الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة Patricia Michael

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

من أبرز مزايا التعمّق في دراسة تاريخ المسيحية المبكرة، إدراك أن التحديات التي تواجه الإيمان المسيحي في الزمن المعاصر ليست طارئة أو غير مسبوقة. فعلى الرغم من أن بعض الهجمات الحديثة قد تبدو جديدة في صياغتها أو شكلها—مما يدفع البعض أحيانًا إلى ردود فعل تتّسم بالقلق أو الارتباك—إلا أن الكنيسة الأولى قد واجهت صعوبات مماثلة، بل في كثير من الأحيان كانت أشد وطأة وأكثر جذرية.

ويُعدّ القرن الثاني الميلادي نموذجًا بارزًا لذلك السياق. فقد كانت الكنيسة آنذاك في طور التأسيس، ما تزال فتية وهشّة، شبيهة بمخلوق حديث الولادة على أراضي السافانا، يخطو خطواته الأولى المرتجفة وسط بيئة معادية لا ترحم. إذ لم تكن الظروف السياسية أو الاجتماعية أو الدينية تميل لصالحها، بل كانت الهجمات على المسيحيين تتوالى من كل جانب، بعنف وسرعة.

ومع ذلك، لم تقف الكنيسة موقف الدفاع السلبي أو الانكماش. بل استجابت بمبادرة فكرية ولاهوتية جريئة، حيث صاغ القادة المسيحيون حججًا متماسكة، وبلوروا أفكارهم العقائدية، ودخلوا في حوار نقدي مع خصومهم. ومن ثمّ، أُطلق على تلك المرحلة عن جدارة لقب “العصر الذهبي للدفاعيات المسيحية” (The “golden age” of apologetics)

ترتليان القرطاجي

من بين العديد من المدافعين عن الإيمان المسيحي في العصور الأولى—وكان عددهم كبيرًا—يبرز ترتليان كأحد ألمع الشخصيات وأكثرهم تأثيرًا. هذا الأب الكنسي من شمال إفريقيا كتب مؤلَّفه الدفاعي الشهير (Apologeticum) نحو عام 197م، وقد تميّزت حججه بمستوى رفيع من العمق المنطقي والوضوح الخطابي، حتى إن قارئها اليوم قد يظن أنها كُتبت في زمننا المعاصر.

وقد أشار المؤرخ ديفيد رايت (David Wright) إلى أن جاذبية هذا العمل الدفاعي تكمن في “روعة الحُجّة التي لا تزال، حتى يومنا، قادرة على أن تُلهِم القارئ وتثير إعجابه”.

أما إيفريت فيرغسون (Everett Ferguson)، فقد وصفه بأنه “التحفة الأدبية لترتليان” بلا منازع.

فما الذي جعل استراتيجية ترتليان الدفاعية بهذه الفاعلية؟

يمكن تمييز عدد من الخصائص الجوهرية التي ساهمت في نجاح خطابه الدفاعي، وسنستعرض أبرزها فيما يلي:

المناداة بالمعاملة العادلة

في السياق الاجتماعي والسياسي لعصر ترتليان، كانت المسيحية هدفًا دائمًا لسلسلة من الاتهامات العامة التي ألقت على أتباعها اللوم في كل واقعة مأساوية. فبسبب امتناع المسيحيين عن تقديم العبادة للآلهة الرومانية، اعتُبروا سببًا مباشراً لغضب الآلهة، وهو ما فسّره المجتمع الروماني على أنه السبب الكامن وراء الكوارث العامة، من أوبئة ومجاعات وهزائم عسكرية.

وقد أدّى هذا الربط المتعسّف بين المسيحية والكوارث العامة إلى انتشار واسع لأشكال العدالة الغوغائية، حيث كان المسيحيون يتعرضون للاتهام والإدانة دون أي سند قانوني أو محاكمة عادلة. فالاتهام باسم الانتماء الديني وحده كان كافيًا لإصدار الحكم.

أمام هذا الواقع الجائر، سعى ترتليان في دفاعه إلى تفنيد الأسس الظالمة التي بُني عليها الاضطهاد، مطالبًا السلطات الرومانية بتطبيق مبدأ العدالة الإجرائية. فقد شدّد على أن مجرّد الانتماء إلى “المسيحية” لا يُشكّل تهمة بحد ذاته، بل ينبغي أن يستند أي حكم إلى دليل على ارتكاب فعل جُرمي فعلي. وعندما تُخضع التهم الموجّهة إلى المسيحيين للفحص العقلاني، يتّضح – في نظر ترتليان – أنها تفتقر تمامًا إلى أي أساس واقعي أو قانوني.

وفي إحدى صوره البلاغية الرفيعة، يلخّص ترتليان المفارقة بقوله:

“وإنما دليل جهلهم، الذي يُدينهم ويعذرهم في آنٍ معًا على ظلمهم، هو أن الذين كانوا يكرهون المسيحية من قبل، لكونهم يجهلون حقيقتها، ما إن يكتشفوها حتى يُسقطوا فورًا عداوتهم، ومن أعداء يصيرون تلاميذ.”(Apol. 1.6)

بهذا، ينطلق ترتليان في مناشدته للسلطات العامة والجمهور على السواء، داعيًا إلى الإنصاف العقلي والأخلاقي: “لا تدينونا قبل أن تعرفونا”—وهي عبارة تختزل جوهر دعوته إلى معاملة قائمة على الفهم لا التحامُل، وعلى المعرفة لا الجهل.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

ادعُ حتى أكثر النقّاد عداءً إلى التعرُّف عليك وعلى مجتمعك المسيحي. فكثيرًا ما ندين ما نجهله. ان تقديم وعرض المسيحية من الداخل، لا من خلال مجرد التصورات الخارجية المسبقة عنها، قد يكون استراتيجية مؤثرة وناجحة.

الحرية الدينية

كثيرًا ما يُنظر إلى مفهوم “الحرية الدينية” بوصفه ثمرة تطورات فكرية حديثة، ارتبطت بمرحلة ما بعد التنوير وبالتحولات الفلسفية في الغرب الحديث. غير أن هذا التصور يتعرض للطعن من خلال كتابات آباء الكنيسة الأوائل، وعلى رأسهم ترتليان، الذي قدّم دفاعًا لافتًا عن هذا المبدأ في كتابه (Apologeticum).

فمن اللافت أن استراتيجية ترتليان لم تكن دعوة لإقصاء الأديان الأخرى أو المطالبة بفرض المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية، بل تمحورت حول مبدأ جوهري: وجوب السماح لكل جماعة دينية بأن تعبّر عن إيمانها بحرية، دون خوف من القمع أو الانتقام. لقد نادى بأن تكون العبادة فعلًا حرًّا يصدر عن القناعة الداخلية، لا نتيجة للإكراه أو الضغط.

وتبرز المفارقة حين نعلم أن هذا النوع من الحرية كان مكفولًا فعليًا لسائر الديانات ضمن النظام الديني المتسامح نسبيًا في روما، لكنّه كان يُسلب على نحو خاص من أتباع المسيح. فبينما سُمح لعبدة الأوثان بممارسة شعائرهم، حُرم المسيحيون من أبسط حقوقهم في التعبّد الحر، وكأن عبادة يسوع المسيح وحدها تُمثّل تهديدًا.

