محطات في حوار لي ستروبل مع المؤرخ الكبير ادوين ام ياموكهي – تجميع: بيشوي طلعت

محطات في حوار لي ستروبل مع المؤرخ الكبير ادوين ام ياموكهي – تجميع: بيشوي طلعت

محطات في حوار لي ستروبل مع المؤرخ الكبير ادوين ام ياموكهي – تجميع: بيشوي طلعت

محطات في حوار لي ستروبل مع المؤرخ الكبير ادوين ام ياموكهي – تجميع: بيشوي طلعت

 

لقراءة الحوار كاملًا: الأدلة المؤيدة، هل هناك دليل موثوق به عن يسوع من خارج سيرة حياته بالأناجيل؟ – لي ستروبل

من هو إدوين ام ياموكهي Edwin M. Yamauchi؟

إدوين ام ياموكهي Edwin M. Yamauchi واحد من كبار خبراء البلاد البارزين في التاريخ القديم. إن إنجازاته الأكاديمية، بالتأكيد، كانت رائعة. فبعد حصوله على البكالوريوس في اللغة العبرية والتاريخ اليوناني القديم، حاز یاماوكهي على درجات الماجستير والدكتوراه في دراسات حوض البحر الأبيض من جامعة برانديز.

مُنح ثمان درجات زمالة، من مجلس أبحاث روتجيرز، والمنحة القومية في العلوم الإنسانية، والجمعية الفلسفية الأمريكية، وغيرها. ولقد درس ۲۲ لغة، من بينها اللغة العربية، والصينية، والمصرية، والروسية، والسريانية، واليوجارتية، وحتى الكومانشية.

قدم 71 ورقة أمام الجمعيات الثقافية؛ حوضرت في أكثر من مائة من المعاهد، والجامعات، والكليات، بما فيها جامعات ييل، وبرينستون، وكورنيل. وعمل كرئيس ثم مدير لمعهد أبحاث الكتاب المقدس ومديرا لمؤتمر عن الإيمان والتاريخ، كما نشر 80 مقالة في 37 مجلة علمية

 

الموثوقية التاريخية للاناجيل

يقول إدوين ام ياموكهي: “إجمالاً، تعتبر الأناجيل مصادر ممتازة. وفي الحقيقة، أنها تأمة وجديرة بأكبر ثقة، ومصادر يمكن الإعتماد عليها عن يسوع. أما المصادر الثانوية فهي لا تضيف معلومات مفضلة كثيرة؛ ومع ذلك، فهي ذات قيمة كأدلة مؤيدة ومعززة” (كتاب القضية المسيح – ص 97 – 98)

 

شهادة حدوث الظلمة اثناء صلب المسيح

ومع ذلك فالدكتور جاري هابيرماس قد كتب عن مؤرخ يدعى ثالوس الذي سنة ٥٢ م كتب تاريخ عالم شرقي البحر الأبيض ه المتوسط منذ حرب طروادة. ومع أن كتاب ثالوس قد فقد، إلا أن موجود في اقتباسات لدى كل من يوليوس الأفريقي سنة ٢٢١م. تقريباً، أشار إلى الظلام الذي كتب عنه في الأناجيل [1] (المصدر السابق – ص 108)

“وهكذا قال ثالوس كما يبدو “نعم”، بأنه كان هناك ظلام في وقت الصلب، وخمن بأن سببه كسوف الشمس. وبعد ذلك يجادل الأفريقي أنها لم يكن من الممكن أن يكون هناك كسوف للشمس، قد حدث وقت عملية الصلب” فمد ياموكهي يده إلى مكتبه ليسترد قصاصة من الورق وهو يقول: “دعني أقتبس ما قاله العالم بول ميير في حاشية على هامش كتابه سنة ١٩٦٨ بعنوان “بيلاطس البنطي”، ثم قرأ هذه الكلمات (الصفحة السابقة)

من الواضح أن هذه الظاهرة، كانت مرئية في روما، وأثينا، ومدن أخرى على البحر الأبيض. وطبقا لترتوليان… إنها كانت حدثاً “كونيا” أو “عالميا”. والمؤلف اليوناني، فليجون، من كاريا كتب تفسيراً كرونولوجيا [أي ترتيب الأحداث بحسب تسلسلها الزمني بعد سنة ١٣٧م. بقليل ذكر أنه في العام الرابع من الدورة الأولمبية الـ ٢٠٢ (اي سنة 33م.) حدث “أعظم كسوف للشمس” و”أنه قد حل الليل في الساعة السادسة من النهار (أي؛ عند الظهر) حتى أن النجوم ظهرت في السماء. وحدث زلزال عظيم في بيثينيه وانقلبت أشياء كثيرة في نيقية”[2]

 

شهادة المؤرخ يوسيفوس عن يسوع وتلاميذ يسوع

الشهادة ليسوع: إن يوسيفوس يعطينا أدلة مؤيدة بمعلومات هامة عن يسوع: أنه كان القائد الشهيد للكنيسة في أورشليم (القدس) وأنه كان معلماً حكيماً صنع له اتباعاً كثيرين ودائمين، بالرغم من حقيقة أنه صلب تحت حكم بيلاطس بتحريض من بعض زعماء اليهود” (المصدر السابق – ص 103)

الشهادة لتلاميذ يسوع: دعا لعقد اجتماع السنهدرين واحضر أمامهم رجلا يدعى يعقوب، أخو يسوع، الذي يدعى المسيح، ومعه آخرون. واتهمهم بأنهم انتهكوا القانون وسلمهم لكي يرجموهم” [3]

تم أكد ياموكهي بثقة قائلاً: “لا أعرف أي عالم، انتقد هذه الفقرة بنجاح. ولقد علق إل. إتش. فيلدمان قائلا: لو كانت هذه الفقرة كانت إضافة مسيحية فيما بعد للنص، لكان من المحتمل أن تكون مدحا وتمجيدا ليعقوب “فأنت هنا تجد إشارة إلى أخو يسوع- الذي يبدو أنه قد تحول إلى الإيمان بظهور المسيح بعد قيامته. فلو قارنت إنجيل يوحنا 7: 5 و1 کورنثوس 15: 7 (المصدر السابق – ص 100)

 

شهادة بليني الصغيرة وعبادة المسيح كإله

يقول إدوين ام ياموكهي: “مهمة جداً. فمن المحتمل أنها كتبت سنة ١١١م. تقريباً وتشهد بالانتشار السريع للمسيحية، في كل المدن والمناطق الريفية النائية، بين كل طبقات الناس، من جواري إلى المواطنين الرومان، لأنه يقول أيضاً بأنه أرسل المسيحيين من المواطنين الرومان إلى روما لمحاكمتهم (المصدر السابق – ص 107)

“كما تتحدث عن عبادة يسوع كإله، وأن المسيحيين كانوا يحافظون على مستويات أخلاقية عالية، وأنهم لم يمكن أن يتخلوا عن معتقداتهم وإيمانهم بسهولة (الصفحة السابقة).

 

شهادة ما قدمه بولس الرسول

“كما أن بولس يقدم الدليل المؤيد لبعض السمات الهامة لشخصية يسوع، تواضعه، وطاعته، ومحبته للخطاة،…الخ. وهو يدعو المسيحيين أن يكون لديهم فكر المسيح في الأصحاح الثاني من رسالة فيليبي. وهذه قطعة مشهورة التي فيها بولس ربما يقتبس من ترتيلة مسيحية قديمة عن تنازل المسيح، الذي هو مساوي الله ومع ذلك اتخذ شكل إنسان، وعبد، وتحمل أقصى وأشد عقوبة، وهي الصلب من ثم، رسائل بولس شاهد هام على ألوهية المسيح، ومع حيث يدعو يسوع “إبن الله” و “صورة الله” (المصدر السابق – ص 113)

 

شهادة اغناطيوس الانطاكي 108م

ثم قال ياموكهي: “الشيء المهم عن أغناطيوس، أنه أكد كل من ألوهية يسوع وكذا ناسوت يسوع، ضد بدعة الهرطقة الدوسيتية، التي أنكرت أن يسوع كان فعلاً إنسان. كما أكد الأساسات التاريخية للمسيحية، فقد كتب في إحدى رسائله، وهو في طريقه إلى الاستشهاد، أن يسوع الذي اضطهد حقاً في ولاية بيلاطس، صلب حقاً، وقام حقاً من الموت، وبأن أولئك الذين يؤمنون به سيقومون أيضا من الموت [4] (المصدر السابق – ص 114)

 

تعليق لي ستروبل

إن بولس الرسول لم يقابل يسوع أبداً قبل موته، لكنه قال إنه قابل المسيح المقام واستشار بعض شهود العيان، فيما بعد، لتأكيد أنه كان يعظ ويبشر بنفس الرسالة التي كانوا يبشرون بها. ولأنه بدأ كتابة رسائل العهد الجديد قبل أن تكتب الأناجيل بسنوات، لذا فإن هذه الرسائل تحتوي على تقارير وأخبار مبكرة جداً عن يسوع، وهي قديمة لدرجة أن لا أحد يستطيع أن الادعاء بأنها قد شوهت تشويها خطيرا أو تلونت بالأساطير” ويؤكد لوقا تيموثي جونسون، وهو عالم من جامعة إموري، يؤكد بأن رسائل بولس تمثل “إثبات خارجي ثمين” (المصدر السابق – ص 112)

 

وللرب المجد الدائم امين

[1] Gary Habermas, The Historical Jesus (Joplin, Mo.: College Press, 1996), 196-97

[2] Paul L. Maier, Pontius Pilate (Wheaton, 111.: Tyndale House, 1968), 366, med hänvisning till ett fragment från Philegon, Olympiades he Chronika 13, ed. Otto Keller, Rerum Naturalium Scriptores Graeci Minores, 1 (Leipzig: Teurber, 1877), 101. Översättning av Maier

[3] Josephus, The Antiquities 20.200. انظر أيضا Edwin Yamauchi, “Josephus and the Scriptures,” Fides et Historia 13 (1980), 42-63

[4] Ignatius, Trallians 9

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

 

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

محتويات الكتاب:

مقدمة الطبعة العربية 

المقدمة 

1-هل نستطيع التعامل مع الحق ؟

2-ما الذي يجعلنا  نصدق اي شيء على الاطلاق ؟

3-في البدء كان انفجار كبير

4-التصميم الالهي

5- الحياة الاولى :  قوانين طبيعية  ام عجائب الهية ؟

6-من الخلية  الي الانسان مرورا بالحيوان  ؟

7-الام تريزا مقابل هتلر 

8-المعجزات : علامات  تشير الي لله ام سذاجة ؟

9-هل  عندنا شهادات مبكرة عن يسوع ؟

10-هل لدينا  شهادة شهود عيان عن يسوع ؟

11-الاسباب العشرة  الرئيسية التي  تؤكد  لنا صحة اقوال كتاب العهد الجديد 

12-هل حقا  قام يسوع من الاموات ؟

13-من هو يسوع  : الله ؟  ام مجرد  معلم اخلاقي عظيم ؟

14-ماذا علم يسوع  عن الكتاب المقدس  ؟ 

15-الخلاصة : القاضي  و الملك العبد و سطح العلبة 

ملحق  1 :  ان كان الله موجودا  , فلماذا الشر ؟

ملحق  2 : أليس  ذلك تفسيرك انت  ؟

ملحق  3 :  لماذا لا يتحدث  سمينار يسوع عن يسوع ؟

المراجع

 

تحميل الكتاب PDF

 

كتاب القضية الإيمان – لي ستروبل PDF

كتاب القضية الإيمان – لي ستروبل PDF

كتاب القضية الإيمان – لي ستروبل PDF

كتاب القضية الإيمان – لي ستروبل PDF

تحميل الكتاب PDF

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

إقرأ الجزء الأول: تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

قوة صورة

كان تمبلتون منهمكاً فيما كان يقوله آنذاك. ففي بعض الأحيان كنت أرى دلائل إصابته بالزهايمر، مثلما كان عاجزاً أن يستدعي التتابع الدقيق للأحداث، أو عندما كان يُكرر كلامه. لكنه تكلم غالبية حديثه بفصاحة وحماس، مستخدماً مفردات مؤثرة. كان صوته القوي الثري يرتفع وينخفض من أجل التأكيد. كانت له نغمة أرستقراطية بدت أنها نغمة مسرحية في بعض الأحيان.

في البداية سألته: “هل كان هناك شيء معين دفعك لفقد إيمانك بالله؟”

ففكر لمدة قصيرة وقال أخيراً: “صورة في مجلة لايف Life.”

فقلت: “حقاً؟ صورة؟ كيف كان ذلك؟”

فضيق عيناه قليلاً ثم اتجه ببصره نحو الجانب، كما لو كان يستطلع الصورة من جديد، ويستعيد إحياء تلك اللحظة، وقال شارحاً: “لقد كان صورة امرأة سوداء في إفريقيا الشمالية. كانوا يعانون من مجاعة مدمرة. وكانت تحمل طفلها الميت بين ذراعيها، وتنظر للأعلى إلى السماء في أيأس تعبير.”

نظرت للصورة وفكرت قائلاً: “هل من الممكن أن أؤمن أن هناك خالقاً محباً مهتماً بينما كل ما تحتاجه هذه المرأة هو المطر؟”

وبينما أكد على كلمة “المطر” لمع حاجباه الرماديان، ورفع ذراعيه نحو السماء كما لو كان يلتمس استجابة. فالتمس قائلاً فيما أصبح أكثر نشاطاً، وكان قد ترك نحو حافة مقعده: “كيف يمكن لإله محب أن يفعل هذا لتلك المرأة؟ من يجري المطر؟ لا أنا، ولا أنت. بل هو – أو هذا ما كنت أعتقده. لكنني حينما رأيت هذه الصورة، عرفت على الفور أنه من غير الممكن أن يحدث هذا طالما أن هناك إلهاً محباً. لم تكن هناك طريقة. مَن سوى عدو يمكنه أن يفني طفلاً ويقتل أمه بالعذاب – بينما كل المطلوب هو المطر؟”

توقف تمبلتون تاركاً السؤال يتردد في الهواء طويلاً، ثم استوى في جلسته من جديد، وقال: “كانت هذه هي اللحظة الحاسمة. وحينها بدأت أفكر بعمق في قضية أن العالم هو خليقة الله. بدأت أفكر في الأوبئة التي تحصد أجزاءً من كوكب الأرض، وتقتل كل أنواع البشر – العاديين،

والنبلاء، والأدنياء. وقد بدا لي من الواضح جداً أنه من غير الممكن لإنسان ذكي أن يؤمن ان هناك إلهاً يحب.”

لقد تطرق تمبلتون لموضوع ظل يؤرقني شخصياً عدة سنوات. ففي عملي محرراً صحفياً، لم أر صوراً للمعاناة الشديدة فحسب، بل كنت أيضاً أعاين بأم عيني أدنى مستويات المعيشة حيث المأساة والمعاناة: المناطق العشوائية في الولايات المتحدة، وضواحي الهند المهمشة، وسجن كوك كاونتي، والسجون الرئيسية، وعنابر مصحات الحالات الميؤوس منها، وكل أنواع المشاهد المفجعة. ولأكثر من مرة تردد ذهني في محاولة قبول فكرة وجود إله محب مع وجود الفساد وانفطار القلب والعذاب أمام عيني.

لكن تمبلتون لم يختم حديثه. وقال: ذهب ذهني آنذاك إلى المفهوم الأشمل للجحيم. “ي إلهي – وقد امتلأ صوته بالدهشة – لا أحتمل ان تمد يد إنسان للنار لدقيقة واحدة، ولا حتى للحظة! فكيف يمكن لإله محب، بمجرد أنك لا تطيعه ولا تفعل ما يريده، أن يعذبك إلى الأبد – دون أن يسمح لك أن تموت، بل أن تستمر في هذا الألم إلى الأبد؟ فحتى المجرم لا يفعل هذا!”

فسألته: “إذاً، هذه هي الشكوك الأولى التي واجهتك؟”

فأجابني: “قبل هذا، كانت لدي الكثير والكثير من الأسئلة. لقد وعظت للمئات وللآلاف من الناس بالرسالة المعكوسة، ثم اكتشفت بعدها لدهشتي أنني لم أعد أؤمن بها. فلكي أؤمن بها فهذا معناه أن أنكر العقل الذي وهب لي. لقد أصبح من الواضح تماماً أنني كنت على خطأ، لذلك قررت أن أترك الخدمة. وهكذا صرت لا أدرياً.

فقلت: “عرف ماذا تقصد بذلك، فهناك كثيرون قدموا تفسيرات مختلفة لهذا المصطلح.”

فأجابني: “الملحد يقول لا إله. المسيحي واليهودي يقولان إن هناك إلهاً. أما اللا أدري فيقول: “لا يمكنني أن أعرف.” إنه لا يقول: “لا أعرف”، بل يقول: “لا أستطيع أن أعرف.” لم يسبق لي أبداً أن قلت بوضوح إنه لا يوجد إله. أنا لا أعرف كل شيء؛ فأنا لست تجسيد الحكمة. لكم من غير الممكن بالنسبة لي أن أؤمن بالله.”

ترددت في طرح السؤال التالي، فبدأت بلهجة ملطفة قائلاً: “فيما يتقدم بك العمر. وتواجه مرضاً قاتلاً دائماً، فهل أنت….” فاعترضني قائلاً: “أقلق بكوني قد أكون مخطئاً؟”

“لا، لا أقلق.” قالها وهو مبتسماً.

“ولم لا؟”

“لأنني قضيت العمر كله أفكر في ذلك. ولو كانت هذه خاتمة بسيطة لاختلف الأمر. لكن من المستحيل بالنسبة لي – من المستحيل – أن أؤمن أن أي شيء أو شخص أو كيان يمكن أن يوصف كونه إلهاً محباً يسمح بما يحدث في عالمنا كل يوم.”

فسألته: “هل تود أن تؤمن؟”

فتعجب قائلاً: “بالطبع! لو استطعت لآمنت. أنا في الثالثة والثمانين من عمري ومصاب بالزهايمر. بالله عليك إني أحتضر! لكني قضيت حياتي أفكر في ذلك، ولن أغير موقفي الآن. افتراضياً، لو جاءني واحد قائلاً لي: “أنظر، أيها العجوز، إن سبب مرضك هو عقاب الله لرفضك أن تستمر في الطريق الذي سرت فيه – فهل سيُمثل هذا أي اختلاف بالنسبة لي؟” ورد على نفسه بوضوح مصرحاً: “لا. لا. لا. يمكن أن يكون في عالمنا إله محب.”

وأغمضت عيناه مع عينيَّ. “لا يمكن.”

خداع الإيمان

مرر تمبلتون أصابعه من خلال شعره. كان يتحدث بنغمات حادة، ويمكنني أن أقول إنه كان قد بدأ في الإرهاق. أردت أن أكون حساساً تجاه ظروفه، لكن كانت لديّ أسئلة قليلة أردت طرحها، فواصلت الحوار بعد استئذانه.

“بينما نتكلم الآن، يكون بيللي جراهام في منتصف سلسلة اجتماعات في أنديانا. ماذا تقول للناس الذين خطوا خطوات نحو الإيمان المسيحي؟”

فاتسعت عينا تمبلتون، وأجابني قائلاً: أنا لا أتدخل في حياتهم على الإطلاق. فلو كان إنسان لديه الإيمان، وكان هذا الإيمان يجعله إنساناً أفضل، فأنا أؤيد ذلك تماماً – رغم إني أعتقد أنهم حمقى. بما إنني كنت مسيحياً، أعرف مدى أهمية ذلك لحياة الناس، وكيف أن ذلك يبدل قراراتهم، ويساعدهم على التعامل مع المشكلات الصعبة. بالنسبة لمعظم الناس، الإيمان بركة لا توصف. ولكن هل ذلك لأن هناك إله؟ لا، ليس كذلك.”

لم يحمل صوت تمبلتون أي وهن، ومع ذلك كانت إيحاءات كلماته متعالية تماماً. هل هذا هو الإيمان كله – أن تخدع نفسك كي تصير إنساناً أفضل؟ أن تقنع نفسك أن هناك إلهاً حتى يكون لديك ما يدفعك للتنازل عن أخلاقياتك خطوة أو خطوتين؟ تصديق قصة خيالية قبل النوم بهدوء في المساء؟ لا، عفواً، هكذا قلت لنفسي. إن كان هذا هو الإيمان، فأنا لا أهتم به.

فتساءلت: “ماذا عن بيللي جراهام نفسه؟ لقد قلت في كتابك إنك تشعر بالأسف من أجله”.

فأصر قائلاً: “آوه، لا، لا – على خلاف كتاباته – فمن أنا حتى أشعر بالأسف حول ما يؤمن به إنسان آخر؟ يمكنني أن أعتذر عن ذلك نيابة عنه – لو جاز لي ذلك – لأنه أغلق عقله على الحقيقة. ولكن هي أتمنى أن يكون مريضاً؟ لا على الإطلاق!”

تطلع تمبلتون كثيراً لمادة قهوة زجاجية قريبة كانت فوقها السيرة الذاتية لبيللي جراهام.

فأوضح بإعجاب: “إن بيللي جراهام كالذهب الخالص؛ فلا غش فيه أو رياء. إنه إنسان من الطراز الأول، وهو مسيحي راسخ الإيمان، وإنسان صالح بحق كما يقولون. فهو يؤمن بإخلاص دون شك. وهو أخلاقي ومخلص كما يمكن لأي شخص أن يكون.”

“وماذا عن يسوع؟” أردت أن أعرف رأي تمبلتون عن أساس المسيحية. فسألته: “هل تؤمن أن يسوع قد عاش؟”

فأتاني الرد السريع: “بلا شك.”

“هل تعتقد بأنه الله؟”

فهز رأسه قائلاً: “لقد كانت هذه هي آخر فكرة يمكن أن تطرأ على ذهنه.”

“وتعليمه، هل أعجبت بما علمه؟”

“حسناً، لم يكن واعظاً جيداً جداً، فما قاله كان ساذجاً جداً، ولم يفكر فيه ولم يرهق نفسه بإثارة أخطر سؤال مطروح.”

“وهو…؟”

“هل هناك إله؟ وكيف يمكن لأي إنسان أن يؤمن بإله يفعل، أو يسمح، بما يدور في العالم؟”

“كيف تُقّيم إذاً يسوع هذا؟” بدا أن هذا السؤال المنطقي التالي، لكني لم أكن مستعداً للإجابة التي تلقيتها.

جاذبية يسوع

هدأت حركات تمبلتون. وبدأ الأمر كما لو كان قد شعر فجأة بالاسترخاء والراحة بالحديث عن صديق عزيز قديم. وقد أخذ صوته – الذي كان حاداً مصمماً – نغمة هادئة متأملة. وقد هدأ احتراسه، وتكلم في تواتر بطيء، يختار كلماته بحرص فيما يتحدث عن يسوع.

بدأ تمبلتون كلامه: “كان يسوع أعظم إنسان عاش على الإطلاق. كان عبقرية أخلاقية. وكان حسه الأخلاقي فريداً. وفي الواقع كان أحكم إنسان قابلته في حياتي أو في قراءاتي. كان تكريسه كلياً، وهو ما أدى إلى موته – في الغالب لضرر العالم. ماذا يمكن للمرء أن يقول عنه إلا إن ذلك كان نوعاً من العظمة؟”

فاندهشت قائلاً: “تبدو وكأنك مهتم به حقاً.”

فأجابني: “حسناً، نعم، فهو أهم شيء في حياتي.” وتمتم باحثاً عن الكلمة المناسبة قائلاً: “أنا… أنا… أنا… أعرف أن هذا قد يبدو غريباً، ولكن عليّ أن أقول…. أنا معجب به!”

لم أدر كيف أجيبه، فقلت: “تقول هذا بنوع من الحميمية.”

فقال: “حسناً، نعم. فكل شيء حسن أعرفه، وكل شيء جليل أعرفه، ولك شيء نقي أعرفه، قد تعلمته من يسوع. نعم …. نعم! وبقوة! أنظر فقط إلى يسوع. لقد وبخ الشعب، وكان غاضباً. الناس لا تفكر فيه هكذا، فهم لا يقرأون الكتاب المقدس. لقد كن لديه غضب مقدس. اهتم بالمسحوقين وبالمظلومين. ولا جدال أنه كان لديه المستوى الأخلاقي الأعظم، والازدواجية الأقل، والتعاطف الأعظم من أي إنسان في التاريخ. كانت هناك الكثير من الشخصيات الرائعة – لكن يسوع هو يسوع.”

“وهكذا سيفعل العالم حسناً كي يتمثلوا به؟”

“يا إلهي، نعم! لقد حاولت – وما زلت أحاول بكل جدية – أن أتصرف كما آمنت أنه ستصرف بالمثل. وهذا ليس معناه أنه يمكنني قراءة أفكاره، لأن أحد أروع الأمور عنه هو أنه كان غالباً ما يفعل عكس ما تتوقع.”

