قوانين الوراثة أمام نظرية التطور وهل الصفات المكتسبة تورث؟

قوانين الوراثة أمام نظرية التطور وهل الصفات المكتسبة تورث؟

قوانين الوراثة أمام نظرية التطور وهل الصفات المكتسبة تورث؟

 248- كيف تقف قوانين الوراثة حائلًا مانعًا أمام نظرية التطوُّر؟ وهل الصفات المكتسبة تُورَّث؟

أولًا: سيادة قوانين الوراثة

ج: عندما اكتشف ” جريجور مندل ” قوانين الوراثة وجه ضربة قاتلة لنظرية التطوُّر التي بُنيت على الانتقاء الطبيعي وتوارث الصفات، فطبقًا لقوانين الوراثة أن كل كائن ينسل كجنسه، وهذا يتوافق تمامًا مع قول الوحي في سفر التكوين ” وقال الله لتُنبت الأرض عشبًا وبقلًا يُبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمر يعمل ثمرًا كجنسه.. فأخرجت الأرض عشبًا وبقلًا يُبزر بزرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بزره فيه كجنسه” (تك 1: 11، 12).. ” فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحيَّة الدبَّابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه” (تك 1: 21).. ” وقال الله لتُخرج الأرض ذوات أنفس حيّة كجنسها. بهائم ودبَّابات ووحوش أرض كأجنسها وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبَّابات الأرض كأجناسها” (تك 1: 24، 25) فجميع الكائنات الحيَّة من نبات وحيوان وإنسان، من صغيرها لكبيرها، ومن أدناها لأرقاها، ومن أبسطها مثل الأميبا والبكتريا إلى أعقدها مثل الحيوان والإنسان، وبغض النظر عن البيئة التي تعيش فيها تخضع لقوانين الوراثة، فكل نوع يثمر ويتكاثر كجنسه بدون اختلاط ولا تشويش بين الكائنات، وكل كائن يورث سلفه صفاته لا غير.

وقال ” ج. م. برايس”.. ” إن نظرية التطوُّر العضوي كانت مقبولة في أزمنة الجهل البشري بحقائق علم الوراثة، وعلم طبقات الأرض.. ولكن هذه النظرية (نظرية التطوُّر) الآن غير ذات موضوع”(1) ولو كانت قوانين الوراثة قد عُرفت أيام داروين ما كان يفكر قط بالطريقة التي فكر بها وأوصلته إلى هذه النظرية.. لقد اعتقد داروين أنه يمكن استنباط أجناسًا من أجناس أخرى، فيمكن تحويل البقر إلى أجناس جديدة، وتحويل الدببة إلى مخلوقات هائلة كالحيتان، ولكن في ظل قوانين الوراثة أصبح كلام داروين نوعًا من الخيال، لأنه بين الأجناس المختلفة حواجز مُحكَمة لا يمكن اختراقها بل أن داروين نفسه قد تشكَّك في إمكانية تغيُّر الأنواع واستنباط أنواعًا جديدة، فيقول دكتور ” موريس بوكاي”.. ” وفي كتاب ” م. فيرنيه ” M. Vernet ” تصوُّر العالم الحي ” نجده ينقل خطابًا من داروين كان قد أرسله إلى ” توماس ثورتون ” Thomus Tharton في سنة 1861م ويقرر داروين أنه يدرك فشله في تفسير التطوُّر فيقول {إلاَّ أنني أؤمن بالانتقاء الطبيعي، ليس لأنني أستطيع في أي حالة وحيدة أن أُثبت أنه غيَّر نوعًا من الأنواع إلى نوع آخر، وإنمًا لأنه يُصنّف ويُفسّر جيدًا – كما يبدو لي – عددًا هائلًا من الحقائق في التصنيف، وعلم الأجنة وعلم التشكل (المورفولوجيا) والأعضاء الأولية Rudimentary Drgans، والتتابع الجيولوجي والتوزيع}(2).

وطبقًا لقوانين الوراثة لا يمكن توارث الصفات المكتسبة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالحداد ذو العضلات المفتولة لا يُوّرث ابنه هذه الصفة، ولا السيدات الصينيات اللاتي يضعن أرجلهن في أحذية حديدية لتُضغط وتكون أصغر حجمًا يورثن بناتهن هذه الصفة، ولا الآباء المختونين يورثن أطفالهم الختان، فالكائن لا يرث إلاَّ الصفات الوراثية التي تحملها الجينات، أما أي صفات مكتسبة فهي بعيدة تمامًا عن الجينات، ويقول ” هنري م. موريس”.. ” إن العدد غير المُحصى من التجارب التي قام بها مندل لإثبات قوانينه الوراثية قد ألقى الكثير من الضوء على مكونات الخلية، فأصبح من المعروف أن جميع الخلايا ليست متشابهة، ولكنها تختلف بشكل أساسي باختلاف الفصائل المختلفة، وحتى في نفس المخلوق هناك تمايز واختلاف في خلايا الأجزاء المختلفة في جسمه..

أهم جزء في الخلية هو الكروموزومات Chromosomes والتي من دراسة نشاط الخلية التكاثري تعتبر الحامل للصفات الوراثية، وكل كروموزوم عبارة عن تركيب كالخيط، وهناك عدد محدد منها في كل خلية من خلايا مخلوق ما بصرف النظر عن نوعية الخلية وموقعها في جسم هذا المخلوق، ويعتمد عدد الكروموزومات في الخلية على النوع الذي تنتمي إليه هذه الخلية، فخلايا الإنسان تحتوي مثلًا على 46 كروموزوم، إلاَّ أن الخلايا التناسلية لكل نوع تحتوي فقط على نصف العدد (23 كروموزوم).. وقد وُجِد عمليًا أن أي تغيّير يحدث في خلايا الجسم بتأثير الاستعمال وسوء الاستعمال أو بتأثير العوامل المحيطة لن يكون له أي تأثير على الخلايا التناسلية، ومن ثم لن يؤثر وراثيًا. لذلك فالصفات المكتسبة ليست وراثية، بالإضافة إلى ذلك، فكل النظريات الوراثية الحديثة تعتبر ضربة مميتة لنظريتي داروين ولامارك. لأن الفرص الضئيلة لتكوين فصائل جديدة والتي يسببها الانتقاء الطبيعي ما هي إلاَّ عمليات التحام جديدة لعوامل وراثية كانت موجودة أصلًا في الأباء. وإن الطفرة التي تظهر فجأة لم تكن سوى صفات مندلية معطلة، والتي ظهرت فجأة عندما التقى الأبوان الصحيحان”(3).

والأمر المضحك أن بعض التطوُّريّين قال أن عدد الكروموزومات في الإنسان 46، وهي تقارب عددها في الشمبانزي 48، مما يثبت أن كلاهما له جد واحد مشترك، فرد عليهم بعض العلماء قائلين بأن عدد الكروموزومات في البطاطا 46، مثل عددها في الإنسان بالضبط، فهل معنى هذا أن الإنسان والبطاطا لهما جد مشترك واحد..؟!! إن التشابه في شفرات الـDNA لا يمكن أن يعتبر دليلًا على وجود علاقة ارتقائية من نوع إلى نوع آخر، ويقول ” مايكل دانتون”.. ” إن كل نوع من الأحياء يُعد – على المستوى الجزيئي – فريدًا ووحيدًا وغير مرتبط بوسطاء، ومن ثمَ فقد عجزت الجزيئات شأنها شأن الحفريات – عن تقديم الوسطاء الذي يبحث عنهم علماء الأحياء من دعاة التطوُّر منذ زمن طويل.. لو كان هذا الدليل الجزيئي متاحًا قبل قرن من اليوم فربما لم تكون فكرة التطوُّر العضوي لتجد أي قبول على الإطلاق”(4)(5).

كما أوضح ” ثيودور هاندرتش ” أن البيئة عاجزة عن خلق جينات جديدة فيقول ” من المهم أن نلاحظ أن البيئة، إذا تغيرت، لا تخلق جينات Genes جديدة، وهذه الجينات هي التي تحدد مختلف صفات الأعضاء في الفرد.. ولقد ظهر أن أشعة X (إكس) قادرة على بتر وفصل الجينات الأضعف عن الجينات الأقوى، لكنها لا تخلق جينات جديدة بالمرة. إن العوامل الموجودة في الخلية الحيَّة الأولى، والتي تحدد صفات أعضاء الفرد هي موجودة في الخلية منذ أوجدها الله فيها حين خلقها.. ففي كل جنس من أجناس المخلوقات وضع الله الخالق مجموعة كبيرة من الجينات، وتباين الارتباطات التي تتم بين هذه الجينات هو الذي يبرز هذه التشكيلة العظيمة التي يمكن أن تنتج من جنس واحد. فهذه التشكيلات لم تبرز للوجود عن طريق خلق جينات جديدة بل عن طريق تنويع العلاقات بين مجاميع الجينات..

ومن ثمَّ، فقد تكون هناك أيضًا بيئة من نوع معين تساعد على تفوق مجموعة معينة من الجينات. وهنا يأتي دور بقاء الأصلح أو الأنسب للبيئة.. ولما كان عدد الجينات في أي مجتمع جيني محددًا فإن عدد التشكيلات التي يمكن إنتاجها (للنوع الواحد) مُحدَّدًا أيضًا.. وإن كان بديهيًا أن العوامل الطبيعية تستطيع أن تعيد تنظيم مجموعات من الجينات الموجودة، فمن البديهي أيضًا أن هذه العوامل الطبيعية لا يمكن أن تكون العلة أو الأصل الذي أوجد الجينات. إن البيئة لا توجد جينات.. فمثلًا قد يتعرض الفرد لأشعة الشمس المباشرة في بيئة معينة (كخط الاستواء مثلًا) فإذا بكمية من الصبغة الملونة تغطي الجليد (فتجعله قاتمًا) لتحميه من التأثير الضار الذي لهذه الأشعة.. البيئة ساعدت فقط، مجرد مساعدة على إظهار ما هو موجودًا أصلًا..”(6)(7).

_____

(1) أورده برسوم ميخائيل بطلان نظرية التطوُّر ص 47.

(2) ما أصل الإنسان ص 52.

(3) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العالم الحديث ص 64، 65.

(4) Michael Denton , Evolution: A Theary in Crisis, PP. 290 – 291.

(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 165.

(6) الخليقة حقائق ونظريات وإيمان ص 277 – 283.

(7) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 162 – 164.

قوانين الوراثة أمام نظرية التطور وهل الصفات المكتسبة تورث؟

أصل المعلومات – جون ليونكس

أصل المعلومات – جون ليونكس

أصل المعلومات – جون ليونكس
أصل المعلومات – جون ليونكس

 

 

في البدء كان البت.»

“هانز كريستيان فون باير” Hans Christian von Baeyer

 

 

 

«في البدء كان الكلمة

(يوحنا 1: 1)

 

المعلومات وحجة التصميم:

إذن وجود معلومات محددة معقدة يمثل تحدياً جباراً أمام الفكر القائل بأن العمليات الطبيعة غير الموجهة يمكن أن تفسر الحياة، ويضفي مقبولية علمية على الطرح القائل بمسؤولية مصدر ذكي عن نشأة الحياة. ومن المهم في هذا الصدد أن ندرك أن الاستدلال على وجود مصدر ذكي، بناءً على طبيعة الـ DNA، ليس مجرد حجة مبنية على مشابهة. فالكثير من حجج التصميم الكلاسيكية كانت من هذا النوع، حيث يسير التفكير المنطقي عكسياً مبتدئاً من آثار مشابهة للآثار المتضمنة في الموضوع المعنى ومنتهياً إلى مسببات تشبه مسببات هذا الموضوع. ومن ثم، غالباً ما اعتمدت صلاحية الحجج على درجة التشابه بين الموضوع المشبه والمشبه به. وقد اشتهر عن “دافيد هيوم” مناقشته لهذا الموقف في نقده لحجج التصميم، كما رأينا قبلاً. إلا أن الاستدلال على التصميم من الـ DNA أقوى بكثير من أسلافه الكلاسيكية للسبب التالي كما أوضح “ستيفن ماير”: «الـ DNA ينطوي على الحاجة لمصمم ذكي لا لأنه يشبه برنامج الكمبيوتر أو اللغة البشرية في بعض الجوانب، بل لأنه…. يتصف بسمة مميزة (ألا وهي محتوى المعلومات) تتصف بها النصوص البشرية ولغات الكمبيوتر المصممة تصميماً ذكياً.» ويؤيد هذا الرأي “هيوبرت يوكي” العالم المتخصص في نظرية المعلومات، قائلاً: «يجب أن نفهم أننا لا نبني تفكيرنا على المشابهات. ففرضية التسلسل sequence hypothesis (أن الشفرة الوراثية تعمل في الأساس مثل الكتاب) تنطبق مباشرة على البروتين والنص الوراثي، تماماً كما تنطبق على اللغة المكتوبة. ومن ثم، فالاثنان متماثلان من حيث التعامل الرياضي معهما.» ولذلك، نحن لا نبني حجتنا على المشابهات، ولكننا نفعل ما يسمى بالاستدلال القائم على أفضل التفسيرات. وكما يعلم أي مخبر سري، المسببات التي نعرف أنها قادرة على إنتاج أثر قابل للملاحظة تمثل تفسيراً أفضل لذلك الأثر من المسببات التي لا نعرف أنها قادة على إنتاج مثل هذا الأثر، فما بالك بالمسببات التي نعرف عنها أنها غير قادرة على ذلك؟

لقد كرس “دمبسكي” كتابه “الاستدلال على التصميم” لتوضيح صميم طبيعة الاستدلالات على التصميم التي نتوصل إليها بناء على خبرتنا بالنظم الغنية بالمعلومات مثل اللغات، والشفرات، وأجهزة الكمبيوتر، والماكينات، ونحوها. هذا النوع من الاستدلالات على التصميم منتشر بنسبة كبيرة في العلم. فبضع علامات صغيرة على قطعة من الحجر كافية أن تُعرف عالم الآثار بأنه يتعامل مع منتج بشري، لا مع مجرد قطعة حجر بالية. والاستدلال على وجود فعل ذكي يمثل نشاطاً معتاداً في بعض العلوم مثل علم الآثار، وعلم التشفير، وعلوم الكمبيوتر، الطب الشرعي.

البحث عن ذكاء من خارج الأرض وتداعياته:

حتى العلم الطبيعي كشف في السنوات الأخيرة عن استعداده للاستدلال على التصميم، وهو ما ظهر بوجه خاص في معهد “البحث عن ذكاء من خارج الأرض” Search for Extra-Terrestrial Intelligence (SETI). وقد أنفقت “وكالة الفضاء الأمريكية ناسا” North American Space Administration (NASA) ملايين الدولارات لوضع تلسكوبات راديو تراقب ملايين القنوات على أمل رصد رسالة من كائنات ذكية في مكان آخر في الكون.

ورغم أنه بعض العلماء قد ينظرون إلى معهد SETI بشيء من الريبة، فهو يطرح سؤالاً جوهرياً يختص بمدى علمية رصد الذكاء. فكيف يمكن التعرف علمياً على رسالة منبعثة من مصدر ذكي، وتمييزها عن الضوضاء العشوائية المنبعثة من الكون التي تشوش عليها؟ واضح أن السبيل الوحيد لذلك هو مقارنة الإشارات الواردة بأنماط محددة سلفاً تمثل مؤشرات للذكاء واضحة وموثوقة، ولتكن مثلاً سلسلة طويلة من الأعداد الأولية، ثم الاستدلال على التصميم. ومعهد SETI يعتبر أن التعرف على الفعل الذكي يقع داخل الإطار المشروع للعلم الطبيعي. فقد رأى عالم الفلك “كارل ساجان” أن رسالة واحدة من الفضاء تكفي لإقناعنا أن الكون يحوي ذكاءات أخرى بخلاف ذكائنا.

إلا أنه يجب التنويه إلى ملحوظة أخرى جوهرية. ألا وهي أننا إذا كنا مستعدين للبحث عن دلائل علمية على وجود نشاط خارج كوكبنا، فما السر وراء ترددنا الشديد في تطبيق هذا التفكير نفسه على ما هو موجود على كوكبنا؟ هذا الموقف المتضارب للغاية يأتي بنا إلى لب السؤال الذي أشرنا إليه في المقدمة: هل القول بتصميم ذكي للكون يعتبر علماً؟ إننا نؤكد أن العلماء يسعدون بإدماج الطب الجنائي ومعهد SETI في دينا العلم. فلماذا إذن تندلع ثورة عارمة عندما يزعم بعض العلماء وجود دلائل علمية على مسبب ذكي في الفيزياء (ثورة بسيطة) أو علم الأحياء (ثورة عنيفة)؟ مؤكد أنه لا فرق من حيث المبدأ. ألا ينطبق المنهج العلمي على كل شيء؟

وعندما نعبر عن القضية على هذا النحو، ألا يتضح أمامنا أن السؤال التالي الذي يجب أن نطرحه هو: ما الذي يجب أن نستنتجه إذن من كمية المعلومات المهولة المتضمنة حتى في أبسط النظم الحية؟ ألا تزودنا مثلاً بدلائل على أصل ذكي أقوى بكثير من الدلائل التي تزودنا بها الحجة التي تقوم على الضبط الدقيق للكون، وهي، كما رأينا، حجة تقنع الكثير من الفيزيائيين أن وجدنا نحن البشر على هذا الكوكب أمر مقصود؟ ألا يمكن أن يمثل ذلك البديل الحقيقي على ذكاء من خارج الأرض؟

عندما أُعلن اكتمال مشروع الجينوم البشري على الجمهور، قال مديره “فرانسيس كولينز”: «إن إدراكي أننا عاينا أول لمحة من كتاب التعليمات الذي صنعنا على أساسه يملؤني تواضعاً وإجلالاً، وهو الكتاب الذي لم يكن معروفاً إلا لله وحده.» أما “جين مايرز” Gene Myers عالم الكمبيوتر الذي كان دوره رسم خريطة الجينوم في مقر “سلرا جينومكس” Celera Genomics بولاية ماريلاند، فقد قال: «إننا كائنات معقدة ومركبة على المستوى الجزيئي تركيباً مبهجاً… ولكننا حتى الآن لا نفهم أنفسنا، وهو شيء مبهر، فما زال هناك عنصر ميتافيزيقي، سحري… وما يذهلني حقاً هو بنية برنامج الحياة…. فهو نظام في غاية التعقيد. يبدو أنه مصمم…. فهو ينطوي على قدر ضخم من الذكاء. ولا أرى أن هذا الفكر غير علمي. قد يعتقد البعض ذلك، ولكني لست منهم.»

لقد لعبت هذه التصريحات دوراً محورياً في تغيير فكر عدد من أبرز المفكرين. فالعالم المتخصص في علم الكون الرصدي observational cosmologist “آلن سانديج” الذي سبقت الإشارة إليه، قال في حديثه عن تحوله إلى المسيحية في سن الخمسين: «إن العالم شديد التعقيد في كل أجزائه وتشابكاته حتى إنه يستحيل أن يكون وليد الصدفة وحدها. إني مقتنع أن وجود الحياة بكل ما فيها من تنظيم في كل كائن من كائناتها الحية مركب معاً بمنتهى الروعة.» والفيلسوف “أنتوني فلو” منذ وقت قريب جداً أرجع تحوله إلى الإيمان بالله الخالق بعد أكثر من 50 عاماً من الإلحاج إلى أن دراسة علماء الأحياء للـ DNA «أظهرت أنه لا بد أن ذكاء ما تدخل في العملية نظراً لتعقيد الترتيبات اللازمة لإنتاج الحياة تعقيداً يفوق الخيال.»

المعلومات بوصفها كماً جوهرياً:

 إن المعلومات والذكاء جوهريات لوجود الكون والحياة، وهما أبعد ما يكونان عن منتجات نهائية لعملية طبيعية غير موجهة تبدأ بالطاقة والمادة، ولكنهما فاعلان منذ البداية. وهذه الفكرة تحظى حالياً بالقبول حتى بين الفيزيائيين. وقد طرح “بول دافيز” اقتراحاً يتماشى مع هذه الفكرة في مقالة رئيس التحري في مجلة “نيو ساينتست” New Scientist حيث كتب: «إن تزايد تطبيق مفهوم المعلومات على الطبيعة يثير استنتاجاً مبدئياً عجيباً. فنحن عادة ما نتصور أن العالم مركب من جسيمات مادية بسيطة تشبه كتب الطين، ومن معلومات باعتبارها ظاهرة مشتقة، ملحقة بحالات خاصة من المادة تتسم بالتنظيم. ولكن ربما يكون الأمر بالعكس: ربما يكون الكون فعلاً لعبة من المعلومات الأولية، والأشياء المادية هي إحدى تجلياتها الثانوية المعقدة.» ويقول “دافيز” إن أول من طرح تلك الفكرة كان الفيزيائي المعروف “جون أرتشيبولد ويلر” John Archibald Wheeler سنة 1989 حين قال: «غداً سنتعلم أن نفهم كل الفيزياء بلغة المعلومات.»

وفي مجلة “نيو ساينتست” أيضاً نقراً مقالة تحت عنوان جذاب: «في البدء كان البت» حيث يقدم “هانز كريستيان فون باير” Hans Christian von Baeyer تقريراً عما قام به الفيزيائي “أنطون زيلينجر” Anton Zeilinger من “جامعة فيينا” University of Vienna الذي يطرح فرضية تقول بأنه إن أردنا فهم ميكانيكا الكم، علينا أن نبدأ بربط المعلومات (وفقاً لمقياس البت) بما يسمى بالأنظمة الابتدائية في ميكانيكا الكم التب “تحمل بت واحداً من المعلومات، مثل حركة الإلكترون المغزلية (يوجد فقط ناتجان يحتمل الحصول عليهما من قياس الحركة المغزلية، إما “لأعلى” أو “لأسفل”). ويرى “زيلينجر” أن مبدأه الأساسي يكتسب مصداقية من أنه يقود مباشرة إلى ثلاث دعائم في نظرية الكم: التعبير الكمي quantization نفسه، وعدم اليقين uncertainty، والتشابك الكمي quantum entanglement. والمقترح القائل بأنه يجب النظر إلى المعلومات باعتبارها كماً جوهرياً يتضمن تداعيات عميقة تتعلق بفهمنا للكون. فهو يزيد ثقل الاستدلال على التصميم.

إلا أن الفكرة ليست جديدة. ولكنها موجودة منذ قرون. فقد كتب الرسول يوحنا كاتب الإنجيل الرابع «في البدء كان الكلمة…. كل شيء به كان.» ولفظ “الكلمة” في اليونانية هو “لوجوس” Logos، هو مصطلح استخدمه الفلاسفة الرواقيون للإشارة إلى القانون العقلاني الذي يكمن وراء الكون، ثم أضفى عليه المسيحيون معنى إضافياً، إذ استخدموه للإشارة إلى أحد أقانيم الثالوث. فمصطلح “الكلمة” نفسه يحمل لنا دلالات الكلمة الآمرة، والمعنى، والشفرة، والتواصل، وبالتالي المعلومات، تماماً كما يحمل لنا معنى القدرة الخلاقة اللازمة لتحقيق ما حددته تلك المعلومات. الكلمة إذن أكثر جوهرية من المادة والطاقة. لأن المادة والطاقة تنتميان إلى فئة المخلوق. وهو ما لا ينطبق على الكلمة.

ومن المدهش حقاً أنه في صميم تحليل أعمال الخلق، طبقاً للكتاب المقدس، وهو ما يتجاهله الكثيرون بنوع من الغطرسة الشديدة، نجد المفهوم نفسه الذي أثبت العلم أيضاً في الآونة الأخيرة مدى أهميته القصوى، ألا وهو مفهوم المعلومات.

وهذه الفكرة المحورية من أن الخالق هو الله الكلمة ينعكس في عبارة «وقال الله [ليكن نور…]» التي تتكرر مراراً في رواية الخلق العبرية، ويؤكدها الكتاب المقدس في كل أقواله تقريباً عن الخلق. والقول الذي يعنينا بوجه خاص في دراستنا هو «بالأيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر.» وهذا الاقتباس من النص الكتابي القديم مبهر حقاً من حيث إنه يلفت انتباهنا إلى سمة أساسية للمعلومات، ألا وهي أن المعلومات غير مرئية. إلا أن حاملات المعلومات يمكن أن تكون مرئية، مثل الحبر والورق، أو إشارات الدخان، أو شاشات التلفاز، أو الـ DNA، ولكن المعلومات نفسها ليس مرئية.

والمعلومات لا تتصف بأنها غير مرئية فحسب، ولكنها أيضاً غير مادية، أليس كذلك؟ فأنت تقرأ هذا الكتاب، والفوتونات تطفر من الصفحات وتستقبلها عيناك، وتتحول إلى إشارات كهربية وتنتقل إلى مخك. والآن هب أنك تنقل بعض المعلومات من هذا الكتاب لأحد أصدقائك نقلاً شفهياً. فموجات الصوت تحمل المعلومات من فمك إلى أذن صديقك، حيث تتحول إلى إشارات كهربية وتنتقل إلى مخه. والآن أصبح صديقك يمتلك المعلومات التي نشأت في عقلك. ولكن ما ينتقل منك إلى صديقك أي شيء مادي. حاملات المعلومات مادية، لكن المعلومات نفسها ليست مادية.

سنة 1961 كتب “رولف لاندور” Rolf Landauer بحثاً شهيراً بعنوان “المعلومات فيزيائية الطابع” Information is Physical. ويبدو العنوان للوهلة الأولى وكأنه يعنى عكس ما بيناه تواً. إلا أنه يقصد أنه بما أن المعلومات عادة ما تشفر استناداً إلى شيء فيزيائي. إذن حاملات المعلومات تخضع لقوانين الفيزياء. وبهذا المعنى، المعلومات نفسها تخضع لقوانين الفيزياء عبر حاملاتها. وبالتالي يمكن التعامل معها وكأنها فيزيائية. إلا أن هذا لا يغير حقيقة أن المعلومات نفسها ليس كياناً فيزيائياً.

فماذا عن حلم التفسيرات المادية لكل شيء؟ كيف يمكن للمسببات المادية المحضة أن تقدم تفسيراً شافياً لما هو غير مادي؟

تعقيد الله: اعتراض قاتل!

يعتقد “ريتشارد دوكينز” أن اعتبارات التعقيد تسهم فعلياً في فوزه بقضيته ضد الله: «أي إله قادر على تصميم كون…. لا بد أن يكون كياناً معقداً على نحو فائق ولا بد أن يكون غير محتمل الحدوث من حيث إنه يتطلب تفسيراً أكبر من التفسير الذي يفترض فيه أن يقدمه.» أي أنه يقول إن هذا ليس بتفسير حيث أن الله بطبيعة الحال أعقد (مما يجعله أقل احتمالاً) من الشيء المراد تفسيره. وفي تعبيره عن الفكرة يزعم قائلاً: «إن تفسير أصل آلة الـ DNA أو البروتين باستجلاب مصمم فائق للطبيعة لا يفسر أي شيء، لأنه يترك أصل المصمم بلا تفسير. فلا يكون بوسعك إلا أن تقول شيئاً من قبيل «الله موجود منذ الأزل» وإن سمحت لنفسك بالكسل والهروب من هذا المخرج السهل، يمكنك بالمثل أن تقول: «الـ DNA موجود منذ الأزل»، أو «الحياة موجودة منذ الأزل»، وهكذا تنهي المسألة.»

إن هذا التفكير يفتقر للمنطق بشدة؛ أولاً، نحن نعلم أن الـ DNA لم يكن موجوداً منذ الأزل، والحياة لم توجد منذ الأزل، وبالمناسبة، الكون أيضاً لم يوجد منذ الأزل. وهو ما يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع العلماء للسعي وراء تفسيرات لوجودها. إلا أن القضية الحقيقية هنا تكمن في أنه يبدو أن “دوكينز” يعتقد أن التفسير الوحيد الذي يستحق أن يوصف بأنه “علمي” هو تفسير ينطلق من البسيط إلى المعقد. فرغبته الواضحة وضوح الشمس هي تفسير كل شيء وفقاً لما «يفهمه الفيزيائيون من أشياء بسيطة».

فلنفكر في الفيزيائيين إذن في محاولتهم تفسير سقوط تفاحة، وهو بالطبع حدث “بسيط” بمعنى أن الشخص العادي غير المتخصص يسهل عليه فهمه. إلا أن تفسيره طبقاً لقانون نيوتن في الجاذبية هو أصلاً شديد التعقيد بالنسبة للغالبية، والتفسير النسبي طبقاً لخط الزمكان المنحني curved space-time لا يفهمه إلا المتخصصون. فإن رفضنا هذه التفسيرات بدعوى أنها أعقد من الشيء الذي تفسره، سنرفض قدراً كبيراً من العلم.

والذرات أيضاً أبسط من الكائنات الحية لأن الكائنات الحية عبارة عن بنى معقدة مكونة من ذرات. ومع ذلك، الذرات أبعد ما تكون عن البساطة، وهو ما يفسر جزئياً سر اهتمام أقوى العقول الجبارة على الأرض بفيزياء الجسيمات الأولية. فكلما تعمقت في صميم طبيعة بنية الكون، وجدته يزداد تعقيداً. أي أن ما “يفهمه الفيزيائيون من أشياء بسيطة” ليس بسيطاً مهما كان.

خذ مثلاً النسبية، أو ميكانيكا الكم، والأفضل من هذه وتلك الكهروديناميكا الكمية. كلها أبعد ما تكون عن البساطة لدرجة أنه لا يفهمها سوى أذكى العقول البشرية، ورغم ذلك ما زالت هناك الكثير من الأسرار التي لم تكشف بعد. أولها أنه ما من أحد يعلم على وجه التحديد السبب وراء عمل ميكانيكا الكم، كما اعتاد “ريتشارد فاينمن” أن يشير إلى أنه ما من أحد يعرف حتى ماهية الطاقة. والآن إن كان “ريتشارد دوكينز” يعترض على تعقيد الله باعتباره تفسيراً نهائياً، عليه أن يعترض كذلك على تعقيد بنية الكون المكونة من فيزياء الجسيمات وعليه ألا يقنع إطلاقاً بالتفسيرات النهائية التي تعتمد على مفاهيم مثل “الطاقة”، لأننا لا نفهمها فهماً كاملاً.

إن “دوكينز” باختصار مخطئ في نظرته الضيقة لفكرة التفسير. فأولاً، الأشياء التي يعتبرها بسيطة ليست بسيطة. ثانياً، لا يرجع قبول هذه النظريات الفيزيائية المعقدة بين العلماء إلى بساطتها، بل إلى قدرتها التفسيرية. والقدرة التفسيرية تتساوى في أهميتها مع البساطة، إن لم تكن تفوقها أهمية، بصفتها معياراً للتحقق من صلاحية النظرية العلمية. وأحياناً ما رفضت النظريات البسيطة لأنها لم تتمتع بقدر كاف من القدرة التفسيرية. وعلى أي حال، فإن أينشتاين هو من قال: «التفسيرات يجب أن تكون بسيطة قدر الإمكان، ولكنها يجب ألا تزداد بساطة عن ذلك.» والقدرة التفسيرية غالباً ما تعلو على البساطة، وهو ما يعجز “دوكينز” عن إدراكه على ما يبدو.

وهي قضية في منتهى الأهمية تستحق منا مزيداً من الدراسة. فافتراض وجود كائن أعقد مما تريد تفسيره، هو شيء يفعله العلماء باستمرار. لقد قرأت كتاباً من 400 صفحة بعنوان “وهم الإله”، فإن افترضت أن التفسير هو كائن يدعى “ريتشارد دوكينز” وهو أعقد بما لا يقاس من الكتاب نفسه، لا يعتبر افتراضي تفسيراً؟

والحقيقة أننا لا نحتاج حتى إلى 400 صفحة لتقنعنا بتفسيرات مقبولة أعقد من الأشياء المراد تفسيرها. تخيل مثلاً عالم آثار يشير إلى خدشين على جدار كهف لم تبدأ فيه عمليات استكشافية بعد، فيقول متعجباً: «ذكاء بشري!» وبناء على منطق “دوكينز” نجيب: «لا تكن أحمق. هذه الخدوش بسيطة جداً. وعموماً هما خدشان فقط. فافتراض وجود شيء معقد كالمخ البشري لا يعد تفسيراً لهذه العلامات البسيطة على جدار كهف.» فماذا نقول إن أجاب العالم بهدوء قائلاً إن الخدشين “البسيطين” يشكلان الكلمة الصينية (ren) التي تعني إنساناً، أي أنهما يتضمنان بعداً دلالياً، إنهما يحملان معنى؟

فهي سنستمر في إصرارنا على أن تفسير الخدوش باعتبارها نشاطاً إنسانياً «لا يفسر أي شيء»؟ بالطبع لا. بل سنعترف أن استدلال العالم على نشاط ذكي استدلال مشروع. علاوة على ذلك، مؤكد أننا سندرك أن تفسير الخدوش بشيء أعقد من الخدوش نفسها لا يقض على العلم. ولكن تلك الخدوش يمكن أن تزودنا بمفاتيح مهمة للتوصل إلى هوية من صنعوها وثقافتهم وذكائهم، حتى وإن لم تخبرنا بكل شيء عنهم.

وبالمناسبة، أليس غريباً أن عالم الآثار هذا يستدل فوراً على أصل ذكي عندما يكتشف خدشين، في حين أن بعض العلماء عندما يواجهون تسلسل الجينوم البشرين البالغ طوله 3,5 مليار حرف، يخبروننا أن تفسيره الوحيد هو الصدفة والضرورة؟ إن كلاً من الخدوش وتسلسل الـ DNA ينطوي على بعد دلالي. ولذلك ليس عبثاً أن نطلق على الأخير شفرة الـ DNA.

ونحن دائماً ما نستدل على مصادر معقدة للذكاء عندما نجد تراكيب أو أنماطاً معينة بسمات يتفرد بها النشاط الذكي حتى وإن كانت “بسيطة” في حد ذاتها. وقد يعترض أحدهم قائلاً إننا نتوصل لهذه الاستدلالات نظراً لمعرفتنا بالبشر وبميلهم الطبيعي لتصميم أشياء. ولكن هل هذا سبب قوي لإرجاع شيء يتسم ببنية تتوافق مع النشاط الذكي لمصدر غير ذكي، ولا سيما إن لم يكن لذلك دلائل تؤيده؟

تذكر ما نتوصل إليه من استنتاج مؤكد عند زيارة كوكب ناء لو وجدنا سلسلة من أكوام مكعبات التيتانيوم المنتظمة التي يتكون كل منها من عدد أولي من المكعبات والسلسلة مرتبة ترتيباً تصاعدياً 2، 3، 5، 7، 11…. الخ. سندرك فوراً أننا أمام عمل أنتجه فاعل ذكي، حتى وإن لم تكن لدينا أي فكرة عن نوعية هذا الفاعل الذكي. ورغم أن أكوام المكعبات في حد ذاتها “أبسط” كثيراً من الذكاء الذي أنتجها، فهذه الحقيقة لا تمنعنا من استنتاج أصل ذكي باعتباره استدلالاً منطقياً يقوم على أفضل التفسيرات. فنحن بالفطرة نميل أن نستدل “من أسف لأعلى” حتى نصل إلى مسبب ذكي نهائي. أكثر من ميلنا للاستدلال “من أعلى لأسف” حتى نصل إلى الصدفة والضرورة.

وكما رأينا يكتسب مشروع SETI مشروعيته من هذه الحجة على وجه التحديد. فلو تلقينا (كما يصور “كارل ساجان” في روايته “اتصال” Contact) إشارة تتكون من سلسلة أعداد أولية، سنفترض أنها مرسلة من مصدر ذلك. بل إن هذا الحدث لو وقع فعلياً سينتشر في الصحف العالمية ليلة حدوثه، ولن يحلم عالم واحد بالاعتراض بدعوى أن افتراض أصل ذكي للسلسلة ليس تفسيراً لأنه يعنى تفسير السلسلة بشيء أعقد من السلسلة نفسها. والمؤكد أن الحدث سيثير مزيداً من الأسئلة، عن طبيعة الذكاء مثلاً، ولكننا على الأقل سنكون قد تأكدنا من وجود ذكاء خارج الأرض. وكما أشرنا، حتى “دوكينز” يظهر (في فيلم “المطرود” Expelled) أنه غيّر موقفه وأصبح يميل للاعتقاد بأن التصميم شيء يمكن الاعتراف به علمياً من حيث المبدأ.

وعلينا أن نلاحظ أيضاً في هذا الصدد أنه يبدو أن “دوكينز” مبهور بفرضية الأكوان المتعددة ولكنه يدرك وجود مشكلة: «إن الاعتقاد بأن افتراض وجود أكوان عديدة هو نوع من الرفاهية والبذخ اللذين لا يجب السماح بهما، هو اعتقاد مغر (وقد استسلم الكثيرون لإغرائه). فإن كنا سنسمح بما ينطوي عليه تعدد الأكوان من تبذير، وما دامت كل أنواع التبذير ستتساوى، ما المانع إذن أن نسمح بالله أيضاً؟» والحل الذي يقترحه لهذا السؤال أن الإسراف صفة أصيلة في فرضية الله، في حين أن فرضية الأكوان المتعددة تبدو ظاهرياً مسرفة ولكنها في حقيقتها ليس كذلك. إلا أن منطقه بناء على الاحتمالية الإحصائية غير مقنع.

فإن كان هناك عدد ضخم من الأكوان، سيعتقد المرء أن معظمها شديد التعقيد، وإن كنا في النهاية نتاج هذه الأكوان المتعددة، عندئذ، الحجة التي يزعمها “دوكينز” بأن الأشياء دائماً ما تسير من البسيط إلى المعقد تذهب أدراج الرياح.

والنقطة التي لا بد أن نشير إليها هنا أننا لا نحاول تقديم تفسير للتعقيد النهائي، أياً كان معناه، ولا حتى للتعقيد بوجه عام. ولكننا نحاول أن نفسر مثالاً واحداً بعينة على التعقيد المنظم (الحياة). ومن ثم، فالحكمة الحقة تستلزم أن نعبر عن ذلك بشيء أعقد، إن كان ذلك هو ما تقتضيه الدلائل. والدلائل كما رأينا، هي:

1 – الحياة تشتمل على قاعدة بيانات DNA معقدة من المعلومات الرقمية.

2 – الذكاء هو المصدر الوحيد الذي نعرفه لهذا التعقيد الذي يشبه اللغة.

3 – علم الحاسبات النظري يبين أن الصدفة غير الموجهة والضرورة لا تستطيعان إنتاج تعقيد دلالي (يشبه اللغة).

لذلك، بناء على الاستدلال العلمي وفقاً لأفضل التفسيرات، يعتقد المرء أن العلماء يفضلون تفسيراً يشرح ظاهرة ما على تفسير لا يفعل ذلك. وإن كان هذا المبدأ لا ينطبق على تفكيرنا في أصل الحياة، فهذا يبين وجود نزعة مادية مفترضة بديهياً افتراضاً مسبقاً من شأنها أن تنتج توجهاُ شديد المعاداة للعلم، يتمثل في الإعراض عن اتباع الدلائل حيثما تقود لمجرد أن المرء لا يحب ما سيؤول إليه ذلك من تداعيات.

وفي ضوء الأهمية التي يعلقها “دوكينز” على “تعقيد حجة الله”، اندهشت (كما اندهش آخرون) من اعترافه العلني في مناظرة معي في “متحف أكسفورد للتاريخ الطبيعي” Oxford Natural History Museum في تشرين الأول/أكتوبر 2008 بأنه يمكن بناء قضية تؤيد وجود إله ربوبي. ورغم أنه أشار أنه لا يقبل هذه القضية، فقد كان مجرد ذكره لها أمراً يدعو للدهشة، لأنه ما من شيء يقضي على حجته نهائياً بقدر وجود إله ربوبي. وذلك لأن الإله الربوبي كائن معقد باعتباره تفسيراً نهائياً لكون أبسط.

وهكذا يتضح أن حجة “تعقيد الله” أضعف بكثير من بيت مبني بورق اللعب. والاستمرار في ترديدها لا يفيد من يستخدمونها إلا في زيادة الشكوك أن إمبراطور الإلحاد لا يملك ثياباً. فهذه الحجة ليس لها أي تأثير في زحزحة ما نراه من حكمة وعقل في التصريح القاطع الذي يبدأ به سفر التكوين: «في البدء خلق الله السموات والأرض»، بل إنها تنجح نجاحاً مبهراً في تأكيده.

من صنع الله؟

هناك اعتراض آخر على وجود الله يرتبط بالاعتراض السابق. وقد حظي بكثير من الاهتمام لأن “ريتشارد دوكينز” اتخذ منه قضية محورية في كتابه الأكثر مبيعاً “وهم الإله”. وهو عبارة عن السؤال الطفولي القديم: إن قلنا أن الله خلق الكون، فلا بد أن نسأل عمن خلق الله، وهلم جرّ، وهكذا يرى “دوكينز” أن السبيل الوحيد للخروج من هذه الحركة الارتدادية اللانهائية أن ننكر وجود الله.

هل هذا أفضل ما يمكن أن يحرزه “الأذكياء” Bright’s؟ إني أسمع صديقاً أيرلندياً يقول: «إن هذا يثبت شيئاً واحداً أنهم لو كانوا يملكون حجة أفضل، لاستخدموها.» وإن كان هذا رد فعل قوياً، فما بالك بسؤال: من صنع الله؟ إن مجرد السؤال يبين أن السائل يتصور إلهاً مخلوقاً. ومن ثم، ليس غريباً أن من يطرح السؤال يؤلف كتاباً بعنوان “وهم الإله”. لأن هذه هي تحديداً ماهية الإله المخلوق، وهم بطبيعة الحال، كما بين زينوفانيس قبل “دوكينز” بقرون. ومن ثم، كان يمكن استخدام عنوان أدق مثل: “وهم الإله المخلوق”. وكان يمكن عندئذ اختصار الكتاب إلى نشرة صغيرة، ولكن المبيعات كانت ستتأثر.

والآن “دوكنيز” يخبرنا صراحة أنه لا يحب أن يخبره الناس بأنهم بدورهم لا يؤمنون بالله الذي لا يؤمن هو به. ولكننا لا نستطيع أن نؤسس حججنا على ما لا يجب. لأنه سواء أحب أم لم يحب، فهو الذي يستجلب هذه التهمة علناً. فمهما يكن من أمر، هو الذي يقول إن الله وهم. وحتى نقيّم حجته علينا أولاً أن نعرف مفهوم الله عنده، مع ملاحظة أن حجته الرئيسية منصبة على إله مخلوق. والحقيقة أن بضعة مليارات منا يشاركونه عدم إيمانه بهذا الإله. فما كان عليه أن يقلق بهذا الشأن. فمعظمنا مقتنع منذ زمن بعيد بما يحاول أن يخبرنا به. فمن المؤكد أنه ما من مسيحي يعتقد أن الله مخلوق، ولا حتى في أحلامه. وهو ما ينطبق طبعاً على اليهود والمسلمين. فحجته، باعترافه هو شخصياً لا تقول أي شيء عن الإله الأزلي، ولا تمت لهذه الفكرة بصلة. لذلك، ينبغي على “دوكينز” أن يضعها على الرف المكتوب عليه “الأباريق السماوية”[1] Celestial Teapots حيث مكانها الصحيح.

وذلك لأن الله الذي خلق الكون ويحفظه لم يُخلق، فهو أزلي. لم “يُصنع”، وبالتالي لا يخضع لما اكتشفه العلم من قوانين، لأنه هو من صنع الكون بقوانينه. وهذه الحقيقة تشكل الفارق الأساسي بين الله والكون. فالكون لم يكن موجوداً، ثم أتى للوجود، أما الله فليس كذلك. قد كان الإغريق واعين بهذا الفرق، ويوحنا الرسول المسيحي يشير إليه في افتتاحية إنجيله: «في البدء كان الكلمة كائناً (أي أن “الكلمة كان كائناً من الأصل”)، وكان الكلمة مع الله… به خلق كل شيء (أي أن “كل شيء أتى للوجود”)»[2] (يوحنا 1: 1، 3) فالله ينتمي لفئة غير المخلوق. وهو ما لا ينطبق على الكون الذي لم يكن موجوداً ثم وجد، أي أنه خُلق به.

وقد رأينا في الفصل الثالث أن ما نقصده بمصطلح “الخلق” يمثل قضية جوهرية ما زالت النظم الفلسفية والدينية في العالم منقسمة عليها.

وقد علم اليونانيون بأن:

1 – المادة كانت موجودة دائماً وستظل موجودة. أي أنها أزلية أبدية. وقد كانت في حالتها البدائية بلا شكل، وبلا نظام وبلا حدود، أي فوضى[3] chaos. ولكن بعد ذلك برز إله من الآلهة وفرض نظاماً على هذه المادة الموجودة سلفاً، محولاً إياها إلى عالم جيد التنظيم، أي كون[4] cosmos. وهذه العملية تعبر عما قصده الإغريق بالخلق.

2 – الخالق جزء من نظام أزلي حيث كل شيء في الكون ينبثق من الله، كما تنبثق أشعة الشمس من الشمس. ومن ثم، يكون كل شيء هو الله. فالله في مادة الكون على نحو ما، وهو فاعل بنشاط في تحريك المادة وتطويرها حتى تصل إلى أفضل وضع.

إلا أن التقليد العبري القديم الذي ورثته المسيحية والإسلام مختلف كلية مع ملاحظة أنه أسبق من الفلاسفة الأيونيين بمئات السنين. وقد علم بأن:

1 – المادة ليست أزلية: الكون له بداية، وليس هناك إلا إله أزلي واحد هو خالق الكل.

2 – الله كائن قبل الكون، ومستقل عنه. والكون ليس انبثاقاً من الله. فالله خلقه من عدم، ولم يخلقه من ذاته، وإن كان يحفظه ويوجهه إلى غايته التي حددها له.

إذن “دوكينز” متأخر جداً من حيث إنه لم يزل مع الإغريق ومع فكرتهم عن الآلهة التي «انحدرت من السماء والأرض»، ومن ثم فهي مخلوقة. وربما يحسن صنعاً لو أنضم للجمهور الذي استمع للرسول بولس المسيح في مدرسة أريوس باغوس الفلسفية في أثنيا إبان القرن الأول. ويسجل المؤرخ لوقا أن بولس لاحظ أثناء تجواله في المدين مدى قصور نظرة مواطنيها لله، فقد كان المكان ممتلئاً بالأصنام، حتى إن أحدها كتب عليه “لإله مجهول”. وبولس لم يكن شخصاً متشدداً معادياً للفكر ومتمسكاً بالأوهام مثل الصورة النمطية الشائعة في الإلحاد، ولكنه في الواقع درس الفلسفة اليونانية دراسة متعمقة ولم يكن اندهاشه من سذاجة الأثنينيين أقل من اندهاش “دوكينز” لو كان في ذلك الموقف. وقد أوضح لهم أن أحد شعرائهم أدرك أن البشر، من جانب ما، ذرية الله. وطرح عليهم هذا الاستدلال المنطقي حتى يفكروا فيه: «فإذ نحن ذرية الله، لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة واختراع إنسان.» فالآلهة الناتجة من اختراع الخيال البشري الخصب، الآلهة المخلوقة، ليست أمراً جديداً.

هل من شيء أزلي؟

إن سؤال “دوكينز” عن صنع “الصانع” يبين أنه ربما يعاني صعوبة فكرية في أن يتخيل وجود غير المخلوق والأزلي. ولكن إن كان الأمر كذلك، فهو متهم بوجه آخر من وجوه عدم الاتساق الخطيرة. فمن المفترض طبقاً لمنظوره الفلسفي أن يؤمن (مثل الإغريق أيضاً) بأزلية المادة والطاقة (وقوانين الطبيعة). فإن كان الأمر كذلك، إذن هو يؤمن بشيء أزلي، بل الكثير منه، ألا هو مادة الكون كله المحيط بنا.

