلاص، وليس هو الذي عاقب الإنسان بالموت، بل وأدَّب الله الإنسان بالتأديبات المؤدية للحياة، وليس إلى الموت كالتالي:
”أنت يا سيدي حوَّلت ليَّ العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيت في طلب الضال. كأبٍ حقيقيّ تعبت معي أنا الذي سقط. أدَّبتني بكل التأديبات المؤدية إلى الحياة. أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض“.[57]
لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته
ويُصلِي الكاهن في صلاة المجمع بالقداس الغريغوريّ مُؤكِّدًا على أن الله لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، وليس أن الله يُمِيت الخاطئ كعقوبة له على خطيئته كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي قائلاً:
”لأنك أنت هو الله الرحوم الذي لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. ردنا يا الله إلى خلاصك. وأصنع معنا كصلاحك“.[58]
نستنتج مما سبق، أن الله لا يُعاقِب البشر بالموت، بل الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ونتيجة خطية الإنسان لصالح الإنسان وخيره، وذلك لإنقاذه من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد. لأنه لو الموت له أصل إلهيّ في الله، لصار الموت سرمديًا أيّ أزليًا وأبديًا، وهذه هي الثنائية الغنوسية والمانوية، التي تجعل من الموت كيانًا مُوازيًا لله، طالما أن الله يُعاقِب البشر بالموت، فمعنى ذلك أن فعل الإماتة أو إنزال الموت كعقوبة له أصل أزليّ في الله، فيكون الموت أزليّ أبديّ، وبالتالي، معنى ذلك تأليه الموت والعدم، وهذه هي الهرطقة الغنوسية والمانوية عينها التي تجعل من الشر والموت والظلام إلهًا في مُقابل إله الخير والحياة والنور.
[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 22: 4، ص 111.
[9] نوفاتيان، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 5: 1، ص 37.
[10] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الخطاب إلى فابيوس أسقف أنطاكية : 3، ص 78.
[11] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 3: 4، ص 9.
[19] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 5: 5 على مز 30، ص 171.
[20] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 34.
[21] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.
[22] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، العظة الفصحية الثانية 45: 8، ص 25.
[23] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليانوس الجاحد، ص 87.
[24] Gregory of Nyssa, Commentary on the Song of Songs, Tans. by C. Mc Cambley, Intro. by Panagiotes Chresteu, (Hellenic College Press, 1987), Homily 12, p. 216. See also Gregory of Nyssa, Homilies on The Song of Songs, Trans. & Intro. by Richard A. Norris, (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2012), Homily 12, p. 369.
[25] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, Trans. by C. Mc Cambely, (Hellenic College Press, 1988), p. 139. See also Gregory of Nyssa, Treatise on The Inspections of The Psalms, Trans. & Intro. by Ronald E. Heine, (Oxford: Clarendon Press, 1995), 2: 271, p. 209.
[26] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.
[27] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, 16, PG 44: 601C.
[28] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.
[29] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 8: 4، ص 140.
[30] Gregory of Nyssa, Panegyric on Queen Pulcheria, PG 46: 876D-877A.
[31] Gregory of Nyssa, on Virginity, 12, PG 46: 372A.
[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 42: 3، تعليق على (1كو 15: 65)، ص 426.
[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 4، ص 254.
[34] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 3، ص 252.
[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، بين موت الخطية وموت الجسد (تأملات كتابية ومختارات آبائية)، ترجمة وإعداد: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2017)، عظة عن الصبر منسوبة للقديس يوحنا ذهبي الفم، ص 20.
[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 125.
[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 114، 115.
[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 9)، ص 122، 123.
[45] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي مج1، إعداد: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 202.
[46] المرجع السابق، مقالة بعنوان ”مَنهو أعظم في ملكوت السموات“، ص 296.
[47] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي (من آباء الرهبنة الأولين)، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: الأنبا إيسيذوروس، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة الكبرى إلى ميلانيا، ص 491، 492.
العلاقة المتبادلة بين الإيمان الرسولي والتقليد الرسولي
لقد كان عصر نيقية هو العصر الذي تم فيه توضيح قانون الحق أو قاعدة الإيمان[1]، وذلك من خلال الكشف عن مضمون الإيمان الداخلي في صياغة ثالوثية. كما كان هذا العصر أيضًا هو الذي تحقَّق فيه الاعتراف بقانونية الكتب المقدسة بكونها المستودع الذي يحتوي الإعلان الإلهي الذي نقله الرسل والأنبياء[2].
ولم يكن تزامن هذين الأمرين معًا من قبيل المصادفة، لأن توضيح وديعة الإيمان الرسولي في مواجهة التعاليم الخاطئة أي الدفاع عن الإيمان المُسلَّم، هو أمر متداخل ومترابط بشدة مع عملية تمييز التقليد الرسولي عن أي تقليد آخر أي تمييز وتحديد الأسفار القانونية. وقد كان هناك تفاعل دائم بين قانون الحق الإيمان الرسولي المُسلَّم، وقانون الكتب المقدسة التقليد الرسولي.
فالكتب التي قُبلت بكونها تنقل الإعلان الإلهي كانت فقط هي تلك التي جاءت متفقة مع قانون الحق الإيمان المُسلَّم، وكذلك الإيمان الذي قُبل كإيمان رسولي أصيل كان فقط هو ذلك الذي جاء متفقًا مع تعاليم الكتب المقدسة المقبولة التقليد الرسولي. وأثناء ذلك كله، كانت السلطة والأوليَّة التي أعطتها الكنيسة للإيمان الرسولي على أي إيمان آخر قد حملت ضمنيًّا معها سلطة وأوَّلية الكتب المقدسة الرسولية. وقد حدث الاعتراف الكامل بالأسفار المقدسة، فقط حين وُجد أن تركيبها الداخلي وتناغمها هو بالضبط نفس التركيب والتناغم الموجود في وديعة الإيمان الرسولي.
اهتمام مجمع نيقية بتوضيح الجوهر الداخلي للإنجيل وإعطائه صيغة رسمية في قانون الإيمان
إن ما نراه جليًّا تمامًا في المجمع الكبير، هو أن الآباء بنيقية كما عبَّر القديس أثناسيوس قد تنفسوا روح الكتب المقدسة[3]. فمن ناحية، اهتم الآباء بتحديد المعنى الأساسي الذي تضمَّنته الكتب المقدسة في العديد من نصوصها فيما يخص علاقة الرب يسوع المسيح بالآب، وقد حققوا ذلك من خلال التعمُّق في الجوهر الداخلي للإنجيل. ولكن من ناحية أخرى، كان اهتمام الآباء أيضًا أن يقدموا صياغة دقيقة ومحددة للإيمان بيسوع المسيح بكونه ابن الله المتجسد، وذلك من خلال استجلاء طبيعة علاقته الحقيقية بالله الآب. وفي هذا الصدد لم يكن أمام الآباء ومن خلال الإعلان الإنجيلي إلاّ أن يشهدوا بإيمانهم بألوهية المسيح الكاملة، بكونه إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب.
ومن هنا توصل آباء نيقية ومن خلال جهودهم التفسيرية واللاهوتية إلى الصيغة الفائقة الأهمية: هوموأووسيوس ὁμοούσιος والذي يعني أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب. وترجع أهمية هذه الصيغة إلى أنها قدَّمت في تعبير محدد، العلاقة الكيانية بين الابن المتجسد والآب والتي بُنيَت عليها رسالة العهد الجديد، وفي ضوئها تُفسَّر وتُربَط نصوصه المختلفة.
ومن خلال خضوع مجمع نيقية للمعنى διάνοια المتضمَّن في الأسفار المقدسة، ومن خلال خضوعه كذلك للفكر التقوى φρόνημα الرسولي والذي هو بكل يقين فكر νος المسيح الذي يملأهم استطاع المجمع أن يوضح البناء الداخلي للإنجيل وأن يعطيه صيغة رسمية في قانون الإيمان، وبذلك أعطى المجمع للأسفار المقدسة سلطة وأوليَّة غير مسبوقة في فكر الكنيسة الجامعة[4].
وباليقين كانت الأناجيل ورسائل بولس الرسول قد قُبلت بشكل غير رسمي وألحقت بأسفار العهد القديم باعتبارها كتبًا مقدسة مقبولة ومعتَرف بها، ولكن قائمة الأسفار القانونية المعترف بها لم تتحدد بالضبط إلاّ بعد مجمع نيقية. إذن فلا عجب في أن يكون القديس أثناسيوس والذي يرجع إليه الفضل في ترسيخ مفهوم ال هوموأووسيوس في فكر الكنيسة هو الذي ندين له بأول قائمة محددة للأسفار القانونية، المُسَلَّمة إلينا والمُعترف بأنها إلهية.
وقد أوضح القديس أثناسيوس ذلك بقوله: إن هذه الأسفار هي ينابيع الخلاص، ولذلك فكل من يعطش يستطيع أن يمتلئ من الكلمات الحيَّة التي فيها. وفي هذه الأسفار وحدها يتضح قانون التقوى. فلا ندع أي إنسان يضيف إليها شيئًا أو ينتقص منها شيئًا[5].
ويتضح من وقائع جلسات مجمع نيقية التي وصلت إلينا، أن مصطلح هوموأووسيوس كان يُستخدم في أول الأمر للتفسير والتوضيح، وأنه تكوَّن في داخل إيمان وعبادة الكنيسة، وتشكَّل في ظل تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ليساعد الكنيسة على إدراك معنى διάνοια وحقيقة λήθεια مفاهيم وعبارات وصور أمثلة الكتاب المقدس.
ويخبرنا القديس أثناسيوس أنه نظرًا للأسلوب المراوغ الذي استخدمه وفسَّر به الأريوسيون الأسفار المقدسة، وضع آباء نيقية فقرات الكتاب المقدس الواحدة تلو الأخرى من العهدين القديم والجديد تحت الدراسة والفحص والتدقيق والمقارنة، مع الأخذ في الاعتبار المجال الذي قيلت فيه والزمان والمكان والشخص والموضوع قيد البحث.
وكذلك أسلوب الكتاب المقدس المميَّز في الحديث، وكل ذلك من أجل توضيح الفهم الحقيقي والصحيح لهذه النصوص، ومن أجل كشف بكل أمانة ممكنة المعنى الدقيق الذي تنقله تلك النصوص[6]. وقد رفض الآباء الأفكار الأسطورية والمادية التي أقحمها الأريوسيون على النصوص المقدسة واعتبروها أفكارًا غير كتابية وغير إيمانية[7].
لماذا اضطر الآباء، في تعبيرهم عن الإيمان، لاستخدام مصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس؟
لقد وجد الآباء أنفسهم مضطرين أحيانًا لاستخدام عبارات ومصطلحات غير كتابية لم ترد في الكتاب المقدس مثل أوسيا oύσiα و هوموأووسيوس ὁμοούσιος، وذلك من أجل التعبير بأقصى دقة وتحديد عن معنى διάνοια النصوص الكتابية وقوتها δύναμις فيما يختص بوحدانية يسوع المسيح غير المنفصلة مع الآب.
وعند اتهامهم بأن هذا يعد خروجًا عن الكتب المقدسة، أقرَّ الآباء بأن توضيح وشرح الحق بعبارات مأخوذة من الأسفار المقدسة وليس من أي مصدر آخر هو الأفضل من جهة الدقة والصحة، ولكنهم بالرغم من ذلك أُجبروا بسبب ضلال التفسيرات الخاطئة أن يصيغوا ويشكِّلوا مصطلحات جديدة لكي يحافظوا على الحق وعلى أسس الإيمان السليم، ولكي يحموا هذا الإيمان من سوء الفهم[8].
وكما أوضح القديس أثناسيوس، فإن أهم ما في الموضوع ليس هو كلمات أو مصطلحات بعينها وردت في الكتب المقدسة، بقدر ما هو المعاني التي تنقلها والحقائق التي تشير إليها هذه الكلمات والمصطلحات[9]. وكانت القاعدة العامة عند القديس أثناسيوس: أنه عندما تُستخدم التعبيرات في الحديث عن البشر، فإنها ينبغي أن تُفهم بمعنى يختلف تمامًا عن معناها حين تُستخدم في الحديث عن الله، لأن الله يتمايز عن البشر تمايزًا كليًّا وفائقًا، ولذلك فعندما تُستخدم نفس المصطلحات مع الله ومع الإنسان، يجب أن تُفسر تفسيرًا مختلفًا وفقًا لطبيعة من تشير إليه[10].
وكان التغيير الذي حدث في استخدام اللغة وفي مفهوم المصطلحات تحت تأثير قوة الإنجيل هو ما عبَّر عنه القديس أثناسيوس ورسخه كمبدأ تفسيري هام، حيث قال: إن التعبيراتλέξεις لا تنتقص من طبيعته أي طبيعة الله، بل بالأحرى فإن طبيعة الله تسحب هذه التعبيرات إليها وتحولها. لأن التعبيرات لم تسبق الكيانات οσαι، بل الكيانات كانت أولاً ثم جاءت التعبيرات التي تعبِّر عن هذه الكيانات وتشير إليها[11].
ولا ينطبق هذا المبدأ التفسيري على فهمنا لمصطلحات وتعبيرات الكتاب المقدس فقط، ولكنه يحكم أيضًا التعبيرات التي نأتي بها نحن لشرح وتفسير الكتاب المقدس. ولذلك فإن مصطلحات مثل أوسيا oύσiα وهوموأووسيوس ὁμοούσιος، التي استخدمت في الحديث عن الله في مجمع نيقية، لم تُوظف بنفس المعنى المعتاد لها في المراجع اليونانية، ولكن أُعطيت معنى جديدًا تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح والذي غيَّر معاني هذه المصطلحات وأعطاها أبعادًا جديدة[12].
الدور التفسيري لمصطلح هوموأووسيوس
ومن هذا المنظور، كان التعبير النيقي: أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί يعتبر أداة تفسيرية بالإضافة إلى كونه أداة لاهوتية. ومع التسليم بأن هذا التعبير كان يُعتبر في البداية تعبيرًا لاهوتيًّا قاطعًا نشأ من الفحص الدقيق لعبارات الكتاب المقدس وأنماط الحديث الواردة فيه، وتمت صياغته في شكل موجز مضغوط بلغة دقيقة ومكافئة ليس لنص كلمات الكتاب المقدس بعينها وإنما للمعنى أو الحقيقة التي تنقلها أو تشير إليها هذه الكلمات[13]
ولكن مع ذلك فإنه بمجرد استقرار هذا التعبير كأداة لاهوتية تساعد الفكر على الإدراك، بدأ يساهم أيضًا كمرشد لفهم الكتب المقدسة، وكأساس إيماني رئيسي يُرجع إليه عند تعليم المؤمنين. وعلى حد قول القديس أثناسيوس، فإن الكنيسة عندما تدخل في مثل هذا الإدراك اللاهوتي الذي يقدمه مفهوم هوموأووسيوس، تكون قد وضعت قدميها على الأساس الرسولي الثابت، وتكون قادرة على أن تُسلِّم للجيل التالي التعليم الصحيح كما قد تسلَّمته من الجيل السابق بدون تحريف أو تشويه[14].
وبعد أن تثبت مفهوم ال هوموأووسيوس في الكنيسة على هذا النحو، ساهم هذا المفهوم أيضًا في إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهلليني اليوناني كما ذكرنا في فصل سابق*. فنجد أن معاني بعض المصطلحات مثل أوسيا oύσiα وهيبوستاسيس ύπόστασiς وكذلك لوغوس λόγος وإنرجيا νέργεια، قد خضعت لتغييرات جذرية من خلال الاستخدام الذي وُظِّفت فيه وذلك أثناء عمل الكنيسة التفسيري واللاهوتي.
وأصبح ينبغي أن تُفهم معاني هذه المصطلحات في ضوء رسالة الإنجيل التي استُخدمت هذه المصطلحات لنقلها، أي في ضوء حقيقة: إن الله الذي هو المصدر الخالق لكل الوجود قد صار إنسانًا وواحدًا معنا، لكي نُعطى بالابن وفي الروح القدس سبيلاً إلى الآب وفقًا لما هو في ذاته.
ومن هنا كان يُعد تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί أنه تعبير فذ وحاسم: لأنه عبَّر عن حقيقة أن ما هو الله نحونا وفي وسطنا من خلال الكلمة الذي صار جسدًا، هو بالحقيقة نفس ما هو الله في ذاته#؛ أي إن ما هو الله في العلاقات الداخلية لجوهره الفائق كآب وابن وروح قدس هو نفس ما هو الله في عمله الإعلاني والخلاصي نحو البشر في الزمان والمكان[15].
تشير كلمة أوسيا oύσiα في استخدامها اللاهوتي الحالي إلى الجوهر، ولكن ليس ببساطة كما ما هو عليه أي لا تشير إلى الجوهر في صورة عامة مجردة، وإنما تشير إلى ماهية هذا الجوهر فيما يتعلق بحقيقته الداخلية. وتشير كلمة هيبوستاسيس ύπόστασiς إلى الجوهر، ليس في وجوده المستقل، بل في توجهه أو هدفه الآخري الذي نحو الآخر.
وطبقًا لشرح برستيج، فإن أوسيا oύσiα تعني الجوهر في مدلوله الداخلي، بينما تعني هيبوستاسيس الجوهر في مدلوله الخارجي[16]. ومما يتعيَّن ذكره أيضًا أن هذه المصطلحات في الاستخدام اللاهوتي تحمل بالضرورة ضمنيًّا المعنى أو المفهوم الشخصي الأقنومي، وهو ما لم تكن تتضمَّنه تلك المصطلحات في استخدامها في اللغة اليونانية الكلاسيكية.
إذن فمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος يشير إلى علاقات شخصية أقنومية كائنة في اللاهوت، ففي جوهر الله الواحد: الآب والابن والروح القدس كل منهم متمايز λλος عن الآخر وهم جميعًا لهم ذات الجوهر الواحد؛ ومن جهة علاقة كل منهم بالآخر فإنهم في علاقة أقنومية ποστατός, ποστατικός مع بعضهم البعض، أو يمكن القول إنهم في علاقة كيانية أقنومية داخل الجوهر الواحد νυπόστατος, νυποστατικός.
ووحدانية الابن والروح القدس في ذات الجوهر إنما تشير إلى أن لهما ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، كما أنها تشير كذلك إلى وحدتهما وتساويهما المطلق معه داخل هذا الجوهر الواحد غير المنقسم. وهكذا صارت الصيغة جوهر واحد، ثلاثة أقانيم Μία ουσία, τρεις υποστάσεις صيغة إيمانية مقبولة عند التحدث عن الثالوث القدوس[17].
وهنا يجب أن نتذكر التغيير الذي حدث في الفهم اللاهوتي لجوهر الله، بفضل ما تضمَّنته التعبيرات التي قدَّمها القديس أثناسيوس عن: اللوغوس الكائن في الجوهر νούσιος Λόγος والفعل أو الطاقة الكائن في الجوهر νούσιος νέργεια، وقد تعرَّضنا لهذه التعبيرات في مناسبة سابقة*. فإذا كان ما هو الله في ذاته هو نفس ما هو في شخص وفعل ابنه وكلمته المتجسد، فإن جوهر οσία الله يجب أن يُفهم بشكل مختلف تمامًا عما كان في الفكر اليوناني.
فبالنسبة لله، اللوغوس الكائن في الجوهر νούσιος Λόγος والفعل أو الطاقة الكائن في الجوهر νούσιος νέργεια، إنما يعبِّران عن حقيقة أن جوهر الله ليس بلا كلمة أو بلا فعل، أي ليس صامتًا أو خاملاً ساكنًا، بل هو بليغ وفعَّال. وجوهر الله ينبغي فهمه بكونه جوهر متحدِّث وبليغ، لأن جوهر الله وكلمته متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فصميم جوهره هو الكلمة وصميم كلمته هو الجوهر.
وبالمثل أيضًا، فإن جوهر الله هو جوهر فعَّال ديناميكي، لأن جوهر الله و فعله أو طاقته متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فجوهره هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله*.
وهكذا صاغ آباء نيقية مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος تحت تأثير إعلان الله عن ذاته، وعمله الخلاصي في يسوع المسيح، وقد ساهم هذا المصطلح بالفعل في دعم وتعميق العقيدة المسيحية المتميزة عن الله.
[1] ارجع إلى مفهوم القديس إيرينيئوس عن ’قانون الحق‘ في الفصل الأول:
Adv. Haer., 1.20, vol. 1, p. 87f; 1.15, pp. 188f; 2.8.1, p. 272; 2.40f, pp. 347ff; 3.1-5, vol. 2, pp. 2-20; 3.11.7, pp. 41; 3.12.6f, pp. 58ff; 3.15.1, p. 79; 3.38.1f, pp. 131f; 4.57.2ff, pp. 273ff; 5. Pref., p.313f; 5.20.1f, pp. 377ff; and Dem., 1-6.
ارجع أيضاً إلى مفهوم أوريجينوس في الفصل الأول عن ’قانون التقوى‘ الذي يمكِّن الكنيسة من فهم وتفسير الكتب المقدسة وفقاً ل ’فكر المسيح‘:
66 Athanasius, Con. Ar., 1.55; 2.44; 3.28ff; De decr., 10f, 14, 19-22; De syn., 38-45; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.8.Cf. also Ep. Euseb., 5- appended to the De decr.
67 Athanasius, De decr., 24; Ad episc., 4, 9, 12f; De syn., 39, 42, 45; Con. Ar., 1.1, 8ff, 15, 37, 53; 2.1ff, 33, 72; 3.18f, etc.
68 Athanasius, De decr., 18f, 32; Hilary, De syn., 88, 91.
وقد أشار القديس أثناسيوس إلى أن المصطلحات غير الإنجيلية التي استُخدمت، كانت مأخوذة بالفعل من آباء سابقين:
De decr., 18, 25; De syn., 43; cf. 33ff. See C. Stead’s examination of the use of οσία and μοούσιος before the Council of Nicaea, op. cit., pp. 199-232.
69 Athanasius, De decr., 18, 21; De syn., 39, 41, 45; Con. Ar., 2.3; Ad Afr., 9; Ad episc., 4, 8; cf. Ad Ant., 8.
70 Athanasius, De decr., 10f.
ينطبق هذا الأمر على الأفعال ’يخلق‘ و’يصنع‘:
De decr., 11; De syn., 51. Cf. Hilary, De syn., 17; Basil, Con. Eun., 2.23; Gregory Naz., Or., 20.9.
انظر أيضًا للمؤلف:
‘The Hermeneutics of St Athanasius’, Ekklesiastikos Pharos, vol. 52, 1970, pp. 446-468; 89-106; 237-49; vol. 53, 1971, pp. 133-149.
71 Athanasius, Con. Ar., 2.3. Cf. also Gregory Naz., Or., 42.16; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.37, and Hilary, De Trin., 4.14.
[12] وفي ضوء هذا الاستخدام المتنوع للمصطلحات، أعلن القديس أثناسيوس أن كل مجمع له أسبابه ومنطقه في استخدام لغته الخاصة. De syn., 45
76 G.L. Prestige, Fathers and Heretics, 1954, p. 88; God in Patristic Thought, pp. 168f, 188f. See also, T.F. Torrance, Theology in Reconciliation, 1975, pp. 243ff; and Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.
77 Athanasius, Ad Ant., 5-6.
* ارجع إلى صفحتي 103، 104 في الفصل الثاني. المترجم
* إن الحديث عن أن الله يتعامل معنا بأفعاله أو طاقاته وليس بجوهره، ينبغي ألاّ يُفهم بمعنى وجود ثنائية في الله وكأن الله مثل دائرتين لهما مركز واحد: واحدة داخلية تمثل الجوهر وحولها الأخرى مثل الهالة تمثل فعل الله أو طاقته. وحيث إن الله لا توجد به مثل هذه الثنائية، فيمكننا أن نمثل جوهر الله وفعله أو طاقته كأنهما دائرتان متساويتان تمامًا ولهما مركز واحد أي كائنتان في بعضهما البعض تمامًا فيكون جوهر الله هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله.
ولكن مع ذلك تبقى علاقة الله معنا هي علاقة مشاركة من الخارج Κατ Μετοχν Επακτν أي علاقة خارجية. لأنه توجد هناك علاقة شركة في الجوهر وهي التي بين الآب والابن والروح القدس فقط، وهناك علاقة شركة خارجية مثل حلول الروح القدس علينا. المترجم
“لو لم يحرّكني سلطان الكنيسة الجامعة لما أمنت بالإنجيل”
(أوغسطين، ضد الرسائل المانيّة، 1، 1)
القديس فكنديوس والتقليد
كان قول القديس فكنديوس الليرنسي الشهير: “يجب أن نحفظ ما آمن الجميع به دائماً وفي كل مكان” (Commonitorium،2) ميزة رئيسة في موقف الكنيسة القديمة من الأمور الإِيمانيَّة. وهذا القول كان مقياساً مبدأ في الوقت نفسه. وكان التشديد الحاسم يقع هنا على استمرار التعليم المسيحي. والحق، أن القديس فكنديوس احتكم إلى “المسكونية” المزدوجة في الإيمان المسيحي -في المكان والزمان. فهذا الرؤية الكبيرة هي التي ألهمت القديس إيريناوس في أيامه: لقد انتشرت الكنيسة الواحدة في أرجاء العالم، لكنَّها تتكلَّم بصوت واحد وتحفظ الإيمان نفسه في كلّ مكان، كما سلَّمه الرسل الأطهار وحفظه وتعاقب الشهود، هذا الإيمان “الذي حُفظ في الكنيسة من أيام الرسل بواسطة تعاقب القسوس”.
هذان الوجهان للإيمان، بل بعدهما، لن ينفصلا، لأن “المسكونية” (universitas) و”القِدَم” (antiquitas) و”الإجماع في الرأي” (consensios) أمور متكاملة وليس أحد منها مقياساً صالحاً في حدِّ ذاته. لم يكن “القِدَم” في حدِّ ذاته ضمانة كافية للحقيقة إذا لم يثبِّته “الإجماع في الرأي” عند “القدماء”. و”الإجماع” في حد ذاته لم يكن باتّاً ما لم ترجع جذوره بشكل مستمر إلى الرسل. يقول القديس فكنديوس: نحن نعترف بالإيمان الحقيقي عن طريق الالتجاء إلى الكتاب المقدَّس والتقليد، “عن طريقين… أولاً عن طريق سلطان الكتاب المقدس، ومن ثمّ عن طريق تقليد الكنيسة الجامعة”.
لكن هذا الأمر لا يشير إلى وجود مصدرين للعقيدة المسيحية، لأن قانون الكتاب كان “تاماً” و”كافياً” في حدِّ ذاته ولأن “كل الأشياء (في الكتاب) كاملة وأكثر من كافية”. فماذا يجب أن يُكمَّل “بسلطان” آخر؟ ولماذا كان الرجوع إلى سلطان “الفهم الكنسي” ضرورياً؟ لقد كان السبب واضحاً وهو أن كلّ مسيحي شرع في تفسير الكتاب بشكل مختلف، “لدرجة أن المرء يكاد يصل إلى الانطباع بأن هناك معاني مختلفة بمقدار عدد الناس”.
ولذلك قاوم القديس فكنديوس تعدّد الأفكار “الخاصة” بفكر الكنيسة “الواحد”، فكر الكنيسة الجامعة، فقال إنه يجب أن “نوجِّه تفسير كتب الأنبياء والكتابات الرسولية وفق قاعدة التفسير الكنسي الجامع”. فلم يكن للتقليد عنده وجود مستقل، ولم يكن مصدراً مكمِّلاً للإيمان. “فالفهم الكنسي” لا يضيف شيئاً إلى الكتاب المقدَّس، لكنه كان الوسيلة الواحدة للتحقق من المعنى الصحيح للكتاب ولكشفه. كان التقليد التفسير الموثوق به، وبهذا المعنى يمتد امتداد الكتاب. وكان التقليد “الكتاب المفهوم بشكل صحيح”. وكان الكتاب، عند القديس فكنديوس، القانون الأوحد والرئيسي والنهائي للحقيقة المسيحية (Commonitoriun الإصحاح 2 و28).
المسألة التفسيرية في الكنيسة القديمة
في هذا المجال وافق القديس فكنديوس كلياً التقليد القائم في الكنيسة. فعبارة القديس إيلاريون واتيه الرائعة التي تقول : “إن الكتاب ليس في قراءته، بل في فهمه” (إلى كونستانس، 2، 9، مجموعة الآباء اللاتين، مين 10، 570) كرَّرها القديس إيرونيموس “جيروم” (الحوار ضد لوكيفاروس، 28، مجموعة الآباء اللاتين مين 23، 190-191). ولقد ظلّت مشكلة التفسير الصحيح للكتاب المقدس حادّة حتى القرن الرابع أثناء صراع الكنيسة مع الآريوسيين، وما خفَّت حدَّتها عماّ كانت عليه في القرن الثاني أثناء مقاومة العرفانيين والصباليوسيين والمونتانيين.
فكلّ أطراف النزاع احتكمت إلى الكتاب، حتى إن الهراطقة والعرافايين والمانويين استشهدوا بفصوله وآياته واحتكوا إلى سلطانه. وكان التفسير في تلك الفترة أهمّ منهج لاهوتي ولعلَّه كان المنهج الأوحد، وكان سلطان الكتاب مطلقاً وسامياً. وكان الأرثوذكسيون يتّجهون إلى طرح السؤال التفسيري الحاسم: ما هو مبدأ تفسير الكتاب؟ لكنَّ لفظة “الكتاب المقدس” أشارت في القرن الثاني بصورة أساسية إلى العهد القديم، ولذلك اعترض مركيون (مرقيون) بقوة على سلطان أسفار العهد القديم رفض الاعتراف بها. بناء عليه أصبح برهان وحدة العهدين ضرورية. ما هو أساس الفهم المسيحي والخريستولوجي “للنبوءة”، أي للعهد القديم وما هو مبرِّره؟ ففي تلك الحقبة أُثير أولاً سلطان التقليد.
فالكتاب ينتمي إلى الكنيسة ولذلك يُفهم بشكل وافٍ ويُفسَّر بشكل صحيح فيها وضمن جماعة الإيمان القويم فقط. أمَّا الهراطقة، أي الذين خارج الكنيسة، فلم يملكوا مفتاح فكر الكتاب، لأنه لم يكن الاستشهاد بكلام الكتاب كافياً إذ يجب على الإنسان أن يَشرح معنى الكتاب الحقيقي والقصد منه بشكل كليّ وأن يُدرك مسبقاً نموذج الإِعلان الكتابي ومخطط عناية الله المخلِّصة. وهذا لن يتحقَّق إلاَّ بالرؤية الإيمانية. فبالإيمان كان “الإقرار بالمسيح” (Christiuszeugniss) في العهد القديم مفهوماً. فبالإيمان أُكِّدت بشكل صحيح وحدة الأناجيل ذات الأشكال الأربعة لكنَّ هذا الإيمان لم يكن تأملاً فردياً كيفياً، بل كان إيمان الكنيسة المتأصل في البشارة الرسولية وفي الكرازة (kerygma) أمَّا الذين خارج الكنيسة فتعوزهم هذه الرسالة الأساسية، التي هي قلب الإنجيل.
فالكتاب عندهم حرف ميت ومجموعة من النصوص والسير غير المترابطة. إنهم حاولوا ترتيبها وفق طريقتهم الخاصة التي استقوها من مصادر غريبة. فأتى إيمانها مختلفاً. هذه هي حجة ترتليان في مبحثه “معارضة الهرطقة” (De praescriptione). فهو لم يشأ أن يبحث الكتاب مع الهراطقة، إذ لا حقّ لهم في استعماله لأنه لا يخصّهم. الكتاب ملك الكنيسة. ولذلك أكّد ترتليان بشدة على أولوية “قانون الإيمان” (regula fidie) الذي هو المفتاح الأوحد لفهم معاني الكتاب. وهذا “القانون” كان رسولياً ومتأصّلاً في تعليم الرسل ومستمداً منه.
وصف تُرنير (C.H.Turner) بشكل صحيح معنى هذا الاحتكام إلى “قانون الإيمان” وغاية الرجوع إليه في الكنيسة الأولى، فقال: “عندما تحدَّث المسيحيون عن “قانون الإيمان”بكونه قانوناً “رسولياً”… لم يعنوا به أن الرسل اجتمعوا لصياغته… بل عنوا به أن الاعتراف بالإيمان الذي علَّمه الرسل وأودعوه تلاميذهم ليعلِّموه هم من بعدهم”. كان هذا الاعتراف هو هو في كل مكان، رغم أن أسلوب التعبير قد يتغيَّر من مكان إلى مكان وكان دوماً وثيق الصلة بدستور المعمودية. وخارج هذا “القانون” لا يمكن إلاَّ أن يفسَّر الكتاب تفسيراً خاطئاً.
فالكتاب والتقليد، عند ترتليان، متلازمان دون انفصال: “حيثما يتّضح التعليم المسيح الحقّ والإيمان المسيح القويم نجد الكتاب المقدَّس الحقيقي والتفسير القويم والتقليد المسيحي الحقيقي”. فتقليد الإيمان الرسولي كان المرشد الضروري لفهم الكتاب والضمانة الأساسية للتفسير الصحيح. لكنَّ الكنيسة لم تكن سلطة خارجية مهمتها أن تحكم على الكتاب، بل أن تحفظ الحقيقة الإلهية المودعة فيه. (E.Flesseman وأنظر مقدمة R.F.Refoulé وملاحظاته في كتاب”في المبادئ”).
القديس إيريناوس و”قانون الحقيقة”
عند دحض القديس إيريناوس سوء استعمال العرفانيين الغنوصيين للكتاب المقدَّس أورد تشبيهاً رائعاً، فقال: صنع فنَّان موهوب صورة جميلة لأحد الملوك من الجوهر الثمينة، لكنَّ شخصاً آخر فكَّ هذه الحجارة وأعاد ترتيبها بأسلوب آخر ليقدِّم صورة كلب وثعلب. ثم زعم أن هذه الصورة هي الصورة الأصلية التي صنعها الفنَّان الأول، وتعلَّل قائلاً إن الحجارة (أو الفسيفساء psiphides) أصلية. والحق أن التصميم الأصلي قد تهدَّم و “صاع نموذج الإنسان الموضوع”. هذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس.
فهم يتجاهلون ويمزِّقون “الترابط والترتيب” الموجودين في الكتاب المقدس، “ويقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعابيرهم وأمثالهم أصيلة، لكنَّ قياسهم (أو تصميمهم) (hypothesis) كيفيّ وخاطئ (ضد الهرطقة 1، 8، 1). ثمّ أورد هذا القديس تشبيهاً آخر. كانت مختارات من شعر هوميروس متداولة في تلك الأيام، لكنها استخدمت جزافاً وبعيداً عن سياقها وأُعيد ترتيبها بشكل كيفيّ. فكانت الأبيات كلُّها هوميروسية، لكنَّ القصة الجديدة التي اخترعها الناس بسبب إعادة ترتيب الأبيات لم تعد هوميروسية أبداً.
وكذلك ينخدع الإنسان بسهولة بهذا الأسلوب الذي يبدوا هوميروسياً (1، 9، 4). ويجدر بنا أن نشير إلى أن ترتليان ذكر أيضاً هذه المختارات الشعرية (centones) من أبيات هوميروسية وفرجيلية (معارضة الهراطقة 39). ويبدو أن هذا الأسلوب كان مألوفاً في الأدب الدفاعي آنذاك. أمَّا النقطة التي أراد القديس إيريناوس أن يوضحها فهي أن للكتاب نموذجه وبنيته الداخلية وتآلفه، لكنَّ الهراطقة ينكرون هذا النموذج وبالأحرى يستبدلونه بنموذجهم الخاص. وبكلام آخر، إنهم يعيدون ترتيب الشواهد الكتابية على أسس غريبة عن الكتاب نفسه.
فأكد القديس إيريناوس أن الذين يحفظون بقوة “قانون الحقّ” الذي تسلَّموه في المعمودية لن يجدوا صعوبة في “إعادة كلّ عبارة إلى مكانها الصحيح”، ولن يعجزوا عن مشاهدة الصورة الحقيقية. إن العبارة الواقعية التي استعملها القديس إيريناوس فريدة وخاصة به وهي “الملائم لجسم الحقيقة” (prosarmosas tis alithias somation) وترجمتها اللاتينية القديمة غير المتقنة: (corpusculum veritatis) أمَّا معناها فواضح جداً، لأن لفظة (Somation) “جسم” ليس تصغيراً، بل تشير إلى “الجسم” (corpus) إلى السياق الصحيح والبنية الأصلية و”الصورة الصحيحة” والترتيب الأولى للحجارة (أو الفسيفساء) والأبيات. ولذلك يجب أن يرشدنا “قانون” الإيمان، في رأيه، إلى قراءة الكتاب المقدَّس، لأن المؤمنين يلتزمونه باعترافهم به في المعمودية، ولأن هوية الرسالة الأساسية و”حقيقة” الكتاب تعيّنان به بصورة صحيحة.
أم العبارة الفضَّلة لدى القديس إيريناوس فكانت “قانون الحقّ” (Kanon tis alitheias، Regula veritatis). والواقع أن هذا “القانون” لم يكن سوى شهادة الرسل وكرازتهم وبشارتهم، التي “أودعت” في الكنيسة وعُهد بها إليها من الرسل وحُفظت بصدق وسُلِّمت بإجماع عام في كلّ الأمكنة عبر تعاقب الرعاة “الذين تسلَّموا موهبة الحقيقة الثابتة إلى جانب التعاقب الرسولي”. ومهما كان المدلول الدقيق والمباشر لهذه العبارة التي تزخر بالمعاني (أكد البعض أن “موهبة الحقيقة” كانت العقيدة الرسولية الحقيقة الرسولية في الإعلان الإلهي، حتى أن إيريناوس لم يشر إلى أية موهبة كهنوتية خاصة بالأساقفة. راجع Karl Müller) فلن يعترينا الشك في أن هذه الحفظ الدائم للإيمان المودَع ونقله تحققا، عند القديس إيريناوس، بحضور الروح القدس في الكنيسة. لقد كان مفهوم الكنيسة عنده قائماً على “المواهب” و”المؤسسة” بآن واحد.
وكان “التقليد”، في مفهومه، “وديعة حيَّة” (Juvenescens depositum) أعطيت للكنيسة لتكون نسمة جديدة للحياة، مثل نسمة الحياة التي أُسبغت على الإنسان الأول (aspiration plasmationis quemadmodum 1، 24، 3). والأساقفة وو “القسوس” كانوا حرَّاساً مفوَّضين في الكنيسة وخدَّاماً للحقيقة التي أُدعت فيها. “حيثما تودع posita sunt” مواهب (charismata) الرب يحسن تعلّم الحقيقة ممن عندهم التعاقب الكنسي الآتي من الرسل (successio apud quos est ea quae est ab apostolis ecclesiae) وممن عندهم التصرف اللائق الذي لا عيب فيه وممن ينطقون بكلام طاهر لا غش فيه. فهؤلاء يحفظون أيضاً إيماننا هذا بالإله الواحد الذي خلق كلّ شيء، ويكثرون محبتنا لابن الله الذي أتمَّ تدبيراً عظيماً كهذا من أجلنا، ويفسرون لنا الكتاب من دون خطر ولا يجدِّفون على الله ولا يزدرون البطاركة ولا يحتقرون الأنبياء” (5، 26، 4).
قانون الإيمان (Regula fidei)
كان التقليد في الكنيسة الأولى مبدأ تفسيرياً ومنهجاً تفسيرياً أيضاً، لأننا لا نقدر أن نفهم الكتاب فهماً صحيحاً وكاملاً إلاَّ على ضوء التقليد الرسولي الحيّ وفي إطاره. وهذا التقليد كان عاملاً أساسياً في الوجود المسيحي، لا لأنه يقدر أن يضيف شيئاً إلى ما أعلن في الكتاب، بل لأن يزوِّد بالإطار الحيّ وبالمنظور الواسع اللذين يُكتشف ويُفهم بهما “القصد” الحقيقي من الكتاب والإعلان الإلهي و”تصميمهما” الكامل.
