من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

 

الفصل الأول: من الإلحاد إلى الإيمان

لم تكن بداية حياتي تقليدية في عدة جوانب، ولكن كابن لمفكر حر كانت نشأتي حديثة تقليدية تماماً في موقفها من أن الإيمان ليس أمراً مهماً. لقد نشأت في مزرعة وحلة في منطقة Shenandoah Valley بولاية فرجينيا. لم يكن في المزرعة مياه جارية، وكان هناك القليل من وسائل الراحة. ولكن مقابل هذه الأمور حظيت بخليط من تجارب محفزة وفرص وفرها لي والداي من خلال مجموعة من الأفكار المميزة.

لقد التقى والداي في كلية الدراسات العليا في جامعة ييل Yale في عام 1931 وقد أخذا معهما مهارات التنظيم السائدة هناك وحب الموسيقى إلى منطقة Arthurdal في ولاية فرجينيا الجنوبية حيث عملا مع آنا الينور روزفلت[1] Eleanor Roosevelt على تطوير مناطق التنقيب عن الفحم المعلمة التي كانت تبعث على الاكتئاب.

ولكن بقية المستشارين في إدارة روزفلت كانت لديهم أفكار أخرى، وسرعان ما جف التمويل. تفكيك منطقة Arthurdal بسبب الطبقة السياسية في واشنطن جعل والداي لا يثقان بالحكومة طوال حياتهما. انتقل والداي إلى الحياة الأكاديمية في كلية ألون Elon College في بيرنلغتون Burlington في ولاية كارولاينا الشمالية. هناك تعرفوا على ثقافة الفن الشعبي الجميل في أرياف الجنوب، وأصبح والدي مولعا بجمع الموسيقى الريفية، مسافراً بين الهضاب والأودية محاولاً إقناع أبناء الولاية الكتومين لتسجيل أغانيهم في آلة التسجيل الخاصة به. هذه التسجيلات إضافة إلى مجموعة أكبر من تسجيلات ألن لوماکس Alen Lomax شكلت جزءًا مهماً مجموعة تسجيلات غناء الريف الأمريكي في مكتبة الكونغرس الأمريكية.

عندما وقعت الحرب العالمية الثانية، تراجع اهتمام والدي بتجربته الموسيقية إلى المقعد الخلفي ليفسح المجال أمام أمور طارئة تتعلق بالأمن القومي، فاتجه للعمل في مجال صنع القنابل لأغراض الحرب، وانتهى به المطاف إلى أن يصبح مستشاراً في صناعة الطائرات في لونغ أيلاند Long Island.

في نهاية الحرب، توصل والداي إلى قناعة بأن ضغوط بيئة التجارة لا تناسبهما. ولأنهم سبقوا عصرهم في الأربعينات قرروا أن يذهبوا إلى منطقة Shenandoah Valley في فرجينيا ليشتروا مزرعة بمساحة 59 هكتار وقاموا بتكوين نمط حياة زراعي دون استخدام أدوات زراعة. ولكنهم اكتشفوا بعد أشهر قليلة أن ذلك لن يساعدهم في تربية أثنين من أبنائهم المراهقين (وكنت أنا ثالثهم بعد فترة قصيرة). وهذا ما دفع والدي إلى العمل كمدرس للدراما في كلية محلية للبنات. لقد قام باستئجار ممثلين من البلدة، ومعاً قام هؤلاء الطلبة مع التجار المحليين بتمثيل مجموعة من المسرحيات وكانوا مستمتعين بذلك. وبسبب ضجر الأهالي من طول الصيف وشعورهم بالملل قام والداي بتأسيس مسرح في بستان من أشجار البلوط يقع بالقرب من مزرعتنا. وقد استمر هذا المسرح دون انقطاع لمدة خمسين سنة لاحقة.

لقد ولدت في مزيج مبهج من الجمال الريفي وطبيعة العمل القاسية والمسرح الصيفي والموسيقى وترعرعت فيه. باعتباري أصغر أربعة أخوان لم أستطع أن … لقد ترعرعت بانطباع أن عليّ أن أتحمل مسؤولية سلوكي واختياراتي لأنه لن يهتم أحد غيري بهذه الاختيارات سواي.

كما هو الحال مع بقية أخواني، فقد تلقيت تعليمي في البيت على يد والدتي التي كانت معلمة بارعة. لقد منحتني هذه السنوات الأولى من حياتي هدية لا ثمن لها وهي حب التعلم. على الرغم من أن أمي لم تكن تخصص جدولا محددا لتدريسي إلا أنها كانت تمتلك إدراكاً عجيباً في تشخيص المواضيع التي تأسر عقل شاب صغير، وكانت تقدم المواضيع بطريقة جادة حتى تصل إلى الهدف المطلوب، ثم تنتقل إلى موضوع جديد وفي الوقت نفسه يكون مشوقاً. التعليم لم يكن أمراً يجب أن تفعله، بل أن تقوم به لأنك تحبه.

لم يكن الإيمان جزءًا مهماً في طفولتي. لقد كانت لدي فكرة ضبابية عن الإله، وكان تعاملي معه منحصراً في لحظات طفولية عابرة عندما كنت أريد منه أن يحقق لي شيئا ما. على سبيل المثال، أتذكر عن أنني عقدت اتفاق مع الإله (في عمر التاسعة) أنه إذا منع سقوط المطر أثناء عرض المسرحية والحفلة الموسيقية مساء السبت والتي كنت استمتع بها بشكل خاص سوف لن أدخن. وبالتأكيد هذا ما حصل، لم يسقط المطر ولم أعد إلى التدخين مطلقا. وفي وقت سابق قرر والدي أن يرسلاني وأخي الأكبر مني لنصبح أعضاء في فرقة الإنشاد في كنيسة Episcopal. لقد كانوا واضحين معنا في أن هذه فرصة عظيمة لتعلم الموسيقى، وأن علينا ألا نأخذ التعاليم اللاهوتية على محمل الجد. وقد اتبعت تعليماتهم، فقد تعلمت عظمة التناسق والألحان، في حين أن المفاهيم اللاهوتية التي كان يلقيها علينا الواعظ تمر على مخيلتي من دون أن تترك أي أثر واضح.

عندما كنت في العاشرة من عمري انتقلنا إلى البلدة للبقاء مع جدتي المريضة، ودخلت المدرسة. وفي سن الرابعة عشرة تفتحت عيناي على عظمة ومتعة المناهج العلمية. ومن خلال شخصية معلم الكيمياء صاحب الكاريزما والذي كان يتقن الكتابة على السبورة بكلتا يديه، اكتشفت لأول مرة الاكتفاء الفائق للطبيعة المرتبة لهذا العالم. لقد كانت حقيقة أن كل ما هو موجود في الكون المكون من ذرات وجزيئات وفق مبادئ رياضية أمرا غير متوقعة، كما أن القدرة على استخدام أدوات العلم الاكتشاف أشياء جديدة جعلتني أدرك أنني أريد أن أكون جزءًا من هذه البيئة. في ظل الحماس لهذا التحول قررت أن هدفي في الحياة أن أصبح عالم كيمياء. على الرغم من أنني لا أعرف إلا القليل عن العلوم الأخرى إلا هذا الحب الصغير تبين أنه سيغير حياتي.

على العكس من ذلك فإن تجربتي مع الأحياء جعلتني بارداً تماماً. على الأقل من خلال عقل المراهق اعتقدت أن أساسيات الأحياء تميل إلى التعليم الروتيني للحقائق الجافة أكثر منها شرحاً للمبادئ. لم أكن على مهتماً بحفظ أجزاء جراد البحر، ولا كنت مهتماً بمعرفة الفرق بين الشعبة والصنف عند الحيوانات. التعقيد المذهل للحياة قادني للاستنتاج بأن الأحياء تشبه الفلسفة الوجودية[2]: إنها ببساطة لا معنى لها. بالنسبة لعقلي اليافع لم يكن هناك شيء مقنع يجذبني له. عندما تخرجت من الثانوية في سن السادسة عشرة دخلت جامعة فيرجينيا وقررت أن أتخصص في الكيمياء وأن أكمل طريقي في المجال العلمي. كما هو الحال مع غالبية طلبة السنة الأولى وجدت أن البيئة الجديدة منعشة عبر الكثير من الأفكار التي تطرح على جدران قاعات الدراسة وفي غرف السكن الجامعي في نهاية اليوم. بعض هذه الأسئلة كان يناقش مسألة وجود الله. عندما كنت في سنوات عمري الأولى كانت تمر عليّ لحظات من تجربة من الشوق نحو شيء ما خارج ذاتي، وكثيرا ما كان هذا الشوق موجهاً نحو جمال الطبيعة، أو بشكل خاص نحو تجربة الموسيقى الآسرة. ومع ذلك فإن إحساسي الروحي لم يكن ناضجاً وكان من السهولة تحديه بواسطة واحد أو أثنين من الملاحدة الشرسين الذين كانوا موجودين في كل مكان من السكن الجامعي. بعد مرور بضعة أشهر من حياتي الجامعية بدأت أقتنع أنه على الرغم من أن المعتقدات الدينية كانت سببا في تكوين تراث فني وثقافي إلا أن هذه المعتقدات لا تستند إلى الحقيقة.

على الرغم من أنني لم أكن أعرف معنى هذا المصطلح في ذلك الوقت إلا أنني أصبحت “لا أدريا” وهو المصطلح الذي ظهر على يد عالم القرن التاسع عشر هكسلي[3] T. H Huxly للإشارة إلى الشخص الذي لا يعرف ما إذا كان الإله موجوداً أو لا. هناك أنواع من اللا أدريين، فمنهم من وصل إلى هذا الموقف بعد تحليل معمق للأدلة، في حين أن البعض الآخر وجد أنه الموقف المريح الذي يسمح له بتجنب التفكير في الحجج التي يجدها مزعجة في الجهتين. أنا بالتأكيد من النوع الثاني. قولي بأنني “لا أدري” كان أقرب إلى القول بأنني لا أريد أن أدري”. كوني شاب في مقتبل العمر مع عالم مليء بالمغريات كان من الأنسب تجاهل الحاجة إلى الاستجابة لسلطة روحية عليا. لقد مارست نوعا من التفكير ونمط من سلوك “العمى الطوعي” وهو التعبير الذي استخدمه الكاتب لويس C. S. Lewis.

بعد تخرجي التحقت ببرنامج الدكتوراه في الفيزياء الكيميائية في جامعة ييل Yale متطلعاً إلى أناقة الرياضيات التي جذبتني إلى العلم منذ البداية. حياتي العلمية كانت متعلقة بفيزياء الكم[4] والمعادلات التفاضلية من الدرجة الثانية، وكان عمالقة الفيزياء ألبرت آينشتاين[5] Einstein ونیلس بور Niels Bohr وويرنر هیزنبرغ Werner Heisnberg وبول ديراك Paul Dirac هم أساطير بالنسبة لي. تدريجيا بدأت أقتنع أن كل شيء في الكون يمكن تفسيره على أساس المعادلات ومبادئ الفيزياء. قراءتي لسيرة آينشتاين واكتشافي أنه مع كونه صهيونياً متعصباً بعد الحرب العالمية الثانية إلا أنه لم يؤمن إله اليهود يهوه Yahweh، مما أكد استنتاجي بأنه لا يوجد عالم مفكر يتقبل بصدق فكرة وجود الإله إلا ويكون قد ارتكب نوع من الانتحار الفكري.

وبذلك بدأت أتحول تدريجيا من اللا أدرية إلى الإلحاد. ووجدت راحة كبيرة في تحدي المعتقدات الدينية لأي شخص يذكر هذه المعتقدات في حضوري، وكنت انتقص من وجهات النظر هذه باعتبارها خرافات باطلة.

