كتاب لغة الله في التقليد الابائي PDF – مارك شريدن – كيف فهم الاباء التجسيد الكتابي؟
كتاب لغة الله في التقليد الابائي PDF – مارك شريدن – كيف فهم الاباء التجسيد الكتابي؟
كتاب لغة الله في التقليد الابائي PDF – مارك شريدن – كيف فهم الاباء التجسيد الكتابي؟
كتاب لغة الله في التقليد الآبائي PDF
كيف فهم الآباء التجسيد الكتابي
مارك شريدن Mark Sheridan
تقديم: توماس سي أودن Thomas C Oden
ترجمة بيشوي جرجس – موريس وهيب
عدد الصفحات: 259
مدرسة الإسكندرية
نبذه عن الكاتب:
مارك شريدن هو راهب بنديكتي ولد في الولايات المتحدة الأمريكية وحصل على الدكتوراه من الجامعة الكاثوليكية الأمريكية عام 1990 , شغل منصب عميدا لكلية القديس انسلم للاهوت بروما وهو عضو اللجنة الدولية المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية
أعمال الأب مارك شريدن المترجمة:
أبا روفوس أسقف شُطب، عظتان على إنجيلي متي ولوقا، نشر الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، 270 صفحة، سعر 60 جنيه
من النيل الى الرون وما بعدهما – دارسات في الأدب الرهباني المبكر والتفسير الكتابي، نشر الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، 607 صفحة، سعر 100 جنيه
كتاب لغة الله في التقليد الآبائي، كيف فهم الآباء التجسد الكتابي، نشر مدرسة الإسكندرية، 258 صفحة، سعر 85 جنيه
يهدف كتاب “لغة الله في التقليد الآبائي” إلى توضيح كيف فهم اللاهوتيون المسيحيون المبكرون المعضلة التي تطرحها النصوص التي تنسب الخصائص والعواطف البشرية إلى الله، وتفصيل كيفية تعاملهم معها. لإنجاز هذه المهمة، يزود الكاتب القارئ بالكثير من النصوص الأولية من آباء الكنيسة إلى جانب شروحات مفصلة لتفسيراتهم، وهو يعتمد باستمرار على مؤلفين مثل كليمنضس، وأوريجانوس، وديديموس، وذهبي الفم، وغيرهم.
يتمحور جوهر بحثه حول أن هناك معيارًا مزدوجًا مستخدمًا على نطاق واسع لتفسير النصوص الصعبة في الكتاب المقدس، ويشرح كيف قرأ الكتاب اليهود والمسيحيون المبكرون هذه النصوص مجازياً أو لاهوتياً من أجل اكتشاف الحقيقة الواردة فيها، حيث أدركوا أن التفسير البنائي والملائم لهذه النصوص يتطلب أن يبدأ المرء من فهم أن “الله ليس إنسانًا”. يجلب المؤلف التقليد الآبائي إلى حوار مع المفسرين المحدثين لإظهار الأهمية الثابتة للتفسير اللاهوتي الخاص بهذا التقليد لعصرنا هذا.
كتاب لغة الله في التقليد الآبائي PDF – مارك شريدن – كيف فهم الآباء التجسيد الكتابي؟
كتاب لغة الله في التقليد الآبائي PDF
محتويات الكتاب
مقدمة الترجمة العربية
مقدمة توماس سي أودن
الله ليس مثل البشر
نقد الفلاسفة للأسطورة والدفاع عن هوميروس من خلال التفسير الرمزي
المواصفات الكاتب: مارك شريدن المترجم: بيشوي جرجس، موريس وهيب المراجعات والإعداد للنشر: فادي غطاس الناشر: مدرسة الإسكندرية تاريخ النشر: الأولى، 2021 رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 11612/ 2020 الترقيم الدولي: 3-78-6591-977-978 عدد صفحات الكتاب: 258 اللغة: عربي
الكثيرون في المجتمع يشعرون بالسعادة من الإمكانيات المحتملة لأبحاث الطب الحيوي في منع أو علاج الأمراض المستعصية، ولكنهم قلقون من أن هذه التقنيات الحديثة قد تقودنا إلى مناطق خطرة. الفرع الذي يعالج تأثير التكنولوجيا الحيوية والطب على البشر يسمى أخلاقيات الطب. في هذا الملحق، سنأخذ أمثلة من بعض المعضلات الأخلاقية التي تثير نقاشاً هاماً في الوقت الحالي، رغم أن هذه الأمثلة لا تمثل قائمة حصرية لهذه النقاشات. سأركز بشكل خاص على التطورات التي تنشأ من التقدم السريع في فهم الجينوم البشري.
الجينات الطبية
قبل بضع سنوات، جاءت امرأة شابة إلى عيادة الأورام في جامعة میشیغان في مهمة يائسة. في ذلك اليوم أدركت أن ثورة حقيقية في مجال الطب الوراثي قد بدأت. جمعني مع سوزان عدة ظروف تتعلق بإصابة أفراد من عائلتها بمرض عضال عندما كنا على وشك اكتشاف مهم في مجال الجينوم البشري. تعيش سوزان (ليس اسمها الحقيقي) وعائلتها في محنة. في البداية تم تشخيص أن والدتها مصابة بسرطان الرحم، وبعد ذلك خالتها، وبعدها أثنين من أولاد خالتها، وبعد ذلك أخت سوزان الكبرى. كانت سوزان في حالة قلق كبيرة، وكانت تراقب نفسها وتجري فحوصات تصوير الثدي بالأشعة السينية بشكل دوري، بينما كانت تتابع أختها وهي تخسر معركتها مع المرض. تم اختيار أحد بنات خالتها للخضوع لعملية استئصال الثديين الوقائية لتجنب نفس المصير، ثم اكتشفت جانيت وهي أخت سوزان المتبقية ورماً جسدها وتبين أنه سرطان.
وفي هذه الأثناء، كنت أقوم وطبيبة زميلة تدعى باربرا ويبر بمشروع في میشیغان في محاولة لتحديد العوامل الوراثية لسرطان الثدي. كانت عائلة سوزان مشاركة في هذا المشروع وكان يرمز لها بالعائلة رقم 15، ولكن في إحدى المصادفات الغريبة، عندما جاءت جانيت لأخذ استشارة بخصوص ورم سرطان الثدي الذي تم اكتشافه في جسمها حديثاً، كانت الدكتورة ويبر في العيادة واستمعت لتاريخ العائلة مع المرض وأدركت العلاقة.
بعد ذلك بعدة أشهر كان المهمة اليائسة لسوزان أن تعرف ما إذا كنت ودكتورة ويبر قد توصلنا إلى معلومات إضافية من البحث تجنبها الخضوع لعملية استئصال الثديين. لم يعد بإمكانها أن تستمر بالتفاؤل لمدة أطول من ذلك، ولذلك قررت إجراء العملية خلال ثلاثة أيام. لقد كان توقيت زيارتها مناسب جداً. كشف البحث الذي قمنا بها خلال الأشهر السابقة بأن من المحتمل جداً أن تكون عائلة سوزان حاملة الطفرة خطرة في جين موجود في الكروموسوم رقم 17. لقد بدأنا البحث مع تفاؤل قليل بأن يؤدي البحث لنتيجة إيجابية سريعة. أما الآن، فنحن نواجه حالة طارئة، ووجدت أنا والدكتورة ويبر أن من غير الأخلاقي أن نخفي هذه المعلومات عن سوزان.
ولكن عندما رجعنا إلى البيانات المختبرية تبين أن سوزان لا تحمل هذه الطفرة الجينية الخطيرة التي تحملها أمها وأخواتها، وبالتالي فإن خطر أصابتها بسرطان الثدي لا يزيد على احتمال إصابة عامة النساء. في ذلك اليوم، كانت سوزان أول شخص في العالم يعرف عن الطفرة الجينية المسماة BRCAl. كانت ردة فعلها مزيجا من الدهشة وعدم التصديق، وقامت بإلغاء إجراءات العملية.
انتشر الخبر بين أفراد عائلتها انتشار النار في الهشيم، ولم يتوقف جرس التلفون عن الرنين. وخلال أسابيع وجدت أنا ودكتورة ويبر نقدم استشارات الكثير من أفراد عائلتها الممتدة، وجميعهم يرغبون في معرفة إذا ما كانوا مصابين بهذه الطفرة الخطرة. كانت هناك لحظات مأسوية، فقد تم اكتشاف أن أبنة خالتها التي تم استئصال ثدييها لم تكن حاملة لهذه الطفرة الجينية. في البداية أصيب بالصدمة عندما علمت بالنتيجة ولكن بعد ذلك أدركت أنها كانت على صواب لأنها قامت بأفضل خيار ممكن في الوقت الذي قررت فيه إجراء العملية. ولكن أكثر اللحظات مأسوية عندما علم أحد فروع العائلة الذي كانت يعتقد أفراده أنهم بعيدون عن خطر الإصابة بالطفرة أنهم متأثرون عن طريق علاقة والدهم بالمصابات بهذا المرض.
لم تبدو فكرة انتقال الجين المؤثر عن طريق الذكور غير المتأثرين بالجين معقولة، ولكن هذه هي الطريقة التي يعمل بها الجين BRCA1. في الواقع، تبين أن والدهم حامل لهذه الطفرة وقام بنقلها إلى خمسة من أطفاله العشرة. إحدى هؤلاء وهي في التاسعة والثلاثين من العمر أصيب بالدهشة عندما علمت بانها معرضة للخطر. كنت ترغب بأن تعرف نتيجة حمضها النووي، وجاءت النتيجة موجبة. ومباشرة طلبت أن يتم لها عملية استئصال الثديين، وفي ذلك اليوم بالتحديد علمت بأنها مصابة بسرطان الثدي. لحسن الحظ أن الورم كان صغيرة، ولم يكن من الممكن اكتشافه قبل مرور سنتين أو ثلاث قادمة، وعندها لن يكون العلاج مشجعاً.
تم إبلاغ 35 فرد من أفراد العائلة بأنهم معرضون للإصابة بهذه الطفرة الجينية الخطرة، ونصف هذا العدد كانوا من النساء. الحاملات لهذا الجين كانت معرضات لسرطان الثدي والرحم معاً. كانت الآثار الطبية والنفسية المترتبة على ذلك كبيرة. حتى بالنسبة لسوزان التي نجت من خطر المرض مرت بمرحلة عصيبة من الاكتئاب وشعور العزلة عن عائلتها وهو ما يسمى بشعور الناجين بالذنب، وهو الاسم الذي أطلق على الناجين من محرقة الهولوكوست.
كانت حالة عائلة سوزان غير معتادة. ينتقل سرطان الرحم وراثية بين الأقارب بنسبة معينة، ولكن في حالة عائلة سوزان كان أثر الوراثة قوياً. ولكن لا يوجد بيننا عينات مثالية. الانتشار العالمي للطفرات الجينية في الحمض النووي هو الثمن الذي ندفعه مقابل التطور، وهو ما يعني أنه لا يوجد كمال جسدي كما أنه لا يوجد كمال روحي.
أصبح من الممكن قريباً التعرف على مواطن الخلل الوراثية في كل واحد منا التي تجعلنا معرضين للإصابة ببعض الأمراض في المستقبل، وقد تكون لدينا الفرصة، كما حدث مع عائلة سوزان لمعرفة ما يختبئ داخل كتيب تعليمات الحمض النووي الخاص بنا.
ومع بدأ تعرفنا على عواقب التقدم السريع في فهم البيولوجيا البشرية، تبرز الأسئلة الأخلاقية، وهذا ما ينبغي أن يحدث. المعرفة في ذاتها لا يوجد لديها قيمة أخلاقية؛ فالطريقة التي يتم فيها وضع هذه المعرفة موضع الاستخدام هو ما يكسبها بعداً أخلاقياً. وينبغي أن يكون هذا المبدأ مألوفاً في العديد من التطبيقات غير الطبية في تجارب الحياة اليومية. على سبيل المثال، يمكن عمل خليط معين من المواد الكيميائية تضيء السماء في عرض للألعاب النارية لتبهج نفوسنا في وقت الاحتفال، كما أن الخليط نفسه يمكن استخدامه كذلك لإطلاق قذيفة، أو صنع قنبلة تقتل عشرات المدنيين الأبرياء.
هناك العديد من الأسباب المقنعة التي تجعلنا نحتفل بالتطورات العلمية الناتجة عن مشروع الجينوم البشري. في نهاية الأمر، في كل الثقافات طوال التاريخ البشري يعتبر تخليص الناس من الأمراض أمر حسن، بل ربما يكون واجب أخلاقي. ولذلك فإن البعض قد يقول إن العلم يتقدم بسرعة كبيرة وانه لابد لنا أن نضع بعض القيود في تطبيقات معينة حتى يتم دراستها من الناحية الأخلاقية، أجد أن هذه الحجة لا يمكن أن تقنع أب في أمس الحاجة لمساعدة ابنه المريض. إلا بعد التقييد المتعمد للتقدم العلمي الذي ينقذ حياة البشر حتى تستطيع اللحاق به هو في حد ذاته غير أخلاقي؟
الطب الشخصي
ماذا يمكن للمرء أن يتوقع في السنوات القادمة من الثورة الحالية في مجال الجينات في البداية، فهم الفرق البسيط (0,1) في الحمض النووي بين شخص وأخر تقدم بسرعة، ومن المحتمل أن يكشف خلال السموات القادمة عن الخلل الوراثي المشترك التي تعرض الأفراد للإصابة بأمراض السكري والقلب والزهايمر وفي حالات أخرى عديدة. وسوف تسمح لكل واحد منا، إذا كنا مهتمين لذلك في الحصول على قراءات الشخصية توثق المخاطر المستقبلية للأمراض.
قليل من تلك التقارير سوف تكون وخيمة كما هو الحال في عائلة سوزان، وذلك لأن قلة منا سيكون لديهم أخطاء وراثية بهذه الآثار القاسية. هل تريد أن تعرف ذلك؟ كثير من الناس يقولون نعم، إذا كانت التدخلات تحد من المخاطر التي يتعرضون لها، وفي بعض الحالات، أصبح ذلك ممكناً بالفعل. إذا وجد أن شخصا معرض لخطر الإصابة بسرطان القولون على سبيل المثال فإنه يمكنه البدء بإجراء فحص القولون في عمر مبكر لاكتشاف الأورام الحميدة الصغيرة في وقت يمكن إزالتها بسهولة قبل أن تتحول إلى سرطان قاتل. الأشخاص الذين يتم اكتشاف أنهم معرضون لخطر الإصابة بمرض السكري يمكن أن يراقبوا وجباتهم لتجنب زيادة أوزانهم. أولئك الأشخاص المعرضون لخطر جلطات الدم في الأرجل يمكنهم تجنب حبوب منع الحمل حتى لا يصابوا بالشلل لفترات طويلة.
ومن المجالات الأخرى للطب الشخصي أصبح من الواضح أن استجابة الأشخاص للدواء يعتمد بشكل كبير على الجانب الوراثي. لقد أصبح من الممكن في العديد من الحالات تحديد من هو الشخص الذي يأخذ هذا العلاج وبأي مقدار وذلك عن طريق فحص عينة من الحمض النووي لهذا الشخص. هذا الاتجاه في علم الصيدلة أصبح مطبقاً على نطاق واسع وهو ما يؤدي إلى علاج دوائي فعال، والتقليل من حالات الأعراض الجانبية القاتلة.
الإشكاليات الأخلاقية الناتجة عن فحص الحمض النووي
كان للتطورات المذكورة أعلاه قيمة محتملة. ومع ذلك فإن هذه التطورات تواجه أيضا العديد من المعضلات الأخلاقية. في حالة عائلة سوزان، نشأ خلاف قوي حول ما إذا كان من المناسب اختبار الأطفال للكشف عن وجود طفرة BRCA1 لديهم. وبما أنه لم يكن هناك أي تدخل طبي متاح للأطفال، وبما أن التأثير النفسي إذا ما ثبت وجود هذه الطفرة لديهم يمكن أن يكون كبيراً، قمت أنا والدكتورة ويبر وبدعم من غالبية الخبراء الأخلاقيين بالتشاور، وتوصلنا إلى أنه يجب تأجيل مثل هذه التجارب حتى يبلغ الشخص سن الثامنة عشرة. في إحدى الحالات على الأقل، شعر أحد الآباء الحاملين للطفرة بالغضب لأنه لا يمكن اختبار بناته في الوقت الحالي. أحتج الأب بان من واجبه الأبوي أن يعارض قرارنا.
ثار نقاش أخلاقي حول ما إذا كان يحق لطرف ثالث للاطلاع على المعلومات الجينية للأفراد أو استخدامها. سوزان والعديد من أقرباءها كانوا خائفين من أنه أذا ثبت حملهم للطفرة الجينية أن تصل هذه المعلومة إلى شركات التأمين الصحي أو تصل إلى أيدي رؤساءهم في العمل، وعندها سوف يفقدون التأمين الصحي أو وظائفهم. بعد نقاش مستفيض، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الاستخدام المنحاز لاستخدام المعلومات الجينية مخالف لمبادئ العدالة والإنصاف لأن عيوب الحمض النووي عالمية، وليس باستطاعة أحد أن يختار تسلسل حمضه النووي. ومن ناحية أخرى، إذا علم المؤمن عليهم بأنهم حاملين للطفرة مع جهل شركات التأمين الصحي بذلك فإن ذلك يعد تلاعب على النظام والقوانين. وهذا ما سيكون له تأثير كبير على أنظمة التأمين. ولكن لم يكن من الواضح تأثيرها على التأمين الصحي. ومع ذلك فإن الأدلة رجحت وجوب أن يكون هناك تشريع ضد التمييز الجيني في مجال التأمين الصحي وأماكن العمل. ومع كتابة هذه السطور لا زلنا ننتظر أن يتم إصدار تشريع فعال على المستوى القومي في الولايات المتحدة. سيكون للفشل في إصدار مثل هذا التشريع تأثير سلبي كبير على مستقبل الطب الشخصي الاحترازي، لأن الأفراد سوف يتخوفون من الحصول على المعلومات الجينية مع أنها قد تكون مفيدة لهم.
طرحت في هذه النقاشات مسألة أخلاقية أخرى وهي مسألة الحصول على الرعاية. هذه المسألة بالخصوص تثير الحيرة في الولايات المتحدة، فحتى كتابة هذه السطور لا يزال هناك أكثر من 40 مليون أمريكي ليس لديه تأمين صحي. من بين كل الدول المتقدمة، يبدو أننا في الولايات المتحدة لا نهتم بذلك ونفشل في تحمل مسؤوليتنا الأخلاقية. أحد أكثر العواقب مأسوية أن يتم التركيز على العلاج في غرف الطوارئ بدلا من الاهتمام بالوقاية والتركيز على الكوارث الطبية عندما لا يكون مفر من حصولها. مسألة الحصول على الرعاية الصحية تصبح أكثر إلحاحا كلما تقدمنا في البحث، وخاصة في مجال الجينوم وهو ما يقودنا إلى معرفة طرق أفضل للوقاية من السرطان وأمراض القلب والأمراض العقلية والعديد من الحالات الأخرى.
الأخلاقيات البيولوجية تقوم على أساس القانون الأخلاقي
قبل الخوض في مزيد من المعضلات الأخلاقية، حري بنا النظر في الأسس التي قامت عليها أحكامنا الأخلاقية. العديد من الأخلاقيات البيولوجية معقدة. نقاش هذه الأخلاقيات واتخاذ قرارات بشأنها يعتمد بشكل كبير على خلفية ثقافية ودينية. هل يمكن أن يتفق الناس في مجتمع علماني متعدد على الإجراء الصحيح في مثل هذه الحالات الصعبة؟ في الحقيقة أنني وجدت أنه عندما تكون الأمور واضحة فإنه في أغلب الأحوال تكون النتيجة متشابهة على الرغم من الاختلاف الكبير في الرؤى بين الناس. في حين أنه قد يبدو مثيرة للدهشة، فإنني أعتقد أن ذلك مثال مقنع على أن القانون الأخلاقي عالمي. جميعنا لدينا المعرفة الفطرية فيما هو صائب وخاطئ، ورغم أن ذلك يمكن يصبح غامضاً بفعل سوء الفهم والتشويش، فإنه يمكن التوصل له عبر التأمل الدقيق. حاجج بوشامب وتشلدش أن هناك أربعة مبادئ أخلاقية تمثل الأساس للأخلاقيات البيولوجية وهي مشتركة وتشمل جميع الثقافات والمجتمعات تقريباً، وهذه المبادئ تشمل:
1- احترام الاستقلالية: مبدأ أن من حق الإنسان العاقل أن يتخذ قراره الخاص دون تدخل خارجي.
2- العدالة: توفير العلاج بطريقة أخلاقية منصفة دون تمييز لجميع الأشخاص.
3- الإحسان: معالجة الآخرين بأفضل طريقة تحقق مصلحتهم.
4- عدم إلحاق الأذى: لا تؤذي أحد (كما في قسم أبقراط)
ما هو دور الإيمان في نقاشات الأخلاقيات البيولوجية؟
الشخص المؤمن سوف يجد أن هذه المبادئ موجودة في النصوص المسيحية واليهودية والإسلامية والبوذية وبقية التعاليم الدينية. في الواقع، أنه يمكن العثور على بعض من أكثر العبارات بلاغة لهذه المبادئ في النصوص المقدسة. ولكن المرء لا يحتاج أن يكون مؤمناً حتى يتفق مع هذه مبادئ. فحتى الشخص غير المدرب على الموسيقى يمكن أن يعجب بمقطوعة موتسارت. القانون الأخلاقي يخاطبنا جميعاً، سواء كنا نتفق أو نختلف على أصوله.
يمكن أن نستقي المبادئ الأساسية للقيم الأخلاقية من القانون الأخلاقي. ولكن الخلاف يظهر عندما لا تلبية متطلبات هذه المبادئ في الوقت نفسه، ويختلف المراقبون في إعطاء أوزان لهذه المبادئ حتى يتحقق التوزان. في العديد من الحالات، يكون المجتمع قد توصل إلى إجماع على التعامل مع ذلك، وفي حالات أخرى في مثل الحالة التي سوف نناقشها بعد قليل يختلف العقلاء في تحديد القرار الأخلاقي المتوازن.
الخلايا الجذعية والاستنساخ
ما زلت أذكر بعد ظهر يوم الأحد قبل عدة سنوات عندما اتصل أحد المراسلين الصحفيين بي في المنزل ليسألني عن رأيي حول عدد من مجلة بارزة على وشك أن يصدر يتم فيه الإعلان عن استنساخ النعجة دوللي. لقد كان ذلك تطوراً مذهلاً وغير مسبوق، وكان جميع العلماء تقريباً (بما فيهم أنا) يعتقدون أنه سيكون من المستحيل استنساخ الثدييات. وعلى الرغم من أن هناك كتيب تعليمات للحمض النووي بأكمله من كائن حي في كل خلية من خلايا الجسم، وكان من المفترض أن التغيرات التي تحدث في الحمض النووي تجعل من المستحيل برمجة كتيب تعليمات الحمض النووي بصورة دقيقة بهذه الطريقة.
لقد كنا على خطأ. في الواقع، على مدى العقد الماضي، ومن خلال اكتشاف بعد اكتشاف ظهر بشكل لافت المرونة غير المتوقعة لأنواع من خلايا الحيوانات الثدية. وهذا ما أدى بدوره إلى وقوع الجدل الدائر حالياً حول الفوائد والمخاطر المحتملة لهذا النوع من البحوث، التي تتميز بالتباينات العلنية الشديدة التي لا يبدو أنها قابلة للحل. لقد كان النقاش حول الخلايا الجذعية بالخصوص محتدماً، وكانت المصطلحات المستخدمة غير مفهومة بحيث كان لابد من تكوين خلفية عن الموضوع. الخلايا الجذعية هي تلك الخلايا التي تملك القدرة على التطور إلى أنواع أخرى من الخلايا. على سبيل المثال، يمكن للخلايا الجذعية في نخاع العظام أن ترفع عدد كريات الدم الحمراء والبيضاء وخلايا العظم وخلايا عضلات القلب. هذا النوع من الخلايا يطلق عليه اسم “الخلايا الجذعية الناضجة” للتمييز بينها وبين الخلايا الجذعية التي تؤخذ من الأجنة.
يتكون الجنين البشري من اتحاد للسائل المنوي مع البويضة لتكوين خلية واحدة. وهذه الخلية مرنة وتمتلك القدرة بشكل ملفت على التحول إلى خلية كبد أو خلية مخ أو خلية عضلات أو خلايا أي نوع أخر من الأنسجة المعقدة لجسم الإنسان التي تتكون من 100 تريليون خلية. الدلائل الحالية تشير إلى أن قدرة الخلايا الجذعية الجنينية على التوالد الذاتي والتحول إلى أي نوع من الخلايا يفوق تلك القدرة الموجودة في الخلايا الجذعية الناضجة. وبحسب التعريف فإن الخلايا الجذعية الجنينية يمكن أن تنتج فقط أثناء تكون الجنين عندما يكون الجنينة على شكل كرة صغيرة من الخلايا أصغر من نقطة ضمن النقاط المكونة للحرف أ. ولكن النعجة دوللي لم تنتج عن أي من نوعي الخلايا الجذعية. الشي المثير وغير المسبوق فيما يخص إنتاج النعجة دوللي جاء عن طريق غير مسبوق في الثدييات، وهو أمر لا يحدث في الطبيعة. وكما هو موضح في الشكل 1.A تسمى هذه العملية “نقل نواة الخلية الجسدية” (SCNT) وهي تبدأ من خلية واحدة مستمدة من ضرع النعجة المتبرعة.
تحتوي نواة هذه الخلية على كامل الحمض النووي للنعجة المتبرعة، وبعد ذلك يتم نقلها إلى بيئة مناسبة مليئة بالبروتينات والجزئيات الموجودة في السيتوبلازم لخلية بويضة. ويكون قد تم استئصال نواة هذه الخلية بشكل كامل حتى لا تستطيع نقل التعليمات الجينية، وإنما يتم فقط نقل البيئة الحاضنة لهذه التعليمات. ثم يتم وضع هذه الخلية في رحم النعجة بحيث يعود الحمض النووي لضرع النعجة ومع مرور الوقت يتم مسح جميع التغيرات الحاصلة في الحمض النووي بحيث تصبح خلية خاصة يتم إنتاجها مع الحليب. وبعدها تعود نواة الخلية الضرع إلى الحالة البدائية لها، ومن ثم يعاد زرع الخلية في رحم النعجة لتلد النعجة دوللي التي يكون حمضها النووي مطابق تماما للنعجة المانحة.
اندهش الوسط الطبي والعلمي في العالم بالمرونة غير المتوقعة لكتيب تعليمات الحمض النووي. بناء على هذا الاكتشاف المذهل، يعتبر العلماء أن دراسة الخلايا الجذعية قد تؤدي إلى فرصة حقيقية للتعرف على كيفية تحول خلية واحدة إلى خلية كبد أو خلية مخ. بالطبع فإن كثير من هذه الأسئلة الأساسية تم الإجابة عليها من خلال دراسة الخلايا الجذعية للثديات عندما تكون الهواجس الأخلاقية محدودة جداً. الإثارة الحقيقية فيما يخص الفوائد الطبية من أبحاث الخلايا الجذعية، مازالت في مرحلة الإمكانية، ولم يتم البرهنة عليها لاستخدام هذا النهج لتطوير علاجات جديدة. تظهر العديد من الأمراض المزمنة بسبب موت نوع من الخلايا قبل أوانها. إذا كانت ابنتك تعاني من النوع الأول من مرض السكري فإن ذلك بسبب أن خلايا بنكرياسها التي تفرز الأنسولين عادة تعرضت لهجوم مناعي من الجسم مما تسبب في موتها. إذا كان والدك يعاني من الباركنسون فإن ذلك بسبب خلايا عصبية في مناطق معينة من المخ ماتت في وقت مبكر مما أدى إلى خلل في دوائر العمل الحركية المعتادة. إذا كان ابن عمك على قوائم الانتظار لنقل الكلى أو الكبد أو القلب فذلك لأن هذه الأعضاء قد تعرضت لأضرار شديدة بحيث لم تعد قادرة على إصلاح نفسها.
إذا أمكن إيجاد وسائل تستطيع إعادة إنتاج الأنسجة أو الأعضاء المتضررة فإن العديد من هذه الأمراض المزمنة يمكن علاجها أو القضاء عليها. ولهذا السبب، فإن “الطب التجديدي” يمثل موضوع ذو أهمية كبيرة للأبحاث الطبية. في الوقت، يبدو أن دراسة الخلايا الجذعية توفر فرصة عظيمة لتحقيق هذا الحلم.
ثار جدل اجتماعي وأخلاقي وسياسي حول استخدام الخلايا الجذعية.
العواطف الجياشة والعاطفة من جهات متعددة والاختلاف الشديد في وجهات النظر لم يسبق له مثيل من قبل، لدرجة أن بعض الحقائق العلمية ضاعت وسط هذه العاصفة. أولاً وقبل كل شيء، قلة يجادلون بأن الاستخدام العلاجي للخلايا الجذعية البالغة يمثل تحدياً أخلاقياً جديداً. هذه الخلايا يمكن استخلاصها من أنسجة أفراد على قيد الحياة. السيناريو المطلوب هو في إثبات أن هذه الخلايا بالفعل ضرورية لعلاج هذه الأمراض. إذا عرفنا على سبيل المثال، كيف نحول عدد قليل من خلايا نخاع العظم الجذعية إلى عدد كبير جدا من خلايا الكبد، فإن ذلك يمكن أن يتحقق ببساطة من خلال “زرع” نخاع المريض نفسه.
في حين كانت هناك بعض الخطوات المشجعة في هذا الاتجاه، وتم استثمار ذلك بشكل كبير جداً في متابعة أبحاث الخلايا الجذعية البالغة، فإننا نفتقر في الوقت الحاضر دليل مؤكد على أن الخلايا الجذعية للبالغين كافية لتلبية العديد من احتياجات الناس الذين يعانون من أمراض مزمنة. في حين تعتبر الخلايا الجذعية الجنينية أو استخدام نواة الخلية الجسدية البديل المحتمل لذلك. الخلايا الجذعية الجنينية تمتلك القدرة على التحول إلى أي نوع من أنواع الخلايا. ولكن هنا بالتحديد تبرز التحديات الأخلاقية باعتبار أن الجنين الذي تكون من اتحاد السائل المنوي مع البويضة هو عبارة عن حياة إنسانية محتملة. إنتاج خلايا جذعية من الجنين يعني تدمير لهذا الجنين (على الرغم من وجود نظريات تدعي إمكانية المحافظة على بقاء الجنين).
إذا كان المرء يعتقد بشكل قاطع أن الحياة تبدأ عند الحمل، وأن الحياة البشرية مقدسة من تلك اللحظة فصاعداً، فإن هذا الشكل من البحوث الطبية أو العلاج غير مقبول. الناس العقلاء سوف يختلفون بشدة حول صوابية مثل هذه البحوث وذلك يعتمد على إجابتهم على الأسئلة التالية:
هل تبدأ حياة الإنسان مع الحمل؟
لقد تجادل الفلاسفة ورجال الدين والعلماء لقرون طويلة حول مسألة متى تبدأ الحياة. الحصول على معلومات عن الخطوات الجزيئية والتشريحية التي تتعلق ببداية تكون الجنين لم تساعد في التوصل إلى نتيجة في هذه المسألة، لأن هذه المسألة ليست مسألة علمية. خلال قرون، قدمت الثقافات والديانات المختلفة تعاريف كثيرة لبداية الحياة، وحتى اليوم يوجد اختلاف بين المذاهب الدينية حول النقطة التي تدخل بها الروح إلى الجنين.
من منظور علم الأحياء، الخطوات التي تعقب اتحاد الحيوان المنوي والبويضة تحدث في ترتيب يمكن التنبؤ به بدقة، مما يؤدي إلى زيادة التعقيد، مما يجعل من الصعب وضع حدود فاصلة بين المراحل. وبالتالي فليس هناك خط فاصل بين الإنسان وبين مرحلة الجنين بحيث يمكن القول إنه هنا تبدأ الحياة. البعض يقول إن الوجود الإنساني الحقيقي لا يمكن أن يتم من دون جهاز عصبي، ولذلك فإن نمو الجنين من الشريط البدائي (يبدأ مع تكون الحبل الشوكي في اليوم الخامس عشر تقريبا). يمكن أن يعتبر علامة فاصلة. البعض يرد بالقول إن استعداد الجنين لتكوين نظام عصبي يتم بمجرد حصول الحمل، وبالتالي فإن الأمر لا علاقة له بتكون البناء التشريحي. تم تسليط الضوء على هذه المسألة من خلال توأمين متطابقين والذين نتجا عن تلقيح بويضة واحدة. في المرحلة الأولى للتكون انفصل الجنين إلى جنینین يحملان حمض نووي متطابق. ليس هناك رجل دين يمكن أن يقول إن الجنينين ليس لهما روح أو أنهما يتشاركان في روح واحدة. في هذه الحالات، نجد أن التأكيد على أن الطبيعة الروحية للشخص تتحدد في لحظة الحمل تواجه صعوبة.
هل هناك ظروف تبرر أخذ خلايا جذعية من الجنة البشرية؟
أولئك الذين يعتقدون أن الحياة تبدأ من لحظة الحمل وأنه من تلك اللحظة يصبح الجنين يستحق الاحترام الأخلاقي للإنسان الكامل سوف يجيب بالنفي على هذا السؤال. وبالتالي فإن جوابهم سوف يكون متسق من الناحية الأخلاقية. ولكن تجدر الإشارة إلى أن العديد من هؤلاء سوف ينظرون إلى الأمر من زاوية أخرى، أو على الأقل يتبنون النسبية الأخلاقية في حال كانت هذه الأجنة مدمرة.
هذه هي عملية التخصيب في المختبر (IVF)، وقد أصبحت متاحة على نطاق واسع للأزواج الذين يعانون من العقم، وينظر إليها على نطاق واسع باعتبارها حلاً لمشاكل مؤثرة. في هذا الإجراء، يتم أخذ البيض من الأم بعد العلاج الهرموني الذي ينتج مجموعة من البويضات في وقت واحد. ويتم تخصيب البويضات في إناء مع الحيوانات المنوية للأب. يتم مراقبة الأجنة لمدة ستة أيام لتحديد أي منها نما بشكل طبيعي وبعد ذلك يتم إعادة عدد قليل من هذه الأجنة (في العادة واحد أو أثنين) إلى رحم الأم على أمل تحقق الحمل.
في أغلب الأحيان يكون عدد الجنة الصالحة لإعادتها إلى رحم الأم أكثر مما هو مطلوب. في العادة يتم تجميد هذه الأجنة. في الولايات المتحدة وحدها، هناك مئات الآلاف من الجنة التي يتم تجميدها في الثلاجات، وهذا الرقم يزداد باستمرار. رغم أن عدد محدود من هذه الأجنة يمكن أن يستفيد منه أزواج أخرين، إلا أنه لا شك في أن أغلب هذه الأجنة يتم التخلص منها. وهنا يبرز الموقف الصارم المعارض لتدمير الجنة، مما يجعله يعارض فكرة التخصيب خارج الرحم. طرحت المطالبة بإعادة كل الجنة الناتجين عن عملية التخصيب إلى رحم الأم، ولكن هذه العملية تزيد من احتمالات حدوث موت الأجنة في عمليات الحمل المتكررة. لا يوجد حل سهل لهذه المعضلة في الوقت الحالي.
هذه الظروف تثير سؤالاً مطروحاً من قبل الكثيرين: إذا أمكن تحديد الإجراءات المطلوبة لضمان عدم تخصيب أجنة في المختبر لأغراض البحث، وإذا كانت الأبحاث الطبية سوف تقتصر فقط على تلك الأجنة التي بقيت بعد التلقيح الاصطناعي والتي من الواضح أنه سوف يتم التخلص منها، هل في ذلك انتهاك للقيم الأخلاقية؟
نقل الخلية الجسدية مختلف جذرياً
الأمر المفرح هنا هو أن النقاشات المحتدمة حول الخلايا الجذعية الناتجة عن الأجنة البشرية ليس من الضروري أن يتم استخدامها، لأن هناك طريق أقل إشكالية من الناحية الأخلاقية يمكن أن يمثل فتحة جديدة من الناحية الطبية. وأنا أشير هنا إلى عملية نقل نواة الخلايا الجسدية التي نتج عنها النعجة دوللي. إنه لمن المؤسف أن إنتاج الخلايا الجسدية أصبح مرادف من ناحية المفهوم ومن الناحية الأخلاقية مع إنتاج الخلايا الجذعية من الأجنة التي تأتي من اتحاد السائل المنوي والبويضة. هذه المعادلة تسللت إلى النقاش العام في مراحله الأولى وأصبحت خادعة لمعظم المشاركين في النقاش، وفي ذلك تجاهل للفرق العميق بين الكيانات الناتجة. الأرجح أن عملية نقل نواة الخلايا الجسدية سوف يكون أكثر فائدة من الناحية الطبية، ولذلك فمن المهم أن نحاول توضيح الخلط الحاصل في فهم هذه العملية.
