التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د. وهيب قزمان

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د. وهيب قزمان

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د./ وهيب قزمان

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د./ وهيب قزمان

 

مقدمة:

التبني عقيدة أساسية محبوبة للغاية عند القديس أثناسيوس ، وهى حصيلة وثمرة أساسية للاتحاد بالله عن طريق المعمودية ، التى بها نصير أبناء الله بالتبني:

[ لأن الله أمرنا أن نعتمد ” بأسم الآب والابن والروح القدس ” لأنه بهذا… نصير فى الحال أبناء الله ، مع كوننا من خليقته ] (ضد الأريوسيين 34:1).

وهذا التبني لله فى المعمودية هو برهان وثمرة مباشرة للاهوت المسيح ومساواته بالآب ، وأيضًا برهان لقيامته من الأموات التى أكملها فى جسم بشريته لحسابنا.

فالإيمان عند القديس أثناسيوس كلٌ واحد لايتجزأ: التجسد ، ولاهوت المسيح ، واتحاد الإنسان بالله (أى تأليه الإنسان وتبنى الله له). وهذا الإلهام فى الحقيقة لم يجارِه فيه أى أب من الآباء ولاأى لاهوتى من بدء الكنيسة حتى اليوم ، والخلاصة فإن هذا كان إيمان القديس أثناسيوس الذى يعيشه فى المسيح ، ومضمون خلاصه الذى كان يُبشر به ويدافع عنه ضد الهراطقة.

1- أزلية محبة الله وتبنيه للبشرية بالنعمة:

تبدأ العقيدة عند القديس أثناسيوس بلاهوت المسيح ، وتنتهى عند التبني ـ أى صيرورة الناس أبناء الله الحى ـ وارثين لأبوة الله فى المسيح ابن الله!!! ولكن إرادة الله من نحو تبنى الإنسان كانت منذ البدء وقبل إنشاء العالم:

[ إن هذه النعمة كانت قد أُعدت قبل أن يخلقنا (الله) بل حتى من قبل أن يخلق العالم ] (ضد الأريوسيين 75:2).

وعقيدة التبني عند القديس أثناسيوس ليست أمرًا يكتسبه الإنسان من الخارج ، بل هى وجود وسكنى واتحاد دائم للروح القدس و” الكلمة”. سكنى الروح القدس الذى يتكلم فينا ويخبرنا بأمور المسيح ويُمجّد المسيح فينا وبنا ، وكذلك سكنى الابن “الكلمة ” فينا واتحاده بنا فبهذه السكنى وهذا الاتحاد ننال نعمة وحق البنوة ، ونخاطب الله قائلين ” ياآبانا “:

[ لأن هذا هو حب الله لبنى البشر ، أنه أراد أن يكون لهم أبًا بالنعمة، هؤلاء الذين سبق أن خلقهم ، وهذا (التبني) إنما يحدث عندما يتّقبل الناس ، وهم مجرد خليقة ، روح الابن فى قلوبهم صارخين ” ياأبا الآب ” (غلا 6:4). نعم هؤلاء عندما يقبلون ” الكلمة ” ينالون به القوة التى يصيرون بها أولاد الله. ولأنهم أصلاً مجرد خلائق ، فإنهم لايمكن أن يصيروا أبناء إلا إذا قبلوا روحه ، أى روح الابن الذى هو من جوهره… ولهذا فإن كان الكلمة قد صار جسدًا ، فذلك لكى يجعل الإنسان مؤهلاً لقبول اللاهوت ] (ضد الأريوسيين 59:2).

2- الإنسان الأول كان غير مؤهل للتبنى بسبب طبيعته:

يؤكد القديس أثناسيوس إنه كان يستحيل على الإنسان الحصول على التبني ، ليس بسبب الخطيئة فى الأساس ، ولكن بسبب أن طبيعته المخلوقة غير مؤهلة للتبنى من تلقاء ذاتها ، لأنها من تراب أو من عدم على حد قوله:

 

[ الله فى خلقه للإنسان من العدم كسائر الكائنات الأخرى بواسطة اللوغوس ، قد تراءف على الجنس البشرى بصفة خاصة. إذ وهبه نعمة أخرى أضافية ، إذ رأى ضعفه ـ بطبيعة تكوينه ـ عن أن يبقى فى حالة واحدة ].