بعد مضي سنتين على انضمامي لبرنامج الدكتوراه بدأت خطة حياتي المنظمة تتفكك. على الرغم من استمتاعي اليومي بمتابعة بحث الدكتوراه في ميكانيكا الكم النظرية إلا أنني بدأت بالشك فيما إذا كان هذا هو الطريق الذي سوف أسلكه في حياتي. بدا أن أغلب التطور الذي حدث في مجال نظرية الكم حدث قبل خمسين سنة وأن حياتي العملية سوف تقتصر على تطبيق عمليات تبسيط ومقایسة متتابعة للوصول إلى معادلات أنيقة ولكنها غير قابلة للحل ولن تكون سوى قدر قليل من تبسيط هذه المعادلات. وبصورة عملية بدا أن طريقي سوف يقودني لا محالة إلى أن أصبح أستاذاً جامعياً يقوم بتقديم سلسلة من المحاضرات الكثيرة في الميكانيكا الحيوية والميكانيكا الإحصائية Statistical mechanics أمام طلبة بكالوريوس يشعرون إما بالملل أو الخوف من هذه المواضيع.

في الوقت نفسه وفي محاولة لتوسيع مداركي قمت بالتسجيل في مقرر الكيمياء الحيوية، حيث قمت أخيراً بالبحث في العلوم الحياتية التي طالما تجنبتها في الماضي. لقد كان المقرر رائعاً. لم تكن مبادئ الحمض النووي DNA والحمض الريبوزي RNA والبروتين واضحة بالنسبة، ولكن بدت لي الآن بكل تألقها الرقمي المقنع. كنت أعتقد أن القدرة على تطبيق المبادئ العقلانية الصارمة لفهم الأحياء أمر مستحيل، ولكن بدا الآن بشكل واضح للعيان كاشفاً عن الشفرة الوراثية. مع بدء اكتشاف إمكانية لصق مكونات الحمض النووي المبعثرة مع بعضها البعض بدا أن إمكانية تطبيق هذه المعرفة لمصلحة البشرية أمر ممكن تماماً. لقد كنت مشدوهاً. أخيراً أصبح لعلم الأحياء أناقة رياضية. الحياة أصبح لها معنى.

وفي الوقت نفسه، وفي سن الثانية والعشرين فقط أصبحت متزوجاً ولدي بنت ذكية وفضولية، وأصبحت اجتماعياً بصورة أكبر. عندما كنت صغيراً كنت أفضل أن أبقى وحيداً. أما الآن فإن التواصل الإنساني والرغبة في تقديم شيء ما للبشرية بدأ أكثر أهمية. ومع هذه التجليات المتسارعة مجتمعة بدأت في مراجعة كل اختباراتي السابقة بما في ذلك الانخراط في الحقل العلمي والقيام ببحوث مستقلة. كنت على وشك الانتهاء من برنامج الدكتوراه ولكن بعد جهد كبير من التفكير الروحي المعمق تقدمت بأوراقي للقبول في كلية الطب. ومن خلال كلمة محضرة بعناية حاولت إقناع لجنة القبول بأن الانعطافة الجديدة في مساري العلمي عبارة عن تحول طبيعي لتدريب أحد أطباء المستقبل. ولكن في داخلي لم أكن متأكدة. ألم أكن أنا الشاب الذي كان يكره علم الأحياء لأنها تتطلب الكثير من الحفظ؟ أليس الطب هو أكثر تخصص تتطلب دراسته الحفظ؟ لكن الأمر مختلف الآن، فالأمر يتعلق بالبشرية وليس بجراد البحر، فالمبادئ التي تحكم هذه التفاصيل يمكن أن تغير بشكل جذري حياة الناس.

لقد تم قبولي في جامعة كارولينا الشمالية. وخلال عدة أسابيع اقتنعت بأن كلية الطب هي المكان المناسب لي. لقد أحببت الحافز الفكري والتحديات الأخلاقية والعنصر الإنساني والتعقيد المذهل لبدن الإنسان. في ديسمبر في العام الأول لي تعلمت كيف أوفق بين الحب الجديد للطب وحبي للرياضيات. طبيب الأطفال المتزمت الانعزالي الذي يقوم بتدريس ما مجموعه ست ساعات لطلبة السنة الأولى بكلية الطب بين لي مستقبلي. لقد أحضر إلى الفصل الدراسي مرضى مصابين بفقر الدم المنجلي ومصابين بجالاكتوز الدم (الذين لديهم حساسية قاتلة من منتجات الألبان ومصابين بالمتلازمة وجميعها أمراض ناتجة عن خلل في الجينوم، بعضها نتيجة لتغير بسيط كما لو أن حرفة واحدة تحرك من مكانه.

لقد ذهلت من إبداع شفرة الحمض النووي للإنسان، ومن التداعيات الكبيرة للحالات النادرة لعدم الدقة في نسخ آلية عمله. وعلى الرغم من أن القدرة الحقيقية على مساعدة الكثيرين ممن أصيبوا بالأمراض الوراثية تبدو بعيدة المنال، إلا أنني بصورة فورية أنسقت إلى هذا الاتجاه. وعلى الرغم من أنه في ذلك الوقت لم يكن يدور في خلد أحد إمكانية مشروع جبار مثل مشروع الجينوم البشري، إلا أن الطريق الذي بدأته في عام 1973 أنتهى لحسن الحظ ليؤدي بي إلى المشاركة في أحد أكبر التحولات التاريخية للبشرية.

هذا الطريق قادني أيضا وأنا في السنة الثالثة بكلية الطب إلى تجربة غنية متعلقة بالاهتمام بالمرضى، كأطباء متدربين، يجد طلبة الطب أنفسهم مندمجين بعلاقة حميمية مع أناس كانوا غرباء عنهم إلى حين دخولهم في تجربة المرض. الموانع الثقافية عادة ما تمنع من تبادل معلومات شخصية جدا، ولكن هذه الموانع تتساقط عبر التواصل المستمر بين المريض والمعالج. لقد وجدت أن العلاقات التي تطورت مع المرضى المشرفين على الموت عميقة، ولقد حاولت جاهداً الحفاظ على وجود مسافة مهنية بيني وبين المرضى والبعد عن التفاعل العاطفي الذي حرص عدد من أساتذتي على التأكيد عليه.

لقد شكلت لي الحوارات الجانبية مع المرضى من سكان نورث کارولینا صدمة عميقة بخصوص الحالة الروحية التي يمر بها العديد منهم. لقد شهدت الكثير من الحالات لأشخاص وفر لهم الإيمان شعوراً قوياً بالطمأنينة الكاملة إما في البقاء في هذا العالم أو العالم الأخر، على الرغم من معاناتهم الشديدة التي لم يكونوا يستطيعون عمل شيء حيالها.

إذا كان الإيمان هو العصا النفسية التي يتكئون عليها فإن عليّ أن أستنتج بأنه لابد أن تكون هذه العصا من القوة بمكان. إذا كانت مجرد مظهرة خادعة لعادات ثقافية فلماذا لا يهز هؤلاء المرضى قبضاتهم بوجه الإله ويطلبون من أصدقائهم وعوائلهم التوقف عن الحديث حول الحب وقوة الخير الخارقة.

أشد لحظات الضعف التي مرت علي حدثت عندما سألتني امرأة مسنة تعاني يوميا من حالة متقدمة من مرض الخناق عن ما أؤمن به. لقد كان سؤالاً مستحقاً، وقد ناقشنا العديد من المواضيع المهمة عن الحياة والموت، وقد عبرت لي عن معتقداتها المسيحية. لقد شعرت أن وجهي محتقن وتلعثمت في جوابي قائلا “أنا لست متأكدا”. لقد كان تعجبها مبعث راحة كبيرة لي، وهو ما كانت أتجنبه لستة وعشرين سنة من عمري: لم أفكر مطلقاً في البراهين التي تؤكد أو تنفي وجود الإله.

هذه اللحظة شغلتني لعدة أيام؟ ألم أكن أعتبر نفسي عالم؟ هل يصل العالم إلى نتائجه من دون تمحيص في بياناته؟ هل يوجد في وجود الإنسان أسئلة أهم من السؤال “هل يوجد إله؟”، وها أنا لم أجد نفسي حتى الآن بسبب مزيج من “العمى الإرادي” وشيء آخر يمكن وصفه بأنه غطرسة بحيث أتجنب التفكير جدياً بأن الإله يمكن أن يكون حقيقة ممكنة. فجاءة وجدت أن كل حججي بدت ضعيفة، وتولد لدي شعور بأن الجليد تحت قدمي بدأ يتصدع.

هذا الإدراك كان تجربة مرعبة. في النهاية، إذا كنت أستطيع التعويل على متانة موقفي الإلحادي هل أستطيع تحمل مسؤولية الأفعال التي أفضل أن تظل دون تمحيص؟ ألم أكن أجيب على أسئلة الآخرين وأهمل نفسي؟ أصبح السؤال الآن أكثر إلحاحا بحيث لا يمكن تجاهله.

في البداية، كنت أعتقد أن البحث الشامل للأساس العقلي للإيمان سوف يفقد الإيمان ميزته ويقوي إلحادي. ولكنني قررت أن أبحث في الحقائق مهما تكن النتائج. وبذلك بدأت بدراسة سريعة عن الأديان الرئيسية في العالم. أغلب ما وجدته في كتاب CliffNotes عن الأديان المختلفة جعلني حائراً، ولم أجد دافعاً للاقتناع بأي منها. كان لدي شك بأنه لا يوجد أي أساس عقلي للقناعات الروحية لأي من هذه المعتقدات. ولكن هذا الشعور سرعان ما تغير. ذهبت لزيارة أحد رعاة الكنيسة الذي كان يسكن بالقرب مني لأسأله إن كان للإيمان أي أساس عقلي. لقد استمع بصبر إلى تساؤلاتي المشتتة ثم أعطاني كتيباً صغير ونصحني بقراءته.

 كان عنوان الكتاب “Mere Christianity” للفيلسوف لويس C. S. Lewis. قضيت الأيام التالية في تصفح الكتاب في محاولة لاستيعاب عمق وشمولية الحجج الفكرية لأحد أشهر مفكري أكسفورد، وأخيراً أدركت أن موقفي ضد عقلانية الإيمان لا يعدو عن كونه أفكار طفل في المدرسة. كان من الواضح أن عليّ أن أفتح صفحة جديدة للتفكير في أهم الأسئلة التي تشغل الإنسان. بدا أن لويس يعرف كل اعتراضاتي، وأحيانا حتى قبل أن أصيغها بشكل كامل. لقد كان يتناولها بشكل متقن في صفحة أو صفحتين. عندما علمت أن لويس نفسه كان ملحداً، وأنه كان يحاول أن يبرهن منطقية على عدم صحة الإيمان أدركت كيف يمكن أن يكون مفيداً لي في طريقه للبحث عن الحقيقة. لقد كان طريقه هو طريقي أيضا.

أكثر حجة شدت انتباهي وحطمت أفكاري عن العلم والإيمان من أساسها متضمنه في الفصل الأول “الصحة والخطأ كمدخل لمعنى الكون”. مع أن “القانون الأخلاقي” الذي وصفه لويس من عدة جوانب عبارة عن صفة كونية للوجود الإنساني إلا أنه بدا وكأنني أتعرف عليه لأول مرة.

من المفيد لفهم القانون الأخلاقي أن نفكر -كما أشار لويس -بمئات المواقف التي تمر علينا وتستدعي القانون الأخلاقي من دون أن نتساءل عن الأساس الذي يقوم عليه هذا القانون. الاختلاف هو جزء من حياتنا اليومية. بعض الاختلافات معتادة مثل انتقاد الزوجة لزوجها لأنه لم يتكلم بطريقة لائقة مع صديق، أو اعتراض طفل بقوله “هذا ليس عدلا” عند توزيع كمية كبيرة من الأيس كريم في حفلة عيد ميلاد. البعض الأخر من الاختلافات له أهمية أكبر. على سبيل المثال، على الصعيد الدولي هناك من يجادل بأن من مسؤولية الولايات المتحدة أن تنشر الديمقراطية في العالم حتى لو تطلب ذلك التدخل العسكري، في حين أن البعض الأخر يعتقد العكس بالقول إن الاستخدام المنفرد للقوة العسكرية والاقتصادية يفتقد للشرعية الأخلاقية.

