الوسم: فساد الإنسان
تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس
في حين يتحدث أوغسطينوس عن موت وخطية آدم كشرور موروثة، وكأن الخطية والموت صارا كشيئين أو كيانين يمكن أن يتم توراثهما بين البشر، وكأن الشر صار له كيان يورث بين البشر، حيث يقول:
“ثم يضيف الرسول أيضًا: من أجل ذلك كإنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع فيه… (رو٥: ١٢). ويتحدث هنا بقدر ما عن الإنسانين: الإنسان الأول آدم الذي بخطيته وبموته نحن نسله مقيدين بهما كشرور موروثة، والإنسان الآخر آدم الثاني الذي لم يكن إنسانًا فقط، بل وإلهًا أيضًا”.
(الثالوث ١٣: ١٦: ٢١)
بينما يؤكد ق. غريغوريوس النيسي على العكس من القديس أوغسطينوس أن الشر والخطية عدم وليس لهما كيان يمكن توراثه بالتناسل، بل الخطية فعل إرادي يمارسه الإنسان بإرادته، ولو لم يمارس الإنسان الخطية، لن يكون لها أي وجود، حيث يقول التالي:
“لذا بما أن الشر يعتبر كنقيض الخير، والفضيلة المطلقة هي الله، فلا بد أن الشر خارج الله، لأن طبيعته لا تُدرك في كونها شيئًا، بل في كونها عدم الخير، لأننا نعطي اسم ‘الشر’ لما هو مدرك خارج الخير. وبالتالي يعتبر الشر نقيض الخير، بالطريقة نفسها التي يتمايز فيها العدم عن الوجود.
لذلك عندما نبتعد عن الخير بحرية دوافعنا*، مثل أولئك الذين يغلقون أعينهم في وضح النهار، ويقال إنهم ‘يرون الظلام’ لأن رؤية الظلام هي نمط رؤية العدم – بالتالي تأخذ الطبيعة الوهمية للشر جوهرًا في الذين قد سقطوا بعيدًا عن الخير، وتمتلك وجودًا كلما كنا خارج الخير، فإن انتُزعت الحركة الحرة لإرادتنا مرة ثانية بعيدًا عن سلوكها نحو الوهم، وصارت متحدة مع ما هو كائن، فلأن تلك الطبيعة لم تعد قادرة على الوجود داخلي، فستعجز عن الوجود إطلاقًا – لأنه لا يوجد شر باقٍ في حد ذاته بعيدًا عن حرية إرادتنا- ولكنني إن ألصقت وربطت ذاتي بذاك الذي هو كائن بالحقيقة، فسأظل فيما هو كائن، فهو الذي كان دائمًا، وسيكون إلى الأبد، وهو كائن الآن”.
(العظات على سفر الجامعة ٧: ٢٦-٢٧)
وهذا ما يقوله أيضًا ق. كيرلس السكندرى بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:
“لقد خُلق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.
وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، واصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.
(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)
وهذا هو ما يقوله معلمنا ساويرس الأنطاكي رافضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية، واعتبر هذا التعليم هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي في رده على يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى كالتالي:
“ويترتب على كل هذا أن خطيئة أولئك الذين أنجبونا، أي خطيئة آدم وحواء ليست مختلطة بالطبيعة مع كياننا (جوهرنا)، كمثل الرأي المنحرف والفاسد لجماعة المصلين*، أو كقول غيرهم من المانيين*، ولكن لأنهما فقدا نعمة الخلود بسبب الخطية والتعدي، ومن ثم فإن الإدانة والأحكام قد بلغت إلينا، لذا فإنه وفقًا لقانون الطبيعة*، فإننا نولد مائتين باعتبار أننا ولدنا من آبائنا مائتين، ولسنا خطأة لآننا ولدنا من آباء خاطئين*. وذلك لأن الخطية ليس لها كيان، ولا تنتقل طبيعيًا بالتناسل من الآباء إلى أطفالهم*”.
Sever of antiochene, Contra Additiones Juliani, (CSCO 296), p. 39, 40.
وهنا ينسف معلمنا ق. ساويروس الأنطاكي متبعًا تعاليم آباء الشرق من قبله، وعلى العكس من تعليم أوغسطينوس المانوي بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل، التعليم بوراثة الخطية الأصلية وانتقالها بالتناسل والتزاوج طبيعيًا، معتبرًا هذا التعليم تعليم مانوي غير أرثوذكسي دخيل على الكنيسة، لأنه تعليم المانويين وجماعة المصلين الهرطوقية.
تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس
تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس
تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين
يتهافت البعض عن دون دراية لإثبات تعليم وراثة الخطية الأصلية بمفهومه الأوغسطيني باقتباس نصوص آبائية من عند العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير تتحدث عن وراثة الخطية الجدية، ولكنهم عن دون وعي ودراسة يعتقدون أن تعليم كل من أوريجينوس وديديموس بوراثة الخطية الجدية يتشابه مع التعليم الأوغسطيني عن وراثة الخطية الأصلية، وهكذا للأسف لا يفرقون بين مفاهيم كل من أوريجينوس وديديموس ومفهوم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية.
يتحدث العلامة السكندري أوريجينوس بالفعل عن وراثة الدنس الفطري في الإنسان من آدم في سياق تعليمه عن الخطية الجدية، ولكن مفهوم أوريجينوس مختلف تمامًا ونهائيًا عن المفهوم اﻷوغسطيني عن الخطية الأصلية. حيث يرى أوريجينوس الخطية الجدية وآثارها على البشر بسبب فتور أرواح البشر في العالم الطوباوي السابق على وجودها في أجسادها عن محبة الله والشركة معه، وبالتالي سقوطها من العالم الطوباوي المسبق وانحباسها في أجسادها كعقوبة على ذنوبها السابقة في العالم السابق. حيث يتحدث أوريجينوس عن هذا الأمر كالتالي:
“بحسب الكتاب يجدر السؤال عن لفظ النفس، ألعله لا يُشتق مجازًا من هذه البرودة، ابتداءً من حالة إلهية فضلى*، أعني أن النفس لعلها لم تفتر من حرارتها الطبيعية والإلهية*، حتى تسلمت حالتها الراهنة وتسميتها* […] ولكننا نرى أن الكتاب قد أقرن الإجرام بالنفس، وأعرض عما يجدر مدحه.
أما الآن فحري بنا أن ننظر هل النفس، كما أسلفنا القول في معنى هذه اللفظة، قد نالت اسمها لأنها فترت* فاقدةً تقوى الصديقين والشركة بالنار الإلهية*، دون التخلي مع ذلك عن قدرتها عن الانصراف ثانيةً إلى حالة الورع هذه التي وُجِدت فيها منذ البداية […] إذا صدق هذا، يخيل إليَّ أنه لا يحسن الاعتقاد بأن سقطة الإدراك هذه* وهذا الانحطاط* لديه سواء لدى الجميع، بل ينطوي هذا التبدل عن تفاوت، كما يُبقي بعض المدارك على بضع عنفوانه الأول*، فيما لا يحتفظ غيره بشيء أو قلما. ولهذا نجد مَن ذو استيعاب أحد، منذ نعومة أظفاره*، ومَن استيعابه أبطأ، وآخرين يأتون الدنيا وهم خبلون تمام الخبل*، عاصون كل العصيان على تربيتهم*.
