مسيح واحد أم اثنان؟ – سر التجسد

مسيح واحد أم اثنان؟ – سر التجسد

 

مسيح واحد أم اثنان؟ – سر التجسد

 

الفصل الخامس

مسيح واحد أم اثنان؟

 

 س 1 : إذ كان الكلمة قد اتخذ جسدا كاملا فهل يعنى هذا أنه اثنان ، المسيح الإله والمسيح الإنسان ؟ وهل توحي تعبيرات المجامع المسكونية والآباء ” من طبيعتين ” و ” في طبيعتين ” و ” طبيعة متحدة  ” و” اتحاد ” بذلك ؟ فالاتحاد لا يتم إلا بين اكثر من واحد ! كما أن نسطور بطريرك القسطنطينية(1) يقر بوجود المسيح الإله والمسيح الإنسان ويقول أن العلاقة بينهما من قبيل الاقتران أو الاتصال أو المصاحبة ، بالرغم من أنه يقول أن هذا الاقتران قد تم منذ بداية الحمل في بطن مريم العذراء !!

& الكتاب المقدس يؤكد لنا بما لا يدع مجالا للشك أنه ليس هناك سوى مسيح واحد يتكلم كإنسان ويعمل أعمال الإنسان وله جوهر وصفات وطبيعة الإنسان ، وفى نفس الوقت يتكلم ويعلم كإله ويعمل أعمال الله ، كل أعمال الله ، وله جوهر وصفات وطبيعة الله !! دعا نفسه ودعاه الكتاب ” ابن الله وابن الإنسان ” ، الإله القدير ، ” عمانوئيل ” ، الله المبارك ، الإله الواحد ، الإله القدير ، الإله العظيم ، الإله الحكيم ، الأزلي الأبدي الذي لا بداية له ولا نهاية ، وفى نفس الوقت ابن مريم وابن إبراهيم واسحق ويعقوب وابن داود النبي ، الذي كان ميتا  فعاش والحي إلى ابد الآبدين (رؤ11:1) .

  أنه الإله المتجسد الذي له صفات وخواص وجوهر وطبيعة الله وله أيضا صفات وخواص وجوهر طبيعة الإنسان ومع ذلك فهو المسيح الواحد :

 †” لأن معلمكم واحد المسيح ” (مت8:23) .

 †” وتكون رعيه واحدة لراع واحد ” (يو16:10) .

† ” ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به ” (1كو6:8) .

† ” أن كان واحد قد مات لأجل الجميع ” (2كو14:5) .

† ” لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح ” (2كو11:2) .

† ” رب واحد ، إيمان ، واحد ، معمودية واحدة ” (أف5:4) .

† ” يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ” (1تي5:2) .

  أنه المعلم الواحد والراعي الواحد بلاهوته وناسوته ؛ وهو الواحد خالق الكون وما فيه ومع أنه الله الخالق وهو الإله المتجسد ” يسوع المسيح ” ، ويسوع هو اسمه بعد التجسد :

† ” فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع ” (مت21:1) .

† ” ولدت ابنها البكر ودعا اسمه يسوع ” (مت25:1) .

† ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع ” (لو31:1) .

† ” ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به في البطن ” (لو21:2) .

  وكلمة ” يسوع ” تعني ” يهوه يخلص ، أي ” الله يخلص ” ، كما قال الملاك للعذراء ” لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ” . واسم يسوع يعني في العهد الجديد الله المخلص الذي ظهر في الجسد ، الإله المتجسد . واسم ” يسوع ” هو الاسم الوحيد الذي تسمى به الرب يسوع المسيح بعد التجسد .

  يسوع هو ” يهوه المخلص ” ، ويهوه هو الكائن ، ويسوع أيضا هو الكائن على الكل ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو58:8) ، وهو أيضاً المخلص يقول الكتاب عنه ” وليس بأحد غيره الخلاص . لان ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص ” (أع12:4) . وهنا يتبين لنا أن اسم ” يسوع ” هو أسم

 

الرب يسوع المسيح بعد التجسد ، اسم الإله المتجسد ، المسيح الواحد بلاهوته وناسوته .

  واسم يسوع ، أيضا ، هو محور العلاقة بين الله والناس ، ومحور العبادة وأرتبط به كل ما أرتبط باسم الله يهوه في القديم . وصار أسم يسوع أسماً ” فوق كل أسم ” فهو الذي تسجد له كل الخليقة ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ” (في10:2،11) . واسم يسوع ، كما يقول الكتاب ” فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضا ” (أف21:1،22) .

  واسم يسوع وُصف في الكتاب بالاسم السامي الذي يفوق كل أسم والذي هو فوق كل أسم ، وبرغم تجسده واتخاذه صورة العبد إلا أنه ” جلس في يمين العظمة في الأعالي صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث أسماً أفضل منهم ” ، وهو الذي ، كما يقول الكتاب ، ” تسجد له كل ملائكة الله ” (عب7:1،8) ، لأن الفرق بين الملائكة وبين يسوع هو الفرق بين المخلوق والخالق ، كما يقول الكتاب أيضا ” وعن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار . وأما عن الابن (يسوع) يقول كرسيك يا الله إلى دهر الدهور ” (عب7:1،8) ، هو أعظم من الملائكة لأنه خالق الملائكة ورب العرش ، الله الجالس على العرش ، لذلك فأسمه أفضل من أي أسم . أنه الغنى الذي أتخذ فقرنا ” أفتقر وهو غنى ” (كو29:8) .