وفي المجال الطبي، هناك نقاشات محتدمة حالية حول السؤال ما إذا كان من المقبول القيام بأبحاث على خلايا الأجنة أم لا. البعض يعتبر بأن هذه الأبحاث تنتهك قدسية الحياة الإنسانية، في حين أن البعض الأخر يعتبر أن إمكانية رفع معاناة البشر يستحق المضي في هذه الأبحاث (هذا الموضوع وإشكاليات أخرى في مجال الأخلاق الحيوية سوف تناقش في ملحق هذا الكتاب).

من الملفت أنه في جميع هذه الأمثلة نجد أن كل طرف يستند إلى معايير متعالية غير مذكورة. ويمكن تسمية هذه المعايير بأنها “قانون السلوك الصحيح”، ووجوده في هذه الحالات يبدو أمرا مسلما به. ما كان محلاً للنقاش هو ما إذا كان هذا الفعل أو غيره أقرب نسبية لاشتراطات ذلك القانون. الذين يقعون في مثل هذه الأمور، كما هو الحال مع الزوج الذي يرتبط بعلاقة عاطفية مع صديقة زوجته سوف يتذرع بعدة أسباب للتخلص من هذه الورطة. من النادر أن نسمع أحدا من هؤلاء يقول “فليذهب تصورك عن السلوك الصائب إلى الجحيم”.

ما هو مميز هنا أن مفهوم الصواب والخطأ يبدو شاملاً لكل أفراد الجنس البشري (مع أن تطبيقاته قد ينتج عنها نتائج مختلفة تماماً). ولذلك فهذا المفهوم يبدو مقاربة ظاهرية لذلك القانون، كما هو الحال مع قانون الجاذبية وقانون النسبية الخاصة. وفي مثل هذه الحالة فإننا حين نكون صادقين مع أنفسنا لابد أن نقول إننا قمنا بانتهاك القانون بصورة منتظمة.

على أحسن الأحوال، يبدو أن القانون أنه ينطبق على البشر. ومع ذلك فإن الحيوانات الأخرى يمكن في بعض الأحيان أن تظهر لمحات من الحس الأخلاقي، ولكن ذلك ليس شائعة، وفي العديد من الحالات يبدو سلوك الكائنات الأخرى متناقضة تماماً مع هذا الادعاء. الشعور بالصواب والخطأ، واكتساب اللغة، والوعي بالذات، والقدرة على تصور المستقبل هو ما يشير إليه العلماء عادة عندما محاولتهم تعداد الصفات الخاصة للإنسان.

لكن هل هذا الإحساس بالصواب والخطأ صفة جوهرية للإنسان، أم أنها نتيجة للعادات الثقافية؟ البعض يجادل بأن الثقافات تختلف اختلافاً كبيراً في معايير السلوك مما يجعل الاستنتاج بوجود قانون أخلاقي مشترك لا أساس له. لويس، وهو تلميذ لعدة ثقافات يسمي ذلك “كذبة، كذبة ذات نغمة جميلة. إذا ذهب شخص للمكتبة وقضى عدة أيام يقرأ موسوعة الأديان والأخلاق فإنه سوف يكتشف إجماعاً شاملاً للعقل العملي للإنسان. في ترانيم البابليين إلى جزيرة ساموس، وقوانین  مانو Manu، وكتاب الأموات، والمختارات، والرواقيون، والأفلاطونيون، وسكان أستراليا الأصليين، والهنود الحمر، سيجد الشخص توافق كبير جداً على إدانة الظلم والقتل والخيانة والكذب، وفي المقابل الحرص على الشفقة على كبار السن والأطفال والضعفاء والتصدق على الفقراء والنزاهة والأمانة. في بعض الثقافات غير المألوفة نجد القانون يأخذ شكلاً غريباً، مثل إحراق الساحرة في القرن السابع عشر في أمريكا. ولكن عند التدقيق في مثل هذه الانحرافات الصارخة نجد أنها ناتجة عن استنتاجات مضللة عن مفهوم الخير والشر. إذا كنت متأكداً بشكل قاطع أن الساحرة هي تجسيد للشر على الأرض، وأنها مرسلة من قبل الشيطان ذاته، ألا يصبح مبرراً أن تقوم بمثل هذا العمل القاسي.

دعوني أتوقف هنا لأشير إلى أن الاستنتاج الذي يقول إن القانون الأخلاقي يتعارض بشكل صارخ مع الفلسفة الحديثة التي تدعي أنه لا يوجد خير أو شر مطلق، وأن كل القرارات الأخلاقية نسبية. هذه القناعة التي تبدو منتشرة بين الفلاسفة المعاصرين والتي تعتبر خادعة لعامة الناس تواجه سلسلة من الإشكاليات المنطقية. إذا لم تكن هناك حقيقة مطلقة، فهل يمكن أن تكون فلسفة ما بعد الحداثة -modernism Post صحيحة؟ في الحقيقة، إذا كان لا يوجد شيء مطلق صحيح أو خاطئ فإنه لا معنى لعلم الأخلاق من البداية.

سوف البعض يعترض قائلاً إن القانون الأخلاقي هو ببساطة نتاج للضغط التطوري Revolutionary Pressure. هذا الاعتراض منبثق من حقل الأحياء الاجتماعية Sociobiology محاولا إيجاد تفسيرات للسلوك غير الأناني، وهو ينطلق من موقف مؤيد لفكرة الانتخاب الدارونية. إذا كان يمكن لهذه الحجة أن تصمد فإن تفسير عدد من اشتراطات القانون الأخلاقي على أنها إشارة إلى الإله فإن ذلك سوف يفتح الباب على إشكاليات، وعليه لابد من التدقيق بشكل أكبر في وجهة النظر هذه.

لنأخذ مثال رئيسي للدافع القوي الذي نشعر به نتيجة للقانون الأخلاقي -دافع الإيثار وصوت الضمير الذي يدعونا لمساعدة الآخرين حتى لو لم نكن نتوقع منفعة في المقابل. لا يمكن إرجاع كل اشتراطات القانون الأخلاقي إلى الإيثار. فعلى سبيل المثال فإن تأنيب الضمير الناتج عن الإخلال البسيط في إقرار الضريبة يصعب إرجاعه إلى إحساس بإلحاق الأذى بشخص غير معلوم.

في البداية لابد أن نكون واضحين حول الموضوع الذي نتكلم عنه. أنا لا أقصد بالإيثار “أن تحك ظهري الآن مقابل أن أحك ظهرك في المستقبل”، فهذا نوع من السلوك الذي يتم فيه إسداء المعروف للآخرين مقابل توقع فائدة منه. الإيثار أكثر إمتاعا من ذلك، هو أن تعطى للآخرين من دون أي دافع أخر. عندما نصادف مثل هذا السلوك فإننا نشعر إزاءه بالتوقير والتبجيل. لقد عرض أوسكار شنلدر Oskar Scandler حياته لخطر شديد نتيجة لإيوائه أكثر من ألف يهودي أثناء بحث النازيين عنهم خلال الحرب العالمية الثانية وفي النهاية مات وهو مفلس -ونحن نشعر باحترام بالغ لما قام به. الأم تريزا تعد باستمرار واحدة من أكثر الأشخاص احتراماً في العصر الحديث ومع ذلك فإن فقرها الاختياري وعطائها للمرضى والمشرفين على الموت من مواطني كلكتا يتعارض بشكل صارخ مع نمط الحياة المادي الطاغي في الثقافة السائدة.

في بعض الحالات، يمكن أن يصل هذا الإيثار إلى أن يكون فيها المستفيد هو العدو. الراهبة البندکتية Joan Chittister تقص لنا القصة التالية.

 

” كان هناك امرأة كبيرة في السن تعمل كصائد للزبائن ضمن شبكة عصابات. وفي صباح أحد الأيام وعندما كانت تسعى لاصطياد زبون شاهدت عقرب يطفو بلا حول ولا قوة في تيار ماء قوي، وفي أثناء دفع تيار الماء للعقرب علق في الحشائش التي نمت على جانب النهر ولم يستطع التخلص منها. حاول العقرب التخلص جاهداً ولكنه علق بصورة أكبر. وسريعاً اقترب الأخت جوان من العقرب لتخليصه من ورطته، ولكنه بمجرد أن لمسته لسعها. سحبت السيدة المسنة يدها بسرعة ولكن بعد أن استعادت توازنها حاولت أن تنقذ العقرب مرة أخرى، وفي كل مرة كانت تفعل ذلك كان العقرب يلسعها بذيله إلى درجة أن يدها تلطخت بالدم وتغيرت ملامح وجهها من شدة الألم. وعندما شاهد عابر سبيل ما يحدث للمرأة المسنة مع العقرب صرخ بها “ماذا دهاك أيتها الغبية! هل تريدي أن تقتلي نفسك من أجل هذا الكائن المؤذي؟” التفتت جوان إلى الشخص الغريب وأجابت “لأن من طبع العقرب أن يلسع فلماذا أتخلى عن طبعي في محاولة إنقاذه؟”.

قد يبدو هذا المثال متطرف، لا يوجد هناك الكثيرون المستعدون التعريض حياتهم للخطر من أجل عقرب. ولكن من المؤكد أن كثيرين شعروا في وقت ما بشعور داخلي يدفعهم لمساعدة أناس غرباء في حاجة للمساعدة مع عدم وجود منفعة شخصية تعود عليهم من ذلك. وإذا قمنا بمثل ذلك فإننا في الغالب نشعر بإحساس عاطفي “بأننا قمنا بالعمل المطلوب”.

في كتابه المميز أنواع الحب الأربعة The Four Loves يتابع لويس البحث في طبيعة حب البذل والتي يسميها “agape” وهو تعبير مأخوذ من اليونانيين. يقول لويس أن هذا الحب يمكن تمييزه عن أنواع الحب الثلاثة الأخرى (التعلق، الصداقة، الحب الرومانسي) والتي من السهولة فهم ارتباطها بنوع من المنفعة المتبادلة، والتي يمكن أن نجدها في بقية الحيوانات إلى جانب الإنسان.

يشكل العطاء الإيثاري agape تحديا كبيرا للتطوريين. من العار الصريح إرجاع العطاء الإيثاري إلى أساس عقلي. لا يمكن تصديق إمكانية إرجاعه إلى جين الأنانية الذي يجعل الناس يحبون أنفسهم. على العكس من ذلك تماما: فالإيثار ربما يقود الناس إلى القيام بتضحيات يمكن أن تتسبب لهم في أصابات أو حتى تودي بهم إلى الموت دون أي دليل على إمكانية الاستفادة من هذا السلوك. حينما ندقق في الصوت الداخلي الآتي من أنفسنا والذي في بعض الأحيان نسميه الضمير فإننا نجد أن الدافع للقيام بذلك هو نوع من الحب الموجود في كل واحد منا، على الرغم من أننا كثيرا ما نحاول تجاهله. لقد حاول علماء الاجتماع من أمثال ولسون E. 0. Wilson تفسير سلوك الإيثار على أنه نوع من المنفعة المتبادلة لمن يمارس هذا الفعل، ولكن سرعان ما تواجه هذه الحجة صعوبات. إحدى صيغ هذه الحجة أن سلوك الإيثار المتكرر للفرد يفسر على أنه نوع من الاستجابة الإيجابية للشريك المضاد. ولكن هذه الفرضية تتعارض بشكل صريح مع مشاهدات للقرود على نحو مخالف تماماً، مثل قيام القردة المتحكمة حديثاً بوأد صغار القردة لتمهيد الطريق لنسلها المستقبلي للسيطرة.