كما أوضحنا فيما سبق وكما هو مبين في الشكل 1.A فإن عملية نقل نواة الخلايا الجسدية لا تنطوي على اتحاد للسائل المنوي مع البويضة. وبدلا من ذلك، يتم نسخ كتيب تعليمات الحمض النووي من خلية واحدة مأخوذة من جلد أو نسيج أخر حي من الحيوان (في حالة النعجة دوللي تم اخذ الخلية من الضرع، ولكن يمكن أخذها من أي عضو). سوف يتفق الجميع تقريبا أن خلية جلد المتبرع ليس لها قيمة من الناحية الأخلاقية، ففي نهاية الأمر نحن نفقد ملايين الخلايا كل يوم. وكذلك الحال مع الخلية منزوعة النواة التي فقدت كل حمضها النووي وليس لها القدرة على التحول إلى عضو حي، وبالتالي لا تسحق أي قيمة أخلاقية. وضع هذين الكيانين مع بعضهما البعض لا يحدث بصورة طبيعية، ولكن لديه قابلية كبيرة. هل يمكننا أن نسميه إنسان؟ إذا كان هناك من يقول إن توقعات الآثار المترتبة على نقل الخلية الجسدية تستحق التأمل فلماذا لا تنطبق هذه الحجة على نقل الخلية الجسدية قبل أن تتشكل؟ هي أيضا لها القابلية على ذلك.
خلال السنوات القليلة المقبلة من المرجح أن يكتشف العلماء الإشارات المتضمنة في بويضة خلية السيتوبلازم الخلية وهي الإشارات التي تسمح لنواة خلايا الجلد في محو تاريخها وتستعيد قدرتها الرائعة في التحول إلى العديد من أنواع الأنسجة المختلفة. وبالتالي، فمن المرجح أنه في غضون سنوات قليلة أن لا تحتاج هذه العملية لوجود البويضات على الإطلاق، وإنما يتم ذلك من خلال وضع أي نوع من الخلايا من متبرع فردي في خليط مناسب من جزيئات الإشارة. في أي نقطة، في هذه السلسلة الطويلة من الخطوات، يجب تطبيق الاعتبار الأخلاقي على الإنسان؟ ألا تشبه هذه النتيجة الخلية الجذعية البالغة أكثر من الخلية الجذعية الجنينية؟
هذه الضجة حول الخلايا الجسدية مستمدة من حقيقة غرابة اندماج خلية من ضرع نعجة وبويضة منزوعة النواة نتج عنها النعجة دوللي. حدث ذلك فقط لأن المنتج من عملية الخلايا الجسدية الناضجة وضعت بشكل مقصودا مرة أخرى في رحم الأغنام، وهو أمر لا يمكن أن يحدث عن طريق الصدفة. هناك خطوات مماثلة اتخذت في كثير من الثدييات الأخرى، بما في ذلك الأبقار والخيول والقطط، والكلاب.
لقد تم الشروع لمحاولة القيام بما يسمى الاستنساخ التناسلي في البشر من قبل مجموعتين من الأبحاث، واحدة منها يقودها فرد يرتدي سترة من الفضة ويدعي أنه اختطف من قبل أغراب. العلماء وعلماء الأخلاق، ورجال الدين، والمشرعون متفقون من الناحية الجوهرية أنه لا ينبغي تطبيق الاستنساخ التناسلي للإنسان تحت أي ظرف من الظروف.
في حين أن السبب الرئيسي لهذا الموقف يستند إلى اعتراضات أخلاقية ودينية قوية تعارض صنع نسخ من الإنسان بهذه الطريقة غير الطبيعية، في المقابل فإن هناك اعتراضات كبيرة أخرى تستند إلى اعتبارات السلامة، منذ استنساخ كل الثدييات الأخرى وقد تبين أنه جهد غير مجد وعرضة لوقوع كوارث، وخاصة أنه أدى إلى الإجهاض أو موت الرضع في وقت مبكر لمعظم الحيوانات المستنسخة. وفي بعض الحالات القليلة التي نجح فيها الاستنساخ وتجاوز مرحلة الولادة كان الناتج مختلف على نحو ما بما في ذلك النعجة دوللي (عانت من التهاب المفاصل والسمنة).
ونظرا لهذه النتائج، سيكون من المناسب تماما المطالبة بأن لا يتم أبدا زرع نتاج نقل نواة الخلية الجسدية البشري في رحم الأم المضيفة. عمليا يمكن لأي شخص أن يوافق على ذلك. النقاش يدور حول الظروف التي يمكن أن يسمح بها بنقل نواة الخلية الجسدية البشرية عندما لا يكون هناك نية لإنتاج إنسان كامل. المخاطر يمكن أن تكون عالية جداً. إذا كنت على وشك الموت من مرض باركنسون، فإنك لا تحتاج إلى الخلايا الجذعية من جهات مانحة أخرى، وإنما تحتاج إلى خلاياك الجذعية.
عبر عقود عديدة تعلمنا من خلال علم نقل الأعضاء أن زرع خلايا من شخص آخر في المتلقي من المتوقع أن يرفض الجسم تقبلها وهو ما يؤدي إلى نتائج مدمرة، وهو ما يمكن تقليل مخاطره فقط من خلال التأكد بدقة من تطابق الأنسجة بين المتبرع والمتلقي، بالإضافة إلى استخدام الأدوية القوية المثبطة للمناعة والمضاعفات المترتبة عليها.
العديد من السيناريوهات التي تدعو إلى استخدام خلايا جذعية جنينية من أشخاص أخرين لعلاج الأمراض المختلفة تواجه هذه التجربة الطويلة.
سيكون من الأفضل بكثير، أن تكون الخلايا الجذعية متطابقة وراثياً مع الشخص المتلقي. وهذه بالتحديد النتيجة التي قد تحدث بعد نقل نواة الخلية الجسدية البشرية. (وهذا ما يسمى “الاستنساخ العلاجي”). إنه من الصعب بالنسبة لمراقب موضوعي أن يجادل بأن هذا لن يحدث على المدى الطويل، حيث المستقبل واعد في نهاية المطاف بأننا سنصل إلى علاج قائمة طويلة من الأمراض المنهكة والقاتلة. ولذلك حري بنا أن ننظر بعناية فائقة، إلى الاعتراضات الأخلاقية لفوائد هذه العملية وتقييم ما إذا كانت تستحق أن تعطى أهمية في بعض الحالات. أنا أزعم أن الإنتاج الفوري لخلايا الجلد من خلية بويضة منزوعة النواة يبدو مختلفة من الناحية الأخلاقية عن اتحاد الحيوانات المنوية والبويضات. الأول هو خلق في المختبر لا يحدث في الطبيعة، وليس جزءاً من خطة الله الخلق فرد البشري. أما الثاني فمشابهاً جداً لخطة الله خلال آلاف السنين في خلق النوع البشري والأنواع الأخرى.
أنا مثل أي شخص آخر تقريباً أعارض بشدة فكرة الاستنساخ البشري. زرع نتاج نقل نواة الخلية الجسدية البشري الإنسان في الرحم عمل غير أخلاقي بشكل مطلق.
من جهة أخرى، يجري بالفعل تطوير بروتوكولات لإقناع خلية واحدة بتقبل اسُتمدت من نقل نواة الخلية الجسدية البشري لتحويلها إلى الخلية التي تستشعر مستويات الجلوكوز وتفرز الأنسولين، دون الوصول إلى أي من الخطوات الأخرى من التطور الجنيني. إذا كانت هذه الخطوات يمكن أن تؤدي إلى خلايا مطابقة من الناحية النسيجية بحيث يمكنها علاج مرض السكري عند الأحداث، لماذا لا يكون إجراء ذلك مقبولاً أخلاقياً؟
ليس هناك من شك في أن العلم سوف يستمر في التحرك بسرعة في هذا المجال. في حين أن الفوائد الطبية النهائية لأبحاث الخلايا الجذعية يظل غير معروف، فإن الأمل في ذلك يظل كبيراً. إن معارضة جميع هذا النوع من الأبحاث يعني أن الأخلاقية تفوقت على مبدأ تخفيف المعاناة بشكل مطلق. بالنسبة لبعض المؤمنين، قد يكون هذا الموقف دفاعي، ولكن يجب ألا نصل إلى هذا الموقف إلا بعد الأخذ بعين الاعتبار الكامل بالحقائق العلمية. أي شخص يصور هذا القضية باعتبارها معركة بسيطة بين الإيمان والإلحاد يجعل هذه القضايا أكثر تعقيداً.
ما وراء الطب
الجريدة التي أقرأها نشرت تحليلاً للتحديات التي يواجهها رئيس الولايات المتحدة. هذا الأمر يحدث عادة عندما لا تسير كما ينبغي بالنسبة للقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهنا أنا أنقل عن صديق للرئيس يعمل كمحلل سياسي “لم أر الرئيس مطلقاً يعاني من الرئاسة. لقد نشأ على مواجهة القضايا الكبرى. هذه القدرة موجودة في حمضه النووي”. قد يكون صديق الرئيس قال هذا الكلام على سبيل المزاح، ولكن يمكن أنه يعنيه تماماً.
ما هو الدليل الحقيقي على وجود التوريث في السلوك البشري وسمات الشخصية؟ وهل ستقودنا ثورة الجينوم إلى أسئلة أخلاقية جديدة بسبب ذلك؟ كيف يمكن للمرء تقييم دور الوراثة والبيئة في خصائص الإنسان المعقدة؟ كتبت العديد من الأطروحات حول هذا الموضوع. ولكن قبل فترة طويلة من داروين، مندل، واتسون، کريك، وبقية العلماء، لاحظ البشر أن الطبيعة وفرت لنا فرصة رائعة لتقييم دور الوراثة في العديد من الجوانب المختلفة للوجود الإنساني، والتوائم المتماثلة مثال على ذلك.
إذا كنت قد صادفت توأمين متماثلين سوف تدرك أنهما يتشاركان في العديد من الصفات الجسمانية وكذلك في خصائص أخرى مثل نبرة الصوت وطريقة التصرف. ولكن إذا كان لك أن تتعرف عليهما عن قرب سوف تجد أن لهما شخصيتين مختلفتين. لقد درس العلماء عبر القرون التوأم المتماثلة لتحديد دور الطبيعة في شخصية الإنسان.
يمكن إجراء تحليل دقيق غير متحيز على التوائم المتطابقة الذين تم تبنيهم في منازل مختلفة عند الولادة، بحيث تكون بيئات الطفولة مختلفة تماماً. هذه الدراسات تسمح بتقدير نسبة توريث سمة معينة دون تحديد التركيب الجزيئي لها. الجدول 1.A يبين نسبة الوراثة في بعض سمات الشخصية في دراسة لتوأم متطابقة. ولكن لا يجب أن تؤخذ هذه النتائج على نحو الدقة.
الجدول 1.A: نسبة الوراثة في بعض الصفات عند الإنسان
الصفة
نسبة الوراثة
القدرة الذهنية العامة
50٪
قوة الشخصية
54٪
مدى التقبل
42٪
الاجتهاد
49٪
الغضب
48٪
الانفتاح
57٪
العدوانية
39٪
التقليدية
54٪
هذه الدراسات توصلت إلى نتيجة مفادها أن الوراثة تعتبر عامل مهم في سمات الشخصية. وهذه النتيجة لن تثير تعجب الأشخاص الذين يعيشون مع هذه العائلات. ولذلك علينا أن لا نصاب بالصدمة من حقيقة بعض تفاصيل الجزيئات في آلية التوريث بدأت بالتكشف من خلال دراسة الجينوم.
عندما كنت زميل أبحاث في مجال علم الوراثة في جامعة ييل في وقت مبكر من ثمانينات القرن الماضي، كان تحديد تسلسل عدة مئات من شيفرة الحمض النووي مهمة شاقة. الوسائل كانت صعبة، وتتطلب العديد من الخطوات التحضيرية، وكانت تتطلب أيضاً استخدام كواشف خطرة باهظة الثمن مثل المواد الكيميائية المشعة، ودليل لصب المواد الهلامية التي كانت دائما ما تعاني من فقاعات وعيوب أخرى. التفاصيل غير مهمة؛ النقطة المهمة هنا أن العمل استغرق وقتا طويلاً جداً وكثير من محاولات التجربة والخطأ، فقط لفرز بضع مئات من حروف الحمض النووي البشري.
على الرغم من كل هذه الصعوبات، إلا أن أول ورقة بحثية قمت بنشرها كانت عن علم الوراثة البشرية على أساس تسلسل الحمض النووي. لقد كنت أبحث في إنتاج نوع واحد فقط من البروتين، وهو الموجود في كريات الدم الحمراء للجنين البشري في رحم الأم، والذي عادة ما يختفي بعد الولادة عندما يصبح الطفل قادراً على التنفس بواسطة رئتيه. البروتين يسمى الهيموغلوبين الجنيني.
الهيموغلوبين هو البروتين الذي يسمح لخلايا الدم الحمراء بتوفير الأكسجين من الرئتين إلى جميع أنحاء الجسم. يستخدم البشر وبعض القردة نوع خاص من الهيموجلوبين قبل الولادة يساعد على استخراج الأكسجين من دم الأم لتغذية الجنين أثناء نموه خلال السنة الأولى من عمر الإنسان، ويتناقص هذا الهيموغلوبين الجنيني تدريجياً، ويقوم البالغين بإنتاج نوع أخر بدلاً من ذلك. ولكن في الأسرة الجامايكية التي كنت أقوم بإجراء التجارب عليها استمرت كميات كبيرة من الهيموغلوبين الجنيني في الظهور في مرحلة البلوغ.
سبب “استمرار الهيموغلوبين الجنيني الوراثي” كان من مثيراً للاهتمام، لأنه إذا تعرفنا على كيفية تحفيز إنتاجه لغرض معين عند أي شخص، فإننا نستطيع تقليل كثير من سلبيات فقر الدم المنجلي. يكفي 20% من الهيموغلوبين الجنيني في خلايا الدم الحمراء من شخص يعاني من مرض فقر الدم المنجلي للتخلص من المشاكل الصحية المؤلمة وتفاقم الأذى الذي يلحق بالأعضاء.
لن أنسى أبدا ذلك اليوم، عندما كشفت محاولتي لفهم تسلسل الحمض النووي عن وجود القاعدة G بدلا من القاعدة C في حالة معينة لأحد الجينات مما أدى إلى إنتاج الهيموغلوبين الجنيني. تغير هذا الحرف الوحيد كشف أنه هو المسؤول عن توقف البرنامج الحيوي عند البالغين. شعرت بسعادة غامرة ولكنني كنت منهكاً، لقد استغرق ذلك مني ثمانية عشر شهراً من الجهد المتعب الاكتشاف حرف واحد متغير في شفرة الحمض النووي البشري.
لقد أثار دهشتي أنني علمت بعد ذلك بثلاث سنوات أن بعض العلماء أصحاب الرؤية الثاقبة قد بدأ بمناقشة إمكانية تحديد تسلسل الحمض النووي لكامل الجينوم البشري، والتي تشير التقديرات إلى أن طوله يصل إلى نحو 3 مليارات زوج من القواعد. وهذا هدف بالتأكيد لا يمكن أن أحققه خلال حياتي.
كنا نعرف نسبياُ القليل حول ما يحتويه الجينوم. لم يكن أحد قد شاهد واقعية القواعد الكيميائية للجينات البشرية تحت المجهر (لقد كانت صغيرة جداً). لقد تم التعرف على بضعة مئات من الجينات، وكانت التوقعات حول العدد الكلي للجينات محل الاختلاف كبير. بل حتى تعريف الجين كان محل اختلاف. اهتزت التعريفات البسيطة التي تعتبر أن الجين يشكل امتداداً لحمض نووي يحمل رموزاً لبروتين معين بعد اكتشاف أن مناطق تشفير البروتين في الجينات يتم التأثير عليها من شرائح في الحمض النووي تسمى انترونات.
اعتماداً على الطريقة التي تقسم مناطق الترميز في نسخة الحمض النووي الريبي، يمكن لجين واحد في بعض الأحيان أن يرمز لعدة بروتينات ذات صلة. وعلاوة على ذلك، كما يمكن أن يركز إلى أماكن في الحمض النووي بين الجينات التي لا يبدو أن مهمة محددة؛ حتى أن البعض كان يشير إلى هذه الأماكن بـ “نفاية الحمض النووي”، على الرغم من القول بأن جزء من الحمض النووي “نفاية” هو نوع من الغطرسة نظراً لجهلنا بذلك.
على الرغم من كل هذه الشكوك، لم يكن هناك شك في أهمية تسلسل الجينوم الكامل. يختبئ بين ثنايا كتيب التعليمات الكثيرة قائمة بالعناصر اللازمة لحياة الإنسان، ونحن نفتقر إلى معرفة عنها وليس باستطاعتنا التعامل معها بشكل فعال. بالنسبة لي كطبيب، تعتبر إمكانية فتح صفحات أكثر الكتيبات الطبية فعالية (الجينوم) أمراً مثير للغاية.
كمبتدئ في الأوساط الأكاديمية وقليل الدراية بالحقائق العملية لهذه المشروع الجريء، انضممت إلى المؤيدين للشروع ببرنامج منظم للتعرف على تسلسل الجينوم البشري، والذي سرعان ما أصبح يعرف باسم مشروع الجينوم البشري. في السنوات اللاحقة ازداد شوقي بشكل كبير لرؤية الجينوم البشري. ومن خلال قيادتي لمختبر بحثي وليد مكون من طلبة الماجستير والدكتوراه الجادين، قررت أن أبحث في أسس أمراض معينة استعصت على العلاج. وأكثر مرض كنت أود التعرف على أسسه هو مرض التليف الكيسي cystic fibrosis الذي يعد أكثر الأمراض الوراثية المميتة في دول شمال أوربا.
هذا المرض عادة ما يكتشف في الطفال حديثي الولادة الذين لا تزيد أوزانهم، والذين يعانون بشكل مستمر من التهابات الجهاز التنفسي. وبعد جمع معلومات من أمهات هؤلاء الأطفال اللاتي كن يقلن إنهن يشعرن بمذاق مالح عند تقبيل أطفالهن، توصل الأطباء إلى تشخيص يشير إلى وجود تركيز عالي من الكلوريد في عرق هؤلاء الأطفال. كنا نعرف أيضا أن لدى مرضى التليف الكيسي إفرازات سميكة ولزجة في الرئتين والبنكرياس، ولكن لم يكن لدينا أية فكرة عن الجين المحتمل المسبب لذلك.
لقد تعرفت لأول مرة على مرض التليف الكيسي عندما كنت طبيباً متدرباً في أواخر السبعينات. في الخمسينات كان الأطفال المصابين بالمرض نادراً ما يظلون على قيد الحياة لسن العاشرة. ومع التطور الذي حصل في التعامل مع أعراض المرض واستبدال الأنزيمات في البنكرياس وعلاج التهابات الرئة والتقدم في مجال التغذية والعلاج الطبيعي تمكن المصابين بالمرض في السبعينات من الوصول إلى مرحلة الجامعة والزواج والعمل.
ولكن على المدى البعيد كانت فرص الشفاء من المرض قائمة. من دون فهم أساسي للخلل الجيني المسبب للمرض كان الباحثون يبدون وكأنهم يتحسسون طريقهم في الظلام. كل ما نعرفه أنه من بين الثلاثة ملايين حرف من شيفرة الحمض النووي هناك حرف واحد تحرك من مكانه.
العثور على هذا الخطأ أمر خارج عن القدرة، ولكن الشيء الأخر الذي نعرفه عن مرض التليف الكيسي هو أنه يتخذ النمط المتنحي في الوراثة. لفهم ذلك، من المهم أن نعرف أن كل جين في أجسامنا له نسختين، الأولى نأخذها من الأب والأخرى نأخذها من الأم. في الأمراض المتنحية مثل التليف الكيسي يصاب الطفل بالمرض فقط إذا كانت كلتا نسختي الجين تالفة.
لكي يحدث ذلك، يجب أن يكون كلا الوالدين حاملا لنسخة تالفة، ولذلك فإن الأفراد الذين يحملون نسخة سليمة وأخرى تالفة لا يشعرون بذلك، هذه الناقلات بشكل عام علم وضعهم (حوالي واحد من كل ثلاثين شخص من أصول شمال أوروبية يكون حامل التليف الكيسي، ومعظمهم ليس لديهم تاريخ عائلي للمرض).
سمح الأساس الجيني لتليف الكيسي بعملية تجسس للحمض النووي مثيرة للانتباه: حتى من دون معرفة أي شيء عن الجين المسؤول، يمكن للباحثين تتبع عملية توريث مئات من جزيئات الحمض النووي من جينوم جميع الأسر ذات الأقرباء المتعددين المصابين بالتليف الكيسي، بحيث عبر هذه العملية يمكن توقع جزيئات الحمض النووي المصابة بالتليف الكيسي وتلك غير المصابة. هذه الجزيئات يجب أن تكون بالضرورة قريبة من جين التليف الكيسي.
بالتأكيد لا يمكننا قراءة الثلاثة ملايين زوج من الأحرف، ولكن بإمكاننا تسليط الضوء على بضعة ملايين منها هنا، وبضعة ملايين هناك، لنرى ما إذا كان لها علاقة بالمرض. كان علينا أن نقوم بذلك مئات ومئات المرات، ولكن الجينوم هو مجموعة محدودة من المعلومات، وإذا أبقينا عليها كذلك فسنكون واثقين من تحديد الجوار المطلوب.
لقد تم التوصل إلى ذلك مما أثار سرور العلماء والعوائل معا وكان ذلك في عام 1985، وتم الكشف عن أن جين التليف الكيسي موجود في مكان ما بين مليوني قاعدة من أزواج الحمض النووي الموجودة في الكروموسوم السابع. ولكن الجانب الأصعب للموضوع للتو بدأ. ولتقريب تصور مدى صعوبة المهمة أشبه ذلك بالبحث عن مصباح تالف في سرداب أحد البيوت في الولايات المتحدة.
كانت الدراسات العائلية بداية ممتازة لأنها مكنتنا من تحديد الولاية والمدينة. ولكن ما زلنا كأننا ننظر من ارتفاع 2000 قدم، وهو ما يعني أن بحثنا قد لا يقود إلى شيء. ما كان مطلوباً هو البحث في البيوت بيتاً بيتاً والبحث بين المصابيح التالفة مصباحاً مصباحاً.
لا يوجد لدينا حتى الآن خريطة للمنطقة نسير عليها. الكروموسوم رقم 7 مثل بقية الجينات لم يكن معروفة في عام 1985. ولإكمال التشبيه، أقول إنه لم يكن لدينا خريطة لشوارع البلدات والقرى، ولا دليل للمباني ولا أي مؤشر لمخازن مصابيح الإنارة. لقد كان العمل قاسي جداً. اخترعت أنا وزملائي في الفريق طريقة تسمى “قفز الكروموسوم”، وهي الطريقة التي سمحت لنا بالتحرك عبر 2000000 قاعدة من الأزواج المستهدفة على شكل قفزات، بدلا من الزحف البطيء على الطريقة التقليدية. وساعدنا ذلك في تفتيش المنازل على شكل دفعات بدلاً من تفتيشها بيتاً بيتاً.
ولكن التحدي لا يزال كبيراً جداً، بحيث اعتقد كثيرون في الحقل العلمي أن هذا النهج غير عملي، وأنه لن يصل مطلقاً لفهم أي مرض بشري. في عام 1987، واجهنا نقصاً في التمويل وكثير من الإحباط، وقام مختبرنا بتوحيد جهوده مع مختبر Chee Tsui وهو باحث مميز حاصل على الدكتوراه في مستشفى لعلاج الأطفال في تورنتو. اندماج المختبرين منحنا طاقة جديدة. البحث كان أشبه بالقصص البوليسية، فنحن نعرف أنه سيتم الكشف عن الغموض في الصفحة الأخيرة، ولكننا لا نعلم كم سيستغرق من الوقت للوصول إليها.
كانت هناك مؤشرات، وكانت هناك أيضا فجوات غامضة. بعد أن تشعر بالأمل لثالث أو رابع مرة لإمكانية الوصول إلى النتيجة تفاجأ باليوم التالي بتلاشي هذا الأمل لظهور بيانات جديدة، ولذلك توقفنا عن التفاؤل بالوصول إلى أي شيء. وجدنا من الصعوبة أن نشرح لزملائنا عدم قدرتنا على العثور على الجين أو التوقف عن البحث. ولكي أبين صعوبة المهمة بطريقة تشبيهية ذهبت إلى مزرعة في ولاية ميتشغان ليتم التقاط صورة لي وأن أمسك بإبرة وأنا جالس فوق كومة من القش.
ولكن في ليلة ممطرة من شهر مايو 1989، جاء الجواب في نهاية المطاف. بدأ جهاز الفاكس الخاص بمختبري ومختبر تشي الذي وضعناه في سكن الطلاب بجامعة ييل حيث كنا نعقد اجتماعاً هناك، بدأ بإرسال بيانات عن العمل الذي قمنا به في الأيام السابقة، حيث تبين بشكل لا لبس فيه أن حذف ثلاثة حروف فقط من شفرة الحمض النووي في الجزء الخاص بتشفير البروتين في الجين الذي لم يكن معروفة من قبل هو سبب التليف الكيسي في معظم المرضى.
بعد فترة وجيزة، كنا وآخرون قادرين على إظهار أن هذه الطفرة بالإضافة إلى أخطاء برمجية في الجين نفسه، أصبحت تسمى CFTR، هي المسؤولة عن جميع حالات هذا المرض. من خلال ذلك تمكنا أن نبين أن العثور على المصباح التالف الذي يسبب المرض يتم من خلال الاقتراب بشكل متواصل من مكان الكروموسوم. لقد كانت لحظة عظيمة. لقد كان الطريق طويلاً وشاقاً، ولكن ارتفعت درجة التفاؤل بأن البحث للوصول إلى علاج المرض أصبح في متناول اليد.
في التجمع اللاحق لألاف من الباحثين في مرض التليف الكيسي وعوائل المرضى والعاملين بالعيادات كتبت نص أغنية للاحتفال باكتشاف الجين. دائما ما تساعدني الموسيقى في التعبير عن أشياء لا أستطيع التعبير عنها بالكلمات. وعلى الرغم من مستواي في عزف الغيتار متوسط إلا أنني شعرت بسعادة عظيمة في تلك الدقائق عندما كان جميع الحضور يرددون كلمات الأغنية بصوت عال. هذه التجربة كانت أقرب للروح منها للعلم. لم أستطع منع دموعي وأنا أرى هذه الشخصيات المميزة تنهض من مقاعدها وتغني مع فرقة الإنشاد:
تجرأ على الحلم تجرأ على الحلم
كل أخوتنا وأخواتنا يتنفسون الحرية
بدون خوف وقلوبنا لا تهتز
حتى تنتهي قصص التليف الكيسي
تبين أن الخطوة التالية أصعب مما كنا نتوقع، وأن قصة مرض التليف الكيسي لم تنته بعد. ومع ذلك فإن اكتشاف الجين كان في الحقيقة أمراً ممتعاً، وبدأ فصل جديد من البحث في المرض التحقيق نصر كامل عليه. إذا أردنا حساب تكلفة 24 فريق عالمي حول العالم يعمل لاكتشاف الجين، فإن ذلك سوف يكون عشر سنوات من الجهد وخمسين مليون دولار لاكتشاف جين واحد المرض واحد. فضلاً عن أن التليف الكيسي كان من الأمراض السهلة لأنه كان من الأمراض الشائعة تقريباً التي تتبع بدقة قوانین مندل الوراثية.
كيف لنا أن نتصور التوسع في العمل لاكتشاف مئات جينات الأمراض النادرة التي تحتاج للكشف عنها بشكل عاجل. والأكثر تحدياً، كيف يمكننا تصور تطبيق نفس الطريقة على أمراض مثل مرض السكري، وانفصام الشخصية، وأمراض القلب، والسرطانات الشائعة، وغيرها من الأمراض التي نعلم أن عوامل الوراثة فيها تلعب دورا مهما، في حين أن الأدلة تشير إلى تأثير عدة جينات في الموضوع، وكل من هذه الجينات لا يلعب دوراً حاسماً في المرض.
في هذه الحالة علينا أن نبحث عن عشرات المصابيح التالفة، وبعضها قد لا يكون تالفاً تماماً، بل قد يكون قد خفتت إضاءته عما يجب أن يكون عليه. إذا كان لنا نأمل بالمضي في ظروف أكثر صعوبة فإنه يجب علينا الحصول على معلومات مفصلة ودقيقة عن كل زاوية وركن في الجينوم البشري. نحتاج لخريطة مفصلة لكل بيت في البلد.
تصاعد الجدل بحدة أواخر 1980 حول الحكمة من المشروع، ففي حين أن معظم العلماء يتفقون على أن المعلومات في الواقع مفيدة، ولكن ضخامة المشروع تجعله يبدو بعيد المنال تقريباً. زيادة على ذلك، أصبح من المعلوم أن جزءًا صغيراً من الجينوم يتبع برمجة البروتين، في حين أن تطبيق ذلك على بقية الأجزاء محل نقاش. أحد العلماء المعروفين جيدا كتب يقول: “أن تسلسل الجينوم قد يكون مفيدا بنفس فائدة ترجمة الأعمال الكاملة لشكسبير إلى اللغة المسمارية، ولكن ليس بالإمكان تفسيرها”. وكتب أخر “ليس من العقل أن يخوض علماء الوراثة في بحر من الهراء للوصول إلى حذاء جاف في جزيرة صغيرة”.
أغلب المخاوف من المشروع تستند إلى فكرة أن التكلفة المحتملة لمثل هذا المشروع قد تسحب التمويل من مشاريع حيوية أخرى. أفضل رد على هذه المخاوف هو في تكبير الكعكة، والبحث عن تمويل جديد للمشروع. تم ذلك في الولايات المتحدة من خلال تعيين مدير جديد للمشروع هو جيم واتسون Jim Watson الباحث المشارك في اكتشاف الحمض النووي الحلزوني المزدوج. كان واتسن في ذلك الوقت النجم الذي لا يضاهي في علم الأحياء، وقد استطاع إقناع الكونغرس للمضي في المغامرة الجديدة.
أشرف جيم واتسون خلال العامين الأولين باقتدار على مشروع الجينوم البشري في أمريكا، وأنشأ مراكز الجينوم ووظف مجموعة من أفضل وألمع علماء الجيل الحالي للعمل في المشروع. ولكن الشكوك حول المشروع ظلت كما هي، وخاصة فيما يتعلق بقدرة المشروع على إنجاز شيء خلال مدته المقدرة بخمسة عشر سنة، وخاصة أن التكنولوجيا المطلوبة لم يكن قد تم ابتكارها.
وحدثت أزمة في عام 1992 عندما ترك واتسن منصبه فجاءةً على أثر خلاف علني مع مدير المراكز الصحية حول جدوى تسجيل براءات الاختراع الخاصة بجزيئات الحمض النووي (والتي كان واتسن معارضاً لها بشدة).
تبع ذلك بحث مكثف لاختيار مدير جديد للمشروع. ولم يكن أحد أكثر مني دهشة عندما توجهت الأنظار لي. عطفاً على كوني كنت مستمتعاً بالوقت الذي كنت أقود فيه مركز الجينوم بجامعة ميتشغان، ولم أكن أتخيل أن أصبح موظفاً فدرالياً، ولذلك أعربت في البداية عن عدم رغبتي بذلك، ولكن في الأخير تم اتخاذ القرار باختياري. لقد كان هناك مشروع واحد للجينوم. سوف يكون مشروع واحد للجينوم في التاريخ، وإذا نجح ستكون تبعاته في الطب غير مسبوقة.
كمؤمن بالله، سألت نفسي ما إذا كانت هذه اللحظة هي من ضمن اللحظات حيث طلب مني أن ألعب دوراً أكبر في مشروع سوف يكون له دور كبير في فهم أنفسنا؟ في هذه اللحظة سنحت الفرصة لقراءة لغة الله، ولفهم تفاصيل الطريقة التي جاء بها البشر إلى الوجود. هل أستطيع أن أهرب من ذلك؟ لقد كنت دائما أشكك في الذين يقولون إنهم أصغوا إلى رغبة الإله في حالات مشابهة، ولكن الأهمية القصوى لهذه المغامرة والتبعات المحتملة على علاقة الجنس البشري بالخالق جعلت من الصعب تجاهل ذلك.
وعندما قمت بزيارة لابنتي في ولاية نورث كارولاينا، أمضيت فترة بعد الظهر في الصلاة في كنيسة صغيرة داعياً الله أن يرشدني للقرار الصحيح. في الحقيقة لم أسمع الله يتكلم، ولم أمر بهذه التجربة. ولكن في هذه الساعات شعرت بأن السكينة حلت داخلي، وبعد عدة أيام قبلت بالعرض المقدم لي. العشر السنوات التالية كانت عبارة عن سلسلة من الخبرات. الأهداف الرئيسية لمشروع الجينوم البشري كانت طموحة جداً، ولكننا وضعنا أهدافاً مرحلية وألزمنا أنفسنا تحقيقها.
لقد كانت هناك لحظات من الإحباط الشديد عندما كنا نعول في التجارب الأولى على طرق تبدو واعدة ثم تبين أنها فاشلة عند تطبيقها على نطاق أوسع. كانت تنشأ بعض الاحتكاكات بين أعضاء الفريق، وكان من واجبي أن أعمل كوسيط لحلها. بعض المختبرات لم تف بوعودها وكان لابد من استبعادها، وكان اللوم يقع على مدراء هذه المختبرات. ولكن كان هناك أيضا لحظات من الانتصار، عندما كنا نصل إلى مبتغانا، وعندما بدأت الأفكار الطبية تتراكم. وفي عام 1996، كنا قد بدأنا تجارب على مستوى واسع على تسلسل الجينوم البشري باستخدام عملية كانت معقدة من الناحية الفنية ومكلفة في الوقت الذي كنا نعمل فيه على جين التليف الكيسي.
في لحظة حاسمة، قررنا نحن المسؤولين على الناحية الإعلامية للمشروع جعل الوصول إلى بيانات المشروع متاحة للجميع شرطاً للمشاركة فيه، واتفقنا على أن لا براءات الاختراع من أي نوع سيتم تقديمها لتسلسل الحمض النووي. لم نكن نملك تبرير ولو ليوم واحد في عدم إتاحة الفرصة للباحثين في جميع أنحاء العالم، الذين يهدفون إلى فهم مشاكل طبية مهمة، أن لا يكون لهم إمكانية الوصول الحر والمفتوح للبيانات التي يتم إنتاجها.
السنوات الثلاثة التالية كانت مثمرة، ومع بدء عام 1999 كنا جاهزين لتسريع العمل. ولكن لاحت بالأفق مشكلة جديدة. لم يكن التعرف على تسلسل الجينوم دفعة واحدة مشجعاً من الناحية التجارية، ولكن قيمة المعلومات التي أصبحت متوفرة بدت أكثر وضوحاً، وبدأت تكلفة التسلسل تنخفض، ولكن المشكلة التي واجهت مشروع الجينوم البشري كانت مع الشركة الخاصة. أعلن کریغ فنتر Craig Venter وهو رئيس الشركة التي سميت فيما بعد Celera أنه سوف يقوم بعملية واسعة لتسلسل الجينوم البشري، وأنه سوف يسجل براءة الاختراع للعديد من الجينات، وسيودع نسخة من التسلسل في قاعدة بيانات للمشتركين مقابل رسوم مرتفعة للاطلاع عليها.
لقد كانت فكرة أن يصبح تسلسل الجينوم البشري ملكية خاصة فكرة مزعجة للغاية. كان التخوف الأكبر منذ بدء طرح الأسئلة ما إذا كان من الحكمة الاستمرار في إنفاق أموال دافعي الضرائب في المشروع، في حين أن من الأفضل أن ينفذه القطاع الخاص – على الرغم من فريق شركة سيليرا لم يوفر أية بيانات حقيقية، وكما أن المنهجية التي أتبعها لم يكن من المرجح أن تصل إلى التسلسل الدقيق. ومع ذلك استمرت الآلة الإعلامية لشركة سيليرا بالادعاء بتحقيق منجزات، وللإيحاء بأن المشروع العام بطيء وبيروقراطي.
وبالنظر إلى أن مشروع الجينوم البشري يجري العمل به في بعض أرقى الجامعات في العالم، من قبل بعض من أكثر العلماء إبداعاً وتخصصاً على سطح الأرض فإنه كان من الصعب القبول بهذه الادعاءات. ومع ذلك، فإن الصحافة تحب الجدل. لقد كتبت الكثير من المقالات عن السباق للوصول إلى تسلسل الجينوم البشري، وعن يخت فنتر ودراجتي النارية. ما هذا الهراء. ما كان يجهله غالبية المراقبين أن النقاش لم يكن حول من ينجز العمل بطريقة أسرع وأرخص. على عكس ذلك، كان صراع المبادئ، هل سيكون الجينوم البشري والذي هو أرث مشترك سلعة تجارية أم فائدة عامة؟
لم يدخر فريق عملي أي جهد. كانت مختبراتنا العشرين الموجودة في ستة بلدان تعمل على مدار الساعة. وخلال 18 شهراً وبعد إنتاج الآلاف الأزواج كل ثانية طوال 24 ساعة وطوال أيام الأسبوع، أصبح 90% من تسلسل الجينوم البشري في متناول اليد. واستمرت البيانات في الوصول طوال الأربع وعشرين ساعة. ومن جانبها أنتجت شركة سيليرا قدرة كبيرة من البيانات، ولكن هذه البيانات ظلت في قواعد البيانات الخاصة بها بعيدة عن متناول الناس.