كانت الحقيقة عند القديس إيريناوس “منهجاً راسخ الأساس” و”جسماً حيّاً” (corpus) (ضد الهراطقة 2، 27، 1) “ولحناً متآلف النغمات” (3، 38، 2). لكننا لا ندرك هذا “التآلف” إلاَّ بالرؤية الإيمانية. الحق، أن التقليد لم يكن مجرَّد نقل لعقائد متوارثة “على الطريقة اليهودية”، بل كان الحياة المستمرة في الحقيقة (5). ولم يكن قلباً بلا حراك ومُركباً من القضايا الملزمة، بل كان تبصرا في معنى الأحداث المعلَنة وتأثيرها في كشف “الإله الفاعل”.لقد كان هذا الأمر حاسماً في حقل التفسير الكتابي.
إن ج.ل.برستيج أحسن في قوله: “إن صوت الكتاب يُسمع بوضوح إذا ما فُسِّرت نصوصه برؤية واسعة وبطريقة منطقية وباتفاق مع الإيمان الرسولي ومع دليل الممارسة التاريخيَّة للمسيحية. فالهراطقة هم الذين عوَّلوا على نصوص منعزلة والمسيحيون الأصيلون تنبَّهوا أكثر من المبادئ الكتابية”. وعندما لخَّصت الدكتورة إلين فليسيمانفان لير تحليلها الدقيق لاستعمال التقليد في الكنيسة الأولى، قالت: “إن الكتاب من دون تفسير ليس كتاباً على الإطلاق، وعندما نستخدمه ويصير حياًّ يكون كتاباً مفسَّراً”. فيجب أن نفسِّر الكتاب وفقاً “لمضمونه الأساسي” المعلَن في “قانون الإيمان” (Regula fidei). وهكذا يكون هذا “القانون” مَثَلاً يوجّه تفسير الكتاب. “فالتفسير الحقيقي للكتاب هو التقليد وبشارة الكنيسة”
القديس أثناسيوس و”غاية الإيمان”
في القرن الرابع لم تتبدَّل الأحوال، لأن الصراع مع الآريوسيين دار أيضاً حول مسألة تفسير الكتاب، على الأقل في المرحلة الأولى من هذا الصراع. فجاء الآريوسيون وأنصارهم بمجموعة كبيرة من النصوص الكتابية ليدافعوا عن موقفهم العقيدي، وأرادوا حصر البحث اللاهوتي في المجال الكتابي وحده. ولذلك كانت مواجهتهم في هذا الإطار ضرورية في بادئ الأمر.
ومهجهم التفسيري أي طريقة معالجتهم للنص، كان مطابقاً لمنهج الذين انشقوا عن الكنيسة في القرون الأولى. فهم اهتموا بالنصوص التي اختاروها لتأييد موقفهم، من غير أن يلتفتوا إلى السياق العام للإعلان. ولذلك اضطر الأرثوذكسيون إلى الاحتكام إلى فكر الكنيسة، إلى “الإيمان” الذي أُعلن مرة وحُفظ بصدق. وهذا كان اهتمام القديس أثناسيوس الأساسي ومنهجه الاعتيادي.
لقد استشهد الآريوسيون بمقاطع كثيرة من الكتاب ليقيموا الدليل على ما ناضلوا من أجله وهو أن المخلِّص مخلوق. في جواب القديس أثناسيوس كان الاحتكام إلى “قانون الإيمان” واضحاً في قوله: “لنصلح، نحن الذين اقتنينا غاية الإيمان (to Skopon tis pisteos) المعنى الصحيح (orthisn tin dianian) لما فسَّروه بشكل خاطئ” (ضد الأريوسيين 3، 35). وأكَّد القديس أثناسيوس أن التفسير “الصحيح” لنصوص معيَّنة يصبح ممكناً من خلال المنظور الإيماني كله فقط: “ما يتعلَّلون به من الأناجيل يفِّسرونه بشكل خاطئ، إذا ما قبلنا نحن المسيحيين غاية الإيمان (Himas tous christianous pisteos ton skopon tis Kath) وقرأنا الكتاب مستعملين هذه الغاية قانوناً (osper Kanoni chrisameni)”.
من جهة ثانية يجب أن نهتمّ اهتماماً شديداً بالسياق المباشر لكلّ جملة وتعبير وبإبراز قصد الكاتب الصحيح بدقة (1، 54). وعندما كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس أكَّد له أن الآريوسيين يجهلون “غاية الكتاب المقدس” (إلى سرابيون 2، 7 وإلى أساقفة مصر، 4) “لأنهم يهتمون بما يُقال ويتجاهلون معناه”. كانت لفظة (skopos) “لغاية” عند أثناسيوس موازنة لفظة (hypothesis) عند إيريناوس للإشارة إلى “الفكرة” الأساسية والتصميم الصحيح والمعنى المقصود (راجع Guido Müller، lexicon Athanasianum) وكانت لفظة (skopos) مألوفة في اللغة التفسيرية عند عدد من المدارس الفلسفية، وخاصة عند الأفلاطونية الحديثة.
إن التفسير قام بدورٍ كبير في المحاولات الفلسفية في ذلك الوقت ولذلك كان إثارة السؤال عن المبدأ التفسيري ضرورياً. فالفيلسوف إيامفليخوس كان نموذجياً في هذه النقطة. لقد كان من واجب الإنسان أن يكتشف “النقطة الرئيسية” والموضوع الأساسي في البحث الذي يدرسه وأن يحفظها في ذهنه دائماً (9). ومن الجائز أن يكون القديس أثناسيوس ملماً بالاستخدام التقني لهذه اللفظة، ولذلك أكَّد أن الاستشهاد بفصول ومقاطع معزولة من الكتاب المقدَّس بعيداً عن قصد الكتاب الإجمالي أمر مضلِّل. ونخطئ إذا فسَّرنا لفظة (skopos) عند أثناسيوس بأنها “المعنى العام” للكتاب. “فغاية” الإيمان و “غاية” الكتاب هي الفحوى العقيدي الموجود بكثافة في “قانون الإيمان”، كما حفظته الكنيسة وكما “انتقال من “أب إلى أب” في وقت لا نجد فيه “آباء” عند الآريوسيين (في قوانين مجمع نيقية، 27)”.
ولاحظ الكاردينال نيومان (Newman) أن القديس أثناسيوس عدَّ “قانون الإيمان” المبدأ الأسمى للتفسير و”عارض أفكار الهراطقة الخاصة في طريق الفكر الكنسي” (ضد الآريوسيين 1، 44). فكان يوجز المرة تلو المرة معتقدات الإيمان المسيحي الأساسية عند تدقيقه في الحجج الآريوسية قبل أن يمتحن النصوص التي يتعللون بها في براهينهم، حتى يعيد النصوص إلى منظورها الصحيح، أمَّا تُرنير (H.E.W.Turner) فوضف طريقة أثناسيوس التفسيرية فقال : “أصرَّ (أثناسيوس) على اتخاذ مرمى إيمان الكنيسة العام قانوناً للتفسير ضد التقنية الآريوسية المفضَّلة التي يؤكد المعنى المنطبق على قواعد اللغة من غير أن تنظر إلى سياق الكلام وإلى الإطار العام لتعليم الكتاب بكلِّيته.
فتعامى الآريوسيون عن المدى الواسع الذي يتمتع به اللاهوت الكتابي. ولذلك اخفقوا في النظر إلى سياق الكلام الذي تقع فيه نصوصهم الإثباتية. فيجب أن يُحسب معنى الكتاب نفسه كتاباً (مقدَّساً). وهذا المبدأ عُدَّ تخلِّياً عن الاحتكام إلى الكتاب واستبداله ببرهان مأخوذ من التقليد. ومن الأكيد أنه اذا وُضع في أيدِ لا تحرص عليه، فإنه يؤدي إلى تقييد كليّ للكتاب المقدس، كما حاولت عَقَديّة (دوغماتيّة) الآريوسيين والعرفانيين أن تفعل. ولكن هذا الأمر لم يكن قصد القديس أثناسيوس نفسه، الذي حسب الاحتكام إلى التقليد انتقالاً من تفسير ثمِل إلى تفسير صاح، ومن تشديد حرفي قصير النظر إلى معنى غاية الكتاب”
ولكن يبدو أن البروفسور تُرنير (Turner) ضخم الخطر، لأن. البرهان كان كتابياً، فالقديس أثناسيوس قبل مبدئياً كفاية الكتاب المقدس الموحى به للدفاع عن الحقيقة (ضد الوثنيين 1). إن الكتاب يجب تفسير في إطار التقليد الإيماني الحيّ، بتوجيه من “قانون الإيمان”. أمَّا هذا “القانون” فلم يكن أبداً سلطة “غريبة” “تُفرض” على الكتاب المقدس. فهو “البشارة الرسولية” نفسها، المدوَّنة باختصار (in epitome) في أسفار العهد الجديد.
كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون : “لننظرنّ إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي أعطاه الرب وبشَّر به الرسل وحفظه الآباء، لأن الكنيسة أسِّست عليه” (إلى سرابيون 1، 28). هذا المقطع هو من ميزات القديس أثناسيوس، فهناك ثلاث ألفاظ متطابقة فيه “التقليد” (Paradosis) هو من المسيح نفسه، و”التعليم” (Didascalia) هو بواسطة الرسل، و”الإيمان” (Pistis) هو من الكنيسة الجامعة. وهذا هو أساس الكنيسة -الأساس الأوحد والفريد (12). الكتاب نفسه ينتمي إلى هذا “التقليد” الذي يأتي من الرب. وفي الفصل الختامي من رسالته الأولى إلى سرابيون يعود القديس أثناسيوس مرة ثانية إلى النقطة نفسها فيقول: “إنني سلَّمت التقليد وفق الإيمان الرسولي الذي تسلَّمته من الآباء، من غير أن أبتدع شيئاً من الخارج. فسلّمته مثلما تعلّمته من الكتب المقدسة” (1، 33).
وأشار مرة القديس أثناسيوس إلى الكتاب نفسه هو “التقليد” (paradosis) رسولي (إلى أدلفيون 6). والشيء المميَّز هو أنه لم يذكر أبداً لفظة التقليد بصبغة الجمع في نقاشه مع الآريوسيين. فكان يرجع دائماً إلى لفظة “تقليد” – أي “التقليد”، التقليد الرسولي، الذي يحوي كلّ فحوى البشارة الرسولية، والذي كان موجزاً في “قانون الإيمان”. وكانت وحدة التقليد وتماسكه النقطة الأساسية والحاسمة في كلّ البرهان الذي قدَّمه.
هدف التفسير و”قانون العبادة”
كان الاحتكام إلى التقليد احتكاماً إلى فكر الكنيسة، لأنه افتُرض أن الكنيسة كانت تملك معرفة الحقيقة وفهمها، إي حقيقة الإعلان و”معناه”. فالكنيسة كان عندها السلطان لنشر الإنجيل وتفسيره. لكن هذا لا يدلّ على أن الكنيسة كانت “فوق” الكتاب، فهي كانت تقف بجانبه مؤيِّدة إياه من دون أن تتقيَّد “بحرفه”. فالهدف الأول للتفسير كان في إظهار معنى الكتاب المقدس وغايته وبالأحرى معنى الإعلان و”تاريخ الخلاص” (Heilsgeschichte). كان واجب الكنيسة أن تبشِّر بالمسيح لا “بالكتاب” فقط.
ولذلك لا نقدر أن نفهم استعمال التقليد في الكنيسة القديمة بشكل صحيح إلاَّ في إطار الاستعمال الفعلي للكتاب. فالكلمة حُفظت بشكل حيّ في الكنيسة فانعكست على حياتها وبنيتها، لأن الإيمان والحياة تلاحما عضوياً. ويحسن أن نذكر في هذا المجال مقطعاً شهيراً من “النعمة الإلهية” (de gratia Dei Indiculus) المنسوب خطأً إلى البابا كلستينوس، لأن وضعه الحقيقي هو القديس بروسبر من أكويتانيا : “هذه هي قرارات الكرسي الرسولي المقدس التي لا يمكن نقدها، والتي قضى بها آباؤنا على الابتداع المهلك… لننظر إلى الصلوات المقدسة التي يرفعها كهنتنا بتماثل في كل كنيسة جامعة في العالم كلّه وفقاً للتقليد الرسولي. وليؤكد قانون العبادة قانون الإيمان”.
ويصحّ القول أن هذه العبارة في سياقها المباشر لم تكن صبغة لمبدأ عام، لأن القصد المباشر منها كان محصوراً في نقطة أساسية واحدة وهي أن معمودية الأطفال شاهد يدلّ على حقيقة الخطيئة الجدية. والحق أنه ما كان إعلاناً بابوياً جازماً، بل رأي خاص للاهوتي صرح به في جو من الصراع الحار. لكن لم تؤخذ هذه العبارة خارج سياقها المباشر ولم تغيَّر قليلاً، غفو ونتيجة لسؤ فهم، لتعبر عن المبدأ التالي: “يجب أن يبنى قانون العبادة قانون الإيمان” (crededi statuat lex orandi ut legem). “فالإيمان” وجد تعبيره الأول في الصِيغ الليتوجية والأسرارية والطقسية، و”دساتير الإيمان” برزت أولاً كجزء أساسي من خدمة إدخال المؤمنين الجدد إلى الكنيسة. يقول كيلي (J.N.D.Kelly): “إن الملخصات العقيدية الخاصة بالإيمان، تصريحيَّة كانت أم استفهامية، هي حصيلة الليتوجيا، ولذلك عكست ثباته وطواعيتها”. لقد كانت “الليتورجيا” بمعناها الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنيسي. أمَّا البرهان الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنسي.
أمَّا البرهان المتخذ من “قانون الصلاة” (Lex orandi) فكان يُستخدم دائماً في النقاشات التي دارت في أواخر القرن الثاني. فعبادة الكنيسة كانت تعبيراً احتفالياً عن إيمانها. ولعلَّ استدعاء اسم الله في المعمودية كان الصبغة الثالوثية المبكِّرة، مثلما كان سرّ الشكر الشاهد الأول لسرّ الخلاص في مثله. والعهد الجديد نفسه برز إلى حيِّز الوجود “ككتاب مقدس” في الكنيسة المصلية، لأنه كان يُقرأ أولاً في جو العبادة والتأمل.
القديس باسيليوس و”التقليد غير المدوَّن”
اعتاد القديس إيريناوس أن يرجع دائماً إلى “الإيمان” كما سُلّم في المعمودية. وكان ترتليان والقديس كبريان يستخدمان البراهين الليتورجية. والقديس أثناسيوس والكبادوكيون استخدموا البرهان نفسه. لكن توسيع هذا البرهان القائم على التقليد الليتورجي نجده عند القديس باسيليوس. ففي مواجهته للآريوسيين بصدد الروح القدس بنى برهانه الأساسي على تحليله للمجدلات كما كانت تُستخدم في الكنائس. وكتابه “في الروح القدس” دوِّن بشكل اقتضائي، أي في نار الصراع اليائس، فخاطب ظرفاً تاريخياً خاصاً، لكنه عُني بمبادئ البحث اللاهوتي ومناهجه.
في مبحثه هذا سعى القديس باسيليوس إلى البرهنة على نقطة حاسمة في عقيدة الثالوث الأقدس وهي مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة (Homotimia) للأقنومين الأخرين. أمَّا مرجعه الأساسي فكان الشهادة الليتورجية في أي المجادلة التي تحوي عبارة “مع الروح” والتي برهن أنها استُخدمت كثيراً في الكنائس. هذه العبارة غير موجدة في الكتاب المقدس لكنَّ التقليد صدَّق عليها.
أمَّا أخصامه فلم يقبلوا إلاَّ بسلطان الكتاب المقدس، ولذلك حاول أن يبرهن شرعية الاحتكام إلى التقليد. فهو أراد أن يثبت مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة، أي ألوهيته التي آمنت بها الكنيسة دائماً والتي كانت جزءاً من الاعتراف بالإيمان أثناء المعمودية. وكما أشار بحق الأب ب. بروش (Benoit Pruche)، كانت لفظة (homotimos)، عند القديس باسيليوس، معادلة للفظة “الواحد في الجوهر” (homoousios). ولم يكن هناك الكثير من الجدة في هذا المفهوم للتقليد، إذا استثنينا الدقة واتساق الكلام. ولكنَّ للعبارة ميزة خاصة. يقول : “إن العقائد والتعاليم التي حُفظت في الكنيسة حصلنا على بعض منها من التعليم المكتوب وعلى بعض الآخر في سرّ (en mystirio) سُلّم إلينا من تقليد الرسل. ولهما نفس الفاعلية بالنسبة إلى التقوى” (في الروح القدس 66).
يظن المرء في النظرة الأولى أن القديس باسيليوس أدخل هنا سلطتين وقاعدتين أي الكتاب والتقليد. والحق، أنه كان بعيداً كلّ البعد عن هذا الأمر، لأن استخدامه للألفاظ كان خاصاً. فلفظة (kerygmata) تشير عنده إلى ما يسمَّى اليوم “بالعقائد” أي التعليم الرسمي الذي يُعتمد عليه في أمور الإيمان، والتعليم العلني. ولفظة (domata) كانت عنده مجموعة الأعراف و”العادات غير المدوَّنة” وبنية الحياة الليتورجية والأسرارية. لا ننسى مفهوم لفظة (dogma) لم يكن ثابتاً وأن هذه اللفظة لم تكن قد أخذت مدلولاً ثابتاً ودقيقاً في أيامه. في أي حال يجب أن لا نرتبك في رأي القديس باسيليوس الذي يقول إن الـ (dogmata) سلَّمها الرسل “في سرّ” (en mystirion).
ونخطئ إذا ترجمناها بلفظة “الخفية”. فالترجمة الصحيحة هي “عن طريق الأسرار”، أي تحت شكل الاستخدامات الليتورجية والطقوس و”العادات” الليتورجية. هذا ما قاله بالضبط باسيليوس الكبير نفسه عندما كتب أن “معظم الأسرار وصلتنا بطريقة غير مكتوبة”. أمَّا لفظة “الأسرار” (ta mystica) فتشير هنا بالتأكيد إلى سرَّي المعمودية والشكر الذين يرجعان، في رأي القديس باسيليوس، إلى أصل “رسولي”. في هذا الصدد يستشهد باسيليوس بالرسول بولس عندما يذكر “التسليم” التي تسلَّمها المؤمنون “مشافهة وكتابةً إليهم” (2 تسا2 : 15، كور 11: 2). فالمجدلة التي تحدثنا عنها هي الواحدة من هذه “التقاليد” (71، أنظر أيضاً 66): “شرع الرسل والآباء منذ البدء في الاهتمام بكل ما يختص بالكنائس، فحفظوا في السّر والصمت هيبة الأسرار”).
والحق، أن كل المقاطع التي يستشهد بها القديس باسيليوس في هذا المجال لها طبيعة ليتورجية وطقسية، كرسم إشارة الصليب في خدمة قبول الموعوظين والاتجاه إلى الشرق أثناء الصلاة، وعادة الوقوف المستمر أثناء صلاة الآحاد، واستدعاء الروح القدس في القداس الإلهي، وتبريك الماء والزيت، ورفض الشيطان وكلّ مجده، والتغطيس في الماء ثلاث مرَّات في خدمة المعمودية. ويقول باسيليوس إن هناك العديد من “أسرار الكنيسة غير المدوَّنة” (66 و67) لم تُذكر في الكتاب، لكنها ذات أهمية وسلطة كبيرتين، وهي وسائل ضرورية للشهادة والاتحاد وأمور لا بدَّ منها لحفظ الإيمان الصحيح، وتأتي، كما يشير، من التقليد “الصامت” و”الخاص” : “من التقليد الصامت والصوفي ومن التعليم الذي لا يُعلن ولا يُقال”.
لم يكن هذا التقليد “الصامت والسرّي (mystical) وغير المعلَن” عقيدة باطنية مخصَّصة للنخبة، لأن “النُخبة” كانت الكنيسة. “فالتقليد” الذي يحتكم إليه القديس باسيليوس هو الممارسة الليتورجية في الكنيسة. إن القديس باسيليوس يلجأ هنا إلى ما نسمِّيه اليوم “نظام الكتمان” (disciplina aracni) الذي كان سائداً في القرن الرابع والذي دافعت عنه الكنيسة ودعمته. فكان ذا صلة بتأسيس رتبة الموعوظين وذا هدف تعليمي وتثقيفي. وهناك، على حدّ قول القديس باسيليوس، بعض “التقاليد” التي يجب أن تُحفظ بشكل “غير مدوَّن” لئلا تدنسها أيادي الهراطقة. هذه الإشارة تعود بوضوح إلى الطقوس والممارسات، ويجب أن نذكِّر هنا أن “دستور الإيمان” و”الصلاة الربَّانية” كانا في القرن الرابع جزئين من “نظام الكتمان” هذا، وأنه لم يكن جائزاً أن يعرضا لمن هم خارج الإيمان. كان دستور الإيمان مدخَّراً للذين يقبلون إلى المعمودية، في آخر مرحلة التعليم، أي بعد أن توافق الكنيسة عليهم وتدرجهم بكل إجلال في عداد “المستعدِّين للاستنارة”.
وكان الأسقف يقوم “بنقل” دستور الإيمان إليهم مشافهة، وكانوا هم يتلونه غيباً أمامه في خدمة “نقل” (traditio) و”ترداد دستور الإيمان” (redditio symboli). وكان يحثّ الموعوظين على عدم إفشاء دستور الإيمان لغير المؤمنين وعلى عدم تدوينه. فهو يجب أن يُحفر في قلوبهم. وهنا يكفي أن نستشهد “بمقدمة التعليم الديني” (Procatechesis) للقديس كيرلّس الأورشليمي في الفصلين 12و 17. وفي الغرب أيضاً أحسَّ روفينوس وأغوسطين بأنه لا يليق بالمسيحيين أن يدونوا دستور الإيمان على الورق.
ولذلك لم يذكر سوزمنوس في تاريخه نص الدستور النيقاوي “الذي كان يحق للمتنصرين وللمسارين (mystagogues) تلاوته وسماعه” (التاريخ الكنسي 1: 20). أمام هذه الخلفية وضمن هذا المحتوى التاريخي يجب أن نقوِّم ونفسر برهان القديس باسيليوس. فهذا أكد بقوة أهمية الاعتراف بالإيمان في المعمودية، الذي يتضمن التزام الإيمان بالثالوث الأقداس، الآب والابن والروح القدس (67 و26). كان هذا الاعتراف “تقليداً” يُسلم “في سرّ” إلى الذين تنصروا حديثاً ويُحفظ “بصمت”. ويتعرض المرء إلى خطر زعزعة “أساس الإيمان بالمسيح” إذا رفض وتجاهل هذا “التقليد غير المكتوب” (25).
فالفارق الأوحد بين العقيدة (dogma) و”التعليم” (kerygma) كان في طريقة نقلها: العقيدة تُحفظ “بصمت” أمَّا التعاليم “فتُنشر وتُعلن”. لكنَّ هدفها واحد، لأنهما يقدمان الإيمان نفسه ولو بطرق مختلفة. لكن هذه العادة الخاصة لم تكن مجرد تقاليد الآباء – لأن تقليداً كهذا لا يكون كافياً. فالآباء استقوا مبادئهم من “قصد الكتاب وغايته”. “إنهم اتبعوا رأي الكتاب واستقوا مبادئهم من شواهده”. إذن، لا يضيف “التقليد غير المكتوب” في طقوسه ورموزه، شيئاً إلى محتوى الإيمان الكتابي: فهو يكتفي بالتركيز على الإيمان في بعده المحرقي.
كان احتكام القديس باسيليوس إلى “التقليد غير المكتوب” احتكاماً إلى إيمان الكنيسة وإلى “المعنى الجامع” (sensus catholicus) وإلى “الفكر الكنسي”. لذلك اضطر إلى أن يزيل المأزق الذي خلقه أعداؤه الآريوسيون، الضيِّقو الأفق والمتمسكون تمسكاً كاذباً بحرف الكتاب المقدس. فرد على زعمهم قائلاً اننا لا نقدر أن نفهم قصد الكتاب وتعليمه بعيداً عن قانون الإيمان “غير المكتوب”. لقد كان القديس باسيليوس كتابياً في لاهوته بكلّ ما في الكلمة من معنى. فالكتاب عنده كان المقياس الأسمى للعقيدة (الرسالة 189، 3).
وتفسيره للكتاب كان رصيناً ومتَّزناً. إن الكتاب نفسه سر “للتدبير” الإلهي وسر للخلاص الإنساني، عمقه لا يُسبر غوره، لأنه كتاب “مُلهَم”، كتاب من الروح القدس. ولذلك يجب أن يكون تفسيره الصحيح روحياً ونبوياً. فموهبة التمييز الروحي ضرورية لفهم صحيح للكلمة المقدسة، “لأن ناقد الكلمات يجب أن ينطلق من الإستعداد الذي ينطلق منه المؤلف نفسه… وأرى أنه من المستحيل على كلّ إنسان أن يأخذ على نفسه التدقيق في كلمات الرب، ما لم يملك الروح الذي يهب قوة التمييز” (الرسالة 204).
ويُعطَى الروح في أسرار الكنيسة، لذلك يجب أن يُقرأ الكتاب تحت ضوء الإيمان وسط جماعة المؤمنين. ولهذا السبب كان تقليد الإيمان، كما سُلِّم من جيل إلى جيل، بالنسبة للقديس باسيليوس، المرشد الضروري والدليل في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره. إذن حذا القديس باسيليوس حذو القديس إيريناوس وأثناسيوس في هذا المجال. وكذلك أغسطين استخدم التقليد بطريقة مشابهة ولا سيما الشاهد الليتورجي.
الكنيسة مفسِّر للكتاب
كان للكنيسة سلطان تفسير الكتاب، لأنها المستودع الحقيقي الأوحد للتعليم الرسولي (Kerygma). فهذا التعليم حُفظ بطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطي لها. والكنيسة كانت تعلِّم “مشافهة” (viva voca) مودعة كلمة الله وموطدة إياها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” (viva vox Evangelu) لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها. أمَّا خارج الكنيسة وخارج خدمتها الكهنوتية القانونية “المتعاقبة” من أيام الرسل فلم يتمّ إعلان صحيح للإنجيل ولا تبشير قويم ولا فهم حقيقي لكلمة الله. إذن إن التفتيش عن الحقيقة في مكان آخر، أي خارج الكنيسة الجامعة الرسولية، سيكون بلا فائدة. هذا كان الإيمان المشترك في الكنيسة القديمة، من أيام القديس إيريناوس وحتى مجمع خلقيدونية وما بعده.
فالقديس إيريناوس كان نوذجياً في هذا المضمار، لأن الرسل، في رأيه، هم الذين حملوا ملء الحقيقة في الكنيسة : “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة” (ضد الهراطقة 3، 4، 1). والحق، أن الكتاب ألَّف القسم الأكبر من هذه “الوديعة” الرسولية، مثلما ألَّفت الكنيسة. فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتناقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح، موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح القدس يوجهها ويرشدها. ولذلك أكد أوريجنس وحدة الكنيسة والكتاب. وكانت مهمة المفسر، عنده، الإعلان عن كلمة الروح: “يجب أن ننتبه عندما نعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس” (في تفسير رومية 1، 3، 1). هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسولي المحفوظ في الكنيسة.
فأوريجنس شدد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تقدم على نحو جامع” (في تفسير اللاويين، العظة 4، 5). أما الهراطقة فيتجاهلون في تفسيرهن “قصد” الكتاب الحقيقي: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً ويحصدون شوكاً” (في تفسير إرميا العظة 7، 3). إن “قصد” الكتاب المقدس يرتبط بقوة “بقانون الإيمان”.
هذا هو موقف الآباء في القرن الرابع والقرون اللاحقة الذي ينسجم كلّياً مع تعليم الأقدمين. فالقديس إيرونيموس، رجل الكتاب العظيم، أورد الفكرة نفسها بأسلوبه القوي الحاد، فقال: “إن ماركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين… لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يمكلون الروح القدس، الذي من دونه يصبح الإنجيل المبشَّر به إنسانياً. فنحن لا نعتبر أن الإنجيل (أي البشارة) يتألَّف من كلام الكتاب المقدس فغايته في معناه، لا في سطحه، في لبِّه وجوهره، لا في أوراق العظات، بل في أصل معناه. في هذا الحال يصحب الكتاب نافعاً حقاً للسامعين عندما يُبشَّر به مع المسيح وعندما يُقدم ويُعرض مع الآباء وعندما يُقدِّمه المبشِّرون به مع الروح… كبير هو خطر التكلم في الكنيسة، لأن التفسير المنحرف يحول إنجيل المسيح إلى إنجيل إنساني” (في تفسير غلاطية 1، 1، 2، مجموعة الآباء اللاتين، مين 26، 386).
نجد هنا الاهتمام نفسه بالفهم الصحيح لكلمة الله مثلما نجده في أيام إيريناوس وترتليان وأوريجنس. وبما كان إيرونيموس يقوم بإعادة صياغة كلام أوريجنس عندما قال إن “الإنجيل الإلهي” لا يوجد خارج الكنيسة، بل يوجد بديل إنساني منه. إننا لا نقدر أن نستقصي المعنى الحقيقي للكتاب (sensus Scripturae) أي الرسالة الإلهية، إلاَّ في ارتباطه بحقيقة الإيمان (veritatem juxta fidei)، وتحت توجيه قانون الإيمان. و”حقيقة الإيمان” (verias fidei) هي الاعتراف الإيماني بالثالوث. وهذه هي طريقة القديس باسيليوس. فالقديس إيرونيموس يتحدث هنا أولاً عن إعلان الكلمة في الكنيسة “لمن يصغي إليها” (andientibus utilis est)
أوغسطين والسلطان الجامع
بهذا المعنى يجب أن نفسر قول أوغسطين الشهير والمدهش حقاً : “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل” (V.f.epistolum fundaminti 6). يجب علينا أن نقرأ هذا العبارة ضمن سياقها. فأوغسطين لم ينطق بهذه العبارة بالأصالة عن نفسه، إنما بالأصالة عن الموقف الذي كان على المؤمن العادي أن يتخذه عندما يواجه الهراطقة، الذين يزعمون أنهم أصحاب السلطان. في هذا الحال، يليق بالمؤمن البسيط أن يحتكم إلى سلطان الكنيسة، التي تلقى فيها ومنها الإنجيل نفسه (أي البشارة) : “إنني آمنت بالإنجيل نفسه، لأن مبشرين “جامعيين بشروني”.
فالإنجيل وتعليم الكنيسة الجامعة لا يفصلان. وأوغسطين لم يسمع إلى “إخضاع” الإنجيل للكنيسة، بل أراد أن يشدد على أننا نتلقى “الإنجيل” في إطار التبشير الجامع في الكنيسة، لأنه لا ينفصل عنها. في هذا الإطار وحده يأخذ الإنجيل مكانه ويُفهم فهماً صحيحاً.
والحق، أن شهادة الكتاب بينة وواضحة كل الوضوح عند المؤمن الذي وصل إلى نضج “روحي”، وهذا ممكن في الكنيسة فقط. لذلك قاوم أوغسطين الأوهام التي يتعلل بها التفسير المانوي عبر هذا التعليم وعبر سلطان (auctoritas) البشارة اللذين يتصلان بالكنيسة الجامعة. فالإنجيل لا يخص المانويين. أما “سلطان الكنيسة الجامعة” فلم يكن مصدراً مستقلاً للإيمان، بل كان مبدأً ضرورياً للتفسير الصحيح. إننا نقدر أن نقلب هذه العبارة فنقول: يجب أن لا يؤمن المرء بالكنيسة ما لم يحركه الإنجيل. فالعلاقة متبادلة بنيهما بشكل تام.(Luis de Montadon <Bible et Eglise dans l Apologetique de Saint Augustin>a).
________________________________________
(5) راجع:
Dom Odo Casel, O.S.B., Benedict von Nursia als Pnermatiker, in “Heilege Uberlieferung” Münster 1938, pp. 100-101.
إذن، منذ البدء لم يكن التقليد المقدس في الكنيسة مجرد انتقال من العقيدة إلى اليهودية المتأخّرة ليكون نموذجاً من دون إزدهار حيّ للحياة الإلهية. وفي الحاشية يُرجع Dom Casel القارئ على John Adam Möhler.
(9) راجع:
Karl Pächter, Richtungen und schulen im Neuplatonismus, in “Genethliakon” (Carl Roberts zum 8. März 1910), Berlin, 1910.
يترجم Prächter لفظة “العناية” باللفظتين Grundthema أو Zielpunct (ص 128). ويصف بطريقة إيامفليخوس بأنها “تفسير مسكوني” (ص 138). وبروكلوس في تفسيره للرسالة إلى تيموثاوس يضع تضادّاً بين بورفيريوس وإيامفليخوس. فبورفيريوس يفسِّر النصوص بشكل جزئي أمّا إيامفليخوس فبشكل أشمل وأعمّ (في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، ص 204، 24 المذكورة عند Prächter، ص 136).
(12) (أشار C. R, B, Shapland بحق إلى أن “الأساس” في هذا النص يدلّ بالتحديد عند القديس اثناثيوس على اسم الثالوث الأقدس كما يستدعى في المعمودية. ويذكر القديس أثناثيوس هذا الأمر الإلهي فيما بعد في رسالته مستهلاً كلامه هكذا: “أمرهم السيّد أن يضعوا هذا الأساس للكنيسة قائلاً: …فذهب الرسل وعلّموا هكذا”). راجع:
The Letters of saint Athanasius concerning the Holy Spirit, C. R. B. Shapland, London 1951, 132.
التسليم الرسولي للإيمان المسلم مرة للقديسين – القمص عبد المسيح بسيط
التسليم الرسولي للإيمان المسلم مرة للقديسين – القمص عبد المسيح بسيط
التسليم الرسولي للإيمان المسلم مرة للقديسين – القمص عبد المسيح بسيط
كشف الرب يسوع المسيح، كما بينّأ في الفصل السابق، لتلاميذه ورسله ولليهود عن حقيقة لاهوته وكونه ابن الله الذي من ذات الله وفي ذات الله والواحد مع الآب في الجوهر، وعن كونه الآتي من السماء وأنه ليس من هذا العالم بل أنه من فوق، وأنه برغم نزوله من السماء إلا أنه موجود في السماء وعلى الأرض بلاهوته في آن واحد، وأنه الموجود في كل مكان وزمان والقادر على كل شيء، والديان، وأنه رب داود وإبراهيم ومرسل الرسل والأنبياء، ونسب لنفسه كل ما لله من صفات وأعمال وألقاب.
كما آمن تلاميذه بلاهوته وبكونه الإله القدير وأنه الله الذي ظهر في الجسد والذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً وكلمة الله الذي من ذات الله وصورة الله غير المنظور، بهاء مجده ورسم جوهره، وهو الله الكائن على الكل والإله الأبدي والإله الحق ورب العرش وخالق الكون وما فيه ما يرى وما لا يرى … الخ.
وقد آمن الآباء الرسوليون، تلاميذ الرسل وخلفاؤهم، ومن بعدهم تلاميذهم وأيضا خلفاؤهم الذين لُقّبوا بآباء الكنيسة، خاصة المدافعين عن الإيمان القويم (الأرثوذكسي) والعقيدة المسلمة مرة، بنفس ما آمن به وسلمه لهم الرسل، سواء من خلال الكلمة المكتوبة بالروح القدس، العهد الجديد إلى جانب العهد القديم، أو ما سلموه لهم شفاهه، أي بالتقليد المسلم مرة للقديسين كما يقول القديس يهوذا أخو يعقوب بن حلفي بالروح القدس: ” الإيمان المسلم مرة للقديسين ” (يه3)، والذي سلمه الرسل لتلاميذهم وخلفائهم بكل دقة وأمانة، ومن ثم فقد كان مصدر تعليمهم:
(1) ما سبق أن أعلنه وتنبأ به وكتبه في أسفارهم أنبياء العهد القديم. فقد كان العهد القديم هو كتاب الكنيسة الأول الذي جاء المسيح ليتمم ما كتب عنه فيه من نبوات ورموز تتعلق بكل تفاصيل تجسده وخاصة ما يختص بعمله الفدائي للتكفير عن خطايا البشرية وخلاصها بآلامه وصلبه وموته وقيامته، وتحويل الناموس والشريعة، من شريعة الحرف والناموس الذي به نعرف الخطية ” لأن بالناموس معرفة الخطية ” (رو3 :20)، إلى شريعة الحب والكمال ” وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم أنا تحبون انتم أيضا بعضكم بعضا ” (يو13 :34)، ” فكونوا انتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ” (مت5 :48).
(2) ما سلمه الرب يسوع المسيح لتلاميذه ورسله، شهود العيان الذين عينهم كرسل وأنبياء بالروح لحمل إنجيله، ورسالته، للعالم أجمع. هؤلاء الرسل الذين وصفهم الآباء الأولون بخزانة الكنيسة، لأنهم عاشوا مع المسيح وشاهدوا شخصه وأعماله وحفظوا كلامه بالروح القدس، وحملوا إنجيله لجميع الشعوب والأمم والألسنة، وشهدوا له كشهود عيان عاشوا ما يكرزون به بأنفسهم.
وكما قال أحد العلماء أن تلاميذ المسيح ورسله هم الأنبياء الوحيدون عبر التاريخ الذين شاهدوا ربهم الذي أرسلهم، فقد عاشوا معه وتلامسوا معه، أو كما يقول القديس بطرس ” نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته ” (أع10 :41)، أو كما يقول القديس يوحنا الإنجيلي بالروح: ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا.
الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح … ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملا ” (1يو1:1-4)، ويقول أيضاً: ” ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلّصا للعالم ” (1يو4 :14). ويختم الإنجيل الرابع بقوله: ” هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا. ونعلم أن شهادته حق ” (يو21 :24).
وكما يقول القديس بطرس بالروح: ” لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته ” (2بط16:1). وأيضاً: ” وأوصانا أن نكرز للشعب ونشهد بان هذا هو المعين من الله ديانا للأحياء والأموات ” (أع10 :43)، كما يصف نفسه بـ ” الشاهد لآلام المسيح وشريك المجد العتيد أن يعلن ” (1بط5 :1).
(3) ما سلمه الرسل للعالم أجمع وخاصة لخلفائهم الآباء الرسوليين بالروح القدس الذي كان يعمل فيهم وبهم ويقودهم ويرشدهم ويوجههم ويعصمهم، والذي سلموه بدورهم لخلفائهم من جيل إلى جيل. فقد سلم الرسل ما تسلموه من الرب يسوع المسيح بالتقليد أو التسليم الرسولي لتلاميذهم وخلفائهم والذين سلموه بدورهم لمن خلفوهم، من جيل إلى جيل.
فقد كان تلاميذ المسيح ورسله الذين حملوا وصاياه وتعاليمه، وحل عليهم الروح القدس، هم المستودع الأمين للتسليم الرسولي، حيث تساوت وصاياهم وتعاليمهم مع تعاليم أنبياء العهد القديم ومع وصايا الرب نفسه لأن وصيتهم هي وصيته وتعاليمهم هي تعاليمه؛ يقول القديس بطرس بالروح ” لتذكروا الأقوال التي قالها سابقا الأنبياء والقديسون ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمخلص ” (2بط2:3)، ويقول القديس يهوذا الرسول ” أخو يعقوب ” (أع1: 17)، ” وأما أنتم أيها الأحباء فاذكروا الأقوال التي قالها سابقاً رسل ربنا يسوع المسيح ” (يه 17).
يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس عن هذا التسليم الرسولي:
U ” وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا ” (2تي2:2)، ويحذره من الفكر الهرطوقي الذي ” يقاوم التعليم الصحيح حسب إنجيل مجد الله المبارك ” (1تي10:1)، ويقول له ” أن كان أحد يعلم تعليما آخر ولا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة والتعليم الذي هو حسب التقوى فقد تصلف ” (1تي3:6)، ” لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم (يَقُولُونَ لَهُمْ كَلاَماً يُدَاعِبُ الآذَانَ ) ” (2تي 3:4). ويقول له أيضا، مشدداً ” يا تيموثاوس أحفظ الوديعة معرضا عن الكلام الباطل الدنس ومخالفات العلم الكاذب الاسم ” (1تي20:6)، ” أحفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا ” (2تي 14:1).