إن ما قلناه في موضع انقلاب الإدراك نفسه، وما يمت بصلة إليه، فليناقشه القارئ باعتناء وليدرسه في قرارة نفسه، إننا لا نفوه به كأنه العقائد، بل نطرقه على سبيل الدراسة والبحث*”.
أوريجانوس، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: المكتبة البولسية، ٢٠٠٢)، ٢: ٨: ٣، ٤، ص٢١٧، ٢١٨.
أما بخصوص تعليم الخطية الجدية عند العلامة ديديموس الضرير، يمكن تتبع تعليمه من اقتباسات وتقارير العلامة الآبائي جوهانس كواستن، حيث يتحدث كواستن عن أن تعليم أوريجينوس عن الوجود السابق لأرواح البشر وسقوطها وانحباسها في أجسادها بسبب الخطية الجدية هو نفس تعليم تلميذه العلامة ديديموس. لذا يقول كواستن عن التعليم الأنثروبولوجي (التعليم عن الإنسان) عند العلامة ديديموس التالي:
“يمكننا أن نرى تأثير أوريجينوس في التعليم عن النفس الإنسانية عند ديديموس […] فهو يتبع أيضًا العلامة أوريجينوس في أفكاره عن أصل الروح. وهو مقتنع أن الروح قد خُلقت، ولكنه يشارك خطأ سابقيه في أن الروح قد وُجِدت قبل الجسد* الذي فيه سُجِنت كعقوبة على الخطايا التي اقترفتها (Ennarr. In Epist. Petr. 1, 1; De trin. 3, 1)، ويمثل نفس المعتقد بالوجود السابق للروح أساس المقالة التي أرسلها إلى روفينوس عن الموت المبكر للأطفال”.
جوهانس كواستن، علم الآبائيات (باترولوجي) مج٣، ترجمة: الراهب غريغوريوس البراموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، ٢٠٢١)، ص ١٣٧.
ويستطرد كواستن في موضع آخر ناقلاً رواية ق. جيروم عن تعليم الوجود السابق للروح عند العلامة ديديموس الضرير، حيث يقول التالي:
“ويسجل جيروم أن العلامة ديديموس قد أعطى تفسيرًا أرثوذكسيًا لتعليم العلامة أوريجينوس عن الثالوث، ولكنه قَبِل بدون تردد أخطاءه الأخرى بخصوص خطيئة الملائكة*، والوجود السابق للنفس*، والخلاص الشامل للكل*… إلخ (Ad Rufin. 1, 6; 2, 16).
ويخبرنا نفس الراوي (أي جيروم) عن مقالة أخرى ذات ميول أوريجانية قد كُتِبت بناءً على اقتراح روفينوس، الذي قضى الأعوام من ٣٧١م إلى ٣٧٧م في مصر، وتجيب هذه الرسالة على السؤال لماذا يموت الأطفال بسبب الأخطاء الجسدية؟ وكان شرح العلامة ديديموس: ‘هم لم يخطئوا كثيرًا، ولذلك فإنه يكفيهم فقط أن تتلامس سجون أجسادهم بالعقاب*’ (جيروم، ضد روفينوس٣: ٢٨)”.
المرجع السابق، ص ١٢٠، ١٢١.
ويكرر العلامة الآبائي جوهانس كواستن حديثه عن تعليم ديديموس بالوجود السابق للأرواح، ويقرر حقيقة حرمان مجمع القسطنطينية الثاني عام ٥٥٣م للعلامة ديديموس لاتباعه هذا التعليم وتعاليم أخرى، حيث يقول التالي:
“ولسوء الحظ، فإن عددًا قليلاً جدًا متبقي من هذا الانتاج الأدبي الكبير، وذلك بسبب سحابة الشك التي علقت باسم العلامة ديديموس وسمعته أثناء الجدالات الأوريجانية. فبعد كل ذلك، تجاسر في الدفاع عن السكندري العظيم وكتابه ‘المبادئ’ بكونه كله أرثوذكسيًا. فلا عجب إذًا أن يُدان في القرن السادس الميلادي والقرون اللاحقة بكونه مؤمنًا بالوجود السابق للنفس وبالخلاص الشامل للكل. وقد قام الأساقفة المجتمعون في المجمع المسكوني الخامس بالقسطنطينية عام ٥٥٣م بحرم كل من العلامة أوريجينوس، والعلامة ديديموس، والشماس إيفاجروس البنطي بسبب هذه التعاليم، وبناءً على ذلك، فُقِدت تقريبًا كل أعمال العلامة ديديموس”.
المرجع السابق، ص١١٧.
وهكذا بعدما عرضنا تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، يتضح إنه تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء السكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس عمود الدين اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.
وسوف نستعرض معًا رأي ق. كيرلس السكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:
“ولكنني أفترض أنه من الحماقة الإدعاء أن النفوس وُجدت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة* أُرسِلت لكي تُحبس في أجساد ترابية*. وسوف أبرهن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ‘أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا (أم٩: ٩)”.
كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.
ويدحض ق. كيرلس السكندري هذا التعليم بالوجود السابق للأرواح مؤكدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:
“يقول بولس موضحًا أن الفساد* قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم*: ‘لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ’ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذا كان الجسد الميت قد أُعطي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إن كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأن وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدسة”.
المرجع السابق، ص ١٢١.
ويدحض ق. كيرلس السكندري أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه، حيث يقول التالي:
“ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده*، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد”.
المرجع السابق، ص ٦٥٥.
ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس السكندري بخصوص الخطية الجدية ونتائجها وآثارها على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يعد هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من الشركة مع الله، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.
تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس
الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس
الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس
الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م
سوف أعتمد في هذا البحث عن العلاقة بين الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م على البروفيسور كارل جوزيف هيفيليه Karl J. Hefele الأسقف الكاثوليكي لروتنبرج وأستاذ اللاهوت بجامعة توبينجين Tubingen بألمانيا، وأبو التاريخ المجمعي، وصاحب موسوعة “تاريخ مجامع الكنيسة” التي تعد المرجع الأهم والأول في تاريخ، وأحداث، وأعمال، وقوانين المجامع الكنسية عبر العصور.
سوف نتتبع سويًا العلاقة بين مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري والهرطقة البيلاجية، لنعرف هل تم بالفعل هرطقة أتباع بيلاجيوس وكالستوس من البيلاجيين بسبب إنكارهم لوراثة خطية آدم الأصلية أم لا؟
سوف نبدأ حيث يروي البروفيسور كارل هيفيليه عن عدم انصياع نسطوريوس لتحذيرات البابا كيرلس السكندري والبابا كليستينوس الروماني، بل وحمايتهم للبيلاجيين عنده في القسطنطينية، حيث يقول هيفيليه التالي:
“لم يلتفت نسطوريوس إلى التحذيرين من كيرلس، وإن كان الآن يرفض طاعة هذا التحذير الثالث، فلا بد من استبعاده من الكنيسة الجامعة المسيحية. فلم تكن مفاجأةً للبابا (كلستينوس) حماية نسطوريوس للبيلاجيين، لأنه كان أسوأ منهم. بالرغم من أنه كان من المرجو ألا يقضي على وحدة الكنيسة، فكانت علامة منه على تحسن موقفه، أن يستدعي أولئك جميعًا ليطردهم من الكنيسة، من أجل خاطر المسيح (أي بناءً على رواية أرثوذكسيتهم). فإن لم يحرم (نسطوريوس) بدعته عديمة التقوى خلال عشرة أيام، فلا بد من قطعه عن شركة الكنيسة الأرثوذكسية كلها، ويجب على كيرلس إعلان هذا الحكم ممثلاً عن البابا (كلستينوس)”.
