برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 3 – لي ستروبل

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 3 – لي ستروبل

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 3 – لي ستروبل

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 3 – لي ستروبل

إقرأ أيضًا: 

تجلط الدم المندفع

كانت هناك فترة استراحة بعد المناقشة لأن عقلي انشغل في التفكير في التعقيد المدهش الخاص بالأهداب والزائدة التي تشبه السوط ونظام نقل الجزيئات. وبينما كنت استعد للمرحلة الثانية من أسئلتي، لاحظ بيه وجود ضماده على أحد أصابعي تغطي جرحاً حدث لي وأنا أحاول التقاط قطة زجاج مكسورة في اليوم السابق.

وعلق بيه على الضمادة التي على أصبعي بالقول: “إن التعقيد الشديد الذي تحدثنا عنه له علاقة بالجرح الذي في اصبعك. فهذا النظام هو الذي أنقذ حياتك”.

سألته: “ماذا تعني؟”

قال: “تجلط الدم. لو لم يتجلط دمك في المكان الصحيح وبالكمية والزمن الصحيح لكنت نزفت حتى الموت. واتضح لنا أن نظام تجلد الدم يتضمن تنظيماً دقيقاً له عشرة خطوات والتي تستخدم حوالي عشرون مكوناً جزيئياً مختلفاً. وبدون هذا النظام المتكامل ككل، فلن يعمل بكفاءة”.

وفجأة شعرت بصعوبة الموضوع فقلت له: “أخبرني بتفصيل أكثر”.

قال: “إن الخدعة الحقيقية للدم المتجلط ليس هي الجلطة نفسها – إنها مجرد نقطة تسد جريان الدم – ولكن تنظيم هذا النظام”.

“إذا حدثت جلطة في المكان الخاطئ – المخ أو الرئة – فسيموت الإنسان. وإذا عملت جلطة لمدة عشرين دقيقة بعد تدفق كل الدم من جسمك، سوف تموت. وإذا لم تُحجز الجلطة الجرح نفسه، فقد تتجمد كل الدورة الدموية وتموت. وإذا عملت جلطة لا تغطي كل الجرح، فسوف تموت. ولكي توجد نظاماً كاملاً ومتوازناً من تجلط الدم، فإن مجموعة مكونات البروتين يجب أن تتدخل فوراً. إن هذا يُبطل التدخل التدريجي الذي ينادي به داروين ويتوافق مع الافتراضية التي تقول بوجود مصمم ذكي”.

بالتأكيد، فكرت في نفسي، لابد من وجود طريقة أخرى. فقلت له: “اقترح بعض العلماء أن عملية تسمى “نسخة جينية طبق الأصل” يمكن أن توضح سبب خلق مكونات جديدة للنظام الحيوي المعقد. فلماذا لا يُتبع نفس النظام مع تجلط الدم؟”

إن النسخة الجينية طبق الأصل يمكن أن تحدث أثناء عملية اقتسام الخلية عندما يُنسخ الحامض النووي DNA من الخلية الأصلية لاستخدامها في الخلية الجديدة. ومن وقت لآخر، قد تنحرف العملية وقطعة من الحامض النووي – ربما احدى الجينات – قد تنسخ مرتين. وهذا يخلق جيناً إضافياً. وبينما يعمل الجين الأصلي الدور المعين له سابقاً، فقد ينحرف الجين الإضافي ويخلق وظيفة جديدة. وقد وضع بعض العلماء هذا الأمر في نظرية وقالوا إنه بهذه الكيفية تخلق مكونات جديدة لأنظمة لا يمكن اختزلها.

أجاب بيه قائلاً: “إن نسخ الجينات يحدث بالتأكيد. ولكن ما لا يدركه نسخ الجينات هو أنه عندما تحصل على نسخة من الجينات فلن يكون هناك بروتين جديد بخواص جديدة. ولكن سيكون نفس البروتين الأصلي. وهذه مشكلة”.

سألته: “هل يمكنك توضيح ذلك؟”

نظر إلى مصيدة الفئران التي كانت لا تزال موجودة على مكتبه وقال: “دعنا نعود مرة أخرى لمثل المصيدة. افترض أن لديك مصيدة تتكون من مكون واحد فقط. بطرفي زنبرك معدني مشدودين حتى إذا جاء الفأر تمسكه المصيدة. وتخيل إنك أردت أن تصنع مصيدة أكثر كفاءة وتتكون من مكونين بها قاعدة خشبية وزنبرك”.

“وطبقاً لفكرة نسخ الجينات، فسوف تعمل نسخة من الزنبرك الأول. والآن لديك زنبركين – فيما عدا الزنبرك الثاني يصبح قاعدة خشبية. هل تدرك عدم الترابط؟ ولا يمكنك القول بأن الزنبرك اتخذ شكلاً معيناً في القاعدة الخشبية بدون العمل أكثر من القول “إن نسخ الجينات هو الذي فعل هذا” والمشكلة هي أن الذين يؤمنون بنظرية داروين لا يعطون تفاصيل عن كيفية حدوث ذلك في العالم الحقيقي”.

وعندما حاول أحد العلماء أن يفهم سيناريو التدرج لكيفية تطور تجلط الدم، لم يستطع تجنب التعميم والقول بأن مكوناً “ظهر” فجأة أو “ولد” أو “انبثق” أو “انطلق”[1]. وما الذي تسبب في كل هذا؟ لا يوجد تفسير معقول يوضح سبب حدوث هذه الخطوات. وهذه التفاصيل تقضي على مثل هذه السيناريوهات.

“وهناك الكثير من المشاكل الأخرى. كيف تطور تجلط الدم بمرور الزمن، خطوة فخطوة، بينما في ذات الوقت ليس لدى الحيوان طريقة مؤثرة لإيقاف النزيف حتى الموت عندما يحدث له جرج، عندما يكون لديك جزء واحد فقط من نظام معين، فلا يعمل هذا النظام، وبذلك لا تعمل بقية المكونات – ويعمل الاصطفاء الطبيعي فقط إذا كان هناك شيء نافع في التو واللحظة وليس في المستقبل”.

“وبالإضافة إلى ذلك، فإن التفسيرات التي يحاول أن يقدمها بعض الناس هي مجرد كلمات. وفي العلم يجب أن تكون لدينا تجارب لنثبت حقيقة أي شيء. ولم يدر أي أحد تجارب ليوضح كيفية تطور تجلط الدم. ولم يتمكن أحد من أن يشرح كيف يمكن لنسخ الجينات أن يطور وظيفة جديدة حيث تبدأ عمل طريقاً معقداً لا يمكن اختزاله”.