 

صحيح أنه يتحتم أولاً أن تُرفع الخطية ـ التى أقتحمت طبيعة الإنسان ـ ويُبطل فعلها القاتل للنفس ، قبل أن يحصل الإنسان على التبني ، وترفع الخليقة من حالة العبودية والموت إلى حالة الشركة فى الطبيعة الإلهية وبلوغ حرية البنين ، وذلك فىالابن الحقيقى الوحيد الجنس:

 

[ لايوجد تبنى بدون ” الابن الحقيقى “. لأنه هو نفسه يقول ” لاأحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يُعلن له ” (لو22:10) ، وعلى ذلك فإن كل الذين يُدعون أبناء الله وآلهة (أى نالوا الاتحاد بالله) ـ بالنعمة ـ سواء فى الأرض أو فى السماء قد نالوا التبني والتأله فى ” الكلمة ” ولأن الكلمة هو الابن الحقيقى فواضح أنه مصدر كل بنوة ، لأنه ابن قبل الكل ، وأنه حقًا الابن الوحيد الجنس (مونوجنيس) وأنه إله حق من إله حق ] (ضد الأريوسيين 39:1).

 

3- التبني ثمرة التجسد الإلهى:

المسيح هو الكرمة الحقيقية الذى وُلد لكى يحول أصلنا إلى نفسه ـ أى يصبح هو أصلنا الجديد بدلاً من آدم ـ لنصير أعضاء فيه وهكذا يحملنا إلى السماء. أى أن التبني ثمرة التجسد الإلهى ، تلك الثمرة التى تتجلى فى ثلاث مراحل رئيسية: ميلاد المسيح ، وموته وقيامته ، وميلادنا من الماء والروح. فالتجسد هو الذى كشف لنا عن ذات الله الواحد الآب والابن والروح القدس ، فالأبوة هى صفة ذات الله الجوهرية بالنسبة لأبنه ، وهذه الأبوة ، فى ذات الله هى التى انتقلت إلينا بالتبني فى المسيح بواسطة التجسد الإلهى ، وما ترتب عليه من موتنا وقيامتنا مع المسيح وميلادنا فى المعمودية بأسم الآب والابن والروح القدس. أى أننا بها ارتفعنا من مستوى المخلوقات العامة إلى مستوى البنين باتحادنا بالابن ـ وخاصة فى موته وقيامته ـ تأهلنا أن نرتفع من ادراك الله كخالق بالمستوى الفكرى ، إلى ادراك الله كأب بالمستوى السرى كشركة حياة:

[ وحين وُلِدَ (الكلمة) بالجسد من مريم والدة الإله (الثيؤطوكوس) قيل عنه أنه وُلِدَ مع أنه هو (الكلمة) الذى خلق كل الأشياء ، أى الذى يمنح الآخرين أصل وجودهم. ففى الحقيقة هذا هو ميلادنا نحن الذى أخذه لنفسه ، لكى يحول أصلنا إلى نفسه ، ولهذا لم نعد بعد مجرد تراب تعيّن لنا أن نعود إلى التراب ، ولكننا صرنا متحدين ” باللوغوس ” الكلمة من السماء كالأغصان بالكرمة ، الذى سوف يأخذنا إلى السماء…

أما الموت الذى كان ميراثنا بسبب ميلادنا الأول فقد بَطُل. فميلادنا وكل ضعفات الجسد قد تحولت عنا وصارت وحُسبت على ” الكلمة”. أما نحن فقد ارتفعنا عن التراب وأُزيلت عنا لعنة الخطية بواسطته وهو الكائن فينا ومن أجلنا.

وكما كنا بالحق مخلوقين من تراب ، وفى آدم قبلنا الموت جميعًا، هكذا نحن إذ نُولد من فوق من الماء والروح فإننا فى المسيح نحيا جميعًا. فلا يعود جسدنا فيما بعد أرضيًا بل يصير إلهيًا كالكلمة (has been made Word) وذلك بسبب الكلمة الذى صار جسدًا لأجلنا ] (ضد الأريوسيين 33:3).

 

 

4- التبني بالطبيعة والتبني بالكلمة:

يتحدث القديس أثناسيوس عن نوعين من البنوة لله:

(1) بنوة بالطبيعة: تخص الكلمة ـ ابن الله الوحيد الجنس وحده.