الحجة الأخرى تقول إن هناك منفعة متبادلة غير مباشرة للأنانية حيث أنها توفر أفضلية لمن يقوم بها مع مرور الوقت، ولكن ذلك لا يفسر ممارسة أفعال بدافع من الضمير حيث لا أحد يعلم عنها. ويمكن أن نأخذ مثال من مستعمرات النمل، حيث يجهد النمل العقيم لتوفير البيئة التي تمكن أمهاتها من إنجاب نمل أكثر. ولكن هذا النوع من الإيثار “النملي” يمكن تفسيره بسهولة بتعابير تطورية على أن الجينات التي تحرك النمل العقيم لتوفير البيئة المناسبة هي ذاتها الجينات التي سوف تنقلها أمهات النمل إلى بقية نسلها. الارتباط الوراثي غير المألوف لا ينطبق على تجمعات أكثر تعقيداً، حيث يتفق التطوريون على أن الانتخاب يتم على مستوى فردي وليس على مستوى جماعي. ولذلك فإن سلوك النمل يختلف بشكل جوهري عن الصوت الداخلي الذي يدفعني إلى الشعور بالمسؤولية للقفز في النهر لمحاولة إنقاذ شخص غريب مشرف على الغرق حتى لو كنت لا أحسن السباحة مما يجعل احتمال موتي محتملا في سعيي لإنقاذه. وزيادة على ذلك ولكي تصح فرضية المنفعة المتبادلة بين أفراد المجموعة الواحدة فإن ذلك يتطلب أن يكون لدي سلوك عدائي تجاه الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعات خارج مجموعتي. مواقف مثل أوسكار شندلر والأم تريزا تكذب هذا النوع من التفكير. المدهش أن القانون الأخلاقي يدعوني لإنقاذ الغريق حتى لو كان عدوي.

إذا كان القانون الأخلاقي لا يمكن تفسيره إلا كونه خاصية ثقافية أو منتج ثانوي للتطور فكيف إذن يمكن الاعتماد عليه؟ من الواضح أن هناك شيء غير اعتيادي بهذا الخصوص. وهنا أقتبس من لويس قوله “إذا كانت هناك قوة تتحكم بالكون من الخارج، فإن هذه القوة لا يمكن أن تظهر ذاتها كأحد حقائق هذا الكون، كما أنه لا يمكن لمصمم البيت أن يظهر نفسه على شكل حائط أو غرفة الدرج أو المدخنة الموجودة في ذلك البيت. الطريقة التي يمكن أن نتوقع أن هذه القوة تظهر نفسها هو داخل أنفسنا على شكل تأثير أو أمر يدفعنا للسلوك على نحو معين. وهذا ما نشاهده في ذواتنا. وبالتأكيد يجب أن يثير ذلك شكوكنا”.

عندما صادفت هذه الحجة وأنا في عمر السادسة والعشرين أصبت بالدهشة من المنطق الذي تستند إليه. لقد كانت هذه الدهشة مختفية داخلي كما هو الحال مع أمور حياتية أخرى، ولكن بدأت هذه الحجة تتجلى أمامي لأول مرة باعتبارها مبدأ مفسر، هذا القانون الأخلاقي أظهر لمعانه الأبيض في فجوات طفولتي الإلحادية، وهو يحتاج إلى تفكير جاد في أساسه. هل كان ذلك هو الإله وهو ينظر إلي؟

وإذا كان ذلك صحيحا، ما نوع هذا الإله؟ هل هو الإله الربوبي، هل هو الذي خلق الفيزياء والرياضيات وبدأ تحريك الكون قبل 14 مليون سنة، ثم قرر أن يتعامل مع الكائنات الأخرى باعتبارها كائنات أكثر أهمية كما كان يقول آينشتاين؟ لا، هذا الإله إذا كنت قد أدركته حقا يجب أن يكون إله الإيمان، والذي يرغب بنوع من العلاقة مع هذه الكائنات المتميزة التي تسمى بشر، والتي تبعا لذلك غرس فيها لمحة في كل واحد منا. قد يكون هو إله إبراهيم، ولكنه بالتأكيد ليس إله آينشتاين.

هناك تبعات أخرى للشعور بوجود إله إذا كان بالفعل موجوداً. الحكم وفقا للمعايير العالية للقانون الأخلاقي والتي أعترف أنني كنت أنتهكها-تقتضي وجود إله مقدس وخير. لابد لهذا الإله أن يجسد هذا الخير. لابد لهذا الإله أن يمقت الشر. وليس هناك مدعاة للشك بأنه عطوف ومتسامح. بداية اتضاح تصوري عن إمكانية وجود الإله خلق لدي مشاعر متناقضة: من جهة شعور بالعمق والشمولية بوجود مثل هذا العقل، ومن جهة أخرى شعور بضياع عميق من خلال إدراك نقصي مقارنة به.

لقد بدأت رحلتي الفكرية في البحث لتأكيد إلحادي. هذا الهدف تلاشى کون حجة القانون الأخلاقي (وأمور أخرى كثيرة أجبرتني على الاعتراف بعقلانية فرضية وجود الله. اللا أدرية والتي كانت تبدو كملجأ آمن بدت وكأنها هي الملامة. لقد بدا وكأن الإيمان بالإله أكثر عقلانية من عدمه.

لقد أصبح واضحا بالنسبة لي بأن العلم ورغم قوته التي ليست محلاً للشك -في الكشف عن غموض العالم الطبيعي لن يوصلني إلى حل سؤال الإله. إذا كان الإله موجودا فلابد أنه موجود خارج العالم الطبيعي، وبالتالي فإن أدوات العلم لن تفيد في التعرف عليه. وبدلا من ذلك، وبالعودة إلى قلبي بدأت أقتنع بأن البرهان على وجود الإله يجب أن يأتي من طريق أخر، وأن القرار النهائي يجب أن يستند إلى الإيمان. التدقيق المزعج في الطرق المحتملة التي عليّ أن أسلكها، على أن أعترف بأنني وصلت إلى عتبة إمكانية القبول بالوجود الروحي بما في ذلك وجود الإله.

بدا لي أنه من المستحيل التقدم إلى الأمام أو التراجع إلى الخلف. بعد سنوات من ذلك، قرأت قصيدة لشيدلون فانوكن Sheldon Vanauken تصف بشكل دقيق حيرتي. نهاية القصيدة تقول:

ما بين ما هو محتمل وما هو مؤكد هناك فجوات

أنا خائف من القفز والوقوف أمر سخيف

رأيت ما خلفي يغرق، والأسوأ أن ما تحتي يتفكك

الفجر هو أملنا الوحيد للانتقال نحو الوعد

الذي يفتح الكون المغلق

 

الوقت طويل وقفت أتأرجح على حافة هذه الفجوات. وفي النهاية لم أجد بداً من القفز. كيف لعالم أن يعتنق هذه المعتقدات؟ ألا يدعي الكثيرون بأن الدين لا يتوافق مع العلم بالقول “أرني البيانات” وهو موقف شخص كرس وقته لدراسة الكيمياء والفيزياء والأحياء والطب؟ بفتح لعقلي أمام الاحتمالات الروحية، ألا أكون بدأت حرباً تستنزفني بحيث أواجه خيارين: إما الانتصار الكامل أو العكس.

إلى الفصل السابق: طبيعة العقل البشري

إلى الفصل التالي: حرب وجهات النظر

[1] زعيمة سياسية أمريكية كان لها تأثير نشط، كما أنها السيدة الأولى في الفترة من 1933 إلى 1945. عملت لتعزيز سياسات جديدة للتعامل مع الزنوج، زوجة الرئيس فرانكلين روزفلت، وكذلك أخذت دورا بارزا كداعية للحقوق المدنية.

[2] تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم. ظهرت كحركة أدبية وفلسفية في القرن العشرين.

[3] توماس هنري هاکسلي (4 مايو 1825-29 يونيو 1895) عالم أحياء بريطاني. هو ابن المعلم ریاضیات. وهو جد جوليان هكسلي (1887 -1975) الأخصائي في علم الحيوان والفيلسوف والمربي والكاتب، ولجولیان دور كبير في تأسيس اليونسكو. وهو أيضا جد الروائي والشاعر الإنجليزي ألدوس هكسلي.

[4] ميكانيكا الكم هي مجموعة من النظريات الفيزيائية التي ظهرت في القرن العشرين، وذلك لتفسير الظواهر على مستوى الذرة والجسيمات دون الذرية وقد دمجت بين الخاصية الجسيمية والخاصية الموجية ليظهر مصطلح ازدواجية الموجة -الجسيم، وبهذا تصبح ميكانيكا الكم مسؤولة عن التفسير الفيزيائي على المستوى الذري كما أنها أيضا تطبق على الميكانيكا الكلاسيكية ولكن لا تظهر تأثيرها على هذا المستوى، لذلك ميكانيكا الكم هي تعميم للفيزياء الكلاسيكية لإمكانية تطبيقها على المستويين الذري والعادي.

[5] البرت أينشتاين (بالألمانية: Albert Einstein) (14 مارس 1879 – 18 أبريل 1955) عالم فيزياء ألماني المولد، سويسري وأمريكي الجنسية، من أبوين يهوديين ،[1] وهو يشتهر بأبو النسبية كونه واضع النظرية النسبية الخاصة والنظرية النسبية العامة الشهيرتين اللتان كانت اللبنة الأولى للفيزياء النظرية الحديثة، ولقد حاز في عام 1921 على جائزة نوبل في الفيزياء عن ورقة بحثية عن التأثير الكهروضوئي ضمن ثلاثمائة ورقة علمية أخرى له في تكافؤ المادة والطاقة وميكانيكا الكم وغيرها، وأدت استنتاجاته المبرهنة إلى تفسير العديد من الظواهر العلمية التي فشلت الفيزياء الكلاسيكية في إثباتها.

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

إقرأ الجزء الأول: تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

قوة صورة

كان تمبلتون منهمكاً فيما كان يقوله آنذاك. ففي بعض الأحيان كنت أرى دلائل إصابته بالزهايمر، مثلما كان عاجزاً أن يستدعي التتابع الدقيق للأحداث، أو عندما كان يُكرر كلامه. لكنه تكلم غالبية حديثه بفصاحة وحماس، مستخدماً مفردات مؤثرة. كان صوته القوي الثري يرتفع وينخفض من أجل التأكيد. كانت له نغمة أرستقراطية بدت أنها نغمة مسرحية في بعض الأحيان.

في البداية سألته: “هل كان هناك شيء معين دفعك لفقد إيمانك بالله؟”

ففكر لمدة قصيرة وقال أخيراً: “صورة في مجلة لايف Life.”

فقلت: “حقاً؟ صورة؟ كيف كان ذلك؟”

فضيق عيناه قليلاً ثم اتجه ببصره نحو الجانب، كما لو كان يستطلع الصورة من جديد، ويستعيد إحياء تلك اللحظة، وقال شارحاً: “لقد كان صورة امرأة سوداء في إفريقيا الشمالية. كانوا يعانون من مجاعة مدمرة. وكانت تحمل طفلها الميت بين ذراعيها، وتنظر للأعلى إلى السماء في أيأس تعبير.”