الإبقاء على اختبار الحامض

ورغم كل هذا فهناك طريقة علمية لنعرف من خلال معلومات التجارب ما إذا كانت فكرة بيه عن التعقيد الذي لا يمكن اختزاله هي حاجز منيع للدارونية. وكنت في لهفة شديدة لرؤية ما إذا استطاعت أفكار بيه أن تصمد أمام التحدي الهائل لميلر، أستاذ علم الأحياء ومؤمن غيور بنظرية التطور[2].

قال ميلر: إن اختبار الحامض الحقيقي هو باستخدام أدوات الجزيئات الجينية لإزالة نظام متعدد جزئياً لكي يحل محله. وإذا استطاعت عمليات التطور الطبيعية أن تحل محل هذا النظام عندئذ سوف تبطل نظرية بيه.

وبعد وصف تحدي ميلر سألت بيه: “هل توافق على أن هذا الاختبار سيكون اختباراً عادلاً وواضحاً؟”

قال بيه بدون تردد: “نعم أوافق. هذا اختبار رائع”.

ثم قلت: “إن ميلر وصف تجربة قام بها العالم باري هول، من جامعة روتشيستر ليوضح كيف تم هذه بكل وضوح في المعمل. وقال ميلر: “ليس هناك أدنى شك بخصوصه، فإن تطور أنظمة الكيمياء الحيوية يمكن تفسيره بكلمات التطور. إن بيه مخطئ”[3].

قلت لـ بيه: “أخبرني، هل أثبت هول من خلال تجربته أن نظريتك خاطئة؟”

أجاب بيه: “كلا. وفي الحقيقة كان هول متواضعاً للغاية فيما قاله عما أظهرته تجربته. إنه لم يهزم أو يُبطل النظام المعقد ثم يبين كيف يستطيع التطور أن يحل محله. وبدلاً من ذلك، فقد أبطلت أنا مكوناً واحداً من نظام به خمسة أو ستة مكونات. وعند إحلال مكون واحد في نظام معقد فهذا أمراً سهل كثيراً من بناء آخر من لا شيء”.

“ومثلاً، افترض أن أحداً قال لك بأن العمليات الطبيعية يمكنها أن تنتج جهاز تليفزيون. فسوف تقول: “هذا أمر مشوق. لماذا لا تريني إياه؟” وعندئذ سوف ينتزع فيشة كهرباء ألف جهاز. وأخيراً، تأتي رياح قوية وتضع فيشة الكهرباء لأحد الأجهزة ويعمل التلفزيون. عندئذ سيقول هذا الشخص، ها أنت ترى؟ قلت لك أن العمليات الطبيعية بإمكانها ان تنتج تلفزيوناً يعمل. ولكن ليس هذا هو ما حدث تماماً. إنه لم ينتج نظاماً معقداً جديداً، قد حدث خلل ووضح أن ذلك ممكن أن يصلح بعمليات عشوائية”.

“هذا يشبه إلى حد ما، ما حدث في تجربة هول مع بكتريا E. coli فهناك نظام معقد به عدد من أجزاء مختلفة، وقد أبطل واحد منها، وبعد فترة وضح أن العمليات العشوائية قامت بإصلاح وتثبيت هذا الجزء. إنها صيحة بعيدة عن إنتاج نظام جديد تماماً من لا شيء”.

“ولكن هناك شيء ذي أهمية. لقد أوضح هول بأنه، تدخل لكي يحافظ على استمرار النظام بينما التطور كان يحاول أن يجد ما يحل محل الجزء الغائب. وبكلمات أخرى، فقط أضاف مادة كيميائية إلى المزيج والتي أعطته وقتاً لكي يلحق بالتغيرات الفجائية التي أصلحت الخلل. وما كانت لهذه النتيجة أن تحدث في الطبيعة بدون تدخله الذكي في التجربة”.

“وسأعطيك تشبيهاً آخر. افترض أنك أخبرتني بأنه في إمكانك أن تعمل كرسي بثلاثة أرجل من خلال عمليات عشوائية. ستأخذ الكرسي الصغير ذي الثلاثة أرجل وتكسر واحدة منها. ثم تمسك به حتى لا يسقط. وأخيراً، هبت الرياح وأسقطت فرع الشجرة، وبمحض الصدفة سقط الفرع عند رجل الكرسي المفقودة. لقد تدخلت أنت لتحفظ الكرسي من السقوط كما أنك جعلت من الممكن للفرع أن يوجد في المكان الصحيح”.

“ولنرجع إلى تجربة هول. وبدون الدخول في تفاصيل فنية، والتي ذكرتها في إجابات رسمية[4]، في الطبيعة لا يمكنك أن تحصل على التغيير الاحيائي الذي حصل عليه هو في المعمل. كان يجب أن تحصل تلقائياً على تغير ثان – والأمر الغريب في هذا سوف يُمنع. وقد قال هول بوضوح أنه تدخل حتى يحصل على نتائج ما كان يمكن أن تحدث في العالم الطبيعي. وهو هنا يضع مكاناً للذكاء في النظام”.

“وعندما تحلل كل تجربة، فالنتيجة هي تماماً ما تتوقعه من التعقيد الذي لا يمكن اختزاله مع الحاجة إلى التدخل الذكي. ومن غير قصد، فقد أظهر حدود نظرية داروين والحاجة إلى التصميم”.

الدوامات والأعاصير الدوارة

سألت بيه: “ماذا عن البدائل الأخرى للتدرجية الدارونية؟ ماذا عن التنظيم الذاتي؟ لربما هناك نوع من خاصية التنظيم الذاتي في الكيمياء الحيوية والتي تشجع أجزاء الآلات الجزيئية للتجميع الذاتي”.

قال بيه: “تماماً مثلما يوضح الاصطفاء الطبيعي بعض الأشياء، فإن التنظيم الذاتي أيضاً يوضح بعض الأشياء. ويظهر التناقض عندما تستخدم في تفسير الأشياء الضخمة أو كل شيء”.

“صحيح عندما تنزع السدادة من البانيو في حمامك، فالماء يُحدث نوعاً من الدوامة. وهذا ما نسميه بالتنظيم الذاتي: فالمياه تتحرك بطريقة منظمة في حين أنها لم تكن تفعل ذلك من قبل. والأعاصير تنظم نفسها. وإذا مزجت مواد كيميائية معاً بطريقة معينة سوف تحصل على نظام يعمل كساعة الحائط. إنه سيتحول إلى اللون الأزرق، وبعد خمس ثوان سيكون بلا لون ثم يتذبذب للخلف والأمام. ومن هذا يتضح أنه يوجد شيء يسمى بالتنظيم الذاتي”.