وفجأة قطع تمبلتون كلامه. كانت هناك وقفة قصيرة، فغالباً ما شعر أنه غير متأكد من الاستمرار.

قال ببطء: “آه… ولكن… لا، إنه الأكثر…. ” توقف تمبلتون، ثم بدأ من جديد مصرحاً: “من وجهة نظري، يسوع هو أهم إنسان وجد على الإطلاق.”

حينما نطق تمبلتون هذه الكلمات، لم أكن أتوقع أبداً أن أسمعها منه. فقد قال بينما كان صوته قد بدأ في الخفوت: “ولو جاز لي التعبير، فأنا …. أفتقده!”

وبهذه الكلمات غمرت الدموع عينيه، وحول رأسه ونظر للأسفل، رافعاً يده اليسرى كي تحجب وجهه عني. وكان كتفاه يتحركان فيما كان يبكي.

ماذا كان يجري؟ هل كانت هذه لمحة صريحة داخل نفسه؟ لقد شعرت نحو بالتعاطف، وأردت أن أعزيه. وفي نفس الوقت، فإن روح الصحفي التي بداخلي أرادت أن تكتشف جذور رد الفعل هذا. لماذا افتقده؟ وكيف أفتقده؟

فسألته بصوت رقيق: “كيف؟”

فجاهد تمبلتون كي يُعبر عن نفسه. وأؤكد أنه لم يكن ليفقد السيطرة على نفسه أما شخص غريب. تنهد بعمق ومسح دمعة من دموعه. وبعد لحظات حرجة قليلة، أشار بيده لي بالانصراف. وأخيراً أصر بهدوء، بل بصلابة، قائلاً: “كفي هذا.”

مد يده للأمام لالتقاط قهوته، وأخذ رشفة ماسكاً الكوب بقوة بين يديه كما لو كان يلتمس منه الدفء كان من الواضح أنه أراد ان يدعي أن هذا النظرة الصريحة داخل نفسه لم تحدث أبداً.

لكني لم أستطع أن أتجاهل ذلك، ولك أتجاهل اعراضاته المركزة القلبية حول الله.

في الواقع، كان هذه الاعتراضات تحتاج إجابة. له، ولي أنا أيضاً.

إلى طريق الإجابات

“1,6 مليار [مسيحي] من الممكن أن يكونوا على خطأ…. ودليلي ببساطة…. هو أن الناس العقلانيين يجب أن يهجروا هذه المعتقدات.”

مايكل مارتن، ملحد[1]

“اليوم يبدو لي أنه ليس هناك سبب مقنع يمكن أن يتبناه إنسان ذكي لقبول خداع الإلحاد أو اللا أدرية وارتكاب نفس الأخطاء العقلية التي ارتكبتها أنا. أتمنى…. لو عرفت آنذاك ما أعرفه الآن.”

باتريك جلين، ملحد صار مسيحياً[2]

بعد فترة وجيزة من اللقاء مع تشارلز تمبلتون، بدأت مع زوجتي ليزلي في العودة إلى شيكاغو، وقد أمضينا غالبية المسافة في مناقشة حيوية عن مواجهتي الغامضة مع المبشر السابق.

بصراحة كنت في حاجة لبعض الوقت لمعالجة هذا الاختبار. لقد كان لقاء غير عادي، إذ إنه يتضمن التحول الرهيب من الرفض المطلق لله إلى رغبة حميمية لإعادة التواصل مع يسوع الذي اعتاد على عبادته. أشارت ليزلي لإحدى نقاط مناقشتنا قائلة:

“يبدو أنك تحب تمبلتون حقاً”.

فقلت لها: “بالطبع أحبه”.

الحق أن قلبي قد انجذب إليه.

إنه يتعطش للإيمان، وقد تنازل كثيراً. وكإنسان يواجه الموت، فهو لديه كل الدوافع التي يريدها كي يؤمن بالله. هناك جاذبية لا يمكن إنكارها تجاه يسوع تنبع بوضوح من أعماقه، لكن في نفس الوقت هناك أيضاً تلك الحواجز العقلية الهائلة التي تقف بشدة في طريقه.

كما هو الحال مع تمبلون، كنت على الدوام إنساناً يتصارع مع الأسئلة. ففي دوري السابق، إذ عملت محرراً للشؤون القانونية في صحيفة شيكاغو تريبيون، كنت معروفاً بإثارة ما أسميته باعتراضات “نعم، ولكن Yes, but obkections”. نعم يمكنني أن أفهم أن الدليل في تجربة ما كان يشير لرأي معين، ولكن ماذا عن هذا التضارب، أو ذاك النقص، أو تلك الوصلة الضعيفة؟ نعم، يمكن أن يكون المدعي قد قدم دفاعاً مقنعاً عن جريمة موكله، لكن ماذا عن ادعائه بوجوده في مكان آخر أثناء الجريمة، أو عدم توافر البصمات؟

وقد كان نفس الشيء حقيقي بالنسبة لتحرياتي الشخصية عن يسوع. فقد انطلقت كملحد، مقتنعاً تماماً أن الله لم يخلق البشر، بل أن البشر هم الذين خلقوا الله بمجهود يائس لشرح المجهور ومعالجة خوفهم الشديد من الموت. لقد وصف كتابي السابق “القضية …. المسيح” اختباري الذي أخذ ما يقرب من عامين للدليل التاريخي الذي أشار لي بالحكم أن الله موجود حقاً، وأن يسوع هو ابنه الوحيد بالفعل. (لمخلص هذه الاكتشافات أرجو أن تنظر إلى الملحق بهذا الكتاب).

ولكن هذا لم يكن كافياً في حد ذاته لتسوية الأمر تماماً بالنسبة لي. فقد كانت تلك الاعتراضات المؤرقة لا تزال موجودة. نعم، يمكنني أن أفهم كيف أن الدليل التاريخي لقيامة يسوع يمكنه أن يدعم حكماً أنه إله، ولكن ماذا عن التتابع المتصاعد للمشكلات؟ لقد أطلقت على هذه الألغاز لقب “الثمانية العنيدة The Big Eight.”

  • بما أن هناك إلهاً محباً، فلماذا يئن هذا العالم المسحوق بالألم بالكثير من المعاناة والشر؟
  • بما أن معجزات الله تعارض العلم، فكيف يمكن لأي إنسان عقلاني أن يؤمن أنها حقيقية؟
  • لو كان الله قد خلق الكون حقاً، فلماذا يجبر الدليل المقنع للعلم الكثيرين جداً لاستنتاج أن عملية التطور غير الموجهة تفسر الحياة؟
  • بما أن الله طاهر أخلاقياً، فكيف يُصّدق على ذبح الأطفال الأبرياء كما يقول العهد القديم؟
  • لو كان يسوع هو الطريق الوحيد إلى السماء، فماذا إذاً عن ملايين الناس الذين لم يسمعوا عنه؟
  • لو كان الله يهتم بالناس الذين خلقهم، فكيف أمكنه أن يسلم كثيرين جداً منهم لعذاب أبدي في الجحيم لمجرد أنهم لم يؤمنوا بالأمور الصحيحة عنه؟
  • لو كان الله هو راعي الكنيسة الأعظم، فلماذا كانت حافلة بالرياء والقسوة عبر العصور؟
  • بما إنني مصاب بالشكوك، فهل من الممكن أن أظل مسيحياً؟

هذه بعض الأسئلة المثارة حول الله بشكل عام. في الواقع كان هذه بعض الموضوعات التي ناقشها تشارلز تمبلتون في لقائي معه وفي كتابه. وكما كانت مع تمبلتون، فقد وقفت هذه العقبات بصلابة بين وبين الإيمان أيضاً.

قهر الاعتراضات

بينما استطعت أن أروي الكثير من الاعتراضات التي أثارها تمبلتون، إلا إنني في نفس الوقت لم أكن ساذجاً لقبول كل منها على محمل الجدية. كان من الواضح أن بعض عقباته في طريق الإيمان يجب ألا تكون معوقات على الإطلاق.

فمثلاً كان تمبلتون مخطئاً بوضوح بخصوص يسوع وهو يعتبره مجرد إنسان. فحتى لو عدنا للمعلومات المبكرة والأكثر أصالة عنه – تلك البيانات التي لا يمكن أن تكون قد تبدلت بالتطور الأسطوري – فسوف نجد أن يسوع قد عبر عن نفسه دون شك بتعبيرات مسيانية، إلهية، سامية.[3]

في الواقع توجد هنا مفارقة، فالوثائق التاريخية نفسها التي اعتمد عليها تمبلتون للحصول على معلوماته عن حياة يسوع الأخلاقية المثيرة هي في الواقع نفس السجلات الدقيقة التي تؤكد ألوهيته على الدوام. ولذلك لو كان تمبلتون مستعداً لقبول دقتها بخصوص شخصية يسوع، فعليه أن يعتبرها جديرة بالثقة أيضاً حينما يؤكد أن يسوع نادى أنه إلهاً هم أيد هذا التأكيد بقيامته من الأموات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن قيامة يسوع لا يمكن اعتبارها أسطورة كما ادعى تمبلتون. فالرسول بولس حافظ على قانون إيمان الكنيسة الأولى الذي وضع على تقارير شهود العيان عن قيامة يسوع من الأموات، تلك التي أرجع كثير من الدارسين تاريخها إلى ما بعد موت يسوع بحوالي 24 -26 أسبوعاً.[4]

وهذا الأمر سريع جداً بالنسبة لعلم الأساطير حتى يكون قد زيف السجلات. الحق هو أن لا إنسان كان قادراً أن يبين مثالاً واحداً عبر التاريخ لأسطورة تنمو بهذه السرعة وتمحو صميم الحق التاريخي.[5]

بينما وثقت بانتظام في كتاب “القضية …. المسيح”، فإن برهان شهود العيان، والبرهان المؤيد، والبرهان النفسي، وبرهان “بصمة الأصابع”، أو البرهان النبوي، والبيانات التاريخية الأخرى تشير بقوة لاستنتاج أن يسوع هو ابن الله الوحيد حقاً.

نعم، ولكن…

ماذا عن تلك الموضوعات المريبة التي تمنع من قبول الإيمان الذي يرغبه باعترافه الشخصي كثيراً؟ لقد انتابتني. وقد كانت هي نفس الموضوعات التي أربكتني ذات مرة – وبينما كنت أقود السيارة مع ليزلي بين ولايتين تجاه البيت، بدأت بعضها تنتابني من جديد.

على نفس الطريق

هدأت أنا وليزلي لبعض الوقت. نظرت خارج النافذة إلى المروج المتموجة من الريف الكندي. وأخيراً قالت ليزلي: “يبدو أن لقاءك قد انتهى على نحو مفاجئ. ماذا قال تمبلتون قبل أن تغادره؟”

فقلت لها: “في الواقع كان دافئاً جداً. حتى أنه أخذني في جولة عبر شقته. وكان يبدو كما لو لم يرد أن أغادره، ولكل بغض النظر عن محاولاتي، لم أستطع أن أقنعه بالاستمرار في مناقشة مشاعره عن يسوع.”

فكرت للحظات قبل الاستمرار. لقد قال شيئاً آخر أدهشني. فبينما كنت مستعداً لمغادرته، نظر إليّ بمنتهى اللطف، وصافح يدي وقال بإخلاص عظيم: “لقد كنا على نفس الطريق”.

فأومأت ليزلي قائلة: “لقد كنتما كذلك. فكلاكما كاتب، وكلاكما كان متشككاً.” ثم أضافت مبتسمة: “وكلاكما عنيد لدرجة أنكما لا تقبلان الإيمان حتى تتأكدا من أنه ليس مليئاً بالثقوب.”

لقد كانت على حق. فقلت لا: “ولكن بدا أن عقله مغلقاً جداً. فلقد أصر أنه لا يمكن أن يكون هناك إله محب. ومع ذلك في نفس الوقت، بدا أن قلبه منفتح جداً. بطريقة ما أعتقد أنه يريد يسوع بنفس الأسلوب الذي يريده به الناس الذين كانوا في انديانابوليس. إنه فقط لا يمكنه أن يملكه. وعلى الأقل لا يعتقد ذلك. وليس باعتراضاته.”

قضيت الليلة مع ليزلي في أحد فنادق ميتشجان، وفي النهاية وصلنا قبيل ظهيرة اليوم التالي. سحبت حقيبتنا إلى السلم وألقيتها على الفراش، فقامت ليزلي بفتحها، وبدأت في إخراج الملابس منها.

وأشارت قائلة: “على الأقل وصلنا البيت في وقت قصير.”

فقلت: “حسناً، ليس تماماً.”

لم أستطع ان أنسى أسئلة تمبلتون، فقد تردد صداها بعمق شديد مع أسئلتي الخاصة. ولذلك قررت أن أبداً من جديد، وأتوسع في رحلتي الروحية في اتجاه مختلف عما سلكته حينما كتبت كتاب “القضية…. المسيح” الذي كان تحرياً عن الدليل التاريخي عن حياة، وموت، وقيامة يسوع المسيح.

أردت أن أقرر من جديد ما إذا كانت هناك استجابات مُرضية للنفس حينما تواجه المسيحية بأصعب وأقسى أسئلة الحياة التي تبعث شكوكاً مؤرقة في قلوبنا وعقولنا. هل يمكن للإيمان أن يواجه العقل حقاً؟ أم أن الفحص العقلي الصارم سيطارد الله؟

عزمت أن أتتبع أشهر وأمهر المدافعين عن المسيحية. ولم يكن هدفي هو أن أتخذ مدخلاً ساخراً أو منافساً كي أضايقهم بأسئلة محيرة، أو كي أرى ما إذا كنت سأدفعهم لوضعهم في موقف محرج. لم تكن هذه هي لعبتي.

لقد كنت مهتماً بأمانة بتحديد ما إذا كانت لديهم إجابات عقلية عن الأسئلة “الثمانية العنيدة The Big Eight”، أردت أن أمنحهم فرصة مواتية لوضيح فكرهم ودليلهم بالتفصيل حتى يمكنني في النهاية تقييم ما إذا كانت نظرياتهم تفي بالمعنى أم لا. على العموم، أردت أن أكتشف ما إذا كان الله يقول الحق حين قال “وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم.” (إر 29: 13).

رفعت سماعة الهاتف. آن أوان تخطيط طريق البحث عن الإجابات.

لم يكن تمبلتون يتوقع أقل من ذلك.

[1] Michael Martin, The Case Against Christianity (Philadelphia: Temple University Press, 1991), 3, 5.

[2] Patrick Glynn, God: The Evidence (Rocklin, Calif.: Forum, 1997), 20.

[3] See: Lee Strobel, The Case for Christ (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1998), 131 – 143; Ben Witherington 111, The Christology of Jesus (Minneapo-lis, Minn.: For tress Press, 1990); and William Lane Craig, Reasonable Faith (Wheaton, 111.: Crossway, 1994), 233-54.

[4] See: 1Corintians 15: 3-8.

[5] See: Lee Strobel, The Case for Christ, 35, 208-11, 229-33, 264-65.

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

“الإيمان بالإله المسيحي لا بد أن يرفضه أي إنسان يوجه أدنى احترام للمنطق.”

جورج هـ. سميث، ملحد[1]

“الإيمان المسيحي ليس قفزة لا عقلانية. فعندما تُفحص ادعاءات الكتاب المقدس بموضوعية، يتضح أنها مسائل عقلية مدعمة جيداً بالمنطق والبرهان.”

تشارلز كولسون، مسيحي[2]

تماسك ويليام فرانكلين جراهام بالقبض على جانبي المنبر. كان في الثمانين من عمره، يتصارع مع مرض شلل الرعاش؛ لكنه تأمل ملياً في الحشود داخل قبة RCA في انديانابوليس، وتكلم بصوت قوي ثابت. لم تكن هناك أية إشارة تردد، لا شك، أو غموض. كانت عظته هي نفس الرسالة البسيطة الصريحة التي اعتاد أن يعظها لمدة 50 عاماً.

لقد أشار إلى الفوضى والعنف حول العالم، وركز على العذاب، والألم، والاضطراب في قلوب البشر. تكلم عن الخطية، والغفران، والفداء، وعن الوحدة، واليأس، والاكتئاب الذي يرهق الكثير من البشر.

قال بلهجة نورث كارولينا المألوفة لديه بينما اقترب من ختام حديثه: “نحن جميعاً نريد أن نكون محبوبين. فكلنا نريد مَن يحبنا. حسناً، أريد أن أخبركم أن الله يحبكم. إنه يحبكم جداً حتى بذل عنا ابنه كي يموت على الصليب من أجل خطايانا. وهو يحبكم جداً حتى إنه سيغير حياتكم، وسيعدل مسارها، وسيجعل كلاً منا إنساناً جديداً مهما كانت حالته.”

“هل أنت متأكد أنك تعرف المسيح؟ تأتي لحظة يوبخك فيها روح الله، ويدعوك، ويتحدث إليك عن فتح قلبك والتأكد من علاقتك مع الله. مئات الحاضرين منكم الليلة غير متأكدين. عليكم أن تتأكدوا. عليكم أن تغادروا هذا المكان الليلة وأنتم عارفين أنه إن متم في طريق عودتكم، تكونون مستعدين للقاء الله.”

وهكذا حثهم على المجيء. وقد فعلوا. في البداية كانت هناك قلة من الناس، ثم بدأت الجموع تتدفق: أفراد، أزواج، وعائلات بأكملها تتدفق إلى الفضاء الشاسع أمام المنصة. وسرعان ما صاروا كتفاً لكتف حتى التفوا حول المنصة، وكان عددهم حوالي 3000 إنسان. كان البعض يبكي وهم متأثرون بالتوبيخ الشديد، والبعض الآخر يحدق للأسفل، وهم لا يزالوا نادمين على ماضيهم، وكان كثيرون مبتسمين، متحررين، فرحين…. فقد عادوا أخيراً إلى الوطن.

كانت هناك سيدة متزوجة تعيش حياة مثالية. فقد قالت لأحد الاستشاريين: “أمي ماتت بمرض السرطان عندما كنت صغيرة، واعتقدت حينها أنني أعاقب من الله. والليلة أدركت أن الله يحبني. لقد كنت أعرف ذلك، لكني لم أستطع الفهم. الليلة لمس السلام قلبي.”[3]

ما هو الإيمان؟ لم تكن هناك حاجة لتعريف الإيمان لهؤلاء الناس في ليلة يونيو الحارة تلك. لقد كان الإيمان ملموساً بالنسبة لهم تقريباً. فلقد توصلوا إلى الله تقريباً كما لو كانوا يتوقعون أن يحتضنوه بالجسد. لقد انتشلهم الإيمان من الذنب الذي حاصرهم. الإيمان بدل اليأس بالرجاء. الإيمان ألهمهم بمسار جديد وبهدف جديد. الإيمان فتح السماء. الإيمان كان كماء بارد ينفذ إلى نفوسهم الظمآنة. لكن الإيمان ليس دائماً بهذه السهولة، حتى بالنسبة لمن يريده بكل كيانه. البعض يجوع من أجل اليقين الروحي، ومع ذلك يعوقهم شيء ما عن اختبار ذلك. يتمنون أن يكونوا قد ذاقوا ذاك النوع من الحرية، لكن العقبات تعترض طرقهم. الاعتراضات تضايقهم. الشكوك تسخر منهم. قلوبهم تريد أن تحلق إلى الله، لكن عقلياتهم تجعلهم مربوطين ومشدودين لأسفل.

يشاهدون التغطية التلفزيونية للجماهير التي جاءت للصلاة مع بيللي جراهام، فيهزون رؤوسهم، ويتنهدون قائلين آه لو كان الأمر بهذه البساطة. آه لو لم تكن هناك أسئلة كثيرة.

من المثير للسخرية أن الأسئلة الدائرة حول الله قد تحولت إلى اعتراض حاد للمسيحية من قبل تشارلز تمبلتون – رفيق بيللي جراهام على المنبر وصديقه المقرب. ومثل جراهام، تحدث تمبلتون بقوة للجماهير وصديقه المقرب. ومثل جراهام، تحدث تمبلتون بقوة للجماهير في احدى المرات في مساحة شاسعة. ودعا الناس لأن تكرس حياتها ليسوع المسيح، حتى إن البعض تنبأوا ان شعبية تمبلتون كواعظ ستفوق شعبية جراهام.

لكن هذا كان منذ وقت طويل. كان هذا قبل الأسئلة المحيرة.

واليوم فإن إيمان تمبلتون – الذي تحطم باستمرار بالشكوك المتواصلة العنيدة – قد انهار. وربما إلى الأبد.

…. ربما!

من الإيمـان إلى الشـك

كان العام 1949. لم يكن بيللي جراهام البالغ من العمر ثلاثين عاماً يدرك أنه على وشك أن ينطلق للشهرة والنفوذ حول العالم. والمثير للسخرية أنه بينما أعد نفسه لهذه الحملة القوية في لوس أنجلوس، إلا أنه وجد نفسه يتصارع مع الشك – حول وجود الله أو ألوهية يسوع – بل حول ما إذا كان بإمكانه الوثوق كلية فيما يقوله له الكتاب المقدس.

في سيرة حياته، قال بيللي جراهام إنه شعر كما لو كان مهملاً. وقد جذبته إلى الله هنرييتا ميرس المعلمة المسيحية الرقيقة اللامعة التي كان لها فهم شامل للثقافة الحديثة، وثقة وافية بيقين الأسفار المقدسة. وكان ينتزعه للجانب الآخر رفيقه المقرب وزميل كرازته تشارلز تمبلتون البالغ من العمر الثالثة والثلاثين عاماً.[4]

أصبح تمبلتون مسيحياً – على حد قوله – مبكراً بخمسة عشر عاماً عندما وجد نفسه قد سأم على نحو متزايد أسلوب حياته الذي اعتاده في فريق تورنتو جلوب. وبعد أن أفاق من ليلة ماجنة قضاها بالخارج في ناد للتعري، شاعراً بالدناءة الدنس، دخل غرفته وركع أمام فراشه في الظلام.

وفيما استدعى ذكرياته بعد ذلك قال: “وفجأة، بدا كما لو كانت بطانية سوداء قد انسدلت عليّ. شعور بالذنب غطى عقلي وجسدي بأكمله. كانت كلماتي الوحيدة هي: “يا رب، هلم إليّ. هلم إليّ…” ثم:

بدأ حمل يرتفع عني ببطء، حمل ثقيل ثقلي أنا. مر من خلال فخذي، وجذعي، وذراعي، وكتفي، وفارقني. وبدأ دف يفوق الوصف يغمر جسدي. بدا الأمر كما لو كان نور قد أنار في صدري، وإنه قد طهرني… تجرأت بصعوبة أن أتنفس، خشية أن أغير هذه اللحظة أو أختمها. وسمعت نفسي أهمس مراراً في رقة. “أشكرك يا رب، أشكرك، أشكرك.” وبعدها استلقيت بهدوء في الفراش في منتهى السعادة الغامرة المتألقة السامية.[5]

بعدما ترك الصحافة من أجل الخدمة، تقابل تمبلتون مع جراهام في العام 1945 في أحد اجتماعات “شباب للمسيح Youth for Christ”. كانا رفيقا غرفة واحدة، ورفيقان دائمان خلال رحلة أوربية مثيرة، حيث كانا يتبادلان مكانيهما على المنبر أثناء وعظهما في الاجتماعات. أسس تمبلتون كنيسة سرعان ما كان عدد المترددين عليها يفوق الـ 1200 مقعد اليت هي سعتها. قالت المجلة الأمريكية American Magazine إنه “وضع معياراً جديداً للكرازة الشاملة”.[6] وقد نمت صداقته مع جراهام حتى قال عنه جراهام ذات مرة لأحد كاتبي السير: “إن تمبلتون هو أحد الرجال القلائل الذين أحببتهم في حياتي.”[7]

لكن الشكوك سرعان ما بدأت تُزعج تمبلتون. فقد قال فيما بعد: “لقد جزت اختبار تحول بينما كنت شاباً غضاً. افتقدت المهارات العقلية والتدريب اللاهوتي الضروري لتدعيم معتقداتي حينما بدأت الأسئلة والشكوك تعذبني، وكان هذا الأمر لا يمكن تجنبه…. بدأ عقلي يتشكك، وأحياناً يهاجم، العقائد الأساسية للإيمان المسيحي”[8]

انتصـار للإيمـان

والآن كان تمبلتون المتشكك – على خلاف هنرييتا ميرس الأمينة – يجذب بيللي جراهام بعيداً عن تأكيداتها المتكررة بأن الأسفار المقدسة موثوق بها. وكان يتجادل قائلاً: “بيللي، أنت إنسان متأخر بمقدار 50 عاماً. فالناس لم يعودوا يقبلون بالكتاب المقدس كموحى به كما تقبله أنت. إن إيمانك ساذج جداً”.