وقد عبّر ترتليان عن هذا المبدأ بوضوح حين كتب:

“فليكرّس أحدهم حياته لإلهه، وليقدّم آخر تيسًا ذبيحة. ولكن احذر أن تُضيف سببًا آخر لتهمة عدم التديّن، بأن تُنْتزع الحرية الدينية، وتُمنع حرية اختيار الإله، حتى لا أعود أعبد بحسب ميولي، بل أُجبر على عبادة ما يخالفها.”(Apol. 24.5-6)

العبارة التي قالها ترتليان تعبر عن دفاعه القوي عن الحرية الدينية وحرية المعتقد، وهي تحوي رسالتين أساسيتين:

  • حرية العبادة الشخصية:

يقول ترتليان إن لكل إنسان الحق في أن يكرّس حياته لعبادته الخاصة، مهما كان هذا الإله—سواء كان إلهه هو الله الحقيقي الذي يعبده المسيحيون، أو حتى إلهًا من نوع آخر مثل “تيس” (وهو رمز لحيوان يُقدّم في بعض الطقوس الوثنية).

الرسالة هنا أن الحرية في العبادة يجب أن تُحترم بغض النظر عن طبيعة الإله الذي يختاره الفرد.

  • التحذير من الإكراه الديني:

يحذر ترتليان من أن تُنتزع هذه الحرية، أي أن يُجبر الإنسان على عبادة إله معين ضد رغبته، لأن هذا يُعتبر سببًا إضافيًا لتهمة “عدم التدين” أو الافتقار إلى التقوى من وجهة نظر المجتمع. بمعنى آخر، عندما تُمنع حرية الاختيار الديني، يتحول ذلك إلى ظلم يعزز الاتهامات ضد المسيحيين ويجعل الوضع أسوأ، لأن الإكراه على العبادة يُعد انتهاكًا لحرية الضمير والعبادة.

باختصار: ترتليان يدعو إلى احترام حرية المعتقد والعبادة لكل فرد، وينتقد بشدة أي محاولات لفرض العبادة قسرًا، لأن ذلك يزيد من الظلم والاتهامات ضد المسيحيين.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

ينبغي أن تعي الكنيسة اليوم أن مهمة الدفاعيات المسيحية لا تكمن في السعي لفرض العقيدة بالإكراه السياسي أو الاجتماعي، بل في المطالبة المبدئية بحق مزدوج: أولًا، الحق في عبادة السيد المسيح بحرية وكرامة دون اضطهاد، وثانيًا، الحق في تقديم المسيح للآخرين بأسلوب مقنع لا يُقابل بالعقوبات أو المنع. هكذا يكون الدفاع عن الإيمان شهادة للحرية، لا وسيلة للهيمنة.

التمسك بالأساسيات في الدفاعيات المسيحية

في عالم الدفاعيات المسيحية، تتعدد القضايا والمواضيع التي يمكن تناولها للنقاش والجدال حولها، ولسوء الحظ، قد نسمح للموضوعات الساخنة في آخر الأخبار أن تتحكم في كل حوار نقوم به.

غير أن ترتليان يُذكّرنا بأهمية التمسك بالأسئلة الأساسية والجوهرية التي تقوم عليها الرسالة المسيحية، لأنه حين يُحقق النجاح في معالجة هذه القضايا المحورية، فإن الكثير من المسائل الأخرى ذات الطابع الفرعي أو الثانوية يمكن أن تُحلّ وتتضح في ضوئها لاحقًا.

أما هذه القضايا المحورية بالنسبة لترتليان، فتكمن في نقطتين رئيسيتين:

  • صدق وأصالة الكتاب المقدس
  • هوية المسيح وطبيعته الإلهية

فيما يخص الكتاب المقدس، قدّم ترتليان دفاعًا متقنًا عن أصالة النصوص، مؤكّدًا أن الكتب المقدسة ذاتها تحمل في طياتها الأدلة الكافية والشهادة على مصدرها الإلهي، إذ يقول:

“فالكتب المقدسة ذاتها تقدم برهانًا على أنها إلهية.” (Apol. 20.1)

أما فيما يتعلق بالمسيح، فقد أولى ترتليان اهتمامًا خاصًا لإثبات ألوهيته، مستعينًا بلغة “اللوغوس” (logos) التي استُخدمت من قبل كتّاب سابقين مثل يوستينوس الشهيد، وخصوصًا كما وردت في مقدمة إنجيل يوحنا.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

في خضم الحوارات الدفاعية المعاصرة، يجب على المؤمنين أن يحافظوا على تركيزهم الحاسم على حقيقة كلمة الله وهويّة السيد المسيح. إن استقرت هذه الركائز الجوهرية في الفكر، فإن سائر القضايا والموضوعات الدفاعية يمكن بناؤها عليها بثقة وثبات.

التحوّل من الدفاع إلى الهجوم في منهج ترتليان:”قلب الطاولة

على الرغم من أن ترتليان كرس معظم جهوده للدفاع عن المسيحية ضد الانتقادات الموجهة إليها، إلا أنه لم يقتصر على موقف المدافع السلبي. بل على العكس، كان يتخذ أحيانًا موقفًا هجوميًا يظهر من خلاله نقاط الضعف والتناقض في الأنظمة الفكرية والدينية غير المسيحية.

لقد أدرك ترتليان أن المسؤولية في تقديم مبررات للمعتقدات والسلوكيات لا تقع على عاتق المسيحيين فقط، بل ينبغي أيضًا أن تتحملها الأديان الوثنية. فعندما وُجهت إلى المسيحيين تهم باطلة مثل أكل الأطفال والانحلال الأخلاقي في اجتماعاتهم السرية، لم يكتفِ فقط بالنفي، بل كشف أن هذه الانحرافات كانت شائعة في الطقوس الوثنية التي لم يبدِ الرومان أيّة اعتراضات عليها.

وبالنسبة لرفض المسيحيين لعبادة الآلهة الرومانية، لم يكتفِ ترتليان بالمطالبة بالحرية الدينية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك ليجادل بأن آلهة الرومان لم تكن آلهة حقيقية بالأساس، وبالتالي فلا يمكن لوم المسيحيين على امتناعهم عن عبادتها.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

لا ينبغي أن تقتصر الدفاعيات المسيحية على الموقف الدفاعي فحسب، بل يجب أن تتضمن أيضًا استراتيجيات وتدابير مدروسة متنوعة. فمن المهم الرد على الاعتراضات، ولكن من الضروري أيضًا اغتنام الفرص لكشف التناقضات أو ضعف التماسك المنطقي في النظم الفكرية والدينية المنافسة.

الخاتمة

إذا اقتصر تركيزنا على الهجمات المعاصرة الموجهة إلى الإيمان المسيحي، فقد نقع في وهم الاعتقاد بأننا نواجه تحديات غير مسبوقة في تاريخ الكنيسة. غير أن نظرة متأنية وسريعة إلى مسيرة الكنيسة وتاريخها ، لا سيما خلال القرن الثاني الميلادي، تكشف لنا أن واقع الأمر مختلف تمامًا.