(2) بنوة بالنـعمة: تقبلها المخلوقات من الله.

ويوضح القديس أثناسيوس أن أولئك الذين يدعون أبناء الله بالنعمة ليسوا أبناء بالطبيعة مثل اللوغوس الابن الحقيقى ـ فالأبناء بالنعمة قد نالوا نعمة كونهم أبناء بالإكتساب وهم يختلفون عمن أعطى لهم:

ونحن لسنا أبناء لله بالطبيعة ، ولكن ابن الله الذى فينا هو ابن الله بالطبيعة، وكذلك فإن الله ليس آبانا بالطبيعة ، ولكنه أبو ” الكلمة ” الذى فينا ، الذى فيه وبه نصرخ: يا أبا الآب ” (رو15:8) ، حتى إن الآب حينما ينظر أولئك الذين يرى فيهم ابنه يقول ” لقد ولدتكم ” (مز7:2) ويدعوهم أولاده…

لهذا فإننا خُلقنا أولاً كما هو مكتوب (لنصنع الإنسان…) ثم بعد ذلك ” وُلدنا “ بواسطة قبولنا نعمة الروح وقيل أننا نُولد. لهذا فإن موسى العظيم قال هذا المعنى بوضوح فى أنشودته: إذ قال (عن الله) أنه أولاً أوجدنا (أى خلقنا) وبعد ذلك ولدنا. لئلا عند سماع (الناس) لفظ (وَلد) ينسون طبيعتهم من البداية وبهذا يعرفوا أنهم مخلوقات منذ البدء ، ثم عندما يُقال أن الناس يُولدون كأبناء بالنعمة ، فإنهم مع ذلك يجب أن يدركوا أنهم مصنوعات بالطبيعة ” (ضد الأريوسيين 59:2).

 

5- الإيمان الصحيح شرط لنوال نعمة التبني فى المعمودية:

وهناك نقطة شيقة يعرضها القديس أثناسيوس فى رده على الأريوسيين، وهى الارتباط الضرورى بين الإيمان الصحيح ونعمة البنوة التى تنتقل من خلال حميم المعمودية المقدس فى المسيح.

وحيث ينكر الأريوسيون الإيمان الصحيح بخصوص لاهوت الابن ، فإن هذا الانكار يحرمهم تمامًا من نعمة المعمودية التى هى نعمة التبني لله ، إذ أنهم لن يتحدوا مع الآب طالما ليس فيهم الابن الذاتى النابع منه بالطبيعة ، بل يظلوا مُقفرين وعراة من اللاهوت:

[ فليس من يقول ببساطة يارب هو الذى يُعطى المعمودية ، بل هو ذلك الذى مع الأسم الذى يدعوه ، عنده أيضًا إيمان مستقيم. لهذا السبب فإن المُخلص لم يأمر فقط بالعماد ، بل قال أولاً ” تلمذوا ” ثم بعد ذلك قال ” عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس ” (مت 19:28) ، لكى يأتى الإيمان المستقيم من التعليم ومع الإيمان يأتى اتمام المعمودية.

إن المعمودية التى يعطيها الهراطقة عديمة الجدوى ، وتعوزها التقوى حتى أن من يعمدونه يتلوث بإلحادهم بدل من أن يُفتدى… فإنهم لن يتحدوا مع الآب طالما ليس لهم الابن الذاتى النابع منه بالطبيعة… وحيث أن هؤلاء (المُعَمدين) التعساء خُدِعوا من هؤلاء الهراطقة فقد ظلوا عراة مُقفرين من اللاهوت] (ضد الأريوسيين 43:2).