Hefele, Charles J., History of The Councils of The Church Vol. III (431 A. D. To 451 A. D.), (Edinburgh: T & T Clark, 1986), p. 30.
ثم يستطر هيفيليه في سرد أحداث مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م مؤكدًا على وجود البيلاجيين في صف النساطرة مقابل المجمع برئاسة البابا كيرلس السكندري والأساقفة الذين معه والبابا كلستينوس وأسقفية أفريقيا كلها كالتالي:
“علاوة على ذلك، منذ وقت قريب، كان هناك العديد من الأساقفة الذين كانوا حتى هذه اللحظة في صف نسطوريوس، وقد صارت لهم رؤية أفضل للأمور، إلا أنهم استخفوا بالمجمع، وظل حتى الأن حوالي ٣٧ أسقفًا فقط مع نسطوريوس ويوحنا (الأنطاكي)، كان هؤلاء في الغالب بسبب خوفهم من العقاب لأجل ارتكابهم المخالفات، أو لأنهم كانوا هراطقة مثل البيلاجيين. في المقابل، كان كلستينوس أسقف روما وأسقفية أفريقيا كلها في صف المجمع، بالرغم من عدم حضورهم بشكل شخصي”.
Ibid, p. 59.
ثم يروي هيفيليه أمر في منتهى الغرابة ألا وهو قراءة قرارات الغرب بحرم أتباع بيلاجيوس وكالستوس ويوليان وغيرهم من البيلاجيين، ولكنه يؤكد على عدم معرفة في أي جلسة تم ذلك، وأية قرارات تمت قراءتها في هذه الجلسة المجهولة، بل والأدهى لم يأت أي ذكر بحرم بيلاجيوس وكالستوس ويوليان وأتباعهم بسبب وراثة الخطية الأصلية بحسب المفهوم اﻷوغسطيني اللاتيني.
فأين وراثة الخطية الأصلية التي يملأ البعض الدنيا صياحًا بأنها كانت محور مجمع أفسس المسكوني، وكأن ق. كيرلس السكندري والمجمع ترك هرطقة نسطوريوس وأحداث المجمع المتصارعة، ولم يكن في بالهم سوى مناقشة موضوع وراثة الخطية الأصلية بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، التي لم يأت أي ذكر عنها لا من قريب ولا من بعيد، فكيف نهرطق الآخرين على حدث غامض ومجهول، ليس لدينا أدلة كافية وواضحة عنه ألا وهو حرم بيلاجيوس وأتباعه بسبب وراثة الخطية الأصلية بالتناسل؟ حيث يسرد هيفيليه التالي:
“والأكثر أهمية هو الإضافة، أي قراءة قرارات الغرب بحرم البيلاجيين والكالستوسيين، أتباع بيلاجيوس وكالستوس ومؤيديهم، يوليان، وبيرسيديوس Persidius، ومارسيللينوس Marcellinus، وأورينتيوس Orentius …إلخ في مجمع أفسس (بالرغم من عدم إخبارنا في أية جلسة تم ذلك)، وقبول الحكم البابوي عليهم على مستوى العالم”.
Ibid, p. 65.
ثم يستطر في نفس السياق مؤكدًا على تحالف واتحاد البيلاجيين مع النساطرة ضد المجمع المسكوني برئاسة ق. كيرلس السكندري، مما جعل المجمع المسكوني يحرمهم ويقطعهم بسبب انضمامهم لنسطوريوس وجماعته، لأنه كان هدف المجمع بالأساس هو حرمان نسطوريوس وأتباعه. حيث يروي قائلاً:
“بالإضافة إلى ذلك، هناك الكثيرون بين هؤلاء الثلاثين – الذي قد حُرِموا في السابق، الكثير من البيلاجيين والنساطرة. وبالتالي يجب على الإمبراطور تثبيت وتفعيل ما قد قرره المجمع المسكوني المقدس ضد نسطوريوس وتعليمه عديم التقوى”.
Ibid.
ثم يروي هيفيليه بكل وضوح أسباب حرم مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري للبيلاجيين، ولم يأت أي ذكر لحرمهم بسبب إنكار وراثة الخطية الأصلية كما يدّعي البعض، حيث يقول التالي:
“وقد حرم (المجمع) بالأحرى بشكل أكبر – وهذا ايضًا يمكن شرحه فقط على خلفية الخداع – أسماء يوحنا الأنطاكي ومؤيديه، وأولئك أيضًا الذين من أتباع كالستوس (البيلاجيين)، فبالرغم من حرمان المجمع المسكوني لهم، إلا أنه تم ضمهم بين أساقفة المجمع، وخاطبتهم المراسم الأمبراطورية كأنهم أساقفة من المجمع. ثم تم تقديم رواية مختصرة عن علاقتهم بالأنطاكيين، التي نحن على علم بها بالفعل، وبتاريخ انفصالهم عن المجمع، مع الإشارة إلى احتمالية عدم قبولهم جزئيًا في شركة الكنيسة، لأنهم لم يقبلوا عزل نسطوريوس*، وكانوا على اتفاق علني معه تمامًا*، وجزئيًا بسبب إهانتهم لرئيسي المجمع (أي بحكمهم ضد كيرلس وممنون*)، ولأنهم انتهكوا القوانين*، وإلى حد ما لأنهم قد تجرأوا على الكذب وخداع الأباطرة*”.
Ibid, p. 78.
ويستطرد هيفيليه في نفس السياق موضحًا سبب حرمان البيلاجيين في مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة القديس كيرلس السكندري، ولم يأت أيضًا على ذكر موضوع وراثة الخطية الأصلية من قريب أو من بعيد، حيث يقول التالي:
“قبل كل شيء، ينبغي عليك رفض الشركة مع يوحنا الأنطاكي ومجمعه المارق، لأنهم رفضوا الاشتراك معنا في عزل نسطوريوس، ولأنهم كانوا حلفائه حتى وقت مغادرتك، ولأنهم تجرأوا على انتهاك جميع القوانين من أجل حرم كيرلس وممنون، بل بشكل خاص، لأنهم حتى هذا اليوم يدافعون عن تعاليم نسطوريوس، بالإضافة إلى أن الكثير منهم كانوا من أتباع كالستوس (البيلاجيين)*، ولهذا السبب هم محرمون**، في الأخير، لأنهم لم يترجعوا عن الافتراء على مجمع العالم كله باعتباره مجمعًا هرطوقيًا”.
Ibid, p. 87.
وتظهر هنا الحقيقة بجلاء أن مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري عمود الدين لم يقم بحرم البيلاجيين بسبب إنكارهم لوراثة الخطية الأصلية، بل لأنهم تحالفوا مع النساطرة ضد المجمع المسكوني، وانضموا إلى مجمع يوحنا الأنطاكي الموازي المناهض للمجمع المسكوني برئاسة ق. كيرلس السكندري وممنون أسقف أفسس، هذا بالإضافة إلى انتهاكهم لقوانين المجمع واستخفافهم به وبقرارته، ورفضهم عزل نسطوريوس وقطعه من شركة الكنيسة.