  وقد كان ” أسم يسوع ” وسيظل الاسم الذي له المجد والعظمة كما يقول الكتاب ” لكي يتمجد أسم ربنا يسوع المسيح فيكم وأنتم فيه بنعمة إلهنا والرب يسوع المسيح ” (2تس12:1) ، ” وكان أسم الرب يسوع يتعظم ” (أع10:19) ، وما أروع هذا النشيد الذي تغنت به الكنيسة في عصرها الأول مترنمة بالروح القدس :

  ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاساً لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله وأعطاه أسماً فوق كل أسم لكي

 

تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب ” (في5:2-11) .

  أسم يسوع هو الاسم الذي يفوق كل أسم ، المسجود له من جميع الخلائق ، رأس كل شيء والخاضع تحت قدميه كل شيء ، وهو أيضاً الذي يرسل الملائكة والأنبياء والرسل والمبشرين للإعلان عنه والبشارة والكرازة باسمه وبتعاليمه ووصاياه في كل المسكونة  ، يقول في سفر الرؤيا ؛ ” أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس ” (رؤ16:22) ، وقال لتلاميذه ” أذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ” (مت16:28) ، “وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض ” (أع8:1) . وقال عنه الكتاب :

” الذي نزل هو الذي صعد فوق جميع السموات لكي يملأ الكل . وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا والبعض مبشرين والبعض رعاه والبعض معلمين ” (أف10:4،11) .

  ويقول القديس بولس بالروح ” وكل ما عملتم بقول أو فعل فأعملوا الكل باسم الرب يسوع المسيح ” (كو17:3) . وفيما يلي بعض الآيات التي تؤكد أن كل ما كان يفعله الرسل ويقولونه كان باسم ” الرب يسوع ” :

† ” فقال لهم بطرس توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس ” (أع38:2) .

† ” فقال بطرس ليس لي فضة ولا ذهب ولكن الذي لي فإياه أعطيك باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش ” (أع6:3) .

† ” فليكن معلوما عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل انه باسم يسوع المسيح الناصري 000 وقف هذا أمامكم صحيحا ” (أع10:4) .

† ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ” (في10:2) .

 

  وفي كل الأحوال فقد كان اسم يسوع هو اسم المسيح الواحد والرب الواحد والذي لا يميز فيه بين كونه ابن الله وابن الإنسان ، وكونه الإله المتجسد الذي له كل ما للاهوت وكل ما للناسوت ، الكامل في لاهوته والكامل أيضا في ناسوته ، إنما في كل الأحوال هو هو المسيح الواحد ، يسوع المسيح ربنا ، الرب يسوع المسيح .

  والمسيح أيضا لقبه بعد التجسد ، ولكن لقب المسيح مرتبط بكونه ابن الله :

† ” فأجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحي ” (مت16:16) .

† ” فأجاب رئيس الكهنة وقال له استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله ” (مت63:26) .

† ” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ” (مر1:1) .

† ” وكانت شياطين أيضا تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول أنت المسيح ابن الله فانتهرهم ولم يدعهم يتكلمون لأنهم عرفوه انه المسيح ” (لو41:4) .

† ” ونحن قد آمّنا وعرفنا انك أنت المسيح ابن الله الحي ” (يو69:6) .

† ” قالت له نعم يا سيد أنا قد آمنت انك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم ” (يو27:11) .

† ” وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه ” (يو31:20) .

  فالكتاب ينسب ما يخص لاهوته لناسوته وما يخص ناسوته للاهوته على السواء لأنه الإله الواحد والرب الواحد والمخلص الواحد والمسيح الواحد ، يسوع المسيح ابن الله الحي ، أنه الواحد الذي مات على الصليب ، وأن كان قد مات كإنسان فالكتاب ينسب ما يخص ناسوته لشخصه الواحد بلاهوته وناسوته .

 والكتاب ملئ بالآيات التي تنسب له الألم والموت في الوقت الذي تدعوه فيها ابن الله ، والآيات التي تنسب له أعمال الله وصفاته في الوقت التي تدعوه ابن الإنسان :

† قال هو نفسه ؛ ” أنا هو الأول والأخر ، الحي وكنت ميتا وها أنا حي إلى أبد الآبدين ” (رؤ11:1) . والأول والأخر هو الله ، الأزلي الأبدي ؛ الذي بلا بداية وبلا

نهاية ؛ الحي إلى أبد الآبدين ؛ ولكن الله لا يموت ومع هذا يقول عن نفسه ؛ ” وكنت ميتا ” ، والموت من طبيعة وخواص الناسوت ، الجسد ، فهل يتكلم كاثنين ؟ كلا ، فهو يقول ؛ ” أنا كنت “، ” أنا ” بضمير مفرد وفعل المفرد . أنه ينسب ما للاهوت للناسوت وما للناسوت للاهوت ، والناسوت ناسوته ، وهو المسيح الواحد . 

† قال القديس بولس ؛ ” لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد ” (1كو8:2) .

† وقال أيضا  ” لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه ” (أع28:20) .

  أنه يقول أن المصلوب هو رب المجد ذاته الذي لو عرف اليهود حقيقته وأنه ” رب المجد ” لما صلبوه ، ويقول أيضا أن الذي سفك دمه هو الله علما بأن رب  المجد الله لا يمكن أن يصلب ويسفك دمه ويموت . فالله روح بسيط (يو24:4) ، ونور وساكن في نور ” الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه ” (1تي16:6) ، فهو غير مدرك بالحواس ، والروح كما يقول الرب يسوع المسيح ” ليس له لحم وعظام ” (لو39:24) ، وبالتالي ليس له دم ، فهو غير مركب .