وعندما أدركت سليرا أنها يمكن أن تستفيد من البيانات العامة توقفت عند نصف كمية الإنتاج الذي كانت تخطط له. وفي النهاية انتقل أكثر من نصف إنتاج سيليرا ليصبح جزءًا من البيانات المتاحة للجميع.
الاهتمام بالسباق أصبح غير لائق، وهدد بتشويه أهمية الهدف. وفي أواخر عام 2000، وعندما كنا وشركة سيليرا على وشك الإعلان عن التوصل إلى نسخة أولية من الجينوم البشري طلبت من صديق مشترك لي ولفنتر أن يرتب لنا لقاءً سرياً. وعلى طاولة من البيتزا وكؤوس البيرة في منزل الصديق المشترك ناقشت مع فنتر القيام بإعلان مشترك عن التوصل لهذا الإنجاز.
وهذا ما حصل بالفعل، وكما أوضحت في الصفحات الأولى من هذا الكتاب، وجدت نفسي واقفاً بجانب رئيس الولايات المتحدة في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض يوم 26 يونيو عام 2000، معلنا أنه تم التوصل إلى أول نسخة من كتيب تعليمات الإنسان، وأنه تم الكشف عن لغة الإله.
على مدى السنوات الثلاث التالية، كان لي شرف الاستمرار في قيادة المشروع العام لصقل نسخة التسلسل هذه، وسد الفجوات المتبقية، والارتفاع بدقة المعلومات إلى أعلى مستوى، والاستمرار في إيداع كافة البيانات في قواعد البيانات العامة بشكل يومي. في نيسان من عام 2003، وهو شهر الذكرى الخمسين لنشر واتسون وكريك بحثهم عن الحلزون المزدوج، أعلنا عن الانتهاء من جميع أهداف مشروع الجينوم البشري. كمدير للمشروع، كنت فخورة جداً بالإنجاز الذي حققه أكثر من ألفي عالم، وهو الإنجاز الذي أعتقد أنه سوف ينظر إليه بعد ألف سنة على أنه أحد المنجزات الهامة للبشرية.
وفي الاحتفال الذي تلى نجاح المشروع والذي قامت بتنظيمه مؤسسة تعنى بدعم عوائل المرضى المصابين بأمراض وراثية، قمت بإعادة كتابة الأغنية الشعبية المعروفة ” All the Good People” لتلائم المناسبة، وشارك الجميع بالإنشاد:
هذه الأغنية لجميع الناس الجيدين
جميع الناس الجيدين الأعضاء في هذه العائلة
هذه الأغنية لجميع الناس الجيدين
جمعينا نشترك في خيط واحد
قمت بكتابة نص مشابه عن الظروف التي كانت تمر بها العديد من عوائل المرضى أثناء معاناتهم أو معاناة أطفالهم. هذه الأغنية لأولئك الذين يعانون،
قوتكم وروحكم أثرت في الجميع
استمراركم يمنحنا العزيمة
لأن شجاعتكم تساعدنا على الصمود
وأخيرا أضفت فقرة عن الجينوم
إنه كتيب التعليمات، وسجل التاريخ
وهو كتاب الطب، إنه جميع ذلك
إنه من الناس وإلى الناس
أنه ملكك وملكي
بالنسبة لي كشخص مؤمن كان لاكتشاف الجينوم البشري أهمية إضافية. هذا الكتيب الذي كتب بلغة الحمض النووي بالطريقة التي تحدث فيها الله لإيجاد الحياة. لقد شعرت بالسعادة الغامرة وأنا أقرأ هذا الكتاب الذي هو أهم الكتب الحياتية. نعم، لقد كتب بطريقة يصعب علينا فهمها، وسوف يتطلب فهم أوامرها عقود أو ربما قرون، ولكننا عبرنا الجسر إلى الضفة الأخرى.
مفاجآت من القراءة الأولى للجينوم
لقد كتبت كتب كثيرة عن مشروع الجينوم البشري، وربما أقوم أنا أيضا بتأليف كتاب عن ذلك. وبالطبع ليس هدف هذا الكتاب الغوص في هذه التجربة المميزة، وإنما الهدف هو تسليط الضوء على طرق الفهم الجديدة يمكنها التوفيق بين العلم والدين. وفي هذا المجال، من المشوق التدقيق بالجينوم البشري ومقارنته مع جينوم كائنات أخرى تم تحديد الجينوم لها. عندما نتأمل في الحجم الهائل للجينوم البشري المكون من 3,1 بليون حرف لبرمجة الحمض النووي موزعة على 24 کروموسوم تظهر لنا العديد من المفاجآت.
إحدى هذه المفاجآت هي الكمية القليلة من الجينوم المستخدمة لتشفير البروتين. وعلى الرغم من محدودية طرقنا التجريبية والحسابية فإن هناك ما بين 20000-25000 من الجينات المشفرة البروتين في الجينوم البشري. تصل كمية الحمض النووي المستخدمة في تشفير البروتين إلى 1,5٪ من الكمية الكلية. وبعد عقد من الزمن على توقع اكتشاف ما لا يقل عن 100000 جين سوف يصاب البعض منا بالدهشة من اكتشاف أن الله كتب قصص قصيرة عن الجنس البشري. وهذا بالخصوص سبب للدهشة في إطار حقيقة أن الجين المسؤول عن الكائنات الأخرى مثل الديدان والذباب والنباتات البسيطة له نفس الحجم تقريبا، أي ما يقرب من 20000.
اعتبر بعض المراقبين ذلك فرصة للهجوم على تعقيد الإنسان. هل خدعنا أنفسنا بشأن الوضعية الخاصة لنا في مملكة الحيوانات؟ حسنا، ليس الأمر كذلك، فالقصة ليست كلها مجرد عدد جينات. بكل الاعتبارات، التعقيد الحيوي للبشر أكبر بكثير من الديدان التي تحتوي على 959 خلية، على الرغم من أن عدد الجينات في الحالتين متشابه، وأيضا لعدم وجود كائن أخر تم تحديد تسلسله الجيني. تعقيد تكويننا لا يأتي من عدد حزم التعليمات فحسب، وإنما في طريقة توظيفها. ولعل أجزاءنا قد تعلمت على منهجية العمليات المتعددة Multitask.
لفهم الأمر بطريقة أخرى دعوني استخدم تشبيها لغوية. معدل الكلمات التي يعرفها الشخص المتعلم الناطق باللغة الإنجليزية هو 20000 كلمة. وهذه الكلمات تستخدم في تكوين نصوص مبسطة (مثل كتيب تعليمات السيارة)، أو في أعمال أدبية أكثر تعقيداً مثل James Joyce ‘ s Ulysses. بنفس المعنى، تحتاج الديدان والحشرات والأسماك والطيور إلى عدد 20000 من الجينات لتمارس نشاطها، مع أنها تستخدم هذه المصادر بطريقة أقل تطوراً مما نقوم به.
الميزة الأخرى الملفتة للجينوم البشري تأتي من المقارنة بين مختلف أعضاء النوع البشري. على مستوى الحمض النووي، نجد أن 99٪ من البشر متطابقين. وهذا التشابه ينطبق على أي شخصين في العالم نريد مقارنتهما. ولذلك فالحمض النووي للبشر هو عضو في عائلة واحدة. هذا التمايز الوراثي البسيط يميزنا عن بقية الكائنات على الأرض، حيث التفاوت بينها في الحمض النووي يصل إلى 10 أو ربما 15 ضعف التفاوت الموجود في الحمض النووي البشري. إذا أرسل كائن غريب إلى الأرض لفحص أشكال الحياة فإنه سيجد العديد من الأمور الملفتة للنظر عن الجنس البشري، ولكن بالتأكيد فإن أبرز هذه الأمور سوف يكون في التفاوت البسيط بين أفراد الجنس البشري.
ينظر علماء الوراثة السكانية الذين يختصون باستخدام أدوات الحسابية لإعادة بناء التجمعات السكانية في التاريخ من حيوانات ونباتات، أو البكتيريا، إلى هذه الحقائق عن الجينوم البشري ويستدلون على أنها تشير إلى أن جميع أفراد جنسنا البشري متحدرين من مجموعة مشتركة من المؤسسين، مكونة من ما يقرب من عشرة الآلاف شخص، عاشوا قبل حوالي 100-150 ألف سنة. هذه المعلومات تتناسب تماماً مع السجل الأحفوري، وهو ما يشير إلى أن الموطن الأصلي لهؤلاء المؤسسين كان شرق أفريقيا.
نتيجة أخرى مثيرة للاهتمام العميق ظهرت بعد دراسة جينومات متعددة، ألا وهي القدرة على القيام بمقارنات تفصيلية بين تسلسل الحمض النووي الخاص بنا مع تلك الموجودة في الكائنات الحية الأخرى. باستخدام الكمبيوتر، يستطيع الشخص أخذ مقطع من الحمض النووي الخاص بالإنسان وتقييم ما أذا كان يتشابه مع تسلسل الحمض النووي لكائنات أخرى. إذا أخذنا القسم الخاص بالتشفير في الجين البشري (وهو القسم الخاص بالتعليمات الموجودة بالبروتين) وأجرينا أبحاثاً عليه، فإننا سوف نجد تشابهاً كبيراً مع جينوم بقية الكائنات. بعض الجينات قابل للتمييز، ولكنه لا يتطابق مع الموجود في الأسماك.
البعض الأخر سوف يكون فيه تشابه بين الجينوم البشري وبين كائنات أكثر بساطة مثل ذباب الفاكهة والديدان. وفي بعض الحالات الصادمة قد يصل التشابه إلى جينات الخميرة، بل وحتى إلى البكتيريا.
على الطرف الأخر، إذا أخذنا جزء من الحمض النووي الموجودة بين الجينات فإن إمكانية العثور على تسلسل مشابه في جينوم كائنات مختلفة عنا كثيرة تقل. بالطبع هذه الإمكانية لا تختفي تماماً، فبمساعدة الكمبيوتر يمكن مقارنة هذا الجينوم مع جينوم بقية الثدييات، وتقريباً جميع هذه الكائنات بما فيها الكائنات غير الثدية ينتظم فيها الحمض النووي بشكل جميل.
الشكل التالي يوضح نسب النجاح في العثور على تشابه حسب الأنواع المختلفة. ماذا يعني كل ذلك؟ على مستويين، يمثل ذلك تأييداً قوياً لنظرية داروين في التطور، تأييد لفكرة أننا جئنا من أسلاف مشتركين من خلال عملية انتخاب طبيعي بطريقة عشوائية متغيرة. النتيجة مبينة في الشكل 5.1.
احتمالية وجود تشابه مع الحمض النووي لكائنات أخرى
جدول 5,1: احتمالية وجود تشابه مع الحمض النووي لكائنات أخرى.
تسلسل الجين
الحمض النووي بين الجينات
الشمبانزي
100٪
98٪
الكلب
99٪
52٪
الفأر
99٪
40٪
الدجاج
75٪
4٪
ذباب الفاكهة
60٪
0٪
الديدان
35٪
0٪
ضع في اعتبارك أن هذا التحليل لا يستخدم أي معلومات من السجل الأحفوري أو من الملاحظات التشريحية لأشكال الحياة الحالية. ومع ذلك تتشابه الاستنتاجات المستخلصة من الدراسات المقارنة لعلم التشريح، وكلاهما من الكائنات الحية الموجودة والبقايا المتحجرة.
ثانياً، داخل الجينوم، يمكن لنظرية داروين توقع الطفرات التي لا تؤثر على الوظيفة التي يقوم بها العضو (وهي تلك المناطق التي تقع في نفايات الحمض النووي) سوف تتراكم بشكل مستمر مع مرور الوقت. ومع ذلك، فمن المتوقع حدوث طفرات في منطقة ترميز الجينات مع أنها أقل حدوثاً، لأن معظم هذه الطفرات سوف تكون ضارة، وفي حالات نادرة توفر هذه الطفرات ميزة انتقائية ويتم المحافظة عليها خلال عملية التطور. هذا هو بالضبط ما لوحظ.
الظاهرة الأخيرة هذه تنطبق حتى في التفاصيل الدقيقة المناطق ترميز الجينات. لعلك تتذكر مما مر في الفصل السابق أن الشفرة الوراثية تتناقص: على سبيل المثال، GAA وGAA كلاهما رمز الحمض الجلوتاميك. وهذا يعني أنه من الممكن لبعض الطفرات في منطقة الترميز أن تكون “صامتة”، حيث لا يتم تبديل الأحماض الأمينية المشفرة من خلال التغيير.
عندما نقارن الحمض النووي للكائنات المتقاربة نجد أن الاختلافات الصامتة أكثر شيوعاً في مناطق التشفير من المناطق التي يتغير فيها الحمض الأميني. وهذا بالضبط ما توقعته نظرية داروين. إذا كان هناك من يقول إن هذه الجينومات قد تم خلقها بفعل كائن بكيفية خاصة، فلماذا ظهرت هذه الخاصية؟
داروين والحمض النووي
لم يكن داروين واثقاً تماماً من نظرية التطور. وهذا ما يفسر السنوات الخمس والعشرين التي فصلت بين تطويره لهذه الفكرة وبين نشره لكتاب “أصل الأنواع”. لابد أن داروين تمنى أن يعود ملايين السنين ليتابع كل الأحداث التي توقعتها نظريته. بالطبع لا يستطيع أن يفعل ذلك، ولا نحن كذلك. ولكن ما كان لداروين أن يكون أكثر اقتناعاً بنظريته مثل هذه الأيام التي توصلنا بها إلى دراسة الحمض النووي لعدة كائنات.
في منتصف القرن التاسع عشر لم يكن داروين قادراً على معرفة ما يمكن أن تكون عليه آلية التطور عبر الانتخاب الطبيعي. يمكننا الآن أن نرى التفاوت الذي افترضه داروين وذلك في التطور الذي يحدث في الحمض النووي بشكل طبيعي. هذه التفاوت يمكن أن يحدث بمعدل خطأ واحد في كل 100 مليون زوج في كل جيل (وبما أننا جميعا لدينا 3 بلايين زوج من هذه الأزواج من الأب وأخرى من الأم، فإن لدى كل واحد منا 60 زوج تقريباً قابل للطفرة لم تكن موجودة لا في الأب ولا في الأم).
معظم هذه الطفرات تحدث في أجزاء الجينوم غير الرئيسية وبالتالي فهي قليلة أو عديمة التأثير. أما تلك الأجزاء التي تقع في المناطق الأكثر أهمية للجينوم فإن الطفرات تكون ضارة بشكل عام، لأنها تقلل من اللياقة الإنتاجية. لكن في حالات نادرة، تظهر طفرة من قبيل المصادفة بحيث يمكن أن تحدث درجة طفيفة من الميزة الانتقائية. وعندها ترتفع احتمالية انتقال هذا النوع من التشفير الجديد للحمض النووي إلى النسل المستقبلي.
على مدى فترة طويلة جداً من الزمن، يمكن لمثل هذه الأحداث النادرة المفيدة أن تنتشر على نطاق واسع في جميع أفراد هذه الأنواع، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تغييرات كبيرة في الوظيفة البيولوجية. في بعض الحالات، يلاحظ العلماء التطور في الفعل، والآن أصبح لدينا الأدوات اللازمة لتتبع مثل هذه الأحداث. بعض منتقدي النظرية الداروينية مثل من يقول إنه لا يوجد دليل على “التطور الكبير” (أي، التغيير الكبير في الأنواع) في السجل الأحفوري، وإنما هب مجرد “تطورات أو طفرات صغيرة” (التغيير التدريجي في إطار الأنواع).
لقد رأينا تغيراً في شكل منقار العصفور على مر الزمن، ولكن كما يقولون، ذلك يعتمد على تغير مصادر الغذاء، لكننا لم نر أنواع جديدة من العصافير تظهر.
ينظر إلى هذا التغير على نحو متزايد على كونه تغيراً مصطنعاً. فمثلا، تسعى مجموعة من الباحثين في جامعة ستانفورد بشكل حثيث في محاولة لفهم التنوع الكبير في الدروع الواقية للبدن في سمكة ذات الشوكة fish Stickleback والتي تعيش في المياه المالحة، وعادة ما يكون لها صف من 36 صفيحة مدرعة تمتد من الرأس إلى الذيل، ولكن في الجزء الذي يعيش في المياه العذبة في العديد من أنحاء العالم، حيث تقل الحيوانات المفترسة تفقد معظم هذه الأسماك الدروع الواقية.
يبدو أن الأسماك ذات الشركة التي تعيش في المياه العذبة وصلت إلى وضعها الحالي بدءًا من قبل 10-20 ألف سنة بعد ذوبان الأنهار الجليدية على نطاق واسع في نهاية العصر الجليدي الأخير. المتابعة الدقيقة لجينومات لهذه الأسماك التي تعيش في المياه العذبة مكن من التعرف على جين معين EDA، وهو الجين الذي تغير بشكل مستمر في حالات الأسماك التي تعيش في المياه العذبة، مما أدى إلى فقدان الصفائح لديها.
المثير أن الإنسان لديه أيضا جين EDA والتطور في هذا الجين أدى إلى خلل في الشعر والأسنان والغدة العرقية والعظام. ليس من الصعب أن نرى كيف أنه يمكن تعميم الاختلاف بين الأسماك التي تعيش في المياه المالحة وتلك التي تعيش في المياه العذبة تعميمه على جميع أنواع الأسماك. لذلك يبدو التمييز بين التطور الكبير والتطور الصغير تعسفياً إلى حد ما؛ فالتغييرات الكبيرة التي تنتج في الأنواع الجديدة هي نتيجة لتغيرات تدريجية على شكل خطوات أصغر.
يمكن ملاحظة التطور في تجاربنا اليومية وذلك في التغير السريع للفيروسات والبكتريا والطفيليات المسببة للأمراض، والتي يمكن أن تتسبب في حدوث مشاكل صحية عامة. لقد أصبت بالملاريا في أفريقيا الوسطى في عام 1989 رغم تناولي لعقار prophylaxis المضاد للملاريا. أدت التغيرات الطبيعية التي تحدث عشوائيا في الجينوم الطفيلي الملاريا، نتيجة للانتخاب الطبيعي السنوات طويلة من الاستخدام المكثف للالكلوروكين في مناطق من العالم، في نهاية المطاف إلى ظهور المرض الذي أصبح مقاوما للدواء، وبالتالي أصبح قادرة على الانتشار بسرعة.
وبالمثل فإن التطور السريع في فيروس HIV قد تسبب في تحدي كبير لتطوير لقاح مضاد له، وهو السبب الرئيسي في الانتكاس الكلي للذين يتم معالجتهم بالأدوية ضد مرض الإيدز. وهناك مثال أخر يعرفه عامة، الناس، ويتمثل في المخاوف من حدوث وباء نتيجة لانتشار إنفلونزا من سلالة H5N1 من فيروس أنفلونزا الطيور استناداً إلى وجود احتمال كبير في أن السلالة الحالية، قد تكون مدمرة كما هو الحال بالفعل بالنسبة إلى الدجاج وقليل من البشر المخالطين لها، إذ أنها سوف تتطور إلى شكل يمكن أن ينتشر بسهولة من شخص إلى آخر. يمكن القول إنه ليس علم الأحياء فقط يصبح من الصعب فهمه من دون نظرية التطور، بل حتى علم الطب يصبح صعب الفهم.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لتطور الإنسان؟
تطبيق علم الوراثة على الأسماك الشوكية شيء، ولكن ماذا عنا نحن البشر؟ منذ زمن داروين تحمس الكثيرون في أنحاء متفرقة من العالم لفهم كيف تحدث الإيحاءات الخاصة بالأحياء والتطور الذي يجعل من الممكن أن لهذه الإيحاءات أن تنطبق على جنس معين من الحيوانات، ألا وهو الإنسان. أدت دراسة الجينوم إلى الاستنتاج بشكل قاطع أننا نحن البشر نشترك مع بقية الكائنات في سلف مشترك.
ويتضح بعض من تلك الأدلة في الجدول 5,1 حيث يتشابه الجينوم البشري مع غيره من الكائنات. هذا الدليل لوحده لا يعد بالتأكيد برهاناً على وجود سلف مشترك، فمن وجهة النظر التي تؤمن بالخلق هذا التشابه يدل على أن الإله استخدم مبادئ هذا التصميم الناجح مرات ومرات. كما سنرى فيما بعد، أنه وعلى الرغم من أن مناقشة طفرات «صامتة» في مناطق تشفير البروتين قد طغت على النقاش، إلا أن الدراسة المفصلة للجينوم جعلت من الصعب الدفاع عن هذا التفسير، ليس فقط بالنسبة الكل الكائنات الحية الأخرى، وإنما أيضا بالنسبة لنا.
وكمثال أول، دعونا نلقي نظرة على مقارنة بين الجينومات البشرية والفأر، وكلاهما تم تحديدها بدقة عالية. الحجم الكلي لكلا الجينومات متقارب، ومكان تخزين شفرة البروتين في الجين متشابه بشكل ملحوظ. لكن العلامات الواضحة الأخرى التي تدل على سلف مشترك تظهر بسرعة عندما ينظر المرء في التفاصيل. على سبيل المثال، ترتيب الجينات في الإنسان والفأر بشكل عام يمتد على طول الحمض النووي.
ولذلك، فإذا وجدت ترتيب الجينات في الإنسان على النحو التالي A,B,Cفإن من المرجح أن أجد ترتيب الجينات في الفأر بنفس الترتيب، وإن كانت الفراغات الموجودة فيما بينها قد تختلف بعض الشيء (الشكل 5.2).
في بعض الحالات، هذه العلاقة تمتد لمسافات كبيرة تقريباً، لتشمل كل الجينات على الكروموسوم البشري رقم 17، وعلى سبيل المثال، هو نفس الجين الذي تم العثور عليه في الكروموسوم رقم 11 في الفأر.
بينما يمكن لشخص أن يقول إن ترتيب الجينات أمر بالغ الأهمية من أجل القيام بوظيفتها بشكل صحيح، وبالتالي فإن المصمم قد حافظ على هذا الترتيب في خلقه لهذا الكائن الخاص، إلا أنه لا يوجد دليل في الفهم الحالي للبيولوجيا الجزيئية يدل على أننا نحتاج لتطبيق هذا الإجراء على مسافات طويلة في الكروموسوم. هناك أدلة أخرى مقنعة على وجود سلف مشترك أتت من دراسة العناصر القديمة المتكررة (AREs).
الشكل 5,2: مقارنة بين تركيب الجينات في الإنسان والفأر
هذه العناصر تنشأ من قفزات جينية قادرة على نسخ وإدخال نفسها في مواقع مختلفة من الجينوم من دون أن يكون لها أي دور وظيفي.
يحتوي جينوم الثدييات على العناصر المتكررة، وما يقرب من 45٪ من الجينوم البشري مكون من هذه الجزيئات الهامشية. عندما نقارن أقسام الجينوم البشري مع أقسام جينوم الفأر سوف نجد أن هذه الأجسام في العادة موجودة في نفس المواقع في الحالتين (الشكل 5,2). ربما فقد بعض هذه الجزئيات موقعه في هذا الكائن أو غيره، ولكن الكثير ظل في الموقع الذي ورثه عن أسلافه وظل يحمله منذ ذلك الحين.
قد يجادل أحدهم بالقول إن الخالق هو من وضع هذه العناصر في هذا المكان لسبب مقنع، وأن التقليل من شأن هذه العناصر عطفاً على جهلنا الحالي يعتبر أمرا مضلاً. وفي الحقيقة، أن جزءًا صغيراً منها يلعب أدواراً تنظيمية، ولكن بعض الأمثلة لا تتوافق إطلاقاً مع ذلك. وفي الغالب تلحق عملية التبديل الضرر بالقفزة الجينية. تنتشر هذه الأجسام في جميع أجزاء الجينوم البشري وجينوم الفأر، ولكن لا يبدو أن لها أي دور وظيفي. وفي كثير من الحالات يمكن ملاحظة مثل هذه الأجسام ميتة في كل من الجينوم البشري وجينوم الفأر (الشكل 5,2).
ما لم يكن أحد يريد أن يأخذ دور الإله الذي وضع هذه الأجسام في مكانها الدقيق هذا وافتراض إنه يريد أن يضللنا، فإن النتيجة هي أن الإنسان والفأر يشتركان في سلف واحد. هذا النوع من المعلومات عن الجينوم تشكل تحدياً كبيراً للذين يعتقدون أن جميع الكائنات خلقت من العدم. تموضع الإنسان في شجرة الحياة التطورية يتوثق بمقارنة الإنسان مع أقرب الكائنات إليه وهو القرد. لقد تم الكشف عن تسلسل جينوم القرد، وتبين أنه متطابق بدرجة 96٪ على مستوى الحمض النووي.
وهناك مثال آخر لهذا العلاقة الوثيقة ينبع من فحص تشريح کروموسومات البشر والشمبانزي. الكروموسومات هي الشكل الظاهر من الحمض النووي للجينوم، وهي تظهر في المجهر الضوئي في وقت انقسام الخلية. يحتوي كل کروموسوم على مئات الجينات. الشكل 5,3 يوضح المقارنة بين کروموسومات البشر وكروموسومات الشمبانزي. الإنسان لديه 23 زوج من الكروموسومات، بينما الشمبانزي لديه 24 زوج من الكروموسومات.
يبدو أن الاختلاف في زوج من الكروموسومات بين الإنسان والشمبانزي يعود إلى انصهار اثنين من الكروموسومات البشرية مما كون الكروموسوم رقم 2. فرضية الانصهار يدعمها أنه تبين من دراسة الغوريلا وإنسان الغاب أن لكليهما 24 زوجا من الكروموسومات مشابهة جدا للشمبانزي.
في الآونة الأخيرة، ومع التحديد الكامل لتسلسل الجينوم البشري، أصبح من الممكن أن نحدد الموقع الدقيق الذي حدث فيه انصهار هذه الكروموسومات. التسلسل الموجود وطول الكروموسوم رقم 2 ملفت للنظر. دون الحصول على معلومات إضافية، دعوني أقول إن تسلسلاً خاصاً حدث على حافة الكروموسومات الرئيسية. وهذا التسلسل لا يحدث في العادة. وإنما يحدث عندما نتوقع وجود طفرات، وبالتحديد في الكرموسوم رقم 2. الانصهار الذي حدث أثناء تطورنا من قرد ترك بصمة الحمض النووي في المكان نفسه.
إنه من الصعب فهم هذه الملاحظة من دون افتراض سلف مشترك. هناك حجة أخرى تؤيد وجود سلف مشترك بين الإنسان والشمبانزي من ملاحظة غريبة تسمى “الجين المستعار”. تلك هي الجينات التي لديها ما يقرب من جميع خصائص حزمة تعليمات الحمض النووي الوظيفية، ولكنها من جانب أو أكثر تعاني من مواطن الخلل التي تحول نصها إلى كلام غامض. عندما نقارن بين الشمبانزي والإنسان، يظهر في بعض الأحيان جينات يبدو أنها تعمل وظيفية في نوع ما، ولكنها لا تعمل في أنواع أخرى، وذلك يتطلب حصول طفرات ضارة.
تعرض الجين البشري المعروف باسم 12-caspase على سبيل المثال للعديد من الضربات، ومع ذلك نجده في موقع متشابه نسبية في الشمبانزي. يعمل جين الشمبانزي 12-caspase بشكل جيد، كما هو الحال مع بقية الثدييات بما فيها الفأر. إذا كان البشر وجدوا عبر عملية خلق خاصة من قبل القوة الخارقة فلماذا أتعب الإله نفسه بإدخال جين غير فعال في هذا الموقع؟
يمكننا أيضاً أن نبدأ الآن شرح التفاصيل الدقيقة من الناحية الميكانيكية لنا ولأقرب الكائنات لنا، والبعض من هذه الكائنات قد تلعب دوراً حاسماً بالنسبة للإنسانية. في مثال على ذلك، يوجد جين لبروتين عضلات الفك (MYH16) يبدو أنه قد تحول إلى جين مزيف في البشر. ومع ذلك لا يزال هذا الجين يلعب دوراً هاماً في تطوير وقوة عضلات الفك في الكائنات الأخرى. من الممكن أن يكون تطور الفك الأضعف سمح لجمجمتنا أن تتوسع نحو الأعلى، وتستوعب المخ. من الواضح أن هذا نوع من التخمين، وبطبيعة الحال فإن التغيرات الجينية الأخرى مسؤولة بالضرورة عن كبر القشرة الخارجية للدماغ والتي تمثل عنصراً رئيسياً في الفرق بين البشر والشمبانزي.
وفي مثال أخر، يوجد حاليا اهتمام كبير بجين يسمى FOXP2 لاحتمال أن يكون له دور في عملية تطور اللغة عند الإنسان. بدأت قصة هذا الجين بعد التعرف على عائلة في بريطانيا عانى ثلاثة أجيال منها من صعوبات في النطق. كان هؤلاء يعانون من صعوبة في ترتيب الكلمات وفقا لقواعد النحو أو صعوبة في فهم تركيب الجملة المركبة أو في تحريك عضلات أفواههم ووجوههم ومراكز النطق لإخراج أصوات معينة. في مختبر التجسس الوراثي، وجد أن أفراد هذه العائلة يعانون من خلل في أحد حروف شيفرة الحمض النووي لهذا الجين الموجود في الكروموسوم رقم 7.
هذا يظهر حقيقة أن خطأ بسيط في شيفرة الجين قد تتسبب في قصور لغوي شديد دون أن يكون هناك تأثير آخر، وهذا كان مثيرة للدهشة. ازدادت الدهشة عندما تم الكشف عن أن تسلسل الجين FOXP موجود بشكل لافت في كل الثدييات تقريباً. والاستثناء المثير كان الإنسان، حيث وجد أن تغييرين مؤثرين طرأ على منطقة التشفير في الجين قبل ما يزيد على الألاف السنين على أقرب تقدير. هذه الفرضية دفعت للاعتقاد أن هذه التغيرات التي طرأت على الجين أثرت بشكل ما على تطور اللغة لدى البشر.
في هذه اللحظة، قد يشعر الماديين الملحدين بالفرحة. إذا كان الإنسان وجد من خلال التطور والانتخاب الطبيعي، فلماذا نحتاج إلى الإله ليشرح لنا كيف تكونا؟ هنا أجيب بالقول نعم نحتاج الإله. مقارنة تسلسل كل من الإنسان والشمبانزي لا تجيب على السؤال ماذا يعني أن نكون بشر. إعفاء الإله من مسؤولية الخلق الخاص لا يعني عزله عن أن يكون مصدر في كون الإنسان كائن مميز بالنسبة للكون ككل. هذه الآلية تدلنا نوعا ما على الطريقة التي يتصرف بها.
التطور: حقيقة أم نظرية؟
الأمثلة التي ذكرت هنا من دراسة الجينوم، بالإضافة إلى غيرها من الأمثلة يمكن أن تملأ مئات الكتب وتوفر نوع من الدعم الجزئي النظرية التطور، والتي استطاعت إقناع غالبية علماء الأحياء بأن إطار عمل داروين المبني على التغير والانتقاء الطبيعي مما لا شك فيه صحيح. في الواقع، بالنسبة لأولئك الذين عملوا مثلي في مجال علم الوراثة، يكاد يكون من المستحيل تصور الربط بين كميات هائلة من البيانات الآتية من دراسات الجينوم من دون الاستناد إلى أسس نظرية داروين. وكما قال عالم الأحياء ثيودوسيوس دوبجانسکی Theodosius Dobzhansky في أوائل القرن العشرين “لا شيء في علم الأحياء له معنى إلا على أساس التطور”.
في المقابل من الواضح أن نظرية التطور كانت مصدر عدم ارتياح للمجتمع الديني خلال المئة والخمسين سنة الماضية، ولا يبدو أن هناك أي علامات للتراجع عن هذا الرفض. ولهذا فإننا ننصح المؤمنين بالله بمراجعة الحجم الهائل من المعلومات التي تؤكد على وجهة النظر القائلة بوجود علاقة بين جميع الكائنات الحية بما فيها البشر. وعطفا على قوة الأدلة المقدمة فإنه من المحير جداً أن قدراً قليلاً من القبول لدى الرأي العام قد تحقق في الولايات المتحدة. ولعل جزء من المشكلة يعود إلى سوء فهم لمعنى مصطلح “نظرية”. النقاد مغرمون فقط بالإشارة إلى أن التطور مجرد نظرية، وهي العبارة التي تربك العلماء التي يستخدمون كلمة “نظرية” بعدة معاني.
قاموس Funk & Wagnalls يقدم تعريفين مختلفين لكلمة “نظرية”: (1) وجهة نظر تخمينية أو حدسية لبعض الأشياء؛ (2) المبادئ الأساسية التي يقوم عليها العلم، والفن، وما إلى ذلك: مثل نظرية الموسيقى، نظرية المعادلات”. المعنى الثاني هو الذي يستخدمه العلماء عندما يتحدثون عن نظرية التطور، بالضبط كما يفعلون عندما يتحدثون عن نظرية التطور ونظرية الجرثومة للأمراض المعدية. في هذا السياق، لا تقصد كلمة “نظرية” أن تحمل معنى عدم التحديد، ولذلك فإن العلماء يستخدمون كلمة “فرضية” للأغراض العلمية.
أما في الاستخدام اليومي فإن كلمة “نظرية” تفهم في إطار العلاقة السببية كما هو مذكور في التعريف الأول في معجم & Funk Wagnalls مثل قول أحدهم: “ليندا لديها نظرية بأن بتلر هو من فعل ذلك”. إن من المؤسف جداً أن لغتنا تفتقر إلى الدقة اللازمة للتمييز في مثل هذه الحالات، كما هو واضح من أن الاختلاف البسيط لمعنى كلمة جعل الأمور أسوأ في حوار مثير للجدل بين العلم والإيمان حول كيفية ارتباط الكائنات الحية.
إذا كان التطور حقيقة، فهل بقي شيء للإله؟ كتب آرثر بيكوك Arthur Peacock، وهو عالم بريطاني في البيولوجيا الجزيئية وأصبح في وقت لاحق كاهن الكنيسة الأنغليكانية كتب بشكل مسهب حول التفاعل بين علم الأحياء والإيمان، وقد نشر مؤخرا كتاباً بعنوان التطور: صديق الإيمان المتنكر؟ The Disguised Friend of Faith؟ العنوان الجميل للكتاب يمثل تناولا جديداً للموضوع، ولكن هل هذا سوف يعلن وقف إطلاق النار بين وجهتي النظر غير المتوافقتين؟
أو هل إن عرضنا الآن الحجج التي تؤيد إمكانية وجود الله من جهة، والبيانات المتعلقة بأصل الكون والحياة على الأرض من جهة أخرى، يستطيع التوصل إلى تركيب توافقي سعيد؟
صب التطور الذي حصل في العلم الحديث لصالح الأسباب التقليدية للإيمان بالإله. عندما لا يكون لدينا فكرة عن الكيفية التي وجد بها الكون فإن من السهل نسبة ذلك إلى فعل إلهي، أو مجموعة أفعال إلهية. وبالمثل، فإن وضع كبلر وبرینكوس وغاليليو الأرض في وسط السماء المرصعة بالنجوم بدا وكأنه يمثل حجة قوية لوجود الإله. إذا كان الإله وضع الأرض في الوسط، فلابد أنه بنى كل ذلك من أجلنا. عندما أجبرت العلوم الشمسية على إعادة النظر في هذا المفهوم، اهتزت قناعات العديد من المؤمنين.
لكن الركن الثالث من أركان الإيمان لازال يحظى بقيمة كبيرة: تعقيد الحياة الدنيوية، مما يعني لأي مراقب أن لهذا عمل مصمم ذكي. وكما سنرى لاحقاً، فإن العلم قلب ذلك رأساً على عقب. وهنا كما في الحجتين السابقتين، أريد أن أشدد على أن المؤمن بالإله لا ينكر العلم، وإنما يتبناه. إن الأناقة التي تقف خلف تعقيد الحياة مدعاة للإعجاب والاعتقاد بالله، ولكن ليس بالطريقة المبسطة والمباشرة التي كان يعتقد بها الكثيرون قبل نظرية دارون.