وفي هذا كله لم تأت سيرة وراثة الخطية الأصلية لا من قريب ولا من بعيد، بل جُل ما في الأمر هو تحالف البيلاجيين وانضمامهم في صف النساطرة ورفضهم القبول بعزل نسطوريوس. رجائي إلى مَن يقومون بهرطقة الآخر أن يكفوا عن ذلك، ويفيقوا إلى ضمائرهم لعلهم يستدركون أخطاءهم تفاديًا للمزيد من الانقسامات والانشقاقات في الكنيسة.
الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي
سأتحدث عن مفهوم الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي، تلميذ القديس بوليكاربوس أسقف أزمير، الذي كان تلميذًا للقديس يوحنا الحبيب بن زبدي، أحد تلاميذ الرب. ولكننا أثناء البحث في كتابات ق. إيرينيؤس لم نجد أية إشارات إلى موضوع وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما عند أوغسطينوس ومن بعده لاهوت العصر الوسيط والإصلاح.
وبالتالي هذا يؤكد على أن التعليم بوراثة الخطية الأصلية لم يكن تعليمًا رسوليًا من الأساس، والدليل أن ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي لم يأت على ذكره في كتاباته، بل الأدهى إنه كان يرى التعليم بالشر الطبيعي، أو الذنب الطبيعي، أو خطية الطبيعة هو تعليم غنوصي صرف يؤدي إلى الثنائية الغنوصية في طبيعة الله. لذا حارب ق. إيرينيؤس التعليم بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كتعليم غنوصي غير أرثوذكسي كما سنرى.
يؤكد ق. إيرينيؤس على رفضه لموضوع خطية الطبيعة أو الذنب الطبيعي، وأننا مخلوقون خطأةً، حيث يقول التالي:
“ولكن لو أن البعض خُلقوا أشرارًا بالطبيعة*، وآخرون خُلقوا صالحين، فإن هؤلاء الأخرين لن يكونوا مستحقين للمديح لكونهم صالحين، لأنهم خُلقوا هكذا، ولا الأولون مستحقون للتوبيخ، لأنهم خُلقوا هكذا أصلاً.
ولكن بما أن جميع البشر هم من نفس الطبيعة، قادرون أن يمسكوا بالحق وأن يعملوه – فالبعض بعدلٍ ينالون المديح بين الناس الذين هم تحت ضبط قوانين صالحة (وبالأكثر من الله)، ويحصلون على شهادة جديدة بسبب اختيارهم الصلاح عمومًا وثباتهم فيه، أما الآخرون يُلامون وينالون دينونة عادلة بسبب رفضهم كل ما هو جميل وصالح”. (ضد الهرطقات ٤: ٣٧: ٢)
ويرفض ق. إيرينيؤس بشدة موضوع وراثة الخطية أو الذنب من الآباء إلى الأبناء في سياق حديثه عن معجزة شفاء السيد المسيح للمولود أعمى، حيث يقول التالي:
“أما الإنسان المولود أعمى فأعطاه البصر، ليس بكلمة بل بعمل خارجي، وقد فضل ذلك ليس بدون سبب، أو أنه حدث هكذا، بل لكي يبين يد الله، تلك التي شكلت الإنسان في البداية. ولذلك حينما سأله تلاميذه عن سبب ولادة هذا الرجل أعمى، هل بسبب خطيته* هو أم بسبب خطية أبوية*، أجاب: ‘لا هذا أخطأ ولا أبواه، بل لكي تظهر أعمال الله فيه’ (يو٩: ٣).
والآن إن عمل الله هو خلق الإنسان، لأن الكتاب يقول إنه صنع الإنسان بنوع من عملية: ‘وجبل الرب الإله الإنسان ترابًا من الأرض’ (تك٢: ٧)، ولذلك فإن الرب بصق على الأرض وصنع طينًا، وطلى بالطين عيني الأعمى مشيرًا إلى جبلة الإنسان الأصلية كيف تمت، ومظهرًا يد الله لأولئك الذين يمكنهم أن يفهموا بأي يد صنع الإنسان من التراب”. (ضد الهرطقات ٥: ١٥: ٢)
وفي خضم حديثه عن معمودية الأطفال، لم يأت ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي على ذكر أن معمودية الأطفال كانت في العصر الرسولي لمغفرة خطية آدم الأصلية، بل تحدث عن أن معمودية الأطفال هي ولادة ثانية من الله وتقديس لهم من المسيح الذي قدسهم ببشريته المقدسة بأن مر بنفس مراحل سن الإنسان مقدسًا كل مرحلة من مراحل عمر الإنسان في نفسه كالتالي:
“لذلك لكونه معلم، فكان له عمر ثلاثون سنة، دون أن يحتقر أو يتجنب أي حالة من حالات البشرية*، ولم يهمل ذلك الناموس الذي كان قد وضعه للجنس البشري، بل قدس كل سن بواسطة المرحلة المقابلة لها في نفسه*، لأنه جاء ليخلص الكل من خلال نفسه*. أقول الكل، الذي من خلاله يُولد الأطفال ثانيةً لله*، والأولاد، والفتيان، والشبان، والكبار.