وكم تحيرت في زياراتي الكثيرة للدول الشيوعية السابقة من كثرة ما سألني أساتذة الجامعات الشيوعيون القدامى هذا السؤال: «من صنع الله؟» وكم كان مثيراً أن أرى المأزق الذي يتورطون فيه عندما اكشف لهم عن اعتقادهم بأزلية المادة. وفي النهاية كنا غالباً ما نتمكن من وضع أيدينا على القضية الجوهرية. فبالنسبة لهم، كان أزلية المادة عديمة العقل شيئاً مقبولاً بالكامل، ولكنهم لم يقبلوا أزلية إله شخصاني. وهكذا لم يكونوا منطقيين في اعتقادهم. وهو ما ينطبق على “دوكينز”. طاقة أزلية: نعم، ولكن شخص أزلي: لا. أين المنطق في هذا كله؟

وسواء أكان “دوكينز” يعتنق الفلسفة المادية عتيقة الطراز بكونها الأزلي أو لا، فلا شك أنه مضطر أن يؤمن بأن الكون خلقه هو شخصياً. ومن ثم من حقنا أن نرد إليه سؤاله: «من خلق الخالق؟» ونسأله: من خلق خالقه، أي الكون؟ وهكذا تكون المعاملة بالمثل.

نظرية كل شيء!

يعبر “دوكينز” عن أمله في أن الفيزيائيين سوف «يكملون تحقيق حلم أينشتاين ويكتشفون النظرية النهائية لكل شيء. وإني متفائل أنه بالرغم من أن نظرية كل شيء ستضع نهاية مقنعة للفيزياء، فالمشروع الفيزيائي سيستمر في الازدهار، تماماً كما استمر علم الأحياء في النمو بعد أن حل داروين المشكلة العويصة فيه. وإني متفائل أن النظريتين معاً ستقدمان تفسيراً طبيعياً محضاً لوجود الكون وكل ما فيه، بما فيه نحن.»

وهنا أيضاً نرى تناقضاً فكاهياً لطيفاً، وإن كان غير مقصود. نظرية كل شيء Theory of everything (TOE)، كما يرى “دوكينز”، تضع نهاية للفيزياء. أي أن نظرية كل شيء هي بالطبيعة النقطة التي ينتهي عندها المسار التفسيري. وبناء على اعتراض “دوكينز” على أن يكون الله هو نهاية هذا المسار التفسيري، يجب أن يوبخ الفيزيائيين على اقتراحهم كل شيء باعتبارها التفسير النهائي لأصل الكون. ولكن يبدو أن البحث عن “نظرية كل شيء” مقبول طالما أنه لا يتصل بقدم إلهية.

ولكن تفاؤل “دوكينز” أثبت عدم واقعيته. فبعض الحقائق الرياضية النكدة تقف في طريقة متمثلة في الخلاصة الشهيرة التي توصل إليها “كرت جودل” من أن علم الحساب المألوق لنا وغيرها من النظم الرياضية الأكبر لا يمكنها إثبات اتساقها الداخلي، ولا بد أن تشتمل على افتراضات لا يمكن إثبات صحتها من خطئها، أي لا يمكن إثباتها ولا نفيها بوسائل علم الحساب. وللتعبير عن المعنى بأسلوب آخر أقول إن أي نظام بديهي منته finite axiomatic system ويتمتع بالقوة التي تؤهله ليحوي أساسيات في علم الحساب، دائماً ما يتضمن جملاً تقريرية صحيحة لا يمكن إثباتها. ويشير عالم الرياضيات “نايجل كتلاند” Nigel Cutland إلى أن هذه الحقيقة تجر تداعيات سلبية فيما يختص بإمكانية صياغة نظرية علمية موحدة تشتمل طبعاً على الحساب.

أما “ستيفن هوكينج” الذي حلم أيضاً لسنوات بهذه النظرية النهائية اعترف سنة 2004 أن “جودل” قضى عليهم: «سيشعر البعض بخيبة أمل شديدة إن لم يمكن وضع نظرية نهائية في شكل عدد منته من القوانين. لقد كنت ضمن هذا المعسكر، ولكني غيرت رأيي. وأنا الآن سعيد أن سعينا للفهم لن ينتهي أبداً. ودائماً ما ستتوفر لنا تحديات الاكتشافات الجديدة، وإلا نصاب بالركود. وكما ضمنت نظرية “جودل” وظيفة دائمة للرياضيين، أظن أن نظرية – إم M theory ستضمن وظيفة دائمة للفيزيائيين.»

ولنعد الآن لمسألة التفسير النهائي. الملحدون الجدد يعترضون على أن يكون الله هو التفسير النهائي. ومع ذلك، هم أنفسهم لا يملكون تفسيراً لوجود المادة أو الطاقة التي يتكون منها الكون. ففلسفتهم المادية تتوقف عند هذه النقطة، أي وجود المادة أو الطاقة الذي يجب عليهم أن يأخذوه بصفته حقيقة جامدة أساساً. ومن ثم، يمثل تفسيرهم النهائي. ومنطقياً، سلاسل المسبب والأثر إما تسير للخلف إلى ما لا نهاية، أو تتوقف عند نقطة حقيقة نهائية. والتفسير في العلم (أو في أي مجال آخر)، إن أراد أن يتجنب الرجوع إلى ما لا نهاية، دائماً ما يقود إلى أشياء معينة تعتبر نهائية.

وقد كتب “أوستن فارر” قائلاً: «أي سعي لا نهائي نحو تفسير يمدح من حيث إنه حالة من الكمال المثالي الذي لا يقنع أبداً. وهو في الحقيقة ميل يميز العقول الطفولية. “لماذا يرتدي ذلك الرجل القبعة؟” “لأنه شرطي”. “لماذا هو شرطي؟” “لأنه أراد أن يكون شرطياً عندما يكبر”. “لماذا أراد أن يكون شرطياً؟” “لأنه أراد أن يكسب رزقه”. “لماذا أراد أن يكسب رزقه؟” “ليستطيع أن يعيش. كل الناس يريدون أن يعيشوا”. “لماذا يريد كل الناس أن يعيشوا؟” “كف عن قول [لماذا؟] يا حبيبي، واذهب للنوم”. نعم. عند نقطة ما لا بد أن نتوقف عن قول “لماذا؟” لأننا وصلنا إلى الحقيقة التي يعتبر السؤال عنها بلا طائل، فمثلاً لا فائدة من أن نسأل: لماذا تريد الكائنات الحية أن تعيش؟» فحتى الطفل يمكنه أن يشرح صعوبة الرجوع إلى ما لا نهاية.

وقد أوجز “فارر” المسألة وأصاب الهدف ببراعة قائلاً: «إن القضية بين الملحد والمؤمن ليس فيما إذا كان من الحكمة أن نسأل عن الحقيقة النهائية أم لا، ولكنها تتمثل في السؤال: ما هي الحقيقة النهائية؟ الحقيقة النهائية عن الملحد هي الكون، أما الحقيقة النهائية عند المؤمن بالله الخالق هي الله.»

السؤال المُلح:

السؤال الملح إذن: في أي اتجاه يشير العلم، المادة قبل العقل، أم العقل الأسمى قبل المادة؟ لا بد من تحديد إجابة هذا السؤال، كما هو الحال دائماً، باتباع نصيحة سقراط، ألا هوي فحص الدلائل والسير في الاتجاه الذي تقود إليه، حتى وإن كان في ذلك تهديد لأفكارنا المسبقة.

ويطرح عالم الأحياء “جيمز شابيرو” هذا السؤال: «ما أهمية ظهور نقطة التقاء بين علم الأحياء وعلم المعلومات في دراستنا للتطور؟ إنها تتيح إمكانية التعامل العلمي وليس الأيديولوجي مع القضية المحورية التي تمثل أرض المعركة للأصوليين من الجانبين، الخلقي والدارويني. هل من أي ذكاء موجه يعمل في أصل الأنواع التي تظهر قدرات عجيبة على التكيف بدءًا من دورة كربز ومروراً بأداة الانقسام المتساوي mitotic apparatus والعين وانتهاءً بجهاز المناعة، ونظام التمويه والتنظيم الاجتماعي عند الحيوانات؟»

عالم الفيزياء الحيوية “دين كنيون” Dean Kenyon أحد مؤلفي كتاب دراسي قوى في أصل الحياة، يقول إنه كلما ازدادت معرفتنا في السنوات الأخيرة بالتفاصيل الكيميائية للحياة من علم الأحياء الجزيئي ودراسات أصل الحياة، تضاءلت مقبولية التفسير الطبيعي المحض لأصل الحياة. فما أجراه “كنيون” من دراسات قاده لخلاصة مفادها أن المعلومات البيولوجية مصممة: «إن كان العلم يقوم على الخبرة، إذن فهو يخبرنا أن الرسالة المشفرة في الـ DNA لا بد أن تكون قد نشأت من مسبب ذكي. ولكن ما نوع هذا الفاعل الذكي؟ العلم وحده لا يستطيع الإجابة عن هذا السؤال. لذا، عليه أن يتركه للدين وللفلسفة. إلا أن هذا يجب ألا يمنع العلم من الاعتراف بالدلائل على مسبب ذكي للأصل أينما وجدت.»

لذلك، من الغريب أن يسطر عالم بارز في مكانة “إي. أو. ويلسون” ما يعبر عن إنكاره لوجود هذه الدلائل: «أي باحث يمكنه أن يثبت وجود تصميم ذكي في الإطار المقبول للعلم سيدخل التاريخ وسيخلد اسمه. لأن هذا يعني أنه نجح أخيراً في إثبات أن العلم والعقيدة الدينية متوافقان! إن جائزة مجمعة من جائزة نوبل وجائزة تمبلتون Templeton Prize (الأخيرة تهدف لتشجيع البحث عن هذا النوع من الانسجام) لا ترقى إلى مستوى هذا الإنجاز. وكل عالم يتمنى أن يحرز هذا السبق الذي يشكل بداية عصر جديد. إلا أنه ما من عالم تمكن ولو حتى من إحراز قدر ضئيل من هذا الإنجاز، لأنه للأسف ليس لدينا دليل، ولا نظرية، ولا مقاس للإثبات يمكن أن يبدو ولو ظاهرياً أنه علم. فكل ما لدينا بقايا ذلك الموقف المأمول، الذي يتضاءل باطراد كلما تقدم علم الأحياء.» وقد وصفت هذا الكلام بأنه غريب لأنه حتى لو أراد المرء التقليل من شأن ما ناقشناه في الفصول السابقة بخصوص علم الأحياء لأنه يتحدى بعض الأفكار السائدة عن أصل الحياة، فكيف له أن يتجاهل دلائل الفيزياء وعلم الكون التي لا تشكك في العلم المقبول، بل تنبثق منه؟ ولكن قارن موقف “ويلسون” بموقف “آلن سانديج” الذي يعتبره الجميع أعظم علماء الكون المعاصرين: «إن العالم شديد التعقيد في كل أجزائه وتشابكاته حتى إنه يستحيل أن يكون وليد الصدفة وحدها. إني مقتنع أن وجود الحياة بكل ما فيها من تنظيم في كل كائن من كائناتها الحية مركب معاً بمنتهى البراعة.»

ولعلنا نذكر أيضاً أن دلائل البحث العلمي المختصة بمسائل أصل الحياة هي التي قادت الفيلسوف البارز “أنتوني فلو” الذي عاش ملحداً طيلة حياته، للإيمان بأن طبيعة تعقيد الـ DNA لا يمكن تفسيرها إلا بخالق ذكي. “ويلسون” يقول إنه لا يوجد دليل، “سانديج” وكذلك “فلو” يقولان بوجود دليل. لا يمكن أن يكون كلا الموقفين صحيحاً.

إله الفجوات مرة أخرى!

يجب عند هذه النقطة أن نؤكد أن ما توصلنا إليه في هذا الفصل من استدلالات على مسبب ذكي لا تنتمي لفئة “إله الفجوات” وذلك لأنها لا تقوم على الجهل بالعلم بل على المعرفة به. فمثلاً، مؤيدو برنامج SETI يرون أن القول بذكاء كائن فضائي من خارج الأرض باعتباره مصدر الرسالة الغنية بالمعلومات التي وصلت إلينا، لا يعادل القول بفكرة “كائن الفجوات الفضائي”. وإن كان التحليل الرياضي والمعلوماتي متشابهاً في الحالتين، أليس من قبيل الاتساق أن نفترض مصدراً ذكياً للرسائل الغنية بالمعلومات المتضمنة في الـ DNA ولا نعتبره “إله الفجوات”؟

ويساعدنا هذا المثال على استخلاص ولو جزء من السبب وراء صعوبة التخلص من انطباع محاجة إله الفجوات. وهذا هو السبب: إن سلمنا بفرضية SETI (إشارة ينقلها مصدر ذكي ويعترف بها العلم)، لاكتشفنا فجوة واضحة في معرفتنا على مستوى التعرف على هوية الذكاء مصدر الرسالة، لا على مستوى تحديد لما إذا كان هناك ذكاء أم لا. أي أننا نخرج من ذلك بحالة التشويش نفسها بشأن معنى “التصميم الذكي” الذي طرحناه في تمهيد الكتاب.

وكما رأينا آنفاً، نحن لا نجد صعوبة في الاستدلال على كاتب ذكي بصفته مصدر الكتابة، لأننا نعلم أنه لا جدوى من محاولة تقديم تفسير اختزالي يقوم على فيزياء وكيمياء الحبر والورق. ويمكن التعبير عن ذلك بأسلوب مختلف: فيما يتعلق بتقديم تفسير كامل للكتابة على الورق، مؤكد أن هناك فجوة في القدرة التفسيرية للفيزياء والكيمياء. وهي ليست فجوة جهل، ولكنها فجوة من الناحية النظرية، أي فجوة تكشفها معرفتنا بالعلم، لا جهلنا به. أي أننا يمكن أن نطلق عليها فجوة “جديدة” لتميزها عن الفجوات “السيئة” التي لا تمثل فجوات من الناحية النظرية، ويتضح في النهاية أنه يمكن تفسيرها بالفيزياء والكيمياء.

فالكتابة على ورقة (أو الرسم على لوحة) يعكس ما يسميه الفيلسوف “دل راتش” Del Ratzsch التيار المضاد counter flow، وهي ظواهر لا تستطيع الطبيعة إنتاجها دون مساعدة فعل ذكي. وذلك لأننا نعلم، حتى من الناحية النظرية، أن علوم الفيزياء والكيمياء لا تستطيع أن تفسر التيار المضاد الذي يظهر في الكتابة، لدرجة أننا نرفض التفسير الطبيعي المحض، ونفرض وجود كاتب.

ولكن لا بد أن نشير إلى أن افتراض فاعل ذكي لتفسير الكتابة لا يندرج تحت فئة “كاتب الفجوات”، بل إن معرفتنا بطبيعة “الفجوة” هي التي تتطلب افتراض وجود كاتب.

وهكذا، معرفتنا بطبيعة المعلومات البيولوجية من ناحية، ومعرفتنا بأن المصادر الذكية هي المصادر الوحيدة المعروفة للمعلومات، من ناحية أخرى، بالإضافة إلى معرفتنا بأن الصدفة والضرورة لا تقدران أن تولدا نوعية المعلومات المحددة المعقدة التي نراها في الكائنات الحية، تشير كلها إلى التصميم باعتباره أفضل تفسير لوجود الـ DNA الغني بالمعلومات.

ولا أشك أن إحجام بعض العلماء عن الاستدلال على التصميم بناءً على وجود جزيئات حيوية غنية بالمعلومات لا يتعلق كثيراً بالعلم بقدر ما يتعلق بما يجره هذا الاستدلال من تداعيات بخصوص هوية المصمم. ومن ثم، فهي مسألة منظور فلسفي، وليست مجرد مسألة علمية. لأن العلماء لا يمانعون مطلقاً في التوصل لاستدلالات تصميم (علمية) تدلل على فعل بشري أو حتى فعل كائن فضائي. إذن الصعوبة لا تكمن في كوننا عاجزين عن التوصل لاستدلالات على التصميم.

وعند هذه النقطة يبدأ البعض في الشعور بعدم الارتياح، ومفهوم طبعاً أنهم الملحدون، حيث إنه يرفضون وجود الله، فكم وكم يكون شعورهم تجاه فعله. ولكن هذا الشعور يعكس خوفاً من تهمة إله الفجوات حتى إن بعض اللاهوتيين يرون أن الطبيعة تتمتع بنوع من “الاكتمال الوظيفي” Junctional integrity، وهو ما يعنى أن العالم مخلوق ولكن “لا تشوبه أي عيوب وظيفية، ولا تتخلل نظامه أي فجوات تتطلب فعلاً فورياً من الله.» ومن ثم، يبدو أن أصحاب هذا الموقف مضطرون أن يؤمنوا على الأقل بأن كل المعلومات اللازمة لإنتاج كل التعقيد الذي نراه حولنا كانت متضمنة في الكون منذ البداية عند الخلق الأصلي ولم تضف أي معلومات بعدئذ.

إلا أن “جون بولكينجهورن” الذي يرفض لاهوت إله الفجوات (السيئة) رفضاً قطعياً، يصر على أننا لا بد ألا «نقنع بالكلام اللطيف الخفيف غير الحاسم الذي لا ينجح حتى في ربط أفكارنا الحدسية عن فعل الله بمعرفتنا بالعملية الفيزيائية.» ويتلخص موقفه فيما يلي: «إن كان العالم المادي مفتوحاً حقاً، وإن كانت علّيّة رأسية تتجه من أعلى لأسفل تعمل في هذا العالم، فلا بد من وجود “فجوات” أصيلة (“مظروف يحمل فرصة لإمكانية حدوث شيء”) في تفسير الطبيعة التي تتجه من أسف لأعلى لتفسح مجالاً للعلية المقصودة…. فنحن، بلا خجل، “أناس الفجوات” بهذا المعنى الأصيل ولا عيب في فكرة “إله الفجوات” بهذا المعنى أيضاً.» أما عن طبيعة تفاعل الله فهو «لا يتم في صورة طاقة energetic بل في صورة معلومات informational.»

تثير هذه العبارة الأخيرة قضية في غاية الأهمية. فإن كان الله قد فعل بعض الأشياء بشكل مباشر (مثل خلق الكون)، فلا بد أن يكون مسؤولاً عن بعض الأفعال أو التفاعلات المختصة بالطاقة. فمهما كان، قانون حفظ الطاقة يخبرنا أن الطاقة تحفظ. ولكنه لا يخبرنا بمصدر هذه الطاقة، وهو شيء غالباً ما يسهل تجاهله. والآن، أنا أتفق أنه علينا أن نحذر من السقوط في فخ إله الفجوات (السيئة)، ولكن كما أشار “آلفن بلانتيجا” أنه منطقياً إن كان هناك إله يفعل أي شيء في العالم بشكل غير مباشر، فلا بد في نهاية الأمر أن يفعل شيئاً مباشراً أو يخلق شيئاً على نحو مباشر. وما أن نعترف أن الله فعل فعلاً مباشراً ولو مرة واحدة في الماضي في الخلق الأصلي للعالم، فما الذي يمنعه من أن يفعل أكثر من مرة، سواء في الماضي أو المستقبل؟ فمهما كان، قوانين الكون ليست مستقلة عن الله، فهي مجموعة المبادئ التي نعبر بها عن الضوابط التي وضعها هو في الكون. فمن العبث أن نظن أنها قيدت الله ومنعته من أن يفعل أي فعل خاص. ويوجز “بلانتيجا” موقفه قائلاً: «ألا يمكن أن نتوصل لهذا الاستنتاج الحكيم من أن الله خلق الحياة مثلاً، أو الحياة البشرية، أو خلق أي شيء آخر خلقاً خاصاً؟ (ولست أقول إنه يجب علينا أن نستنتج ذلك: ولكني أقترح فقط وأقول «ألا يمكن»، وإن كان هذا هو أكثر ما ترجحه الأدلة بقوة، عندئذ يجب علينا أن نصل لهذه الخلاصة).»

إن لب القضية هو: هل نحن مستعدون أن نتبع الدلائل أينما تقودنا، حتى وإن كانت تشير إلى تفسير بعيد عن التفسير الطبيعة المحض؟ إن كان هناك خالق، إذن يجب أن نجد شيئين. أولهما، يجب ألا نتعجب إن كانت محاولاتنا لفهم الكون بناءً على افتراضات طبيعية ناجحة جداً في أغلبها، لسبب بسيط جداً، ألا وهو أن الطبيعة موجودة سواء آمنا بخالق أم لا (نحن لم نأت بالطبيعة). وثانيهما، من المحتمل أن نجد عدداً قليلاً نسبياً من الفجوات “الجيدة” التي لا تخضع لأي منهجية طبيعية خالصة، بل الحقيقة أنها تزداد صعوبة أمام هذه المنهجية. ولكنها على قدر كبير من الأهمية كما سيتضح لك عندما أسردها عليك: أصل الوعي، أصل القدرة على التفكير ومفهوم الحق، أصل الأخلاق والروحانية. وهذا الكتاب لا يمكنه إلا أن يمثل بداية متواضعة في بضع النقاط الأول في هذه القائمة.

والآن لا بد أن أشدد بكل وضوح على أنه إن كانت هناك بعض الفجوات “الجيدة” التي تشير إلى خالق، فهذا لا يعني على الإطلاق أن هذه الفجوات هي الدليل الوحيد الذي يقدمه العلم على وجود الله. ولكنها دلائل إضافية على مجموعة الدلائل الرئيسية التي تزودنا بها عجائب الخليقة ككل. وعلى أي حال، فاللاهوت المسيحي المعتبر يؤكد أن الله لم يخلق الكون في البداية وحسب، ولكنه فاعل باستمرار في حفظه وفي كل ما يجري فيه من عمليات وإلا يختفي الكون من الوجود. وما نفهمه من ذلك على ضوء الفيزياء والكيمياء يبين لنا مجده بغض النظر عن قولنا فيما لا نفهمه بمساعدة هذه العلوم.

والمادي بطبيعة الحال لابد أن يرفض مسبقاً احتمالية وجود فجوات “جيدة” تشير إلى نشاط الخالق. أما المؤمنون بالله، فلهم موقف مختلف. فهم على أقل تقدير يؤمنون أن الله يتسبب في وجود الكون. ومن ثم، فهو مسؤول عما يجري فيه من عمليات طبيعية. وعندئذ ينشأ السؤال عما إذا كان يجب أن نعتبر أن الله هو المسبب الأعلى لهذه العمليات جميعاً أي أنه يسببها على نحو غير مباشر من حيث أنها تتم في كون هو المسؤول الأعلى عنه، أم أن بعض ما يجري في الكون من عمليات أو أحداث قد ينطوي على نوع من الفعل الإلهي المباشر.

ولقد بينت فيما سبق أن تفاصيل علم الأحياء تشير إلى “لوجوس” يكمن وراء الحياة. وقد أوضحت أن جزءًا من هذا الدليل يتعلق بمحدودية قدرة الانتخاب والطفرة، أي حدود التطور، إلا أني ركزت في حجتي على أصل الحياة وشفرتها الرقمية. وأود أن أسجل ملاحظة أخيرة في هذا الجزء عبارة عن مشابهة مثيرة للفيلسوف الألماني البارز “روبرت سبيمن” Robert Spaemann لإلقاء الضوء على خلل التفكير الإلحادي بشأن علم الأحياء. فهو يشير إلى ما اكتشفته عالمة الموسيقى “هلجا ثون” Helga Thoene في مقطوعة “بارتيتا الكمان في سلم ري الصغير” Violin Partita in D-minor للموسيقي “ج. س. باخ” J. S. Bach من تشفير مزدوج عجيب. فقد وجدت أنك إن طبقت على المقطوعة نمطاً صورياً من الأرقام يقابل الحروف الأبجدية تنتج عندك هذه الحكمة القديمة: Ex Deo nascimur, in Christo morimur, per Spiritum Sanctum reviviscimus. وبالطبع لسنا بحاجة لمعرفة هذا النص الخفي حتى نستمتع بالمقطوعة، فقد استمتع بها الناس على مدى مئات السنين دون أن تكون لديهم أدنى فكرة عن هذه الرسالة الخفية. ولكن الفضل يرجع لعبقرية “باخ” في تشفير رسالة مختلفة تماماً في مقطوعة موسيقية، عندما تقيم بمعايير علم الموسيقى وحدها، تعد مقطوعة في غاية الروعة.

ويرى “سبيمن” أن هذه هي مشكلة الملحدين الجدد وموقفهم من علم الأحياء التطوري: «يمكنك إن أردت أن تصف العملية التطورية بلغة طبيعية بحتة. إلا أن النص الذي يظهر بعدئذ عندما ترى شخصاً، وعندما ترى فعلاً جميلاً أو صورة جميلة لا يمكنك أن تقرأه إلا إذا استخدمت شفرة مختلفة تماما.» ويستأنف “سبيمن” مشابهته فيتخيل عالم موسيقى يقول إن المقطوعة تشرح نفسها بالكامل، وإن الصدفة وحدها هي التي أنشأت هذه الرسالة. ومن ثم، يكفي تفسير المقطوعة تفسيراً موسيقياً صرفاً دون اعتبار للنص. ألا يتطلب منا ذلك قدراً كبيراً من السذاجة حتى نقتنع به؟ بالطبع. فيستحيل أن نقبل ولو للحظة واحدة أن النص وجد بالصدفة دون أن يضع أحد شفرته. وهو ما ينطبق على العلم. فيمكنك، إن شئت، أن تحد نفسك في علم طبيعي بحت. ولكنك لا تستطيع بعدئذ أن تأمل في تفسير النص الذي سيظهر أمامك. ووفقاً لهذه النظرة فعالم الموسيقى، بصفته عالم موسيقى، يمكنه أن يشرح كيفية تأليف المقطوعة في حالة واحد فقط، إن تجاهل النص. ويبدو أن هذا هو بالضبط موقف الملحدين الجدد. فهم يتجاهلون “النص” الذي هو عبارة عن إنسان بكل ما في لوحة حياته وقدرته اللغوية والفكرية من ثراء.

إلا أنهم عند هذه النقطة سينفذ صبرهم ويطلقون اعتراضاً من حيث المبدأ على فكرة إله فائق للطبيعة يمكنه أن “يتدخل” في مجرى الطبيعة. وقد اشتهر فيلسوف التنوير الإسكتلندي “دافيد هيوم” بصياغته لهذا الاعتراض، إذ رأى أن “المعجزات تنتهك قوانين العلم”. وقد حذت أجيال من العلماء حذو “هيوم”، وأشهرهم “ريتشارد دوكينز”. ولذا، علينا أن نفحص ما قاله “هيوم”.

 

[1] مشابهة وضعها “برتراند رسل” ليبين أن مسؤولية البينة الفلسفية تقع على من يقول بمزاعم لا يمكن إثبات صحتها أو خطئها علمياً، ولا تقع المسؤولية على من يشكك فيها، ولا سيما في مجال الذين (المترجم).

[2] الترجمة العربية المبسطة. (المترجم)

[3] الأصل اليوناني للكلمة khoos ويعني “فجوة شاسعة”، “فراغ”. (المترجم)

[4] الأصل اليوناني للكلمة kosmos ويعني “نظام” أو “عالم”. (المترجم)

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

 

«الحياة معلومات رقمية.»

“مات ريدلي” Matt Ridley

 

«واضح أن مشكلة أصل الحياة مرادفة في الأساس لمشكلة أصل المعلومات البيولوجية.»

“برند-أولاف كوبرز” Bernd-Olaf Kuppers

 

«إن مهمتنا أن نعثر على خوارزمية قانون طبيعي يصل بنا إلى أصل المعلومات.»

“مانفرد إيجن” Manfred Eigen

 

«الآلة لا تخلق أي معلومات جديدة، ولكنها تؤدي وظيفة قيمة جداً من إحداث تحول في المعلومات المعروفة.»

“ليونارد بريلوان” Leonard Brillouin

 

 

 

ما هي المعلومات؟

حتى الآن في هذا الكتاب نستخدم كلمة “معلومات” بحرية. ولكن حان الوقت لنلقي نظرة فاحصة على هذا المفهوم الجوهري.

في لغتنا العادية نستخدم كلمة “معلومات” للإشارة إلى شيء أصبحنا نعرفه الآن لم نكن نعرفه فيما سبق. فنحن نقول إننا تلقينا معلومات. وتتعدد طرق نقل المعلومات. فمنها ما هو شفهي، وما هو كتابي صرف، وما هو بلغة الإشارة، والشفرة السرية…. الخ. ولكن المشكلة تظهر عندما نحاول قياس المعلومات. إلا أن نظرية المعلومات حققت تقدماً ملحوظاً يمثل أهمية كبرى في دراستنا لطبيعة ما أطلقنا عليه المعلومات الوراثية.

ولنبدأ بالفكرة البديهية من أن المعلومات تحد من عدم معرفتنا. فمثلاً، سنتخيل أننا حجزنا في فندق صغير وعند وصولنا عرفنا أنه لا يوجد سوى ثماني غرف. فإن افترضنا أن كل الغرف متشابهة وأننا لم نطلب غرفة بعينها، إذن لدينا احتمال 1 من 8 أننا سنعطى أي غرفة. وذلك الاحتمال يمثل مقياساً واضحاً لعدم معرفتنا. ولكن عندما نتلقى معلومة نعرف منها أن غرفة 3 مثلاً هي المحجوزة لنا ينتفي عدم المعرفة. ومن أساليب قياس المعلومات التي تلقيناها أن نأتي بأقل عدد من الأسئلة التي يجاب عنها بكلمة نعم أو لا التي يجب أن نسألها لنكتشف الغرفة التي أعطيت لنا. وبجب أن نقتنع بقليل من التفكير أن الرقم هو ثلاثة. ونحن نقول إننا تلقينا ثلاثة “بت” من المعلومات[1] three bits of information، أو إننا نحتاج ثلاث بت من المعلومات لتحديد غرفتنا. ونحن نلاحظ أن 3 هي الأس الذي يجب أن نرفع له 2 حتى نحصل على 8 (أي أن 8 = 32) أو يمكننا أن نحسبها بالعكس فنقول إن 3 هي لوغاريتم 8 للأساس 2 (أي أن 3 = لو82). ومن السهل تعميم هذا الكلام بحيث إن كان لدينا (س) من الغرف في الفندق، عندئذ كمية المعلومات المطلوبة لتحديد غرفة معينة هي لو2س.

والآن تخيل رسالة نصية مكتوبة بالإنجليزية التي سنعتبرها لغة مكتوبة بجمل تتكون من كلمات ومسافات بحيث تتكون “أبجديتنا” من 26 حرفاً بالإضافة إلى مسافة، وهكذا نحتاج 27 رمزاً. فإن كنا ننتظر رسالة على هاتفنا المحمول، إذن احتمال استقبال أي رمز (حرف أو مسافة) هو 1/27. والمعلومات التي يضيفها كل رمز في النص هي لو272 (=حوالي 4,76). وبذلك المعلومات التي ينقلها نص طوله (ص) من الرموز ستكون ص لو272 (حوالي 4,76 ص).

ونلاحظ هنا أن كمية المعلومات المنقولة تتناسب مع حجم “الأبجدية” المعروف لنا. فمثلاً إذا عرفنا أن الرسالة النصية قد تحتوي على أرقام وحروف ومسافات، عندئذ فإن “أبجديتنا” الآن تحوي 37 حرفاً. وبذلك تكون المعلومات التي يمثلها كل رمز نتلقاه هي لو372 (= حوالي 5,2).

وفي كل هذا يتضح أن الرقم 2 يلعب دوراً مميزاً. فالحقيقة أن “الأبجدية” الرمزية المستخدمة في برمجة الكمبيوتر تتكون من الرمز (صفر) والرمز (1). وهكذا يسهل أن ندرك أن 2 هي الحد الأدنى من الرموز اللازمة لتشفير أي أبجدية كانت. فمثلاً، إن اعتبرنا أن الإنجليزية تتطلب 26 حرفاً بالإضافة إلى مسافة، إذن سلاسل من أرقام ثنائية[2] binary strings يبلغ طولها 5 على الأكثر (52 = 32 > 27) ستكون كافية لتشفيرها مع توفير مساحة: يمكننا تشفير رمز المسافة بخمسة أصفار (00000) وحرف A = 00001، B = 00010، C = 00011، وهكذا دواليك.

الفرق بين المعلومات البنيوية والمعلومات الدلالية

نتناول الآن فكرة في منتهى الأهمية أحياناً ما يصعب علينا فهمها. هب أنك تلقيت “الرسالة” التالية على هاتفك المحمول: ZXXTRQNJOPWTRP. هذه الرسالة طولها 16 رمزاً، وهكذا إن استخدمنا طريقتنا الحسابية المعتادة نحصل على محتوى معلومات يبلغ 16لو272 بت معلومة. ولكني أسمعك تقول: «مهلاً، ما هذا العبث؟ أنا لم أتلق أي رسائل على الإطلاق. فهذا الهراء لا يحمل أي معلومات.» طبعاً، فالرسالة قد تكون مشفرة، ربما تحمل رسالة خفية. ولكننا سنفترض أنها ليست مشفرة. فماذا إذن؟ لقد وصلنا الآن إلى أن “المعلومات” من المنظور الذي كنا نناقشه لا علاقة لها على الإطلاق “بالمعنى”. ونطلق عليها معلومات بنيوية syntactic information أي تتصل ببينة الجملة من حيث ترتيب كلماتها وما بينها من علاقات.

ويبدو هذا الأمر للوهلة الأولى منافياً لخبرتنا الواقعية. لذا، فهو يتطلب مزيداً من الشرح المفصل. هب أنك تنتظر “رسالة” على هاتفك المحمول. وقد قيل لك إنك ستتلقى في هذه الرسالة أربعة رموز (~ # * ^) وأن طول الرسالة سيكون خمسة رموز. فتنظر إلى الشاشة وترى ما يلي: ^ ^ # ~ *. فما كمية “المعلومات” التي تلقيتها؟ لا شيء، من حيث إنك تعرف معناها. بل إنك لا تعلم ما إذا كان لها معنى أصلاً. ولكن من الناحية البنيوية، فقد تلقيت معلومات. وذلك لأن الرموز المتاحة أربعة. ومن ثم، احتمالية أن تحصل على واحد منها 1/4 والمعلومات التي يقدمها كل رمز تستقبله مقدارها 2 بت. وهكذا تحتوي “الرسالة” الكلية المكونة من خمسة رموز على 10 بت. ويمكن التعبير عن ذلك بطريقة أخرى: عندما نعد كل ما يمكن تلقيه من “رسائل” (أي سلاسل من خمسة رموز)، سنجد أنها 102. وأنت الآن تعلم ما هي الرسالة (وليس معناها!). وهو شيء لم تكن تعلمه من قبل. ولذلك، من هذا المنظور، تكون قد تلقيت معلومات.

فكر مرة أخرى فيما يتم يومياً من اتصالات إلكترونية عبر إحدى القنوات، ولتكن خط تليفون عادياً. ففي أي لحظة يمكن أن تتدفق أنواع مختلفة من “المعلومات” عبر هذا الخط: اتصال صوتي، اتصال بالفاكس، نقل بيانات؛ كل أنواع تيارات “الرموز” الإلكترونية. وبعضها يحمل معنى لبعض الناس، ولا يحمل معنى للبعض الآخر (فمثلاً، شخص يتحدث الصينية لن يوصل أي معلومات ذات معنى semantic لشخص لا يعرف الصينية)، وبعضها قد يكون سلاسل من الرموز العشوائية التي تمثل تشويشاً على الخط بفعل المؤثرات الإلكترونية العشوائية، فلا تحمل أي معنى على الإطلاق.

ويجب أن نلاحظ أن مهندس الاتصالات لا يهمه ما يسرى عبر القناة. فهو غير معني بالتسلسلات المنقولة في حد ذاتها، ولكنه يختص بأشياء من قبيل: سعة القناة، أي عدد الرموز (أياً كان نوعها) التي يمكن إرسالها عبر القناة خلال ثانية، ومدى دقة القناة، أي احتمالية إرسال رمز بشكل خاطئ، بسبب التشويش على القناة مثلاً، وإمكانية تصحيح الأخطاء، وما إلى ذلك. وهذه الأمور تؤثر علينا جميعاً، فالكثير منا عانى من بطء نقل البيانات في المنازل غير المزودة بخاصية النطاق الواسع broadband.

ومن ثم، يعتبر قياس المعلومات البنيوية في منتهى الأهمية والنظرية التي تتناوله يطلق عليها “نظرية شانون في المعلومات” Shannon Theory of Information نسبة لواضعها “كلود شانون” Claude Shannon الذي أثبت نتائج رياضية معينة بخصوص قدرة القناة المشوشة، وتعتبر هذه النتائج أساس نظرية الاتصالات التي يعتمد عليها مجتمعنا اليوم.

ولنأخذ مثالاً آخر من حياتنا اليومية لضمان فهم الفكرة. تخيل أنك دخلت مكتبة وطلبت كتاباً في طب الكلى nephrology. قد يكون أمين المكتبة لم يسمع مطلقاً عن nephrology. ولكن كلمة “nephrology”، باعتبارها سلسلة من الرموز، تحوي 10لو272 بت معلومة وإن أعطيت أمين المكتبة هذه المعلومات سيكتبها على الفهرس الإلكتروني للمكتبة على جهاز الكمبيوتر، ويخبرك بأن تبحث في قسم العلوم الطبية رقم 46 MedSci 46 مثلاً حيث تحد ثلاثة كتب في هذا الموضوع. أي أنه هنا يعمل مثلا “قناة” لتوصيل المعلومات إلى الفهرس الموجود على الكمبيوتر، حتى وإن كانت سلسلة الرموز “nephrology” لا تحمل أي دلالة أو معنى.

وفي هذا المثال، يتعامل أمين المكتبة مع كلمة “nephrology” على مستوى بنيوي بحث، فهو لا يعرف معنى الكلمة ولا يحتاج أن يعرفه. ولكن كل ما يحتاج أن يعرفه من معلومات سلسلة الحروف المكونة منها. فهو يتعامل مع الكلمة بصفتها سلسلة بلا معنى من الحروف الأبجدية. في حين أن كلمة “nephrology” لها معنى عندك باعتبارك طبيباً، فهو لا ينقل لك معلومات بنيوية فقط بل معلومات دلالية semantic information (كلمة “semantic” مشتقة من الكلمة اليونانية التي تعنى علامة. ومن ثم، كلمة “semantic” تعنى نظرية العلامات).

وفهم قياس المعلومات الدلالية رياضياً مشكلة أصعب كثيراً، وحتى الآن لم تكشف أي طريقة ناجحة. وهو أمر طبيعي لأن معنى النص يعتمد اعتماداً كبيراً على سياقه. فإن رأيت رسالة على هاتفي المحمول تقول “نعم”، قد تخمن أنها إجابة لسؤال سألته. ولكنك لن تستطيع أن تعرف ما إذا كان السؤال «هل لديك تذكرة لمباراة كرة القدم هذا المساء؟» أم «أتقبلين الزواج مني؟» فلا يمكن تحديد معنى الرسالة دون معرفة مسبقة بالسياق. أي أننا نحتاج لقدر من المعلومات أكبر بكثير لتفسير أي معلومة.

الـ DNA والمعلومات

لنطبق الآن بعضاً من هذه الأفكار على علم الأحياء الجزيئي. تخيل سلسلة “الحروف” التي نجدها في أبجدية جزيء الـ DNA الكيميائية. هب أنك عالم أحياء جزيئية وتعرف (شيئاً عن) “معنى” سلسلة الحروف بحيث يمكنك أن تقسمها إلى جينات وترعف شفرة البروتينات، وما إلى ذلك. أي أن السلسلة لها بعد دلالي ذو معنى في نظرك. فالـ DNA يمثل لك ذات مستوى التعقيد الذي تتسم به اللغة حيث إن ترتيب الحروف في الجين يحدد ترتيب الأحماض الأمينية في البروتين.

ولكن هذا الكلام لا ينطبق عليّ. فأنا لا أرى في السلسلة سوى قائمة طويلة من رموز “بلا معنى” أ س ج ج ث س أ ج ج ث ث س ث أ…. ومع ذلك يصح تماماً أن أقول إني أعرف محتوى معلومات سلسلة الرموز من المنظور البنيوي أو بمفهوم نظرية شانون، ورغم أني لا أفهم “معنى” السلسلة، يمكنني أن أحدد بدقة مقدار المعلومات البنيوية التي يجب أن تزودني بها حتى يمكنني إنتاج نسخ من السلسلة على نحو دقيق. فالأبجدي الوراثية تتكون من أربعة حروف. وكل حرف تتلوه عليّ (أو ترسله لي بالكمبيوتر) يشتمل على 2 بت من المعلومات. وعليه، فالـ DNA في الجينوم البشري مثلاً الذي يبلغ طوله نحو 3,5 مليار حرف يحتوي على حوالي 7 مليار بت من المعلومات. فإن توافرت لدي هذه المعلومات، يمكنني أن أكتب الـ DNA دون أن تكون لدي أدنى فكرة عن “معنى” ما كتبت.

ومن أهم جوانب أبحاث الجينوم هو ما يتعلق بإيجاد أنماط محددة يمكن تكرارها في جينوم معين، أو أيجاد تسلسلات محددة يشترك فيها عدة جينومات. وقد يكون الدافع وراء البحث عن تسلسلات محددة يتعلق باعتبارات دلالية. ومن ذلك، فالبحث الفعلي عنها بالكمبيوتر في قاعدة البيانات الكبيرة التي يكونها الجينوم يتم على مستوى المعلومات البنيوية.

التعقيد

حتى الآن لم نذكر في هذا الفصل مفهوم التعقيد. إلا أن مجرد القول بأن الجينوم البشري يحوي 7 مليار بت من المعلومات يزودنا بفكرة بسيطة عن مستوى تعقيده. ولكنها فكرة بسيطة. خذ مثلاً سلسلة الأرقام الثنائية التالية: 001001001001001001001… ولنفترض أنها تستمر على هذا النحو حتى يصل الإجمالي إلى 6 مليار رقم (يشترط في العدد أن يقبل القسمة على ثلاثة). إذن يمكننا حتى الآن أن نرى من منظورنا أنها تحوي 6 مليار بت من المعلومات. فهل هي بذلك تساوي (تقريباً) الجينوم البشري في التعقيد؟ بالطبع لا. لأنها كما نرى تتكون من نمط متكرر، ألا هون النمط الثلاثي 001 الذي يعاد مراراً وتكراراً. فمن ناحية، كل المعلومات المتضمنة في السلسلة نجدها في عبارة «كرر النموذج الثلاثي 001 ملياري مرة.» وتعتبر هذه العملية الآلية التكرارية مثالاً على ما يطلق عليه الرياضيون اسم خوارزمية Algorithm، وهي العملية التي تنفذها برامج الكمبيوتر. وفي هذه الحالة يمكننا أن نكتب برنامجاً بسيطاً كالتالي: «For n =1 to 2 billion, write 001. Stop»[3] ولم يعوزني لكتابة هذا البرنامج سوى 39 نقرة على لوحة المفاتيح، وهو ما يزودنا بانطباع أدق بكثير عن كمية المعلومات المتضمنة في سلسلة أرقام ثنائية مما يزودنا به طوله الفعلي البالغ 6 مليار رقم.

وإليك مثالاً آخر ينقل هذه الفكرة بديهياً: خذ سلسلة الحروف التالي: ILOVEYOU ILOVEYOUILOVEYOU ILOVEYOU…. وافترض أن السلسلة تحوي 2 مليار تكرار من الكلمات الثلاث ILOVEYOU. واضح أن المعلومات (من المنظور الدلالي) المتضمنة في السلسلة عرفت من الكلمات الثلاث الأولى، فما فائدة التكرار؟ (وإن كان البعض سيقولون إن التكرار يفيد التأكيد!). ولكن على أي حال المعلومات البنيوية الكاملة يزودنا بها البرنامج على النحو التالي: «For n = 1 to 2 billion, write ILOVEYOU. Stop» وهكذا يمكننا قياس محتوى المعلومات على نحو أفضل بعد بت المعلومات البنيوية المتضمنة في البرنامج (القصير) وليس في النص (الطويل).

النظرية الخوارزمية للمعلومات

يعتبر “ضغط” سلسلة معينة من الرموز (أرقام ثنائية، حروف، كلمات…. الخ) بحيث تصبح أقصر (كثيراً) باستخدام برنامج كمبيوتر هو الفكرة الأساسية وراء ما يطلق عليه النظرية الخوارزمية للمعلومات. وكلمة “خوارزمية” مشتقة من اسم عالم الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي الذي عمل في بيت الحكمة الشهير في بغداد في القرن التاسع. والخوارزمية إجراء فعال، وسيلة لعمل شيء بعدد محدد من الخطوات. فمثلاً القانون العام x = (-b ± Ö (b2 – 4ac))/2a يزودنا بإجراء فعال لحساب جذور المعادلة التربيعية ax2 + bx + c = 0 حيث a, b, c  أرقام. ومن ثم فهي خوارزمية. وبالمثل، برامج الكمبيوتر هي خوارزميات تمكن المكونات الصلبة للكمبيوتر من معالجة المعلومات. وبوجه عام تشتمل برامج الكمبيوتر على الكثير من الخوارزميات، وكل منها يوجه العملية الحسابية الفعالة الخاصة به. وقد وضع النظرية الخوارزمية للمعلومات Algorithmic information theory (AIT) “كولموجوروف” Kolmogorov وزميله “تشايتن” Chaitin بصفتها وسيلة لفهم التعقيد، وخاصة فيما يتعلق بمحتوى المعلومات أو تعقيد تسلسل معين، وذلك بالنظر إلى حجم الخوارزمية اللازمة لتوليد ذلك التسلسل.

إذن طبقاً للنظرية الخوارزمية للمعلومات يكون محتوى معلومات س (حيث س هي مثلاً سلسلة من الأرقام الثنائية binary digits، أو سلسلة من الأرقام المعتادة أو العشرية ordinary digits أو حروف أي لغة…. الخ) هو حجم ص(س) في عدد البت لأقصى برنامج يمكنه توليد س.

ولنأخذ سلسلة ثانية ولدها قرد يلعب على لوحة مفاتيح كمبيوتر: @\[Mtl3(#8HJD[;ELSN29XITNSP….. هب أنها هي أيضاً تتكون من 6 مليار حرف، أي أن طولها يساوي السلاسل الأخرى التي تناولناها لتونا. ومن الواضح أنه بما أن السلسلة عشوائية في الأساس، إذن أي برنامج يُكتب لتولديها سيكون طوله مساوياً لطول السلسلة نفسها. أي أن هذه السلسلة لا يمكن ضغطها بطريقة خوارزمية. وعدم إمكانية الضغط الخوارزمي يمثل وسيلة ممتازة لتعريف العشوائية. وهذه السلسلة معقدة إلى أقصى درجة بناء على معيار التعقيد المستخدم عندنا.

وأخيراً، سنأخذ سلسلة ثالثة وهي عبارة عن أول 6 مليار حرف في الكتب الموضوعة على رفوف إحدى المكتبات الإنجليزية. ورغم أننا قد نتمكن من القيام بالقليل من الضغط الخوارزمي، فسيكون مقداره ضئيلاً للغاية مقارنة بطول السلسلة. أي أن هذه السلسلة غير قابلة للضغط الخوارزمي تماماً مثل السلسلة الثانية (ولذلك، فهي سلسلة عشوائية من وجهة النظر الرياضية). وعلى القياس نفسه تعتبر معقدة جداً. إلا أن تعقيدها يختلف نوعاً ما عن تعقيد السلسلة التي ولدها القرد، لأن الأخيرة لا تحمل معنى نستطيع قراءته. في حين أن هذه السلسلة الثالثة تحوي معلومات دلالية، أي أننا نستطيع أن نفهم معنى الكلمات المطبوعة في الكتب. والسر وراء ما تحمله لنا السلسلة الثالثة من معنى نستطيع أن نفهم معنى الكلمات المطبوعة في الكتب. والسر وراء ما تحمله لنا السلسلة الثالثة من معنى يكمن في أننا تعلمنا اللغة الإنجليزية بالاستقلال عن هذه السلسة أساساً، ما يمكننا من التعرف على الكلمات التي تشكلها حروف السلسلة. وهذه السلسلة ليست معقدة فقط، ولكنها تعكس أيضاً ما يسمى التعقيد المحدد Specified complexity، وهو نوع خاص من التعقيد مرتبط باللغة. وأول من استخدم مصطلح التعقيد المحدد هو “لسلس أورجل” في كتابه “أصول الحياة” The Origins of Life، وكذلك “بول دافيز” في كتاب “المعجزة الخامسة” The Fifth Miracle، ولكنه يفتقر للدقة في الحالتين. إلا أن عالم الرياضيات “وليم دمبسكي” William Dembski أجرى عليه دراسة دقيقة جداً في كتابه “الاستدلال على التصميم: محو الصدفة بالاحتمالات الصغيرة” The Design Inference: Elimination Chance through Small Probabitities.