“والسؤال هو، هل هذا يفسر ظواهر طبيعية أكثر تعقيداً؟ هل يمكن أن يفسر الشفرة الجينية؟ إن العلماء يحاولون حل لغز أصل الحياة كانوا يكتشفون خواص التنظيم الذاتي لفترات. ورغم ذلك فهم اليوم أكثر ارتباكاً فيما يختص بأصل الحياة أكثر مما كانوا منذ خمسين عاماً. فلم يتوصلوا إلى أي تفسير عن كيف أن التنظيم الذاتي يمكن أن يوضح شيئاً في درجة صعوبة وتعقيد الكائن الحي الأولي”.

“والآن، هناك مبدأ واحد فقط نعرفه يمكنه ان يدرك الأنظمة المتداخلة المعقدة، إنه الذكاء. وقد اقترحوا موضوع الاصطفاء الطبيعي، ولكن ليس هناك دليل يساند هذا الادعاء. وبعض الناس لديهم آمال كبيرة لخواص وامتيازات التنظيم الذاتي أو نظرية التعقيد، ولكن ليس هناك دليل يمكنه أن يوضح شيئاً في درجة تعقيد الخلية. والقوة الوحيدة المعروفة والقادرة أن تعمل آلات التعقيد الذي لا يمكن اختزاله هي التصميم الذكي”.

“ولهذا فالعلماء كانوا في حالة من الفضول ليتجاهلوا شيئاً هم يعرفون أنه قادر على توضيح ما يرونه في علم الأحياء لصالح التفسيرات غير المثبتة إطلاقاً. لماذا يتجاهلون التصميم الذكي وهو يساوي ويتمشى مع المعلومات؟ نعم، علينا أن نتحلى بالذهن المفتوح في العلم، ولكن لا يجب أن نتجاهل أكثر التفسيرات وضوحاً لكل الأدلة التي لدينا اليوم”.

قلت له: “بعض العلماء يرفضون ذلك لسبب واحد لأنهم يدعوا أن التصميم الذكي لا يمكن أن يدحض أو يُكذب”. وكنت أشير هنا إلى الاعتقاد السائد بين الكثير من الفلاسفة والعلماء والذي يقول بأن النظرية لا يمكن أن تكون علمية ما لم توجد طرق قوية لكي نثبت أنها زائفة من خلال التجارب أو وسائل أخرى[5].

أجاب بيه: “هذا أمر سخيف”.

وصممت على كلامي وقلت: “ولكنني سمعته أكثر من مرة. فقد قالت الأكاديمية القومية للعلوم: “إن التصميم الذكي ليس علماً لأنه لا يخضع للاختبارات العلمية”[6].

قال: “نعم، انا أعرف ذلك، ولكن ما يثير السخرية هو أن التصميم الذكي يسمى بطريقة روتينية أنه لا يُدحض من قبل نفس الذين يحاولون أن يثبتوا أنه زائف. ومثلما قلت أنت بأن ميلر اقترح اختباراً لكي يدحض الادعاء بأن الذكاء أمر ضروري لإنتاج نظام معقد لا يمكن اختزاله. ولهذا فأنا لا أفهم المشكلة. والنقطة القوية في التصميم الذكي هي أنه يمكن أن يدحض، تماماً مثلما يحدث لأي نظرية علمية جيدة. وبصراحة أقول إنه يمكن أن يُدحض أكثر من نظرية داروين”.

قلت له: “هل تصدق ذلك؟”

أجاب: “نعم، وسأعطيك مثلاً. إنني أدعي وجود عملية ذكية بإمكانها إنتاج الزائدة البكتيرية. ولأبطال هذا الادعاء فكل ما عليك أن تفعله هو أن تجد عملية غير ذكية بإمكانها أن تنتج هذا النظام. ومن الناحية الأخرى، يدعي الداروينيون أن بعض العمليات غير الذكية بإمكانها إنتاج الزائدة الشبيهة بالسوط. ولكي نُبطل هذا الادعاء عليك أن تبين ان النظام ما كان يمكن أن يُخلق بأي عدد غير محدود من العمليات غير الذكية. وهذا مستحيل أن يحدث. فأي ادعاء منهم يمكن أن يُدحض؟ إنني أقول بأنه الادعاء بالتصميم الذكي”.

وليس هذا هو الاعتراض الوحيد الذي كان يفكر فيه بيه. وبينما كان المؤمنون بنظرية داروين غالباً ما يتهمون المؤيدين لنظرية التصميم الذكي بأنهم يلوّنوا علمهم بصبغة معتقداتهم الدينية، أبلغ بيه مرة أحد مراسلي صحيفة: “من واقع خبرتي أقول إن أولئك الذين يعارضون نظرية التصميم الذكي بقوة فإنهم يفعلون ذلك لأسباب دينية”[7].

سألته: “ماذا تقصد بذلك؟”

قال: “يبدو أن أولئك الذين ينشطون عندما يتحدثون عن نظرية داروين في التطور هو أولئك المهتمون بالجوانب الفلسفية واللاهوتية للنظرية وليس بالعلم نفسه”.

“إن العلماء يقترحون افتراضات طوال الوقت. وليس مساومات. ولكنني إذا قلت “إنني لا أعتقد أن الاصطفاء الطبيعي هو القوة المحركة لتطور الحياة، فإن ذلك سيكون تصميماً ذكياً” فإن الناس لا يوافقون فقط بل سيقفز الكثيرون منهم وتحمر وجوههم. وعندما تتحدث إليهم عنه فإنك لا تثيرهم لأنهم لا يوافقون مع العلم، وسبب ذلك لأنهم يروا المعنى العلمي الذي يتضمنه التصميم الذكي، ولا يحبون أن يعرفوا إلى أين يقودهم”.

وأضاف بيه: “إنني أعتقد أن هذا أمر مقبول. وهذه قضايا هامة ويمكن للناس أن تقبلها عاطفياُ. ولكننا لا يجب أن نستعمل ما نريد أن يكون حقاً لكي نرفض المناقشات أو نحاول تجنبها.

سهم التقدم

إن مفهوم بيه عن التعقيد الشديد لها جوانب إيجابية وسلبية. أولاً، لقد أخذ كلام داروين حرفياً ووضح كيف أن هذه الأنظمة البيولوجية المتداخلة ما كان يمكن أن تُخلق من خلال التعديلات العديدة والمتتابعة والطفيفة التي تتطلبها نظريته. وكانت النتيجة ضربة قوية لنظرية داروين.