  كما أنه أزلي أبدى ، لا بداية له ولا نهاية ، حي إلى الأبد ولا يموت . ومع ذلك نسب له الموت وسفك الدم ! وهذا ما يختص به ناسوته فقط لكنه نسب ما يخص الناسوت للاهوت لوحدانية المسيح الواحد .

  أنه لا يموت ولا يسفك الدم باعتباره الله ولكنه سفك دمه ومات كإنسان ، ولم يقل الكتاب ” لأن لو عرفوا لما صلبوا جسد المسيح ” ، إنما ” صلبوا رب المجد ” ولم يقل كنيسة الله التي اقتناها بدم ناسوته ، جسده الذي أتخذه ، وإنما ” كنيسة الله التي اشتراها (الله) بدمه ” . فالناسوت ، الجسد ، هو الذي حل فيه اللاهوت بكل ملئه ” فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9:2) ، اتخذه وظهر به على الأرض ” ظهر في الجسد ” (1تي16:3) ، في ملء الزمان ، فصار ناسوته ، جسده ، ونسب كل ما له لشخصه الواحد ، الإله الواحد والرب الواحد والمعلم الواحد والمسيح الواحد ، الإله المتجسد الذي له كل صفات وخواص اللاهوت وكل صفات وخواص الناسوت !

ابن الله وابن الإنسان ! الآتي من فوق والمولود من العذراء ! الأبدي الأزلي ، والمولود في ملء الزمان ! الذي بلا بداية وبلا نهاية ، والذي بدأ بظهوره على الأرض في ملء الزمان ، في بداية محددة هي بداية تجسده في بطن العذراء !  الحي الأبدي الذي لا يموت والذي مات على الصليب !

† طلب فيليس تلميذ المسيح منه أن يرى الآب قائلا : ” يا سيد أرنا الآب وكفانا ” قال له ” أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الآب ، فكيف تقول أنت أرنا الآب ؟ ” (يو8:14-9) . لقد رأى فيلبس المسيح من جهة ناسوته فقط ، بالجسد ، بالرغم من أنه رأى أعماله الإلهية وعجائبه ومع ذلك طلب أن يرى الآب ، الله الآب ، أراد أن يرى اللاهوت غير المرئي ، في جوهره ، ونسي تحذير الله لموسى ” لا تقدر أن ترى وجهي لان الإنسان لا يراني ويعيش ” (خر20:33) ، وتأكيد القديس يوحنا بالروح ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر ” (يو18:1) ، ” الله لم ينظره أحد ” (1يو12:4) ، وأن الرب يسوع المسيح   هو وحده المعلن لذات الآب لأنه ” صورة الله غير المنظور ” (كو15:1) ، ” بهاء مجده وصورة جوهرة ” (عب3:1) ، ومع ذلك وبخه الرب يسوع المسيح بقوله ” أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس ؟ الذي رآني فقد رأى  الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب ؟ ” (يو9:14) ، وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله ” الله ظهر في الجسد ” . لقد رأى فيلبس الرب يسوع المسيح بناسوته ، في إنسانيته ، ولم يدرك أن اللاهوت حال في الناسوت ، محتجب في الناسوت ، كما أن لاهوت الآب والابن واحد ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) و ” أنا في الآب والآب في ” (يو10:14) .

  وهنا لم يفصل الرب يسوع المسيح بين لاهوته وناسوته ، بل لام فيلبس لأنه طلب رؤية الآب . ومع أنه لم يرى سوى الناسوت الظاهر ولكن الرب يسوع المسيح لامه لأنه هو الله الظاهر في الجسد ، ” الله ظهر في الجسد ” .  لم يقل له أنا معكم زمانا بناسوتى أو ظاهرا كإنسان ، إنما قال ” من رآني فقد رأى الآب ، وهو هنا لم يتكلم عن نفسه كاثنين بل كمسيح واحد واله واحد . أنه واحد مع الآب بلاهوته لكنه

قال أنه ، المسيح المتكلم مع فيلبس ، والذي رأوه مده طويلة ، الإله المتجسد ، واحد مع الآب وهو في الآب والآب فيه أي نسب ما يخص لاهوته لناسوته لأنه المسيح الواحد .

† قال لنيقوديموس ؛ ” وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) ، فهو يقول أنه موجود في السماء وعلى الأرض في وقت واحد ، هو الذي يملا الكل بلاهوته ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب ” (ار24:23) ، يقول ذلك في الوقت الذي كان جالسا فيه يتحدث مع نيقوديموس كإنسان ، وكإنسان كان محدود بالمكان والزمان والأبعاد ، أنه لم يقل أنه موجود في السماء وعلى الأرض ومالئ الكل بلاهوته غير المحدود وإنما قال ” ابن الإنسان الذي هو في السماء ” وابن الإنسان لقبه بعد التجسد . فهو المسيح الواحد الذي لم يفصل قط بين لاهوته وناسوته .