U ويقول لأهل كورنثوس: ” أمدحكم أيها الأخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم ” (1كو2:11).
U ويقول لأهل فيلبي: ” وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه في فهذا افعلوا واله السلام يكون معكم ” (في9:4).
U ويقول لتلميذه تيطس أنه يجب أن يكون الأسقف: ” ملازما للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم لكي يكون قادرا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين ” (تي1:9)، ويقول له ” وأما أنت فتكلم بما يليق بالتعليم الصحيح ” (تي1:2)، ثم يحذره من الهراطقة قائلا ” الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين اعرض عنه، عالما أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكوما عليه من نفسه ” (تي10:3 ،11).
وهذا ما تعلمه وعلمه أيضا الآباء الرسوليين تلاميذ الرسل الذين تتلمذوا على أيديهم واستلموا منهم الأخبار السارة:
يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي تلميذ بطرس الرسول: ” أثبتوا إذاً على تعاليم الرب والرسل “(1). ” ثابروا على الاتحاد بإلهنا يسوع المسيح وبالأسقف وبوصايا الرسل “(2).
ويقول أكليمندس الروماني تلميذ بولس الرسول والذي يقول عنه القديس إيريناؤس أنه ” رأى الرسل القديسين وتشاور معهم “(3): ” من أجلنا استلم الرسل الإنجيل من الرب يسوع المسيح ويسوع المسيح أرسل من الله (الآب) “(4).
ويقول بوليكاربوس الذي رافق الرسل خاصة القديس يوحنا الحبيب ” فلنخدمه (المسيح) بخوف وتقوى كما يأمرنا هو والرسل الذين بشرونا بالإنجيل والأنبياء الذين أعلنوا لنا عن مجيء الرب “(5).
ويقول بابياس أسقف هيرابوليس بفرجية في آسيا الصغرى (60 – 130م) والذي يقول عنه القديس إيريناؤس أسقف ليون(6)، وكذلك القديس جيروم(7)، أنه كان تلميذا للقديس يوحنا ورفيقا لبوليكاربوس، ويقول يوسابيوس القيصري، نقلا عن إيريناؤس ” هو أحد الأقدمين، أستمع ليوحنا، وكان زميلا لبوليكاربوس … وأنه تلقى تعاليم الإيمان عن أصدقائهم (أي أصدقاء الرسل).
يقول عن كيفية استلامه للتقليد: ” ولكنني لا أتردد أيضا أن أضع أمامكم مع تفسيري كل ما تعلمته بحرص من الشيوخ ( أي آباء الكنيسة ) … وكلما أتى أحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم، عما قاله أندراوس أو بطرس، عما قاله فيلبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى، أو أي أحد آخر من تلاميذ الرب أو عما قاله اريستون أو القس يوحنا أو تلاميذ الرب. لأنني أعتقد أن ما تحصل عليه
من الكتب يفيدني بقدر ما يصل إلى من الصوت الحي من الصوت الحي الدائم “(8).
ويقول القديس إيريناؤس أسقف ليون (120-202م) ” إذ أن الرسل وضعوا في أيدي الكنيسة كل الأمور التي تخص الحق بغزارة بلا حدود، مثل رجل غنى (أكتنز ماله) في بنك، لذلك فكل إنسان أيا كان يستطيع أن يسحب منها ماء الحياة “(9).
ويقول أيضاً:
“المعرفة الحقيقية قائمة في تعليم الرسل وقيام الكنيسة في العالم كله، وفي امتياز إستعلان جسد المسيح بواسطة تتابع الأساقفة الذين أعطوا الكنيسة القائمة في كل مكان أن تكون محروسة ومصانة دون أي تزييف أو ابتداع في الأسفار بسبب طريقة التعليم الكاملة والمتقنة التي لم تستهدف لأي أضافه أو حذف، وذلك بقراءتها بغير تزوير مع مواظبة شرحها باجتهاد بطريقة قانونية تلتزم بالأسفار دون أي خطورة من جهة التجديف، وبواسطة المحبة الفائقة التي هي أكثر قيمة من المعرفة وأعظم من النبوّة والتي تفوق كل ما عداها من المواهب “(10).
ويلخص لنا القمص تادرس يعقوب في كتابه التقليد الأرثوذكسي موقف إيريناؤس من التقليد كالآتي:
بقى التقليد المنحدر إلينا من الرسل محفوظًا خلال تتابع الشيوخ ” الكلمة اليونانية Presbyters تعنى كهنة ويقصد بها الأساقفة” في الكنيسة بغير انقطاع(11).
يحفظ التقليد في الكنيسة بواسطة الروح القدس الذي يجدد شباب الكنيسة(12).
التقليد الرسولي ليس بالأمر السري، بل يستطيع أن يتعرف عليه كل الراغبين في قبول الحق. إنه معلن في كل كنيسة من العالم كله(13).
أساء الهراطقة تفسير الكتاب المقدس إذ تمسكوا بعبارات عزلوها عن الكتاب وأعادوا
ترتيبها بما يناسب أفكارهم الخاصة(14)، متجاهلين وحدة الكتاب المقدس. لقد استخدموا نصوص الكتاب لكنهم لم يقرأوها خلال الكنيسة ولا بحسب تقليد الرسل. لهذا فإن الفهم الحقيقي للكتاب يوجد داخل الكنيسة حيث يحفظ التقليد المقدس وتعاليم الرسل. ” غرست الكنيسة كفردوس في هذا العالم، كما يقول الروح القدس: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً (تك16:2)، أي تأكل من جميع كتب الرب المقدسة، لكن لا تأكل بذهن متكبر ولا تلمس أي فكر هرطوقي مضاد. لقد أعترف هؤلاء ” الهراطقة ” أن لديهم معرفة الخير والشر، وارتفعوا بأذهانهم الشريرة فوق الله صانعهم “(15).
أقوال القديس إيريناؤس عن التقليد:
” كما سبق أن أوضحت، الكنيسة وقد تقبلت هذه الكرازة وهذا الإيمان، بالرغم من انتشارها في العالم كله إلا أنها كمن تقطن في بيت واحد، تحافظ على هذه الأمور بكل عناية … وتتباين لغات العالم، لكن معنى التقليد واحد في كل موضع. فالكنائس التي قامت في ألمانيا لا تؤمن ولا تسلم أمرًا مغايرًا، وكذلك الكنائس التي في أسبانيا أو بلاد الغال أو التي في الشرق أو في مصر أو في ليبيا أو تلك التي قامت في مركز العالم “(16).
” إذ نشير ” للهراطقة ” عن التقليد المنحدر إلينا من الرسل والمحفوظ خلال تتابع الشيوخ “Presbyters أي رجال الكهنوت ” في الكنائس نقول أنهم يقاومون التقليد مدعين أنهم أكثر حكمة من الأساقفة ” الشيوخ ” بل ومن الرسل أنفسهم، وأنهم قد وجدوا الحق الأصيل، ” ويؤكدون ” أن الرسل قد خلطوا الأمور الخاصة بالشريعة بأقوال المخلص … من هذا يظهر أنهم لم يتفقوا لا مع الكتاب المقدس ولا مع التقليد …
أنه في قدرة الجميع، في كل كنيسة، أن يروا الراغبين في رؤية الحق وأن يتأملوا بوضوح تقليد الرسل معلنًا في العالم كله …بهذا الترتيب وخلال التتابع ” منذ الرسل “، وصل إلينا التقليد الكنسي من الرسل وأيضًا الكرازة بالحق. وهذا هو برهان قوى أنه يوجد إيمان واحد محيى، حفظ في الكنيسة منذ الرسل إلى يومنا هذا، وسلم بالحق.
إذ لدينا مثل هذه البراهين، لا نطلب الحق من الآخرين ” الخارجين عن الكنيسة ” إذ يسهل الحصول عليه من الكنيسة. لأنه في الكنيسة أستودع الرسل وديعتهم كما يصنع الرجل الغنى ” مودعًا أمواله ” في مصرف، إذ سلموا كل ما يتعلق بالحق. بهذا يستطيع كل إنسان يريد أن يشرب مياه الحياة (رؤ17:22). أنها مدخل الحياة! وكل الآخرين هم سراق ولصوص. لهذا يلزمنا أن نجتنبهم، وأن نسعى بكل غيرة واجتهاد في التمسك بما يخص الكنيسة، متمسكين بتقليد الحق.
فانه ماذا يكون الموقف لو ثار نزاع فيما يخص أمرًا هامًا حدث بيننا؟ أما كنا نلجأ إلى أكثر الكنائس قدمًا، التي أودع فيها الرسل حديثهم الدائم، ونتعلم منها ما هو أكيد وواضح في ذلك الأمر؟! فإنه ماذا لو أن الرسل لم يتركوا لنا كتبًا مكتوبة؟ أما كان يلزمنا أن نتبع ” قانون التقليد ” الذي سلموه إلى الذين استأمنوهم على رعاية الكنائس؟!
إلى أي شئ يلتجئ كثير من البرابرة ” الذين لم يترجم الكتاب المقدس إلى لغتهم حتى ذلك الحين” الذين يؤمنون بالسيد المسيح، وقد كتب الخلاص في قلوبهم بالروح وليس على ورق وبحبر، حافظين التقليد القديم بكل حرص.
ما دام التقليد المنحدر إلينا من الرسل موجودًا في الكنيسة وهو دائمًا بيننا، فلنرجع إلى البرهان الكتابي الذي أقامه الرسل، الذين كتبوا الإنجيل، وسجلوا فيه التعليم الخاص بالله، مشيرين إلى ربنا يسوع المسيح على أنه الحق (يو6:14) وليس فيه كذب.
لقد وهبت عطية الله هذه ” أي الأيمان بالمسيح الذي قبلناه خلال التقليد ” للكنيسة، وكأنها النسمة التي أعطيت للإنسان الأول، لكي يتمتع الأعضاء جميعهم بالحياة بقبولهم هذه العطية وينالوا “وسائط الشركة مع المسيح” التي هي: الروح القدس، لنوال عدم الفساد، وسائط الثبوت في الإيمان، السلم المرتفع نحو الله. فقد قيل إن الله أقام في الكنيسة رسلاً وأنبياء ومعلمين “1كو28:12”. وقدم كل الوسائط الأخرى التي من خلالها يعمل الروح. أما الذين ليست لهم شركة في الكنيسة ولا هم منتمين إليها فيحرمون أنفسهم من الحياة بآرائهم المضادة وسلوكهم المشين. لأنه حيث توجد الكنيسة، ونجد كل نوع من النعمة، لأن الروح هو الحق(17).
ويقول القديس أكليمندس الإسكندري (150 – 215م)، الذي كان مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية والذي كان، كما يصفه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (264 – 340م ) والمعاصر لمجمع نيقية سنة 325م: ” متمرساً في الأسفار المقدسة “(18).
وينقل يوسابيوس عن كتابه وصف المناظر أنه أستلم التقليد بكل دقة من الذين تسلموه من الرسل ” التقاليد التي سمعها من الشيوخ الأقدمين “، فقد كان هو نفسه خليفة تلاميذ الرسل أو كما يقول هو عن نفسه إنه ” التالي لخلفاء الرسل “(19)، ” ويعترف بأن أصدقاءه قد طلبوا منه بإلحاح أن يكتب من أجل – الأجيال المتعاقبة – التقاليد التي سمعها من الشيوخ الأقدمين “(20)، وذلك باعتباره أحد خلفائهم.
ومن ثم فقد سجل التقليد الشفوي الذي سمعه ورآه وتعلمه وعاشه وحوله إلى تقليد مكتوب، كما شرحه ودافع عنه. وينقل عنه يوسابيوس، أيضاً، قوله عن معلميه الذين أستلم منهم التقليد ” وقد حافظ هؤلاء الأشخاص على التقليد الحقيقي للتعليم المبارك، المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، إذ كان الابن يتسلمه عن أبيه … حتى وصل إلينا بإرادة الله لنحافظ على هذه البذار الرسولية “(21).
ويؤكد العلامة أوريجانوس (185-253)؛ أن التقليد الكنسي قد أنحدر إلينا من الرسل خلال تتابع بغير انقطاع، ولا يزال التقليد باقيًا إلى اليوم في الكنائس! “(22).
كما يؤكد العلامة كبريانوس (205-258)؛ أنه لا خلاص خارج الكنيسة، سواء للهراطقة أو للمنشقين. ” فلا يقدر أحد أن يأخذ الله أبًا له ما لم يأخذ الكنيسة أمًا له “(23). لهذا فإن التفسير السليم للكتاب المقدس والتعاليم الأرثوذكسية توجد فقط داخل الكنيسة الحقيقية. تقليد الكنيسة الحقيقية هو الحارس للإيمان المسيحي.
أما القديس باسيليوس الكبير (329-379) فيتحدث أيضًا عن التقليد الشفهي ” اجرافوس ” كحافظ للتفسير السليم للكتاب المقدس، الأمر الذي يحاول الهراطقة تحطيمه. إذ يقول: ” الإيمان هو موضوع الهجوم. فإن الهدف الوحيد لكل جماعة المقاومين، أعداء “التعليم السليم، (1تى10:1) هو تحطيم أساس إيمان المسيح بهدمهم التقليد الكنسي حتى النهاية وإزالته كلية … يطلبون البرهان الكتابي محتقرين تقليد الآباء غير المكتوب كأنه أمر ليس بذي قيمة “(24).
ويشير إلى التقليد كمرشد في الأسرار والطقوس، قائلاً: ” من جهة التعاليم والممارسات المحفوظة في الكنيسة والمقبولة بصفة عامة أو موصى بها علانية، فقد جاء بعضها عن تعليم كتابي بينما تسلمنا الآخر ” في سر” (1كو7:2) خلال تقليد الرسل وكلاهما يحمل ذات القوة.
ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص (339-394م): ” يكفينا للبرهنة على عبارتنا ذلك التقليد المنحدر إلينا من الآباء، بكونه الميراث الذي تناقلناه بالتتابع منذ الرسل خلال القديسين الذين تبعوهم “(25).
ويؤكد القديس أثناسيوس الرسولي والذي لعب الدور الأكبر في هزيمة الأريوسية(26)، أنه لم يستحدث، لا هو ولا بقية آباء نيقية، شيئًا مما وضعه المجمع من صيغ لاهوتية في قانون الإيمان، بل يقول في الكثير من كتاباته ودفاعاته أنه يقدم الإيمان الرسولي كما تسلمته الكنيسة عبر التسليم الرسولي:
” دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء. وعلى هذا الأساس تأسَّست الكنيسة، ومَنْ يسقط منه فلن يكون مسيحيًا، ولا ينبغي أن يُدعَى كذلك فيما بعد “(27).
” وبحسب الإيمان الرسولي المُسلَّم لنا بالتقليد من الآباء، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتداع أي شيء خارجًا عنه. فما تعلَّمته فذلك قد رسمته مُطابِقًا للكتب المقدسة “(28).
” لأن ما سلَّمه آباؤنا هو عقيدة حقيقية، وهذه هي سِمَة المُعلِّمين اللاهوتيين، أن يعترف كل واحد منهم بما هو عند الأخر، وأن لا يختلفوا لا عن بعضهم البعض ولا عن آبائهم. أما هؤلاء الذين ليس لهم هذه السِمَة، فيجب ألا يُدعَوا معلِّمين لاهوتيين حقيقيين بل أشرارًا “(29).
” أما مُعلنو الحق القديسون الحقيقيون فيتفقون معًا ولا يختلفون، فبالرغم من أنهم عاشوا في أزمنة مختلفة، إلا أنهم جميعًا يتَّبعون نفس الطريق، لكونهم أنبياء لإله واحد ويُبشِّرون بنفس الكلمة في هارمونية واتفاق “(30).
” أما إيماننا نحن فمستقيم ونابع من تعليم الرسل، وتقليد الآباء، ومشهود له من العهدين الجديد والقديم كليهما “(31).
” لأنه (مجمع نيقية) لم يكتب عقائدنا بل كتب تلك العقائد التي سلَّمها إلينا من البداية هؤلاء الذين كانوا شهود عيان وخُدَّامًا للكلمة. لأن الإيمان الذي اعترف به المجمع كتابةً هو إيمان الكنيسة الجامعة “(32).
ويقول للهراطقة: ” ها نحن نُثبِت أن هذا الفكر قد سُلّم من أب إلى أب. أما أنتم أيها اليهود الجُدد وتلاميذ قيافا، كم عدد الآباء الذين يمكن أن تنسبوهم لتعبيراتكم؟ ليس ولا واحد ذا فهم وحكمة، لأن الجميع يمقتونكم، إلا الشيطان وحده، فليس أحد غيره أباكم في هذا الأرتداد “(33).
” دعهم يخبروننا من أي مُعَّلم أو من أي تقليد جاءوا بهذه المفاهيم عن المخلص “(34).
(1) رسالته إلى ماجنسيا 1:13
(2) إلى تراليس 1:7
(3) الآباء الرسوليين للبطريرك إلياس الرابع معوض 16.
(4) رسالته الأولى 1:42
(5) رسالته إلى فيلبى 3:6
(6) Adv. Hear. B 5;33.
(7) مشاهير الرجال ف 18.
(8) يوسابيوس ك3:39.
(9) N. T. Apoc رؤ 17:22
(10) Adv. Hear. B 5;33.
(11) Irenaeus: Against heresies 3:2:2, 3:3:1, 3:4:1.
(12)Ibid 3:24:1.
(13) Ibid 3:3:1.
(14) Ibid 1:8:1.
(15) Ibid 5:20:2.
(16) Probably referring to the in Palestine(Ante Nicene Frs, vol1, p 331).
(17) Irenarus: Against Heresies 1:10:2;3:2,2:3, 3L:3:1; 3:3:3; 3:4:1, 2; 3:5:1;3:24:1. Ante-Nicene Fathers, vol 1. j. Stevenson: A new Eusebius, London, 1974,p 115 – 117.
(18) يوسابيوس ك 5 ف1.
(19) يوسابيوس ك 6 ف 13.
(20) ك 6 ف 13 : 8.
(21) ك 5 ف 11 : 5.
(22) Origen: De Principus: Praef. 2.
(23) St. Cyprian: Epistle 74:11, Unity of the Church 6.
(24) St. Basil: O the Spirit, ch. 10 (25).
(25) St. Gregory of Nyssa: Contra Eunomuim 4 PG 45: 653.
(26) أنظر أيضاً ” لاهوت المسيح عند آباء ما قبل نيقية ” ك مار جرجس سبورتنج ص 10 – 12. والقمص تادرس يعقوب ” شفرة دافنشي رواية بوليسية خيالية أم بحث علمي؟ ” ص 128 و129.
(27) الروح القدس، الرسالة الأولى، فقرة 28.
(28) الروح القدس، الرسالة الأولى، فقرة 33.
(29) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 153.
(30) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 153.
(31) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 576.
(32) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 169.
(33) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 168.
(34) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 158.
التسليم الرسولي للإيمان المسلم مرة للقديسين – القمص عبد المسيح بسيط
لعصور اعتبر المسيحيّون الكتاب والتقليد وجودين مختلفين ومتناغمين أوّلاً. شكّل الكتاب المقدّس مجموع عدد الكتب الرسميّة بحسب اللائحة القانونيّة للجماعة الدينيّة. تكوَّن التقليد في كلّ ما عدا ذلك من خارج قانون الكتاب بما فيه الكتابات، التعاليم، الليتورجيّات، دساتير الإيمان، الممارسات والعادات. تشديد حركة الإصلاح على سلطة الكتاب (sola scriptura) خلق تشنجًا وحتّى مواجهة بين الكتاب والتقليد.
الردّ الكاثوليكيّ كان بتأكيد سلطة التقليد كمصدر ثانٍ للوحي. ليس إلى زمن بعيد، كان اللاهوتيّون الأرثوذكس يتكلّمون بتأثير من المناقشة على الكتاب والتقليد كمصدرين للوحي الإلهيّ.
في أيّ حال، سلّط النقد الكتابيّ في القرن العشرين ضوءًا جديدًا على الموضوع وأحدث ثورة في فهمه. أظهرت الدراسات التحليليّة التاريخيّة والأدبيّة بإسهاب رباطًا عضويًّا بين الكتاب والتقليد والجماعة المؤمنة. لقد سبق وأشرنا إلى أنّه قبل تكوِّن الكتب اليهوديّة والمسيحيّة، عاش اليهود والمسيحيّون ومارسوا العبادة بحسب القوي المحرِّكة لكلّ من تقليدهم.
قبل أن تتكوّن سلطة الكلمة المكتوبة، كانت هناك سلطة قادة الجماعة، الكهنة والأنبياء والرسل والمعلّمين، الذين حملوا كلمة الله وفسّروها بالصوت الحيّ. قبل تجميع الكتب المقدّسة في قانون، وكما يظهر من القانون، كانت هناك حقيقة فاعلة لدى الجماعة الدينيّة حيث التعاليم الشفويّة، كتابة النصوص وتحريرها، والاستعمال المَرِن للتقاليد الشفوية والمكتوبة ونقلها، كلّ هذه كانت تعمل بحسب ظروف شعبَ الله المتغيّرة وحاجاته.
كانت النتيجة أنّه عبر الدراسة التاريخيّة الدقيقة، اعترف الدارسون بالحقيقة الشاملة بأنّ الجماعة المؤمنة والتقليد هما تكوُّن الكتاب. التقليد كحقيقة حيّة فيه تغذّت حياة الإيمان، لم يتدّم على الكتاب ورسمه وحسب إنّما أيضًا تبعه كإطار رسميّ لتقبُّل كلمة الله وتفسيرها ونقلها. التقليد فقط (sola scriptura). أيضًا عُرف أنّ القوى المحرِّكة للجماعة والتقليد تضمنّا تغييرات مهمّة وبداءة جديدة على مدى الطريق. بدون هذه الإمكانيات خسارة أن تُشرح التطوّرات الخلاّقة في تاريخ اليهوديّة وليس أقلّها نشوء المسيحيّة.
أمثلة عديدة من العهدين القديم والجديد سوف تصوّر التفاعل العضويّ بين الكتاب والتقليد. لاحظ باحثو العهد القديم منذ زمن أنّ أوّل كتاب تمّ الاعتراف به جماعيًّا في تاريخ إسرائيلهو كتاب تثنيّة الاشتراع، الوثيقة المحوريّة للإصلاح الدينيّ لدى الملك يوشيا (2ملوك23-22، حوالي 620 ق.م). “لوح الشريعة” (2ملوك8:22) هو الكتاب الوحيد المنسوب علنًا إلى موسى (تثنيّة9:31) والأكثر ترجيحًا أنّه أعطى عنوان “الشريعة” (التوراة) للكتب الخمسة Pentateuch، وهو يسجّل بدء قانون الكتاب اليهوديّ، كما أنّه نقطة لولبيّة[1] في تاريخ الدين اليهوديّ.
لم يخدم تثنيّة الاشتراع فقط ككلمة الربّ (2ملوك15:22)، بل أعطى يوشيا تفويضًا بالمركزيّة وإعادة تفسير العبادة، الأمر أثّر لوقت طويل على كلّ الحياة اليهوديّة. كما أنّه كان له دور “حجر الزاويّة للقانون النهائيّ.. مع مفعول رجعيّ في التأثير حتّى التكوين وإلى الأمام عبر باقي القانون، سواء MT أو السبعينيّة”[2]. في أيّ حال، كتاب تثتيّة الاشتراع كان له أن يعمل بهذه الطريقة الجازمة في الجماعة فقط بسبب وظيفته السابقة في التقليدات الرسميّة التي كانت فاعلة في الجماعة نفسها.
ظاهرة intertextuality هذه، أي النصوص والتقليدات بناءً على نصوص وتقليدات سابقة، تظهر التفاعل الحميم بين تشكُّل الكتاب وتقليد الجماعة الحيّ حيث يتمّ تلقّي الوحي الموثوق وتطبيقه ونقله إلى الأجيال اللاحقة.
مَثَلآخر على تفاعل الكتاب والتقليد في العهد القديم هم الأنبياء الذين ادّعوا الوحي المباشَر من الله وأعلنوا كلمة الربّ ورفضهم في زمانهم الملوك والكهنة والأنبياء الكذبة. لكنّ تقليد الجماعة الأوسع برّأهم واعترف بأقوالهم كجزء من الكتاب المقدّس. إرمياء الذي عاش في أيّام يوشيا وغيره من الملوك، يمثّل التفاعل بين الخدمة النبويّة والتقلِّبات التاريخيّة لشعب الله. إرمياء دعم بشكل كامل إصلاحات يوشيا، وفي الوقت ذاته أدان بشدة الثقة الشكليّة بِـ “هيكل الربّ” (إرمياء4:7) على أنّها ضمانة سياسيّة ضدّ الأعداء الذين يهدّدون (إرمياء7). اضطهده الملوك والكهنة بسبب أقواله المدينة واعتبروها مسيئة بحقّ الأمّة.
في النهاية، اختطفته مجموعة إلى مصر حيث استشهد بحسب أحد التقليدات. أقواله الموحى بها من الله كانت قد حفظها باروخ أحد كتّابه ومحرّرون آخرون لاحقون أعطوا الشكل النهائيّ لكتابه. أقوال الأنبياء الآخرين عاشت بطرائق مماثلة وصارت الكتابات النبويّة تدريجيًّا تُوَقَّر في التقليد اليهوديّ. مع هذا، في زمن متأخّر أي في زمن يسوع، الصدوقيّون “المحافظون”، قادة اليهوديّة الكهنوتيّون وحَفَظة الهيكل، اعترفوا فقط بكتب موسى الخمسة على أنّها قانونيّة. رغم سنوات الاستعمال الكثيرة في الجماعة، فقد احتاجت إلى أجيال عديدة وربّما إلى مبادرات رسميّة من القادة الربانيّين في جمنيا أو ما بعد، قبل أن تكتسب الكتب النبويّة وضعيّة قانونيّة كاملة عند كلّ الجماعة اليهوديّة.
عندما نلتفت إلى العهد الجديد، نجد توازيات مشابهة حول التبادليّة بين الكلمة الإلهيّة والتقليد، إضافةً إلى تغييرات مهمّة عن التجديد والإبداع داخل التقليد[3]. معروف أنّ يسوع لم يكتب شيئًا، وقد وجّه رسالته إلى الشعب بالآراميّة العاميّة. ممتلئًا بالروح، تحدّى معاصريه بالدعوة إلى التجدّد في اليهودية. انتشرت تعاليمه شفويًّا لجيل كامل قبل ظهور الأناجيل المكتوبة. الأناجيل الإزائيّة، وهي الأقرب تاريخيًّا إلى يسوع، مكتوبة باليونانيّة.
هذه بدورها تعتمد على تقاليد مسيحيّة سابقة ونصوص حول أعمال يسوع وكلماته، تمّت ترجمتها إلى اليونانيّة واستُعملَت لحاجات الجماعات المسيحيّة (لوقا1:1-4). ليس عندنا أي وصول واقعيّ تَاريخيًا أو لاهوتيًّا إلى الربّ المتجسّد وبشارته إلاّ عبر هذه الوثائق المكتوبة التي تجسّد التقليدات الشفويّة المكتوبة للمسيحيّة الأولى. بكلام آخر، كما يعلّمنا النقد الشكليّ، رغم التخمينات الجذريّة لهؤلاء النقّاد ورداءة سمعتهم، كلمات يسوع وأعماله الموثوقة كانت موضع تأمّل عبر القوى المحرّكة للجماعة المسيحيّة وتيّار تقليدها الجاري[4].
الأناجيل نفسها، كتقاليد مكتوبة، كانت محتَرَمة واستُعملَت في العبادة والتعليم بين الجماعة قبل وقت طويل من بلوغها وضعيّة القانونيَّة العالميّة في الكنيسة القديمة عند نهايّة القرن الثاني.
لقد نشأت جماعة كاملة حول شخص يسوع وعمله، وهذه الجماعة أنتجت تقاليدها الخاصّة التي سُميّت رسوليّة بحقّ. الرسوليّة تتضمّن بشكل واسع تقاليد الليتورجيا، الوعظ، التعليم وممارسة المجموعات المسيحيّة الأولى المتمحورة حول شهادة الاثنى عشر وقيادتهم، القدّيس بولس ورفاقهم الرئيسيّين وعدد من الآخرين الذين شاركوا في الخدم المسيحيّة الأولى (أعمال1:6-6، 1 كورنثوس5:15-11، روما16).
الحالة الأكثر إخبارًا هي الرسول بولس الذي يُعتَبَر صورة أساسيّة ومثيرة للجدل خلال العمليّة المؤلمة للتعايش والانفصال بين المسيحيّة الناشئة واليهوديّة القائمة. يعكس الرسول بولس بطريقة شخصيّة ودراميّة الصراع البنّاء بين الأمانة للتراث الدينيّ المسلَّم والانفتاح على تطوّرات جديدة حاسمة في دعوة الله[5]. إنه يلخّص نقطة لولبيّة أخرى في التقليد اليهوديّ الدينيّ الذي منه تطهر القوى المحرِّكة المتفاعلة للكتاب والتقليد والتطوّرات الخلاّقة، بخاصّة في دعوته إلى إدخال الأمم في شعب الله كجزء من البشريّة الجديدة في المسيح.
عبرانيّ لا غشّ فيه، فريسيّ بلا لوم أمام الشريعة، ومدافع غيور عن التقليد اليهوديّ، وضع الرسول بولس طوعيًّا وبشجاعة امتيازاته السابقة جانبًا، كما يكتب هو، لكي يعرف سيّده يسوع المسيح وليعلن الإنجيل للأمم (فيلبّي4:3-11، غلاطيّة13:1-17). في أيّ حال، مهما كانت النتائج الخلاّقة لدعوته وتحوّله، فالرسول لا يرى بعمق الحالة الجديدة في المسيح كتتمّة وإتمام كامل للتقليد اليهوديّ، وليس كانفصال طائفيّ عن اليهود، أو بشكل أقلّ كدين جديد.
الإله الذي أرسل ابنه (غلاطية4:4، 2كورنثوس19:5) والذي أفرّز بولس كرسول للأمم (غلاطية15:1-16)، هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب. يسوع المسيا/ المسيح، ابن الله والمشارك في المجد الإلهيّ (فيليبّي6:3-11، 1كورنثوس8:2) هو التحقيق الأخير للتقليد اليهوديّ، لأنَّ مهما كانت مواعيد الله فهو فيه النَعَمْ (2كورنثوص20:1، روما4:9-5، 8:15-9).
الكتاب المقدّس ليس سوى كتاب اليهوديّ المُوحَى به الذي يحمل شهادة للعصر الخلاصيّ الجديد (روما21:3، 2كورنثوس1:6-2). الجماعات المسيحيّة الشابّة التي تأصلّت في أماكن مختلفة من الإمبراطوريّة الرومانيّة شكّلت كنيسة الله (1كورنثوس2:1، غلاطيّة13:1، 1تسالونيكي1:1) أي ضمّ المؤمنين من الأمم إلى شعب الله هو تطعيم لشجرة الزيتون اليهوديّة العنيّة (روما17:11) أي دمج تامّ واستمراريّة كاملة للتقليد اليهوديّ المقدّس بحسب مخطّط الله (روما24:9-29، 32:11).
من جهة أخرى، الانقطاع بين موقف الرسول بولس والتقليد اليهوديّ المعاصر له كان لافتًا ومثيرًا للجدل. بخاصّة في ما يتعلّق بالناموس الموسويّ الذي هو مركز الحياة اليهوديّة. في موضع سلطة الدعوة الإلهيّة التي تتمّ عبر “وحي المسيح” الشخصيّ (غلاطية12:1-15، 1كورنثوس1:9)، فقد كان الرسول بولس مقتنعًا بشدة بأن دور الناموس كمعيار للخلاص قد انتهى (روما4:10، غلاطيّة23:3-29).
فهو قد يلجأ إلى الإرشادات الأخلاقيّة في الوصايا العشر (روما8:14-10، 1كورنثوس19:7) ويستنتج دروسًا من تاريخ الخلاص (1كور11:10). ولكن من حيث المبدأ هو مدافع عنيد عن تبرير المسيحيّين الأمميّين بمعزل عن الناموس بشكل شامل، وبخاصّة الناموس الطقسيّ الذي يحكم بالختان، المآكل الشرعيّة، الأعياد الدينيّة وما شابه (روما28:2-29؛ 21:3؛ 14-16؛ 9:4=10؛ 1:5-6). بالنسبة إليه، مركز الحياة والفكر الجديد لم يعد قطّ الناموس الموسويّ إنّما هو يسوع المسيح. القوّة المنشِّطة والموجِّهة كانت الروح (روما9:8-17؛ 1كور10:2-16؛ غلاطيّة6:4).
“كلمة الربّ” الحاسمة كانت عندها إنجيل المسيح الوحيد الذي صار للقدّيس بولس “كل شيء للكلّ” (1كورنثوس19:9-23؛ غلاطيّة6:1-9). عندما يفتكر المرء كيف توصّل هذا الفريسيّ الملتزم سابقًا إلى تكييف نفسه “تحت ناموس المسيح” (1كو21:9) مع الأممِّيين النجسين طقسيًّا وعاداتهم، بما فيها القبول الشرعيّ لأكل لحوم الوثنيّين (1كورنثوس25:10-33)، يستطيع عندها تقدير الطبيعة المذهلة للمعاني الخلاّقة التي يتضمّنها الإنجيل.
في موضوع السلطة، الرسول بولس هو مثال يروي التفاعل الديناميكيّ بين الكلمة الإلهيّة والتقليد كما بين القيادة الملهَمة والجماعة[6]. كتاباته تشهد على أنّ دعونه وسلطته تأتيان مباشرة من الله بطريقة الرسول إشعياء الذي يتكلّم بلغته (غلاطيّة15:1). الإنجيل الذي أعلنه لم يكن مجرّد كلمة بشريّة بل كلمة الله (غلاطية11:1-12؛ 1تسالونيكي13:29).
بناءً على سلطته الرسوليّة وكمَن له “فكر المسيح” (1كورنثوس16:2) قد وضع جانبًا تقاليد يهوديّة مهمّة وصار ناقل تقاليد حاسمة جديدة، مثل عشاء الربّ والإنجيل التي يشير إليها بلغة التقليد المعلّنة (1كورنثوس3:11؛ 1:15). اتحاده الشخصيّ مع المسيح والحسّ الناتج منه بالتكلّم باسم المسيح كانا إلى درجة أنَّه، في الكلام على الطلاق، لجأ إلى تعليم المسيح ذي السلطة الذي يمنع الطلاق، من ثمَّ يلطّفه نوعًا ما بالسماح بافتراق من دون الزواج ثانية (1كورنثوس10:7-11).
مع هذا، لم يتلقَّ الرسول بولس الوحي وحسب إنّما أيضًا فسّره في علاقته الحواريّة مع الجماعتين اليهوديّة والمسيحيّة. بمعزل عمّا كان يراه أمورًا مبدئية، وهذه لم تكن دائمًا شديدة الوضوح، فقد كان دائمًا على استعداد لأن يكون يهوديًّا لليهود ويونانيًّا لليونانيّين (1كورنثوس20:9). هناك سمتان تميّزان رسائله: الإقناع والعرض الحواريّ الذي يعبّر به أحيانًا عن رأيه (1كورنثوس25:7) وفي أماكن أخرى يترك الأمور للحكم الشخصيّ لكلّ فرد من المسيحيّين (روما5:14؛ 22-23).
قبل كلّ شيء، عرف أنّ دعوته كانت فعّالة في دعوة الله الواسعة إلى الجماعة بأكملها التي قالت الـ”آمين” والتي لم يكن الرسول يسود عليها (2كورنثوس20:1-24). جماعاته كانت بالواقع “ختم” مهمّته الرسوليّة (1كورنثوس2:9؛ 1 تسالونيكي19:2-20؛ 8:3). ليس مفاجئًا أن يقبل بالتوجّه إلى أورشليم ليضع أمام سلطة مجمع الرسل الجماعيّة طلب المسيحيّين اليهود فرض الختان على الأمميّين، ذلك من أجل وحدة الكنيسة مع أنّه كان يعارض هذا الطلب بشدّة (غلاطية1:2؛ أعمال1:15).
قبول كتابات الرسول بولس في الكنيسة القديمة يظهر بشكل مساوٍ دور سلطة الجماعة الكبيرة وتقليدها. انتشرت رسائله بين الجماعات المسيحيّة المختلفة (كولوسي16:4). فكانت أوّل مجموعة من الكتابات الرسوليّة التي جُمعت وكانت تُقرأ لكثرة من الناس، ولكن ليس بدون سوء فهم (2بطرس15:3-16؛ يعقوب20:2-24). أصبح الرسول بولس خلال القرن الثاني بطل ماركيون وغيره من الغنوصيّين الذين شوّهوا رسالته واستعملوا كتاباته لتحقير الكنيسة العظيمة التي كانت في طور النموّ.
سلطة بولس ورسائله صارت موضع تساؤل، هذا ما يفسِّر صمت القدِّيس يوستينوس الشهيد حيال بولس في وقت متأخِّر حوالي منتصف القرن الثاني. رغم هذا، اكتسبت رسائل الرسول بولس سلطة جامعة في التقليد المسيحيّ عبر تأثير قادة الكنيسة وكنائسهم المحليّة، أمثال القدّيسين إقليمس الروماني، أغناطيوس الأنطاكيّ، بوليكربوس أسقف أزمير، إيريناوس أسقف ليون، الذين استعانوا جميعًا بكتاباته وقدّروها. فحقّقت هذه الرسائل قانونيّة كاملة وأصبحت جزءًا من الكتاب المقدّس المسيحيّ على أساس استعمالها في التقليد، وهذا أكثر ممّا توقَّعه الرسول.
ما هي النتائج الممكن الوصول إليها في ما يخصّ العلاقة بين الكتاب المقدّس، التقليد والجماعة؟ من جهة، يجب أن لا نشدّد كثيرًا على سلطة الكنيسة والتقليد لطمس سلطة الكتاب المقدّس الجوهريّة ككلمة الله. اللاهوتيّون الأرثوذكسيّون، في تحسّسهم من ادعاءات الإصلاح واهتمامهم بالردّ عليه، روّجوا أحيانًا لسلطة الكنيسة والتقليد على الكتاب.
مثلاً، بانتيوس براتسيوتيس يميط أطروحته المقنعة إلى أقصى الحدود في ما يخصّ وحدة الكنيسة والكتاب والتقليد بادعائه أنّ الكتاب المقدّس يستمدّ صحّته من الكنيسة[7] يفتقد هذا الادعاء خطأ إلى عامل أساس هو مبادرة الله من وراء الإعلان، أي قوّة الكلمة الإلهية وسلطتها المعطاة عبر الأنبياء والرسل وبالواقع عبر يسوع نفسه.
حتّى لو اعتبر المرء أنّ الكتاب ككلمة الله المكتوبة هو جزء من التقليد المقدّس يأخذ شكلهٍ وينبثق من حياة الكنيسة، فمع هذا يشير قانون الكتاب بوضوح إلى السلطة الفريدة لما تمّ تلقيه كإعلان إلهيّ وتلياً سلطة الكتاب العليا في التقليد العامّ. هذا يتوافق كلياً مع نظرات آباء الكنيسة الذين حمل لهم الكتاب سلطة عليا لا شكّ فيها كحقيقة إلهيّة كاتبها الحقيقيّ هو الله[8] بدون أن نغضّ النظر عن التلازم بين التقليد والكتاب، أساس إذاً الاعتراف بسلطة الكتاب بالنسبة إلى التقليد.