لقد مثّل القرن الثاني بحق العصر الذهبي للدفاعيات المسيحية، وكان عمل ترتليان بمثابة ذروة هذا العصر وتاجه المضيء. دفاعه اتسم بالعمق والرؤية، إلى حد أنه يبدو كأنه كُتب في زمننا الراهن. فقد دافع بجرأة عن حق المسيحيين في المعاملة العادلة، وحرية المعتقد الديني، ومصداقية الكتاب المقدس، وألوهية المسيح، كما اتسم بشجاعة المبادرة في توجيه النقد الحاد إلى منتقديه من غير المسيحيين، مما مكّنه من قلب الطاولة وموازين النقاش وتحويل الهجوم إلى دفاع حاسم عن المسيحية.

وبينما كانت استراتيجية ترتليان حاسمة وضرورية في زمنه، فإن قيمتها تزداد إلحاحًا في عصرنا الحديث، وربما أكثر من أي وقت مضى.

ليكون للبركة

Patricia Michael

The Brilliant Apologetic Strategy of the Ancient Church And Why We Need It Now More Than Ever – Michael J. Kruger

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

كتاب ترتليانوس الإفريقي PDF ضد بركسياس أو عن الثالوث الاقدس وضد هرموجانس أو في عدم أزلية المادة – أمجد رفعت رشدي

كتاب ترتليانوس الإفريقي PDF ضد بركسياس أو عن الثالوث الاقدس وضد هرموجانس أو في عدم أزلية المادة – أمجد رفعت رشدي

كتاب ترتليانوس الإفريقي PDF ضد بركسياس أو عن الثالوث الاقدس وضد هرموجانس أو في عدم أزلية المادة – أمجد رفعت رشدي

كتاب ترتليانوس الإفريقي PDF ضد بركسياس أو عن الثالوث الاقدس وضد هرموجانس أو في عدم أزلية المادة – أمجد رفعت رشدي

تحميل كتاب ترتليانوس الإفريقى PDF

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

التعليم بوراثة الخطية بالتناسل والتزاوج هو تعليم مانوي للأسف أدخله أوغسطينوس إلى الكنيسة في مواجهته للهرطقة البيلاجية، وانقلب على كل قناعاته المسبقة التي كان يعتنقها في كتاباته ضد المانوية، كما اتبع نظرية الروح المولودة وراء العلامة ترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي مخالفًا تعاليم أغلب الآباء بالروح المخلوقة ورغم رفضه لمنطق الروح المولودة إلا أنه تبناه في مواجهة البيلاجية.

وراثة الخطية تعليم ضد صلاح وعدل الله الذي يخلق طبيعة صالحة غير وارثة لذنب شخص لم يقترفه ابنه كقول الكتاب النفس التي تخطئ هي تموت.

التعليم بوراثة الخطية تجعل للخطية كيان مادي ينتقل بالوراثة والتناسل وهذا ضد تعاليم الآباء الشرقيين صراحة الذين نادوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان ولم يعرفوا أبدًا انتقال الخطية بالتناسل والتوالد.

التعليم بوراثة الخطية ضد الكتاب المقدس الذي قال بأن إرميا كان مقدسًا منذ البطن ومن الرحم كيف يكون مقدسًا من الرحم وهو وارث للخطية وكذلك يوحنا المعمدان كان ممتلئ بالروح القدس من البطن، كيف يكون وارث الخطية ويكون مقدس من الرحم، وهذا ما أكده ق. أثناسيوس وجميع الآباء من بعده.

التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم غير أرثوذكسي، بل هو تعليم مانوي صرف بشهادة جميع آباء الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.

نأتي إلي موضوع خطية الطبيعة naturalis peccati وهو تعبير مانوي استخدمه أوغسطينوس في كتابه الزواج والشهوة ليؤكد على توارث الخطية الأصلية وانتقالها في الطبيعة البشرية عن طريق التزواج والتناسل وهذه هي الهرطقة المانوية، هذا المفهوم المانوي يجعل من الخطية جزء ومكون أساسي من مكونات الطبيعة تنتقل عن طريق العلل البذرية rationale seminale أو النظرية التوالدية tradux peccati أي انتقال الخطية من خلال النفس المولودة من الآباء إلى الابناء بالتناسل وهذه كلها مفاهيم مانوية قال بها المانويون الذين انضم إليهم أوغسطينوس لمدة ٩ سنين من عمره وتأثر بمعتقداتهم عن ماهية الشر والخطية وادخلها للكنيسة، وينادي بها البعض في هذه الأيام.

نظرية الروح المولودة قال بها المانويون وترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي، واستخدمها أوغسطينوس في إثبات عقيدته عن انتقال الخطية الموروثة بالتناسل من آدم لذريته نفسًا وجسدًا مستخدمًا معها نظرية العلل البذرية الرواقية في إثبات انتقال بذرة الإنسان الأول المشوهة بالخطية إلى أبنائه.

رفض آباء الكنيسة الشرقية هذه الأفكار المانوية وقالوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان مثل الظلمة هي غياب النور والعمى هو غياب الإبصار، ونادى آباء الشرق إن الخطية فعل إرادي يتم بإرادة الإنسان العاقل المريد ولا تنتقل الخطية بالتناسل من الآباء إلى الأبناء لأن هذه هي الهرطقة المانوية، التي تجعل للشر والخطية مبدأ أزلي له صفة الأزلية وهكذا يدخلنا هذا الاعتقاد بوراثة الخطية إلى الثنائية المانوية، والاعتقادين بمبدأين أو إلهين أحدهما مبدأ أزلي للخير والآخر مبدأ أزلي للشر ينقل الشر والخطية من خلال التناسل والتزواج بين البشر وبعضهم البعض. رفض آباء الشرق جميع هذه الادعاءات المانوية الهرطوقية ودحضوها في كتاباتهم ضد المانوية.

تعليم وراثة الخطية الأصلية هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي لا يمت للكنيسة الأرثوذكسية بأي صلة.

 

للمهتمين بموضوع الجدل حول تعليم وراثة الخطية الأصلية يمكن الرجوع إلى هذين البحثين:

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

تحميل الكتاب PDF

 

لتحميل الجزء الأول إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

تحميل الكتاب PDF

لتحميل الجزء الثاني إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

فلانتينوس من هو؟ وما هي مدرسته؟ – أمير جرجس

فلانتينوس من هو؟ وما هي مدرسته؟ – أمير جرجس

فلانتينوس من هو؟ وما هي مدرسته؟ – أمير جرجس

فلانتينوس من هو؟ وما هي مدرسته؟ – أمير جرجس

– يقول ترتليان، أن هناك طريقتين لإفساد عقيدة الكتاب المقدس:

أول طريقة هي إزالة الكتب المقدسة أو النصوص التي تخالف قناعاته كما فعل ماركيون مع كتب العهد الجديد باستثناء إنجيل لوقا وعشر من رسائل بولس. أما الطريقة الثانية “هي استخدام الكتب المقدسة كاملة لكن مع إساءة تفسيرها”[1] وهذا هو ما فعله فلانتينوس.

كان فلانتينوس معاصرًا لماركيون: فقد جاء من الإسكندرية في مصر وعاش في روما من حوالي 135 إلى 160 بعد الميلاد. ومثله مثل ماركيون، ذهب إلى كنيسة روما عندما جاء إلى المدينة لأول مرة. أحب فلانتينوس التفسير المجازي الذي تعلمه من مدرسة الإسكندرية، لكن تطور تفكيره لدرجة انه وصل لمرحلة الصوفية والغنوصية، فانفصل عن الكنيسة وأصبح مؤسسًا لمدرسة غنوصية أطلق على أعضائها من بعده اسم الفلانتينيين.