6- التبني لله يعنى التمثل به فى فعل الخير Eupia ونقله إلى الآخرين Diakonia:

يوضح القديس أثناسيوس أن البنوة لله ، هى نعمة تُمنح من الله للبشر ، وهذه البنوة بالنعمة لاتتضمن أى تطابق فى الطبيعة مع الله ، بل تمثلاً أو (محاكاة) لله الآب وابنه اللوغوس فى فعل الخير (Eupia) ، ونقل ما وهبنا الله من خير للآخرين (Diakonia). وهذان العملان أى التشبه أو التمثل بالله فى فعل الخير (Eupia) وصنعه للآخرين (Diakonia) مرتبطان ارتباطًا وثيقًا أحدهما بالآخر ، فهما عبارة عن قبول البشر لفعل الله الخيِّر من جهة ، وتقديم ذلك العمل الإلهى الخيِّر من جهة أخرى:

[ إذ أن ابن الله الواحد الوحيد بالطبيعة والحق هو كائن بذاته ، فنحن أيضًا نصير أبناء لمن دعانا ، ليس كما هو بالحق والطبيعة بل بالنعمة… هكذا أيضًا فإننا وإن كنا عطوفين مثل الله ولكننا لانبلغ المساواة بالله. ولانصبح فاعلى خير بالحق ، لأن كوننا فاعلى خير ليس من صُنعنا نحن بل من صُنع الله ، حتى أنه يمكن لنا نحن أيضًا أن ننقل كل ما يعطيه لنا الله ذاته من نعمة الحب للآخرين (Diakonia) دون أن نميز بينهم، بل ببساطة نمتد بأعمال الخير (Eupia) إلى الجميع. لأننا بهذه الوسيلة نصير إلى حد ما متمثلين بالله ، أى نقوم بتوصيل ما يأتى إلينا من عطايا إلى الآخرين.] (ضد الأريوسيين 19:3).

 

7- نعمة التبني لله هى سلطان مُعطى للإنسان به نبلغ الكمال:

يوضح القديس أثناسيوس أنه لايكفى الحصول على نعمة التبني لله بالمعمودية فقط ، بل يجب أن نمارس الإيمان ونستثمر هذه النعمة فى حياتنا اليومية ، حتى بالممارسة العملية نصير أولاد الله بالنعمة وبالفعل معًا. إن نعمة التبني هى عطية الله المجانية للبشرية ” أما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ” (يو12:1) ولهذا فإنها لاتفرض بالقوة على البشر بل تتضمن استجابتهم الحرة.

إن نعمة الله هنا هى فى الحقيقة الابن المتجسد ذاته ، الذى به يصير البشر أبناء لله بالتبني بالنعمة بواسطة شركة الروح القدس الذى هو روح الابن. كما أن استجابة البشر فى هذه الحالة تتضمن قبول الابن المتجسد كما هو وعلى ما صار عليه. أى إن الابن المتجسد هو القياس والنموذج الذى يُقتَدى به فى الحياة.

والقديس أثناسيوس يتجاسر ويستنطق ” الكلمة المتجسد ” موضحًا الكمال الذى حصلنا عليه بالتجسد والتبني ، ذلك الكمال الذى أسسه ابن الله فى جسده أولاً لحسابنا:

[ أنا حكمتك (أيها الآب) وأنت فىَّ ، ولكنى أنا فيهم بالجسد ، وبك قد أُكمِل خلاص البشرية فىَّ ، لذلك أسأل أن يكونوا واحدًا بحسب الجسد الذى فىَّ ، وبحسب الكمال الذى لهذا الجسد ، حتى إذ يتحدون بهذا الجسد ويصيرون واحدًا فيه ، يصيرون كاملين ، حتى يكونوا جميعًا جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا ، وإنسانًا كاملاً ، كإنما احملهم جميعًا فى ذاتى ، لأنه من حيث إننا نشترك فى المسيح الواحد، ونملك فى داخلنا الرب الواحد ، نصير جميعًا جسدًا واحدًا ] (ضد الأريوسيين 22:3).

ويلاحظ أن ” الكمال ” الذى يبلغه الإنسان فى المسيح هو نتيجة اتحاد المؤمنين بجسد المسيح ، الأمر الذى يعتبر احدى خصائص اللاهوت عند القديس أثناسيوس.

التبني للآب عند القديس أثناسيوس الرسولى اعداد د. وهيب قزمان

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

موضوع البنوية فى العهد الجديد :

لكي ندخل إلى البنوية فى العهد الجديد نتذكر البنوية فى العهد القديم. الله خلق الإنسان ابنًا له ومعلمنا لوقا فى سلسلة الأنساب حين وصل إلى آدم يقول ” ابن آدم ابن الله “، الله خلق الإنسان ابنًا له.