يقول اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ توماس هوبكو: “إذ يشرَّع الكتاب ككتاب الكنيسة، تصبح سلطته الرئيسة المكتوبة في الكنيسة وليس فوقها أو بمعزل عنها. كلّ ما في الكنيسة يُحكم عليه بالكتاب. لا شيء في الكنيسة يخالفه. كلّ ما في الكنيسة يجب أن يكون كتاباً. فالكنيسة حتّى تكون الكنيسة، يجب أن تعبّر بشكل كليّ عن الكتاب، وبشكل أدقّ، يجب أن تكون مخلصة كليّاً ومعبّرة عن الحقيقة التي يشهد لها الكتاب المقدّس نفسه كتابيّاً”[9].
من جهة أخرى، يجب أن لا نشدّد على سلطة الكتاب على الكنيسة بطرائق تقلّل من سلطة التقليد والجماعة المتفاعلة في أصول الكتاب المقدّس، نموه وجعله قانونياً. مثلاً، قد يدّعي البعض أنّ قانون الكتاب المقدّس نشأ ولم يُصنِع لأنّه تضمن عمليّة تدريجية في التقليد[10]. ولكن لا يمكن إنكار أنّه كان ضرورياً اختيار الكتب التي يحدّدها القادة المسيحيّون للكنائس المحليّة وبالطبع المجامع. دعماً للسلطة المتابيّة، قد يدّعي آخرون أنّ تعليم الكتاب “أنشأ الكنيسة”[11].
لكن لا يمكن إنكار أنّه كان ضرورياً اختيار الكتب التي يحدّدها القادة المسيحيّون للكنائس المحلّية وبالطبع المجامع. دعماً للسلطة المتابيّة، قد يدّعي آخرون أنّ تعليم الكتاب” أنشأ الكنيسة”[12]. لكنّ العلاقة المتبادلة بين الكلمة الإلهيّة، التقاليد الشفويّة، النصوص، القانون والجماعة تشكل جزءاً لا يتجزأ من الحياة الإيمانيّة الديناميكيّة عينها، تقليدًا نابضًا ليس لا هامدًا ولا تقبليًّا إنّما سريع التجاوب ومتطلّب. الكلام على الكنيسة على أنَّها “وُلدت من سماع الكلمة” أو “إعطاء أفضليّة على الكنيسة بحسب تسلسل الوحي”، بدون أهليّات إضافيّة هو كلام غير دقيق وعلى أساس من “المفارقة التاريخيّة… المبينّة على… التمييز القديم بين الكتاب والتقليد”[13].
“المصدر الواحد” للوحي في إطار الجماعة هو الروح نفسه، الحامل الأوّل للتقليد وخالقه[14].الكلمة الإلهيّة والجماعة، الكتاب والكنيسة، لا يمكن وضعهما في مباراة فاصلة أنّهما نتاجان أساسيَّان للروح نفسه، تمامًا كما يستحيل أن تكون هناك كنيسة بلا إنجيل، يستحيل أن يكون هناك إنجيل بلا كنيسة.
أخيرًا، سوف يستمر كثيرون بالترويج لمبدأ “الكتاب فقط” (sola scriptura) غير المنصف بحقّ الكنيسة والتقليد. في أيّ حال، فقد توصّل عدد من الإنجيليّين إلى الاعتراف بأنّ هذا الموقف لم يعد ممكنًا الاحتفاظ به تاريخيًّا أو لاهوتيًّا[15]. الدراسات التاريخيّة أظهرت ما سماه Harry Y. Gamble “العلاقة العضويّة” بين الكتاب والتقليد[16]. J. N. D. Kelly وHenry Chadwick، بين كثيرين، أظهرا أن التقليد في الكنيسة الأولى كان إشارة إلى مجمل حياة الكنيسة الخلاصيّة متضمنّة الليتورجيا، الوعظ، التبشير، النظام الكنسيّ، والممارسة المحدّدة بالرسوليّة[17].
إنّ تكوين العهد الجديد كان في هذا التيار من التقليد بدون أيّ حسّ بالتوتر بين التقليدين الشفويّ والمكتوب، أو بين الكتاب المقدّس والتقليد. كانت للأسفار الكتابيّة سلطة لأنَّها كانت جزءًا من التقليد، أي بسبب قبولها واستعمالها في الكنائس المحليّة. ردًّا على الغنوصيّين الذين أنتجوا عددًا من الكتب المنحولة apocryphal، لجأت الكنيسة الجامعة إلى العقيدة الأرثوذكسيّة، “دستور الإيمان”، كمعيار لقانونيّة الكتب. بعد الخطر الغنوصيّ، عندما اكتسب الإنجيل سلطة عليا بحسب آباء الكنيسة، بقي معناه وقيمته دائمًا مرتبطين عضويًّا بحياة الكنيسة المستمرّة وعبادتها، وليس بمعزل عن تقليد الكنيسة الحيّ المتقدِّم باستمرار.
الدراسات الأخيرة حول قانون الكتاب لعلماء أمثال James Sanders[18] و James Barr[19] وHarry Y. Gamble[20] أكّدت الدور الأساس والجازم للتقليد والجماعة في صنع الكتاب. Gamble بوجه خاصّ يشدّد على وسائل الأمان التاريخيّة لقانون الكتاب، أكثر من مجرّد القوة الخلاّقة لـ”كلمة الله” المجرّدة السطحيّة خلف الكتاب.
اللجوء إلى الوحي غائب بشكل مميّز كمعيار للقانونيّة لأنّ مجمل حياة الكنيسة في كلّ تقليداتها ووظائفها يُنظَر إليها كموحى بها وموجّهة من الروح القدس. بالنسبة إلى Gamble، المقرّران الرئيسان لتكوّن قانون العهد الجديد يجب إيجادهما في الأصول التاريخيّة لإيمان الكنيسة واستعمال أسفار العهد الجديد بشكل تقليديّ في عبادة الكنيسة وتعليمها.
يعزل Gamble أربعة معايير للقانونية: الرسوليّة، الجامعيّة، الأرثوذكسيّة (صحّة الإيمان) والاستعمال التقليديّ[21]. بحسب نظرة المؤلّف التقليديّة، كانت الوثيقة تُعتبر رسوليّة إذا ارتبط مصدرها برسول أو بزمان الرسل. كي تكون الوثيقة جامعة يجب أن تكون معروفة ووثيقة الصلة بالكنيسة الكبرى. كي تكون أرثوذكسيّة يجب أن تتوافق مع ما تفهمه الكنيسة على أنّه التعليم الصحيح، والتي تفترض أنّ العقيدة الصحيحة ممكن أن تُعرَف بمعزل عن الكتاب وأنّ الكتاب يجب أن يُقاس بتقليد رسميّ ولكن غير مكتوب. بحسب Gamble، المعيار الأكثر فعاليّة، حتّى بمعزل عن المعنى الداخلىّ للكتابة الإنجيليّة، كان الاستعمال التقليديّ بخاصّة في المراكز الكنسيّة المسيحيّة القديمة الكبرى. يلخّص Gamble هذه العلاقة المتبادلة بين الكتاب والتقليد كما يلي:
يظهر تاريخ القانون أنّ محتوياته حدّدها بشكل أساس التقليد الكنسيّ (الاستعمال التقليديّ، الأفكار التقليديّة عن العبادة واللجوء إلى التعليم التقليديّ) حتّى إنّ الاعتراف بسلطة القانون هو اعتراف بسلطة التقليد الذي أنشأه. هذه النقطة يُسلّم بها العلماء البروتوستانت بحريّة… إذًا ممكن القول إنّ التقليد يتقدّم على الكتاب، يسلِّم به الكتاب، ويثبت في الكتاب… لهذه الأسباب أصبح مستحيلاً بعد الآن وضع الكتاب بجانب التقليد كبديل الواحد من الآخر. بالأحرى هما في علاقة عضويّة تحول دون رفع الواحد منهما ضدّ الآخر كسلطة لاهوتيّة”[22].
في أيّ حال، بعد التسليم بالتبادليّة العضويّة بين الكتاب والتقليد، حريّ الملاحظة أنّ الجماعة وتقليدها المستمرّ مارست نوعًا من التقدميّة الوظيفيّة بقدر ما تصرّفت كعوامل مفسّرة أساسيّة في مجمل عمليّة تكوين الكتاب وقوننته وتطبيقه. كما أنّ الوحي ليس معزولاً عن الإطار البشريّ، كذلك الكلمة الإلهيّة غير محرّرة عن الجسد، أي غير معزولة عن الفهم والتواصل البشريّين. دور التفسير قبل الكتاب وخلاله وبعده جليّ في المسيحيّة واليهوديّة وهو تاليًّا دور أساسي وتوجيهيّ في الجماعة والتقليد الحيّ. Jacob Newsner أشار بشكل مفحم إلى وظيفة الناموس الشفويّ والتقليد الربانيّ في إعطاء الصوت إلى نصّ مقدّس صامت بدونهما[23].
Neusner يعتبر أنّه من المُضِّل النظر إلى اليهوديّة الربانيّة على أنّها مجرد نتاج “للعمليّة التفسيريّة أو الكشف العضويّ للكتاب المقدس”[24]. هو يصرّ على أنّ الحكماء الربانيّين عبر إيدولوجيّة واعية ومجموعة من القوانين خارج الكتاب، مارسوا أيضًا “رئاسة” على الكتابة المقدّسة كي تتكلّم بثقة ووضوح مع الجماعة. بهذا المعنى، هؤلاء العلماء القدماء جعلوا الكتاب يتكلّم “بصوتهم، بلهجتهم ولأجلهم”[25]. بحسب Neusner:
بتوجيه الكتاب كنتاج مقدّس من صنع الإنسان وكنصّ فكريّ، أمّن الحكماء أنّه سوف يشير دائمًا إلى اهتماماتهم وهمومهم، وأنّه سوف يشرّع ويبرّر ولن يخالف ال هالاكا والإيدولوجيّة الدينيّة التي تبنّتها”[26].
ركّب المفكرون المسيحيّون والقادة في الكنيسة القديمة بطريقة موازية تقليدًا تفسيريًّا كاملاً في قبولهم الكتاب المسيحيّ واستعماله بحسب حاجات الجماعة. نشأ الإنجيل المسيحيّ مع تقليده التفسيريّ بمواجهة اليهوديّة، الغنوصيّة والمونتانيّة. الإنجيل القانونيّ كان بطبيعته إنجيلاً مفَسَّرًا بحسب ما حدّده التقليد التفسيريّ الرسوليّ والآبائيّ وفهمه. ارتكزت حياة الكنيسة الأولى وهويّتها على ما كان قد أصبح أكيدًا أنّه تقليد الإيمان المشترك العالميّ، الليتورجيا، القانون الكتابيّ، دستور الإيمان، نظام الكنيسة، والممارسة. كلّ المجموعات التي اختلفت بشكل ملموس مع التقليد الجامع المتنامي مضت وحدها ببساطة كجماعات منفصلة.
ليست النقطة أنّ التقليد الجامع كانت تنقصه الحريّة والتنوع، والعكس صحيح، لكن التنوّع تطوّر في إطار من الوحدة بحسب حسّ الكنيسة العقائديّ الذي يشير إليه الالتجاء إلى “دستور الإيمان” أو “قانون الحقّ”. ركّزت المجامع المسكونيّة اللاحقة والقوانين العقائديّة التي أرستها حول الكتاب والتقليد، على سلطة الكنيسة الفعليّة في تفسير الكتاب ونشر اعترافات إيمان مجمعيّة معياريّة حول أمور أساسيّة ولكن غير متّفق عليها.
بهذا المنظار، ارتبط عضويًّا التكوّن التدريجيّ للإنجيل المسيحيّ كمعيار للحياة والفكر المسيحيّين، بتقليد تفسيريّ متجانس توجّهه الممارسة العقائديّة الرئيسية للكنيسة العالميّة. هذا الإنجاز المزدوج، تكوين قانون الكتاب والتقليد التفسيريّ الكبير المرافق له، فيما سمح لإبداعيّة كبيرة وتنوّع غني، أنتج وحدة كلاسيكيّة بين الكتاب والتقليد والكنيسة وتاليًا أسّس قياسًا معياريًا لكلّ الأجيال المسيحيّة[27].
[1]العبارة لـ: Moshe Weinfeld في ABD, Vol. 2, p. 174 “Deuteronomy, Book of,”.
[2] يميّز ساندَرز بين القانون كعمليّة سلطويّة في داخل التقليد والقانون كصورة نهائيّة لسلطة الكتاب أيضًا داخل التقليد، والأرجح أنّه بهذا هو أوّل مفسّرين التلازم بين القوننة والتقليد الحيّ للجماعة المستمرّة. أنظر:
James A. Sanders, “Canon, Hebrew Bible” in ABD, Vol. 1, p. 847. See further his books From Sacred Story to Sacred Text (Philadelphia: Fortress, 1987) and Canon and Community (Philadelphia: Fortress, 1984).
[3] بعض الأفكار الإضافيّة حول هذه الأمور موجودة في مقالاتي:
Tradition in the New Testament, GOTR 15 (1, 1970), 99, 7-21.
[4] ممكن اكتساب نظرة واضحة حول النقد الشكلي من:
Martin Dibelius, Form Tradition to Gospel, Trans. B.L. Woolf (New York: Scribner’s, n. d.); Rudolf Bultmann and Karl Kundsin, Form Criticism, trans. F. C. Grant (New York: Harper & Row, 1962); Klaus Koch, The Growth of the Biblical Tradition: the Form-Critical Method, trans. S. M. Cupitt (New York: Scribner’s, 1969); and Edgar V. McKnight, What is Form Criticism? (Philadelphia: Fortress, 1969).
[5]See Theodore Stylianopoulos, “Faith and Culture in Saint Paul: Continuity and Discontinuity,” in Rightly Teaching the Word of Your Truth: Studies in Honor of Archbishop Ialovas, ed. Nomikos Michael Vaporis (Brookline: Holy Cross Orthodox press, 1995), pp. 39-52, and by the same, “Faithfulness to the Roots and Commitment toward the Future: An Orthodox View,” Orthodox Christians and Jews on Community and Renewal: The Third Academic Meeting between Orthodoxy and Judaism, ed. Malcolm Lowe and published in Immanuel 26/27 (1194), pp. 142-159.
[6] كتاب عمليّ وشامل في هذا الموضوع:
Helen Doohan, Leadership in Paul (Wilmington: Michael Glazier, 1984).
[7] P. Bratsiotis, “The Authority of the Bible: An Orthodox Contribution,” in A. Richardson and W. Schweitzer, eds., Biblical Authority for Today, p, 21. Bratsiotis was a respected Old testament scholar at the University of Athens, Greece.
[8]Bruce Vawter, “The Bible in the Roman Church,” in Scripture in Jewish and Christian Traditions, ed. Federick E. Greenspahn, p. 117.
يير فاوتر إلى أنّ آباء الكنيسة لم يكونوا مرتاحين لمفهوم الكتاب وحده Sola Scriptura لأنهم رأوا الكتاب ضمن تقليد كنسي معلوم. أنظر لاحقاً، الفصل الرابع، القسم حول سلطة الكتاب وآباء الكنيسة.
[9]Thomas Hopko, The Bible in the Orthodox Church, pp. 66-67.
[10] هكذا أيضاً ويلهلم شنيملخر في المقدّمة حول قانون العهد الجديد في عمل ادغار هاناك، New Testament Apocrypha, Vol.1, p. 36. مترجم النسخة الإنجليزية هو R. McL. Wilson، فيما مترجم شنيملخر هو جورج أوغ. يسجّل شنيملخر ما يرى أنّه نقطة مصيريّة سبق وأن أشار إليها A. Julicher ومع هذا فهي تؤكد أنّ القانون هو بالتأكيد عمل الكنيسة وأنّه يجب عدم التقليل من قيمة دور اللاهوتيين والأساقفة في نشوء القانونْ، المصدر ذاته.
[11]Eduart Lohse, The Formation of the New Testament, trans. M. Eugene Boring (Nashville: Abingdon, 1981). هذا عمل مهمّ جداً ولمنّه يعكس أحياناً تشديدات بروتستنانتية: يتحدث Lohse عن إعلان المسيحية الأولى التي أسست الكنيسة. وقد يتساءل المرء: هل كان هناك وقت كانت فيه المسيحيّة من دون المنيسة؟
[12]Bruce M. Metzger in his piece introducing the New Testament in The New Oxford Annotated Bible: The New Revised Standard Version, p. vi, See further B. M. Metzger, The Canon of the New Testament.
يرى ماتزغر أنّ الرؤيّة البديهيّة أو كشف كلمة الله من قَبل أشخاص في التقليد تعني فرض الكلمة والقانون على الكنيسة. على أي حال، هذا الخط من التحليل يؤدّي إلى الجدال الخاطيء حول مَن يأتي قبل الآخر: البيضة أو الدجاجة، وكما أشرنا تكراراً، الوحي هو دوماً وحي يتمّ تلقّيه حيث يشترك العنصران، الإلهيّ والبشريّ، معاً بدون انفصال. لاهوتياً، إنّه لسؤال حول معنى أن يفرض قبولاً إيجابياً لكلمته على متلقين في حين أنّه بالتأكيد يفرض حكمه.
[14] هذه النظرة المتأصّلة في التقليدين الكتابيّ والآبائيّ قد سبق وأشار إليها، قبل هذا الوقت بكثير، اللاهوتي الكاثوليكيّ جوهان آدم موهلر وكرّرها بشكل أو بآخر لاهوتيّون كاثوليك وأرثوذكس أمثال إيف كونغار وهنري دو لوباك وفلاديمير لوسكي وجورج فلوروفسكي. أنظر مؤخرًا؛
Avery Dulles, “Tradition and Creativity in Theology”, FT 28 (Nov. 1992), pp. 20-27.
[15] مثلاً: Clark H. Pinnok, The Scripture Prinipel, pp. 80-81, 150 and 218, and Donald G. Bloesch, Holy Scripure, 99. 12-13, 154-156. وبخاصة الأوّل منهما الذي يشدّد على أنّ الكتاب المقدّس هو كتاب الكنيسة، وأنّه لم ينسحب منهما بعد نشوء القانون (ص.163)، وأنّ التقليد والجماعة يقدّمان الضوابط في تفسير الكتاب (ص.217).
[16]Harry Y. Gamble, “Canon: The New Testament,” in ABD, Vol/ I, p. 589.
[17]See J. N. D. Kelly, Early Christian Doctrines (New York: Harper & Brothers, 190). pp. 29-51, a section he entitles “Tradition and Scripture” reversing the terms to reflect his thesis; and Henry Chadwick, “The Bible and the Greek Fathers;” in The Church’s use of the Bible: Past and Present, ed. E. E. Nineham (London: SPCK, 1963), pp/25-39.
[18] أنظر الحاشيّة رقم 4.
[19] James Barr, Holy Scripture: Canon, Authority, Criticism.
[20] أنظر مقالته المذكورة أعلاه وكتابه:
The New Testament Canon (Philadelphia: Fortress, 1985)
[21] الإشارات إلى Gamble هي من مساهماته حول القانون في ABD, Vol. 1, pp. 857-859.
[22] المرجع السابق، ص. 858-859.
[23]Jacob Neusner, Rabbinic Judaism: Scripture and System (Minneapolis: Fortress, 1995), especially pp. 31-43.
صعد الرب يسوع إلى السموات وجلس عن يمين الآب القدُّوس، وعاشَت الكنيسة حوالي خمسة عشر سنة قبل تدوين أول بشارة (بشارة القدّيس مرقس على الأرجح)، كما ظلت أسفار العهد الجديد تتكون على مدار القرن الأول كله. هذه الفترة الزمنيّة عاشتها الكنيسة بالتعليم الحيّ غير المدوّن الذي تسلّمه التلاميذ القدّيسين من الرب يسوع، كما يقول القدّيس بولس في رسالته الثانيّة لكنيسة تسالونيكي (2: 15) “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدَاتْ (παραδοσεις) الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا”. ويقول عنه القدّيس إيريناوس “إذا فرضنا أنّ الرسل لم يتركوا لنا كتاباتهم، ألم نكن مضطرّين أن نعتمد على التعاليم التي في التقليد كما سلّموها للذين وضعت الكنائس في عنايتهم؟[2]“، التعليم المسلّم للقدّيسين في كل كنيسة زارها الرسل، وتشديداً منهم على أهميّة هذا التّعليم الحيّ غير المدوّن يقول القدّيس بولس الرسول في رسالته لأهل فيلبّي (4: 9) “مَا تَعَلَّمْتُمُوهُ (εμαθετε)، وَ تَسَلَّمْتُمُوهُ (παρελαβετε)، وَ سَمِعْتُمُوهُ، وَ رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا”.
فالتّقليد (παραδοσισ) هو كل تعليم مرئي ومسموع وحيّ تسلّمته الكنيسة من الرسل القدّيسين، ليس مجرّد آراء أو أفكار بل عمل الرّوح القدس في رجال الله القدّيسين. لهذا لم يتهاون القدّيس بولس مع كاسر التعليم المسلّم للكنيسة، وبدوره الكهنوتيّ[3] وواجبه الرعويّ يحذّر كنيسة تسالونيكي أربع مرّات بخصوص الذين هم بلا ترتيب[4].
كما يتّضح ما يعنيه القدّيس بولس بالرجوع لليونانيّة، فنجده يقول في رسالته الثانية لكنيسة تسالونيكي (3: 6) “ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَ لَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا”، والتّرجَمَة الحَقِيقيّة هي “وَ لَيْسَ حَسَبَ التَّقليد (παραδοσιν) الَّذِي تَسلَّمهُ مِنَّا”، وأيضاً في رسالته الأولى لأهل كورنثوس (11: 2) “فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ وَتَحْفَظُونَ التَّقْلِيدَاتْ (παραδοσεις) كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ”.
و بالتّأكيد كان للقدّيس يعقوب والقدّيس يهوذا صاحبا الرّسائل تعليم أيضاً بجانب ما كتب في الرسائل، أم يظن منكري التّسليم أن القدّيس يهوذا عاش حياته كلها يكرز بما ذكر في رسالته ذات الإصحاح الواحد فقط، بدليل قول المؤرخ الكنسي يوسابيّوس القيصري “إن أولئك الرجال العظماء اللاهوتيين حقّاً -أقصد رسل المسيح- أذاعوا معرفة ملكوت السموات في كل العالم، غير مفكّرين كثيراً في تأليف الكتب[5]“. هذا التّعليم الرسوليّ الذي يمثّل أنفاس المسيح في الكنيسة ويقول عالم الآبائيّات فيليب شاف في شرحه للاهوت القدّيس أثناسيوس “إن التّقليد (عند أثناسيوس) يعني الحقيقة المنقولة بالكتاب المقدّس، وهذه المسلّمة منذ البدء[6]“، أما القدّيس أثناسيوس نفسه فيقول في رسالته لأدلفوس الأسقف المعترف ضدّ آريوس “إيماننا صحيح يبدأ من تعاليم الرسل وتقليد الآباء ويتأكد بالعهد الجديد والعهد القديم (أي أنّ الإيمان “يتأكد بالعهدين” وليس “يتكوّن بالعهدين”)[7]“. ويلخّص أهميته فيقول “علينا أن نعتبر هذا التّقليد، الذي هو تعليم وإيمان الكنيسة الجامعة منذ البدء، الذي أعطاه الرّب، وكرز به الرسل، وحفظه الآباء، والذي عليه تأسست الكنيسة وقامت[8]، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيَّاً ولا ينبغي أن يُدعى كذلك فيما بعد[9]“.
أبدأ البحث بإسم الآب والإبن والرّوح القدس الإله الواحد آمين.
وببركة صلاة السيّدة العذراء القدّيسة مريم والدة الإله،
القدّيسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير
و جميع مصاف القديسين الأبرار.
خلفية غلاف البحث من مخطوط العهد الجديد Uncial 0209 من القرن السابع.
الفهرس
+ الفصل الأوّل: معنى التّقليد. (ص 7)
ا
+ الفصل الثّاني: التّقليد في فكر وأقوال الآباء. (ص 9)
– آباء ما قبل مجمع نيقيّه المقدّس. ص 9
– التّقليد في مجمع نيقيَّة. ص 12
– آباء ما بعد مجمع نيقيّه المقدّس. ص 15
ا
+ الفصل الثّالث: التّقليد والعقيدة (عقيدة الإيمان بالثالوث الواحد كمثال). (ص 21)
– تعبيرات لاهوتيَّة خاصة بالتعليم الآبائي عن الثَّالوث. ص 25.
– الثالوث القُدُّوس في كتابات الآباء الرسوليين. ص 27.
– الثالوث القُدّوس في كتابات الآباء الُمدافعين. ص 30.
ا
+ الفصل الرَّابع: التّقليد وتفسير الكتاب. (ص 39)
– آريوس. ص 40.
– سابيليوس. ص 52.
– أبوليناريوس. ص 58.
ا
+ الخاتمة: هل يمكن تحريف العقيدة مع وجود الكتاب والتّقليد؟ (ص 64)
+ المراجع (ص 68)
الفصل الأوّل
معنى التّقليد
التَّقليد كلمة واسعة تشمل المكتوب وغير المكتوب، فالمكتوب أو الكتب بحسب تعبير الآباء هي أسفار العهدين بينما غير المكتوب فهو تسليم الرُسُل للأجيال اللاحقة لهم ما قد تسلموه من الرب يسوع نفسه، التقليد في الفكر الأرثذوكسي هو معيار فهم الإيمان، فالأمر ليس متروكاً حسب الهوى بل يجب أن نفهم الإيمان كما سلّمه الرسل القدّيسين وكما تسلمه الذين وضعت الكنيسة تحت عنايتهم -بحسب تعبير القدّيس إيريناوس- بلا تغيير أو تطوير، بل يجب أن يكون التطوّر من وإلى التقليد (أي أن تتقدّم الكنيسة من معرفة التّقليد لحياة التّقليد، وإن إبتعدت فتتطوّر بالرجوع للتّقليد كما يقول القدّيس كبريانوس “إن ظلّ أحد في أخطاؤه فربّما يبصر النّور والحقّ ويعود لجذر وأصل تقليد الرّب[10]“)، كما يقتبس الدكتور نصحي عبد الشهيد في كتابه مدخل إلى علم الآباء قول الدكتور ﭼون كيلي “السّبيل الوحيد لفهم ذهن الكنيسة الأولى هو أن ينقع الإنسان نفسه فى كتابات الآباء[11]“. كما لا يقتصر معنى التّقليد على العقيدة فقط بل أيضاً الليتورجيّا والتاريخ الكنسي وقانونيّة أسفار العهد الجديد بل وأيضاً نص قانون الإيمان، كما أنّه حياة الكنيسة ذاتها كما يقول فلوروفسكي، ويقول -كما قال القدّيس إيريناوس- “الكنيسة ليست متحفاً لعرض رفات القدّيسين” ويقول مفسّراً كلام القدّيس إيريناوس أن الإيمان ليس رفات الماضي بل هو سيف الروح (الحيّ)[12]. فهو التعليم الذي تقلّدته (لبسته كعقد) الكنيسة بيد الرسل وظلّت عاملةً به وهو حيّ فيها وسيظل إلى أن يأتي المسيح ليتسلّم عروسه التّي تزيّنت بالعهدين والتّقليد والرّوح القدس الحيّ العامل فيها.
كما يقول فلوروفسكي عن القدّيسين أثناسيوس وأغسطينوس “أنهما أكثر عصريّة بالنسبة لإدراك المشكلات اللاهوتيّة للعصر بالمقارنة باللاهوتيين الحاليين[13]“. فالآباء لم يتركوا كتاباتهم كمجرّد ذكرى بل كقواعد لاهوتيّة بناها الرّوح القدس في مواجهة هرطقات ضدّ الإيمان بيسوع المسيح، ضدّ الإيمان المسلّم مرّة للقدّيسين (يهوذا 3)، فهل شهدت الكنيسة رداً معاصراً ضدّ آريوس أقوى من ردّ أثناسيوس الرسوليّ، أم فنّد أحد إدعاءات كلسس أفضل من أوريجيانوس. وحتّى الآن ما زلنا نحيّا على هذا التراث اللاهوتي العظيم مستخدمين التّعبيرات ذاتها التي صاغها القدّيسين أثناسيوس وكيرلّس وغريغوريّوس النزيانزي والنيصّي وباسيليّوس الكبير.
بل يمكن أن نقول أن كل هرطقه هي تفسير خاطئ للكتاب أو تفسير للكتاب بدون الرجوع للتسليم الرسوليّ، فآريّوس إستخدم الكتاب وهكذا نسطور ومقدونيّوس. لذا يقول المغبوط أغسطينوس أسقف هيبو “أمّا من جهتي فأنا لا أؤمن بالإنجيل إلا كما يوجهه سلطان الكنيسة الجامعة (يقصد القدِّيس أن الكنيسة تفهم الإنجيل بحسب تقليد الإيمان المسلّم وبهذا فهي حارسة على الأسفار بالإيمان الذي هو منذ البدء)[14]“، ويقول إيريناوس “لا يمكن إستخراج الحقيقة بواسطة من يتجاهلون التّقليد[15]“، وإتباع التقليد في نظر القدّيس كيرلس يتلخّص بأنه هو الوصول الأكيد للحقيقة ومسرَّة الله لذلك يسأل صديقُه إرميا “ألا ترى أنه إن تبعنا تعاليم القدّيسين فإنه من المؤكد أن وصولنا إلى الحقيقة سيكون أسهل وسيقودنا هذا إلى ما يسر الله وإلى معرفة ما أُوحي به عن الإبن بواسطة الروح القُدُس؟[16]“.
الفصل الثّاني
التّقليد في فكر وأقوال الآباء
أولاً: آباء ما قبل مجمع نيقيّه المقدّس.
عرف الآباء الرسوليّون المسيحيّة المؤسسة على الكتاب والتّقليد الرسوليّ المسلّم للكنيسة، لذلك يقول القدّيس إكليمندس الروماني في رسالته إلى كنيسة كورنثوس (7: 2) “فلندع عنَّا، إذن، كل إهتمام عبثي باطل، ولنعد إلى أساس التَّقليد المجيد المُقدّّس[17]“، كما يقول ماثيتيس في رسالته لديوجنيتس (الفصل 11) “نعمة الأنبياء معروفةٌ، إيمان الأناجيل مؤسس، تقليد الرسل محفوظ ونعمة الكنيسة الإبتهاج[18]“. لا يقول كنيسة بل الكنيسة، الكنيسة الجامعة المقدّسة الرسوليّة التي ملأت العالم -كقول القدّيس إغناطيّوس الإنطاكي- “إينما يكون المسيح تكون الكنيسة الجامعة[19]“، كذا يقول إيريناوس العظيم أسقف ليون “الكنيسة العالميّة في العالم كلّه، تُسلِّمنَا التّقليد من الرسل[20]“.
في كتابه الثالث ضدّ الهرطقات يقول إيريناوس “حينما نحيلهم (الهراطقة) إلى التّقليد الذي يتأصّل من الرسل، المحفوظ بتتابع الشيوخ في الكنائس. يقولون (الهراطقة) أنهم ليسوا أحكم من الشيوخ فقط، بل من الرسل أيضاً[21]“، ويؤكد “أنّ هؤلاء (الهراطقة) لا يوافقون الكتاب ولا التّقليد[22]“. فحسب تعليم الآباء وإيمانهم فأنفاس الرسل ما زالت تحيّا في قلب الكنيسة لذا يقول إيريناوس في نفس الكتاب “الذي يريد أن يرى الحقيقة يتدبّر بوضوح تقليد الرسل الظّاهر في كل العالم[23]“، كما يقول “أنّ التّقليد الرسوليّ حفظ تباعاً بواسطة هؤلاء (الأتقياء) في كل مكان[24]“.
يخبرنا القدّيس إيريناوس عن الأب الرسوليّ إكليمندس الرومانيّ فيقول عنه “هذا الرجل رآي الرسل المباركون وكان محاوراً لهم، يمكن أن يقال عنه أنّ صدى عظات الرسل ما زال في أذنيه وتقليدهم أمام عينيّه[25]“، ويقول عن رسالته إلى كنيسة كورنثوس “أنّه كان يعظهم بقوّة تجاه السّلام، مجدداً إيمانهم وموضّحاً لهم التّقليد الذي تسلّمه من الرسل مؤخّرا[26]“. “أمّا يوحنّا بن زبدي التلميذ الذي كان يسوع يحبّه وآخر من إنتقل من الرسل قد صار شاهداً حقيقيّاً على التّقليد الرسوليّ[27]“، هذا ما يقوله القدّيس إيريناوس عن اللاهوتي الحبيب يوحنّا.
يقول القدّيس إكليمندّس السكندري عن أبرار الكنيسة “إنّهم يحفظون تقليد الإيمان المبارك المأخوذ مباشرة من الرسل القديسين[28]“، بمجئ لوثر وكيلفن وزونجلي بدأ يظهر فكر “الكتاب وحده يكفي” وظهرت تعاليم ضدّ التّقليد الكنسيّ وكانت حجتهم الأولى ضدّ التّقليد هو تفسيرهم لما قاله المسيح (مت 15: 9) “وَ بَاطِلاً يَعْبُدُونَني وَ هُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ” لكن يجيب العلّامه أليكساندر روبرتس على هذه التساؤل في تفسير كتابات القدّيس إكليمندّس وتحت باب رقم 3 التّقليد “فرّق الرسل بين تقليدات اليهود الزائلة وبين تقليداتهم (παραδόσεις) المسيحيَّة (tradita apostolica)، (2تى 1: 13-14) “تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنِّي، فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا”، (2تى 2: 2) “وَ مَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا”، “(2تس 3: 6) “ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا”. بين هذا كانت (1) قانونيّة أسفارهم، (2) تأكيد على صيغة الكلمات المنطوقة، (3) قواعد الإحتفال بالعشاء الرّبّاني التي صارت لاحقاً اللّيتورجيّات، (4) الفصح المسيحي ويوم الرّب الإسبوعي، (5) السبت اليهودي والترتيباتي، وكيفيّة إحترامهم عندما كان الهيكل قائماً، (6) قبلة الصدقة ومراقبة العبادات العامة (7) الأغابي (Αγάπη) والأمور بشأن الأرامل[29]“. ويقول القدّيس إكليمندّس السكندري عن الهراطقة “أنهم لا يملكون مفتاح المدخل الحقيقي للملكوت بل مفتاحاً مزيّفاً، به لا يدخلون كما ندخل، بتقليد الرّب[30]” وأيضاً “الذي يزدري بالتقليد الكنسي لا يعود يحسب من أولاد الله[31]“.
العلّامة أوريجيانوس يقول “لا يعتبر أي أمر أنه حق إلا إذا كان لا يتناقض قطّ مع التّقليد الكنسي الرسوليّ[32]“.
القدّيس هيبوليتس الروماني -صاحب كتاب (القوانين) التي عليها بني الطقس الكنسي القبطي- يقول “لنؤمن يا إخوتي الأعزّاء -بحسب تقليد الرسل- أنّ الله الكلمة نزل من السّموات إلى (بطن) العذراء ليأخذ منها جسداً[33]“.
العظيم كبريانوس يقول “إعلموا أنّنا لا نبتعد عن تقاليد الإنجيل والرسل[34]“، وفي رسالته لكايسيليوس يسميه “تقليد الرّب[35]“، يقول أيضاً عن كأس الإفخارستيّا أنّها تقليد الرّب[36]، ويعبر بشكل رائع عن ترابط البشائر بالتقليد الرسولي فيقول “يجب أن يحفظ القانون الإنجيلي وتقليد الرّب في كل مكان، وأن لا يكون هناك إبتعاد عن كلا ما علّمه المسيح وما فعله[37]“. كذلك يعظ بَنِيه الروحيّين عن الحفاظ على التقليد فيقول “لهذا ينبغي أن تراقبوا بحرص وتحفظوا الممارسة المستمدّة من التّقليد الإلهيّ والتّطبيق الرسوليّ المحفوظ بيننا وتقريباً في كل الأقاليم[38]“.
ثانياً: التّقليد في مجمع نيقيَّة.
يتّهم البعض مجمع نيقيّه بأنه أنشأ أو صَنَع إيماناً جديداً للمسيحيّة، لكن من خلال دراسة التّقليد الرسولي الآبائي نجد أن ما أقرّه مجمع نيقيّه ما هو إلا تسليم آبائيّ سبق نيقيّه، ذكرها إريناوس وهيبوليتس الروماني ووجدت في كتابات الآباء الرسوليين والمدافعين بشكل جزئي.
يقول القدّيس إغناطيوس الإنطاكي تلميذ الرُسُل في رسالته إلى كنيسة أزمير “أُمجِّد يسوع المسيح الذي جعلكم حكماء. لقد أدركت أنكم قد بُنيتم بإيمان لا يتزعزع كأنكم مسمرون على صليب يسوع المسيح بالجسد والروح وثابتون بقوَّة في المحبَّة بدم يسوع المسيح الذي هو حقيقة من نسل داود بالجسد، ووُلد حقيقة من العذراء وإعتمد من يوحنا لتتم به كل عدالة. وسُمِّر من أجلنا على عهد بلاطس البنطي وهيرودس رئيس الربع وبثمرة صليبُه وآلامه المُقدَّسة وجدنا الحياة وبقيامته فوق العصور ليجمع قديسيه ومؤمنيه في اليهوديَّة وفي الأمم في جسد واحد أي في كنيستُه[39]“.
و في رسالتُه إلى تراليان “صُّموا آذانكم عندما تسمعون كلاماً لا يكون عن المسيح إبن داود المولود من مريم العذراء، عن المسيح الذي وُلِدَ حقاً وأكل وشَرِب وإحتمل الآلام على عهد بيلاطس البُنطي ومات على الصليب أمام السماء والأرض وما تحت الأرض. وقام من بين الأموات والذي أقامُه هو الآب الذي يُقيمنا نحن الذين نؤمن له بفضل إبنه والذي بدونه لا نملُك حياة حقيقيَّة[40]“.
في حواره مع تريفو اليهودي (85: 2) يقول القدّيس يوستين الشهيد “تُطرد وتُسحق الشياطين في إسم إبن الله، بكر كل خليقة الذي وُلِد من العذراء مريم، إنسان قادر على الصبر والإحتمال، الذي صُلب في عهد بيلاطس البنطي ومات وقام من بين الأموات وصعد إلى السموات[41]“.
يقول القدّيس إيريناوس “و هكذا نَشَرَت بنا الكنيسة في كل أرجاء العالم حتى منتهى الأرض ما تسلمته من الرسل وتلاميذهم (و هي تُؤمن) بإله واحد، الآب القدير خالق السموات والأرض والبحر وكل ما فيها، وبمسيح واحد يسوع إبن الإله، الذي تجسّد لأجل خلاصنا، وبالروح القدس الذي نطق وإعتنى بالأنبياء، وبمجيئ المسيح وولادته من عذراء وآلامه وقيامته من الأموات، وبالصعود إلى السموات بحسب الجسد الذي ليسوع المسيح ربّنا، وبمجيئه من السموات بمجد الآب ليجمع كل الأشياء إلى واحد وبقيامة أجساد كافة البشريّة لتجثو كل ركبه مما في السّماء ومما فوق الأرض ومما تحت الأرض ويعترف كل لسان لربّنا يسوع المسيح ملكنا وربّنا وإلهنا ومخلصنا كمشيئة الآب السّماوي الذي لا يرى[42]“، أليس هذا ما نقوله في قانون الإيمان (النيقوي – قسطنطينيّ)، وأيضاً صلاة القدّيس بًوليكاربوس قبل إستشهاده “من أجل هذا امجدّك واسبّحك واُباركّك في رئيس الكهنة الأبديّ السماوي يسوع المسيح إبنك الحبيب، الذي فيه ولك معه وللروح القدس المجد الآن وإلى دهر الدهور آمين[43]“. كما نجد تعبير القدّيس يوستين الشّهيد قريباً جدّاً لقانون الإيمان، فيقول في حواره مع تريفو اليهودي “هل الإبن من ذات جوهر الآب؟” ويكمل القديس يوستين أنه هكذا ولد الإبن من الآب بلا تزاوج ولا إنقسام فلا الآب أعلى من الإبن ولا الإبن أقلّ من الآب، كما يرجّح أن الصيغة التي جاء بها القديس يوستين في حواره مع تريفو “كما تخرج النّار من النّار بدون أن تنقص الأولى[44]” هي التي جاء منها تعبير “نور من نور” في مجمع نيقيّه.