في عام 1945م اكتشفنا بما يسمى بمخطوطات نجع حمادي وكان عددها يصل إلى اثنان وخمسون مخطوطة معاً مغلفين بالجلد[2]، وكُتب عليها بالقبطي المترجم من اليوناني. اكتشفنا من ضمنهم إنجيل يسمى بإنجيل الحقيقة[3]، يشير لها بعض الآباء المسيحين باعتبارها بيانا رسميا للمدرسة الفلانتينة.[4]

ما يعنينا هنا هو الشهادة بأنها تحمل كتابات العهد الجديد. قد لا يخوننا هذا الشاهد أن نقول، مع دبليو سي فان أونيك، “في حوالي 140-150 بعد الميلاد، كانت مجموعة من الكتابات معروفة في روما وتم قبولها على أنها موثوقة والتي كانت متطابقة تقريبًا مع العهد الجديد”.[5]

يلمح إنجيل الحقيقة إلى إنجيلي متى ولوقا (وربما أعمال الرسل)، وإنجيل يوحنا، وبعض رسائل بولس، والعبرانيين والرؤيا، ولا تشير إليهم فحسب، بل تستشهد بهم بعبارات تفترض مسبقا أن هذه الكتابات موثوقة. فأن التفسير المجازي في إنجيل الحقيقة يشير لدرجة من الإلهام في النصوص المفسرة على هذا النحو سواء كانت مقبولة للقراء اللاحقين أم لا.[6]

هناك كتاب آخر في مجموعة نجع حمادي وهي الرسالة إلى راجينوس، والتي تتحدث عن القيامة والتي مثلها مثل إنجيل الحقيقة، ربما تعود إلى فلانتينوس نفسه. فهي تقدم تفسيراً لمجموعة من تعاليم بولس حول القيامة والخلود في كورنثوس 1-15 (على الرغم من أنه من النادر أن يكون هناك تفسير قد يوافق عليه بولس) [7] يعود لمؤلفها بولس هو “الرسول”. والتي كلماته لها سلطة. يمكننا تمييز الأصداء في أطروحات رسائل بولس الأخرى – رومية وكورنثوس الثانية وأفسس وفيلبي وكولوسي – ويظهر المؤلف معرفة بتقاليد الأناجيل الثلاثة ويوحنا.

لكن دعنا نقول هذا: في ضوء مثل هذه الأطروحات من نجع حمادي، يمكن المجادلة ببعض العقل بأن “قانون” ماركيون كان تنقيحه لمجموعة موجودة من كتابات العهد الجديد – على وجه الخصوص، وإن كانت مرجعيته لبولس من نسخة موجودة من رسائله.

بطليموس

هو التلميذ الرئيسي لفلانتينوس وربما خليفته كزعيم معترف به للمدرسة الفلانتينية، اعترف بالسلطة العليا لكتابات العهد الجديد (في الواقع، تلك التي تم الاعتراف بها في إنجيل الحقيقة ورسالة الرسول إلى ريجينوس)، عندما تم تفسيرها وفقًا لافتراضاتهم المسبقة، 14[8] كانت هذه الكتابات “موثوقة للغاية لأنها احتوت على التقليد الرسولي الذي جاء من المخلص يسوع”.[9]15 من الصعب على رجل الكنيسة الأرثوذكسي أن يذكر جوهر القضية بشكل أكثر ملاءمة.

 وبالفعل، فإن بطليموس هو أول شخص معروف لنا بالاسم ينتقد الماركيونية.[10] في رسالته إلى فلورا [11]، التي أظهر فيها، كيف أن الشريعة الموسوية، عندما يتم فهمها بشكل صحيح (أي مفهومة وفقًا لمبادئ فالنتين)، لابد أن يتم الاحتفاظ بها في النظام المسيحي.

ماركيون – من هو؟ وما هي قائمة للأسفار القانونية؟ – أمير جرجس

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

[1] 1 Tertullian, Prescription. 38

[2] Most of them are now available in an English translation in The Nag Hammadi Library, ed. J. M. Robinson (Leiden, 1977).

[3] First published in Evagelium Veritatis, ed. M. Malinine, H.-C. Puech, G. Quispel (Zurich, 1956), with facsimile, transcription, French, German and English translations, notes and vocabularies. A good annotated translation was produced by K. Grobel, The Gospel of Truth (Nashville/London, 1960). Another translation, by G. W. MacRae, appears in The Nag Hammadi Library. pp. 37–49.

[4] Irenaeus, Against Heresies 3.11.9.

[5] W. C. van Unnik, ‘The “Gospel of Truth” and the New Testament’, in The Jung Codex, ed. F. L. Cross (London, 1955), p. 124

[7] It bears a close resemblance to the view of Hymenaeus and Philetus, denounced in 2 Tim. 2:17f.

[8] This insistence on proper interpretation is found equally in those who argue that the New Testament (and indeed the whole Bible) is authoritative when interpreted in accordance with the teaching preserved in its purity by the apostolic churches. See pp. 151, 269.

[9] R. M. Grant, The Formation of the New Testament (London, 1965), p. 127.

[10] H. von Campenhausen, The Formation of the Christian Bible, pp. I65f.

[11] This letter is preserved in Epiphanius, Panarion, 33.3–7; an English translation is conveniently accessible in R. M. Grant (ed.), Gnosticism: An Anthology (London, 1961), pp. 184–190. ‘Flora’, like ‘the elect lady’ of 2 John, is conceivably the personification of some church (the church of Rome?).

فلانتينوس من هو؟ وما هي مدرسته؟ – أمير جرجس

كتاب نصوص مختارة من كتابات العلامة ترتليان – راهب من دير الأنبا أنطونيوس

نصوص مختارة من كتابات العلامة ترتليان – راهب من دير الأنبا أنطونيوس

نصوص مختارة من كتابات العلامة ترتليان – راهب من دير الأنبا أنطونيوس

نصوص مختارة من كتابات العلامة ترتليان – راهب من دير الأنبا أنطونيوس

تحميل الكتاب

نصوص مختارة من كتابات العلامة ترتليان – راهب من دير الأنبا أنطونيوس

ترتليان وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

ترتليان وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

ترتليان

ترتليان وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة ترتليان (145 -220م):

  العلامة ترتليان، من قرطاجة (تونس)، بشمال أفريقيا، تلقي تعليمًا جديًا منذ نشأته. فدرس اللغة اللاتينيّة وتعلم الخطابة, كما درس اللغة اليونانيّة وأتقنها كلاماً وكتابةً. وتعلّم فنون الفلسفة والطب والقانون خاصة وربّما مارس مهنة المحاماة. قال عنه القديس جيروم  أنه ” ترتليان الكاهن والذي من بعد فيكتور وأبولنيوس يعتبر رائداً للكتبة اللاتين … وهو رجل من طراز معين ذو همة وحذق … عاش رائداً إلى عهد الإمبراطور ساويرس وأنطونيوس كاراكالا وكتب عدة كتب “[1].

