تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» و«تويتر»، عددا من الصور لضحايا حادث انفجار الكاتدرائية المرقسية بالعباسية والذي حدث صباح اليوم وأسفر عن مقتل 25 شخصًا وإصابة 49 آخرين.وكان انفجار قد وقع صباح اليوم الأحد، داخل الكنيسة البطرسية بالكاتدرائية المرقسية ما أسفر عن مقتل 25 شخصًا وإصابة 49 آخرين.
58 – لقـب ابـن الإنسـان، هليدل على أن المسـيح إنسـان فقـط؟
ابن الإنسان كما لقب به الرب يسوع المسيح نفسه:
لقب المسيح نفسه ابن الإنسان وكان اللقب المفضل بالنسبة له ولم يلقبه به أحد ولم يأت على لسان أحد غيره في الإنجيل بأوجهه الأربعة إلى مرة واحدة عندما سأله اليهود: من هو هذا ابن الإنسان؟”.
† فما هو مغزى الاسم؟
† ولماذا استخدمه الرب يسوع المسيح؟
† وما هي الصفات التي ارتبطت به، وهل يدل على لاهوته أم على ناسوته فقط، وإن المسيح مجرد إنسان فقط كما يزعم البعض؟
في البداية نقول إن هذا اللقب استخدم في العهد القديم سواء في سفر العدد أو سفر المزامير أو سفر أشعياء أو سفر حزقيال “ابن آدم” بمعنى عام هو الإنسان في اتضاعه وضعفه كالمخلوق من تراب بالمقارنة مع الله الخالق في رفعته وسموه..
ولكن عندما جاء على لسان المسيح ولقب به نفسه فقد استخدمه بمعنى آخر ومغزى آخر تماماً، استخدمه ليشير به إلى نفسه كالمسيح الآتي والمنتظر الذي هو ليس مجرد إنسان من تراب، بل هو الرب الذي من السماء، استخدمه ليعبر به عن نفسه كالإله المتجسد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته (إنسانيته). فقد كان هو ابن الانسان الآتي من نسل آدم “وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي….
بن آدم” (لو 3: 23-38)، كإنسان، ولكنه في نفس الوقت هو “ابن الله الحي” (مت 16: 16)، الرب الآتي من السماء، كإله. يقول القديس بولس بالروح في المقارنة بين آدم والمسيح “الإنسان الأول من الأرض ترابي. الإنسان الثاني الرب من السماء. كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضاً وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً”. (1كور 15: 47-48). فالمسيح إذاً هو ابن الإنسان الذي هو الرب الآتي من السماء كقول الرب يسوع المسيح نفسه “فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولاً” (يو 6: 26).
هو كلمة الله الذي تجسد وصورة الله الذي اتخذ صورة عبد، الله الذي حل بملء لاهوته في الجسد، ظهر في الجسد، يقول الكتاب:
† “والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده” (يو 1: 14)، وصار جسداً هنا تعني، اتخذ جسداً، صار بشراً “والكلمة صار بشراً”.
† الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب” (في 2: 6-8).
† “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كو 2: 9).
† عظيم هو سر التقوى: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رفع في المجد” (1تي 3: 16).
وخلاصة هذه الآيات أن الرب يسوع المسيح هو كلمة الله وصورة الله، الله بكل ملئه، بكل ملء لاهوته، لكنه أخلى نفسه بمعنى حجب لاهوته في ناسوته، افتقر وهو الغني “فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، أنه من أجلكم افتقر وهو غني، لكي تستغنوا أنتم بفقره” (2كو 8: 9). وقال عن نفسه “للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (مت 8: 20). ظهر في الجسد، اتحذ جسداً وصورة العبد، صائراً في شبه الناس وهيئة الإنسان، وولد من امرأة “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة” (غل 4: 4) ودعي إنسان وابن الإنسان ولكن لم يتغير عن كونه كلمة الله وصورة الله، الله بملئه.