 ولما أراد الله أن يؤسس خطًا يحدده للتربية وللإعداد للتجسد اعتبر إسرائيل ابنًا له. ” إسرائيل ابنى البكر ” يعنى أنه لايمنع أبدًا أن هناك أبناء آخرون وإنما اعتبر أن هذا الفرع من البشرية هو الفرع البكر وأن العلاقة البنوية الأولى انقطعت وضمرت عروقها فصار الخط الجديد هو اختيار فرع لكى يكون بكرًا إلى أن تُطعم باقى الفروع المقطوعة فى الشجرة الأصلية. إذن الإنسان مخلوق أساسًا لكى يكون ابنًا لله. والابن يحمل صفات أبيه والله خالق أى يُوجد الأشياء من العدم فلابد أن يكون الإنسان خلاقًا أى فى حدوده يتصور أمورًا ويُوجدها شكلاً دون أن تكون أشكالها موجودة قبل ذلك.

الله يحوى الكون والإنسان يحوى فى داخله وفى تكوينه مكونات الكون لأننا نجد أن الكون مكون من أجسام كونية من مواد مرتبة بقوانين وتتعامل أو تتجاذب مع بعضها طبقًا لقوانين، فكل شئ فى هذا الكون يمكن أن ننظر إليه من جانبين : جانب التكوين وجانب الفعل أو الدور الذى عليه.

إذا نظرنا إلى هذا المبنى له جانب أساسى وهو التكوين وإذا نظرنا إلى هذه المنضدة لها جانب تكوينى وإذا نظرنا إلى المجتمع الإنسانى له جانب تكوينى الـ Structure أى التكوين، التكوين الخاص بجسمى، التكوين الخاص بالكون، التكوين الخاص بالشمس، التكوين الخاص بالذرة، فهناك تكوين وبعد ذلك هناك Function  أى الوظيفة، كل شئ فى هذا الكون له تكوين وله عمل أو وظيفة.

وقبل المسيحية لم يكن للناس أن يتكلموا عن شئ مهما كان قليلاً من جهة التكوين الإلهى وإن كانت المسيحية قد أدخلتهم إلى قليل جدًا جدًا من التكوين الإلهى حين أفهمتهم أن هناك آب وابن وروح قدس. هذا هو التكوين الإلهى، وهذا التكوين لم يكن يشغل الناس فى العهد القديم وإنما كانوا يتكلمون عن الله وماذا يفعل أو ماهو عمله الذى يعمله مع البشر Function وماهى علاقته بنا. وإذا تكلمنا عن الثالوث القدوس نتكلم بحرص شديد لأنه من يعرف أعماق الله. إنما نحن نتكلم عن الكون. الكون تكوين ووظائف. الذرة تكوين ووظائف. الشجرة تكوين ووظائف. الكون تكوينات ووظائف. الله يحوى كل هذا. والإنسان ابن الله. إذًا الإنسان يحوى فى ذاته صورة مصغرة لهذا التكوين ولهذه الوظائف أعنى يمكننا أن نقول أن الإنسان هو كونٌ مُصغر وهذا التعبير قاله معلمنا أوريجينوس قال ” أن الإنسان كونٌ مُصغر. وأنا إن كان أبى يحوى الكون ويصدر عنه الكون فأنا على شبهه كون مُصغر وإن كان لايصدر عنى أكوان. “.

هذا الكون أو هذه المكونات بما فيها من المكونات هى مواد وقوانين وعلاقات. فالإنسان حوى فى ذاته من هذه المواد وكذلك قد ينظر إنسان أو عالم إلى الإنسان من هذه الزاوية أنه مواد تتفاعل وينظر إليها من الناحية الفيزيقية والكيميائية متجاهلاً ما هو غير ذلك.