نظرت للصورة وفكرت قائلاً: “هل من الممكن أن أؤمن أن هناك خالقاً محباً مهتماً بينما كل ما تحتاجه هذه المرأة هو المطر؟”

وبينما أكد على كلمة “المطر” لمع حاجباه الرماديان، ورفع ذراعيه نحو السماء كما لو كان يلتمس استجابة. فالتمس قائلاً فيما أصبح أكثر نشاطاً، وكان قد ترك نحو حافة مقعده: “كيف يمكن لإله محب أن يفعل هذا لتلك المرأة؟ من يجري المطر؟ لا أنا، ولا أنت. بل هو – أو هذا ما كنت أعتقده. لكنني حينما رأيت هذه الصورة، عرفت على الفور أنه من غير الممكن أن يحدث هذا طالما أن هناك إلهاً محباً. لم تكن هناك طريقة. مَن سوى عدو يمكنه أن يفني طفلاً ويقتل أمه بالعذاب – بينما كل المطلوب هو المطر؟”

توقف تمبلتون تاركاً السؤال يتردد في الهواء طويلاً، ثم استوى في جلسته من جديد، وقال: “كانت هذه هي اللحظة الحاسمة. وحينها بدأت أفكر بعمق في قضية أن العالم هو خليقة الله. بدأت أفكر في الأوبئة التي تحصد أجزاءً من كوكب الأرض، وتقتل كل أنواع البشر – العاديين،

والنبلاء، والأدنياء. وقد بدا لي من الواضح جداً أنه من غير الممكن لإنسان ذكي أن يؤمن ان هناك إلهاً يحب.”

لقد تطرق تمبلتون لموضوع ظل يؤرقني شخصياً عدة سنوات. ففي عملي محرراً صحفياً، لم أر صوراً للمعاناة الشديدة فحسب، بل كنت أيضاً أعاين بأم عيني أدنى مستويات المعيشة حيث المأساة والمعاناة: المناطق العشوائية في الولايات المتحدة، وضواحي الهند المهمشة، وسجن كوك كاونتي، والسجون الرئيسية، وعنابر مصحات الحالات الميؤوس منها، وكل أنواع المشاهد المفجعة. ولأكثر من مرة تردد ذهني في محاولة قبول فكرة وجود إله محب مع وجود الفساد وانفطار القلب والعذاب أمام عيني.

لكن تمبلتون لم يختم حديثه. وقال: ذهب ذهني آنذاك إلى المفهوم الأشمل للجحيم. “ي إلهي – وقد امتلأ صوته بالدهشة – لا أحتمل ان تمد يد إنسان للنار لدقيقة واحدة، ولا حتى للحظة! فكيف يمكن لإله محب، بمجرد أنك لا تطيعه ولا تفعل ما يريده، أن يعذبك إلى الأبد – دون أن يسمح لك أن تموت، بل أن تستمر في هذا الألم إلى الأبد؟ فحتى المجرم لا يفعل هذا!”

فسألته: “إذاً، هذه هي الشكوك الأولى التي واجهتك؟”

فأجابني: “قبل هذا، كانت لدي الكثير والكثير من الأسئلة. لقد وعظت للمئات وللآلاف من الناس بالرسالة المعكوسة، ثم اكتشفت بعدها لدهشتي أنني لم أعد أؤمن بها. فلكي أؤمن بها فهذا معناه أن أنكر العقل الذي وهب لي. لقد أصبح من الواضح تماماً أنني كنت على خطأ، لذلك قررت أن أترك الخدمة. وهكذا صرت لا أدرياً.

فقلت: “عرف ماذا تقصد بذلك، فهناك كثيرون قدموا تفسيرات مختلفة لهذا المصطلح.”

فأجابني: “الملحد يقول لا إله. المسيحي واليهودي يقولان إن هناك إلهاً. أما اللا أدري فيقول: “لا يمكنني أن أعرف.” إنه لا يقول: “لا أعرف”، بل يقول: “لا أستطيع أن أعرف.” لم يسبق لي أبداً أن قلت بوضوح إنه لا يوجد إله. أنا لا أعرف كل شيء؛ فأنا لست تجسيد الحكمة. لكم من غير الممكن بالنسبة لي أن أؤمن بالله.”

ترددت في طرح السؤال التالي، فبدأت بلهجة ملطفة قائلاً: “فيما يتقدم بك العمر. وتواجه مرضاً قاتلاً دائماً، فهل أنت….” فاعترضني قائلاً: “أقلق بكوني قد أكون مخطئاً؟”

“لا، لا أقلق.” قالها وهو مبتسماً.

“ولم لا؟”

“لأنني قضيت العمر كله أفكر في ذلك. ولو كانت هذه خاتمة بسيطة لاختلف الأمر. لكن من المستحيل بالنسبة لي – من المستحيل – أن أؤمن أن أي شيء أو شخص أو كيان يمكن أن يوصف كونه إلهاً محباً يسمح بما يحدث في عالمنا كل يوم.”

فسألته: “هل تود أن تؤمن؟”

فتعجب قائلاً: “بالطبع! لو استطعت لآمنت. أنا في الثالثة والثمانين من عمري ومصاب بالزهايمر. بالله عليك إني أحتضر! لكني قضيت حياتي أفكر في ذلك، ولن أغير موقفي الآن. افتراضياً، لو جاءني واحد قائلاً لي: “أنظر، أيها العجوز، إن سبب مرضك هو عقاب الله لرفضك أن تستمر في الطريق الذي سرت فيه – فهل سيُمثل هذا أي اختلاف بالنسبة لي؟” ورد على نفسه بوضوح مصرحاً: “لا. لا. لا. يمكن أن يكون في عالمنا إله محب.”

وأغمضت عيناه مع عينيَّ. “لا يمكن.”

خداع الإيمان

مرر تمبلتون أصابعه من خلال شعره. كان يتحدث بنغمات حادة، ويمكنني أن أقول إنه كان قد بدأ في الإرهاق. أردت أن أكون حساساً تجاه ظروفه، لكن كانت لديّ أسئلة قليلة أردت طرحها، فواصلت الحوار بعد استئذانه.

“بينما نتكلم الآن، يكون بيللي جراهام في منتصف سلسلة اجتماعات في أنديانا. ماذا تقول للناس الذين خطوا خطوات نحو الإيمان المسيحي؟”

فاتسعت عينا تمبلتون، وأجابني قائلاً: أنا لا أتدخل في حياتهم على الإطلاق. فلو كان إنسان لديه الإيمان، وكان هذا الإيمان يجعله إنساناً أفضل، فأنا أؤيد ذلك تماماً – رغم إني أعتقد أنهم حمقى. بما إنني كنت مسيحياً، أعرف مدى أهمية ذلك لحياة الناس، وكيف أن ذلك يبدل قراراتهم، ويساعدهم على التعامل مع المشكلات الصعبة. بالنسبة لمعظم الناس، الإيمان بركة لا توصف. ولكن هل ذلك لأن هناك إله؟ لا، ليس كذلك.”

لم يحمل صوت تمبلتون أي وهن، ومع ذلك كانت إيحاءات كلماته متعالية تماماً. هل هذا هو الإيمان كله – أن تخدع نفسك كي تصير إنساناً أفضل؟ أن تقنع نفسك أن هناك إلهاً حتى يكون لديك ما يدفعك للتنازل عن أخلاقياتك خطوة أو خطوتين؟ تصديق قصة خيالية قبل النوم بهدوء في المساء؟ لا، عفواً، هكذا قلت لنفسي. إن كان هذا هو الإيمان، فأنا لا أهتم به.

فتساءلت: “ماذا عن بيللي جراهام نفسه؟ لقد قلت في كتابك إنك تشعر بالأسف من أجله”.

فأصر قائلاً: “آوه، لا، لا – على خلاف كتاباته – فمن أنا حتى أشعر بالأسف حول ما يؤمن به إنسان آخر؟ يمكنني أن أعتذر عن ذلك نيابة عنه – لو جاز لي ذلك – لأنه أغلق عقله على الحقيقة. ولكن هي أتمنى أن يكون مريضاً؟ لا على الإطلاق!”

تطلع تمبلتون كثيراً لمادة قهوة زجاجية قريبة كانت فوقها السيرة الذاتية لبيللي جراهام.

فأوضح بإعجاب: “إن بيللي جراهام كالذهب الخالص؛ فلا غش فيه أو رياء. إنه إنسان من الطراز الأول، وهو مسيحي راسخ الإيمان، وإنسان صالح بحق كما يقولون. فهو يؤمن بإخلاص دون شك. وهو أخلاقي ومخلص كما يمكن لأي شخص أن يكون.”

“وماذا عن يسوع؟” أردت أن أعرف رأي تمبلتون عن أساس المسيحية. فسألته: “هل تؤمن أن يسوع قد عاش؟”

فأتاني الرد السريع: “بلا شك.”

“هل تعتقد بأنه الله؟”

فهز رأسه قائلاً: “لقد كانت هذه هي آخر فكرة يمكن أن تطرأ على ذهنه.”

“وتعليمه، هل أعجبت بما علمه؟”

“حسناً، لم يكن واعظاً جيداً جداً، فما قاله كان ساذجاً جداً، ولم يفكر فيه ولم يرهق نفسه بإثارة أخطر سؤال مطروح.”

“وهو…؟”

“هل هناك إله؟ وكيف يمكن لأي إنسان أن يؤمن بإله يفعل، أو يسمح، بما يدور في العالم؟”

“كيف تُقّيم إذاً يسوع هذا؟” بدا أن هذا السؤال المنطقي التالي، لكني لم أكن مستعداً للإجابة التي تلقيتها.

جاذبية يسوع

هدأت حركات تمبلتون. وبدأ الأمر كما لو كان قد شعر فجأة بالاسترخاء والراحة بالحديث عن صديق عزيز قديم. وقد أخذ صوته – الذي كان حاداً مصمماً – نغمة هادئة متأملة. وقد هدأ احتراسه، وتكلم في تواتر بطيء، يختار كلماته بحرص فيما يتحدث عن يسوع.

بدأ تمبلتون كلامه: “كان يسوع أعظم إنسان عاش على الإطلاق. كان عبقرية أخلاقية. وكان حسه الأخلاقي فريداً. وفي الواقع كان أحكم إنسان قابلته في حياتي أو في قراءاتي. كان تكريسه كلياً، وهو ما أدى إلى موته – في الغالب لضرر العالم. ماذا يمكن للمرء أن يقول عنه إلا إن ذلك كان نوعاً من العظمة؟”

فاندهشت قائلاً: “تبدو وكأنك مهتم به حقاً.”

فأجابني: “حسناً، نعم، فهو أهم شيء في حياتي.” وتمتم باحثاً عن الكلمة المناسبة قائلاً: “أنا… أنا… أنا… أعرف أن هذا قد يبدو غريباً، ولكن عليّ أن أقول…. أنا معجب به!”

لم أدر كيف أجيبه، فقلت: “تقول هذا بنوع من الحميمية.”

فقال: “حسناً، نعم. فكل شيء حسن أعرفه، وكل شيء جليل أعرفه، ولك شيء نقي أعرفه، قد تعلمته من يسوع. نعم …. نعم! وبقوة! أنظر فقط إلى يسوع. لقد وبخ الشعب، وكان غاضباً. الناس لا تفكر فيه هكذا، فهم لا يقرأون الكتاب المقدس. لقد كن لديه غضب مقدس. اهتم بالمسحوقين وبالمظلومين. ولا جدال أنه كان لديه المستوى الأخلاقي الأعظم، والازدواجية الأقل، والتعاطف الأعظم من أي إنسان في التاريخ. كانت هناك الكثير من الشخصيات الرائعة – لكن يسوع هو يسوع.”

“وهكذا سيفعل العالم حسناً كي يتمثلوا به؟”

“يا إلهي، نعم! لقد حاولت – وما زلت أحاول بكل جدية – أن أتصرف كما آمنت أنه ستصرف بالمثل. وهذا ليس معناه أنه يمكنني قراءة أفكاره، لأن أحد أروع الأمور عنه هو أنه كان غالباً ما يفعل عكس ما تتوقع.”

وفجأة قطع تمبلتون كلامه. كانت هناك وقفة قصيرة، فغالباً ما شعر أنه غير متأكد من الاستمرار.

قال ببطء: “آه… ولكن… لا، إنه الأكثر…. ” توقف تمبلتون، ثم بدأ من جديد مصرحاً: “من وجهة نظري، يسوع هو أهم إنسان وجد على الإطلاق.”

حينما نطق تمبلتون هذه الكلمات، لم أكن أتوقع أبداً أن أسمعها منه. فقد قال بينما كان صوته قد بدأ في الخفوت: “ولو جاز لي التعبير، فأنا …. أفتقده!”