  ويقول عنه يوسابيوس القيصري: ” هو رجل خبير بقوانين الرومانيين، وذو شهرة عظيمة في نواح أخرى، وأحد الرجال الأفذاذ في روما “[2]. وكان والده سسيناتوراً رومانيا، وقيل قائد مئة، وقد كتب احتجاجاً للوثنيين دافع فيه عن المسيحية والمسيحيين ضد الاضطهادات المريرة التي وجهت لهم: ” كان ترتليان شاهداً أميناً لهذه الأمور. ففي كتابه ” الاحتجاج من أجل الإيمان “، الذي وجهه للإمبراطور الروماني، السابق الإشارة إليه “[3].

  ويُعتبر ترتليان أول لاهوتي عظيم كتب باللغة اللاتينية. وقد بدأ نشاطه وكتاباته فيما بين (196 – 212م) في قرطاجة، التي صارت وقتذاك من أهم مراكز الكتابات المسيحية، والمركز الأكثر قوة وإزدهارًا من روما. وقد كان معاصراً تقريبًا لأكليمندس الإسكندري، وإيريناؤس أسقف ليون وكذلك هيبوليتوس الذي كتب في روما.

  وحوالي سنة 210م ترك الإيمان الأرثوذكسي وتحول إلى المونتانية (Montanism)  والتي كانت هرطقة وحركة نبوية ظهرت في القرن الثاني قام بها شخص فريجي أدعى النبوة يدعى مونتانوس[4] وانتشرت في آسيا الصغرى. يقول جيروم: ” أنه كان كاهنا للكنيسة إلى منتصف عمره ولكنه أنزلق إلى تعاليم مونتانوس وذكر النبوة الجديدة في كتبه وذلك بعد فترة إذ أنه كان مسوقا بالحسد وكذلك التعسف من قبل إكليروس الكنيسة الرومانية “[5].

  ولا يعني انضمام ترتليان للمونتانية عدم المصداقية في اتخاذه كشاهد على قانونية العهد الجديد؛ أولاً لأن المونتانية كانت تؤمن بجميع أسفار العهد الجديد وبنفس العقيدة المسيحية كما نؤمن بها، ولكنها اعتبرت أن النبوة ظلت ممتدة في مونتانوس، ثانياً فقد كان هو عالماً عظيماً في عصره وجيله من جهة ثقافته العالية ودراسته الواسعة للمسيحية ولكل أسفار الكتاب المقدس، خاصة قبل انضمامه للمونتانية.  

  هذا الرجل العلامة اقتبس من معظم أسفار العهد الجديد واستشهد بأكثر من 7000 اقتباسٍ، منها 3.800 اقتباس من الأناجيل. ووصف رسل الرب يسوع المسيح بالمعلمين فى مدرسة المسيح: ” كيف نعرف الآن جوهر الأسفار المقدسة أفضل من مدرسة المسيح ذاتها؟ الأشخاص الذين اختارهم الرب نفسه كعلماء، حقاً، ليكونوا متعلمين تماماً فى كل شيء وتعينوا لنا ليعلمونا فى كل الأمور الأساسية، إذ كشف لهم ما هو محتجب فى لغته … لبطرس ويوحنا ويعقوب وبعد ذلك لبولس “[6].

  ويقول عن وحى أسفار العهد الجديد: ” الأسفار المقدسة مرتبة بإرادة الله بمثل هذه الطريقة “[7]. ويقول عن قراءتها فى الكنائس ” ونحن نتقابل سوياً كاجتماع وجماعة مصلين … ونحن نجتمع لنقرأ أسفارنا المقدسة “[8].

  وقد أكد لنا صحة وحي وقانونية الأناجيل الأربعة، واقتبس من جميع أسفار العهد الجديد وكان مضمون رسائل؛ يعقوب وبطرس الثانية ويوحنا الثانية والثالثة، في عقله وفكره وقد انعكست نصوصها على الكثير من كتاباته، مع ملاحظة أن عدم الاقتباس كثيراً أو نهائياً من سفر ما بشكل مباشر لا يعني عدم الإيمان بقانونيته، بل ربما يكون ذلك بسبب عدم الحاجة لآيات ونصوص مباشرة من هذا السفر في الموضوع الذي يكتبه. كما اعتبر أعمال بولس كسفر هرطوقي.

  وأكد أن الأناجيل وسائل إنجيلية وأن كتابها هم الرسل أو تلاميذ الرسل[9]، بتأكيده أن كُتاب العهد الإنجيلي هم الرسل الذين عينهم الرب نفسه لنشر الإنجيل إلى جانب الرجال الرسوليين الذين ظهروا مع الرسل وبعد الرسل. فيوحنا ومتى اللذان غرسا الإيمان داخلنا، ولوقا ومرقس اللذان جدداه لنا بعد ذلك، حيث يقول: ” نضع الآن كمهمتنا الأولى أن العهد الإنجيلي له الرسل الذين دونوه، هؤلاء الذين عينهم الرب نفسه لنشر الإنجيل، كما يوجد أيضاً رجال رسوليين (رفقاء الرسل ومساعديهم في تدوين الإنجيل، وهو يقصد القديسين لوقا ومرقس بالدرجة الأولى)، فلم يكونوا وحدهم، بل ظهروا مع الرسل وبعد الرسل حتى تكون كرازة الرسل مؤكدة بمصاحبتهم لهم ويكون سلطان الرسل الذي هو سلطان المسيح نفسه في مجد، لأن هذا هو الذي جعل الرسل سادتهم. لأن يوحنا ومتى هما اللذان غرسا الإيمان فينا أولاً، بينما جدده الرجال الرسوليين، لوقا ومرقس بعد ذلك. وقد بدأ هؤلاء جميعا بنفس مبادئ الإيمان الذي يرجع للإله الواحد الخالق ومسيحه. كيف ولد من العذراء وكيف جاء لكي يتمم الناموس والأنبياء. ولا تهتموا إذا وجدتم خلافات في تسلسل الروايات لأنه يوجد أتفاق في جوهر موضوع الإيمان “[10].

  فعن اقتباسه من سفر أعمال الرسل يقول بروس متزجر: ” في دفاعه ضد ماركيون يوبخه ترتليان لعدم قبوله لسفر أعمال الرسل، وبذلك يحرم نفسه مما يختص بالرسول بولس من معلومات “[11].

  وعن شهادته لرسائل القديس بولس ينقل بروس متزجر فكره ويقول: ” أن ترتليان يدافع عن الرسائل البولسية واحدة واحدة معبرا عن دهشته من رفض ماركيون للرسالتين إلى تيموثاوس والرسالة إلى تيطس. وكان هدفه، كما أرى، هو عملية الاقحام التي قام بها حتى لعدد رسائل بولس “[12].

  أما بالنسبة للثلاث رسائل الرعوية فيعني ترتليان أن ماركيون لم يشوه نص رسائل القديس بولس، بل عددها أيضاً برفضه للثلاث.

  وعن الرسالة إلى العبرانيين يقول متزجر: ” وفي بحث آخر يستشهد ترتليان بفقرة من الرسالة إلى العبرانيين (6 :4 – 8) والتي ينسبها لبرنابا كالمؤلف؛ كرجل مفوض من الله بدرجة كافية، لكون بولس وضعه التالي بعده هو نفسه “[13].