† وقال لرؤساء اليهود ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (أكون) (يو58:8) ، ولم يقبل رؤساء اليهود قوله هذا واعتبروه من قبيل التجديف على الله ، فكيف يقول لهم أنه كائن قبل إبراهيم ، وقد فهموا أنه يقصد أنه الله ، ولذلك لما قال هذا حاولوا أن يرجموه كمجدف لأنهم لم يروا فيه سوى ابن مريم الذي من الناصرة (يو59:8-60؛ مر6:3) .

  وهو هنا يقول أنه ” كائن – يكون ” ، كان موجودا قبل إبراهيم فهو الأبدي الأزلي ، الذي بلا بداية وبلا نهاية ، الموجود دائما . ومع أنه بحسب الجسد لم يكن له سوى حوالي 33 سنه إلا أنه الأبدي الأزلي بحسب اللاهوت . ولم يقل أبدا ” أنا كائن قبل إبراهيم بلاهوتي ، أو قبل التجسد ، بل قال أنا ، وأنا هنا ” يسوع المسيح ” الإله المتجسد “أنا ” بلاهوته وناسوته دون انفصال أو تفرقه .

  كما خاطب الآب بهذا الأسلوب وهذه الصيغة دون تفريق بين اللاهوت والناسوت قائلا ؛ ” مجدني أنت أيها الآب بالمجد الذي كان لي عند ذاتك قبل كون العالم ” (يو5:17) . ” لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم ” (يو24:17) .

 

  أن ما يتحدث عنه الرب يسوع المسيح يرجع كينونته قبل الخليقة ، إلى ما قبل تكوين العالم ، إلى الأزل السحيق ، اللابداية ، ومع ذلك يستخدم ضمير المتكلم المفرد لأنه الإله المتجسد الذي يجمع في ذاته للاهوت والناسوت .

  إذا فالمسيح هو الله وهو أيضا إنسان ، ابن الله وابن مريم وابن داود وثمرة صلبه (أع30:21) ، وابن إبراهيم ونسله الموعود (أع25:3) ، هو الإله المتجسد الذي يجمع في أقنومه وذاته اللاهوت والناسوت ، فهو كلمة الله وحكمة وقوة الله ، الله معنا وهذه حقيقة لاهوته . وهو أيضا ابن الإنسان وهذه حقيقة ناسوته المتحد بلاهوته ، أي أنه كإله هو الله ذاته ، كلمه الله وصورة جوهره ، وكإنسان فهو ابن مريم المولود من أحشائها وهو ثمرة بطنها (لو42:1) .

† ويقول الكتاب بالروح ؛ أنه ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاسا لكنه أخلي نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبه ممن في السماء ومن على الارض  ومن تحت الأرض ” (في5:2-10) .

  من هذا النص يتضح أنه “صورة الله غير المنظور ” (في6:2) و ” المساوي لله ” ، ” بهاء مجده ورسم جوهره ” ، هو الله لأن الله غير محدود ولا يسع الكون غيره لذا لا يساويه سوى ذاته . وصورة الله هو الله ، ومع ذلك تنازل وتجسد واخذ صورة العبد وهيئة الإنسان واجتاز الموت ثم رفُع في المجد وصار أعلى من السموات (عب26:7) ، وهو الذي تسجد له كل الخليقة في كل الكون ” ممن في السماء ومن على الارض  ومن تحت الأرض “ . أنه هو ذاته الله المعبود ولكنه اجتاز الموت بعد التجسد وقام من الأموات ، والله لا يموت وإنما الجسد الذي اتخذه هو الذي مات ، مات كإنسان ، ثم رفع في المجد كإنسان ، مع أنه الله العلي ، ومع ذلك لم يفصل الكتاب بين كونه الله وكونه صار في صورة العبد فقال وضع نفسه وأطاع حتى الموت ، ثم رُفع ولم يقل الكتاب أن الموت والرفع هما من خصائص الناسوت

 

وليس اللاهوت ولكنه نسب ما للناسوت للاهوت لوحدانية المسيح الواحد .

† قال يوحنا الإنجيلي بالروح : ” هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو16:3) .

† وقال القديس بولس بالروح : ” إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيرا ونحن مصالحون نخلص بحياته (رو10:5) .

  وفي كلتا الحالتين يقول الكتاب أن ابن الله ، بذل ذاته على الصليب ا، لابن هو الله الكلمة ، الذي هو واحد مع الآب في الجوهر ، والآب والابن واحد ” أنا والآب واحد ” اله واحد ، الآب هو الله والابن هو الله وطبعا الذي  مات على الصليب هو المسيح ، كإنسان ، بناسوته ، يقول الكتاب ” مماتا في الجسد ” (1بط18:3) ، ” تألم المسيح لأجلنا في الجسد ” (1بط1:4) ، ومع ذلك قال أن الذي بذل ذاته ومات هو ابن الله الوحيد دون تفرقه بين اللاهوت والناسوت أي نسب ما للناسوت للاهوت لوحدانية المسيح الواحد.                   

† يقول الكتاب أيضا ” يسوع المسيح هو هو امسا واليوم وإلى الأبد ” (عب7:13) ، وقوله ” امسا ” يعني منذ الأزل و” اليوم ” يعني الحاضر و” إلى الأبد ” يعنى إلى ما لا نهاية ، فهو الأزلي الأبدي ، الذي بلا بداية وبلا نهاية . وقوله ” هو هو ” يؤكد عدم التغير ، و ” يسوع ” ، كما قلنا ، هو اسمه بعد التجسد وكذلك ” المسيح ” لقبه بعد التجسد ، والوجود الدائم من صفات الله ، اللاهوت ومع ذلك يصر الكتاب ” هو هو ” تأكيد على وحدانية المسيح ، وحدانية أقنوم كلمة الله المتجسد .