ثانياً، أشار بيه إلى وجود بديل لا يفسر بدرجة كافية كيف أن الآلات البيولوجية المعقدة يمكن أن تُخلق. ومرة أخرى، مثلما حدث في لقاءاتي السابقة مع الخبراء في الكونيات وعلم الطبيعة والفلك، فإن كل الأدلة تتعاون معاً وتشير إلى خالق فوق كل هذا الوجود المادي.

ويمكن تلخيص ما توصلت إليه في كلمة واحدة “التصميم”. قال بيه هذا ونحن نأتي إلى نهاية لقائنا: “إنني أقول أن هذا مبني على العلم. وأعتقد أن الأنظمة المعقدة هي أقوى دليل على وجود تصميم مقصود وله هدف قام به مصمم ذكي. ولا تنجح أية نظرية أخرى ولا حتى نظرية داروين”.

“وبناء على الأدلة التجريبية فإنني أوافق مع جوزيف كاردينال رازينجير أن المشروعات العظيمة للمخلوقات الحية هي ليست نتاج الصدفة والخطأ… إنها تشير إلى الخالق وتظهر لنا ذكاء في الخلق، وهي الآن أكثر إضاءة وقوة عن ذي قبل “[8].

قلت له: “إن كتابك قد استُبعد لسنوات عديدة. كيف ثبت وتحمل حتى الآن؟”

قال: “أنا مسرور بما آلت إليه الأمور. لقد جذب انتباه أولئك الذين حاربوه ولم يوفقوا في ذلك. فالأنظمة البيولوجية المعقدة يجب أن تفسر بوسائل طبيعية. وكلما تقدم العلم، سوف نجد المزيد من التعقيد في عالم الخلايا. وهذا هو سهم التقدم”.

“إنني أسمع فعلاً بين الحين والآخر شكاوى تقول بأن العلم يحتاج بأن يزعم أن كل شيء يعمل بقانون الطبيعة وأن نظرية “التصميم الذكي” سوف تتوقف وإنني لا أرى أي منطق في هذا. فبالنسبة لي، إن غرض العلم هو كيف جاءت الأشياء إلى هنا وكيف تعلم. ويجب على العلم أن يبحث عن الحقيقة، وليس فقط مجرد البحث عن تفسيرات مادية. إن علماء التاريخ العظام – مثلاً نيوتن وأينشتين – لم يعتقدوا على الإطلاق أن وظيفة العلم هي أن يأتي ببعض التفسيرات الذاتية للطبيعة. وهذا ابتكار حديث وليس جيداً، وخاصة في ضوء الاكتشافات التي حدثت في السنوات الخمسين الأخيرة والتي أشارت إلى الاتجاه المعاكس”.

وتحدثنا معاً فترة ثم تصافحنا وافترقنا. وبينما أنا أتمشى في الصالة وأنظر من خلال الزجاج وأرى المعامل المختلفة حيث يعمل العلماء بكل اجتهاد فكرت فيما قاله عالم الميكربيولوجي جميس شابيرو من جامعة شيكاغو بعد مراجعته لكتاب بيه قال: “ليس هناك وصفاً تفصيلياً لداروين عن أي نظام الخلايا، وكل ما هناك هو مجرد مجموعة من التأملات”[9].

قد لا يكون شابيرو منقاداً لما توصل إليه بيه، ولكنني شخصياً ليس لدي استعداد لأستند على بعض التأملات التي تدل على مجرد الرغبة. وعندما حاولت أن أجمع ما حصلت عليه من مقابلاتي مع وليم لين كريج وروبن كولينز وجيليرمو جونزاليز، وجي ريتشارد، وألان مايكل بيه، توصلت إلى تصور يعارض الأيقونات (المعتقدات الثابتة) التي قادتين مرة إلى الإلحاد. وقال ألان سانداج وهو من أكثر العلماء احتراماً في عصرنا:

إن العالم معقد للغاية في كل أجزائه وعلاقاته المتشابكة حتى أنه لا يمكننا أن نرجع خلقه إلى الصدفة فقط. وأنت مقتنع بأن وجود الحياة بكل نظامها في كل كائناتها الحية مرتبة معاً ترتيباً حسناً. وكل جزء في كائن حي يعتمد على الأجزاء الأخرى لكي يعمل. كيف يعرف ذلك كل جزء؟ وكلما عرفنا أكثر عن الكيمياء الحيوية كلما ازداد عدم تصديقنا ما لم يوجد نوع ما من مبدأ التنظيم وهو بالنسبة للمؤمنين هو المهندس وللعلماء سر يجب أن يجدوا له حلاً…. وبعض الأحيان في المستقبل غير المحدود للمختزلين الماديين[10].

وهذا السر سوف يأخذني إلى أعماق المجال الميكروسكوبي للخلية. وبينما كنت أقود سيارتي على الطريق الأسفلتي تذكرت ستيفن مير، فيلسوف العلم الذي أجريت معه مقابلة سابقاً عن العلاقة بين العلم والإيمان، إنه كتب بتوسع عن الحامض النووي DNA. وبدا لي أن الوقت مناسب لحديث جديد عن: إلى أين يشير سهم الجينات؟”

[1] See: Michael J. Behe, Darwin’s Black Box , 90-97.

[2] Keneth R. Miller, Finding Darwin’s God (New York: Cliff Street, 1999), 145.

[3] Ibid., 147.

[4] See: Michael J. Behe, “A True Acid Test: Response to Ken Miller,” available at: www.arn.org/docs/behe/mb_trueacidtesl.htm (accessed July 3, 2003).

[5] Not all philosophers and Scientists agree with the falsification test. “The role of falsification in science is not clear,” said philosopher!. P. More- land. “Nevertheless, falsification is certainly relevant to science. Whether it constitutes a necessary or sufficient condition for cience, However, is quitej another matter.” See: J. P. Moreland, Christianity and the Nature of Science, 32-35.

[6] National Academy, of Sciences, Science and Creaiionism: A View from the National Academy Press, 1999), 25.

[7] Pamela R. Winnick, interview with Michael Behe, The Pittsburgh Post – Gazette (February 8, 2001).

[8] J. Ratzinger, in the Beginning: A Catholic Understanding of the Story of Creation and the Fall (Grand Rapids, Mich: Eerdmans, 1986), 56.

[9] J. A. Shapiro, “in the Details…. What?” National Review (September 16, 1996).