   ويقتبس ترتليان من رسالة بطرس الأولى فقرات عديدة دون أن يعرف بالرسالة

بوضوح[14]. كما يقتبس من رسالة يوحنا الأولى (4 :1 -3) وينطلق إلى مناقشة طويلة عن ضد المسيح[15]. ويقتبس من رسالة يهوذا العدد 14 مشيرا إلى كتاب أخنوخ الأبوكريفي[16]. ويشير إلى سفر الرؤيا مرات كثيرة بطريقة تبرهن على أنها، بالنسبة لترتليان، لا يوجد رؤيا غيرها للقديس يوحنا[17].

  أما عن رأي ترتليان في راعي هرماس فقد تغير على مدى السنوات، ففي كتاباته الأولى يتكلم عنه بشكل إيجابي[18]، ولكن بعد تحوله إلى المونتانية يعلن أن المجامع في كل العصور الأولى قد حكمت على الكتاب بأنه مزيف وأبوكريفي[19].

  وعن أولئك النسوة اللواتي استعن بكتاب أعمال بولس المزيف، مثل أعمال تكلا، ليدافعوا عن حقوق المرأة في أن تعلم وتعمد فليعلموا أن الشيخ في آسيا الذي كتب هذه الوثيقة كنوع من التكريم وتقديمه لبولس، حرم من وظيفته بعد ثبوت التهمة عليه واعترافه بأنه فعل ذلك بسبب حبه في بولس “[20].

  وهكذا يشهد العلامة ترتليان لصحة وحي وقانونية جميع أسفار العهد الجديد، ويؤكد أن كتابها الذين دونوها بالروح القدس هم تلاميذ المسيح ورسله الذي يسميهم العلماء الذين تخرجوا من مدرسة المسيح ومساعديهم الذين يسميهم الرجال الرسوليين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1]  مشاهير الرجال ف 66 .

[2] يوسابيوس ك 2 ف 2 :4.

[3] يوسابيوس ك 5 ف 5 :5. أنظر ك2 ف 2 :4.

[4] أنظر الفصل الثاني.

[5] مشاهير الرجال 66.

[6] Ag. Marcion 4:2Imps. And Can. 240.

[7] On prescr. Ag. Her. 9.

[8] Apol. 39.

[9] Ag. Marcion, 4.2.

[10] Ag. Marcion 4:2 .

[11] Bruce M. Metzger p. 159.  & Ag. Marcion, 5.1.

[12] Bruce M. Metzger  p. 159. & Adg. Marcion, 5.2-21.

[13] Bruce M. Metzger, p. 159. & De pudic. 20.

[14] Bruce M. Metzger, p. 159. & Scorp. 12.

[15] Bruce M. Metzger, p. 159. & Ag. Marcionem. 5.16.

[16] Bruce M. Metzger, p. 159. & De cultu feminarum. 1.3.

[17] Bruce M. Metzger, p. 159. & Ag. Marc 4.5; De fuga in persecutione 1; De pudic. 20.

[18] Bruce M. Metzger p. 159-160. & De oratione 16.

[19] De pudic. 10.

[20] De Baptismo 17.

ترتليان وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

يسوع التاريخي في كتابات ما بعد العهد الجديد

يسوع التاريخي في كتابات ما بعد العهد الجديد

يسوع التاريخي في كتابات ما بعد العهد الجديد

في هذا الفصل الأخير، سنقوم بدراسة وثائق مسيحية تم كتابتها بعد العهد الجديد تشهد على يسوع التاريخي. أولاً، سنقوم بدراسة الأغرافا، وهي أقوال يسوع التي لم يتم “كتابتها” في الأناجيل الكنسية. ومن ثم سنقدم لمحة عامة عن كتابات نجع حمادي، كما سنقدم معالجة للوثيقة الأكثر أهمية بالنسبة لموضوعنا: إنجيل توما.

وبعد ذلك، سنقوم بدراسة الأسفار الدينية التي لم يشملها العهد الجديد، لا سيما وثيقتين تظهران في البحوث التي أجريت مؤخراً على يسوع التاريخي: إنجيل بطرس وإنجيل مرقص السري. أخيراً، سندرس وثيقة يهودية مسيحية من الاعترافات الكليمنتية الكاذبة، وصعود يعقوب الذي يحتوي على شهادة أكمل ليسوع.

الأغرافا: أقوال يسوع المتفرقة

لم يكن ممكناً للأناجيل الكنسية الأربعة جمع كل شيء قام به يسوع أو قاله خلال تأدية رسالته، أو حتى ما تذكره الكنيسة الأولى عنه. فهذه الأناجيل لا تحتوي إلا على مقتطفات من تقاليد يسوع، وعندما ينظر المرء إلى التداخل الواسع في المحتويات، سيجد أن هذه المحتويات ضئيلة. توضح الآية (21: 25) من إنجيل يوحنا هذه الانتقائية، وتفسرها على أنه تم تسجيل كل الأشياء الي قام بها يسوع، عندها لن يكون العالم قادراً على احتواء الكتب التي كانت ستكتب.

ويتفق الباحثون بصورة عامة: على أنه تم الحفاظ على تدفق كبير من التقاليد الشفوية، حيث تم إخضاعها للتنسيق والتنظيم. ويقول كثيرون: إنه تم تحديد أقوال يسوع وأفعاله ليتم استخدام كل ذلك في الكنيسة. ولم ينضب هذا التدفق عندما تمت كتابة الأناجيل الكنسية بين عامي 70 إلى 100م. بل استمر في التدفق خلال سنوات المسيحية الأولى، إلى جانب الكتابات المدونة والمستقلة عنها على حد سواء.

ورغم كل ذلك، قام يسوع بالتعليم من خلال “صوته الحي”، وحافظت الكنيسة الأولى واستخدمت تعاليمه على حد بعيد مع الصوت الحي، حيث فضل ذلك بعض قادة الكنيسة في القرن الثاني مثل بابياس. وقد كانت التقاليد الشفوية لأقوال يسوع بارزة في كل فترة من فترات العهد الجديد، وفي تاريخ الكنيسة التالية في القرن الرابع، وأحياناً ما كانت تجد طريقها إلى كتابات المسيحيين. فهم يقدمون لنا لمحة قد تكون كامل عن يسوع.

 إن الكلمة اليونانية “أغرافا” تعني حرفيا: “أشياء غير مكتوبة”. فهي مصطلح غريب ومضلل إلى حد ما، لأنه إذا كانت هذه الأقوال فعلاً غير مكتوبة، لما تم الحفاظ عليها على مدى ألفي عام. تشير الأغرافا في دراسة الكتابات المسيحية الأولى بصورة أساسية إلى التقاليد التي تتحدث عن يسوع ولم يتم كتابتها في الأناجيل الكنسية، إلا أنها وجدت طريقها من خلال عمليات الاقتباس التي وردت في كتابات أخرى للمسيحيين الأوائل.

وعلى الرغم من أن المصطلح يمكن أن يشير إلى الأعمال التي قام بها يسوع أو إلى الروايات السردية عنه، إلا أنه يبقى في الغالب يشير إلى الأقوال التي تم الاستشهاد بها والحفاظ عليها. إن تلخيص سبب ذلك ليس صعباً. الأقوال وحدها أو الأقوال التي تُسبق بمقدمة قصيرة لإغناء السياق الضروري، أسهل على الحفظ والاستشهاد من الروايات السردية. فعلى سبيل المثال: وُجدت كمية قليلة من الأغرافا في العهد الجديد، فالأصحاح (20: 35) يشير إلى قول ليسوع نقله بولس: “إنه لمن المبارك أن تعطي أكثر من أن تأخذ”.