والآن تتضح الاختلافات الشاسعة بين السلسلة القابلة للضغط المتمثلة في النظم البلورية، كما في المثال الأول الذي أوردناه، والسلاسل غير القابلة للضغط كما في المثالين الثاني والثالث. وهذه الاختلافات هي ما تصنع العمليات الترتيبية التي تنعكس في الحمل الحراري “ريلي بنار” أو تفاعل بلوسوف جابوتينسكي التي غالباً ما لا تمت بصلة لأصل الحياة.

وأكرر أن عدم قابلية السلاسل للضغط الخوارزمي يعنى (بالطبيعة) أنها لا يمكن أن تنشأ بوصفها خاصية “منبثقة” من عملية خوارزمية بسيطة نسبياً، تماماً كما تنشأ صور النمط الهندسي المتكرر fractal pictures الجميلة من معادلات بسيطة جداً. وقد حظي التناظر الذاتي[4] self-symmetry الدقيق الذي يميز مجموعة “ماندلبرو” Mandelbrot set الشهيرة بإعجاب غير عادي، وهي صور ينتجها الكمبيوتر وتزين العديد من الكتب المصورة الفخمة. إلا أن هذه المجموعة تُعزى إلى دالة رياضية بسيطة نسبياً من نوع f(z) = z2 + k للمتغير المعقد z. أفلا يمكننا أن نقول إن النمط الهندسي المتكرر المقعد “ينبثق” من بساطة هذه المعادلة؟

 من ناحية ما، هذا صحيح، أي من منظور إمكانية استخدام المعادلة لتحديد المنحى الكسوري fractal curve (على شاشة الكمبيوتر مثلاً). ولكن لا بد أن نحترس حتى عند هذه النقطة. لأننا لو سألنا كيف “تنبثق” الصورة الموجودة على الشاشة من المعادلة، لاكتشفنا أن المسألة تتضمن ما هو أكثر جداً من مجرد كتابة معادلة “ماندلبرو”. فلا بد من حساب الدالة بالكثير من الصيغ interations المختلفة، وهو ما يتضمن توفيق الألوان مع نقاط الشاشة pixels المتناسبة معها وفقاً لمدى توافر خواص معينة (مثل الحدود الموضعية local-blundedness) في مسار صيغة iteration بعينها. ولذلك، لابد من التأكد من وجود هذه الخاصية في كل مسار. ومن ثم، فالصورة “المنبثقة” مشتقة فقط من المعادلة البسيطة، ولكنها تكلف مدخلات ضخمة من المعلومات الإضافية من حيث أعمال البرمجة والمكونات الصلبة المصممة تصميماً ذكياً. فهي ليست “مجانية”.

ولدينا حجة أوضح تنطبق على التصوير الذي قدمه “دوكينز” في محاضرة عامة بجامعة أكسفورد ليوضح فكرة الانبثاق، وقد ذكرنا آنفاً، عندما زعم إن إمكانية معالجة الكلمات بالكمبيوتر هي خاصية “منبثقة” من الكمبيوتر. وهي كذلك بالفعل، ولكنها تكلف مدخلات من المعلومات المتضمنة في حزمة برامج مصممة بذكاء مثل Microsoft Word. والشيء المؤكد أنه ما من عملية لصانع ساعات أعمى يمكنها أن تنشئ قدرة كمبيوتر رقمي على معالجة الكلمات.

وسأضرب مثلاً آخر يثبت في الأذهان أهمية الفرق بين النوعين الثاني والثالث من التعقيد. إن انسكبت كمية من الحبر على ورقة، سيقع حدث معقد بمعنى أنه من بين كل بقع الحبر الوارد حدوثها، يعتبر احتمال حدوث هذه البقعة التي تكونت بالذات ضئيلاً جداً جداً. ولكن تعقيد بقعة الحبر غير محدد. وعلى العكس من ذلك، إن كتب شخص رسالة بالحبر على ورق نحصل على تعقيد محدد. وبالمناسبة، نحن ننسب بقعة الحبر للصدفة، في حين أننا ننسب الكتابة لفعل ذكي دون أن نفكر لحظة، أليس كذلك؟

ولنطبق بعض هذه الأفكار على الجينوم. إن الحروف أ، س، ج، ث الموجودة على جزيء الـ DNA قد تشغل أي موقع، ومن ثم فهي قادرة على تمثيل تعبيرات غير قابلة للضغط الخوارزمي في الأساس. ولذلك، أؤكد أنها عشوائية من المنظور الرياضي. إلا أننا يجب طبعاً ألا نظن أن هذه العشوائية الرياضية تعني أن تسلسلات الـ DNA اعتباطية كلية. بل هي أبعد ما تكون عن ذلك. ولكن جزءًا ضئيلاً جداً من كل التسلسلات الوارد أن تتكون على جزيء الـ DNA يعكس التعقيد المحدد للجزيئات ذات القيمة البيولوجية، تماماً كما أن نسبة ضئيلة جداً من كل تسلسلات الحروف الأبجدية الوارد تكونها، أو كلمات أي لغة بشرية، تعكس التعقيد المحدد الذي يميز الجمل المفيدة التي تعبر عنها كلمات هذه اللغة. فمثلاً البروفيسور “درك بيكرتون” Dered Bickerton يستعرض فكرة شيقة تزودنا بفهم معين في علم اللغويات، إذ يشرح أن جملة واحدة تمثل مشكلة كبرى: «حاول أن تعيد ترتيب أي جملة عادة تتكومن عشر كلمات. يمكنك نظرياً أن تستخدم 3628800 طريقة بالضبط للقيام بذلك. ولكن في حالة الجملة الأولى من هذا [الاقتباس] طريقة واحدة فقط هي التي تأتي بنتيجة صحيحة لها معنى. وهو ما يعنى أن 3628799 طريقة خطأ لغوياً.» ثم يسأل “بيكرتون” السؤال المتوقع: «كيف عرفنا هذا؟ طبعاً، لم يخبرنا أب أو أم، ولا مدرس. ولكن الوسيلة الوحيدة لمعرفة ذلك أن تكون لدينا، إن جاز التعبير، وصفة لبناء الجمل، وصفة من التعقيد والشمول بحيث تستبعد أتوماتيكياً كل الطرق الخاطئة البالغ عددها 3628799 طريقة لتكون جملة من عشر كلمات وتجيز الطريقة الصحيحة فقط. ولكن بما أن هذه الوصفة لا بد أن تنطبق على كل الجمل، لا على هذا المثال فحسب، فالوصفة في كل لغة ستستبعد جملاً خاطئة يزيد عددها عن عدد الذرات الموجود في الكون.» ولكن علينا ألا ننحرف إلى القضية المذهلة المختصة بأصل القدرة اللغوية عند الإنسان (وإن كانت حقيقة تتصل بهذا الموضوع)!

وحتى نأخذ فكرة بسيطة عن الأرقام المتضمنة في العالم البيولوجي، نشير إلى أن أصغر البروتينات المعروفة التي تمتلك وظيفة بيولوجية تشتمل على ما لا يقل عن 100 حمض أميني. وبالتالي فجزيئات الـ DNA المتوافقة معها تتضمن 13010 شكلاً من أشكال التسلسلات المحتملة، ولكن ما سيكون له قيمة بيولوجية من بينها جميعاً يمثل نسبة متناهية الصغر. ومن ثم، إجمالي التسلسلات المحتمل تكونها ضخم بما يفوق الخيال. وبما أن الريبوز (منقوص الأكسجين) لا يفضل قاعدة بعينها، إذن كل تسلسلات القواعد متساوية الطول تتساوى في احتمالات حدوثها. وتتضمن هذه الحقيقة أن احتمال وجود أصل عشوائي بحت لتسلسل محدد ذي قيمة بيولوجية هو احتمال ضعيف للغاية لدرجة أنه لا يذكر.

وإليك المزيد. إن البروتينات تنم عن درجة عالية من الحساسية الجزيئية بمعنى أنه حتى استبدال حمض أميني واحد في بروتين قادر على الحياة يمكن أن يسفر عن عواقب كارثية. ومن ثم، يمكن القول بأن علم الأحياء الجزيئي للخلية يكشف عن نظام الضبط الدقيق نفسه الذي رأيناه سلفاً في الفيزياء وعلم الكون.

والنقطة الجوهرية هنا أن تسلسل الـ DNA الذي يشفر فعلياً بروتيناً عاملاً يكشف عن التعقيد المحدد اللازم له لتشفير ذلك البروتين، وهو نفس الشيء الذي يجعله في الوقت نفسه غير قابل للضغط خوارزمياً. وهو بذلك عشوائي من الناحية الرياضية. ويكتب “بول دافيز” في هذا الصدد قائلاً: «هل يمكن أن نضمن إنتاج العشوائية المحددة من عملية حتمية آلية تشبه القانون، كالحساء الأساسي المتروك تحت رحمة قوانين الفيزياء والكيمياء المألوفة؟ مستحيل. فما من قانون من قوانين الطبيعة المعروفة يستطيع أن يحقق ذلك.» ويكتب في موضع آخر قائلاً: «إننا نستخلص أن الجزيئات الكبيرة الصالحة بيولوجياً تمتلك خاصيتين جوهريتين في آن: العشوائية والتحديد المفرط. وأي عملية اعتباطية يمكن أن تحقق الخاصية الأولى، ولكن احتمال تحقيقها للثانية لا يذكر.»

أما عبارته التالية مدهشة: «يبدو للوهلة الأولى أن كل ذلك يجعل الجينوم أمراً مستحيلاً، ولا يمكن تحقيقه بالقوانين المعروفة ولا بالصدفة.» وهذا صحيح. إلا أن “دافيز” يؤكد قائلاً: «من الواضح أن التطور الدارويني، بفضل التنوع والانتخاب الطبيعي، لديه ما يلزم لتوليد كل من العشوائية (ثراء المعلومات) والقدرة الوظيفية البيولوجية دقيقة التحديد في نظام واحد.» ولكن هذا الكلام يمثل مصادرة على المطلوب. وذلك لأن القضية موضوع النقاش تحديداً هي ما إذا كانت العمليات الطبيعية أياً كان نوعها (بما فيها التطور الدارويني طبعاً) تتمتع بتلك القدرة، أو ما إذا كان الشيء نفسه الذي تحاول حجته أن تجمع الدلائل المدعمة له هو أنها لا تتمتع بهذه القدرة. وبما أن الفقرة كلها تتحدث عن أصل الحياة، يبدو أن “دافيز” يناقض ما قاله لتوه عندما أضاف قائلاً: «المشكلة من منظور أصل الحياة تتلخص في أن الداروينية لا يمكنها أن تعمل إلا عندما تكون الحياة (أياً كان نوعها) نشطة أصلاً. فهي لا تستطيع أن تفسر كيفية نشأة الحياة من الأصل.»

ولكن ما الدليل بخلاف الصدفة والضرورة؟ أجيب كما كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes سيجيب قائلاَ إنه إن لم تكن الصدفة والضرورة، سواء منفردتين أو مجتمعتين، لا تستطيعان إنشاء الحياة، إذن علينا أن نفكر في احتمالية وجود عنصر ثالث. وهذه الاحتمالية الثالثة هي المدخلات المعلوماتية.

إلا أن هذا الاقتراح سيقابل باعتراض جماعي مفاده أننا لا نتحدث عن قصة بوليسية وأنه على أي حال أسلوب غير علمي وينم عن الكسل الفكري أن تقترح ما يعتبر في الأساس “ذكاء الفجوات” أي حلاً من نوع “إله الفجوات”. ورغم أن التهمة لا بد أن تؤخذ على محمل الجد، لأن المؤمن بالخلق يمكن أن يكون كسولاً فكرياً، وبالتالي يقول: «لا أستطيع أن أفسرها. إذن الله هو من صنعها.» ولكني أقول للمعترض لا تحلل لنفسك ما تحرمه على غيرك. فما أسهل أن يقول المرء أيضاً إن “التطور هو الذي صنعها» وهو لا يملك أدنى فكرة عن كيفية حدوث ذلك، أو يكون كل ما لديه قصة تشبيهية تخمينية مختلفة دون أي دلائل مؤيدة. فكما رأينا، المادي مجبر أن يقول إن العمليات الطبيعية كانت هي الوحيدة المسؤولة لأن كتابه لا يسمح بأي بديل آخر. والنتيجة أن ننتهي بسهولة إلى “تطور الفجوات” تماماً كما يمكن أن ننتهي إلى “إله الفجوات”. بل إنه يمكننا أن نقول إن الانتهاء إلى “تطور الفجوات” أسهل من “إله الفجوات” لأن الاقتراح الأول غالباً ما لا يتعرض لكمية الانتقادات التي يتعرض لها الأخير.

وحتى لا ننسى هذه النقطة، أسجل تحذيراً أطلقه أحد الخبراء في أصل الحياة، الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل “روبرت لافلين” Robert Laughlin الذي يجري أبحاثه على خواص المادة التي تجعل الحياة ممكنة (وهو ليس من مؤيدي التصميم الذكي): «إن الكثير من المعرفة البيولوجية الحالية يمثل موقفاً أيديولوجيا. ومن أهم أعراض التفكير الأيديولوجي تبني تفسر ليس له أي تداعيات وغير قابل للاختبار. وأنا أطلق على هذه الطرق المنطقية المسدودة مضادات النظريات لأنها تنتج الأثر المضاد تماماً للنظريات الحقيقية، أي أنها توقف التفكير بدلاً من أن تستثيره. فمثلاً، التطور بالانتخاب الطبيعي الذي اعتبره داروين نظرية عظيمة، أصبح مؤخراً يقوم بدور “مضاد النظرية” الذي يستدعيه البعض للتغطية على أوجه القصور التجريبي المحرجة ولإضفاء الصبغة الشرعية على نتائج مشكوك في صحتها في أحسن الحالات، وفي أسوأ الحالات لا يمكن حتى أن تعتبر خاطئة. فبروتينك المزعوم يتحدى قوانين فاعلية الكتلة، والتطور هو الذي فعل هذا! وتفاعلاتك الكيميائية الفوضوية المعقدة تتحول إلى دجاجة، والتطور أيضاً هو الذي فعل هذا! والمخ البشري يعمل بناء على قوانين منطقية لا يستطيع أي كمبيوتر أن يضاهيها، والتطور هو السبب!».

فكيف يمكننا إذن أن نتجنب تهمة الكسل الفكري أو طريقة تفكير “إله الفجوات”؟ لأنه يبدو فعلاً للوهلة الأولى أن التهمة قد تكون في محلها. ولشرح الخطوة التالية في الحجة، نستعين بعالم الرياضيات البحتة. ففي الرياضيات البحتة إن فكر الرياضيون سنوات طويلة في إحدى النظريات غير المبنية على معلومات كافية (ولتكن النظرية الشهيرة العتيقة التي تقول إن أي زواية لا يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام إلا بمسطرة تقويم وفرجار) وأن فشلت كل محاولاتهم لإثبات صحتها، عندئذ رغم أنهم لن يتوقفوا بالضرورة عن محاولة إثبات صحتها، فقد يحاولون أيضاً أن يتأكدوا من إمكانية إثبات خطئها، كما حدث بالفعل مع التقسيم الثلاثي للزاوية، كما (يجب أن) يعرف كل طلاب الرياضيات البحتة.

أي أنه عندما يعجز الرياضيون عن إثبات صحة نظرية لا تقوم على معلومات كافية، هذا لا يعني بالضرورة أن يتوقفوا عن بذل أي جهد، ولا يعني أيضاً أن يصروا على مواصلة السير في الاتجاه نفسه رغم أنه أثبت فشله، ولكنهم قد يقررون بدلاً من ذلك (أو بالإضافة إلى ذلك) أن يقوموا بمحاولة رياضية لإثبات خطأ هذا التخمين الذي لا يقوم على معلومات كافية. واعتقادي أن هذا هو بالضبط نوع التفكير الذي نحتاج إدخاله في العلوم الفيزيائية والبيولوجية فيما يتعلق بالمسألة موضوع المناقشة. لقد قلت إننا نحتاج إدخاله. ولكنها ليست كلمة دقيقة. فهذا التفكير موجود بالفعل، بل إن معظمنا على دراية به، على الأقل في العلوم الفيزيائية.

وأنا أشير بالطبع إلى البحث المستمر عن آلات الحركة الأبدية Perpetual motion machines. فكل عام تكتب مقالات بأقلام أشخاص يعتقدون أنهم اكتشفوا سر الحركة الأبدية باختراع أدوات ستظل في حركة مستمرة بمجرد تشغيلها دون أي مدخلات إضافية من الطاقة. إلا أن العلماء العارفين بأساسيات الديناميكا الحرارية لا يأخذون هذه المقالات مأخذ الجد. بل إنهم لا يقرأون معظمها. لا لأنهم كسالى فكرياً وغير مستعدين للتفكير في حجج جديدة. ولكن لأن لديهم أدلة قوية تؤيد قانون حفظ الطاقة Conservation of energy. وهو قانون منعي، ويعني مباشرة أن آلات الحركة الأبدية مستحيلة. وبالتالي، فالعلماء يعرفون أنهم لو فحصوا أياً من آلات الحركة الأبدية المزعومة، لاكتشفوا في كل فحص أنها تحتاج في النهاية إلى حقن بالطاقة من مصدر خارجي حتى تستمر في العمل. ومن ثم، العلم هو الذي أثبت أنه لا وجود لآلات الحركة الأبدية. وهذه هي النقطة الجوهرية فيما يختص بغرض مناقشتنا. فالكسل الفكري لا يتدخل في هذا الأمر. بل إنه نوع من الانحراف الفكري أن يرفض المرء هذه الحجة ويستمر في البحث عن الحركة الأبدية.

فلماذا لا نطبق المنطق نفسه على مسألة أصل المعلومات الوراثية؟ ألا تمثل التحديات التي تواجه كل ما تم من محاولات حتى الآن لتقديم تفسير طبيعي لأصل المعلومات الوراثية سبباً كافياً لبذل ولو شيء من طاقتنا الفكرية لنبحث احتمالية وجود قانون لحفظ المعلومات يشبه قانون حفظ الطاقة؟ وهذا البحص قد يؤدي بنا إلى أدلة علمية ضد أي تفسير لأصل الحياة لا يشتمل عل مدخلات معلوماتية من مصدر ذكي خارجي.

وإني أعترف أن القضايا التي نحن بصددها هنا هي أكبر بكثير من تلك المتعلقة بوجود آلات الحركة الأبدية. وذلك لأننا لو وجدنا من الأسباب العلمية ما يكفي للاعتقاد بأنه لا يمكن تقديم تفسير واف لأصل الحياة دون أن نضع في حسباننا مدخلات معلوماتية، عندئذ سينصب اهتمامنا على اكتشاف مسألة مستقلة تماماً، رغم صعوبة الفصل بينهما في أذهاننا. وسواء أكان تحديد مصدر المعلومات شيئاً ممكناً أم مستحيلاً، فهذا أمر لا يمت بصلة منطقية لمسألة ما إذا كان مدخلات المعلومات الخارجية ضرورية أم لا. فعلى أي حال، لو ذهبنا إلى المريخ واكتشفنا سلسلة طويلة من أكوام مكعبات التيتانيوم تتجه نحو أفق المريخ حيث تتكون كل كومة من عدد أولي من المكعبات والأكوام مرتبة ترتيباً تصاعدياً صحيحاً 1، 2، 3، 5، 7، 11، 13، 17، 19…. مؤكد أننا سنستنتج فوراً أن هذا الترتيب ينطوي على مدخل ذكي حتى لو لم تكن لدينا أدنى فكرة عن طبيعة الذكاء الذي يكمن في هذا الترتيب. ولكننا إن اكتشفنا شيئاً أعقد بكثير، وليكن جزيء الـ DNA، أظن أن العلماء الطبيعيين سيستنتجون أنه نتاج الصدفة والضرورة!

هل المعلومات تحفظ؟

سؤالنا الآن: هل من أي دليل علمي على أن المعلومات تحفظ بالمعنى الدقيق للمصطلح؟ إن كان الرد بالإيجاب، عندئذ يمكن توفير الكثير مما يصرف في البحث من وقت وجهد فيما يخص بموضوع أصل الحياة، وذلك بالتخلي عن البحث العقيم عن نظرية معلوماتية تساوي آلة الحركة الأبدية.

ويجب أن نلاحظ أيضاً أنه لم يعد ملائماً أن نعترض على استخدام لغة الآلة عند الإشارة إلى الكائنات الحية. فقد رأينا مراراً أنه في عصرنا الحالي أصبحت لغة الآلة هي السائدة في علم الأحياء الجزيئي لسبب بسيط، ألا وهو أن البروتينات، وسياط البكتيريا، والخلايا، وما إلى ذلك هي بالفعل آلات جزيئية. حقيقة أنها قد تكون أكثر من مجرد آلات، ولكن على مستوى قدرتها على معالجة المعلومات، فمن المؤكد أنها آلات (معالجة رقمية).

وهو ما يحمل في طياته نتيجة استغلت علمياً بأشكال عديدة في السنوات الأخيرة، وهذه النتيجة هي أن الآلات البيولوجية يمكن إخضاعها للتحليل الرياضي عموماً والتحليل النظري المعلوماتي خصوصاً. وهذا هو التحليل الذي نلتفت إليه الآن لنعرف ما إذا كانت الآلات الجزيئية (أياً كان نوعها) قادرة على توليد معلومات جديدة. “ليونارد بريلوان” Leonard Brillouin في كتابه الكلاسيكي عن نظرية المعلومات واثق تماماً من الإجابة. فهو يقول إن «الآلة لا تخلق أي معلومات جديدة، ولكنها تؤدي وظيفة قيمة جداً من إحداث تحول في المعلومات المعروفة.»

وبعد عشرين عاماً، كتب واحد من أعظم العلماء، وهو “بيتر مداوار” الحائز على جائزة نوبل ما يلي: «ما من عملية من عمليات التفكير المنطقي، سواء أكانت فعلاً من أفعال العقل المحضة أو عملية برمجة بالكمبيوتر، يمكنها تكبير محتوى معلومات القوانين والفرضيات أو الجمل التي ينبثق منها هذا المحتوى.» وقد استنتج من هذه الملاحظة أنه لا بد من وجود قانون ما لحفظ المعلومات. إلا أن “مداوار” لم يقم بأي محاولة لعرض هذا القانون، مكتفياً بدعوة قرائه «للعثور على عملية منطقية تضيف لمحتوى معلومات أي عبارة من أي نوع.» ولكنه أعطى مثالاً رياضياً ليوضح ما يقصده. فقد أشار إلى أن نظريات إقليدس الهندسية الشهيرة هي ببساطة «تعبير أو كشف عن معلومات متضمنة أصلاً في القوانين والفرضيات.» وأضاف أن الفلاسفة والمناطقة في كل الأحوال منذ عصر “بيكون” لم يواجهوا صعوبة في إدراك أن كل ما تفعله عملية الاستنباط أن توضح صراحة معلومات موجودة أصلاً، ولكنها لا تخلق أي معلومات جديدة على الإطلاق.

ويمكن التعبير عن هذا المعنى على نحو آخر: نظريات إقليدس يمكن اختزالها إلى ما وضعه من قوانين وفرضيات، وهو ما يجب أن يذكرنا بالطرح الذي عرضناه في الفصل الثالث عن حدود الاختزال الرياضي الذي تفرضه نظرية جودل. والحقيقة أن “جودل”، الذي يعتبر من أعظم الرياضيين في القرن العشرين، أوضح أنه هو أيضاً يعتقد أن الكائنات الحية تتميز بنوع من حفظ المعلومات. وقد قال إن «تعقيد الأجسام الحية لا بد أن يظهر في المادة [المشتقة منها هذه الأجسام] أو في القوانين [التي تحكم تكوينها]. والمواد التي تشكل الأعضاء، بوجه خاص، إن كانت محكومة بقوانين آلية، لا بد أن تكون على نفس درجة التعقيد التي تميز الجسم الحي.» أما صياغة “جودل” (بضمير الغائب) فهي كالآتي: «بوجع أعم، “جودل” يعتقد أن الآلية في علم الأحياء هي فكر متحيز من أفكار عصرنا سيثبت خطؤه. وفي هذه الحالة، سيكون أحد براهين خطئه، كما يرى “جودل”، عبارة عن نظرية رياضية مفادها أن تكوين جسم الإنسان في العصور الجيولوجية بفعل قوانين الفيزياء (أو أي قوانين أخرى ذات طبيعة مشابهة)، بدءًا من التوزيع العشوائي للجسيمات الأولية والحقل هي شيء غير محتمل الحدوث تماماً مثل تقسيم الغلاف الجوي إلى مكوناته بفعل الصدفة.»

والشيء العجيب هنا أن “جودل” توقع أنه يوماً ما سيظهر برهان رياضي على ذلك، أي أن الرياضيات ستساهم في حسم المشكلة البيولوجية المختصة بأصل المعلومات. وهو ما ينطوي على نوع من السخرية اللطيفة. لأن “جودل” نفسه هو من أطلق الشرارة الأولى لما تلا ذلك من تطورات في هذه المشكلة نفسها. وقد توصل الرياضي “جرجوري تشايتن” Gregory Chaitin، باستخدام نظرية المعلومات الخوارزمية، إلى براهين ذات نتائج أقوى مرتبطة بنظرية “جودل” وتختص بمسألة ما إذا كانت الخوارزميات تولد معلومات جديدة، وبالتالي تختص بأصل الحياة.

وأول ما يجب ملاحظته أنه من الثابت أن الخوارزميات محدودة معلوماتياً فيما يمكنها إنجازه. فقد أكد “جريجوري تشاين” في أحد أعماله المهمة أنه لا يمكنك أن تثبت أن تسلسلاً محدداً من الأرقام أعقد من البرنامج اللازم لتوليده.

إلا أن ما يقره “تشايتن” يتضمن تداعيات أخرى. فمثلاً “برند – أولاف كوبرز” Bernd-Olaf Kuppers أحد الباحثين البارزين في أصل الحياة يخلص منه إلى نتيجة لافتة للنظر: «في التسلسلات التي تحمل معلومات دلالية، تكون المعلومات مشفرة بوضوح على نحو لا يقبل الاختزال، بمعنى أنه لا يمكن ضغطها. ومن ثم، لا توجد أي خوارزميات تولد تسلسلات ذات معنى ما دامت تلك الخوارزميات أقصر من التسلسلات التي تولدها.» ويشير “كوبرز” إلى أن هذا طبعاً استنتاج لا يقوم على أدلة كافية، نظراً لأن عمل “تشايتن” نفسه الذي يناقشه يبين أنه يستحيل إثبات أنه في حالة وجود تسلسل وخوارزمية، لا يمكن للخوارزمية الأقصر أن تولد التسلسل.

وتقوم حجج “تشايتن” على مفهوم ماكينة تورينج. وهي تركيبة رياضية مجردة سميت على أسم مخترعها، الرياضي اللامع “آلن تورينج” Alan Turing الذي عمل في “بلتشلي بارك” Bletchley Park في المملكة المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية حيث كان على رأس الفريق الذي فك “شفرة إنيجما” Enigma code الشهيرة. والنتيجة المتوقعة من عمل “تشايتن” أن يؤكد أن ماكينة تورينج لا يمكنها توليد أي معلومات لا تمثل جزءًا من مدخلاتها أو بنيتها المعلوماتية، وأن تضفي على هذه الفكرة مزيداً من المعقولية.

ولكن ما أهمية ذلك؟ تكمن أهميته في أن فرضية تشرتش – تورينج Church-Turing Thesis تقضي بأن أي أداة حاسبة أياً كانت (من الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل) يمكن محاكاتها بماكينة تورينج. وعلى هذا الأساس، فأي نتيجة نحصل عليها لماكينات تورينج يمكن أن تترجم فوراً إلى العالم الرقمي. وقد تكون إحدى النتائج المترتبة على ذلك أنه ما من أداة جزيئية قادرة على توليد أي معلومات ليست جزءًا من مدخلاتها أو بنيتها المعلوماتية.

وقد أتى بعد ذلك “وليم دمبسكي” وقال بقانون غير حتمي non-deterministic لحفظ الطاقة بمعنى أن العمليات الطبيعية التي تقتصر على الصدفة والضرورة يمكنها أن تنقل بفاعلية معلومات محددة معقدة، إلا أنها لا تستطيع أن تولدها.

ولكن هذا المجال المتنامي ما زال يحتاج للكثير من العمل الجاد والمهم. إلا أننا الآن وصلنا إلى موضع يمكننا من اختبار هذه الأفكار المتعلقة بالأدوات التي تحاكي أصل الحياة. وذلك، لأنه إن كانت المعلومات تحفظ بشكل ما، يمكننا أن نتوقع منطقياً أن أي محاكاة لأصل الحياة تدعي الحصول على معلومات “مجانية” بعمليات طبيعية بحتة لا بد أن تهرب تلك المعلومات من الخارج، رغم كل ما تدعيه. ومن ثم، إن أمكننا أن نثبت ذلك، نكون على الأقل قد نجحنا في بناء حجة مقبولة منطقياً تقول بأن مدخلات المعلومات ضرورية لنشأة الحياة.

وفي ضوء ما تقدم سنحاول الآن أن نحلل واحدة من أشهر المحاولات لمحاكاة منشأ التعقيد المحدد للـ DNA بواسطة العمليات الطبيعية. فهيا بنا إلى القرود الكاتبة Typing monkeys!

 

[1] Bit اختصار binary digit وهي وحدة قياس المعلومة. (المترجم)

[2] نظام رقمي ثنائي مكون من واحد أو صفر يستخدم في تطبيقات الكمبيوتر مثل 1 = 001، 2 = 010، 3 = 011…. إلخ وكل رقم مفرد منها على الكمبيوتر يسمى bit وهي أصغر وحدة block يتعامل بها الكمبيوتر. (المترجم).

[3] خوارزمية لبرنامج كمبيوتر حيث يكرر البرنامج طباعة الرقم 001 عدداُ من المرات يساوي 2 مليار مرة، وهو برنامج لا تستلزم كتابته سوى 39 نقرة على لوحة المفاتيح. (المترجم)

[4] نظام العد والحساب التقليدي (0، 1، 2، 3….الخ). (المترجم)

قضايا معلوماتية – جون ليونكس

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

 

 

 

«ما يكمن في صميم كل كائن حي ليس ناراً، ولا نفساً دافئاً،

ولا “شرارة الحياة”. ولكن معلومات، كلمات، تعليمات….

تخيل مليار رمز رقمي مختلف….

فإن أردت أن تفهم الحياة تخيل التكنولوجيا الرقمية.»

“ريتشارد دوكينز”

 

«المعلومات هي أحد الموضوعات المركزية

 في علم الأحياء المعاصر.»

“جون مينارد سميث”

 

المعلومات الكامنة في الخلية:

إن أردنا فهماً أوضح للقضايا المتعلقة بأصل الحياة، علينا الآن أن نتجاوز مستوى البروتينات وننتقل إلى المستوى الجزيئي الذي نجد تحته إحدى اللبنات الأساسية الأخرى للحياة التي تفوق البروتين تعقيداً، ألا وهو جزيء الـ DNA. ويعد اكتشاف طبيعة هذا الجزيء الكبير Macromolecule الحامل للمعلومات وأهميته من أعظم ما توصلنا إليه من اكتشافات علمية. وذلك لأن الخلية الحية ليست مجرد مادة. ولكنها مادة زاخرة بالمعلومات. وعلى حد تعبير “ريتشارد دوكينز”: «ما يكمن في صميم كل كائن حي ليس ناراً، ولا نفساً دافئاً، ولا “شرارة حياة”. ولكن معلومات، كلمات، تعليمات… تخيل مليار رمز رقمي Digital Characters مختلف… فإن أردت أن تفهم الحياة تخيل التكنولوجيا الرقمية».

إن محتوى معلومات الـ DNA أساسي للحياة، ولكن الحياة أكثر من مجرد DNA في البداية، نقول إن الـ DNA نفسه ليس حياً. إلا أن “دوكينز” محق في قوله بأننا يجب أن ننظر للمعلومات بصفتها تؤدي دوراً محورياً في الحياة برمتها. والـ DNA الحامل للمعلومات يكمن في نواة الخلية ويختزن التعليمات اللازمة لبناء البروتينات في الكائن الحي. وهو جزيء الوراثة الذي يحوي الصفات التي تنتقل إلى الأبناء. والـ DNA يشبه القرص الصلب في الكمبيوتر من حيث إنه يضم قاعدة بيانات المعلومات والبرنامج اللازمين لتكوين منتج محدد. وكل خلية من خلايا جسم الإنسان التي يتراوح عددها من 10 تريليون إلى 100 تريليون تحتوي على قاعدة بيانات أكبر من “موسوعة بريتانيكا” Encyclopedia Britannica. وعلى مدى العقود القليلة الماضية رأينا علماء الأحياء الجزيئية يقبلون على مضض لغة تكنولوجيا المعلومات ومنهجيتها اللتين فرضتا عليهم نتيجة لإدراك طبيعة الشفرة الوراثية ووظيفتها، ولكنهم فيما بعد رحبوا بها جميعاً. وأصبحنا الآن لا نجد غضاضة في الحديث عن الخلية الحية بصفتها آلة تعالج المعلومات لأنها هكذا بالفعل، فهي بنية جزيئية مزودة بالقدرة على معالجة المعلومات. وهو تطور فكري مثير لأنه يعني أنه يمكن استكشاف طبيعة المعلومات البيولوجية باستخدام مفاهيم نظرية المعلومات ونتائجها.

ولكن يفضل ألا نتسرع في بحث هذا الأمر قبل أن نكون في أذهاننا صورة لماهية جزيء الـ DNA وكيفية حمله للمعلومات.

 

ما هو الـ DNA؟

الحروف الثلاثة هي اختصار لمصطلح Deoxyribose Nucleic Acid الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين. وهو جزيء طويل جداً ذو بنية ثنائية الحلزون كان لاكتشافه الفضل في فوز “كريك” وزميله “واطسون” بجائزة نوبل. وهو يشبه سلماً حلزونياً يتكون من سلسلة طويلة جداً من جزيئات أبسط كثيراً يطلق عليها نوكليوتايدات Nucliotides. وكل لفة كاملة من لفات الحلزون تحوي عشرة نوكليوتايدات. وتتكون النوكيلوتايدات من سكر يطلق عليه ريبوز Ribose، ومجموعة فوسفات نزعت منها ذرة أكسجين واحدة (وهو ما يفسر استخدام تعبير “منقوص الأكسجين” deoxy. في المصطلح)، وقاعدة. والقواعد هي أربع مواد كيميائية: الأدنين Adenine، الجوانين Guanine، السايتوسين Cytosine، الثايمين Thymine، أو اختصاراً أ، ج، س، ث، A, G, C, T. وهي (الوحيدة) التي تميز بين كل نوكليوتايد والمجاور له. والقاعدتان الأولى والثانية هما بورينات Purines، أما الثانية والثالثة من البرميدينادت Pyrmidines. ودرجات السلك مكونة من الأزواج القاعدية حيث جزيئات الزوجين القاعديين المكونة لطرفي أي درجة من درجات السلم ترتبط معاً بروابط هيدروجينية. وهناك قانون يقول إن (أ) دائماً يتزاوج مع (ث)، ويتزاوج (س) مع (ج)، أي أن البورين يكون دائماً رابطة مع البرميدين. وعليه إن كان شريط واحد من ثنائي الحلزون يبدأ هكذا: أ ج ج ث س س ج ث أ أ ث ج … إذن الشريط الأخر سيبدأ هكذا: ث س س أ ج ج س أ ث ث أ س…. وهكذا يكمل الشريطان بعضهما البعض، أي أنك إذا عرفت أحد الشريطين، يمكنك أن تستنتج الآخر. وسنرى أهمية هذه الفكرة بعد قليل.

وطبعاً تسمية النوكليوتايدات على الأشرطة تسمية عشوائية بمعنى أنه يمكننا أن نشير إليها بأربعة أرقام، مثل 1، 2، 3، 4، أو 2، 3، 5، 7 (أو أي أربعة رموز مختلفة)، وعندئذ تكون بداية الشريط الأول المذكور أعلاه 341143224331… أو 572275337552…. على التوالي. وهكذا يمكن الإشارة لكي جزيء DNA برقم خاص (وعادة ما يكون رقماً طويلاً للغاية، كما سنرى أدناه) يمكّننا من قراءة سلسلة قواعده.

وكما أن أي سلسلة حروف في أي من الأبجديات العادية لإحدى لغات العالم المكتوبة تحمل رسالة وفقاً لترتيب هذه الحروف، هكذا سلسلة القواعد على العمود الفقري للـ DNA (أو تسلسل درجات السلم، إن شئت) يحمل رسالة محددة مكتوبة بالأبجدية المكونة من أربعة حروف هي: أ، س، ج، ث. أما المورث أو الجين Gene فهو حبل طويل من هذه الحروف يحمل معلومات بروتين ما، وهكذا يمكن تفسر الجين باعتباره مجموعة من التعليمات، مثل أحد البرامج، اللازمة لصنع ذلك البروتين. والطريقة التي يعمل بها التشفير هي أن كل مجموعة من ثلاثة نوكليوتايدات، ويطلق عليها كودون Codon تحدد كود أو شفرة الحمض الأميني. وبما أنه لدينا أربعة نوكليوتايدات، إذن هناك 34 = 64 ثلاثياً متاحاً لتشفير عشرين حمضاً أمينياً. ويمكن أن يكون لحمض أميني واحد أكثر من ثلاثي (ويمكن أن يصل العدد إلى ستة ثلاثيات) يضع شفرته. وهذا التشفير هو ما ينشئ مفهوم الشفرة الوراثية.

ويتكون المحتوى الجيني أو الجينوم Genome من مجموعة كاملة من الجينات. والمحتويات الجينية، أو بالأحرى الـ DNA لبكتيريا الإشريكيا القولونية يبلغ طوله حوالي 4 مليون حرف ويمكن أن يملأ كتاباً من 1000 صفحة، أما الجينوم البشري يزيد طوله عن 3,5 مليار حرف ويملاً مكتبة بأكملها. ومما يلفت النظر أن الطول الفعلي للـ DNA الملفوف بإحكام في خلية واحدة في جسم الإنسان يبلغ نحو مترين. وبما أن جسم الإنسان يحوي حوالي 10 تريليون (= 1310) خلية، إذن إجمالي طول الـ DNA يبلغ رقماً يذهب العقل هو 20 تريليون متر.

ولا بد أن نشير إلى أننا غالباً ما نعتبر الـ DNA لأحد الكائنات الحية مرادفاً للجينوم، إلا أننا إن أردنا الدقة يجب أن ندرك أن الجينوم لا يشغل فعلياً سوى جزء من الـ DNA، وهو جزء صغير نسبياً يبلغ في الإنسان 3٪ أما النسبة الباقية (97٪) من الـ DNA التي يطلق عليها الـ DNA غير المشفر يشار إليها باسم ” الـ DNA الخردة” Junk DNA، ولكننا الآن نعلم أنها ليست خردة على الإطلاق بعد أن ثبت أنها مسؤولة عن تنظيم العمليات الوراثية وصيانتها وإعادة برمجتها، وأنها تحتوي على أجزاء من الـ DNA ذات قدرة عالية على الحركة تعرف باسم النواقل Transposons وهي قادرة على أن تصنع نسخاً من نفسها ثم تنتقل إلى مواقع أخرى على الجينوم وتؤتي تأثيرات متنوعة، منها مثلاً إعاقة بعض الجينات وتنشيط جينات أخرى خاملة. ومن الاستخدامات المهمة أيضاً للـ DNA غير المشفر البصمة الوراثية المستخدمة في مجال البحث الجنائي التي اكتشفها “ألك جفريز” Alec Jeffreys عام 1986.

كيف ينشئ الـ DNA البروتينات؟

يقع الـ DNA في نواة الخلية التي يحميها غشاء. وحتى “تعيش” الخلية، وحتى يحدث أي شيء لا بد من نقل المعلومات الكامنة في الـ DNA إلى الستوبلازم، وهو المنطقة التي تقع خارج نواة الخلية حيث تعمل آلة الخلية، أو أرضية مصنع الخلية، إن شئت أن تطلق عليه هذا الاسم. وهذه المعلومات ضرورية مثلاً لبناء الإنزيمات في السيتوبلازم بواسطة الآلات الجزيئية التي يطلق عليها الريبوسومات ribosomes. فكيف تصل المعلومات التي على الـ DNA إلى الريبوسومات لصنع إنزيم؟ يتم ذلك عن طريق جزيء حمضي نووي آخر طويل يطلق عليه الحمض النووي الريبوزي Ribonucleic acid (RNA) وهو شديد الشبه بالـ DNA فيما عدا أنه عادة لا يكون ثنائي الشريط Double stranded، وإن كان مقدار ما يه من هيدروكسيل (OH) يزيد عما يحوية الـ DNA بمجموعة واحدة. وهو يحوي أربع قواعد مثل الـ DNA. ثلاث منها هي أصدقاؤنا القدامى أ، ج، س، أما الرابع وافد جديد هو اليوراسيل (ي) Uracil (U) الذي يحل محل القاعدة (ث) في الـ DNA. وما يحدث أولاً أن الـ DNA الموجود داخل النواة “ينفتح كالسوسنة” وينقسم إلى نصفين فينفصل الشريطان بعضهما عن بعض. وما يساعد على ذلك هو ضعف روابط الهيدروجين فيما بين الشريطين مقارنة بالروابط التي تربط القواعد في كل شريط من شريطي الـ DNA. وثانياً يتحول شريط من الـ DNA إلى RNA، ويعرف عندئذ باسم “الحمض النووي الريبوزي المرسل” (mRNA) “messenger – RNA”. والنتيجة نشوء شريط RNA يكمل شريط الـ DNA حيث يحل (ي) محل (ث) على طول الشريط. ومن حين لآخر (أو في الواقع نادراً) تحدث أخطاء في عملية النسخ تؤدي إلى إنتاج بروتين متغير. وبعد ذلك ينتقل الـ mRNA عبر جدار النواة إلى السيتوبلازما حيث تتم عملية الترجمة بالغة الدقة.

ويمكننا أن نتخيل شريط الـ mRNA مثل شريط الكمبيوتر الممغنظ والريبوسوم مثل آلة تنتج بروتيناً من المعلومات الموجودة على ذلك الشريط. ولإتمام هذه العملية يتحرك الريبوسوم على طول شريط الـ mRNA “قارئاً” المعلومات المختزنة فيه. فهو يماثل شريط التسجيل الممغنط في جهاز الكمبيوتر. أو رأس الماسح الضوئي في ماكينة تورينج[1] Turing machine، وإن كان الفرق أنه في هاتين الحالتين يكون الرأس ثابتاً والشريط متحركاً، ولكنه فرق عديم القيمة فيما يتعلق بغرضنا من التشبيه. وهو يقرأ الكودونات كالكمبيوتر بترتيب ظهورها على الشريط، والكودون كما نذكر هو مجموعة من ثلاثة رموز متتالية، فيمكن أن يقرأ مثلاً: أ أ س ي ج س ي ي ج… والمهمة التالية للريبوسوم هي إيجاد الأحماض الأمينية التي تتوافق مع هذه الكودونات (وتلك الأحماض في هذه الحالة هي الأسباراجين Asparagine، والسيستين Cysteine، واللوسين Leucine). ثم تسبح في محيط الريبوسوم المتصل عن طريق روابط مركب عضوي اسمه الإستر ester بجزيئات (يطلق عليها الحمض النووي الريبوزي الناقل transfer RNA أو tRNA) تشبه الصلبات. فإن كان الأسباراجين مثلاً متصلاً بذراع واحد في هذا الجزيء، فالطرف الآخر لذلك الذراع يتصل بما يطلق عليه الكودون المضاد anticodon المقابل لكودون” أ أ س”، ألا وهو “ي ي ج”. وعندما يقرأ الريبوسوم أي كودون معين يسعى ليتصيد الكودون المضاد المقابل له. فيلتقطه ثم ينزع الحمض الأميني المتصل به. ثم يضم الريبوسوم ذلك الحمض الأميني مع الأحماض الأمينية الأخرى التي جمعها من قبل. وهكذا ينشأ البروتين الجديد تدريجياً.

وهذه الآليات بالغة الصغر التي لا يمكن أن “ترى” إلى بالميكروسكوب الذري، لا بالمكروسكوب الضوئي العادي، تتسم بدرجة مذهلة من التعقيد، كما يتبين لنا من نظرة سريعة على أي كتاب دراسي في علم الأحياء الجزيئي. وما تبلغه من تعقيد يدفع أقوى علماء الأحياء التطوريين مثل “جون مينارد سيمث” وكذلك “إرش ساتماري” Eors Szathmary للقول بأن: «آلة الترجمة الموجودة يستحيل الاستغناء عنها وهي تبلغ من التعقيد والشمولية ما يجعل معرفة كيفية نشأتها أو كيف يمكن للحياة أن تنشأ بدونها مهمة عسيرة.» وبعد قرابة عشر سنوات نجد عالم الأحياء الدقيقة “كارل وز” Carl Woese يعبر عن أسفه أنه حتى البشر بكل ما لديهم من ذكاء لا يمكنهم بناء مثل هذه الآليات: «إننا لا نفهم كيف نخلق شيئاً جديداً من الصفر، وهو سؤال متروك لعلماء الأحياء في المستقبل».

 ومن المهم في هذا الموضوع برمته أن ندرك أنه رغم أن الـ DNA ينشئ البروتينات، فإعادة إنتاج الـ DNA نفسه لا يمكن أن تتم دون وجود عدد من البروتينات. ويذكرنا “روبرت شابيرو” الخبير المحترم في كيمياء الـ DNA أن البروتينات رغم أنها تبني وفقاً لتعليمات مشفرة في الـ DNA، فهي جزيئات كبيرة تختلف اختلافاً كبيراً عن الـ DNA من الناحية الكيميائية: «إن الشرح السابق يذكرنا بالأحجية القديمة: أيهما أسبق، الدجاجة أم البيضة؟ فالـ DNA يمتلك وصفة عمل البروتين. ولكن تلك المعلومات لا يمكن استعادتها أو نسخها دون مساعدة البروتينات. فأي جزيء كبير ظهر أولاً، البروتينات (الدجاجة) أن الـ DNA (البيضة)؟».

وفي فقرة عجيبة كاشفة (مقتبسة هنا من النسخة الإلكترونية)[2] يرسم صورة حية لما يبرز حالياً من مشكلات: «الكثير من الكيميائيين عندما اصطدموا بهذه التحديات هربوا من فرضية ” الـ DNA أولاً” كما لو كانت بيتاً يحترق. إلا أن مجموعة منهم ما زالت مأخوذة بمشهد الجزيء الذي ينسخ نفسه، فبحثت عن مخرج يفضي إلى مخاطر مشابهة. وفي هذه النظريات المعدلة، ظهر عنصر آخر مستنسخ قادر على إنتاج نفسه ولكن أبسط، وحكم الحياة في “عالم ما قبل الـ DNA.” وقد طرحت تنويعات مختلفة لهذا العنصر حيث القواعد، أو السكر، أو العمود الفقري كله للـ RNA تمت الاستعاضة عنها بمواد أبسط، يسهل على تكوينات ما قبل الحياة الوصول إليها. ويفترض أن هذا المستنسخ الأول يتمتع بالقدرات التحفيزية التي يتمتع بها الـ RNA. ولكن بما انه لم يعثر حتى الآن في علم الأحياء الحديث على أي أثر لهذا المستنسخ والمحفز الأولى الافتراضي، فلا بد أن الـ RNA استولى تماماً على كل وظائفه في مرحلة ما عقب ظهوره.

«علاوة على ذلك، الظهور التلقائي لأي مستنسخ من هذا النوع دون مساعدة عالم كيمياء تشوبه عدة نقاط غير منطقية تفوق تلك التي تشوب تحضير حساء نوكليوتايد. فلنفترض أن حساء ممتزجاً في اللبنات الأساسية المكونة لكل هذه المستنسخات المقترحة قد جمع بشكل ما تحت ظروف تميل إلى ربط هذه المستنسخات في سلاسل. وستكون مصحوبة بالكثير من اللبنات الأساسية المعيبة. مما سيؤدي إلى تدمير قدرة السلسلة على القيام بدور المستنسخ. فأبسط وحدة معيبة كفيلة بإيقاف السلسلة كلها، وكأن يوجد مثلاً مكون به “ذراع” واحد فقط للاتصال، بدلاً من الذراعين اللازمين لاستمرار السلسلة في النمو.