كذلك كتاب التقليد الرسولي للقدّيس هيبوليتس الروماني (القرن الثالث)، وتحديداً المختصّة بالمعموديّة تقول: “عندما ينزل المعمّد إلى الماء، فالذي يعمد يضع يده عليه ويقول له: هل تؤمن بالله الآب ضابط الكل؟، والمعمّد يقول: اؤمن. فيغطسه في الماء مرّة أولي ويده على رأسه. ويسأله ثاني مرّه ويقول له: هل تؤمن بيسوع المسيح إبن الله، الذي ولد من الرّوح القدس ومن مريّم العذراء، الذي صلب في عهد بيلاطس البنطيّ، ومات وقام من بين الأموات في اليوم الثّالث، وصعد إلى السموات، وجلس عن يمين الآب، ويأتي ليدين الأحياء والآموات؟، وعندما يقول: اؤمن، يغطسه مرّة ثانية. ويسأله ثالث مرّة ويقول له: هل تؤمن بالرّوح القدس في الكنيسة المقدسة وقيامة الجسد؟ والذي يعتمد يقول: اؤمن فيغطسه ثالث مرّة[45]“.
و قانون الإيمان المنسوب للرسل (أقدم مخطوطاته ترجع للقرن الثالث وربما النص أقدم بكثير) “أؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض. أؤمن بيسوع المسيح إبن الله الوحيد، ربنا، الذي حبل به من الرّوح القدس، وولد من مريّم العذراء، تألّم في عهد بيلاطس البنطّي، صلب ومات ودفن، نزل إلى الجحيم وقام في اليوم الثّالث من بين الأموات، صعد إلى السّموات وجلس عن يمين الله الآب ضابط الكل، وسيأتي ليقيم الأحياء والأموات. اؤمن بالرّوح القدس، وبالكنيسة الجامعة المقدّسة وشركة القدّيسين وغفران الخطايا، وقيامة الجسد والحياة الأبديّة، آمين[46]“.
يقول القدّيس أثناسيوس الرسولي “إن كلمة الرب التي جائت عن طريق نيقيَّة باقية إلى الأبد[47]“، وفي خطابُه لأساقفة إفريقيا “الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرُسُل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين إجتمعوا في نيقيَّة من كافة أنحاء العالم[48]“. وبعده القديس إغريغوريوس النزيانزي “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مُفضَّل على إيمان الآباء القدّيسين الذين إجتمعوا بنيقيَّة لهدم الهرطقة الآريوسيَّة، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مُكمّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القُدُس[49]“.
ثالثاً: آباء ما بعد مجمع نيقيّه المقدّس. (بحسب ترتيب سلسلة فيليب شاف)
يقول في خطابه (54) “عن هذه الأمور التي نوقفها على الثقه، ليس بالكتاب المقدّس، بل التّقاليد، التي هي مراقبة في كل العالم، ستفهم على أنها مقبولة ومعلّمة بواسطة الرسل أنفسهم أو بالمجامع المكتملة، الذين لهم أكثر سلطان مفيد في الكنيسة[50]“، ويوضح هنا دور التّقليد في حكم الأمور الكنسيّة، كما يعلق الأب متّى المسكين[51] في إطار نفس المعني على (أع 16: 4) “وَ إِذْ كَانُوا يَجْتَازُونَ فِي الْمُدُنِ كَانُوا يُسَلِّمُونَهُمُ الْقَضَايَا الَّتِي حَكَمَ بِهَا الرُّسُلُ وَ الْمَشَايخُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ لِيَحْفَظُوهَا”. وينبه علّى المعنى الحقيقي لكلمة “القضايا” التي ربما لم تكن التّرجمة الموفّقة، الكلمة اليونانيّة هي (τα δογματα) ويرى الأب متّى المسكين أنها لا تعني مجرّد أحكام في مشكلات عاديّه بل تعني “فرائض عقائديّه”، يستدل بذلك على إستخدام كلمة “يسلمونهم” (παρεδιδουν) والتي تشتق في اليونانيّة من كلمة “تّقليد” – “تسليم” (παραδόσεις)، كما يكتمل المعني بكلمة “يحفظونها” التي تؤكد أهميّة حفظ التّقليد الرسوليّ في الكنيسة. في كتابه الرابع عن الثّالوث يعيد أغسطينوس أسقف هيبو الفكرة السّابقة فيقول “لأن شرعيّة الكنيسة تبقى بتقليد الشيوخ[52]“.
يقول في عظته الأولى عن سفر أعمال الرسل “يوجد العديد من الأشياء التي سلمت بالتّقليد غير المكتوب[53]“، كما يلفت نظر القارئ لنقطة هامه في سفر الأعمال وهي قول للمسيح لم يذكر في أي بشاره، يقول ذهبي الفم “(أع 20: 35) متذكّرين كلمات الرّبّ يسوع أنّه قال: مغبوطٌ هو العطاء أكثر من الأخذ. وأين قال (الرّب يسوع) هذا؟، ربّما أتى بها الرسل من التّقليد غير المكتوب[54]“.
كما يؤكد في عظاته على رسالة القدّيس بولس الرّسول الثّانية لأهل تسالونيكي (4: 15) على أنّ الرسل لم يتركوا كتاباتهم فقط بل أيضاً تقليدهم الشّفهيّ، فيقول “هذا واضح أنّهم لم يحضروا كل الأشياء بالمراسلة، لكن بعض الأشياء أيضاً بغير كتابةٍ، وكلا الطّريقتين تستحق التّقدير[55]“.
يقول يوسابيوس بامفيلس في كتابه الثّالث من سلسلة تاريخ الكنيسة “كنيسة أفسس التي أسّسها بولس، التي ظلّ فيها يوحنّا حتّى عهد تراجان، شاهداً مؤمناً على التّقليد الرسولي[56]“. (لاحظ أهميّة هذا الإقتباس عند التّعامل مع التّقليد كمصدر من مصادر إثبات قانونيّة العهد الجديد). ويقول عن القديس الرسولي إغناطيوس الإنطاكي أنّه كان حامياً للمؤمنين ضد الهرطقات وأنّه “كان يثبتهم سريعاً في التّقليد الرسولي[57]“، وعن أجزاء كتابات بابياس “تحوي أحداثاً رائعه يقول أنّه تسلّمها من التّقليد[58]“، وعن القدّيس هيجيسبّوس المؤرخ “سجّل خمس كتب عن التّقليد الحقيقي للإيمان الرسولي[59]“، وعن آباء القرن الثّاني “منهم جاء إلينا مكتوباً صوت الإيمان الرسولي الارثذوكسي المستلم من التّقليد الرسولي[60]“، وعن القدّيس إكليمندس الرّومانيّ ” لا زال صدى وعظهم (وعظ الرسل) في آذانه وتقليدهم أمام عينيه[61]“، ويقول أيضاً عن التّقليد “التّقليد في الكنيسة ووعظ الحق إنحدر من الرسل إلينا[62]“، وعن حافظي الإيمان يقول “هؤلاء الرجال يحفظون التّقليد الحقيقي للإيمان المبارك، مباشرةً من الرسل القديسين، بطرس ويعقوب ويوحنّا وبولس[63]“.
(4) ثيودوريت أسقف كورش.
في كتاب التّاريخ الكنسي لثيودوريت يقول “علمنا ومازلنا نتمسّك بالتّقليد الجامع الرسولي والإعتراف الذي يعلم أنّ الآب والإبن والرّوح القدس هم واحد في الجوهر[64]“، وفي خطابه (84) لأساقفة كليكيّه “كما يعلمنا تقليد المعموديّة المقدّسة أنّه هناك إبن واحد كما هناك آب واحد وروح قدس واحد[65]“.
(5) القديس أثناسيوس السّكندريّ “الرّسوليّ”.
يقول فيليب شاف عن التّقليد بالنسبة لأثناسيوس “أنّه قاعدة وأساس، ليس مجرّد مادّه، بل مصدر الإيمان[66]“. كما يواجه أثناسيوس الأريوسيين بسؤال “من أين تسلمتم هذه التَّعاليم بخصوص المخلص[67]“، وأيضاً “إحفظوا أنفسكم من الأمور النجسة الكثيرة التي لهم (للأريوسيين)، وأحفظوا تقاليد الآباء وبالأكثر الإيمان بالرّب يسوع المسيح الذي تعلّمتموه من الكتاب، والذي وضع دائماً في عقولكم بواسطتي[68]“.
و في خطابه لأساقفة أفريقيا يحذرهم من أوكسنتيوس الميلاني ويقول “الآن أصلّي أن تتذكّروني في كل شئ، وكما سلّمتكم التّقاليد فتمسكوا بها سريعاً[69]“. وأيضاً في خطابه الفصحيّ الثاني “كما سلّمتكم التّقاليد فتمسكوا بها (سريعاً)”، ويقول “إحفظوا يوم الرّب كما هو تقليد ووصيّة الآباء[70]“. ويقول في رسالته لأدلفوس المعترف “إيماننا صحيح يبدأ من تعاليم الرسل وتقليد الآباء ويتأكد بالعهد الجديد والعهد القديم[71]“. وفي موضعٍ آخر “علينا أن نعتبر هذا التّقليد، الذي هو تعليم وإيمان الكنيسة الجامعة منذ البدء، الذي أعطاه الرّب، وكرز به الرسل، وحفظه الآباء، والذي عليه تأسست الكنيسة وقامت[72]“.
(6) القديس غريغوريّوس النيصّي.
يقول في كتابه (ضد إفنوميوس 2: 9) “في تقليد الإيمان المسلّم بالحقّ تعلّمنا أن نؤمن بالآب والإبن والروح القدس[73]“، وفي (4: 6) “لأنّه يكفي لتأكيد كلامنا أنّ التّقليد جاء الينا من أبائنا، سُلِّمَ كالميراث، بالتتابع من الرسُل إلى القدّيسين الذين هم بعدهم[74]“. وفي عظته بعنوان “ليس ثلاثة آلهة” يقول “يجب علينا أن نظل ثابتين بلا حراك (يقصد ثابتين في الإيمان) بالتّقليد الذي تسلمناه بالتتابع من الأباء[75]“. كما أيضاً يتحدّث عن التّرتيب الذي تسلّمته الكنيسة في التّقليد الآبائي[76].
(7) القديس هيرونيموس “ﭼيروم”.
في تعليقه على قانون الإيمان الرسولي يقول “لهذا السّبب يستمر التّقليد، الإيمان غير المكتوب في ورقٍ وجلد، لكن في قلوب المؤمنين، بالتّأكيد أنّه لا أحد تعلّمه بالقراءة -كما يحدث مع غير المؤمنين- إنما بتقليد الرسل[77]“، وأيضاً “هذه هي التّقاليد التي سلّمها لنا الآباء[78]“.
(8) القدّيس باسيليوس أسقف قيصاريّة.
في كتابه عن الرّوح القدس يعيب الذين يحتكمون فقط إلى التّقليد المكتوب (العهد الجديد) ويتركون التّقليد غير المكتوب[79]. وأيضاً “هل يمكنني إذاً أن أنحرف بالكلمات المغريه التي لهؤلاء الرجال وأترك التّقليد الذي أرشدني للنور، وأضفى عليّ بنعمة معرفة الله![80]“، ويقول “التّقليد الذي أعطي لنا بالنعمة الفاعلة لابد وأن يبقا سليماً إلى الأبد[81]“. وفي نفس الكتاب “التّقاليد غير المكتوبة كثيرة، ومهمّه إذ تحمل سرّ التّقوى. هل يمكنهم أن يمنعوا كلمة واحدة من ما وصل الينا من الرسل![82]“. ويقول عن الإيمان “الذي بالتّقليد الآبائي قد حفظ بترتيب غير مكسور، في الذّاكرة إلى هذا اليوم[83]“.
(9) القدّيس هيلاري أسقف بواتييه (أثناسيوس الغرب).
“نؤمن بالإجماع بحسب التّقليد الإنجيلي والرسولي بإله واحد الآب ضابط الكل (القدير)، الخالق، صانع كل الأشياء، خالق ومنظّم كل الكائنات، الذي منه كل الأشياء. (و يكمل بعد ذلك إعلان إيمان الكنيسة بربٍ واحد هو يسوع المسيح وبالروح القدس)[84]“.
(10) القدّيس يوحنَّا الدمشقي.
في كتابه الرابع بعنوان (الشّرح السليم للإيمان الأرثذوكسي) والفصل 12 يقول “نحن نتعبد تجاه الشرق، هذا هو تقليد الرسل غير المكتوب، أن الكثير مما سلم إلينا بالتّقليد هو غير مدوّن[85]“.
(11) القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان.
يقول في خطابه 22 والفصل 19 “هذا الإيمان المؤسس بتقليد آبائنا السّابقين، الذي لا تنكره حتّى الشّياطين نفسها، لكن يُنكره الآريوسيّون[86]“.
(12) القدّيس فينسنت (من آباء القرن الرَّابع).
“يجب علينا -بمعونة الرّب- أن نقوّي إيماننا بطريقين، أوّلهم بسلطة القانون الإلهيّ (الكتاب)، وبعد ذلك بتقليد الكنيسة الجامعة[87]“. وأيضاً “إيمان الكنيسة الجامعة العالمي، الذي إستمر واحداً بلا تغيير[88] على مَر العصور بتقليد الحقّ غير الفاسد، وهكذا سيستمر إلى الأبد[89]“. و”يجب عليهم أن يفسّروا القانون المقدّس[90] (الكتاب) بحسب تقاليد الكنيسة العالميّة، وأن يبقوا حسب قواعد الإيمان الجامع[91]… وكما قلنا بالأعلى، أنّها كانت ومازالت عادات الكاثوليكيّين (أعضاء الكنيسة الجامعة) أن يثبتوا الإيمان الحقيقي بطريقين، الأوّل بالقانون المقدّس، وهذا بجانب تقليد الكنيسة الجامعة[92]“.
(13) القدّيس كيرلُّس الكبير (المُلقَّب بعمود الإيمان[93]).
في كتابُه الأوَّل ضد نسطور يقول “تقليد الإيمان جاهز ليضع نفسه ضد كلماتك، ليس إله يحمل إنساناً بل الإله المُتَجسِّد أُمرنا أن نعبد[94]“. وفي كتابُه الثالث يقول “كلمة الإيمان تُحارِب لصالحنا وتقليد الإيمان غير المُدنَّس[95]“. وفي الكتاب الرابع “الكتاب يُقر في كل مكان بمسيح واحد، مؤكداً بشدَّه على أن الكلمة صار جسداً (ظهر في الجسد وليس تحوَّل إلى جسد)، ويُعرِّف بتقليد الإيمان الصحيح[96]” وأيضاً “لأن بعض هؤلاء الذين كانوا مؤمنين في البدء أهملوا التقليد وقوّة السر صاروا مسرورين أن يولدوا خارج ما هو صحيح[97]” ويقول “و هذا الإيمان يسير متوافقاً مع الكتاب المُقدَّس ومع هدف التَّقليد الرسولي والإنجيلي[98]“. وفي دفاعه الثاني ضد ثيودوريت أسقف مُوبسويستيا يتكلم عن تقليد الرسل والإنجيليين الذين كانوا معاينين (eye-witnesses) للكلمة[99].
ملخّص الفصل الثاني:
1- الإيمان في فكر الآباء بالإجماع (قبل – أثناء – وبعد نيقيّه) يقوم على مصدرين كوجهيّ العملة هما التقليد المدوّن المسمّي بالكتاب المقدّس، والتقليد الشفاهي الذي وصل لنا من تلاميذ الرسل والليتورﭼيّات القديمة كليتورجيّا القدّيس يعقوب أخي الرّب، وليتورجيّا القديس مرقس البشير.
2- ظلّ التّقليد مستقرّاً في الكنيسة بدايةً من الآباء الرسوليّين وحتى القدّيس إيرنياوس أسقف ليون.
3- أعلن إيريناوس إيمان الكنيسة في كتابه الأوّل ضدّ الهرطقات:
“هكذا نشرت بنا الكنيسة في كل أرجاء العالم حتّي منتهي الأرض ما تسلمته من الرسل وتلاميذهم (و هي تؤمن) بإله واحدٍ، الآب القدير خالق السموات والأرض والبحر وكل ما فيها، وبمسيح واحد يسوع إبن الإله، الذي تجسّد لأجل خلاصنا، وبالرّوح القدس الذي نطق وإعتنى بالأنبياء، وبمجيئ المسيح وولادته من عذراء وآلامه وقيامته من الأموات، وبالصعود إلى السّموات بحسب الجسد الذي ليسوع المسيح ربّنا، وبمجيئه من السّموات بمجد الآب ليجمع كل الأشّياء إلى واحدٍ وبقيامة أجساد كافة البشريّة لتجثو كل ركبةٍ ممّا في السّماء وممّا فوق الأرض وممّا تحت الأرض ويعترف كل لسان لربّنا يسوع المسيح ملكنا وربّنا وإلهنا ومخلصنا كمشيئة الآب السّماوي الذي لا يرى…[100]“.
4- في نيقيّه لم يُصنع إيمان جديد بل تمت صياغة الإيمان في صيغةٍ محددةٍ تعتمد على كتابات الآباء السّابقين لذلك نجد قانون الإيمان مشابه للجزء السّابق من كلام القدّيس إيريناوس.
5- ظلّ تفسير الكتاب مرتبطاً ومتوقفاً على الإيمان، لا الإيمان على نصّ الكتاب، بما لا يتعارض بينهما. وإعتبر الآباء إستخراج الإيمان من حرف الكتاب مع إهمال التّقليد والإيمان المسلّم مرّة للقديسين هو منبع كل الهرطقات.
القدّيس فينسنت: “يجب عليهم أن يفسّروا القانون المقدّس (الكتاب) بحسب تقاليد الكنيسة العالميّة، وأن يبقوا حسب قواعد الإيمان الجامع[101]“.
القدّيس أمبروسيوس: “هذا الإيمان المؤسس بتقليد آبائنا السّابقين، الذي لا تنكره حتّى الشّياطين نفسها، لكن ينكره الآريوسيّون[102]“.
الفصل الثّالث
التّقليد والعقيدة
يحمل التًّقليد في طيّاته العقائد المسيحيّة بكمالها وتمامها، فالإيمان فعّال أكثر من التّدوين، وهذه أمثله حيّه على دور الإيمان المُعاش بالمُقارنة بالنص المُدوّن:
(1) أرسل القدّيس يعقوب رسالة واحدة وكذلك القدّيس يهوذا، بلا شك لم تكن كرازتهم بنص ما كتبوه في الرسائل فقط بل كانت كرازتهم كاملة عن المسيح أما ما دُوِّن في الرسالتين فقط هو تعليم أرادوا إيصاله للكنيسة وهم مبتعدون بالجسد، أما باقي الإيمان فقد وصل إليهم بالتقليد الشفوي وعن طريقة المُمارسة والحياة.
(2) التّلمذة الكنسيّة سبقت إقتناء العهد الجديد، أعني بهذا أنّ أثمان مخطوطات الكتاب كانت باهظة جداً إذ كانت منسوخة باليدّ (في القرن الثَّالث والرَّابع)، وبالتالي لم يكن من المتوفر للعامة إقتنائها. هنا يبرز دور التلمذة الكنسيّة، ويتأسس إيمان الفرد من خلال حياته للإنجيل لا مجرّد إقتناءه، وتحت صعوبّة توفّر الكتاب المقدّس للعامة من النّاس يتوجّه الجميع لتعلم الحياة بحسب الإنجيل داخل الكنيسة، ويتأصّل مبدأ الخلاص الجماعي بفلك نوح (الكنيسة الجامعة التي تعمل على خلاص كل المؤنين)، فكان العهد الجديد هو ما يؤكد على الإيمان لا ما يصنعه!، كما يقول القدّيس أثناسيوس في خطابه لأدلفوس المعترف “إيماننا صحيح يبدأ من تعاليم الرسل وتقليد الآباء ويتأكد بالعهد الجديد والعهد القديم[103]“، هذه التلمذة أو ما يمكن أن نسميه الإنجيل المعاش هو التّعليم المسلّم بالتتابع في الكنيسة من ليتورجيّات وخبراتٍ روحيّةٍ وشروحاتٍ عقيديّة، هذا ما حفظ الإيمان في ظلّ ندرة توافر الكتاب المقدّس الذي كلّف نسخه الكثير جدّاً. وحينٍ يتجلّى دور الكنيسة في التلمذة تظهر كحافظةٌ لوديعة تقليد المسيح، كما يقول القديس إيريناوس أن التّقليد تركه الرُسُل في يد الذين وُضعت الكنائس في عناياتهم[104]، لذا تُنادي الكنائس التَّقليديّة بمبدأ الخلاص الجماعي داخل الكنيسة.
هذه التلمذة لابد وأن تستقر على إيمان مستقيم يوافق التقليد ولا يُعارض الكتاب المُقدّس كما يقول العلّامة أوريجانوس “لا يعتبر أي أمر أنه حق إلا إذا كان لا يتناقض قطّ مع التّقليد الكنسي الرسوليّ[105]“.
على هذا التعليم الحقّ المسلّم للقديسين والمُعاش في صلوات الكنيسة (الليتورجيات) وتعليمها غير المدوّن تأسس إيمان الشخص المسيحي، ليس بقراءة الكتاب فقط بل بالتعليم (التلمذة) والتسليم والسمع والمُشاهدة كما يقول بولس الرسول في رسالته لأهل فيلبّي (4: 9) “مَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَ تَسَلَّمْتُمُوهُ، وَ سَمِعْتُمُوهُ، وَ رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا”، أن تحيا الكنيسة المسيح وتتنفسه وبه تحيا وتتحرك وتوجد (أع 17: 28) وكما تعيش الجماعة المؤمنة في الكنيسة هكذا يعيش الفرد، فالخلاص هدف جهاد الكنيسة كلّها.
(3) في أوقات الأضطهاد وحرق الكُتُب المُقدّسة إزاداد الإحتياج إلى الإنجيل المُعاش، فالحقيقة أنَّه أكثر فاعليَّه من الإنجيل المكتوب، أن ترى بعينيك وعد الرب في تشديد المؤمنين هو أقوى بكثير من أن تقرأ الوعد مكتوباً بحبرٍ وورق، لذا إزداد أيضاً دور الكنيسة في تقديم الحياة المسيحيّة بحسب الإنجيل المُعاش.
(4) في الحوار مع الهراطقة لعب التقليد في فكر الآباء دور مُفسّر الكتاب أما في فكر الهراطقة فكان الكتاب فقط هو مصدر العقيدة، لذلك نقرأ القديس فينسنت يقول “يجب عليهم أن يفسّروا القانون المقدّس[106] (الكتاب) بحسب تقاليد الكنيسة العالميّة، وأن يبقوا حسب قواعد الإيمان الجامع[107]“، وأيضاً يصفّ أثناسيوس الإيمان بأنه يتأكّد بالكتاب “إيماننا صحيح يبدأ من تعاليم الرسل وتقليد الآباء ويتأكد بالعهد الجديد والعهد القديم (أي أنّ الإيمان يتأكد بالعهدين وليس يكُوّن بالعهدين)[108]“، أما من بنو أفكارهم على الكتاب فقط وفسّروه خارج نِطاق إيمان الكنيسة فقد إنحرفوا إلى الهرطقة وساروا ضد الإيمان المُسلَّم مرّة للقديسين.
و لنا في ذلك مثالين أحدهم قديم والآخر معاصر وهو إمتداد مُشوّه للأوَّل، آريوس وشهود يهوه، فآريوس لم يفعل شئ أكثر من ترك التقليد جانباً وإعادة تفسير آيات الكتاب بحسب ما يرى هو، بالتالي قلل لاهوت الإبن وإمتداداً لفكرُه أنكر شهود يهوه لاهوت المسيح، وفسَّر الآيات من مُنطلق فِكرُه ليُثبت خِلقة الإبن وعدم أزليّته، ولولا مجمع نيقيّه وثباتهم في التّقليد لربما ضاعت نفوس كثيره وراء خطأ آريوس. ليس فقط آريوس هو من حاد عن التقليد، بل يسعني القول أنه لا توجد فكره أو عقيده تُلقَّب بالهرطقة إلا إن خرجت عن التَّقليد!. لذلك يقول القدّيس كيرلس السكندري “لأن بعض هؤلاء الذين كانوا مؤمنين في البدء أهملوا التقليد وقوّة السر صاروا مسرورين أن يولدوا خارج ما هو صحيح[109]“، ويقول القديس فينسنت: “يجب عليهم أن يفسّروا القانون المقدّس (الكتاب) بحسب تقاليد الكنيسة العالميّة، وأن يبقوا حسب قواعد الإيمان الجامع[110]“. وأيضاً يؤكد ذلك العّلامة أوريجانوس “لا يعتبر أي أمر أنه حق إلا إذا كان لا يتناقض قطّ مع التَّقليد الكنسي الرسوليّ[111]“، ويقول القدّيس إيريناوس “لا يمكن إستخراج الحقيقة بواسطة من يتجاهلون التّقليد[112]“.
أقدم الكتابات الآبائيَّة وأساسيات الإيمان المسيحي:
في القرن الأوَّل إحتلت الكتابات الآبائيَّة مكانة مذهلة وأقدمها رسالة القدّيس إكليمندس الروماني لكنيسة كورنثوس، وتُعتبر أقدم كتابات الآباء الرسوليين (إن لم تكُن أقدم التقليدات لأن ليتورجيا القدّيس يعقوب أخا الرب وليتورجيا القدّيس مرقُس تسبقانها)، ومن المهم في هذه الرسالة تحديداً أن زمن كتابتها يسبق كتابة سفر الرؤيا، ويُجمع الآباء والعُلماء المحدثين أن الكاتب هو القدّيس إكليمندس أسقف روما، كما وضعها ناسخ المخطوطة السكندريَّة (Codex A) بعد سفر الرؤيا منفصلة عن الأسفار القانونيَّة[113]. أما القدّيس إكليمندس المتنيح سنة 101م فالبعض يرى أنَّه ثالث بطاركة روما بعد القديس بطرس وأنَّه هو الذي مدحه بولس الرسول في رسالته إلى فيلبي (4: 3) كمجاهد معه في خدمة الإنجيل، وهذا بحسب رأي أوريجانوس ويوسَابيُّوس القيصريّ والقدّيس ﭼيروم (هيرونيموس)[114]. ويؤكد ذلك القدّيس إيريناوس فيقول عنه “هذا الرجل رآي الرسل المباركون وكان محاوراً لهم، يمكن أن يقال عنه أنّ صدى عظات الرسل ما زال في أذنيه وتقليدهم أمام عينيّه[115]، ويقول عن رسالته إلى كنيسة كورنثوس “أنّه كان يعظهم بقوّة تجاه السّلام، مجدداً إيمانهم وموضّحاً لهم التّقليد الذي تسلّمه من الرسل مؤخّراً[116]“.
و بحسب (Lightfoot) فكتابات الآباء الرسوليين: هي رسالة القديس إكليمندس الروماني (المسماة بالاُولى)، عظة منسوبة للقديس إكليمندس الروماني (المسماة بالرسالة الثانية)، سبع رسائل للقديس إغناطيوس الإنطاكي، رسالة القديس بوليكاربوس، إستشهاد القديس بوليكاربوس، الديداكيه[117]، رسالة برنابا، كتاب راعي هارماس، الرسالة إلى ديوجنيتس وأجزاء من كتابات بابياس. ويضيف إليهم (Schaff) عشر رسائل منحوله منسوبة للقديس إغناطيوس الإنطاكي وكتابات يوستين الشهيد والقديس إيريناوس أسقف ليون.
و رداً على فكر (Monarchians – Unitarians) -أو من يُلقَّبون بجماعة الموحِّدين، وهي جماعَة رفضت الوحدانيَّة الجامعة بحجة أنها عقيدة تم تكوينها في مجمع نيقيَّة وأقرَّت عبادة الآب بدون الآبن والروح القُدُس-، أُخصّص جزءاً صغيراً عن أصالة تعليم الثّالوث في إيمان الكنيسة الأرثذوكسيَّة الكاثوليكيَّة (المستقيمة الجامعة) قبل مجمع نيقيَّة المُقدَّس.
تعبيرات لاهوتيَّة خاصة بالتعليم الآبائي عن الثَّالوث
الجوهر (ουσία)
معنى الجوهر أو الذات كما يشرحه القديس كيرلس الكبير “الجوهر يحتوي كل صفات الجوهر، الجوهر هو الحقيقة المُشتركة[118]“،يقول أثناسيوس الرسولي “الجوهر الإلهي يعني الكائن، أو الجوهر غير المُدرك الذي فوق كل إدراك، الكيان الداخلي الحقيقي الفائق لكل إدراك[119]” وأن الجوهر يحمل العلاقات الأقنوميَّة (الخاصة) في داخله. كما شرح القديس أبيفانيوس -كباقي آباء نيقيَّة- تعبير أوسيا بأنه يعبّر عن الجوهر وبكونه يشتمل على مدلول أو معنى أُقنومي شخصي[120]، ويرى القدّيس ساويرس الإنطاكي ان مصطلح (ουσία) يعني الذي يكون بذاته[121]، الجوهر هو شئ حقيقي، يُشير إلى ما يُمكن أن يُسمَّى كينونة أو جوهر الشئ، ولكن الأوسيا على الرغم من ذلك ليس له وجود محدد، لأن كل شئ له وجود محدد هو شئ خاص وبالتالي فإن الجوهر هو الحقيقة العامة التي عندما تتخصخص أو تتفرد ينشأ شئ خاص محدد أو أقنوم (ὑπόστᾰσις)[122]. أما الآباء الكبادوكيُّون فيعبّرون عن الذات بأنه كل ما هو عام عن الكائن[123].
الأُقنوم (ὑπόστᾰσις)
المصطلح هيبوستاسيس ينقسم في تحليله إلى هيبو (ὑπό) أي تحت، وستاسيس (στᾰσις) أي قائم، فيعني بذلك «الذي يقوم تحت الشئ» أو «الأساس الذي يتوقف عليه الشئ»، وأصبح التعبير أكثر تحديداً بعد مجمع الإسكندريَّة 362م حيث أصبح يعني كيان شخصي متمايز في داخل جوهر (ουσία) الله الواحد. وحيث إن الأقانيم لها ذات الأوسيا الواحد (ὁμοούσιος) مع بعضها البعض فهي بالتالي (ὁμοφύης) أي لها ذات الطبيعة الواحدة الخاصة بالأوسيا[124]. ويُلخّص القدّيس كيرلس السكندري تعبير الأُقنوم بأنه الشخص الذي لا يوجد مُنفرداً بل يُكمِّل وجده أُقنوم آخر[125].
و أعطى القدّيس كيرلس السكندري هذا المثل لشرح معنى الذات والأقنوم:
“نحن نُعرّف الإنسان بأنه «حي وناطق وفاني» وهذا هو المفهوم المُناسب له، ونحن نقول إن هذا يُعبّر عن جوهره. وهذا التعريف ينطبق على كل الأفراد فرداً فرداً، وهنا يجد توما ومرقس وبطرس وبولس مكانهم الصحيح حسب إعتقادي، وهكذا نُحدّد الجوهر ولكننا لا نُحدد بعد ماهيَّة الأشخاص الذين نتكلم عنهم بشكل دقيق. فحينما نقول توما وبطرس فنحن لا نخرج من حدود ما نُسمّيه بالجوهر الواحد وهذا لا يُقلّل من كل منهم كإنسان، فقد أظهرناه موجوداً بأقنومه الخاص. إذن الجوهر هو لكل إنسان دليل على النوع، أما الأقنوم فهو يُطلق على كل واحد في ذاته، دون أن ننسى أنَّه يُشير أيضاً إلى شركة الجوهر ولكن دون أن نخلط بين العام والخاص[126]“.
الشخص – الوجه (πρόσωπον)
الشخص هو كيان متفاعل تجاه آخر، وكلمة بروسوبون حرفياً تعني المنطقة التي تضم الحواجب والعينين والأنف والفم[127]. ولعلها إستُخدمت بمعنى شخص لأنها (هذه المنطقة من الوجه) تحمل ملامح الشخص، ليس فقط الملامح بل الملامح التي تُستخدم في التواصل وتُظهر الشخصيَّة، وإستُخدمت لاهوتياً للتعبير عن علاقة الكيان الأقنومي تجاه الكيان الأقنومي في ذات الجوهر.
الطَّبيعَة (φύσης)
الطَّبيعَة هي ملامح الجوهر أو الخصائص الجوهريَّة للكيان، فمثلاً لو قلنا “الخَاتم الذَّهب يلمَع[128]“، الكائن هو الخاتم وجوهره الذَّهب وطبيعته اللمعان، ويُستخدم تعبير الطبيعة مع الجوهر (ουσία) للتعبير عن صفات الجوهر، أما إن إستُخدم مع الأقنوم (ὑπόστᾰσις) فتُشير إلى وحدته مع الأقنُومين (ὁμοφύης) الآخرين أو إلى طبيعَة الأقنوم نفسه مثل أن نقول أن طبيعَة الإبن أنَّه مولُود من جوهر الآب وأن طبيعَة الرُّوح القُدُس أنَّه مُنبثق من الآب، ويُمكن أن نقول أن الأوسيا هو كيان الجوهر والفيزيس هي صفات الجوهر.
الثالوث القُدُّوس في كتابات الآباء الرسوليين
يعترف القديس إكليمندس الروماني في رسالته للكورنثيين بوحدانية الإله ووحدانية مسيحه ووحدانية الروح القدس فيقول “أليس لنا إله واحد ومسيح واحد وروح واحد للنعمة خيَّم علينا[129]” وفي إشارته لوحدانيَّة المسيح والروح القُدُس يُقدم لنا شرحاً بسيطاً للثالوث إذ أن الإله واحد بالحقيقة وكلمته واحد بالحقيقة وروحه القُدّوس واحد بالحقيقة ولا يُمكن فصل الكيان عن الكلمة والروح، وفي نفس الرسالة “ليتمجد إسم الإله الحقيقي الوحيد[130]“، كما تُختتم العظة المنسوبة له (المسماه بالرسالة الثانية) بكلمات جميله عن الإله الواحد إذ يقول الكاتب “إلى الإله الواحد الغير مرئي، أبا الحق الذي أرسل لنا المخلص أمير عدم الفناء، الذي أظهر لنا فيه الحق والحياة الأبدية له المجد إلى الأبد آمين[131]“. وفي نفس سياق الوحدانية يقول القديس إغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى ماجنيسيا “لهذا السبب أيضاً تعرضوا للإضطهاد، إذ كانوا مُلهمين بنعمته إلى النهاية حتى أن الذين هم عصاة يصيرون مُقتنعين بأنه هناك إله واحد أظهر نفسه في يسوع المسيح إبنه، كلمته[132]“، وأيضاً في رسالة القديس الشهيد بوليكاربوس (تلميذ يوحنا الحبيب الإنجيلي) أسقُف سميرنا “أنت هو الأمين والإله الحقيقي[133]“.
أما كتاب “الديداكية[134]” فيقول “أما عن الطعام فإمتنعوا (صوموا إنقطاعياً) بقدر ما تستطيعون، وتجنبوا نهائياً اللحوم المقدمة للأوثان لأنها عبادة لألهة الموتى (أو قد تُترجم لألهة مائتة)”، فالكتاب ينهى نهائياً عن هذه العبادات التي تتعلق بالوثنية والالهة المتعددة، ويقول كاتب رسالة برنابا “لكنهم ضلّوا حين إلتفتوا للأوثان[135]” كما يقول القديس إيريناوس فيقول “ليس إله آخر سواه الذي صنعنا وكوننا[136]“، ويجب أن اؤكد على أن ما كتبه الآباء الرسوليون لم يُضف جديد بل هو تفسير لما ذكره الوحي المُقدّس بالأنبياء القديسين وأن وحدانية الرب الإله هي جزء لا يتجزأ من الإيمان المسيحي، بل أن الكتاب المقدس علّم العالم كله الوحدانية في حين إنغمس العالم في العبادات الوثنية التعددية نجد الوصية صريحة (تث 6: 4) “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ” وواجه عبادة البعليم وعشتاروث والعجل الذهبي والترافيم”.
و يُركز الآباء الرسوليون على الآب خالق كل شئ فيقول القديس اكليمندس الروماني في رسالته للكورنثيين “لنركز أعيننا على الآب صانع الكون كلّه[137]“، والآب بكلمته قد خَلَق كل شئ (يو 1: 3) “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ”. ويصفه القدّيس إكليمندس الروماني بصولجان الرب الإله فيقول “عصاة جلال الإله ربنا يسوع المسيح[138]“. ويربط بين يسوع المسيح وعمل الروح القُدُس في وحي الكتاب المقدس.
و عن المسيح يقول القديس إغناطيوس الإنطاكي في رسالته لأهل أفسس “يوجد طبيب واحد للجسد والروح، مصنوع (مخلوق بحسب الجسد) وغير مصنوع (غير مخلوق بحسب لاهوته)، الإله في الجسد، الحياة الحق في الموت، من العذراء ومن الإله، قابل للألم وغير قابل للألم، يسوع المسيح ربنا[139]“.
و عن عمل الروح القدس والتوبة يقول القديس إكليمندس الروماني “لان قوات نعمة الله تكلمت في الروح القدس عن التوبة[140]“، فهو كما يقول ربنا يسوع في بشارة معلمنا يوحنا اللاهوتي (يو 16: 8) “وَ مَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ”.
و عن عمل روح الحق يقول أيضاً “الإيمان بيسوع المسيح يؤكد كل هذا لأنه نفسه في الروح القُدُس يُنادينا قائلاً: تعالوا إليّ يا أبنائي لأعلمكم مخافة الإله[141]“، الذي يعملنا عنه الكتاب فيقول أنه روح الآب والإبن[142] روح الحق[143] والمحبة[144] والقداسة[145]، المعُزي الذي يُرسله الآب بإسم الأبن[146] ويُرسله الإبن من عند الآب لأنه من الآب ينبثق[147]. الروح القُدُس الذي أعطى الحق في الكتاب المقدس كما يقول القديس إكليمندس “أنتم قد فتشتم الكتب التي هي حق، المُعطاه بالروح القُدُس[148]“، الروح القُدُس الحيّ مع الآب والإبن “إتبعوا التعليم ولن تندموا لأن الإله حيّ والرب يسوع المسيح حيّ والروح القُدُس حيّ (الذين هم الإيمان والرجاء والإختيار)[149]” ويختتم القديس عظته بالتأكيد على أن ما كُتب في الكتاب المُقدّس قد كُتب بالروح “لأنكم ستعطوننا فرحأ وسعادة إذ ما أطعتم المكتوب بالروح وإبتعدتم عن غضب حسدكم[150]“. أما عن مساواة الروح القُدُس بالآب والكلمة فلا يوجد أروع من صلاة القديس بوليكاربوس أسقف سميرنا إلى الآب قبل إستشهادة “من أجل هذا اُمجدك واُسبحك واُباركك في رئيس الكهنة الأبدي السماوي يسوع المسيح إبنك الحبيب، الذي فيه ولك معه وللروح القدس المجد الآن وإلى دهر الدهور آمين[151]“.
أيضاً الناسخ (بيونيوس[152]) الذي نقل قصة إستشهاد القديس بوليكاربوس من أوراق القديس إيريناوس (تلميذ القديس بوليكاربوس) يختتم إمضاءه بتمجيد الثالوث “قد جمعتها معاً حين بدأت تتمزق مع الزمن، ليجمعني الرب يسوع مع مختاريه في ملكوت السموات، الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى أبد الأبدين آمين[153]“.
مما سبق نجد أن الآباء الرسوليين ببساطة كتاباتهم قد عبّروا عن أساسيات الإيمان في طابع رعوي وكلمات من التقوى والقداسة، فنجد عقيدة الإله الواحد، تجسد كلمة الإله الواحد، عمل الروح القُدُس، مساواة الآب والإبن والروح القُدُس، الصلاة للإله الواحد الآب والإبن والروح القُدُس وتساويهم في الأبدية والأزليَّة، وعمل الروح القُدُس في وحي الكتاب.