† ” قال الرب يسوع المسيح ؛ ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) ، وقال أيضا ” أبى اعظم منى ”  (يو28:14) .

  والواحد مع الآب تعنى أنه واحد مع الآب في الذات والجوهر والطبيعة وأن كل ما هو للآب هو للابن ، كما قال هو ؛ ” كل ما للآب هو لي ” (يو15:16) ، وأنه متساوي مع الآب ، فالابن حتما يساوى أبيه في الطبيعة والجوهر وهذا ما فهمه اليهود عندما دعا نفسه ” ابن الله ” فقالوا ؛ ” قال أن الله أبوه مساويا نفسه بالله

” (يو18:5) . وهذا ما أعلنه الوحي أيضا : ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساويا لله ” (في6:2) ، ولذا نقول في كل صلاة مساوي للآب في الجوهر (قانون الإيمان) ، أنه الله ذاته ، ولا يساوى الله سوى الله . أنه صورة الله غير المنظور ، بهاء مجده ورسم جوهره (عب3:1) ، حكمة الله وقوة الله (1كو34:1) ، لكنه قال : ” أبى اعظم مني ” ، حقا أن الآب واحد مع الابن في الجوهر وأن الابن مساوي للآب في الجوهر ، ولكن لأن الابن أخلي نفسه 000 وضع نفسه (في7:2) ، افتقر وهو غني (2كو8:9) ، ومن اجل تنازله وإخلاء نفسه وتواضعه صار الآب اعظم منه بالتجسد ، لكنه لم يقل ” أنا والآب واحد بلاهوتي ” ولا أبى اعظم من ناسوتي ، أو اعظم مني بحسب الناسوت ، بل قال ” أنا والآب واحد ” ، و ” أبى اعظم مني ” ، ناسبا ما للاهوت للناسوت وما للناسوت للاهوت لأنه مسيح واحد ، رب واحد ، ابن واحد ، اقنوم واحد ، الإله المتجسد .

† بدأ القديس متى الإنجيل الذي دونه بالروح القدس قائلا ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ” (مت1:1) ، وبدأ القديس مرقس الإنجيل الذي دونه بالروح قائلا ” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ” (مر1:1) .

  وكلاهما كانا يتكلمان عن مسيح واحد هو ابن الله وابن الإنسان ، وكلاهما نقلا عن السيد المسيح تلقيبه لنفسه بهذين اللقبين مرات عديدة وعلي سبيل المثال فقد سجل القديس متي لقب ” ابن الله ” حولي 9 مرات(2) ، كما سجل القديس مرقس لقب ” ابن الإنسان ” حوالي 14 مرة(3) .

  وكما قال الكتاب أن ابن الله بذل ذاته ومات وأن رب المجد صلب وأن الله سفك دمه علي الصليب ، قال أيضا أن ابن الإنسان هو الرب والديان وغافر الخطايا كما أنه الحي والذي له الحياة في ذاته ، بل في معظم المرات التي ذكر فيها لقب ” ابن الإنسان ” كان يظهر مرتبطا بصفة من صفات اللاهوت :

† فهو غافر الخطايا ” ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا ” (مت6:9) ، ولا يغفر الخطايا إلا الله وحده (لم21:5) .

† وهو الرب ، رب السبت ” فان ابن الإنسان هو رب السبت أيضا ” (مت8:12) .

† ورب الملائكة ” يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم ” (مت41:13) .

† وهو الذي له المجد والديان الذي يدين المسكونة بالعدل (أع31:17) ؛  ” فان ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله ” (مت27:16) .

† رب الملكوت ” الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته ” (مت28:16) .

† والمخلص ” لان ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك ” (مت11:18) .

† والديان الجالس على عرش المجد ” فقال لهم يسوع الحق أقول لكم أنكم انتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون انتم أيضا على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الأثنى عشر ” (مت28:19) .

† والآتي على السحاب ” لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان ” (مت27:24) .

† الآتي على السحاب بقوة ومجد ” وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير ” (مت30:24) .

† ” ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس

على كرسي مجده ” (مت31:25) .

† والجالس عن يمين العظمة في السماء ” منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسا عن يمين قوة الله ” (لو69:22) .

† ورب الملائكة ” وقال له الحق الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة

– 55 –

وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان ” (يو51:1) .

† والكائن في السماء وعلى الأرض في آن واحد ” وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) .

† وصاحب السلطان الديان ” وأعطاه سلطانا أن يدين أيضا لأنه ابن الإنسان ” (يو27:5) .

† وهو معطي الحياة الأبدية ” اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لان هذا الله الآب قد ختمه ” (يو27:6) .

† النازل من السماء ” فان رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا ” (يو62:6).

† وهو الكائن ” فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو ” (يو28:8) .

† والذي له المجد ” وأما يسوع فأجابهما قائلا قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان ” (يو23:12) .

† والمرتفع ” فأجابه الجمع نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد فكيف تقول أنت انه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان من هو هذا ابن الإنسان ” (يو34:12) .

† ” فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه ” (يو31:13) .

† والجالس عين يمين الله الآب ” فقال ها أنا انظر السموات مفتوحة وابن الإنسان قائما عن يمين الله ” (أع56:7) .