كان يبدو أن تمبلتون يكسب السباق. فقد قال جراهام فيما بعد: “حتى ولو لم أكن متشككاً تماماً، فقد كنت بالتأكيد مضطرباً.” لقد عرف أنه إن لم يستطع أن يثق بالكتاب المقدس، لما تمكن من الاستمرار. كانت حملة لوس أنجلوس – الحدث الذي سيفتح الباب أما خدمة بيللي جراهام حول العالم – موضع تقييم.

بحث جراهام الأسفار المقدسة من أجل الإجابات، وقام بالصلاة والتأمل. وأخيراً في نزهة تمشية كئيبة في جبال سان بيرناردينو المتلألئة تحت ضوء القمر، وصل كل شيء إلى حد الذروة. ممسكاً بكتاب مقدس، خرّ جراهام على ركبتيه، واعترف أنه لم يستطع إجابة بعض الأسئلة الفلسفية والنفسية التي كان يثيرها تمبلتون وآخرون.

وكتب قائلاً: “كنت أحاول أن أكون صادقاً مع الله، لكن شيء ما بقي دون أن يوصف.” “في النهاية حررني الروح القدس كي أقول ذلك.” “أبي، سأقبل هذا ككلمتك أنت – بالإيمان! سأسمح للإيمان أن يتخطى أسئلتي وشكوكي العقلية، وسأؤمن أن هذه هي كلمتك الموحى بها.”

نهض من ركوعه، والدموع تملأ عينه، قال جراهام إنه شعر بقوة الله كما لو لم يشعر بها من عدة شهور. وقال: “لم تجاب كل أسئلتي، لكن جسراً رئيسياً تم عبوره. عرفت بكل تأكيد أن هناك معركة روحية في نفسي قد حوربت ورُبحت.”[9]

كانت هذه اللحظة محورية بالنسبة لجراهام، لكنها كانت بمثابة انقلاب أحداث مُخيب للآمال بالنسبة لتمبلتون. فقد صرّح تمبلتون قائلاً: “لقد ارتكب [جراهام] الانتحار العقلي حينما أغلق عقله.” وكانت العاطفة التي شعر بها بالأكثر تجاه صديقه هي الشفقة والآن بدأت حياتهما في الانعطاف في اتجاهين مختلفين.

التاريخ يعرف ما سيحدث لجراهام في السنوات اللاحقة، ذاك الذي سيصبح أكثر كارزي العصور الحديثة إقناعاً وتأثيراً، وأحد أكثر الرجال المحبوبين حول العالم. ولكن ماذا سيحدث لتمبلتون؟ لقد استقال تمبلتون – مقهوراً بشكوكه – من الخدمة، وعاد إلى كندا حيث أمصبح معلقاً وروائياً.

إن منطق تمبلتون طارد إيمانه. ولكن هل الإيمان العقل متنافران حقاً؟ هل من الممكن أن تكون مفكراً ومسيحياً مؤمناً بالكتاب المقدس في نفس الوقت؟ البعض لا يؤمنون بذلك.

يؤكد الملحد جورج هـ. سميث قائلاً: “العقل والإيمان ضدان، مصطلحان مانعان تبادلياً: فليس هناك توافق أو أرضية مشتركة فالإيمان هو الثقة بدون، أو بالرغم من، العقل.”[10]

أما المعلم المسيحي بينجهام هانتر W. Bingham Hunter فيتبنى الرؤية المضادة، حيث قال: “الإيمان استجابة عقلية لبرهان إعلان الله عن ذاته في الطبيعة، والكتاب المقدس، وابنه القائم.”[11]

بالنسبة لي، وبما إني عشت أغلب حياتي ملحداً، فإن الشيء الذي لا أريده بالمرة هو إيمان ساذج مبني على أساس هش من تطويع الأفكار للأماني أو التظاهر. فأنا أحتاج إيماناً متناغماً مع المنطق، لا متعارضاً معه. أريد معتقدات متأصلة في الواقعية، لا منفصلة عنها. أحتاج أن أكتشف مرة واحدة وإلى الأبد ما إذا كان الإيمان المسيحي يمكنه أن يواجه الفحص.

آن الأوان بالنسبة لي كي أتحدث مع تشارلز تمبلتون وجهاً لوجه.

من “خادم” إلى “لا أدري”

على بعد 500 ميل تقريباً من المكان الذي كان بيللي جراهام يُطلق منه حملته في أنديانابوليس، تعقبت تمبلتون إلى مبنى حديث في إحدى مقاطعات تورونتو متوسطة المستوى. وحيث أخذت المصعد إلى الدور الخامس والعشرين، توجهت إلى باب عليه هذه العلامة “Penthouse”، وضغطت على المقبض النحاسي.

كنت أحمل تحت ذراعي نسخة من آخر مؤلفات تمبلتون الذي لا يترك عنوانه أي مجال للشك بخصوص منظوره الروحي، فقد كان عنوان الكتاب: “وداعاً الله: أسباب رفضي للإيمان المسيحي “Farewell to God: My Reasons for Rejecting the Christian Faith.[12] هذا الكتاب الفظ يسعى لسلب المعتقدات المسيحية، وشن الهجوم عليها باعتبارها “عتيقة، خاطئة مع توافر الأدلة، غالباً ما تكون في اظهاراتها الخاصة ضارة بالأفراد وبالمجتمع.”

يعتمد تمبلتون على مجموعة من التوضيحات فيما يجاهد أن يقوض الإيمان بإله الكتاب المقدس. لكني صُدمت بشكل خاص بقطعة مؤثرة أشار فيها لمصاعب مرض الزهايمر، وهو يصف بالتفصيل الممل الطريق التي يسلب بها الزهايمر شخصية الإنسان بإفساد ذهنه وذاكرته. وتساءل قائلاً كيف يمكن لإله حنان ان يعذب مثل هذا المرض المرعب ضحاياه ومحبيهم؟

واستنتج أن الإجابة بسيطة: فالزهايمر لا يمكن أن يوجد إن كان هناك إله محب. ولأن الزهايمر موجود، فهذا دليل آخر مقنع أن الله غير موجود.[13]وبالنسبة لإنسان مثلي، حيث احتملت أسرة زوجتي عواقب الزهايمر المدمرة، كان ذلك بمثابة حجة قوية.

لم أكن متأكداً مما كنت أتوقعه بينما انتظرت على عتبة تمبلتون. هل سيكون مهاجماً كما كان في كتابه؟ هل سيكون حاداً تجاه بيللي جراهام؟ وهل حتى سيستكمل لقائنا؟ عندما كان تمبلتون قد وافق في مكالمة هاتفية قصيرة قبل يومين، قال بغموض إن صحته ليست على ما يرام.

فتحت مادلين تمبلتون – وهي منتعشة من ري الزهور في حديقتها أعلى السطح – الباب، وألقت عليّ التحية بدفء. وقالت: “أعرف أنك جئت من شيكاغو، لكني أخشى أن أقول لك إن تشارلز مريض جداً”

فعرضت عليها قائلاً: “يمكنني العودة في وقت آخر.”

فقالت: “حسناً، لنر كيف هي صحته الآن.” قادتني للأعلى عبر سلم مُغطى بسجاد أحمر إلى شقتهما الفاخرة، وكان بالقرب منها كلبان كبيران نشيطان. “لقد كان نائماً…””

في تلك اللحظة، خرج زوجها البالغ من العمر الثالثة والثمانين من غرفة النوم. كان يرتدي رداءً بنياً قاتماً خفيفاً فوق بيجامة بنفس اللون، وخُفاً أسمر في رجليه. كان شعره الرمادي الخفيف مبعثراً قليلاً. كان نحيفاً شاحباً. رغم أن عيناه ذات الزرقة الرمادية قد بدتا متحفزتان معبرتان. مد يده للمصافحة في أدب.

قال: “من فضلك أعذرني – وهو يسعل – لكنني لست على ما يرام.” ثم أضاف كنوع من التأكيد: “في الواقع أنا أحتضر.”

فسألته: “ما الأمر؟”

فصدمتني إجابته: “الزهايمر”

اتجه ذهني لما كتبه عن أن الزهايمر هو برهام عدم وجود الله، وفجأة تبادرت إلى ذهني فكرة بخصوص بعض الدوافع وراء تأليف كتابه.

لقد أصبت به …. هل منذ ثلاث سنوات؟

قالها وهو يقطب حاجبيه ويوجه نظره لزوجته من أجل المساعدة. “لقد أصبت به… منذ ثلاث سنوات. حقاً، أليس كذلك يا مادلين؟”

فأومأت إليه قائلة: “بلى، يا عزيزي، ثلاث سنوات.”

فقال: “لم تعد ذاكرتي كما كانت، فكما تعرف أن الزهايمر قاتل دائماً. دائماً. كم يبدو هذا مأساوياً، لكن الحقيقة هي أنني أموت غير مأسوف عليّ. فآجلاً أو عاجلاً سيقتلني. لكنه أولاً سيحتل ذهني.” ابتسم بشحوب وقال: “أخشى أن يكون قد بدأ. ومادلين يمكنها أن تشهد بذلك.”

فقلت: “عفواً لتدخلي. طالما أنت لست على ما يرام…”

فأصر تمبلتون على إجراء الحوار، وقادني نحو غرفة المعيشة، المزخرفة بألوان زاهية بأسلوب عصري، والمغمورة بأشعة شمس ما بعد الظهيرة التي تسللت من خلال الأبواب الزجاجية التي أتاحت رؤية بانورامية رائعة للمدينة. جلسنا على مقاعد مزخرفة قريبة، وفي غضون دقائق بدا أن تمبلتون قد استجمع طاقة جديدة.

قال: “أعتقد أنك تريد أن أشرح كيف اتجهت من الخدمة إلى اللا أدرية.” وبهذه الكلمات أفاض الحديث عن الأحداث التي قادته لرفض إيمانه بالله.

كان هذا هو ما توقعته، لكنني لم أتوقع أبدأ كيف سينتهي حوارنا.

إقرأ أيضاً: تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

[1] George H. Smith, Atheism: The Case Against God (Amherst, N. Y.: Prometheus Books, 1989), 51.

[2] Charles Colson, How Shall We Live? (Wheaton, 111.: Tyndale House, 1999), 31 – 32.

[3] “Billy Graham Indiana Crusade.” Available: www.billygraham.org/newsannouncementl2.asp [1999, June 4].

[4] Billy Graham, Just As I Am (Grand Rapids, Mich: Zondevan, 1997), 137 – 138.

[5] Charles Templeton, Farewell to God (Toronto: McClelland & Stewart, 1996), 3.

[6] Ibid., 11.

[7] Ibid., 9.

[8] Ibid., 5-6.

[9] Billy Graham, Just As I Am, 139.

[10] George H. Smith, Atheism: The Case Against God, 98.

[11] W. Bingham Hunter, The God Who Hears (Downers Grove, 111.: InterVarsity Press, 1986), 153.

[12] Charles Templeton, Farewell to God, vii.

[13] Ibid., 200-202.

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

إقرأ أيضًا: الاحتمـال الأول: فرضـيـة دارويـن

الاحتمال الثاني: فرضية التصميم

قال عالم الفيزياء الذي أصبح فيما بعد لاهوتياً جون بولكينغورن: “إن سؤالاً أساسياً مثل الإيمان بالله (أو عدم الإيمان) لا يمكن إنهائه بمناقشة واحدة. إنه معقد للغاية. وما على الشخص أن يفعله هو التفكير في قضايا مختلفة ويرى ما إذا كانت الإجابات التي سيحصل عليها توضح الصورة التي تعطي للموضوع معنى”[1].

وهذا هو الأسلوب الذي اتبعته في بحثي. وقمت بفحص عميق لأربعة فروع علمية مختلفة لأرى ما إذا كانت تشير إلى أو تبعدني عن المصمم الذكي.

وعندما فتحت ذهني لتفسير غير مبدأ الطبيعة، وجدت أن افتراضية التصميم تفسر بكل وضوح أدلة العلم “فالقوة التفسيرية” لفرضية التصميم تفوقت على نظرية أخرى. وما يلي بعض الحقائق التي وردت في أبحاثي واستفساراتي:

  • دلـيـل علـم الكـونيـات

إنه بفضل الاكتشافات العلمية في الخمسين سنة الأخيرة، أخذت مجادلة “الكلام Kalam” الكونية القديمة قوة جديدة. وكما وصف ذلك وليم لين كريج فقال: “رغم أن هذه المجادلة بسيطة إلا أنها ممتازة: “تقول أولاً: كل ما هو موجود له سبب”. وحتى الشكاك المشهور ديفيد هيوم لم ينكر هذه الافتراضية. كما قال الملحد كوينتن سميث إن التعبير الذي يقول: “إننا جئنا من لا شيء وبواسطة لا شيء من أجل لا شيء” تعبير سخيف ومثير للسخرية.

“ثانياً: إن الكون له بداية”. وبناء على المعلومات فإن كل علماء الكون يوافقون على أن الكون بدأ بالانفجار الهائل في نقطة محددة في الماضي. كما أكد كريج على القول بأن النظريات البديلة عن أصل الكون تحتاج إلى بداية. فمثلاً، استخدام ستيفن هوكنج “للأرقام الخيالية” يحجب نقطة البداية في نموذجه، والذي يصرح هوكنج عنه بالقول بأنه ليس وصفاً للحقيقة.

ويأتي الاستنتاج بكل وضوح من مقدمتين منطقيتين: “ولهذا فللكون سبباً. وحتى روبرت جاسترو والذي كان سابقاً لا أدري سلم بأن العناصر الأساسية للمسيحية وعلم الكون الحديث يلتقيان: “إن سلسلة الأحداث التي تقود الإنسان بدأت فجأة وبحدة، وفي لحظة محددة من الزمن، في ومضة ضوء وطاقة”.

  • دلـيـل الفيـزيـاء

إحدى أكثر الاكتشافات المميزة للعلم الحديث هو أن قوانين وثوابت الفيزياء تتعاونان بطريقة غير متوقعة لجعل هذا الكون مكاناً صالحاً للسكن والحياة. فمثلاً، قال عالم الطبيعة والفيلسوف روبن كولنس، إن الجاذبية قد ضبطت بكل دقة على جزء من مائة مليون بليون، بليون، بليون، بليون.

والثابت الكوني، الذي يمثل كثافة طاقة الفضاء، محددة بإحكام مثل إلقاء سهم من الفضاء ليضرب عين ثور بنسبة تريليون تريليون من البوصة في قطر الكرة الأرضية. وقال أحد الخبراء إنه يوجد أكثر من ثلاثين من القوانين الكونية الثابتة تحتاج إلى تقويم محدد حتى ينتج عنها كوناً يمكن أن يكون فيه حياة.

وقال بين كولينس بإن الفرصة لا يمكن أن تفسر “مبدأ أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية” والبديل الذي نوقش – بأنه يوجد الكثير من الأكوان – يحتاج إلى دعم من أي دليل وقد انهار تماماً على ما تحقق من أن هذه العوالم الأخرى يُعزى وجودها إلى عملية مصممة تصميماً عالياً.

وهذا الدليل قوي للغاية حتى أنه هو الذي جعل باتريك جلين يتخلى عن إلحاده ويقول: “إن المعلومات المتناغمة تشير بقوة تجاه فرضية وجود الله. إنه أسهل وأكثر الحلول وضوحاً للغز الإنساني”.

  • دلـيـل علـم الفـلك

وما يشبه الضبط الدقيق لعلم الفيزياء، هو مركز الأرض في الكون وتعقيداته الجيولوجية والعمليات الكيميائية كلها التي تعمل معاً بكفاءة عظيمة لكي تخلق مكاناً آمناً حتى يمكن للبشر أن يعيشوا.

مثلاً، قال كل من عالم الفلك جيليرمو جونزاليس والفيلسوف جاي ويزلي ريتشاردز حتى يكون نجماً بيئة صالحة للعيش عليه يحتاج إلى أن يكون له الخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، الضوء الصحيح، العمر الصحيح، المسافة الصحيحة، المدار الصحيح، المجرة الصحيحة، الموضع الصحيح. لكي يغذي الكائنات الحية على كوكب دوار. وعوامل كثيرة تجعل نظام مجموعتنا الشمسية وموقعنا في الكون هو الصحيح لكي يكون بيئة صالحة للسكن فيه.

وما هو أكثر من ذلك، الحالة غير العادية التي تجعل الحياة ممكنة هي أيضاً التي تحدث لكي تجعل كوكبنا في موقع جيد لرؤية وتحليل الكون والبيئة. وكل هذا يوضح بأن كوكبنا قد يكون نادراً إن لم يكن فريداً وأن الخالق أرادنا أن نكتشف الكون.

وقال الفيزيائي الفلكي المتعلم في هارفارد جون أ. أوكيف من ناسا “لو لم يكن الكون قد صنع بأقصى دقة ما كنا موجودين فيه. ومن وجهة نظري أن هذه الظروف تبين أن الكون خلق للإنسان ليعيش فيه”.

  • دلـيـل الكيميـاء الحيـويـة

قال داروين: “إذا أمكن توضيح أن أي عضو معقد موجود ولم يتكون من تعديلات عديدة ومتتابعة وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي”. وقد أوضح المتخصص في الكيمياء الحيوية مايكل بيه هذا تماماً من خلال وصفه “للتعقيد المتعذر اختزاله” في مكائن جزيئية.

هذه الأدوات الغريبة الميكروسكوبية المعقدة مثل الهُدب cilia والبكتيريا الشبيهة بالسوط flagella، لا يمكن أن تكون قد وُجدت قطعة قطعة من خلال عمليات داروين لأنها يجب أن توجد كاملة حتى يمكنها أن تؤدي وظيفتها. وأمثلة أخرى تشتمل على النظام الذي يصعب تصديقه عن نقل البروتينات داخل الخلايا والعملية المعقدة لتجلط الدم.

وما هو أكثر من مجرد تحدي مدمر لأصحاب نظرية داروين هي تلك الأنظمة البيولوجية المدهشة – التي تفوق القدرة البشرية في التكنولوجيا وكلها تشير إلى خالق علوي. وقال بيه “ويمكن تلخيص استنتاجي في كلمة واحدة هي: التصميم. وأقول هذا بناء على العلم. وأقول أن نظام “التعقيد المتعذر اختزاله” هو دليل قوي على تصميم هادف بواسطة مصمم ذكي”.

إن مجادلة بيه أثبتت أنه يصعب على الشكاكون تحديها. وإن كان من الواضح أنه ستكون هناك اكتشافات مستقبلية في الكيمياء الحيوية، فقد أشار بيه أنهم لن يستطيعوا مناقشة التعقيد الذي اكتشف وكان أفضل تفسير له هو وجود خالق.

  • دلـيـل المعلومات البيولوجية

الستة أقدام من حامض DNA في داخل كل خلية في أجسادنا التي بها 100 تريليون خلية تحتوي على أربعة حروف من الرموز الكيميائية التي تقذف تعليمات مجمعة ومحددة لكل البروتينات التي تتكون منها أجسادنا. وقد أوضح ستيفن مير المتعلم في كامبردج أنه ولا فرضية علمية واحدة تمكنت من توضيح كيف يمكن للمعلومات أن تدخل المادة البيولوجية بوسائل طبيعية.

وعلى العكس من ذلك، قال “حينما نجد ترتيبات متتابعة ومعقدة وتتمشى مع نمط أو وظيفة مستقلة، فإن هذا النوع من المعلومات هو دائماً ناتج عن الذكاء. فالكتب، وشفرة الكمبيوتر والحامض النووي كلها تتمتع بهذه الخواص. ونحن نعلم ان الكتب وشفرات الكمبيوتر مصممة بالذكاء، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير إلى مصدر ذكي”.

وبالإضافة إلى ذلك قال مير: “إن انفجار كامبريان الكوني الذي نتج عنه أشكال جديدة من الحياة، والذي ظهر فجأة مكوناً تكويناً كاملاً في سجل الحفريات، بدون سابق تحول، كان سيحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات الحيوية. والمعلومات هي الماركة المسجلة للعقل. ومن دليل الجينات وعلم الأحياء يمكننا أن نستنتج وجود عقل أكبر كثيراً جداً من عقولنا، مصمم ذكي واع، حكيم وله هدف وهو مبدع بدرجة مذهلة”.

  • دلـيـل الوعــي

توصل الكثير من العلماء إلى أن قوانين الكيمياء والطبيعة لا يمكنها أن تفسر لنا اختبارنا للوعي. وقد عرف البروفيسور جي. بي. مورلاند الوعي على أنه الاستبطان والاحساسات والأفكار والعواطف والرغبات والمعتقدات والاختبارات الحرة التي تبقينا أحياء ومتنبهين. والروح هي التي تحتوي على الوعي وتبعث الحياة في جسدنا.

وطبقاً لما وضحه أحد الباحثين من أن الوعي يمكن أن يستمر بعد أن يقف مخ الإنسان عن العمل، فإن الأبحاث العلمية الحديثة أيدت وجهة النظر التي تقول بأن “العقل” و”الوعي” و”الروح” هي كيان منفصل عن المخ.

وكما قال مورلاند: “لا يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء. فإذا كان الكون نشأ من مادة ميتة لا وعي فيها كيف يمكنك أذاً أن تحصل على شيء مختلف تماماً – وعي، حياة، تفكير، مشاعر، مخلوقات حية – على المادة التي ليست بها مثل هذه الأشياء. ولكن إذا كان كل شيء بدأ من فكر وعقل الله، فليست لدينا مشكلة في تفسير مصدر وأصل عقولنا”.

إن الفيلسوف مايك روس يؤمن بنظرية داروين، اعترف بصراحة: “لا يوجد أحد لديه إجابة على قضية الوعي. وقال جون سي. إلكيس الحاصل على جائزة نوبل “هناك ما يمكن أن نسميه الأصل غير العادي لعقلي الواعي ولروحي المتفردة”.

هـويـة المُصـمم

راجعت سيل المعلومات مما قمت به من بحث وتقصي، ووجدت أن الدليل على وجود مصمم ذكي أمر مصدق ومقنع وقوي. ومن وجهة نظري فإن ربط ما وجدته من علم الكونيات وعلم الطبيعة كافيين تماماً لتأييد افتراضية وجود مصمم لهذا الكون. وكل المعلومات الأخرى التي قد تكون قضية تراكمية قوية انتهت بأنها غمرت كل اعتراضاتي.

ولكن من هو هذا المصمم الأعظم؟ ومثل لعبة توصيل النقط، فإن كل واحدة من الستة فروع العلمية التي بحثها أعطت المفاتيح لإزالة القناع عن هوية الخالق.

وكما شرح كريج أثناء لقائنا، قال إن أدلة علم الكونيات توضح أن سبب هذا الكون يجب ألا يكون لا سبب ولا بداية ولا زمن وغير مادية وله إرادة حرة وقوة هائلة. وفي مجال الفيزياء قال كولنس إن الخالق ذكي واستمرت مشغوليته بخليقته بعد الانفجار الهائل الأولي.

ودليل علم الفلك يوضح أن الخالق كان مبدعاً ودقيقاً في خلق مكان يصلح لمعيشة مخلوقاته التي صممها وأنه يعتني ويهتم بها. كما قدم كل من جونزاليز وريتشاردز الدليل على أن الخالق قد وضع على الأقل هدفاً في مخلوقاته وهو اكتشاف العالم الذي صممه ومن خلال ذلك يكتشفونه هو.

ولا تؤكد الكيمياء الحيوية ووجود المعلومات البيولوجية نشاط الخالق بعد الانفجار الهائل فقط، ولكن أيضاً تظهر مدى ابداعه العظيم.  وكما قال مير إن الدليل على وجود الوعي يؤكد أن الخالق كائن عاقل وحكيم، وهذا يساعدنا على فهم هذه القوة كلية القدرة كما توضح أننا يمكن أن نصدق فكرة الحياة بعد الموت.

إن هذه ليست صورة لإله الربوبية* الذي كون هذه الكون ثم تخلى عنه. وكما شرح مير في لقائي الأول معه، إن التخلي عن دليل لوجود نشاط مستمر للخالق في الكون بعد بداية خلقه يكذب مذهب الربوبية كاحتمال يمكن تصديقه.

ومذهب وحدة الوجود، الخالق والكون موجودان معاً، يعجز أيضاً عن تفسير الدليل، لأنه لا يستطيع أن يوضح كيف ظهر الكون للوجود. وإذا كان إله مذهب وحدة الوجود غير موجود قبل الكون المادي فلن يستطيع إحضار الكون للوجود.

كما وضح كريج كيف أن المبدأ العلمي “لشفرة أوكهام” الذي قضى على تعدد الآلهة والشرك بالله، تاركاً إيانا مع إله واحد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية التي هي مركز عقائد العصر الجديد.