[10]Allan Sandage, “A Seientist Reflects on Religious Belief, ” Truth: An Interdisciplinary Jounal of Christian Thought, Volume 1 (1985). Available at www.clm.org/truth/ltruthl5.html (Accessed July 31, 2000).

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 3 – لي ستروبل

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 2 – لي ستروبل

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 2 – لي ستروبل

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 2 – لي ستروبل

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 2 – لي ستروبل

الجزء الأول: برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 1 – لي ستروبل

الأهداب المدهشة والمتحركة

خرجت مصيدة الفئران بسلامة. لكن بالطبع، كان المقصود بها أن تكون مجرد توضيح لمساعدة الناس على فهم أنظمة متعذر اختزالها معقد للخلايا. وقررت أن أواصل حديثي بسؤال عن بعض الأمثلة المحددة عن الآلات الجزيئية لكي أرى ما إذا كانت قد تطورت بالعملية التطورية التدريجية التي تصورها داروين. وعندما سألت بيه لكي يعطيني مثالاً لمدى التعقيد الذي يصعب اختزاله قدم لي بسرعة مثل الأهداب.

وقال: “الأهداب هي شعيرات شبيهة بالسوط على سطح الخلايا. وإذا كانت الخلية ثابتة وساكنة تتحرك الأهداب على سطح الخلية. فمثلاً – قال هذا وهو يشير إلى منطقة الزور في رقبتي – لديك اهداب تغطي جهازك التنفسي. وكل خلية بها حوالي مائتي هدب، وهي تتحرك في وقت واحد نحو الزور للقيام بعملية الطرد خارج الجسم الحي. وبهذه الطريقة يتخلص جسمك من الجزيئات الصغيرة الغريبة التي تستنشق عرضياً”.

“ولكن لهذه الأهداب وظيفة أخرى: إذا كانت الخلية متحركة فيكن للأهداب أن تحولها إلى سائل. وخلايا السائل المنوي هي مثل لذلك، فهي تندفع للأمام بسبب الحركة الشديدة لهذه الأهداب”.

وعلقت على هذا قائلاً: “يبدو أن هذا أمر بسيط للغاية”.

“وهذا ما اعتقده العلماء عندما فحصوا هذه الأهداب تحت الميكروسكوب الضوئي. لقد كانت تبدو كالشعيرات الصغيرة. ولكن الآن بعد أن أصبح لدينا مجهز اليكتروني، اكتشفنا أن هذه الاهداب هي آلات جزيئية معقدة للغاية. فكر في هذا الأمر: معظم الشعيرات لا تتحرك للأمام والخلف. وما الذي يمكّن الخلية من أن تفعل هذا؟ واتضح أن الهدب مكون من حوالي مائتي جزء من البروتين”.

قلت له: “وكيف يعمل؟”

ابتسم وقال: “هناك تسعة أزواج من الأنابيب الصغيرة للغاية وهي عبارة عن قضبان طويلة ورفيعة ومرنة وتحيط بأنبوبتين من هذه الأنابيب الصغيرة. والأنابيب الخارجية ترتبط معاً بما يُسمى روابط microtubules. وكل أنبوب صغير له قوة محركة من البروتين تسمى dynein، وترتبط هذه القوة المحركة بواحد من الأنابيب الصغيرة ولها ذراع بطول الأنبوب الآخر ويدفعه لأسفل. ولهذا فإن القضيبين يبدآن في الانزلاق بالتبادل مع بعضهما البعض وعندما يبدآن في الانزلاق، فإن روابط microtubules، والتي تشبه الحبل المرتخي، تمتد وتشتد. وعندما يندفع المحرك البروتيني أكثر فأكثر يبدأ في ثني الجهاز ثم يدفعه في الاتجاه المعاكس ويثنيه مرة أخرى. وبهذه الطريقة نحصل على حركة الأهداب”.

“وهذا لا يعتبر كلمة حق وعدل للأهداب المعقدة. ولكن النقطة التي أود الإشارة إليها هي أن هذه الأجزاء الثلاثة – القضبان والروابط والمحركات – ضرورية لتحويل الحركة المنزلقة إلى حركة منثنية حتى يمكن للأهداب أن تتحرك. ولولا وجود هذه الروابط فسوف يسقط كل شيء عندما تبدأ حركة الانزلاق. ولو توقف الأمر على حركة البروتين فقط فلن تتحرك على الإطلاق. ولولا وجود القضبان فلن يتحرك أي شيء. ومثل مصيدة الفئران، فإن الأهداب نظام معقد للغاية”.

سألته: “لماذا لم توضح نظرية التطور هذا الأمر؟”

أجاب: “إنك تحصل على حركة الأهداب عندما يعمل كل شيء معاً. فلا يمكن لأي جزء أن يعمل على حدة، بل أنت تحتاج إلى الجميع لتعمل معاً. ولكي توضح نظرية التطور هذا الأمر عليك أن تتخيل كيف يمكن لهذا أن يتطور تدريجياً، ولم يتمكن أحد من فعل ذلك”.

قلت له: “لربما لأن هذه المكونات الثلاثة استخدمت لأغراض أخرى في الخلية وأخيراً تجمعت معاً لهذا العمل الجديد. فمثلاً، الأنابيب الصغيرة تشبه إلى حد ما العوارض الخشبية. وربما استخدمت في تركيب هيكل الخلايا البدائية. أو ربما كونت الطريق السريع للخلايا التي تتحرك من خلاله محركات البروتين داخل الخلية”.

لم يظهر أي نوع من التأثر على بيه وقال: “إن محرك البروتين الذي ينقل الشحنات عبر الطريق السريع للخلايا قد لا تكون له القوة الكافية لكي يدفع أنبوبتين صغيرتين قريبتين من بعضهما البعض. ورابط microtubules يجب أن يكون له نفس الحجم قبل أن يكون نافعاً وذي فائدة. وعملية خلق الهدب داخل الخلية إنتاج مضاد، إنها تحتاج إلى امتداد من الخلية. ويجب على المكونات الضرورية أن تتجمع معاً في المكان المناسب والوقت المناسب، وحتى وإن افترضنا أنها موجودة مسبقاً داخل الخلية”.