  من الآيات السابقة نري الرب يسوع يتكلم عن نفسه كابن الإنسان الآتي من السماء والذي هو في السماء في آن واحد ، وعن مجيئه الثاني على سحاب السماء وكونه الديان في يوم الدينونة ، ملك يوم الدين الذي ” يرسل 000 ملائكته ” ، فأن الابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله “ ، ” لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان 000 تظهر علامة ابن الإنسان في السماء 000

ويبصرون ابن الإنسان آتيا علي سحاب السماء بقوة ومجد كثير . فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الرياح الأربع من اقصاء المسكونة إلى أقصاها ” .

  قال أنه سيأتي بمجد ومع ملائكته وسيجمعون مختاريه من اقصاء المسكونة والجميع سيرونه آتيا علي السحاب . وكل هذه الصفات هي صفات اللاهوت وليست صفات الناسوت ، فهو رب المجد ورب الملائكة كما أنه رب الخليقة كلها وديانها ، ملك يوم الدين ، ومع ذلك نسب صفات اللاهوت للناسوت وقال ” ابن الإنسان آتيا في ملكوته ” ، فهو الملك السمائي والأرضي ، ملك الملوك ، ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ16:19) . أنه رب العالمين وملك الملوك وملك يوم الدين (رؤ21:20) .

  وعندما سأل الرب يسوع المسيح تلاميذه قائلا : ” من يقول الناس أنى أنا ابن الإنسان ؟ ” (مت13:16) ، وجاءت الإجابة علي لسان بطرس بالروح : ” أنت  المسيح ابن الله الحي ” (مت16:16) ، مدحه يسوع قائلا : ” طوبي لك يا سمعان بن يونا أن لحما ودما لم يعلن لك ولكن أبي الذي في السموات ” (مت17:16) .

  وكما قلنا أن ابن الله يساوي الله فالابن يساوي أباه في الجوهر والطبيعة ، فهو الحي ، الأبدي الأزلي ، الذي بلا بداية وبلا نهاية ، ومع هذا نسب هذه المساواة لنفسه كابن الإنسان ! فقد كان سؤاله عن ابن الإنسان .

  كما قال ” أن لابن الإنسان سلطاناً أن يغفر الخطايا علي الأرض ” (لو24:5) ، ولا يغفر الخطايا إلا الله وحده (مر7:2) ، وأيضا ” لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضا أن تكون له الحياة في ذاته ” (يو26:5) ، والابن هنا هو ابن الإنسان ” ,أعطاه سلطانا أن يدين أيضا لأنه ابن الإنسان ” (27:5) ، فالآب حي بذاته لأن الله حي ، والابن أيضا هو الحي ومعطي الحياة ” فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس ” (يو4:1) ، والرب يسوع المسيح يقول أنه الحي الديان ” كابن الإنسان ” وهذا لأنه مسيح واحد ، الإله المتجسد عمانوئيل الله معنا .

 

 وقال أيضا ” فأن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى  حيث كان أولا ” (يو62:6) ، وهو لم يأت بناسوته من السماء إنما أخذه من العذراء ، ولكنه بلاهوته نزل من السماء ، فنسب لناسوته ما يخص لاهوته .

  ومما ذكر يتضح أن الكتاب لم يتكلم عن مسيحين أو اثنين في شخص المسيح وإنما تكلم فقط عن مسيح واحد له صفات وخواص اللاهوت وصفات وخواص الناسوت ، تكلم عنه كإنسان كما تكلم عنه كإله ، لقب بألقاب الإنسان وقام بأعمال  الله وأيضا بأعمال الإنسان . لكن لم يقل الكتاب مطلقا بمسيحين مسيح اله ومسيح إنسان بل مسيح واحد هو اله وفي نفس الوقت إنسان ” يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ” (1تي5:2) .

 

 

 

 

(1) أنظر الفصل السادس .

(2) مت3:4،6؛29:8؛33:14؛16:16؛63:26؛40:27،43،45 .

(3) مر10:2،28،31،38؛9:9،12،31؛33:10،45؛26:26؛14:21،41،16 .

 

 

مسيح واحد أم اثنان؟ – سر التجسد

أباء الكنيسة وتعبير “صار جسدا” – سر التجسد

أباء الكنيسة وتعبير “صار جسدا” – سر التجسد

 

أباء الكنيسة وتعبير “صار جسدا” – سر التجسد

 

 

الفصل الرابع

أباء الكنيسة وتعبير “صار جسدا”

 

منذ فجر المسيحية والكنيسة تؤكد عدم التحول أو التغير في ذات الله وأن الرب يسوع المسيح هو الإله المتجسد، الله الظاهر في الجسد، عمانوئيل، الإله القدير، الأزلي الأبدي، المولود من نسل إبراهيم وأسحق ويعقوب وداود بحسب الجسد مع أنه الكائن على الكل الله المبارك إلى الأبد (رو5:9)، وأنه ظهر في الجسد باتخاذه جسداً من لحم ودم وعظام وروح ونفس في أحشاء القديسة مريم العذراء. وهذا ما سجله كل من القديس لوقا والقديس متى بالتفصيل بالروح القدس في الإنجيل (مت1،2؛لو1،2)، وما أكده، أيضا، كل من القديس مرقس والقديس يوحنا بإعلانهما بالروح القدس أمومة العذراء القديسة مريم له، سواء في تعاملها معه وتعامله معها (يو2؛ مر31:3؛3:6)، أو عند الصليب (يو25:19ـ27)، وهذا أيضا ما سجله بقية الرسل في رسائلهم بالروح القدس ؛ فالقديس يوحنا يقول بالروح القدس ” والكلمة صار جسدا ” (يو14:1)، ويقول أيضا أنه ” جاء في الجسد ” (1يو2:4) و” آتيا في الجسد ” (2يو7). والقديس بولس الرسول أكد مرات عديدة حقيقة تجسد الرب باتخاذه جسدا كقوله ” ومنهم المسيح حسب الجسد ” (رو5:9) و” الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3).