وبهذه الكلمات غمرت الدموع عينيه، وحول رأسه ونظر للأسفل، رافعاً يده اليسرى كي تحجب وجهه عني. وكان كتفاه يتحركان فيما كان يبكي.

ماذا كان يجري؟ هل كانت هذه لمحة صريحة داخل نفسه؟ لقد شعرت نحو بالتعاطف، وأردت أن أعزيه. وفي نفس الوقت، فإن روح الصحفي التي بداخلي أرادت أن تكتشف جذور رد الفعل هذا. لماذا افتقده؟ وكيف أفتقده؟

فسألته بصوت رقيق: “كيف؟”

فجاهد تمبلتون كي يُعبر عن نفسه. وأؤكد أنه لم يكن ليفقد السيطرة على نفسه أما شخص غريب. تنهد بعمق ومسح دمعة من دموعه. وبعد لحظات حرجة قليلة، أشار بيده لي بالانصراف. وأخيراً أصر بهدوء، بل بصلابة، قائلاً: “كفي هذا.”

مد يده للأمام لالتقاط قهوته، وأخذ رشفة ماسكاً الكوب بقوة بين يديه كما لو كان يلتمس منه الدفء كان من الواضح أنه أراد ان يدعي أن هذا النظرة الصريحة داخل نفسه لم تحدث أبداً.

لكني لم أستطع أن أتجاهل ذلك، ولك أتجاهل اعراضاته المركزة القلبية حول الله.

في الواقع، كان هذه الاعتراضات تحتاج إجابة. له، ولي أنا أيضاً.

إلى طريق الإجابات

“1,6 مليار [مسيحي] من الممكن أن يكونوا على خطأ…. ودليلي ببساطة…. هو أن الناس العقلانيين يجب أن يهجروا هذه المعتقدات.”

مايكل مارتن، ملحد[1]

“اليوم يبدو لي أنه ليس هناك سبب مقنع يمكن أن يتبناه إنسان ذكي لقبول خداع الإلحاد أو اللا أدرية وارتكاب نفس الأخطاء العقلية التي ارتكبتها أنا. أتمنى…. لو عرفت آنذاك ما أعرفه الآن.”

باتريك جلين، ملحد صار مسيحياً[2]

بعد فترة وجيزة من اللقاء مع تشارلز تمبلتون، بدأت مع زوجتي ليزلي في العودة إلى شيكاغو، وقد أمضينا غالبية المسافة في مناقشة حيوية عن مواجهتي الغامضة مع المبشر السابق.

بصراحة كنت في حاجة لبعض الوقت لمعالجة هذا الاختبار. لقد كان لقاء غير عادي، إذ إنه يتضمن التحول الرهيب من الرفض المطلق لله إلى رغبة حميمية لإعادة التواصل مع يسوع الذي اعتاد على عبادته. أشارت ليزلي لإحدى نقاط مناقشتنا قائلة:

“يبدو أنك تحب تمبلتون حقاً”.

فقلت لها: “بالطبع أحبه”.

الحق أن قلبي قد انجذب إليه.

إنه يتعطش للإيمان، وقد تنازل كثيراً. وكإنسان يواجه الموت، فهو لديه كل الدوافع التي يريدها كي يؤمن بالله. هناك جاذبية لا يمكن إنكارها تجاه يسوع تنبع بوضوح من أعماقه، لكن في نفس الوقت هناك أيضاً تلك الحواجز العقلية الهائلة التي تقف بشدة في طريقه.

كما هو الحال مع تمبلون، كنت على الدوام إنساناً يتصارع مع الأسئلة. ففي دوري السابق، إذ عملت محرراً للشؤون القانونية في صحيفة شيكاغو تريبيون، كنت معروفاً بإثارة ما أسميته باعتراضات “نعم، ولكن Yes, but obkections”. نعم يمكنني أن أفهم أن الدليل في تجربة ما كان يشير لرأي معين، ولكن ماذا عن هذا التضارب، أو ذاك النقص، أو تلك الوصلة الضعيفة؟ نعم، يمكن أن يكون المدعي قد قدم دفاعاً مقنعاً عن جريمة موكله، لكن ماذا عن ادعائه بوجوده في مكان آخر أثناء الجريمة، أو عدم توافر البصمات؟

وقد كان نفس الشيء حقيقي بالنسبة لتحرياتي الشخصية عن يسوع. فقد انطلقت كملحد، مقتنعاً تماماً أن الله لم يخلق البشر، بل أن البشر هم الذين خلقوا الله بمجهود يائس لشرح المجهور ومعالجة خوفهم الشديد من الموت. لقد وصف كتابي السابق “القضية …. المسيح” اختباري الذي أخذ ما يقرب من عامين للدليل التاريخي الذي أشار لي بالحكم أن الله موجود حقاً، وأن يسوع هو ابنه الوحيد بالفعل. (لمخلص هذه الاكتشافات أرجو أن تنظر إلى الملحق بهذا الكتاب).

ولكن هذا لم يكن كافياً في حد ذاته لتسوية الأمر تماماً بالنسبة لي. فقد كانت تلك الاعتراضات المؤرقة لا تزال موجودة. نعم، يمكنني أن أفهم كيف أن الدليل التاريخي لقيامة يسوع يمكنه أن يدعم حكماً أنه إله، ولكن ماذا عن التتابع المتصاعد للمشكلات؟ لقد أطلقت على هذه الألغاز لقب “الثمانية العنيدة The Big Eight.”

  • بما أن هناك إلهاً محباً، فلماذا يئن هذا العالم المسحوق بالألم بالكثير من المعاناة والشر؟
  • بما أن معجزات الله تعارض العلم، فكيف يمكن لأي إنسان عقلاني أن يؤمن أنها حقيقية؟
  • لو كان الله قد خلق الكون حقاً، فلماذا يجبر الدليل المقنع للعلم الكثيرين جداً لاستنتاج أن عملية التطور غير الموجهة تفسر الحياة؟
  • بما أن الله طاهر أخلاقياً، فكيف يُصّدق على ذبح الأطفال الأبرياء كما يقول العهد القديم؟
  • لو كان يسوع هو الطريق الوحيد إلى السماء، فماذا إذاً عن ملايين الناس الذين لم يسمعوا عنه؟
  • لو كان الله يهتم بالناس الذين خلقهم، فكيف أمكنه أن يسلم كثيرين جداً منهم لعذاب أبدي في الجحيم لمجرد أنهم لم يؤمنوا بالأمور الصحيحة عنه؟
  • لو كان الله هو راعي الكنيسة الأعظم، فلماذا كانت حافلة بالرياء والقسوة عبر العصور؟
  • بما إنني مصاب بالشكوك، فهل من الممكن أن أظل مسيحياً؟

هذه بعض الأسئلة المثارة حول الله بشكل عام. في الواقع كان هذه بعض الموضوعات التي ناقشها تشارلز تمبلتون في لقائي معه وفي كتابه. وكما كانت مع تمبلتون، فقد وقفت هذه العقبات بصلابة بين وبين الإيمان أيضاً.

قهر الاعتراضات

بينما استطعت أن أروي الكثير من الاعتراضات التي أثارها تمبلتون، إلا إنني في نفس الوقت لم أكن ساذجاً لقبول كل منها على محمل الجدية. كان من الواضح أن بعض عقباته في طريق الإيمان يجب ألا تكون معوقات على الإطلاق.

فمثلاً كان تمبلتون مخطئاً بوضوح بخصوص يسوع وهو يعتبره مجرد إنسان. فحتى لو عدنا للمعلومات المبكرة والأكثر أصالة عنه – تلك البيانات التي لا يمكن أن تكون قد تبدلت بالتطور الأسطوري – فسوف نجد أن يسوع قد عبر عن نفسه دون شك بتعبيرات مسيانية، إلهية، سامية.[3]

في الواقع توجد هنا مفارقة، فالوثائق التاريخية نفسها التي اعتمد عليها تمبلتون للحصول على معلوماته عن حياة يسوع الأخلاقية المثيرة هي في الواقع نفس السجلات الدقيقة التي تؤكد ألوهيته على الدوام. ولذلك لو كان تمبلتون مستعداً لقبول دقتها بخصوص شخصية يسوع، فعليه أن يعتبرها جديرة بالثقة أيضاً حينما يؤكد أن يسوع نادى أنه إلهاً هم أيد هذا التأكيد بقيامته من الأموات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن قيامة يسوع لا يمكن اعتبارها أسطورة كما ادعى تمبلتون. فالرسول بولس حافظ على قانون إيمان الكنيسة الأولى الذي وضع على تقارير شهود العيان عن قيامة يسوع من الأموات، تلك التي أرجع كثير من الدارسين تاريخها إلى ما بعد موت يسوع بحوالي 24 -26 أسبوعاً.[4]

وهذا الأمر سريع جداً بالنسبة لعلم الأساطير حتى يكون قد زيف السجلات. الحق هو أن لا إنسان كان قادراً أن يبين مثالاً واحداً عبر التاريخ لأسطورة تنمو بهذه السرعة وتمحو صميم الحق التاريخي.[5]

بينما وثقت بانتظام في كتاب “القضية …. المسيح”، فإن برهان شهود العيان، والبرهان المؤيد، والبرهان النفسي، وبرهان “بصمة الأصابع”، أو البرهان النبوي، والبيانات التاريخية الأخرى تشير بقوة لاستنتاج أن يسوع هو ابن الله الوحيد حقاً.

نعم، ولكن…

ماذا عن تلك الموضوعات المريبة التي تمنع من قبول الإيمان الذي يرغبه باعترافه الشخصي كثيراً؟ لقد انتابتني. وقد كانت هي نفس الموضوعات التي أربكتني ذات مرة – وبينما كنت أقود السيارة مع ليزلي بين ولايتين تجاه البيت، بدأت بعضها تنتابني من جديد.

على نفس الطريق

هدأت أنا وليزلي لبعض الوقت. نظرت خارج النافذة إلى المروج المتموجة من الريف الكندي. وأخيراً قالت ليزلي: “يبدو أن لقاءك قد انتهى على نحو مفاجئ. ماذا قال تمبلتون قبل أن تغادره؟”

فقلت لها: “في الواقع كان دافئاً جداً. حتى أنه أخذني في جولة عبر شقته. وكان يبدو كما لو لم يرد أن أغادره، ولكل بغض النظر عن محاولاتي، لم أستطع أن أقنعه بالاستمرار في مناقشة مشاعره عن يسوع.”

فكرت للحظات قبل الاستمرار. لقد قال شيئاً آخر أدهشني. فبينما كنت مستعداً لمغادرته، نظر إليّ بمنتهى اللطف، وصافح يدي وقال بإخلاص عظيم: “لقد كنا على نفس الطريق”.

فأومأت ليزلي قائلة: “لقد كنتما كذلك. فكلاكما كاتب، وكلاكما كان متشككاً.” ثم أضافت مبتسمة: “وكلاكما عنيد لدرجة أنكما لا تقبلان الإيمان حتى تتأكدا من أنه ليس مليئاً بالثقوب.”

لقد كانت على حق. فقلت لا: “ولكن بدا أن عقله مغلقاً جداً. فلقد أصر أنه لا يمكن أن يكون هناك إله محب. ومع ذلك في نفس الوقت، بدا أن قلبه منفتح جداً. بطريقة ما أعتقد أنه يريد يسوع بنفس الأسلوب الذي يريده به الناس الذين كانوا في انديانابوليس. إنه فقط لا يمكنه أن يملكه. وعلى الأقل لا يعتقد ذلك. وليس باعتراضاته.”

قضيت الليلة مع ليزلي في أحد فنادق ميتشجان، وفي النهاية وصلنا قبيل ظهيرة اليوم التالي. سحبت حقيبتنا إلى السلم وألقيتها على الفراش، فقامت ليزلي بفتحها، وبدأت في إخراج الملابس منها.