«ليس لدينا سبب يدعونا للافتراض بأن الطبيعة الهوجاء لن تدمج وحدات عشوائياً، منتجة بذلك أنوعاً عديدة من السلاسل المهجنة القصيرة التي تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها بدلاً من السلسلة الأطول التي تستند إلى تركيب السلسلة الرئيسية backbone geometry [3]الموحدة اللازمة لدعم وظائف المستنسخ والمحفز. ويمكننا هنا أن نستخدم حساب الاحتمالات، ولكني أفضل استخدام صورة من صور إحدى المشابهات الشائعة: تخيل غوريلا (ولا بد أن يكون لها ذراعان طويلان جداً) جالسة على لوحة مفاتيح ضخمة متصلة بجهاز معالج للكلمات. ولوحة المفاتيح لا تحوي فقط على الرموز المستخدمة في اللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية، بل تشمل كذلك رموزاً لا حصر لها من كل اللغات المعروفة، وكل الرموز مختزنة في كمبيوتر عادي. واحتمالات تجميع مستنسخ في البركة التي وصفتها أعلاه يمكن مقارنتها باحتمالات تكوين الغوريلا لوصفة متسقة لعمل كرات البطاطس باللحم المفروم باللغة الإنجليزية. وبناء على اعتبارات مشابهة استنتج “جرالد ف. جويس” Gerald F. Joyce من “معهد أبحاث سكريبس” Scripps Research Institute وكذلك “لسلي أورجل” من “معهد سولك” Salk Indtitute أن الظهور التلقائي لسلاسل RNA على الأرض الخالية من الحياة “يكاد يكون معجزة”. وأود أن أطبق هذا الاستنتاج على كل بدائل الـ RNA المقترحة التي ذكرتها سابقاً.»

إن استنتاج “شابيرو” (النسخة الورقية من المقال) حاسم وكاشف: “الـ DNA، والـ RNA، والبروتينات وغيرها من الجزيئات الكبيرة المعقدة لا بد أن ينظر إليها باعتبارها عناصر مشاركة في نشأة الحياة.» وقد تناولنا بالفعل الاعتراضات التي أثيرت ضد مقترحه البديل، ألا وهو “الأيض أولاً.»

هل كل شيء في الجينات؟

علينا أن نتوقف هنا قليلاً لأننا عندما نتحدث عن تعقيد الجزيئات الحيوية الغنية بالمعلومات مثل الـ DNA والشفرة الوراثية، من السهل أن ننقل انطباعاً بأن الجينات تخبرنا بكل شيء عن معنى الكينونة الإنسانية. والحقيقة أنه على مدى سنوات طويلة رأى علماء الأحياء الجزيئية أن الجينوم يقدم تفسيراً كاملاً للصفات الوراثية عند أحد الكائنات، واعتبروا ذلك “عقيدة مركزية”، طبقاً للمسمى الذي أطلقه “فرانسيس كريك”. وهو ما غذى النزعة التي تربى إن سلوك الإنسان كله محكوم بالوراثة bio determinism، ومن ثم تعتبر أن جينات الفرد مسؤولة لا عن الأمراض البشرية فحسب، بل عن كل السمات بدءًا بالاستعداد للعنف أو السمنة وانتهاء بالقدرات العقلية، كالقدرة الرياضية.

هرمية التعقيد:

إلا أن الأدلة تتزايد بسرعة على أنه هذا الزعم غير وارد. وذلك لأنه اتضح أن عدد الجينات التي تحوي عليها الجينوم البشري يترواح بين ثلاثين ألفاً وأربعين ألفاً فقط. وهو ما كان مفاجأة كبرى للكثيرين، على أي حال فآلة الخلية البشرية تنتج نحو 100 ألف بروتيني مختلف، فكان من المتوقع أن يوجد العدد نفسه من الجينات لتشفيرها. ولكن الجينات الموجودة أقل بكثير من أن تفسر التعقيد المذهل الذي تتسم به صفاتنا الوراثية، ناهيك عن الفروق الكبيرة بين النبات والإنسان مثلاً. ولذلك، يطلق عالم الوراثة “ستيف جونز” صيحة تحذير مدوية: «قد يتشابه DNA الشمبانزي مع DNA الإنسان بنسبة 98٪، ولكن هذا لا يجعل الشمبانزي إنساناً بنسبة 98٪: فهو ليس إنساناً على الإطلاق، ولكنه شمبانزي. وهل اشتراكنا في بعض الجينات مع الفئران، أو مع الموز يعكس أي شيء عن الطبيعة البشرية؟ يزعم البعض أن الجينات تخبرنا عما هيتنا الحقيقية. ولكنها فكرة سخيفة».

إن الجينات يمكن أن تكون في وضع تشغيل أو في وضع إيقاف في مراحل معينة من نمو الكائن الحي. والتحكم في هذه الحركة يتم أساساً عن طريق سلاسل يطلق عليها “المحفزات” promoters، وعادة ما توجد بالقرب من بداية الجين. ولنتخيل الآن كائناً حياً له (س) من الجينات، وكل منها يمكن أن يكون في حالة من اثنتين، إما تشغيل، أو إيقاف، معبراً عنه expressed أو غير معبر عنه unexpressed، بلغة المصطلحات الوراثية. وهكذا يكون لدينا 2س من حالات التعبير الممكنة. هب الآن أن لدينا اثنين من الكائنات الحية (أ)، (ب) لديهما اثنان وثلاثون ألف، وثلاثون ألف جين على الترتيب. عندئذ يكون عدد حالات التعبير للكائن (أ) هو 320002، وللكائن (ب) 300002. وهكذا فإن حالات تعبير (أ) تزيد عن حالات تعبير (ب) بمقدار 20002، مع ملاحظة أن 20002 رقم كبير جداً، فهو في الواقع أكبر من عدد الجسيمات الأولية التي يقدر وجودها في الكون (حوالي 8010).

وهكذا فإن اختلافاً طفيفاً نسبياً في عدد الجينات يمكن أن يفسر الاختلافات الشاسعة جداً في الشكل الظاهري (الصفات المرئية) للكائن الحي. ولكن ذلك ليس سوى بداية حيث أن الافتراض الأساسي في حسبتنا الأخيرة من أن الجينات إما في وضع تشغيل أو إيقاف هو افتراض ساذج للغاية مقارنة بالقضية ككل، ولا سيما في حالة الكائنات الحية الأعقد. فجينات هذه الكائنات تتمتع بقدر أكبر من “الذكاء” بمعنى أنها قادرة على بناء قدر أكبر من الآلات الجزيئية والتحكم فيها. فيمكن مثلاً أن يعبر عنها جزيئاً، أي أنها لا تكون في وضع تشغيل كامل ولا في وضع إيقاف كامل. وآليات التحكم هذه قادرة على الاستجابة لبيئة الخلية في تحديد مدى تشغيل الجين. وهي بذلك تشبه فعلاً أجهزة كمبيوتر مصغرة مسؤولة عن التحكم. وبما أن درجة تشغيلها أو إيقافها تختلف، فلا بد من زيادة قيم الحسابات المذكورة أعلاه زيادة كبيرة. وأثر البروتينات على بروتينات أخرى تعنى أننا الآن ندخل إلى ترتيب هرمي مكون من مستويات تتزايد تعقيداً زيادة حادة حتى إنه يصعب إدراك أدنى مستوياتها.

إلا أن مجال التعقيد ما زال يحتوي على المزيد بما أنه أصبح من الواضح الآن أن مجموعة كبيرة من الجينات قد تكون مشاركة في سمة أو وظيفة واحدة بعينها، وبذلك نجد جينات كثيرة مقابل سمة أو وظيفة واحدة، لا جيناً واحداً مقابل سمة أو وظيفة واحدة. وأسباب ذلك تبدأ في الظهور. فمثلً “باري كومنر” Barry Commoner كبير علماء ومدير “مشروع علم الوراثة النقدي” Critical Genetics Project في “مركز بيولوجيا النظم الطبيعية” Center for the Biology of Natural Systems في “كلية كوينز” Queens College في “جامعة سيتي في نيويورك” City University of New York يذكر ثلاثة اكتشافات تؤكد أن الحياة أعمق من الـ DNA في مقالة بعنوان “تفكيك أسطورة الـ DNA” “Unravelling the DNA Myth”.

1 – التضفير البديل:

يرجح “كومنر” أن أحد المبادئ الجوهرية في “العقيدة المركزية”، أي فرضية التسلسل التي يقول بها “كريك” قد يحتاج إلى قدر كبير من المراجعة. ويتلخص هذا المبدأ في أن تسلسل النوكليوتايد في جين واحد يحدد شفرة تسلسل الحمض الأميني لبروتين واحد. وذلك لأنه تبين أنه بإمكان جين واحد أن ينشئ الكثير من تنويعات البروتين بعملية يطلق عليها التضفير البديل alternative splicing يمكن أن تتم عند نقل تسلسل النوكليوتايد في أحد الجينات إلى ال RNA المرسل. أي أنه لا يحدث أن الجين الواحد يقابل بروتيناً واحداً. ولكن ما يحدث أن مجموعة خاصة من البروتينات يصل عددها إلى 150 بروتين مع خمسة جزيئات من الـ RNA تعبر باسم جسيم التضفير spliceosome تجتمع في مواضع متنوعة في الـ mRNA وتشكل آلة جزيئية تقطع الـ mRNA إلى أجزاء تدمج مرة أخرى بترتيبات مختلفة متنوعة. وأحياناً قد تنزع بعض القطع وتضاف أخرى. ومن ثم، أي من هذه المواد التي أعيد دمجها تحمل تسلسلاً يختلف عن التسلسل الأصلي. وهكذا، يمكن لجين واحد أن ينشئ الكثير من البروتينات المختلفة بأسلوب القص واللصق الذي يقوم به التضفير البديل. فمثلاً يوجد جين في الأذن الداخلية للدجاج وللبشر يمكنه أن ينشئ 576 بروتيناً مختلفاً. وهناك أيضاً جين في ذبابة الفاكهة يعرف عنه أنه ينشئ 38016 بروتيناً مختلفاً.

ويشير “كومنر” إلى تداعيات هذا الاكتشاف التي تدمر الاعتقاد بأن المعلومات الجينية التي تصدر من تسلسل الـ DNA الأصلي تنتهي دون أن تتغير في تسلسل الحمض الأميني للبروتين. وقد أكد “كريك” أن «اكتشاف نوع واحد فقط من الخلية الحالية» حيث تنتقل المعلومات الوراثية من بروتين إلى حمض نووي أو من بروتين إلى بروتين «من شأته أن يزعزع الأساس الفكري برمته لعلم الأحياء الجزيئي». ولكن هذا هو بالضبط ما يحدث هنا، حيث تنتج معلومات وراثية جديدة في الـ RNA بفعل عملية التضفير، وهي عملية تشتمل على بروتينات جسيم التضفير. ومن ثم، لا يمكن للمرء أن يتنبأ بتأثير جين واحد بمجرد تحديد التعليمات المتضمنة في تسلسل النوكليوتايد الخاص به. فعملية التضفير تحرر تلك التعليمات كمن يحرر نصاً مكتوباً. ومن ثم، تمكنها من إنشاء العديد من المعاني. وفي سنة 2002 أثبت “شين كواك” Shin Kwak من “جامعة طوكيو” University of Tokyo أن الأخطاء في التضفير هي السبب الأرجح وراء الإصابة بمرض التصلب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis وهو نوع من الشلل الفتاك.

وكان يعتقد فيما مضى أن عملية التضفير نادرة الحدوث. إلا أن الملاحظة أثبتت أن حدوث التضفير البديل يزداد بزيادة تعقيد الكائن الحي، وتبين التقديرات الحالية أن نسبة الجينات البشرية المعرضة لهذه العملية يمكن أن تصل إلى 75٪. ويتضح أن التضفير البديل يضيف كمية ضخمة من المعلومات. ولذلك، لم نعد نتعجب مما نراه من اختلافات شاسعة بين كائنات حية تتشابه في جيناتها تشابهاً كبيراً.

2 – تصحيح الأخطاء:

إن عملية نسخ الـ DNA التي تتم بدقة بالغة لا تتحقق بفعل الـ DNA وحده، ولكنها تعتمد على وجود الخلية الحية. وفي وسط الظروف المحيطة الطبيعية داخل الخلية، يستنسخ الـ DNA نفسه بحوالي خطأ واحد إلى 3 مليار نوكليوتايد (تذكر أن طول الجينوم البشري يبلغ نحو 3 مليار نوكليوتايد). إلا أنه عندما يكون وحده في أنبوبة اختبار، يرتفع معدل الخطأ إلى نسبة مخيفة تصل إلى حوالي 1 من 100. ولكن عندما تضاف في أنبوبة الاختبار أنزيمات بروتين مناسبة، يهبط معدل الخطأ إلى حوالي 1 من 10 مليون. ويعتمد تحقيق أقل معدل من الأخطاء على إضافة مزيد من البروتينات على هيئة إنزيمات “إصلاحية” repair ترصد الأخطاء وتصححها.

ومن ثم تتوقف عملية نسخ الحمض النووي على وجود إنزيمات البروتين هذه، وليس على الـ DNA فقط. وقد سجل “جيمز شابيرو” تعليقاً مهماً على النظام الإصلاحي إذ كتب يقول: «لقد كانت مفاجأة لي عندما عرفت مدى دقة الخلايا في حمايتها لنفسها ضد مختلف التغيرات الوراثية العارضة التي تعتبر مصدر التنوع التطوري، وفقاً للنظرية التقليدية. وبفضل ما تتمتع به الخلايا الحية من أنظمة مراجعة وإصلاح، فهي لا تقف كالضحية العاجزة أمام القوى العشوائية للكيمياء والفيزياء. ولكنها تكرس موارد ضخمة لقمع التنوع الوراثي العشوائي وهي قادرة على تحديد مستوى ما يحدث من طفرات مستترة في موضع معين background localized mutability بضبط نشاط أنظمتها الإصلاحية».

 

أيهما أسبق: الدجاجة أم البيضة؟

من أهم الآثار المترتبة على وجود التضفير البديل وآليات إصلاح الأخطاء هو أنه يبدو أن وجود الـ DNA يتوقف على وجود الحياة، وليس أن الحياة تتوقف على الـ DNA، مما يدعو إلى إعادة النظر في الفكرة الشائعة بأن الحياة نشأت من تسلسل الـ RNA المؤدي إلى الـ DNA المؤدي إلى الحياة (سيناريو عالم الـ RNA). وقد صرح “كومنر” قائلاً: « الـ DNA لم يخلق الحياة، بل الحياة هي التي خلقت الـ DNA.» ويستفيض “ميلر” وزميله “لفين” Levine في هذا الموضوع قائلين: «لا تزال أكبر عثرة تقف عائقاً أمام سد الثغرة بين العالم غير الحي والعالم الحي. فكل الخلايا الحية محكومة بالمعلومات المختزنة في الـ DNA الذي يتحول إلى RNA ثم يتحول إلى بروتين. وهو نظام في غاية التعقيد وكل من هذه الجزيئات الثلاثة يحتاج للاثنين الآخرين، إما ليحفظ له تماسكه أو ليساعده على العمل. فالـ DNA مثلاً يحمل المعلومات ولكنه لا يستطيع أن يُفّعل استخدامها، ولا حتى أن يستنسخ نفسه دون مساعدة الـ DNA والبروتين».

وهو ما يبدو نوعاً من التكافل غير القابل للاختزال الذي لا تعكسه نماذج أصل الحياة التي تميل لتبسيط العملية على نحو مخل. ويقدم “لسلي أورجل” من “معهد سولك للدراسات البيولوجية” مثالاً مشابهاً: «ليس هناك اتفاق على مدى قدرة الأيض على النمو دون مادة وراثية. وإني أرى أن الاعتقاد بأن تسلسلات طويلة من التفاعلات يمكنها أن تنتظم تلقائياً ليس له أي أساس في الكيمياء المعروفة، بل لدينا كل الأسباب التي تدعونا للاعتقاد بأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك. ومشكلة تحقيق قدر كاف من التحديد، سواء في المحلول المائي أو على سطح أحد الأملاح صعبة للغاية لدرجة أن احتمال إغلاق دورة تفاعلات معقدة مثل دورة حمض الستريك العكسية مثلاً احتمال ضئيل للغاية».

3 – هندسة البروتينات:

عندما تصنع البروتينات تطوى متخذة شكلاً هندسياً دقيقاً ثلاثي الأبعاد يتوقف عليه ما ستقوم به من نشاط بيوكيميائي. وكان يعتقد فيما مضى أنه ما أن يتحدد تسلسل الحمض الأميني للبروتين، حتى “يعرف” هذا البروتين كيف يطوى متخذاً الشكل الصحيح. إلا أننا الآن نعلم أن بعض البروتينات تحتاج إلى بروتينات أخرى “مرافقة” تساعدها على أن تطوى طياً صحيحاً، وإلا ستظل خاملة بيوكيميائياً.

علاوة على ذلك، البروتينات المعروفة باسم البرايونات prions الخالية من الحمض النووي مسؤولة عن الأمراض التي تحدث تلفاً في المخ مثل مرض “جنون البقر”. وقد بينت الأبحاث أن أحد بروتينات البرايون يخترق بروتيناً سليماً في المخ ويدفعه ليطوى مرة أخرى بشكل يتوافق مع بنية البرايون ثلاثية الأبعاد. وتنتج هذه العملية برايون آخر من البروتين المعاد طيه يبدو معدياً ويحدث تفاعلاً تسلسلياً فتاكاً. ولكن الشيء الغريب والمهم أن البرايون وبروتين المخ الذي يؤثر فيه البرايون لهما نفس تسلسل الحمض الأميني، ومع ذلك أحدهما “معد” وخطير، والآخر “صحي” وسليم. وهو ما يرجح بقوة أن البنية المطوية لا بد أن تكون مستقلة جزئياً عن تسلسل الحمض الأميني. ويعنى هذا طبعاً أننا عند تقدير محتوى معلومات البروتين، لا بد أن نأخذ في اعتبارنا شكل الطي الهندسي ثلاثي الأبعاد، وهي مشكلة تحير العقل.

وبما أن الكثير من هذا الكلام معروف للعلماء منذ فترة، فقد دفع ذلك “كومنر” أن يسأل عن سر استمرار العقيدة المركزية. وإجابته: «لقد ظلت النظرية محمية من النقد نوعاً ما بأداة أكثر شيوعاً في الدين منه في العلم: فالاختلاف عما هو متعارف عليه، أو مجرد اكتشاف حقيقة لا تتفق مع الاتجاه العالم يعد جريمة تستوجب العقاب، وهرطقة قد تجلب لصاحبها عقوبة الإقصاء المهني. ويمكن إرجاع الكثير من هذا التحيز إلى الركود المؤسسي، والتخلي عن الدقة والمنطقية، إلا أن هناك أسباباً أخرى خفية أخطر من ذلك، وهي تفسر سبب ارتياح علماء الوراثة الجزيئية للأمر الواقع، وهذه الأسباب هي أن العقيدة المركزية منحتهم تفسيراً للوراثة مرضياً بسيطاً مغرياً لدرجة أن الشك فيه أصبح يعتبر إهانة للمقدسات. فقد كانت العقيدة المركزية من الجمال بحيث لا يتمنى المرء أن تكون خاطئة.» ومن ثم، يبدو أن معنى الكينونة الإنسانية أعمق بكثير مما تحويه الجينات.

علم البروتيوميات:

 إن الترتيب الهرمي لمستويات التعقيد لا يتوقف عند ترجمة الشفرة الوراثية إلى بروتينات. وذلك لأن البروتينات يمكن أن تتغير بطرق كثيرة، بل يمكن أيضاً أن تقطع وتضفر كما يتم في جزيئات الـ mRNA. وهو ما أدى إلى نشأة علم البروتيوميات Proteomics حيث البرتيوم Proteome هو مجموعة كاملة من كل البروتينان وتنويعاتها في الخلية. ويعد تبسيط ما تتسم به من تعقيد مذهل، يفوق تعقيد الجينوم بما لا يقاس، من أعظم التحديات الفكرية التي تواجه العلم.

 

معالجة المعلومات في الخلية:

ومن ثم، كلما تعمقنا في دراسة الخلية الحية، اتضحت لنا القواسم المشتركة بينها وبين واحد من أعقد منتجات التكنولوجيا المتقدمة التي أبدعها الذكاء البشري، ألا وهو الكمبيوتر. والفارق الوحيد أن قدرة الخلية على معالجة المعلومات تفوق بمراحل أي شيء يمكن لأجهزة الكمبيوتر المعاصرة أن تفعله. وقد قال “بيل جيتس” Bill Gates مؤسس “شركة ميكروسوف” Microsoft إن « الـ DNA يشبه برنامج كمبيوتر، ولكنه أكثر تطوراً بما لا يقاس من كل ما صممناه من برامج.»

وقد كتب عالم الرياضيات “دوجلاس هوفستاتر” Douglas Hofstadter في كتابه “جودل، إشر، باخ: جديلة ذهبية خالدة” Godel, Escher, Bach – an Eternal Golden Braid يقول: «عندما نعرف عن هذه البرامج والمكونات المتداخلة على نحو مذهل دقيق، لا يسعنا إلا أن نسأل سؤالاً طبيعياً وجوهرياً، ألا وهو: «كيف بدأت أصلاً؟»…. من جزيئات بسيطة إلى خلايا مكتملة، إنه أمر يفوق قدرة المرء على التخيل. ورغم ما يتوافر لدينا من نظريات متنوعة عن أصل الحياة، فجميعها تنهار أمام هذا السؤال الذي يشكل لب الأسئلة الجوهرية: «كيف نشأت الشفرة الوراثية وآليات ترجمتها؟» والقول بأن هذه الشفرة في غاية القدم لا يقلل من صعوبة السؤال. والعالم “ورنر لونشتاين” Werner Loewenstein الذي حاز على شهرة عالمية لما توصل إليه من اكتشافات في تواصل الخلية ونقل المعلومات البيولوجية يقول: «هذا المعجم الوراثي يرجع تاريخه إلى أزمنة سحيقة. ويبدو أنه لم يتغير منه مثقال ذرة على مدى ملياري سنة، فكل الكائنات الحية على الأرض من البكتيريا إلى البشر تستخدم الشفرة نفسها ذات الكلمات الأربع والستين».

ولنأخذ جانباً واحداً من هذه المشكلات المركبة، ألا وهو نشأة البرنامج الوراثي الـ DNA. أحياناً ما يقال إن توليد المعلومات الوراثية يتم بمساعدة نوع من الانجذاب الكيميائي بين الجزيئات التي تحمل تلك المعلومات. إلا أن هناك سبباً منطقياً بسيطاً ينفي هذا الزعم، وسأوضحه بالحروف الأبجدية. ففي الإنجليزية مثلاً قاعدة تقول إن حرف “q” لا بد أن يتبع بحرف “u”. والآن تخيل وجود “انجذاب مشابه بين أزواج أخرى من الحروف. والآن يتضح فوراً أنه كلما زادت “حالات الانجذاب” هذه بين الحروف الأبجدية، تضاءل عدد التعبيرات التي يمكنك كتابتها. فحرية كتابة الحروف بالترتيب الذي يعجبك أمر أساسي للحصول على مخزون لغوي ثري من الكلمات. وهو ما ينطبق على الـ DNA. فالعنصر الجوهري في قواعد النوكليوتايد (أ، س، ج، ث) أنها يمكن أن تنتظم بأي ترتبي عشوائي. ولكن وجود أي نوع من الانجذاب بينها من شأنه أن يحد من قدرتها على حمل المعلومات بدرجة كبيرة.

وترتبط القواعد مع العمود الفقري للـ RNA بروابط (تساهمية) قوية. ولكن شريطاً الـ DNA المكملان يرتبطان معاً بروابط كيميائية ضعيفة مقارنة بالأولى، وهي روابط هيدروجينية بين القواعد المكملة. ويشرح “مايكل بولاني” ما يترتب على ذلك من آثار قائلاً: «هب أن البنية الفعلية لجزيء الـ DNA تعزى إلى روابط قواعده أقوى بكثير من روابط أي توزيعات أخرى من القواعد، عندئذ لن يكون لجزيء الـ DNA هذا أي محتوى من المعلومات. وطبيعته الشفرية سيغلب عليها قدر كبير جداً من التكرار عديم الفائدة…. وأياً كان أصل تركيب الـ DNA، فهو لا يستطيع أن يقوم بدور الشفرة إلا إذا كان ترتيبه لا يرجع إلى قوى الطاقة الكامنة. فهو لا بد ألا يكون مقيداً من الناحية الفيزيائية تماماً مثل تسلسل الكلمات المطبوعة على الصفحة». والعبارة المحورية هنا هي «من الناحية الفيزيائية.» فكما رأينا فيما سبق أن الرسالة لا تشتق من فيزياء وكيمياء الحبر والورق.

ويؤكد هذا الموقف “هيوبرت يوكي” Hubert Yockey كاتب أحد المقالات القوية بعنوان “نظرية المعلومات وعلم الأحياء” Information Theory and Biology قائلاً: «إن محاولات ربط فكرة الترتيب…. بالتنظيم أو التحديد البيولوجي هي لعب بالكلمات لا يصمد أمام الفحص الدقيق. فالجزيئات الضخمة المعلوماتية يمكنها أن تشفر رسائل وراثية. ومن ثم، تحمل المعلومات لأن تسلسل القواعد أو المتبقي من العملية الكيميائية لا يتأثر إلا قليلاً، أو لا يتأثر على الإطلاق بالعوامل الفيزيائية – الكيميائية». فالنص الوراثي لا يتولد من كيمياء الروابط بين الجزيئات.

ولكن إن كانت الروابط الكيميائية لا تصلح أن تكون تفسيراً، إذن ما البدائل المتاحة أمامنا؟ فلا يحتمل أن اللجوء الساذج إلى عمليات تشبه العمليات الداروينية بإمكانه أن يزودنا بالحل ما دمنا نتحدث عن أصل الحياة، وأياً كان ما يمكن للعمليات الداروينية أن تفعله، فمن الصعب جداً أن نتخيل كيف يمكن لهذه العمليات أن تسير في غياب الحياة. وذلك لأن الانتخاب الطبيعي يحتاج لعنصر قادر على نسخ نفسه وقادر على إحداث طفرة. وقد اقتبسنا آنفاً مقولة “ثيودوشس دوبجانسكي” الشهيرة: «التطور السابق لظهور الحياة عبارة متناقضة مع نفسها.» ورغم أنها تبدو للكثيرين الآن “قديمة الطراز”، فهي تحذرنا في استخدامنا لبعض المصطلحات مثل: “التطور الجزيئي” الذي يمكن أن يفهم على أنه يعنى أننا نفترض خفية أن العملية نفسها (إنتاج نسخ مماثلة من حيث إنها الوحيدة التي يمكن للانتخاب الطبيعي أن يعمل في وجودها ويؤثر فيها، وإلا تصبح المسألة كلها بلا معنى) بين أيدينا، ونحن نحاول أن نفسر وجودها. وقد أشار “جون بارو” John Barrow إلى أن “جيمز كلرك ماكسويل” قد لاحظ منذ عام 1873 أن الذرات كانت «تجمعات من الجسيمات المتماثلة التي لم يؤثر الانتخاب الطبيعي على خواصها. وهذه الخواص هي التي أتاحت إمكانية وجود الحياة».

إلا أن المحاولات مستمرة لحل معضلة أصل الحياة باستخدام الحجج الداروينية التي تعتمد فقط على الصدفة والضرورة. وعلينا الآن أن نتناول بعض المساهمات الرياضية في هذا الموضوع حتى نضع تلك المحاجات في سياقها المناسب.

 

[1] نموذج رياضي لكمبيوتر افتراضي (http://www.oxfronddictionaries.con/us/definition/american_english/Turing machin) تم الإطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015) (المترجم)

[2] يمكن الرجوع للمقال المشار إليه على (http://www.scientifieamerican.com/article/a-sim-pler.origin.for.life)، تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[3] السلسلة الرئيسية في جزيء البوليمر (“قاموس أكسفورد”). (المترجم)

الشفرة الوراثية DNA وأصلها – جون ليونكس

أصل الحياة – جون ليونكس

أصل الحياة – جون ليونكس

أصل الحياة – جون ليونكس

أصل الحياة – جون ليونكس

 

 

 

«أي شخص يخبرك أنه يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض

منذ حوالي 3،45 مليار سنة إما أحمق أو مخادع

لا أحد يعلم.»

“ستيوارت كوفمن” Stuart Kauffman

 

«إن مجرد الشروع في التفكير في وضع نظرية طبيعية

لتطور أول كائن حي قادر على التكاثر أضحى
أمراً في غاية الصعوبة.»

“أنتوني فلو”

 

تعقيد الخلية الحية

هدفنا الأول من هذا الفصل أن نتعلم قليلاً عما يميز الخلية الحية من تعقيد يفوق الخيال، ثم نركز انتباهنا على جانب واحد فيها، ألا وهو طبيعة تعقيد الـ DNA.

يرى عالم الوراثة “مايكل دنتون” Michael Denton أن الفارق بين العالم الحي والعالم غير الحي «يمثل أكبر وأعمق الفوارق في الطبيعة. فالفرق بين الخلية الحية وأكثر النظم غير الحية تنظيماً كالبلور أو رقائق الجليد فرق شاسع والهوة بينهما أعمق مما نتصور». وحتى أصغر خلايا البكتيريا التي يقل وزنها عن واحد على تريليون من الجرام تمثل «بحق مصنعاً متناهي الصغر يحتوي آلاف الآلات الجزيئية المعقدة ذات التصميم العجيب التي تتكون معاً من 100 ألف مليون ذرة تفوق في تعقيدها أحد الماكينات التي صنعها الإنسان ولا نظير لها على الإطلاق في العالم غير الحي».

ويقول “دنتون” علاوة على ذلك إن الدلائل التي تشير للتطور بين الخلايا نادرة جداً: «لقد كشف علم الأحياء الجزيئي أيضاً أن التصميم الأساسي لنظام الخلية واحد في كافة الأنظمة الحية على الأرض بدءًا من البكتريا وانتهاءً بالثدييات. والأدوار التي يؤديها كل من الـ DNA والحمض الريبوزي المرسل mRNA والبروتيني متماثلة في كل الكائنات. ومعنى الشفرة الوراثية أيضاً يكاد يكون متماثلاً في كل الخلايا. وحجم ماكينة تخليق البروتين وبنيتها وتصميمها تكاد تكون متماثلة في كل الخلايا. ولذلك، لا يمكن أن نعتبر أي نظام حيوي بدائياً أو سلفاً من حيث تصميمه البيوكيميائي الأساسي مقارنة بأي نظام آخر، ولم يثبت تجريبياً على الإطلاق وجود سلسلة تطورية بين مختلف الخلايا المتنوعة على وجه الأرض.»

ويؤيد هذه النظرة “جاك مونوه” Jacques Monod الحائز على جائزة نوبل ويستشهد به “دنتون” قائلاً: «ليست لدينا أدنى فكرة عن بنية أي خلية أولية. فأبسط النظم الحية المعروفة لنا، أي خلية البكتيريا…. في خريطتها الكيميائية العامة تماثل الخريطة الكيميائية لسائر الكائنات الحية جميعاً. فهي تستخدم نفس الشفرة الوراثية ونفس آلية الترجمة التي تستخدمها الخلايا البشرية مثلاً. ومن ثم، فأبسط الخلايا المتاحة للدراسة لا تتصف بأي شيء “بدائي”… ولا يمكن العثور على أي أثر لبنى بدائية بمعنى الكلمة».

وهكذا فالخلايا نفسها تعكس نوعاً من “السكون” يشبه فترات السكون في سجل الحفريات، كما أشرنا في الفصل السابق.

التعقيد غير القابل للاختزال:

يقول “بولس ألبرتس” Bruce Alberts رئيس “الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية” The National Academy of Sciences of the USA «دائماً ما كنا نحط من قدر الخلايا. رغم أن الخلية بأكملها يمكن رؤيتها كمصنع يحتوي على شبكة دقيقة من خطوط التجميع المتشابكة التي يتكون كل منها من مجموعة من ماكينات البروتيني الضخمة… ولماذا نطلق على تجميعات البروتين الضخمة التي تؤلف وظيفة الخلية اسم ماكينات البروتين؟ لأن تجميعات البروتين هذه تحوي فعلياً أجزاء متحركة عالية التناسق تماماً مثل الآلات التي تخترعها البشر للتعامل بفاعلية مع العالم المرئي بالعين المجردة.»

ومن الصعب أن نتصور النشاط بالغ التعقيد الذي يجري باستمرار داخل الخلية الحية التي تحوي في غشائها الدهني Lipid Membrane حوالي 100 مليون بروتين من 20 ألف نوع مختلف، ومن ذلك الخلية نفسها تكون شديدة الصغر حتى إنه يمكن وضع بضع مئات منها على نقطة حرف “ب”.

والخلية لا تتوقف عن الإنتاج، لأن خطوط تجميعها الكثيرة متناهية الصغر تنتج حصصاً لا حصر لها من آلات البروتين. وهذه الآلات الجزيئية ذات التركيب العجيب تمثل لبعض العلماء دليلاً قوياً على وجود ذكاء مصمم. ومن أبرزهم عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” الذي عرض دراسة لهذه الآلات في كتاب أثار الكثير من المناقشات الساخنة. وهو يقدم مثال الموتور الصغير الذي يعمل بالحمض acid-driven motor (الذي اكتشف سنة 1973) الذي يدير سوط البكتيريا، وهو أداة تشبه ذراع التحريك تكمن البكتريا من السباحة، وهو يبين أن هذا الموتور متناهي الصغر الذي إذا رصصنا منه 35 ألفاً لن يساوي طورها إلا 1 ملم (0,04 بوصة) يتكون من حوالي أربعين جزءًا من البروتين تشتمل مثل أي موتور على جزء دوار، وجزء ثابت، وبطانات تقلل الاحتكاك، وعمود توجيه. ويقول “بيهي” إن غياب أي جزء من أجزاء البروتين هذه ينجم عنه فقدان الوظيفة الحركية بالكامل. وهو ما يعني أن الموتور معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال Irreducibly complex، أي أنه «نظام واحد يتألف من عدة أجزاء متفاعلة شديدة التناسق تسهم في الوظيفة الأساسية حيث يؤدي نزع أي جزء إلى توقف النظام فعلياً عن القيام بوظيفته». ويشار إلى هذا المفهوم بنموذج مصيدة الفئران البسيط. فكل مكوناتها الخمسة أو الستة لا بد أن تتواجد حتى تقوم المصيدة بوظيفتها. وهو ما يعني، كما يشير “بيهي” «أنه لا يمكن إنتاج نظام معقد تعقيداً لا يقب الاختزال على نحو مباشر (أي بالتطوير المستمر للوظيفة الأصلية التي تظل تعمل بنفس الآلية) بتغيرات طفيفة متوالية في نظام سابق. لأن أي نظام يسبق نظاماً معقداً بشكل لا يقبل الاختزال ويفقد أحد أجزائه، هو نظام بطبيعته غير قابل للعمل».

والآن يتضح أن وجود آلات بيولوجية معقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال يشكل تحدياً هائلاً أمام نظرية التطور، كما رأى داروين نفسه إذ كتب يقول: «إن ثبت وجود أي عضو معقد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة». وقد أعاد “دوكينز” الفكرة عينها في كتابه “الساعاتي الأعمى” حيث يقول إنه إذا وجد مثل هذا الكائن سوف «يكف عن الإيمان بالداروينية».

ويرد “بيهي” على تحدي داروين بأنه يوجد الكثير من الآلات الجزيئية المعقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال، مثل سوط البكتيريا. والآن يتضح من التعريف أن القول إن نظاماً بعينه معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال يتطلب برهاناً على ما هو منفي، أي على نفي إمكانية الاختزال عن هذا النظام وإثبات عدم وجود أنظمة أبسط منه، وهو أمر شديد الصعوبة كما نعرف جميعاً. ولذلك تسبب “بيهي” (الذي يجب أن نشير إلى أنه لا يختلف عن داروين من حيث انحدار السلالات عن طريق حدوث تغيرات) في إثارة عاصفة من الجدل بزعمه أن «التطور الجزيئي لا يقوم على مرجعية علمية. فالإصدارات العلمية من المجلات المحترمة والمتخصصة والكتب لم ينشر فيها أي وصف يوضح كيف حدث فعلياً تطور جزئي لأي نظام كيميائي حيوي حقيقي معقد، ولا حتى كيف يحتمل أن يكون قد حدث. والبعض يؤكدون أن هذا التطور حدث، ولكن المؤكد قطعاً أن التجارب والحسابات ذات الصلة لا تؤيد أياً من هذه التأكيدات…. ورغم مقارنة السلاسل واستخدام النماذج الرياضية، فالتطور الجزيئي لم يتناول مطلقاً السؤال المتعلق بكيفية ظهور البنى المعقدة إلى الوجود. والحقيقة أن نظرية التطور الجزيئي الدارويني لم تنشر أيضاً أي شيء في هذا الصدد، وعليه لا بد أن يكون مصيرها الفناء».

ويعترف “جيمز شابيرو” James Shapiro أيضاً عالم الكيمياء الحيوية في جامعة شيكاغو بعد وجود أي شرح دارويني مفصل لتطور أي نظام كيميائي حيوي أساسي أو نظام خلية، كل ما هناك مجموعة متنوعة من التخمينات الرغبوية الحالمة. وحتى رأي “كافالير – سميث” Cavalier – Smith الذي يعتبر أشد الآراء نقداً لمزاعم “بيهي” يعترف بما يقوله “بيهي” عن عدم وجود نماذج كيميائية حيوية مفصلة.

ورغم عدم اتفاق “ستيفن جاي جولد” مع حجة “بيهي” فقد اعترف بأهمية مفهوم التعقيد غير القابل للاختزال: «إن العلم الكلاسيكي بميله لاختزال الأشياء إلى القليل من العوامل العلوية الضابطة حقق نجاحاً باهراً في الأنظمة البسيطة نسبياً مثل حركة الكواكب والجدول الدوري للعناصر. إلا أن الأنظمة المعقدة تعقيداً غير قابل للاختزال، أي معظم الظواهر المثيرة في علم الأحياء، والمجتمع البشري، والتاريخ لا يمكن تفسيرها بالطريقة نفسها. ولكننا نحتاج إلى فلسفات ونماذج جديدة لا بد ان تنبثق من اتحاد العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية بالمعنى التقليدي لكل منها». ومما يلفت النظر هنا أن “جولد” يتحدث عن فلسفات جديدة وليس مجرد منهجيات علمية جديدة، وهي أيضاً نقطة مهمة عند “بيهي”.

ويرى “بيهي” أن قصور التركيب الدارويني الحديث يرجع إلى عجزه حتى نظرياً عن تفسير أصل التعقيد غير القابل للاختزال. وهو يرى أن وجود التعقيد غير القابل للاختزال على مستوى الآلة الجزيئية يؤكد وجود تصميم ذكي: «من لا يشعر أنه مجبر على تقييد بحثه بالمسببات غير الذكية يخلص إلى نتيجة واضحة هي أن الكثير من الأنظمة الكيميائية الحيوية مصممة. ولم تصممها قوانين الطبيعة، ولا الصدفة، ولا الضرورة، بل جاءت وفقاً لخطة. أي أن المصمم كان يعرف الشكل الذي ستؤول إليه هذه الأنظمة عند اكتمالها، وبناءً على ذلك اتخذ الخطوات التي أتت بها للوجود. فالحياة على الأرض في مستوياتها الأساسية وفي مكوناتها الضرورية هي نتاج نشاط ذكي». ويؤكد “بيهي” علاوة على ذلك أن استنتاجاته تقوم بالطبع على البيانات، لا على كتب مقدسة ولا عقائد طائفية. فهي لا تتطلب قوانين جديدة منطقية أو علمية، ولكنها تنبثق من الأدلة التي تقدمها الكيمياء الحيوية مع الأخذ في الاعتبار الأسلوب المستخدم عادة في الاستدلال على التصميم. وهو زعم عظيم الأثر حتى إننا سنتناوله بمزيد من التفصيل لاحقاً.

ولكن قبل الخوض في ذلك وأثناء احتدام المعركة حول ما إذا كان “بيهي” قد تمكن من إثبات فكرته أم لا (وفي ضوء الوضع الحالي يبدو أن المعركة ستستمر لفترة طويلة)، ننتقل إلى ما يكمن وراء البنية المعقدة للآلات الجزيئية. وهو ما يقودنا فوراً لمسألة أصل الحياة نفسها.

لقد صيغت الكثير من النظريات المختلفة حول أصل الحياة. ومن أبرزها سيناريو “المستنسخ أولاً” Replicator first وسيناريو “الأيض أولاً” Metabolism first. وقد روج “ريتشارد دوكينز لأولى هاتين النظريتين في كتابه الأكثر مبيعاً “الجين الأناني” The Selfish Gene: «عند نقطة معينة تكون جزيء من نوع خاص جداً بالصدفة. وسنطلق عليه “المستنسخ” Replicator. ربما لم يكن أكبر الجزيئات الموجودة أو أعقدها، ولكنه كان يتمتع بالخاصية المتميزة من القدرة على إنتاج نسخ من نفسه». إلا أننا سنرى في الصفحات التالية أن هذا النموذج وغيره من النماذج التي تصف أصل الحياة أصبح غير وارد إطلاقاً في ضوء ما تم من أبحاث في السنوات الثلاثين الماضية منذ نشر كتاب “دوكينز”.

اللبنات الأساسية للحياة:

 تتكون الآلات الجزيئية، مثل سوط البكتيريا، من البروتينات التي تتكون بدورها مما يطلق عليه غالباً اللبنات الأساسية للأنظمة الحية، ألا وهي الأحماض الأمينية التي يوجد عشرون منها في الكائنات الحية. ومن الأسئلة الجوهرية في علم الأحياء: كيف نشأت هذه الأحماض الأمينية؟

لقد رجح عالم الكيمياء الحيوية الروسي الشهير “إيه. آي. أوبارين” A. I. Oparin في العشرينات من القرن العشرين أن الغلاف الجوي للأرض البدائية Primeval Earth كان يتكون أساساً من الميثان، والأمونيا، والهيدروجين، وبخار الماء، وأن الحياة نشأت نتيجة التفاعلات الكيميائية بين هذا الغلاف الجوي والكيماويات الموجود في الأرض بمساعدة الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس وغيرها من مصاد الطاقة التي تحدث طبيعياً مثل البرق. وفي سنة 1952 أجرى طالب جامعي يدعى “ستانلي ميلر” Stanley Miller في الثانية والعشرين من عمره تجربة شهيرة في المعمل ليختبر زعم “أوبارين” حيث قام بتمرير شحنات تفريغ كهربي من خلال خليط كيميائي يحاكي الغلاف الجوي للأرض البدائية كما كان يعتقد. وبعد يومين وجد “ميلر” ناتجاً من الأحماض الأمينية يبلغ 2٪ والتجارب اللاحقة أنتجت تسعة عشر من الأحماض الأمينية العشرين اللازمة للحياة.

ومفهوم أن هذه التجارب حظيت بترحيب وحماس غير عادي باعتبارها حلاً لمشكلة أصل الحياة. وقد بدا وكأن اللبنات الأساسية للحياة يمكن الحصول عليها بسهولة نسبية بالعمليات الطبيعية غير الموجهة. إلا أن هذه النشوى تراجعت أمام ما تلى ذلك من صعوبات عسيرة نجمت عن فهم أعمق للكيمياء ذات الصلة بهذه التجارب.

وكان التحدث الأول أن الإجماع الذي اتفق عليه علماء الجيوكيمياء[1] من حيث تركيب الغلاف الجوي البدائي للأرض قد تغير. فهم الآن يعتقدون أنه لم يحتو على مقادير تذكر من الأمونيا أو الميثان أو الهيدروجين التي كانت تلزم لإنتاج غلاف جوي مختزل Reducing Atmosphere للغاية كما تتطلب فرضية “أوبارين”، ولكن الأرجح أنه تكون من النيتروجين، وثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء. وتشير بعض الدلائل أيضاً إلى كميات ضخمة من الأكسجين الحر Free Oxygen. وهو ما يغير الصورة كلية لأن لدينا أسباباً نظرية وعملية تدعونا للاعتقاد باستحالة تكون الأحماض الأمينية في هذا الغلاف الجوي كما أكدت التجارب. فوجود الأكسيجين مثلاً من شأنه أن يمنع إنتاج الجزيئات الحيوية الضرورية، بل يضعف ما كان موجوداً منها بالفعل. أي أن الدلائل تشير باختصار إلى أن الغلاف الجوي للأرض البدائية يفترض فعلياً أن يكون معادياً لتكون الأحماض الأمينية.

والآن هب أننا نريد أن نصنع بروتيناً يحتوي على 100 حمض أميني (وهو بروتين قصير، حيث أن معظم البروتينات يبلغ طولها ثلاثة أضعاف ذلك على الأقل). والأحماض الأمينية توجد على هيئة شكلين غير متناظرين Chiral forms يمثل كل منهما صورة في المرآة للآخر يسميان الشكل L والشكل D. وهذا الشكلان يظهران بأعداد متساوية في التجارب التي تحاكي ما قبل ظهور الحياة، بحيث إن احتمالية الحصول على الواحد أو الآخر تعادل حوالي 1/2. إلا أن الغالبية الساحقة من البروتينات الموجودة في الطبيعية لا تحوي إلا الشكل L. ومن ثم، احتمالية الحصول على 100 حمض أميني من (الشكل Lacids) L تعادل (1/2)100 وهو يساوي نحو احتمال واحد من 3010. وثانياً ربط هذه الأحماض الأمينية ببعضها. وحتى يتمكن البروتين من أداء وظيفته يتطلب أن تكون كافة الروابط من الروابط الببتايدية Peptide حتى يطوى متخذاً بنيته الصحيحة ثلاثية الأبعاد. ولكن في تجارب محاكاة ما قبل ظهور الحياة لا تزيد الروابط الببتايدية عن نصف الروابط المتكونة. ولذلك، فاحتمالية تكون رابطة ببتايدية يعادل حولي 1/2، وبالتالي احتمالية الحصول على 100 حمض من الشكل L عشوائياً بالروابط الببتايدية تساوي نحو 1 من 6010. وفي كل أشكال الحياة المعروفة، الآلة الوراثية هي التي تبقى على كل من عدم تناظر الجزيئات والروابط وسلسلة الأحماض الأمينية لن تؤدي إلى الحالات المطوية ذات البنية الصحيحة ثلاثية الأبعاد القادرة على إعادة إنتاج نفسها التي لا غنى عنها في وظيفة الجزيئات.

والبروتين القصير بطبيعة الحال أقل تعقيداً من أبسط خلية حيث الاحتمالات تتضاءل بشكل كبير. إلا أن الاحتمالات الصغيرة التي حصلنا عليها في هذا الجزء شديدة الشبة بالاحتمالات التي سردناها في الجزء المتعلق بالضبط الدقيق للكون. فالمكونات الأساسية للحياة تبين دلائل نستنتج منها أن أجسامنا مضبوطة ضبطاً دقيقاً يناسب الحياة.

ويشير عالم الفيزياء “بول دافيز” إلى مشكلات خطيرة تتعلق بالديناميكا الحرارية فيما يختص بإنتاج السلاسل الببتايدية للأحماض الأمينية. فالقانون الثاني من الديناميكا الحرارية يصف الميل الطبيعية للأنظمة المغلقة إلى التدهور، وإلى فقد المعلومات والنظام والتعقيد، أي إلا زيادة الإنتروبيا. فالحرارة تنساب من السخونة إلى البرودة، والمياه تنساب من أعلى لأسفل، والسيارات تصدأ…. الخ، والقانون الثاني يتميز بسمة إحصائية، أي أنه لا يمنع الأنظمة الفيزيائية أن تسير “لأعلى”، أي عكس الاتجاه، منعاً مطلقاً، ولكن غالباً ما يحشد كل الظروف التي تحول دون حدوث ذلك. ويقول “دافيز”: «يُقدّر أن محلولاً مركزاً من الأحماض الأمينية، إذا ترك على طبيعته يحتاج إلى سائل بحجم الكون المرئي حتى يسير ضد التيار الديناميكي الحراري وينتج ببتايدا متعدداً Polypeptide صغيراً بشكل تلقائي. والواضح أن الخلط الجزيئي Molecular Shuffling العشوائي قليل الفائدة عندما يشير السهم إلى الاتجاه الخاطئ».