كان لقب ابن الإنسان يحمل في ذاته كل صفات المسيح اللاهوتية والناسوتية، كالإله المتجسد. كان يعني دائماً، على فم الرب يسوع المسيح، المسيح كما هو؛ المسيح كما تنبأ عنه أنبياء العهد القديم والذي وهو ابن إبراهيم والكائن قبل إبراهيم “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (يو 8: 58)، أي الموجود الدائم، والذي من نسل داود ورب داود، كقوله “أنا أصل وذرية داود” (رؤ 22: 16)، والذي من بين إسرائيل ولكنه الإله القدير “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام.” (أش 9: 6)، “ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد” (رو 9: 5).
كان لقب “ابن الإنسان” هو اللقب المفضل لدي يسوع والذي أطلقه على نفسه ولم يطلقه عليه أحد لأنه كان يؤكد دائماً أنه المسيح بكل صفاته كالإله المتجسد، فلماذا استخدمه الرب يسوع المسيح ولم يعلن صراحة أنه هو المسيح؟!
ولم يعلن الرب يسوع المسيح عن نفسه أنه المسيح الآتي والمنتظر إلا في مرات محدودة وخاصة جداً لأن لقب المسيح كان يعني في مفهوم اليهود في عصره، وما يزال، كما تصوروا فيما جاء عنه في نبوات أنبياء العهد القديم، إنه صاحب المعجزات والمحارب القوي والسياسي القدير الذي سيحرر اليهود من الرومان ويرد الملك لإسرائيل (أع 1: 6)، ويسود على العالم بالقوة ويجعل من أورشليم عاصمة العالم العسكرية والسياسية والدينية، ويجعل اليهود سادة العالم عسكرياً وسياسياً ودينياً.
بل وفي معظم الأوقات التي تصور فيها اليهود أنه هو المسيح الآتي والمنتظر كانوا يلقبونه فيها بملك إسرائيل وكانوا يحاولون تتويجه ملكاً! وعلى سبيل المثال فعندما كشف لنثنائيل بعض الأسرار، يقول الكتاب أجاب نثنائيل وقال له “يا معلم أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!” (يو 1: 49)، وعندما أشبع الجموع بخمسة خبزات وسمكتين يقول الكتاب “فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: “إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم!” وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده” (يو 6: 14-15)، وعند دخوله الانتصاري لأورشليم يقول الكتاب أيضاً: “فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه وكانوا يصرخون: أوصنا! مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل” (يو 12: 13).
ولما سأله رئيس الكهنة إن كان هو المسيح ابن الله الحي قال له “أنت قلت! وأيضاً أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء” (مت 26: 64)، فمزق رئيس الكهنة جبته واتهمه بالتجديف!! وكانت تهمته التي قدموه بها إلى بيلاطس هي أنه قال إنه ابن الله وأنه ملك اليهود “ثم دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له: “أأنت ملك اليهود؟” أجابه يسوع: “أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟” أجابه بيلاطس “ألعلي أنا يهودي؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ. ماذا فعلت؟”، أجاب يسوع: “مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون كي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليس مملكتي من هنا” (يو 18: 33-36).
كان المسيح ملكاً ولكن ليس كما فهم اليهود وما زالوا يتوقعون في مسيحيهم الذي ما زالوا ينتظرونه! وإنما هو ملك الملكوت “ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤ 19: 16).
إذاً فماذا يعني لقب ابن الإنسان كما استخدمه الرب يسوع المسيح؟ يعني اللقب كما بينا أعلاه أنه هو المسيح، الآتي والمنتظر كالإله المتجسد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته:
ابن الإنسان الذي هو رب الملائكة؛ يقول الكتاب لما رأي الرب يسوع المسيح “نثنائيل مقبلاً إليه فقال عنه: “هوذا إسرائيلي حقاً لا غش فيه”. قال له نثنائيل: “من أين تعرفني؟” أجاب يسوع: “قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك”. فقال نثنائيل: “يا معلم أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!” أجاب يسوع: “هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا!” وقال له: “الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان”. (يو 1: 47-51).