على النقيض من ذلك، فإن صورة الخالق التي بزغت من المعلومات العلمية تتوافق بقوة مع وصف الله الذي وضحت شخصيته على صفحات الكتاب المقدس:

  • الخالق: “من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك” (مزمور 102: 25)[2].
  • فريد: “إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه” (تثنية 4: 35)[3].
  • موجود بذاته وسرمدي: “من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” (مزمور 90: 2)[4].
  • روحي غير مادي: “الله روح” (يوحنا 4: 24)[5].
  • شخصي، ذاتي: “…. ظهر الرب لإبراهيم وقال له: “أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملاً” (تكوين 17: 1)[6].
  • له إرادة حرة: “وقال الله ليكن نون فكان نور” (تكوين 1: 3)[7].
  • ذكي وعقلاني: “ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك” (مزمور 104: 14)[8].
  • عظيم القوة: “الرب عظيم القدرة” (ناحوم 1: 3)[9].
  • مبدع: “لأنك قد اقتنيت كليتي نسجتني في بطن أمي. أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً” (مزمور 139: 13 -14)[10].
  • يرعى ويهتم: “امتلأت الأرض من رحمة الرب” (مزمور 33: 5)[11].
  • كلي الوجود: “هو ذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك” (ملوك الأول 8: 27)[12].
  • أعطى البشرية هدفاً: “فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى… الكل به وله قد خلق” (كولوسي 1: 16)[13].
  • يعطينا حياة بعد الموت: “يبلع الموت إلى الأبد” (أشعياء 25: 8)[14].

وكما كتب الرسول بولس منذ ألفي عام وقال: “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنه بلا عذر” (رومية 1: 20)[15].

والسؤال عما إذا كانت هذه الصفات قد تصف ألوهية أية ديانة أخرى في العالم أصبحت موضع نقاش عندما أضفت الدليل الذي اكتشفته من خلال دراسة التاريخ القديم والآثار القديمة.

وكما وصفت في كتابي “القضية …. المسيح” إن الدليل المقتنع يقيم أساساً يعول عليه للعهد الجديد، وهذا يوضح تحقيق نبوات العهد القديم في حياة يسوع الناصري ضد كل ما هو غريب ويؤيد قيامة المسيح كحادثة فعلية ظهرت في الزمن المحدد وفي الفضاء. كما أن قيامته من الأموات هو عمل فذ وغير مسبوق وأعطى سلطاناً وقوة وتوثيقاً لقوله إنه ابن الله الوحيد.

وبالنسبة لي فإن المدى والتنوع والعمق والقوة المثيرة والمقنعة للأدلة من العلم والتاريخ أكدت صدق المسيحية إلى الدرجة التي أزالت بها كل شكوكي.

وأنا لست مثل الذين يؤمنون بنظرية داروين، فإن إيماني يسبح ضد تيار قوي من الأدلة المضادة، واضعاً ثقتي في الله إله الكتاب المقدس وهو قرار حكيم وطبيعي وقد اتخذته فعلاً. وكنت فقط أسمح بسيل الحقائق أن تجرفني نحو نتائجها المنطقية.

انصـهار العـلـم والإيمـان

لسوء الحظ هناك الكثير من سوء الفهم حول الإيمان. فالبعض يعتقدون بأن الإيمان يتناقض مع الحقائق. ويقول مايكل شيرمير: “إن هدف الإيمان هو أن تثق بصرف النظر عن الأدلة، وهذا أمر مضاد للعلم”[16]

ومع ذلك، فهذا بالتأكيد ليس هو فهمي لهذا الأمر. فإنني أرى الإيمان على أنه خطوة عاقلة نحو نفس الاتجاه الذي يشير إليه الدليل. أي أن الإيمان يتخطى مجرد الاعتراف بأن حقائق العلم والتاريخ تشير نحو الله. إنه يُجيب على تلك الحقائق بالاستفادة من الثقة في الله، خطوة مضمونة تماماً وذلك لتأييد الدليل لها.

قال أليستر مكجراث من أكسفورد كل وجهات النظر العالمية تحتاج إلى الإيمان. وادعاءات الحقيقة للإلحاديين لا يمكن إثباتها. كيف نعرف أنه لا يوجد إله؟ والحقيقة البسيطة في الأمر كله هو إن الإلحاد هو نوع من الإيمان يصل إلى نتائج تتخطى الأدلة المتاحة”[17].

ومن الناحية الأخرى، فإن الأدلة المتاحة من أحدث الأبحاث العلمية تُقنع مزيداً من العلماء بأن الحقائق تؤيد الإيمان أكثر من أي وقت مضى. ويقول الصحفي جريج إيستروبروك: “إن الفكرة القديمة التي تقول إنه هناك الكثير من الوجوه أكثر مما تراه العين تبدو كما لو أنها فكرة حديثة ظهرت ثانية. وأننا ندخل أعظم مرحلة للتداخل بين العلم والإيمان منذ حركة التنوير التي حاولت أن تُصلح الاثنين معاً”[18].

وبالنسبة لكثير من الناس – بمن فيهم الفيزيائي بول دافيس – هذا تطور غير متوقع وسبب لهم نوع من الصدمة. ويقول: “قد يكون ذلك أمراً غريباً ولكن في وجهة نظري أن العلم يقدم طريقاً مؤكداً نحو الله أكثر من العقيدة”[19].

وقال العالم جيمس تور من جامعة ريز: “الشخص المبتدئ الذي لا يعرف شيئاً عن العلم سيقول إن العلم يقوده بعيداً عن الإيمان. وإذا درست العلم بجدية فسوف يقربك أكثر إلى الله[20]. وقال الفيزيائي الفلكي والقس جورج كوين ” لا شيء نتعلمه عن الكون يهدد إيماننا. إنه يزيده غنى وثراء”[21].

وقال عالم الفيزياء الرياضي ليولكينغورن، من كامبردج:

لم ير أحداً الشحنة الكهربية الموجودة في الجزيء الأصغر من الاليكترون المسماة quark وأعتقد أنه لن يستطيع أحد أن يراها. إنها ترتبط بقوة معا داخل البروتون والنيوترون حتى إنه لا يمكن كسرها. لماذا إذاً أصدق في هذه الشحنات غير المرئية؟ ….. لأنها تعطي معنى لكثير من الأدلة المباشرة في علم الطبيعة. وأود أن ننتقل من هذا إلى حقيقة وجود الله.

فوجود الله يعطي معنى لكثير من جوانب معرفتنا واختباراتنا مثل: نظام وثمار العالم المادي، الوجوه المختلفة للحقيقة، الاختبارات الإنسانية في العبادة والرجاء، ظاهرة يسوع المسيح (بما فيها قيامته. وأعتقد أن عمليات فكرية مشابهة متضمنة في كلا الحالتين. ولا أعتقد أنني انحرفت إلى طريق فكري غريب عندما انتقل من العلم إلى الدين… وفي بحثهم عن الحق يصبح العلم والإيمان أبناء عمومة تحت الجلد”[22].

ومع ذلك فقد أضاف تميزاً هاماً: “إن المعرفة الدينية تتطلب جهداً وعناية أكثر من المعرفة العلمية. فبينما تتطلب انتباهاً دقيقاً للحق، فهي أيضاً تدعو إلى الالتزام بهذا الحق الذي اكتشفته”[23].

وطبقاً لما يقوله ماكجاث: “الكلمة العبرية لكلمة “الحق” تعني “الشيء الذي يمكن أن تستند إليه”. ويقول بأن الحق هو أكثر من مجرد الصواب. إنه الثقة التي تقودنا إلى شخص جدير بأن نطرح فيه كل ثقتنا. وغير مطلوب منا أن نعرف حقيقية أخرى بل ان ندخل في علاقة مع من يستطيع أن يحفظنا ويريحنا”[24].

إن حقائق العلم والتاريخ يمكنها فقط أن تأخذنا بعيداً. فعند نقطة معينة تتطلب الحقيقة إجابة. وعندما نقرر ألا نتأمل فقط في الفكرة المجردة عن مصمم هذا الكون ولكن أيضاً أن نجعله “إلهنا الحقيقي” عندئذ يمكننا أن نلتقي به شخصياً ونتصل به يومياً ونقضي الأبدية معه كما وعدنا بذلك. وهذا يغير كل شيء.

من العـلـم إلى الله

لم يندهش أحد عند سماعه الدليل العلمي على وجود الله مثلما اندهش عالم الطبيعة العجوز الذي يصل عمره إلى 77 عاماً وصاحب الشعر الفني والكلام الطيب والذي كان أمامي في مطعم في جنوب كاليفورنيا.

وقصته مثل تلك التي قصها عليّ كريج سابقاً عن عالم الطبيعة من أوروبا الشرقية الذي وجد الله من خلال علم الكونيات، وهذه شهادة أخرى للعلم لكي يقود الباحثين نحو الله. ومع ذلك فهي شيء آخر، إنها خريطة طريق لمن يريد أن يتقدم إذا كنت مهتماً شخصياً لمعرفة ما إذا كان الإيمان بالله يدعم بالحقائق.

فيجو أولسين هو جراح ذكي انغمست حياته في العلم، وبعد تخرجه من كلية الطب أصبح زميلاً في مجلس الجراحين الأمريكيين. وكان يصحب اسمه العديد من رموز الشهادات التي حصل عليها M.S., M.D., Litt.D., D.H., F.A.C.S., D. T. M.&H., F. I. C. S. وكان يُرجع شكه في الأمور الروحية لمعرفته لعالم العلم.

وقال: “بحثت في المسيحية والكتاب المقدس من خلال نظرة شخص يؤمن بمذهب اللاأدري. وكانت زوجتي جوان أيضاً لا تؤمن بالمسيحية. وكنا نعتقد بعدم وجود برهان مستقل على وجود خالق. وكنا نعتقد أن الحياة وُجدت من خلال عمليات تطورية”[25].

وكانت المشكلة في والدي جوان اللذين كانا مسيحيين أتقياء. وعندما قام بزيارتهما كل من فيجو وجوان في عام 1951 وهم في طريقهم لكي يبدأ فيجو كطبيب مقيم في مستشفى نيويورك لأول مرة، شعروا بتبكيت ديني شديد. وفي مناقشات متأخرة بالليل، بدأ كل من فيجو وجوان أن يشرحا بصبر لماذا تتناقض المسيحية مع العلم المعاصر. وأخيراً، وهم يشعران بنوع من الضيق والتشتت عند الساعة الثانية صباحاً وهم جالسون حول الطاولة بالمطبخ، وافقا على فحص واختبار الإيمان المسيحي بأنفسهم.

وأشار أولسين أن بحثه سيكون مخلصاً وصادقاً، ولكنه في داخله كان هناك خطة أخرى. وقال: “لم يكن قصدي أن أقوم بدراسة موضوعية على الإطلاق. وكما شرح الجراح الصدر، قررنا أن نخترق الكتاب المقدس لنستخرج منه كل الأخطاء العلمية المحيرة”.

وعلى منزلهم الجديد علقوا ورقة وكتبوا عليها “أخطاء علمية في الكتاب المقدس” متخيلين أنهم يستطيعوا ملئها بالأخطاء. ووضعوا نظاماً يناقشون فيه بعضهم البعض ما يتعرفوا عليه من بحثهم وتقصيهم. وبينما كان فيجو يعمل بالمستشفى، تقوم جوان ببحص القضايا المعلقة على الورقة. ثم أثناء ليالي العطلة الأسبوعية في إجازة فيجو، كانا يدرسان معاً ويحللان ويناقشان ويتجادلان.

وبرزت المشاكل بسرعة ولكن ليس تلك التي كانا يفكران فيها. وقال فيجو: “لقد وجدنا صعوبة في إيجاد تلك الأخطاء العلمية. ثم وجدنا شيئاً يبدو أنه خطأ ولكن بعد دراسة أكثر وتأمل، اكتشفنا أن فهمنا كان ضحلاً. وهذا دفعنا لأن نتوقف لتدبر الأمر”.

وفي إحدى المرات أعطاني طالب كتاباً مكتوباً في عام 1948 بعنوان “العلم الحديث والإيمان المسيحي”. وكل فصل من فصوله 13 مكتوبة من قبل عالم مختلف عن الدليل الذي وجدوه في مجاله والذي يشير إلى وجود الله. وبالرغم من أنه كتب قبل ظهور الكثير من الاكتشافات العلمية التي وصفها في هذا الكتاب فإن هذه الأدلة كانت كافية لتوقف فيجو وجوان.

قال أولسين: “لقد عصف الكتاب بأذهاننا! فلأول مرة عرفنا أنه توجد أسباب خلف المسيحية. وتصميمهم على الإيمان لن يكون نوعاً من الانتحار الذهني”.

مغامـرة العـمـر

التهم كل من فيجو وجوان هذا الكتاب والكثير من الكتب الأخرى في نفس الموضوع. وبينما كانوا يحللون الأدلة توصلوا إلى العديد من النتائج.

أولاً، عرفا على أساس علمي أن الكون ليس أزلياً. بل بالحري ظهر في نقطة معينة. وطالما أن هذا الكون ملفوف بالقوة – طاقة حرارية، طاقة ذرية…. إلخ – فبدأوا يفكرون أنه لا بد من وجود قوة هائلة أوجدته.

ثانياً، نظرا إلى الخطة الواضحة للكون، والجسم الإنساني بكل أعضائه وخلاياه، واستنتجوا أن القوة التي خلقت هذه الكون يجب أن تكون قوة ذكية.

ثالثاً، قالا إنه بالرغم من عظمة القوة العقلية لدى الإنسان، فهناك من هو أعظم، القدرة على الحب والتعامل بالمشاعر والعاطفة. ولأن الخالق يجب أن يكون أعظم من خلائقه، فلا بد وأن له نفس هذه الصفات.

وبناء على الأدلة والمنطق المستقل عن الكتاب المقدس، تمكنوا من الإجابة على السؤال الأول من الثلاثة أسئلة التي قام عليهم بحثهما: “هل يوجد إله خلق الكون؟” وأدهشوا أنفسهم بالحكم الذي توصلوا إليه: نعم، خالق شخصي – الله موجود.

بعد اقتناعهم بهذا، بدأ في محاولة استكشاف السؤالان الآخران: “هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو نصوص كتابية مقدسة أخرى؟ وهل يسوع ابن الله – متحداً إلهياً بالبشرية – يستطيع أن يساعدنا كما ادعى ذلك؟”

واستمر البحث في هذين الموضوعين. وفي أحد الأيام، بينما كان فيجو يعمل في المستشفى، كون ما اعتقد أنه مجادلة قوية ضد المسيحية. قال لي وهو يستعيد ذكرى المنظر كما لو أنه حدث الشهر الماضي: “كنت حقيقة فخوراً به وأمضيت طوال اليوم أفكر فيه. ولم أتمكن من الانتظار حتى أخبر زوجتي جوان!”

وفي نهاية فترة العمل بالمستشفى، سار حتى وصل إلى شقته الصغيرة “وفي هذا اليوم أتذكر الفكر الذي تبادر إلى ذهني عندما فتحت زوجتي الباب وقبلتني – يا لها من زوجة رائعة وهي حامل أيضاً”.

دخل وأغلق الباب وشرح لزوجته اعتراضه الجديد على المسيحية. وأخيراً سأل: “ماذا تعتقدين أنت؟”

قال: “ساد السكون المكان لمدة دقيقة. ثم نظرت جوان إليّ بعينيها الزرقاوان الجميلتان وقالت: “ولكن يا فيجو ألم تتوصل بعد كل هذه الدراسات إلى أن المسيح هو ابن الله؟”

قال: “كان هناك شيء ما في الطريقة التي كلمتني بها والتي نظرت بها إليّ والتي في الحال أسقطت كل الحواجز الباقية في ذهني. ولم يعد الدليل أمامه أي عائق. وكل ما تعلمناه اجتمع معاً في صورة رائعة مضيئة وخرافية للرب يسوع.

“ترددت بعض الشيء ثم قلت لها: “نعم، إنني أؤمن بذلك وأعلم أنه حقيقي”. ولم أكن آمنت حتى لحظة كلامي معها – ولكن عندما انهارت الحواجز، علمت أنها على صواب. وتوجهنا نحو غرفة المعيشة وجلسنا على الكنبة. وقلت لها: “ماذا عنك أنت؟”

قالت: “لقد حسمت الأمر كله منذ بضعة أيام، ولكنني خشيت أن أقول لك ذلك. كل الأشياء التي درسناها وتعلمناها أقنعتني أخيراً بما جاء في الكتاب المقدس وعن المسيح وعن حاجتي – بل وحاجتنا – إليه. “ومنذ بضعة أيام كنت مقتنعة تماماً” لقد صلت لكي تقبل غفران الله المجاني لها والحياة الأبدية. وبهذا بدأت أكبر مغامرة في حياتنا.

ولأنهما رغبا في زيادة الأثر الطيب الذي حصلوا عليه، صلى كل من فيجو وجوان صلاة جريئة طلبا فيها من الله أن يرسلهم إلى مكان خال من المسيحيين ومن الرعاية الطبية. وأرسلهم الله إلى بنجلادش حيث قضيا 33 عاماً في هذا البلد الفقير.

وهناك أسسوا مستشفى مسيحي وجعلوه مركزاً للرعاية الطبية والاستنارة الروحية حيث وجدت فيه الجماهير الشفاء والرجاء. وقد قام فيجو وزملاؤه بتأسيس 120 كنيسة. وقد رحب بهم الناس والحكومة ترحيباً حاراً، وقد كرموه بإعطائه الفيزا رقم 1 اعترافاً منهم بما قدموه لبلدهم.

قلت له: “لا بد وأن المعيشة كان صعبة للغاية في بلد متخلف مثل هذا”.

أجابني بابتسامة: “لقد كانت أعظم مغامرة قمنا بها. فعندما تقيم في مكان صعب، وتشعر بثقل المسؤولية أكثر مما تحتمل وتصلي وتسكب نفسك وقلبك أمام الله، عندئذ سترى الله يصل إليك ويلمس حياتك ويحل المشكلة ويتدخل في الموقف بطريقة تفوق كل تصورك.

وأضاءت عيناه وقال: “هذه هي الحياة مع الله، لا يساويها شيء وعلينا أن نختبر هذه مرة ومرات. لقد كنا سنخسر كل ذلك من أجل العالم. وفي رأيي إنك إذا عرفت الهدف الذي خلقك الله من أجله – مهما كان – وتتبعه فستجد أنه هو أفضل طريق وحياة تعيشها”.

وكتب فيجو ثلاثة كتب عن اختباراته. وأحببت عنوا أحد هذه الكتب هو “اللاأدري الذي جرؤ على البحث عن الله”[26]لأنه يقول بوجود مخاطرة مع البحث عن دليل لوجود الله. وعند نقطة معينة فإن الحق الذي تكشف عنه ستطلب إجابة. وهذا يمكنه أن يغير كل شيء.

لقـد صُممـت للاكتشـاف

مع أن فيجو كانت لديه خلفية علمية قوية وأفضل مما لدي أنا، فكانت توجد أشياء متشابهة في الطريقة التي تعاملنا بها مع قضية الإيمان والعلم. لقد قرأنا كتباً، وسألنا أسئلة وبحثنا عن أدلة غير مهتمين إلى أي مكان سيأخذنا ذلك. وبحثنا عن ذلك بطريقة منظمة وحماسية كما لو أن حياتنا متوقفة عليها.

وفي النهاية، حياتنا ومشاعرنا وفلسفاتنا ونظرتنا للعالم وأولوياتنا وعلاقاتنا تغيرت للأفضل.

وإذا كنت شكاكاً روحياً أرجو أن تتمكن من اكتشاف الدليل بنفسك. وفي الحقيقة، فإن سلوك أولسين ذي الثلاث جوانب قد يساعدك إذا اتبعته:

أولاً: هل هناك إله خلق هذا الكون؟

ثانياً: هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو أي كتب مقدسة أخرى.

ثالثاً: هل يسوع هو ابن الله – متحداً بالبشرية – ويمكن أن يساعدنا كما ادعى.

وسوف تكتشف أن الكون محكوم بقوانين طبيعية وقوانين روحية. والقوانين الطبيعية تقودنا إلى الخالق، أما القوانين الروحية تعلمنا كيف نعرفه شخصياً اليوم وإلى الأبد.

إنه ليس الخالق فقط بالمعنى الواسع، بل هو خالقك أنت. لقد خلقك لكي تتصل به بطريقة حية ونشطة وقوية. وإذا بحثت عنه بكل قلبك، فهو يعدك بأن يقدم لك كل الوسائل التي تحتاجها لكي تجده[27]. وربما تكون قد شعرت وأنت تقراً هذا الكتاب بأن الله يبحث عنك بطريقة قد تكون غامضة ولكنها حقيقية.

إنك، كما يقول بحث جونزاليز وريتشاردز، خُلقت وصممت للاكتشاف، وأعظم اكتشاف في حياتك ينتظرك. ولهذا فأنا آمل أن تسعى وراء المعرفة العلمية ولكن لا تتوقف هناك. ولا تدع اغرائها يكون مصيرك، وبدلاً من ذلك اسمح لها بأن تقودك لما ورائها من معان متضمنة لا تُصدق والتي تقدمها لحياتك وأبديتك.

واقتراحي هو ما يأتي: اقضي بعض الدقائق الهادئة لكي تنغمس في هذه الكلمات الختامية والتي عبر عنها ببلاغة أليستر مكجراث ودعها تكون قوة دافعة لمغامرة عمرك:

وجد الكثيرون أن المنظر الرهيب للسماء المرصعة بالنجوم يولد احساساً بالإعجاب والسمو المشحون بالمعاني الروحية. ومع ذلك فإن الوميض البعيد للنجوم لا يخلق في حد ذاته هذا الإحساس بالشوق، إنه فقط يعرض ما هو موجود فعلاً هناك. إنها تحفز رؤيتنا الروحية وتكشف فراغنا وتجبرنا لكي نسأل كيف يملأ هذا الفراغ.

يا ليت أصولنا الحقيقية ومصيرنا يكون خلف تلك النجوم. ويا ليت وطننا يكون، ليس ذلك الموجودون فيه حالياً، بل الذي نصبو للعودة إليه. ويا ليت تراكمات أحزاننا وأوجاعنا أثناء وجودنا في هذا العالم تكون مؤشراً لأرض أخرى حيث مصيرنا الحقيقي والذي نشعر به الآن في داخلنا.

ولنفترض أن هذا ليس هو المكان الذي سنكون فيه ولكن ينتظرنا وطناً أفضل. نحن لا ننتمي لهذا العالم. وقد نكون قد فقدنا طريقنا. ألا يجعل هذا وجودنا الحالي أمر غريب ورائع في ذات الوقت؟ غريب، لأن هذا ليس هو مصيرنا ورائع لأنه يشير للأمام إلى حيث رجائنا الحقيقي. إن جمال السماوات بالليل، أو روعة غياب الشمس هي مؤشرات هامة لتلك الأصول وتحقيق كامل لرغبات قلوبنا العميقة. ولكن إذا أخطأنا رؤية العلامة المميزة لتوجيهنا فسوف نربط أشواقنا ورجاؤنا بأهداف ضعيفة لا تطفئ عطشنا لهذه المعاني السامية[28].

[1]John Plokinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity (New Youk: Cross-road, 1994), 25.

* مذهب فكري يدعو إلى دين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي

[2] Psalm 102: 25.

[3] Deuteronomy 4: 35.

[4] Psalm 90: 2.

[5] John 4: 24.

[6] Genesis 17: 1. According to Theologian Millard J. Erickson, “God is Personal. He is an individual being, with self-consciousness and will, capable of feeling, choosing, and having a reciprocal relationship with other personal and social beings,” Millard J. Erickson, Christian Theology (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1985), 269.

[7] Genesis 1: 3.

[8] Psalm 104: 24.

[9] Nahum 1: 3.

[10] Psalm 139: 13-14.

[11] Psalm 33: 5.

[12] 1 Kings 8:27.

[13] Colossians 1: 16 (The Message).

[14] Isaiah 25: 8.

[15] Romans 1:20.

[16] Michael Shermer, How We Believe, 123.

[17] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 22.

[18] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002)

[19] Quoted in John Plokinghorne. Qurks. Chaos and Christianity, 35.

[20] See: Candace Adams, “Leading Nanoscientist Builds Big Faith,” Bap-tist Standard (March 15, 2002).

[21] Quoted in Margaret Wertheim, “The Pope’s Astrophysicist,” Wired (December 2002).

[22] John Polkinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity, 98-100.

[23] Ibid., 13.

[24] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 44.

[25] See: American Scientific Affiliation, Modem Science and Christian Faith (Wheaton, 111.: Van Kampen, 1948).

[26] Viggo Olsen, The Agnostic Who Dared to Search (Chicago: Moody, 1974). His Other Books are Dakter and Daktar II, Both Published by Moody.

[27] God said in Jeremiah 29: 13: “You will seek ne and find me when you seek me with all your heart.”

[28] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 51, 53.