تعود “حجة التصميم على الأقل إلى أيام شيشرون، ولقد تم تقديمها بشكل مؤثر بواسطة ويليم بالي William Paley في كتابه المهم اللاهوت الطبيعي Natural Theology أو براهين الوجودEvidences of the Existence and Attributes of the Deity Collected from the Appearance of Nature. طرح بالی وهو فيلسوف أخلاقي قياساً شهيراً على النحو التالي: “افترض أنه وأثناء مروري بأرض قاحلة أصدمت قدمي بحجر، وسألني أحدهم كيف جاء هذا الحجر إلى هنا، من الممكن أن أجيب بالقول إنه كان هنا منذ قديم الزمان. ولن يكون من السهل جداً إظهار سخافة هذه الإجابة. ولكن افترض إنني وجدت ساعة يد على الأرض وسُئلت كيف وصلت هذه الساعة إلى هنا، هنا من الصعب عليّ أن أفكر بالإجابة على هذا السؤال بنفس إجابة السؤال السابق، لأن القول بأن ساعة اليد كانت هنا منذ القدم يستلزم القول بأن لهذه الساعة صانع: وعليه تكون الساعة وجدت في زمان ما وفي مكان ما، وهناك صانع أو صناع قاموا بصناعتها لهدف معين، وهذا الصانع هو من يعلم تركيبها وقام بوضع كل الدلائل التي تشير إلى صنعها. كل مظاهر التصميم الموجودة في ساعة اليد موجودة في عالم الطبيعة، مع أفضلية لعالم الطبيعة لكونه أكبر، ولأن حسابات تصميمه تفوق كل الحسابات. برهان التصميم كان مقنعة للبشرية طوال التاريخ. داروين نفسه، قبل رحلته على سفينتي بيغل كان معجبا بكتابات بالي، وصرح بأنه مقتنع بهذا الرأي. ومع ذلك فإن هناك عيب في حجة بالي، ويمكن توضيح ذلك باختصار على النحو التالي:
1- ساعة اليد معقدة
2- لساعة اليد صانع ذكي
3- الحياة معقدة
4- لذلك، الحياة أيضا لها صانع
ولكن في الحقيقة كون شيئين يتشاركان في خاصية واحدة لا يستلزم أنهما يتشاركان في جميع الخصائص. لنأخذ المثال المشابه التالي:
1- التيار الكهربائي الموجود في بيتي يتكون من تدفق للإلكترونات
2- التيار الكهربائي يأتي من شركة الكهرباء
3- البرق يتكون من تدفق للإلكترونات
4- لذلك، البرق يأتي من شركة الكهرباء
على الرغم من أن الحجة تبدو جذابة، ولكنها لا تقول القصة بكاملها. لكي تختبر تعقيد الحياة وأصولنا في هذا الكوكب عليك أن تنقب عميقاً في الاكتشافات الرائعة حول طبيعة الكائنات الحية، وهي الاكتشافات التي نتجت عن الثورة الحديثة في علم المتحجرات وعلم الأحياء الجزيئي، وعلم الجينوم. على الشخص المؤمن أن لا يخشى من أن تسقط هذه الاكتشافات العرش الإلهي. إذا كان الله سبحانه وتعالى حقيقة، فسيكون من الصعب أن يتعرض للخطر من قبل مساعينا السقيمة في فهم طريقة عمل عالمه الطبيعي. ونحن كساعين للحقيقة ربما نعثر في العلم على أجوبة مقنعة على سؤال “كيف تعمل الحياة؟” ما لا نستطيع أن نكتشفه بواسطة العلم فقط هي الإجابة على الأسئلة “لماذا توجد حياة. لماذا نحن موجودون؟
أصل الحياة على كوكب الأرض
يبدأ العلم في الإجابة على السؤال عن تعقيد الحياة بجدول زمني. نحن نعلم في الوقت الحاضر أن عمر الأرض يبلغ 14 مليون سنة. قبل قرن من الزمن لم نكن نعلم عمر كوكبنا. ولكن الاكتشاف اللاحق للنشاط الإشعاعي والاضمحلال الطبيعي لبعض النظائر الكيميائية قدم لنا وسيلة أنيقة ودقيقة لتحديد عمر الصخور المختلفة على سطح الأرض. لقد تم شرح الأساس العلمي لهذه الطريقة بشكل مفصل في كتاب برنت داریمبل Brent Dalrymple عمر الأرض The Age of Earth، اعتماداً على معرفة نصف عمر ثلاثة عناصر كيميائية مشعة أنحلت بشكل مطرد، وتحولت إلى عناصر مختلفة ومستقرة: اليورانيوم تحول ببطء إلى الرصاص، والبوتاسيوم تحول ببطء إلى الأرجون، وتحول السترونتيوم الغريب إلى عنصر نادر يسمى الروبيديوم. عن طريق قياس كميات من أي من هذه الأزواج من العناصر، يمكننا تقدير عمر أي صخرة معينة. كل هذه الأساليب المستقلة تعطي نتائج متناغمة بشكل لافت للنظر، وجميعها يشير إلى أن عمر الأرض هو 4550000000 سنة، مع نسبة خطأ قريبة من الواحد بالمئة فقط. أقدم الصخور على سطح الأرض الحالي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 4 مليارات سنة، ولكن ما يقرب من سبعين نيزك وعدد من الصخور القمرية يعود تاريخها إلى 4.5 مليارات سنة.
جميع الأدلة المتوفرة حالياً تشير إلى أن الأرض كانت مكاناً غير ملائم تماماً للعيش فيها في الخمسمائة مليون سنة الأولى. لقد تعرض الكوكب لهجوم مستمر ومدمر من كويكبات ونيازك عملاقة، وأحد هذه الهجمات جعلت القمر يخرج عن نطاق الأرض. ولذلك لا غرابة في أن الصخور التي تعود إلى 4 مليارات سنة لا يوجد فيها أي دلائل على الحياة.
فقط في وقت لاحق، أي ما يقارب من 150 مليون سنة، تم العثور على أنواع حياة ميكروبية. ومن المفترض أن هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة كانت قادرة ربما باستخدام الحمض النووي على تخزين المعلومات، وكان قادرة على تكرار ذاتها، وقادرة على التطور إلى أنواع مختلفة متعددة. حديثاً، وضع کارل ووز Carl Woese فرضية محتملة لعمر محدد للأرض، وذلك عندما أصبح تبادل الحمض النووي بين الكائنات الحية سهلاً. بشكل أساسي، يتكون المحيط الحيوي للحمض النووي من عدد كبير من الخلايا الصغيرة المستقلة، ولكنها تتفاعل على نطاق واسع مع بعضها البعض.
إذا طور كائن معين بروتين أو سلسلة من البروتينات التي توفر ميزة معينة، فإنه يمكن لهذه الميزات الجديدة الانتقال بسرعة إلى جيرانها. بهذا المعنى، فإن التطور الذي حدث في وقت مبكر كان نشاطاً جماعياً أكثر منه نشاطاً فردياً. تم توثيق هذا النوع من “انتقال الجينات الأفقي” بشكل جيد في معظم الأشكال القديمة من البكتيريا الموجودة الآن على الأرض (العتائق)، وربما أتاح ذلك الفرصة لانتشار خصائص جديدة بسرعة.
ولكن كيف حدث التوالد الذاتي في المقام الأول؟ من المنصف القول إننا لا نعلم في الوقت الحالي كيف حدث ذلك. لا توجد فرضية حديثة اقتربت من تفسير كيف استطاع المكان الذي وجد قبل 150 مليون سنة من بيئة قبل حيوية أن يوجد حياة على سطح الأرض. هذا لا يعني عدم وجود فرضيات معقولة، ولكن الاحتمالات الإحصائية التي يمكن الاعتماد عليها لازالت تبدو بعيدة المنال.
قبل خمسين عاماً، شكلت التجارب الشهيرة التي قام بها ستانلي میلر Stanley Miller وهارولد أوري Harold Urey لخليط من المركبات العضوية والماء ما يمكن أن يكون الظروف البدائية للحياة على الأرض. استطاع هذان العالمان تكوين كميات قليلة من مركبات حيوية مثل الأحماض الأمينية من خلال تسليط شحنة كهربائية. مثل العثور على كميات صغيرة من مركبات مماثلة داخل النيازك القادمة من الفضاء الخارجي، حجة أيضا على أن مثل هذه الجزيئات العضوية المعقدة يمكن أن تنشأ من العمليات الطبيعية في الكون.
بعد هذه النقطة، تصبح التفاصيل ناقصة تماماً. كيف يمكن لجزيء حامل للمعلومات وذاتي الانقسام أن يتكون من هذه المركبات؟ الحمض النووي الذي يتكون عموده الفقري من السكر الفوسفاتي مرتب على شكل طبقات فوق بعضها بشكل منسق على صورة أزواج من الحلزون المزدوج، يبدو وكأن جزئياً قد خرج إلى الوجود كشكل أولي للحياة على نحو غير متوقع، وخاصة أن الحمض النووي لا يملك القدرة على نسخ نفسه، على عكس الحمض الريبي RNA، حيث يمكن للحمض الريبي أن يحمل المعلومات، وفي بعض الحالات يمكن أن يحفز تفاعلات كيميائية، في حين لا يستطيع الحمض النووي ذلك. الحمض النووي مثل الذاكرة الدائمة الموجودة في جهاز الكمبيوتر: إذ أنها يفترض أن تكون وسيلة ثابتة لحفظ المعلومات (وكما هو الحال مع الكمبيوتر يمكن أن يصاب الحمض النووي بالأخطاء البرمجية). على عكس ذلك، فإن الحمض الريبي أشبه بالذاكرة المؤقتة التي بمقدورها أن تقوم بنشاطات بمفردها. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها عدد من الباحثين إلا أنه لم يمكن لحد الآن التوصل إلى مكونات الحمض الريبي في تجربة ميلر -أوري، كما لم يمكن تصميم حمض ريبي قادر على التوليد الذاتي.
دفعت الصعوبات الكبيرة في تحديد مسار مقنع لأصل الحياة بعض العلماء، وأبرزهم فرانسیس کريك Francis Crick (الذي أكتشف مع جيمس واتسون الحمض النووي المزدوج الحلزون)، إلى القول بأن أشكال الحياة وصلت إلى الأرض من الفضاء الخارجي، إما عبر جزيئات صغيرة عائمة عبر الفضاء بين النجوم وتقع تحت تأثير جاذبية الأرض أو أن ذلك تم بشكل مقصود أو غير مقصود من قبل بعض المسافرين القدماء الآتين من الفضاء. على الرغم من أن هذا التفسير قد يحل معضلة الحياة على الأرض، إلا أنه لا يقدم شيئا لحل السؤال الجوهري عن أصل الحياة، لأنه يدفع بالحدث المذهل إلى حقبة زمنية أقدم بكثير. وهي نقطة نظام نطرحها في وجه المعترضين على إمكانية الوجود العفوي للحياة على الأرض استناداً إلى القانون الثاني للميكانيكا الحرارية.
ينص القانون الثاني على أنه في نظام مغلق، حيث لا طاقة ولا مادة يمكنهما الدخول أو الخروج، فإن كمية من الاختلال سوف تميل إلى الزيادة مع مرور الوقت. بما أن أشكال الحياة في غاية الترتيب فإن البعض يعتبر أن من المستحيل أن تكون الحياة وجدت من دون خالق خارق القدرة. ولكن هذا ينم عن سوء فهم لمعنى القانون الثاني: الترتيب يمكن أن يزيد في بعض أجزاء النظام، ولكن هذا يحتاج إلى طاقة، وإلى أن لا تقل كمية الخلل في النظام ككل. في حالة أصل الكون، الكون ككل هو النظام المغلق، ويتم توفير الطاقة من الشمس، وبالتالي فإن الزيادة الداخلية المطلوبة ممثلة بالتجمع العشوائي للجزيئات لا يمكن أن يخالف القانون بأي حال من الأحوال.
عدم قدرة العلم حتى الآن على تفسير السؤال العميق عن أصل الحياة دفع بعض المؤمنين بالإله إلى القول بأن ظهور الحمض النووي والحمض الريبي هو تأكيد على القدرة الإلهية. إذا كان هدف الإله من خلق الكون هو خلق البشر، وإذا كان التعقيد المطلوب لبدء عملية الحياة يتجاوز قدرة المواد الكيميائية في الكون في صناعة الذات، ألا يمكن أن يكون الله قد تدخل لبدء هذه العملية؟
قد تبدو هذه الفرضية قوية، عطفاً على عدم قدرة العلماء على الادعاء بأن التفسير الطبيعي لتفسير أصل الحياة في متناول اليد. ولكن هذا التفسير قد يكون مقبولاً في الوقت الحالي، ولكنه قد لا يكون كذلك في الغد. ولذلك لابد أن نكون حذرين في التعامل مع الفعل الإلهي بشكل محدد في هذا المجال أو في مجالات أخرى لازال العلم قاصراً عن الوصول إليها. من كسوف الشمس في الأزمنة القديمة إلى حركة الكواكب في العصور الوسطى، وإلى أصل الحياة اليوم، كثيراً ما يسيء “إله الفجوات” God of Gaps للدين (وبالتالي يسيء للإله). الدين الذي يضع الله في ثغرات الفهم الحالي عن العالم الطبيعي قد يتسبب في أزمة في حال استطاع العلم ملاء تلك الثغرات في وقت لاحق.
في مواجهة عدم القدرة على فهم العالم الطبيعي ينبغي أن يكون المؤمنون بالإله حذرين في الاستناد إلى فرضية التدخل الإلهي في مجالات التي يلفها الغموض حالية، حتى لا تسبب ذلك في ضرر مستقبلي. هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بالله، بما في ذلك وجود المبادئ الرياضية والنظام في الخلق. هذه الأسباب إيجابية وتستند إلى أسس معرفية، وليس على أساس فرضيات تفتقر للدلائل. باختصار، على الرغم من أن السؤال عن أصل الحياة سؤال رائع، وعلى الرغم من عدم قدرة العلم الحديث على تطوير آلية إحصائية محتملة، إلا أن هذا ليس مكان ليمارس الإنسان المؤمن بالإله لإيمانه.
السجل الأحفوري
في حين أن العلماء الهواة والمحترفين توصلوا لاكتشاف الحفريات منذ عدة قرون، إلا أن هذه الاكتشافات بلغت مرحلة متقدمة في السنوات العشرين الماضية. الكثير من الفجوات التي كانت موجودة في فهم تاريخ الحياة على الأرض تم ملؤها بواسطة اكتشاف الأنواع المنقرضة من الكائنات الحية. وأكثر من ذلك، أصبح من المتاح التعرف على عمر هذه الأحافير بناءً على نفس عملية الاضمحلال الإشعاعي التي ساعدت في تحديد عمر الأرض. الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي عاشت لم تترك أي أثر يدل على وجودها، لأن الأحافير تنشأ في ظروف غير عادية للغاية (على سبيل المثال، الكائن الذي يقع في نوع معين من الطين أو الصخور، ولا يتم التقاطه من قبل الحيوانات المفترسة تتعفن عظامه ومعظم هذه المخلوقات تتحلل). وعلى ضوء هذا الواقع، يبدو من المدهش أن يكون لدينا مثل هذه الثروة من المعلومات حول الكائنات الحية التي عاشت على الأرض.
الجدول الزمني التي كشفت عنه السجل الأحفوري غير مكتمل تماماً، ولكن يظل مفيد جداً. على سبيل المثال، فقط الكائنات الحية وحيدة الخلية تظهر في الرواسب التي تكونت قبل حوالي 550 مليون سنة، على الرغم من أنه من الممكن أن تكون هناك كائنات حية أكثر تعقيدا كانت موجودة قبل هذا الوقت. قبل ما يقرب من 550 مليون سنة مضت، ظهر فجأة عدد كبير من الأجسام اللافقارية المتنوعة على مخطط السجل الأحفوري.
غالبا ما يشار إلى هذا الحادثة على أنها “الانفجار الكمبري”، وتم تدوين ذلك بشكل مفهوم للغاية بواسطة الراحل ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould وهو أكثر كتاب عصره شاعرية، وذلك في كتابه “حياة رائعة” Wonderful Life. وفي الكتاب تساءل غولد كيف يمكن للتطور أن يكون مسؤولا عن التنوع في مخططات الجسم Body plans التي ظهرت في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن.
كان هناك خبراء آخرون أقل حماسية بكثير للادعاء بأن الانفجار الكمبري يمثل انقطاعاً في عملية تعقيد الحياة، على الرغم من أن كتاباتهم لم تكن معروفة على نطاق واسع للجمهور العام. ما يسمى بالانفجار الكمبري على سبيل المثال يعكس تغيراً في الشروط التي سمحت لكثير من الأنواع بالتحجر والتي كانت موجودة لملايين السنين. في حين بذلت محاولات من قبل بعض الموحدين لتأكيد أن الانفجار الكمبري هو دليل على تدخل قوة خارقة للطبيعة، ولكن الدراسة المتأنية للوقائع لا تبدو أنها تدعم ذلك. هذه صيغة جديدة من حجة “إله الفجوات”. مرة أخرى، من غير الحكمة أن يعلق المؤمنون بالله إيمانهم على مثل هذه الفرضية. تشير الأدلة الحالية إلى أن الأرض ظلت جرداء حتى قبل حوالي 400 مليون سنة، حين ظهرت النباتات على اليابسة مستمدة وجودها من أشكال الحياة المائية. بعد ما يقرب من 30 مليون سنة على نحو التقريب، انتقلت الحيوانات إلى اليابسة، وهذه الخطوة تشير إلى فجوة أخرى: يبدو أن هناك عدد قليل من الأشكال الانتقالية بين المخلوقات البحرية والبرية رباعية الأرجل في السجل الأحفوري. الاكتشافات الحديثة وثقت بشكل مقنع أمثلة على هذا النوع من التحول.
بداية من نحو 230 مليون سنة، هيمنت الديناصورات على الأرض. ويوجد قبول عام لدى الباحثين الآن بأن انقراضها كان نهاية مفاجئة وكارثية قبل ما يقرب من 65 مليون سنة مضت، في وقت اصطدام كوكب الأرض مع كويكب كبير وقع في محيط ما يعرف الآن بشبه جزيرة يوكاتان. تم التعرف على الغبار الدقيق الذي نتج عن هذا التصادم الرهيب في أجزاء مختلفة من العالم. التغيرات المناخية الكارثية التي نتجت على ما يبدو من كمية الغبار الهائلة في الغلاف الجوي كانت أكثر من اللازم لأنواع الديناصورات المهيمنة، مما أدى إلى انقراضها، وارتفاع فرص وجود الثدييات.
إن اصطدام الكويكب القديم هو حدث محير. إنه السبب الوحيد الذي قد يكون أدى إلى انقراض الديناصورات وظهور الثدييات. ربما لم نكن موجودين الآن لو لم يضرب هذا الكويكب المكسيك. معظمنا لديه اهتمام خاص بالسجل الأحفوري للبشر، وهنا أيضا ظهرت اكتشافات في العقود القليلة الماضية كشفت الكثير من الحقائق. تم اكتشاف عظام أكثر من اثني عشرة نوع من أنواع أسلاف الإنسان المختلفة في أفريقيا، مع ملاحظة وجود زيادة مطردة في حجم الجمجمة. تم اكتشاف أول العينات في تاريخ الإنسان قبل ما يقرب من 195000سنة تقريباً.
يبدو أن الفروع الأخرى التي تطورت من أسلاف الإنسان واجهت طريقاً مسدوداً: البشر البدائيون الذين كانوا موجودون في أوروبا حتى قبل 30000 سنة، وحديثا تم اكتشاف “الهوبيت” وهو عبارة عن مخ صغير لأناس عاشوا في جزيرة فلوريس في إندونيسيا حتى انقرضوا منذ ما يقرب من 13000سنة.
رغم أن هناك العديد من العيوب في السجل الأحفوري، ورغم وجود العديد من الألغاز المطلوب حلها، إلا أن جميع النتائج تقريبا تنسجم مع مفهوم شجرة الحياة المتعلقة بالكائنات الحية. يوجد دليل جيد على أشكال انتقالية من الزواحف للطيور، ومن الزواحف إلى الثدييات. الحجج التي تسند إلى نموذج لا يستطيع تفسير وجود بعض الأنواع، مثل الحيتان، يتعرض للسقوط كلما كشفت التحقيقات عن وجود أنواع انتقالية، في كثير من الأحيان في الزمان والمكان الذي تتنبأ به نظرية التطور.
فكرة داروين التطورية
ولد داروين في عام 1809، وقد درس في البداية ليصبح كاهناً في كنيسة إنجلترا، ولكن تولد لديه اهتمام عميق بالطبيعيات. على الرغم من أن داروين الشاب اقتنع في البداية بحجة “ساعة يد” بالي، ورأى أن التصميم الموجود في الطبيعة دليل على وجود مصدر إلهي، فإن وجهات نظره بدأت تتغير عندما سافر على سفينتي بيغل 1831-1836. زار داروين أمريكا الجنوبية وجزر غالاباغوس، حيث درس بقايا متحجرة من الكائنات القديمة، ولاحظ تنوع أشكال الحياة في بيئات معزولة.
بناء على هذه الملاحظات، وعلى أساس عمل إضافي قام به على مدى أكثر من عشرين عاما، طور داروين نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. في عام 1859، واجه داروين إمكانية أن يسبقه ألفرد راسل والاس إلى النظرية، ولكنه في النهاية كتب ونشر أفكاره في الكتاب عميق التأثير “أصل الأنواع” The Origin of Species.
ومع معرفته بأن الحجج في كتابه هذا من المحتمل أن يكون لها أصداء واسعة، كتب داروين تعليقا في نهاية الكتاب يقول فيه “وجهات النظر التي قدمتها في هذا الكتاب، وكذلك وجهات نظر السيد والاس، بخصوص أصل الأنواع، تمكننا من أن نتنبأ بأن قدراً قليلاً من التقدم لن يؤدي إلى ثورة كبيرة في التاريخ الطبيعي”.
اعتبر داروين أن جميع أنواع الكائنات الحية تنحدر من مجموعة صغيرة من أسلاف أكثر شيوعا، وربما تنحدر من مجموعة واحدة منها فقط. لقد اعتبر داروين أن التنوع داخل النوع الواحد يحدث بشكل عشوائي، وأن البقاء على قيد الحياة أو انقراض كل الكائنات الحية يعتمد على قدرتها على التكيف مع البيئة. لقد عبر داروين عن ذلك بالانتقاء الطبيعي. إدراكاً منه بالطابع الانفجاري لهذه الحجة، ألمح داروين إلى أن هذه العملية نفسها قد تنطبق على البشر، وطور ذلك بقدر أكبر من التفصيل في كتاب لاحق عنوانه “أسلاف الإنسان” The descent of Man.
أثار كتاب “أصل الأنواع” نقاشاً مباشراً ومحتدماً، ولكن ردة الفعل من قبل السلطات الدينية لم يكن بشكل عام سلبية كما يصور في الوقت الحالي. في الواقع، قبل رجل الدين اللاهوتي البروتستانتي المحافظ بنیامین ارفیلد برينستون Warfield of Princeton التطور على أنه “نظرية في الطريق إلى العناية الإلهية، ” بينما تمسك بحجة أن التطور في حد ذاته يجب أن يكون له خالق خارق القدرة. يوجد العديد من الأساطير حول رد فعل الجمهور على داروين. على سبيل المثال، كانت هناك محاورة شهيرة بين توماس هكسليH. Huxley Thomas (المروج المتحمس للتطور) والمطران صموئيل ويلبر فورس Wilberforce Bishop Samuel، وربما لم يقل هكسلي أنه لا يشعر بالعار من أنه من أحفاد قرد، ولكنه سوف يشعر بالعار إذا كان قريباً لأي شخص لا يقول الحقيقة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من كونه منبوذاً من قبل المجتمع الديني، إلا أن دفن داروين في دير وستمنستر.
كان داروين نفسه يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير نظريته على المعتقد الديني، وطوال كتاب “أصل الأنواع” عانى كثيراً ليشير إلى تفسير متناغم ممكن “أنا لا أرى أي سبب وجيه لأن تتسبب الآراء الواردة في هذا الكتاب في صدمة للمشاعر الدينية لأي شخص …. المؤلف الربوبي المشهور كتب لي أنه “لقد تعلمت تدريجياً أن أرى أن ذلك مجرد شعور نبيل للإله خلق أشكال أصلية أصبحت قادرة على تطوير ذاتها إلى أشكال أخرى محتاجة لها، إلى حد الاعتقاد أنه مطلوب عمل جديد من الخلق يؤدي إلى سد الفراغات الناجمة عن قوانينه”.
بل إن داروين ختم كتابه أصل الأنواع بالجملة التالية: “هناك عظمة في هذه النظرة مع وجود قوى عدة، جاءت إلى الحياة بواسطة الخالق على صورة أشكال أو شكل واحد، وأنه بينما هذا يدور الكوكب وفق قانون الجاذبية الثابت، فإنه ومن تلك البداية البسيطة، تكونت وتطورت أشكال لا حصر لها أكثر جمالا وروعة”. ظلت الآراء الشخصية لداروين غامضة، ويبدو أنها كانت متقلبة حتى السنوات الأخيرة من حياته. وفي إحدى المرات كتب يقول “لا أدري هو الوصف الأقرب لوضعي الإيماني”. وفي مرة أخرى كتب يقول إنه شعر بتحدي كبير من الصعوبة البالغة أو ربما استحالة تقبل فكرة أن هذا الكون العظيم الهائل بما في ذلك الإنسان القادر على النظر إلى الماضي وإلى الحاضر على أنه مجرد صدفة عمياء أو على انه ضرورة. عندما يدور ذلك في خلدي أجدني مقتنعاً بأن هناك مسبب أول صاحب عقل ذكي مشابه بنحو ما للإنسان، وأستحق أن يقال لي مؤمن”.
لا يوجد عالم بيولوجي اليوم يشك في قدرة نظرية التطور على شرح التعقيد الرائع لتنوع الحياة. في الحقيقة، علاقة جميع الأنواع ببعضها من خلال آلية التطور هو أساس عميق لفهم علم الأحياء بأكمله، بحيث أنه من الصعب أن نتصور كيف يمكن لأحد أن يدرس الحياة من دونه. ولكن هل يوجد وجهة نظر علمية أثارت الكثير من التصادم مع وجهات النظر الدينية أكثر من نظرية داروين الثورية؟ منذ عرض السيرك “محاولة القرد” ” Monkey trial” في عام 1925 مروراً بالمناظرات التي تعقد في الولايات المتحدة حول تدريس نظرية التطور في المدارس، يبدو أن هذه المعركة حول نظرية داروين لن تنتهي.
الحمض النووي – المادة الوراثية
كانت نظرية داروين أكثر تميزاً في ذلك الوقت، لأنها كانت تفتقر إلى الأساس الفيزيائي. تطلب الأمر جهد لقرن من الزمان لاكتشاف كيف يمكن أن يكون هناك تعليمات للحياة تجعل نظرية داروين تتوافق مع فكرة التغير. كان الراهب الغامض نسبيا جريجور مندل Gregor Mendel، والذي كان يعيش فيما تسمي حالياً بالجمهورية التشيكية، معاصراً لداروين، وكان قد قرأ كتاب “أصل الأنواع”، لكنهما ربما لم يتقابلا. كان مندل أول من أوضح أن الوراثة يمكن أن تنتقل على شكل حزم منفصلة من المعلومات. عبر تجارب مضنية على نباتات البازلاء في حديقة منزله في دير الكنيسة، وقد خلص مندل إلى أن عوامل وراثية تتشارك في سمات على نحو سلس أو متعسف في البازلاء، مما يعني أن ذلك يحكمه قواعد حسابية. لم يكن مندل يعرف ما هي الجينات، ولكنه أوضح أن شيئا ما من قبيل الجينات يجب أن يكون موجوداً.
لقد تم تجاهل أبحاث مندل لمدة 35 سنة. وبعد ذلك، وفي مصادفة عجيبة تحدث أحياناً في تاريخ العلم، تم إعادة اكتشاف نتائج أبحاث مندل بواسطة ثلاثة علماء خلال أشهر في نهاية القرن العشرين. في دراساته الشهيرة على “الأخطاء الوراثية في الأيض، للأمراض النادرة التي حدثت في بعض الأسر أثناء ممارسته للطب، كان أرشيبالد غارود Archibald Garrod واثقاً بشكل قاطع أن قواعد مندل تنطبق على البشر، وأن هذه الاختلالات جاءت كنتيجة لنفس النوع من الوراثة الذي كان مندل لاحظه في النباتات.
أضاف مندل وغارود خصوصية رياضية لفكرة التوريث في البشر، مع أن الخصائص الموروثة مثل الجلد ولون العين مألوفة بالفعل بالنسبة لأي شخص يدقق في الجنس البشري. ظلت الآلية التي تتحكم بهذه الأنماط غامضة، ومع ذلك، لم يقلل أحد من نجاح الأساس الكيميائي للوراثة. افترض معظم الباحثين في النصف الأول من القرن العشرين أن الصفات الموروثة يجب أن تنتقل عبر البروتينات، باعتبار أنها تبدو أكثر الجزيئات الحية تنوعاً.
حتى عام 1944 لم تكن التجارب المكروبيولوجية التي أجراها أوزوالد أفيري، کولن ماكلويد، ومكارتی قد أظهرت أن الحمض النووي، وليس البروتين هو القادر على نقل الخصائص الموروثة. وعلى الرغم من أن وجود الحمض النووي كان معروفاً لما يقرب من مائة سنة، إلا أنه لم يكن يعتبر سوى مجموعة حزم لا أهمية لها. وبعد أقل من عشر سنوات ظهر جواب جميل وأنيق للسؤال حول الطبيعة الكيمائية لعملية التوريث. لقد تم كسب الرهان في السباق المحتدم لتحديد طبيعة تركيب الحمض النووي في عام 1953 من قبل جيمس واطسون James Watson وفرانسیس کريك Francis Crick بالشكل الذي تم تدوينه في كتاب واتسون “مسلية الحلزون المزدوج”. قام واتسون، کريك، وموريس ویلکنز، بتوظيف البيانات التي تنتجها روزالیند فرانکلین Rosalind Franklin، لاستنتاج أن جزيء الحمض النووي له شكل مزدوج الحلزون، على شكل سلم ملتوي، وأن المعلومات الناقلة للقدرة يتم تحديدها من قبل سلسلة من المركبات الكيميائية التي تتكون من درجات السلم. ككيميائي يعرف صفات الحمض النووي الاستثنائية، وحلوله الرائعة لمشكلة ترميز تصميم الحياة، أشعر بالرهبة من هذا الجزيء. دعوني أحاول أشرح لكم مدى أناقة الحمض النووي.
جزيئات الحمض النووي كما هو موضح في الشكل 4.1 لها عدة خصائص مميزة. العمود الفقري الخارجي مكون من جزيئات على شكل أشرطة متراتبة مكونة من سكر الفوسفات، ولكن ما يثير الدهشة ما هو موجود في الداخل. تتكون درجات السلم من مزيج من أربعة مكونات كيميائية، تدعى “قواعد”. دعونا نسميها (بأسمائها الكيميائية الفعلية في الحمض النووي قواعد G, C, A, T، وكل من هذه القواعد الكيميائية لديه شكله الخاص به).
تخيل الآن أن من بين هذه الأشكال، الشكل A يمكنه أن يتلاءم بشكل دقيق فقط مع درجة السلم المجاورة للشكل T، والشكل G يمكنه أن ينسجم إلى جوار الشكل C. هذه هي “ثنائيات القاعدة”. ولذلك يمكنك تصور الحمض النووي على شكل سلم حلزوني، بحيث أن كل درجة فيه تتشكل من زوجين من قاعدة واحدة. هناك أربعة درجات محتملة: A -T , T – A , C – G , G – C إذا تعرضت إحدى القواعد للتلف، فإنه يمكن إصلاح التلف بسهولة من خلال المكمل في التركيب الزوجي: البديل الوحيد للقاعدة T قاعدة أخرى من نوع T. ولعل الأكثر أناقة، أن الحلزون المزدوج يسارع على الفور إلى طريقة للقيام بالنسخ الذاتي، لأن كل قسم يمكن استخدامه كقالب لإنتاج قسم جديد. إذا قسمت جميع الأزواج إلى النصف، وقطعت السلم نزولا إلى أسفل وسط كل درجة، فإن كل نصف من السلم سوف يحتوي على كافة المعلومات اللازمة لإعادة بناء نسخة كاملة من الأصل.
كتقريب للفكرة، يمكن للمرء أن يتصور الحمض النووي على أنه عبارة عن مخطط أوامر، أو إحدى البرمجيات، القابعة في نواة الخلية. لغة الحمض النووي الترميزية تتكون من أربعة حروف فقط. الأمر يتكون الأمر المحدد المسمى جين من الآلاف الأحرف. جميع الوظائف المتطورة للخلية، حتى في مثل عضو الكائن حي مثلنا، يجب أن تلتزم بترتيب الحروف الموجودة في هذا النص.
في البداية، لم يكن لدى العلماء أية فكرة عن كيفية عمل “البرنامج”. ولكن تم حل هذا اللغز بدقة عن طريق تحديد الحمض النووي الريبي الذي يعمل كناقل. يتم نسخ معلومات الحمض النووي التي تشكل نسخة من الجين عبر جزيئات الحمض الريبي، على شكل نصف سلم تتدلى درجاته من جانب واحد. يتحرك نصف السلم من نواة الخلية (مخزن المعلومات إلى السيتوبلازم مزيج هلامي معقد من البروتينات، والدهون، والكربوهيدرات)، حيث يدخل إلى مصنع أنيق للبروتين يسمى الريبوسوم. يقوم فريق من المترجمين المحترفين في المصنع بقراءة قواعد نصف سلم الحمض الريبي الناقل ليتم تحويل المعلومات الواردة في هذا الجزيء إلى بروتين معين، يتكون من الأحماض الأمينية. كل ثلاث درجات من الحمض الريبي تشكل حمض أمينية واحدة. البروتينات هي من تقوم بالعمل في الخلية وتجعلها تحافظ على تكامل تركيبها. (شكل 4, 2)
هذا وصف موجز يتناول قشور من أناقة الحمض النووي، والحمض الريبي، والبروتين، وهو ما يشكل باستمرار مصدر للرهبة والإعجاب. هناك أربعة وستين من المجموعات الثلاثية الحروف G, T, C, A ولكن هناك عشرين حمضاً أمينياً فقط . وهذا يعني أن هناك وفرة داخلية. كشفت التجارب على العديد من الكائنات الحية، من البكتيريا إلى البشر أن “الشفرة الوراثية”، والتي يتم فيها تحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي والحمض النووي الريبي إلى بروتين، موجودة في جميع الكائنات الحية المعروفة. لا وجود لبرج بابل tower of Babel في لغة الحياة. GAG يعني حمض الجلوتاميك في لغة بكتيريا التربة.
مكنت هذه التطورات العلمية مثلت ولادة جديدة لعلم البيولوجيا الجزيئية. اكتشاف الكائنات الكيميائية العجيبة، بما في ذلك البروتينات التي تعمل مثل مقص أو صمغ العلماء مع معالجة الحمض النووي والحمض الريبي من خلال دمج التعليمات الموجودة في كل منهما من مصادر مختلفة. أدت مجموعة طرق التعامل مع الجزيئات الحيوية إلى ولادة حقل جديد هو التكنولوجيا الحيوية، وبمساعدة تطورات في مجالات أخرى بشر ذلك بثورة في مجال معالجة العديد من الأمراض.
الحقيقة البيولوجية وتبعاتها
سوف يجد المؤمن الذي اعتبر أن حجة التصميم حجة مقنعة على دور الإله في خلق الحياة، أن الاستنتاجات التي توصلنا لها في هذا الفصل غير كافية. لا شك أن العديد من القراء الذي يفكرون بشكل مستقل أو الذين نشأوا في بيئة دينية مقتنعون بان جمال الوردة الرائع وطيران النسر لا يمكن أن يوجد إلا من قبل قوة خارقة ذكية تقدر التعقيد والتنوع والجمال. حتى الآن تم عرض آلية عمل الجزيئات وأساليب الوراثة والانتخاب الطبيعي، ولشرح كل ذلك، ربما سيكون لك ميل للصراخ “كفى، إن تفسيراتكم العلمية تخرج السحر الإلهي من عالمنا”.
لا تقلق، فهناك الكثير من السحر الإلهي مازال موجودة. كثير من الذين بحثوا في البراهين العلمية والدينية لازالوا يؤمنون بان الإله خلاق ويقوم بالكثير من العمل. بالنسبة لي، ليس هناك أي شعور بخيبة الأمل في هذه الاكتشافات المتعلقة بطبيعة الحياة، بل على العكس تماماً! ما أروع هذه الحياة المعقدة المدهشة! ما أجمل أناقة الحمض النووي! ما أجمل مكونات الكائن الحي الساحرة بداية من الريبوسوم الذي يحول الحمض الريبي إلى البروتين إلى تحول اليرقة إلى فراشة إلى ريش الطاووس الرائع الذي يجذب إليه رفيقه. التطور مثل الآلية يمكن أن تكون بل لابد أن تكون حقيقة، ولكن ذلك لا يبين طبيعة صانعها. لأولئك الذين يؤمنون بالله، هناك أسباب عديدة لتكونوا أكثر إعجاباً.