ويشير بولس نفسه في مناسبة نادرة إشارة صريحة إلى أقوال يسوع (1كورنثوس 7: 10، 14: 9، 11: 24-25، كلمات قربانية)، وربما رسالة (تسالونيكي الأولى 4: 15-17). كذلك، تتكرر بعض الأغرافا في القراءات المختلفة لمخطوطات العهد الجديد، على سبيل المثال، هناك قراءة مختلفة للوقا (6: 5) في مخطوطة بزا في القرن الخامس، تقول:

في نفس اليوم، عندما رأى أحد الرجال يعمل في يوم السبت، قال له يسوع: “أيها الرجل، إذا كنت تعرف حقاً ما أنت فاعل، فأنت سعيد، لكن إذا لم تكن كذلك، فأنت رجيم وتنتهك القانون”. إن أفضل مثال معروف عن كتابات الأغرافا السردية هي قصة المرأة التي وقعت في الزنا، القصة المحفوظة في بعض مخطوطات (يوحنا 7: 53-8: 11)، وهي تقليد غير موجود في أفضل مخطوطات يوحنا.

وسننظر أثناء تناولنا للأغرافا في أقوال يسوع غير المكتوبة التي سجلها آباء الكنيسة، بالإضافة إلى تلك الأقوال الموجودة في الكتب القديمة للعهد الجديد. فتدعي عدة مقاطع جاءت عن آباء الكنيسة الأوائل، على سبيل المثال: بابياس، يوستينوس الشهيد، ترتوليان، إكليمندس الإسكندري، وآخرون، أنها تحتوي على أقوال يسوع التي ربما جاءت من تقليد شفهي موثوق. فبعض الاستشهادات جاءت في وقت أبكر من غيرها، إلا أن هذه الاستشهادات وحدها لا تتضمن الأصالة.

فقد كتب بابياس (60-130)، وهو أسقف هيرابوليس في فريجية، تفسيراً لكلمات الرب يقع في خمسة كتب أسماها: “الصوت الحي والباقي”، حيث كان الهدف منها جمع كل التقاليد الشفوية ليسوع، وهذا عمل غير موجود في الكتابات المسيحية. وهذا الكتاب مفقود حالياً، إلا أن إيريناوس اقتبسه في القرن الثاني، وكذلك الأمر بالنسبة ليوسبيوس في القرن الرابع.

وإذا أردنا الحكم عليه من خلال نوعية الاقتباسات القليلة التي بقيت، فقيمة الكتاب لا تذكر. وقيل الشيء ذاته على القسم الأكبر للأغرافا التي بقيت على قيد الحياة. ويمكننا الاطلاع على بعض العينات من الأقوال القليلة ليسوع المشكوك في صحتها من أجل إظهار الطابع العام لها:

ستأتي أيام عندما تحمل كل شجرة عنب 10000 غصن، وكل غصن يحمل 10000 غصين، وكل غصين يحمل 10000 عنقود، وكل عنقود يحمل 10000 حبة عنب، وكل حبة عنب عندما تُعصر ستنتج خمسة وعشرين مقداراً من الخمر. عندما يمسك أي قديس بأي عنقود، سيصرخ عنقود آخر: أنا أفضل عنقود، خذني! بارك الرب من خلالي! وبالمثل، فإن حبة ستنتج عشرة أرطال من الدقيق الفاخر النقي اللامع.

وستصبح غيرها من الفواكه والبذور والأعشاب مثمرة وفقاً لطبيعتها بصورة نسبية. وستعيش جميع الحيوانات التي تتغذى على منتجات هذه التربة بسلام وانسجام مع بعضها البعض، وستخضع خضوعاً كاملاً للبشر. (إرنايوس، ضد الهرطقات 5. 33. 3)

والد الرب وإخوته يقولون له: يوحنا المعمدان يُعمد لمغفرة الخطايا. دعنا نذهب ليعمدنا. لكنه قال لهم: هي ارتكب آثاماً. من أجل أن أذهب ليعمدني؟ إلا هذا الشيء الذي قلته للتو فهو خطيئة الجهل. (جيروم، حوار ضد البيلاجيين 3. 2، نقلاً عن إنجيل النصارى المفقود).

يشبه ملكوت الآب امراً يريد قتل صاحب السلطان، وبينما هو في بيته، امتشق سيفه وطعن الجدار ليتأكد من قوة ساعده، ثم قتل صاحب السلطان. (إنجيل توما 98).

إن إخوتي وورثتي هم أولئك الذين ينفذون رغبة والدي، وبالتالي لا تصيح لأحد والدي على الأرض، لأن هناك سادة على الأرض، لكن الآب في السماء، ومنه تنحدر جميع العائلات سواءً كانت في السماء أو على الأرض. (إكليمندس، قصيدة الأنبياء 20).

أنا البوابة الحقيقية. (هيبوليتوس، التفنيد 5. 8. 20).

هذه هي الأغرافا التي كانت تخضع للفحص في معظم الأحيان من أجل موثوقيتها الممكنة:

أطلب الأشياء العظيمة، وسيمنحك الله ما هو صغير. (إكليمندس الإسكندري، ستروماتا 1. 24. 158).

اطلب الأشياء العظيمة، وسيتم منحك الأشياء الصغيرة، اطلب الأشياء السماوية، وسيتم منحك الأشياء الدنيوية (أوريجانوس، في الصلاة 2).

القريب مني قريب من النار، والبعيد عني بعيد عن الملكوت. (أوريجانوس مواعظ عن إرميا 3. 3، إنجيل توما 82)

سيأتي الكثيرون باسمي مرتدين من الخارج ملابس من جلود الغنم، لكنهم من الداخل ذئاب خاطفة (يوستينوس، حوار مع تريفون 35: 3).

سيكون هناك انقسامات وهرطقات. (يوستينوس، حوار مع تريفون 35: 3).

إن تم تجميعكم معي في حضن ولم تحافظوا على وصاياي، فسوف أطردكم وأقول لكم: اذهبوا عني! لا أعرف من أين جئتم، أنتم مرتكبو الخطيئة. (2 كليمنت).

لا يمكن لأحد الحصول على ملكوت السماء إن لم يفتتن. (ترتليان، في المعمودية 20).

لقد اخترت لنفسي الأفضل، أفضل أولئك الذين أعطاني إياهم أبي في السماء. (أوسابيوس من قيصيرية، التجلي الإلهي 4. 12، نقلاً عن الإنجيل بحسب العبرانيين).

الذي يقف اليوم بعيداً سيكون غداً بالقرب مني. (أوكسيرينخوس بابيروس 1224).

وأخيراً يأتي هذا القول الذي يعد من أكثر أقوال الأغرفا إثارة والأكثر مناقشة:

كونوا صرافي نقود أكفاء! (أوريجانوس، تعليق على يوحنا 19. 7. 12، المواعظ 2. 51. 1، 3. 50. 2، 18. 20. 4، الكثير من آباء الكنيسة، بالمجمل نحو سبعين استشهاد أو تلميح).