ابن الإنسان الكلي الوجود، الموجود في كل مكان: في حديثه مع نيقوديموس أحد قادة اليهود قال الرب يسوع المسيح: “وليس أحد صعد إلى السماء إلى الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13). وهنا يؤكد أنه الموجود في كل مكان في السماء وعلى الأرض في آن واحد، فهو ابن الإنسان النازل من السماء والصاعد إلى السماء والموجود في نفس الوقت في السماء. وقد أكد ذلك أيضاً في قوله لليهود “فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولاً!” (يو 6: 62)
ابن الإنسان هو ابن الله الذي له كل ما لله الآب من صفات وألقاب ويعمل جميع أعمال الله. يقول الكتاب “فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعلم”. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضاً أن الله أبوه معادلاً نفسه بالله. فقال يسوع لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك.
لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله وسيريه أعمالاً أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم. لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضاً يحي من يشاء. لأن الآب لا يدين أحد بل قد أعطى كل الدينونة للابن لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب… الحق الحق أقول لكم: إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون. لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان” (يو 5: 17-27).
ابن الإنسان النازل من السماء ليعطي الحياة الأبدية: قال الرب يسوع “أعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه، لن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم. فقالوا له: يا سيد أعطنا في كل حين هذا الخبز” فقال لهم يسوع: “أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً. ولكني قلت لكم أنكم قد رأيتموني ولستم تؤمنون… لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني” (يو 6: 27-38).
ابن الإنسان هو ابن الله الحي: يقول الكتاب “ولما جاء يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه: من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟ فقالوا: قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء. قال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس: أنت هو المسيح ابن الله الحي. فقال له يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحماً ودماً لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات” (مت 16: 13-18).
ابن الإنسان هو رب الملائكة والبشر: الذي سيأتي على السحاب عند نهاية العالم ليدين المسكونة بالعدل ويجازي كل واحد بحسب أعماله “فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله” (مت 16: 27).
† “الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان اتياً في ملكوته”. وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين. وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وصوت من السحابة قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا”. ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جداً. فجاء يسوع ولمسهم وقال: “قوموا ولا تخافوا”. فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده. وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً: “لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات” (مت 16: 28؛ 17: 1-9).
† “متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر” (متى 19: 28)
† “متى جاء اين الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم…. ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته… فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية” (مت 25: 31-46).
ابن الإنسان غافر الخطايا:
† “وجاءوا إليه مقدمين مفلوجاً يحمله أربعة… فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: “يا بني مغفورة لك خطاياك”. وكان قوم من الكتبة هناك جالسين يفكرون في قلوبهم: “لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر الخطايا إلى الله وحده؟” فللوقت شعر يسوع بروحه أنهم يفكرون هكذا في أنفسهم فقال لهم: أيما أيسر: أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم أن يقال: قم واحمل سريرك وامش؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا” قال للمفلوج: “لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك”.
فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجدوا الله قائلين: “ما رأينا مثل هذا قط!” (مر 2: 3-13). وهنا يؤكد أنه يملك السلطان لغفران الخطايا، في حين أنه لا يغفر الخطايا إلا الله وحده مؤكداً حقيقته لاهوته.
ابن الإنسان هو الفادي الذي جاء ليبحث عن الضالين وليبذل نفسه، كالإله المتجسد، عن خطايا العالم، لذا يقول عنه الكتاب أنه رب المجد الذي صلب “لأنه لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (1كو 2: 8)، والله الذي فدى الكنيسة بدمه “كنسية الله التي اقتناها بدمه” (أع 20: 28)، والذي انتصر على الموت انتصاراً نهائياً بقيامته من الأموات. وكانت آلامه وصلبه وموته حتمية “لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك” (مت 18: 11). “إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مت 20: 28).
† “وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم” (مر 8: 31).
† “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.” (يو 3: 14-15).
أخيراً ابن الإنسان هو رب العالمين: قال يسوع المسيح لتلاميذه قبل صعوده مباشرة “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 18-20)، ويضيف الإنجيل للقديس مرقص “ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله. وما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة” (مر 16: 19-20).