إذًا، فهو قد عبر بكل عمر، فصار طفلاً للأطفال، وهكذا قدس الأطفال*، وولدًا للأولاد وبذلك قدس أصحاب هذا السن، وصائرًا في نفس الوقت في البر والتقوى والخضوع، وصار شابًا للشبان، صائرًا مثالاً للشبان، وصار بالمثل كامل السن لكاملي السن لكي يكون معلمًا كاملاً للجميع، ليس فقط بأن يعلن الحق، بل أيضًا من جهة السن، مقدسًا في نفس الوقت كاملي السن، صائرًا مثالاً أيضًا”. (ضد الهرطقات ٢: ٢٢: ٤)
ويستطرد ق. إيرينيؤس في حديثه عن مصير أطفال بيت لحم الذين استُشهدوا قبل موت المسيح على الصليب وقيامته، حيث يؤكد ق. إيرينيؤس على أنهم صاروا شهداءً من أجل المسيح المولود في بيت لحم، لذا نصيبهم السعيد هو الملكوت، على العكس من أوغسطينوس الذي يؤكد أن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية بسبب وراثتهم للخطية الأصلية لا يدخلون الملكوت، بل يدخلون الجحيم للعقاب والهلاك الأبدي. وبالتالي نرى الفرق واضحًا بين تعليم ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي وتعليم أوغسطينوس بخصوص مصير الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، حيث يقول التالي:
“ولهذا السبب أيضًا، أخذ هو فجأة أولئك الأطفال – الذين من بيت داود – الذين كان نصيبهم السعيد* أن يُولدوا في ذلك الوقت لكي يرسلهم مسبقًا إلى ملكوته*، وحيث أنه كان طفلاً، فقد رتب أن يصير الأطفال شهداءً، يُذبحون حسب الكتب لأجل المسيح المولود في بيت لحم اليهودية في مدينة داود (مت٢: ١٦)”. (ضد الهرطقات ٣: ١٦: ٤)
كما يؤكد ق. إيرينيؤس على أن خصائص الأطفال البشريين أنهم لا يعرفون الخير من الشر، بسبب طبيعتهم البريئة، حيث يقول التالي:
“إذًا، فالروح القدس قد أشار بعناية بواسطة ما قيل إلى ميلاده من عذراء وإلى جوهره، أي أنه الله، لأن اسم عمانوئيل يوضح ذلك، ويبين إنه إنسان، حينما يقول: ‘زبدًا وعسلاً يأكل’، ومن قوله عنه أنه طفل يقول: ‘قبل أن يعرف الخير والشر’، فكل هذه هي خصائص الطفل البشري*، وأما أنه لا يوافق على الشر، وإنه يختار الخير، فهذا ما يخص الله”. (ضد الهرطقات ٣: ٢١: ٤)
كما يتحدث ق. إيرينيؤس عن أن الشيطان أورث آدم الأول الموت، حيث يقول التالي:
“لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت*. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت عليهم: لذلك، فهذا الذي أسر الإنسان، أسره الله بدوره بعدلٍ، بل وقد تم فك الإنسان المأسور من رباطات الدينونة”. (ضد الهرطقات ٣: ٢٣: ١)
وهكذا يؤكد ق. إيرينيؤس أن الموت لم يكن عقوبة من الله على عصيان الإنسان، بل سمح به إشفاقًا على الإنسان، لئلا يصير خاطئًا للأبد، وتصير الخطية مؤبدة، حيث يقول التالي:
“لذلك أيضًا طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شحرة الحياة*، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه*، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير متناهٍ وعديم العلاج*. ولكنه وضع حدًا لخطيئته* بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية* بأن وضع لها نهاية بإنحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطيئة، ويموت عنها يبدأ أن يحيا لله”. (ضد الهرطقات ٣: ٢٣: ٦)
ويستطرد ق. إيرينيؤس مؤكدًا على نوال الإنسان لمعرفة الخير والشر قبل السقوط، ولكنه بعد العصيان والسقوط اختبر بقوته العقلية والإدراكية نتائج العصيان، لكي ما يتعلم أن يختار فيما بعد الأمور الأفضل. وهكذا يؤكد على وجود حرية الإرادة وحرية الاختيار قبل السقوط وبعده داحضًا بذلك التعليم بالإرادة المقيدة بالشر والخطية عند أوغسطينوس، حيث يقول التالي:
“الإنسان قد نال معرفة الخير والشر. فهو خير أن تطيع الله، وتؤمن به، وتحفظ وصاياه، وهذه هي حياة الإنسان، فعدم الطاعة شر، وهذا هو موت الإنسان. لذلك، حيث أن الله أعطى الإنسان مثل هذه القوة العقلية*، عرف الإنسان أن الطاعة خير كما عرف شر العصيان*، وأن عين الذهن إذ تنال اختبار الاثنين يمكن بالتمييز أن تختار الأشياء الأفضل، لكي لا يصير أبدًا متراخيًا أو مهملاً لأمر الله*.
وإذ يتعلم بالاختبار أن عصيان الله هو أمر شرير يحرمه من الحياة*، فلا يحاول أبدًا أن يعصى الله، بل إذ يعرف ما يحفظ حياته أي أن طاعة الله صالحه، فإنه يحفظ الطاعة باجتهاد وبكل جدية. لذلك، فهو يملك أيضًا اختبارًا مزدوجًا*، إذ له معرفة النوعين*، حتى بالتدريب يمكن أن يختار الأمور الأفضل”. (ضد الهرطقات ٤: ٣٩: ١)
وهكذا نستنتج من عرض مفهوم الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي، عدم وجود التعليم بوراثة الخطية الأصلية أو الذنب الموروث، لأن هذا التعليم بالنسبة للقديس إيرينيؤس هو تعليم غنوصي صرف دأب طوال حياته على محاربته هو وباقي العقائد الغنوصية الخاطئة.
الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد
يُعد ق. يوستينوس أحد آباء الكنيسة المدافعين في القرن الثاني عن إيمان الكنيسة في مواجهة الفلاسفة الوثنيين، والغنوصيين الهراطقة، ولديه دفاعين عن المسيحية أرسلهما إلى للإمبراطور الروماني دفاعًا عن الإيمان المسيحي السليم، الذي كان يتم تشويهه عمدًا من قِبل الوثنيين.
سوف نفحص نصوص كتابات ق. يوستينوس الشهيد للوقوف على فكره بخصوص الخطية الجدية أي خطية آدم، وهل كان يؤمن بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما هي في المفهوم اﻷوغسطيني اللاحق، أم مثله مثل جميع الآباء اليونانيين يؤمن بوراثة نتائج الخطية فقط أي الفساد الموت.
يتحدث ق. يوستينوس عن أن الخطية هي فعل إرادي شخصي لا يُورث من الأب إلى الابن، ولا يهلك الأب عوضًا عن خطية الابن، والعكس صحيح، بل كل واحد يهلك أو يخلص بأعماله الصالحة أو الشريرة، كما يرفض سبق التعيين والاختيار من الله للبشر ليكونوا أبرارًا أو خطأةً، بل يؤكد على أن كل شخص بإرادته يصير بارًا أو خاطئًا كالتالي:
“ولما قال حزقيال إنه لو طلب نوح، أو دانيال، أو أيوب، أن يخلّصوا أبناء أو بنات لا يُعطى لهم، ولا يهلك أب عوضًا عن ابن، ولا الابن عن الأب، بل كل واحد بخطيته* يهلك أو بأعماله الصالحة يخلُص. ويقول إشعياء أيضًا: ‘يرون جثث العصاة، فإن دودهم لا يموت، ونارهم لا تُطفأ، ويكونون منظرًا لكل ذي جسد’ (إش٦٦: ٢٤)، ولما قال ربنا بحسب مشيئة الآب ورب الكل الذي أرسله: ‘إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب يتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، أما بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجية’ (مت٨: ١١-١٢)، وقد أوضحت لكم قبلاً أن الذين عرفهم الله بسابق علمه كخطأة سواء كانوا أناسًا أو ملائكةً فهم يصيرون هكذا ليس بسبب الله*، بل كُلّ بسبب خطيته*”.
القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: إصدار باناريون للتراث الآبائي، ٢٠١٢)، الحوار مع تريفون اليهودي، الفصل ١٤٠، ص ٣١٩.
ويؤكد ق. يوستينوس أيضًا على حرية إرادة الإنسان منذ خلقه الله في مقابل تعليم القدرية والجبرية عند الفلاسفة الرواقيين، وأن الخطية فعل إرادي محض يفعله الإنسان بحرية إرادته دون تدخل من الله، على الرغم من أن الله أراده أن يسير بحسب مشيئته الإلهية الصالحة، إلا أنه ترك له حرية الاختيار كالتالي:
“أود أن أقول إن الله على الرغم من أنه أراد للناس والملائكة أن يسيروا بحسب إرادته، إلا أنه سُر أن يخلقهم بإرادة حرة من ناحية ممارسة الفضيلة واستخدام العقل لكيما يعرفوا خالقهم – الذي به جاءوا من العدم إلى الوجود – والذي أعطاهم ناموسًا يُحاكمون به في حالة عمل أي شيء مناف للعقل. ولذا ما لم نتب سريعًا فإننا – سواء أناس أو ملائكة – سنُدان بسبب خطايانا.