الثالوث القُدّوس في كتابات الآباء الُمدافعين
إسلوب جديد إنتهجه الآباء المدافعين في صد الهجوم العنيف الموجه للديانة الجديدة (المسيحية) والتي بدت كعدو مخيف للوثنية واليهودية، فمن جهة نجد الوحدانية اليهودية مُبهمه وجاء الإيضاح المسيحي بتعليم وحدانية الثالوث غير مرضٍ للبعض (و البعض الآخر قبلها وبشّر بها) بينما للوثنيين فالوحدانية تُضاد تعدديتهم التي شربوها قروناً وقروناً.
و بعد فترة تُقارب الخمسون عاماً كانت فيها الكتابات الأشهر هي كتابات الآباء الرسوليين ظهر نوع آخر مختلف من الكتابات وهو كتابات المدافعين وإن كان إتسم بالطابع العقيدي أكثر من طابع الوعظ والتلمذة، ولا يُشكِّل إختلاف الإسلوب عيباً في كتاباتهم بل لا يسعني إلا القول أن هذه من ثمار الروح القُدُس لبناء الكنيسة، كما يقول الروح القُدُس في الرسول بولس (1كو 12: 11) “هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ”، فبعد مرور ستّة قرون وجدت المسيحيه نفسها وقد صارت مذخرة بكتابات آباء في شتى المجالات بداية من تفسير الكتاب المُقدّس إلى التلمذة والخدمة ثم إلى الفضيلة وعلي جانب آخر الليتورجيات وشرح الطقوس والتمجيدات والعظات، حتى أن من أحب أن يتبع السيد المسيح بطريق الرهبنة قد وجد كتابات تُرشده في البرية ككتابات آباء البرية في النسكيات والتداريب الروحية، أما من أحب الدراسة والمعرفة فكتابات الآباء تفيض علماً في كافة المجالات بما فيها الفلسفة التي صارت جزءاً من كتابات الكثير من آباء الاربع قرون الاُولى، كما صارت وسله دفاعية ضد الهرطقات والأفكار الوثنية المضادة للتعليم المسيحي.
في هذا الفصل (فصل الآباء المدافعين) سنُقابل القدّيس يوستين الشهيد[154] والقديس إيريناوس[155] وأثيناغوراس الأثيني[156] وتاتيان السوري[157] والقدّيس ثيوفيليس الإنطاكي[158] والعلّامة ترتُليان[159]، والقدّيس إكليمندس السكندري[160]، وإن كان الآباء المدافعون أكثر كثيراً من هذا العدد ولكن هؤلاء أشهرهم وأغزرهم إنتاجاً، مما يميز هذه الفترة أيضاً بدء ظهور التعبيرات اللاهوتية ككلمة ثالوث “Τριας – Τριαδος” التي بدأ إستخدامها القديس ثيوفيلس الإنطاكي وأثيناغوراس ومن بعدهم العلّامة ترتُليان كأول من استخدم الكلمة في اللاتينيَّة (يخطئ من يظُن أن عقيدة الثالوث إختراع بشري لترتُليان وهم جماعة تسمّي الموحدونMonarchians مُنكري الثالوث، وإتبع هذا الإدعاء الكثيرين من محاربي المسيحية في القرن العشرين، علماً بأن بعض الموسوعات الغير دقيقة تردد أن ترتُليان هو أول من استخدم تعبير الثالوث بلا تحقيق أو تدقيق).
نبدأ مع القديس يوستين الشهيد “لهذا نُدعى مُلحدون، ونعترف أننا ملحدون مادامت هذه الألهة (الوثنية) مُعتبرة (آلهة)، بدون تقدير الإله الحقيقي الوحيد، أبو كل بر وتقوى وكل طهارة، الذي هو بار بلا شر، لكن إياه والابن[161] وروح النبوة نحن نعبد ونُسبح[162]“، هذا هو الإيمان الذي إستشهد عليه القديس يوستين ويُكررُه أيضاً فيقول “لأنه بإسم الآب رب الكون ومُخلصنا يسوع المسيح والروح القُدُس نالوا الغسل بالماء (المعمودية)[163]” ويربط معرفة الآب بعمل الروح القدس “هل يمكن للعقل أن يرى الإله أي وقت بدون الروح القدس؟[164]” وفي صورة بديعة يقول “لأن الإله أظهر كاهنه الأبدي مدعوّاً أيضاً بالروح القُدُس رباً[165]” وهنا نرى الآب (الإله) وكلمته المتجسد (الكاهن الأبدي المدعو رباً) والروح القُدُس، أما عن الخلق فيقول القدّيس أيريناوس “بيدي الآب والإبن والروح القُدُس صُنع الإنسان علي صورة الإله[166]“، في حوار القديس يوستين الشهيد مع تريفو اليهودي عرض القديس يوستين سؤالاً هاماً “إذا كان يسوع هو الإله، فكيف يدّعي المسيحيون أنهم يعبدون إلهاً واحداً؟، هل يسوع إلهاً بنفس لاهوت الآب؟، أم لاهوته أقل؟، لو كان المسيح والآب والروح القُدُس هم الإله، فبأي شئ هم مميزون (عن بعضهم)، هل الإبن مميز عن الروح؟، هل الآب والإبن والروح القُدُس يشتركون في نفس العقل؟[167]” (يرد تعليق لأولسن يوضح فيه أن القديس يوستين يُشير للإبن بعدة طرق منها الإبن والمسيح والإله إبن الإله) ويرُد القديس يوستين علي الأسئلة التي قد طرحها بأن يسأل الحاضرين هل شعاع الضوء الخارج من الشمس والواصل للأرض مفترق أو منقسم عنها؟، كذلك هو الحال كما تخرج النار من النار بدون أن تنقُص الأولى، وهنا نجد أن يوستين الشهيد يُفجر السؤال الذي إستغرق سنين من القرن الرابع لأيضاحه “هل الإبن من ذات جوهر (οὐσία) [168] الآب؟” ويُكمل القديس يوستين أن هكذا ولد الإبن من الآب بلا تزاوج ولا إنقسام فلا الآب أعلى من الإبن ولا الإبن أقل من الآب، كما يرى الكثير من العلماء أن الصيغة التي أجاء بها القديس يوستين في حواره مع تريفو هي التي جاء منها تعبير “نور من نور” في مجمع نيقيه.
“من الواضح ان يوستين فهم عبادة الكنيسة للثالوث وقّدم أدلة لهذا البناء[169]” لا شك أن دور القديس يوستين الشهيد في شرح الثالوث قد أسهم كثيراً في تعبيرات آباء القرون التالية لذا إعتبره القمص تادرس يعقوب ملطي أفضل مدافعي القرن الثاني من حيث كتاباته وفكره ونهاية سيرته بالإستشهاد حوالي سنة 165م في روما مع بداية حكم ماركوس أوريلّوس.
و في كتاب ضد الهرطقات (Irenaeus Against Heresies Book I) يقول القديس إيريناوس أسقُف ليون “و هكذا نشرت بنا الكنيسة في كل أرجاء العالم حتي منتهي الأرض ما تسلمته من الرسل وتلاميذهم (و هي تؤمن) بإله واحد، الآب القدير خالق السموات والأرض والبحر وكل ما فيها، وبمسيح واحد يسوع إبن الإله، الذي تجسد لأجل خلاصنا، وبالروح القُدُس الذي نطق وإعتنى بالأنبياء، وبمجيئ المسيح وولادته من عذراء وآلامه وقيامته من الأموات، وبالصعود إلى السموات بحسب الجسد الذي ليسوع المسيح ربنا، وبمجيئه من السموات بمجد الآب ليجمع كل الأشياء إلى واحد وبقيامة أجساد كافة البشرية لتجثو كل ركبة مما في السماء ومما فوق الأرض ومما تحت الأرض ويعترف كل لسان لربنا يسوع المسيح ملكنا وربنا وإلهنا ومخلصنا كمشيئة الآب السماوي الذي لا يُرى…[170]“، ما سبق وقاله القديس إيريناوس ليس غريباً على أي مسيحي فمن النظرة الاُولى سيعرف أنه نفس سياق قانون الإيمان الذي اُقر في مجمع نيقية وأخذ صورته النهائية في مجمع القسطنطينية، وهنا نجد روعة التقليد الكنسي الذي لم ينشأ من فراغ بل من عمل الروح القُدُس في رجال قد أخضعوا ذوتهم لخدمة كلمة الرب وعمل الروح فيهم بغزارة فوصلوا لحقيقة الحياة الأبدية ألا وهي معرفة الإله معرفة حقيقية بشركة يسوع المسيح ربنا في الروح القُدُس (يو 17: 3) “وَ هذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ”.
الإيمان المسلم مرة للقديسين ومنهم لأبنائهم الروحيين وهكذا، هذا هو عمل الكنيسة التي قال عنها القديس إغناطيوس الإنطاكي الثيوفوروس (حامل الإله) “أينما يكون المسيح تكون الكنيسة الجامعة[171]” فبالأسرار المٌقدسة وبالتقليد الرسولي الحيّ تتحد الكنيسة المُجاهدة بالكنيسة المُنتصرة والإثنتان بالمسيح.
و القدّيس العلّامة أثيناغوراس الأثيني[172] في الفصل العاشر من دفاعه الذي أرسله للإمبراطور ماركوس اُوريلّوس “A Plea For the Christians” يقول “لسنا وثنيين لأننا نعرف إلهاً واحداً غير مخلوق، أزلي، غير مرئي، غير مُتألم، لا يُفهم[173]، لا يُحد، نعرفه فقط بالفهم والسبب[174]، مُحاط بالنور والجمال والقوة والقداسة، به خُلق الكون بواسطة كلمته (His Logos) وحُفظ في إستقراره وبقاؤه ونظام مستقر، ونعرف أيضاً إبن الإله، ويجب أن لا نظن أنه شئ هزلي أن يكون للإله إبناً، إذ يُصوّر الشعراء الألهة كرجال، تفكيرنا ليس كهؤلاء بخصوص الآب والإبن، لكن إبن الإله هو كلمة الآب في الفكر والحركة، لأن الترتيب به وفيه (الكلمة) كل شئ كان، الآب والإبن هم كيان واحد (كائن واحد – يكونون واحداً). الإبن في الآب والآب في الإبن، في وحدة وقوة الروح[175] (الروح القُدُس) فهم وعقل الآب ([176] νου̂ς καὶ λόγος) هو كلمة الآب، وبكن إن جاء في ذكائك الفائق (إسلوب إحترام لأنه يُخاطب الإمبراطور) أن تسأل ما هو المقصود بالإبن، سأشرح بإختصار بأنه أول أعمال الله ليس بإدخاله للوجود (الخلق) لأنه من البدء كان الإله العقل الأبدي واللوغوس فيه، موجوداً بالطبيعة مع اللوغوس، صار خارجاً فكرة ذات قوة مهندسة لكل الأشياء، وكأنه طبيعة بلا مُسبب… هكذا يتفق روح النبوة إذ يقول (أم 8: 22) اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ. الروح القُدُس نفسه العامل في الأنبياء نحن نؤمن أنه إنبثاق من الإله، ينبثق منه ويعود إليه كشعاع الشمس، فكيف إذاً لا نتعجب حين نسمع رجالاً يتكلمون عن الإله الآب والإله الإبن والروح القُدُس، فهل من يوضّح قوة إتحادهم وكرامتهم بحسب الترتيب يُدعى ملحداً؟[177]“.
تعليم رائع جداً وإسلوب فلسفي بليغ يُقدمه الفيلسوف المسيحي أثيناغوراس ونُلاحظ أيضاً أنه قد كرر نفس مِثال الشعاع المنبثق كما قاله القدّيس الشهيد يوستين، وأيضاً يقول أثيناغوراس الأثيني في نفس الدفاع “نؤمن بإله (واحد)، وإبن الذي هو كلمته (His Logos) وروح قُدُس[178] (واحد)، متحدين في الذات (οὐσία)، الآب والإبن والروح القدس، لأن الإبن هو ذكاء وعقل (νους) وحكمة الآب والروح القُدُس هو الإنبثاق كما الشعاع من النار[179]“.
و العلّامة تاتيان السوري[180] أيضاً يُقدم شرحاً للإيمان المسيحي في خطابه لليونانيين (الفصل الخامس) فيقول “كان الإله منذ البدء، والبدء (الخلق) كما تعلمنا هو قوة اللوغوس، لأن رب الكون الذي هو أساس ([181] ὑπόστασις) كل كائن، لا مخلوق كان في الوجود بعد، كان هو وحده كل القوّة وكان حتمياً لقيام كل شئ ما يُرى وما لا يُرى، به كانت كل الأشياء، بقوّة اللوغوس (διὰ λογικη̂ς δυνάμεως)، واللوغوس نفسه كان فيه (أي في الآب) علي الدوام[182]“. وفي نفس الفصل يشرح العلّامة تاتيان ولادة الإبن من الآب بلا إنقسام لأن المنقسم ينفصل عن الذات وهذا ليس الحال في ولادة الإبن من الآب، كما يضرب مثالاً رائعاً حيث يقول أنه كما توقد من مشعل عدة مشاعل اُخرى بدون أن يقل الأول هكذا أيضاً بولادة الإبن من الآب لم ينقص ذات الآب ولم ينفصل الإبن عن ذات الآب ولا الآب عن الإبن.
وهكذا نُلاحظ تكرار تعبير نور من نور، شعاع من نار، مشعل من مشعل وسيظل يتكرر حتي يترسخ في قانون الإيمان النيقوي قسطنطيني في القرن الرابع بشكله النهائي (نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق) وسنجد أيضاً أن تعبير مساوٍ للآب في الجوهر هو نفس ما عبر عنه تاتيان وأثيناغوراس (ليس حرفياً ولكن في صيغة شرح) في شرحهم لولادة الإبن من الآب.
يقول القدّيس ثيوفيلس الإنطاكي “هو السيد لأنه يحكم العالم كله، الآب لأنه قبل كُل شئ، الصانع والمُبدع لأنه صانع وخالق العالم، الأعلى لأنه القدير الذي هو فوق الكُل، لأنه نفسه يحكم ويحتضن الجميع[183]“. ويقول في كتابُه الثَّاني والفصل 22 “الله وأبو كل شئ بالحقيقَة، لا يُمكن أن يُحوَى (cannot be contained)، ولا يوجد في مكان (أي لا يوجد مكان يحدُّه) لأنه لا مكان لراحتُه، لكن كلمته الذي به صارت كل شئ، الذي هو قوّته وحكمته، الذي هو حق كشخص الآب [184]، (الكلمة) سار في شخص الرَّب في الجنَّة وتخاطب مع آدم[185]“. وفي نفس الفصل من الكتاب الثاني يقول “الكَلمة بكونة الله ومولود من الله بالطبيعة، أينما يشاء أبو هذا الكون أن يُرسله وهو يأتي مسموعاً ومرئياً، مُرسل منه في المكان (أي أن الكلمة تجسد ورؤي في المكان)[186]“.
أما القدّيس إكليمندس السكندري، يقول “صورة الإله هو كلمته، الإبن الحقيقي الذي من العقل، الكلمة المُقدَّس، النور من النور الحقيقي المُطابق[187]“. ويقتبس (مزمور 22: 22) ويُطبقها على المسيح الذي خبّرنا[188] عن الآب فيقول: “هو (الإبن) وعد الآب قائلاً: أُخبر بإسمك إخوتي، في وسط الكنيسة اُسبحك[189]“. وعن الإبن يقول “هذا هو يسوع الأزلي، رئيس الكهنة الأعظم الذي للإله الواحد[190]“، ويُكمل حوار المسيح مع شعبه “إسمعوا يا شعبي غير المعدود… أُنادى كُل جنس البشر، الذين هم خليقتي بمشيئة الآب… تعالوا إليَّ لأضعكم في مكانكم الذي تستحقونه تحت الله الواحد وكلمة الله الواحد… هذا هو الإبن، هذا هو المسيح، هذا هو كلمة الله وذراعه، القوَّة التي في العالم (أي أن كل شئ يستمد قوته ووجوده من الكلمة)… أمسحكم بدهن الإيمان، الذي به تُلقون عنكم الفساد، وأُريكم الحق المُجرَّد الذي به يصعدون إلى الله «غاية التجسُّد هي الإتحاد الله ليس بالصيرورة آلهة بل أن نصير واحد فيه كما أن المسيح والآب هم واحد[191] (يوحنا 17: 21)»[192]“، وعن الثالوث يقول “«حول ملك الكل كل الأشياء هي كائنة، وبه كل الأشياء، وهو سبب كل الأشياء الجيّدة، وحول الثاني كل الأشياء الثانية في الترتيب، وحول الثالث الثالثة»، لا يُمكنني أن أفهم من هذا غير الثالوث!، فالثالث هو الروح القُدُس، والثاني هو الإبن، الذي به كُل الأشياء خُلقت بحسب مشيئة الآب[193]“.
مؤخراً وبعد دراسات كثيره توصَّل (Schwartz) إلى نص كتاب التَّقليد الرسولي الذي كتبه القدِّيس هيبوليتس الروماني سنة 215م، ويضُم شهادات للتَّقليد اللِّيتورجي وشهادات للتقليد العقيدي المُسلَّم في الكنيسة، ويبدأ ويختتم الكتاب بكلمات رائعة عن التقليد يقول فيها:
المُقدِّمة:
1- لقد عرضنا، كما يجب، للموضوع المختص بالمواهب، والتي منحها الله للبشر منذ البدء كإرادته، معيداً إلى نفسه تلك الصورة التي ضلَّت.
2- والآن نصل، خلال محبته لجميع القديسين، إلى أساس التقليد الذي يليق بالكنائس.
3- حتى يحفظ التقليد الذي دام حتى الآن، أولئك الذين تعلَّموا حسناً، ويثبتون فيه عندما يعرونه طبقاً لما نعرضه عنه.
4- نقول ذلك بسبب الإرتداد أو الخطأ الذي نتج حديثاً عن الجهل، أو بسبب الجهلاء.
5- فالروح القُدُس يمنح المستقيمين في الإيمان، النعمة الكاملة. حتى يعرّفوا الذين هم على رأس الكنيسة، كيف ينبغي أن يعلِّموا التقليد ويحفظوه في كل الأمور[194].
الخاتمة:
1- وهذا إذا فعلتموه بشكر وإيمان مستقيم، فإنكم تُبنَون وتوهب لكم حياة الآبد.
2- هذا نشير به عليكم، أن تحفظوه، وأنتم الذين لهم قلوب. لأن كل من يسمع تقليد الرسل ويحفظه، فلن تسود هرطقة لتضله.
3- (أ) هؤلاء هم المنحرفون الذين ضلّوا وحرّفوا تعليم الرسل، وإذا جاء أناس إليهم يعلمونهم بهذه الطريقة.
3- (ب) وهكذا كثرت الهرطقات الكثيرة، لأن قادتهم لم يريدوا أن يتعلموا قصد الرسل، بل بحسب ملذاتهم يفعلون ما يؤثرونه، لا ما يوافق.
4- وإن كنّا قد تركنا شيئاً يا أحبائي، فالله سيظهره لمن هو مستحق، ويقود الكنيسة المُقدسَة إلى الميناء الهادئ.[195]
و يحتوي على شهادات رائعة عن الثالوث، منها:
1- في ختام صلاة قسمة الأسقف والقس وصلاة الليتورجيَّا “لنسبحك ونمجدك بفتاك يسوع المسيح ربنا، الذي به لك المجد والقدرة والكرامة، أيها الآب والإبن مع الروح القُدُس، في الكنيسة المُقدَّسة، الآن وإلى آباد الدهور، آمين[196]“.
2- في ختام صلاة تبريك الطعام “لك المجد أيها الآب والإبن مع الروح القُدُس في الكنيسة المُقدسة، الآن وكل أوان وإلى كل آباء الدهور، آمين”.
3- في صلوات التناول يقول الشعب “واحد هو الآب القُدُّوس، واحد هو الإبن القُدُّوس، واحد هو الروح القُدُس”.
4- المعموديَّة: سبق أن قدمت نصوص عن الثالوث في طقس المعمودية في فصل قانون الإيمان النيقوي.
5- في قُدَّاس الفصح “الذين يتذوَّقون من كل كأس، والذي يعطي من كل منها يقول في كل مرة من الثلاث[197] مرات: في الله الآب ضابط الكل. والذي يتناول يقول: آمين.
و في الرب يسوع المسيح. فيقول: آمين.
و في الروح القُدُس في الكنيسة المُقدَّسة، فيقول: آمين”.
هكذا حُفظت العقيدة في التقليد غير المُدوَّن والتقليد المُدوَّن (الكتاب)، يحرس كل منهم الآخر فلا يُمكن أن تتغير عقيدة مُعاشه من الناس ومُعلَّمَه في الكنيسة، كما صار الإيمان المُسلَّم بالتقليد هو المعيار (Canon) الذي يُحدد صحَّة وخطأ أي أمر عقيدي، كما يقول أوريجانوس “لا يعتبر أي أمر أنه حق إلا إذا كان لا يتناقض قطّ مع التّقليد الكنسي الرسوليّ[198]“، فالتقليد هو الحصن الذي يحمي العقيدة المُسلَّمة، ولا أحد يمكن أن يَضِل إلا إذا أهمل التقليد، كما يقول القدّيس هيبوليتس “هذا نشير به عليكم، أن تحفظوه، وأنتم الذين لهم قلوب. لأن كل من يسمع تقليد الرسل ويحفظه، فلن تسود هرطقة لتضله[199]“.
الفصل الرابع
التقليد وتفسير الكتاب
لا يختلف إثنان في أن أي سطر مكتوب يُمكن تأويلُه على أوجه، كذلك أيضاً الكتاب المُقدَّس، فكما سبق وذكرت أن المشكلة الأساسيَّة عند الهراطقة هي إعتمادهم على الكتاب بدون أن يمتلكوا كيفيَّة فهمه، فالعهد الجديد في يد الأرثذوكس والكاثوليك والبرتوستانت وشهود يهوه، كما كان في يد أثناسيوس وكيرلس وذهبي الفم وآريوس ونسطوريوس وسابيليوس وأيضاً المونارخيين مُنكري الثالوث!.
لكن فيما يختلف أثناسيوس وكيرلس وذهبي الفم عن آريوس ونسطوريوس وسابيليوس والمونارخيين سوى التمسك بالتقليد!، وكل مشكلة الهراطقة تتلخص في قَول واحد للقديس كيرلس الكبير “لأن بعض هؤلاء الذين كانوا مؤمنين في البدء أهملوا التقليد وقوّة السر صاروا مسرورين أن يولدوا خارج ما هو صحيح[200]“، إن جاز التعبير فالهرطقه هي الجديد، من يُحاول إدخال جديد على الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين، ولا شك أن آريوس ومن جاء بعده رفضوا الإيمان الكنسي وعلَّموا بما هو جديد، وهُنا يأتي دور التقليد كقاعده (Canon) ومقياس لأي فكر، ما يوافقه فهو صحيح وما يُخالفه فهو خارج إطار الكنيسة الأرثذوكسية الكاثوليكية (المستقيمة الجامعة)، بل ويكون فكر محروم كما يقول القدّيس بولس (غل 1: 8) “وَ لكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا”.
على هذا أعود وأُكرر، الإيمان يقُود تفسير الكتاب وليس الكتاب يصنع الإيمان، ولهذا يتعوَّج إيمان الهراطقة لأنهم تركوا كنز الإيمان ولجأوا لصياغة إيمان جديد بحسب تفسيرهم للتقليد المكتوب (العهد الجديد)، مُهملين التقليد الشفوي الذي هو روح التقليد المكتوب، كما يقول القدِّيس أمبروسيوس “هذا الإيمان المؤسس بتقليد آبائنا السّابقين، الذي لا تنكره حتّى الشّياطين نفسها، لكن ينكره الآريوسيّون[201]“، وفي هذا الفصل سأُورد التفسير الأرثذوكسي الآبائي لأهم الآيات التي إقتبسها الهراطِقَة (آريوس، سابيليوس، أبوليناريوس)، لعل الروح القُدُس يُنير قلوبنا لنتمسك أكثر بكنز الإيمان المُستقيم المُسلَّم مرة للقديسين تاركين عنَّا أهواء التفسير والتجديد في صيغ الإيمان.
1- آريوس (Ἄρειος)
لم يكُن هذا القس السكندري يهدف لأن يكون مضاداً لوحدانيَّة المسيح مع الآب في الجوهر (οὐσία) بل وصل لهذا بسبب شروده بتفسيره للكتاب خارج إطار التقليد، فخرج من إطار التعليم المسلَّم إلى تأويل نصوص العهد الجديد، لعله أيضاً على قدر ما تعلَّم أراد وضع الثالوث تحت مستوى عقله ليفهمه ويحدُّه في فكره وإكتمل فساد تفكيره برفض الإيمان المُسلَّم مرَّة للقديسين، وإذ فقد إيمان القدّيسين صار مضاداً للتعليم المُستقيم، وصار في نظره المسيح أعلى من الكل ولكنَّه كائن وسيط بين الله والناس، إنسان حقيقي غير متحد به اللاهوت وغير مساوى للآب في الجوهر (οὐσία)، تظهر عليه علامات مجد لأنه أسمى من أي كائن آخر ولكنَّه في النهاية مخلوق ورفض لاهوت الروح القُدُس وعبَّر عنه بما عبَّر به عن الإبن، فقال عن الروح أنَّه مخلوق سامي ليس من ذات الإله، وليته إكتفى فقط بفساد فكره بل جال يُعلِّم بهذا فصار أمام الكنيسة مُبتَدِعاً مستوجب المُحاكمَة الكنسيَّة.
و بما أن آريوس كان مُنكراً للتقليد، فقد كانت كل إستشهاداته كتابيَّه وتفسير إقتباساته من نتاج عقله هو، بلا إطار للإيمان ولا إعتماد على فهم من سبقوه للإيمان، وكان تفنيد أثناسيوس لتفسيراته مُنصب على تقديم التقليد لا أفكاره الشخصيَّة -مع العلم أنه كان بإستطاعة أثناسيوس أن يُقدم تفسير شخصي- لذلك جائت أفكاره أرثذوكسيَّة مُستقيمة إستحق بعدها أن يُعتبر من الآباء الكبار المسكونيين[202] في التقليد السكندري بل ويوضع في مقدّمة لاهوتيِّ الكنيسة ويُبقَّب بحامي الإيمان.
هذا التفسير المستحق القطع (الحرمان) جعل آريوس يظُن أن الكلمة هو مخلوق غير أزلي آداة في يد الله يخلق بها ويتواصل بها مع البشر لأن الله -في نظرُه- لا يُعامل البَشَر، وسنرى معاً بعض الآيات التي إستخدمها آريوس في تأسيس بدعته وكيف يُمكن تفنيدها بشكل بسيط من خلال التقليد بوجهَيه (الكتاب المُقدَّس والتسليم الرسولي)، كما سنرى أن مجمع نيقيَّة هو مجمع يُدافع عن التقليد بالأساس، فكان هدف الأساقفة هناك هو أن يوحّدوا صيغة التعبير عن الإيمان لا أن يصنعوا إيماناً جديداً لمُجَابهة آريوس، أي أنهم أقرّْوا تعبيرات إيمانيَّه لا محل للهراطقة من الجدال فيها، وكما سنرى أن تعبير مساوى للآب في الجوهر (ὁμοούσιος τῷ πατρί) كان كارثه بالنسبة للآريوسيين إذ قطع كل آمالهم في فصل ذات الكلمة عن ذات الآب، وإستُخْدِم نفس التعبير عن الروح القُدُس في الكتابات التالية.
و بنى آريوس فكرته في نفي لاهوت المسيح على عدة آيات، سأضع تفسيرات الآباء القديسين لها لنرى كيف يُفسر الإيمان الكتاب، لا الكتاب يصنع الإيمان. يبدأ بطرح فكرته ويستدل بيوحنا (1: 14) “الكلمة صار (εγενετο) جسداً[203]“، ويُفسر كلمة صار بأنها تعنى أن اللوغوس صار (تحوَّل) إلى جسد، وعلى هذا فإنه ليس الإله لأنه يتغير، ويصف اللوغوس بالمخلوق الوسيط بين الله والناس، ربما يبدو فكرُه منطقيَّاً ويظهر كسرد منمق، بينما في عيون الآباء التي إستنارت بعمل الروح فيظهر ضلال أفكار آريوس وإبتعادها عن التقوى[204]، لذلك يلقب أثناسيوس الآريوسيّين بأنهم “جاحدين وعديمي التقوى[205]” بتركهم التعليم والإيمان الكنسي المستقيم وتوجههم لأفكار خاصه لا تعرفها الكنيسة.
ما فعله آريوس هو مجرد تفسير ملتوى لآيات الكتب، بينما ما قدَّمه الآباء في نيقيَّه هو تفسير بحسب التقوى، التي هي أساس التعامل مع الله، فبدون تقوى يستحيل معرفة الله، لذلك يتكلم القدّيس هيلاري أسقف بواتييه عن الكلام عن لاهوت الله فيقول “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أموراً محظورة. ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للإبن معه وفرحين في الروح القُدُس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا توصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مُقدسة… إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات مُحدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفيَّة في الأعماق[206]“.
إذاً فالتقوى جزء من التقليد الكنسي، تسلمها الآباء وعاشوها وفرضت عليهم أن يدققوا في كلمة ينطقوها عن الله، ويعتبر القدّيس غريغوريوس النزيانزي التقوى جزء من الإيمان المسيحي وغير مُنفصل عنه فيقول “كل من لم يتشكَّل داخل سر التَّقوى الحقيقيَّة، لا يُعترف به كمسيحي[207]“، لذلك تساوى تعبير الهرطقة بتعبير عدم التقوى، فالمهرطق أو المبتدع هو إنسان فقد التقوى والتعليم المُسلَّم في الكنيسة وصار يُفسر كلمات الكتاب بحسب فكره الخاص، ويقول تورانس عن علاقة التقوى بالتقليد:
“التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهريَّة في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة الحق ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي للإيمان المُسلَّم مرَّة للقديسين. إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوَّة التي توجِّه كل تعليم صحيح، وهي التي يجب أن يسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصة في مجال الإيمان المفتوح، حيث نكون مضطرين أن نكون مفاهيم وننطق بعبارات عن الحق تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدَّسة. لذلك وفي هذا المجال بعينه- حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يوصف، والذي يظل سراً حتى في صميم إعلانه عن ذاته – فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الإقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سراً في جوهره الأزلي الذاتي[208]“.
بحسب هذه التقوى فسَّر الآباء نفس الآيات التي إستخدمها آريوس، وفهومها بحسب الإيمان المُسلَّم للقديسين، وتوجهت أقوالهم لشرح كلمة صار (εγενετο) بأنها لا تعني التحوُّل بل التجسُّد، كما يقول المزمور (118: 14) “قُوَّتِي وَتَرَنُّمِي الرَّبُّ وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصاً”. وفي السبعينيَّة:
و فهل تحوَّل الله من طبيعته اللاهوتيَّة إلى خلاص، أم صار الله خلاصاً أي تمم خلاصاً بقوَّته، وبنفس هذا التعبير نفهم أن الكلمة صار جسداً أي أنَّه إتحد بالجسد، كما يقول القدّيس بولس (كولوسي 2: 9) “فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ(πληρωμα) اللاَّهُوتِ (θεοτητος) جَسَدِيّاً (σωματικως)”، ثلاث كلمات يونانيَّة لا يُمكن أن تُقاوَم، ملء الاهوت يحل فيه جسديَّاً، هل يُمكن أن ندعوه بعد مجرَّد وسيط، أم أنَّه إله بالحقيقة وبالحقيقة هو إنسان كامل، كما يقول القدّيس إغناطيوس الإنطاكي في رسالته لأهل أفسس “يوجد طبيب واحد للجسد والروح، مصنوع (مخلوق بحسب الجسد) وغير مصنوع (غير مخلوق بحسب لاهوته)، الإله في الجسد، الحياة الحق في الموت، من العذراء ومن الإله، قابل للألم وغير قابل للألم، يسوع المسيح ربنا[209]“.
تفسيرات الآباء ليوحنَّا (1: 14)
+ القدّيس أمبروسيوس أسقُف ميلان في الكتاب الثالث بعنوان “شرح الإيمان المسيحي”:
“لقد تعلّمنا إذن أنه (صار) إنساناً، وأن كونه (صار) فهذا ينسب إلى بشريّته. وعلاوة على ذلك، فإنه يمكنك أن تقرأ في عبارة أخرى للكتاب المقدس: الذي صار من نسل داود (روميّة 1: 3). أي أنه من جهة جسده فقد (صار) من نسل داود، ولكن في الوقت نفسه هو الإله المولود من الله قبل كل الدهور.
في نفس الوقت، فإن الصريرة لا تعني دائماً الخلق، لأننا نقرأ: يا رب صرت ملجأ لنا (مزمور 90: 1)، وأيضاً: صرت خلاصي (مزمور 118: 14). إنه لأمر واضح أنه لا يوجد تصريح عن حقيقة خلق خليقة أو عن هدف خلقتها، ولكن مكتوب أن الله صار (ملجأي) وأنه قد تحرك لخلاصي، كما قال الرسول أيضاً: الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداءً (1 كورنثوس 1: 30)، أي أن المسيح صار لنا من الآب وليس: خُلق. كما أن الكاتب قد شرح بعد ذلك، بأي معنى يقول إن المسيح قد صار حكمة لنا، فيكتب: بل نتكلم بحكمة الله في سرّ، الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا، التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر، أنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد (1 كورنثوس 2: 8)، ولكن عند الحديث عن سر آلام (الصليب)، فبالتأكيد لا يوجد كلام عن ولادة أزليَّة[210]“.
+ القدّيس هيلاري أسقُف بواتييه في كتابُه عن المجامع (فصل 48):
“الكلمة صار جسداً بالحقيقة، لكن الكلمة في صيرورته جسداً لم يضيع مل للكلمة (أي لم يفقد كيانه ككلمة الله بسبب تجسّده)، ولم يستحيل (يتحوَّل) إلى جسد، ولم يتوقف عن كونة الكلمة، لكن الكلمة صار جسداً ليبدأ الجسد أن يصير كما للكلمة، الله لم يتغير حين صار جسداً، ولم يفقد شئ من ذاته[211]“.
+ القدّيس كيرلس الكبير في تفسير بشارة يوحنَّا:
“و الكلمة صار جسداً: لم يقل الانجيلي أن الكلمة جاء إلى الجسد مثلما فعل في القديم عندما جاء إلى الانبياء والقديسين، وإشتركوا فيه وإنما ما يعنيه الإنجيلي، أنه صار جسداً، أي صار إنساناً ولكنه هو الله بالطبيعة وهو في الجسد، وجعله جسده دون أن يفقد لاهوته. فهذا هو إعتقادنا لأننا نعبده وهو في الجسد حسب ما هو مكتوب في أشعياء “الرجال ذوو القامة سوف يأتون إليك ولك يكونون، سوف يأتون مقيدين بسلاسل وسوف يخرون أمامك ويتوسلون اليك، لأن الله فيك، ولا إله آخر سواك” (إشعياء 45: 14 السبعينية) وها هو يقول أن الله فيه، لأنه لا يفصل الكلمة عن الجسد، وأيضاً أنه لا يوجد إله آخر سواه. أي الذي إتحد بالجسد، هيكله الذي أخذه من العذراء لأنه مسيح واحد من الاثنين.
و سكن فينا: يكرر الانجيلي ما سبق وقاله، ويجعل الاعتقاد واضحاً جداً فبعد ان قال ان كلمة الله تجسد، وحتى لا يتصور احد بجهل انه تخلى عن طبيعته، وتحول إلى جسد، وتألم، وبذلك صار قابلاً للتغير (مع أن اللاهوت بعيد تماماً عن التغيير والتبديل)، أضاف الانجيلي الالهي على الفور “وسكن فينا”، لكي ندرك أنه يتكلم عن شيئين أولاً الساكن، ثم المسكن، لكي لا يفترض أحد بعد ذلك أنه تحول إلى جسد، وإنما سكن في الجسد، وإستخدم جسده، الهيكل الذي أخذه من العذراء القديسة، أو كما يقول بولس “لأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كولوسي 2: 9)[212]“.
+ القدّيس غريغوريوس الكبير في خطابه 67:
“نقول أن الكلمة صار جسداً ليس بفقدانه ما له بل بإكتسابه ما ليس له[213]“.
+ القدّيس يوحنَّا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينيَّة:
“الله الكلمة والجسد واحد، بلا إمتزاج ولا إندثار في الذات[214]“.
و أيضاً حاول آريوس اللجوء للترجمة السبعينيَّة على (أم 8: 22) “اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ مُنْذُ الْقِدَمِ”. ومع العلم بأن كلمة قناني (קנני) في الآية بالعبريَّة لا تعني خلقني بل تعني إمتلكني[215]، ولكن مترجم السبعينيَّة ترجمها (ἔκτισέν) أي خلقني، ولم يجادله الآباء في الألفاظ العبريَّة بل فسروا السبعينيَّة بحسب الإيمان المُسلَّم للقديسين بأن كلمة خلقني تعني ناسوت المسيح الذي خُلق في أول طريق الفداء، ويهمني في هذه الآية التدقيق على أن الإيمان هو محور التفسير، لم يتجادل الآباء مع آريوس لغوياً بل كان المقياس هو أرثذوكسيَّة التعليم، أي الخروج من الحرف للإيمان والروح. وتأكيداً على قيادة الإيمان للحرف يقول القدّيس أثناسيوس في مقالته ضد الأريوسيّين (المقال الثالث):
“و الآن فما قلناه أعلاه بإختصار يكفي لكي يبرهن على سوء فهمهم للآيات التي تعلّلوا بها وأن ما يتعلّلون به الآن من الأناجيل يعطونه بالتأكيد تفسيراً غير صحيح، ويمكننا أن نرىهذا بسهولة إذا وضعنا أمامنا كهدف ذلك الإيمان الذي نمسك به نحن المسيحيون وأن نستخدمه كقاعدة كما يعلّمنا الرسول في قراءة الكتب الموحى بها، لأن أعداء المسيح بسبب جهلهم لهذا الهدف، قد ضلّوا عن طريق الحق، وإصطدموا بحجر الصدمة، معتقدين في أمور لا ينبغي أن يؤمنوا بها[216]“.
+ القدّيس كيرلس الكبير في كتاب حوار حول الثالوث (الحوار الأوَّل):
“و نحن نرى أن الإبن واحد من إثنين، إذ فيه التقت الطبيعتان الإلهيَّة والإنسانيَّة وإتحدتا في واحد بشكل غير موصوف ولا يُعبَّر عنه. وبكل تأكيد نحن لا نعني أن كلمة الله قد تحوَّل إلى الطبيعة الجسديَّة الأرضيَّة ولا الجسد تحوَّل إلى طبيعة الله الكلمة. والذي يتبنَّى أحد هذين الموقفين المتطرفين لابد أن يكون مختل العقل. فكل من الطبيعتين تبقى في خصوصيّتها ولكنهما تُعدَّان في وحدة تامة لا تنفصل، وهذه الوحدة يكشفها تعبير “المسيرة الواحدة[217]“، فهو نفسه إنسان وإله. وحينما نقول الله فنحن لا نلغي الإنسانيَّة بعد الإتحاد وحينما نقول إنسان فنحن لا ننفي صفات اللاهوت، وهذا واضح للذي يريد أن يُفكّر في الأمر بطريقة مستقيمة[218]“.
+ العلّامة أوريجانوس:
“أولاً يجب أن نعلم هذا، أنه في المسيح طبيعة واحدة، لاهوته، لأنه الإبن الوحيد (Μονογενης Υιος) المولود من الآب، وطبيعة بشريه، التي في الأيام الأخيرة أخذها ليُحقق هدفه الإلهي[219]“.