وهكذا بعد آلامه وقيامته كابن الإنسان، كالإله المتجسد، لم يعد يستخدم ذلك اللقب الذي كان محبباً إليه وإنما استخدم لقبه الأساسي “الرب” والذي استخدم في سفر الأعمال وحده 110 مرة عن المسيح الممجد القائم من الأموات والجالس عن يمين العظمة في السماوات كرب الخليقة ومدبرها، كما قال عنه القديس بطرس “هذا هو رب الكل” (أع 10: 36).
والخلاصة هي أن لقب ابن الإنسان استخدمه الرب يسوع المسيح وأطلقه على نفسه ولم يطلقه عليه أحد ليعبر به عن كونه الإله المتجسد، المسيح الآتي والمسيا المنتظر، ابن داود وربه وابن إبراهيم والكائن الدائم الأبدي الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية، المولود من اليهود بحسب الجسد وهو الكائن على الكل الإله القدير والمبارك إلى الأبد. إنه لا يبرهن أن المسيح مجرد إنسان فقط وإنما يبرهن لاهوته كما يبرهن حقيقة ناسوته، تجسده وكونه الإله المتجسد الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً، الله بكل ملئه، فهو الله الظاهر في الجسد.
يرتبط الحديث عن ملكوت الله ارتباطًا وثيقًا بما نعرفه عن مفهوم الشعب والأرض والوعد.
وعندما نتكلم عن ” ملكوت الله ” أو مملكة الله ” فهل هذا أن لهذه المملكة شعبًا معينًا ومختارًا وأرضًا محددة معروفة حسب الوعد الصادر من الله.
والسؤال الأهم هل هناك ارتباط بين ” ملكوت المسيح الآتى ” وبين اجتماع هذا ” الشعب المختار ” فى أرض بعينها تحقيقًا للوعد الإلهى.
وللإجابة على هذه الأسئلة الهامة لحياتنا الإيمانية يجب علينا أن نفهم ومن خلال نصوص الكتاب المقدس معنى هذه المصطلاحات: الشعب والوعد والأرض وعلاقتها بتحقيق هدف الله من جهة البشرية، ومملكة الله.
الشعب:
يخبرنا سفر التكوين عن قصة هذا الشعب والتى بدأت بخروج إبراهيم من وطنه الأصلى بمدينة أور الكلدانيين ـ حسب أمر الله له ليسكن ولسيتقر فى بلد غريب ” وقال الرب لأبرام أذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك، فأجعلك أمة عظيمة وأبارك وأعظم أسمك وتكون أمة عظيمة وأبارك وأعظم أسمك وتكون بركة وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه ويتبارك فيك جميع قبائل الأرض (تك1:12ـ3).
ثم قطع الرب مع أبرام ميثاقًا بقوله: ” قال الله لإبراهيم وأما أنت فتحفظ عهدى أنت ونسلك من بعدك فى أجيالهم، هذا هو عهدى الذى تحفظونه بينى وبينكم، وبين نسلك من بعدك يختن منكم كل ذكر فتختنون فى لحم غرلتكم فيكون علامة عهد بينى وبينكم ” (تك1:17ـ8).
شعب الله:
برز شعب إسرائيل* تاريخيًا كشعب لا بسبب العوامل العرقية والجغرافية واللغوية والحضارية التى تشارك فى تكوين أى شعب، لكن أيضًا يفعل وعيه العميق لعلاقة فريدة تجمع بينه وبين الله. ومن هذا المفهوم الكتابى لهذه العلاقة بين هذا الشعب وبين الله ” شعب الله ” ينبع مفهوم ” الاختيار” حيث يخبرنا الكتاب أن هذا الشعب قد وقع عليه اختيار الله، فما معنى وهدف هذا الاختيار.