سألته: “ألا توجد إمكانية أن تجتمع معاً بالصدفة؟”

أجاب: “هذا أمر غير محتمل على الإطلاق. دعني أوضح ذلك لك. لنقل إنه توجد 10,000 بروتين في الخلية. وتخيل أنك تعيش في مدينة بها 10,000 شخص، وكل شخص ذهب إلى معرض المقاطعة أو الإقليم في نفس الوقت، وليستمتعوا معاً ارتدى كل منهم قناعاً ولم يسمح لهم بالحديث. وكان شخصان يحملان اسم “لي”، وكان عليك أن تشبك يدك بأياديهم. ما هي الأشياء الغريبة التي تجعلك تضع يدك في أيدي الاثنين بطريقة عشوائية لتخلقوا معاً حلقة ممن يُسمون “لي”؟ شيء صغير للغاية. وفي الحقيقة فإن الأمر يزداد سوءً. ففي الخلية نجد أن نسبة التغير الإحيائي منخفضة للغاية. وفي هذا التشابه الجزئي، والذي يعني أنه بإمكانك فقط تغير الشركاء في معرض المقاطعة مرة واحدة في العام.

“ولهذا فأنت تتشابك مع شخصين آخرين، وأعتذر لذلك فهما ليس الشخصين الأولين الذين اسمهما “لي”. وفي العام التالي سوف تتشابك مع شخصين آخرين. وللأسف لن يكون هناك “لي” آخر. متى يمكنك أن تتشابك مع من اسمهم “لي” مرة أخرى؟ بعد فترة طويلة للغاية – ونفس الشيء يحدث في الخلية. إنها تأخذ وقتاً طويلاً لكي تحصل على ثلاثة بروتينات معاً”.

“وقد ازداد الأمر صعوبة، ففي دراسة حديثة في مجلة “العلوم” وجدوا أن نصف البروتينات في خلية خميرة بسيطة لا تعمل بمفردها، ولكنها تعمل كمركبات لستة بروتينات أو أكثر. ويلتصق معاً خمسين بروتين مثل التروس في الآلة. والخمسين في المائة الأخرى، معظمها في ثلاثة أو أربعة مركبات. والقليل منها يعمل بمفرده. وهذه مشكلة كبرى ليس فقط في الأهداب بل في الخلايا الأخرى أيضاً”.

قلت له: “أشار بعض العلماء إلى وجود بعض الأمثلة لأهداب أخرى التي ليست لها أجزاء أكدت أنت بأنها ضرورية. وقال أحدهم، إنه في الطبيعة يمكننا أن نرى العديد من الأهداب التي تحتاج إلى مكون واحد أو أكثر والتي يُفترض أنها أساسية لتشغيل الجهاز. أليس وجود أهداب أكثر بساطة يدحض تأكيدك بأنها معقدة للغاية؟”

قال: “إذا كنت تشير إلى سلسلة من التراكيب الأقل تعقيداً والتي تتقدم من واحد إلى آخر لكي تخلق الأهداب التي وصفتها، عندئذ أقول نعم، إن هذا يُبطل تأكيدي. ولكن ليست هذه هي القضية. مما يقوله النقاد هو هذا إنه بإمكانك أن تستبعد إحدى الأنابيب الصغيرة microtubules وستظل الأهداب تعمل. وهذا حسن وما زلت أنت بحاجة إلى كل المكونات الأساسية، microtubules، dynein nexin”.

“دعني أعطيك مثلاً مشابهاً. بعض مصايد الفئران الكبيرة بها 2 زنبرك لكي تكون قوية. وبإمكانك أن تستغني عن واحد منهما وستظل المصيدة تعمل. وهنا يكون الزنبرك الثاني زائد عن الحاجة. وبإمكانك أن تستبعد إحدى الأنابيب الصغيرة microtubules وستظل تعمل وإن لم يكن بنفس الكفاءة”.

“ولكن نظرية التطور لا تبدأ بالمصيدة الكاملة أو بالأهدب الكاملة ثم تنتزع منها بعض الأجزاء، عليها أن تبني كل شيء من القاع وكل الأهداب لها الثلاث مكونات الأساسية التي ذكرتها. وهناك تجارب استبعد فيها العلماء إحدى هذه العناصر الثلاث ولم تعمل الأهداب. لقد انكسرت، تماماً مثلما توقعت أنت، لأنها آلة معقدة للغاية”.

محرك العالم الأكثر كفاءة

ومثلما كانت الأهداب مدهشة، فقد جذبتني آلة بيولوجية أخرى تدفع الخلايا، السوط (زائدة شبيهة بالسوط البكتيري “فينما تقوم الأهداب بنفس الدور الذي يقوم به المجداف لتحريك الخلايا، فقد اكتشف في عام 1973 أن هذه الزائدة الشبيهة بالسوط مثل مروحة دوارة. والبكتريا وحدها هي التي لها هذه الخاصية”.

سألته: “وكيف تعمل؟”

قال: “بكفاءة عالية. يمكنك أن تتخيل المحرك (موتور) في قارب وسوف تعرف بوضوح كيف تعمل هذه الزائدة الشبيهة بالسوط، إنه يصعب تصديقها. فقوة دفع هذه الزائدة طويلة وتشبه السوط ومكونة من البروتين. وهي متصلة بعمود القيادة بواسطة خطاف بروتيني ويسمح للمروحة وعمود القيادة بالتحرك بحرية. والعديد من أنواع البروتينات هي بمثابة بطانة معدنية تسمح لعمود القيادة لكي يعكس الحائط البكتيري ويتصل بالمحرك الدوار”[1].

سألته: “إلى أين ستقود طاقته؟”

أجاب: “هذه ظاهرة طبيعية مشوقة. فبعض الأنظمة الحيوية الأخرى التي تولد الحركة – مثل العضلات – تستخدم الطاقة المخزونة فيما يُسمى “حامل الجزيئات”. ولكن الزائدة الشبيهة بالسوط تستخدم نظاماً آخر – طاقة تولد بواسطة جريان الحامض من خلال الغشاء البكتيري. إنها عملية معقدة وما زال العلماء يدرسونها ويحاولون فهمها. ويسير كل النظام سيراً حسناً – فمروحة الزائدة الشبيهة بالسوط يمكنها أن تدور عشرة آلاف مرة في الدقيقة”.

وكمتحمس للسيارات، صُعقت بتلك الإحصائية! فقط رافقت أحد أصدقائي مؤخراً في سيارته الرياضية العالية الأداء الغريبة، وعرفت بأنه لم يكن قادراً على توليد ذلك الكثير rpms. حتى الهوندا العالية السرعة جداً ذات 2000S، الحديثة جداً، بمحركها الألومنيومي الكتلة المحدب الثنائي، بأسطواناته الأربعة، وبه يظهر أربعة صمامات لكل أسطوانة وكمية متغيرة، ومؤقت لصمام العادم، يمنعه من التزويد لأكثر من تسعة آلاف rpms[2].