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

الاحتمـال الأول: فرضـيـة دارويـن

ولكي أبدأ، بدأت أفكر في كيف أن الحقائق تناسب الفرضية التي تقول بأن كل الحياة يمكن تفسيرها بعمليات تقييم طبيعية غير موجهة. وقال عالم الأحياء جوناثان ويلز “مثل كل النظريات العلمية الأخرى، فإن تقييم نظرية داروين في التطور يجب مقارنته باستمرار مع الأدلة. وإذا كان لا يسايرها يجب أن يعاد تقييمه ويُترك – وإلا فلن يكون علماً بل أسطورة[1].

وعندما نظرت إلى مبادئ نظرية داروين، التي دفعتني للإلحاد لعدة سنوات، لم أمض طويلاً لكي أستنتج أنها كاذبة ولا يمكن تصديقها. وأدركت إنني إذا آمنت فعلاً بهذه النظرية فعلي أن أثق فيما يلي:

  • العدم (لا شيء) ينتج عنه كل شيء
  • ما لا حياة فيه يعطي حياة
  • العشوائية ينتج عنها ضبط دقيق
  • الفوضى تعطي معلومات
  • فقدان الوعي ينتج عنه الوعي
  • الخطأ ينتج عنه الصواب

وبناء على كل هذا، كنت مضطراً لأن أستنتج أن نظرية داروين تحتاج إلى الإيمان الأعمى بها، ولم أكن مستعداً ولا راغباً في هذا. وانهارت الأعمدة الأساسية لنظرية التطور عندما تعرضت للتفكير العميق والدقيق.

فمثلاً، فشلت تماماً كل العلميات الطبيعية في تفسير كيف أن المواد الكيميائية غير الحية يمكنها أن تتجمع ذاتياً إلى الخلية الحية الأولى. إذا لا يوجد أية نظريات قابلة للتصديق بل وأيضاً لا توجد نظريات على الإطلاق. وقال عالم الكيمياء الحيوية كلاوس: “كل المناقشات الحالية عن النظريات ذات المبادئ والتجارب في هذا المجال إما انتهت إلى مأزق أو اعتراف بالجهل[2].

وتحدث الكاتب العلمي روبرت روب بريت عن هذه المشكلة فقال: “هل حدث مرة وحلمت بأنك كنت تحاول أن تجري للهروب من وحش وتعثرت قدماك ولم تتمكن للذهاب لأي مكان. إن البحث لمحاول فهم أصل الحياة لا يختلف كثيراً عن هذا الحلم”[3].

وقد أشار ستيفن سي. مير في لقائي معه أنه توجد حواجز لا يمكن تخطيها فيما يختص بأصل المعلومات البيولوجية التي لا يمكن حلها بمزيد من البحث والجهد وبكلمات أخرى، إن العلماء الذين يبحثون في أصل الحياة لم يستيقظوا من الكابوس الذي يعيشون فيه. وبالنسبة لي، فهي تشبه كعب أخيل في نظرية التطور. وكما قال عالم الكيمياء الحيوية مايكل دينتون، إن فكرة العمليات غير الموجهة قد يكون بإمكانها تحويل المواد الكيميائية الميتة إلى كل التعقيدات غير العادية للكائنات الحية فإن هذا بكل تأكيد “لا أكثر ولا أقل من الأسطورة العظيمة للجينات الوراثية الكونية في زماننا”[4].

وبالإضافة إلى هذا، فإن سجل الحفريات رفض بكل إصرار أن يؤكد الادعاءات الكبيرة للتحولات الموجودة في نظرية داروين. وبالرغم من الاكتشافات الكثيرة منذ أيام داروين يقول دينتون: “إن الاكتشافات المتوسطة ظلت محيرة كالعادة”[5]. وبدلاً من أن تندمج في نظرية داروين أصبحت الحفريات نغمات شاذة ومتعارضة حتى أنه لا يمكنها أن تفسر القفزات الأثرية الموجودة في نظرية التطور، مثلاً بين السمك وبين البرمائيات أو بين البرمائيات وبين الزواحف.

أما النقص الخطير في سجل الحفريات فهو الانفجار الهائل البيولوجي والانفجار الكوني. وغالبية، إن لم يكن كل، الأربعين شعبة العالمية، وأعلى فئة في المملكة الحيوانية، قفزت بخطط جسمانية متفردة منذ أكثر من 500 مليون سنة. والظهور المفاجئ لأشكال الحياة الجديدة، قد قلبت شجرة حياة داروين رأساً على عقب.

ومثل المدعي العام الذي كان يثق في نفسه ثقة مطلقة في قضية السيارة بينتو، تنبأ داروين أن اكتشافات جديدة سوف تفسر هذه القفزة في التعقيدات البيولوجية. وفي الحقيقة، فقد ساعدوا على أن تسير كل الأمور إلى أسوء. والعذر في أن المخلوقات الانتقالية كانت لينة للغاية أو صغيرة جداً حتى يمكن أن نجدها في حفرية فإن هذا العذر قد بطل وتبدد عند اختباره. أما النظريات البديلة مثل نظرية “التوازن المرقم” قد تحطمت على صخرة العقل والفكر. إن تقييم داروين ما زال دقيقاً أكثر من قرن ونصف فيما بعد: الانفجار كامبريان الكوني “لا يمكن تفسيره” بحسب فرضياته. وطبقاً لوجهة نظري سيظل هذا نقصاً شديداً.

وعندما فحصت كل هذه الأمور ونقائص أخرى في نظرية داروين بكل موضوعية تأكدت تماماً أن التطور هو حقيقة مؤكدة طالما أن يُعرف على أنه اختلافات تطويرية صغيرة نراها في عالم الحيوان والنبات. وبلا شك، فإن كمية كبيرة من التغيير والتباين حدثت على مدار الزمن. ومع ذلك فهناك أدلة – وإن كانت غير كافية – أوصلتنا إلى استنتاج جوهري يقول بأن انتقالات تطورية كبيرة وعلى نطاق واسع قد حدثت.

ولخص روجر لوين الحاصل على جوائز – وهو محرر سابق في مجلات “العلم، العالم الجديد” – مؤتمر تاريخي علمي عن التطور الضخم: “كان السؤال المركزي هو …. ما إذا كانت الآلية التي وراء التطور الصغير يمكن استقراؤها لتفسر لنا ظاهرة التطور الهائل. وكانت الإجابة الواضحة، كلا”[6].

باختصار، فإن كمية الإيمان التي تحتاجها لكي تُبقي على ثقتنا أمام الادعاءات الكاسحة والمضادة لنظرية داروين، تفوق ما اعتقد ضمانات الأدلة العملية. وفوق كل هذا، فإن مبدأ الطبيعة التي هي مصدر كل شيء لا يمكن تصديق تفسيره عن كيف ظهر الكون في المقام الأول. وهذا الفشل لنظرية مبدأ الطبيعة ونظرية داروين فتح الباب للتفكير في الفرضيات الأخرى وأن كل من الكون والحياة التي فيه هي من نتاج مصمم ذكي.

الاحتمال الثاني: فرضية التصميم

[1] Jonathan Wells, Icons of Evolution, 5.

[2] Klaus Dose, “The Origin of Life: More Questions than Answers,” Inter-disciplinary Science Review 13 (1998).

[3]Robert Roy Britt, “The Year’s Top Ten Space Mysteries,” available at www.msnbc.com/news/851919. Asp?vts=122820022235 (accessed Decem-ber28,2002).

[4] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 358.

[5] Ibid., 162.

[6] Roger Lewin, “Evolutionary Theory Under Fire,” Science 210 (November 1980).

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 1 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 1 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 1 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 1 – لي ستروبل

التجميع للقضية …. الخالق

“إن الأسرار الغامضة الكثيرة الموجودة في الكون يجب أن تؤكد إيماننا بخالق الكون. وأجد صعوبة في فهم عالم لا يعترف بوجود قوة عاقلة خارقة للطبيعة وراء وجود هذا الكون تماماً مثلما يصعب عليّ فهم عالم لاهوت ينكر التقدم العلمي”.

ويرنر فون براون، أب علم الفضاء[1]

“الإيمان لا يتضمن ولا يعني انغلاقاً، بل عقلاً منفتح. تماماً كنقيض العمى، يُقدر الحقائق الروحية العظيمة التي يتغاضى عنها ويهملها الماديون عندما ينحصرون فيما هو مادي فقط”.

السير جون تيمبيلتن [2]

كان واقفاً بجرأة أمام أجهزة الإعلام الوطنية، كملاكم مستعد للانقضاض، أشار النائب العام المزهو بنفسه بإصبعه في وجه خمس كاميرات تصوير تلفزيونية وعنف محامي الدفاع المشهور وليم إف. نيل.

وأعلن قائلاً: “أنا أتحدى السيد نيل إذا كان بإمكانه أن يوقف السيارة بينتوّ!”، وتحولت كلماته إلى صيحات عالية متحدياً نيل ليبرهن أن السيارة فرود بينتو التي كان بها ثلاث فتيات مراهقات قد توقفت على الطريق السريع بولاية أنديانا قبل أن تكون قد ضُربت من الخلف بشاحنة تشيفي.

كانت لحظة درامية مؤثرة في محاكمة خطأ ناجم عن الفرامل الأرضية للسيارة. وكانت تلك القضية الأولى من نوعها في التاريخ الأمريكي، التي أدان النائب العام وفاة الفتيات متهماً شركة فرود للسيارات بالقتل الطائش بسبب تصميم سيارة معرضة للانفجار حتى وإن كانت تسير بسرعة منخفضة أو متوسطة.

ولو كانت السيارة ولو كانت السيارة بينتو آمنة، لكانت الثلاث فتيات أُنقذوا من هذا الصدام البسيط. ولكنهم، هكذا قالوا، بسبب خزان الغز الموضوع في مكان سريع التأثر وقابل للعطب، تحولت السيارة إلى كرة من اللهب قتلتهم جميعاً.

وكانت قسوة الاصطدام هو القضية المحورية والهامة. ودافع نيل بأن السيارة بينتو توقفت على الطريق السريع والشاحنة كانت تسير بسرعة 50 ميل في الساعة. وقال نيل للمحلفين: “كيف يمكن لسيارة صغيرة أن تتحمل صدام شاحنة نقل في هذه الحالة”.

وقال المدعي العام إن السيارة بينتو كانت تسير في نفس اتجاه الشاحنة، وهذا يعني أن قوتها أضعف بكثير. وفي الحقيقة، شهد بضعة شهود عيان بأن السيارة كانت تتحرك، بالرغم من أن تفسيراتهم اختلفت وأثناء استجوابهم حاول محامي الدفاع نيل أن يثير الشكوك حول الأماكن التي شاهدوا منها السيارة بينتو.

ثم قدم المدعي العام نجم الشهود، وهو سائق الشاحنة وكان عمره 21 عام أشعث الشعر والذي لم يُتهم بجريمة صدام السيارة وكان متعاوناً مع الادعاء. وشهد بأن السيارة بينتو كانت تسير ما بين 15-20 ميل في الساعة عندما حدث الاصطدام. سخر نيل مما سمعه وأشار إلى أن السائق رأى السيارة في سُدس من الثانية قبل صدامها. ولكن السائق، الذي سجلت له خمسة مخالفات مرورية في مدة ثلاث سنوات، تمسك بما قال.

وأمام وهج الكاميرات التلفزيونية، كان المدعي العام مهتاجاً ومتحمساً. ولأنه كان واثقاً من صحة تحقيقاته، ومتأكداً من عدم استطاعة نيل أن يقدم أي شهادة مضادة، تحداه بقوة إذا كان بإمكانه أن يوقف السيارة بينتو.

ومع ذلك فإن تبجح المدعي العام لم يستمر طويلاً. فبعد أيام قليلة ولدهشة الادعاء، استخدم نيل أدلة سلبية وإيجابية لكي يحقق ما اعتقد المدعي العام وعدم قدرته تحقيقه.

أولاً، قوض نيل شهادة سائق شاحنة النقل. فالطبيب الذي عالج جروح السائق الطفيفة قال إن السائق أخبره بأن السيارة البينتو توقفت. وكان هذا مدمراً للادعاء.

ثم قدم نيل شهادتين مدهشتين قائلاً بأن الشرطة أحياناً تهمل في تحقيقاتها. ثم قال إن اثنين من عمال المستشفى شهدا بأن سائقة السيارة البينتو أخبرتها على انفراد قبل موتها أنها أوقفت السيارة على الطريق السريع 133 عندما صدمتها الشاحنة.

وذهل المدعي العام. وبكل سرعة غيرت هاتين الشهادتين غير المتوقعتين زخم المحاكمة كلها. وقال المدعي العام باهتياج: “لا أحد يعلم أي شيء عنهما ولا من أين جاءا”.

وكان نيل خارج قاعة المحكمة منتشياً، وقال: “لقد تحدانا المدعي العام أن نوقف السيارة البينتو. وها قد أوقفناها مرتين”.

والمدعي العام الذي كان واثقاً من نفسه سابقاً، شعر بالارتباك أمام الجميع، وحاول الدفاع عن نفسه عندما امطره الصحفيون بالأسئلة عن سبب فشل معلوماته التي حصل عليها لإبطال شهادة الشهود. وبعد العديد من الأحكام القضائية التي أبطلت ما قاله المدعي العام، صوت المحلفون على تبرئة شركة صنع السيارات.

إن دفاع نيل الذي وثقته في كتابي “القتل الطائش” كان من بين أفضل أنواع الدفاع التي رأيتها خلال سنوات عملي في الشؤون القانونية بصحيفتي[3]. لم يكن نجاحه كنتيجة لمناورات قانونية أو مجادلات ذكية. ورغم سهولته وبساطته، فقد كان من النوع القديم، عمل كالبوليس السري الذي كشف عن الشهود المدهشين المفاجئين. إن محققي الدفاع سألوا أسئلة صعبة لم يتطرق إليها الآخرين، وتفوقوا على تحقيقات الشرطة، وساروا وراء مفاتيح القضية حيثما قادتهم.

بعد سنوات، فهمت تماماً كيف كان شعور المدعي العام في ذلك اليوم. فقد كنت في يوم من الأيام مليء بالثقة بالدارونية التي بررت إلحادي. وكنت أشعر بأنني بحثت في هذه القضية بما فيه الكفاية، فدرست الأحياء، والكيمياء، والجيولوجيا، وعلم الإنسان، وعلوم أخرى في المدرسة وقرأت كتباً أكدت معتقداتي. ولم أشك في هذا – إن الاصطفاء الطبيعي الذي يعمل في تغييرات عشوائية أبعد الله عن كل هذا الموضوع.

وعندما تحدث إليّ المسيحيون عن دليل إيمانهم كنت جريئاً مثلما كان المدعي العام في تلك المحاكمة. وكتاب “أصل الأنواع” كان يفوق الكتاب المقدس، في نظري. والتفكير النقدي للعلماء تفوق على التفكير الرغائبي لدى المؤمنين بوجود إله. فبالنسبة لي كانت القضية قد أغلقت.

ولكن، بدافع التغيرات الإيجابية في زوجتي بعد اتباعها ليسوع، بدأت أستبعد جانباً تحيزي، وسألت أسئلة لم أسألها من قبل، وأسير وراء مفاتيح العلم والتاريخ حيثما تقودني. وبدلاً من أن أجعل مبدأ الطبيعة يحدد بحثي انفتحت تماماً على كل الاحتمالات. وبصراحة لم أكن مستعداً لما سيحدث.

ومثل الدليل السلبي الذي قوض شهادة سائق الشاحنة في قضية السيارة البينتو، قوضت حقائق العلم على أسس نظري داروين في التطور حتى أنها لم تقو على تدعيم ثقل استنتاجاتي الإلحادية. وفجأة بدأت تنهار الأسس العقلية لشكوكي.

ولم يكن هذا مربكاً بدرجة كافية. ولكنه شبه آنذاك – الشهود المفاجئين الذي حولوا الزخم فجأة في محاكمة أنديانا – كان بحثي الواسع النطاق يبني تأكيداً غير متوقع لوجود الخالق.

نعم، قد ذهلت؛ وشعرت وكأن رياحاً تجتاحني، وفقدت شجاعتي ولم أتمكن من الصمود أمام المعاني التي اكتشفتها. ولكنني أقسمت بأن أتتبع الحقائق بأي ثمن حتى وإن كان الثمن هو أن أفقد اكتفائي بذاتي المتعجرف.

فحـص جـديـد للأدلـة

تذكرت محاكمة السيارة بينتو وأنا جالس في غرفة مكتبي بالمنزل ولمحت الكتاب الذي كتبته عن هذه القضية. وعندما بدأت الاستغراق في ذكرياتي عما حدث في المحكمة أثناء نظر القضية، اندفعت افكاري إلى المشاعر التي انتابتني في 8 نوفمبر 1981.

وفي هذا اليوم، بعد حوالي سنتين من البحث المركز، جلست منفرداً في غرفتي وكتبت الدليل الهام الذي اكتشفته أثناء بحثي عن مدى مصداقية المسيحية. وكثير من هذه الأدلة كان يختص بالحقائق الخاصة بحياة، وتعاليم، ومعجزات، وموت، وقيامة يسوع الناصري، كما وصفته في كتابي “القضية …. المسيح” والإجابات على “الثمانية اعتراضات الكبيرة” على المسيحية كما رويتها في كتابي “القضية …. الإيمان”.

وكانت الحقائق العلمية الموثقة هي من الأشياء الهامة للغاية في ذلك الوقت. وبالرغم من وجود أدلة قليلة مما هو متاح اليوم فقد كان يوجد ما يمكنك من الوصول إلى حكم معين. وبإمكاني أن أتذكر تحليل البحث العلمي والوصول إلى الاستنتاج المذهل بأن معلومات العالم المادي تشير بقوة إلى وجود خالق.

وما كان يبدو مستحيلاً قبل سنتين بدا الآن ليس ممكناً فقط، بل واضحاً أيضاً. ومثل المدعي العام في قضية السيارة بينتو فقد فزعت وارتبكت، ولكن في نفس الوقت شعرت بالثقة والارتياح لما توصلت إليه.

والآن، وبعد أن أمضيت أكثر من عام في إعادة تقييم وتحديث القضية …. الخالق بعقد لقاءات مع خبراء في أحدث الاكتشافات العلمية، جلست في مكتبي مرة أخرى وراجعت أحدث دليل واجهته.

واندهشت عندما عرفت كيف أن الاكتشافات الحديثة في الفيزياء وعلم الفلك، والكيمياء الحيوية، بالإضافة إلى مجالات أخرى كثيرة جداً إلى المعرفة العلمية. وبينما أفكر في هذه الأدلة، حاولت أن أفاضل أي الافتراضات – الدارونية أو التصميم – هو الأفضل ليفسر لنا أحدث الملومات العلمية.

إقرأ أيضًا: 

[1] Quoted in Cal Tohomas, “Gone Bananas,” World (September 7, 2002).

[2] John M. Temmpleton, The Humble Approach, 115..

[3] See: Lee Strobel, Reckless Homicide: Ford’s Pinto Trial (Sound Bend, Ind.: And Books, 1980).

القضية الخالق – تجميع نهائي 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

Cogito ergo sum “أنا أفكر، إذاُ أنا موجود”.

رينيه ديكارت

لماذا تمتلك مجموعة من الذرات قدرة على التفكير؟ لماذا – حتى وأنا أكتب الآن – أستطيع أن أفكر فيما أفعله ولماذا أنت – حتى وأنت تقرأ الآن – تستطيع أن تفكر فيما أكتبه، قد توافق أو لا توافق، بسرور أو بألم، وقد تقرر رفض ما أكتبه وأنه لا يستحق المجهود الذي بُذل فيه؟ لا أحد، ولا حتى الدارونيين، يبدو أنه لديهم إجابة على ذلك. إذ ليس هناك إجابة علمية على ذلك”.

فيلسوف داروني: مايكل روس [1]

“أن ذكاء الآلات سيتفوق على الذكاء البشري في بداية هذا القرن” هكذا تنبأ راي كورزويل، الذي نال جائزة الوسام الوطني الرفيع المستوى للتقنية. وأضاف: “من خلال الذكاء، يمكن أن يكون لدي كل الطرق المتنوعة والغامضة التي يبرع فيها البشر بما فيها الموسيقى والفن والإبداع والرياضة وحتى الاستجابة على المشاعر”.

وفي عام 2019 سوف يوجد كمبيوتر ثمنه 1000 دولار سيجاري قوة معالجة المخ البشري… وفي عام 2050، سوف يوجد كمبيوتر ثمنه 1000 دولار يتساوى مع القوى الذهنية لكل العقول البشرية على الأرض… هل ستكون هذه المكائن المستقبلية قادرة على امتلاك تجارب روحية؟ بالتأكيد سوف يدّعون ذلك. سوف يدعون بأنهم بشر وأن لديهم خبرات عاطفية وروحية التي يدعى الناس الآخرون بأنها لديهم”[2].

وفي تصوره للمستقبل يثير كورزويل في كتابه “عصر الآلات الروحية” السؤال المثير للجدل عما إذا كانت أجهزة الكمبيوتر سوف تصبح ليس فقط أكثر ذكاء من الناس ولكن أيضاً قد تحقق نوعاً من الوعي وبذا يصبح من المتعذر تميزها عملياً عن نظراتهم البيولوجيين.

“وهنا تعتبر نظريات كورزيل امتداداً منطقياً للتطور الداروني. فطبقاً للدارونيين، يعتبر العالم المادي هو كل ما هو موجود. وعند نقطة معينة يتطور المخ البشري بطاقته العاملة وزيادة الأيونات. وعندما يصل المخ لمستوى معين في تركيبه وتعقيده، يصبح الإنسان “واعياً” وتنمو فيه الذاتية والشعور والآمال ووجهات النظر والوعي وفحص الأفكار” والصوت الخفي لذواتنا ونحن على انفراد”.

ورجوعاُ لعام 1871 قال مدافع داروني “توماس هوكسلي” “إن العقل (أو الوعي) هو عمل المادة، عندما تصل المادة إلى درجة معينة من التنظيم”[3] ويوافق الدارونيون اليوم على أن “الخبرة الواعية هي خبرة جسدية وليست ظاهرة خارقة”، كما قال عالم الإحياء الاجتماعي إدوارد ويلسون[4].

فإذا كان الوعي حقاً الناتج العرضي الآلي لقوة الدماغ المتطورة جداً، فلماذا إذاً لا يستطيع الروبوت الذكي أن يشعر عندما تكون لديه قدرة ذهنية أكبر مما لدى البشر؟ وحينما تقبل المسلمة الدارونية الأساسية، عندئذ يصبح السيناريو المستقبلي لكورزويل يبدو ممكناً فجأة.

“إذا كان بإمكانك أن تحصل على كمبيوتر بأي تركيبة تشاء، وإذا كانت هذه التركيبة هي التي تولد الوعي، عندئذ فإن هذا النوع سوف يمنحك الوعي في النهاية”. هكذا قال ديفيد تشارلمرز، مدير مشارك لمركز دراسات الوعي في جامعة أريزونا”[5].

ومع ذلك، فإن تنبؤات كورزويل، قد هوجمت بعنف من النقاد الذين قالوا إن وعي الكمبيوتر مناف للعقل وأمر سخيف. فقد سخر جون سيرل، وهو أستاذ المخ في جامعة كاليفورنيا في يبركيلي: إنه لا يمكنني أن أستعيد قراءة كتاب به هذا الخضم الهائل من الادعاءات المذهلة والحجج الضعيفة اليت تحاول أن تؤيدها[6] وبإمكانك أن تزيد القوة التي تريدها للكثير من الكمبيوترات التي تحتاجها، ولكنها لا تستطيع أن يكون لديها وعي، لأن كل ما تستطيع فعله هو خلط الرموز”[7].

وقال وليام ديمبسكي للمؤسسات التصورية للعلم في جامعة بايلور: “إن مورزويل يتعامل مع الخيال العلمي والفلسفة الفاسدة”[8].

وبالرغم من جاذبية هذا النقاش عن الحاسبات المستقبلية، فما زالت هناك الكثير من المتناقضات عن الوعي الإنساني. وللدهشة فإن الكثير من العلماء والفلاسفة يستنتجون الآن بأن قوانين الفيزياء والكيمياء لا تستطيع أن تفسر خبرة الوعي في الكائنات البشرية. وهم مقتنعون بوجود ما هو أكثر من مجرد الدماغ الجسدي الذي يعمل، ولكن يوجد أيضاً الحقيقة غير المادية التي تسمى “الروح”، “العقل” أو “النفس” وكل هذا يفسر ما يقوله لنا العلم.

في الحقيقة، إنهم يستشهدون بوجودهم كدليل قوي ضد النظرية الطبيعية البحتة للتطور الداروني، والتي تُحسب لمصلحة الخالق الذي خلق الإنسان على صورته.