قبل أكثر من ۲۰۰ سنة كتب أحد أعظم الفلاسفة على الإطلاق إيمانويل كانت ما يلي “شیآن يملأن قلبي دوما بالإعجاب المتزايد والخشوع وهو شعور لا يفارقني كلما أطلت التفكير: السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي. لقد ميز السعي لفهم أصل الكون وكيفية عمله كل الأديان تقريبا طوال التاريخ، سواء كان ذلك عبادة للشمس أو نتيجة لظاهرة هامة مثل الكسوف أو لمجرد شعور الانبهار بعجائب الجنة.
هل كانت ملاحظة الفيلسوف امانويل كانط Kant مجرد عاطفة فيلسوف لم يستفد من اكتشافات العلم الحديث، أم أن هناك انسجاما ممكنة بين العلم والإيمان فيما يخص سؤال عميق ومهم مثل السؤال عن أصل الكون؟
إحدى التحديات في سبيل الوصول إلى هذا الانسجام أن العلم ليس ثابت. يتوصل العلماء بصورة مستمرة إلى أفاق جديدة، ويقومون باستكشاف عالم الطبيعة بطرق جديدة، ويغوصون في أعماق المساحات التي ليس لدينا فهم كامل عنها. عندما يواجه العلماء مجموعة بيانات تتضمن ظواهر محيرة وليس لها تفسير فإنهم يفترضون فروض لآلية عمل محتملة للظاهرة ثم يجرون تجارب الاختبار هذه الفروض. العديد من التجارب تفشل، وأغلب الفروض يتبين عدم صحتها. العلم في تطور دائم وهو يصحح نفسه: ليس هناك استنتاج خاطي أو فرضية خاطئة يمكن أن تستمر لوقت طويل، لأن المشاهدات الجديدة سوف تدحض بشكل كامل هذا البناء الخاطئ. ولكن على مدى طويل من الزمن فإن مجموعة مشاهدات متتابعة تؤدي أحياناً إلى إطار جديد للفهم. هذا الإطار يحظى بعد ذلك بتوصيف موضوعي ويسمى “نظرية”- نظرية الجاذبية، والنظرية النسبية ونظرية الأجرام تمثل أمثلة على ذلك.
إحدى الأمنيات العزيزة للعالم أن يجعل ملاحظته تسبب هزة في المجال البحثي. على أمل أن تقدم يوماً ما حقيقة غير متوقعة مما يحتم انتشار هذه النظرية. وهذا ما تمنح جائزة نوبل من أجله. وفي هذا الصدد، فإن أي افتراض بوجود مؤامرة محتملة بين العلماء للإبقاء على نظرية قيد الحياة رغم احتواءها على عيوب جوهرية هو بالتأكيد عمل غير أخلاقي للبحث العلمي الذي لا يكف عن البحث. دراسة فيزياء الفضاء تمثل مثالاً جيداً لهذه المبادئ.
حصلت تحولات عميقة خلال الخمسة عقود الماضية خضع فيها فهمنا للمادة ولتركيب الكون إلى تعديلات جوهرية، ومن دون شك أن هناك تعديلات تنتظرنا في المستقبل. هذه الاختلالات المزعجة قد تقود بعض الأحيان لمحاولة إيجاد تركيب يجمع بين العلم والدين، وبالخصوص إذا كانت الكنيسة قد حددت موقفها المسبق من الأشياء وضمنته في نظامها المعرفي. توافق اليوم قد يتحول إلى انفصال غداً. في القرن السادس عشر والسابع عشر قام كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus وکیبلر وغاليليو Galileo Galilei (وجميعهم يؤمنون بقوة بالله) بالتوصل إلى اكتشافات عظيمة تدل على أنه لا يمكننا فهم حركة الكواكب بشكل أفضل إلا إذا كانت الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس. تفاصيل استنتاجاتهم لم تكن جميعها صحيحة، وفي البداية كان العديد من الباحثين في الحقل العلمي غير مقتنعين بها، ولكن في النهاية أقنعت البيانات والتوقعات الصادقة المطردة للنظرية حتى أكثر العلماء تشكيكاً. ومع ذلك ظلت الكنيسة الكاثوليكية معارضة، بل وأدعت أن النظرية تتعارض مع النصوص المقدسة. كان من الواضح أن وجهة نظر النصوص الدينية ضعيفة، ومع ذلك فإن هذه المواجهة استمرت لعقود وأدت إلى كثير من الضرر للعلم وللكنيسة معاً.
لقد شهد القرن الماضي العديد من المراجعات غير المسبوقة لفهمنا للكون. كانت المادة والطاقة تعدان كیانات مختلفة، بينما أظهر أينشتين في معادلته المشهورة E = MC2 أن العلاقة بينهما تبادلية. ثنائية المادة والجسيم تعني أن للمادة خصائص الجسيمات والموجات في نفس الوقت، وهي ظاهرة تتجلى في الضوء والجسيمات الصغيرة مثل الإلكترونات، وهو ما كان غير متوقعاً بالنسبة لعلماء متمرسين. شكل مبدأ عدم التحديد في ميكانيكا الكم لهايزنبرغ والذي جعل بالإمكان قياس إما موقع أو طاقته ولكن ليس كلاهما تبعات مقلقة للعلم والدين معاً. ولكن الأعمق تأثيرا هو أن مفهومنا عن أصل الكون قد تغير بشكل كبير في السنوات الخمس والسبعين الماضية بتأثير من هاتين النظريتين.
غالبية هذه المراجعات لفهمنا للعالم المادي ظلت محصورة نسبيا في نطاق ضيق في دوائر البحث الأكاديمي بعيداً عن نظر الرأي العام. وفي حالات معدودة كانت هناك محاولات نبيلة لشرح تعقيدات الفيزياء الحديثة وعلم الكونيات لعامة الناس ومن هذه المحاولات كتاب ستيفن Stephen Hawking Hawking وهو بعنوان A brief history of Time، ولكن يبدو أن قسم كبير من الخمسة ملايين نسخة التي بيعت من كتاب هوكنغ لم يقرأ لأن غالبية القراء وجدوا أن المفاهيم التي يحتويها الكتاب تستعصي على الفهم.
في الحقيقة، إن الاكتشافات المتعلقة بالفيزياء في العقود الخمسة الماضية قادت إلى رؤى تتعلق بالمادة والطبيعة معاكسة للحدس. قبل ما يقرب من مئة عامة علق عالم الفيزياء ایرنست ریذدفورد Rutherford قائلا ” إن النظرية التي لا تستطيع شرحها لنادل المقهى من المحتمل أنها ليست ذات قيمة. على هذا الأساس فإن الكثير من النظريات الحديثة المتعلقة بالجسيمات الأساسية التي تكون المادة ضعيفة”.
من ضمن المفاهيم الغريبة التي أصبحت موثقة في الوقت الحالي حقيقة أن النيترونات والبروتونات تتكون في الحقيقة من ستة نكهات. بل إن النكهات تصبح أكثر غرابة عندما نعلم أن لكل منها ثلاثة ألوان (أخضر وأحمر وأزرق). الأسماء التي أعطيت لهذه الجسيمات تدل على حس إنساني لدى العلماء. تشكل المجموعة المذهلة للجسيمات الأخرى من الفوتونات إلى الغلونات والميونات عالماً غريباً على تجربة الإنسان اليومية مما يجعل غير العلماء يهزون رؤوسهم غير مصدقين. ولكن كل هذه الجسيمات هو ما يجعل وجودنا ممكنا. بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون أن المادية أفضل من التوحيد لأنها ابسط وأقرب للحدس، فإن هذه المفاهيم الجديدة سوف تشكل تحدياً لهم. شيفرة أوكام والتي تنسب إلى فيلسوف القرن الرابع عشر وعالم المنطق الإنجليزي وليام أوكام تعتبر نسخة معدلة من رأي ريذرفورد. هذا المبدأ يعتبر أن التفسير الأبسط لأية ظاهرة هو في العادة التفسير الأصح. في هذه الأيام، يبدو أن شيفرة أوكام وصلت للحضيض بوجهة نظر النماذج الكثيرة من فيزياء الكم.
ولكن لازال ينظر إلى ريذرفورد وأوكام بإجلال، على الأقل لان تعبيرهم الرياضي للظواهر المحيرة المكتشفة حديثاً لازال أبسط، بل وأجمل. عندما كنت طالباً في الدراسات العليا في جامعة ييل Yale كانت لي تجربة مميزة في أخذ مقرر في ميكانيكا الكم النسبية على يد الحائز على جائزة نوبل ویلیس لامب Willis Lamb. كانت طريقته في الشرح عبارة عن استعراض لنظريات النسبية وميكانيكا الكم من بداية مفاهيمها. كان لامب يشرح بشكل كامل معتمداً على ذاكرته، ولكن في بعض الأحيان كان يتجاوز بعض الخطوات ويطلب منا ملأها حتى موعد المحاضرة القادمة. ورغم أني تحولت من الفيزياء إلى علم الأحياء إلا أن تجربة استنتاج معادلات كونية بسيطة وجميلة لوصف حقيقة عالم الطبيعة تركت في نفسي أثراً عميقاً، وبشكل خاص لأن النتيجة النهائية ذات طابع جمالي. هذه التجربة أثارت في نفسي أول الأسئلة الفلسفية المتعلقة بطبيعة الكون الفيزيائية. لماذا تسلك المادة على هذا النحو؟ بتعبير ايغن فينغر Wigner’s ماذا يمكن أن يكون التفسير للتأثير غير المنطقي للرياضيات؟
هل هي مجرد حادثة سعيدة أم أنها تعكس نظرة عميقة لطبيعة الحقيقة؟ إذا كان للشخص أن يقبل مفهوم القوة الخارقة فإن ذلك يعني الغوص في عقل الإله؟ هل واجه أينشتين وهايزنبرغ والأخرين الرب؟ في آخر كتابه A Brief History of Time يكتب هوكنغ ما يلي “يجب علينا كفلاسفة وعلماء وحتى الأشخاص العاديين أن نشارك في نقاش السؤال: لماذا أتينا نحن والكون إلى حيز الوجود؟ اذا استطعنا الوصول إلى إجابة على هذا السؤال فإننا نكون قد حققنا نصرة عظيمة للعقل البشري، لأننا عند ذلك نكون قد وصلنا إلى عقل الإله. هل التوصيفات الرياضية للحقيقة تدل على ذكاء أعظم؟ هل تعد الرياضيات إضافة إلى الحمض النووي لغة أخرى للإله؟ من المؤكد أن الرياضيات قادت العلماء إلى عتبة أكثر الأسئلة عمقاً. وأول هذه الأسئلة كيف بدأ كل شيء في البداية؟
الانفجار الكبير
في بداية القرن العشرين كان معظم العلماء يفترضون أن الكون لا بداية له ولا نهاية له. وهذا الافتراض خلق مفارقات فيزيائية عديدة، ومن ذلك كيف يمكن للكون أن يحافظ على استقراره دون الانكفاء على نفسه بفعل قوة الجاذبية، ولكن الاحتمالات الأخرى لم تكن مقنعة. عندما طور أينشتاين نظريته النسبية في عام 1916 قدم عامل التصحيح لإيقاف انهيار الجاذبية والحفاظ على فكرة حالة استقرار الكون. وفي وقت لاحق اعتبر آينشتاين ذلك أكبر غلطة في حياته.
نظريات أخرى افترضت بديلا لتفسير الكون بدأ عند نقطة معينة، وبعد ذلك اتسع ليصل لحالته الحالية، ولكن بقيت مهمة اثبات ذلك تجريبية على عاتق العلماء الذين يأخذون هذه الفرضية على محمل الجد. بداية هذه المعلومات كانت مع ادوین هابل Edwin Hubble في عام ۱۹۲۹ في سلسلة من التجارب التي تابعت ابتعاد المجرات القريبة منا.
باستخدام تأثير دوبلر وهو نفس المبدأ الذي يسمح لشرطة المدينة تحديد سرعة سيارتك أثناء مرورك بجوار جهاز الرادار أو تلك التي تسبب صفير القطار القادم بنغمة أعلى عندما يمر بجوارك -وجد هبل Hubble أنه أینما نظرنا فإن الضوء في المجرات يدل على أنه ينحسر من جهتنا. وكلما كانت المجرات أبعد فإن المجرات تنحسر بشكل أسرع.
إذا كان كل شيء في الكون يتطاير بعيدة عن بعضه البعض فإن إرجاع مؤشر الزمن يؤدي إلى توقع أنه في وقت ما كانت كل هذه المجرات تشكل كتلة واحدة هائلة جداً. ملاحظة هبل أدت خلال السنوات السبعين الماضية إلى بدأ تجارب عملية، مما دفع نسبة كبيرة من علماء الفيزياء والكونيات إلى استنتاج أن الكون بدأ في لحظة واحدة، وهو ما أصبح يشار إليها بلحظة الانفجار العظيم. الحسابات تدل على أن ذلك حدث قبل 14 مليون سنة.
لقد تم التأكد من صحة هذه النظرية عن طريق الصدفة بواسطة آرنو بینزیاس Arno Penzias وروبرت ولسون Robert Wilson عندما توصلوا إلى ما بدا أنه خلفية مزعجة لذبذبات المايكرويف بغض النظر عن الجهة التي يوجهون لها المجس. وهذا يمثل بدقة نوع الشفق الذي يمكن أن نتوقعه كنتيجة للانفجار العظيم الناشئ عن تدمير المادة والمادة المضادة في اللحظات الأولى من انفجار الكون.
تم التوصل إلى أن هناك أدلة دامغة على صحة نظرية الانفجار الكبير من خلال نسبة عناصر معينة في أرجاء الكون، بشكل خاص الهيدروجين والديوتريوم والهليوم. وفرة الديتريوم بشكل مستمر تمتد من النجوم القريبة منا إلى أبعد المجرات القريبة من أفقنا. هذا الاكتشاف يتوافق مع كمية الديتريوم التي تشكلت تحت درجة حرارة هائلة في لحظة واحدة خلال الانفجار الكبير. إذا كانت هناك عدة لحظات من هذا النوع في أماكن وأزمان مختلفة لما وجد هذا الاتساق.
بناءً على هذا المشاهدات ومشاهدات أخرى، أتفق العلماء على أن الكون بدأ بكثافة لا نهائية ونقطة عديمة الأبعاد من الطاقة الخالصة. وعند هذه النقطة تتهاوى قوانين الفيزياء كنتيجة لذلك، وهو ما يعبر عنه بنقطة “التفرد”. على الأقل حتى وقتنا الحالي لم يستطع العلماء تفسير اللحظات الأولى للانفجار خلال to4310 ثانية. من الممكن القيام بتوقعات للأحداث التي كانت بحاجة أن تقع لينتج الكون الذي نشاهده، بما في ذلك فناء المادة والمادة المضادة، وتشكيل نواة ذرية مستقرة، وفي نهاية المطاف تشكيل الذرات، وفي المقام الأول الهيدروجين، الديوتيريوم، والهيليوم.
السؤال الذي لم يتم الإجابة عليه حتى الآن: هل أن الكون الذي نتج عن الانفجار الكبير سوف يستمر في التمدد إلى ما لا نهاية، أم أن الجاذبية سوف تأخذ زمام المبادرة وحينها تبدأ المجرات بالاقتراب من بعضها، وفي نهاية المطاف تؤدي إلى توقف التمدد. الاكتشافات الحديثة التي دلت على وجود كميات غير معروفة من ما يعرف بالمادة السوداء والطاقة السوداء، والتي يبدو أنها تشغل كمية كبيرة جداً من مادة الكون تجعل الإجابة على هذا السؤال معلقة، ولكن ما لدينا من دلائل تشير إلى أن ذلك سوف يتم تدريجياً، وليس على شكل انهيار كامل.
ماذا كان يوجد قبل الانفجار الكبير؟
فكرة حدوث الانفجار الكبير تقودنا إلى السؤال عن ماذا حصل قبل ذلك، ومن الذي كان يدبر الأمور. هذا السؤال يبين بالتأكيد حدود العلم. النتائج المترتبة على نظرية الانفجار العظيم كبيرة بالنسبة للشخص اللاهوتي. بالنسبة للمعتقدات الدينية التي تعتبر أن الإله خلق الكون من لا شيء يعد الانفجار العظيم أمراً مثيراً. هل تنسجم حادثة فردية مثل الانفجار العظيم مع تعريف المعجزة؟
الشعور بالدهشة لإدراك هذه الحوادث دفع العديد من العلماء اللا أدريين إلى الميل نحو اللاهوتية. في كتابه “الإله وعلماء الفلك” God and the Astronomers كتب عالم الفيزياء الفلكية روبرت جاسترو Jastrow الفقرة التالية في هذه اللحظة يبدو أن العلم عاجز عن إزاحة الستار عن غموض الخلق”. بالنسبة للعالم الذي تعود على الخطوات المنطقية يبدو وكأن قصة الانفجار الكبير تنتهي كحلم مزعج. لقد تسلق جبال من الجهل، وعندما وصل إلى الصخرة الأخيرة باتجاه القمة تم الترحيب به من قبل اللاهوتيين الذين يجلسون هنا منذ قرون”.
بالنسبة لأولئك الذين يودون التقريب بين العلماء واللاهوتيين فإن هناك القليل من الاكتشافات المتعلقة بأصل الكون ما يجعله مساعداً على هذا التقريب. في مورد آخر من كتابه المثير كتب جاسترو يقول “ها نحن نرى كيف أن الأدلة الفلكية عن أصل الكون تؤدي بنا إلى النظرة الدينية. قد تختلف التفاصيل، ولكن العناصر الرئيسية ووجهة النظر الفلكية والدينية لسفر التكوين هي نفسها، وهي سلسلة الأحداث التي جعلت شخص يشرع بعمل ما بشكل مفاجئ في لحظة ما كلمحة من الضوء والطاقة”.
عليّ أن أعترف أن نظرية الانفجار الكبير تحتاج إلى تفسير ربوبي. إنها تجبرنا على نتيجة مفادها أن الطبيعة كانت لها بداية محددة. لا أستطيع أن أتصور طبيعة تخلق نفسها. فقط قوة خارج الزمان والمكان قادرة على ذلك. ولكن ما الذي حدث بعد الانفجار الكبير؟ ما الذي أوصلنا إلى الوجود بعد عشر ملايين سنة من الانفجار العظيم؟
تركيب نظامنا الشمسي وكوب الأرض
في المليون سنة الأولى بعد الانفجار الكبير تمدد الكون وانخفضت درجة الحرارة وبدأت الذرات والجزئيات تتشكل. وبدأت المادة تلتئم إلى مجرات بفعل قوة الجاذبية. واكتسبت حركة دائرية، وفي نهاية المطاف نتج عن ذلك شكل حلزوني للمجرات كما هو الحال مع مجرتنا. وضمن هذه المجرات تشكل مركب من الهيدروجين والهليوم وارتفعت كثافته ودرجة حرارته. وفي نهاية المطاف حدث الاندماج النووي.
عملية اندماج أربع ذرات من الهيدروجين لتشكيل طاقة وذرات الهليوم مما يوفر وقوداً للنجوم. النجوم الكبيرة تحترق سريعاً، وأثناء احتراقها ينتج في محورها عناصر أكثر ثقلاً مثل الكربون والأكسجين. وفي بداية الكون (في أول 100 مليون سنة) تظهر هذه العناصر فقط في محور المجرات المحترقة، ولكن مجموعة من هذه النجوم تتعرض لانفجارات هائلة تسمى السوبرنوفا (باللغة العربية تسمى الطارق الأعظم) لتقذف عناصر أكثر ثقة إلى الغاز الموجود في تلك المجرات.
يعتقد العلماء أن شمسنا لم تتكون في الأيام الأولى من تكون الأرض، بل تكونت في المرحلة الثانية أو الثالثة من تكون النجوم، وذلك قبل خمس ملايين سنة عبر عملية التحام داخلية. وأثناء ذلك أفلتت من عملية الاندماج كمية قليلة من العناصر الثقيلة الموجودة في الجوار وتكون نجم جديد، وبدلا عنه تكونت كواكب تدور حول شمسنا. بما في ذلك كوكبنا، والذي لم يكن صالحا للعيش في الأيام الأولى. في البداية، كان كوكبنا شديد الحرارة مع حدوث انفجارات هائلة متكررة، ولكن الأرض بدأت تبرد تدريجية، وطورت غلاف جوية وأصبح الكون ملائماً للعيش قبل أربع ملايين سنة. وبعد 150 مليون سنة أصبح الكون زاخرة بالحياة.
كل هذه الخطوات التي كونت نظامنا الشمسي أصبحت معلومة تماماً، ومن غير المحتمل أن يتم التعديل عليها على ضوء أية معلومات إضافية. أغلب الذرات في جسمك تم إعدادها في الفرن النووي من السوبر نوفا القديمة -فجسمك مكون في الحقيقة من غبار النجوم.
هل هناك نتائج لاهوتية تترتب على أي من هذه الاكتشافات؟ هل وجودنا فريد في الكون؟ هل ذلك بعيد الاحتمال؟ يمكن المحاججة بأن أصل الحياة المعقدة لا يمكن أن يكون تبلور في أقل من 5-10 ملايين سنة بعد الانفجار العظيم.
منذ الجيل الأول لم تكن النجوم تحتوي العناصر الأثقل مثل الكربون والأكسجين، والتي نعتقد أنها ضرورية للحياة، على الأقل بالمقدار الذي نعرفه. فقط في الجيل الثاني أو الثالث من نظامنا الشمسي والكواكب المتزامنة معه بات من الممكن العيش فيه. وحتى بعد ذلك، استغرق الأمر وقتا طويلا حتى وصلت الحياة إلى درجة الذكاء والحساسية المطلوبتين. وعلى الرغم من أن أنواع الحياة الأخرى لا تعتمد على العناصر الثقيلة فإنها كانت ممكنة الوجود في مكان آخر من الكون، فطبيعة هذه الكائنات الحية من الصعب جدا أن يتم استنتاجه من معرفتنا الكيميائية والفيزيائية الحالية.
هذه الاكتشافات تدعونا للتساؤل عن الحياة التي يمكن أن تكون موجودة في الأماكن الأخرى من الكون. ورغم أنه لا يوجد أحد لديه معلومات حديثة لتأكيد أو نفي ذلك إلا أن هناك معادلة مشهورة تم صياغتها في عام 1961 من قبل عالم الفلك المتخصص في موجات الراديو فرانك دريك Frank Drake سمحت بالتفكير بالاحتمالات الممكنة. تعد معادلة دريك أفضل وسيلة لتوثيق حالة جهلنا بحقيقة وجود كائنات أخرى في الكون. لاحظ دريك بصورة منطقية مبسطة أن التواصل الحضاري في مجرتنا هو نتيجة لسبعة عوامل:
عدد النجوم في مجرة طريق الحليب (تقريباً 100 مليون) مضروبة بـ
جزء من عدد النجوم التي تحيط بها كواكب مضروبة بـ
عدد الكواكب لكل نجم التي يمكن العيش فيها مضروبة بـ
جزء من تلك الكواكب التي يوجد بها حياة مضروبة بـ
جزء من تلك الكواكب التي يوجد بها حياة ذكية مضروبة بـ
جزء من تلك الكواكب التي طورت حياة يمكن التواصل فيها مضروبة بـ
جزء من تلك الكواكب التي يوجد بها حياة ويمكن التواصل فيها مع كواكب أخرى.
لقد استطعنا التواصل مع العالم خارج الكرة الأرضية قبل أقل من عدة مئات من السنين. عمر الأرض يقارب 4.5 بليون سنة، ولذلك فإن معامل دراك لا يعكس سوى جزء بسيط جداً من عدد سنوات وجود الأرض: 0,000000022)).
معادلة دراك جميلة ولكنها عديمة الفائدة لأننا عاجزون بأي مقدار من اليقين تحديد قيمة كل شيء، ربما باستثناء عدد النجوم في مجرة طريق الحليب. ولكن بالتأكيد فإن نجوم أخرى تم اكتشافها مع الكواكب التي تدور حولها، ولكن بقية المعلومات لازالت غامضة. ومع ذلك فإن معهد “البحث عن الذكاء خارج الأرض” (SETI) الذي تم إنشاءه من قبل فرانك دراك نفسه قد بدأ وبمشاركة من علماء فيزياء وفلك وأخرين في السعي للوصول إلى إشارات من بقية الحضارات المحتملة في مجرتنا. لقد كتب الكثير عن الأهمية الدينية لاكتشاف حياة في الكواكب الأخرى إذا ما تم التحقق من ذلك. هل هذه الحقيقة سوف تجعل الجنس البشري على كوكب الأرض أقل أهمية؟ هل وجود حياة في كواكب أخرى يجعل اشتراك الإله في هذه العملية أقل احتمالا؟ من وجهة نظري هذه الاستنتاجات غير مؤكدة. إذا كان الإله موجوداً، وهو راغب في أن يكون له أتباع ككائنات حية مثلنا، وإذا كان قادرا على الاعتناء والتفاعل مع ستة بلايين شخص على هذا الكوكب، وبلايين أخرى سبقتنا، فإنه من غير الواضح كيف أن غير قادر على التعامل مع ملايين من الكائنات المشابهة لنا، وملايين أخرى من الكواكب. إنه من المشوق أن نعرف ما إذا كانت الكائنات في الكواكب الأخرى من الكون لديها قانون أخلاقي أيضاً، عطفاً على أهميته في نظرتنا لطبيعة الإله. من الناحية الواقعية، من غير المحتمل أن نعرف الإجابة على هذه الأسئلة أثناء سنوات عمرنا.
المبدأ الإنساني
الآن أصبح أصل الكون ونظامنا الشمسي مفهوماً بشكل أكبر بالنسبة لنا، كما تم التعرف على مجموعة مبهرة من المصادفات متعلقة بعالم الطبيعة كانت قد حيرت العلماء والفلاسفة ورجال الدين على حد سواء. خذ على سبيل المثال الملاحظات التالية:
1- في اللحظات الأولى للكون بعد حدوث الانفجار العظيم تم خلق المادة ومضاد المادة في الوقت نفسه تقريباً في جزء صغير من الثانية، وانخفضت درجة حرارة الكون مما سمح للكواركات ومضاداتها للتكثف. عندما يحدث أن يتلاقى أي كوارك بسرعة كبيرة مع مضاد الكوارك فإن ذلك ينتج عنه فناء كل منهما وإطلاق فوتون من الطاقة. ولكن التماثل بين المادة ومضاد المادة لم يكن دقيقاً، لأنه عند كل بليون زوج من الكواركات ومضادات الكوارك كان هناك كوارك زائد. هذا الجزء البسيط الذي سبب الكون في البداية هو الذي كون كتلة الكون الذي نعرفه.
لماذا يوجد هذا التماثل؟ يبدو أنه أكثر ملائمة أن لا يكون هناك تماثل. ولكن إذا كان هناك تماثل كامل بين المادة وضدها فإن الكون سرعان ما يتحول إلى إشعاع خالص، وعندها لن يتمكن البشر والكواكب والنجوم والمجرات من الوجود.
2- الطريقة التي تمدد بها الكون بعد الانفجار العظيم تعتمد اعتمادا كلياً على كم كانت كتلة وطاقة الكون في ذلك الوقت، وهو أمر يعتمد أيضا على قوة ثابت الجاذبية. الدقة العجيبة لهذه المعاملات الفيزيائية كانت مصدر إعجاب للعديد من الخبراء. كتب هوكنج قائلا “لماذا بدأ الكون بنسبة حرجة من التمدد الذي فصل النماذج التي انهارت مرة أخرى عن تلك التي استمرت في التمدد إلى الأبد، بحيث أنه بعد عشرة ملايين سنة من ذلك لازالت تتمدد بنفس النسبة؟ لو كان تمدد الكون بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم أقل بحجم أقل من 100 ألف بليون لانهار الكون قبل أن يصل إلى حجمه الحالي”.
من جهة أخرى، لو كانت نسبة التمدد أكبر بجزء من المليون لما كان بإمكان الكواكب والنجوم أن تتكون. النظريات الحديثة توفر لنا تفسيراً جزئياً عن سبب تراجع نسبة تمدد الكون السريع في الأيام الأولى بعد الانفجار العظيم إلى نسبة مقاربة للقيمة الحرجة. ومع ذلك فإن بعض علماء الفلك يقولون إن ذلك يعيد إلى الواجهة السؤال عن السبب الذي جعل الكون يتوفر على مقدار مناسب من الخصائص المطلوبة لحدوث هذا التمدد المتضخم. وجود الكون الذي نعرفه يقف على حافة سكين من الدقة.
نفس الظروف تنطبق على تكون العناصر الأثقل. إذا كانت القوة الذرية التي تجمع البروتونات والنيترونات أضعف بقليل فإن الهيدروجين سيكون هو الناتج الوحيد في هذا الكون. ومن جهة أخرى لو كانت هذه القوة أكبر بنسبة بسيطة لتحول كل الهيدروجين إلى هيليوم بدلا من نسبة 25٪ التي وجدت بعد الانفجار العظيم. ولما كان بإمكان فرن انصهار النجوم أن ينتج عناصر أثقل. بالإضافة إلى هذه الملاحظة اللافتة فإنه يبدو أن القوة النووية تم تعييرها بشكل مناسب لإنتاج الكربون، وهو أمر حاسم لوجود الحياة على الأرض. لو كانت هذه القوة أكبر بنسبة ضئيلة لتحول كل الكربون إلى أكسجين.
هناك 15 ثابت فيزيائي تعجز النظريات الحالية عن التنبؤ بقيمتها. المعطيات المتوفرة هي أن قيمة هذه الثوابت هي القيمة التي يجب أن تكون عليه. هذه القائمة من الثوابت تشمل سرعة الضوء، مقدار الشدة الدنيا والقصوى للقوى النووية، العوامل المختلفة للقوة الكهرومغناطيسية وقوة الجاذبية. فرصة أن تتوفر كل هذه الثوابت الضرورية لاستقرار الكون بحيث يكون قابل للعيش فيه فرصة متناهية الصغر. وهذه العوامل هي بالفعل ما نلاحظه بالفعل. الخلاصة أن كوننا بالغ الدقة.
حتى تكون محقا في الاعتراض بأن هذه الحجة تستلزم الدور: على الكون أن يسير وفق عوامل متناسبة مع ثبات الكون أو لن نكون موجودين للحديث عن الموضوع. هذه المبدأ يشار إليه على أنه المبدأ الإنساني: وهي فكرة أن الكون تم تعييره بشكل يسمح لحياة الناس. لقد سبب ذلك الكثير من الدهشة والتساؤل منذ أن تم الكشف عنه منذ عقود عدة
هناك عدة ردود على المبدأ الإنساني:
1- من المحتمل أن يكون هناك عدد لا متناهي من الأكوان، إما بالتزامن مع كوننا الذي نعيش فيه أو بكيفية أخرى مع قيم مختلفة من الثوابت ، وربما بقوانين فيزيائية مختلفة، ولكننا لسنا قادرون على مراقبة هذه الأكوان. نحن نعيش فقط في كون خصائصه الفيزيائية تسمح بوجود الحياة عليه. ثوابت كوكبنا ليست سحرية، ولكنها نتيجة غير معتادة لمحاولات الصحة والخطأ، وهو ما يسمى بفرضية تعدد الأكوان.
۲- هناك كون واحد وهو ما نعيش فيه. لهذا الكون جميع الخصائص التي تسمح بوجود الحياة الواعية. لو لم يكن الكون كذلك لما كنا نناقش هذا الموضوع. نحن محظوظون جداً جداً.
۳- هناك كون واحد وهو ما نعيش فيه. الإتقان الدقيق لكل الثوابت الفيزيائية والقوانين الفيزيائية لتوفير حياة واعية ممكنة أمر ليس بمحض الصدفة، وإنما يعكس فعل قام به من خلق الكون في المقام الأول.
بغض النظر عن تفضيل واحد من الاحتمالات 1 أو 2 أو 3، لا شك أن المسألة لاهوتية. يشير كتب هوكنج قائلا “الاحتمالات النافية لتشكل الكون من شيء ما مثل الانفجار العظيم هائلة. أعتقد أن من الواضح أن هناك آثار دينية”. يذهب هوكنغ في كتابه A Brief History of Time أبعد من ذلك فيقول “من الصعب جدا تفسير لماذا بدا الكون بهذه الطريقة، إلا إذا كان ذلك فعلاً إلهياً قام به شخص يريد أن يخلق كائنات مثلنا”. عالم فيزياء معروف هو فریمان دایسون Freeman Dyson توصل بعد مراجعة هذه السلسلة من الأحداث إلى ما يلي “كلما تعمقت في اختبار الكون وتفاصيل تصميمه كلما حصلت على براهين على أن هذا الكون كان على علم بقدومنا”. أيضا أرنو بنزیاس Arno Penzias الحائز على جائزة نوبل والذي اكتشف الإشعاعات الخلفية للميكروويف الكوني والتي دعمت بقوة نظرية الانفجار العظيم يقول “المعلومات المتوافرة والتي جاءت تماماً كما توقعتها لن تكون أكثر من كتب موسى الخمسة والمزامير والإنجيل مجتمعة”. ربما كان Penzias يفكر في كلمات داود في المزمور الخامس “عندما فكرت في جنتكم، وبصمة أصابعكم، والأقمار والنجوم، ما هو الإنسان الذي كان في عقلك”.
ماذا يمكن أن نصل إليه في استعراضنا للاحتمالات الثلاثة؟ دعونا نتناول ذلك بشكل منطقي. لنبدأ بالتالي، لدينا مشاهداتنا عن الكون الذي نعرفه بما في ذلك أنفسنا. وبعد ذلك علينا أن نحسب أي الاحتمالات الثلاث أكثر ترجيحة. المشكلة أنه لا يوجد لدينا طريق لحساب الاحتمالات، ربما إلا في الاحتمال الثاني. أما بالنسبة للاحتمال الأول فإنه كلما اقترب رقم الأكوان المتزامنة إلى اللانهاية فإن احتمال أن تكون خصائص هذا الكون ملائمة يكون كبيراً جداً. أما بالنسبة للاحتمال الثاني، فإن نسبة احتمال ذلك سوف تكون ضئيلة جداً. أما نسبة احتمال الاحتمال الثالث تعتمد على الخالق الخارق الذي يهتم بالكون غير المحصن. على أساس نسب الاحتمال، يبدو الاحتمال الثاني هو الأقل. وهذا ما يتركنا مع الاحتمالين الأول والثالث. الاحتمال الأول يمكن الدفاع عنه منطقياً، ولكن عدد الأكوان القريب من اللانهاية يثير العجب. إنه بالتأكيد يخالف نظرية شيفرة اوكام.
أولئك الذين يرفضون بشكل قاطع القبول بالخالق الذكي، سوف يحتجون بأن الاحتمال الثالث ليس أكثر بساطة على الإطلاق، لأنه يتطلب توسط الموجود الخارق. يمكن القول حينئذ أن الانفجار العظيم ذاته يؤشر بقوة إلى الخالق، والسؤال عما حدث قبل ذلك سوف يظل قائماً.
إذا كان هناك من يقبل بحجة أن الانفجار العظيم يستدعي وجود خالق، فإنه ليس من البعيد عليه أن يقبل بأن الخالق وضع جميع المتغيرات الثوابت والقوانين الفيزيائية وما عداها للوصول إلى هدف معين. وإذا كان هذا الهدف يشمل الكون الذي كان مجرد فراغ لا خصائص له فإننا نكون قد وصلنا إلى الاحتمال الثالث.
عند الحديث عن محاولة الاختيار بين الاحتمال الأول والثالث يقفز إلى الذهن تشبيه الفيلسوف جون ليسلي John Leslie. في هذا المثل، يواجه أحد الأشخاص الإعدام رمياً بالرصاص، وصوب خمسون رامية محترفة بنادقهم تجاهه لتنفيذ الإعدام. يصدر الأمر، ويسمع صوت الطلقات، ولكن بطريقة ما جميع الرصاصات لا تصيب الشخص المدان، ويخرج من دون أن يصاب بأذى. كيف يمكن تفسير مثل هذه الحادثة الغريبة؟
يعتبر ليزلي أن هناك نوعان من البدائل الممكنة تتناسب مع اختيارنا البديلين الأول والثالث. في المقام الأول، ربما يكون هناك الآلاف من الموجودات الفاعلة التي خلقت في نفس اليوم، وأفضل الرماة يمكن أن يخطأ أحياناً. ولكن عوامل الفشل جميعها صبت في مصلحة هذا الشخص بالتحديد، والرماة الخمسون فشلوا في إصابة الهدف. الاحتمال الثاني هو أن هناك شيء ما محدد يجري، والخطأ في تصويب للرماة كان مقصوداً. أيهما يبدو أكثر احتمالاً؟
من الأفضل لنا ترك الباب مفتوحاً لجهة قدرة الاكتشافات المستقبلية في الفيزياء النظرية على تحديد بعض من الثوابت الخمس عشرة، والتي تم تحديدها حتى الآن بواسطة المشاهدات التجريبية، حيث يمكن تقييد قيمتها الرقمية المحتملة عبر شيء ما أكثر عمقا، ولكن هذا الأمل لا يبدو قريبة من الأفق. وزيادة على ذلك، وكما هو الحال مع الحجج التي عرضنا لها في هذا الفصل والذي سبقه، ليس هناك مشاهدة علمية بإمكانها الوصول إلى برهان قاطع على وجود الإله. ولكن بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في التفكير في وجهة نظرهم الدينية فإن المبدأ الإنساني بالتأكيد يوفر حجة مشوقة في صالح الخالق.