واستمر بيه قائلاً: “ليس هذا فقط ولكن المروحة يمكن أن تتوقف عن الدوران بربع لفة ثم تبدأ الدوران من الناحية الأخرى بسرعة 10,000 مرة في الدقيقة. وقد أطلق عليها هاورد برج من جامعة هارفارد المحرك الأكثر كفاءة في الكون. إنه يفوق أي شيء ممكن أن نصنعه وخاصة عندما تفكر في حجمه”.

سألته: “كم حجمه؟”

قال: “هذا الزائدة عبارة عن 2 ميكرون (الميكرون يساوي تقريباً 1/20000 من البوصة). ومعظم الطول هو في عمود المروحة. وحتى مع كل التقدم العلمي الذي لدينا، لا يمكننا أن نعمل شيئاً مثل هذا. وفي بعض الأحيان في محاضراتي أريهم رسماً لتلك الزائدة الشبيهة بالسوط من كتاب الكيمياء الحيوية، فيقول الناس إنها تشبه شيئاً من وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا). إننا قد اكتشفنا آلات داخل أنفسنا. في فلم Star Trek أطلقوا اسم بورج على المكائن الدقيقة التي بداخلنا، لتعود على ما ينتجه كل شخص!

إن رسومات هذه الزائدة الشبيهة بالسوط، في الحقيقة مؤثرة للغاية ولا تشبه أية آلة صنعها الإنسان.

وأتذكر مرة أن أحد العلماء قال لي شيئاً عن والده، وهو مهندس بارع ويشكك في وجود مصمم ذكي لهذا الكون. ولم يتمكن الأب من أن يفهم لماذا يقتنع ابنه بوجود مصمم ذكي لهذا الكون. وفي أحد الأيام قام الابن العالم بوضع رسم للزائدة البكتيرية الشبيهة بالسوط أمامه. وانبهر بها المهندس، وتفكر فيها للحظات صامتاً، ونظر إلى ابنه وقال في اندهاش: “إني أفهم الآن كل ما قلته لي عن المصمم الذكي”.

وواصل بيه حديثه: “فكر في ذلك أيضاً. تخيل قارباً بحركة موتور ولا أحد يوجهه. إنه سيصطدم ويتحطم! من الذي يوجه الخلية البكتيرية؟ لقد تبين أن بها نظاماً حساساً يغذي الزائدة البكتيرية ويخبرها متى تعمل ومتى تتوقف، وبهذا هو يقودها إلى الغذاء والضوء الذي تبحث عنه. إنها تشبه الصواريخ التي بها نظام لتوجيهها لمساعدتها لأن تجد هدفها!

قلت له: “هذه الزائدة الشبيهة بالسوط معقدة للغاية”

قال: “هذا صحيح. وقد أظهرت الدراسات الجينية أنه ما بين 30-35 بروتين ضرورية لخلق زائدة صالحة للعمل. إنني حتى الآن لم أبدأ في وصف كل تعقيداتها كما أننا لا نعرف الدور الذي تقوم به كل البروتينات الموجودة فيها. ولكن كحد أدنى أنت بحاجة على الأقل إلى ثلاثة أجزاء – مجداف ودوار ومحرك – وهي مكونة من بروتينات متعددة وإذا أزلت أحد هذه الأجزاء فلن تعمل الزائدة على الإطلاق. ولهذا فهي معقدة للغاية – وهي حجر عثرة كبير لنظرية داروين”.

فسألته: “هل تمكن أي شخص من أن يقترح تفسيراً لنظرية التطور التدريجي عن كيف أن العملية التدريجية يمكن أن تنتج عنها الزائدة الشبيه بالسوط؟”

قال: “باختصار كلا. فبالنسبة لمعظم الأنظمة المعقدة، فإن أفضل ما يمكن أن تحصل عليه هو نوع من التفسير كالرسوم المتحركة والذي لا يقترب إلى الحقيقة. وحتى عالم الأحياء التطوري أندرو بوميانكوسكس قد اعترف قائلاً: “التقط أي مرجع في الكيمياء الحيوية، وربما تجد مرجعين أو ثلاثة عن التطور. وإذا رجعت لأحد تلك المراجع وستكون محظوظاً إذا وجدت أي شيء أفضل من العبارة التالية، “إن التطور يختار أكثر الجزيئات مناسبة لوظيفتهم الحيوية”[3].

“وفيما عدا الزائدة التي تشبه السوط، لا توجد أية تفسيرات أخرى. وأفضل ما استطاعه الدارونيين أن يقولونه أن للزائدة مكونات تشبه مكونات الأنظمة الأخرى التي ليس بها أجزاء كثيرة، ولهذا فربما لهذا النظام الآخر صلة بالزائدة. ولا أحد يعرف من أين جاء هذا النظام الآخر، أو كيف تحول هذا النظام إلى زائدة. ومن هذا يتضح ان أحداً لم يستطع أن يقدم تفسيراً منطقياً”.

وسألت سؤالاً أخر: “ماذا عن الدارونيون الذين يقولون: لربما يكون الوقت مبكراً جداً بالنسبة لنا لكي نصل إلى خارطة طريق عن كيفية حدوث التغيرات التدريجية. وفي يوم من سوف نفهم بطريقة أفضل موضوع هذه الزائدة، لذلك أقول لكن صبراً – ففي النهاية – سوف يصل العلم إلى هذا الأمر”.

اتكأ بيه إلى الخلف في كرسيه وقال: “إن اتباع نظرية داروين دائماً يتهمون من ينادون بنظرية المصمم الذي للكون من أنهم يثيرون المناقشات والمجادلات من منطلق الجهل، ويقولون: “ليست لدينا فكرة عن كيفية حدوث ذلك، ولكن دعنا نفترض بأن التطور هو الذي فعل هذا”. لقد سمعت عن “إله المعجزات” فأنت تقول إن الله هو الذي فعل كل هذا، إذا لن يكون لديك تفسير آخر. حسناً هذا هو تطور الفجوات. وبعض العلماء يقحمون التطور عندما لا يفهمون شيئاً ما”.

“قد لا نفهم كل شيء عن هذه الأنظمة البيولوجية، ولكننا فعلاً نفهم ونعرف بعض الأشياء. إننا نعرف أن لهذه الأنظمة عدد من المكونات المتشابهة والمحددة والتي لا تسلم نفسها لتفسيرات تدريجية. ونعلم أن الذي كان يمكنه أن يجمع الأنظمة المعقدة مثل الكمبيوتر ومصيدة الفئران وأشياء مثل ذلك. وهذا التعقيد لن يقل كلما ازددنا علماً، بل لربما يزداد تعقيداً. وسوف نكتشف فقط تفاصيل أكثر عن هذه الأنظمة”.