الخـلاف حـول الـوعـي

أحد العلماء الذي انعكست أفكاره على هذه القضية هو ويلدير بينفيلد، الأب المشهور لجراحة الأعصاب الحديثة. وقد بدأ بالشك في أن الوعي انبثق بطريقة ما من الأنشطة العصبية في الدماغ، حيث الوصلات العصبية يمكن أن تشعل عدداً مهولاً يصل إلى 10 مليون بليون مرة في الثانية. وقال: “وخلال حياتي العملية، فإنني، مثل العلماء الآخرين، ناضلت لأثبت بأن الدماغ هو الذي يفسر العقل”[9].

ولكن من خلال إجراء عمليات جراحية على أكثر من ألف مريض بالصرع، واجهت دليل قاطع بأن الدماغ والعقل متمايزان في الحقيقة عن بعضهما البعض، ولو أنهما يتفاعلان معاً بشكل واضح. وقد شرح ذلك أحد الخبراء في نفس المجال فقال:

سوف ينبه بينفيلد كهربائياً القشرة الدماغية للمرضى الواعين ويتحداهم إذا كان بإمكانهم بأن يحتفظوا بيد واحدة لا تتحرك عندما يُسلط تيار الكهرباء. فسوف يمسل المريض هذه اليد باليد الأخرى ويحاول أن يحفظها ساكنة. وبهذا تكون يد واحدة تحت سيطرة التيار الكهربائي واليد الأخرى تحت سيطرة عقل المريض وكلاهما يقاوم الآخر. ويفسر بينفيلد ذلك بالقول بأن المريض لا يتمتع فقط بمخ جسدي والذي استثير لكي يعمل ولكن أيضاً بحقيقة غير جسدية تفاعلت مع الدماغ[10].

وبكلمات أخرى، انتهى بينفيلد إلى الموافقة على تأكيد الكتاب المقدس بأن للكائنات البشرية جسد وروح. ويقول: “لتوقع آلية الدماغ الأعلى أو أي مجموعة ردود أفعال، مهما كانت معقدة، لتنفيذ ما يفعله العقل، ولذلك يؤدي كل وظائف العقل، فإن هذا مناف للعقل تماماُ”[11]. ويقول: “يا له من أمر مثير، أن تكتشف أن العالم أيضاً يمكنه أن يصدق بطريقة منطقية وصحيحة بوجود الروح”[12].

وبنفس الطريقة، فإن أستاذ علم وظائف الأعضاء بجامعة أكسفورد السير تشارلز شيرينجتون، الحائز على جائزة نوبل والذي وصف بـ “العبقري الذي أرسى معرفتنا بعمل الدماغ والحبل الشوكي”[13] أعلن قبل وفاته بخمسة أيام: “بالنسبة لي الآن إن الحقيقة الوحيدة هي الروح الإنسانية”[14].

أما بالنسبة لتلميذه السابق جون سي. إكليس، العالم الفز للأمراض العصابية والحائز على جائزة نوبل، كان له نفس الاستنتاج فقال: “أنا مضطر لأن أعتقد بوجود ما يمكن تسميته بالأصل الخارق للعقل الواعي المتفرد أو الذاتي الفرادة، أو الروحي”[15].

ومن المنطقي ونحن في القرن 21 أن نصدق ما قاله جون كالفين من القرن 16 “إن المنح والمواهب الطبيعية التي نمتلكها لا يمكن أن نكون نحن مصدرها، ولكن لا بد وأن يكون مصدرها إلهي”[16]. هل إصرار الكتاب المقدس على أن الناس يتكونون من جسد وروح – مبدأ الثنائية – هو أمر مؤكد يمكن الدفاع عنه؟ أم أن المخ البشري هو ببساطة كما قال عنه مارفن مينساكي “كمبيوتر صنع من لحم” بفكر واعي كنتيجة لميكنة كلية؟[17]

وأعلن سيريل أن الوعي هو “الحقيقة الهامة الوحيدة التي تدل على وجودنا، فيما عدا الحياة ذاتها”[18]. وقد كان واضحاً بالنسبة لي بأن الإجابة على سر وغموض عقولنا هو إما أنه تأكيد قوي على مبدأ الطبيعة الدارونية أو تأكيد مقنع على وجود عقل أعظم قد خلقنا على شبهه.

تخـطـي حـدود الـدمـاغ

إنها أخبار مأخوذة من السطور الأمامية من التحقيقات العلمية على الوعي البشري. ونشرت ذلك صحيفة “البعث” وقد قُدمت للعلماء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا عام 2001، وطوال العام قدمت الدراسة البريطانية الأدلة على أن الوعي يستمر حتى بعدما يتوقف دماغ الإنسان عن العمل ويعلن أنه قد مات اكلينيكياً (طبياً). إنه دليل قوي جديد على أن الدماغ والعقل ليسا نفس الشيء. ولكنهما كيانان متمايزان[19].

وقالت الصحفية سالة تيبيت بجريدة رويتر: “إن البحث يعيد إثارة الجدل حول ما إذا كانت هناك حياة بعد الموت، وما إذا كان هناك ما يسمى بالروح الإنسانية”[20].

وفي مقالتهما بإحدى الصحف قال طبيبا الأمراض العصابية سام بارنيا وبيتر فينويك، بمعهد طب الأمراض العقلية بلندن، وصفت دراستهما لضحايا الذبحة الصدرية لعدد 36 حالة والذين أعلن أنهم ماتوا طبياُ أنهم فيما بعد عاشوا وأجريت معهم لقاءات. وقرر 10٪ منهم أنهم تمتعوا بعمليات تفكير شفافة ومشرقة وذاكرة قوية في الفترة التي توقف فيها عمل الدماغ. وقد استبعدت آثار الحاجة إلى الأوكسجين او المخدر كعوامل لذلك. وفيما بعد وجد الباحثون حالات عديدة مشابهة[21].

وإن كنا بحاجة إلى مزيد من الدراسات على نطاق واسع، فإن بارميا الذي كان قد شكك في هذا مرة قال إن الدراسة العلمية حتى الآن تدعم وجهة النظر القائلة بأن العقل “الوعي” أو “الروح” هما كيانان منفصلان عن الدماغ”[22].

وقال إن الدماغ قد يعمل كآلية لإظهار العقل، وهذا يشبه جهاز التلفزيون الذي يظهر الصور والأصوات من الموجات في الهواء. وإذا حدث أن إصابة بالمخ تتسبب في أن شخصاً ما يفقد بعضاَ من سمات عقله أو شخصيته، فهذا لا يثبت بالضرورة أن المخ هو مصدر العقل. “فكل ما يبينه هو أن الجهاز قد دُمر”[23].

والأبحاث مستمرة بنشاط في هذا المجال وفي عناصر مجالات أخرى عن الوعي الإنساني[24]. وفي هذه الأثناء فالعلماء الملتزمون بإيجاد إجابة جسدية بحتة – ومن المناسب ان نسميهم الباحثين في العلوم الطبيعية – كانوا صرحاء عندما قالوا إنه ليس لديهم تفسير عن كيف يحدث الوعي من خلال المخ.

وقال سيريل: “ليست لدينا نظرية كافية عن كيف ان المخ يُحدث حالة الوعي، وليست لدينا نظرية كافية عن كيف أن الوعي يتسرب إلى الكون”[25].

وما زال سيريل وكثيرون غيره يجدون ملاذاً في إيمانهم الثابت بأن العلم سوف يكتشف أخيراً تفسيراً طبيعياً تماماً.

كما تنبأ أستاذ علم الأعصاب أنطونيو آر. داماسيو: “إنني واثق من أن تفسيراً مادياً عن انبثاق العقل من المخ سوف يظهر وربما قريباً جداً. ومع ذلك فإن هذا الشعور الطائش تواجهه بعض الصعوبات”[26].

ويدعو إكليس هذا النوع من السلوك: “يتضمن وعداً مادياً…. ومسرفاً ولا يمكن الوفاء به”[27]. وقام كثير من الباحثين مثل…… بتتبع أدلة العلم ومنطق الفلسفة إلى أي مكان تقودهم، حتى وإن أشارت إلى الثنائية. وقال عالم الإنسانيات مارلين شليز:

سوف أتخذ موقع تجريبي جذري، بأن تقودني المعلومات، وليس النظرية. والمعلومات التي أراها تقول لي أنه يوجد طرق فيها تفند خبرة الناس مكانة عالم الطبيعة الذي يقول بأن العقل هو المخ وليس أي شيء آخر. وهناك معلومات جامدة وصلبة تقول بأن وعينا وعقلنا قد يتوفق حدود المخ[28].

أما بالنسبة للكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، يعلمنا بأن الإنسان مخلوق به روح وجسد وهذا ما قاله عالم الإنسانيات آرثر سي. كوستانس. وأضاف: “وإلى هذا الحد ليس هناك خلاف بين علم اللاهوت وما أثبتته الأبحاث الأخيرة”[29]. ويسترسل كوستانس قائلاً:

وضح [الكتاب المقدس] بجلاء أن الروح عندما تترك الجسد، يموت الجسد، أما إذا عادت الروح للجسد فالشخص كله يعود للحياة. وهذه الثنائية تكررت مئات المرات في أماكن كثيرة في الكتاب المقدس[30]…. وفي الحقيقة فإن خلق آدم كالإنسان الأول[31] كان نتيجة لإحياء الجسد بالروح جاعلاً إياه روحاً حية.

هل حقيقة أن المسيحية والأبحاث المعاصرة تؤيدان بعضهما البعض، بينما في نفس الوقت تتناقض مع الادعاء الداروني بأن المخ هو وحده المسؤول عن الوعي؟ وأنا أبحث عن إجابات هذه الأسئلة لم أكن مضطراً للسفر بعيداً عن منزلي في جنوب كاليفورنيا. إنها كانت مسافة بسيطة إلى منزل الأستاذ المشهور المدرب في العلم والفلسفة واللاهوت والذي كتب عن هذه الموضوعات لعدة سنوات[32].

المقابلة الثامنة: جي. بي. مورلاند، دكتوراه

عندما توجهت إلى منزل جي. بي. مورلاند في صباح بارد وجو مغطى بالضباب، كان يجلس خارج المنزل ممسكاً فنجاناً من القهوة بيده، بعد عودته من دردشة مع بعض جيرانه. كان لون شعره رمادياً، وشذبه منسق بطريقة جيدة، وكان يرتدي قميصاً أزرق اللون ورباط عنق أحمر.

قال لي: “مسرور أن أراك ثانية… هيا بنا ندخل”.

جلست على أريكة بجواره في غرفة المعيشة. وكانت الجلسة عادية بالنسبة لي منذ أن جليت معه في لقاءات سابقة للحديث عن موضوعات مثل: “القضية …. المسيح”[33]؛ “القضية …. الإيمان”*. وفي المرتين السابقتين وجدت أن لديه القدرة الممتازة لمناقشة القضايا المجردة والعويصة والأمور الفنية بلغة دقيقة. وهذا أمر غير عادي بالنسبة للعالم وغير شائعة للاهوتي، ونادرة بالنسبة لفيلسوف!

تلقى مورلاند تدريبه العلمي في جامعة ميسوري، حيث حصل على درجة علمية في الكيمياء. وكُرم بالدكتوراه الفخرية في الكيمياء النووية في جامعة كولورادو. ثم حصل على درجة الماجستير في اللاهوت في كلية اللاهوت بدالاس وحصل على دكتوراه في الفلسفة في جامعة جنوب كاليفورنيا.

وقد أظهر مورلاند اهتماماً بالموضوعات المرتبطة بالوعي الإنساني، وكتب عنه في كتبه بين الحين والآخر. وقد كتب وحرر وشارك في الكتابة في الكتب الآتية: “المسيحية وطبيعية العلم”، “الجسم والروح”، “مناقشة بين الحياة والموت”، “ما بعد الموت”، “هل يوجد إله؟”، “المنظور المسيحي للإنسان”، “فرضية الخلق”، “تحب الرب إلهك بكل فكرك” وكتب أخرى.

وعندما بدأنا لقائنا، اعتقدت انها ستكون فكرة طيبة أن نتطرق مباشرة إلى بعض التعريفات الهامة – وليس من السهل دائماً أن نناقش موضوع الوعي.

اسـتعادة الـوعـي

قال قاضي المحكمة الدستورية العليا بالولايات المتحدة بوتر ستيروارت: “قد يكون من الصعب تعريف الخلاعة ولكن أعرفها عندما أراها”[34]. وبنفس الطريقة، قد يصعب علينا وصف الوعي بالرغم من أن أفكارنا الواعية الملموسة لنا. وكما عبر عن ذلك جي. آر. سميذييس من جامعة أدنبرة “قد يكون وعي الآخرين شيئاً مجرداً بالنسبة لي، أما وعي أنا فهو حقيقة”[35].

قال مورلاند، مردداً صدى السؤال الافتتاحي الذي توقفت عنده للتو: “ما الوعي؟ التعريف البسيط يقول إنه ما تنتبه إليه عندما تفحص أفكارك ومشاعرك. عندما تنتبه لما يدور بداخلك هذا هو الوعي. افترض أنك أجريت عملية جراحية في فخذك، وفجأة تنبهت لما يقوله الناس عنك. وقد يقول أحدهم: أعتقد أنه بدأ يتماثل للشفاء”، وتبدأ تشعر بألم في ركبتك.

فتقول لنفسك: “أين أنا؟ ما الذي يحدث؟ وتبدأ في التذكر بأنه قد أجريت لك عملية. فالذي تفعله هو أنك تستعيد وعيك. وباختصار، يتكون الوعي من الأحاسيس والأفكار والعواطف والرغبات والمعتقدات والاختيار الحر الذي يجعلنا أحياء ومتنبهين”.

سألته: “ماذا يحدث لو أن الوعي غير موجود في العالم؟”

أجاب: ” سأعطيك مثلاً: يظل التفاح أحمر اللون ولكننا لا ننتبه لذلك أو نشعر به”.

سألته: “ماذا عن الروح؟ كيف تعرفه؟”

قال: “الروح هي الأنا أو النفس وهي تحتوي وعينا. وهي التي تُحي جسدنا. ولهذا يموت الجسد عندما تفارقه الروح. الروح غير مادية وهي مميزة عن الجسد”.

قلت له: “هذا ما يعلمه الكتاب المقدس”.

قال: “نعم، فقد فهم المسيحيون ذلك لمدة عشرين قرناً. فمثلاً، عندما كان المسيح على الصليب، قال للص المصلوب بجواره سوف يكون معه في الفردوس بعد موته وقبل القيامة الأخيرة بالجسد[36]. ووصف المسيح الجسد والروح على أنهما كينونتان منفصلتان عندما قال: “لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولا يستطيعوا قتل الروح”[37]. ويقول الرسول بولس عندما نغيب عن الجسد نكون حاضرين مع الرب”[38].

سألته: “وماذا يقول غير المسيحين عن ذلك؟ هل هذه الفكرة موجودة في ثقافات أخرى؟”

قال: “نحن نعرف أن مبدأ الثنائية قد دُرس باللغة اليونانية القديمة، مع أنهم – على خلاف المسيحيين – اعتقدوا أن الجسد والروح غرباء عن بعضهما البعض. وبكلمات معاصرة، أوافق مع ما قاله عالم الطبيعية جايجون كيم: “اعتقد أن في الإنسان شيء ثنائي (الروح والجسد) وهذا أمر موجود في معظم الثقافات والتقاليد الدينية”[39].

وما زال البعض ينكرون الثنائية وبدلاً من ذلك يعتقدون أننا كائنات جسدية فقط، مثلما قال عالم الجينات فرانسيز: “نحن لسنا أكثر من سلوكيات مجموعة من الخلايا العصبية وجزيئاتها المرتبطة بها”[40]. ولكي نكتشف هذا الموضوع، قررت أن أتبع أسلوباً غير عادي في لقائي مع مورلاند لسؤاله أن يتخيل – لمدة دقائق قليلة – أن علماء الطبيعة هؤلاء هم على صواب.

ماذا لـو أن مبـدأ الجسـدانية حقيقي؟

قلت له: “دعنا نواجه ذلك، فبعض الناس ينكرون أن لنا روحاً خالدة. وقال جون سيريل “في نظرتي العالمية أرى أن الوعي هو نتيجة عمليات بالمخ”[41]. وبمعنى آخر هم يعتقدون أن الوعي هو نتاج حيوي بحت. وقال عالم الدماغ باري بيرستين “مثلما تنتج الكليتين البول فكذلك العقل ينتج الوعي”[42].

وكان مورلاند يصغي باهتمام وأنا أتحدث إليه. وواصلت حديثي قائلاً: “أرجو أن تقدم لي خدمة – إن J. P. يدعي ولو للحظة بأن الذين يؤمنون بمبدأ الجسدانية هو على صواب. ما هو المعنى المنطقي المتضمن في هذا لو أن هذا المبدأ صحيح؟”

اتسعت عيناه وأجاب: “سوف تكون هناك العديد من المعاني”.

قلت له: “أعطني ثلاثة”.

قال: “أولاً، إذا كان مبدأ الجسدانية صحيح، فلن يكون الوعي موجوداً لأنه لن توجد حالات يجب وصفها من وجهة نظر الشخص الأول”.

“ولو كان كل شيء عبارة عن مادة، عندئذ يمكنك أن ترسم الكون كله في رسم بياني يمكنك تحديد كل نجم، والقمر، وكل جبل، ودماغ لي ستروبل وكليته…. إلخ. وإذا كان كل شيء جسدياً عندئذ يمكن وصفه تماماً من وجهة نظر الشخص الثالث. ونحن نعلم أن لدينا الشخص الأول (أنا) وجهة نظر ذاتية وشخصية، ولهذا لا يمكن لمبدأ الجسدانية أن يكون صحيحاً”.

“المعنى الثاني هو عدم وجود إرادة حرة، وذلك لأن المادة محكومة تماماً بقوانين الطبيعة. ولنأخذ أي أمر عادي، فمثلاً، السحابة هي شيء مادي ويحكم تحركها قوانين ضغط الهواء والرياح وما شابه ذلك. ولهذا فإن كنت أنا شيئاً مادياً، فكل ما أفعله سيتم بواسطة البيئة المحيطة والجينات وهكذا”.

“وهذا يعني انني لست حراً لأختار ما أشاء. وما سيحدث ستحركه البنية الجسدية والبيئة. إذاً فكيف تعترني مسؤولاً عن تصرفاتي وأنا لست حراً في اختيار ما أفعل؟ وهذه هي إحدى الأسباب التي جعلتنا نخسر حرب فيتنام”.

كنت أتابعه إلى أن وصل إلى الجملة الأخيرة التي بدت غريبة بالنسبة لي فسألته: “وما علاقة كل ذلك بحرب فيتنام؟”

قال مورلاند: “سمعت مستشاراً سابقاً للرئيس يقول إن سلوكيات سكيننير أثر على استراتيجية البتاجون. كان سكيننير يعتقد أننا مجرد أشياء جسدية ولهذا يمكنك التحكم في الناس، تماماً مثلما تتحكم في حيوان في المعمل ببعض الصدمات الكهربائية. استمر في عمل أشياء معينة مرة ومرات وعندئذ يتغير السلوك. ولهذا ففي فيتنام، ألقينا القنابل ورجعنا ثم ألقينا القنابل ورجعنا، وهكذا. وافترضنا أنه بعدما أعطينا أهالي فيتنام الشمالية صدمة بعد الأخرى أمكننا بسرعة التحكم واستغلال سلوكياتهم. واعتبرناهم مجرد أشياء جسدية تستجيب للدافع. وفي النهاية سيستلمون.

قلت له: “ولكنهم لم يفعلوا ذلك”.

قال: “هذا صحيح. لم تنجح هذه السياسة”.

قلت: “لماذا؟”

قال: “لأنه كان لديهم ما هو أكثر من مجرد المخ الجسدي ليستجيب للدافع. كانت لديهم أرواح ورغبات ومشاعر ومعتقدات واختيار حر لتحمل المعاناة والصمود من أجل ما اقتنعوا به بالرغم من محاولتنا للسيطرة عليهم بالقنابل”.

“ولهذا فلو كان الماديون على صواب، قل على الإرادة الحرة السلام. ففي وجهة نظرهم نحن مجرد كمبيوترات معقدة تتصرف طبقاً لقوانين الطبيعة والبرامج التي نتلقاها. ولكنهم مخطئون، فلدينا إرادة حرة. ونشعر ونعلم ذلك في أعماقنا. إننا أكثر من مجرد مخ جسدي”.

“ثالثاً، إذا كان مبدأ الجسدانية صحيحاً، فلن يكون هناك حالة متوسطة من تحرير الروح من الجسد. فطبقاً للإيمان المسيحي، إننا عندما نموت تترك أرواحنا أجسادنا وتنتظر قيامة الأجساد من الموت. إننا لا نتوقف عن الوجود عندما نموت. فأرواحنا تستمر في الحياة”.

“وقد حدث هذا في خبرات من كانوا على وشك الموت. بعض الناس ماتوا سريرياً، ولكن في بعض الأحيان كان لديهم غيرة وأفضلية النظر من فوق، فتطلعوا إلى أسفل إلى طاولة العمليات التي كان عليها جسدهم. وفي بعض الأحيان حصلوا على معلومات لم يستطيعوا معرفتها لو كان هذا مجرد خداع لمخهم الجسدي. إحدى السيدات ماتت وشاهدت حذاء تنس على سطح المستشفى. كيف عرفت ذلك؟”

“لو كنت أن مجرد مخ، عندئذ سيكون وجودي خارج الجسد مستحيلاً. وعندما يسمع الناس عن اختبارات الموت هذه، فلا يعتقدون أنهم إذا تطلعوا إلى سقف المستشفى سوف يروا مخاً ينبض وبه عينان تنظران إلى أسفل. هل هذا صحيح؟ وعندما يسمع الناس اختبارات الموت هذه فإنهم ينسبون بالوحي لهذا الشخص روحاً تستطيع أن تترك الجسد. وهذه القصص تعطي نوعاً من المعنى حتى وإن لم تتأكد من صدقها. إننا أكثر من مجرد جسد وإلا ستثير هذه القصص سخريتنا وضحكنا”.

سألته: “ماذا عنك أنت شخصياً؟ هل تصدق اختبارات على وشك الموت؟”

قال: “علينا أن نكون حذرين مع هذه المعلومات ولا نحملها أكثر مما تحتمل، ولكني أعتقد فعلاً أنها تعطينا على الأقل الحد الأدنى من المعلومات عن الوعي الذي يتخطى الموت. ورجوعاً لعام 1965 كتب الطبيب النفسي جون بيلوف في مجلة الإنسانيين إن الدليل على اختبارات القرب من الموت يوضح “وجود عالم ثنائي حيث يوجد وجود منفصل لكل من الروح والجسد منفصل عن هذا العالم المادي”. وهذا يمثل نوعاً من التحدي للفلسفة الإنسانية (تحقيق الذات عن طريق العقل) ومدى عمقها في حد ذاتها كتلك التي نادى بها تطور داروين ضد المسيحية منذ قرن مضى”[43].

“وبالرغم من كل ما يعتقد فيه البعض عن اختبارات قرب الموت، فلدينا تأكيد بأن يسوع مات وفيما بعد شوهد حياً من شهود عيان موثوق فيهم[44]. وهذا الأمر لا يعطينا فقط تأييداً وبرهاناً تاريخياً للحياة بعد الموت، ولكن أيضاً يعطي الرب يسوع مصداقية عظيمة لما علمه بأن لنا جسداً وروحاً خالدة”.

العـقـل الخـاص الـداخـلـي

عند هذه النقطة، بعدما فكرت فيما قاله مورلاند عن مبدأ الجسدانية، أردت أن أسمع منه عن حالة مؤكدة بأن كل من الوعي والروح هما كينونتان ماديتان[45].

فسألته: “ما هو الدليل الإيجابي على أن الوعي والنفس ليسا مجرد عملية جسدية للمخ؟”

قال: “لدينا معلومات مختبرة لشيء واحد. فمثلاً، جراح الأعصاب ويلدير بينفيلد حفز كهربائياً مخ مرضى الصرع واستطاع أن يجعلهم يحركون أذرعتهم أو أرجلهم، ويديرون رؤوسهم وأعينهم وأن يتحدثوا أو يبتلعوا شيئاً. وثبت أن المريض يستجيب بالقول: “أنا لم أفعل ذلك. أنت الذي قمت بهذا” وطبقاً لبينفيلد “يعتقد المريض بأن له وجود منفصل عن جسده”[46].

“ليس مهماً إلى أي مدى توغل بينفيلد داخل قشرة المخ، هكذا قال: “لا يوجد مكان…. حيث المحفز الكهربائي يدفع المريض لكي يفكر أو يقرر”[47] وذلك لأن تلك الوظائف تنشأ في النفس الواعية، وليس الدماغ”.