الاختيار:
لقد أختبر هذا الشعب معنى كونه يستمد وجوده قبل كل شئ، لا من المقومات العرقية والجغرافية والسياسية واللغوية والحضارية التى تتكون منها الشعوب عادة، بل من علاقة معايشته بالله وهى بالنسبة له محور وجوده وسبب وحدته. فإذًا لهذا الوجود معنى وغاية يستمده من الله ذاته. فهو موجود فى الأساس لتحقيق مقاصد الله وهذا هو بالضبط معنى الاختيار. ” الاختيار هو الطريقة التى ارتضاها الله فى مقاصده من أجل خلاصنا ويهدف إلى تكوين شعب يتكرس لله ويتقدس به والاختيار هذا سيؤول إلى انتشار قداسة الله بين الناس (تث1:7ـ6) ” (1).
الاختيار مسئولية وخدمة:
” طبقًا لنصوص العهد القديم إن اختيار إبراهيم وبيته لم يكن منحًا لامتياز بقدر ما كان تحميلاً لمسئولية ” (2).
مسئولية ملقاة على عاتق هذا الشعب بأن يسعى إلى تحقيق غاية تتجاوزه وإلى تتميم الرسالة التى أفرزه وأختاره الله من أجلها، إنه بالتالى عبئ محيى لأن الله هو إله الحياة وغايته إنما هى حياة الإنسان لذا فمقاصده لابد وأن تكون محييه بالنسبة لمن يؤتمن عليها أو بالنسبة للذين تستهدفهم. ” إن شعب الله علامة لأن يظهر فيه الإله الحي للجميع كيف يخلص هو الإنسان وكيف يقبل الإنسان أو يرفض وهكذا فشعب الله هو أيضًا وسيلة خلاص فإن الله لا يخلص الإنسان بفرض ذاته عليه بل باشتراكه فى خلاصه، وشعب الله أداة وخميرة: أولاً ليتقدس هذا الشعب ثم ليتحول إلى أداة تتقدس بها سائر الشعوب الأخرى والشعب المختار هو أداة لتقديس الاختيار الإلهى الجزئى ولا يكتمل بمجرد اختيار إسرائيل كشعب إنما يكتمل بتقديس الأمم من خلال إسرائيل، يصبح الكل متلهفًا لقبول المسيح كما صرخ سمعان الشيخ قائلاً ” الآن تطلق عبدك أيها السيد حسب قولك بسلام لأن عينى قد أبصرتا خلاصك الذى أعددته أمام وجه جميع الأمم، نورًا لاستعلان الأمم ومجدًا لشعبك إسرائيل ” (لو29:2،30).
والجزء الثانى من سفر إشعياء النبى (40 ـ55) والذى يسمى بكتاب تعزية إسرائيل يوضح أن اختيار الله المجانى لإسرائيل يضع هذا الشعب لا فى موقع التسلط والامتياز والاستعلاء بل فى موضع الخدمة والمسئولية والعطاء ” أما أنت يا إسرائيل خادمى ويا يعقوب الذى اخترته… يا من اخترته من أقاصى الأرض ودعوته من أقطارها وقلت له أنت خادمى واخترته “، ” أنتم شهودى هل من إله غيرى “، ” هانذا جعلتك للشعوب شاهدًا “.
الاختيار ليس بسبب الأفضلية:
والقراءة الدقيقة والواعية للكتاب المقدس توضح أن الاختيار لا يعنى أن إسرائيل كشعب أفضل من سائر الشعوب. وإن الله قد خصه بسبب ذلك بإمتيازات ترفعه فوق الشعوب الأخرى وتمنحه حقوقًا عليها. لقد أوضح سفر التثنية فى مواضع كثيرة أن شعب إسرائيل ليس أفضل شعوب العالم لكى يعطيهم العهد ” لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب لزمكم الرب وأصطفاكم… أنتم أقل من جميع الشعوب، لكن بمحبة الرب لكم ” (تث7:7،8). وأيضًا ” لا تقل فى نفسك.. لأجل برى أدخلنى الرب لأملك هذه الأرض… ولكن… لكى يفى بالقول الذى أقسم الرب عليه لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب… فأعلم أنه ليس لأجل برك أعطاك الرب إلهك هذه الأرض الصالحة لتملكها لأنك شعب قاسى الرقاب ” (تث4:9ـ6).