وإذا كانت كلمة الله تنبئ بأن بعض الناس والملائكة ستقع عليهم عقوبةً، فذلك لأن الله يعلم مسبقًا بخطيتهم التي بلا توبة، وليس لأن الله خلقهم هكذا. ولذا فإن كل مَن يتوب بإرادته ينال رحمة من الله، ويُدعى مباركًا في الكتاب المقدس الذي يقول: ‘طوبى لمَّن لا يحسب الرب له خطية'”.
المرجع السابق، الفصل ١٤١، ص ٣١٩.
ويؤكد ق. يوستينوس أيضًا على أن الخطية فعل إرادي يفعله الإنسان بمحض إرادته وليست خطية موروثة كالتالي:
“وتعلمنا أيضًا أن الله في صلاحه خلق كل شيء في البدء من مادة غير مهيأة لأجل الإنسان. وإذا أثبت المرء بأعماله أنه جدير بخطة الله فسيكون مستحقًا لأن يسكن معه ويملك معه ويتحرر من كل فساد وألم. وكما أنه في البدء خلقنا إذ لم نكن، هكذا نحن نؤمن أيضًا أن مَن يختار إرضاء الله فبسبب هذا الاختيار سيكون مستحقًا للحياة الأبدية في حضرة الله. إنه لم يكن في مقدورنا أن نخلق ذواتنا، ولكننا نؤمن أننا نستطيع أن نعمل الأعمال المرضية أمامه باختيارنا بحسب ما وهبنا من قدرات عقلية. هذه هي قناعتنا وهذا هو ما يقودنا إلى الإيمان به”.
المرجع السابق، الدفاع الأول، الفصل العاشر، ص ٣٦، ٣٧.
ويؤكد ق. يوستينوس في نفس السياق على حرية إرادة الإنسان في ارتكاب الفضيلة أو الرذيلة داحضًا التعليم بالإرادة المقيدة بالشر كالتالي:
“وعندما خلق الله الإنسان في البدء وهبه قوة الفهم، واختيار الحق، وعمل الصواب، ولذلك فإن كل الناس بلا عذر أمام الله، لأنهم وُلدوا قادرين على التفكير والتأمل*. وإذا كان أحد لا يؤمن أن الله يهتم بهذه الأمور، فكأنه يقول إما أن الله غير موجود، أو إنه موجود ولكنه يسعد بالشر*، أو إنه مثل الحجر [لا يتأثر] وعلى ذلك تكون أيضًا كل من الفضيلة والرذيلة أشياء غير حقيقية، بل إن الأمور تُعتبر فقط صالحة أو شريرة حسب وجهة نظر الناس*، وهذا هو أعظم الشرور وعدم التقوى”.
المرجع السابق، الفصل ٢٨، ص ٥٧.
ثم ينتقل ق. يوستينوس للحديث عن أسباب المعمودية وطقسها الذي يعود إلى الرسل. حيث يؤكد ق. يوستينوس على أن المعمودية باسم الثالوث القدوس هي تقليد رسولي من أجل الولادة الثانية من الماء والروح، ومن أجل استنارة العقول، ومن أجل غفران الخطايا السابقة للبالغين الذين أخطأوا قبل المعمودية، ولم يأت على ذكر أن المعمودية كانت لمغفرة الخطية الأصلية الموروثة من آدم بالتناسل، لأن هذا المفهوم بالنسبة للقديس يوستينوس هو مفهوم غنوصي حاربه ق. يوستينوس في جميع كتاباته بضراوة. حيث يقول التالي:
“ثم نقودهم إلى مكان به مياه فيُولدون من جديد* بنفس الطريقة التي قد وُلدنا بها ثانيةً* باسم الله أبي وسيد كل أحد ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس، ثم ينالون الاغتسال بالماء لأن المسيح قد قال: إن لم تُولدوا مرة ثانيةً فلن تدخلوا ملكوت السموات (يو٣: ٣) ، ومن الواضح للحميع أنه لا يمكن لأحد أن يدخل بطن أمه ويُولد ثانيةً […] وهذا هو السبب الذي علمنا إياه الرسل* لممارسة المعمودية بهذه الطريقة. فنحن لم ندرك ميلادنا الأول على الإطلاق، بل وُلدنا اضطرارًا من أصل سائل من خلال اتحاد أبوينا، ثم تمرسنا في عادات خاطئة وشريرة*.
ولكي لا نظل أبناءً للاضطرار والجهل، بل نصير ابناء الاختيار الحر والمعرفة* ولكي ننال مغفرة خطايانا السابقة*، ففي الماء يتم الدعاء باسم الله سيد وأبي الكل على الشخص الذي يريد أن يُولد من جديد*، وقد تاب عن خطاياه*، وهذه التسمية وحدها هي التي ينطق بها مَن يقود المعمد إلى جرن المعمودية، لأنه ليس لأحد أن يطلق أسماء على الله غير الموصوف، وإذا تجرأ أحد على ذلك فهو يُعتبر مختل العقل.
وهذا الاغتسال يُسمى استنارة* لأن الذين ينالون هذا السر تستنير عقولهم، وأيضًا الذي ينال الاستنارة* يعتمد باسم يسوع المسيح الذي صُلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي سبق وبشر من خلال الأنبياء عن كل الأمور الخاصة بيسوع”.
المرجع السابق، الفصل ٦١، ص ٨٨، ٨٩.
ويدحض ق. يوستينوس مرة أخرى آراء الفلاسفة الرواقيين ومن ورائهم الغنوصيين بالقدرية والجبرية مؤكدًا على حرية إرادة الإنسان، وإنهم بقولهم ذلك إما يؤكدون على التحول والتغير الدائم لله أو وجود الله في كل خطية، فالتعليم بالشر الموروث أو الخطية الموروث، والإرادة المقيدة بالشر، وسبق تعيين الخطاة يرتد بالأساس على الله وهكذا يؤكد وجوده جزئيًا أو كليًا في كل خطية، حيث يقول التالي:
“فبقولهم إن أفعال البشر تخضع للقدر* هم يعترفون بأنه: إما أن الله ليس سوى تلك الأشياء التي تتحول وتتغير على الدوام*، وتذوب في العناصر ذاتها – ويبدو أنهم لا يدركون إلا الأمور الفانية – ويؤكدون أن الله ذاته جزئيًا أو كليًا يوجد في كل خطية*، وإنه لا يوجد ما يُسمى بالرذيلة والفضيلة على الإطلاق، وهذا ضد كل رأي، وعقل، ومنطق سليم”.
المرجع السابق، الدفاع الثاني، الفصل السابع، ص ١١٣.
ويؤكد ق. يوستينوس على أن البشر مثل آدم وحواء جلبوا على أنفسهم الموت بسبب تعديهم وصايا الله، ويؤكد على أن غاية الله من خلق الإنسان هو أن يمنحه التأله بالنعمة والتحرر من الألم والموت، حيث يقول التالي:
“ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت لكم أن الروح القدس يوبخ الناس الذين خُلقوا على صورة الله متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم*، فلكم أن تفسروا المزمور السابق كما شئتم. لقد بيّن لنا المزمور أنهم حُسبوا مستحقين أن يصيروا آلهةً*، ويكون لهم السلطان أن يصيروا أبناء العلي، إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كما حدث مع آدم وحواء”.
المرجع السابق، الحوار مع تريفون اليهودي، الفصل ١٢٤، ص ٢٩٩.