ولكن فى الكون كائنات أخرى وهى العاقلات أىالملائكة الصانع ملائكته أرواحًا “، ” ونفخ فيه فصار آدم نفسًا حية “. إذن هناك الماديات بتكوينها وقوانينها وهناك الروحيات بتكوينها وقوانينها وإمكانياتها. وهناك من ينظر للإنسان من هذه الزاوية فيتكلم عن النفس والعقل والمشاعر والاحساس واللاشعور والعقل الباطن والسلوك، والسلوك الجماعى والقوانين الإجتماعية ونظم الحكم وغير ذلك فهو يتكلم فى الإنسان وفى المجتمع الإنسانى من الزوايا الحيوية أو الحياتية. ولكن هناك ماهو أعلى من ذلك هناك القوة الروحية القدسية التى هى فوق الخطأ. وما الخطأ إلا انحراف عن الطريق، فليس عند الله تعالى انحراف. وكل المخلوقات مُعرضة للانحراف أو الخطأ. ولأنها تتكون من عقول ومشاعر وأحاسيس فإن الخطأ يختلط فيصير خطية وبذلك تصير المخلوقات خاطئة. والأصل أن يكون الإنسان متصل بمصدر اللا خطية لكى تسير طبيعته وعقليته ممزوجة بالفعل الروحى القدسى. وهذا هو مايمكن أن نتصوره صورة الله فى الإنسان. خلق الإنسان على صورته أعنى أنه أعطاه من صفاته. لما أخطأ الإنسان ضعفت الصلة الروحية وضمرت فبقى الإنسان عاقلاً لكنه غير مقدس يحوى قوانين عقلية وإمكانات ابتكارية ويمكنه أن يبتكر ويفكر فى الكون ويسبح فى هذا الكون ويتحكم فى النبات والأرض ولكن كلها تحكمات غير منضبطة قدسيًا.

لما حدث هذا ورتب الله أن يعيد هذه العلاقة البنوية السليمة بدأ يختار فرعًا معينًا على أن يكون هذا الفرع رمزًا للبنوية القادمة وبكرًا بين باقى الأخوة هذه هى البنوية.

ولما جاء العهد الجديد أعاد إلينا هذه البنوية وإن لم تكن فى صورة كاملة لأن البنوية الأولى كانت خالية من الخطيئة أما البنوية فى العهد الجديد فهى إمكانية النصرة على الخطية، قوة النصرة على الخطية. كسر شوكة الخطية، إعادة التوصيلة بينى وبين الله. لكن لم أعد مُعقمًا فالخلاص لايُعقم وإنما الخلاص يُمكّن. وأول مانجد فى العهد الجديد كلام واضح صريح عن هذا نجده فى إنجيل معلمنا يوحنا إذ يقول إنه جاء إلى هذا الابن البكر ” إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله “ لايقصد أنه ولاواحد يهودى قبله لكن يقصد أن الابن البكر لم يقبله وأما الذين قبلوه من هذا الخاصة أو من غيرها ـ ” فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله “. تقدس الكيان ولكنه لايزال فى مرحلة الصراع ” والذى يصبر إلى المنتهى هذا يخلص “. نال هذا الكيان السلطان على الخطية ولكن الجسد لازال عائشًا “ويحى أنا الإنسان الشقى من ينقذنى من جسد هذا الموت كلما أريد أن أفعل الحسنى أجد الشر حاضرًا عندى “ الصراع قائم لأن الجسد لازال موجودًا ولأن سلطان الظلمة، السلطان المُسلط فى هذا الدهر مازال قائمًا.

فالبنوية فى العهد الجديد هى العودة إلى الصلة بالله والعودة إلى التيار الإلهى. عودة الاتصال بالتيار الإلهى. ” وإن قلنا إننا بلا خطية نكذب ” هو موجود يطهر ” إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل أن يغفر لنا خطايانا “ لأن القوة المُطهرة قوة قائمة.

فالبنوية فى العهد الجديد تبدأ هنا فى أن الإنسان بكيانه الطبيعى أُعيد اتصاله بالله على حساب الله. وحينئذ صار هذا الاتصال مصدر قوة دائمة لنصرة الإنسان قوة دائمة، لذلك سميت الحياة الأبدية. يبقى الإنسان وهو على الأرض فيه تيار الحياة الأبدية والمقصود بالحياة الأبدية حياة اللاصراع حياة النصرة الكاملة حياة كمال النصرة. هنا بدأت البنوية وهنا المتعة وهنا النصرة ولكن الحرب مازالت مُشتعلة. خَلُصنا بالإيمان، خلاصنا كمن خرج من الغرق، لكن البنوية لازالت تعنى الصراع وتحوى الصراع، والصراع يستمر إلى أن ننتهى من هذا الجسد، ” لأن الخليقة نفسها ( التى تصارع ) ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله “.

أنتم اعتقتم من سلطانها ولكنكم لم تخلصوا بعد من معاكساتها ( رو21:8 ).