وأشارت قائلة: “على الأقل وصلنا البيت في وقت قصير.”

فقلت: “حسناً، ليس تماماً.”

لم أستطع ان أنسى أسئلة تمبلتون، فقد تردد صداها بعمق شديد مع أسئلتي الخاصة. ولذلك قررت أن أبداً من جديد، وأتوسع في رحلتي الروحية في اتجاه مختلف عما سلكته حينما كتبت كتاب “القضية…. المسيح” الذي كان تحرياً عن الدليل التاريخي عن حياة، وموت، وقيامة يسوع المسيح.

أردت أن أقرر من جديد ما إذا كانت هناك استجابات مُرضية للنفس حينما تواجه المسيحية بأصعب وأقسى أسئلة الحياة التي تبعث شكوكاً مؤرقة في قلوبنا وعقولنا. هل يمكن للإيمان أن يواجه العقل حقاً؟ أم أن الفحص العقلي الصارم سيطارد الله؟

عزمت أن أتتبع أشهر وأمهر المدافعين عن المسيحية. ولم يكن هدفي هو أن أتخذ مدخلاً ساخراً أو منافساً كي أضايقهم بأسئلة محيرة، أو كي أرى ما إذا كنت سأدفعهم لوضعهم في موقف محرج. لم تكن هذه هي لعبتي.

لقد كنت مهتماً بأمانة بتحديد ما إذا كانت لديهم إجابات عقلية عن الأسئلة “الثمانية العنيدة The Big Eight”، أردت أن أمنحهم فرصة مواتية لوضيح فكرهم ودليلهم بالتفصيل حتى يمكنني في النهاية تقييم ما إذا كانت نظرياتهم تفي بالمعنى أم لا. على العموم، أردت أن أكتشف ما إذا كان الله يقول الحق حين قال “وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم.” (إر 29: 13).

رفعت سماعة الهاتف. آن أوان تخطيط طريق البحث عن الإجابات.

لم يكن تمبلتون يتوقع أقل من ذلك.

[1] Michael Martin, The Case Against Christianity (Philadelphia: Temple University Press, 1991), 3, 5.

[2] Patrick Glynn, God: The Evidence (Rocklin, Calif.: Forum, 1997), 20.

[3] See: Lee Strobel, The Case for Christ (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1998), 131 – 143; Ben Witherington 111, The Christology of Jesus (Minneapo-lis, Minn.: For tress Press, 1990); and William Lane Craig, Reasonable Faith (Wheaton, 111.: Crossway, 1994), 233-54.

[4] See: 1Corintians 15: 3-8.

[5] See: Lee Strobel, The Case for Christ, 35, 208-11, 229-33, 264-65.

تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

“الإيمان بالإله المسيحي لا بد أن يرفضه أي إنسان يوجه أدنى احترام للمنطق.”

جورج هـ. سميث، ملحد[1]

“الإيمان المسيحي ليس قفزة لا عقلانية. فعندما تُفحص ادعاءات الكتاب المقدس بموضوعية، يتضح أنها مسائل عقلية مدعمة جيداً بالمنطق والبرهان.”

تشارلز كولسون، مسيحي[2]

تماسك ويليام فرانكلين جراهام بالقبض على جانبي المنبر. كان في الثمانين من عمره، يتصارع مع مرض شلل الرعاش؛ لكنه تأمل ملياً في الحشود داخل قبة RCA في انديانابوليس، وتكلم بصوت قوي ثابت. لم تكن هناك أية إشارة تردد، لا شك، أو غموض. كانت عظته هي نفس الرسالة البسيطة الصريحة التي اعتاد أن يعظها لمدة 50 عاماً.

لقد أشار إلى الفوضى والعنف حول العالم، وركز على العذاب، والألم، والاضطراب في قلوب البشر. تكلم عن الخطية، والغفران، والفداء، وعن الوحدة، واليأس، والاكتئاب الذي يرهق الكثير من البشر.

قال بلهجة نورث كارولينا المألوفة لديه بينما اقترب من ختام حديثه: “نحن جميعاً نريد أن نكون محبوبين. فكلنا نريد مَن يحبنا. حسناً، أريد أن أخبركم أن الله يحبكم. إنه يحبكم جداً حتى بذل عنا ابنه كي يموت على الصليب من أجل خطايانا. وهو يحبكم جداً حتى إنه سيغير حياتكم، وسيعدل مسارها، وسيجعل كلاً منا إنساناً جديداً مهما كانت حالته.”

“هل أنت متأكد أنك تعرف المسيح؟ تأتي لحظة يوبخك فيها روح الله، ويدعوك، ويتحدث إليك عن فتح قلبك والتأكد من علاقتك مع الله. مئات الحاضرين منكم الليلة غير متأكدين. عليكم أن تتأكدوا. عليكم أن تغادروا هذا المكان الليلة وأنتم عارفين أنه إن متم في طريق عودتكم، تكونون مستعدين للقاء الله.”

وهكذا حثهم على المجيء. وقد فعلوا. في البداية كانت هناك قلة من الناس، ثم بدأت الجموع تتدفق: أفراد، أزواج، وعائلات بأكملها تتدفق إلى الفضاء الشاسع أمام المنصة. وسرعان ما صاروا كتفاً لكتف حتى التفوا حول المنصة، وكان عددهم حوالي 3000 إنسان. كان البعض يبكي وهم متأثرون بالتوبيخ الشديد، والبعض الآخر يحدق للأسفل، وهم لا يزالوا نادمين على ماضيهم، وكان كثيرون مبتسمين، متحررين، فرحين…. فقد عادوا أخيراً إلى الوطن.

كانت هناك سيدة متزوجة تعيش حياة مثالية. فقد قالت لأحد الاستشاريين: “أمي ماتت بمرض السرطان عندما كنت صغيرة، واعتقدت حينها أنني أعاقب من الله. والليلة أدركت أن الله يحبني. لقد كنت أعرف ذلك، لكني لم أستطع الفهم. الليلة لمس السلام قلبي.”[3]

ما هو الإيمان؟ لم تكن هناك حاجة لتعريف الإيمان لهؤلاء الناس في ليلة يونيو الحارة تلك. لقد كان الإيمان ملموساً بالنسبة لهم تقريباً. فلقد توصلوا إلى الله تقريباً كما لو كانوا يتوقعون أن يحتضنوه بالجسد. لقد انتشلهم الإيمان من الذنب الذي حاصرهم. الإيمان بدل اليأس بالرجاء. الإيمان ألهمهم بمسار جديد وبهدف جديد. الإيمان فتح السماء. الإيمان كان كماء بارد ينفذ إلى نفوسهم الظمآنة. لكن الإيمان ليس دائماً بهذه السهولة، حتى بالنسبة لمن يريده بكل كيانه. البعض يجوع من أجل اليقين الروحي، ومع ذلك يعوقهم شيء ما عن اختبار ذلك. يتمنون أن يكونوا قد ذاقوا ذاك النوع من الحرية، لكن العقبات تعترض طرقهم. الاعتراضات تضايقهم. الشكوك تسخر منهم. قلوبهم تريد أن تحلق إلى الله، لكن عقلياتهم تجعلهم مربوطين ومشدودين لأسفل.

يشاهدون التغطية التلفزيونية للجماهير التي جاءت للصلاة مع بيللي جراهام، فيهزون رؤوسهم، ويتنهدون قائلين آه لو كان الأمر بهذه البساطة. آه لو لم تكن هناك أسئلة كثيرة.

من المثير للسخرية أن الأسئلة الدائرة حول الله قد تحولت إلى اعتراض حاد للمسيحية من قبل تشارلز تمبلتون – رفيق بيللي جراهام على المنبر وصديقه المقرب. ومثل جراهام، تحدث تمبلتون بقوة للجماهير وصديقه المقرب. ومثل جراهام، تحدث تمبلتون بقوة للجماهير في احدى المرات في مساحة شاسعة. ودعا الناس لأن تكرس حياتها ليسوع المسيح، حتى إن البعض تنبأوا ان شعبية تمبلتون كواعظ ستفوق شعبية جراهام.

لكن هذا كان منذ وقت طويل. كان هذا قبل الأسئلة المحيرة.

واليوم فإن إيمان تمبلتون – الذي تحطم باستمرار بالشكوك المتواصلة العنيدة – قد انهار. وربما إلى الأبد.

…. ربما!

من الإيمـان إلى الشـك

كان العام 1949. لم يكن بيللي جراهام البالغ من العمر ثلاثين عاماً يدرك أنه على وشك أن ينطلق للشهرة والنفوذ حول العالم. والمثير للسخرية أنه بينما أعد نفسه لهذه الحملة القوية في لوس أنجلوس، إلا أنه وجد نفسه يتصارع مع الشك – حول وجود الله أو ألوهية يسوع – بل حول ما إذا كان بإمكانه الوثوق كلية فيما يقوله له الكتاب المقدس.

في سيرة حياته، قال بيللي جراهام إنه شعر كما لو كان مهملاً. وقد جذبته إلى الله هنرييتا ميرس المعلمة المسيحية الرقيقة اللامعة التي كان لها فهم شامل للثقافة الحديثة، وثقة وافية بيقين الأسفار المقدسة. وكان ينتزعه للجانب الآخر رفيقه المقرب وزميل كرازته تشارلز تمبلتون البالغ من العمر الثالثة والثلاثين عاماً.[4]

أصبح تمبلتون مسيحياً – على حد قوله – مبكراً بخمسة عشر عاماً عندما وجد نفسه قد سأم على نحو متزايد أسلوب حياته الذي اعتاده في فريق تورنتو جلوب. وبعد أن أفاق من ليلة ماجنة قضاها بالخارج في ناد للتعري، شاعراً بالدناءة الدنس، دخل غرفته وركع أمام فراشه في الظلام.

وفيما استدعى ذكرياته بعد ذلك قال: “وفجأة، بدا كما لو كانت بطانية سوداء قد انسدلت عليّ. شعور بالذنب غطى عقلي وجسدي بأكمله. كانت كلماتي الوحيدة هي: “يا رب، هلم إليّ. هلم إليّ…” ثم:

بدأ حمل يرتفع عني ببطء، حمل ثقيل ثقلي أنا. مر من خلال فخذي، وجذعي، وذراعي، وكتفي، وفارقني. وبدأ دف يفوق الوصف يغمر جسدي. بدا الأمر كما لو كان نور قد أنار في صدري، وإنه قد طهرني… تجرأت بصعوبة أن أتنفس، خشية أن أغير هذه اللحظة أو أختمها. وسمعت نفسي أهمس مراراً في رقة. “أشكرك يا رب، أشكرك، أشكرك.” وبعدها استلقيت بهدوء في الفراش في منتهى السعادة الغامرة المتألقة السامية.[5]

بعدما ترك الصحافة من أجل الخدمة، تقابل تمبلتون مع جراهام في العام 1945 في أحد اجتماعات “شباب للمسيح Youth for Christ”. كانا رفيقا غرفة واحدة، ورفيقان دائمان خلال رحلة أوربية مثيرة، حيث كانا يتبادلان مكانيهما على المنبر أثناء وعظهما في الاجتماعات. أسس تمبلتون كنيسة سرعان ما كان عدد المترددين عليها يفوق الـ 1200 مقعد اليت هي سعتها. قالت المجلة الأمريكية American Magazine إنه “وضع معياراً جديداً للكرازة الشاملة”.[6] وقد نمت صداقته مع جراهام حتى قال عنه جراهام ذات مرة لأحد كاتبي السير: “إن تمبلتون هو أحد الرجال القلائل الذين أحببتهم في حياتي.”[7]

لكن الشكوك سرعان ما بدأت تُزعج تمبلتون. فقد قال فيما بعد: “لقد جزت اختبار تحول بينما كنت شاباً غضاً. افتقدت المهارات العقلية والتدريب اللاهوتي الضروري لتدعيم معتقداتي حينما بدأت الأسئلة والشكوك تعذبني، وكان هذا الأمر لا يمكن تجنبه…. بدأ عقلي يتشكك، وأحياناً يهاجم، العقائد الأساسية للإيمان المسيحي”[8]

انتصـار للإيمـان

والآن كان تمبلتون المتشكك – على خلاف هنرييتا ميرس الأمينة – يجذب بيللي جراهام بعيداً عن تأكيداتها المتكررة بأن الأسفار المقدسة موثوق بها. وكان يتجادل قائلاً: “بيللي، أنت إنسان متأخر بمقدار 50 عاماً. فالناس لم يعودوا يقبلون بالكتاب المقدس كموحى به كما تقبله أنت. إن إيمانك ساذج جداً”.