علاوة على ذلك أمامنا مشكلة أساسية تتعلق بالزمن حيث إن الزمن المتاح لحدوث مثل هذا “الخلط الجزيئي العشوائي» أقصر بكثير مما يظن الكثيرون. فالتقديرات الحالية تبين أن الوقت المتاح لنشأة الحياة صغير نسبياً، وهو أقل من مليار سنة بعد تكون الأرض، أي منذ حوالي 4,5 مليار سنة، ومع ذلك نشأة الحية بالفعل حيث وجدة بقايا بعض الكائنات الحية وحيدة الخلية في أقدم الصخور.

المشكلة الكبرة: أصل بنية البروتين:

ولكن حتى هذه التخمينات (وهي تحديات مهولة) تبدو ضئيلة نسبياً، بل تافهة مقارنة بالتحدي الأكبر. وهو ما يتعلق بكيفية بناء البروتينات من الأحماض الأمينية. وذلك لأن البروتينات لا تتكون ببساطة بخلط الأحماض الأمينية المناسبة بالمقادير الصحيحة كما نخلط حمضاً عضوياً مع قلوي لإنتاج ملح وماء. ولكن البروتينات هي تراكيب شديدة التخصص والتعقيد تتكون من سلاسل طويلة من جزيئات الحمض الأميني ولا يمكن إنتاجها ببساطة بحق الطاقة من المواد الخام اللازمة لبنائها.

ويعبر “بول دافيز” عن ذلك بشكل تصويري قائلاً: «صنع البروتين بمجرد حقن الطاقة أشبه بتفجير إصبع ديناميت تحت كومة من قوالب الطوب على أمل أين يُكون بيتاً. فيمكنك إطلاق قدر كاف من الطاقة لإنشاء الطوب، ولكن إن لم تمزج الطاقة بالطوب بطريقة مضبوطة ومنظمة، فلا أمل في إنتاج أي شيء سوى فوضى عارمة».

فإنتاج الطوب يختلف كلية عن تنظيم بناء بيت أو مصنع. فإن أردت أن تبني بيتاً، يمكنك أن تستخدم الحجارة التي وجدتها ملقاة هنا وهناك، بكل الأشكال والأحجام التي أصبحت عليها الحجارة نتيجة لمسببات طبيعية. إلا أن تنظيم البناء يتطلب شيئاً لا تحتويه هذه الحجارة. إنه يتطلب ذكاء المهندس المعماري ومهارة البناء. وهو ما ينطبق على اللبنات الأساسية للحياة. فالصدفة العمياء لا تستطيع أن تقوم بوظيفة وضع هذه اللبنات معاً بطريقة محددة. ويعبر عالم الكيمياء العضوية والأحياء الجزيئية “أ. ج. كيرنز-سميث” A. G. Cairns-Smith عن هذه الفكرة قائلاً: «الصدفة العمياء…. محدودة للغاية… فهي قادرة على إنتاج ما يعادل حروفاً وكلمات صغيرة بمنتهى السهولة، ولكن سرعان ما يظهر قصورها عندما يزداد مقدار التنظيم. وإضافة فترات زمنية طويلة وموارد مادية ضخمة لا يغير في الأمر شيئاً ولا يتيح للصدفة فرصاً أفضل».

ويستخدم “كيرنز – سميث” مشابهة الحروف والكلمات هنا وهو استخدام صائب جداً لأن الخاصية الجوهرية التي تميز البروتينات هي أن الأحماض الأمينية المكونة لها لا بد أن تكون في أماكنها الدقيقة في السلسلة. تخيل الأحماض الأمينية مثل عشرين “حرفاً” في “أبجدية” ما. والبروتين “كلمة” طويلة جداً في تلك الأبجدية حيث كل “حرف” (أي كل حمض أميني) لا بد أن يكون في مكانه الصحيح. أي أن ترتيب وضع الأحماض الأمينية في السلسلة هو العنصر الجوهري، فوجودها وحده لا يكفي، تماماً مثل كل حرف من حروف كلمة ما، أو كل نقرة على لوحة المفاتيح في أحد برامج الكمبيوتر التي يجب أن تكون في أماكنها الصحيحة حتى تعطي الكلمة معناها الصحيح أو حتى يعمل البرنامج. فلو تغير مكان حرف واحد فقط، تصبح الكلمة كلمة أخرى أو تصبح بلا أي معنى. ونقرة واحدة على مفتاح خاطئ في برنامج الكمبيوتر قد تتسبب في تعطيل عمل البرنامج.

 وتتضح فكرة هذه الحجة من الاعتبارات البسيطة القائمة على الاحتمالات. فمن بين الكثير من أنواع الأحماض الأمينية المختلفة هناك عشرون حمضاً يصنعون البروتينات، وبحيث إن كان لدينا بركة مكونة من الأحماض العشرين، يكون احتمال الحصول على الحمص الأميني الصحيح في مكان محدد في البروتين 1/20. وبذلك يكون احتمال الحصول على 100 حمض أميني بالترتيب الصحيح (1/20)100 وهو ما يعادل حوالي 1 من 13010، وهو احتمال ضعيف للغاية.

ولكن هذه ليست إلا البداية، بل بداية في منتهى التواضع. وذلك لأن هذه الحسابات تقتصر على بروتين واحد. ولكن الحياة كما نعرفها تتطلب مئات الآلاف من البروتينات، وقد قدر أن احتمالات عدم إنتاج هذه البروتينات بالصدفة تزيد عن 4000010 إلى 1. وقد اشتهر عن السير “فرد هويل” مقارنته بين هذه الاحتمالات المضادة لتَكَوّن الحياة تلقائياً واحتمالات تَكوّن طائرة طراز بوينج 747 نتيجة لهبوب إعصار على ساحة خردة.

وهذا التصوير ليس سوى نسخة مطورة مما أشار إليه شيشرون حوالي سنة 46 ق.م. عندما اقتبس من بالبوس Balbus الرواقي الذي رأى بكل وضوح التحديات البالغة المرتبطة بإرجاع أصل الشيء إلى الصدفة في اللغة مثلاً: «لو ألقينا عدداً لا نهائياً من النسخ لحروف الأبجدية الواحد والعشرين المصنوعة من الذهب أو أي مادة تحلو لك في حاوية ما، ورججناها ثم ألقينا بها على الأرض، هل من الممكن أن تنتج ملحمة “حوليات إنيوس” Annals of Ennius؟ أشل أن الصدفة يمكنها أن تنجح في إنتاج بيت شعري واحد». صحيح. إن الصدفة العمياء لا تستطيع أن تفعل ذلك، وهو رأي يلقى قبولاً واسعاً بين العلماء سواء أكانوا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية أم لا. ولكن ما زال علينا أن نذكر عنه المزيد فيما يلي.

سيناريوهات التنظيم الذاتي:

يحظى مفهوم التنظيم الذاتي بمزيد من الجاذبية بوصفه حلاً لمشكلة أصل الحياة. فمثلاً، يرى “إيليا بريجوجين” Ilya Prigogine الحائز على جائزة نوبل وكذلك “إيزابل ستنجرس” Isabelle Stengers أن الترتيب والتنظيم يمكن أن ينشأ تلقائياً من الفوضى والتشوش. ونوع الفوضى الذي يعنهما هو ذلك الذي يظهر في أنظمة الديناميكا الحرارية التي تبتعد بعيداً عن التوازن وتبدأ في الإتيان بسلوك لاخطي non-linear behavior بحث إن أي تغير طفيف في المدخلات يمكن أن تثير عواقب كبرى لا تتناسب مع حجم هذا التغير. وأشهر مثال على هذه الفكرة هو الظاهرة المعروفة باسم “تأثير الفراشة” Butterfly effect حيث رفرفة جناحي الفراشة في إحدى مناطق العالم تطلق سلسلة من الأحداث التي تثير عاصفة مدارية في منطقة أخرى. وهذه الأنظمة التي تتميز بشدة حساسيتها للتغيرات التي تطرأ على الأوضاع الأصلية، مما يجعل التنبؤ بها أمراً مستحيلاً بطبيعة الحال، كالطقس مثلاً، يطلق عليها الأنظمة الفوضوية Chaotic Systems. ويبين “بريجوجين” أن الأنماط المنظمة غير المتوقعة يمكن أن تنتج دون توقع. ومن أفضل الأمثلة على ذلك الحمل الحراري المعروف باسم “ريلي بنار” RayleighBenard Convection حيث الحرارة التي تسري في انسيابية خلال سائل تتحول فجأة إلى تيار حمل حراري يعيد تنظيم السائل بحيث يظهر نمط على هيئة قرص عسل النحل مكون من خلايا سداسية، وشكله يماثل التكوينات الصخرية الشهيرة في “ممر العمالقة” Giant’s Causeway بإيرلندا الشمالية.

ومن الأمثلة الأخرى التي تشيع الاستشهاد بها تفاعل بلوسوف جابوتينسكي Belousov-Zhabotinski الذي يظهر فيه كسر للتناظر Symmetry braking ولكنه كسر زمني Temporal وليس مكانياً Spatial. وتحدث هذه الظاهر مثلاً عند أكسدة حمض المالونيك بواسطة برومات البوتاسيوم بمساعدة محفزين مثل كبريتات السيريوم والفريون Ferroin. وإن وضع الخليط على درجة حرارة نحو 25 مئوية (77 فارنهاريت) مع التقليب المستمر سيظل لونه يتغير من الأحمر إلى الأزرق بفاصل زمني حوالي دقيقة بين كل تغير والآخر بحيث يعمل التفاعل وكأنه ساعة كيميائية بفترة زمنية منتظمة بشكل مذهل. وهو تفاعل مبهر حتى إنه يمكن شرحه بأسلوب وصفي في منتهى البساطة.

فلنتخيل إذن تفاعلاً حيث المادة (أ) تتحول إلى المادة (ب). وهو ما نعبر عنه بالشكل التالي:

1 – أ >> ب

ثم نفترض أن هذا التفاعل يعقبه تفاعل ثان يطلق عليه تفاعل ذاتي التحفيز Autocatalytic:

2 – أ + ب >> 2ب

حيث (ب) مادة محفزة بما أن كل جزيء في (ب) على اليمين يعاود الظهور على اليسار. ولكن الكمية الناتجة من (ب) أكثر من الكمية التي بدأنا بها بحيث إن سرعة التفاعل الثاني تعتمد على كمية الناتج المتكون، وبذلك نحصل على حلقة ارتجاع إيجابية Positive feedback Loop تسرع من التفاعل، ومن هنا أتى مصطلح ذاتي التحفيز. والآن سنزيد الموقف تعقيداً وإثارة بإضافة تفاعلين آخرين:

3 – ب + ج >> 2ج

4 – ج >> د

والتفاعل الثالث هو تفاعل آخر ذاتي التحفيز، ولكنه هذه المرة ينقص كمية (ب)، وهو بذلك يعمل في الاتجاه المعاكس للتفاعل الثاني. ويمكننا أن نتخيل أن التفاعل الرابع ينتج مادة مهدرة هي (د). والمكونات النهائية التي نحتاجها لإكمال الصورة هي مؤشر يتحول إلى اللون الأحمر في وجود (ب) وإلى الأزرق في وجود (ج). الآن نبدأ التفاعل بحيث يكون تركيز (أ) أعلى من تركيز (ج). وبما أن سرعة التفاعل تتناسب مع تركيزات المواد المتفاعلة، ففي البداية سيسيطر التفاعل الثاني على الثالث. ومن ثم، سيرتفع تركيز (ب) وسيكون لون الخليط أحمر. ولكن التفاعل الثالث ذاتي التحفيز سيحتل مكانه في النهاية ويقلل تركيز (ب) ويتحول اللون إلى الأزرق بسبب سيطرة (ج). ولكن الآن يظهر التفاعل الرابع على الساحة ويتغلب على (ج)، وهكذا تعود (ب) للسيطرة مرة أخرى ويتغير اللون ثانية. وستتوقف العملية عندما تنفذ (أ) أو تعطل (د) النظام. ويمكننا بالطبع أن نجعل العملية تستمر، أي أن نحافظ على النظام بعيداً عن التوازن، وذلك بإضافة المزيد من (أ) واستبعاد (د).

وهكذا، في كل من هذه الأنظمة يتولد نوع من الترتيب، ويعتقد البعض أن هذه العمليات يمكن أن تعرفنا بكيفية نشأة الحياة.

وعلى صعيد مشابه يقترح “روبرت شابيرو” Robert Shapiro وغيره سيناريو أولياً لأصل الحياة يقوم على “الأيض” أو “الجزيء الصغير”، أي سيناريو لا يحوي من البداية آلية وراثية، ومن ثم يشتمل على جزيئات صغيرة وليس جزيئات كبيرة حاملة للمعلومات مثل DNA أو RNA. ويتحدث “شابيرو” عن بدء «نوع من الحياة…. يعرّف بأنه إنتاج نظام أكبر من مواضع محددة بواسطة دورات كيميائية تسير بتدفق من الطاقة». إلا أن “لسلي أورجل” Leslie Orgel، وهو أحد خبراء أصل الحياة البارزين، أجرى تقييماً تحليلياً دقيقاً لهذه الدورات، ولا سيما فيما يختص بأبحاث “كوفمن”. وهو يبني حجته على أساس كيميائي ويقول إن وجود هذه الدورات غير معقول أساساً. وقد كتب قائلاً: «واضح أن وجود سلسلة من التفاعلات المحفزة التي تشكل دورة ذاتية التحفيز شرط أساسي لاستمرار عمل الدورة، إلا أنه ليس شرطاً كافياً. فمن الضروري أيضاً تفادي التفاعلات الجانبية التي تعطل الدورة. وليس من المستحيل تماماً وجود محفزات معدنية محددة كافية لكل تفاعل في دورة حمض الستريك العكسية Reverse Citric Acid Cycle، إلا أن احتمالية حدوث مجموعة كاملة من هذه المحفزات في موضع واحد على الأرض البدائية في غياب المحفزات التي تنتج تفاعلات جانبية معوقة تبدو أمراً بعيداً بما لا يقال. وعندئذ قد يكون عدم التحديد وليس قلة التحفيز من أي نوع تقريباً.» ثم يستطرد قائلاً: «ما الذي يدعو المرء ليصدق أن مجموعة من المعادن القادرة على تحفيز كل خطوة من الخطوات الكثيرة في دورة حمض الستريك العكسية وجدت في أي مكان ما على الأرض البدائية، أو أن الدورة نظمت نفسها تضاريسياً بشكل سرى غامض على سطح معدني من الكبريتيد؟»

وهو يقول في تعليق لافت للنظر على إحدى الدارسات المتعلقة بالتنظيم الذاتي الكيميائي: “غاديري” Ghadiri وزملاؤه…. أظهروا التنظيم الذاتي في شبكات تفاعلات الإدماج Ligation reactions عند استخدام أكثر من اثنين من مدخلات الببتايد المصممة بدقة. ولكن هذه النتائج لا تؤيد نظرية “كوفمن” إلا إذا أمكن تفسير تركيبات ما قبل ظهور الحياة Prebiotic synthesis من الروابط الببتايدية المحددة من نوع 15mer وكذلك 17mer الناتجة عن الأحماض الأمينية المونومر Monomeric amino acids. وإلا تصبح تجارب “غاديري” تعبيراً عن “التصميم الذكي” للمدخلات الببتايدية، وليس تعبيراً عن التنظيم الذاتي التلقائي للأحماض الأمينية المبلمرة Polymerizing amino acids... ولا يمكن لأي من هذه الاحتمالات أو غيرها مما هو مألوف لدي أن يفسر كيفية نشأة عائلة من الدورات المعقدة المتشابكة القادرة على التطور، ولا أن يفسر ما يحافظ على استقرارها.»

والخلاصة التي يتوصل إليها هي أن «التركيبات التي تكونت في فترة ما قبل الحياة Prebiotic Syntheses التي خضعت للبحث التجريبي تؤدي في كل الحالات تقريباً إلى تكوين أنواع من الخليط المعقد. ومخططات تكرار إنتاج البوليمرات Polymer Replication المقترحة لا يحتمل أن تنجح إلا في وجود مدخلات نقية بما يكفي من المونومرات. فلا يمكن العثور على حل لمشكلة أصل الحياة إلا إذا أغلقت الفجوة بين نوعي الكيمياء. وتبسيط أنواع الخليط الناتجة عن طريق التنظيم الذاتي لسلاسل التفاعلات العضوية، سواء أكانت في صورة دورة أم لا سيكون عظيم الفائدة، تماماً مثل اكتشاف البوليمرات البسيطة جداً القابلة للتكرار. إلا أن الحلول التي يقترحها مؤيدو سيناريوهات الوراثة أو الأيض التي تعتمد على كيمياء افتراضية وهمية لن تفيد».

جوهر المشكلة:

إن الموقف القائل بأن هذه العمليات حتى وإن كانت قد حدثت بالفعل رغم كل العوائق التي يفترضها الكيميائيون تعطينا فكرة نوعاً ما عن أصل الحياة نفسها لا بد أن يصادف في النهاية تحديات أكبر بكثير تتعلق بطبيعة التعقيد الذي يظهر في بنية البروتينات التي ذكرناها في نهاية الجزء السابق. وذلك لأن جوهر المشكلة لا يكمن في إنتاج نوعية التنظيم الذي نراه في بلورة أو قرص عسل أو حتى تفاعل بلوسوف جابوتينسكي. ولكنه تنظيم ينتج بنى مختلفة نوعياً كالتي نراها في المنتجات اللغوية التي تتكون بتنظيم معقد للأحماض الأمينية المكونة للبروتين. ويعبر “بول دافيز” عن الفرق بكل وضوح قائلاً: «الحياة فعلياً ليست نموذجاّ للتنظيم الذاتي. ولن الحقيقة أن الحياة محددة، أي أنها تنظيم موجه وارثياً. فالكائنات الحية تتلقى تعليماتها من البرنامج الوراثي المشفر في الـ DNA (أو الـ RNA) الخاص بها. وخلايا الحمل الحراري تتكون تلقائياً بواسطة التنظيم الذاتي. ولكن خلية الحمل الحراري ليس لها جين وارثي. فمصدر التنظيم ليس مشفراً في برنامج، ولكن يمكن إرجاعه إلى الشروط الحدثة Boundary Conditions في السائل… أي تنظيم خلية الحمل الحراري مفروض عليها من الخارج، من بيئة النظام. وعلى العكس من ذلك، تنظيم الخلية الحية يشتق من ضبط داخلي…. فنظرية التنظيم الذاتي الذي ما زال يشتمل على بنى بسيطة نسبياً حتى في أعقد النماذج غير البيولوجية إلى التنظيم الوراثي للكائنات الحية الذي يقوم على المعلومات ويتميز بشدة تعقيده.»

ويعبر “ستيفن ماير” عن المسألة على هذا النحو: «أصحاب نظريات التنظيم الذاتي يجيدون شرح ما لا يحتاج إلى شرح. فما يحتاج إلى شرح ليس أصل التنظيم… بل أصل المعلومات». إن مفهوم المعلومات هو جوهر المشكلة، وهو ما لا بد أن ينصب عليه اهتمامنا في معظم الجزء المتبقي من الكتاب.

واحد من أبرز العلماء المشتغلين بأصل الحياة، وهو “لسلي أورجل” أوجز الموقف قائلاً: «لدينا الكثير من النظريات المعقولة عن منشأ المادة العضوية على الأرض البدائية، ولكن ما من نظرية واحدة تقدم دلائل مقنعة. ولدينا كذلك عدة سيناريوهات تفسير التنظيم الذاتي في كيان قادر على إعادة إنتاج نفسه من المادة العضوية السابقة لظهور الحياة، ولكن كل هذه السيناريوهات ذات الصياغة الجيدة تقوم على تكوينات كيميائية افتراضية تمثل مشكلة في ذاتها».

ومن ثم، يردد “أورجل” رأي “كلاوس دوس” Klaus Dose وهو أيضاً من أبرز العاملين في أبحاث أصل الحياة الذي خلص قبل “أورجل” بعشر سنوات إلى أن: «أكثر من ثلاثين سنة من التجريب في أصل الحياة في مجالي التطور الكيميائي والجزيئي زودتنا بفهم أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلاً من أن تزودنا بحل لها. وفي الوقت الحالي كل المناقشات المختصة بالنظريات والتجارب الرئيسية في المجال ينتهي بها الأمر إما إلى طريق مسدود أو الاعتراف بجهلها».

والسير “فرانسيس كريك” الذي لا يعرف عنه إيمانه بالمعجزات كتب يقول: «يبدو أن أصل الحياة معجزة، فالشروط اللازم توافرها للحياة كثيرة للغاية».

وكل هذا يقود المرء إلى الاعتقاد بأن حكم “ستيورات كوفمن” من “معهد سانتا فيه” Santa Fe Institute في محله: «أي شخص يخبرك أنه يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض منذ حوالي 3،45 مليار سنة إما أحمق أو مخادع. لا أحد يعلم». وقد صرح بعده “فرانسيس كولينز” بالرأي نفسه قائلاً: «ولكن من الإنصاف أن نقول إننا في الوقت الحالي لا نعرف. فليست لدينا فرضية واحدة حتى الآن تقترب من تفسير ما قامت به بيئة ما قبل الحياة التي وجدت على كوكب الأرض من إنشاء الحياة في غضون 150 مليون سنة فقط. وهو ما لا ينفي وجود فرضيات منطقية، ولكن الاحتمالية الإحصائية لقدرتها على تفسير نشأة الحياة ما زالت ضعيفة للغاية».

 

[1] Geochemistry هو العلم الذي يعنى بدراسة التركيب الكيميائي للأرض وصخورها ومعادنها (المترجم).

أصل الحياة – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

«لا شيء في علم الأحياء له معنى إلى في ضوء التطور.»

“ثيودوشس دوبجانسكيTheodosius Dobzhansky

«ليس لدينا فهم واضح لما يظهر من أشكال تطورية جديدة كبرى.

ولم يخضع أي منها للملاحظة، ولسنا نعلم ما إذا كان

أي منها يتم حالياً. وليس لأي منها سجل حفري جيد.»

“روبرت وسون” Robert Wesson

«إذن الحكم المنطقي السليم يرجح أن النظرية الداروينية

صحيحة في صورتها الصغيرة لا في صورتها الكبيرة.

أي أن الأرانب تنشأ من أرانب أخرى تختلف عنها اختلافاً ضئيلاً،

لا من حساء [أساسي] ولا من البطاطس.

أما منشأ هذه الأشياء أصلاً مشكلة لا بد من حلها أولاً

مثل الكثير من المشكلات الضخمة.»

السير “فرد هويل”

تعريف التطور

إننا نستخدم هذا المصطلح حتى الآن كما لو كان له معنى وحيد متفق عليه. إلا أنه من الواضح أن الأمر ليس كذلك. فمناقشة التطور كثيراً ما يشوبها قدر من التشويش لعد إدراك الاستخدامات المختلفة للمصطلح. وبعض استخداماته لا يحتمل أي جدل حتى إن رفضه يعد دليلاً على شيء من الجهل أو الغباء (إلا أنه لا يعد دليلاً على الشر).

فما هو إذن التطور؟ فيما يلي بعض الأفكار التي تشير إليها مصطلح “التطور” “Evolution“:

1 – تغير، نمو، تنوع:

تستخدم الكلمة هنا للإشارة إلى التغيير دون أن تتضمن أي معنى يختص بوجود (أو عدم وجود) آلية أو مدخلات ذكية تحدث التغيير. فنحن نستخدم هذا المعنى لنصف “تطور السيارة” حيث لا غنى عن قدر كبير من المدخلات الذكية. ونستخدمه أيضاً لوصف “تطور الساحل” حيث تؤدي العمليات الطبيعية للبحر والرياح، والحياة النباتية والحيوانية إلى تشكيل الساحل على مر الزمن، بالإضافة إلى ما قد يقوم به المهندسون لمنع عمليات التعرية. وعندما يتحدث الناس عن “تطور الحياة” بهذا المعنى، كل ما يقصدونه أن الحياة نشأت وتطورت (بأي وسيلة كانت). ومصطلح “التطور” بهذا المعنى يعتبر محايداً، لا يسيء لأحد، ولا يثير أي جدل.

2 – التطور الصغير أو الميكرو تطور Microevolution: تنوع داخل أطر محددة من حيث درجة تعقيدها، تنوع كمي في أعضاء أو بنى موجودة أصلاً:

لاحظ داروين هذه العمليات في عصافي جزر جالاباجوس Galapagos finch (انظر أيضاً دارسة “جوناثان واينر” Jonathan Weiner التفصيلية). ونادراً ما يثير هذا الجانب من النظرة أي جدل لأن هذه التأثيرات كالانتخاب الطبيعي، والطفرة، والانحراف الجيني، وغيرها دائماً ما ترصد بالفعل وتقع في إطار الملاحظة. ومن أمثلتها الكلاسيكية المألوفة لنا في العالم أجمع للأسف هو ما تفعله البكتيريا من بناء مقاومة لمواجهة المضادات الحيوية.

وجدير بالذكر أن التغيرات في متوسط أطوال منقار العصفور التي خضعت للملاحظة أثناء موسم الجفاف سنة 1977 سارت عكسياً وعادت لما كانت عليه في فترة الأمطار سنة 1983، أي أن هذا البحث يعتبر نموذجاً للتغير التكراري بفعل الانتخاب الطبيعي، لا نموذجاً للتطور (ولا حتى التغير) الدائم. ومع ذلك، فالكتب المدرسية لا تذكر دائماً هذا التغيير العكسي Reversal.

إلا أن إحدى الدراسات الرئيسية التي تناقلتها الكتب الدراسية واحتفت بها باعتبارها من البراهين الأساسية على التطور تعرضت لنقد حاد في السنوات الأخيرة. وهي تتناول انتشار اللون الداكن Industrial Melanism بين الفراش المنقط Peppered moth (Biston Betularia) في المناطق الصناعية. وتزعم الدراسة أن الانتخاب الطبيعي أنتج تنوعاً في نسبة الفراش الفاتح للفراش الداكن في هذا النوع البيولوجي. فرؤية الفراش الفاتح أسهل على الكائنات المفترسة من رؤية الفراش الداكن على جذوع الأشجار الداكنة بفعل التلوث في البيئة الصناعية، وهكذا ستصبح غالبية أفراد النوع داكنة اللون. وبالطبع، إن كان هذا التفسير صحيحاً، فهو في أفضل حالاته لا يعد إلا مثالاُ على الميكرو تطور أو التطور الصغير ومن وجهة التغير التكراري فقط (لم تنتج فراشات جديدة أثناء هذه العملية حيث إن النوعين موجودان أصلاً). ومن ثم، فهي لا تثير الجدل إلى عندما تستخدم أمثلة الميكرو تطور باعتبارها دلائل كافية على الماكرو تطور أو التطور الكبير. على أن “مايكل ماجروس” Michael Majerus وهو خبير في الفراش بجامعة كامبريدج يقول: «قصة الفراش المنقط الأساسية خاطئة، أو غير دقيقة، أو ناقصة في معظم مكوناتها.» فضلاً عن ذلك، يبدو أنه ليس هناك دليل على أن الفراش المنقط يحط على جذوع الأشجار في الغابات. والكثير من الصور الفوتوغرافية في الكتب الدراسية التي تظهر الفراش في هذا الوضع تبدو غير واقعية. وفي مجلة “تايمز هاير إديوكشنل” Times Higher Educational Supplement تعبر عالمة الأحياء “لين ماجوليس” عن دهشتها من أن “ستيف جونز” Steve Jones ما زال يستخدم الفراش المنقط في كتابه “شبه حوت” Almost like a whale الذي يشرح داروين بصورة حديثة رغم معرفته بالشبهات التي تحوم حول هذا البحث، على حد اعتقادها. وعندما عرف عالم الأحياء “جري كوين” Jerry Coyne في “جامعة شيكاغو” University of Chicago بالمشكلات التي تحيط بقصة الفراش المنقط، كتب قائلاً: «رد فعل يشبه الإحباط الذي أصابني عندما اكتشفت في السادسة من عمري أن من يأتي بالهدايا ليلة الكريسماس لم يكن بابا نويل، بل كان أبي».

3 – الماكرو تطور أو التطور الكبير Macroevolution:

وهو ما يشير إلى ظهور أشكال جديدة على نطاق واسع، أي ظهور أعضاء، وبنى، وخرائط جسمانية body-plans جديدة ذات مادة وراثية جديدة مختلفة اختلافاً نوعياً عن سابقتها. ومن أمثلته تطور البنى متعددة الخلايا من البنى وحيدة الخلية. وبذلك يشتمل الماكرو تطور على زيادة كبيرة في درجة التعقيد. وهذا الاختلاف بين الميكرو تطور، والماكرو تطور هو موضوع خلاف كبير حيث إن الأطروحة التدرجية [1]Gradualist thesid ترى أنه يمكن تفسير الماكرو تطور بتطبيق العمليات التي تتسبب في حدوث الميكرو تطور ولكن على فترات زمنية أطول كما سنرى أدناه.

4 – الانتخاب الصناعي Artificial Selection كما في التهجين النباتي والحيواني:

نجح خبراء التهجين في إنتاج الكثير من الأنواع المختلفة من الورود، والخراف من سلالات أساسية باستخدام طرق تهجينية في منتهى الدقة. وتشتمل هذه العملية على درجة عالية من المدخلات الذكية. ولذلك، فهي لا تقدم في حد ذاتها دليلاً حقيقياً على حدوث التطور بعمليات غير موجهة، رغم أنها كثيراً ما تستخدم لهذا الغرض. وقد استخدمها داروين نفسه ليبين أن ما يفعله البشر في وقت قصير نسبياً تفعله الطبيعة في وقت طويل.

5 – التطور الجزيئي Molecular Evolution:

يرى بعض العلماء أن التطور يفترض، في واقع الأمر، وجود مادة وراثية قادرة على إنتاج نفسها Self-replicating genetic material. فقد رأى “دوبجانسكي” Dobzhansky مثلاً أنه ما دام الانتخاب الطبيعي يحتاج لوحدات تعيد إنتاج نفسها وتحدث طفرات Mutating Replicators، فهذا يعني بالضرورة أن «الانتخاب الطبيعي السابق لظهور الحياة Prebiological natural selection فكرة متناقضة». إلا أن مصطلح “التطور الجزيئي” شاع استخدامه حالياً للإشارة إلى تطور الخلية الحية من مواد غير حية. ولكن استخدام اللغة على هذا النحو من شأنه أن يحجب حقيقة واضحة، وهي أن كلمة “التطور” هنا لا تعني عملية داروينية بالمعنى الضيق.

ومصطلح “التطور” يضم طبعاً النظريات التي تتناول كيفية حدوث هذه الأشياء، وأكثرها انتشاراً هي التركيب الداوريني الحديث التي تقول بأن الانتخاب الطبيعي يعمل على أساس التنوعات التي تنشأ من الطفرات، والانحراف الجيني، وغير ذلك.

وفي ضوء الغموض الذي يكتنف معنى التطور، يمكننا أن نفهم اتهامات “ليونتن” واتهامات “دوكينز” بمزيد من الوضوح. فإن كان «الشك في التطور» يعني الشك في المعنى الأول أو الثاني أو الرابع، عندئذ يمكن أن تكون تهمة الغباء أو الجهل في محلها. وكما أوضحنا سابقاً لا يمكن لأحد أن يشك حقيقة في صحة عمليات الميكرو تطور والتغيير التكراري باعتبارها أمثلة على عمل الانتخاب الطبيعي.

ولذلك، يسهل حدوث الخلط خاصة عند استخدام التطور بمعنى الميكرو تطور. خذ مثلاً ما يقوله “إي. أو. ويلسون” عن التطور: «ربما يعد التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي القانون الوحيد الصحيح الذي تنفرد به الأنظمة البيولوجية عن الأنظمة الفيزيائية غير الحية، وقد اكتسبت في العقود الأخيرة صلابة النظريات الرياضية. وهو يعني ببساطة إنه إذا كانت مجموعة كائنات حية من نوع معين في منطقة ما تحتوي عدداً من التنوعات الوراثية في صفة ما (مثلاً تنوع لون العين بين الأحمر والأزرق في مجموعة طيور من نوع معين)، وإذا نجح أحد تلك التنوعات في المساهمة بعدد أكبر من النسل في الجيل التالي مقارنة بغيره من التنوعات، ينتج عن ذلك حدوث تغير في التركيب العام لهذه المجموعة من الكائنات الحية، وهكذا نقول إنه حدث تطور. فضلاً عن ذلك، إذا ظهرت تنوعات وراثية جديدة بانتظام في هذه المجموعة من الكائنات (عن طريق الطفرة أو الهجرة)، فإن التطور يستمر دون توقف. تخيل طيوراً ذات عيون حمراء وأخرى ذات عيون زرقاء في مجموعة متكاثرة، وساعد الطيور ذات العيون الحمراء على التكيف على البيئة بشكل أفضل. ستجد أنه بمرور الزمن سيكون أغلب أفراد هذه المجموعة أو جميعهم ذوي عيون حمراء. ثم إذا حدثت طفرة أنتجت أفراداً Mutants ذوي عيون خضراء يتكيفون على البيئة أفضل من أصحاب العيون الحمراء، سيصبح النوع كله ذا عيون خضراء. وهكذا يكون التطور قد خطا خطوتين صغيرتين إضافيتين».

هذا التفسير صحيح إلى حد كبير. ولكن يبدو أنه لا يزيد عن كونه وصفاً للميكرو تطور. فإن كان لدينا طيور عيونها حمراء وأخرى عيونها زرقاء في المجموعة الأصلي، فكل ما يفعله “ويلسون” أنه يصف التغير التكراري الذي لا جدال عليه (المذكور أعلاه فيما يختص بعصافير داروين). وهكذا يتجنب “ويلسون” تماماً سؤال ما إذا كانت الآلية التي يصفها تتحمل كل المسؤولية الإضافية الملقاة عليها في أي محاولة لفهم التطور فهماً كاملاً. فكيف يجيب مثلاً عن سؤال: «من أين أتت الطيور أساساً؟» إنه يزعم في موضع آخر من مقاله أن الانتخاب الطبيعي مسؤول بالفعل عن ذلك. فهو يقول مثلاً: «كل العمليات البيولوجية نشأت بتطور هذه الأنظمة الفيزيائية – الكيميائية بواسطة الانتخاب الطبيعي.» ويقول أيضاً إن البشر «انحدروا من حيوانات بفعل القوة العمياء نفسها التي أنتجت تلك الحيوانات.»

وكما هو الحال في تعريف “ويلسون”، كثيراً ما يتردد أن الانتخاب الطبيعي نفسه واضح في حد ذاته ولا يحتاج لدليل. ويعبر “كولن باترسون” زميل الجمعية الملكية عن ذلك في مقولته النموذجية عن التطور على هيئة حجة استنباطية كما يلي:

– كل الكائنات الحية لا بد أن تتكاثر.

– كل الكائنات الحية تظهر فيها تنوعات وراثية.

– التنوعات الوراثية تختلف من حيث أثرها على التناسل.

– إذن التنوعات التي تنتج آثاراً مرغوبة على التناسل هي التي تنجح والتنوعات التي تنتج آثاراً غير مرغوبة تفشل، فيحدث تغير في الكائنات الحية.

ولذلك، فالانتخاب الطبيعي يصف عملية إزالة صفة ما تنتج نسلاً أضعف في مجموعة من الكائنات الحية، والإبقاء على الأقوى.

وحجة “باترسون” تتلخص في أن الانتخاب الطبيعي على هذا النحو ليس نظرية علمية في حقيقة الأمر، بل حقيقة ثابتة لا تحتاج أن نقولها لأنها معروفة للجميع. أي أننا إن اتفقنا على النقاط الثلاث الأولى، فالنقطة الرابعة تترتب عليها منطقياً. وقد قدم داروين نفسه حجة مشابهة في الفصل الأخير من كتاب “أصل الأنواع”. ويشير “باترسون إلى أن «هذا يوضح أن الانتخاب الطبيعي لا بد أن يحدث ولكنه لا يعني أن الانتخاب الطبيعي هو المسبب الوحيد للتطور، وعندما يعمم الانتخاب الطبيعي بحيث يمثل شرحاً لكل التغير التطوري أو لكل خاصية من خواص كل كائن حي، يصبح بذلك تفسيراً شاملاً مثل التنجيم وعلم النفس الفرويدي[2]». وبذلك يبدو أن “باترسون يشير إلى أن الانتخاب الطبيعي لا يفي بمعيار “بوير” المتعلق بقابلية أي فكرة لأن يثبت خطؤها، تماماً كما لا يمكن إثبات خطأ قول “فرويد” بأن سلوك الشخص الراشد ينتج عن صدمة في الطفولة. ويحذرنا “باترسون” من خطورة التسرع في إلصاق علامة “الانتخاب الطبيعي” بهذا المعنى التعميمي على عملية ما، معتقدين أننا بذلك نشرح تلك العملية.

ووصف “باترسون” يبرز شيئاً نغفل عنه بكل سهولة، ألا وهن أن الانتخاب الطبيعي لا يملك أي قدرات خلاقة. لكنه كما يقول “عملية إزالة تبقي على النسل الأقوى. والنسل الأقوى لا بد أن يكون موجوداً من الأصل، أي أنه لا ينتج من الانتخاب الطبيعي. بل إن كلمة “انتخاب” نفسها لا بد أن تلفت انتباهنا إلى أن: الانتخاب يتم بين كيانات موجودة أصلاً. وهي نقطة في غاية الأهمية لأن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” غالباً ما يستخدم وكأنه يصف عملية خلاقة، ومن أساليب التعبير عن ذلك أن تبدأ كل كلمة في تعبير “الانتخاب الطبيعي” الإنجليزي بحرف كبير. وهو أسلوب مضلل للغاية كما يتضح من العبارة الثاقبة التي يقولها “جرد مولر” Gerd Muller الخبير في علم الأحياء النمائي التطوري[3] EvoDevo، وهي نظرية يتزايد تأثيرها تجمع بين نظرية التطور وعلم الأحياء النمائي وتهدف إلى ملء بعض الفجوات في الداروينية الحديثة النموذجية. ويكتب “مولر” قائلاً: «النظرية الداروينية الحديثة النموذجية لا تتناول سوى القليل من العمليات المذكورة أعلاه، وهي تعنى أساساً بالتكرارات الجينية Gene frequencies في مجموعات الكائنات الحية، وبالعوامل المسؤولة عن تنوعها وثباتها. ورغم أنها على مستوى النمط الظاهري[4] Phenotypic تتعامل مع ما يطرأ من تغير على الأجزاء الموجودة، فهي لا تهدف إلى تفسير منشأ هذه الأجزاء، ولا تركيبها Morphological organization، ولا ظهور شيء جديد. وفي عالم الداروينية الحديثة يعتبر الانتخاب الطبيعي هو العامل المحرك للتغير في التركيب، وهو أيضاً الذي يفسر تغير الأجزاء وفقدها. إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يتمتع بأي قدرة خلاقة، ولكن كل ما يفعله أنه يمحو ما هو موجود أو يبقى عليه. ومن ثم فالجوانب التوليدية والتنظيمية في تطور التركيب لا وجود لها في نظرية التطور.»

وهكذا يؤكد “مولر” ما يمليه علينا المنطق، واللغة: الانتخاب الطبيعي، بطبيعته، لا يخلق أي جديد. وهو ما يتناقض كلية مع تصريح “ريتشارد دوكينز” الجريء الذي أوردناه سابقاً بأن الانتخاب الطبيعي يفسر شكل كل الأحياء ووجودها. وهذا التعارض الحاد في الآراء حول الأطروحة المحورية للداروينية الحديثة يثير أسئلة مزعجة حول متانة أساسها العلمي ويدفعنا لمزيد من البحث.

ننتقل الآن إلى الفكرة القائلة بأن التنوعات الوراثية التي يؤثر فيها الانتخاب الطبيعي هو طفرات عشوائية في المادة الوراثية للكائنات الحية. إلا أن “دوكينز” وغيرها حريصون على أن ينبهونا إلى أن التطور نفسه ليس عملية عشوائية محضة. فهو منبهر جداً بحسابات الاحتمالات الرياضية حتى إنه يرفض أي فكرة تلمح إلى أن العين البشرية مثلاً تطورت بمحض الصدفة في الزمن المتاح. وهو يكتب بأسلوبه منقطع النظير: «إنه أمر واضح وضوح الشمس لا يخفى على أحد ولا تخطئه عين وهو: لو كانت الداروينية حقاً نظرية صدفة، لا يمكن أن تنجح. فلا يشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة العشوائية الفوضوية». فما الحل إذن؟ إن الانتخاب الطبيعي عملية تشبه القانون تغربل الطفرات العشوائية بحيث يصبح التطور مزيجاُ من الضرورة والصدفة. وهم يقولون لنا إن الانتخاب الطبيعي سيجد طريقاً أسرع بفضل مدى الاحتماليات Space of possibilities. ومن ثم، تتلخص الفكرة في أن عملية الانتخاب الطبيعي التي تشبه القانون تزيد الاحتمالات لمستويات مقبولة على مدار الزمن الجيولوجي.

وللتعبير عن ذلك ببساطة أقول إن جوهر الحجة هو أن الانتخاب الطبيعي يفضل النسل القوي على الضعيف عندما تكون الموارد محدودة. وهو يساعد في الاحتفاظ بأي طفرة نافعة. والكائنات التي تحوي هذه الطفرة تبقى على قيد الحياة أما الكائنات الأخرى تندثر. إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يحدث الطفرة. ولكنها تحدث بالصدفة. وكمية الموارد (الغذاء) المتاحة تمثل واحدة من القياسات المتغيرة في هذا الموقف. وقد خطر على بالي بصفتي عالم رياضيات أه من المثير أن نتخيل ما سيحدث لو سمح لهذا المتغير بالزيادة. وأنا أدعوك لإجراء تجربة فكرية. تخيل أن الموارد تتزايد أي أن الطعام متاح للجميع، للأقوياء والضعفاء على حد سواء. وتزايد الموارد يؤدي إلى تقليص دور الانتخاب الطبيعي لأن معظم النسل سيظل باقياً على قيد الحياة. فما قول الداروينيين الجدد في هذا الموقت؟ هل سيقولون إن احتمالات حدوث التطور ستتضاءل بناء على اعتقادهم بأن الانتخاب الطبيعي هو العامل الرئيسي وليس الصدفة؟ وذلك لأن الصدفة في هذا الموقف الافتراضي هي التي ستقوم بالمهمة كلها، والداروينيون الجدد يستبعدون الصدفة من القضية.

عندما فكرت في ذلك تيقنت أن هذه الفكرة لا بد أن تكون قد خطرت على بال أحد من قبل، وهو ما حدث فعلاً. فعالم الكيمياء البريطاني “آر. إي. دي كلارك” R. E. D. Clark لفت الأنظار سنة 1966 إلى أن داروين انزعج من خطاب أرسله إليه عالم النبات الشهير “جوزيف هوكر” Joseph Hooker سنة 1862 حيث طرح حجة تبين أن الانتخاب الطبيعي ليس عملية خلاقة بأي معنى من المعاني. إلا أن “كلارك” كان عليه أن يعيد بناء حجة “هوكر” من رد داروين لأنه اعتقد أن خطاب “هوكر” الأصلي فقد. ولكن خطاب “هوكر” لم يفقد، ويقول فيه: «أنا ما زلت مصراً على عجز عملية التهجين فيما يتعلق بأصل الأنواع. وإني أرى أن التنوع الوراثي Variation في [الحيوانات] بلا حدود. وعليك أن تتذكر أنه لا التهجين ولا الانتخاب الطبيعي أنتجا ما نراه بين البشر من اختلافات عديدة، بل ما أنتجه هو ببساطة التنوع الوراثي. مؤكد أن الانتخاب الطبيعي أسرع بالعملية وأكسبها قوة (إن جاز التعبير)، ونظم المسارات والأماكن…. إلخ التي اتخذتها العناصر البشرية، وعدد كل منها وما إلى ذلك، ولكن في وجود فردين يتمتعان بالقدرة على التكاثر، وإطار [زمني] متسع جداً للإنجاب، بحيث لا يفقد أي من التنوعات الوراثية على الإطلاق. وباختصار الانتخاب الطبيعي لا يطلب منه أن يلعب أي دور على الإطلاق. وإني أعتقد أنك بعد مئات الأجيال سترى أفراداً مغايرين مختلفين كلية بعضهم عن بعض، وكأن الانتخاب الطبيعي قضى على النصف.

«ما أن تعتبر أن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يحدث اختلافاً، أي أن يخلق شخصية، ينهار تعليمك بالكامل. فالانتخاب الطبيعي عاجز عجز المسببات الفيزيائية عن إنتاج تنوع وراثي، وقانون أن “الشيء لا ينتج مثيله” هو ما يكمن وراء كل ذلك، وهو مبهم إبهام الحياة نفسها. وهذا هو ما أشعر أنا وكذلك “لايل” Lyell إنك فشلت في توصيله بوضوح كاف لنا وللعامة، وهذا ما يفسر خمسين في المئة من رفض الوسط العلمي لتعليمك. فقد كان حري بك أن تبدأ بمهاجمة التعاليم القديمة الزائفة التي تقول إن «الشيء ينتج مثيله.» وكان يجب أن تخصص الفصل الأول من كتابك لهذا الموضوع فقد دون غيره. ولكني الآن أرى أن الاعتراض عليك ينطوي على شيء من الصحة من حيث إنك تجعل من الانتخاب الطبيعي حلاً للمعضلة Deus ex machine لأنك تتجاهل التفكير في حقائق التنوع الوراثي المستمر بلا حدود. إن أبناءك الثمانية مختلفون تماماً عن بعضهم البعض، وليس بينهم وجه شبه واحد. كيف؟ ستجيب أنهم يظهرون الاختلافات الموروثة من أجدادهم المختلفين. حسناً، ولكن ارجع من الزمن للوراء، واستمر في الرجوع حتى تصل في النهاية إلى الزوجين الأصليين اللذين انحدرت منهما لتعرض أصل الاختلافات، ولا بد أن تسلم منطقياً إما بأن الاختلافات بين [الذكر] و[الأنثى] الأصليين في النوع الذي تنتمي إليه تساوي مجموع الاختلافات الشاسعة بين معظم أفراد نوعك الموجودين حالياً المختلفين بعضهم عن بعض، أو أن هؤلاء نتجوا عن قانون أصيل كان يحكمهم. والآن ألست قاسياً في إلقاء هذه المحاضرة عليك بهذه البساطة؟»

ومن المهم أن نلاحظ القوة التي يكتب بها “هوكر” عندما ينسب «خمسين في المئة من رفض الوسط العلمي» لداروين إلى فشله في التعامل مع هذه الحجة. وقد أتى رد داروين في خطاب (بعد 26 تشرين الثاني/نوفمبر ولكن محرر فعلياً بتاريخ 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1862). «ولكن الجزء الذي أدهشني فعلياً في خطابك وقلب كياني رأساً على عقب هو الذي ذكرت فيه أن كل اختلاف نراه يمكن أن يكون قد حدث دون أي انتخاب. وإني كنت وما زلت متفقاً تماماً في ذلك. ولكنك أحطت بالموضوع إحاطة تامة ورأيته من زاوية جديدة ومعاكسة كلية. وكم كانت دهشتي عندما أخذتني إلى هذه الزاوية. ولكني عندما أقول إني متفق، لا بد أن أشترك أنه بناءً على منظورك يبقى كل شكل متكيفاً على ظروف معينة ثابتة، وأن ظروف الحياة تتغير على المدى البعيد. وثانياً، وهو الأهم، أن كل شجرة على حدة هو كائن خنثوي ذاتي التخصيب. ومن ثم، كل تنوع قيد الشعرة لا يفقد عند تزاوج أفراد من عناصر أو سلالات مختلفة. إن أسلوبك في عرض القضية يمكن أن يكون أكثر إثارة مما هو عليه بالفعل إن تمكن العقل من التعامل مع هذه الأرقام، وهو ما يشبه التعامل مع ما لا نهاية. تخيل ألف بذرة تنتج كل منها نباتاً من نوعها، ثم ينتج كل منها ألفاً، سرعان ما ستغطي النباتات كرة أرضية ممتدة إلى أبعد نجم. ولكني لا أستطيع تتبع هذه الفكرة المعقدة ولا حتى مع سلالات الكلاب، أو المواشي، أو الحمام، أو الدواجن. وهنا على الجميع أن يعترفوا بما يميز مثالك التوضيحي من إحكام دقيق ويدركوه. ومن يظنون، مثلك ومثل “لايل” أني أبالغ في اتخاذ الانتخاب الطبيعي حلاً يصدرون ضدي حكماً نهائياً. ولكني لا أعرف كيف كان يتأتى لي أن أستخدم جملاً أقوى في كل أجزاء كتابي. فكان يمكن اختيار عنوان أفضل كما أشرت. ولكن ما من أحد يعترض على الزراعيين عندما يستخدمون أقوى لغة للتعبير عما يقومون به من عمليات انتخاب، ولكن كل من يربي النباتات يعلم أنه ينتخب التغيير ولكنه لا ينتجه. وقد كان التحدي الأكبر أمامي على مدى سنوات أن أفهم التكيف، وهو ما جعلني أصر بقوة على الانتخاب الطبيعي، وإني واثق من صواب اعتقادي. وليغفر لي الله إطالتي، ولكنك لا تتخيل ما أثاره لدي خطابك من اهتمام، ومدى اهتمامي بالتوصل لأفكار واضحة بعد صدور كتابي الحالي».