ويؤكد ق. يوستينوس على أن المسيح لم يكن محتاجًا للتنازل والميلاد والصلب، بل فعل ذلك فقط من أجل الإنسان الساقط تحت سلطان الموت وغواية الحية، مؤكدًا على أن الخطية لا تُورث، بل هي فعل إرادي شخصي خاص بكل واحد من البشر حسب حرية إرادته كالتالي:
“كذلك فإن المسيح لم يتنازل ويُولد ويُصلب، لأنه كان محتاجًا للميلاد أو الصلب، بل فعل هذا فقط لأجل الإنسان الذي منذ وقت آدم هو ساقط تحت سلطان الموت وغواية الحية، إذ كان لكل إنسان تعدياته وشروره الخاصة*. وإذ أراد الله أن يفعل الملائكة والناس ما أعطاهم القدرة على فعله، وهبهم حرية الإرادة والقدرة على الاختيار* حتى إنهم إذا اختاروا أن يفعلوا ما يرضيه يحفظهم للحياة الأبدية بلا دينونة، ولكن إذا فضّلوا أن يفعلوا الشر فهو يعاقب كل واحد كما يشاء”.
المرجع السابق، الفصل ٨٨، ص ٢٥٤.
ويحذر ق. يوستينوس تحذيرًا شديدًا من مزاعم أن الجسد هو أصل الخطية، وإنه الذي يدفع النفس لارتكاب الخطية، بل العكس صحيح يأتي التحفيز على فعل الخطية من الإرادة في النفس، وهكذا يخطئ الاثنان معًا، وهنا يدحض مزاعم الغنوصية بانتقال الخطية بالتناسل والتزواج عن طريق الجسد، وهكذا يدحض تعليم الخطية الأصلية الموروثة بالتناسل والتزاوج كالتالي:
“إنهم يدّعون في مزاعمهم أن الجسد هو أصل الخطية*، وهو الذي يدفع الروح إلى السقوط معه، وبالتالي يلقون عليه وحده مسئولية سقوط كل من الروح والجسد معًا. ولكن هل يمكن للجسد أن يخطئ وحده بدون أن تحفزه الروح أولاً على الخطية*؟ […] كما أنه إذا كان الجسد وحده هو مصدر الخطية. إذًا، فقد جاء المخلص من أجله فقط*، حيث يقول الكتاب: ‘لم آت لأدعو أبرارًا، بل خطأةً إلى التوبة’ (مر٢: ١٧)، وقد أثبتنا قبلاً أن الجسد البشري ثمين في عيني الله* وهو أثمن مخلوقاته، لذا فقد جاء يسوع المسيح ليخلصه من الخطية”.
المرجع السابق، عن القيامة، الفصل ٨، ص ٤١٨.
نستنتج من هنا أن ق. يوستينوس الشهيد لم يعلم بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج مثله مثل جميع الآباء اليونانيين قبله وبعده، ولم يأت أي ذكر لتعليم الخطية الموروثة، أو الإرادة المقيدة بالشر، أو سبق التعيين للأبرار والخطاة في كتاباته كما هي في المفهوم اﻷوغسطيني.
الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس ثيؤفيلوس الأنطاكي – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس ثيؤفيلوس الأنطاكي – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس ثيؤفيلوس الأنطاكي
يُعتبر ق. ثيؤفيلوس أسقف أنطاكية في القرن الثاني أحد الآباء المدافعين عن الإيمان المسيحي آنذاك. كتب ق. ثيؤفيلوس ثلاث كتب للدفاع عن الإيمان المسيحي إلى أتوليكوس.
سوف نفحص هذه الكتب الثلاث للوصول إلى أفضل تصور للقديس ثيؤفيلوس الأنطاكي عن الخطية الجدية، وهل كان التعليم بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج تعليم رسولى كنسي مستلم منذ القدم؟ وهل يتفق تعليم ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي عن الخطية الجدية مع التعليم الأوغسطيني بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج؟
يتحدث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي عن أن الإنسان هو تاج الخليقة وبسقوطه في الشر والخطية، جعل الخليقة كلها شريرة، وهكذا بتعديه تعدت الخليقة أيضًا، وعندما يعود الإنسان مرةً أخرى إلى حالته الطبيعية، ستعود الخليقة كلها إلى حالتها الأصلية، حيث يقول التالي:
“الحيوانات البرية دُعيت هكذا لأنه يتم اصطيادها. لم تُخلق في البدء شريرةً أو سامةً، لأن الله لم يخلق أي شيء من البداية شريرًا. بل كل شيء كان حسنًا وحسنًا جدًا (تك١: ٣١). لكن خطية الإنسان جعلتها شريرةً، لأنه عندما تعدى الإنسان تعدوا هم أيضًا معه. إذا سلك رب البيت حسنًا فبالضرورة يعيش خدامه بشكل لائق، وإذا أخطأ رب البيت فإن عبيده يخطئون معه. هكذا اتضح أن الإنسان، السيد أخطأ، وأخطأ عبيده معه. وحينما يعود الإنسان ثانيةً إلى حالته الطبيعية، ولا يعود يفعل الشر، فإنهم سيعودون أيضًا إلى ترويضهم الأصلي (راجع إش ١١: ٦-٩)”.
(الرد على أتوليكوس ٢: ١٧)
ثم يتحدث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي عن خلقة الإنسان في حالة متوسطة ما بين الفناء والخلود، فالإنسان لم يكن خالدًا بالطبيعة منذ البدء، بل كان سينال الخلود بعد ذلك كهبة وعطية من الله له بثباته وسلوكه بحسب الوصية، فيقول التالي:
“عندما أقام الله الإنسان، كما سبق وقلنا، في الجنة ليعملها ويحرسها، أمره أن يأكل من كل الثمار، بما في ذلك كما هو واضح من ثمار شجرة الحياة. وأمره ألا يذق من شجرة المعرفة فقط. لقد أخرجه الله من الأرض التي صنع منها الجنة معطيًا إياه فرصة للتقدم، بحيث بالنمو والنضوج، وكذلك بعد أن دُعي إلهيًا عساه أن يصعد إلى السماء (لأن الإنسان خُلق في حالة متوسطة، ليس فانيًا تمامًا، وليس خالدًا تمامًا، وإنما قادر على كلتا الحالتين، هكذا بالمثل مكانه الجنة من حيث الجمال، خُلق متوسطًا بين العالم والسماء) ليملك الخلود. تعبير ‘ليعملها’ لا يتضمن أية مهمة أخرى سوى حفظ وصية الله*، خشية أن يدمر نفسه بالعصيان*، كما فعل من خلال الخطية”.
(الرد على أتوليكوس ٢: ٢٤)
وهكذا يؤكد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي أن شجرة المعرفة ثمارها جيدة ولم تكن تحمل الموت، بل جاء الموت نتيجة العصيان، حيث يقول التالي:
“كانت شجرة المعرفة جيدة وثمارها جيدة، لأن الشجرة لم تحتو على الموت*، كما يفترض البعض، بل هذا نتيجة العصيان*. لأنه لم يوجد شيء في الثمرة سوى المعرفة، والمعرفة شيء صالح إذا استُخدمت بشكل صحيح”.