كان يبدو أن تمبلتون يكسب السباق. فقد قال جراهام فيما بعد: “حتى ولو لم أكن متشككاً تماماً، فقد كنت بالتأكيد مضطرباً.” لقد عرف أنه إن لم يستطع أن يثق بالكتاب المقدس، لما تمكن من الاستمرار. كانت حملة لوس أنجلوس – الحدث الذي سيفتح الباب أما خدمة بيللي جراهام حول العالم – موضع تقييم.

بحث جراهام الأسفار المقدسة من أجل الإجابات، وقام بالصلاة والتأمل. وأخيراً في نزهة تمشية كئيبة في جبال سان بيرناردينو المتلألئة تحت ضوء القمر، وصل كل شيء إلى حد الذروة. ممسكاً بكتاب مقدس، خرّ جراهام على ركبتيه، واعترف أنه لم يستطع إجابة بعض الأسئلة الفلسفية والنفسية التي كان يثيرها تمبلتون وآخرون.

وكتب قائلاً: “كنت أحاول أن أكون صادقاً مع الله، لكن شيء ما بقي دون أن يوصف.” “في النهاية حررني الروح القدس كي أقول ذلك.” “أبي، سأقبل هذا ككلمتك أنت – بالإيمان! سأسمح للإيمان أن يتخطى أسئلتي وشكوكي العقلية، وسأؤمن أن هذه هي كلمتك الموحى بها.”

نهض من ركوعه، والدموع تملأ عينه، قال جراهام إنه شعر بقوة الله كما لو لم يشعر بها من عدة شهور. وقال: “لم تجاب كل أسئلتي، لكن جسراً رئيسياً تم عبوره. عرفت بكل تأكيد أن هناك معركة روحية في نفسي قد حوربت ورُبحت.”[9]

كانت هذه اللحظة محورية بالنسبة لجراهام، لكنها كانت بمثابة انقلاب أحداث مُخيب للآمال بالنسبة لتمبلتون. فقد صرّح تمبلتون قائلاً: “لقد ارتكب [جراهام] الانتحار العقلي حينما أغلق عقله.” وكانت العاطفة التي شعر بها بالأكثر تجاه صديقه هي الشفقة والآن بدأت حياتهما في الانعطاف في اتجاهين مختلفين.

التاريخ يعرف ما سيحدث لجراهام في السنوات اللاحقة، ذاك الذي سيصبح أكثر كارزي العصور الحديثة إقناعاً وتأثيراً، وأحد أكثر الرجال المحبوبين حول العالم. ولكن ماذا سيحدث لتمبلتون؟ لقد استقال تمبلتون – مقهوراً بشكوكه – من الخدمة، وعاد إلى كندا حيث أمصبح معلقاً وروائياً.

إن منطق تمبلتون طارد إيمانه. ولكن هل الإيمان العقل متنافران حقاً؟ هل من الممكن أن تكون مفكراً ومسيحياً مؤمناً بالكتاب المقدس في نفس الوقت؟ البعض لا يؤمنون بذلك.

يؤكد الملحد جورج هـ. سميث قائلاً: “العقل والإيمان ضدان، مصطلحان مانعان تبادلياً: فليس هناك توافق أو أرضية مشتركة فالإيمان هو الثقة بدون، أو بالرغم من، العقل.”[10]

أما المعلم المسيحي بينجهام هانتر W. Bingham Hunter فيتبنى الرؤية المضادة، حيث قال: “الإيمان استجابة عقلية لبرهان إعلان الله عن ذاته في الطبيعة، والكتاب المقدس، وابنه القائم.”[11]

بالنسبة لي، وبما إني عشت أغلب حياتي ملحداً، فإن الشيء الذي لا أريده بالمرة هو إيمان ساذج مبني على أساس هش من تطويع الأفكار للأماني أو التظاهر. فأنا أحتاج إيماناً متناغماً مع المنطق، لا متعارضاً معه. أريد معتقدات متأصلة في الواقعية، لا منفصلة عنها. أحتاج أن أكتشف مرة واحدة وإلى الأبد ما إذا كان الإيمان المسيحي يمكنه أن يواجه الفحص.

آن الأوان بالنسبة لي كي أتحدث مع تشارلز تمبلتون وجهاً لوجه.

من “خادم” إلى “لا أدري”

على بعد 500 ميل تقريباً من المكان الذي كان بيللي جراهام يُطلق منه حملته في أنديانابوليس، تعقبت تمبلتون إلى مبنى حديث في إحدى مقاطعات تورونتو متوسطة المستوى. وحيث أخذت المصعد إلى الدور الخامس والعشرين، توجهت إلى باب عليه هذه العلامة “Penthouse”، وضغطت على المقبض النحاسي.

كنت أحمل تحت ذراعي نسخة من آخر مؤلفات تمبلتون الذي لا يترك عنوانه أي مجال للشك بخصوص منظوره الروحي، فقد كان عنوان الكتاب: “وداعاً الله: أسباب رفضي للإيمان المسيحي “Farewell to God: My Reasons for Rejecting the Christian Faith.[12] هذا الكتاب الفظ يسعى لسلب المعتقدات المسيحية، وشن الهجوم عليها باعتبارها “عتيقة، خاطئة مع توافر الأدلة، غالباً ما تكون في اظهاراتها الخاصة ضارة بالأفراد وبالمجتمع.”

يعتمد تمبلتون على مجموعة من التوضيحات فيما يجاهد أن يقوض الإيمان بإله الكتاب المقدس. لكني صُدمت بشكل خاص بقطعة مؤثرة أشار فيها لمصاعب مرض الزهايمر، وهو يصف بالتفصيل الممل الطريق التي يسلب بها الزهايمر شخصية الإنسان بإفساد ذهنه وذاكرته. وتساءل قائلاً كيف يمكن لإله حنان ان يعذب مثل هذا المرض المرعب ضحاياه ومحبيهم؟

واستنتج أن الإجابة بسيطة: فالزهايمر لا يمكن أن يوجد إن كان هناك إله محب. ولأن الزهايمر موجود، فهذا دليل آخر مقنع أن الله غير موجود.[13]وبالنسبة لإنسان مثلي، حيث احتملت أسرة زوجتي عواقب الزهايمر المدمرة، كان ذلك بمثابة حجة قوية.

لم أكن متأكداً مما كنت أتوقعه بينما انتظرت على عتبة تمبلتون. هل سيكون مهاجماً كما كان في كتابه؟ هل سيكون حاداً تجاه بيللي جراهام؟ وهل حتى سيستكمل لقائنا؟ عندما كان تمبلتون قد وافق في مكالمة هاتفية قصيرة قبل يومين، قال بغموض إن صحته ليست على ما يرام.

فتحت مادلين تمبلتون – وهي منتعشة من ري الزهور في حديقتها أعلى السطح – الباب، وألقت عليّ التحية بدفء. وقالت: “أعرف أنك جئت من شيكاغو، لكني أخشى أن أقول لك إن تشارلز مريض جداً”

فعرضت عليها قائلاً: “يمكنني العودة في وقت آخر.”

فقالت: “حسناً، لنر كيف هي صحته الآن.” قادتني للأعلى عبر سلم مُغطى بسجاد أحمر إلى شقتهما الفاخرة، وكان بالقرب منها كلبان كبيران نشيطان. “لقد كان نائماً…””

في تلك اللحظة، خرج زوجها البالغ من العمر الثالثة والثمانين من غرفة النوم. كان يرتدي رداءً بنياً قاتماً خفيفاً فوق بيجامة بنفس اللون، وخُفاً أسمر في رجليه. كان شعره الرمادي الخفيف مبعثراً قليلاً. كان نحيفاً شاحباً. رغم أن عيناه ذات الزرقة الرمادية قد بدتا متحفزتان معبرتان. مد يده للمصافحة في أدب.

قال: “من فضلك أعذرني – وهو يسعل – لكنني لست على ما يرام.” ثم أضاف كنوع من التأكيد: “في الواقع أنا أحتضر.”

فسألته: “ما الأمر؟”

فصدمتني إجابته: “الزهايمر”

اتجه ذهني لما كتبه عن أن الزهايمر هو برهام عدم وجود الله، وفجأة تبادرت إلى ذهني فكرة بخصوص بعض الدوافع وراء تأليف كتابه.

لقد أصبت به …. هل منذ ثلاث سنوات؟

قالها وهو يقطب حاجبيه ويوجه نظره لزوجته من أجل المساعدة. “لقد أصبت به… منذ ثلاث سنوات. حقاً، أليس كذلك يا مادلين؟”

فأومأت إليه قائلة: “بلى، يا عزيزي، ثلاث سنوات.”

فقال: “لم تعد ذاكرتي كما كانت، فكما تعرف أن الزهايمر قاتل دائماً. دائماً. كم يبدو هذا مأساوياً، لكن الحقيقة هي أنني أموت غير مأسوف عليّ. فآجلاً أو عاجلاً سيقتلني. لكنه أولاً سيحتل ذهني.” ابتسم بشحوب وقال: “أخشى أن يكون قد بدأ. ومادلين يمكنها أن تشهد بذلك.”

فقلت: “عفواً لتدخلي. طالما أنت لست على ما يرام…”

فأصر تمبلتون على إجراء الحوار، وقادني نحو غرفة المعيشة، المزخرفة بألوان زاهية بأسلوب عصري، والمغمورة بأشعة شمس ما بعد الظهيرة التي تسللت من خلال الأبواب الزجاجية التي أتاحت رؤية بانورامية رائعة للمدينة. جلسنا على مقاعد مزخرفة قريبة، وفي غضون دقائق بدا أن تمبلتون قد استجمع طاقة جديدة.

قال: “أعتقد أنك تريد أن أشرح كيف اتجهت من الخدمة إلى اللا أدرية.” وبهذه الكلمات أفاض الحديث عن الأحداث التي قادته لرفض إيمانه بالله.

كان هذا هو ما توقعته، لكنني لم أتوقع أبدأ كيف سينتهي حوارنا.

إقرأ أيضاً: تحدي الإيمان 2 – لي ستروبل

[1] George H. Smith, Atheism: The Case Against God (Amherst, N. Y.: Prometheus Books, 1989), 51.

[2] Charles Colson, How Shall We Live? (Wheaton, 111.: Tyndale House, 1999), 31 – 32.

[3] “Billy Graham Indiana Crusade.” Available: www.billygraham.org/newsannouncementl2.asp [1999, June 4].

[4] Billy Graham, Just As I Am (Grand Rapids, Mich: Zondevan, 1997), 137 – 138.

[5] Charles Templeton, Farewell to God (Toronto: McClelland & Stewart, 1996), 3.

[6] Ibid., 11.

[7] Ibid., 9.

[8] Ibid., 5-6.

[9] Billy Graham, Just As I Am, 139.

[10] George H. Smith, Atheism: The Case Against God, 98.

[11] W. Bingham Hunter, The God Who Hears (Downers Grove, 111.: InterVarsity Press, 1986), 153.

[12] Charles Templeton, Farewell to God, vii.

[13] Ibid., 200-202.

تحدي الإيمان 1 – لي ستروبل

Exit mobile version