واضح أن داروين يشعر بقوة الحجة التي يطرحها “هوكر” لدرجة أنه يتفق معها رغم اندهاشه من طريقة عرضها. وترجع أهمية الحجة إلى أنها تثير أسئلة جادة جداً عن الحجة التي تهدف لجعل احتمالات الماكرو تطور (أو التطور الجزيئي) مقبولاً في حدود الإطار الزمني الذي يقدمه لنا علم الكون المعاصر.

إلا أن حجة “هوكر” ليست التحدي الوحيد الذي يواجه الحجج التي تشبه الانتخاب الطبيعي بالقانون. فبعيداً عن حجة “هوكر” تماماً، سنطرح في الفصل العاشر منظوراً رياضياً لبعض السيناريوهات التي وضعها “دوكينز” وغيره لمحاكاة عمل هذه القانون، وسنكتشف أنها قاصرة لأسباب مختلفة تماماً.

وحجة “هوكر” لا تؤثر طبعاً على تنوعات (الميكرو تطور) التي لاحظها داروين. ولذلك فالسؤال التالي الذي يمكن طرحه هو عما إذا كانت هناك حدود لما يمكن للميكرو تطور تحقيقه.

حدود التطور:

رغم أن بعض علماء الأحياء يرفضون التمييز بين الميكرو تطور والماكرو تطور، فالمصطلحان غالباً ما يستخدمان، إن جاز التعبير، للتمييز بين التطور على مستوى صغير لا ينتج أنواعاً بيولوجية جديدة والتطور على مستوى أعلى الذي ينتج أنواعاً بيولوجية، حيث يدور الجدل حول الخط الفاصل بينهما. وغالباً ما ترجع مقاومة هذه التفرقة إلى أن عملية التطور ينظر إليها بصفتها كلاً متكاملاً بلا فواصل، أي أن الماكرو تطور هو ببساطة ما ينتج من عمليات الميكرو تطور التي تتم على مدار فترا زمنية طويلة. وهذا هو مقف “التدرجيين” Gradualists أمثال “دوكينز” وكذلك “دنت”. وهو ما يثير السؤال الجوهري حول ما إذا كان التطور بالفعل كُلاً متصلاً بلا فواصل، أي مثلاً ما إذا كانت آليات الانتخاب التي تفسر التنوعات في أطوال منقار العصفور أو تفسر تكون مقاومة للمضادات الحيوية في البكتيريا، يمكنها أن تفسر وجود العصافير والبكتيريا أصلاً. وباختصار فالسؤال الجوهري هو: هل للتطور “حدود”؟

لقد أوجز “روبرت وسون” Robert Wesspon قيمة التمييز بين الميكرو تطور والماكرو تطور كما يلي: «ليس لدينا فهم واضح لما يظهر من أشكال تطورية جديدة كبرى. ولم يخضع أي منها للملاحظة، ولسنا نعلم ما إذا كان أي منها يتم حالياً. وليس لأي منها سجل حفري جيد». على النقيض من ذلك، تنوعات الميكرو تطور الناتجة عن الطفرات والانتخاب الطبيعي كانت وما زالت قابلة للملاحظة.

وأي شخص ذكي ينظر من الخارج لهذه القضية يرى فيها صعوبة كبرى. ويعبر عنها “إيه. بي. هندري” A. P. Hendry وكذلك “إم. تي. كينيسون” M. T. Kinnison كما يلي: «غالباً ما يقسم التطور إلى فئتين: الميكرو تطور والماكرو تطور. وواضح أن الأول يعني قدراً صغيراً من التغيير والأخير يعني قدراً كبيراً. وتكمن الصعوبة في تحديد الفاصل بين الإثنين، وما إذا كانا يمثلان العمليات نفسها (باختلاف الإطار الزمني الذي يعمل فيه كل منهما)، وما إذا كان الفصل مفيداً أو سليماً في الأساس… هل أحداث الماكرو تطور (التغيرات التركيبية الكبرى أو نشوء أنواع بيولوجية جديدة) مجرد نتاج تراكمي لآليات الميكرو تطور (الطفرة الصغيرة Micro mutation، الانتخاب، تدفع الجينات Gene flow، الانحراف الجيني) أم أن الماكرو تطور يتطلب آلية مختلفة نوعياً؟ وتاريخ هذا النقاش طويل ومعقد وأحياناً ما يثير غضب الأطراف بعضهم نحو بعض».

ومن المشكلات الواضحة هنا أن استنتاج ما هو غير قابل للملاحظة مما هو قابل للملاحظة محفوف بالمخاطر. ولذلك، يقول “س. ف. جيبرت” S. F. Gibbert وأيضاً “ج. م. أوبيتس” J. M. Opitz وكذلك “ر. أ. راف” R. A. Raff إن «الميكرو تطور يعنى بعمليات التكيف التي تختص فقط ببقاء الأصلح، وليس بقدوم الأصلح. كما يشير “جودوين” Goodwin (1995) قائلاً: «أصل الأنواع الذي هو مشكلة داروين، لم تحل حتى الآن». وكأنه يردد حكم عالم الوراثة “ريتشارد جولدشميت” Richard Goldschmidt: «الحقائق المختصة بالميكرو تطور لا تكفي لفهم الماكرو تطور». بل إن “جون مينارد سميث” John Maynard Smith ومعه “إي. ساتماري” E. Szathmary، وكلاهما دارويني أصيل يتخذان منحى مشابهاً: «ما من سبب نظري يسمح لنا أن نتوقع أن مسارات التطور ستزداد تعقيداً بمرور الزمن، وما من دليل تجريبي أيضاً على حدوث هذا الأمر.»

ويرجح “سيجفريد شيرر” Siegfried Scherer من “الجامعة التقنية” Technical University في ميونخ أنه يمكن تصنيف الكائنات الحية إلى أصناف أساسية Basic types معينة، وهو تصنيف أوسع قليلاً من تصنيف الأنواع البيولوجية Species. وتعريف “الصنف الأساسي” هو: مجموعة من الكائنات الحية المتصلة على نحو مباشر أو غير مباشر بالتزاوج مع أفراد من نوع مختلف، بصرف النظر عما إذا كان النسل الهجين عقيماً أم لا. وهذا التعريف يجمع بين المفاهيم الوراثية والتركيبية للنوع البيولوجي. ويرى “شير” أن الأبحاث حتى الآن تبين أنه «من المؤكد أن كل التنوعات الوراثية بقيت محصورة داخل حدود الأصناف الأساسية، وذلك بناء على عالم الميكرو تطور كله الخاضع للتجريب (بما في ذلك أبحاث التهجين الصناعي وتكوين الأنواع).»

وتؤكد هذه التعليقات رأي عالم الأحياء والفيلسوف “بول إريريش” Paul Erbrich: «آلية الطفرة – الانتقاء MutationSelection عبارة عن آلية لتحقيق الصورة المثلى Optimization.» أي أنها تمكن نظاماً حياً موجوداً أصلاً من أن يتكيف انتقائياً مع الظروف البيئية المتغيرة كما تعمل الخوارزميات الجينية على تحقيق الصورة المثلى في الهندسة. ولكنها لا تخلق شيئاً جديداً.

ومن علماء الأحياء البارزين الذين قادتهم أبحاثهم إلى الاقتناع بمحدودية الطفرة والانتخاب الطبيعي، ومن ثم إلى رفض الداروينية الحديثة هو “بيير جراسيه” Pierre Grasse بجامعة السوربون في باريس وقد كان رئيس “الأكاديمية الفرنسية” Academie Francaise ومحرر المرجع المكون من 28 جزءًا بعنوان “شرح متعمق لعلم الحيوان” Traite de Zoologie، وهو من المراجع الموثوقة. وقد عبر عالم الوراثة العظيم “ثيودوشس دويجانسكي” Theodosius Dobzhansky عن احترامه الشديد لرأي “جراسيه”: «يمكن للمرء أن يختلف مع “جراسيه”، ولكن لا يمكنه أن يتجاهله… فمعرفته بعالم الكائنات الحية معرفة موسوعية». وقد وصف كتاب “جراسيه” «تطور الكائنات الحية» L’evolution du vivant بأنه «ضربة قاصمة لكل أنواع الداروينية. وغرضه «تدمير أسطورة التطور باعتباره ظاهرة بسيطة مفهومة محددة» وإثبات أن التطور سر غامض لا يمكننا أن نعرف عنه إلا القليل». وأشار “جراسيه” في كتابه أن ذبابة الفاكهة تبقى ذبابة فاكهة رغم آلاف الأجيال التي تكاثرت منها وكل الطفرات التي دخلت عليها. فالحقيقة أن القدرة على التنوع في تجميعة الجينات Gene Pool تنضب في مرحلة مبكرة جداً من العملية، وهي ظاهرة يطلق عليها الاستتباب الوراثي Genetic Homeostasis. ويبدو أن هناك حاجزاً لا يستطيع التكاثر الانتقائي أن يتجاوزه إما لحدوث العقم أو لنفاذ القدرة على التنوع الجيني. فإن كان أمهر خبراء التكاثر لا يمكنهم إلا إنتاج قدر محدود من التنوع، فهذا يعني أن ما ينتجه الانتخاب الطبيعي أقل بكثير. ولذلك، بين أن الميكرو تطور لا يمكن أن يحمل العبء الذي غالباً ما يلقى على عاتقه.

والأبحاث التي أجريت مؤخراً على بكتيريا الإشريكيا القولونية E. Coli تؤيد هذا الموقف، حيث لم تلاحظ أي تغيرات جديدة حقيقة على مدى 25000 جيل في بكتيريا الإشريكيا. ويوضح عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” أنه حتى الآن خضع أكثر من 30000 جيل من بكتيريا الإشريكيا للدراسة وهو ما يعادل نحو مليون سنة بشرية، والنتيجة النهائية تبين أن التطور أنتج «في الغالب تدهوراً. ورغم أن بعض التفاصيل الهامشية لبعض النظم تغيرت على مدار الثلاثين ألف جيل، فالبكتيريا تخلصت من كميات من إرثها الجيني، بما فيه القدرة على صنع بعض العناصر الأساسية في الحمض النووي الريبوزي RNA. ويبدو أن التخلص من آلة جزيئية معقدة ولكنها مكلفة يوفر طاقة البكتيريا. أنا لم أر شيئاً بهذه العظمة. والدرس الذي نتعلمه من الإشريكيا القولونية أن الأسهل على التطور أن يكسر الأشياء لا أن يصنعها».

وهذه الملاحظة التي تتفق تماماً مع الخلاصات التي نستنتجها من حسابات “هويل” الرياضية تمثل أحد الأدلة التي يقدمها “بيهي” لإثبات أن الدراسات البيولوجية تبين أن التطور له “حدود” أي أن قدرة الانتخاب الطبيعية والطفرة قدرة محدودة. وهو يرى أن الأجدر بالعلماء أن يؤكدوا تلك الحدود طالما أن الأساس الجيني للطفرة مفهوم. وهو يطبق تلك المعرفة على حالة معينة كانت موضع دراسة عميقة، ويكتب قائلاً: «إن أفضل اختبار على الإطلاق للنظرية الداوينية هو تاريخ الملاريا وذلك بفضل ضخامة عدد أفرادها. وسرعة تكاثرها، ومعرفتنا بجيناتها.» يوضح “بيهي” أن مئات الطفرات المختلفة التي تزود الإنسان بشيء من المقاومة ضد الملاريا حدثت في الجينوم البشري وانتشرت بين أفراد جنسنا بالانتخاب الطبيعي. وهو يذكر أن هذه الطفرات حظيت بما تستحق من القبول بصفتها من أفضل الأمثلة على التطور الدارويني، إلا أن الأدلة تبين أيضاً وجود «حدود جذرية لفاعلية الطفرة العشوائية». وقد أسفرت هذه الدراسات عن نتائج غير متوقعة:

1 – العمليات الداروينية غير متسقة ومقيدة للغاية.

2 – الصراع بين المفترس والفريسة (أو الطفيل والعائل) الذي غالباً ما صوره الكتاب الداروينين على أنه دورة من سباق التسلح المنتج الذي يسفر عن تطورات على كلا الجانبين، هو في الواقع دورة مدمرة أشبه بحرب الخنادق حيث تتدهور الظروف…

3 – الطفرة العشوائية العمياء كالمخمور الذي يسير مترنحاً وعيناه معصوبتان فيسقط بعد خطوة أو اثنتين، فأغلب الظن أن الطفرة العشوائية تتعثر وتسقط قبل أن تتمكن من قطع المسافة المطلوبة لتحقيق التطور.

4 – البيانات المتعلقة بطفيليات الملاريا التي لا حصر لها تتيح لنا أن نقدر تقريبياً، ولكن يقينياً، حدود التطور الداوريني لكل الأحياء على وجه الأرض على مر مليارات السنين الماضية».

لقد تمكنت الملاريا من بناء مقاومة لعقار الكلوروكوين Chloroquine عن طريق طفرة اشتملت على تحول حمضين أمينيين. واحتمالات عدم حدوث ذلك تعادل حوالي واحد إلى مائة مليار مليار مليار (واحد إلى 2010، ولكنه حدث بسبب وجود عدد ضخم من الخلايا الطفيلية في جسم الشخص المصاب (حوالي تريليون) وحوالي مليار شخص مصاب في العالم كل عام. ويطلق “بيهي” على الطفرات العنقودية Mutation Clusters التي تبلغ هذه الدرجة من التعقيد المجموعات العنقودية بدرجة تعقيد الكلوروكين CCC-clusters (chloroquinecomplexity clusters). وقد توصل بحساباته إلى أنه علينا أن ننتظر مئة مليون سنة مضروبة في عشرة ملايين سنة، أي أكثر من عمر الكون بمئات الآلاف من السنين، إلى أن يحدث هذا النوع من الطفرة في الجنس البشري الذي يقل إجمالي عدده عن عدد الملاريا بكثير.

ويستنتج أنه لا يمكن أن نتوقع حدوث CCC مزدوج. (أي طفرة عنقودية تبلغ درجة تعقيدها ضعف تعقيد طفرة CCC العنقودية) نتيجة لعملية داروينية في أي مرحلة من تاريخ الحياة على الأرض. فإن وجدنا بالفعل خصائص للحياة تتطلب طفرة عنقودية بضعف تعقيد طفرة CCC أو أكثر، يمكننا أن نستدل أن هذه الخصائص لم تنشأ نتيجة عملية داروينية.» ثم يستطرد قائلاً: «إن الحياة تعج بمثل هذه الخصائص» مدللاً على ذلك بواحد من أمثلته المبهرة، ألا وهو أنظمة التحكم المذهلة، أو شبكات التنظيم الجينية Genetic Regulatory Networks التي تقوم بدور في تكوين أجسام الحيوانات.

ويلفت النظر إلى مشابهة طريقة إذ يقول «كما افترضت فيزياء القرن التاسع عشر أن الضوء ينتقل عبر الأثير، هكذا يفترض علم الأحياء الدارويني الحديث أن الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي مسؤولان عن تكوين الآلة المعقدة للخلية. ولكن للأسف، العجز عن اختبار النظرة حال دون تقييمها بشكل نقدي وأطلق العنان للتخمينات. إلا أنه في الخمسين سنة الأخيرة فقط أجرت الطبيعة نفسها بلا هوادة المعادل البيولوجي للتجربة المعروفة باسم “تجربة مايكلسون ومورلي” Michelson-Morley experiment. سمها تجربة M-H (الملاريا – فيروس نقص المناعة البشرية malaria-HIV). لقد جابت هذه التجربة أنحاء الكوكب بقوة تعادل قوة معاملنا الفقيرة مليار مرة بحثاً عن قدرة الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي على بناء آلة بيولوجية متسقة ولم تجد على الإطلاق. وهو ما لم نكن نتمنى أن تؤول إليه النظرية.

«فلماذا لا يوجد أثر لصانع الساعات الأعمى الضعيف؟ أبسط تفسير صانع الساعات الأعمى غير موجود، كالأثير».

ماذا يقول علماء الرياضيات؟

ازداد اهتمام علماء الرياضيات بعلم الأحياء، خاصة منذ ثورة علم الأحياء الجزيئي. وأصبح علم الأحياء الرياضي أحد العلوم التي تشهد نمواً سريعاً. ومن أولى المحاولات المهمة في هذا المضمار مناظرة رفيعة المستوى بين مجموعة من أبرز علماء الأحياء وعلماء الرياضيات المهتمين بعلم الأحياء. وقد تمت في “معهد ويستار” Wistar Institute في مدينة فيلادلفيا سنة 1966. وكانت محاولة عالم الرياضيات “ستانلي أولام” Stanley Ulam أن يعبر كمياً عن احتمالات إمكانية حدوث التطور التدريجي عن طريق تراكم الطفرات الصغيرة سبباً في استثارة حوار شيق بينه وبين عالمي الأحياء السير “بيتر مداوار” ورئيس المؤتمر “س. هـ. وادينجتون” C. H. Waddington. وكانت حجة “أولام” بناء على حساباته الرياضية أن احتمال تطور العين بواسطة عدد كبير جداً من التغيرات الطفرية الصغيرة هو احتمال مستبعد لأن الوقت المتاح غير متاح. فأجاب السير “بيتر مداوار” قائلاً: «أظن أن طريقتك في التعامل مع الموضوع هي عملية عكسية تثير اندهاشي حيث إنها تسير عكس عملية التفكير العلمي الطبيعية. فتطور العين هو حقيقة لا محالة، وتبين كما يقول “وادينجتون” أن هذه الصيغة [صيغة أولام] على ما أظن خاطئة.» ثم علق عالم الأحياء “إرنست ماير” Ernst Mayr قائلاً: «كل ما أقصده أن لدينا كمية كبيرة جداً من التنوع في كل هذه الأشياء حتى إننا إذا عدنا هذه الأرقام بشكل أو بآخر ستثبت صحة نظريتنا. وإننا لنشعر بارتياح لفكرة التطور».

يا له من حوار مذهل وكاشف. فبالتأكيد أنها «عملية عكسية تثير اندهاشي» تسير عكس العملية العلمية الطبيعية من حيث إنك تفترض مسبقاً أن ما تريد أن تثبت صحته هو صحيح من الأصل، وعلى أساس هذا الافتراض تكذب الأدلة المضادة له. وقد أظهر هذا الحوار أن علماء الأحياء في المؤتمر لم يحاولوا، بناء على الأدلة الرياضية، حتى أن يفكروا في احتمالية وجود أخطاء في افتراضاتهم التطورية.

ولكن حسابات “أولام” حظيت بتأييد “مارسيل – بول شوتسنبرجر” Marcel-Paul Schutzenberger أستاذ الرياضيات الفرنسي وعضو “أكاديمية العلوم الفرنسية” French Academy of Sciences. وقد اعترض على ما اعتبره قبولاً سهلاً جداً للتطور من جانب علماء الأحياء، حتى وإن “وادينجتون” تحداه قائلاً: «إن حجتك باختصار هي أن الحياة وجدت بالخلق الخاص»، وهو ما صاح ضده “شوتسنبرجر” وعدد من العلماء بالإجابة: “لا”. ويتضح من هذا الحوار أمران: أولاً، أن الرياضيين كانوا مصرين أن الدافع الوحيد وراء تفكيرهم هو العلم وليس أي شيء آخر. ثانياً، أن الحجج التي عرضوها تتفق مع الإيمان بوجود خالق، على الأقل حسب اعتقاد زملائهم بالبيولوجيين.

وقد أجرى عالم الرياضيات والفيزياء السير “فرد هويل” بعض الحسابات التي أدت به أيضاً إلى الشك في صحة تطبيق القواعد المختصة بالميكرو تطور على الماكرو تطور وخلص إلى أنه: «رغم أنه اتضح أن النظرية الداروينية لا يمكن أن تكون صحيحة في أهم جوانبها، ما زلت أرى صعوبة في قبول أن النظرية كلها خاطئة. فعندما تقوم الأفكار على ملاحظات، كما هو الحال في النظرية الداورينية، عادة ما تكون معقولة ومقبولة على الأقل في حدود الملاحظات. ولكن المشكلة تحدث عندما نتوصل إلى استنتاجات خارج إطار الملاحظات. ولذلك، فالقضية التي تطرح نفسها هنا هي تحديد مدى إمكانية قبول النظرية والسبب الذي أدى لعدم مقبوليتها عندما تجاوزت نقطة معينة».

والخلاصة التي توصل إليها “فرد هويل” من محاجاته الرياضية قاطعة بشكل لافت للنظر: «إذن الحكم المنطقي السليم يرجح أن النظرية الداورينية صحيحة في صورتها الصغيرة لا في صورتها الكبيرة. أي أن الأرانب تنشأ من أرانب أخرى تختلف عنها اختلافاً ضئيلاً، لا من حساء [أساسي] ولا من البطاطس. أما منشأ هذه الأشياء أصلاً فهو مشكلة لا بد من حلها أولاً مثل الكثير من المشكلات الضخمة».

وهكذا يكون “هويل” قد رفض الزعم الثاني لأنه لا يؤمن أن التطور يفسر وجود كل ما في الحياة من تعقيد.

سجل الحفريات:

تؤكد تعليقات “وسون” وغيره الفكرة القائلة بأن الميكرو تطور يعمل على نطاق محدود لدرجة أن سجل الحفريات لا يزودنا بأي نماذج قيمة للماكرو تطور. وهو ما يعد مدهشاً للكثيرين نظراً للانطباع السائد بين العامة أن سجل الحفريات من أقوى الأدلة على التطور. إلا أن هذا الانطباع لا يتفق مع كل ما تطالعنا به الكتابات العلمية. والحقيقة أنه من بادئ الأمر كان علماء الحفريات من أقوى معارضي داروين. وهو يشرح لنا بنفسه السبب وراء هذه المعارضة العنيفة، ألا وهو أن سجل الحفريات لا يحتوي على الأشكال الانتقالية التي قادته نظريته إلى توقعها. فقد كتب في “أصل الأنواع”: «عدد التنوعات المتوسطة Intermediate Varieties التي وجدت سابقاً على الأرض [يجب] فعلياً أن يكون عدداً يفوق الحصر. فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكد أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. يبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي». ويعلق عالم الحيوان “مارك ريدلي” Mark Ridley على هذا الموقف قائلاً: «إن سجل الحفريات الخاص بالتغير التطوري عبر أي سلسلة تطورية فقير للغاية. وإن كان التطور صحيحاً وإن كانت الأنواع تنشأ عن طريق تغيرات في أنواع أقدم، يجب أن نرى هذا في سجل الحفريات. ولكننا في الحقيقة نادراً ما نراه. وفي سنة 1859 لم يتمكن داروين من إيجاد نموذج واحد لذلك».

فما هي ثمرة هذا النشاط الدؤوب بعد قرابة قرن ونصف منذ عصر داروين؟ عالم الحفريات “دافيد روب” David Raup في “متحف فيلد للتاريخ الطبيعي” Field Museum of Natural History الذي يضم واحدة من أكبر المجموعات الحفرية في العالم يقول: «لقد مرة على داروين نحو 120 سنة ومعرفتنا بسجل الحفريات ازدادت بشكل ملحوظ. فنحن لدينا الآن ربع مليون من الأنواع البيولوجية المتحجرة في سجل الحفريات، ولكن الوضع لم يتغير كثيراً. أي أن سجل التطور ما زال متقطعاً على نحو مدهش، بل إن المضحك أن ما يتوافر لدينا الآن من نماذج للأشكال الانتقالية أقل مما وجد أيام داروين.»

وقد قال “ستيفن جاي جولد”: «ما زالت الأشكال الانتقالية في سجل الحفريات في منتهى الندرة، وكأنها ستظل دائماً سر المهنة في علم الحفريات». وقد أضاف نظيره “نايلز إلدردج” Niles Eldredge عالم الحفريات في “المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي” American Museum of Natural History: «عندما نرى بدايات عملية تطور جديدة، عادة ما يظهر فجأة، وغالباً دون دليل قوي على أن الحفريات لم تتطور في مكان آخر. والتطور لا يمكن أن يستمر إلى الأبد في مكان آخر. ولكن هذا هو ما صدم الكثير من علماء الحفريات في محاولاتهم اليائسة أن يعرفوا عن التطور من سجل الحفريات.»

والحقيقة أن “إلدردج” يعترف اعترافاً مذهلاً: «نحن علماء الحفريات قلنا إن تاريخ الحياة يؤيد [قصة التغير التكيفي التدريجي] رغم أننا كنا نعرف دائماً أنه لا يؤيدها.» فلماذا؟ ما السبب الذي يبرر لأعضاء مجتمع أكاديمي كتمان الحقيقة التي يعرفونها إلا إذا كانت تؤيد منظوراً فلسفياً قرروا من الأصل أن يرفضوه؟»

عما يكشف سجل الحفريات إذن؟ لقد كتب “جولد”: «يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجرة بخاصتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع:

1 – السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين أثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريباً منذ أن يظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدوداً ولا يسير في اتجاه محدد.

2 – الظهور المفاجئ Sudden Appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجياً بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتة ويكون “مكتمل التكوين”.

وعندما لاحظ “جولد” وكذلك “إلدردج” من قراءة سجل الحفريات فترات قصية من التغير السريع تتبعها فترات طويلة من السكون، قادهما ذلك لوضع نظرية “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibrium في محاولة لتفسير هذا النمط. وتتلخص النظرية في أن فترات السكون الطويلة تقطعها “قفزات” كبيرة مفاجئة ونادرة من الماكرو تطور. ويقدم “جولد” مثالاً مدهشاً لهذه القفزات في كتابه الأكثر مبيعاً “الحياة العجيبة” Wonderful Life حيث يشرح أن كل الشعب (المستويات التصنيفية وفقاً لعلم الأحياء) الكبرى الموجودة اليوم بالإضافة إلى الكثير غيرها مما تعرض للانقراض ظهرت على نحو مباغت جداً فيما يعرف باسم “الانفجار الكامبري” Cambrian Explosion. وطبعاً السؤال عن مسبب هذه “القفزات” المفاجئة قصة أخرى وتزيد من المعضلات التي يواجهها من يتمنون أن يثبتوا أن عمليات الميكرو تطور وسيلة كافية للتطور على نطاق كبير.

ومما يلفت الانتباه وقد يدعو للسخرية نوعاً ما أن المفكرين الماركسيين تبنوا نظرية التوازن المتقطع قبل أن يكون لها أي أساس في علم الأحياء بزمن طويل لأنها تبدو متناسبة مع أسلوب تفكريهم الديالكتيكي. (ويقصد بهذا الأسلوب إنه عدم اصطدام أطروحة Thesis بأطروحة مضادة Antithesis فالأطروحة المركبة Synthesis الجديدة الناتجة عن هذا الصدام تحدث بسرعة على هيئة قفزة لا على هيئة عملية طويلة تدريجية. وهو ما يعد مثالاً آخر على تأثير المنظورات الفلسفية والأيديولوجيات على العلم.)

أما “سيمون كونواي موريس” الأستاذ بجامعة كامبريدج وزميل الجمعية الملكية فهو أقل تشدداً من “جولد” في استخدام فكرة الانفجار الكامبري في منهجه، ولكنه رغم ذلك يعتقد أن هذا الانفجار حدث بالفعل: «يمكننا أن نلاحظ اليوم الأشكال الانتقالية بين الأنواع البيولوجية، ويمكننا الاستدلال على وجودها في الماضي. إلا أن النتيجة النهائية أبعد ما تكون عن لوحة على نسيج متصل بلا فواصل تتيح للباحث أن يقرأ “شجرة الحياة”[5] Tree of Life ببساطة عن طريق العثور على الأشكال المتوسطة، سواء الحية منها أو المنقرضة، التي يفترض أنها تربط بين كافة الأنواع البيولوجية. بل على العكس، فمايز الأشكال العضوية بعضها عن بعض وغياب الأشكال المتوسطة بوجه عام يبهر علماء الأحياء».

ونظرية التوازن المتقطع تتناقض كلية مع المنهج التدرجي الذي يتبعه “الداروينيون المتشددون” Utlra-Darwinians مثل “جون مينارد سميث”، و”ريتشارد دوكينز”، و”دانيل دنت”. وقد كان السجال بين الفريقين ضارباً في بعض الأحيان، فالتدرجيون كما رأينا يؤمنون أن الميكرو تطرو بصبح مع الوقت ماكرو تطور. ومن ثم فهم يعتقدون أن التراكم البطيء للخطوات التطورية متناهية في الصغر على مدار الأزمنة الجيولوجية Aeons يمكن أن يكون خطوة كبيرة جديدة. وعالم الحفريات “نايلز إلدردج” يتهمهم بضعف معرفتهم في علم الحفريات. وحجته في ذلك أن التدرجيين مهتمون بفهم كيفية تغير المعلومات الوراثية عبر الزمن، ثم يؤكدون ببساطة أن «التاريخ التطوري نتاج عمل الانتخاب الطبيعي في التنوع الوراثي المتاح». أي أنهم يستنتجون ببساطة ما حدث عبر الزمن الجيولوجي الماضي مما يلاحظونه في الحاضر. ويستطرد “إلدردج” قائلاً: «وهذا في نظري، بصفتي عالم حفريات، أسلوب غير ناجح. فلا يصح التوصل ببساطة إلى استنتاجات عن حالة معينة بناء على معلومات معروفة مسبقاً عن حالة أخرى. وهو ما اكتشفه في ستينات القرن العشرين عندما حاولت عبثاً رصد أمثلة للتغير البطيء الذي يسير في اتجاه محدد الذي اعتقدنا به جميعاً منذ أخبرنا داروين أن الانتخاب الطبيعي يجب أن يترك هذه العلامة الواضحة الكاشفة على وجه التحديد… ولكن ما اكتشفه أنه عندما تظهر الأنواع البيولوجية في سجل الحفريات غالباً ما لا يطرأ عليها تغير يذكر. فالواقع أن الأنواع تظل حتى النهاية تقاوم التغير في سكون وثبات، وغالباً ما يستمر ذلك ملايين السنين.»

ويؤيد “كولن باترسون” زميل الجمعية الملكية هذا الحكم اللافت للنظر من حيث إنه يتناقض مع الفهم الشائع عن الحفريات: «أتجاسر وأؤكد عدم وجود مثل هذه الحفرية [حفرية تعبر سلفاً للأنواع أو نوعاً انتقالياً] يمكنني أن أبني عليها حجة محكمة». والمدهش أن “باترسون” صرح بذلك في سياق حديثه عن طائر الأركيوبتريكس Archaeopteryx الذي كانت بقاياه المتحجرة في عهدة “باترسون” في متحف التاريخ الطبيعي والتي غالباً ما يستشهد بها باعتبارها نوعاً انتقالياً بين الزواحف والطيور. وهذا هو أحد الأسباب التي تبين أهمية التمييز بين مفهومي الأشكال المتوسطة Intermediate والأشكال الانتقالية Transitional. فالشكل المتوسط هو تحديداً شكل يمكن وضعه “بين” بندين: البند (أ)، والبند (ب) من التصنيف نفسه، وفقاً لمعايير نمط معين في التصنيف، دون أن يعني ذلك أنه انحدر من (أ) وأنه سبق (ب). ولا يصبح الشكل المتوسط انتقالياً إلا إذا ثبت أنه انحدر من (أ) وأنه سلف (ب). وإثبات هذه العلاقات يتطلب طبعاً إثبات آلية معينة ضرورية لحدوث هذه العملية.

والآن كثيراً ما نقرأ أن سجل الحفريات قد يكون غير مكتمل، وخاصة لأن أعضاء الجسم الطرية لا تتحجر بسهولة لأسباب مفهومة. إلا أن علماء الحفريات على وعي تام بهذه الحقيقة، ولكنهم مع ذلك يعتقدون أن نقص سجل الحفريات لا يمكن أن يكون هو القصة الكاملة. فمثلاً “جيمز فالنتاين” James Valentine يكتب في دراسة مهمة بعنوان “في أصل الشُعب البيولوجية” On the Origin of Phyla: «الكثير من الفروع [في “شجرة الحياة”]، الكبير منها والصغير، مجهول الأصل (لا يمكن معرفة أسلافه). والمؤكد أن بعض هذه الفجوات نتجت عن نقص سجل الحفريات (الفصل الخامس)، إلا أنه ليس السبب الوحيد لعدم معرفتنا بأصل بعض الفصائل، والكثير من رُتب اللافقاريات، وكل طوائف اللافقاريات، وكل الشُعب الحيوانية.»

ويجب أن نشير أيضاً في هذا الصدد إلى أنه بالرغم من أن أعضاء الجسم الطرية نادراً ما تحفظ في سجل الحفريات، فقد ظهرت اكتشافات حديثة مذهلة تبين وجود أجنة الإسفنج في السجل في العصر ما قبل الكامبري Percambrian بالقرب من “تشنجيان” في الصين. ويرى عالم أحياء الحفريات البحرية “بول شين” Paul Chien وزملاؤه أن وجود هذه الأجنة يخلق مشكلة حقيقية: إن كانت طبقات ما قبل الكامبري قادرة على الاحتفاظ بأجنة طرية لبعض الكائنات، فلماذا لا تحتوي أيضاً على دلائل على حيوانات العصر الكامبري؟ فإن احتفظ السجل بأجنة رخوة، ألا يجب بالأحرى أن يحتفظ بحيوان كامل النضج؟

وبالطبع تجدر الإشارة أيضاً إلى أن تفسير سجل الحفريات يزداد تعقيداً بسبب الاعتبارات الوراثية. وحالياً تجرى دراسات مكثفة على الارتباط بين الجينات والتركيب Morphology (وخاصة الجينات الناحتة Hox genes) ويرجح البعض مثل “سيمون كونواي موريس” أنه بمجرد أن تظهر في حيز الوجود الحيوانات التي تتميز بدرجة كبيرة من التعقيد، عندئذ قد تستثير التغيرات الوراثية الصغيرة نسبياً تغيرات تركيبية كبيرة نوعاً ما. ولكنه مع ذلك يحذر قائلاً: «رغم أن القليلين يشكون أن الجينات تتسبب في تكوين الشكل، فنحن حالياً نكاد نجهل كيفية نشوء الشكل فعلياً في الشفرة الجينية». وهذه الملاحظات تؤكد أهمية مسألة أصل الشفرة الجينية نفسها في المناقشة بأكملها، وهو ما سنخصص له الفصل الثامن.

ولكن ماذا يستفيد غير المتخصصين من سجل الحفريات؟ مؤكد أنه ما دام عدد من المفكرين العظماء كالذين استشهدنا بهم يعبرون على الملأ عن شكوكهم في النواحي التأسيسية للنظرية، وخاصة فيما يتعلق بتطبيق قواعد الحاضر على الماضي، فهذا يبين على الأقل أن الحفريات لا تدعم النظرية الداروينية الحديثة على مستوى الماكرو تطور الذي غالباً ما يزعمه أنصار النظرية.

وبالتالي من المؤكد أنه يتضح من المناقشة السابقة أن أقل ما يقال عن الماكرو تطور إنه لا يمكن أن يوضع في الفئة التي يدعيها له “ليونتن”، وكذلك “دنت” وغيرهما. ولدينا الآن سببان مهمان يؤكدان أن الماكرو تطور لا يمكن أن يوضع في نفس مستوى دوران الأرض حول الشمس. السبب الأول أن الزعم القائل بدوران الأرض حول الشمس هو أمر ثبت بالملاحظة. وواضح أن هذا لا ينطبق على زعم “ليونتن” بأن «الطيور نشأت من “اللاطيور”» (أياً كانت الأخيرة). فهذه العملية لم تخضع للملاحظة مطلقاً. والسبب الثاني أن حقيقة دوران الأرض حول الشمس ليست مسألة ملاحظة فحسب، ولكنها أيضاً مسألة ملاحظة متكررة. ولكن زعم “ليونتن” عن أصل الطيور يرتبط بحدث ماض غير متكرر وغير قابل للملاحظة. ووضع ظاهرة غير قابلة للملاحظة أو التكرار في فئة الظواهر المتكررة والقابلة للملاحظة خطأ مشين حتى إن المرء لا يسعه إلا أن يستنتج أن خوف ليونتن من وجود بصمات إلهية، كما سبقت الإشارة، يلعب دوراً محورياً، وأن حكمه المادي المسبق يطغى على الحس (العلمي) السليم.

القرابة الوراثية: اعتراض مهول؟

بوصولنا لهذه المرحلة، إن لم يكن قبلها، لابد أن البعض بدأوا يتهموننا بأنه فاتنا أن نأخذ في الحسبان أكبر وأوضح اعتراض على فكرة محدودية التطور الدارويني. ويقوم هذا الاعتراض على بعض الأساليب الحسابية المعقدة التي تستخدم لمقارنة بينة سلاسل الـ DNA في مجموعة من الكائنات. وقد كشفت هذه الحسابات عن تماثلات مذهلة بين المحتويات الجينية Genomes، مع امتدادات طويلة من الـ DNA في كائنات مختلفة تكاد تكون متماثلة. ويقال إن هذه الدراسة التي تسير بالاستقلال عن سجل الحفريات والتشريح المقارن تكشف دون شك علاقة القرابة الوراثية Genetic Relatedness الحميمة بين كافة الكائنات الحية، وتمكننا من وضع هذه الكائنات على شجرة أسلاف واحدة. ويقال إن هذا النصر الساحق الذي حققه علم الأحياء الجزيئي يشكل أعظم دليل على صحة التركيب الدارويني الحديث.

إلا أنه لو كان ما ناقشناه حتى الآن في هذا الفصل يحمل أي شيء من الصحة، فالتصريح الأخير يتجاوز الدليل بكثير. فالقول بالقرابة الوراثية يختلف تماماً عن القول بأن الطفرة والانتخاب الطبيعي هما الآليتان الوحيدتان المسؤولتان عن إنتاج تلك القرابة. فمثلاً “بيهي” لا يبدي أدنى اعتراض على الزعم الأول، إلا أن أبحاثه والحجج السابقة تبين أنه بما أن التطور محدود، إذن العوامل المسؤولة عن تكوين القرابة الوراثية أكثر بكثير من الانتخاب والطفرة. أي أن التركيب الدارويني الحديث لا يمكنه أن يتحمل كل العبء الوراثي الملقى على عاتقه. ولكن مطلوب ما هو أكثر من ذلك، وهذا الأكثر هو مدخلات من ذكاء مصمم.

ولكن قبل الاسترسال في تلك المسألة يجب إبداء بضع ملاحظات على القرابة الوراثية. فعالم الحيوان “مارك ريدلي” يلفت النظر لملحوظة مهمة بخصوص القرابة في المطلق، وهي ملحوظة مألوفة لعلماء الرياضيات: «إن المبدأ البسيط الخاص بإمكانية تصنيف الأنواع بشكل هرمية إلى أجناس، وفصائل، وهكذا، لا يعتبر حجة مؤيدة للتطور. فمن الممكن تصنيف أي مجموعة أشياء تصنيفاً هرمياُ، سواء أكان ما بينها من تنوع هو تنوع تطوري أو غير ذلك». فالسيارات مثلاً يمكن ترتبيها هرمياً. ولكن كل السيارات تتشابه في أجزاء معينة لأن تلك الأجزاء أساسية لعملها، ولأنها مركبة وفقاً لتصميم مشترك، لا لأنها انحدرت من بعضها البعض.

ومن هذا المنظور، يمكن إذن قراءة التشابهات بين سلاسل الـ DNA منطقياً باعتبارها دليلاً على تصميم مشترك. والسلف المشترك يمكن أن يكون مصمماً أيضاً، أي أن المفهومين لا يلغي أحدهما الآخر. ورغم اختلاف “فرانسيس كولينز” مع “بيهي” فيما يختص بحدود التطور، فهو يرجح أنه رغم أنه من منظورنا «يبدو أن التطور مدفوع بالصدفة، ولكن الناتج محدد بدقة من منظور الله». وكذلك “سيمون كونواي موريس” عالم أحياء الحفريات التطوري بجامعة كامبريدج غير راض عن اختزالية الداروينيين المتشددين الذين «بعد أن شيدوا نظاماً طبيعياً لا يمكنه أن يحوز في نفسه أي غرض نهائي، وما زالوا يسمحون لفكرة المعنى أن تسلل ثانية إلى منظومتهم». ويعتقد “كونواي موريس” بوجود نوع من التشابه بين علم الأحياء والضبط الدقيق في الفيزياء الذي ناقشناه في الفصل الرابع، ويستشهد بتأكيد “فان تيل” Van Till أن “الدقة المتناهية” اللازمة لنشأة الحياة لا تقتصر على القيم الرقمية لقياسات معنية، ولكن مشروع تكوين الكون بأكمله لا بد أن يكون “في منتهى الدقة”. ويخلص “كونواي موريس” إلى أنه «ليس الكون فقط هو ما يتلاءم مع غرض معين بشكل مدهش، ولكن أيضاً قدرة الحياة على الإبحار تجاه الحلول الصحيحة، كما بينت عبر صفحات هذا الكتاب». ومؤكد أن هذا الوصف لا ينطبق على صانع ساعات أعمى، بل على بحار حاد البصر.

ويعالج “كونواي موريس” في كتاب أحدث ظاهرة التقارب التطوري Evolutionary Convergence: «حقيقة إنه كلما ازدادت معرفتنا وخاصة في الكيمياء الحيوية ووظيفة البروتين، ازدادت دهشتي. فإن كان صانع الساعات أعمى، فلا شك أنه يملك طريقة دقيقة جداً تمكنه من معرفة الطريق وسط متاهة الفضاء البيولوجي الشاسعة. وحتى إن لم يكن يعلم وجهته، فهل من كائن آخر أعلى يعلم؟» ومن ثم يعبر “كونواي موريس” عن ذهوله قائلاً: «ودائماً ما يميلون في مفرداتهم إلى استخدام الصفات المبهمة: “مدهش”، “مذهل”، “مثير”، “لافت للنظر”»، أو حتى “غريب”، “محير”، وكلها تعبر عن ردود الأفعال المتداولة في لغة العاملين في هذا المضمار. وكما أشرت في موضع آخر، أنه رغم شيوع هذه التعبيرات بين الداروينيين المخلصين، يبدو أنها تنم على شعور بعدم الارتياح. وهو ما أظن أنه يعكس على أقل تقدير شعوراً بأن التطور قد يسير في اتجاه محدد، وربما أن أكثر ما يخيف الباحث اليقظ هو عودة الغاية telos للظهور.»

أما الظاهرة التي تنتج عن ذلك أن الأدلة تتزايد داخل إطار النموذج التطوري نفسه على أن «التطور قد يكون بالفعل أقل عشوائية بما لا يقاس مما يظن غالباً». علاوة على ذلك، إن كان للتطور حدود كما يرجح “بيهي” وغيره، فالأدلة تشير إلى أن البحار لا يسير بالصدفة فقط فحسب (ويجب أن أضيف أنه لا يسير بالانتخاب الطبيعي أيضاً.) ولكن لا بد من وجود مدخلات معلوماتية (ذكية) لا غنى عنها.

وعندما نرجح أن القرابة الوراثية تشتمل على مدخلات معلوماتية، فهل هذا يعني أننا نعود إلى إله الفجوات؟ من وجهة نظر علمية، بالطبع لا، إن كان هذا ما تقتضيه الأدلة. فضلاً عن ذلك، أظن أن تجربة فكرية بسيطة قد تلقي بعض الضوء على القضية. تخيل عالم أحياء جزيئية في أحد الكواكب النائية بعد خمسة ملايين سنة يحلل بينة الـ DNA لأنواع مختلفة من القمح من أوائل القرن الحادي والعشرين عثر عليها علماء الآثار في قطعة صخرية صغيرة تائهة في الفضاء. ولنفترض أيضاً أنه لا يعلم أنها قطعة من الكوكب المعروف باسم الأرض بعد أن تحكم باصطدامه مع نيزك منذ مليون سنة.

وقد أجرى العالم تحليلاً جزيئياً تبين منه أن الأنواع البيولوجية المختلفة تبدو متقاربة من حيث أنها متشابهة جداً في الـ DNA، أو بالأحرى متماثلة عبر امتدادات طويلة. ومن ثم، يرجع الاختلافات إلى الانتخاب الطبيعي والطفرة العشوائية رغم أن الاختلافات حتى هذه اللحظة لم تطابق أي نمط تفسيري مفهوم حتى الآن. وبعد فترة قصيرة يكتشف علماء آثار الفضاء نصاً على صخرة أخرى تائهة في الفضاء ويتمكنون أخيراً من ترجمة لغته البدائية القديمة (بالنسبة لهم)، ويقول النصل: «لقد غير “سميث” بينة القمح بهدف زيادة المحصول.» فيأتون بهذا النص بعد فك رموزه لعالم الأحياء الجزيئية ويقولون له: «يبدو أن ذلك يرجح أن إحدى عينتي القمح لم ينتج بعملية طبيعية غير موجهة ولكنها تشتمل على طفرات غير عشوائية، أي أن لها تصميماً مقصوداً.» فيقول العالم: «كلام فارغ. إنها أسطورة من أساطير إحدى الحضارات البدائية المجهولة. انظروا إلى لغتها البدائية مقارنة بعلمنا المتقدم. هذا ليس علماً حقيقياً. على أي حال، بحثي يسير في اتجاه مبشر جداً وأظن أننا سنتمكن قريباً من التأكد من أن الصدفة والضرورة يمكن أن تفسرا بسهولة ما نلاحظه. ولست مستعداً أن أعتقد في “سميث” “الفجوات” الذي يمكن أن يقضى على العلم.»

إلا أننا نحن الذين نعيش في القرن الحادي والعشرين نعلم أن هذا “السميث” موجود فعلياً. فالذكاء البشري أنتج محاصيل معدلة وراثياً.

وتكمن أهمية هذه التجربة الفكرية في أنه إن أمكن منطقياً تقديم حجة تؤيد أن الصدفة والضرورة فقط هما السبب في إنتاج سلالة القمح الثانية، فالذكاء أيضاً لعب دوراً. أي أنه لا يمكننا حتى أن نستبعد تدخل ذكاء خارجي على ذلك المستوى.

وبالطبع إن أردنا أن ندخل ذكاءً فائقاً للطبيعة في العملية، علينا أن نجد مزيداً من الأدلة، مثل الأدلة المختصة بحدود التطور، بل الأهم منها الأدلة المتعلقة بأصل الحياة نفسها كما سنرى في الفصل التالي.