بل يقول الرسول ” وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح “، نحن أنفسنا اللى أخذنا الروح، نحن أنفسنا أيضًا غريبة تأكيدها لأنه يقول ” نحن الذين لنا باكورة الروح نئن فى أنفسنا “ ولكنه بين كلمة الذين لنا باكورة الروح وكلمة نئن يؤكدها ثلاث مرات نحن أنفسنا أيضًا نحن أنفسنا وبعدها نحن أيضًا.

لاتفكروا أنكم أنتم صرتم معقمين ولا الكنيسة معقمة ولا المجتمع المسيحى معقم كما يتعقم الجسد أو الحجرة من الميكروب ” نحن الذين لنا باكورة الروح نئن فى أنفسنا “. أريد أن أؤكد بين كلمة نحن ونتوقع أريد أن أؤكد نحن أنفسنا أيضًا نئن فى أنفسنا متوقعين التبني.

قال : ” الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء “

نحن أخذنا التبني إلا أن الخلاص الكامل يتم حين نخلص من هذا الجسد بتغييره فى النهاية. التبني هو عملية. بداية وعملية وهناك ختام وكمال ” متوقعين التبني فداء أجسادنا “. أخذنا التبني أعاد اتصالنا به. ماذا يريد منا ؟ هل علينا أى شئ بعد ذلك ؟.

ولأجل قراءة الموضوع نأخذ يوحنا (1) وممكن من رسالة بطرس الثانية الأصحاح الأول فيه منهج، ماهو هذا المنهج ؟ أنت أخذت كل شئ. يقول : ” كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ماهو للحياة والتقوى بمعرفة الذى دعانا بالمجد والفضيلة الذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة “.

هذه هبة ووعد وليس هذا فقط بل ” تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية” هذه عطايا الله : عطية التبرير، عطية إمكانية التقوى، عطية المواعيد، وعطية الشركة. إلى هنا دور الله. ودورى أنا ” هاربين من الفساد الذى فى العالم بالشهوة “. فالله أعطى هذا هو دور الله، إنما أنا علىّ أيضًا دور لأن الشهوة موجودة ” هاربين من الفساد الذى فى العالم بالشهوة “.

” ولهذا عينه وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا فى إيمانكم فضيلة وفى الفضيلة معرفة وفى المعرفة تعففًا وفى التعفف صبرًا وفى الصبر تقوى وفى التقوى مودة أخوية وفى المودة الأخوية محبة لأن هذه إذا كانت فيكم”. هذا هو البرنامج أو المنهج هو عمل عملاً عظيمًا جدًا ويجب أن اجتهد معه دائمًا. إذن أمامك طريقين كما هو مكتوب ” كلما تجتهد كلما يتسع باب الملكوت قدامك وإنما أن تتكاسل فيضيق باب الملكوت أمامك. اسمع ماذا يقول : ” لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت تصيركم لامتكاسلين ولاغير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح “. يعنى هو أنا سأعمل أكثر مما عمله هو، لأن الذى ليس عنده هذه اليقظة وهذه التقوى وهذا الإجتهاد هو أعمى ( مش شايف حاجة أبدًا ) أى قصير البصر ” قد نسى تطهير خطاياه السالفة “، ” لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين لأنكم إذا فعلتم ذلك لن تزلوا أبدًا. لأنه هكذا يُقدم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدى “.

هذه هى البنوية فى العهد الجديد أنا ابن الله ردنى إلى مركزى، ابن كنت تائهًا فاستردنى من التيه إلا أننى لازلت فى العالم فهو يقودنى ويرشدنى ويساعدنى، والروح القدس معى يبكت على خطيئة وبر ودينونة. الروح القدس الذى فى داخلى يبكتنى على الخطيئة وعلى فقدان البر ويلفت نظرى إلى الدينونة. هذه هى البنوية فى العهد الجديد.

ها نحن ندرس ونقول لنا شركة مع القديسين وبيننا أشخاص يعملون معجزات. على كل حال الشركة ندرس من أجلها عبرانين ( 12 ) وقد جاء بعد عبرانين ( 11 )، وعبرانين ( 11 ) عبارة عن فيلم يستعرض رجال الإيمان وأبطال الإيمان. عبرانين ( 11 ) هو فيلم سريع يستعرض به بعض أبطال الإيمان.