يرى أوريجانوس في تفسيره لبشارة يوحنَّا[220] أن المقصود هنا أن كل الأشياء خُلقت في الحكمة، ويقتبس قول داود (مز 104: 24) “مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنةٌ الأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ”، ويرى أن المقصود من الآية أن الأعمال خُلقت بحكمة منذ البدء، كما يرى الكثير من الآباء أن كل شئ يستمد وجوده من الحكمة، فبدون الكلمة لا يوجد أي كيان يقدر أن يستمر للحظة واحدة.
+ القدِّيس ديديموس البصير:
“لأن الكلمة أزليّ غير خاضع للزمن، (البدء) هو في الإطار مع المخلوقات، لكنه (البدء) موجود قبل الخلق مع الحكمة، هذا التصريح الإيماني “الرب خلقني أول طريقُه” يجب أن يُفهَم ليس عن الذات ولكن عن العلاقة بالمخلوقات، لأن الكلمة يقول أن أعماله كانت في بدء طريق إبداع الله الخلقي، لأن السبب يقدم طريقة أُخرى للحديث. إبن الله صار إنساناً حينما أخذ صورة عبد، هو أزلي قبل الأزمان، هو الله الكلمة، تقول (الآية) أنه مخلوق لأنه ولد من العذراء وصار جسداً، لأجل هؤلاء الذين يريدون أن يسيروا مع الله ومثل الله، يستشيروا هذا المُعلّم، الذي يعطي تعليمه للذين يتبعونه، كلمة (يخلق) لا تعني في أي مكان خلق للذات كمثال داود الذي يقول “قلباً نقيّاً إخلق فيّ يا الله”، لا يطلب هذا النوع من الخلق بسبب كونه بلا قلب، بل لأنه لوَّثه فهو يريد أن يستعيده نقيَّاً. أيضاً بولس الرسول حينما يتكلم عن خلق واحد من إثنان، لا يعني من ذاتين بشريين بل من الإتحاد الناتج عن التوافق، وهكذا قال المُفسّرون “هو (الرب) خلقني[221]“.
+ القدّيس أمبروسيوس أسقُف ميلان في كتاب “شرح الإيمان المسيحي”:
“بهذا فإننا نبدأ أن نفهم أن النبوَّة التي تنبأت عن التجسُّد (و التي تقول): “الرَّب قناني أول طرقه لأجل أعماله” (أم 8: 22 سبعينيَّة) تعني أن الرب يسوع خُلِق من العذراء لأجل تتميم أعمال الآب (أي الفداء) في الواقع، لا يمكننا أن نشُك بالمرَّة في أن هذا (النص) قد قيل عن سرّ التجسُّد، إذ أن الرب إتخذ لنفسُه جسدنا لكي يُخلّص أعمال يديه من عبوديَّة الفساد، حتى يقهر عن طريق آلام جسده الخاص ذاك الذي له سُلطان الموت. فجسد المسيح هو لأجل (خلاص) الأشياء المخلوقة، أما لاهوته فهو كائن من قبلها. وهكذا ترى أنه (كائن) قبل كل الأشياء، بينما كل الأشياء توجد كلّها فيه[222]“.
لذلك، فإن لاهوته (كائن) ليس بسبب الخليقة، ولكن الخليقة كائنة بسبب لاهوته، كما يوضّح ذلك الرسول بقوله إن كل الأشياء كائنة بسبب إبن الله. فنحن نقرأ كما يلي: “لأنه لاق بذاك، الذي من أجله الكل وبه الكل، وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد، أن يُكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام” (عبرانيين 2: 10). ألم يُبيّن الرسول بوضوح أن إبن الله، الذي من جهة لاهوته هو خالق الكل، قد أخضع نفسه فيما بعد، لكي يأخذ جسداً وأن يتألم به حتى الموت، لأجل خلاص شعبه[223]“.
“لقد أصبح واضحاً إذن، أن عبارة “أول (بدء) طرقه” التي يجب أن ننسبها إلى سر لبسه لجسده هي نبوَّة عن التجسّد. وهدف المسيح من التجسّد هو أن يُمهّد لنا الطريق إلى السماء. لاحظه كيف يقول: “أمضي إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يوحنَّا 20: 17). ولكي يجعلك تعرف أيضاً أن الآب القادر على كل شئ قد سلَّم طرقة للإبن نتيجة التجسّد، فإنك تقرأ في سفر زكريا كلمات الملاك ليهوشع وهو لابس ثياباً قذرة: “هكذا قال رب الجنود: إن سلكت في طرقي وإن حفظت شعائري” (زكريّا 3: 7). فما هو معنى تلك الثياب القذرة إلّا لبسه للجسد؟[224]“.
+ القدّيس غريغوريوس أسقُف نيصص:
“جملة (خلقني) لا تشير للطبيعة اللاهوتيَّة الغير مُركبة، كما قيل (بواسطة إفنوميوس)، بل كما إتُفق عليه بالتوافق مع الخطَّة الإلهيَّة، (بمعنى) أنَّه من طبيعتنا المخلوقة[225]“.
ثالث الآيات التي إعتمد عليها آريوس (يو 17: 3) “وَ هذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ”، فاصلاً الآب عن كلمته وروحه ومميزاً معرفة الآب عن معرفة يسوع كلمة الله المتجسّد. كاسراً التعليم المستقيم بأن وحدة الآب والإبن والروح القُدُس لا تنفصل، ولهذا يُعلّمنا القدّيس أمبروسيوس فيقول “كيف يمكن أن الإبن لا يسكن في نور لا يُدنى منه وإن كان هو في حضن الآب، إن الآب نور والإبن أيضاً هو نور، وذلك لأن الله نور، ولكن إن افترضنا وجود نور آخر بجوار الألوهة ليكون هو النور الذي لا يُدنى فيه، فهل يكون إذن هذا النور أفضل من الآب حتى لا يكون الإبن في ذلك النور (نور الآب)، بينما مكتوب عنه أنه مع الآب وفي الآب؟، ليت الناس إذن لا يستبعدون التفكير في الإبن حينما يقرأون لفظ “الله” ودعهم لا يبعدون التفكير في الآب عندما يقرأون لفظ “الإبن”. فهل تظن أن الآب (موجود) بدون الإبن في السماء؟، كان الإبن في الجسد وعندما أقول (في الجسد) أو أقول (على الأرض)، فأنا أتكلم كأننا عشنا في أيام تجسّده على الأرض التي يرويها الإنجيل، لأننا الآن لا نعرف المسيح بعد حسب الجسد، إنه وهو في الجسد ليس وحده كما هو مكتوب “لأني لست وحدي، لأن الآب معي” (يوحنَّا 8: 16)، فهل تظن أن الآب يسكن وحده في النور؟، ولئلا تعتبر هذه المناقشة كأنها مجرد تأمل، فخذ هذه العبارة القويَّة جداً، يقول الكتاب “الله لم يره أحد قط، الإبن[226] الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر (يوحنَّا 1: 18)”. كيف يمكن أن يكون الآب وحده إن كان الإبن كائناً في حضن الآب؟ كيف يُخبّر الإبن ويكشف عن ما لم يره؟ فالآب إذن ليس كائناً وحده (بدون الإبن)[227]“.
هذا ما أغفله آريوس وبنى فرضيَّاتُه على هذا الفهم المغلوط فاصلاً الآب عن الإبن الكائن في حضنه، وكما قال الآباء أن أصل كل هرطقه هو إهمال تقليد الإيمان المُسلَّم، لنرى تعليم الآباء عن هذه الآية الرائعة:
+ نوفاتيان الروماني:
“إن كان المسيح مجرّد إنسان فلماذا وضع لنا قاعدة إيمانيَّة بقوله (يو 17: 3) “وَ هذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ”، إن لم يكُن يُريد أن يُفهم كالإله، فلماذا أضاف “وَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ” إلا إذا كانت إرادته أن يُقبل أيضاً كالإله. لأنه لو لم يكُن يريد ذلك لما أضاف “وَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ[228]“.
+ القدّيس أثناسيوس الرسولي:
“الذي يؤمن بالإبن يؤمن بالآب، لأنه يؤمن بمن هو واحد مع الآب في الجوهر (ὁμοούσιος)، وهذا الإيمان هو بإله واحد. والذي يعبد ويُمجّد الإبن يعبد ويعبد ويُمجّد الآب في الإبن، لأن اللاهوت واحد والمجد واحد والعبادة واحدة للآب في الإبن، والذي يتعبَّد بهذا الطريق يعبُد إلهاً واحداً، لأنه يوجد إلهاً واحداً لا آخر سواه.
و هذه العبارات لم تُكتب لتُنكر الإبن ولا لتُشير إليه بالمرَّة، لكن كُتبت لتُطيح بالكذب (الآلهة الغير حقيقيَّة). لاحظ كيف لم يُكلم الله آدم بهذه الكلمات في البدء، بالرغم أن كلمته كان معه الذي به حضرت كل الأشياء للوجود. لأنه لم تكُن هُناك حاجه قبل ظهور الأوثان، لكن حينما ثار الإنسان ضد الحق ودعوا لأنفسهم آلهة كما فعلوا، ظهرت الحاجه لمثل هذه الكلمات لتُنكر الآلهة الغير حقيقيَّة.
إن دُعي الآب الإله الحقيقي فهذا لا يُعد إنكاراً لذاك الذي قال “أنا هو الحق”، لكن لهؤلاء الذين هم ليسوا بالطبيعة حقيقيين، لأن الآب والإبن هم واحد. لذلك أضاف بعدها “و يَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ”. والآن هل صار مخلوقاً؟، لم يكن ليُضيف هذه ويُضع نفسه كخالق. لأنه أيَّة تابعية هنا بين الحق وعدم الحق[229]؟، ولكنه هكذا، يحسب نفسه مع الآب إذا أظهر أنه من طبيعة الآب[230]“.
+ إكليمندس السكندري في كتاب المتفرقات (5: 10):
“الذي ليس له معرفة بالخير فهو وضيع، لأنه هناك صالح واحد هو الآب، تجاهل الآب هو موت ومعرفته هي الحياة الأبديَّة، من خلال المشاركة في قوَّة الوحيد عديم الفساد، وعدم الفساد هو الإشتراك في الألوهة[231]، ولكن الثورة ضد معرفة الله تجلب الفساد”.
+ القدّيس كيرلس الكبير:
“نحن نقول أن المعرفة هي الحياة الأبديَّة؟، هل نقول أن معرفة الإله الواحد الحيّ الحقيقي كافية لتأميننا في المستقبل بدون الحاجة لشئ آخر؟، فكيف يكون إيمان بلا أعمال هو ميّت؟.
حينما نتكلم عن الإيمان نعني معرفة الإله ولاشئ آخر لأن المعرفة تأتي بالإيمان، إشعياء النبي يخبرنا “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا[232]“، لكنَّه لا يتكلم عن المعرفة التي تتكون من التأملات الفارغة، التي هي بالحقيقة عديمة الجدوى، لأن أحد التلاميذ قال (يع 2: 19) “أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ”، فماذا سنقول عن هذا!.
كيف هذا والمسيح يتكلم بالحق حينما يقول أن الحياة الأبديَّة هي معرفة الله الآب ومعه الإبن، أعتقد بالحقيقة أنه يجب أن نجيب بأن كلام المخلص هو بالكمال حق، لأن هذه المعرفة هي الحياة، (المعرفة) تتمخض وكأنها تلد السر وتضمن لنا المشاركة في سر الإفخارستيا التي بها ننضم للكلمة الحي مُعطي الحياة، ولهذا -على ما أظُن- يقول القدّيس بولس (أف 3: 6) “أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ”، لأنهم يشتركون في جسده ودمه المُباركين. وهكذا فالأعضاء (الكنيسة) بهذا المعنى يصيرون أعضاء المسيح. هذه المعرفة التي تُحضرنا للإفخارستيا بالروح القُدُس، هي الحياة. لأنها تسكن قلوبنا، وتُغيّر أشكال الذين يقلبونها إلى البنوَّة وتحوّلهم إلى عدم الفساد والتخشُّع إلى الله طول الحياة، بحسب الإنجيل[233]“.
+ العلّامة أوريجانوس:
“الله بالتعريف (في اليونانيَّة) تعني الإله الحقيقي، لهذا يقول المخلص في صلاته “أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ”، ولكن كل شئ قد صار مُقدّساً بسبب الإله الحقيقي بالمشاركة في الألوهه[234] يُسمَّى إلهاً وليس الإله[235]“.
ملاحظة:
التأله “θεόςις” تعبير إستخدمه الكثير من الآباء ومنهم أثناسيوس للتعبير عن غاية الفداء بأن يشترك الإنسان في الطبيعة الإلهيَّة لا كإله معادل لله بل كما قال المسيح آلم أقُل أنكم آلهة وبنو العلي تدعون، الإشتراك في حياة الله الأبديَّة في بر وتقوى وقداسة.
+ القدّيس هيلاري أسقُف بواتييه:
“ربما بقوله “وَحْدَكَ” يُبعد المسيح نفسه عن الإتصال والإتحاد بالله، نعم ولكن بعد قوله “أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ” يُكمل مباشرة “وَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ”. ألتمس إحساس القارئ، كيف يجب أن نؤمن بالمسيح حينما نؤمر بالإيمان به أيضاً، هل كما نؤمن بالآب الإله الحقيقي الوحيد؟. أو أنه إن كان الآب هو الإله الحقيقي الوحيد فلا مكان لكون المسيح الإله. الحقيقة أن الله الآب هو واحد تجعل المسيح أيضاً الرب الواحد، وكذلك لاهوت الآب الواحد يجعل الإبن الإله الحقيقي، لأننا يُمكن أن ننال الحياة الأبديَّة فقط إن آمنَّا بالمسيح، كما بالإله الحقيقي. لكن إيمان الكنيسة بينما يعترف بالآب الإله الواحد يعترف أيضاً بالمسيح، لا يعترف بالمسيح كالإله الحقيقي بدون الآب، ولا يعترف بالآب بدون المسيح، يعترف بالمسيح الإله الحقيقي. بل أن حقيقة كون الآب هو الإله الحقيقي تؤسس أيضاً أن كون المسيح هو الإله الحقيقي، الإله الوحيد الجنس لم يُعاني أي تغيير في الطبيعة بميلاده. وهو أيضاً الذي بحسب طبيعة أصله اللاهوتي مولود إلهاً من الإله الحي[236]“.
خلاصة ما سبق:
أن كلمة (وحدك) تستثني من هم مُنفصلون عن الآب، ولكن الإبن ليس غير الآب لأنه مولود منه وكائن في حضنه وليس الآب أباً بدون الإبن ولإبن إبناً بدون الآب، فالآب كائن وكلمته كائن فيه وروحه، وكما يقول القدّيس كيرلس الكبير: “نؤمن بالآب الإله الحقيقي حسب الطبيعة وذلك وفق نص قانون الإيمان. وهل يمكن للمرء أن يعترض على هذا، وماذا تكون حجته؟ أما إذا قالوا: أنه لا يوجد إله غيره إطلاقاً فإن هذا لا ينطبق على طبيعة الإبن في شئ، لأنه بطبيعته مختلف عن كل (الآلهة المخلوقة) ولا يُحسب ضمن المخلوقات إذ هو كائن دائماً مع أبيه مُشرقاً دائماً معه وهو يُدرك دائماً مع الذي في طبيعة إلهيَّة واحدة. واحد إذاً هو الله وهو الإله الحقيقي لأننا قد عُتقنا من تعدد الآلهة وعرفنا الرب الحقيقي الواحد[237]“.
2- سابيليوس (Σαβέλλιος)
علَّم سابيليوس بأن الثالوث هو “ذات واحد وأُقنوم واحد[238]” وأن الآب والإبن والروح القُدُس هم ظهورات لشخص واحد، ويعتبر فكره تتطور لحركة المونارخيين ضد تعليم الثالوث المسيحي، وعنهم إنشق هراطقه أُخر كالذين نادوا بأن المسيح لا أب له وأنَّه (أقنوم الكلمة) الله الوحيد وأنه هو الله الآب ودعتهم الكنيسة مؤلّمي الآب[239]، وتبع سابيليوس نفس الفكر بسبب كاليستوس بابا روما[240]. ويقول الأب متّى المسكين في كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي ص 130: “أدخل سابيليوس في محاولاته لملاشاة عقيدة الثالوث أقنوم الروح القُدُس، مُعتبراً أن الثالوث هو مُجرّد ثلاثة ظهورات أو إستعلانات لشخص الله الواحد بدون تغيير ذاتي[241]، وأنَّه بعد تكميل الفداء عاد إلى وحدته الذاتيَّة الأولى. فالآب هو إستعلان الله في العهد القديم بإعطاء الناموس، والإبن إستعلان الله نفسه في التجسد، والروح القُدُس إستعلان الله نفسه في الإلهام. وإستعلان الإبن إنتهى بالصعود وبقي إستعلان واحد لله هو الروح القُدُس للتجديد والتقديس. والثالوث نفسه (كظهورات) هو مُستحدث على الله، فالله لما خلق العالم لم يكُن ثالوثاً. وكذلك فإن اللوغوس (الكلمة) ليس هو الإبن بل هو الله نفسه المُتكلّم، ولأن اللوغوس أكمل رسالته في العالم فإنه عاد إلى أصله وإنتهي بذلك الثالوث”.
و بينما كان آريوس يتعمد إستخدام الآيات التي تُميّز الآب عن الإبن المتجسد، جاء سابيليوس ليستخدم الآيات التي توضح العلاقة الوثيقة من الآب والإبن!،مما يوضح أن الهراطقة كانوا متخبطين في تفسير الكتاب المٌقدّس إذ إلتجأوا لفكرهم الخاص تاركين أساسات الإيمان المُسلَّم للقديسين، كما يقول القدّيس كيرلس الكبير: “هل يكون غير واضح لأي واحد بين الذين يُفكرون بطريقة سليمة أن كل ما ستقوله سيكون بدون فائدة ومعنى، إن لم تثبت أن ما قلته يتفق مع ما جاء في أقوال القدّيسين، لأننا لن نتبع أولئك الذين يُريدون دائماً أن يُنادوا بأفكارهم فقط، بل أننا سنتبع أولئك الذين يتكلمون بفم الرب ووفقاً للمكتوب (في الكتاب المُقدَّس)[242]“.
يُمكن أن نقُول أن أكثر الآيات إستخداماً بالنسبة لسابيليوس هي:
و عليها بنى سابيليوس معتقده أن الآب والإبن هم شخص (πρόσωπον) واحد وأقنوم (ὑπόστᾰσις) واحد وبهذا يُنكر الإيمان المُسلَّم للقديسين (راجع الفصل الثالث ص 18)، ولا شك أن كل هرطقة تبدأ من قلب يرفض تعليم الآباء السابقين عن الإيمان المُسلَّم للقديسين، كما يقول القدّيس أثناسيوس في رسالته لأدلفوس الأسقف المعترف ضدّ آريوس “إيماننا صحيح يبدأ من تعاليم الرسل وتقليد الآباء ويتأكد بالعهد الجديد والعهد القديم (أي أنّ الإيمان يتأكد بالعهدين وليس يكوّن بالعهدين)[243]“. ويلخّص أهميته فيقول “علينا أن نعتبر هذا التّقليد، الذي هو تعليم وإيمان الكنيسة الجامعة منذ البدء، الذي أعطاه الرّب، وكرز به الرسل، وحفظه الآباء، والذي عليه تأسست الكنيسة وقامت[244]، ومن سيقط منه فلن يكون مسيحيَّاً ولا ينبغي أن يُدعى كذلك فيما بعد[245]“.
هؤلاء الهراطقة الذين تجرأوا لأن يفحصوا ذات الله مُجرّدين من التقوى التي بدونها لا يُمكن التقرُّب لله، كما يقول القدّيس كيرلس الإسكندري “بالنسبة لنا فإن الحقيقة الإلهيّة تُعلمّنا أن الأمور ليست هكذا. لأننا قد تعمّدنا بإسم الآب والإبن والروح القُدُس، وبالطبع لا نقول أننا نؤمن بثلاثة آلهة، لكن بألوهة واحدة مُمجدة في الثالوث القُدّوس. فلماذا إذاً تتسرع محاولاً أن تُخضع تلك الأمور التي تفوق العقل لأفكار بشريّة، تلك الأمور التي أعتقد أنه يجب أن يُنظر إليها فقط بالإيمان الخالي من كل شك، لأن التساؤل عن ماهية الثالوث وعن طبيعة الألوهة هو أمر غير لائق بالمرّة ويدل على عدم التقوى. وعلى عكس ذلك فإن التقوى هي أن نرغب في أن نفكّر في الله بطريقة سليمة كيف أننا نسجد للثالوث الإله الواحد[246]“.
تفسيرات الآباء
(يو 10: 30) أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ.
+ نوفاتيان الروماني:
“لأنهم يُجادلوننا كثيراً بهذه الآية حيث قيل “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ”، ففي هذه أيضاً سنتغلَّب عليهم بمهارة مُتوافقة. لأنه إن كان كما يظُن الهراطقة أن المسيح هو الآب لكان المسيح يقول “أنا والآب، أنا (أكون) واحد[247]“. لكن حينما يقول “أنا” وبعد ذلك يُقدّم الآب فيقول “أنا والآب” يخدم التفريق والتمييز بين كونه شخص الإبن وبين أحقيَّة الأبوَّة (صفة أقنوم الآب)… ليفهم الهراطقة أنه لم يقل شخص “واحد”. لأن كلمة واحد في حالة المحايد تعنى الإتحاد وليس الوحدة الشخصيَّة (أي تعني إتحاد الشخصين وليس كونهم شخص واحد)… أخيراً يُضيف “نحن نكون (بحسب اليونانيَّة)” ليُظهر أنهم شخصين (متحدين في الذات)[248]“.
+ القدّيس هيبوليتُس الروماني:
“و إن قال نويتُس أن يسوع قال “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” دعه يُعمل عقله ويتعلم أن يسوع لم يقل “أنا والآب، أنا (أكون) واحد” بل “نكون واحد”، نحن لا تُقال للإشارة لواحد بل لإثنين لكن قوَّة واحدة (قوَّة اللاهوت)[249]“.
+ المغبوط أغسطينوس:
“في لاهوته هو معادل للآب، في تجسده هو خاضع للآب[250]“.
+ القدّيس كيرلس الكبير:
“نقول أن الآب والإبن هم واحد لا لنمزج شخصيتهم بإستخدام هذا الرقم، كما يفعل الذين يقولون أن الآب والإبن هم نفس الشخص[251]. ولكن نؤمن أن الآب والإبن هم أشخاص فريدة ونُعظّم الإثنين معاً في نفس الجوهر الواحد، عالمين أنهم يمتلكون نفس المشيئة، كما يُرى الجوهر المُقدّس فيهما بلا إختلاف[252]“.
“بهذه الصورة أظهر الرب الآب (أي أن الرب يسوع أظهر الآب) لفيلبّس، نعم الذي ينظُر للإبن يرى صورة الآب، أُنظر عن أيَّة صورة أتكلم، إنها (يعني الإبن صورة الآب) الحق والبر وقوَّة الله، غير الصامت لأنه كلمة الله، ليس هو غير عاقل إذ هو الحكمة، غير المائت ولا الجاهل لأنه القوَّة، ليس بلا روح لأنه الحياة، غير ميّت لأنه القيامة[253]“.
“في الكنيسة، أعلم صورة، صورة الله غير المرئي. قال الله عن هذه الصورة “نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا”، مكتوب عن هذه الصورة “الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِه”. في هذه الصورة أعني الآب (أعرف) كما قال الرب يسوع “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” لأن هذه الصورة ليست منفصلة عن الآب، التي علمتني بالحق وحدة الثالوث، يقول “أنا والآب واحد”، وأيضاً “كل ما للآب هو لي”، في هذه الصورة أعي أيضاً الروح القُدُس، وأرى أن الروح هو للمسيح وقُبل بالمسيح، لأنه مكتوب «ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ»[254]“.
+ القدّيس يوحنَّا ذهبي الفم:
“في العهد القديم يقول “لا أحد ينظر وجهي ويعيش”، فماذا يقول المسيح إذن؟، لام المسيح فيليبس بشدة قائلا: “أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ”، لم يقل “لم تراني” بل قال “لم تعرفني، ربما كان على فيلبس أن يقول: “لماذا يجب علىَّ أن أعرف أي شئ يتعلق بك؟ الآن أنا أُريد أن أرى أبيك، وأنت تقول لي ألم تعرفني؟”، ماهي العلاقة بين إجابة المسيح والطلب الذي قدمه فيلبس؟، بالتأكيد علاقة وثيقة، لأنه لو كان كل ما للأب هو للمسيح (بما في ذلك الجوهر)، ومع ذلك يظل المسيح ابناً (لأن صفة أن الآب والد والإبن مولود تتفرد بها الأقانيم)، إذن هذا سبب يُبين لماذا أن المسيح نفسه يظهر في ذاته صورة هذا الذي ولده. ثم من أجل أن يميز بين الأشخاص إن زعم شخص ما أن الأب والابن هما نفس الشخص، يقول: “من رأني فقد رأى الأب”. لإنه أن كان هو الآب نفسه، لم يكن ليقول: “من رأني فقد رأى الآب[255]“.
+ القدّيس باسيليوس الكبير:
“«اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ» هذا لا يعني أنه رأي هيئة وصورة الطبيعة الإلهيَّة، لأن الطبيعة الإلهيَّة بسيطة، غير مكوَّنة من أجزاء، ثبات المشيئة ثابت في جداول الذات الإلهي، وهذا يُرى في الآب والإبن[256]“.
+ القدّيس هيلاري أسقُف بواتييه:
“ينتهر التلميذ لعدم معرفته به، لأنه قال أنه حينما يُعرف هو فالآب يُعرب أيضاً، لكن ماذا ماذا كانوا يعنون حينما شكى عدم معرفتهم له طول هذا الوقت؟، يعني أنهم لو كانوا قد عرفوه لكانوا عرفوه في الذات الإلهي الذي هو من ذات طبيعة الآب، لأن أعماله هي نفسها أعمال الآب[257]“.
“ما الميزه لغير المائت أن يُشابه المائت؟، وما التقدم الذي يحدث للأبدي حين يلبس المؤقت؟، كم تكون عظمة المكافأة للإله السرمدي والملك الذي في حضن الآب؟، ألا ترى أن هذا أيضاً كُتب وعُمل لأجلنا وبسببنا؟، الرب صار إنساناً لأجلنا، نحن المائتين المؤقتين، حتى نكون غير فانيين ويُحضرنا إلى الحياة الأبدية في ملكوت السموات… ليس الكلمة هو من تطور أنه كان مالكاً لكُل الأشياء دائماً، لكن الذي تطوَّر هو الجنس البشري الذي أصله فيه وبه (في الكلمة وبالكلمة)، هذا هو الذي نال التقدُّم. لأنه حينما مُسح بحسب الطرق البشرية كنا نحن من مُسحنا فيه، لأنه حين إعتمد كنا نحن الذين إعتمدنا فيه. ولكن على هذه الأشياء يُلقي المُخلّص نوراً حينما يقول “وَ أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ”. لأجلنا أيضاً طلب المجد، والكلمات (أخذ) و(أعطى) تأتي عن ما سنأخذه، ولنا ستُعطى ونحن سنسمو فيه. هو أيضاً يقدس نفسه لنا كي نتقدس فيه[258]“.
+ القدّيس هيلاري أسقُف بواتييه:
“هذه الوحدة تظل بمثال عظيم للوحدة، “لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ”، الآب في الإبن والإبن في الآب، وكهذه الوحدة يكون الجميع واحداً في الآب والإبن[259]“.
+ القدّيس يوحنَّا ذهبي الفم:
“في مكان آخر يقول عن نفسه وعن الآب “إِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً”، بذكر الشخصين يُخرس أفواه السابيلانيين، وحينما يقول أن الآب يأتي للتلميذ فيه (في الإبن) يُخرس أفواه الآريوسيين[260]“.
3- أبوليناريوس (Απόλληναρίυς)
أسقُف سوري على اللاذقيَّة واجه الآريوسيَّة بجوار أثناسيوس وباسيليوس، أراد إقصاء أي فكر يواجه اللاهوت البيزنطي الذي تسلَّمه وركز بحثه في الإتحاد السرّي لطبيعتي المسيح وانتهت مسيرته بالهرطقة إذ أنطر وجود روح إنسانيَّه للمسيح، وإعتقد أن اللوغوس حل محل النفس العاقله (الروح)، وكان سبب رفضه لوجود نفس عاقله في المسيح هو أنه إعتبر أن إتحاد كائنين كاملين مناف للعقل، وأنه إعتبر أن النفس البشرية العاقلة تُخطئ وتعمل الخير وبهذا ننسب للمسيح إمكانيَّة الخطأ.
ربما أيضاً إختلطت عليه بعض التعبيرات كالطبيعة الكاملة والشخص، كما يُعتبر أبوليناريوس أوَّل من إستخدم تعبير أن للمسيح طبيعة واحدة، ذلك التعبير الذي تبناه كيرلس الكبير وجعله تعبيراً أرثذوكسيَّاً مع توضيح أنها “طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد[261]” من طبيعتين بلا إنفصال ولا إمتزاج ولا تغيير، وفسَّر أبوليناريوس “الكَلِمَة صَار جسداً” بأنها تعني أن الله حمل جسداً (Θεος σαρκοφορος) وإستخدمها نسطور بعد ذلك ملقباً المسيح بأنَّه إنسان حامل الإله (Ανθρωπος Θεουφορος)، بينما التعبير الأرثذوكسي السليم هو إلإله المُتأنِّس (Θεανθρωπος)[262].
دحض الآباء نظريته بإثبات الناسوت الكامل الذي أخذه الكلمة من ملكتنا والدة الإله (Θεοτόκος[263])، وفيما يلي سأسرد أقوال الآباء عن ناسوت المسيح الحقيقي، وأبدأ بالقديس أمبروسيوس الذي وضَّح نقطه في غايَة الخطورة وهي إن كان المسيح يختلف عنَّا في أي شئ فهذا الجزء من ناسوتنا الإنساني لم يتحرر بالصليب، بل هو بعد تحت حكم الموت، إنما بالجسد الكامل لمخلصنا الصالح تحررت كل جزء في ناسوتنا الكامل وعاد لطبيعته الأولى. يقول القدّيس في (شرح الإيمان المسيحي): “تعلّم إذاً ماذا يعني القول “أخذاً صورة عبد”، يعني إتخذ لنفسُه كل كمالات البشريَّة في تمامها، والطاعة في كمالها[264]“.
و على كلمات القديسين أثناسيوس وأمبروسيوس وكيرلُّس الكَبير كتبت خاطراً عن التَّجسد يقول:
“جاء التجسد مُشابهاً للإنسان في كل شئ، من نفس طبيعتنا من نفس اللحم والدم، بنفس العقل البشري والروح البشري والنفس البشري، إذ دخلت الخطيَّة لكل ذرَّه في كيان الإنسان، وهكذا إحتاجت البشريَّة مخلّص يُخلّص بناسوته الكامل كل جزء في ناسوت الإنسان بالكمال، فلو كان يسوع بلا روح بشرى فروحنا الآن لا تزال مسكناً خاصاً للشياطين!، وإن كان بلا عقل بشري حقيقي فلا عقوبة لنا إن صارت عقولنا ملهى للشياطين!، وإن كان بلا نفس عاقله فلا سبب لنا يدعونا لترك شهوات العالم!، بل بجسده الحقيقي الكامل حمل كل أثام أجسادنا وأرواحنا وعقولنا ونفوسنا، لذلك إكتئبت نفسه وتألم جسده وأُسلمت روحه!، ألم تقرأ أن يسوع أنَّ (تألَّم) حين شفى الأبكَم[265]!، لماذا تظنُّه تنهَّد سوى أنَّه حمل مرَض الأبكم في جسده!، ألم يُقال عنه أنه “أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَ حَمَلَ أَمْرَاضَنَا[266]“، ولماذا إكتئبت نفسه سوى لأنه حمل في نفسه كآبة نفوسنا!، ألم يطلُب بالنيابة عنّا أن يُجاز كأس الموت عن البشرية وسُمع له لأجل تقواه[267]!، يسوع الإنسان الكامل بمعنى الكلمة، هو الذي يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً[268] بلا إنفصال ولا إمتزاج ولا تغيير، الذي به تقدسنا كليَّا وقيل عنا أننا هياكل الله وروح الله يسكن فينا[269]، نعم نحن هياكل الثالوث!”.
كما رفض الآباء أيضاً فكرة ناسوت المسيح غير المخلوق ناسبين الهرطقة لأصحاب هذا الفكر، فكما أن جسدنا هو مخلوق فهكذا أيضاً صنع الكلمة لنفسه جسداً من دم العذراء، ويقول القدّيس إغناطيوس الإنطاكي في رسالته لأهل أفسس “يوجد طبيب واحد للجسد والروح، مصنوع (مخلوق بحسب الجسد) وغير مصنوع (غير مخلوق بحسب لاهوته)، الإله في الجسد، الحياة الحق في الموت، من العذراء ومن الإله، قابل للألم وغير قابل للألم، يسوع المسيح ربنا[270]“.
أقوال الآباء عن إنسانيَّة المسيح الحقيقيَّة الكاملةِ
+ القدّيس إكليمندس الرومَاني:
“بالمحبَّة إجتذبنا الربُّ إليه، وبسبب محبته لنا، بذل ربُّنا يسوع المسيح عنَّا، بحسب مُخطط الله، وجسده عن أجسادنا، ونفسه عن نفوسنا*[271]“.
+ القدّيس إغناطيوس الإنطاكي:
“أما أنا فأعلم وأؤمن أنَّه، حتى بعد القيامة، كان في الجسد. وحين جاء إلى بطرس والذين كانوا معه، قال لهم: إلمسوني، تروا أنّي لست روحاً شريراً بل جسد، فلمسوه وإتحدوا إتحاداً وثيقاً بروحه وجسده. لأجل ذلك إحتقروا الموت وتغلّبوا عليه. وبعد ذلك قيامته أكل يسوع وشرب معهم كإنسان من لحمٍ، ولكنَّه مُتّحد مع أبيه في الروح (الرسالة إلى أزمير 3)[272]“.
+ القدّيس إيريناوس أسقُف ليون:
“الرب إشترانا بدمه، واضعاً نفسه عن نفوسنا، وجسده عن جسدنا (إقتباس من كتابات القّديس إكليمندس الروماني)، كما سكب علينا من روح الآب لأجل إتحاد الله مع البشر[273]“.
“إن إدّعى أحد أن من إحترام جسد المسيح أن نقول أنه مختلف عنا لأنه بالحقيقة بلا خطيَّه ولا وُجِد في نفسه غش، بينما نحن خطاه، فهو يقول الحق. لكن إن زعم أن المسيح قد أخذ جسد من غير جوهرنا فما قيل عن المُصالحة لا يتفق مع هذا الرجُل[274]“.
+ القدّيس ساويرس البطريرك الإنطاكي:
“بهذا أوضح متَّى أن المسيح يشترك في نسلنا وطبيعتنا[275]“. “بالرغم من كونه بلا خطيَّة، فقد إتحد بالجسد الذي هو من نفس طبيعتنا، والذي له نفسٌ عاقلة[276]“.
+ القدّيس يوحنَّا ذهبي الفم:
“البعض تجرأ أن يتخيَّل أنَّه لم يأخذ جسدنا البشريّ، وأن مجيئة كان مثل شبح[277]، هذه الأفكار غير الطاهرة بالتأكيد ستُدمّر هؤلاء الذين لا يعترفون أن الله قد جاء في الجسد[278]“.
“كيف يُمكنه وهو الإله الحقيقي أن يجوع في الصباح؟، لقد وجد في الهيئه كإنسان، لهذا كان للجسد مشاعر بشريَّة طبيعيَّة[279]“.
“لقد خرج، لا إلى مكان بل لحياة وإلى الزمن حيث خلّصنا، إذ قُرّب إلينا بسبب أخذه جسدنا[280]“.
+ القدّيس هيلاري أسقُف بواتييه:
“كان من المناسب بسبب شؤمه (شرُّه) وسوء أعماله أن يُهزَم بنفس البشريَّة (الطبيعة البشريَّة) التي بموتها وإفتقارها كان مجدُه (مجد الشيطان بإنتصاره على البشريه)[281]“.
+ العلّامة أوريجانوس:
“لم يصُم أكثر من هذا لئلا يخطُر بذهن أحد أنَّه لم يأخذ جسداً بالحقيقة، بعد ذلك جاع، ليُشاركنا كل ما لنا ما خلا الخطيَّة، ويُشاركنا في حالنا من خلال مُعاناته[282]“.
+ القدّيس كيرلس الكبير:
يوجّه القديس كيرلس أنظارنا إلى أن المسيح تألم بالجسد، لا نقول بجسده بل بالجسد، إذ حمل في جسده آلام إنسانيّتنا كلها، وبالتأكيد هذا يؤكد أنه من نفس طبيعتنا بالكمال، إذ إن كان مختلفاً عنَّا لا يصلُح لحمل دينونتنا وإلا يصير حكم الموت الذي حمله باطلاً، لذلك جاء من نفس ذاتنا البشري[283].
“هو الذي كإله كان فوق الآلام، تألَّم في جسده كإنسان[284]“.
لعل هذه الآيات تُعتبر الحائل الكتابي الأكبر أمام أفكار أبوليناريوس، فكيف يُمكن أن يفهمها إن إعتبر أن اللوغوس حل محل النفس البشريَّة العاقلة، فهل نستطيع أن نُفسّرها بأن اللوغوس كلمة الله حزين حتى الموت، بالتأكيد لا وأكَّد الآباء على أن الإيمان المُسلَّم للقديسين بحسب التَّقليد ينافي فكر أبوليناريوس مؤكدين -قبل ظهور أبوليناريوس- أن المسيح هو بالحقيقة الإله الذي في ملء الزمان تجسَّد كإنسان كامل.
+ القديس هيرونيموس “ﭼيروم”:
” حزن ربَّنا ليُثبت بشريَّته الحقيقيَّة التي أخذها لنفسُه، ولأن الآلام لم تُفارق عقله بدأ يحزن جداً[288]“.
“ليت هؤلاء -الذين يتخيّلون أن يسوع قد أخذ نفساً غير عاقلة- يقولوا لنا كيف حزن وعرف سبب حزنه، حتى أنَّه بالرغم أن الكائنات الحيوانيَّة تحزن لكنها لا تعلم سبباً ولا وقت لإنتهاء بهذا الشعور (النفس العاقله هي الفارق الأهم بين الإنسان الذي هو قمَّة خليقة الله وبين الحيوان لعل هذا يوضِّح كم كانت أفكار أبوليناريوس شريره في عينيّ الآباء!)[289]“.
+ المغبوط أغسطينوس:
“لدينا أدلَّة من الإنجيليين منها نعرف أن منها ان المسيح ولد من العذراء المُطوَّبة مريم، قبض عليه اليهود، جُلد، صُلب، مات ودُفن في قبر. كل هذا لا يُمكن أن يتم بلا جسد، حتى الأكثر جنوناً لا يُمكن أن يقول أن كل هذه الأمور تمت رمزياً!… هذه تشهد إلى أنه أخذ جسداً، وعدم إمكانيّه كون هذه المشاعر بدون وجود عقل تؤكد أنه كونه ذو عقل، والتي نقرأ عنها عند الإنجيليين أن يسوع تعجب، غضب وحزن[290]“.
“كيف يضع مُخلّصنا نفسه إذاً، يسوع الكلمة الإنسان، ليس إنساناً بالجسد فقط بل نفس وجسد، لأن المسيح إنسان كامل، وهذا يُفنّد الأبوليناريَّين الذين يقولون ان الكلمة كان بلا نفس عاقلة، هل وضع الكلمة نفسه (لاهوته) وأخذها ثانية؟[291]“.
+ القدّيس أمبروسيوس أسقُف ميلان:
“حزن، لا هو بل نفسُه، ليس حكمته ولا ذاته الإلهي، بل نفسه، لأنه أخذ لنفسه نفسي وجسدي[292]“.
“لقد أخذ لنفسه تماماً الجسد البشري والمشاعر البشريَّة[293]“.