وكذلك القديس بطرس بقوله بالروح: ” فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد ” (1بط1:4) و ” سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله إلى الذين نالوا معنا إيمانا ثمينا مساويا لنا ببر إلهنا والمخلص يسوع المسيح ” (2بط1:1)، فهو، هنا، يعلن أنه إلهنا ومخلصنا ” وعند الحديث عن آلامه يبين أنه ” تألم بالجسد ” كما قال أيضامماتا في الجسد ” (1بط18:3).

وقد تعلم أباء الكنيسة، من تلاميذ رسل الرب يسوع المسيح وخلفائهم، الذين تعلموا علي أيدي الرسل، بما استلموه من الرسل أنفسهم، سواء المدون في العهد الجديد مع شهادة العهد القديم أو ما تسلموه شفاهه ونادوا به في كل مكان. وهذه شهادتهم وتعليمهم في القرون الأولى للمسيحية:

+ قال القديس أعناطيوس الإنطاكي تلميذ القديس بطرس الرسول:

” المسيح يسوع الذي من نسل داود (بالجسد) (رو3:1) والمولود من مريم: الذي ولد حقا وأكل حقا 000 ” (ترالس:9).

ثم يقول أنه ” يوجد طبيب واحد، هو في الوقت نفسه روح وجسد (إي إله وإنسان)، مولود وغير مولود. الله صار جسدا، حياة حقيقية في الموت (أي التجسد) من مريم ومن الله، كان قابلاً للألم وهو الآن غير قابل للألم. يسوع المسيح ربنا ” (أفسس2:7).

وأيضا ” إيمان واحد بيسوع المسيح الذي من نسل داود بحسب الجسد ؛ ابن الإنسان وابن الله ” (أفسس 2:20).

ثم قال بأكثر وضوح: ” نؤمن هكذا أنه اخذ إنسانا كاملا من مريم العذراء والده الإله ومن الروح القدس ” ودعاه جسده ” الجسد الذي بناه الله من جسم ودم العذراء ” (لاهوت).

” المسيح الذي هو حقيقة من نسل داود بالجسد (رو3:1) وابن بمشيئة وقوة الله، وولد حقا من مريم العذراء وأعتمد من يوحنا المعمدان لتتم به كل عدالة “(ازمير 1:1).

+ وقال القديس بوليكاريوس تلميذ القديس يوحنا الرسول:

” كل من لا يعترف بأن يسوع المسيح قد جاء في الجسد هو ضد المسيح “(1).

وهو هنا يستخدم نفس تعبير القديس (1يو2:4) يوحنا لأنه تلميذه.

+ وقال ارستيدس الاثيني (حوالي 140م):

” يرجع إيمان المسيحيين إلى الرب يسوع المسيح الذي نزل من السماء بالروح القدس لخلاص البشرية وهو ابن الله العلي وقد وولد من عذراء قديسة بدون زرع بشر وأتخذ جسدا بغير فساد ” (2).

+ وقال ميليتو أسقف ساردس (حوالي 171م):

” تبرهن أعمال المسيح بعد معموديته أن روحه وجسده، طبيعته الإنسانية، كانا مثل طبيعتنا 000 وتوضح أعماله بعد معموديته، خاصة معجزاته، للعالم بكل تأكيد اللاهوت المحتجب في جسده، ولكونه الله ولكونه أيضا إنساناً تاماً (كامل في ناسوته) فقد قدم إيضاحاً إيجابياً لطبيعته (حرفيا طبيعتيه ؛ اللاهوت والناسوت): أوضح لاهوته عن طريق معجزاته التي صنعها في السنوات الثلاث التالية لمعموديته، التي أتممها لكونه في الجسد، فقد حجب لاهوته بالرغم من أنه الإله الحقيقي الموجود قبل كل الدهور “(3) .

+ وقال ايريناؤس أسقف ليون وخليفة تلاميذ الرسل:

” لكي يجدد الإنسان في نفسه، صار غير المرئي مرئياً وغير المدرك صار مدركاً والغير المتألم صار خاضعاً للألم. الكلمة صار إنساناً ليجدد كل شيء في ذاته “(4).

” وعندما جاء المسيح إلى عالمنا لخلاصنا أخذ جسدا حقيقيا كأجسادنا لأن الرسول يقول الكلمة صار جسدا “(5).

+ وقال اطيفوس تلميذ الرسل وبطريرك القسطنطينية علي الميلاد:

” كلمة الله أتضع وهو غير المتضع في جوهره، أتضع بإرادته ولبس صورة العبد، الذي بلا جسد لبس جسدا من أجلك أيها الإنسان. الكلمة الذي تجسد، غير الملموس بجوهر لاهوته لُمس من أجلك أيها الإنسان الذي ليس له ابتداء بلاهوته لبس جسدا. الغير متغير تجسد بالجسد المتغير ” (اعتراف الآباء).