ومن نبوة حزقيال 44:20 ” وتعلمون إنى أنا الرب… حين اصنع معكم لأجل أسمى لا بحسب طرقكم الشريرة وأعمالكم الفاسدة يا آل إسرائيل يقول السيد الرب “.
لقد تم اختيار إسرائيل إذن بمبادرة إلهية، وهذه المبادرة لا تستدعى مؤهلات وامتيازات ومواهب فى الإنسان. لاسيما وأن كل إنسان قد نال ما هو الأثمن فى الوجود، نعنى بذلك صورة الله المطبوعة فى أعماق كل إنسان.
هدف الاختيار:
لقد دخل الله تاريخ الإنسان عبر بوابة شعب إسرائيل وذلك ليستودعه تدبير قصد الخلاص. وهذا هو السبب الذى من أجله نقرأ فى أسفار العهد القديم عن أن هذا الشعب هو خادم الله (إش21:44) مختار الله (إش4:45) وابنه البكر (خر22:4) وميراثه (إش25:19) وعروسه (هو4:2) (3).
فإذا كان إسرائيل قد أختير ليكون خادمًا وشاهدًا بين الشعوب فإنه بالتالى خادم لهذه الاشعوب كلها لأنه ناقل إليها مقاصد الله. ومقاصد الله إنما هى حياة لكافة شعوب بعد أن زاقت الموت. معنى اختيار إسرائيل هو أن يحمل للشعوب قاطبة بركة الله. هذا هو مدلول وعد الله لإبراهيم ” بك يتبارك جميع أمم الأرض ” (4)(3:12).
فإذا صار هذا الشعب ” لله مسكنًا بين البشر “أستطاع أن يكون شاهدًا بين الأمم لمقاصد الله. وهدف الاختيار يتجاوز حدود القومية الضيقة ويتدرج حسبان علاقة الله بالإنسانية كلها. فهذا الشعب مدعو أن يكون بالدره وحدة كل الشعوب. وهذا ما نجده فى نصوص العهد القديم حيث نجد توجيهات تتعلق بمحبة الغريب و حسن معاملته والمحافظة على حقوقه وذلك على نقيض التعصب القومى والتمييز العنصرى. ” شريعة واحدة
تكون للمواطن والغريب النازل فيما بينكم ” (خر49:12)، ” الغريب فلا تظلمه ولا تضايقه فإنكم كنتم غرباء فى أرض مصر ” (خر25:22). أنظر أيضًا لا33:19ـ33، تث 17:10ـ19، تث14:24ـ15، تث 17:24ـ22، تث29:27.
لكن هل بقى إسرائيل أمينًا للوعد ومخلصًا فى عهده مع الله متممًا هدف اختياره وسبب تميزه أم جنح إلى مجاراة سائر الأمم المحيطة به فانحرف عن دعوته الفريدة، وخان الرسالة التى أئتمنه الله عليها بين الأمم:
* استبدلوا عبادتهم للإله الواحد بإله شبيه بسائر الالهة (العجل) [إله الخصب والحرب فى الشرق] أى لإله يسير فى خط رغائبهم الضيقة ويسمح لهم بأن يكونوا على شاكلة سائر الأمم.
الهوامش:
* كلمة ” إسرائيل ” بالعبرية تعنى ” الله يجاهد ” وأطلقت على يعقوب لأنه جاهد مع الله وغلب (تك27:32،28) ثم أطلقت على أسباط يعقوب الأثنى عشر ” بنى إسرائيل ” فإسرائيل الحقيقى كشعب هو شعب العهد الإلهى
(1) الأب منيف حمصى: هل يُلغى العهد القديم ؟ لبنان 1995م ص 148.
(2) دكتور وليم سليمان قلادة: اليهودية تدحض الصهيونية، مجلة مرقس ديسمبر 1973م.
(3) الأب منيف حمصى: المرجع السابق ص 150.
(4) الأب يوحنا قزمان: أضواء كتابية فى موضوع الطائفية ـ مجلة النور ـ بيروت 1969العدد الأول ص 17ـ29.