+ القدّيس يوحنَّا ذهبي الفم:
“بقوله «إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ» أظهر كامل إنسانيَّتُه[294]“.
“أي شئ أكثر إنسانيَّة (بشريَّة) من هذا حينما يقول الرب أنه محبوب لأنه يضع نفسه لأجلنا[295]“.
“بالتأكيد هُنا يظهر بشريّته وطبيعته التي لا تُريد الموت (المشاعر النفسيَّة) مُتشبثّة بالحياة الحاضرة، هذا يُثبت أنَّه لم يكُن مُجرّداً من المشاعر الإنسانيَّة[296]“.
+ القدّيس هيلاري أسقُف بواتييه:
“بالرغم أنَّه لا يستحيل شئ على الله، يظل بالنسبة للإنسان من المستحيل تجاهل الخوف من الألم[297]“.
الكتابات الآبائيَّة السابقة تؤكد أن الكلمة إتخذ ناسوتاً كاملاً وإتحد به إتحاداً لا يُنقض بلا إنفصال ولا إمتزاج ولا تغيير، هذا الناسوت لا يكون كامل بلا نفس عاقله، وإلا يصير المسيَّا جسداً فقط ولا يُطلق عليه إنسان لأن الإنسان يتميَّز عن أي كائن آخر بالنفس العاقلة والروح. لذا وجب أن يأخذ الكلمة ناسوتاً غير منقوص ليُقدّم فداء كامل لكل جنس البشر، لأنه إن لم يُشابهنا في كل شئ لما صار لنا فادياً بل يصير مختلف عن طبيعتنا. لذلك أكّد الآباء على حقيقة ناسوت المسيح بل وأيضاً كمال ناسوته كجسد ونفس عاقله وروح.
(الخاتمة)
هل يمكن تحريف العقيدة مع وجود الكتاب والتّقليد؟
كثيراً ما تُهاجم المسيحيَّة -عموماً- بفكرة تحريف العقيدة أو تبديلها، فمن جهة تعتبر هذه الفكرة أحد العقائد الأساسيَّة بالنسبة لبعض الديانات، ومن جهة أُخرى صارت مدار حوار المنتديات الإلحاديَّة. ولكن لم أرى أي منهم إستطاع أن يُواجه الفكر الأُرثذوكسي، لأنه يقوم على الكتاب والتَّقليد الإيماني المُسلَّم للقديسين، ولكن بالرجوع للتعليم الآبائي وللفهم الصحيح للعهد الجديد نجد أن التَّقليد حافظ على العقيدة منذ القرن الأوَّل ودافع عنها ضد هرطقات الغنوسيين والآريوسيين، لهذا يُعاني الإخوة البروتوستانت من علم النقد النصّي، خصوصاً مع تعاملهم مع العهد الجديد كحرف، أما التعليم الأرثذوكسي فيُعلّمنا أن الكتاب هو شخص يسوع الحي بالتقليد، فالحرف لا يُعبِّر عن يسوع بل روح الإيمان الحي المُمارس في صلوات الكنيسة وفي عقيدتها التي نُقلت للأجيال المتعاقبة بالتلمذة، وكما أثبت النقد النصِّي ثبات شخص[298] يسوع في جميع المخطوطات هكذا أيضاً أثبت التَّقليد أنَّه حصن الآباء في مواجهة الهرطقات، ولعل إدراك هذه الأمور كان هو سبب إعتراف لاهوتيّ الغرب من الإخوة البرتوستانت بأهميَّة التَّقليد، وقد إستشهدت في هذا البحث على الأقل بثلاثٍ منهم وهما فيليب شاف وتوماس فورسيث تورانس وﭼون كيلي.
و يضرب القدّيس أثناسيوس عرض الحائط بفكرة التحريف فيقول “إيماننا صحيح يبدأ من تعاليم الرسل وتقليد الآباء ويتأكد بالعهد الجديد والعهد القديم[299]“، فالعهدين يؤكدان الإيمان الذي تسلَّمه المؤمنون قبل تدوين الأسفار، ويستحيل فهم الكتاب بدون إستعادة ذهن الكنيسة الأولى التي تسلَّمت التقليد الحيّ، لهذا فالتقليد هو الآداة التي بها ندخل لعمق روح الكتاب، وبدونه سنقف حائرين أمام تفسيرات الآيات وتدخُل الأهواء الشخصيَّة لتجعل لكل شخص يسوعه الخاص، لهذا إنقسم لوثر وأتباعه إلى عدَّة كنائس، بسبب التفسير الشخصي وتجنُّب تعاليم الكنيسة الجامعة، وكما بدا في الفصل الرابع أن مُشكلة هراطقة القرون الأولى كانت وبشكل صريح هي معاداة التَّقليد، بالرغم أنه لا أحد يُنكر التَّقليد في إثبات نسب البشارات الأربعة للقدِّيس متّى والقدِّيس مرقُس والقدِّيس لوقا والقدِّيس يوحنَّا، ولكن عند الحديث عن الإفخارستيا والليتورﭼيا يصير التَّقليد مرفوضاً.
بهذا التَّقليد دافع الآباء عن الإيمان، وبه إستمر تفسير العهدين ثابتاً في الكنيسة، فلا نجد أحد الآباء يُفسِّر الآيات ضد التعليم الكنسي، بل إختلف الآباء في التأمُلات لا العقائد الخاصَّه بشخص يسوع، فلم يُنكر أحد الآباء التَّقليديين أن الكلمة هو مساوٍ للآب في الجوهر وكذلك الرُّوح القُدُس، ولا يُنكر أحد موت يسوع المسيح على الصليب بناسوته الكامل الحقيقي المُتّحد[300] بأقنوم الكلمة بغير إنفصال ولا إمتزاج ولا تغيير، وقيامته في اليوم الثالث بجسد حقيقي مُمجَّد، وجلوسه عن يمين أبيه ومجيئه الثَّاني الآتي من السموات. كما شكَّل ترك الَّتقليد كارثه في صفوف الهراطقة حتَّى أنَّهم إختلفوا في تفسير كل آيات الكتاب[301]، حتَّى أن الهراطقة لو تقابلوا لهرطقوا بعضهم بعضاً!، فحين تُرفع مسطرة القياس تختل الحسابات، ويصير العمل بلا معايير ولا مقاييس، هكذا صار إيمان الهراطقة كعصف الريح، وبهذا التَّقليد أيضاً صار إيمان الآباء ثابتاً لا يتزعزع لأنَّه مؤسس على يسوع المسيح بحسب الإيمان الذي تركه هو نفسه لتلاميذه.
على هذا الإيمان المُسلَّم تثبُت الكنيسة وتنمو، وبه تعيش حياة المسيحيين الأوائل، كما يقول القدّيس هيبوليتس الروماني ” هذا نشير به عليكم، أن تحفظوه، وأنتم الذين لهم قلوب. لأن كل من يسمع تقليد الرسل ويحفظه، فلن تسود هرطقة لتضله[302]“. لذلك صار التَّقليد هو الذي يحكم على أي عقيدة بالإستقامة أو الإعوجاج، فإن كانت ثابته في الكنيسة من البدء فهي إيمان مُسلَّم للقديسين، وإن كانت حديثة جديدةٌ فهي تعليم غريب عن التقوى.
لذلك يجب علينا كمؤمنين أن نتمسَّك بما تسلمتهُ الكنيسة منذ البدء، لننغمس في كتابات الآباء حتى نصطبغ بفكرهم وإيمانهم، ننهل من عمل الروح القُدُس فيهم، لا في اللاهوتيات فقط بل وفي الروحيات أيضاً. كما أيضاً يجب أن نحيا حياة الكنيسة حياة الشركة حياة القداسة، لنشترك لا فقط مع معاصرينا بل أيضاً مع الكنيسة الأولى، نشترك معاً في وحدة جسد المسيح بالإفخارستيا المؤسسة على التعليم المستقيم الواحد، لنترك جميعاً ما نختلف فيه، لنترك المجادلات الشخصيَّة وننظر إلى الأمام، إلى الكنيسة الأولى التي طالما ظلت هي الأمام والمُقدّمة، وبتركنا لهذا التعليم المُقدّس ننظر للخلف مُتشبّهين بإمرآة لوط ولنعمل بقول القدِّيس إكليمندس الروماني في رسالته إلى كنيسة كورنثوس (7: 2) “فلندع عنَّا، إذن، كل إهتمام عبثي باطل، ولنعد إلى أساس التَّقليد المجيد المُقدّّس[303]“.
أرجو في نهاية هذا البحث الصغير أن أكون قد قدَّمت بعضاً من تعليم الآباء عن التَّقليد المُقدَّس، طالباً من الرب أن يرُد سبي عقولنا إلى الإيمان المُستقيم بحسب كرازة وتقليد الرُسُل، كما أرجو رجاء خاص من كل دارس لكتابات الآباء أن لا يكُف عن تقديم هذا الإيمان المُقدَّس بلا إنتقاص، وأن يعرِض الإيمان بحسب الآباء مهما واجه من مُعارضات، فلابد لنا أن نتألَّم مع الرَّب يسوع، نتألم معه حين نكرز به بحسب إيمان الكنيسة فيصير الألم معه شهداً، ونحيا معه بالروح دوماً كما علَّمتنا عنه الكنيسة المُقدَّسة الجامعة الرسوليَّة الأرثذوكسيَّة.
أختم البحث برساله لكُل قارئ أقتبسها من كلام أبي القدّيس أثناسيوس الرسولي في ختام رسالته للقدّيس سرابيون:
“لم أُبال بأولئك الذين يرغبون أن يضحكوا على ضعف شرحي وفقره. ولكن إذ قد كتبت بإختصار فإني أُرسله إلى تقواك مع توسلات كثيرة أنك حينما تقرأه فإنك من ناحية تُصححه ومن ناحية أُخرى حينما تجد أن الكتابة ضعيفة فإنك تلتمس العذر”.
أُرحّب بأي إنتقاد أو تصحيح أو تعليم، وأشكُر كل من ساهم في المادَّة المُقدَّمة في البحث ومن سَاعد في التَّرجمة والمُراجعة، كما أرجو أن لا أكون قد أسأت التعبير في أي شئ وإن فعلت فقوّمُوني بالتَّعليم، صلُّوا لأجل وحدة الكنيسة ولأجل صلاح المؤمنين ولأجل خطاياي ونجاساتي وضعفي.
إلَى هُنَا أعَانَنِي الرَّبُ
24 ديسمبر 2011
شكر خاص لأخي الحبيب مارك صموئيل الذي قام بمراجعة البحث.
مُلْحَق المَراجِع
1- كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي للأب متّى المسكين.
2- كتاب الكنيسة المسيحيّة في عصر الرسل للأنبا يؤانس أسقف الغربيّة.
3- كتاب الروح القُدُس باقه من أقوال الآباء للقديسين أثناسيوس وأمبروسيوس، مركز الدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة.
4- مدخل إلى علم الآباء، الدكتور نصحي عبد الشهيد.
5- حوار حول الثالوث للقديس كيرلس الكبير، مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة.
6- كتاب “رسائل إقليمُس الرومانيّ، إغناطيوس الإنطاكي وبوليكاربُس السّميرني” ص 20، ترجمة سعد الله سميح جحا، دار بيروت.
7- كتاب التقليد الرسولي، القس أثناسيوس المقاري.
8- توماس ف. تورانس، كتاب “الإيمان بالثالوث”، ترجمة دار باناريون.
9- مجمع خلقيدونيه إعادة فحص، للأب ف.سي.صمويل، ترجمة دار باناريون.
10- كتاب الكنوز في الثَّالوث ترجمة الدكتور ﭼورچ عوض إبراهيم للقدّيس كيرلس الإسكندريّ، مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 163.
11- كتاب الوجود شركة للمطران يوحنا زيزيولاس ترجمة مركز الدراسات الآبائيَّة.
12- نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستّة قرون الأولى، القمص تادرس يعقوب ملطي.
13- سلسلة (ΙΧΘΥΣ) للدراسات الآبائية، القمص أنطونيوس فهمي ﭼورچ.
14- المقالة الأولى ضد الآريوسيّين (مركز الدراسات الآبائيَّة) ديسمبر 1984.
15- مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 144، شرح الإيمان المسيحي (كتب 3، 4، 5) للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان.
16- تفسير بشارة يوحنَّا للقديس كيرلس عمود الدين ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة.
17- المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة.
18- كتاب المسيحيَّة في عصر الرُسُل، أعمال المؤتمر الخامس عشر للدراسات الآبائيَّة محاضرة الدكتور ﭼورچ عوض إبراهيم.
19- القدّيس أثناسيوس الرسولي حياته وتعاليمه، المؤتمر السادس عشر للدراسات الآبائيّة.
20- Roberts، A.، Donaldson، J.، Coxe، A. C.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers.
21- Schaff، P. (2000). The Post-Nicene Fathers (electronic ed.). electronic ed. Garland، TX: Galaxie Software.
22- Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series.
23- Bible، Church، Tradition: An Eastern Orthodox View; Volume One. Works of Georges Florovsky.
24- Clement I، P.، Clement I، P.، Ignatius، S.، Bishop of Antioch، Polycarp، S.، Bishop of Smyrna، & Lake، K. (1912-13). The Apostolic fathers (P. Clement I، S. Ignatius، Bishop of Antioch، S. Polycarp، Bishop of Smyrna & K. Lake، Ed.). The Loeb classical library. London; New York: Heinemann; Macmillan.
25- Holmes، M. W. (1999). The Apostolic Fathers: Greek texts and English translations (Updated ed.). Grand Rapids، Mich: Baker Books.
26- Olson، R. E.، & Hall، C. A. (2002). The Trinity. Annotated bibliography of English language works on the Trinity. Guides to theology.
28- The first book (Tome 1) of Cyril of Alexandria against Nestorius، translated by P.E. Pusey.
29- The third book (Tome 3) of Cyril of Alexandria against Nestorius، translated by P.E. Pusey.
30- The fourth book (Tome 4) of Cyril of Alexandria against Nestorius، translated by P.E. Pusey.
31- Cyril of Alexandria، Against Diodore of Tarsus and Theodore of Mopsuestia (fragments of book 2)، LFC 47 (1881)، translated by P.E. Pusey.
32- Lightfoot، J. B.، & Harmer، J. R. (1891). The Apostolic Fathers. Includes index.
33- Lagass،. P.، & Columbia University. (2000). The Columbia encyclopedia (6th ed.). New York; Detroit: Columbia University Press; Sold and distributed by Gale Group.
34- Alexander Roberts et al.، The Ante-Nicene.
35- Paul F. Bradshaw et al.، The Apostolic Tradition: A Commentary (Hermeneia – a critical and historical commentary on the BibleMinneapolis، MN: Fortress Press، 2002).
36- Joel C. Elowsky، Ancient Christian Commentary on Scripture NT 4a Downers Grove، IL: InterVarsity Press، 2006. (ACCS commentary).
37- Catena Aurea، by Thomas Aquinas.
[1] مجمع خلقيدونيه إعادة فحص، للأب ف.سي.صمويل، ترجمة دار باناريون ص72.
[2] كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي للأب متّى المسكين ص 47.
Roberts، A.، Donaldson، J.، Coxe، A. C.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers (417).
[5] كتاب الكنيسة المسيحيّة في عصر الرسل للأنبا يؤانس أسقف الغربيّة ص 305.
[6] Schaff، P. (2000). The Post-Nicene Fathers (electronic ed.). electronic ed. (4). Garland، TX: Galaxie Software.
[7] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. IV. Athanasius. (576).
[8] كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي، الأب متّى المسكين ص 7.
[9] كتاب الرُّوح القُدُس باقة من أقوال الآباء للقديسين أثناسيوس وأمبروسيوس، مركز الدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 91، ص22.
[10] Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol. V: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Fathers of the Third Century: Hippolytus،Cyprian، Novatian، Appendix. (359).
[11] مدخل إلى علم الآباء، الدكتور نصحي عبد الشهيد ص 13.
[12] Bible، Church، Tradition: An Eastern Orthodox View; Volume One. Works of Georges Florovsky (12).
[14] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Vol. IV. St. Augustin: The writings against the manichaeans and against the donatists. (131).
[15] Roberts، A.، Donaldson، J.، Coxe، A. C.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers (415).
[16] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 152، حوار حول الثالوث (الحوار الثالث، الكتاب الثاني) للقديس كيرلس الكبير، ص 90- 91 (بعد المقدمة).
[17] كتاب “رسائل إقليمُس الرومانيّ، إغناطيوس الإنطاكي وبوليكاربُس السّميرني” ص 20، ترجمة سعد الله سميح جحا، دار بيروت.
[18] Roberts، A.، Donaldson، J.، Coxe، A. C.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers (29).
[19] Clement I، P.، Clement I، P.، Ignatius، S.، Bishop of Antioch، Polycarp، S.، Bishop of Smyrna، & Lake، K. (1912-13). The Apostolic fathers (P. Clement I، S. Ignatius، Bishop of Antioch، S. Polycarp، Bishop of Smyrna & K. Lake، Ed.). The Loeb classical library (1:261). London; New York: Heinemann; Macmillan.
[20] Roberts، A.، Donaldson، J.، Coxe، A. C.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers (369).
[33] Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol. V: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Fathers of the Third Century: Hippolytus،Cyprian، Novatian، Appendix. (230).
[39] كتاب المسيحيَّة في عصر الرُسُل ص 30 – 31، أعمال المؤتمر السنوي الخامس عشر للدراسات الآبائيَّة (بني سويف – بياض 2006م) محاضرة الدكتور ﭼورچ عوض إبراهيم.
[42] Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Irenaeus Against Heresies Book I (Chapter X). (330).
[43] Holmes، M. W. (1999). The Apostolic Fathers: Greek texts and English translations (Updated ed.) (239). Grand Rapids، Mich: Baker Books.
[44] Olson، R. E.، & Hall، C. A. (2002). The Trinity. Annotated bibliography of English language works on the Trinity – p. 119-150. Guides to theology (21).
[99] Cyril of Alexandria، Against Diodore of Tarsus and Theodore of Mopsuestia (fragments of book 2)، LFC 47 (1881) pp.337-349، translated by P.E. Pusey.
[100] Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Irenaeus Against Heresies Book I (Chapter X). (330).
[101] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. XI. Sulpititus Severus، Vincent of Lerins، John Cassian. (152).
[102] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. X. Ambrose (439).
[103] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. IV. Athanasius. (576).
Roberts، A.، Donaldson، J.، Coxe، A. C.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers (417).
[107] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. XI. Sulpititus Severus، Vincent of Lerins، John Cassian. (152).
[108] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. IV. Athanasius. (576).
[109] The fourth book (Tome 4) of Cyril of Alexandria against Nestorius، translated by P.E. Pusey.
[110] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. XI. Sulpititus Severus، Vincent of Lerins، John Cassian. (152).
[111] كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي، الأب متّى المسكين ص 48.
[112] Roberts، A.، Donaldson، J.، Coxe، A. C.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers (415).
[113] مدخل إلى علم الآباء للدكتور نصحي عبد الشهيد، صفحة 39 – 40.
[114]المرجع السابق.
[115] Roberts، A.، Donaldson، J.، Coxe، A. C.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers (416).
[123] توماس ف. تورانس، كتاب “الإيمان بالثالوث” ترجمة دار باناريون، حاشية ص 294.
[124] مجمع خلقيدونيه إعادة فحص، للأب ف.سي.صمويل ص 591.
[125] كتاب الكنوز في الثَّالوث ترجمة الدكتور ﭼورچ عوض إبراهيم للقدّيس كيرلس الإسكندريّ، مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 163 ص 15 (بعد المُقدّمة).
[126] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 151، الحوار الأوَّل حول الثالوث للقديس كيرلس الكبير، ص 59 – 60.
[127] كتاب الوجود شركة للمطران يوحنا زيزيولاس ترجمة مركز الدراسات الآبائيَّة ص 42.
[134] Διδαχὴ κυρίου διὰ τῶν δώδεκα ἀποστόλων τοῖς ἔθνεσιتعليم الرب للأمم بواسطة تلاميذه الإثنى عشر الأطهار
[135] Lightfoot، J. B.، & Harmer، J. R. (1891). The Apostolic Fathers. Includes index. (271). London: Macmillan and Co.
[136] Lightfoot، J. B.، & Harmer، J. R. (1891). The Apostolic Fathers. Includes index. (560). London: Macmillan and Co.
[137] Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. The apostolic fathers with Justin Martyr and Irenaeus. (10).
[154] (100م – 167م) نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستّة قرون الأولى (القمص تادرس يعقوب).
[155] (125 ad – 205 ad) Lagass،. P.، & Columbia University. (2000). The Columbia encyclopedia (6th ed.). New York; Detroit: Columbia University Press; Sold and distributed by Gale Group.
[156] إنضم للكنيسة سنة 176م بعدما بدأ تأليف كتاب ضد الكتاب المقدس فإذا به ينجذب للإيمان وصار أعظم مدافعي القرن الثاني وضمن قديسي الكنيسة.
[157] (110م – 180م) نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستّة قرون الأولى (القمص تادرس يعقوب).
[158] سابع بطريرك إنطاكي وأشهر ممثلي مدرسة إنطاكية اللاهوتية (تنيح سنة 185م تقريباً).
[160] (150م – 215م) نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستّة قرون الأولى (القمص تادرس يعقوب).
[161] and the Son (who came forth from Him and taught us these things، and the host of the other good angels who follow and are made like to Him) لم اُترجم هذا الجزء لتجنب إختلاط الفهم في العبارة الخاصة بالملائكة
[162] Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Justin Martyr. (164).
[164] Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Justin Martyr. (196).
[167] Olson، R. E.، & Hall، C. A. (2002). The Trinity. Annotated bibliography of English language works on the Trinity–p. 119-150. Guides to theology (21).
[168] )οὐσία( ousía; gen. ousías (οὐσίασ)، fem. noun from oúsa (οὐσα) (n.f.)، being، which is the pres. part. fem. of eimí ()، to be. Entity، essence، substance، nature.
Zodhiates، S. (2000، c1992، c1993). The complete word study dictionary: New Testament (electronic ed.) (G3776). Chattanooga، TN: AMG Publishers.
[169] Olson، R. E.، & Hall، C. A. (2002). The Trinity. Annotated bibliography of English language works on the Trinity–p. 119-150. Guides to theology (23).
[170] Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol.I: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Irenaeus Against Heresies Book I (Chapter X). (330).
[171] كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المَسيحي، الأب متّى المسكين ص27.
[172] تذكارُه يوم 6 أغسطٌس في الكنيسة البيزنطيَّة الأرثذوكسيَّة.
[175] دائماً ما يُشار للروح القُدُس بالتعريف (الروح) بينما حينما يُذكر (روح) بدون إضافة أو تعريف فلا يُقصد به الروح القُدُس (راجع رسائل القديس أثناسيوس الرسولي لسيرابيون) وأيضاً جائت في العهد الجديد بالتعريف فقط (1يو 5: 6) “هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ. لاَ بِالْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِالْمَاءِ وَالدَّمِ. وَالرُّوحُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ، لأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الْحَقُّ” ومواضع كثيرة اخرى.
[177] Chapter X.—The Christians Worship the Father، Son، and Holy Ghost.
Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol. II: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Fathers of the second century: Athenagoras (133).
[178] ذُكر هنا الروح القُدُس غير مُعرَّف لتأكيد وحدانيته.
[179] Chapter XXIV.—Concerning the Angels and Giants. Athenagoras (141)
[180] الكثير يعتبر تاتيان السوري نصف أب ونصف مهرطق فلابد من التعامل مع رسائله بحذر.
[181] هيبوستاسيس ὑπόστασις (ما يقوم عليه الذات) التي تستخدم حتى الآن وبالسريانيَّة أُقنوم.
[182] Chapter V.—The Doctrine of the Christians as to the Creation of the World.
Roberts، A.، Donaldson، J.، & Coxe، A. C. (1997). The Ante-Nicene Fathers Vol. II: Translations of the writings of the Fathers down to A.D. 325. Fathers of the second century: Tatian (67).
[184] كلمة شخص (πρόσωπον) مُستخدمه هنا بالمعنى الحرفي وليس بالمعنى اللاهوتي اللاحق، إذ أن الآب والإبن والروح القُدُس هو ثلاث أقانيم مُشخصنَه (لها أشخاص)، أما هنا فالقديس ثيوفيلس الإنطاكي يستخدم التعبير عن وحدة الآب والإبن بأنه كشخص وحكمته الشخصيَّه غير المُنفصله.
[185] Alexander Roberts et al.، The Ante-Nicene Fathers Vol. II: Translations of the Writings of the Fathers Down to A.D. 325: Hermas، Tatian، Athenagoras، Theophilus، and Clement of Alexandria، page 103.
[187] Alexander Roberts et al.، The Ante-Nicene Fathers Vol. II: Translations of the Writings of the Fathers Down to A.D. 325: Hermas، Tatian، Athenagoras، Theophilus، and Clement of Alexandria، 199.
[191] شرح إضافي من الكاتب لتوضيح المعنى، لم يكتبه القديس إكليمندس السكندري.
[192] Alexander Roberts et al.، The Ante-Nicene Fathers Vol. II: Translations of the Writings of the Fathers Down to A.D. 325: Hermas، Tatian، Athenagoras، Theophilus، and Clement of Alexandria، 206.
[194] Paul F. Bradshaw et al.، The Apostolic Tradition: A Commentary (Hermeneia – a critical and historical commentary on the BibleMinneapolis، MN: Fortress Press، 2002)، 21.
ترجمة القس أثناسيوس المقاري، كتاب التقليد الرسولي ص 20.
[195]ترجمة القس أثناسيوس المقاري، كتاب التقليد الرسولي ص 48.
[197] ثلاث كؤوس كأس ماء وكأس لبن وكأس خمر (عصير الكرمة).
[198] كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي، الأب متّى المسكين ص 48.
[199] ترجمة القس أثناسيوس المقاري، كتاب التقليد الرسولي ص 48.
[200] The fourth book (Tome 4) of Cyril of Alexandria against Nestorius، translated by P.E. Pusey.
[201] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. X. Ambrose (439).
[202] الآباء المسكونيين الكبار: ق. أثناسيوس الرسولي، ق. كيرلس السكندري عمود الدين، ق. باسيليوس الكبير أسقف قيصاريَّة، ق. غريغوريوس النزينزي الناطق بالإلهيَّات وق. يوحنا ذهبي الفم (مدخل إلى علم الباترولوجي، د/ نصحي عبد الشهيد ص 10).
[203] “الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً” بحسب بعض الترجمات العربيَّة.
[204] توماس ف. تورانس في كتاب “الإيمان بالثالوث” ترجمة دار باناريون ص 38، يُعرّف التقوى في فكر الآباء كالتالي:
“التقوى كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثذوكسي القويم للحق الذي في الإيمان والعبادة المُسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعويَّة في العهد الجديد، حيث كانت التقوى كلمة تدل نوعاً ما إلى ما كان يشار إليه بالطريق في سفر أعمال الرسل، أي طريق الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين إتبعوا المسيح الذي لأجله كان لابد لهم أن يتألموا. وكانت السمة المميزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو المعرفة لحق الإنجيل، في تطابق مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين التقوى والإيمان والحق، أي التأكيد على التعليم الذي هو حسب التقوى، أو على التعليم الصحيح والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقليَّة. فبينما إعتبرت التقوى كمرادف للإيمان والحق، إعتبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الإسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى”.
[205] المقالة الأولى ضد الآريوسيّين (مركز الدراسات الآبائيَّة) الدكتور نصحي عبد الشهيد والأستاذ صموئيل كامل عبد السيد، ديسمبر 1984.
[206] توماس ف. تورانس، كتاب “الإيمان بالثالوث” ترجمة دار باناريون ص 36.
[207] كتاب الروح المُحيي للقديس غريغوريوس النزيانزي، ترجمة مركز الدراسات الآبائيَّة ص20، نصوص آبائيَّة 160.
[209] Lightfoot، J. B.، & Harmer، J. R. (1891). The Apostolic Fathers. Includes index. (139). London: Macmillan and Co.
[210] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 144، شرح الإيمان المسيحي (الكتب 3، 4، 5) للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ص 23 – 24.
[211] Homilies on the Gospel of John 11.1. (Joel C. Elowsky، John 1-10، Ancient Christian Commentary on Scripture NT 4a Downers Grove، IL: InterVarsity Press، 2006، 40.) (ACCS commentary)
[212] تفسير بشارة يوحنَّا للقديس كيرلس عمود الدين ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة.
[213] Joel C. Elowsky، John 1-10، Ancient Christian Commentary on Scripture NT 4aDowners Grove، IL: InterVarsity Press، 2006، 43. (ACCS commentary)
[214] John Chrysostom: Homilies on John 11.2 (ACCS commentary)
Philip Schaff، The Nicene and Post-Nicene Fathers Vol. XIV (Chrysostom: Homilies on the Gospel of Saint John and Epistle to the Hebrews.;Oak Harbor: Logos Research Systems، 1997)، 39.
[215] ربما لغوياً قد تُشير للخلق -إشارة غير حرفيَّه- ولكن في العهد القديم لم ترد بمعنى الخلق بل الإمتلاك.
[216] المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، الفقرة 28.
[217] “المسيرة الواحدة” تعبير يُشير إلى إنفراج الساقين عند المسير، فالساقين يظهران عند المشي، منفرجتين وهما في وحدة السير معاً (من نفس مرجع الإقتباس).
[218] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 151، حوار حول الثالوث (الكتاب الأول) للقديس كيرلس الكبير، ص 54.
[219] Origin: On first principles 1.2.1. (ACCS commentary)
[220] Commentary on the Gospel of John 1.244–46. (ACCS commentary)
[221] Didymus the Blind: Commentary on the Proverbs of Solomon، Fragment 8.22. (ACCS commentary)
[222] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 144، شرح الإيمان المسيحي (الكتب 3، 4، 5) للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ص 29.
[231] ليس بأن نصير آلهة في ذاتنا ولكن بإقتناء عدم الفساد من خلال معرفة الله الآب الحقيقيَّة بإبنه في الروح القُدُس.
[232] (إشعياء 7: 9) بحسب الترجمة السبعينيَّة، أما بحسب العبريَّة فهي “إن لم تؤمنوا فلن تثبتوا”.
[233] Cyril of Alexandria: Commentary on the Gospel of John 11.5. (ACCS commentary)
[234] يعني هنا نفس من شرحه القدّيس إكليمندس السكندري، ويقول القدّيس كيرلس في حواره عن الثالوث أن ذاك الذي قدّسنا وعرّفنا بالآب، ذاك الذي هو في حضن الآب ويُخبّر عنه لا شك أنه منه وفيه وغير منفصل عنه.
[235] Origen: Commentary on the Gospel of John 2.17. (ACCS commentary)
[236] Hilary of Poitiers: On the Trinity 9.34، 36. (ACCS commentary)
[237] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 152، حوار حول الثالوث (الحوار الثالث، الكتاب الثاني) للقديس كيرلس الكبير، ص 6 – 7 (بعد المقدمة).
[238] بهذا التعليم يُنكر وحدانيَّة الثالوث المسيحيَّة ويخرج عن إطار الكتاب، ويخلط التعبيرات اللاهوتيَّة فبهذا التفسير أصبح الذات (ουσία) هو نفسه الأقنوم (ὑπόστᾰσις) والشخص أو الوجه (πρόσωπον) والطبيعة (φύσης).
[239] كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي، الأب متّى المسكين ص 128 – 129.
[241] نقلت هذا التعبير كما كتبه أبي القديس في كتابُه ولكنيّ أتحفظ على عدم دقة التعبير إذ أن الثالوث هو ذات واحد لا يختلف بل ما يختلف هو الصفات الخاصه بالأقنوم (الآب هو بداية اللا بدايات -بحسب تعبير كيرلس الكبير- والإبن هو المولود والروح القُدُس هو المُنبثق).
[242] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 152، حوار حول الثالوث (الحوار الثالث، الكتاب الثاني) للقديس كيرلس الكبير، ص 38 (بعد المقدمة).
[243] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. IV. Athanasius. (576).
[244] كتاب التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي، الأب متّى المسكين ص 7.
[245] كتاب الروح القُدُس باقه من أقوال الآباء للقديسين أثناسيوس وأمبروسيوس، مركز الدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 91، ص22.
[246] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 152، حوار حول الثالوث (الحوار الثالث، الكتاب الثاني) للقديس كيرلس الكبير، ص 10: 14 (بعد المقدمة).
[247] هنا يضع نوفاتيان يده على نقطة رائعة قد لا تبدو لنا واضحة في اللغة العربية، فالآية باليونانيَّة تقول “εγω και ο πατηρ εν εσμεν” وحرفياً “أنا والآب نكون واحد”، وما يقصده نوفاتيان هنا أن المسيح إن أراد التعبير عن كونه الآب لقال “أنا والآب أنا واحد ولم يكن ليقول (نكون) واحد.
)ἐσμέν( esmén; present act. indicative 1st person plural of eimí (1510)، to be. We are.
Spiros Zodhiates، The Complete Word Study Dictionary: New Testament (electronic ed.; Chattanooga، TN: AMG Publishers، 2000، c1992، c1993)، G2070.
[248] Novatian: On the Trinity 27. (ACCS commentary)
[249] Hippolytus: Against Noetus 7.1. (ACCS commentary)
[251] كلمة “πρόσωπον” لها معنى أدق وهو “ملامح الوجه”، لئلا يُظن من المعنى أنه يعني كائن منفصل كما تُستخدم في اللُغة الدارجة، إنما تُعطي معنى ملامح الوجه الذي يحمل ملامح مُعيَّنة، لذلك نقول أن الأقانيم أشخاص أو وجوه للاهوت الواحد، لا ثلاثة آلهة، بل ثلاثة أقانيم ووجوه فالوجه هنا هو أن الآب غير مولود ولا مُنبثق والإبن مولود غير منبثق والروح القُدُس مُنبثق غير مولود. ويستخدم القديس كيرلس كلمة وجه بشكل آخر فيقول أن الإبن هو وجه الآب إذ هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته والمعنى أن الإبن يُظهر صفات الآب كما أن الوجه يحمل صفات الإنسان (للمزيد راجع كتاب الوجود شركة للمطران يوحنا زيزيولاس ترجمة مركز الدراسات الآبائيَّة ص 42).
[252] Cyril of Alexandria: Commentary on the Gospel of John 7.1. (ACCS commentary)
[253] Ambrose: On the Christian Faith 1.7.50. (ACCS commentary)
[254] Ambrose: Sermon Against Auxentius 32. (ACCS commentary)
[255] Chrysostom: Homilies on the Gospel of John 74.1. (ACCS commentary)، Translation into Arabic revised by Michael Raafat.
[256] Basil the Great: On the Holy Spirit 8.21. (ACCS commentary)
[257] Hilary of Poitiers: On the Trinity 7.36. (ACCS commentary)
[258] Athanasius: Discourses Against the Arians 1.12.48. (ACCS commentary)
[259] Hilary of Poitiers: On the Trinity 7 (Catena Aurea Page 538، by Thomas Aquinas)
[260] Chrysostom: Homilies on John 82 (Catena Aurea Page 540، by Thomas Aquinas)
[262] كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستَّة قرون الأولى للقمص تادرس يعقوب ملطي.
[263] اللقب (Θεοτόκος) ثيوطوكوس يُترجم (والدة الإله) وهو من مقطعين، المقطع الأول (Θεο) وأصلها كلمة (Θεος) ومعناها إله والمقطع التاني (τόκος) وأصله الفعل (τίκτω) بمعنى يلد. يعترض البعض على اللقب ظناً منهم أنه قد يسبب هرطقة إن فُهم بمعنى أن العذراء ولدت اللاهوت وصارت مصدراً له، بينما لم يُشكل الفهم الأرثذوكسي أي إعتراض قديم إذ يعني الفعل (τίκτω) الولادة لا الأمُومة المصدريَّة، لذلك نقول “والدة الإله” بينما نقول “أُم الله الكلمه المُتجسّد“، لذلك يُفهم من لقب ثيوتوكوس أن العذراء ولدت المسيح (أي خرج من أحشائها) بطبيعتيه (اللاهوت والناسوت) المُتحدتين في واحده (بحسب التعبير اللاهوتي السكندري الذي إستخدمه كيرلس الكبير).
[264] مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثذوكسي للدراسات الآبائيَّة، نصوص آبائيَّة 144، شرح الإيمان المسيحي (الكتب 3، 4، 5) للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، ص 167.
[293] Ambrose: On the Christian Faith 2.5.42. (ACCS commentary)
[294] Chrysostom: The Gospel of Matthew، Homily 83.1. (ACCS commentary on Matthew 26:39)
[295] Chrysostom: Homilies on the Gospel of John 60.2. (ACCS commentary)
[296] Chrysostom: Homilies on the Gospel of John 67.1. (ACCS commentary on John 12:27)
[297] Hilary of Poitiers: On the Trinity 10.38. (ACCS commentary Mark 14:36)
[298] ثبات شخص يسوع في المخطوطات يعني أنَّه مهما إختلفت القراءات فيسوع هو يسوع، الكلمة المُتجسِّد في ملء الزمان من السيدة مريم العذراء البكر البتول، الذي في أيَّام بيلاطس البُنطي صُلب ومات وقام من بين الأموات في اليوم الثَّالث وظهر لتلاميذه وأرسلهم ليكرزوا بصليبه وقيامته وأن يُعمِّدوا جميع الأمم بإسم الآب والإبن والروح القُدُس. كما يقول القدّيس إغناطيوس الإنطاكي (في رسالته لكنيسة فيلادلفيا 8: 2) “سمعت من يقول «لست أُؤمن بما في الإنجيل إن لم أجدُه في الوثائق القديمة»، وحين أقول لهم «أنُّه مكتوب» يُجيبون «هُنا المسألة». أما أنا فوثائقي هي يسوع المسيح، وثائقي المخطوطة صليبُه وموته وقيامته، والإيمان الذي منه. وبها أرغب أن أكون مُبرراً، بصلواتكم*”.
* من كتاب “رسائل إقليمُس الرومانيّ، إغناطيوس الإنطاكي وبوليكاربُس السّميرني” ص 138-139، ترجمة سعد الله سميح جحا، دار بيروت.
[299] Schaff، P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. IV. Athanasius. (576).
[300] مع إعجابي الشديد وإقتناعي الكامل بالصيغة السكندريَّة التي أعتبرها أكثر عمقاً وتقدماً إلَّا أنَّه لا يُمكنني أن أُنكر صحَّة الصيغة المُستخدمة في اللاهوت البيزنطي “طبيعتين متحدتين بلا إنفصال ولا إمتزاج ولا تغيير”، ورغبة منّي في إعطاء هذه الفكرة حقَّها من التوضيح سأُبقي هذا الموضوع لبحث آخر بنعمة ومعونة الرب، ولكن أردت فقط توضيح أن الإختلاف لا يزيد عن إختلاف في التعبير تم إستغلاله فيما بعد لتأييد الخلاف السياسي حتى تدهور الوضع إلى ما نحن عليه الآن وأسأل الرب أن تكون نهاية هذا الخلاف في هذا الزمان.
آريوس قبل لاهوت أدنى للمسيح بينما رفض نسطور لاهوت المسيح بسبب رفضه إتحاد الطبيعتين، آريوس لم يرفض تألم الكلمة بحسب الجسد بينما نسطور رفضه ناسباً الألم للناسوت غير المُتَّحد باللاهوت (حامل له غير متحد به)، رفض آريوس لاهوت الروح القُدُس ولم يرفضُه نسطور، قبل آريوس صيرورة الكلمة جسداً بمعنى التحوَّل بينما فهمها نسطور بمعني المُصاحبَه.
[302]ترجمة القس أثناسيوس المقاري، كتاب التقليد الرسولي ص 48.
[303] كتاب “رسائل إقليمُس الرومانيّ، إغناطيوس الإنطاكي وبوليكاربُس السّميرني” ص 20، ترجمة سعد الله سميح جحا، دار بيروت.