ميكانيكا الكم ومبدأ عدم التحديد
اسحق نيوتن كان من المؤمنين، وقد كتب في تفسير الإنجيل أكثر مما كتب في الرياضيات والفيزياء، ولكن ليس كل من يقلده يشاطره الرأي في هذا الاعتقاد. في بداية القرن التاسع عشر قدم الماركيز دي لابلاس marquis de Laplace وهو فيزيائي ورياضي فرنسي معروف وجهة نظر للطبيعة التي تحكم قوانين الطبيعة بدقة (بعضها أكتشف، والبعض الأخر لم يكتشف بعد) وبالتالي فإن الطبيعة لا يمكنها تجنب الانصياع لهذه القوانين. في وجهة نظر لابلاس هذه الحاجة ضرورية حتى في أصغر الجسيمات، وفي أبعد أماكن الكون، وكذلك الحال مع البشر وعملية تفكيرهم.
افترض لابلاس أنه تم إعداد الترتيب الأولي للكون، وكل الحوادث المستقبلية، بما في ذلك المتعلقة بتجربة البشر في الماضي والحاضر والمستقبل بطريقة لا يمكن العودة عنها. هذه النظرة تمثل الصورة المتطرفة من الحتمية العلمية، وهو ما لا يترك أية مساحة للإله (إلا في البداية) أو لمفهوم الإرادة الحرة. لقد أحدثت وجهة النظر هذه ضجة في الأوساط العلمية والدينية (وكما اشتهر عن لابلاس قوله لنابليون عندما سأله عن الإله، “لا أحتاج إلى هذه الفرضية”).
وبعد عقد من ذلك تم الانقلاب على مفهوم لابلاس في الحتمية العلمية، ليس عن طريق حجة دينية، ولكن عن طريق رؤى علمية. في ذلك الوقت بدأت الثورة المعروفة باسم ميكانيكا الكم، كوسيلة للإجابة على الأسئلة غير المجاب عليها في الفيزياء فيما يخص طيف الضوء. استنادا إلى عدة مشاهدات، كشف ماكس بلانك وألبرت آينشتاين أن الضوء لم يأت من أية قوة ممكنة، بل هو عبارة عن قوة مضغوطة في جسيمات طاقة دقيقة تسمى الفوتونات. لذلك، فهو غير قابل للانقسام إلى ما لا نهاية، بل هو عبارة عن سيل من الفوتونات، كما أن تصميم الكاميرا الرقمية لا يمكن أن تكون أدق من بكسل واحد.
في الوقت نفسه، اختبر نیلس بور تركيب الذرة، واندهش من قدرة الإلكترونات في البقاء في مدار الذرة. تجذب الشحنة السالبة لكل إلكترون الشحنة الموجبة لكل بروتون في الذرة، وفي نهاية المطاف ينتج عن ذلك انهيار كل المادة لا محالة. افترض بور مسلمة شبيهة بحجة الكم، مما أدى إلى نظرية تعتمد على مسلمة تقول إن الإلكترونات يمكن أن توجد فقط في عدد متناهي من الحالات.
بدا أن أسس الميكانيكا التقليدية تتهاوى، ولكن أعمق النتائج الدينية لهذه الاكتشافات ظهرت على يد عالم الفيزياء ورنر هیزنبرغ Werner Heisenberg حين أوضح أنه في عالم الكم الغريب في أقصر المسافات وأصغر الجسيمات لا يمكن قياس موقع ومقدار القوة الدافعة بشكل دقيق في نفس الوقت. مبدأ عدم التحديد هذا والذي سطع باسم هیزنبرغ أطاح بحتمية لابلاس بضربة واحدة، لأنه أشار إلى أن أي ترتيب للكون لا يمكن في الحقيقة تحديده بدقة كما كان يتطلب نموذج لابلاس.
النتائج المترتبة على ميكانيكا الكم لفهم معنى الكون كانت موضوعاً لكثير من النقاشات خلال الثمانين سنة الماضية. آينشتاين نفسه، ورغم أنه لعب دوراً مهماً في بدايات ميكانيكا الكم رفض في البداية مفهوم عدم التحديد، وكان له تعبير لافت “الإله لا يلعب النرد”.
يمكن للمؤمن بالإله أن يرد بقوله إن اللعب لن يبدو كنرد بالنسبة للإله، حتى لو كان يبدو لنا كذلك. وكما أشار هوكنج “لازال بإمكاننا تصور أن هناك مجموعة من القوانين التي يمكنها تحديد الحوادث بشكل دقيق لكائن خارق يمكنه أن يراقب الوضع الحالي للكون دون أن يتسبب في إرباكه”.
علم الفلك وفرضية الإله
المراجعة السريعة لطبيعة الكون تقودنا لإعادة النظر في إمكانية فرضية الإله بطريقة أكثر عمومية. أتذكر هنا ما ورد في المزمور 19، حيث كتب داوود “تبرز الجنات عظمة الإله، والسموات تظهر أن ذلك من صنع يديه”. من الواضح أن وجهة النظر العلمية ليست كافية بشكل كامل للإجابة على كل الأسئلة المثيرة المتعلقة بأصل الكون، وليس هناك تعارض جوهري بين فكرة الإله الخالق وبين ما يكشف عنه العلم. في الحقيقة، إن فرضية وجود الإله تجيب على مجموعة من الأسئلة العويصة تتعلق بما حدث قبل الانفجار العظيم، ولماذا هيئ الكون بشكل رائع من أجل أن نعيش فيه.
بالنسبة للمؤمن بالإله الذي وصل من حجة القانون الأخلاقي (الفصل الأول) إلى البحث عن الإله الذي لم يدفع بالكون للحركة فحسب، بل المهتم بالبشر، وهو ما يجعل هذا التركيب ممكناً.
يمكن صياغة الحجة على النحو التالي:
إذا كان الإله موجود فهو قوة خارقة
إذا كان قوة خارقة فهو غير مقيد بقوانين الطبيعة
إذا كان غير مقيد بقوانين الطبيعة فإنه غير مقيد بزمن
إذا لم يكن مقيد بزمن فإنه موجود في الماضي والحاضر والمستقبل
النتائج المترتبة على هذه الاستنتاجات تشمل التالي:
هو يمكن أن يكون موجود قبل الانفجار العظيم، كما يمكن أن يبقى بعد أن يفني الكون
هو قادر على معرفة ترتيب الكون بدقة حتى قبل أن يوجد
يمكن أن يكون على معرفة مسبقة بالكوكب القريب من الحافة الخارجية لمجرة حلزونية متوسطة مناسبة لعيش البشر فيها
يمكن أن يكون على معرفة مسبقة بأن تشكل الكون سوف يؤدي إلى تطوير مخلوقات واعية، من خلال آلية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي.
يمكن أن يكون على معرفة مسبقة حتى بأفكار وأفعال هذه الكائنات رغم أن هذه الكائنات حرة الإرادة.
يمكنني أن أقول الكثير حول الخطوات الأخيرة في هذه الحجة، ولكن الاتساق الملخص بين العلم والإيمان يمكن رؤيته بوضوح. هذه الحجة لا تقصد أن تتستر على كل التحديات أو جوانب القصور. المؤمنين بالإله في بعض أديان العالم يواجهون بالتأكيد صعوبات محددة في بعض تفاصيل أصل الكون الذي تنبأ به العلم.
الربوبين من أمثال آينشتاين الذين يعتقدون أن الإله بدأ خلق الأشياء دفعة واحدة، ولكنه لم يعد مهتمة بما يحدث بعد ذلك، يبدو مرتاحين من الاكتشافات الأخيرة لعلم الفيزياء والفلك، باستثناء مبدأ عدم التحديد. ولكن شعور معظم الأديان الإيمانية بالراحة متغير. ففكرة البداية المحددة للكون غير متوافقة تماماً مع البوذية. ولكن هناك فروع في الديانة الهندوسية لا تواجه تعارض حقيقي مع نظرية الانفجار العظيم. وكذلك أغلب مفسري الإسلام ولكن ليس كلهم.
في التقليد اليهودي -المسيحي، يبدأ سفر التكوين بالعبارة التالية “في بداية الأمر خلق الله السماوات والأرض” وهي تتوافق مع نظرية الانفجار العظيم. وفي مثال لافت، كان البابا بيوس الثاني عشر للكنيسة الكاثوليكية من أشد المؤيدين لنظرية الانفجار العظيم حتى قبل أن يبرز الجانب العلمي للنظرية.
ليست كل التفاسير المسيحية مؤيدة للنظرة العلمية للكون، ومع ذلك فإن من فسروا سفر التكوين بشكل حرفي استنتجوا أن عمر الأرض 6000 سنة فقط، ولذلك فهم يرفضون الاستنتاجات التي ذكرناها. موقف هؤلاء مفهوم من عدة جوانب، فهم يرفضون التفسير الفضفاض وتفريغ النصوص من محتواها. النصوص التي تصف حوادث تاريخية يجب أن تفسر رمزية فقط إذا ما تطلب ذلك.
ولكن هل سفر التكوين من هذا النوع؟ لا شك أن لغته شعرية. هل تعبر هذه النصوص عن هوية شعرية؟ (سيكون هناك الكثير لنقوله عن ذلك في الفصول القادمة). إنه ليس سؤالاً حديثاً، فطوال التاريخ ثار الجدل بين أنصار التفسير الحرفي وأنصار التفسير غير الحرفي. القديس أوغسطينوس Saint Augustine وهو أحد أعظم المفكرين الدينيين كان على وعي بخطورة تحوير النصوص الإنجيلية لتناسب الأطروحات العلمية، فكتب يقول في إشارة خاصة لسفر التكوين في الحقيقة، إن نصوصه غامضة وبعيدة عن متناول فهمنا، فنجد مقاطع في الكتاب المقدس يمكن تفسيرها بطريقة مختلفة دون الانحياز إلى الإيمان الذي تعلمناه. في مثل هذه الحالات، علينا أن لا نستعجل بتهور وأن نأخذ موقف حاسم باتجاه أو أخر، لأنه إذا حصل تطور في البحث عن الحقيقة وقلل من صحة هذا الموقف فإننا سوف نقع معه”.
في الفصول التالية سوف نركز على الجوانب العلمية المتعلقة بدراسة الحياة. سوف نتعرف على التعارضات المحتملة بين العلم والدين، على الأقل من وجهة معلقين معاصرين، ولكن سوف أقول بًنه إذا ما طبقنا نصيحة القديس أوغسطينوس حيث قدمت لنا بشكل جيد قبل الآلاف السنين من وجود أي سبب يدعونا لاعتذار من دارون، سوف نجد توافقاً مرضياً ومتسقاً وعميقاً بين وجهات النظر هذه.
إذا بدأت قراءة هذا الكتاب وأنت من المشككين، ووصلت معي إلى هذه النقطة من الكتاب فلابد أنه بدأ يتكون لديك سيل من الاعتراضات. أنا شخصياً كان لدي مثل هذه الشكوك: أليس الإله هو مجرد حالة من التفكير الفضولي. ألم ترتكب الكثير من الآثام باسم الدين؟ كيف للإله العطوف أن يسمح بالمعاناة؟ كيف لعالم جاد أن يقبل بإمكانية حدوث المعجزات؟
إذا كنت مؤمناً فإن السرد الوارد في الفصل الأول يكون قد أيد موقف نوعاً ما، ولكن بالتأكيد فإن إيمانك سوف يتعارض في جوانب عدة مع قناعات في داخلك أو قناعات ممن حولك.
الشك هو جزء لا يمكن تجنبه في الحياة. وبحسب تعبير بول تيلتش Paul Tillich “الشك ليس مضاد للإيمان، وإنما هو جزء منه”. إذا كان الوضع في مصلحة الإيمان بالإله بصورة محكمة تماماً فإن العالم سوف يكون مليء بالأطباء الواثقين بوجود إيمان واحد. ولكن تخيل عالم تم فيه مصادرة حرية الاعتقاد بصورة تامة. كيف سيكون عليه هذا العالم؟ الإشكاليات بالنسبة للشاك والمؤمن على حد سواء تأتي من عدة مصادر. أحد هذه المصادر تتعلق بالتعارض الظاهري بين الاعتقادات الدينية والمشاهدات العلمية. سوف يتم تناول هذه الإشكاليات الواضحة في حقول الأحياء والوراثة في الفصول القادمة. أما الإشكاليات التي تندرج في الإطار الفلسفي للتجربة الإنسانية فإنها سوف تناقش في هذا الفصل. إذا لم تكن من المهتمين بهذه الإشكاليات فيمكنك الانتقال إلى الفصل الثالث.
عندما أتناول هذه المواضيع الفلسفية فإنني أتكلم بشكل أساسي كعلماني. ومع ذلك فإنني شخصياً مررت بهذه المعاناة. لقد حاصرتني الشكوك من كل جانب، وبشكل خاص في السنة الأولى بعد اقتناعي بوجود الإله الذي يهتم بالناس. وعلى الرغم من أن هذه الأسئلة بدت لي جديدة وغير قابلة للإجابة عليها، إلا أنني شعرت بالراحة عندما علمت بأن أسئلتي ليست جديدة، بل أنها طرحت بقوة أكبر من قبل الكثيرين عبر قرون عدة. لقد شعرت براحة كبيرة لوجود مصادر رائعة تتضمن إجابات جادة على هذه المعضلات. سوف أشير إلى بعض هؤلاء المؤلفين في هذا الفصل مرفقة بأفكاري وتجاربي. عدد من أفضل هذه التحليلات مأخوذة من كتابات لويس C.S. Lewis الذي أصبح مرشدي الأكاديمي في أكسفورد.
على الرغم من أن مجموعة من الاعتراضات سوف تناقش في هذا الفصل، إلا أنني وجدت أن أربعة منها بالخصوص مرتبطة بالأيام الأولى من الإيمان الوليد، وأعتقد أن هذه الاعتراضات العاصفة تواجه أي شخص يريد أن يتخذ القرار بخصوص وجود الإله.
أليست فكرة الإيمان بالإله عبارة عن تلبية للرغبات؟
هل بالفعل هناك إله؟ أم أن البحث عن كائن خارق هو أمر منتشر في كل الثقافات التي تم دراستها، وهو يعبر عن شوق عام من دون أساس لشيء خارج ذواتنا ليعطي معنى لحياة لا معنى لها، ولكي يبعد عنا ألم الموت؟
في حين أن البحث عن المقدس في الوقت الحالي أصبح نوعاً ما أقل وضوحاً في حياتنا المليئة بالمغريات، إلا أن هذا البحث يظل أحد أهم ما يتطلع إليه الإنسان. يصف لويس هذه الظاهرة في حياته في كتابه الرائع Surprised by Joy، فيعتبر أن شعور الشوق القوي برز في حياته على شكل بضعة أسطر من الشعر وهو ما يصفه بالمبهج. يصف لويس هذه التجربة بقوله “إنها رغبة لم يتم إشباعها، وإشباعها أقوى من إشباع أية رغبة أخرى”. أتذكر أنني مررت بهذه اللحظات في حياتي، حيث شعور الشوق الشديد يتوسط ما بين الشعور باللذة والمرارة، وهو ما كان يثير دهشتي ويدعوني للتساؤل من أين أتى هذا الشعور العاطفي وكيف يمكن التعامل مع هذه التجربة.
عندما كنت صبية كنت كثيرا ما أسرح في تجربة النظر من خلال التلسكوب الذي وضعه أحد الفلكيين الهواة على تلة بالقرب من مزرعتنا، حيث كنت أشعر باتساع هذا الكون وأرى البقع الموجود على سطح القمر والضوء الشفاف الساحر للثريا. وفي عمر الخامسة عشر، أتذكر أنه وفي ليلة عيد الميلاد وعندما كانت فرقة الموسيقى تعزف لحناً جميلاً بنغمة مميزة شعرت بنوع من الرعب والشوق إلى شيء ما لا أعرف ما هو. لقد شعرت عندما كنت طالباً ملحداً أثناء الدراسات العليا بنفس شعور الرعب والشوق مع شعور عميق بالآسى عند عزف السمفونية الثالثة لبيتهوفن (Eroicd). وبينما كان العالم في حالة حداد على وفاة مجموعة من الرياضيين الإسرائيليين على يد إرهابيين في أولمبياد عام 1972، عزفت فرقة برلين الموسيقية لحن رثائي في الإستاد الأولمبي يجمع بين الشموخ والفاجعة، بين الحياة والموت. خلال هذه اللحظات خرجت من تصوري المادي إلى حالة روحية عميقة أصابتني بالذهول الشديد.
وقبل فترة قصيرة، وباعتباري عالما يحوز على قدر لافت من التميز نتيجة لاكتشاف أمور لم يسبق إليها إنسان، شعرت بنوع من المتعة مترافقة مع ومضات من البصيرة. من خلال إحساسي بالوصول إلى لمحة من الحقيقة العلمية شعرت دفعة واحدة بالإشباع والشوق إلى فهم الحقيقة بشكل أكبر. في تلك اللحظة، لم يعد العلم مجرد عملية اكتشاف، لقد تجاوزت ذلك إلى الدخول في تجربة تبطل التفسير المادي تماماً.
إذن ما الذي يحدث بحيث يجعلنا نمر بهذه التجارب؟ وما هو شعور الشوق إلى شيء خارج عن ذواتنا؟ ألم يكن ذلك سوى مزيج من نواقل عصبية وقعت على المستقبلات المناسبة مما أدى إلى إنتاج شحنة كهربائية على نحو عميق في بعض أجزاء المخ؟ أم أن هذه التجارب شبيهة بالقانون الأخلاقي الذي وصفناه بالفصل السابق، كنوع من الشك فيما هو موجود هناك، مما يشير إلى شعور عميق في النفس البشرية يتطلع إلى شيء ما أعظم كثيراً من ذواتنا. الموقف الإلحادي يقول إنه لا يمكن أن نعتبر أن هذا الشوق هو إشارة إلى قوة خارقة، فترجمتنا لمشاعر المتعة باتجاه الإله ليست سوى تعبير عن تفكير لتلبية رغبات معينة، في محاولة لابتكار إجابة، لأننا نرغب في أن يكون ذلك صحيحاً. انتشرت وجهة النظر هذه بشكل كبير من خلال كتابات سغمند فروید Sigmund Freud الذي اعتبر أن الأمنيات بوجود إله تبدأ مع تجاربنا في مرحلة الطفولة. يقول فرويد في كتابه Totem and Taboo إن “سيكولوجية كل واحد منا فيما يخص الاعتقاد بالإله تتشكل بطريقة مشابهة السيكولوجية والده بهذا الخصوص، وهكذا الحال بعلاقة والد الأب وأقربائه، وهي تتأرجح وتتغير تبعاً لهذه العلاقة، ولكن في الأساس فإن هذا الإله ليس سوى الأب المبجل.
الإشكالية التي تواجه حجة إشباع الرغبات أنها لا تتماشى مع شخصية الإله في الأديان الرئيسية في العالم. في كتابه الأنيق The Question of God، يقارن أستاذ التحليل النفسي في جامعة هارفرد أرماند نیكولي Armand Nicholi بين وجهة نظر فرويد وبين وجهة نظر لويس. يقول لويس بأن مثل هذا الإشباع للرغبات يتيح المجال لظهور إله من النوع الذي وصف في الإنجيل. ولكن إذا كنا نبحث عن الإله الرحيم اللطيف الحليم فلن نجده هناك. وبدلا من ذلك، ومع بداية تلمسنا لوجود القانون الأخلاقي وعدم قدرتنا الواضحة للوصول إلى مستواه ندرك باننا في مشكلة عويصة وأننا منفصلين بشكل دائم عن صانع هذا القانون. ألا يمر الطفل عندما يكبر بتجربة التردد تجاه والديه، بما في ذلك الرغبة بأن يكون حراً؟ إذا لماذا يعتبر إشباع الرغبات تطلعاً إلى الإله، على عكس التطلع لعدم وجود إله؟
أخيراً، وبتعبير منطقي مبسط، إذا قبل شخص بالقول إن الإله هو شيء يرغب الإنسان به، فهل هذا ينفي أن الإله موجود؟ بالتأكيد لا. أن أحلم بزوجة محبة لا يعني أنها أمر خيالي. حقيقة تمنى المزارع لسقوط المطر لا يجعله يشكك بحقيقة المطر المتساقط.
في الحقيقة، يمكن لنا أن نقلب حجة إشباع الرغبات رأسا على عقب. لماذا توجد هذه الرغبة المميزة المتعطشة، إذا لم تكن هناك فرصة للإشباع؟ مرة أخرى، يعتبر أن ذلك هو النبع: “الكائنات لا تولد برغبات إلا إذا كان ممكنة إشباع هذه الرغبات. الطفل يشعر بالجوع: حسناً، هناك شيء اسمه طعام. البطة الصغيرة تريد أن تسبح، حسنا هناك شيء لذلك هو الماء. الرجال لديهم رغبة جنسية، حسنا هناك شيء اسمه جنس. إذا وجدت أن لدي رغبة لا يمكن إشباعها في هذا العالم، فإن التفسير المحتمل جدا أنني خلقت لعالم أخر”.
هل يمكن لهذا الشوق نحو المقدس الكوني المحير بالنسبة للتجربة الإنسانية ألا يكون مشبعاً للرغبات وإنما مؤشر باتجاه شيء خارج ذواتنا؟ لماذا يوجد داخل قلوبنا وعقولنا “فراغ إلهي” God-shaped Vacuum إذا لم يكن هناك ما يشبعه؟
من السهل جداً في عالمنا المادي أن نفقد البصيرة تجاه هذا الشعور بالشوق. في سلسلة مقالاتها الرائعة Teaching a Stone to Talk تعبر آنی دیلرد Annie Dillard عن الفراغ المتزايد:
لم نعد ساذجين بعد الآن. العالم كله لم يعد مقدساً … لقد انتقلنا كبشر من التوحيد إلى وحدة الوجود …. إن من الصعب جدا أتدارك الأذى الذي أحدثناه، والعودة إلى مكاننا الذي طلب منا أن نغادره. أنه من الصعب أن تدنس مقبرة ثم تغير رأيك. لقد أحرقنا الأعشاب ولم يعد بالإمكان إشعالها مرة أخرى. لقد أشعلنا أعواد الثقاب تحت كل شجرة خضراء. هل تقدر الرياح التي كانت تبكي والتلال التي كانت تصرخ على ذلك؟ لقد انتهى الحديث فيما بين الأشياء عديمة الحياة في الأرض، والأشياء الحية تقول القليل لعدد قليل … ومع ذلك فمن الممكن أينما كانت هناك حركة أن يكون هناك ضجيج، كما هو حال الحوت حينما يخترق ويصفع الماء، وأينما يكون هناك صمت يكون هناك صوت صامت، الإله يتحدث من خلال الريح العاصفة، من خلال أغنية ورقص الطبيعة. ماذا كنا نفعل كل هذه العصور سوى الطلب من الإله بالعودة إلى الجبال. ما الفرق بين الكنيسة ومختبر الفيزياء؟ أليس كلاهما يقول مرحبا؟
ماذا عن كل الشرور التي تحدث باسم الدين؟
إحدى أصعب العقبات التي تواجه طالبي الحقيقة تتمثل في الدلائل الكثيرة طول التاريخ بأن أمورة فظيعة حدثت باسم الدين. وهذا ينطبق بشكل عام على كل الأديان في مرحلة معينة، بما في ذلك تلك التي تدعو للشفقة واللاعنف ضمن مبادئها. أخذا بعين الاعتبار مثل هذه الأمثلة مثل استخدام السلطة التعسفية الصارخة، والعنف، والنفاق، كيف لإنسان أن يلجأ إلى خيمة الإيمان التي يروج لها مرتكبو الشر؟
هناك جوابان لهذه المعضلة. في البداية، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار بأن هناك أشياء عظيمة تم القيام بها باسم الدين. لعبت الكنيسة (وهنا أستخدم هذا التعبير لوصف المؤسسات المنظمة التي تنشر التعاليم الروحية، بغض النظر عن نوع هذه التعليمات في مرات عديدة دوراً حاسماً في دعم العدالة والخير. على سبيل المثال، تأمل في دور القادة الروحيين الذين عملوا لإنقاذ الناس من الظلم، من دور موسى في إنقاذ بني إسرائيل من العبودية، إلى دور وليام ولبر William Wilber في إقناع البرلمان الإنجليزي المعارضة شرعنة العبودية، إلى القس مارتن لوثر كنغ Martin Luther King الذي قاد حركة المطالبة بالحقوق المدنية في الولايات المتحدة، والتي دفع حياته ثمنا لها.
ولكن الجواب الثاني سوف يأخذنا مرة أخرى إلى القانون الأخلاقي، وإلى حقيقة أننا جميعا كبشر ننتهك هذا القانون. الكنيسة مكونة من مجموعة من الناس المذنبين. الماء النقي النظيف للحقيقة الروحية موضوع في حاويات صدئة، ولذلك فإن قصور الكنيسة لقرون طويلة يجب أن لا يلقى على عاتق الدين، كما لو أن الماء هو السبب. لا عجب في أن الناس الذين يقيمون الحقيقة بالدعوة للدين من خلال سلوك كنيسة محددة غالباً ما يجدون أنه من المستحيل أن يتخيلوا أنفسهم منضمين لها. مع بزوغ الثورة الفرنسية كتب فولتير تعبيرا عن عداءه للكنيسة الكاثوليكية الفرنسية ما يلي “هل هناك أي عجب من وجود ملحدين في العالم إذا كانت الكنيسة تتصرف بهذا الشكل القذر؟”
ليس فقط العنف هو من يشوه حقيقة الإيمان الديني. الأمثلة الكثيرة لنفاق رجال الدين ومن خلال تركيز وسائل الإعلام عليها تدفع الكثير من المشككين للاستنتاج بأنه لا وجود لحقيقة موضوعية خيرة في الدين.
الأكثر من ذلك ربما يكون في المظهر الكاذب الشائع على شكل إيمان ميت، إيمان علماني في العديد من الكنائس، تم فيه نزع كل قيم الإيمان التقليدي، وتقديم نسخة من الحياة الروحية عبارة عن مناسبات اجتماعية لا أكثر، ليس فيها أي شيء عن البحث عن الإله.
أليس عجيبا بعد ذلك أن يشير بعض المعلقين إلى الدين باعتباره قوة سلبية في المجتمع، أو بتعبير کارل مارکس Karl Marx “أفيون الشعوب”؟ ولكن لنكن حذرين هنا. التجارب الماركسية العملاقة في الاتحاد السوفيتي والصين والتي أسست مجتمعات تقوم على الإلحاد برهنت على أنها ارتكبت مذابح بشرية وتعسف في استخدام السلطة مثل أسوء الأنظمة في الأزمنة الحالية إن لم يكن أكثر منها. في الحقيقة، إن الإلحاد ومن خلال إنكار وجود أية سلطة متعالية يفسح المجال لنزع أية مسؤولية للبشر في ممارسة الظلم ضد بعضهم البعض.
وإذا كان التاريخ الطويل للاضطهاد الديني والنفاق واقعي بشكل كبير، فإن الباحثين عن الحقيقة يجب أن يتجاوزوا سلوك البشر المشين من أجل الوصول للحقيقة. هل ندين شجرة البلوط لأنه تم استخدام أخشابها لبناء حلبات لصراع الخراف؟ هل نلوم الهواء لأن الكذب ينتقل من خلاله؟ هل نقوم بتقييم مقطوعة موزارت Mozart المسماة The magic Flute على أساس عزف أطفال الصف الخامس لها. إذا لم تكن شاهدت الغروب الحقيقي للشمس فوق المحيط الهادي، هل سوف تعتبر أن كتيب مرشد للسياح سوف يكون هو البديل؟ هل سوف تقوم بتقييم قوة الحب الرومانسي فقط على ضوء سوء المعاملة الزوجية في المنزل المجاور؟ لا. التقييم الحقيقي لحقيقة الإيمان يعتمد على النظر إلى الماء النقي وليس إلى الحاويات الصدئة.
لماذا يسمح الإله الرحيم بوجود المعاناة في العالم؟
قد يكون هناك في العالم من لم يشعر مطلقا بالمعاناة. لا أعرف أحدا من هؤلاء، ولا أعتقد أن أحدا من قراء هذا الكتاب يعرفون أحداً من هذه الفئة. هذه التجربة الكونية دفعت الكثيرين للتشكيك في وجود الإله الرحيم. كما عبر لويس في كتابه The Problem of Pain يمكن وضع هذه الإشكالية على النحو التالي “إذا كان الله يتصف بالخير، فإنه ينبغي عليه أن يعمل على أن تعيش مخلوقاته بسعادة، وإذا كان الإله قادر على كل شيء فإنه قادر على تحقيق رغبته بذلك. ولكن المخلوقات ليست سعيدة. لذلك فإن الإله يفتقر إما إلى الخير أو إلى القدرة أو إلى كليهما”.
هناك عدة إجابات على هذه المعضلة. بعضها أسهل للقبول به من البعض الأخر. في المقام الأول، علينا أن ندرك أن قسما كبيرا من معاناتنا ومعاناة الآخرين هي بسبب ما نقوم تجاه بعضنا البعض. البشرية هي من صنعت السكاكين والسهام والمسدسات والقنابل وكل أنواع أدوات التعذيب التي استخدمت طوال العصور. من الصعب جدا تحميل الإله مأساة مقتل شاب بسبب سائق مخمور، أو تحميله مسؤولية مقتل إنسان بريء في المعركة، أو مقتل فتاة صغيرة برصاصة طائشة في جريمة وقعت في مدينة حديثة. في النهاية، نحن أحرار إلى حد معين فيما نفعل، ونحن نتصرف كما نرغب. ونحن كثيرا ما نستخدم هذه القدرة في عدم إطاعة القانون الأخلاقي. عندما نقوم بذلك ينبغي أن لا نلوم الإله على العواقب.
هل ينبغي على الإله أن يقيد حريتنا من أجل أن يمنع حدوث مثل هذه السلوكيات الشريرة؟ هذا النوع من التفكير سريعاً ما يصطدم بمعضلة لا يوجد لها جواب عقلاني. ومرة أخرى يؤكد لويس على هذا المعنى بشكل واضح بقوله “إذا أخترت أن تقول إن الإله يمكن أن يمنح المخلوقات حرية الاختيار وفي نفس الوقت تريد أن تكبح حرية الاختيار هذه، فإنك عندها لن تكون قد قلت شيئا عن الإله. تركيب من الكلمات التي تفتقر للمعنى لا يمكنها فجاءة أن تعطي معنى للكلام، لأننا ببساطة بدأناها بكلمتين “الله يستطيع”. ما لا معنى له يظل عديم المعنى، حتى لو كان كلامنا عن الإله”.
يظل أن من الصعب قبول الحجج العقلانية عندما يتعلق الأمر بتجربة معاناة قاسية لإنسان بريء. أعرف طالبة كلية كانت تعيش وحدها خلال إجازة الصيف بينما كانت تقوم بأبحاث طبية كنوع من الاستعداد لتصبح طبيبة. استيقظت الفتاة في عتمة الليل لتجد رجلا غريباً يقتحم شقتها. وضع الرجل سكينة على رقبتها، وتجاهل توسلاتها وعصب عينيها ثم أغتصبها. لقد تركها في وضع مأسوي، ومكثت الفتاة سنوات وسنوات لكي تتعافي من هذه التجربة، في حين لم يقبض على الفاعل حتى الآن.
تلك الشابة كانت ابنتي. لم أدرك الشر المطلق إلا في تلك الليلة. ولم أتمنى بلهفة أن يتدخل الإله في شيء كما تمنيت أن يتدخل بطريقة ما لمنع هذه الجريمة البشعة. لماذا لم يوجه الإله صاعقة إلى المجرم؟ أو على الأقل يجعله يؤنب ضميره؟ لماذا لم يضع درعا خفية حول ابنتي لحمايتها؟
لعل الإله يتدخل في البعض الحالات النادرة بمعجزات، ولكن الجانب الأكبر الذي يتم من خلال الإرادة الحرة وعبر نظام الكون المادي هو حقيقة أصيلة. في حين أننا نرغب بأن تتكرر مثل هذه المعاجز فإن ما يترتب على ذلك سوف سيؤدي إلى أن تعم الفوضى.
ماذا عن وقوع الكوارث الطبيعية: الزلازل، موجات التسونامي، البراكين، الفيضانات الكبيرة، والمجاعات؟ وعلى نطاق أصغر ولكن لا يقل تأثيراً، ماذا عن إصابة ضحية برئ بالمرض مثل إصابته بالسرطان في طفولته؟ يشير الكاهن الانجيلكاني والطبيب المميز جون بولكينغهورن John Polkinghome إلى هذه الفئة من الوقائع بأنها “الشر المادي” في مقابل الشر الأخلاقي الذي يقوم به البشر. كيف يمكن تبرير ذلك؟
العلم يكشف عن أن كوكبنا والحياة ذاتها يعمل عبر عملية تطورية. ما يترتب على ذلك يمكن أن يشمل عدم القدرة على التنبؤ بالطقس، أو انزلاق لطبقة في باطن الأرض، أو تشوه في جين السرطان في عملية انقسام الخلية المعتادة؟ إذا كان الإله قد اختار أن يستخدم هذه القوى في خلق البشر فإن حتمية التبعات المؤلمة لذلك تصبح مؤكدة. على الأقل فإن التدخل الإعجازي المتكرر سوف يعد فوضى في المجال الفيزيائي بنفس مقدار التدخل في الأفعال الحرة للإنسان.
هذه التفسيرات العقلانية تعد قاصرة بنظر الساعين للحقيقة في تبرير تجربة المعاناة الإنسانية. لماذا يجب أن تكون حياتنا أقرب إلى دموع الوداع منها إلى حديقة للبهجة؟ لقد كتب الكثير عن هذه المفارقة، والنتيجة ليست بهذه البساطة: إذا كان الإله يحبنا ويريد لنا الخير فإن غايته مثل غايتنا. هذا مفهوم معقد، وخاصة إذا تم تربيتنا بصورة مستمرة على صورة الإله الرحيم، وهو ما يفترض أن الإله يرغب في إسعادنا على الدوام. مرة أخرى نعود إلى لويس حيث يقول ” في الحقيقة ما نرغب به هو أكثر من موقف والد في الجنة، بل هو أقرب إلى موقف جد في الجنة، حيث عطف كبار السن الذين يحبون أن يروا صغار السن يستمتعون بوقتهم، وهم الذين يخططون للكون بطريقة تسمح لهم بالقول في نهاية كل يوم لقد كان وقتا جميلا بصحبة….”.
إذا حكمنا من خلال التجربة البشرية، فإنه إذا قبل شخص بصورة الإله المحب الرحيم فإنه بذلك يرغب بوضوح أن يكون الإله على شاكلتنا؟ أليست هذه في الحقيقة هي تجربتنا؟ هل تعرفت على نفسك بشكل أكبر عندما تجري الأمور لصالحك، أو عندما تواجه بالتحديات والإحباط والمعاناة؟ “الإله يهمس بنا في أوقات سعادتنا ويتحدث إلى ضمائرنا، ولكنه يصرخ عند آلامنا: إنه ميكرفونه عالي الصوت الذي يوقظ العالم الأصم”. بمقدار ما نحاول أن نتجنب المرور بهذه التجارب، ألن نكون ضحلين بدونها، بحيث نكون كائنات تتمحور حول نفسها لتفقد تماما الإحساس بالنبل والحاجة إلى مساعدة الآخرين؟
فكر فيما يلي: إذا كان أهم قرار نتخذه في الأرض هو القرار الذي يخص الدين، وإذا كانت أهم علاقة نبنيها في هذه الأرض هي العلاقة مع الإله، وإذا كان وجودنا ككائنات روحية لا يقتصر على ما يمكن أن نتعلمه أو نراقبه في حياتنا الدنيوية فإن المعاناة الإنسانية سوف تكون في سياق أخر تماما. قد لا نفهم على الإطلاق أسباب تجارب المعاناة، ولكن يمكننا أن نبدأ بتقبل فكرة وجود مثل هذه الأسباب.
في حالتي يمكنني أن أرى وبشكل خافت بأن اغتصاب ابنتي كان تحدياً لي لتعلم المعنى الحقيقي للصفح في الحالات المأسوية. بصراحة كاملة، أنا لا زلت أعمل على ذلك. ولعل ذلك كان فرصة لي لإدراك أنني لا أستطيع حماية ابنتي بشكل كامل من المعاناة والألم. تعلمت أن أفوض ذلك إلى عناية الإله، وإن كنت أعلم أن ذلك لا يعني مناعة من الشر، ولكنه تأكيد على أن هذه المعاناة لن تذهب سدى. في الحقيقة، سوف تقول ابنتي بأن هذه التجربة أعطتها الفرصة والدافع لتقديم النصيحة والسلوى لأولئك الذين مروا بتجربة مشابهة لهذا الاعتداء.