(الرد على أتوليكوس٢: ٢٥)
ثم يتحدث ق. ثيؤفيلوس عن أمر رأيناه عند ق. إيرينيؤس وهو أن الإنسان آدم في بداية خلقته كان في عمر طفل رضيع، وإنه كان في مرحلة نمو وتقدم نحو الكمال، وبالتالي عندما حذره الله بعدم الآكل من شجرة المعرفة لم يكن عن غيرة وحسد في الله حاشا! بل كان مجرد اختبار لبساطته وحفاظه على براءته لأطول وقت. حيث يقول التالي:
“كان آدم في عمر رضيع في عمره الفعلي، ومن ثم لم يكن قادرًا بعد على اكتساب المعرفة بشكل صحيح. لأنه في وقتنا الحالي عندما يُولد طفل لا يستطيع أن يأكل الخبز مباشرةً، وإنما يتغذى أولاً على اللبن، ثم مع زيادة عمره، يتقدم إلى الأطعمة الصلبة. هكذا كان يُفترض أن يحدث: لذلك لم يكن الله يشعر بالغيرة*، كما يفترض البعض في أمره لآدم بعدم الآكل من شجرة المعرفة. كذلك أراد الله أن يختبره ليرى هل سيظل بسيطًا ومخلصًا لوقت أطول محافظًا على طفولته”.
(الرد على أتوليكوس ٢: ٢٥)
ويكمل ق. ثيؤفيلوس في نفس السياق بأن الوصية أو الشريعة ليست هي التي تنتج العقوبة، بل العصيان والتعدي. وأن الألم، والمعاناة، والحزن، والموت كانت هي نتائج التعدي والعصيان، كما يؤكد على أن العقوبة للإنسان كانت تأديبية من أجل الإصلاح والتقويم مثلما يعاقب الأب ابنه كالتالي:
“مرة أخرى، عندما تأمر الشريعة بالامتناع عن شيء ولا يطيع أحدهم، فإن الشريعة ليست هي التي تنتج العقوبة، بل العصيان والتعدي*. لأن الأب يأمر ابنه بالامتناع عن بعض الأمور، وعندما لا يطيع الطفل الوصية الأبوية، فإنه يُضرب ويحصل على التأديب بسبب عصيانه. هكذا الأمر مع الإنسان الذي جُبل أولاً، فإن عصيانه أدى إلى طرده من الجنة. ليس لأن شجرة المعرفة احتوت على أي شر، لكن لأنه بسبب العصيان حصل الإنسان على الألم، والمعاناة، والحزن، وفي النهاية وقع ضحية الموت”.
(الرد على أتوليكوس ٢: ٢٥)
ثم يؤكد ق. ثيؤفيلوس على أن عقوبة الله للإنسان لم تكن عقوبة جزائية ولا قانونية، بل عقوبة شفائية تأديبية من أجل الإصلاح والتقويم، وليس الانتقام والترهيب، كما كانت العقوبة لمنع تأبيد حالة الخطية واستمرارها إلى الأبد كالتالي:
“عندما حدث ذلك (أي العصيان)، وهب الله نفعًا عظيمًا للإنسان*. لم يدعه يبقى إلى الأبد في حالة الخطية*، لكن إن جاز التعبير، بنوع من العقوبة* طرده خارج الجنة، حتى من خلال هذه العقوبة يكفر عن خطيته في فترة من الزمن، وبعد التأديب* يمكن أن يعود لاحقًا”.
(الرد على أتوليكوس٢: ٢٦)
ويكرر ق. ثيؤفيلوس مرة أخرى تأكيده على الحالة الوسطية التي خُلق عليها الإنسان، فهو لم يكن فانيًا بالطبيعة ولا خالدًا بالطبيعة، بل خلوده كان متوقف على حفظه للوصية الإلهية وهكذا يربح الخلود كمكافأة ويصير إلهًا بالنعمة، وهذه هي عقيدة التأله نجدها عند ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي، مما يؤكد على أن غاية خلق الإنسان كانت هي تأليهه، ولكن الإنسان بعصيانه جلب على نفسه الموت وهو المسئول عن موته، حيث يقول التالي:
“ولكن قد يقول أحدهم لنا: هل خُلق الإنسان فانيًا بالطبيعة؟ لا، على الإطلاق. هل خُلق إذًا خالدًا؟ ولا نقول هذا أيضًا. ولكن سيقول أحدهم: هل خُلق إذًا كلا الشيئين على الإطلاق؟ نحن لا نقول هذا.
في واقع الأمر، لم يكن الإنسان فانيًا أو خالدًا بالطبيعة*. لأنه لو خلقه الله خالدًا من البداية لكان جعله إلهًا*. مرة أخرى، لو خلقه فانيًا كان سيبدو أن الله مسئولاً عن موته. لذلك لم يخلقه الله خالدًا أو فانيًا، بل كما قلنا في السابق، قادرًا على كليهما*. فإنْ توجه إلى حياة الخلود بحفظه وصايا الله (راجع مت ١٩: ١٧) ربح الخلود كمكافأة منه وصار إلهًا*. ولكن إنْ توجه إلى أعمال الموت عاصيًا الله*، صار مسئولاً عن موته”.
(الرد على أتوليكوس٢ : ٢٧)
ثم يتحدث ق. ثيؤفيلوس عن أن مشكلة الإنسان كانت هي الموت الناتج عن عصيان الإنسان، فيقول التالي:
“فما حصل عليه الإنسان لنفسه من خلال تغافله وعصيانه، يمنحه الله الآن له مجانًا بفضل محبته ورحمته، عندما يطيعه الإنسان. لأنه كما بالعصيان جنى الإنسان الموت لنفسه*، هكذا بالطاعة لمشيئة الله (رو٥: ١٨- ١٩) يستطيع كل مَن أراد أن يحصل على الحياة الأبدية لنفسه*. لأن الله أعطانا شريعة ووصايا مقدسة. وكل مَن يؤديها يستطيع أن يخلص (راجع مت١٩: ٢٥)، وعندما يبلغ القيامة (راجع عب١١: ٣٥)، يرث عدم الفساد* (١كو١٥: ٥)”.
(الرد على أتوليكوس ٢: ٢٧)
ويشير ق. ثيؤفيلوس في نفس السياق أن الموت ظهر مع قتل قايين لأخيه هابيل، وهكذا يصل الموت إلى الجنس البشري كله، ولم يتحدث عن أي خطية موروثة أو شر موروث في الإنسان كالتالي:
“عندما رأى إبليس أن آدم وزوجته ليسا فقط أحياء، بل أنجبا ذريةً أيضًا، غُلب من الحسد، لأنه لم يكن بالقوة الكافية ليميتهم. ولأنه رأى أن هابيل يرضي الله، فعمل على أخيه المسمى قايين، وجعله يقتل أخاه. ومن ثم ظهرت بداية الموت في هذا العالم*، ليصل إلى الجنس البشري كله إلى هذا اليوم”.
(الرد على أتوليكوس٢: ٢٩)
وهكذا نستنتج أن ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي لم يعلم بتعليم وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما هو في المفهوم اﻷوغسطيني، وبالتالي لم يكن التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم رسولي أرثوذكسي مسلم من الآباء الرسل إلى الكنيسة في زمن ق. ثيؤفيلوس أسقف أنطاكية في القرن الثاني وأحد أشهر الآباء المدافعين عن الإيمان المسيحي آنذاك.