كيف يمكن تقييم الأغرافا في مسيرة البحث عن يسوع التاريخي؟ فقد توصل معظم العلماء الذين عملوا على هذه التقييمات إلى استنتاج سلبي بالكامل فيما يتعلق بمصداقيتها. حتى أن العملية هي عملية سلبية ومستبعدة، وإن هذه الأقوال التي يمكن تفسيرها على أنها صدرت عن يسوع تلاشت قبل كل شيء.

إن المعايير المستخدمة في المقام الأول هي تلك التي تتعلق بالمحتوى، التي تتخلص من الأقوال التي تم تضمينها في القصص السردية الأسطورية فيما بعد، على سبيل المثال، والتي هي بكل وضوح غنوصية، أو مستمدة من جدليات القرن الثاني، ومن تلك المتعلقة بتاريخ التقليد، التي تستبعد، على سبيل المثال: الأقوال التي تعتمد من الناحية الأدبية على الأناجيل الكنسية، أو تلك التي نشأت بصورة واضحة في كتابات أخرى. إن المجموعة الأولى من الأغرافا التي ذكرت أعلاه تندرج في هاتين الفئتين.

يختلف العلماء في تطبيق هذه المعايير، فبعضهم يستبعد ببساطة قولاً مثل: “إنه لمن المبارك أن تعطي أكثر من أن تأخذ”. لأنه يعكس الحكمة اليهودية واليونانية الرومانية، حتى وإن كان القول يبدو أنه ينسجم شكلاً ومضموناً مع رسالة يسوع الحقيقية.

في الوقت الذي عادةً ما يظهر فيه أن أقوال الحكمة العامة قد تم إدراجها في التقليد المسيحي، لا يمكن أن يكون هذا هو الوضع دائماً. إذا تم استبعاد كل شيء يحمل توجه الحكمة الشائعة، سيكون ذلك بمثابة أن نفترض خطأ أن يسوع التاريخي لم يستخدم نهائياً الحكمة الشائعة حوله. وبعد تطبيق معياري المصداقية، يتم اختبار تلك الأقوال المتبقية وفق مواد يسوع المفترض أن تكون حقيقية في الأناجيل الكنسية.

في النهاية، قد يكون عدد من الأغرافا حقيقياً، وعلى الأرجح قلة مختارة من تلك الأغرافا، إلا أن الغالبية العظمى منها غير حقيقية نهائياً. ومع التيار الواسع للتقليد الشفوي والاهتمام بأقوال يسوع التاريخي في الكنيسة الأولى، نتوقع أن يكون الكثير من تلك الأقوال حقيقياً، إلا أن هناك عدة أسباب لا تجعل القضية كذلك.

أولاً، الحفاظ على هذه الأقوال يرجع إلى حد ما إلى المصادفة التاريخية. ويعود فضل الاستشهاد بتلك الأقوال في الكتابات المسيحية إلى قضايا لاهوتية في القرون الأربعة التالية، وليس نظراً للاهتمام بأقوال يسوع التاريخي في حد ذاتها. كما لم يتم الحفاظ على هذه الكتابات نظراً لأقوال يسوع التاريخي التي احتوت عليها. وبالتالي، ليس لدينا أي طريقة يمكننا من خلالها أن نعرف على وجه اليقين أن كانت تلك الأقوال التي بقيت على قيد الحياة تمثل تلك التي لم تعد موجودة.

ثانياً، عادة ما تأتي هذه الأقوال بسياق وجيز أو معدوم، وبالتالي يكون الأمر أكثر صعوبة إذا ما أردنا التأكد من صحة ادعاءات هذه الأقوال. أحياناً يشير الكتّاب الذين يقتبسون تلك الأقوال إلى مكانها في العهد الجديد، لكن ليس دائماً. فتلك الأقوال هي حقاً “أقوال معزولة” كما وصفها أوتفريد هوفياس، وعزلتها تلك تجعل تفسيرها صعباً.

ثالثاً، على الرغم من أنه تم نقل هذه الأقوال على أنها ممعنة في القدم، إلا أنه تم تسجيلها بعد يسوع بفترة زمنية لا بأس بها. لكن لا يشكل هذا الأمر ضربة تلقائية لمصداقيتها، لأنه يمكن للتقليد الشفوي أن يكون متوازناً ومطابقاً للأصل لفترة طويلة. ومع ذلك، تنطبق القاعدة التاريخية العامة: كلما كان التقليد أقرب، سواء كان مكتوباً أو شفوياً ولا يفتقد إلى أصله المزعوم، كلما كان أفضل.

رابعاً، كما مر سابقاً فأساس المقارنة هو أقوال يسوع التاريخي في الأناجيل الكنسية، وعادة ما تكون الأناجيل السينوبتية، وهذا يعني أن الأقوال التي تختلف اختلافاً كبيراً من حيث الشكل أو المضمون من المرجح أن تكون مستبعدة على الرغم من أنها قد تكون حقيقية. علاوة على ذلك، يعني ذلك أن إمكانية الحصول على أي مناظير جديدة وهامة تتعلق بيسوع من الأغرافا تصبح بعيدة المنال. باختصار، في حين أن الحكم على حقيقة أقوال الأناجيل الكنسية صعب بما فيه الكفاية، إلا أن الحكم على حقيقة الأغرافا يعد تحدياً أكبر بكثير.

عندما يطبق الباحثون الحاليون هذه المعايير الصارمة يكون هناك نتائج هزيلة. فقد حدد يواكيم جيريمياس ثماني عشرة أغرافا يمكن أن تكون أقوالاً حقيقية ليسوع، تم اقتباس معظمها أعلاه، إلا أن هوفياس قلص تلك القائمة إلى سبع. ووفقاً لأي عدد من هذه العددين، تمثل الأقوال التي يمكن أن تكون حقيقية قسماً صغيراً للغاية من إجمالي الأغرافا.

ويقول هوفياس إن الأقوال الوحيدة غير المشتقة فيما يتعلق بتاريخ التقليد، والتي يحق لها أن تكون حقيقية، هي تلك الأقوال الواردة في مخطوطة بزا، وقول “القريب مني/ البعيد عني” من أوريجانوس وإنجيل توما، والقول من بابيروس أوكسيرينخوس، والقول الوارد في إنجيل العبرانيين. وأفضل طريقة لتفسير الأقوال الأخرى هي أنها اختلافات أو اندماجات بين مقاطع العهد الجديد. ولهذه النتيجة الهزيلة معنيان.

الأول هو أن الجزء الأكبر من الأغرافا الذي لا يمكن له الادعاء بأنه حقيقي يصبح أكثر فائدة في فهم المجموعات المختلفة في بداية المسيحية التي قامت بإنتاجه. هذه هي المهمة الرئيسية للدراسة العلمية للأغرافا. أما المعنى الثاني فهو عندما يتم وزن هذه الأقوال السبعة أو الثمانية عشر، فإنها تضيف أقل القليل من حيث الكمية أو النوعية إلى التعاليم الكنسية ليسوع. وصحيح ما توصل إليه أحدث مسح قام به جون ماير أن تلك الأقوال لا تضيف شيئاً جديداً إلى تصورنا عن يسوع التاريخي.

يسوع التاريخي في كتابات ما بعد العهد الجديد

Exit mobile version