القول بأن الإله يعمل من خلال المحن ليس مفهوماً يمكن قبوله بسهولة، ولا يمكن التعويل عليه، إلا من خلال الاعتماد على وجهة نظر تستند للاعتبار الروحي. في الحقيقة إن مبدأ الترقي من خلال المعاناة مبدأ عام في أديان العالم الكبرى. الحقائق الأربعة لبوذا تبدأ بعبارة “الحياة معاناة”. هذه القناعة قد تصبح مصدر راحة.
تلك المرأة التي اعتنيت بها كطالب طب تحدت إلحادي من خلال تقبلها لمرضها المميت. لقد وجدت هذه المرأة أن مرضها وهي في أيامها الأخيرة يقربها إلى الإله أكثر مما يبعدها عنه. على مستوى تاريخي أوسع، نجد أن ديتريتش بونهوفر Dietrich Bonhoeffer وهو اللاهوتي الألماني الذي عاد إلى ألمانيا من الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية للإبقاء على الكنيسة على قيد الحياة، في الوقت الذي اختارت الكنائس المنظمة في ألمانيا أن تؤيد النازيين، قد تم سجنه بتهمة الاشتراك في مؤامرة لاغتيال هتلر. خلال سنتين من بقاءه في السجن، عانى بونهوفر من الإهانات وفقدان الحرية، ولكن إيمانه أو تقديره لم يتأثر. وقبل وقت قصير من شنقه قبل ثلاثة أسابيع من تحرير ألمانيا كتب بونهوفر هذه الكلمات “الوقت الضائع هو الوقت الذي لا نعيش فيه، هو الوقت الذي لا يعزز تجاربنا، ولا يعزز سعينا الحثيث والاستمتاع والمعاناة”.
كيف لإنسان عقلاني أن يؤمن بالمعجزات؟
في النهاية، خذ بعين الاعتبار الاعتراض الذي يقول بأن الإيمان بالمعجزات يتعارض مع كون الشخص عالم. كيف يمكن للمعجزات أن تتوافق مع وجهة النظرة العلمية؟ لقد قللنا بتعبيراتنا المعاصرة من أهمية كلمة المعجزة. نحن نستخدم تعابير من قبيل “دواء سحري”، “حمية سحرية” أو حتى “فريق كرة البيسبول الساحر”. ولكن بالتأكيد هذا ليس المعنى الحقيقي لكلمة معجزة. المعجزة على نحو دقيق هي الحادثة التي تبدو غير متماشية مع قوانين الطبيعة، وبذلك تكون خارقة في أصلها.
كل الأديان تؤمن بوجود معجزات. قصة عبور بني إسرائيل للبحر الأحمر مع موسي ولحاق رجال فرعون الذين غرقوا فيما بعد قصة مؤثرة تروى في كتاب Ecodus حكاية إنقاذ أتباعه من الهلاك. وكذلك الحال عندما طلب المسيح من الرب أن يطيل في بقاء النهار من أجل الانتصار في المعركة، وهذا ما حدث بالفعل حيث بقيت الشمس طالعة، وهو ما لا يمكن وصفه إلا أنه معجزة.
كيف يمكن قبول هذه الادعاءات في حين أن الشخص إنسان عقلاني متحضر؟ حسنا، من الواضح أنه إذا بدأ أحد من مسلمة أن الحوادث الخارقة للعادة مستحيلة فإنه لا يمكن القبول بالمعاجز. مرة أخرى يمكن أن نعود إلى لويس وذلك في كتابه Miracles لنفكر بشكل واضح في هذا الموضوع. “إي حدث يدعى بأنه معجزة هو في نهاية الأمر شيء ما نشعر به بحواسنا، شيء ما نشاهده ونلمسه ونشمه ونتذوقه. وحواسنا ليست معصومة عن الخطأ. إذا حدث شيء خارق للعادة يمكن دوما أن نقول إننا قد نكون ضحية لنوع من الخداع. وإذا كنا نتبنى فلسفة ترفض وجود الأمور الخارقة للعادة فإن هذا ما سوف نقوله. ما نتعلمه من التجربة يعتمد على نوع الفلسفة التي نقيس عليها هذه التجربة. وبالتالي فإن من غير المفيد التعويل على التجربة قبل أن نستقر على السؤال الفلسفي.
مع خشيتنا من إخافة أولئك الذين لا يرتاحون للتناول الرياضي للمواضيع الفلسفية نقدم لكم التحليل التالي. الكاهن توماس بایز Thomas Bayes كان لاهوتياً إسكتلندياً، ولكنه نادراً ما يذكر لتأملاته اللاهوتية، وإنما كان معروفاً بسبب نظريته في الاحتمالات. توفر نظرية بیز معادلة يمكن للشخص أن يحسب من خلالها احتمالية وقوع حادثة معينة إذا توفرت لديه معطيات أولية ومعلومات إضافية. هذه النظرية مفيدة بشكل خاص إذا كنا بصدد تفسيرين أو أكثر لوقوع حادثة معينة.
لنأخذ المثال التالي. لنفترض أنك أخذت رهينة من قبل رجل معتوه. ولنفرض أن الرجل المعتوه أعطاك الاختيار لسحب ورقتين من أوراق اللعب أو تغييرهما، وإذا خرجت كلتا الورقتين وعليهما صورة البستوني فسوف يطلق سراحك.
ومع أنك كنت تشك ما إذا كانت هذه المحاولة تستحق المحاولة من الأساس قررت أن تجرب، ثم أصابتك الدهشة لأن الورقتين خرجتا بصورة البستوني، فقام المعتوه بفك وثاقك ورجعت إلى البيت. ولأن الديك ميل إلى الرياضيات قمت بحساب فرصة أن تكون محظوظا على الشكل التالي:
52/1 * 52/1 = 2704/1
وهي فرصة نادرا ما تحدث، ولكنها حدثت. وبعد عدة أسابيع وجدت شخصاً عطوفاً يعمل في المصنع الذي ينتج أوراق اللعب، وأخبرك بأنه كان على علم برهان المعتوه معك، ولذلك قام بترتيب أوراق اللعب الاثنين والخمسين كلها مكونة من ورقة البستوني.
إذن محاولتك لم تكن مجرد ضربة حظ. وإنما تدخل شخص عالم ومحب (عامل المصنع) وأنت لم تكن تعرفه عندما كنت محتجزاً ليرفع من نسبة احتمال نجاتك. احتمال أن تسحب ورقة مختلفة في مجموعة أوراق لعب عادية هي 99/ 100، في حين أن احتمال خروج ورقة مختلفة في أوراق اللعب الخاصة تبلغ 99/ 100. إخذاً بالاعتبار نقطتي البداية المحتملتين فإن الاحتمالات الشرطية لسحب ورقتي لعب بصورة البستوني على التوالي تبلغ 1/ 2704 و1 على التوالي. بواسطة نظرية بايز يمكن حساب الاحتمالات اللاحقة، والاستنتاج من ذلك بأن من المحتمل بنسبة 96% بأن مجموعة أوراق اللعب التي تم السحب منها كانت “إعجازية”.
نفس التحليل يمكن أن ينطبق بشكل واضح على حالات إعجازية في حياتنا اليومية. افترض أنك شفيت بسرعة مذهلة من مرض سرطان في مراحله المتقدمة، وكان هذا النوع من السرطان من النوع المميت في كل الحالات تقريباً. هل يعد ذلك معجزة؟ لكي نقوم بتقييم السؤال على ضوء نظرية بايز ينبغي عليك في المقام الأول أن تحدد بشكل مسبق ما هو معيار المعجزة في الشفاء من مرض السرطان. هل هي واحد بالألف؟ هل هي واحد بالمليون؟ أو هي صفر؟ وهنا بالتأكيد سوف يختلف الناس العقلاء بشكل كبير في بعض الأحيان. بالنسبة للمادي الملتزم لا مجال للحديث عن إمكانية للمعجزة منذ البداية. هذه الاحتمالية بالنسبة له تساوي صفر)، وبناء على ذلك فإن الشفاء غير المتوقع على الإطلاق من مرض السرطان لن يعد بالنسبة له دليلا على حدوث معجزة، بل سوف يتم إرجاعه إلى حقيقة وجود حالات استثنائية في الطبيعة. في حين أن المؤمن بالإله سوف يصل بعد فحص الدلائل إلى نتيجة مفادها أن مثل هذا الشفاء لا يمكن أن يحدث من خلال عملية طبيعية، وأن الاعتراف بأن احتمالية وقوع المعجزة وإن كان صغيراً جداً، إلا أنه لا يصل إلى الصفر، وبالتالي يقوم بنفسه بعملية حسابية وفق نظرية بایز لاستنتاج أن حدوث المعجزة أكثر احتمالاً من عدم حدوثها.
كل ما سبق يؤدي إلى نتيجة أن النقاش حول المعجزات سرعان ما يتطور للنقاش حول ما إذا كان الشخص راغب في القبول بإمكانية وجود قوة خارقة. أنا أؤمن بأن هذه القوة موجودة، ولكن في الوقت نفسه أعتقد بأن تدخلها بشكل عام صغير جدا. هذه هي الفرضية التي نحتاج لها لتقديم أي تفسير طبيعي لأية حالة. الحالات المفاجئة لا تعني بالضرورة وجود معجزة.
بالنسبة للربوبي الذي يعتبر أن الإله خلق الكون، وبعد ذلك توجه إلى مكان آخر للقيام بنشاطات أخرى، لا يوجد لديه سبب للقبول بأحداث طبيعية على أنها معجزات، كما هو الحال أيضا بالنسبة للمادي الملتزم. أما بالنسبة للمؤمن الذي يؤمن بإله يتدخل في حياة البشر فإن هناك عدة فرضيات يمكن تطبيقها لحدوث المعاجز، وهذا يعتمد على الفهم الشخصي للحد الذي يتدخل فيه الإله في الأحداث اليومية.
أياً تكن وجهة النظر الشخصية، من المهم تطبيق الشك الإيجابي عند تفسير الحوادث الإعجازية خوفاً من أن تتعرض شمولية وعقلانية وجهة النظر الدينية للشك. ليس هناك شيء يدمر إمكانية حدوث المعجزات بسرعة أكبر من المادية الصارمة سوى الادعاء بوقوع المعجزات في الحوادث اليومية التي يكون لها تفسير علمي في متناول اليد. أي شخص يدعي أن تفتح الوردة معجزة يسيء إلى فهم النمو في بيولوجيا النبات الذي يوضح كافة الخطوات منذ غرس الحبوب إلى تفتح الزهرة الجميلة ذات الرائحة العطرة، وهي الخطوات التي دونت في كتيب تعليمات الحمض النووي. وكذلك الشخص الذي يصف فوزه بورقة اليانصيب بأنها معجزة لأنه توسل في صلاته لكي يفوز، لأنه يقحم سذاجتنا في هذا الأمر. وبسبب الانتشار الواسع لأنواع من بقايا الإيمان في مجتمعنا الحديث فإن من المحتمل أن نسبة كبيرة ممن اشتروا أوراق يانصيب لذلك الأسبوع قد تضرعوا بشكل عابر في صلواتهم للفوز بجائزة اليانصيب. إذا كان هذا هو الواقع، فإن ادعاء الفائز الحقيقي بوجود تدخل إعجازي يبدو هزيلاً.
الأصعب من ذلك هو تقييم الادعاءات بحدوث معجزة أدت إلى الشفاء من الأمراض. كطبيب شهدت حالات شفيت من أمراض بدت غير قابلة للشفاء. لكن لا يمكنني أن أرجع شفاء هذه الحالات إلى حدوث معجزة، لأنه ليس لدينا فهم كامل للأمراض وكيفية تأثيرها على جسم الإنسان. غالبا عندما يتم التمحيص بهذه الادعاءات من قبل متخصص موضوعي يتبين عدم صحة هذه الادعاءات. ورغم الاطمئنان والإصرار على وجود دلائل كثيرة على تلك الحالات، فلن أشعر بالصدمة لحصول هذه المعاجز في حالات نادرة. هذا الاحتمال نادر، ولكنه لا يصل للصفر.
لا تشكل المعاجز تعارضاً غير قابل للتوفيق بالنسبة للشخص المؤمن الذي يثق بالعلم كوسيلة لاستقراء عالم الطبيعة وبأن العالم محكوم بقوانين. إذا كنت مثلي تؤمن بوجود شيء ما خارج هذا العالم فإنه لا يوجد سبب منطقي يمنع من قيام هذه القوة بالتدخل في حالات نادرة. ولكن حتى نتجنب غرق العالم في حالة من الفوضى يجب أن تكون هذه المعاجز نادرة الحدوث. كما كتب لويس قائلا ” الإله لا يبعث بالمعاجز بصورة عشوائية كأنها أتت من الفلفل الناعم. إنها تحدث في حالات عظيمة. في لحظات تاريخية فارقة، ليست في التاريخ السياسي أو الاجتماعي، وإنما في التاريخ الروحي الذي لا يمكن لنا معرفته بصورة كاملة.
وهنا لا نرى بوضوح قوة الحجة التي تقول بندرة وقوع هذه المعاجز فقط، بل ندرك أن لهذه المعاجز غاية ما، وهي ليست مجرد تعبير عن أحداث سحرية خارقة للعادة من أجل إثارة إعجابنا. إذا كان الإله هو المقتدر الخير فإنه لن يلعب دور المحتال. يناقش بولكهورن هذه النقطة بقوله “لا يجب تفسير المعاجز على أنها سلوك إلهي ضد قوانين الطبيعة (فهذه القوانين هي تعبير عن إرادة الإله) وإنما عبارة عن وحي عميق الطبيعة العلاقة الإلهية مع الخلق. لتكون ذات مصداقية، يجب أن تحمل المعاجز فهما أعمق من الفهم الحاصل دون وجودها.
على الرغم من هذه الحجج، فإن المشككين الماديين الذين لا يرغبون بوجود أي أساس لمفهوم الخارق للعادة، أولئك يرفضون حجة القانون الأخلاقي، ويرفضون الشعور الكوني المتطلع للإله، بالتأكيد سوف يجادلون بأنه لا حاجة من الأساس للأخذ بعين الاعتبار بالمعاجز. من وجهة نظر هؤلاء، قوانين الطبيعة تستطيع تفسير كل شيء، بما في ذلك غير المحتمل. ولكن هل يمكن التعويل على هذه الحجة بشكل كامل؟ هناك في التاريخ حادثة عميقة واحدة على الأقل لم يستطع العلماء في جميع التخصصات تقريبا من تفسيرها ولن يستطيعوا مطلقا فهمها، حيث لم تستطع قوانين الطبيعة أن تقدم لنا تفسيرا لها. هل مثل هذه الحادثة معجزة. تابع معنا.
لم تكن بداية حياتي تقليدية في عدة جوانب، ولكن كابن لمفكر حر كانت نشأتي حديثة تقليدية تماماً في موقفها من أن الإيمان ليس أمراً مهماً. لقد نشأت في مزرعة وحلة في منطقة Shenandoah Valley بولاية فرجينيا. لم يكن في المزرعة مياه جارية، وكان هناك القليل من وسائل الراحة. ولكن مقابل هذه الأمور حظيت بخليط من تجارب محفزة وفرص وفرها لي والداي من خلال مجموعة من الأفكار المميزة.
لقد التقى والداي في كلية الدراسات العليا في جامعة ييل Yale في عام 1931 وقد أخذا معهما مهارات التنظيم السائدة هناك وحب الموسيقى إلى منطقة Arthurdal في ولاية فرجينيا الجنوبية حيث عملا مع آنا الينور روزفلت[1] Eleanor Roosevelt على تطوير مناطق التنقيب عن الفحم المعلمة التي كانت تبعث على الاكتئاب.
ولكن بقية المستشارين في إدارة روزفلت كانت لديهم أفكار أخرى، وسرعان ما جف التمويل. تفكيك منطقة Arthurdal بسبب الطبقة السياسية في واشنطن جعل والداي لا يثقان بالحكومة طوال حياتهما. انتقل والداي إلى الحياة الأكاديمية في كلية ألون Elon College في بيرنلغتون Burlington في ولاية كارولاينا الشمالية. هناك تعرفوا على ثقافة الفن الشعبي الجميل في أرياف الجنوب، وأصبح والدي مولعا بجمع الموسيقى الريفية، مسافراً بين الهضاب والأودية محاولاً إقناع أبناء الولاية الكتومين لتسجيل أغانيهم في آلة التسجيل الخاصة به. هذه التسجيلات إضافة إلى مجموعة أكبر من تسجيلات ألن لوماکس Alen Lomax شكلت جزءًا مهماً مجموعة تسجيلات غناء الريف الأمريكي في مكتبة الكونغرس الأمريكية.
عندما وقعت الحرب العالمية الثانية، تراجع اهتمام والدي بتجربته الموسيقية إلى المقعد الخلفي ليفسح المجال أمام أمور طارئة تتعلق بالأمن القومي، فاتجه للعمل في مجال صنع القنابل لأغراض الحرب، وانتهى به المطاف إلى أن يصبح مستشاراً في صناعة الطائرات في لونغ أيلاند Long Island.
في نهاية الحرب، توصل والداي إلى قناعة بأن ضغوط بيئة التجارة لا تناسبهما. ولأنهم سبقوا عصرهم في الأربعينات قرروا أن يذهبوا إلى منطقة Shenandoah Valley في فرجينيا ليشتروا مزرعة بمساحة 59 هكتار وقاموا بتكوين نمط حياة زراعي دون استخدام أدوات زراعة. ولكنهم اكتشفوا بعد أشهر قليلة أن ذلك لن يساعدهم في تربية أثنين من أبنائهم المراهقين (وكنت أنا ثالثهم بعد فترة قصيرة). وهذا ما دفع والدي إلى العمل كمدرس للدراما في كلية محلية للبنات. لقد قام باستئجار ممثلين من البلدة، ومعاً قام هؤلاء الطلبة مع التجار المحليين بتمثيل مجموعة من المسرحيات وكانوا مستمتعين بذلك. وبسبب ضجر الأهالي من طول الصيف وشعورهم بالملل قام والداي بتأسيس مسرح في بستان من أشجار البلوط يقع بالقرب من مزرعتنا. وقد استمر هذا المسرح دون انقطاع لمدة خمسين سنة لاحقة.
لقد ولدت في مزيج مبهج من الجمال الريفي وطبيعة العمل القاسية والمسرح الصيفي والموسيقى وترعرعت فيه. باعتباري أصغر أربعة أخوان لم أستطع أن … لقد ترعرعت بانطباع أن عليّ أن أتحمل مسؤولية سلوكي واختياراتي لأنه لن يهتم أحد غيري بهذه الاختيارات سواي.
كما هو الحال مع بقية أخواني، فقد تلقيت تعليمي في البيت على يد والدتي التي كانت معلمة بارعة. لقد منحتني هذه السنوات الأولى من حياتي هدية لا ثمن لها وهي حب التعلم. على الرغم من أن أمي لم تكن تخصص جدولا محددا لتدريسي إلا أنها كانت تمتلك إدراكاً عجيباً في تشخيص المواضيع التي تأسر عقل شاب صغير، وكانت تقدم المواضيع بطريقة جادة حتى تصل إلى الهدف المطلوب، ثم تنتقل إلى موضوع جديد وفي الوقت نفسه يكون مشوقاً. التعليم لم يكن أمراً يجب أن تفعله، بل أن تقوم به لأنك تحبه.
لم يكن الإيمان جزءًا مهماً في طفولتي. لقد كانت لدي فكرة ضبابية عن الإله، وكان تعاملي معه منحصراً في لحظات طفولية عابرة عندما كنت أريد منه أن يحقق لي شيئا ما. على سبيل المثال، أتذكر عن أنني عقدت اتفاق مع الإله (في عمر التاسعة) أنه إذا منع سقوط المطر أثناء عرض المسرحية والحفلة الموسيقية مساء السبت والتي كنت استمتع بها بشكل خاص سوف لن أدخن. وبالتأكيد هذا ما حصل، لم يسقط المطر ولم أعد إلى التدخين مطلقا. وفي وقت سابق قرر والدي أن يرسلاني وأخي الأكبر مني لنصبح أعضاء في فرقة الإنشاد في كنيسة Episcopal. لقد كانوا واضحين معنا في أن هذه فرصة عظيمة لتعلم الموسيقى، وأن علينا ألا نأخذ التعاليم اللاهوتية على محمل الجد. وقد اتبعت تعليماتهم، فقد تعلمت عظمة التناسق والألحان، في حين أن المفاهيم اللاهوتية التي كان يلقيها علينا الواعظ تمر على مخيلتي من دون أن تترك أي أثر واضح.
عندما كنت في العاشرة من عمري انتقلنا إلى البلدة للبقاء مع جدتي المريضة، ودخلت المدرسة. وفي سن الرابعة عشرة تفتحت عيناي على عظمة ومتعة المناهج العلمية. ومن خلال شخصية معلم الكيمياء صاحب الكاريزما والذي كان يتقن الكتابة على السبورة بكلتا يديه، اكتشفت لأول مرة الاكتفاء الفائق للطبيعة المرتبة لهذا العالم. لقد كانت حقيقة أن كل ما هو موجود في الكون المكون من ذرات وجزيئات وفق مبادئ رياضية أمرا غير متوقعة، كما أن القدرة على استخدام أدوات العلم الاكتشاف أشياء جديدة جعلتني أدرك أنني أريد أن أكون جزءًا من هذه البيئة. في ظل الحماس لهذا التحول قررت أن هدفي في الحياة أن أصبح عالم كيمياء. على الرغم من أنني لا أعرف إلا القليل عن العلوم الأخرى إلا هذا الحب الصغير تبين أنه سيغير حياتي.
على العكس من ذلك فإن تجربتي مع الأحياء جعلتني بارداً تماماً. على الأقل من خلال عقل المراهق اعتقدت أن أساسيات الأحياء تميل إلى التعليم الروتيني للحقائق الجافة أكثر منها شرحاً للمبادئ. لم أكن على مهتماً بحفظ أجزاء جراد البحر، ولا كنت مهتماً بمعرفة الفرق بين الشعبة والصنف عند الحيوانات. التعقيد المذهل للحياة قادني للاستنتاج بأن الأحياء تشبه الفلسفة الوجودية[2]: إنها ببساطة لا معنى لها. بالنسبة لعقلي اليافع لم يكن هناك شيء مقنع يجذبني له. عندما تخرجت من الثانوية في سن السادسة عشرة دخلت جامعة فيرجينيا وقررت أن أتخصص في الكيمياء وأن أكمل طريقي في المجال العلمي. كما هو الحال مع غالبية طلبة السنة الأولى وجدت أن البيئة الجديدة منعشة عبر الكثير من الأفكار التي تطرح على جدران قاعات الدراسة وفي غرف السكن الجامعي في نهاية اليوم. بعض هذه الأسئلة كان يناقش مسألة وجود الله. عندما كنت في سنوات عمري الأولى كانت تمر عليّ لحظات من تجربة من الشوق نحو شيء ما خارج ذاتي، وكثيرا ما كان هذا الشوق موجهاً نحو جمال الطبيعة، أو بشكل خاص نحو تجربة الموسيقى الآسرة. ومع ذلك فإن إحساسي الروحي لم يكن ناضجاً وكان من السهولة تحديه بواسطة واحد أو أثنين من الملاحدة الشرسين الذين كانوا موجودين في كل مكان من السكن الجامعي. بعد مرور بضعة أشهر من حياتي الجامعية بدأت أقتنع أنه على الرغم من أن المعتقدات الدينية كانت سببا في تكوين تراث فني وثقافي إلا أن هذه المعتقدات لا تستند إلى الحقيقة.
على الرغم من أنني لم أكن أعرف معنى هذا المصطلح في ذلك الوقت إلا أنني أصبحت “لا أدريا” وهو المصطلح الذي ظهر على يد عالم القرن التاسع عشر هكسلي[3] T. H Huxly للإشارة إلى الشخص الذي لا يعرف ما إذا كان الإله موجوداً أو لا. هناك أنواع من اللا أدريين، فمنهم من وصل إلى هذا الموقف بعد تحليل معمق للأدلة، في حين أن البعض الآخر وجد أنه الموقف المريح الذي يسمح له بتجنب التفكير في الحجج التي يجدها مزعجة في الجهتين. أنا بالتأكيد من النوع الثاني. قولي بأنني “لا أدري” كان أقرب إلى القول بأنني لا أريد أن أدري”. كوني شاب في مقتبل العمر مع عالم مليء بالمغريات كان من الأنسب تجاهل الحاجة إلى الاستجابة لسلطة روحية عليا. لقد مارست نوعا من التفكير ونمط من سلوك “العمى الطوعي” وهو التعبير الذي استخدمه الكاتب لويس C. S. Lewis.
بعد تخرجي التحقت ببرنامج الدكتوراه في الفيزياء الكيميائية في جامعة ييل Yale متطلعاً إلى أناقة الرياضيات التي جذبتني إلى العلم منذ البداية. حياتي العلمية كانت متعلقة بفيزياء الكم[4] والمعادلات التفاضلية من الدرجة الثانية، وكان عمالقة الفيزياء ألبرت آينشتاين[5] Einstein ونیلس بور Niels Bohr وويرنر هیزنبرغ Werner Heisnberg وبول ديراك Paul Dirac هم أساطير بالنسبة لي. تدريجيا بدأت أقتنع أن كل شيء في الكون يمكن تفسيره على أساس المعادلات ومبادئ الفيزياء. قراءتي لسيرة آينشتاين واكتشافي أنه مع كونه صهيونياً متعصباً بعد الحرب العالمية الثانية إلا أنه لم يؤمن إله اليهود يهوه Yahweh، مما أكد استنتاجي بأنه لا يوجد عالم مفكر يتقبل بصدق فكرة وجود الإله إلا ويكون قد ارتكب نوع من الانتحار الفكري.
وبذلك بدأت أتحول تدريجيا من اللا أدرية إلى الإلحاد. ووجدت راحة كبيرة في تحدي المعتقدات الدينية لأي شخص يذكر هذه المعتقدات في حضوري، وكنت انتقص من وجهات النظر هذه باعتبارها خرافات باطلة.
بعد مضي سنتين على انضمامي لبرنامج الدكتوراه بدأت خطة حياتي المنظمة تتفكك. على الرغم من استمتاعي اليومي بمتابعة بحث الدكتوراه في ميكانيكا الكم النظرية إلا أنني بدأت بالشك فيما إذا كان هذا هو الطريق الذي سوف أسلكه في حياتي. بدا أن أغلب التطور الذي حدث في مجال نظرية الكم حدث قبل خمسين سنة وأن حياتي العملية سوف تقتصر على تطبيق عمليات تبسيط ومقایسة متتابعة للوصول إلى معادلات أنيقة ولكنها غير قابلة للحل ولن تكون سوى قدر قليل من تبسيط هذه المعادلات. وبصورة عملية بدا أن طريقي سوف يقودني لا محالة إلى أن أصبح أستاذاً جامعياً يقوم بتقديم سلسلة من المحاضرات الكثيرة في الميكانيكا الحيوية والميكانيكا الإحصائية Statistical mechanics أمام طلبة بكالوريوس يشعرون إما بالملل أو الخوف من هذه المواضيع.
في الوقت نفسه وفي محاولة لتوسيع مداركي قمت بالتسجيل في مقرر الكيمياء الحيوية، حيث قمت أخيراً بالبحث في العلوم الحياتية التي طالما تجنبتها في الماضي. لقد كان المقرر رائعاً. لم تكن مبادئ الحمض النووي DNA والحمض الريبوزي RNA والبروتين واضحة بالنسبة، ولكن بدت لي الآن بكل تألقها الرقمي المقنع. كنت أعتقد أن القدرة على تطبيق المبادئ العقلانية الصارمة لفهم الأحياء أمر مستحيل، ولكن بدا الآن بشكل واضح للعيان كاشفاً عن الشفرة الوراثية. مع بدء اكتشاف إمكانية لصق مكونات الحمض النووي المبعثرة مع بعضها البعض بدا أن إمكانية تطبيق هذه المعرفة لمصلحة البشرية أمر ممكن تماماً. لقد كنت مشدوهاً. أخيراً أصبح لعلم الأحياء أناقة رياضية. الحياة أصبح لها معنى.
وفي الوقت نفسه، وفي سن الثانية والعشرين فقط أصبحت متزوجاً ولدي بنت ذكية وفضولية، وأصبحت اجتماعياً بصورة أكبر. عندما كنت صغيراً كنت أفضل أن أبقى وحيداً. أما الآن فإن التواصل الإنساني والرغبة في تقديم شيء ما للبشرية بدأ أكثر أهمية. ومع هذه التجليات المتسارعة مجتمعة بدأت في مراجعة كل اختباراتي السابقة بما في ذلك الانخراط في الحقل العلمي والقيام ببحوث مستقلة. كنت على وشك الانتهاء من برنامج الدكتوراه ولكن بعد جهد كبير من التفكير الروحي المعمق تقدمت بأوراقي للقبول في كلية الطب. ومن خلال كلمة محضرة بعناية حاولت إقناع لجنة القبول بأن الانعطافة الجديدة في مساري العلمي عبارة عن تحول طبيعي لتدريب أحد أطباء المستقبل. ولكن في داخلي لم أكن متأكدة. ألم أكن أنا الشاب الذي كان يكره علم الأحياء لأنها تتطلب الكثير من الحفظ؟ أليس الطب هو أكثر تخصص تتطلب دراسته الحفظ؟ لكن الأمر مختلف الآن، فالأمر يتعلق بالبشرية وليس بجراد البحر، فالمبادئ التي تحكم هذه التفاصيل يمكن أن تغير بشكل جذري حياة الناس.
لقد تم قبولي في جامعة كارولينا الشمالية. وخلال عدة أسابيع اقتنعت بأن كلية الطب هي المكان المناسب لي. لقد أحببت الحافز الفكري والتحديات الأخلاقية والعنصر الإنساني والتعقيد المذهل لبدن الإنسان. في ديسمبر في العام الأول لي تعلمت كيف أوفق بين الحب الجديد للطب وحبي للرياضيات. طبيب الأطفال المتزمت الانعزالي الذي يقوم بتدريس ما مجموعه ست ساعات لطلبة السنة الأولى بكلية الطب بين لي مستقبلي. لقد أحضر إلى الفصل الدراسي مرضى مصابين بفقر الدم المنجلي ومصابين بجالاكتوز الدم (الذين لديهم حساسية قاتلة من منتجات الألبان ومصابين بالمتلازمة وجميعها أمراض ناتجة عن خلل في الجينوم، بعضها نتيجة لتغير بسيط كما لو أن حرفة واحدة تحرك من مكانه.
لقد ذهلت من إبداع شفرة الحمض النووي للإنسان، ومن التداعيات الكبيرة للحالات النادرة لعدم الدقة في نسخ آلية عمله. وعلى الرغم من أن القدرة الحقيقية على مساعدة الكثيرين ممن أصيبوا بالأمراض الوراثية تبدو بعيدة المنال، إلا أنني بصورة فورية أنسقت إلى هذا الاتجاه. وعلى الرغم من أنه في ذلك الوقت لم يكن يدور في خلد أحد إمكانية مشروع جبار مثل مشروع الجينوم البشري، إلا أن الطريق الذي بدأته في عام 1973 أنتهى لحسن الحظ ليؤدي بي إلى المشاركة في أحد أكبر التحولات التاريخية للبشرية.
هذا الطريق قادني أيضا وأنا في السنة الثالثة بكلية الطب إلى تجربة غنية متعلقة بالاهتمام بالمرضى، كأطباء متدربين، يجد طلبة الطب أنفسهم مندمجين بعلاقة حميمية مع أناس كانوا غرباء عنهم إلى حين دخولهم في تجربة المرض. الموانع الثقافية عادة ما تمنع من تبادل معلومات شخصية جدا، ولكن هذه الموانع تتساقط عبر التواصل المستمر بين المريض والمعالج. لقد وجدت أن العلاقات التي تطورت مع المرضى المشرفين على الموت عميقة، ولقد حاولت جاهداً الحفاظ على وجود مسافة مهنية بيني وبين المرضى والبعد عن التفاعل العاطفي الذي حرص عدد من أساتذتي على التأكيد عليه.
لقد شكلت لي الحوارات الجانبية مع المرضى من سكان نورث کارولینا صدمة عميقة بخصوص الحالة الروحية التي يمر بها العديد منهم. لقد شهدت الكثير من الحالات لأشخاص وفر لهم الإيمان شعوراً قوياً بالطمأنينة الكاملة إما في البقاء في هذا العالم أو العالم الأخر، على الرغم من معاناتهم الشديدة التي لم يكونوا يستطيعون عمل شيء حيالها.
إذا كان الإيمان هو العصا النفسية التي يتكئون عليها فإن عليّ أن أستنتج بأنه لابد أن تكون هذه العصا من القوة بمكان. إذا كانت مجرد مظهرة خادعة لعادات ثقافية فلماذا لا يهز هؤلاء المرضى قبضاتهم بوجه الإله ويطلبون من أصدقائهم وعوائلهم التوقف عن الحديث حول الحب وقوة الخير الخارقة.
أشد لحظات الضعف التي مرت علي حدثت عندما سألتني امرأة مسنة تعاني يوميا من حالة متقدمة من مرض الخناق عن ما أؤمن به. لقد كان سؤالاً مستحقاً، وقد ناقشنا العديد من المواضيع المهمة عن الحياة والموت، وقد عبرت لي عن معتقداتها المسيحية. لقد شعرت أن وجهي محتقن وتلعثمت في جوابي قائلا “أنا لست متأكدا”. لقد كان تعجبها مبعث راحة كبيرة لي، وهو ما كانت أتجنبه لستة وعشرين سنة من عمري: لم أفكر مطلقاً في البراهين التي تؤكد أو تنفي وجود الإله.
هذه اللحظة شغلتني لعدة أيام؟ ألم أكن أعتبر نفسي عالم؟ هل يصل العالم إلى نتائجه من دون تمحيص في بياناته؟ هل يوجد في وجود الإنسان أسئلة أهم من السؤال “هل يوجد إله؟”، وها أنا لم أجد نفسي حتى الآن بسبب مزيج من “العمى الإرادي” وشيء آخر يمكن وصفه بأنه غطرسة بحيث أتجنب التفكير جدياً بأن الإله يمكن أن يكون حقيقة ممكنة. فجاءة وجدت أن كل حججي بدت ضعيفة، وتولد لدي شعور بأن الجليد تحت قدمي بدأ يتصدع.
هذا الإدراك كان تجربة مرعبة. في النهاية، إذا كنت أستطيع التعويل على متانة موقفي الإلحادي هل أستطيع تحمل مسؤولية الأفعال التي أفضل أن تظل دون تمحيص؟ ألم أكن أجيب على أسئلة الآخرين وأهمل نفسي؟ أصبح السؤال الآن أكثر إلحاحا بحيث لا يمكن تجاهله.
في البداية، كنت أعتقد أن البحث الشامل للأساس العقلي للإيمان سوف يفقد الإيمان ميزته ويقوي إلحادي. ولكنني قررت أن أبحث في الحقائق مهما تكن النتائج. وبذلك بدأت بدراسة سريعة عن الأديان الرئيسية في العالم. أغلب ما وجدته في كتاب CliffNotes عن الأديان المختلفة جعلني حائراً، ولم أجد دافعاً للاقتناع بأي منها. كان لدي شك بأنه لا يوجد أي أساس عقلي للقناعات الروحية لأي من هذه المعتقدات. ولكن هذا الشعور سرعان ما تغير. ذهبت لزيارة أحد رعاة الكنيسة الذي كان يسكن بالقرب مني لأسأله إن كان للإيمان أي أساس عقلي. لقد استمع بصبر إلى تساؤلاتي المشتتة ثم أعطاني كتيباً صغير ونصحني بقراءته.
كان عنوان الكتاب “Mere Christianity” للفيلسوف لويس C. S. Lewis. قضيت الأيام التالية في تصفح الكتاب في محاولة لاستيعاب عمق وشمولية الحجج الفكرية لأحد أشهر مفكري أكسفورد، وأخيراً أدركت أن موقفي ضد عقلانية الإيمان لا يعدو عن كونه أفكار طفل في المدرسة. كان من الواضح أن عليّ أن أفتح صفحة جديدة للتفكير في أهم الأسئلة التي تشغل الإنسان. بدا أن لويس يعرف كل اعتراضاتي، وأحيانا حتى قبل أن أصيغها بشكل كامل. لقد كان يتناولها بشكل متقن في صفحة أو صفحتين. عندما علمت أن لويس نفسه كان ملحداً، وأنه كان يحاول أن يبرهن منطقية على عدم صحة الإيمان أدركت كيف يمكن أن يكون مفيداً لي في طريقه للبحث عن الحقيقة. لقد كان طريقه هو طريقي أيضا.