عبرانين ( 12 ) إنه شئ جميل جدًا هؤلاء جميعًا يتفرجون عليك وأنت فى ميدان الجهاد، والمشاهدون حول حلبة السباق ينقسمون أقسامًا طبقًا للاعبين يشجعون ويصفقون فليس غريب أن ينقسم القديسين لأجلك هذا يشجعك ويشجع فلان حسب المحبة القائمة بينه وبينك. ” لذلك نحن أيضًا إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهوله ولنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا “.

نحاضر بالصبر الذى يجرى فى السباق ينظر إلى الخط النهائى والراية المُعدة وإكليل المجد المُعد. ” ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذى من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزى فجلس فى يمين عرش الله. فتفكروا فى الذى احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا تكلوا وتخوروا فى نفوسكم “. ( عب 12 ).

كما قلت إن الأصحاح كله يتكلم عن الشركة واعتبر أن العقيدة لها ثلاثة أركان أو ثلاثة أقسام هى :

القسم الأول : ماعمله الرب من أجلى.

القسم الثانى : ما أعمله من اجل نفسى.

القسم الثالث : ثمار ومقومات هذه الشركة.

الإيمان والخلاص والفداء والكفارة والتبرير والروح القدس والمجيئ الثانى والصعود إلى أخره كل هذا هو عمله أما عملى أنا فهو الأصوام والصلوات والدراسات والتحفظ والإجتهاد كل هذا خاص بى انا لكن لست أنا وهو فقط بل أنا وهو والعائلة. عائلة الملائكة والقديسين. وعقائد الشفاعة : شفاعة توسلية وشفاعة كفارية، هذا الكلام كله شركة، هذا باب الشركة.

آية ( 18 ) : ” لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه أن تزاد لهم كلمة. لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو تُرمى بسهم. وكان المنظر هكذا مُخيفًا حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد “.

ذلك كان الإقتراب من جبل الله حين نزل عليه الله لم يكن الخلاص قد تم فذلك لم يكن مجرد إقتراب بل كان إنذارًا بعدم الإقتراب، تحفظًا بعدم الإقتراب، لفت نظر لأن طريق الإقتراب من الله لم يكن قد مُنح بعد. أما أنتم فى العهد الجديد أنتم أبناء الله. ” بل قد أتيتم إلى جبل صهيون “. آية (18) ” لم تأتوا “ لكن آية (22) ” بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية “.

هل نحن الآن فى أورشليم السماوية ؟ ” وإلى ربوات هم محفل ملائكة “.

الملاك وقف قديمًا بسيف نار متقلب يمنع الإقتراب من شجرة الحياة وأما الآن فنحن والملائكة فى محضر واحد ” وإلى ربوات هم محفل الملائكة “. وقد يقال ” الملائكة والأرواح وصلوا إلى هناك وخلاص ولاتُوجد علاقة بيننا وبينهم ” ” وإلى كنيسة أبكار مكتوبين فى السموات “. هذا ليس كلام نظرى ” وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مُكملين “. لئلا يفتكروا أن كنيسة أبكار مكتوبين فى السموات هم نحن الموجودون على الأرض ممكن كنيسة أبكار مكتوبين لكن أكدها بقوله ” وإلى أرواح أبرار مكملين.” ” وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل “. هذه هى الشركة. البنوية أيها الأحباء عودة إلى المركز.

والبنوية واجب اجتهادى حتى لانفقد المركز.

والبنوية متعة بشركتنا مع السماء. العهد الجديد ملئ بالكلام عن البنوية وكل هذا لكى يردنا إلى البنوية. طبعًا الكلام كثير عند الآباء وتسمعوه من الإخوة الذين لهم تخصص لكن هذا كان تقديم كتابى عن الموضوع، يقول معلمنا يوحنا “أيها الأبناء نحن الآن أولاد الله ولايظهر بعد ماذا سنكون ” أنتم الآن أولاد الله علىّ عمل أعمله ومستمر فيه، وعلينا واجب اجتهادى نستمر فيه ونحن فى شركة مباركة.

 

التبني للآب فى العهد الجديد نيافة الأنبا أثناسيوس

Exit mobile version