وسأوضح ما أقول. لنقل إن لديك سيارة موضوعة في جراج مظلم. وإذا أضأت الضوء في أحد أجزاء الآلة سوف ترى كل مكوناتها وتعقيداتها. وإذا سلطت الضوء على جزء آخر من الموتور لن يلغي الجزء الأول. ولا يجعل المشكلة أكثر سهولة بل سيعقدها. وكلما اكتشفنا أشياء أكثر عن الزائدة التي تشبه السوط فلن يلغي هذه التعقيد الذي وجدناه سابقاً. وكل ما سنجده تعقيد أكثر واعجاب أكثر وآلة مستقلة أكثر – وتحدي كبير لنظرية داروين.

الشاحنات الجزيئية والطرق السريعة

بالنسبة لـ بيه كانت الأهداب والزوائد الشبيهة بالسوط البكتيرية هي مجرد البداية لهزيمة داروين لفكرة التعقيد في العالم الميكروسكوبي للخلية. ومن أحب الأمور الأخرى لديه هو “نظام ما هو داخل الخلية البروتوبلازمية”.

قال بيه: “إن الخلية ليست حقيقة للشوربة، وكل شيء يتحرك داخلها بلا هدف. وبدلاً من ذلك، فنواة الخلايا الحسنة – الخلايا التي بها كل الكائنات الحية ما عدا البكتيريا – لها عدد من الأقسام التي تشبه الغرف بالمنزل.

“هناك النواة حيث يوجد DNA (الحامض النووي)، والميتوكوندريا* mitochondria وهي التي تولد الطاقة، والجبلة الداخلية للنسيج الشبكي وهو الذي يشغل البروتين، وجهاز Glogi هو محطة البروتينات التي تُنقل لأي مكان، وما يسمى Iysosome وهو وحدة التخلص من النفايات، والحويصلة السرية التي تخزن الشحنة قبل إرسالها خارج الخلية، peroxisome الذي يساعد على تأييض الدهون. وكل قسم او حجرة مغلقة بغشاء، مثل كل غرفة بها حوائط وباب. وفي الحقيقة فإن هذه الجسيمات الدقيقة لها أربعة أقسام منفصلة. وإذا قمنا بحساب كل شيء فهناك أكثر من 24 قسماً في كل خلية”.

“تتخلص الخلايا باستمرار من المواد القديمة وتصنع مكونات جديدة، مصممة لكي تعمل في غرفة واحدة وليست في غرف أخرى. ومعظم المكونات الجديدة مصنوعة في مكان مركزي في الخلية على أشياء تسمى ribosomes”.

وقد وصف دينتون الـ ribosomes على أنه خمسون جزيء كبير يحتوي على أكثر من مليون ذرة، مثل المصنع الذي يعمل اوتوماتيكياً ويستطيع أن يصنع أي بروتين لكي يُعطي DNA. وعندما يعطي المعلومات الجينية الصحيحة، يكون بإمكانه تصنيع أي بروتين حيوي مشتملاً على ribosomes آخر بالرغم من تعقيداته. وعبر دينتون عن إعجابه وقال:

من المدهش أن نفكر أن هذه الآلة العجيبة التي تمتلك قدرة هائلة لتصنيع كل شيء حي قد عاشت على الأرض، من الخشب الأحمر إلى المخ الإنساني، وبإمكانهما تصنيع كل مكوناتها في دقائق، وهي أصغر آلاف الملايين من المرات من أصغر آلة صنعها الإنسان على الإطلاق[4].

وقال بيه: “إن ribosomes ليس مدهشاً فحسب ولكنك الآن مواجه بالتحدي للحصول على تلك المكونات الجديدة في الغرفة الصحيحة حيث تعمل. ولكي تفعل ذلك، أنت بحاجة إلى نظام معقد آخر، تماماً مثلما تحتاج إلى الكثير من الأشياء حتى يتمكن الأتوبيس من نقل شخص من فيلادلفيا إلى بتسبرج”.

“أولاً، يجب أن يكون لديك شاحنات الجزيئات المغلقة وبها المحركات. وعليك أن تعد لها طرق سريعة لكي تسير فيها. وعليك أن تحدد نوعية المكونات وأي شاحنة ستأخذها. ولا يصح أن تنتزع أي بروتين يظهر لأن كل واحد يحتاج لأن يذهب لغرفة معينة. ولهذا لا بد من وجود علامة معينة على كل بروتين – مثل التذكرة – حتى يذهب البروتين إلى الشاحنة الجزيئية الصحيحة”.

وعلى الشاحنة أن تعرف إلى أين تذهب، وهذا يتطلب وجود علامة عليها، ولا بد أيضاً من إشارة مُكملة على القسم الذي ستفرغ فيه الشاحنة حمولتها.

“وعندما تصل الشاحنة إلى المكان الذي ستفرغ فيه شحنتها وهو يشبه سفينة ضخمة تعبر المحيط من لندن إلى نيويورك. والآن ماذا عليك أن تفعل؟ عليك أن تُوجد طريقاً للشحنة لكي تخرج من الشاحنة إلى القسم الخاص بها وهي عملية نشيطة تتضمن مكونات أخرى تعيد تنظيم بعضها البعض، فتنفتح أشياء وتسمح للمواد بالدخول”.

“ولهذا فإن لديك الكثير من المكونات التي يجب أن يكون كل في مكانه وإلا سيتوقف العمل. وإذا لم تكن لديك العلامة او الشاحنة فأنت سيء الحظ. والآن هل مثل هذا النظام من النقل الميكروسكوبي يشبه التجميع الذاتي الذي يُعدل تدريجياً عبر السنين؟ أنا لا أرى ذلك. إن كل العلامات المميزة تقول بأنه مصمم”.

الجزء الثالث: برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 3 – لي ستروبل

[1] See: Edward M.Purcell, “The Efficiency of Propulsion by a Rotating Flagellum,” Proceedings of the National Academy of Sciences USA 94 (October 1997), available at www.immpa.br/jair/pnas.pdf (accessed July a, 2003).

[2] See: Joe Lorio. Four of a kind,” Automobile (August, 2003).

[3] Andew Pomiankiwski, “The God of the Tiny Gaps,” New Scientist (September 10, 1996).

* هي الجسيمات الدقيقة التي توجد في سيتوبلازم الخلايا.

[4] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 338.

برهان الكيمياء الحيوية – تعقيد الآلات الجزيئية 2 – لي ستروبل

Exit mobile version