والمؤكد أننا لا بد أن نتوقع وجود تشابهات وراثية وتركيبية أياً كانت الفرضية التي نتبناها، سواء أكانت التصميم، أو السلف المشترك، أو مزيجاً منهما. ويقول “ستيفن ماير” Stephen Meyer إن فرضية السلف المشترك تساوي من الناحية المنهجية فرضية التصميم المشترك بحث إن وصف إحداهما بالعلمية أو اللاعلمية ينطبق بالتساوي على الأخرى. فمثلاً افتراض وجود مصمم غير مرئي ليس أقل علمية من افتراض وجود خطوات غير مرئية من الماكرو تطور. ومن الواضح جداً أن فكرة “تطور الفجوات” Evolution of the gaps لا تقل انتشاراً عن فكرة “إله الفجوات”.

وينهي “بيهي” دراسته المسحية للتفسيرات المتنوعة المطروحة لما نراه في الحياة من تعقيدات وفيرة قائلاً: «أستخلص أن احتمالاً آخر هو الأرجح: الأنظمة الدقيقة المتسقة الناجحة التي تعتمد عليها الحياة هي نتاج تصميم ذكي مقصود». ومنطقه أبعد ما يكون عن منطق “إله الفجوات”. فالحجة التي يطرحها هي أن تأثير الانتخاب الطبيعي على الطفرة العشوائية، حتى وإن كان مسؤولاً عن “تنويعات وراثية بسيطة في اللحن الأصلي» الموجود في العالم الحي[6]، إلا أنه لا يستطيع أن يفسر ما يظهر من أشكال وراثية جديدة أصيلة لا حصر لها لأنها تقع خارج حدود تلك التنويعات المرئية، في حين أن الذكاء هو الذي يستطيع تفسيره. وهي حجة تقوم على فهم علم الأحياء الجزيئي المعقد الذي يلعب دوراً في هذا المجال وليس على الجهل به.

ومن اللافت للنظر أن الملحد البارز “توماس ناجل” منبهر بهذه الحجج. فهو يشير إلى أن علماء الأحياء التطوريين دائماً ما يقولون إنهم واثقون أن الطفرات العشوائية كافية لتفسير النظم الكيميائية المعقدة التي نلاحظها في الكائنات الحية، إلا أنه يشعر أن حججهم يغلب عليها أسلوب بلاغي محض ويرى أن الأدلة لا تكفي لاستبعاد مدخلات الذكاء.

وكما ذكرت بعض علماء الأحياء البارزين الآن مثل “فرانسيس كولينز” وكذلك “سيمون كونواي موريس” يختلفون مع “بيهي” في مسألة حدود التطور. إلا أن هذا لا يعني أن هؤلاء العلماء يقبلون القصة التي تقترحها الفلسفة الطبيعية قبولاً تاماً. ولكنهم أبعد ما يكون عن ذلك. فمثلاً “فرانسيس كولينز” يعبر عن عدم ارتياحه لمصطلح “التطور الخلقي” Theistic Evolution على أساس أن «تقليص إيمان المرء بالله إلى مجرد صفة يوحي بأنه يأتي في مرتبة ثانية من حيث الأولوية، في حين تعطى المرتبة الأولى للاسم، أي لكلمة “التطور”.» وبعد أن رفض عدداً من الأوصاف المقترحة التي تشتمل على كلمات مثل “الخلق” أو “ذكي” أو “تصميم” استقر أخيراً على مصطلح “بيولوجوس” Bio Logos منعاً للخلط، ويعنى الأحياء في ضوء اللوجوس أي الكلمة. وهنا اتفق أن استخدام بعض المصطلحات يمكن أن ينشئ نوعاً من الخلط والتضليل لأنها تكون محملة بالكثير من المعاني المختلفة. لكن يبدو أن فكرة الذكاء المصمم الجوهرين ليست بعيدة عن هذا المصطلح إطلاقاً. بل من الصعب أن نتخيل وصفاً أنسب للفكرة وأكثر إيحاءً بها من كلمة “لوجوس”.

وإيجازاً للحجة التي طرحتها حتى الآن أقول إن الزعم بأنه يمكن تأسيس الإلحاد على علم الأحياء التطوري هو زعم خاطئ. وذلك لسببين، أولهما منطقي يتلخص في أنه لا يمكنك أن تستنتج منظوراً فلسفياً من علم. أما السبب الثاني فهو أن الاكتشافات منذ عصر داروين لا تؤيد فكرة أن صانع الساعات الأعمى المتمثل في الطفرة والانتخاب الطبيعي يفسر وجود الحياة برمتها وما بها من تنوع. صحيح أنه من المؤكد أن آلية الانتخاب والطفرة تفسر الكثير من التنوعات الوراثية التي لاحظها داروين ونلاحظها نحن، إلا أنها تعمل في نطاق محدود. فمن الواضح أن التطور له حدود، حدود لما يكن أن يؤديه صانع الساعات الأعمى.

بل إن حتى بعض أبرز العلماء ممن يتشككون في حقيقة هذه الحدود يعبرون عن ذهولهم من غرابة العمليات الطبيعية من حيث قدرتها على الإبحار تجاه حلول معقدة، مما يدلل على تدخل اللوجوس.

ولا شك أن تعقيد النظم الحية الذي يفوق الخيال وآلياتها المنظمة الذي يكشفه لنا علم الأحياء الجزيئي يحمل ختم الذكاء المصمم تماماً مثل الكون المادي المضبوط بدقة الذي تعتمد عليه هذه الآليات، إن لم يكن أكثر منه.

والآن من السهل أن ننسى أنه في كل ما تقدم وجود الحياة أمر مفترض مسبقاً. وذلك لأن “دوكينز” غالباً ما يوحي لنا في كتاباته (خاصة “الساعاتي الأعمى” The Blind Watchmaker) أن الآلية التي اكتشفها داروين تفسر كلاً من وجود الحياة وما بها من تنويعات وراثية. وهو بالطبع زعم خاطئ، كما يعترف بنفسه لاحقاً في كتاب “وهم الإله”. وأياً كان مزاعمه، الحقيقة أنه وفقاً للتركيب الدارويني الحديث، الانتخاب والطفرة يفترضان مسبقاً وجود وحدات تعيد إنتاج نفسها وتحدث طفرات. وحن هنا نزعم أن أصل الحياة نفسه يشكل تحدياً أمام الفلسفة الطبيعية أعقد بكثير من التحدي الذي تمثله حدود التطور. ولذا خصصت الفصل القادم لموضوع أصل الحياة.

[1] يعرفها “قاموس أكسفورد” بأنها الفرضية التي تقول بأن التطور يتم أساساً بتراكم تغيرات تدريجية (وذلك مقابل النموذج المتقطع Punctuationist model). (المترجم)

[2] نسبة إلى “فرويد” Freud الذي يعتبر أبا علم النفس الحديث. وقد ركز في نظريته على اللاوعي. ووضع أساليب العلاج بالتحليل النفسي. ورأى أن ما يحكم الإنسان هو طاقة جنسية (ليبيدو Libido) يولد بها وقسم عمر الإنسان إلى مراحل جنسية بناء على تطور هذه الطاقة. (المترجم)

[3] اختصار مصطلح Evolutionary developmental Biology.

[4] Phenotype يعني مجموعة صفات الفرد الظاهرة التي تنتج من تفاعل الوراثة مع البيئة (المترجم).

[5] تشبيه يصور العلاقة بين الكائنات، الحية منها والمنقرضة، وقد وضعه داروين للإشارة إلى أن كل الأنواع البيولوجية تنبثق من سلف واحد مشترك كما تنبثق فروع الشجرة من جذر واحد (http://www.sawtonline.org/evolution-creation-part4) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[6] مثلاً الانتخاب الطبيعي يمكن أن يكون مسؤولاً عن الاختلافات الثانوية فيما بين الأسماك بأنواعها المختلفة. ولكن في النهاية كلها أسماك. أما إنتاج الأسماك من الأصل يتجاوز قدرات الانتخاب الطبيعي. (المترجم نقلاً عن الكاتب).

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

بالأسم الكشف عن منفذ تفجير الكنيسة المرقسية

بالأسم الكشف عن منفذ تفجير الكنيسة المرقسية

بالأسم الكشف عن منفذ تفجير الكنيسة المرقسية

بالأسم الكشف عن منفذ تفجير الكنيسة المرقسية

قال مصدر أمنى إن رجال جهاز الأمن الوطني، نجحوا فى التوصل إلى هوية الانتحاري المتهم بتنفيذ الهجوم الإرهابي فى كنيسة مارمرقس بالإسكندرية، الأحد الماضى. وكان تنظيم “داعش” الإرهابي، الذى أعلن تبنيه الجريمة قال إن منفذ التفجير هو “أبوإسحاق المصري”.
أفاد المصدر الأمني، فى تصريح لمصراوى إن الانتحاري، الذي لقبه تنظيم “داعش” بـ”أبو إسحاق المصري”، هو “محمد.ع.غ”، من مواليد سبتمبر 1990 بمدينة منيا القمح فى الشرقية، حاصل على بكالوريوس تجارة. وأوضح أن والد المنفذ موظف بالمعاش، بينما تعمل والدته بقطاع التربية والتعليم.

المصدر لمصراوى: طردته الكويت فسافر إلى تركيا ومنها إلى سوريا ثم عاد إلى مصر لينفذ جريمته
وأشار المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه لـ”مصراوي” اليوم الثلاثاء، إلى أن تحريات الأمن الوطني، أكدت استخراج شهادة وفاة مزورة للانتحاري، قبل عامين. وتعمل الأجهزة الأمنية حاليا على مطابقة عينة الـ “DNA” المأخوذة من أشلاء الانتحاري مع والديه.
وأوضح المصدر، أن الانتحاري، سافر في مايو الماضي؛ للعمل محاسبا في شركة خاصة بدولة الكويت، قبل أن تقرر السلطات هناك ترحيله بسبب انتماءاته السياسية، فسافر مع أحد أصدقائه إلى تركيا حتى شهر أغسطس، ثم انتقل بمفرده إلى سوريا أواخر يناير الماضي، وعاد أخيرا إلى مصر ينفذ عمليته الانتحارية في الكنيسة.
هذا الخبر منقول من : مصراوى

عاجل | بيان من تنظيم “داعش” يتبنى تفجير الكنيسة البطرسية ويتوعد الأقباط بمزيد من القتل والحرق

عاجل | بيان من تنظيم “داعش” يتبنى تفجير الكنيسة البطرسية ويتوعد الأقباط بمزيد من القتل والحرق

عاجل | بيان من تنظيم “داعش” يتبنى تفجير الكنيسة البطرسية ويتوعد الأقباط بمزيد من القتل والحرق

عاجل | بيان من تنظيم “داعش” يتبنى تفجير الكنيسة البطرسية ويتوعد الأقباط بمزيد من القتل والحرق

نشرت حسابات محسوبة على تنظيم داعش الإرهابى بيانا تبنت خلاله تفجير الكنيسة البطرسية أمس الأول، وقالت فيه أن التفجير تم من خلال حزام ناسف ارتداه أحد المنتمين لداعش، وكنيته أبو عبد الله المصرى .

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى قد أعلن أمس الاثنين أسم المتهم بتفجير نفسه داخل الكنيسة البطرسية، وقال خلال مشاركته فى الجنازة العسكرية لضحايا الحادث، “اللى عمل كده علشان تكونوا عارفين شاب دخل الكنيسة اسمه محمود شفيق محمد مصطفى، وفجر نفسه داخل الكنيسة، عنده 22 سنة وقبضنا على 3 وسيدة وناقص اثنين، وإمبارح طول الليل بيطلعوا جثة محمود محمد شفيق مصطفى، اللى عمل العمل ده بحزام ناسف مش بشنطة، والكلام اللى أنا بقوله ده كلام مسئول ماكناش نقدر نيجى ليكم النهاردة”.

كما أصدرت وزارة الداخلية بيان أشارت فيه إلى أسماء المتهمين فى الجريمة الإرهابية، وهم “مهاب مصطفى السيد قاسم” حركى “الدكتور” ( مواليد 2/11/1986 القاهرة ويقيم 7 شارع محمد زهران بالزيتون – طبيب )، والذى سبق وسافر إلى دولة قطر خلال عام 2015 وارتباطه الوطيد هناك ببعض قيادات جماعة الإخوان الإرهابية الهاربة الذين تمكنوا من احتوائه وإقناعه بالعمل بمخططاتهم الإرهابية وإعادة دفعه للبلاد لتنفيذ عمليات إرهابية بدعم مالى ولوجيستى كامل من الجماعة، فى إطار زعزعة إستقرار البلاد وإثارة الفتن وشق الصف الوطنى، وعقب عودته للبلاد اضطلع وفق التكليفات الصادرة إليه بالتردد على محاظفة شمال سيناء وتواصله مع بعض الكوادر الإرهابية الهاربة، هناك حيث قاموا بتنظيم دورات تدريبية له على استخدام السلاح وتصنيع العبوات التفجيرية لفترة أعقبها عودته لمحل إقامته، مع استمرار تواصله مع قيادات الجماعة الإرهابية بقطر وتكليفه عقب مقتل القيادى الإخوانى محمد محمد كمال – بالبدء فى الإعداد والتخطيط لعمليات إرهابية تستهدف الأقباط بهدف إثارة أزمة طائفية واسعة خلال الفترة المُقبلة دون الإعلان عن صلة الجماعة بها، حيث رصدت المعلومات إصدار ما يطلق عليه (المجلس الثورى المصرى – أحد الأذرع السياسية للجماعة الإرهابية بالخارج)، بيان بتاريخ 5 الجارى يتوعد قيادة الكنيسة الأرثوذكسية بسبب دعمها للدولة، حيث اضطلع بتشكيل مجموعة من عناصره المتوافقة معه فكرياً “تم تحديدهم” وأعد لهم دورات تدريبية بأحد الأوكار بمنطقة الزيتون بمحافظة القاهرة إستعداداً لتنفيذ بعض العمليات الإرهابية.

وأشارت الداخلية فى البيان إلى أنه تم التعامل مع حصيلة تحليل تلك المعلومات وتطابقها مع نتائج فحص المعمل الجنائى لمسرح الجريمة وأشلاء جثث الضحايا، وأسفرت عن الاشتباه فى أحدها وهو المتهم الهارب “محمود شفيق محمد مصطفى” حركى “أبو دجانة الكنانى”، بالتورط فى تنفيذ حادث الكنيسة من خلال عمل انتحارى باستخدامه حزام ناسف (سبق إرتباطه بإحدى الأسر الإخوانية بمحل إقامته وتلقيه تدريبات على تأمين المسيرات للجماعة الإرهابية باستخدام الأسلحة النارية وضبطه أثناء قيامه بذلك وبحوزته سلاح آلى موضوع القضية رقم 2590/2014 إدارى قسم الفيوم – بتاريخ 14/3/2014 – وتم إخلاء سبيله بقرار من المحكمة فى 8/5/2014 .. حيث تم ربطه بإحدى البؤر التكفيرية لإعداداه لإعتناق الأفكار التكفيرية المنبثقة من فكر الإخوانى سيد قطب ومطلوب ضبطه فى القضيتين رقمى 2428/2015 إدارى العجوزة 1317/2016 إدارى الواسطى ” نشاط تنظيمى للعناصر التكفيرية) .

وقالت الوزارة فى بيانها أمس “أسفرت نتائج المضاهاة للبصمة الوراثية لأسرة المذكور DNA ” مع الأشلاء المشتبه فيها والمعثور عليها بمكان الحادث عن تطابقها “.

ولفتت الوزارة إلى أنه تم استهداف الوكر المشار إليه وأسفرت النتائج عن ضبط 2 حزام ناسف معد للتفجير وكمية من الأدوات والمواد المستخدمة فى تصنيع العبوات المتفجرة، كما تم ضبط عناصر من تلك البؤرة وهم :

– “رامى محمد عبدالحميد عبدالغنى” مواليد 20/10/1983 القاهرة ويقيم بها 27 شارع على الجندى – مدينة نصر – حاصل على بكالوريوس تجارة ” ويعد المسئول عن إيواء انتحارى العملية وتجهيزة وإخفاء المواد المتفجرة والأحزمة الناسفة.

– محمد حمدى عبدالحميد عبدالغنى” مواليد 22/6/1979 – القاهرة ومقيم بها 5 شارع محمد زهران الزيتون – حلاق ” وتمثل دوره فى الدعم اللوجيستى وتوفير أماكن اللقاءات التنظيمية لعناصر التحرك.

– “محسن مصطفى السيد قاسم” مواليد 12/1981 القاهرة ويقيم بها 365 شارع ترعة الجبل- الزيتون والمذكور شقيق قيادى التحرك الهارب مهاب، ويضطلع بدور بارز فى نقل التكليفات التنظيمية بين شقيقه وعناصر التنظيم والمشاركة فى التخطيط لتنفيذ عملياتهم العدائية.

– “علا حسين محمد على” (مواليد 22/7/1985 القاهرة وتقيم بها 27 شارع على الجندى – مدينة نصر – زوجة الأول) وبرز نشاطها فى الترويج للأفكار التكفيرية من خلال وسائل التواصل الإجتماعى ومساعدة زوجها فى تغطية تواصلاته على شبكة المعلومات الدولية.

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

إقرأ أيضًا: الاحتمـال الأول: فرضـيـة دارويـن

الاحتمال الثاني: فرضية التصميم

قال عالم الفيزياء الذي أصبح فيما بعد لاهوتياً جون بولكينغورن: “إن سؤالاً أساسياً مثل الإيمان بالله (أو عدم الإيمان) لا يمكن إنهائه بمناقشة واحدة. إنه معقد للغاية. وما على الشخص أن يفعله هو التفكير في قضايا مختلفة ويرى ما إذا كانت الإجابات التي سيحصل عليها توضح الصورة التي تعطي للموضوع معنى”[1].

وهذا هو الأسلوب الذي اتبعته في بحثي. وقمت بفحص عميق لأربعة فروع علمية مختلفة لأرى ما إذا كانت تشير إلى أو تبعدني عن المصمم الذكي.

وعندما فتحت ذهني لتفسير غير مبدأ الطبيعة، وجدت أن افتراضية التصميم تفسر بكل وضوح أدلة العلم “فالقوة التفسيرية” لفرضية التصميم تفوقت على نظرية أخرى. وما يلي بعض الحقائق التي وردت في أبحاثي واستفساراتي:

  • دلـيـل علـم الكـونيـات

إنه بفضل الاكتشافات العلمية في الخمسين سنة الأخيرة، أخذت مجادلة “الكلام Kalam” الكونية القديمة قوة جديدة. وكما وصف ذلك وليم لين كريج فقال: “رغم أن هذه المجادلة بسيطة إلا أنها ممتازة: “تقول أولاً: كل ما هو موجود له سبب”. وحتى الشكاك المشهور ديفيد هيوم لم ينكر هذه الافتراضية. كما قال الملحد كوينتن سميث إن التعبير الذي يقول: “إننا جئنا من لا شيء وبواسطة لا شيء من أجل لا شيء” تعبير سخيف ومثير للسخرية.

“ثانياً: إن الكون له بداية”. وبناء على المعلومات فإن كل علماء الكون يوافقون على أن الكون بدأ بالانفجار الهائل في نقطة محددة في الماضي. كما أكد كريج على القول بأن النظريات البديلة عن أصل الكون تحتاج إلى بداية. فمثلاً، استخدام ستيفن هوكنج “للأرقام الخيالية” يحجب نقطة البداية في نموذجه، والذي يصرح هوكنج عنه بالقول بأنه ليس وصفاً للحقيقة.

ويأتي الاستنتاج بكل وضوح من مقدمتين منطقيتين: “ولهذا فللكون سبباً. وحتى روبرت جاسترو والذي كان سابقاً لا أدري سلم بأن العناصر الأساسية للمسيحية وعلم الكون الحديث يلتقيان: “إن سلسلة الأحداث التي تقود الإنسان بدأت فجأة وبحدة، وفي لحظة محددة من الزمن، في ومضة ضوء وطاقة”.

  • دلـيـل الفيـزيـاء

إحدى أكثر الاكتشافات المميزة للعلم الحديث هو أن قوانين وثوابت الفيزياء تتعاونان بطريقة غير متوقعة لجعل هذا الكون مكاناً صالحاً للسكن والحياة. فمثلاً، قال عالم الطبيعة والفيلسوف روبن كولنس، إن الجاذبية قد ضبطت بكل دقة على جزء من مائة مليون بليون، بليون، بليون، بليون.

والثابت الكوني، الذي يمثل كثافة طاقة الفضاء، محددة بإحكام مثل إلقاء سهم من الفضاء ليضرب عين ثور بنسبة تريليون تريليون من البوصة في قطر الكرة الأرضية. وقال أحد الخبراء إنه يوجد أكثر من ثلاثين من القوانين الكونية الثابتة تحتاج إلى تقويم محدد حتى ينتج عنها كوناً يمكن أن يكون فيه حياة.

وقال بين كولينس بإن الفرصة لا يمكن أن تفسر “مبدأ أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية” والبديل الذي نوقش – بأنه يوجد الكثير من الأكوان – يحتاج إلى دعم من أي دليل وقد انهار تماماً على ما تحقق من أن هذه العوالم الأخرى يُعزى وجودها إلى عملية مصممة تصميماً عالياً.

وهذا الدليل قوي للغاية حتى أنه هو الذي جعل باتريك جلين يتخلى عن إلحاده ويقول: “إن المعلومات المتناغمة تشير بقوة تجاه فرضية وجود الله. إنه أسهل وأكثر الحلول وضوحاً للغز الإنساني”.

  • دلـيـل علـم الفـلك

وما يشبه الضبط الدقيق لعلم الفيزياء، هو مركز الأرض في الكون وتعقيداته الجيولوجية والعمليات الكيميائية كلها التي تعمل معاً بكفاءة عظيمة لكي تخلق مكاناً آمناً حتى يمكن للبشر أن يعيشوا.

مثلاً، قال كل من عالم الفلك جيليرمو جونزاليس والفيلسوف جاي ويزلي ريتشاردز حتى يكون نجماً بيئة صالحة للعيش عليه يحتاج إلى أن يكون له الخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، الضوء الصحيح، العمر الصحيح، المسافة الصحيحة، المدار الصحيح، المجرة الصحيحة، الموضع الصحيح. لكي يغذي الكائنات الحية على كوكب دوار. وعوامل كثيرة تجعل نظام مجموعتنا الشمسية وموقعنا في الكون هو الصحيح لكي يكون بيئة صالحة للسكن فيه.

وما هو أكثر من ذلك، الحالة غير العادية التي تجعل الحياة ممكنة هي أيضاً التي تحدث لكي تجعل كوكبنا في موقع جيد لرؤية وتحليل الكون والبيئة. وكل هذا يوضح بأن كوكبنا قد يكون نادراً إن لم يكن فريداً وأن الخالق أرادنا أن نكتشف الكون.

وقال الفيزيائي الفلكي المتعلم في هارفارد جون أ. أوكيف من ناسا “لو لم يكن الكون قد صنع بأقصى دقة ما كنا موجودين فيه. ومن وجهة نظري أن هذه الظروف تبين أن الكون خلق للإنسان ليعيش فيه”.

  • دلـيـل الكيميـاء الحيـويـة

قال داروين: “إذا أمكن توضيح أن أي عضو معقد موجود ولم يتكون من تعديلات عديدة ومتتابعة وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي”. وقد أوضح المتخصص في الكيمياء الحيوية مايكل بيه هذا تماماً من خلال وصفه “للتعقيد المتعذر اختزاله” في مكائن جزيئية.

هذه الأدوات الغريبة الميكروسكوبية المعقدة مثل الهُدب cilia والبكتيريا الشبيهة بالسوط flagella، لا يمكن أن تكون قد وُجدت قطعة قطعة من خلال عمليات داروين لأنها يجب أن توجد كاملة حتى يمكنها أن تؤدي وظيفتها. وأمثلة أخرى تشتمل على النظام الذي يصعب تصديقه عن نقل البروتينات داخل الخلايا والعملية المعقدة لتجلط الدم.

وما هو أكثر من مجرد تحدي مدمر لأصحاب نظرية داروين هي تلك الأنظمة البيولوجية المدهشة – التي تفوق القدرة البشرية في التكنولوجيا وكلها تشير إلى خالق علوي. وقال بيه “ويمكن تلخيص استنتاجي في كلمة واحدة هي: التصميم. وأقول هذا بناء على العلم. وأقول أن نظام “التعقيد المتعذر اختزاله” هو دليل قوي على تصميم هادف بواسطة مصمم ذكي”.

إن مجادلة بيه أثبتت أنه يصعب على الشكاكون تحديها. وإن كان من الواضح أنه ستكون هناك اكتشافات مستقبلية في الكيمياء الحيوية، فقد أشار بيه أنهم لن يستطيعوا مناقشة التعقيد الذي اكتشف وكان أفضل تفسير له هو وجود خالق.

  • دلـيـل المعلومات البيولوجية

الستة أقدام من حامض DNA في داخل كل خلية في أجسادنا التي بها 100 تريليون خلية تحتوي على أربعة حروف من الرموز الكيميائية التي تقذف تعليمات مجمعة ومحددة لكل البروتينات التي تتكون منها أجسادنا. وقد أوضح ستيفن مير المتعلم في كامبردج أنه ولا فرضية علمية واحدة تمكنت من توضيح كيف يمكن للمعلومات أن تدخل المادة البيولوجية بوسائل طبيعية.

وعلى العكس من ذلك، قال “حينما نجد ترتيبات متتابعة ومعقدة وتتمشى مع نمط أو وظيفة مستقلة، فإن هذا النوع من المعلومات هو دائماً ناتج عن الذكاء. فالكتب، وشفرة الكمبيوتر والحامض النووي كلها تتمتع بهذه الخواص. ونحن نعلم ان الكتب وشفرات الكمبيوتر مصممة بالذكاء، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير إلى مصدر ذكي”.

وبالإضافة إلى ذلك قال مير: “إن انفجار كامبريان الكوني الذي نتج عنه أشكال جديدة من الحياة، والذي ظهر فجأة مكوناً تكويناً كاملاً في سجل الحفريات، بدون سابق تحول، كان سيحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات الحيوية. والمعلومات هي الماركة المسجلة للعقل. ومن دليل الجينات وعلم الأحياء يمكننا أن نستنتج وجود عقل أكبر كثيراً جداً من عقولنا، مصمم ذكي واع، حكيم وله هدف وهو مبدع بدرجة مذهلة”.

  • دلـيـل الوعــي

توصل الكثير من العلماء إلى أن قوانين الكيمياء والطبيعة لا يمكنها أن تفسر لنا اختبارنا للوعي. وقد عرف البروفيسور جي. بي. مورلاند الوعي على أنه الاستبطان والاحساسات والأفكار والعواطف والرغبات والمعتقدات والاختبارات الحرة التي تبقينا أحياء ومتنبهين. والروح هي التي تحتوي على الوعي وتبعث الحياة في جسدنا.

وطبقاً لما وضحه أحد الباحثين من أن الوعي يمكن أن يستمر بعد أن يقف مخ الإنسان عن العمل، فإن الأبحاث العلمية الحديثة أيدت وجهة النظر التي تقول بأن “العقل” و”الوعي” و”الروح” هي كيان منفصل عن المخ.

وكما قال مورلاند: “لا يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء. فإذا كان الكون نشأ من مادة ميتة لا وعي فيها كيف يمكنك أذاً أن تحصل على شيء مختلف تماماً – وعي، حياة، تفكير، مشاعر، مخلوقات حية – على المادة التي ليست بها مثل هذه الأشياء. ولكن إذا كان كل شيء بدأ من فكر وعقل الله، فليست لدينا مشكلة في تفسير مصدر وأصل عقولنا”.

إن الفيلسوف مايك روس يؤمن بنظرية داروين، اعترف بصراحة: “لا يوجد أحد لديه إجابة على قضية الوعي. وقال جون سي. إلكيس الحاصل على جائزة نوبل “هناك ما يمكن أن نسميه الأصل غير العادي لعقلي الواعي ولروحي المتفردة”.

هـويـة المُصـمم

راجعت سيل المعلومات مما قمت به من بحث وتقصي، ووجدت أن الدليل على وجود مصمم ذكي أمر مصدق ومقنع وقوي. ومن وجهة نظري فإن ربط ما وجدته من علم الكونيات وعلم الطبيعة كافيين تماماً لتأييد افتراضية وجود مصمم لهذا الكون. وكل المعلومات الأخرى التي قد تكون قضية تراكمية قوية انتهت بأنها غمرت كل اعتراضاتي.

ولكن من هو هذا المصمم الأعظم؟ ومثل لعبة توصيل النقط، فإن كل واحدة من الستة فروع العلمية التي بحثها أعطت المفاتيح لإزالة القناع عن هوية الخالق.

وكما شرح كريج أثناء لقائنا، قال إن أدلة علم الكونيات توضح أن سبب هذا الكون يجب ألا يكون لا سبب ولا بداية ولا زمن وغير مادية وله إرادة حرة وقوة هائلة. وفي مجال الفيزياء قال كولنس إن الخالق ذكي واستمرت مشغوليته بخليقته بعد الانفجار الهائل الأولي.

ودليل علم الفلك يوضح أن الخالق كان مبدعاً ودقيقاً في خلق مكان يصلح لمعيشة مخلوقاته التي صممها وأنه يعتني ويهتم بها. كما قدم كل من جونزاليز وريتشاردز الدليل على أن الخالق قد وضع على الأقل هدفاً في مخلوقاته وهو اكتشاف العالم الذي صممه ومن خلال ذلك يكتشفونه هو.

ولا تؤكد الكيمياء الحيوية ووجود المعلومات البيولوجية نشاط الخالق بعد الانفجار الهائل فقط، ولكن أيضاً تظهر مدى ابداعه العظيم.  وكما قال مير إن الدليل على وجود الوعي يؤكد أن الخالق كائن عاقل وحكيم، وهذا يساعدنا على فهم هذه القوة كلية القدرة كما توضح أننا يمكن أن نصدق فكرة الحياة بعد الموت.

إن هذه ليست صورة لإله الربوبية* الذي كون هذه الكون ثم تخلى عنه. وكما شرح مير في لقائي الأول معه، إن التخلي عن دليل لوجود نشاط مستمر للخالق في الكون بعد بداية خلقه يكذب مذهب الربوبية كاحتمال يمكن تصديقه.

ومذهب وحدة الوجود، الخالق والكون موجودان معاً، يعجز أيضاً عن تفسير الدليل، لأنه لا يستطيع أن يوضح كيف ظهر الكون للوجود. وإذا كان إله مذهب وحدة الوجود غير موجود قبل الكون المادي فلن يستطيع إحضار الكون للوجود.

كما وضح كريج كيف أن المبدأ العلمي “لشفرة أوكهام” الذي قضى على تعدد الآلهة والشرك بالله، تاركاً إيانا مع إله واحد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية التي هي مركز عقائد العصر الجديد.

على النقيض من ذلك، فإن صورة الخالق التي بزغت من المعلومات العلمية تتوافق بقوة مع وصف الله الذي وضحت شخصيته على صفحات الكتاب المقدس:

  • الخالق: “من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك” (مزمور 102: 25)[2].
  • فريد: “إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه” (تثنية 4: 35)[3].
  • موجود بذاته وسرمدي: “من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” (مزمور 90: 2)[4].
  • روحي غير مادي: “الله روح” (يوحنا 4: 24)[5].
  • شخصي، ذاتي: “…. ظهر الرب لإبراهيم وقال له: “أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملاً” (تكوين 17: 1)[6].
  • له إرادة حرة: “وقال الله ليكن نون فكان نور” (تكوين 1: 3)[7].
  • ذكي وعقلاني: “ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك” (مزمور 104: 14)[8].
  • عظيم القوة: “الرب عظيم القدرة” (ناحوم 1: 3)[9].
  • مبدع: “لأنك قد اقتنيت كليتي نسجتني في بطن أمي. أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً” (مزمور 139: 13 -14)[10].
  • يرعى ويهتم: “امتلأت الأرض من رحمة الرب” (مزمور 33: 5)[11].
  • كلي الوجود: “هو ذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك” (ملوك الأول 8: 27)[12].
  • أعطى البشرية هدفاً: “فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى… الكل به وله قد خلق” (كولوسي 1: 16)[13].
  • يعطينا حياة بعد الموت: “يبلع الموت إلى الأبد” (أشعياء 25: 8)[14].

وكما كتب الرسول بولس منذ ألفي عام وقال: “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنه بلا عذر” (رومية 1: 20)[15].

والسؤال عما إذا كانت هذه الصفات قد تصف ألوهية أية ديانة أخرى في العالم أصبحت موضع نقاش عندما أضفت الدليل الذي اكتشفته من خلال دراسة التاريخ القديم والآثار القديمة.

وكما وصفت في كتابي “القضية …. المسيح” إن الدليل المقتنع يقيم أساساً يعول عليه للعهد الجديد، وهذا يوضح تحقيق نبوات العهد القديم في حياة يسوع الناصري ضد كل ما هو غريب ويؤيد قيامة المسيح كحادثة فعلية ظهرت في الزمن المحدد وفي الفضاء. كما أن قيامته من الأموات هو عمل فذ وغير مسبوق وأعطى سلطاناً وقوة وتوثيقاً لقوله إنه ابن الله الوحيد.

وبالنسبة لي فإن المدى والتنوع والعمق والقوة المثيرة والمقنعة للأدلة من العلم والتاريخ أكدت صدق المسيحية إلى الدرجة التي أزالت بها كل شكوكي.

وأنا لست مثل الذين يؤمنون بنظرية داروين، فإن إيماني يسبح ضد تيار قوي من الأدلة المضادة، واضعاً ثقتي في الله إله الكتاب المقدس وهو قرار حكيم وطبيعي وقد اتخذته فعلاً. وكنت فقط أسمح بسيل الحقائق أن تجرفني نحو نتائجها المنطقية.

انصـهار العـلـم والإيمـان

لسوء الحظ هناك الكثير من سوء الفهم حول الإيمان. فالبعض يعتقدون بأن الإيمان يتناقض مع الحقائق. ويقول مايكل شيرمير: “إن هدف الإيمان هو أن تثق بصرف النظر عن الأدلة، وهذا أمر مضاد للعلم”[16]

ومع ذلك، فهذا بالتأكيد ليس هو فهمي لهذا الأمر. فإنني أرى الإيمان على أنه خطوة عاقلة نحو نفس الاتجاه الذي يشير إليه الدليل. أي أن الإيمان يتخطى مجرد الاعتراف بأن حقائق العلم والتاريخ تشير نحو الله. إنه يُجيب على تلك الحقائق بالاستفادة من الثقة في الله، خطوة مضمونة تماماً وذلك لتأييد الدليل لها.

قال أليستر مكجراث من أكسفورد كل وجهات النظر العالمية تحتاج إلى الإيمان. وادعاءات الحقيقة للإلحاديين لا يمكن إثباتها. كيف نعرف أنه لا يوجد إله؟ والحقيقة البسيطة في الأمر كله هو إن الإلحاد هو نوع من الإيمان يصل إلى نتائج تتخطى الأدلة المتاحة”[17].

ومن الناحية الأخرى، فإن الأدلة المتاحة من أحدث الأبحاث العلمية تُقنع مزيداً من العلماء بأن الحقائق تؤيد الإيمان أكثر من أي وقت مضى. ويقول الصحفي جريج إيستروبروك: “إن الفكرة القديمة التي تقول إنه هناك الكثير من الوجوه أكثر مما تراه العين تبدو كما لو أنها فكرة حديثة ظهرت ثانية. وأننا ندخل أعظم مرحلة للتداخل بين العلم والإيمان منذ حركة التنوير التي حاولت أن تُصلح الاثنين معاً”[18].

وبالنسبة لكثير من الناس – بمن فيهم الفيزيائي بول دافيس – هذا تطور غير متوقع وسبب لهم نوع من الصدمة. ويقول: “قد يكون ذلك أمراً غريباً ولكن في وجهة نظري أن العلم يقدم طريقاً مؤكداً نحو الله أكثر من العقيدة”[19].

وقال العالم جيمس تور من جامعة ريز: “الشخص المبتدئ الذي لا يعرف شيئاً عن العلم سيقول إن العلم يقوده بعيداً عن الإيمان. وإذا درست العلم بجدية فسوف يقربك أكثر إلى الله[20]. وقال الفيزيائي الفلكي والقس جورج كوين ” لا شيء نتعلمه عن الكون يهدد إيماننا. إنه يزيده غنى وثراء”[21].

وقال عالم الفيزياء الرياضي ليولكينغورن، من كامبردج:

لم ير أحداً الشحنة الكهربية الموجودة في الجزيء الأصغر من الاليكترون المسماة quark وأعتقد أنه لن يستطيع أحد أن يراها. إنها ترتبط بقوة معا داخل البروتون والنيوترون حتى إنه لا يمكن كسرها. لماذا إذاً أصدق في هذه الشحنات غير المرئية؟ ….. لأنها تعطي معنى لكثير من الأدلة المباشرة في علم الطبيعة. وأود أن ننتقل من هذا إلى حقيقة وجود الله.

فوجود الله يعطي معنى لكثير من جوانب معرفتنا واختباراتنا مثل: نظام وثمار العالم المادي، الوجوه المختلفة للحقيقة، الاختبارات الإنسانية في العبادة والرجاء، ظاهرة يسوع المسيح (بما فيها قيامته. وأعتقد أن عمليات فكرية مشابهة متضمنة في كلا الحالتين. ولا أعتقد أنني انحرفت إلى طريق فكري غريب عندما انتقل من العلم إلى الدين… وفي بحثهم عن الحق يصبح العلم والإيمان أبناء عمومة تحت الجلد”[22].

ومع ذلك فقد أضاف تميزاً هاماً: “إن المعرفة الدينية تتطلب جهداً وعناية أكثر من المعرفة العلمية. فبينما تتطلب انتباهاً دقيقاً للحق، فهي أيضاً تدعو إلى الالتزام بهذا الحق الذي اكتشفته”[23].

وطبقاً لما يقوله ماكجاث: “الكلمة العبرية لكلمة “الحق” تعني “الشيء الذي يمكن أن تستند إليه”. ويقول بأن الحق هو أكثر من مجرد الصواب. إنه الثقة التي تقودنا إلى شخص جدير بأن نطرح فيه كل ثقتنا. وغير مطلوب منا أن نعرف حقيقية أخرى بل ان ندخل في علاقة مع من يستطيع أن يحفظنا ويريحنا”[24].

إن حقائق العلم والتاريخ يمكنها فقط أن تأخذنا بعيداً. فعند نقطة معينة تتطلب الحقيقة إجابة. وعندما نقرر ألا نتأمل فقط في الفكرة المجردة عن مصمم هذا الكون ولكن أيضاً أن نجعله “إلهنا الحقيقي” عندئذ يمكننا أن نلتقي به شخصياً ونتصل به يومياً ونقضي الأبدية معه كما وعدنا بذلك. وهذا يغير كل شيء.

من العـلـم إلى الله

لم يندهش أحد عند سماعه الدليل العلمي على وجود الله مثلما اندهش عالم الطبيعة العجوز الذي يصل عمره إلى 77 عاماً وصاحب الشعر الفني والكلام الطيب والذي كان أمامي في مطعم في جنوب كاليفورنيا.

وقصته مثل تلك التي قصها عليّ كريج سابقاً عن عالم الطبيعة من أوروبا الشرقية الذي وجد الله من خلال علم الكونيات، وهذه شهادة أخرى للعلم لكي يقود الباحثين نحو الله. ومع ذلك فهي شيء آخر، إنها خريطة طريق لمن يريد أن يتقدم إذا كنت مهتماً شخصياً لمعرفة ما إذا كان الإيمان بالله يدعم بالحقائق.

فيجو أولسين هو جراح ذكي انغمست حياته في العلم، وبعد تخرجه من كلية الطب أصبح زميلاً في مجلس الجراحين الأمريكيين. وكان يصحب اسمه العديد من رموز الشهادات التي حصل عليها M.S., M.D., Litt.D., D.H., F.A.C.S., D. T. M.&H., F. I. C. S. وكان يُرجع شكه في الأمور الروحية لمعرفته لعالم العلم.

وقال: “بحثت في المسيحية والكتاب المقدس من خلال نظرة شخص يؤمن بمذهب اللاأدري. وكانت زوجتي جوان أيضاً لا تؤمن بالمسيحية. وكنا نعتقد بعدم وجود برهان مستقل على وجود خالق. وكنا نعتقد أن الحياة وُجدت من خلال عمليات تطورية”[25].

وكانت المشكلة في والدي جوان اللذين كانا مسيحيين أتقياء. وعندما قام بزيارتهما كل من فيجو وجوان في عام 1951 وهم في طريقهم لكي يبدأ فيجو كطبيب مقيم في مستشفى نيويورك لأول مرة، شعروا بتبكيت ديني شديد. وفي مناقشات متأخرة بالليل، بدأ كل من فيجو وجوان أن يشرحا بصبر لماذا تتناقض المسيحية مع العلم المعاصر. وأخيراً، وهم يشعران بنوع من الضيق والتشتت عند الساعة الثانية صباحاً وهم جالسون حول الطاولة بالمطبخ، وافقا على فحص واختبار الإيمان المسيحي بأنفسهم.

وأشار أولسين أن بحثه سيكون مخلصاً وصادقاً، ولكنه في داخله كان هناك خطة أخرى. وقال: “لم يكن قصدي أن أقوم بدراسة موضوعية على الإطلاق. وكما شرح الجراح الصدر، قررنا أن نخترق الكتاب المقدس لنستخرج منه كل الأخطاء العلمية المحيرة”.

وعلى منزلهم الجديد علقوا ورقة وكتبوا عليها “أخطاء علمية في الكتاب المقدس” متخيلين أنهم يستطيعوا ملئها بالأخطاء. ووضعوا نظاماً يناقشون فيه بعضهم البعض ما يتعرفوا عليه من بحثهم وتقصيهم. وبينما كان فيجو يعمل بالمستشفى، تقوم جوان ببحص القضايا المعلقة على الورقة. ثم أثناء ليالي العطلة الأسبوعية في إجازة فيجو، كانا يدرسان معاً ويحللان ويناقشان ويتجادلان.

وبرزت المشاكل بسرعة ولكن ليس تلك التي كانا يفكران فيها. وقال فيجو: “لقد وجدنا صعوبة في إيجاد تلك الأخطاء العلمية. ثم وجدنا شيئاً يبدو أنه خطأ ولكن بعد دراسة أكثر وتأمل، اكتشفنا أن فهمنا كان ضحلاً. وهذا دفعنا لأن نتوقف لتدبر الأمر”.

وفي إحدى المرات أعطاني طالب كتاباً مكتوباً في عام 1948 بعنوان “العلم الحديث والإيمان المسيحي”. وكل فصل من فصوله 13 مكتوبة من قبل عالم مختلف عن الدليل الذي وجدوه في مجاله والذي يشير إلى وجود الله. وبالرغم من أنه كتب قبل ظهور الكثير من الاكتشافات العلمية التي وصفها في هذا الكتاب فإن هذه الأدلة كانت كافية لتوقف فيجو وجوان.

قال أولسين: “لقد عصف الكتاب بأذهاننا! فلأول مرة عرفنا أنه توجد أسباب خلف المسيحية. وتصميمهم على الإيمان لن يكون نوعاً من الانتحار الذهني”.

مغامـرة العـمـر

التهم كل من فيجو وجوان هذا الكتاب والكثير من الكتب الأخرى في نفس الموضوع. وبينما كانوا يحللون الأدلة توصلوا إلى العديد من النتائج.

أولاً، عرفا على أساس علمي أن الكون ليس أزلياً. بل بالحري ظهر في نقطة معينة. وطالما أن هذا الكون ملفوف بالقوة – طاقة حرارية، طاقة ذرية…. إلخ – فبدأوا يفكرون أنه لا بد من وجود قوة هائلة أوجدته.

ثانياً، نظرا إلى الخطة الواضحة للكون، والجسم الإنساني بكل أعضائه وخلاياه، واستنتجوا أن القوة التي خلقت هذه الكون يجب أن تكون قوة ذكية.

ثالثاً، قالا إنه بالرغم من عظمة القوة العقلية لدى الإنسان، فهناك من هو أعظم، القدرة على الحب والتعامل بالمشاعر والعاطفة. ولأن الخالق يجب أن يكون أعظم من خلائقه، فلا بد وأن له نفس هذه الصفات.

وبناء على الأدلة والمنطق المستقل عن الكتاب المقدس، تمكنوا من الإجابة على السؤال الأول من الثلاثة أسئلة التي قام عليهم بحثهما: “هل يوجد إله خلق الكون؟” وأدهشوا أنفسهم بالحكم الذي توصلوا إليه: نعم، خالق شخصي – الله موجود.

بعد اقتناعهم بهذا، بدأ في محاولة استكشاف السؤالان الآخران: “هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو نصوص كتابية مقدسة أخرى؟ وهل يسوع ابن الله – متحداً إلهياً بالبشرية – يستطيع أن يساعدنا كما ادعى ذلك؟”

واستمر البحث في هذين الموضوعين. وفي أحد الأيام، بينما كان فيجو يعمل في المستشفى، كون ما اعتقد أنه مجادلة قوية ضد المسيحية. قال لي وهو يستعيد ذكرى المنظر كما لو أنه حدث الشهر الماضي: “كنت حقيقة فخوراً به وأمضيت طوال اليوم أفكر فيه. ولم أتمكن من الانتظار حتى أخبر زوجتي جوان!”

وفي نهاية فترة العمل بالمستشفى، سار حتى وصل إلى شقته الصغيرة “وفي هذا اليوم أتذكر الفكر الذي تبادر إلى ذهني عندما فتحت زوجتي الباب وقبلتني – يا لها من زوجة رائعة وهي حامل أيضاً”.

دخل وأغلق الباب وشرح لزوجته اعتراضه الجديد على المسيحية. وأخيراً سأل: “ماذا تعتقدين أنت؟”

قال: “ساد السكون المكان لمدة دقيقة. ثم نظرت جوان إليّ بعينيها الزرقاوان الجميلتان وقالت: “ولكن يا فيجو ألم تتوصل بعد كل هذه الدراسات إلى أن المسيح هو ابن الله؟”

قال: “كان هناك شيء ما في الطريقة التي كلمتني بها والتي نظرت بها إليّ والتي في الحال أسقطت كل الحواجز الباقية في ذهني. ولم يعد الدليل أمامه أي عائق. وكل ما تعلمناه اجتمع معاً في صورة رائعة مضيئة وخرافية للرب يسوع.

“ترددت بعض الشيء ثم قلت لها: “نعم، إنني أؤمن بذلك وأعلم أنه حقيقي”. ولم أكن آمنت حتى لحظة كلامي معها – ولكن عندما انهارت الحواجز، علمت أنها على صواب. وتوجهنا نحو غرفة المعيشة وجلسنا على الكنبة. وقلت لها: “ماذا عنك أنت؟”

قالت: “لقد حسمت الأمر كله منذ بضعة أيام، ولكنني خشيت أن أقول لك ذلك. كل الأشياء التي درسناها وتعلمناها أقنعتني أخيراً بما جاء في الكتاب المقدس وعن المسيح وعن حاجتي – بل وحاجتنا – إليه. “ومنذ بضعة أيام كنت مقتنعة تماماً” لقد صلت لكي تقبل غفران الله المجاني لها والحياة الأبدية. وبهذا بدأت أكبر مغامرة في حياتنا.

ولأنهما رغبا في زيادة الأثر الطيب الذي حصلوا عليه، صلى كل من فيجو وجوان صلاة جريئة طلبا فيها من الله أن يرسلهم إلى مكان خال من المسيحيين ومن الرعاية الطبية. وأرسلهم الله إلى بنجلادش حيث قضيا 33 عاماً في هذا البلد الفقير.

وهناك أسسوا مستشفى مسيحي وجعلوه مركزاً للرعاية الطبية والاستنارة الروحية حيث وجدت فيه الجماهير الشفاء والرجاء. وقد قام فيجو وزملاؤه بتأسيس 120 كنيسة. وقد رحب بهم الناس والحكومة ترحيباً حاراً، وقد كرموه بإعطائه الفيزا رقم 1 اعترافاً منهم بما قدموه لبلدهم.

قلت له: “لا بد وأن المعيشة كان صعبة للغاية في بلد متخلف مثل هذا”.