أكثر حجة شدت انتباهي وحطمت أفكاري عن العلم والإيمان من أساسها متضمنه في الفصل الأول “الصحة والخطأ كمدخل لمعنى الكون”. مع أن “القانون الأخلاقي” الذي وصفه لويس من عدة جوانب عبارة عن صفة كونية للوجود الإنساني إلا أنه بدا وكأنني أتعرف عليه لأول مرة.
من المفيد لفهم القانون الأخلاقي أن نفكر -كما أشار لويس -بمئات المواقف التي تمر علينا وتستدعي القانون الأخلاقي من دون أن نتساءل عن الأساس الذي يقوم عليه هذا القانون. الاختلاف هو جزء من حياتنا اليومية. بعض الاختلافات معتادة مثل انتقاد الزوجة لزوجها لأنه لم يتكلم بطريقة لائقة مع صديق، أو اعتراض طفل بقوله “هذا ليس عدلا” عند توزيع كمية كبيرة من الأيس كريم في حفلة عيد ميلاد. البعض الأخر من الاختلافات له أهمية أكبر. على سبيل المثال، على الصعيد الدولي هناك من يجادل بأن من مسؤولية الولايات المتحدة أن تنشر الديمقراطية في العالم حتى لو تطلب ذلك التدخل العسكري، في حين أن البعض الأخر يعتقد العكس بالقول إن الاستخدام المنفرد للقوة العسكرية والاقتصادية يفتقد للشرعية الأخلاقية.
وفي المجال الطبي، هناك نقاشات محتدمة حالية حول السؤال ما إذا كان من المقبول القيام بأبحاث على خلايا الأجنة أم لا. البعض يعتبر بأن هذه الأبحاث تنتهك قدسية الحياة الإنسانية، في حين أن البعض الأخر يعتبر أن إمكانية رفع معاناة البشر يستحق المضي في هذه الأبحاث (هذا الموضوع وإشكاليات أخرى في مجال الأخلاق الحيوية سوف تناقش في ملحق هذا الكتاب).
من الملفت أنه في جميع هذه الأمثلة نجد أن كل طرف يستند إلى معايير متعالية غير مذكورة. ويمكن تسمية هذه المعايير بأنها “قانون السلوك الصحيح”، ووجوده في هذه الحالات يبدو أمرا مسلما به. ما كان محلاً للنقاش هو ما إذا كان هذا الفعل أو غيره أقرب نسبية لاشتراطات ذلك القانون. الذين يقعون في مثل هذه الأمور، كما هو الحال مع الزوج الذي يرتبط بعلاقة عاطفية مع صديقة زوجته سوف يتذرع بعدة أسباب للتخلص من هذه الورطة. من النادر أن نسمع أحدا من هؤلاء يقول “فليذهب تصورك عن السلوك الصائب إلى الجحيم”.
ما هو مميز هنا أن مفهوم الصواب والخطأ يبدو شاملاً لكل أفراد الجنس البشري (مع أن تطبيقاته قد ينتج عنها نتائج مختلفة تماماً). ولذلك فهذا المفهوم يبدو مقاربة ظاهرية لذلك القانون، كما هو الحال مع قانون الجاذبية وقانون النسبية الخاصة. وفي مثل هذه الحالة فإننا حين نكون صادقين مع أنفسنا لابد أن نقول إننا قمنا بانتهاك القانون بصورة منتظمة.
على أحسن الأحوال، يبدو أن القانون أنه ينطبق على البشر. ومع ذلك فإن الحيوانات الأخرى يمكن في بعض الأحيان أن تظهر لمحات من الحس الأخلاقي، ولكن ذلك ليس شائعة، وفي العديد من الحالات يبدو سلوك الكائنات الأخرى متناقضة تماماً مع هذا الادعاء. الشعور بالصواب والخطأ، واكتساب اللغة، والوعي بالذات، والقدرة على تصور المستقبل هو ما يشير إليه العلماء عادة عندما محاولتهم تعداد الصفات الخاصة للإنسان.
لكن هل هذا الإحساس بالصواب والخطأ صفة جوهرية للإنسان، أم أنها نتيجة للعادات الثقافية؟ البعض يجادل بأن الثقافات تختلف اختلافاً كبيراً في معايير السلوك مما يجعل الاستنتاج بوجود قانون أخلاقي مشترك لا أساس له. لويس، وهو تلميذ لعدة ثقافات يسمي ذلك “كذبة، كذبة ذات نغمة جميلة. إذا ذهب شخص للمكتبة وقضى عدة أيام يقرأ موسوعة الأديان والأخلاق فإنه سوف يكتشف إجماعاً شاملاً للعقل العملي للإنسان. في ترانيم البابليين إلى جزيرة ساموس، وقوانین مانو Manu، وكتاب الأموات، والمختارات، والرواقيون، والأفلاطونيون، وسكان أستراليا الأصليين، والهنود الحمر، سيجد الشخص توافق كبير جداً على إدانة الظلم والقتل والخيانة والكذب، وفي المقابل الحرص على الشفقة على كبار السن والأطفال والضعفاء والتصدق على الفقراء والنزاهة والأمانة. في بعض الثقافات غير المألوفة نجد القانون يأخذ شكلاً غريباً، مثل إحراق الساحرة في القرن السابع عشر في أمريكا. ولكن عند التدقيق في مثل هذه الانحرافات الصارخة نجد أنها ناتجة عن استنتاجات مضللة عن مفهوم الخير والشر. إذا كنت متأكداً بشكل قاطع أن الساحرة هي تجسيد للشر على الأرض، وأنها مرسلة من قبل الشيطان ذاته، ألا يصبح مبرراً أن تقوم بمثل هذا العمل القاسي.
دعوني أتوقف هنا لأشير إلى أن الاستنتاج الذي يقول إن القانون الأخلاقي يتعارض بشكل صارخ مع الفلسفة الحديثة التي تدعي أنه لا يوجد خير أو شر مطلق، وأن كل القرارات الأخلاقية نسبية. هذه القناعة التي تبدو منتشرة بين الفلاسفة المعاصرين والتي تعتبر خادعة لعامة الناس تواجه سلسلة من الإشكاليات المنطقية. إذا لم تكن هناك حقيقة مطلقة، فهل يمكن أن تكون فلسفة ما بعد الحداثة -modernism Post صحيحة؟ في الحقيقة، إذا كان لا يوجد شيء مطلق صحيح أو خاطئ فإنه لا معنى لعلم الأخلاق من البداية.
سوف البعض يعترض قائلاً إن القانون الأخلاقي هو ببساطة نتاج للضغط التطوري Revolutionary Pressure. هذا الاعتراض منبثق من حقل الأحياء الاجتماعية Sociobiology محاولا إيجاد تفسيرات للسلوك غير الأناني، وهو ينطلق من موقف مؤيد لفكرة الانتخاب الدارونية. إذا كان يمكن لهذه الحجة أن تصمد فإن تفسير عدد من اشتراطات القانون الأخلاقي على أنها إشارة إلى الإله فإن ذلك سوف يفتح الباب على إشكاليات، وعليه لابد من التدقيق بشكل أكبر في وجهة النظر هذه.
لنأخذ مثال رئيسي للدافع القوي الذي نشعر به نتيجة للقانون الأخلاقي -دافع الإيثار وصوت الضمير الذي يدعونا لمساعدة الآخرين حتى لو لم نكن نتوقع منفعة في المقابل. لا يمكن إرجاع كل اشتراطات القانون الأخلاقي إلى الإيثار. فعلى سبيل المثال فإن تأنيب الضمير الناتج عن الإخلال البسيط في إقرار الضريبة يصعب إرجاعه إلى إحساس بإلحاق الأذى بشخص غير معلوم.
في البداية لابد أن نكون واضحين حول الموضوع الذي نتكلم عنه. أنا لا أقصد بالإيثار “أن تحك ظهري الآن مقابل أن أحك ظهرك في المستقبل”، فهذا نوع من السلوك الذي يتم فيه إسداء المعروف للآخرين مقابل توقع فائدة منه. الإيثار أكثر إمتاعا من ذلك، هو أن تعطى للآخرين من دون أي دافع أخر. عندما نصادف مثل هذا السلوك فإننا نشعر إزاءه بالتوقير والتبجيل. لقد عرض أوسكار شنلدر Oskar Scandler حياته لخطر شديد نتيجة لإيوائه أكثر من ألف يهودي أثناء بحث النازيين عنهم خلال الحرب العالمية الثانية وفي النهاية مات وهو مفلس -ونحن نشعر باحترام بالغ لما قام به. الأم تريزا تعد باستمرار واحدة من أكثر الأشخاص احتراماً في العصر الحديث ومع ذلك فإن فقرها الاختياري وعطائها للمرضى والمشرفين على الموت من مواطني كلكتا يتعارض بشكل صارخ مع نمط الحياة المادي الطاغي في الثقافة السائدة.
في بعض الحالات، يمكن أن يصل هذا الإيثار إلى أن يكون فيها المستفيد هو العدو. الراهبة البندکتية Joan Chittister تقص لنا القصة التالية.
” كان هناك امرأة كبيرة في السن تعمل كصائد للزبائن ضمن شبكة عصابات. وفي صباح أحد الأيام وعندما كانت تسعى لاصطياد زبون شاهدت عقرب يطفو بلا حول ولا قوة في تيار ماء قوي، وفي أثناء دفع تيار الماء للعقرب علق في الحشائش التي نمت على جانب النهر ولم يستطع التخلص منها. حاول العقرب التخلص جاهداً ولكنه علق بصورة أكبر. وسريعاً اقترب الأخت جوان من العقرب لتخليصه من ورطته، ولكنه بمجرد أن لمسته لسعها. سحبت السيدة المسنة يدها بسرعة ولكن بعد أن استعادت توازنها حاولت أن تنقذ العقرب مرة أخرى، وفي كل مرة كانت تفعل ذلك كان العقرب يلسعها بذيله إلى درجة أن يدها تلطخت بالدم وتغيرت ملامح وجهها من شدة الألم. وعندما شاهد عابر سبيل ما يحدث للمرأة المسنة مع العقرب صرخ بها “ماذا دهاك أيتها الغبية! هل تريدي أن تقتلي نفسك من أجل هذا الكائن المؤذي؟” التفتت جوان إلى الشخص الغريب وأجابت “لأن من طبع العقرب أن يلسع فلماذا أتخلى عن طبعي في محاولة إنقاذه؟”.
قد يبدو هذا المثال متطرف، لا يوجد هناك الكثيرون المستعدون التعريض حياتهم للخطر من أجل عقرب. ولكن من المؤكد أن كثيرين شعروا في وقت ما بشعور داخلي يدفعهم لمساعدة أناس غرباء في حاجة للمساعدة مع عدم وجود منفعة شخصية تعود عليهم من ذلك. وإذا قمنا بمثل ذلك فإننا في الغالب نشعر بإحساس عاطفي “بأننا قمنا بالعمل المطلوب”.
في كتابه المميز أنواع الحب الأربعة The Four Loves يتابع لويس البحث في طبيعة حب البذل والتي يسميها “agape” وهو تعبير مأخوذ من اليونانيين. يقول لويس أن هذا الحب يمكن تمييزه عن أنواع الحب الثلاثة الأخرى (التعلق، الصداقة، الحب الرومانسي) والتي من السهولة فهم ارتباطها بنوع من المنفعة المتبادلة، والتي يمكن أن نجدها في بقية الحيوانات إلى جانب الإنسان.
يشكل العطاء الإيثاري agape تحديا كبيرا للتطوريين. من العار الصريح إرجاع العطاء الإيثاري إلى أساس عقلي. لا يمكن تصديق إمكانية إرجاعه إلى جين الأنانية الذي يجعل الناس يحبون أنفسهم. على العكس من ذلك تماما: فالإيثار ربما يقود الناس إلى القيام بتضحيات يمكن أن تتسبب لهم في أصابات أو حتى تودي بهم إلى الموت دون أي دليل على إمكانية الاستفادة من هذا السلوك. حينما ندقق في الصوت الداخلي الآتي من أنفسنا والذي في بعض الأحيان نسميه الضمير فإننا نجد أن الدافع للقيام بذلك هو نوع من الحب الموجود في كل واحد منا، على الرغم من أننا كثيرا ما نحاول تجاهله. لقد حاول علماء الاجتماع من أمثال ولسون E. 0. Wilson تفسير سلوك الإيثار على أنه نوع من المنفعة المتبادلة لمن يمارس هذا الفعل، ولكن سرعان ما تواجه هذه الحجة صعوبات. إحدى صيغ هذه الحجة أن سلوك الإيثار المتكرر للفرد يفسر على أنه نوع من الاستجابة الإيجابية للشريك المضاد. ولكن هذه الفرضية تتعارض بشكل صريح مع مشاهدات للقرود على نحو مخالف تماماً، مثل قيام القردة المتحكمة حديثاً بوأد صغار القردة لتمهيد الطريق لنسلها المستقبلي للسيطرة.
الحجة الأخرى تقول إن هناك منفعة متبادلة غير مباشرة للأنانية حيث أنها توفر أفضلية لمن يقوم بها مع مرور الوقت، ولكن ذلك لا يفسر ممارسة أفعال بدافع من الضمير حيث لا أحد يعلم عنها. ويمكن أن نأخذ مثال من مستعمرات النمل، حيث يجهد النمل العقيم لتوفير البيئة التي تمكن أمهاتها من إنجاب نمل أكثر. ولكن هذا النوع من الإيثار “النملي” يمكن تفسيره بسهولة بتعابير تطورية على أن الجينات التي تحرك النمل العقيم لتوفير البيئة المناسبة هي ذاتها الجينات التي سوف تنقلها أمهات النمل إلى بقية نسلها. الارتباط الوراثي غير المألوف لا ينطبق على تجمعات أكثر تعقيداً، حيث يتفق التطوريون على أن الانتخاب يتم على مستوى فردي وليس على مستوى جماعي. ولذلك فإن سلوك النمل يختلف بشكل جوهري عن الصوت الداخلي الذي يدفعني إلى الشعور بالمسؤولية للقفز في النهر لمحاولة إنقاذ شخص غريب مشرف على الغرق حتى لو كنت لا أحسن السباحة مما يجعل احتمال موتي محتملا في سعيي لإنقاذه. وزيادة على ذلك ولكي تصح فرضية المنفعة المتبادلة بين أفراد المجموعة الواحدة فإن ذلك يتطلب أن يكون لدي سلوك عدائي تجاه الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعات خارج مجموعتي. مواقف مثل أوسكار شندلر والأم تريزا تكذب هذا النوع من التفكير. المدهش أن القانون الأخلاقي يدعوني لإنقاذ الغريق حتى لو كان عدوي.
إذا كان القانون الأخلاقي لا يمكن تفسيره إلا كونه خاصية ثقافية أو منتج ثانوي للتطور فكيف إذن يمكن الاعتماد عليه؟ من الواضح أن هناك شيء غير اعتيادي بهذا الخصوص. وهنا أقتبس من لويس قوله “إذا كانت هناك قوة تتحكم بالكون من الخارج، فإن هذه القوة لا يمكن أن تظهر ذاتها كأحد حقائق هذا الكون، كما أنه لا يمكن لمصمم البيت أن يظهر نفسه على شكل حائط أو غرفة الدرج أو المدخنة الموجودة في ذلك البيت. الطريقة التي يمكن أن نتوقع أن هذه القوة تظهر نفسها هو داخل أنفسنا على شكل تأثير أو أمر يدفعنا للسلوك على نحو معين. وهذا ما نشاهده في ذواتنا. وبالتأكيد يجب أن يثير ذلك شكوكنا”.
عندما صادفت هذه الحجة وأنا في عمر السادسة والعشرين أصبت بالدهشة من المنطق الذي تستند إليه. لقد كانت هذه الدهشة مختفية داخلي كما هو الحال مع أمور حياتية أخرى، ولكن بدأت هذه الحجة تتجلى أمامي لأول مرة باعتبارها مبدأ مفسر، هذا القانون الأخلاقي أظهر لمعانه الأبيض في فجوات طفولتي الإلحادية، وهو يحتاج إلى تفكير جاد في أساسه. هل كان ذلك هو الإله وهو ينظر إلي؟
وإذا كان ذلك صحيحا، ما نوع هذا الإله؟ هل هو الإله الربوبي، هل هو الذي خلق الفيزياء والرياضيات وبدأ تحريك الكون قبل 14 مليون سنة، ثم قرر أن يتعامل مع الكائنات الأخرى باعتبارها كائنات أكثر أهمية كما كان يقول آينشتاين؟ لا، هذا الإله إذا كنت قد أدركته حقا يجب أن يكون إله الإيمان، والذي يرغب بنوع من العلاقة مع هذه الكائنات المتميزة التي تسمى بشر، والتي تبعا لذلك غرس فيها لمحة في كل واحد منا. قد يكون هو إله إبراهيم، ولكنه بالتأكيد ليس إله آينشتاين.
هناك تبعات أخرى للشعور بوجود إله إذا كان بالفعل موجوداً. الحكم وفقا للمعايير العالية للقانون الأخلاقي والتي أعترف أنني كنت أنتهكها-تقتضي وجود إله مقدس وخير. لابد لهذا الإله أن يجسد هذا الخير. لابد لهذا الإله أن يمقت الشر. وليس هناك مدعاة للشك بأنه عطوف ومتسامح. بداية اتضاح تصوري عن إمكانية وجود الإله خلق لدي مشاعر متناقضة: من جهة شعور بالعمق والشمولية بوجود مثل هذا العقل، ومن جهة أخرى شعور بضياع عميق من خلال إدراك نقصي مقارنة به.
لقد بدأت رحلتي الفكرية في البحث لتأكيد إلحادي. هذا الهدف تلاشى کون حجة القانون الأخلاقي (وأمور أخرى كثيرة أجبرتني على الاعتراف بعقلانية فرضية وجود الله. اللا أدرية والتي كانت تبدو كملجأ آمن بدت وكأنها هي الملامة. لقد بدا وكأن الإيمان بالإله أكثر عقلانية من عدمه.
لقد أصبح واضحا بالنسبة لي بأن العلم ورغم قوته التي ليست محلاً للشك -في الكشف عن غموض العالم الطبيعي لن يوصلني إلى حل سؤال الإله. إذا كان الإله موجودا فلابد أنه موجود خارج العالم الطبيعي، وبالتالي فإن أدوات العلم لن تفيد في التعرف عليه. وبدلا من ذلك، وبالعودة إلى قلبي بدأت أقتنع بأن البرهان على وجود الإله يجب أن يأتي من طريق أخر، وأن القرار النهائي يجب أن يستند إلى الإيمان. التدقيق المزعج في الطرق المحتملة التي عليّ أن أسلكها، على أن أعترف بأنني وصلت إلى عتبة إمكانية القبول بالوجود الروحي بما في ذلك وجود الإله.
بدا لي أنه من المستحيل التقدم إلى الأمام أو التراجع إلى الخلف. بعد سنوات من ذلك، قرأت قصيدة لشيدلون فانوكن Sheldon Vanauken تصف بشكل دقيق حيرتي. نهاية القصيدة تقول:
ما بين ما هو محتمل وما هو مؤكد هناك فجوات
أنا خائف من القفز والوقوف أمر سخيف
رأيت ما خلفي يغرق، والأسوأ أن ما تحتي يتفكك
الفجر هو أملنا الوحيد للانتقال نحو الوعد
الذي يفتح الكون المغلق
الوقت طويل وقفت أتأرجح على حافة هذه الفجوات. وفي النهاية لم أجد بداً من القفز. كيف لعالم أن يعتنق هذه المعتقدات؟ ألا يدعي الكثيرون بأن الدين لا يتوافق مع العلم بالقول “أرني البيانات” وهو موقف شخص كرس وقته لدراسة الكيمياء والفيزياء والأحياء والطب؟ بفتح لعقلي أمام الاحتمالات الروحية، ألا أكون بدأت حرباً تستنزفني بحيث أواجه خيارين: إما الانتصار الكامل أو العكس.
[1] زعيمة سياسية أمريكية كان لها تأثير نشط، كما أنها السيدة الأولى في الفترة من 1933 إلى 1945. عملت لتعزيز سياسات جديدة للتعامل مع الزنوج، زوجة الرئيس فرانكلين روزفلت، وكذلك أخذت دورا بارزا كداعية للحقوق المدنية.
[2] تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم. ظهرت كحركة أدبية وفلسفية في القرن العشرين.
[3] توماس هنري هاکسلي (4 مايو 1825-29 يونيو 1895) عالم أحياء بريطاني. هو ابن المعلم ریاضیات. وهو جد جوليان هكسلي (1887 -1975) الأخصائي في علم الحيوان والفيلسوف والمربي والكاتب، ولجولیان دور كبير في تأسيس اليونسكو. وهو أيضا جد الروائي والشاعر الإنجليزي ألدوس هكسلي.
[4] ميكانيكا الكم هي مجموعة من النظريات الفيزيائية التي ظهرت في القرن العشرين، وذلك لتفسير الظواهر على مستوى الذرة والجسيمات دون الذرية وقد دمجت بين الخاصية الجسيمية والخاصية الموجية ليظهر مصطلح ازدواجية الموجة -الجسيم، وبهذا تصبح ميكانيكا الكم مسؤولة عن التفسير الفيزيائي على المستوى الذري كما أنها أيضا تطبق على الميكانيكا الكلاسيكية ولكن لا تظهر تأثيرها على هذا المستوى، لذلك ميكانيكا الكم هي تعميم للفيزياء الكلاسيكية لإمكانية تطبيقها على المستويين الذري والعادي.
[5] البرت أينشتاين (بالألمانية: Albert Einstein) (14 مارس 1879 – 18 أبريل 1955) عالم فيزياء ألماني المولد، سويسري وأمريكي الجنسية، من أبوين يهوديين ،[1] وهو يشتهر بأبو النسبية كونه واضع النظرية النسبية الخاصة والنظرية النسبية العامة الشهيرتين اللتان كانت اللبنة الأولى للفيزياء النظرية الحديثة، ولقد حاز في عام 1921 على جائزة نوبل في الفيزياء عن ورقة بحثية عن التأثير الكهروضوئي ضمن ثلاثمائة ورقة علمية أخرى له في تكافؤ المادة والطاقة وميكانيكا الكم وغيرها، وأدت استنتاجاته المبرهنة إلى تفسير العديد من الظواهر العلمية التي فشلت الفيزياء الكلاسيكية في إثباتها.
في يوم من أيام الصيف الدافئة من بداية الألفية الجديدة، وعندما كانت البشرية تعبر الجسر إلى مرحلة جديدة انتشر في أنحاء العالم كله وفي كل الصحف المعروفة بشكل مبهج خبر الإعلان عن النسخة الأولى من الجينوم البشري، حيث تم اكتشاف كتيب طريقة عمل الإنسان.
يحتوي الجينوم البشري على الحمض النووي لكل الأصناف البشرية وشفرة الوارثة للحياة. يبلغ طول النص الجديد المكتشف 3 بلايين من الأحرف، وقد كتب بطريقة غريبة ومشفرة على شكل نسق رباعي. تعقيد المعلومات التي تحتوي عليها كل خلية في جسم الإنسان تجعل من قراءة هذا النص بمعدل حرف لكل ثانية تستغرق 31 سنة حتى لو استمرت القراءة ليلا ونهارا. طباعة أحرف هذا النص بالبنط العادي بالحجم المتعارف من الأوراق سوف ينتج عنه برج بارتفاع النصب التذكاري في واشنطن. لأول مرة في ذلك الصباح الصيفي أصبح هذا النص العجيب الذي يحمل في طياته كل التعليمات التي يقوم عليها الإنسان متوفراً للعالم أجمع.
كقائد للمشروع الدولي للجينوم البشري حيث عملت لأكثر من 10 سنوات للكشف عن تسلسل الحمض النووي، وقفت بجانب الرئيس بيل كلنتون في الغرفة الشرقية للبيت الأبيض وكان إلى جانبنا کريغ فنتر Craig Venter رئيس قسم القطاع الخاص من المشروع. كان رئيس الوزراء توني بلير يتابع الحدث عبر الستلايت، وأقيمت احتفالات متزامنة في أنحاء مختلفة من العالم.
بدأ خطاب کلینتون بمقارنة بين تسلسل خريطة الجينوم وبين الخريطة التي كشف عنها میرویذر لويس[1] Meriwether Lewis أمام الرئيس توماس جيفرسون في ذات الغرفة قبل ما يقرب من 200 سنة. قال كلينتون: “من دون أدنى شك، هذه أهم وأروع خريطة تم صنعها من قبل الإنسان”. ولكن الجانب الذي جذب انتباه الرأي العام في خطابه هو القفز من الجانب العلمي إلى الجانب الروحي، حيث قال: “اليوم، بدأنا نفهم اللغة التي خلق الله بها الحياة. بدأنا نتعرف بإعجاب على تعقيد وجمال ودهشة الهدية المقدسة للرب”. هل صدمت وأنا العالم المدرب من هذه الإشارة الدينية الصارخة لزعيم العالم الحر في هذه اللحظة؟ هل شعرت بالحرج وطأطأت رأسي بخجل؟ لا، على الإطلاق. في الواقع لقد عملت عن قرب مع كاتب خطابات الرئيس لأيام متواصلة قبل هذا الإعلان، وقد وافقت تماماً على هذه الفقرة. عندما جاء دوري للحديث عبرت عن هذا الشعور “إنه يوم سعيد للعالم، ومدعاة للتواضع من قبلي، فقد أمسكنا باللمحة الأولى من كتابنا، الذي كان في السابق معروفاً من قبل الله فحسب.
ما الذي كان يحدث هنا؟ لماذا يشعر رئيس الولايات المتحدة ومعه عالم عند إعلانهم عن إنجاز علمي في علم الأحياء والطب بأن عليهم ربط ذلك بالله؟ أليس وجهتا النظر العلمية والروحية متناقضتان، أو ألم يكن من الأفضل أن يتجنبا الظهور معا في الغرفة الشرقية للبيت الأبيض؟ ما هي الأسباب التي تدفع للحديث عن الله في كلا الخطابين؟ هل كل ذلك شعراً؟ نفاقاً؟ هل هي محاولة ساخرة للحصول على تعاطف من الموحدين، أو محاولة لتحييد أولئك الذين قد ينتقدون هذه الدراسة للجينوم البشري باعتبارها اختزال للجنس البشري إلى مجرد آلة؟ لا، ليس بالنسبة لي. على العكس من ذلك، فالتعرف على تسلسل الجينوم البشري والكشف عن أهم النصوص على الإطلاق كان إنجازاً علمياً صادماً وفي الوقت نفسه مناسبة للتعبد.
هذه المشاعر قد تكون محيرة للبعض الذين يفترضون أن العالم الجاد لا يمكن أن يكون مؤمناً حقيقياً بالله المتعالي. هذا الكتاب هو لدحض هذه الفكرة، وذلك من خلال القول إن الإيمان بالله يمكن أن يكون عقلانياً تماماً، وأن مبادئ الإيمان في الحقيقة تتكامل مع مبادئ العالم.
هذه التركيبة العلمية والروحية في النظر للعالم تعتبر عند البعض في العصور الحديثة مستحيلة، كما هي محاولة إرغام قطبي المغناطيس للالتقاء في نقطة واحدة. على الرغم من هذا الانطباع، هناك أمريكيون مهتمون بإمكانية الدمج بين هاتين الرؤيتين في حياتهم اليومية. الاستطلاعات الحالية تؤكد أن 93٪ من الأمريكيين يعلنون نوعا من الإيمان بالله، ومع ذلك فإن معظمهم يقود السيارات ويستخدم الكهرباء ويتابع تقارير الطقس، ومن الواضح أنهم يعتقدون أنه يمكن الوثوق به بما يحكم هذه الظواهر.
ماذا عن الاعتقاد الروحي في أوساط العلماء؟ في الحقيقة إنه منتشر بينهم أكثر مما يعتقد البعض. في عام 1916، قام باحثون بسؤال علماء أحياء وعلماء فيزياء وعلماء رياضيات عما إذا كانوا يؤمنون بالإله الذي يتواصل مع الناس بصورة فعالة، وفي المقابل يصلي له الناس متوقعين أن يستجيب لصلواتهم. 40% ممن تم سؤالهم أجابوا بالإيجاب. في عام 1997، تم تكرار الاستبيان، وكان مثيراً لدهشة الباحثين أن النسبة كانت مقاربة لنسبة الاستبيان السابق.
إذن، هل “المعركة بين العلم والدين ليست معركة استقطاب كما تبدو؟ للأسف، فإن الدليل على وجود توافق ممكن بينهما عادة ما يغطي عليه التعبيرات الصارخة التي تصدر من الذين يحتلون مناطق الأقطاب في هذا النقاش. والقنابل ترمى من كلا الجانبين. على سبيل المثال، عندما يتم تجاهل معتقدات 40٪ من زملائه باعتبارها مشاعر لا معنى لها فإن الفيلسوف التطوري ريتشارد دوكينز[2] Richard Dawkins بدا على أنه المتحدث الرسمي لوجهة النظر التي تقول إن الاعتقاد بالحاجة إلى التطور تتطلب الإلحاد. من ضمن عدد من عباراته المثيرة للدهشة يقول دوكينز: “الإيمان هو عذر رائع لتجنب الحاجة إلى التفكير وتقييم الحجج. الإيمان يوجد عند الافتقار للحجة … الإيمان هو الاعتقاد الذي لا يقوم على برهان، وهو العيب الذي يعاني منه كل دين”.
في المقابل، يهاجم المتعصبون دينياً العلم باعتباره خطر وغير موثوق به، ويشيرون إلى التفسير الحرفي للنصوص المقدسة باعتباره الوسيلة الوحيدة الموثوق بها لإدراك الحقيقة العلمية. من بين هذه المجموعة، هناك تعليقات الراحل هنري مورس[3] Henry Morris رئيس حركة الخلق Creationist movement الذي اعتبر أن “كذبة التطور تغلغلت وهيمنت على الفكر الحديث في كافة الحقول. هذا هو ما حدث، ومن خلال ذلك كان لابد أن يكون الفكر التطوري هو السبب للتطورات السياسية المشؤمة والفوضى الأخلاقية والتفكك الاجتماعي الذي أصبح متسارعاً في كل مكان … عندما يختلف العلم والإنجيل فإن من المؤكد أن العلم لم يحسن تفسير البيانات المتوفرة له”.
إن التنافر بين الأصوات المتخاصمة يجعل المراقبين المخلصين في حيرة وإحباط. سوف يصل الناس العقلاء إلى نتيجة مفادها أن عليهم أن يختاروا بين طرفين لا يلتقيان، لا يوفر أي منهما الراحة. في ظل خيبة الأمل من حدة كلا وجهتي النظر، فإن البعض يختار رفض كل من الحقائق العلمية الموثوقة وقيم الدين، وبدلا من ذلك ينساق إلى تفكير غير علمي وروحانية ضحلة أو ببساطة إلى اللامبالاة. البعض الأخر يقرر قبول كل من العلم والروح، ولكن يفصل بين الوجود المادي والروحي لتجنب الاضطراب الناتج عن التعارض بينهما. في إطار هذا الاتجاه، يؤيد عالم الأحياء الراحل ستفين جاي Stephen Jay فكرة أن يحتل كل من العلم والإيمان مساحات منفصلة “غير متقاطعة، ولكن ذلك سوف يحدث صراعاً داخلياً ويحرم الناس من فرصة تقبل العلم أو الروح بفهم كامل.
ولذلك فإن السؤال المركزي لهذا الكتاب: في ظل المرحلة الحديثة من علم الكونيات والتطور والجينوم البشري، هل تبقت إمكانية لتوافق ثري بين النظرتين العلمية والروحية؟ حسب وجهة نظري، ليس هناك تعارض بين أن أكون عالماً صارماً وبين أن أكون شخصا يؤمن بالإله الذي يهتم بكل واحد منا. مجال عمل العلم هو اكتشاف الطبيعة. أما مجال الإله فهو العالم الروحي وهو الحقل الذي لا يمكن اكتشافه بالأدوات أو بلغة العلم. هذا المجال يجب اكتشافه عن طريق القلب والعقل والروح -وعلى العقل أن يجد طريق للتوفيق بين كلا المجالين.
سوف أتبنى وجهة النظر التي تقول بأن كلتا وجهتي النظر ليست فقط يمكن أن توجدا في إنسان واحد فحسب، وإنما تعمقان أيضا من التجربة الإنسانية. العلم هو الوسيلة الوحيدة لفهم العالم الطبيعي، وعندما يتم توظيف أدواته بشكل صحيح فإنه يمكن أن يقدم للوجود المادي رؤى عميقة، ولكن العلم عاجز عن الإجابة عن أسئلة من قبيل “لماذا وجد العالم؟ ما معنى الوجود الإنساني؟ ماذا يحدث بعد أن نموت؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة العميقة هي من ضمن أقوى محفزات التفكير لدى البشر، ولذلك علينا أن نستعين بكافة قدرات كل من الرؤى العلمية والروحية للحصول على فهم لما هو مرئي وما هو غير مرئي. هدف هذا الكتاب هو البحث عن طريق يوصلنا إلى تكامل بين وجهات النظر هذه.
التفكير في مثل هذه الأمور الجوهرية قد يكون أمراً يسبب القلق. جميعنا لدينا نظرة كونية محددة. هذه النظرة تمكننا من إدراك العالم المحيط بنا، كما أنها توفر لنا إطاراً أخلاقياً، كما أنها توجه قرارتنا المستقبلية. أي شخص يتعاطى مع النظرة الكونية هذه يجب أن لا يقوم بذلك بصورة سطحية. الكتاب الذي يعنى بمناقشة أمور جوهرية قد يؤدي إلى قلق أكبر مما يؤدي إلى ارتياح. ولكننا كبشر لدينا شوق شديد المعرفة الحقيقة، ومع ذلك فإن هذا الشوق يمكن أن يكبت عبر التفاصيل المملة للحياة اليومية. هذه الملهيات بالإضافة إلى الرغبة بتجنب التفكير بمصيرنا يجعل من الأيام والأسابيع والأشهر وربما السنوات تمر بسرعة من دون تفكير جاد بالأسئلة الخالدة المتعلقة بالوجود الإنساني. هذا الكتاب هو مجرد ترياق بسيط لهذه الحالات، ومع ذلك فهي توفر فرصة للتفكير الذاتي والرغبة بالبحث المعمق.
في البداية، عليّ أن أشرح كيف لعالم درس الجينات أن يصل إلى الإيمان بالإله غير المحدد بزمان ولا مكان، وهو الإله الذي يهتم بصورة شخصية بالبشر. البعض سوف يفترض أن ذلك يتم من خلال غرسها عبر العائلة والثقافة، وأنه لا يمكن الهروب منها في مراحل لاحقة من العمر. ولكن ذلك ليس هو مرادي في هذا الكتاب.
[1] اميريويذر لويس (1774 -1809) هو رحالة ومستكشف أمريكي، عرف بمشاركته في حملة لويس وكلارك الشهيرة التي فتحت طريق الغرب أمام الولايات المتحدة.
[2] ريتشارد دوكينز: ولد في 26 مارس 1941 في نيروبي، کينيا) هو عالم بيولوجيا تطورية وإيثولوجيا وكاتب أدبيات علمية بريطاني. من أبرز أعماله التأكيد على الدور الرئيسي للجينات كقوة دافعة للتطور. إلى جانب أعماله في البيولوجيا التطورية، يقدم دوکینز نفسه على أنه ملحد، إنساني -علماني، شكوكي، وعقلاني علمي وهو معروف بآرائه في الإلحاد ونظرية التطور كما أنه من أبرز منتقدي نظرية الخلق ونظرية التصميم الذكي
[3] هنري موريس (6 أكتوبر 1918 -25 فبراير 2006) أمريكي من مناصري خلقية الأرض الفتية ومدافع لاهوتي. كان واحدا من مؤسسي جمعية أبحاث الخلق ومعهد الأبحاث المختصة بالخلق. ويعتبره العديد من المراقبين “أب علم الخلق الحديث”.[1] وترعرع موريس في تكساس. وتخرج من جامعة رايس ليحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1939
يقترح الكتاب مفهوم (التصميم الإلهي الحيوي) والذي يسميه Bio Logos ومن خلاله يعرب عن الاعتقاد بأن الله هو مصدر كل حياة، وأن الحياة تعبر عن إرادة الله وأن العلم والإيمان هما وجهان لعملة واحدة،
يستند مصطلح التصميم الإلهي الحيوي لكولينز على الأسس التالية : تم خلق الكون من قبل الله ومن خصائص الكون أنه مضبوط من أجل الحياة، الآلية الدقيقة لأصل الحياة على الأرض ما تزال غير معروفة، بدأت الحياة مرة واحدة والبشر هم جزء من هذه العملية والتي تمت بتدخل الهي مباشر ولذا فهم مميزون في خلقهم بامتلاكهم معرفة الصواب والخطأ والبحث عن الله .
تحميل كتاب لغة الإله PDF كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز – للتحميل