“والكثير من الأبحاث اللاحقة أيدت هذا الرأي. عندما درس روجر سبيري وفريقه الاختلافات بين فصي الدماغ الأيمن والأيسر، اكتشفوا أن للعقل قوة خاصة به منفصلة عن أنشطة المخ. وهذا الرأي دعا سبري بأن يقول بأن مبدأ المادية باطلة”[48].

“وقد أظهرت دراسة أخرى نوع من التأخير بين الزمن الذي تُسلط فيه الصدمة الكهربية على الجلد ووصولها لقشرة المخ والاستجابة الذاتية الواعية من قبل الشخص[49]. وهذا يبين أن النفس ليست مجرد آلة تتفاعل مع الدافع عندما يصل إليها. وفي الحقيقة، إن المعلومات المأخوذة من الأبحاث المختلفة هي متميزة جداً حتى أن لورنس سي. وود قال: “كثير من العلماء المختصون بدراسة المخ اضطروا بأن يسلموا بوجود عقل غير مادي بالرغم من أنهم لا يعتقدون في الحياة بعد الموت”[50].

سألته: “وما هو أبعد من المعمل؟”

قال: “توجد أيضاً مجادلات فلسفية. إنني أعرف أن الوعي ليس ظاهرة جسدية لأنه توجد أشياء حقيقية عن وعي وشعوري وهي ليست كذلك عن أي شيء جسدي”.

قلت له: “أعطني مثلاً”.

قال: “بعض أفكاري يمكن وصفها على أنها حقيقية والبعض الآخر زائف. ومع ذلك ولا واحدة من حالات مخي حقيقية أو زائفة. لا يستطيع أي عالم ان ينظر على حالة مخي ويقول: “إن هذه الحالة حقيقية وهذه الحالة زائفة”. ولهذا فيوجد شيء حقيقي عن حالات وعي وشعوري وليست كذلك بالنسبة لحالات مخي، ونتيجة لذلك لا يمكن أن تكون نفس الشيء”.

“لا شيء في مخي عن أي شيء. ولا يمكنك أن تفتح رأسي وتقول: “ها انت ترى ذلك النموذج الكهربائي في النصف الأيسر من مخ “جي. بي. مورلاند”. فحالات مخك ليست عن أي شيء ولكن بعض حالات عقلي تفكر في أشياء معينة. ولهذا فهناك اختلاف بينهما”.

“وأكثر من هذا، فإن وعي وشعوري هو أمر داخلي وخاص بي. وعن طريق المعرفة وفحص الأفكار لدي طريقة لمعرفة ما يحدث بداخل عقلي وليس متاح معرفته لك أو لطبيبي أو لطبيب الأعصاب. والعالم يستطيع أن يعرف أكثر عما يحدث في مخي (وليس عقلي) أكثر مما أعرف أنا. وعليه أن يسألني”.

وعندما سألت مورلاند عن مزيد من التوضيح سألني: “هل سمعت عن حركة العين السريعة؟” قلت: “بالتأكيد”.

قال: “ماذا تبين أو توضح أو تظهر؟”

قلت: “الأحلام”

قال: “تماماً. كيف يعرف العلماء عندما يرون حركة معينة للعين بأن الناس يحلمون؟ عليهم أن يوقظوا الناس ويسألوهم. ويستطيع العلماء مراقبة العين وهي تتحرك ويقرأوا أثر ما يحدث جسدياً داخل المخ ولهذا فبإمكانهم التمييز بين حالات العقل وحركات العين. ولكنهم لا يعرفون ما يدور في الذهن. لماذا؟ لأن هذا أمر داخلي وخاص”.

“ولهذا فالعالم يستطيع أن يعرف عن المخ بدراسته، ولكنه لا يستطيع أن يعرف عن العقل بدون أن يسأل الشخص لكي يكشف له ذلك، لأن حالات الوعي لها ملامح الأمر الداخلي والخصوصية، وليس هكذا المخ”.

[1] Michael Ruse, Can a Darwinian BE a Christian? Cambridge: Oxford University Press, 2001), 73.

[2] Ray Kurzweil, “The Evolution of Mind in the Twenty- First Century,” in Jay W. Richards, editor, Are We Spiritual Machines? (Seattle: Discovery Institute, 2002), 12, 29, 44-45, (emphasis added).

[3] Thomas Huxley, “Mr. Darwin’s Critics,” Contempotary Rewiew (Noverber 1871).

[4] Edward O. Witson, Consilience (New York: Vintage, 1998), 132.

[5] “Do Brains Make Minds?” On the television program Closer to Truth, first aired October 2000.

[6] John Searte, “I Married a Computer,” in Jay W. Richards, editor, Are We Spiritual Machines? 76.

[7] “Do Brains Make Minds?” On Closer to Truth.

[8] Quoted in World Magazine (July/August 2002).

[9] Wilder Penfield, The Mystery of the Mind (Princeton: Priceton Univ. Press, 1975). Xiii.

[10]Lee Edward Travis, “Response,” in Arthur C. Custance, The Mysterious Matter of Mind (Grand Rapids, Mich.: Zondervan; and Richardson, Texas: Probe Ministries, 1980), 95-96.

[11] Wilder Penfield, The Mystery of the Mind, 79.

[12] Ibid., 85.

[13] The British Medical Journal (March 15, 1952), quoted in Arthur C. Custance, The Mysterious Matter of Mind, 51.

[14] Karl R. Popper and John C. Eccles, The Self and Its Brain (New York: Springer-Verlag, 1977), 558.

[15] Ibid., 559-60.

[16] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, 1536, quoted in J. P. Moreland, Scaling the Secular City (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1987), 77.

[17] There are two major species of dualism: substance dualism and property/event dualism. For a brief description of the distinctions between the two. see Gary R. Habermas and J. P. Moreland, Beyond Death (Wheaton: Crossway, 1998), 37-66. For purposes of this chapter, the term “dualism” refers to substance dualism.

[18] “What Is Consciousness?” on the television program Closer to Truth, first aired June 2000.

[19] See: S. Parnia, D. G. Waller, R. Yeates, and P. Fenwick, “A Qualitative and Quantitative Study of the Incidence, Features and Aetiiology of Near-Death Experience in Cardiac Arrest Survivors,” Resuscitation (February 2001).

[20] Sarah Tippit, “Scientist Says Mind Continues After Brain Dies,” Reuters (June 29, 2001).

[21] Sam Parnia, “Near Death Experiences in Cardiac Arrest and the Mystery of Consciousness,” available at www.datadiwan.de/SciMedNet/library/artictesN75+N76Parnia_nde.htm (accessed June 13, 2003).

[22] Ibid.

[23]Sarah Tippit, “Scintist Says Mind Continues After Brain Dies”.

[24] For a discussion, see Gary R. Habermas and J. P. Moreland, Beyoud Death, 155-218, and Patrick Glunn, God: The Evidence (Rocklin, Calif.: Forum, 1997), 99-137.

[25] “What Is Consciousness?” on Closer to Truth.

[26] Antonio R. Damasio, “How the Brain Creates the Mind,” Scientific American (December 1999).

[27] John C. Eccles, The Human Mystery (New York: Springer-Verlag, 1979), cii, quoted in: Robert M. Augros and Gororge N. Stanciu, The New Story of Science, 171.

[28]”Do Brains Make Minds?” on Closer to Truth.

[29] Arthur C. Custance, The Mysterious Matter of Mind, 90.

[30] See: James 2: 26 and Luke 8:55.

[31] For Example see: Matthew 26:41; Tomans 8:10; I Corinthians 5:5, 6:20, 7: 34; 2 Corinthians 7:1; and Galatians 5:17.

[32] See: Genesis 2; 27. Quotation from: Arthur c. Custance, The Mysterious Matter of Mind, 93 (italics removed).

[33] See: “The Circumstantial Evidence” in: Lee strobel. The Case for Christ, 244-57, and “Objection #6: a Loving God Would Never Torture People in Hell,” in: Lee Strobel, The Case for Faith, 169-94.

* صدرت الترجمة العربية للكتابين من مكتبة دار الكلمة، القاهرة 2007.

[34] Justice Potter Stewart (concurring), Jacobellis v. Ohio, 378 U. S. 198 (1964).

[35]J. R. Smythies, “Some Aspects of Consciousness,” in Arthur Koestler and J. R. Smythies, editors, Beyond Reductionism (London: Hutchinson, 1969), 235, quoted in Arthur C. Custance, The Musterious Matter of Mind, 35.

[36] Luke 23: 43: “Today you will be with me in paradise.”

[37] Matthew 10: 28.

[38] 2 corinthians 5: 8.

[39] Jaegwon Kim, “Lonely Souls: Causality and Substance Dualism,” in Kevin Corcoran, editor, Soul, Body, and Survival (Ithica, Ny: Cornell Univ. Press, 2001), 30.

[40] Francis Crick, The Astonishing Hypothesis (New York: Scribner’s, 1994), 3.

[41] “What Is Consxiousness?” on Closer to Truth.

[42]”Do Brains Make Minds?” on Closer to Truth.

[43] Cited in David Winter, Hereafter: What Happens after Death? (Wheaton, III.: Harold Shaw, 1972), 33-34.

[44] For a short description of the evidence for the Resurrection, see Gary R. Habermas and J. P. Moreland, Beyoud Death, 111-54.

[45] See: Wilder Penfield, The Mystery of the Mind, 76-77.

[46] Wilder Penfield, “Control of the Mind” Symposium at the University of California Medical Center, San Francisci, 1961, quoted in Arthur Kpestler, Ghost in the Machine (London Hutchinson, 1967), 203.  

[47]Wilder Penfield, The Mystery of the Mind, 77-78.

[48] See: Roger W. Sperry, “Changed Concepts of Braind and Consciousness: Some Value Implications,” Zygon (March 1985).

[49]Laurence W. Wood, “Recent Brain Research and the Mind-Body Dilemma,” The Asbury Theological Journal, vol. 41, no. 1 (1986).

[50] Ibid.

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل 

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل 

حقيقة الروح

لقرون طويلة فتنت الروح الإنسانية الشعراء، وتحدث الفلاسفة، وصعقت العلماء. والمتصوفون مثل تيريزا الأفيلية في القرن 16 وصفوها ببلاغة قائلين: “بدأت أفكر في الروح كما لو كانت قلعة مصنوعة من جوهرة واحدة أو من بلور نقي، بها الكثير من الحجرات، تماماً مثل السماء التي بها منازل كثيرة”[1].

وكان مورلاند محدداً في تحليله للروح وأقل شاعرية في أسلوبه. وقال بكل وضوح “إن الروح تحتوي على وعينا وشعورنا. ولم يقدم أي سبب يدعونا لأن نثق بأن الروح لها كينونة ووجود فعلي.

فسألته: “ما الذي يجعلك تعتقد أن الروح حقيقية؟”

قال: “أولاً، نحن ندرك أننا مختلفون عن وعينا وأجسادنا. ونعلم أننا كائنات لها وعي وجسد، ولكننا لسنا مجرد نفس الشيء مثل حياتنا الواعية أو حياتنا الجسدية”.

“دعني أوضح لك الأمر عن كيف أننا لسنا نفس الشيء كصفاتنا الشخصية وذكرياتنا ووعينا. كان لدي تلميذ منذ بضعة سنوات حدث حادث خطير لأخته وهي في شهر العسل. سقطت فاقدة الوعي والذكريات وجزءً من شخصيتها. لم تصدق أنها تزوجت. وعندما بدأت في استرداد صحتها، عرضوا عليها شريط فيديو حقل زفافها لإقناعها بأنها تزوجت فعلاً. وأخيراً استوعبت الأمر وصدقت أنها تزوجت”.

“والآن، نعرف كلنا أنها نفس الشخص وهي اخت جيمي. ولم تكن شخصية مختلفة مع أنها كانت تتصرف بطريقة مختلفة. ولكن كانت لديها ذكريات مختلفة تماماً. لقد فقدت ذكرياتها القديمة ولم تكل لديها نفس الشخصية. وهذا يبرهن على أنه باستطاعتك ان تكون نفس الشخص حتى وأن فقد ذكرياتك القديمة وربحت ذكريات جديدة، أو تفقد بعضاً من صفات شخصيتك القديمة وتكتسب صفات شخصية جديدة”.

“والآن، فإذا كنت أنا مجرد وعي فقط، وعندما يكون وعي مختلفاً، فسوف أكون شخصاً مختلفاً. ولكنني أعرف أنني أستطيع أن أكون نفس الشخص حتى وإن تغير وعي، ولهذا لا أستطيع أن أكون نفس الشيء مثل وعي وشعوري عليّ أن أكون “النفس” أو “الروح” التي تحتوي وعي وشعوري”.

“نفس الشيء مع جسدي. لا يمكنني أن أكون نفس الشيء مثل جسدي أو مخي. كانت هناك قصة في التلفزيون عن مريضة بالصرع اجتازت عملية جراحية أزال فيها الجراحين 53٪ من مخها. وعندما استيقظت لم يقل أحد ان لدينا 47٪ من شخص هنا. فالإنسان او الشخص لا يمكن تقسيمه إلى قطع أو أجزاء. أما أن تكون شخصاً أو لا. ولكن مخك وجسمك يمكنك تقسيمهما. وهذا يعني أنه لا يمكن أن أكون نفس الشيء مثل جسدي.

رغم أن هذه التفسيرات ساعدتني بعض الشيء قلت له: “إن حقيقة أن الروح والوعي لا يمكن رؤيتهما فهذا يصعب الأمر في تكوين فكرة عنهما”.

قال: “بالتأكيد، هذا صحيح. إن روحي ووعي لا يمكن رؤيتهما ولكن الجسد يمكن رؤيته. وهذا اختلاف آخر. إنني أتذكر الوقت الذي كانت فيه ابنتي في الصف الخامس وصلينا من أجلها كعائلة. وقالت: “يا أبي لو استطعت أن أرى الله فذلك سيساعدني للإيمان به”. قلت لها: “حسناً يا حبيبتي، المشكلة أنك لن تر الله. والمشكلة أنك لن تر والدتك. وكانت أمها تجلس بجوارها تماماً!”

قالت ابنتي: “ماذا تقصد يا أبي؟” قلت لها: “افترضي – بدون أن نجرح مشاعر ماما – أننا استطعنا أن نحلل ماما إلى خلايا ونتطلع داخل كل خلية. لن نستطيع أن نصل إلى الحالة التي فيها نستطيع أن نقول: “انظر – هنا ماما تفكر ماذا ستفعل بقية اليوم. أو تقول: “هذه الخلية تشتمل على مشاعر ماما”. أو تقول “هذه هي فكرة ماما عن كرة القدم” لن نتمكن من إيجاد أفكار ماما ومعتقداتها ورغباتها أو مشاعرها”.

“خمني، ماذا أيضاً لا نستطيع أن نجده؟ لن نجد نفس ماما أو “الأنا”. ولن نقول: “وأخيراً، في هذه الخلية الخاصة يمكننا أن نجد ماما. هنا توجد “الأنا” الخاصة بها أو “نفسها”: ذلك لأن ماما هي شخص والأشخاص لا يمكن رؤيتهم. وكذلك فإن الأنا الخاصة بماما وحياتها الواعية لا يمكن رؤيتها. والآن، فهي صغيرة للغاية حتى يكون لها جسد، في حين ان الله كبير للغاية حتى أنه لا يمكن أن نمده بجسد ولهذا دعينا نصلي!”

“والنقطة التي أريد أن أوضحها يا لي هي: إنني روح ولي جسد. ونحن لا نتعلم ونعرف شيئاً عن الناس بدراسة أجسادهم بل بمحاولة معرفة كيف يشعرون وبماذا يفكرون وتجاه أي شيء يتعاطفون وما هي نظرتهم للعالم… إلخ. وإذا بدأنا بأجسادهم فقد يعرفنا ذلك ما إذا كانوا يحبون التمرينات الرياضية أم لا، ولكن هذا الأمر لا يساعدنا كثيراً. ولهذا فنحن نريد أن “ندخل” داخل الناس لنعرف شيئاً عنهم”.

“ولهذا فإن استنتاجي الأخير هو أنه لدي الكثير أكثر من مجرد حياتي الواعية وجسدي. وفي الحقيقة أنا “نفس” أو “أنا” التي لا يمكن رؤيتها أو لمسها ما لم أعبر عن نفسي من خلال سلوكي وحديثي. إن لدي إرادة حرة لأنني “نفس” أو “روح” ولست مجرد “دماغ””.

حـديـث عن الكمبيـوتـر والخفـافيـش

إن إنكار مورلاند بأن المخ يستطيع أن ينتج الوعي والشعور جعلني أفكر في مناظرة عما إذا كانت أجهزة الكمبيوتر في المستقل بإمكانها أن تصبح عاطفية. وصممت أن أسأله ليقيّم هذه القضية بالرغم من أن النتيجة التي سيتوصل إليها غير مشكوك فيها.

قال مورلاند: “إذا تمكنت ماكينة أن تحقق قوة مساوية أو أكبر من تلك التي للمخ الموجود في الكائنات البشرية، عندئذ سيقول أولئك الذين يؤمنون بمبدأ الجسدانية أن الكمبيوتر سوف يكون واعياً. وأعتقد أنك لا توافق على هذا؟”

ضحك موريلاند وهو يقول: “قال أحد الملحدين بأنه عندما تصل أجهزة الكمبيوتر إلى نقطة تقليد سلوك الإنسان، فإن الذين يؤمنون بالتمييز العنصري فقط سيرفضون منحها (منح أجهزة الكمبيوتر) الحقوق الكاملة التي للإنسان. ولكن هذا أمر مثير للسخرية والضحك. وقال جون إكليس الحائز على جائزة نوبل إنه قد روع من سذاجة أولئك الذين يتنبؤون بمشاعر وعاطفة الكمبيوتر”. وقال “إنه ليس هناك دليل على الإطلاق بأنه يمكن أن تكون لأجهزة الكمبيوتر نوعاً من الوعي أو الشعور الذاتي”[2].

“وعلينا أن نتذكر أن أجهزة الكمبيوتر لها ذكاء صناعي وليس طبيعي. وهناك فرق كبير بينهما. ولا يمكننا أن نشبه الكمبيوتر بشيء حي. فالكمبيوتر ليس له مشاعر داخلية أو وعي أو وجهة نظر شخصية ولا بصيرة لحل المشكلات. إنه لا يفكر. إنه يستطيع أن يشترك في التصرفات إذا أعطيناه التعليمات الصحيحة، ولكن عليك أن تتذكر أو الوعي أو الشعور ليس هو نفس الشيء مثل السلوك. فالوعي شيء حي، وهو الذي يدفع للسلوك في الكائنات الحية الواعية. ولكن الذي يحرك الكمبيوتر هو الدائرة الكهربائية”.

“دعني أوضح لك ذلك. افترض أن لدينا خفاش مزود بعقل اليكتروني والذي نعرف عنه كل شيء من الناحية الجسدية. سوف تكون لدينا معرفة كاملة بمجموعة الدورات الكهربائية، ولذا يمكننا التنبؤ بكل شيء سيفعله هذا الخفاش عندما ينطلق إلى البيئة الخارجية”.

“قارن ذلك بخفاش حقيقي. افترض أننا نعرف كل شيء عن الأعضاء الداخلية للخفاش – نظام دورته الدموية، جهازه العصبي، مخه، قلبه، رئتيه. وافترض أيضاً أننا نستطيع أن نتنبأ بكل شيء سيفعله هذا الخفاش إذا انطلق للبيئة الخارجية. فسيظل هناك شيء واحد ليست لدينا أيه فكرة عنه: كيف يعيش الخفاش. كيف يسمع ويشعر ويميز الأصوات والألوان. وكل هذه الأمور هي “داخل” الخفاش ذاته، ووجهة نظره. وهذا هو الفرق بين الخفاش الواعي الذي يتمتع بالشعور وبين الخفاش المزود بعقل اليكتروني”.

“إن أجهزة الكمبيوتر يمكنها أن تقلد الذكاء ولكن لا يمكن أن يكون لديها أي نوع من الوعي. ولا يمكننا أن نخلط بين السلوك مع ما يشبه أن تكون حياً، ويقظاً وذات مشاعر وعواطف. ربما في المستقل يتمكنوا من اختراع كمبيوتر متطور للغاية ويبرمج ليقول إنه واع أو حتى يمكنه التصرف بوعي، ولكن لا يمكنه أن يكون كذلك لأن الوعي هو كينونة غير مادية وبعيدة عن المخ”.

كان اختيار مورلاند للخفاش كمثل ليوضح به ما يريد أن يقوله نوع من الغموض والتشويش والانحراف في الكلام بالنسبة للفيلسوف توماس نايجل في جامعة نيويورك وكتب مقالة في عام 1974 بعنوان: “ماذا سيحدث لو أصبحت خفاشاً؟”[3]. إن التفكير في الحياة من منظور خفاش حفزتني لكي أتساءل عن أمر آخر في موضوع ملموس: “ماذا عن الحيوانات هل لديها أرواح ووعي؟” كان هذا سؤالي له.

فأجاب بسرعة: “بكل تأكيد. وفي أماكن عديدة من الكتاب المقدس استخدم الله كلمة “نفس” أو “روح” عندما كان الكلام عن حيوانات[4]. فالحيوانات ليس مجرد آلات. إن لديها وعياً ووجهات نظر. ولكن روح الحيوان هي أبسط من روح الإنسان. فمثلاً، روح الإنسان قادرة على التصرف الأخلاقي الحر، ولكنني أعتقد ان روح الحيوان مصممة. وقال أوغسطينوس إن للحيوانات أفكاراً ولكنها لا تفكر في تفكيرها. وبينما للإنسان معتقدات فليست هكذا الحيوانات”.

“وها أنت ترى أن روح الإنسان أكثر تعقيداً لأنها صنعت على صورة الله. ولهذا فلدينا تفكيرنا الذاتي. وبينما تحيا الروح بعد موت الجسد، فلا أعتقد أن روح الحيوان تعيش بعد موته. قد أكون مخطئاً، ولكنني أعتقد أن روح الحيوان لا تعيش بعد موته”. أخبار سيئة بالنسبة للخفاش.

الـوعـي والتـطـور

لقد حاك مورلاند قضية مقنعة للوعي والروح لكونهما مستقلان عن المخ والجسد. فسألته: “كيف يمثل هذا مشكلة لأتباع داروين؟”

نظر مورلاند إلى بعض المذكرات التي أحضرها معه “وكما قال الفيلسوف جيفري ميديل” إن ظهور الوعي هو سر غامض وقد فشلت المادية أن تجد إجابة لذلك: ووافع الملحد كولن مكجنن على هذا القول. ثم سأل: “كيف يمكن لمجرد مادة أن تنتج وعياً؟ كيف حول التطور ماء الأنسجة الحيوية إلى نبيذ الوعي؟ إن الوعي يبدو وكأنه شيء جديد تماماً في الكون وليس كأثر ظهر بعد الانفجار الهائل الأولي. كيف وجد الوسيلة لكي يظهر مما سبقه؟”

نظر مورلاند مباشرة لي وقال: “هنا بيت القصيد: لا يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء. فلو لم يوجد إله، عندئذ سيكون تاريخ الكون كله، حتى ظهور المخلوقات الحية، تاريخ مادة ميتة لا وعي لها. ولن تكون لدينا أية أفكار، معتقدات، مشاعر، احساسات، تصرفات حرة، اختيارات أو أهداف. وببساطة سوف يكون هناك حدث طبيعي يتلوه حدث آخر. ويحدث طبقاً لقوانين الفيزياء والكيمياء”.

وتوقف مورلاند لحظة لتأكد أن الصورة اتضحت في ذهني. ثم سأل: “كيف تحصل إذاً على أشياء تختلف تماماً – وعي، حياة، تفكير، شعور، مخلوقات تؤمن – من مواد ليست بها مثل هذه الأمور؟ كما لو أنك تريد أن تحصل على شيء من لا شيء! وهذه هي المشكلة الرئيسية.

“إذا طبقت عملية في علم الطبيعة على مادة طبيعة، فسوف تحصل على مواد طبيعية مختلفة. فمثلاً، إذا سلطت الحرارة على وعاء به ماء فسوف تحصل على منتج جيد هو البخار وهو أكثر تعقيداً من الماء، ولكنه ما زال مادة طبيعية. وإذا كان تاريخ الكون مجرد قصة لعمليات طبيعية طبقت على مواد طبيعة، فسوف ينتهي بك الأمر إلى ترتيبات معقدة متزايدة من مواد طبيعية، ولكنك لن تحصل على شيء غير طبيعي”.

“وفي نهاية اليوم – كما قال فيليب جونس – إما أن يكون لك ” في البداية كان الجزيئات” أو “في البداية كانت الكلمة” والتي تعني “العقل الإلهي”. وإذا بدأت بالجزيئات، وتاريخ الكون هو مجرد قصة عن إعادة ترتيب الجزيئات، فقد تنتهي إلى ترتيب أكثر تعقيداً من الجزيئات، ولكن ستظل تحصل على جزيئات ولن تحصل على عقول أو وعي”.