أجابني بابتسامة: “لقد كانت أعظم مغامرة قمنا بها. فعندما تقيم في مكان صعب، وتشعر بثقل المسؤولية أكثر مما تحتمل وتصلي وتسكب نفسك وقلبك أمام الله، عندئذ سترى الله يصل إليك ويلمس حياتك ويحل المشكلة ويتدخل في الموقف بطريقة تفوق كل تصورك.

وأضاءت عيناه وقال: “هذه هي الحياة مع الله، لا يساويها شيء وعلينا أن نختبر هذه مرة ومرات. لقد كنا سنخسر كل ذلك من أجل العالم. وفي رأيي إنك إذا عرفت الهدف الذي خلقك الله من أجله – مهما كان – وتتبعه فستجد أنه هو أفضل طريق وحياة تعيشها”.

وكتب فيجو ثلاثة كتب عن اختباراته. وأحببت عنوا أحد هذه الكتب هو “اللاأدري الذي جرؤ على البحث عن الله”[26]لأنه يقول بوجود مخاطرة مع البحث عن دليل لوجود الله. وعند نقطة معينة فإن الحق الذي تكشف عنه ستطلب إجابة. وهذا يمكنه أن يغير كل شيء.

لقـد صُممـت للاكتشـاف

مع أن فيجو كانت لديه خلفية علمية قوية وأفضل مما لدي أنا، فكانت توجد أشياء متشابهة في الطريقة التي تعاملنا بها مع قضية الإيمان والعلم. لقد قرأنا كتباً، وسألنا أسئلة وبحثنا عن أدلة غير مهتمين إلى أي مكان سيأخذنا ذلك. وبحثنا عن ذلك بطريقة منظمة وحماسية كما لو أن حياتنا متوقفة عليها.

وفي النهاية، حياتنا ومشاعرنا وفلسفاتنا ونظرتنا للعالم وأولوياتنا وعلاقاتنا تغيرت للأفضل.

وإذا كنت شكاكاً روحياً أرجو أن تتمكن من اكتشاف الدليل بنفسك. وفي الحقيقة، فإن سلوك أولسين ذي الثلاث جوانب قد يساعدك إذا اتبعته:

أولاً: هل هناك إله خلق هذا الكون؟

ثانياً: هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو أي كتب مقدسة أخرى.

ثالثاً: هل يسوع هو ابن الله – متحداً بالبشرية – ويمكن أن يساعدنا كما ادعى.

وسوف تكتشف أن الكون محكوم بقوانين طبيعية وقوانين روحية. والقوانين الطبيعية تقودنا إلى الخالق، أما القوانين الروحية تعلمنا كيف نعرفه شخصياً اليوم وإلى الأبد.

إنه ليس الخالق فقط بالمعنى الواسع، بل هو خالقك أنت. لقد خلقك لكي تتصل به بطريقة حية ونشطة وقوية. وإذا بحثت عنه بكل قلبك، فهو يعدك بأن يقدم لك كل الوسائل التي تحتاجها لكي تجده[27]. وربما تكون قد شعرت وأنت تقراً هذا الكتاب بأن الله يبحث عنك بطريقة قد تكون غامضة ولكنها حقيقية.

إنك، كما يقول بحث جونزاليز وريتشاردز، خُلقت وصممت للاكتشاف، وأعظم اكتشاف في حياتك ينتظرك. ولهذا فأنا آمل أن تسعى وراء المعرفة العلمية ولكن لا تتوقف هناك. ولا تدع اغرائها يكون مصيرك، وبدلاً من ذلك اسمح لها بأن تقودك لما ورائها من معان متضمنة لا تُصدق والتي تقدمها لحياتك وأبديتك.

واقتراحي هو ما يأتي: اقضي بعض الدقائق الهادئة لكي تنغمس في هذه الكلمات الختامية والتي عبر عنها ببلاغة أليستر مكجراث ودعها تكون قوة دافعة لمغامرة عمرك:

وجد الكثيرون أن المنظر الرهيب للسماء المرصعة بالنجوم يولد احساساً بالإعجاب والسمو المشحون بالمعاني الروحية. ومع ذلك فإن الوميض البعيد للنجوم لا يخلق في حد ذاته هذا الإحساس بالشوق، إنه فقط يعرض ما هو موجود فعلاً هناك. إنها تحفز رؤيتنا الروحية وتكشف فراغنا وتجبرنا لكي نسأل كيف يملأ هذا الفراغ.

يا ليت أصولنا الحقيقية ومصيرنا يكون خلف تلك النجوم. ويا ليت وطننا يكون، ليس ذلك الموجودون فيه حالياً، بل الذي نصبو للعودة إليه. ويا ليت تراكمات أحزاننا وأوجاعنا أثناء وجودنا في هذا العالم تكون مؤشراً لأرض أخرى حيث مصيرنا الحقيقي والذي نشعر به الآن في داخلنا.

ولنفترض أن هذا ليس هو المكان الذي سنكون فيه ولكن ينتظرنا وطناً أفضل. نحن لا ننتمي لهذا العالم. وقد نكون قد فقدنا طريقنا. ألا يجعل هذا وجودنا الحالي أمر غريب ورائع في ذات الوقت؟ غريب، لأن هذا ليس هو مصيرنا ورائع لأنه يشير للأمام إلى حيث رجائنا الحقيقي. إن جمال السماوات بالليل، أو روعة غياب الشمس هي مؤشرات هامة لتلك الأصول وتحقيق كامل لرغبات قلوبنا العميقة. ولكن إذا أخطأنا رؤية العلامة المميزة لتوجيهنا فسوف نربط أشواقنا ورجاؤنا بأهداف ضعيفة لا تطفئ عطشنا لهذه المعاني السامية[28].

[1]John Plokinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity (New Youk: Cross-road, 1994), 25.

* مذهب فكري يدعو إلى دين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي

[2] Psalm 102: 25.

[3] Deuteronomy 4: 35.

[4] Psalm 90: 2.

[5] John 4: 24.

[6] Genesis 17: 1. According to Theologian Millard J. Erickson, “God is Personal. He is an individual being, with self-consciousness and will, capable of feeling, choosing, and having a reciprocal relationship with other personal and social beings,” Millard J. Erickson, Christian Theology (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1985), 269.

[7] Genesis 1: 3.

[8] Psalm 104: 24.

[9] Nahum 1: 3.

[10] Psalm 139: 13-14.

[11] Psalm 33: 5.

[12] 1 Kings 8:27.

[13] Colossians 1: 16 (The Message).

[14] Isaiah 25: 8.

[15] Romans 1:20.

[16] Michael Shermer, How We Believe, 123.

[17] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 22.

[18] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002)

[19] Quoted in John Plokinghorne. Qurks. Chaos and Christianity, 35.

[20] See: Candace Adams, “Leading Nanoscientist Builds Big Faith,” Bap-tist Standard (March 15, 2002).

[21] Quoted in Margaret Wertheim, “The Pope’s Astrophysicist,” Wired (December 2002).

[22] John Polkinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity, 98-100.

[23] Ibid., 13.

[24] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 44.

[25] See: American Scientific Affiliation, Modem Science and Christian Faith (Wheaton, 111.: Van Kampen, 1948).

[26] Viggo Olsen, The Agnostic Who Dared to Search (Chicago: Moody, 1974). His Other Books are Dakter and Daktar II, Both Published by Moody.

[27] God said in Jeremiah 29: 13: “You will seek ne and find me when you seek me with all your heart.”

[28] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 51, 53.

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

الجزء الأول: برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ1

السيناريو رقم 3: الصلات الكيميائية والأمر الذاتي

أشار مير إلى أنه في بداية عام 1970 لم يُفتن معظم العلماء الذين كانوا يبحثون في أصل الحياة باختيارات الفرصة العشوائية والاصطفاء الطبيعي. وكنتيجة لذلك، اكتشف البعض احتمالاً ثالثاً: نظريات مختلفة في التنظيم الذاتي للجزيئات الضخمة الحاملة لأصل المعلومات.

فمثلاً، وضع العلماء نظرية تقول بأن التفاعلات الكيميائية ربما تسببت في أن الأربعة حروف الأبجدية للحامض النووي DNA بأن يتجمع ذاتياً أو أن الانجذاب الطبيعي بين الأحماض الأمينية دفعتهم لأن يرتبطوا معاً من تلقاء ذاتهم ليخلقوا البروتين. وعندما تحدثت عن هذه الإمكانيات كانت إجابة مير هي التركيز على اسم صادفني أثناء بحثي.

قال مير: “كان من أوائل الذين تحدثوا عن هذا الاتجاه هو دين كيينيون، الذي شارك في وضع كتاب “قدر الكيمياء الحيوية المنهجية” ويعبر عنوان الكتاب عن المضمون. والفكرة تقول بأن تطور الحياة كان محتوماً لأن الأحماض الأمينية في البروتينات والأصول أو الحروف في أبجدية DNA لها طاقة تنظيم ذاتياً وهذا يعنى تفسيراً لأصل المعلومات في هذه الجزيئات”.

كنت اعرف أن كينيون قد تبرأ من استنتاجاته التي جاءت في كتابه وأعلن أنه: “ليست لدينا أدنى فرصة لأصل كيميائي تطوري حتى ولو لأبسط الخلايا”، والتصميم الذكي “يعطي قدراً كبيراً من المعنى لأنه يساير عن قرب الاكتشافات العديدة في الجزيئات الحيوية”[1]. وما زالت لدي الرغبة في التفكير في الدليل بنفسي.

سألت مير: “كيف يعمل هذا التجاذب الكيميائي؟”

قال: “سوف نستخدم البروتينات كمثل. تذكر بأن البروتينات تتكون من خط طويل من الأحماض الأمينية. والأمل في وجود بعض قوات التجاذب بي الأحماض الأمينية التي تساعد على تنظمها ثم تتشكل حتى يتمكن البروتين من القيام بالوظيفة التي تحفظ الخلية حية”.

قاطعته وقلت: “عليك بأن تعترف بوجود أمثلة في الطبيعة حيث ينتج عن التجاذب الكيميائي نوع من التنظيم الذاتي”.

قال مير: “هذا صحيح. أفضل توضيح لذلك هو بلورات الملح. والقوة الكيميائية للجذب تجعل أيونات الصوديوم Na+ لأن ترتبط بأيونات الكلوريد Ci لكي تكوّن نماذج منظمة تنظيماً عالياً داخل بلورة الملح. وهنا تحصل على تتابع جيد لـ Na، Ci ويتكرر ذلك عدة مرات. ولهذا فهناك العديد من الحالات في الكيمياء حيث الصلة التي تربط العناصر المختلفة توضح أصل تركيبتهم الجزيئية. وكان يرجو كينيون وآخرين أن هذا يحدث أيضاً للبروتينات والحامض النووي DNA”.

سألته: “ما المشكلة إذاُ؟”

قال: “عندما قام العلماء بعمل التجارب وجدوا أن الأحماض الأمينية لا توضح هذه العلاقة التي تربطهم معاً”.

قلت له: “هل لم يجدوا شيئاً على الإطلاق؟”

قال: “كانت هناك علاقات ضعيفة للغاية، ولكنها لا ترتبط بأي نماذج معروفة من التي نجدها في البروتينات العاملة. وهذه مشكلة كبرى، هناك صعوبة نظرية كبرى. وقد أثار كل من هيوبرت يوكي صاحب نظرية المعلومات والكيميائي مايكل بولاني قضية أعمق من ذلك: “ماذا يحدث إذا تمكنا من تفسير التتابع في الحامض النووي DNA والبروتينات كنتيجة لخواص التنظيم الذاتي؟ ألا تنتهي إلى شيء مثل بلورة الملح حيث يوجد فقط تتابع متكرر”[2].

عندما طلبت من مير مزيد من التفصيل قال: “للتفكير في المعلومات الجينية في الحامض النووي DNA، والتي وضحناها بالرموز الكيميائية A, C, G, T تخيل أنك في كل مرة يكون لديك A  فسوف تجذب G بطريقة أوتوماتيكية. وسيكون لديك تتابع متكرر AG – AG – AG – AG. هل سيعطيك هذا جيناً يمكنه أن ينتج بروتين؟ كلا على الإطلاق. إن التنظيم الذاتي لن يعطي رسالة جينية ولكن فقط تتابع متكرر”.

“ولكي تنقل المعلومات فأنت بحاجة إلى تتابع غير منتظم. افتح كتابي ولن ترى كلمة “الـ the” تتكرر. وبدلاً من ذلك سوف ترى تتابعاً غير منتظم للحروف. إنها تنقل المعلومات لأنها متطابقة مع نموذج معين معروف ومستقل، وهي قواعد اللغة. وهذا ما يساعدنا على التواصل وهذا ما يحتاج إلى أن يوضح في الحامض النووي DNA. والأربعة حروف في أبجديته هي غير منتظمة وفي نفس الوقت تتواصل مع احتياجات العمل، بأي الترتيب الصحيح للأحماض الأمينية لكي تنتج بروتيناً قادراً على العمل”.

“وسأقول لك مثل، إذا اتجهت شمالاً نحو ميناء فيكتوريا في كولومبيا البريطانية، فسوف تجد نموذجاً على جانب التل. وعندما يقترب القارب سوف تدرك إنها رسالة: الزهور الحمراء والصفراء مكتوب بها عبارة “مرحباً بكم في فكتوريا”. وهذا مثل لتتابع المعلومات”.

“لاحظ أن هذا ليس مجرد تكرار، فحرف W يتبعه E   ثم W ثم E أخرى وهكذا. وبدلاً من ذلك، هناك مجموعة من الحروف غير المنتظمة التي تتصل بنموذج مستقل أو مجموعة محددة لمتطلبات العمل – كلمات اللغة الإنجليزية وقواعدها. ولهذا فنحن ندرك على الفور أن هذا أمر غير رسمي. وحينما نواجه هذين العنصرين، أو ما نسميه “التعقيد المحدد” فنتبين أن هذه معلومات. وهذا النوع من المعلومات هو نتيجة عمل العقل وليس صدفة أو الاصطفاء الطبيعي أو عمليات تنظيمية ذاتيه”.

سألته: “وهذه هي نوع المعلومات التي نجدها في الحامض النووي DNA؟”

قال: “هذا صحيح. إذا كان كل ما لديك هو حروف أو صفات متكررة في الحامض النووي، فالتعليمات المتجمعة سوف تخبر الأحماض الأمينية لكي تتجمع بنفس الطريقة مرات عديدة. ولن تستطيع أن تبني الأنواع المختلفة من جزيئات البروتين والتي تحتاجها لكي تعمل الخلية. ويمكن أن نشبهها كما لو أنك تعطي شخصاً كتاب تعليمات عن كيفية تصنيع سيارة، ولكن كل ما قاله الكتاب هو كلمة “the, the, the, the “. ولا تستطيع أن تنقل كل المعلومات الضرورية بكلمة واحدة مثل “the”.

“بينما المعلومات تحتاج إلى التغيير وعدم الانتظام وصعوبة التنبؤ بها، – وهذا ما تسميه نظريات المعلومات بالتعقيد – والتنظيم الذاتي يعطينا نوعاً من التركيبة المتكررة والمسهبة والتي تُعرف بالأمر السهل. وكل من النظام والتعقيد هما متضادان”.

“وأصحاب نظريات التطور الكيميائي لن يتهربوا من ذلك. فقوانين الطبيعة تصف لنماذج منتظمة ومتكررة. ولهذا السبب لا يستطيع أحد أن يناشد عمليات التنظيم الذاتي لكي تفسر أصل المعلومات لأن التتابع المعلوماتي معقد وغير منتظم. إنهم يعرضون “التعقيد المحدد” الذي تحدثت عنه. ولن تغير الاكتشافات المستقبلية هذا المبدأ”.

وبالنسبة لي فإن هذا قضى على فكرة العلاقة والصلة الكيميائية التي كانت تفسر المعلومات في الحامض النووي DNA. ولكن مير لم ينه كلامه. فما زالت هناك مشكلة مدمرة لهذه النظرية.

وواصل مير حديثه: “إذا درست الحامض النووي DNA فستجد أن تركيبه يعتمد على روابط معينة التي تسببها التجاذبات الكيميائية. فمثلاً، هناك روابط في غاز الهيدروجين وروابط بين السكر وجزيئات الفوسفات التي تكون الجزيئين الأساسيين لجزيء DNA.

“ومع ذلك، يوجد مكان واحد ليس فيه روابط كيميائية وهو الذي بين البروتين والنيوترون، وهي الحروف الكيميائية في التعليمات المجتمعة في DNA. وبمعنى آخر فإن الحروف التي توضح المضي في رسالة DNA لا تتفاعل كيميائيا مع بعضها البعض بأي طريقة مهمة. وهي أيضاً متداخلة تماماً. فكل قاعدة يمكنها أن ترتبط بسهولة متساوية في أي موقع في العمود الفقري للحامض النووي DNA”.

وعندما شعر مير حاجتي إلى نوع من التوضيح، وقف وذهب إلى المكتب واستخرج من درج المكتب لعبة طفل، لوح معدني يصلح للكتابة عليه بالعديد من الحروف الممغنطة والتي يمكن أن تُلصق عليه. وضع مير اللوحة على رجليه وحرك الحروف حتى كتب كلمة “معلومات”.

قال مير: “كان أولادي صغاراً عندما كنت أدرس هذا، ولهذا ذكرت هذا المثل. نحن نعلم بوجود رابطة مغناطيسية بي الحرف واللوحة ولهذا تلتصق عليها هذه الحروف الممغنطة”. ولكي يوضح ذلك أخذ الحرف R وسمح للمغناطيس أن يجذبه إلى اللوحة”.

“ومع ذلك يجب أن تلاحظ أن القوة المغناطيسية هي ذاتها الموجودة في كل حرف من الحروف ولهذا فهي قابلة للتبادل. وبإمكانك استخدام الحروف لتكتب بها ما تريد. والآن لنعود إلى الحامض النووي DNA، فكل حرف مرتبط كيميائياً بالعمود الفقري لفوسفات السكر للجزيء. وهكذا نجد النقطة الهامة – لا توجد أية رابطة أو جاذبية بين الحروف المستقلة بذاتها. ولهذا فلا يوجد شيء كيميائي يجبرها على أي تتابع معين. وعلى هذا التتابع أن يأتي من مكان لآخر”.

“وعندما عرضت على الطلبة الحروف الممغنطة والملتصقة على اللوحة سألت: “كيف ظهرت كلمة معلومات؟” وكانت الإجابة: إن عنصر الذكاء الذي كتبها جاء من الخارج. لا الكيمياء ولا علم الطبيعة يمكنه أن ينظم هذه الحروف بهذه الطريقة. إنها اختياري أنا. وفي الحامض النووي، لا الكيمياء ولا الطبيعة نظمت الحروف بحسب تجمع التعليمات لعمل البروتينات. ومن هذا يتضح أن السبب يأتي من خارج هذا النظام. وهذا السبب هو “الذكاء””.

“إنها تقـريباً معـجـزة”

مثل الملاكم الماهر الذي يستبعد دفاعات خصمه، جرد مير بمهارة الثلاثة فئات للتفسيرات الطبيعية لأصل الحياة ومعلومات الحامض النووي DNA. وقد ناقشنا اختياراً آخر – إمكانية أن بعض القوة الخارجية قد تكون هي المسؤولة عن خلق التنظيم بنفس الطريقة التي تخلق بها الجاذبية دوامة عندما تخرج من المياه من البانيو. وبسرعة رفض مير هذه الفكرة وقال إن مثل هذه القوات قد تنتج نوعاً من النظام ولكن لا تستطيع أن تعطي معلومات[3].

والطريق المسدود التي توصلت إليه نظريات الأصل الطبيعي للحياة لم يدهش العلماء في هذا المجال. وعندما اصطدم الباحث المشهور عن أصل الحياة وهو ليزلي أورجيل بمؤمن آخر بنظرية التطور في مؤتمر بمدينة ديترويت منذ عدة سنوات، صرّح أورجيل بالصعوبات الشديدة التي واجهها في محاولة فهم كيف أن الأحماض النووية قد صُنعت طبيعياً على الأرض البدائية الأولى. ثم قال أورجيل بكل وضوح: “هناك مصاعب خطيرة بدرجة متساوية في كل النظريات”[4].

وباختصار، لم تقترب أية فرضية لتفسير كيف أن المعلومات الضرورية لأصل الحياة ظهرت بوسائل طبيعية. وكما قال الفيلسوف المادي كتشنج “إن الرجل الأمين والمسلح بكل المعرفة المتاحة لدينا الآن يمكنه أن يقول فقط بأن أصل الحياة الذي يظهر الآن هو معجزة، فلكي تسير تلك الحياة فهذا أمر يحتاج إلى شروط كثيرة”[5].

وبالنسبة لكثير من الباحثين، فإن المصدر الوحيد الذي يجب أن يستمر هو أن يكون لدينا إيمان بأن “مادة سحرية” لم تكن معروفة من قبل، سوف تُكتشف لتكون لها “الخواص الصحيحة لتحدث التفاعلات الضرورية لكي تظهر حتى تخلق الحامض النووي”[6].

قلت لمير: “قد يتوصل العلماء يوماً ما إلى فرضيات أخرى”.

فأجاب: “قد يحدث هذا. فليس بإمكانك أن تثبت ذلك بتأكيد 100٪، لأنك لا تعرف ما سيُظهره الدليل الجديد. ولهذا السبب فإن كل العلماء يقدمون الأسباب بطريقة مؤقتة. ومع ذلك فنحن لا نعرف أن بعض الاحتمالات يمكن استبعادها عن هذه الفئة. لقد وصلت إلى طريق مسدود. فمثلاً، أعتقد أنه بإمكانك استبعاد فكرة أن عمليات التنظيم الذاتي يمكنها أن تعطي معلومات جديدة. وأدلة أكثر من ذلك لا تغير هذا”.

قلت له: “بعض الشكاكين سيدعون أنك تجادل بسبب جهلك بالأمر. فقد صرح العلماء أنهم لا يعرفون كيف بدأت الحياة، ولهذا استنتجت أنت بأنه لا بد من وجود مصمم ذكي”.

قال بإصرار: “كلا، ليس هذا مطلقاً. فأنا لم أقل بأن التصميم الذكي يقدم لنا معنى حقيقياً لأن النظريات الأخرى فشلت. فأنا أحاول استنتاج أفضل تفسير، وكيف يفكر العلماء في الأمور التاريخية. وبناء على الأدلة يقيم العالم كل افتراض على أساس قدرته على توضيح الدليل الذي بين أيدينا. ومقياس ذلك ما إذا كان لهذا التفسير “قوة سببية” وهي القدرة على إحداث تأثير في المشكلة موضع السؤال”.

“وفي هذه الحالة، فإن الأثر الحقيقي لهذا الدليل هو إعطاء معلومات. وقد رأينا أنه لا الفرصة، ولا الفرصة المرتبطة بالاصطفاء الطبيعي، ولا عمليات التنظيم الذاتي لها قوة إعطاء أية معلومات. ولكننا نعلم بوجود واحد الذي لديه القوة الطارئة التي نحتاجها لتعطينا معلومات وهي الذكاء. ونحن لا نستبدل على هذ الكينونة أو الوجود على أساس ما لا نعلمه بل على أساس ما نعلمه فعلاً. إنها ليست مجادلة بسبب الجهل”.

سألته: “أليس هناك نوع من الضعف الأساسي في مجادلاتك. أنت تناقش باستخدام التشبيهات وتقارن المعلومات في الحامض النووي مع المعلومات التي نجدها في اللغة. إن المجادلات المبنية على قياس التمثيل أو التشبيه الجزئي هو ضعيفة وسيئة. والمؤيدون قد يؤكدون على التشبيهات بين أمرين ولكن المعارضون سيركزون على الاختلافات.

قال مير: “إنني أقول بأنه هناك طريقة للحديث عن المعلومات عن الحامض النووي التي تذهب بعيداً ثم تصبح مجرد تشبيهات. فعندما يتحدث الناس عن الحامض النووي على أنه رسالة تتضمن من يتلقاها ويفهم مضمونها. إنني لا أقول بأن الحامض النووي هو هذا النوع من المعلومات عن دلالات الألفاظ ومضمونها”.

“ومع ذلك، فأنا لا أجادل بالمضمون. ومجالات الشفرة في الحامض النووي لها نفس الخواص المشابهة لتلك التي للكمبيوتر أو اللغة. وكما ذكرت سابقاً. فحينما تجد أية ترتيبات مسلسلة ومعقدة وتتمشى مع نموذج مستقل أو متطلبات وظيفية معينة، فإن هذا النوع من المعلومات هو دائماً من نتاج الذكاء. فالكتب والكمبيوتر والشفرة والحامض كلها تتمتع بتلك الخاصتين. ونحن نعلم أن كل من الكتب وشفرات الكمبيوتر مصممة بالذكاء البشري، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير أيضاً إلى وجود مصدر ذكي”.

” ويدرك العلماء في المجالات المتعددة هذه العلاقة بين المعلومات والذكاء. وعندما اكتشف علماء الآثار حجر رشيد، لم يعتقدوا بأن الكتابة التي كانت عليه هو من قبيل الصدفة العشوائية أو عمليات التنظيم الذاتي. وبكل وضوح وجدوا أن تسلسل الرموز وتنظيمها يعطي معلومات، وقد كان ادعاءً عاقلاً بأن الذكاء هو الذي صنع هذا. ونفس المبدأ هو حقيقي مع الحامض النووي”.

الانفجار البيولوجي الهائل

قال مير إن الذكاء وحده هو الذي يعطي تفسير لوجود معلومات محددة بداخل المادة الجينية. إن هذا في حد ذاته هو دليل قوي لوجود مصمم لهذه الحياة.

وبينما انا أنظر في يدي محاولاً فهم كميات المعلومات المعقدة والمحددة الموجودة في كل خلية ارتسمت ابتسامة على شفتي. والإجابة على السؤال ما إذا كان هناك خالق قد يكون قريباً مني مثل قرب أصابعي من يدي.

ومع ذلك فإن مير لم ينه حديثه. وكما ذكر في مقابلتنا السابقة، فقد كان مقتنعاً بأن ما يسمى “بالانفجار القديم” والذي تكونت فيه حياة جديدة ظهرت فجأة في سجل الحفريات، بدون أية حاجة إلى الأسلاف الذي احتاج إليهم المؤمنون بنظرية داروين، وهي أيضاً دليل قوي على وجود مصمم. والسبب: هو أ ن هذه الظاهرة الطبيعية كانت ستحتاج إلى سكيب مفاجئ لكميات هائلة من معلومات جينية جديدة وبيولوجية والتي مصدرها الوحيد هو مصدر ذكي.

“ومن بين الأماكن الأخرى، كتب مير هذه القضية في كتابه “معلومات الانفجار القديم” دليل على المصمم الذكي، وفي كتابه “مناظرة في التصميم” والذي نشر في جامعة كمبريدج. وكتب كتاباً آخر بعنوان: “الانفجار القديم: الانفجار الهائل البيولوجي” وقد شارك مير في تأليف هذه الكتب مع بول تشين، رئيس وأستاذ قسم علم الأحياء في جامعة سان فرانسيسكو، والذي عمل مع علماء صينيين في ترجمة حفريات فريدة عن الزمن القديم لإقليم تشينج جيانج؛ وبول أي. نيلسن، فيلسوف علم الأحياء الذي حاز الدكتوراه من جامعة شيكاغو؛ وعالم الدراسات القديمة ماركوس روس.

قال مير: “هذه الحفريات عن الانفجار القديم لا يمكن لنظرية داروين أن تفسرها أو حتى فكرة “التوازن المؤكد” التي تكونت بالتحديد بمجهود لتفسير سجل الحفرية المحيرة. وعندما ننظر إلى الموضوع من منظور معلومات بيولوجية فستجد أن أفضل تفسير لذلك هو أن الذكاء مسؤول عن هذا الأمر وإلا فلا يمكن تفسير هذه الظاهرة الطبيعية”.

قلت له: “هذا يبدو أمراً جذاباً. وضح ماذا تقصد”.

قال: “إن تطورات جديدة في علم الأجنة وعلم الأحياء تخبرنا بأنه بالرغم من أهمية الحامض النووي فليس هو كل شيء. إنه يعطينا بعض المعلومات وليست كلها التي نحتاجها لبناء كائن حي جديد بشكل وظيفة جديدة. إن الحامض النووي يبني البروتينات ولكن على هذه البروتينات أن تتجمع في هياكل أكبر. وهناك أنواع مختلفة من الخلايا التي عليها أن تنتظم في أنسجة، والأنسجة تنتظم في أعضاء، والأعضاء في خطة الجسم كله”.

“وطبقاً للدارونية الجديدة، فإن الأشكال البيولوجية الجديدة خلقت التحولات في الـ DNA، مع الاصطفاء الطبيعي الذي يحفظ ويبني هذه الأشكال البيولوجية ولكن الحامض النووي هو جزء واحد فقط من هذه القصة ثم يمكنك أن تنميه بطريقة غير محددة، ولن تبني بناء جسدياً جديداً”.

“ولهذا فعندما تواجه الانفجار القديم بظهوره الضخم والمفاجئ لخطط جسدية جديدة، سوف تدرك أنك بحاجة إلى كميات كبيرة من المعلومات البيولوجية الجديدة. والبعض منها سوف يوضح في شفرة في الحامض النووي وهو ما زال مشكلة لم تذلل بالنسبة للدارونيين. ولكن على قمة كل هذا، من أين جاءت تلك المعلومات الجديدة التي لا تُعزى إلى الحامض النووي؟ وكيف يتطور هذا التسلسل الهرمي التنظيمي للخلايا والأنسجة والأعضاء وخطط الجسم كله؟ ليس لدى الداروينيون إجابة على هذا السؤال”.

فـي طـرفة عـيـن

مستخدمي تقنيات الراديومتري radiometric (مقياس كثافة الطاقة الإشعاعية) لتحديد تاريخ بلورات الزكون* في سيبيريا، تمكن العلماء حديثاً في زيادة دقتهم في أن يحددوا بدقة الإطار الزمني للانفجار الهائل القديم، والذي قرروا بدايته بحوالي 630 مليون سنة.

“علماء الإحاثة* الآن يعتقدون أنه أثناء فترة زمنية حوالي 5 مليون سنة، على الأقل 20 أو 30 من الشعب الحيوانية والنباتية الأربعين في العالم نشأت وانطلقت بخطط جسمانية متفردة وفي الحقيقة يعتقد بعض الخبراء أن كل هذه الشعب قد ظهرت في نهاية الانفجار”[7].

ولكي تضع كل هذه السرعة التي لا تصدق في منظور معين، إذا كان بإمكانك ضغط كل تاريخ الأرض في 24 ساعة، فإن هذا الانفجار القديم سوف يحدث في دقيقة واحدة فقط[8].

قال مير: “إن هذا الانفجار القديم هو بمثابة قفزة كمية لا تصدق في التعقيدات البيولوجية. وقبل ذلك، كانت الحياة على الأرض سهلة للغاية، بكتريا ذات خلية واحدة، طحالب ذات لون أزرق وأخضر، وفيما بعد كان هناك بعض الاسفنج وحيوانات رخوية بدائية. وبدون أية أسلاف في سجلا الحفريات كان لدينا اختلافات مذهلة من مخلوقات معقدة ظهرت في طرفة عين وهنا نتحدث بلغة الجيولوجيا.

“فمثلاً، طائفة المفصليات المنقرضة الثلاثية الفصوص – لها جسم مفصلي وجهاز مفصل وجهاز عصبي معقد وعيون مركبة – ظهرت فجأة كاملة التكوين في بداية الانفجار. إنه لأمر مذهل. ثم تبع هذا نوع من الركود والذي يعني أن الخطط الجسمانية الأساسية ظلت واضحة عب الدهور”.

“وكل هذا يناقض مع الدارونية تماماً، التي تنبأت بالتطور التدريجي البطيء في الكائنات الحية عبر الزمن. وقد صرح داروين بأن الانفجار كامبريان القديم “لا يمكن تفسيره” وهذا ضد نظريته. وأصر على القول بأن الطبيعة لا تتخذ قفزات فجائية. وكان يعتقد أنه سوف يُبرر ويدافع عنه باكتشاف المزيد من الحفريات، ولكن الصورة أصبحت أكثر سوءً”.

“والقضية الكبرى هي من أين جاءت تلك المعلومات ليك تبني هذه البروتينات الجديدة والخلايا والخطط الجسمانية. فمثلاً، الحيوانات القديمة احتاجت إلى بروتينات معقدة مثل lysyl oxidase. وفي الحيوانات اليوم، يحتاج جزيء lysyl oxidase 400 حامض أميني. من أين جاءت المعلومات الجينية لكي تبني الجزيئات المعقدة؟ إن هذا يتطلب معلومات جينية معقدة من النوع الذي لا تنتجه لا الصدفة العشوائية ولا الاصطفاء الطبيعي ولا التنظيم الذاتي”.

في لقائي في الفصل الثالث مع عالم الأحياء جوناثان ويلز قام بالإجابة على اعتراضاتي على الانفجار الهائل القديم والذي قال فيه إن الكائنات الحية الانتقالية إما أنها كانت صغيرة للغاية أو لينة حتى أنها تترك أي ميراث من الحفريات. وهناك إمكانية أخرى تبادرت إلى الذهن.

قلت له: “ربما تكون بعض الظواهر الطبيعية البيئية التي لم تُفسر هي التي تسببت في فيضان هائل من التغير الإحيائي وهذا الذي أسرع في خلق كائنات حية جديدة”.

قال مير: “إن هذا لا يحل المشكلة. أولاً، حتى الادعاء بأن التغيير الإحيائي كان بمعدل كبير، فإن التغيير القديم كان قصيراً للغاية حتى أنه لا يسمح بمثل هذه التغييرات التي تعكسه الحفريات”.

“ثانياً، التغيرات الإحيائية في التطور الأولي للكائنات كانت لديه فرصة حقيقية لإنتاج تغير تطوري ضخم على نطاق واسع. وقد وجد العلماء أن التغيرات الإحيائية في هذه المرحلة كانت لها تأثيرات كارثية. والجنين عادة ما يموت أو يصاب بالكساح”.

وقد أطلق عالم الجينات جون إف. ماكدونالد على هذا “إنه تناقض داروني عظيم”[9]. إن نوع التغيير الهام والأساسي الذي يحتاجه التطور الهائل لا يظهر، في حين أن النوع الذي لا يحتاجه يظهر مع أنه نادر وغير نظامي.

وتبادرت إلى ذهني فكرة أخرى كان قد عرضها أصحاب نظرية داروين وسألت مير: “لماذا لم يتمكن هذا التغيير الهائل والأساسي من الظهور في جزء خامل من الحامض النووي، أي منطقة حيادية التي ليس لا أثر فوري على الكائن الحي؟ ثم بعد فترة طويلة من الزمن، يتراكم في خلالها هذا التغيير الهائل، يظهر جين جديد ويخلق بروتين جديد تماماً. وعندئذ سوف يحفظ الاصطفاء الطبيعي أية آثار نافعة لهذا الجين على الكائن الحي”.

ولم تكن هذه النظرية جديدة على مير، وأجاب قائلاً: “ليكن في ذهنك أن هذه التغييرات الهائلة كان عليها أن تظهر بالصدفة العشوائية، لأن الاصطفاء الطبيعي لا يستطيع أن يحفظ أين شيء حتى يعطي فائدة إيجابية للكائن الحي. والمشكلة هي أن ميزة خلق بروتين جديد يعمل بدون مساعدة الاصطفاء الطبيعي سوف يكون صغيراً للغاية. وتوجد الآن بعض الدراسات في الجزيئات الحيوية لها نفس الرأي. وهذا ما يسمى “النظرية المحايدة” للتطور وهو طريق مسدود آخر.

“وف الحقيقة هناك تفسير واحد فقط يوضح كل هذه الأدلة. إنه “المصمم الذكي”.

ملائمة النموذج “العلوي السفلي”

وافق مرة لغز الانفجار القديم على إمكانية وجود الخالق واعتبرها إحدى التفسيرات. وحتى واحد من أكثر الملامح حية في موضوع الانفجار – والذي يُدعى نموذج “العلوي السفلي” – فُسر بكفاءة على أن التصميم الذكي.

قال مير: “إن الداروينية الجديدة تتنبأ بنموذج “الأدنى الأعلى” والذي فيه اختلافات صغير في الشكل بين كائنات حية تتطور وتظهر قبل ظهور اختلافات كبيرة في الشكل وتنظيم خطة الجسم. فمثلاً، يمكنك أن تتخيل أن الاسفنج القديم يمكن أن يُحدث العديد من الاختلافات التي يمكن أن تتطور بمرور الزمن لكي تُنتج أنواعاً مختلفة. وباستمرار هذه العملية، ربما تكون قد ظهرت في العصر الكامبرياني مخلوقات مختلفة تماماً بتصميم جسدي جديد ومتكامل”.

“ومع ذلك، فالحفريات من الانفجار الكامبرياني القديم تُظهر نموذجاً مختلفاً “علوي سفلي” ويظهر أولاً اختلافات كبير في الشكل والتصميم الجسدي، مع عدم وجود مرحلة انتقالية قبلها. وفيما بعد، ظهرت بعض الفوارق الصغيرة في إطار هذه التصميمات الجسدية المنفصلة والمتباينة”.

“وهذا الأمر تحدى واستأصل الدارونية الجديدة. وآخرون حاولوا أن يفسروه باقتراح قفزات كبيرة من التغيير التطوري – ما يسمى بفكرة التوازن المنظم – ولكن حتى هذا لم يتمكن من تفسير الظاهرة الطبيعية “أعلى أسفل” وفي الحقيقة فإن التوازن المنظم تنبأ بنموذج “السفلي والعلوي” إنه يؤكد أن كمية التغيير التطوري سوف تكبر. ورغم هذا فإذا سلمت بفكرة التصميم الذكي فإن نموذج “العلوي والسفلي” يصبح له معنى لأنه نفس النموذج الذي نراه في تاريخ التصميم التقني البشري”.

سألته: “هل بالإمكان أن تعطيني مثال؟”

قال: “بالتأكيد، لتفكر في السيارات او الطائرات. إنهم يُظهرون نمط ظهور من “الأعلى للأسفل”. وفي كلا الحالتين فالرسم البياني الضخم أو الخطة تظهر فجأة وتظل مستمرة عبر التاريخ”.

“فمثلاً، كل السيارات لها خطة تنظيمية أساسية تشتمل على المحرك وعجلة القيادة ومحورين وأربعة عجلات… إلخ. وبعد ظهور الاختراع الأساسي، ظهرت أشكال مختلفة عبر الزمن. وهذا مثل من التغيير “العلوي والسفلي”.

الرسم البياني الأصلي كان من إنتاج الذكاء واستمراره عبر السنوات توضح بفكرة مروره من جيل إلى جيل لمهندسي السيارات.

“وبطريقة مشابهة، لماذا التصميم الجسدي للحيوانات القديمة يمكن أن يكون قد نبع من فكرة في عقل مصمم؟ وهذا يكن أن يفسر لماذا ظهرت الاختلافات الكبيرة في الشكل ظهرت أولاً ثم اختلافات أصغر تلت ذلك فيما بعد. وفي الحقيقة، فإن الذكاء هو السبب الوحيد الذي نعرفه الذي يمكنه أن يُعطي نموذج “أعلى أسفل” والذي نراه في سجل الحفريات وفي تقنية البشر مثلما توضح في كل شيء من السيارات والطائرات والبنادق والدرجات”[10].

” إن الذكاء أيضاً يفسر أصل طبقات المعلومات اللازمة لخلق الخطط الجسمية الجديدة في الحيوانات القديمة. وكما ذكرت سابقاً، إنك لكي تبني حيواناً جديداً أنت بحاجة إلى حامض نووي لكي تخلق البروتينات ومعلومات إضافية لكي تنظم هذه البروتينات تركيبات ذات مستوى أعلى. ونجد نفس شكل الطبقات للتنظيم في التقنيات البشرية مثل اللوحة الدائرية للكمبيوتر. إن البشر يستخدمون الذكاء لنتجوا مكونات معقدة، مثل الترانزستور والمكثفات بترتيباتها المحددة واتصالاتها داخل الدائرة تكاملية”.

“وحالما تسمح بتصميم ذكي كفكرة، يمكنك أن ترى بسرعة كيف يفسر مفتاح أشكال وملامح الظواهر الطبيعية القديمة. ولا توجد كينونة أخرى تنتج نموذج “العلوي السفلي” أو يمكنها أن تخلق المعلومات المعقدة التي يحتاجونها إليها لأشكال حية جديدة. ولا يوجد تفسير آخر يكفي لهذا”.

قلت له: “ولكن التصميم الذكي يبدو وكأنه فكرة قديمة. وقد قارن وليم بالي الأنظمة البيولوجية بطريقة عمل الساعة وحدث ذلك منذ 200 عام. وهذه أخبار قديمة”.

قال مير: “أعتقد أن العكس هو الصحيح. وقد تعلمنا الكثير عن علم الأحياء منذ الحرب الأهلية. ويحاول الذين يعتقدون في نظرية داروين للتطور والتي كانت في القرن التاسع عشر أن يطبقوا أسلوب تفكيرها على حقائق القرن الواحد والعشرين. وتفسيرات فترة القوارب البخارية لم تعد كافية لتفسير عالم البيولوجيا في عصر المعلومات”.

“ويقول الدارونيون بأنهم تحت نوع من الالتزام المعرفي لكي يواصلوا المحاولة، فإذا استشهدت بالتصميم فأنت بذلك تتخلى عن العلم. حسناً، إنني أقول إن الوقت قد حان لنعيد تعريف العلم. ولا يجب أن نبحث فقط عن أفضل تفسير طبيعي ولكن عن أفضل فترة للتفسير. والتصميم الذكي هو التفسير الذي يتمشى مع كيفية عمل هذا العالم”.

 

ســمة العـقـل

وعندما قارب لقاؤنا على الانتهاء، أثارت إشارة مير إلى القرن 21 استفساراً أخيراً فقلت له: “بع مضي عشرة أو عشرين سنة، ماذا ترى؟”

قال فيما كان يزيل نظارته ويضعها في جيبه: “أعتقد أن ثورة المعلومات الحادثة في علم الأحياء تدق ناقوس الموت لمبادئ داروين ونظريات التطور الكيميائي”.

“إن محاولة تفسير أصل الحياة بمعزل عن مكوناتها الكيميائية قد مات الآن. فمبدأ الطبيعة لم يعد بإمكانه أن يجيب على المشكلة الأساسية وهي كيفية الانتقال من المادة والطاقة إلى الوظائف البيولوجية بدون إدخال معلومات ذكية”.

“إن المعلومات ليست شيئاً مأخوذاً من خواص مادية، إنها تتجاوز المادة والطاقة. والنظريات الطبيعية التي تعتمد على المادة والطاقة لن تستطيع أن تفسر المعلومات والذكاء فقط هو الذي يستطيع ذلك. وأعتقد ان تحقيق ذلك سوف يبزغ فخره على أناس أكثر وأكثر وخاصة العلماء الصغار الذين نشأوا في عصر تقنية المعلومات”.

“إننا اليوم نشتري ونبيع المعلومات كسلعة، نقيمها ونبعثها عبر أسلاك وأقمار صناعية ونعلم أنها تأتي من وكلاء أذكياء. فماذا نفعل بحقيقة وجود معلومات في الحياة؟ وماذا نفعل بحقيقة أن الحامض النووي DNA يخزن معلومات في مكان صغير للغاية أكثر بكثير جداً من أي كمبيوتر متقدم على هذا الكوكب؟”

“إن المعلومات هي السمة المميزة للعقل. ومن خلال الأدلة الجينية والحيوية يمكننا أن نخمن بوجود عقل أعظم بكثير من عقلنا، عقل واع، وله هدف وحكيم ومصمم ذكي وهو خلاق مدهش. ولا شك في هذا”.

ازدادت الضوضاء القادمة من الشارع عبر النافذة. وكانت زوجة مير تعد لنا وجبة عشاء من السلمون، وقد حان الوقت لكي أرسل إلى الطريق السريع قبل زحمة المرور. وبعد انتهاء مناقشتنا، استأذن مير للذهاب لاجتماع في مكتب آخر، وذلك أعطاني فرصة للتفكير.

وكان سؤالاً مير للآخرين قد لخصا كل القضية. فالمعلومات في قلب الحياة قد ترتبت، وهي ليست مثل بلورات الملح، ولكنها معلومات معقدة ومحددة وتستطيع أن تحقق إنجازاً طيباً، بناء ماكينة بيولوجية تتخطى إمكانيات التقنية البشرية.

أي شيء آخر بإمكانه أن يعطي مثل هذه المعلومات غير الذكاء؟ وأي شيء آخر يمكنه أن يفسر الظهور السريع للاختلافات في المخلوقات المعقدة التي تكونت والتي لم تجتاز مرحلة انتقالية في سجل الحفريات؟ وقد فرض الاستنتاج نفسه: وجود ذكي فرض دليل وجوده من خلال أربعة رموز كيميائية في الشفرة الجينية. إن الخالق هو الذي وقع بخط يده كل خلية.

تنفست الصعداء واستندت على الكرسي وأنا أشعر بالإرهاق من السفر والمقابلات. إن قضية الخالق تتقدم بسرعة ملحوظة وأشعر أنني اقتربت من نهاية تساؤلاتي. ولكنني ما زلت أشعر أنه يوجد خبير آخر أود استشارته.

وفي الدقائق الأخيرة من لقائي مع مير ذكر لي كلمة “العقل” وأشار إلى النشاط الواعي. ومثلما انبهرت بالحامض النووي فكذلك انبهرت بالمخ البشري وهذا المخ الذي يزن ثلاثة أرطال به 10,000 مليون خلية عصبية، كل منها يرسل أليافاً أو نسيجاً كافياً لخلق آلاف الملايين من الروابط. وهذا يساوي عدد الأوراق في غابة كثيفة تغطي مليون ميل مربع[11].

كيف تخلق هذه الدورة الظاهرة الطبيعية المتفردة للوعي البشري؟ كيف تمكنني قوة العمليات البيولوجية من التفكير، او تكوين المعتقدات، أو تحديد اختياراتي الحرة؟ هل يعزى وعي إلى طبيعة وكيمياء مخي، أم إنني منحت أيضاً روحاً وعقلاً غير مادي؟ وإذا كان هناك دليل مقنع لوجود روح، فكيف يقنعني هذا بوجود خالق وحياة بعد الموت؟

قلبت في مفكرتي لكي أتصل بأحد الخبراء في الوعي البشري حالما أصل إلى لوس أنجلوس. ووضعت الورقة في جيب قميصي. وقد ذكرتني بشيء آخر هذه الكلمات القليلة كانت تمثل معلومات لها مصدرها في ذاكرتي. وكم كان وحياً واضحاً بأن نظاماً كثيفاً من أوامر وتعليمات مجمعة بيولوجية معقدة لا بد وأن لها مصدرها في عقل.

[1] Interview in Unlocking the Mystery of Life.

[2] See: Michael Polanyi, “Life’s Irreducible Structure,” Science 160 (1968), 1308-12.

[3] For a more detailed critique of this theory, see Hubert P. Yockey, “Self-Organization, Origin of Life Scenarios, and Information Theory, Journal of Theoretical Biology 91 (1981). 13-31, and Stephen C. Meyer, “DNA and the Origin of Life: Information, Specification, and Explanation,” in John Angus Campbell and Stephen C. Meyer, editors, Darwinism, Design, and Public Education (Lansing, Mich.: Michigan State Univ. Press, 2003), 252-55.

[4] Robert Shapiro, Origins: A Skeptic’s Guide to the Creation of Life on Earth, 188.

[5] Francis Crick, Life Itself, 88.

[6] Robert Shapiro, Origins: A Sdeptic’s Guide to the Creation of Life on Earth, 189.

* عنصر فلزي نادر

* يبحثوا في أشكال الحياة في العصور الجيولوجية السالفة

[7] See: J. W. Valentinc et al., “Fossils, Molecules, and Embryos: New Perspectives on the Cambrian Wxplosion,” Development 126 (1999).

[8] See: Chi Lili, “Traditional Theory of Evolution Challenged,” Beijing Review (March 31 – April 6, 1997).

[9] John F. McDonald, “The Molecular Basis of Adaptation: A Critical Review of Relevant Ideas and Observations,” Annual Review of Ecology and Systematics 14 (1983).

[10] See: Stuart Kauffinan, At Home in the Universe (Oxford: Oxford University Press, 1995).

[11] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 330.

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

Exit mobile version