“ومع ذلك – وهذا أمر هام – إذا بدأت بعقل غير محدود، عندئذ يمكنك أن توضح كيف ظهرت ووجدت العقول المحدودة. وهذا كلام معقول وله معنى. أما ما ليس له معنى – وهو ما يسلم به كثير من الملحدين الذين يؤمنون بنظرية التطور – فهو فكرة الحصول على عقل وقد ظهر للوجود بأنه بدأ بمادة او شيء ميت لا عقل له. ولهذا يحاول البعض فهم أن يتخلصوا من موضوع الوعي بقولهم إنه ليس حقيقياً وأننا مجرد أجهزة كمبيوتر”.

وابتسم مورلاند بعد هذه العبارة الأخيرة وقال: “ومع ذلك، فإنه لأمر صعب أن تحتفظ به وأنت في وعيك!”

انبثـاق العـقـل

قلت معترضاً: “بعض العلماء ما زالوا يصرون على أن الوعي هو مجرد شيء يحدث كنتاج عرضي طبيعي لتعقيدات المخ. وهم يعتقدون أنه إذا استطاع التطور أن يعطينا طاقة كافية في المخ فسوف يظهر الوعي كعملية حيوية”.

قال مورلاند: “دعني أذكر أربعة مشاكل في هذا الأمر. أولاً، لم يعودوا يعاملون المادة كما يتعامل معها الملحدون وأصحاب المذهب الطبيعي، كمادة صماء والتي يمكن وصفها بقوانين الكيمياء والطبيعة. والآن هم ينسبون إليها (لهذه المادة) قوة كامنة عصبية روحية عقلية”.

سألته: “ماذا تقصد بالقوة الكامنة؟”

قال: “إنهم يقولون إنه قبل هذا المستوى من التعقيد، اشتملت المادة على القوة الكامنة للعقل ليك يبزغ ويظهر، وفي اللحظة المناسبة، لتخمن ماذا حدث؟ هذه القوى الكامنة نشطت وظهر الوعي للوجود”.

سألته: “وما هو الخطأ في هذه النظرية؟”

قال: “إنها لم تعد بحسب المبدأ الطبيعي. إنها panpsychism”.

لقد كان هذا المصطلح جديداً عليّ فقلت له: “ماذا تعني؟”

قال: “إنه وجهة النظر التي تقول بأن المادة ليس فقط مادة طبيعية خاملة، ولكنها تشمل أيضاً على حالات عقلية بدائية بداخلها. وفجأة، تخلوا عن رأي علمي صارم عن المادة وتبنوا رأياً قريباً من الإيمان بإله واحد منه إلى الإلحاد. والآن هم يقولون بأن العالم بدأ ليس فقط بالمادة ولكن بمادة تحمل صفات عقلية وجسدية في نفس الوقت. ومع ذلك فهم لا يستطيعوا تفسير من أين جاءت هذه الخواص العقلية في المقام الأول. وهذا يصعب الموقف عليهم لكي يجادلوا ضد وجود الله”.

سألته: “ماذا تقصد بكلمة بزوغ او ظهور الله؟”

قال: “إذا كان ممكناً لعقل غير محدود أن يبزغ عندما تصل المادة إلى مستوى معين من التعقيد، لماذا لا يستطيع عقل أعظم بكثير – الله – أن يبزغ عندما تصل ملايين من حالات المخ إلى مستوى عظيم من الوعي؟ إنهم يريدون إيقاف العملية حيث يريدونها أن تقف ولكنك منطقياً لا تستطيع أن ترسم هذا الخط. كيف يمكنهم أن يعرفوا أن إلهاً عظيماً قد نشأ من المادة، لأنه، بعد كل هذا، ألم يتمتع كثيرون من الناس باختبارات دينية مع الله؟”

قلت له: “إن هذا ليس هو الله الذي في المسيحية؟”

قال: “نعم أوافق على هذا. ولكنها ما زالت مشكلة بالنسبة للملحدين. كما توجد مشكلة أخرى: إنهم ما زالوا متمسكين بمبدأ الحتمية والجبرية، لأنه إذا كان الوعي هو مجرد وظيفة للمخ، عندئذ أنا أكون كما يريد مخي، ومخي يعمل طبقاً لقوانين الكيمياء والطبيعية. وبالنسبة لهم، فإن علاقة العقل بالمخ مثل علاقة الدخان بالنار. النار هي التي تسبب الدخان، ولكن الدخان لا يتسبب في عمل أي شيء. إنه مجرد منتج جانبي او حصيلة ثانوية. ولهذا، فإنهم متمسكون بمبدأ الحتمية.

“ثالثاً، إذا نشأ العقل من المادة بدون توجيه من ذكاء علوي، لماذا يجب علينا أن نثق في أي شيء من العقل على أنه صادق وحقيقي، خاصة في مجال التفكير النظري؟”

“دعني أعطيك تشبيهاً مماثلاً. افترض أن لديك كمبيوتر مبرمج بقوى عشوائية أو بقوانين غير منطقية وبدون عقل يوجهها. هل تثق بأية نتيجة يعطيها لك هذا الكمبيوتر؟ كلا، بالتأكيد. نفس الشيء بالنسبة للعقل – وهذه مشكلة بالنسبة للدارونيين. وبالمناسبة، لا يمكنك استخدام نظرية التطور كتفسير للسؤال لماذا يجب أن نثق في العقل؟ لأن التفكير النظري لا يساهم في قيمة البقاء”.

ذكرتني تعليقات مورلاند باقتباس مشهور مما كتبه التطوري البريطاني جي. بي. إس. هالدان: “إذا كانت عملياتي الذهنية تُقررها حركة الذرات في عقلي، إذاً فليس لدي سبب يجعلني أفترض أن معتقداتي حقيقية… ولهذا فليس لدي سبب لأفترض بأن مخي يتكون من ذرات”[5].

وواصل مورلاند حديثه: “المشكلة الرابعة هي: إذا كان عقلي هو مجرد وظيفة للمخ فلن تكون هناك نفس موحدة. تذكر أن وظيفة المخ منتشرة عبر المخ كله، ولهذا فإذا قطعت المخ إلى نصفين عندئذ سوف تُفقد بعض الوظائف. فأنت الآن لديك 47٪ من الشخص. لا يمكن لأحد أن يصدق هذا. فكلنا يعلم أنها نفس متحدة لأن وعيها وروحها كينونتان منفصلتان عن مخها”.

“وهناك سمة أخرى في هذا الأمر يسمى “مشكلة التماسك والرباط”. عندما تنظر إلى هذه الغرفة سترى أشياء كثيرة في نفس الوقت: طاولة، حائط، صورة داخل برواز. ولكل شيء على حدة موجات ضوئية تنطلق منه إلى العين محدثة إشعاعاً لنشاط كهربي في مناطق مختلفة من المخ. وهذا يعني أنه لا يوجد جزء واحد من المخ ينشط بكل هذه الخبرات. ولذلك، فإذا كنت أنا كما يريدني مخي الجسدي، فسوف أكون مجموعة من الأجزاء المختلفة لكي منها يقظته وانتباهه بعيداً عن الأجزاء الأخرى في مجال الرؤية”.

“ولكن ليس هذا ما يحدث، إنني “وحدة واحدة” لها كل هذه الرؤية معاً وليست مجزئة. وهناك شيء يربط كل هذه الأجزاء معاً ويوحدهم معاً لي أنا (نفس واحدة)، وبالرغم من عدم وجود منطقة في المخ بها كل هذه المواقع النشطة. وذلك لأن وعي ونفسي هما كينونتان منفصلتان عن المخ”.

سألته: “ماذا عن الدراسات الحديثة للمخ التي أظهرت نشاطاً في مناطق معنية للمخ أثناء التأمل والصلاة؟ ألا يوضح هذا أنه توجد أسس جسدية لهذه الاختبارات الروحية في مقابل أسس غير مادية في الروح؟”

قال: “كلا. فكل ما بينته هذه الدراسات هو وجود ارتباط مع الاختبارات الروحية”.

قلت له: “أرجو أن توضح لي هذا؟”

قال: “حسناً، ليس هناك شك في أنني عندما أصلي، أو أشم زهرة، أو أفكر في شيء ما، فإن مخي ما زال موجوداً. إنه لا يُلغى من الوجود عندما تكون لدي حياة واعية، بما في ذلك الصلاة. وسأكون سعيداً للغاية إذا تمكن العلماء من قياس ما يحدث بداخل مخي وأنا أصلي، وأنا أشعر بالغفران، أو حتى أفكر في وجبة الغذاء. ولكن تذكر: إن وجود علاقة بين شيئين، هذا لا يعني أنهما نفس الشيء فوجود علاقة بين النار والدخان، لا يعني بأن الدخان هو نفس الشيء مثل النار”.

“وفي بعض الأحيان يمكن لحالات مخك أن تتسبب في حالات وعيك. فمثلاً، إذا فقدت وظائف المخ بسبب مرض الزهايمر، أو بسبب ضربة على الرأس، فأنت تفقد العقل الواعي. ولكن هناك دليل بأن هذا الأمر قد يسلك طريقاً آخر. فتوجد معلومات تبين أن حياتك الواعية قد تعيد تشكيل مخك”.

“فمثلاً، قام العلماء بعمل دراسات على مخ أناس ينزعجون كثيراً، ووجودا أن الحالة الذهنية للانزعاج غير كيمياء المخ. كما قام العلماء بعمل دراسات على مخ أطفال صغار لم يتمتعوا بالحب والرعاية وقد اختلفت هذه النماذج عن أطفال تمتعوا بالحب والدفء والرعاية. وهذا يبين أنه ليس المخ وحده هو الذي يتسبب في حدوث الأشياء في حياتنا الواعية، فحالات الوعي أيضاً يمكنها أن تحدث أشياء في المخ”.

“ونتيجة لذلك، لا أريد أن أقول إنه توجد أسس جسدية للاختبارات الروحية، مع أنها قد تكون مرتبطة بذلك. وأحياناً قد تتسبب وتؤثر ما بين المخ والعقل أو العكس. كيف يعرف العلماء أنه ليس حياة الصلاة هي التي تسبب حدوث شيء ما في مخي وليس العكس؟”[6]

عـودة شـفرة أوكهـام

أثناء حديثنا عن العقل البشري، عدت بتفكيري إلى لقائي مع وليم لي كريج، والذي تحدث فيه عن مبدأ علمي يسمى شفرة أوكهام. وعندما كنت أستمع إلى مورلاند هو يدافع عن مفهوم الثنائية، تبادر إلى ذهني أن شفرة أوكهام سوف تجادل في الاتجاه المعاكس – نحو الرأي الذي يقول بوجود المخ فقط – لأنه يقول إن العلم يفضل التفسيرات البسيطة ما أمكن ذلك. إنه نوع من التحدي أضعه أمام مورلاند.

قلت له: “أنت ملم بالمبدأ العلمي الذي يسمى شفرة أوكهام”.

فما أن خرج السؤال من فمي، عرف مورلاند ما أرمي إليه فقال: “نعم، إنه يقول بأننا لا يجب أن نُكثر الكيانات أكثر مما نحتاجه ونحن نفسر شيء ما. وأعتقد أن اعتراضك بأن شفرة أوكهام تفضل بديلاً بسيطاً، مثل القول بأن المخ وهو سبب في كل شيء أكثر من القول بتفسير أكثر تعقيداً مثل الكينونتان في مبدأ الثنائية”.

قلت له: “هذا صحيح. وهذا يقطع الطريق على مبدأ الثنائية”.

وكانت إجابته جاهزة: “كلا، إنه لا يفعل ذلك. إن شفرة أوكهام ثنائية، وسأقول لك السبب. ما هو هدف وفحوى شفرة أوكهام؟ إن جوهر هذه المبدأ يقول إنك عندما تحاول أن توضح ظاهرة طبيعية، يجب أن يشمل تفسيرك لها على العناصر الضرورية لشرحها. وعندما شرحت ذلك من خلال الأدلة العلمية والمنطق الفلسفي، والثنائية ضرورية لتفسير ظاهرة الوعي. إن مبدأ الثنائية فقط هو الذي يمكنه أن يفسر كل الأدلة، ولذلك فهو لا ينتهك شفرة أوكهام”.

قلت له: “ولكن ربما لا نمتلك كل الأدلة حتى الآن. وربما تكون النتائج التي توصلت إليها لم تتأكد بعد. وأصحاب المبدأ الجسدي لديهم الثقة في مجيء اليوم الذي يستطيعون فيه أن يفسروا موضوع الوعي بكلمات مادية جسدية فقط”.

وكان رد مورلاند واثقاً: “لن يكون هناك تفسير علمي للوعي والعقل”.

فسألته: “لم لا؟”

قال: “فكر في أسلوب العلماء في تفسير الأشياء: إنهم يوضحون أن شيئاً ما يجب أن يحدث بسبب شروط سابقة. فمثلاً، عندما يوضح العلماء الذي يحدث للغازات يقولون إنه إذا زادت درجة الحرارة يزداد الضغط على الغاز. أي أنك عندما ترفع حرارة جهاز الطبخ يرتفع الضغط”.

“وعندما يوضح العلماء هذا الأمر، فهم لا يربطون بين درجة الحرارة والضغط فقط. إنهم لا يقولون فقط إن درجة الحرارة والضغط يسيران معاً. ولكنهم يحاولون أن يوضحوا لنا لماذا يزداد الضغط، لماذا لا يمكنه أن يفعل أي شيء آخر أمام زيادة الحرارة. وهم يريدون أن يوضحوا لماذا يجب أ، يحدث شيء ما بسبب شيء آخر محدد، إنهم غير مقتنعين لربط أشياء معاً ويتركونها على هذا الوضع”.

“وهذا لا يصلح في تفسير موضوع الوعي لأن العلاقة بين العقل والمخ علاقة عارضة أو تتوقف على شيء آخر. وبمعنى آخر، فالعقل ليس شيئاً يجب أن يحدث. وقد سأل مرة أحد الملحدين: “كيف يمكن لسلسلة من الأحداث الجسدية، وبعض الجزيئات التي تصطدم ببعضها البعض، وتيارات كهربائية تندفع هنا وهناك، ينتج عنها خبرة واعية؟ لماذا لا نستطيع أن نوقف الألم والحكة الجلدية؟ لماذا تبزغ أية خبرة عندما تشعل الخلايا العصبية بالمخ؟ إنه يشير إلى أنه ليست هناك صلة ضرورية بين حالات الوعي والمخ”.

“ولهذا سوف يستطيع العلماء في المستقبل أن يطوروا علاقات أكثر بين حالات الوعي بالمخ، وهذا أمر مدهش. والنقطة التي أريد أن أوضحها هي: إن الربط ليس هو التفسير لهذا الموقف. فلكي تفسر قضية ما بطريقة علمية عليك أن توضح لماذا تحدث تلك الظاهرة وتوضح الأسباب. ولم يتمكن العلماء من تفسير السؤال “لماذا” الخاص بقضية الوعي، لأنه لا توجد صلة ضرورية بين المخ والوعي. ولا يحدث الأمر بهذه الطريقة”.

اسـتدلالات عن الله

ليس غريباً أن ألفين بلانتينجا من جامعة نوتردام، الذي يؤمن بمبدأ الثنائية والذي يطلقون عليه أعظم فيلسوف أمريكي معاصر قيم مناظرة الجسم والعقل وقال عنها: “إن الأمور ليس جيدة ولا تسير سيراً حسناً بالنسبة لأنصار الطبيعة الدارونيين”[7].

عندما واجهوا المعلومات والمنطق الذي يؤيد مبدأ الثنائية، ولم يتمكنوا من تقديم نظرية معقولة ومقبولة عن كيف أن الوعي انبثق من مادة بلا عقل، حاول الملحدون أن يعلقوا آمالهم على بعض الاكتشافات العلمية الضعيفة لكي يبرروا إيمانهم بالمبدأ المادي الجسداني. وحتى بعضهم غير متأكد من هذا، وقال الفيزيائي الملحد ستيفن وينبيرج أنه على العلماء أن “يتجاوزوا مشكلة الوعي الإنساني” بشكل عام، لأن “هذا وحده قد يكون صعباً للغاية بالنسبة لنا”[8]. وبكلمات أخرى، إنهم يخفقون في إعطائهم الإجابات التي يريدونها.

أما بالنسبة لمورلاند، فهو يوافق على تقييم بلانتينجا غير المريح للملحدين “إن التطور الداروني لن يكون قادراً على توضيح أصل الوعي. وقد يتمكن الداروينيون من تفسير كيف تشكل الوعي بطريقة معينة عبر الزمن، لأن السلوك الناتج عن الوعي له قيم حية. ولكن لا يمكنه أن يوضح أصل الوعي لأنه ليس بإمكانه أن يفسر كيف يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء.

“قال داروين في مذكراته، إذا كان هناك أي شيء لم تتمكن نظريته من تفسيره، عندئذ لا بد أن يكون هناك تفسير آخر – تفسير خلاق. حسناً، إنه لم يتمكن من تفسير أصل العقل. وحاول أن يضع العقل في مرتبة أقل من المخ لأنه استطاع ان يحكي قصة عن كيف نشأ العقل. ولكن كما ناقشنا معاً، إنه لا يمكن وضع الوعي في مرتبة أقل من المخ الجسدية. وهذا يعني أن قصة الخلق لدى الملحدين هي غير كافية وزائفة. ومع ذلك، فهناك تفسير بديل يعطي معنى لكل الأدلة: إن وعينا جاء من وعي أعظم”.

“إن النظرة العالمية للمسيحية تبدأ بالفكر والشعور والإيمان والرغبة والاختيار. أي أن الله هو الواعي الأعظم. الله لديه أفكار ولديه معتقدات ورغبات ويقظة وهو حي ويعمل طبقاً لهدف. لقد بدأنا هناك. ولأننا بدأنا بعقل الله، ليست لدينا مشكلة في تفسير أصل عقولنا”.

سألته: “ماذا يمكننا أن نستنتج عن الله من كل هذا؟”

قال: “إنه عاقل وحكيم وذكي ومبدع وواع ومحسن. وهو غير مرئي لأن هذه هي الطريقة التي عليها الكائنات الواعية. وليس لدي أدنى شك في أن هذه الغرفة مملوءة من حضور الله. وكما شرحت سابقاً، إنني لا أستطيع حتى أن أرى زوجتي! ولا أستطيع أن ألمس أو أرى أو أشم أو أسمع ماهيتها الحقيقية”.

“شيء آخر. إن وجود روحي يعطيني طريقة جديدة لكي أفهم كيف أن الله يمكن أن يكون موجوداً في كل مكان. ذلك لأن روحي تشغل جسدي بدون أن توجد في جزء محدد ومعين فيه. فلا يوجد مكان في جسدي حيث يمكنك أن تقول: “أنا هنا”. إن روحي ليست في النصف الأيسر من مخي وليست في أنفي وليست في رئتي. إنها موجودة في كل مكان في جسدي. ولهذا فإذا فقدت جزءاً من جسمي فأنا لا أفقد جزءً من روحي”.

“وعلى نحو مشابه، الله موجود بالكامل في كل مكان. فهو ليس موجوداً خارج كوكب المريخ. إن الله يشغل الفراغ بنفس الطريقة التي بها تشغل الروح الجسد. وإذا حدث واقتطع الفضاء إلى نصفين فالله لن يفقد نصف وجوده. ولهذا فأنا الآن لدي نموذج جديد مبني على نفس أنا، الله موجود في كل مكان وفي جميع الأوقات. ألا يجب علينا أن نتوقع هذا؟ فإذا كنا قد خلقنا على صورة الله، ألا نتوقع أن نتمتع ببعض التشابه بيننا وبين الله؟”

سألت مورلاند: “هل تتوقع بأن العلماء أكثر سوف يتوصلون للنتيجة بأن الروح – مع أنها غير مادية – هي حقيقية؟”

قال: “نعم، إذا كانت لديهم الرغبة لأن ينفتحوا على المعلومات غير العلمية. إنني أثق في العلم، إنه مدهش ويعطينا معلومات هامة للغاية. ولكن هناك طرق أخرى لمعرفة الأشياء، لأن معظم الأدلة على حقيقة الوعي والروح هي من يقظتنا نحن ولا دخل لها بدراسة المخ. فدراسة المخ تسمح لنا أن نربط بين المخ وحالات الوعي، ولكن لا تخبرنا بشيء عن ماهية الوعي ذاته”.

قلت له: “ولكنك، ألا تطلب بذلك من العلماء أن يتجاهلوا المعرفة العلمية؟”

قال بإصرار: “كلا على الإطلاق. إنني أطلب منهم فقط أن تكون لديهم الرغبة للإصغاء لكل الأدلة ويروا إلى أين تقودهم – وهذا ما يجب أن يكون عليه البحث عن الحقيقة”.

قلت له: “وماذا يحدث لو فعلوا ذلك؟”

قال: “سوف يؤمنون بحقيقة الروح والطبيعة غير العادية للوعي. وهذا قد يقودهم إلى أمر أكثر أهمية… إلى عقل أعظم ووعي أكبر والذي كان في البداية هو الكلمة والذي خلقنا على صورته”.

أنا أفكـر إذاً أنا مـوجـود

أنهى رنين التليفون محادثتنا، بالرغم من أنني كنت على وشك إنهاء المقابلة على أية حال. فقد كان زميل لمورلاند يذكره باجتماع في الكلية. فشكرته على وقته وبصيرته، وجمعت حاجاتي، وخرجت إلى سيارتي. كنت على وشك تشغيل محرك السيارة، ولكن بدلاً من ذلك استندت إلى المقعد لبضعة دقائق متأملاً متفكراً فيما قاله مورلااند.

ولحسن الحظ قد أكد لي هذا التفكير ما رسخته فيّ حقائق مورلاند ومنطقه، القدرة على التفكير، والتأمل والتخيل والشعور العاطفي بوطأة اللقاء، وكل هذا وضح لي أن عقلي لا يمكن أن يكون نتاج ثانوي لمادة صماء بلا عقل.

وقال الفيلسوف ستيوارت سي. هاكيت: “إن الذاتية…. لا يمكن تفسيرها بكلمات مادية أو جسدية… والذاتية الروحية الأساسية للإنسان لها أساسها في الوجود الروحي الفائق لذات الله كالعقل الكامل المطلق”[9].

ويقول آخر، فأنا أكثر من مجرد مجموع لمخ جسدي وبعض الأجزاء الجسدية الأخرى. بل بالحري، أنا روح، ولدي جسد. أنا أفكر إذاً أنا موجود. أو كما قال هاكيت “مع الاعتذار المتواضع لديكارت: أنا أفكر إذاً الله موجود”[10].

ووجدت نفس أتفق تماماً مع روبرت أوجروز بثقة تامة والفيزيائي جورج ستانسيو، الذي استكشف أعماق العقل/ الجسد وتوصل إلى: “إن الفيزياء، وعلم الأعصاب وعلم النفس الإنساني كلها تصب في نفس المبدأ: هو أن العقل ليس أقل قدراً من المادة. والتوقع الباطل في أن المادة قد تتمكن في يوم ما أن تفسر العقل… إنه يشبه الكيميائي الذي يحلم بإنتاج الذهب من الرصاص”[11].

استندت على الكرسي وأدرت السيارة. وبعد شهور من التحقق عن الأدلة العلمية عن الله – وقد سافرت حوالي 26,884 ميل وهي تساوي جولة حول الكرة الأرضية عند خط الاستواء – توصلت أخيراً إلى قدر كبير وهام من المعلومات، وإلى نتائج سوف تكون لها تغيرات كبيرة في الحياة.

[1]Mark Water, compiler, The New encyclopedia of Christion Quotations (Grand Rapids, Mich.: Baker, 2000), 972. Teresa’s reference to mansions is an allusion to John 14: 2.

[2] Quoted in Robert W.Augros and George N. Stanciu, The New Story of Science, 170.

[3] See: Thomas Nagel, “What Is It Lide to Be a Bat?” Philosophical Review 83 (October, 1974).

[4] For example, see Genesis 1: 30; Leviticus 24: 18; Ecclesiastes 3: 19; and Revelation 8:9.

[5] J. B. S. Haldane, “When I an Dead,” in Possible Worlds and Other Essays (London : Chatto and Winduw,1927), 209, quoted in C. S. Lewis, Miracles (London: Fontana, 1947), 19.

[6] For a further critique of ” neurotheology,” the idea that the brain is wired for religious experences, see: Kenneth L. Woodward, “Faith Is More Than a Feeling,” Newsweek (May 7, 2001).

[7] Quoted in Larry Witham, By Design, 211.  

[8] Ibid., 192.

[9] Stuart C. Hackett, The Reconstruction of the Christian Revelation Claim (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1984),111.

[10] Ibid.

[11] Robert W. Augros and George N. Stanciu, The New Story of Science, 168, 171.

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل 

Exit mobile version