+ وقال ترتليان (حوالي 155م):

” نزل بهاء مجد الله (عب1:3)، كما سبق أن تنبأ الأنبياء في القديم، إلى عذراء وكون جسدا في رحمها، وولد متحداً كإله وإنسان، تشكل الجسد بالروح القدس، تغذى ونما إلى الرجولة، تحدث وعلم وعمل، هذا هو المسيح “(6).

” دعي الكلمة ابنه (ابن الله) وظهر في أوقات مختلفة للبطاركة باسم الله، وكان الأنبياء يسمعونه دائما، وأخيرا نزل من الروح القدس وبقوة الله الآب إلى مريم العذراء وصار جسدا في أحشائها، وولد منها(7) .

+ قال اكليمندس الإسكندري (150ـ 215م).

” بعملية التجسد اصبح الابن منظورا ومدركا في حيز الأشياء التي نراها وندركها بحواسنا “(8).

+ قال يوستينوس الشهيد (ولد حوالي 100م):

” الكلمة (logos ـ λόγος )، هو نفسه أتخذ شكلا وصار إنسانا ودعي يسوع المسيح “(9).

” أنه كان موجودا سابقا كابن خالق كل شيء، لكونه الله، وأنه وُلد كإنسان بواسطة العذراء 000 كان موجودا سابقا وخضع لمشيئة الآب ليولد كإنسان مثلنا “(10).

” لقد صار المسيح إنسانا بواسطة العذراء ليزهق العصيان الذي أنبثق عن الحية بالطريقة نفسها “(11).

+ قال اوريجانوس (185ـ 253م):

” يسوع المسيح نفسه الذي جاء (إلى العالم) 000 جرد نفسه (من مجده) وصار إنسانا وتجسد برغم من أنه الله وبينما صار إنسانا بقي كما هو إله، لقد اتخذ جسدا مثل أجسادنا 000 ولد من العذراء ومن الروح القدس “(12).

+ وقال العلامة هيبوليتوس (استشهد عام 235م) في تفسير أمثال 9: 1 ” الحكمة بنت بيتها “:

” أنه يقصد أن المسيح حكمه الله الأب وقوته (1كو24:1) بني بيته أي طبيعته الجسدية التي اتخذها من العذراء كما قال (يوحنا) من قبل ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ” ثم قال في تفسير ” مزجت خمرها ” ” أن المخلص وحد لاهوته، مثل الخمر النقي، مع الجسد في العذراء وولد منها إله وإنسان في أن واحد(13).

+ وقال القديس اثناسيوس الرسولي (296ـ 373م):

” لكنه اخذ جسدا من جنسنا، وليس ذلك فحسب، بل من عذراء طاهرة بلا لوم 000 لأنه وهو القادر علي كل شئ وبارئ كل شئ أعد الجسد في العذراء كهيكل له، وجعله جسده بالذات، واتخذه أداة له وفيه أعلن ذاته، وفيه حل(14).

 ” صار” تخص الجسد، وفعلا ” صار” الجسد خاصا بالكلمة وليس خاصا بإنسان، فالله تأنس، ولذلك قيل أنه ” صار جسدا ” حتى لا يخطئ أحد في فهم حقيقة التجسد، ويغفل اسم الجسد ” 000 هذا الاتحاد الطبيعي بين الكلمة والجسد الذي صار جسدا خاصا به وفيه حل “(15).

وقال أيضاً: ” التعبير: ” صار جسدا “، يبدو كأنه متوازي مع ما قيل عنه ” جُعل خطية، ولعنة ” (2كو21:15)، ليس لأن الرب تحول إلى ذلك ـ لأنه كيف هذا؟ بل لأنه قبل هذا عندما اخذ إثمنا وتحمل ضعفنا (اش4:53) “*.

+ وقال القديس كيرلس الإسكندري متسائلا ” كيف تفسر ” الكلمة صار جسدا ؟ “:

ثم أجاب قائلا: ” يبشرنا بولس الحكيم جدا ووكيل أسراره وكاهن الإنجيل ” فليكن فيكم الفكر الذي كان في المسيح يسوع أيضا الذي إذ كان في صورة الله صار في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان تواضع وأطاع حتى الموت موت الصليب ” (في5:2ـ7).

” فالكلمة الابن الوحيد الإله الذي ولد من الله الأب الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره (عب3:1) هو الذي صار جسدا، دون أن يتحول إلى جسد، أي بلا امتزاج أو اختلاط أو أي شئ آخر من هذا القبيل بل ” أخلي ذاته ” وجاء إلى فقرنا، ومن اجل الفرح الموضوع أمامه، استهان بالعار (عب2:12) دون أن يحتقر فقر الطبيعة الإنسانية لأنه أراد كإله أن يخلص الإنسان الخاضع للموت والخطية وأن يعيده إلى ما كان عليه في البدء، فجعل جسد البشر جسده ونفس إنسانية عاقلة 000 فولد كإنسان بطريقة إعجازية من امرأة، لأنه لم يكن ممكنا بأمره أن نري الله علي الأرض في شكله غير المنظور لأن الله لا يري فهو غير مرئي، وطبيعته غير محسوسة، لكن حسن في عينيه أن يتجسد وأن يظهر في ذاته كيف يمكن أن تتمجد طبيعتنا بكل أمجاد اللاهوت، لأنه هو نفسه إله، وإنسان ” في شبه الناس ” ولأنه أصلا إله قيل عنه أنه ” صار في شبه الناس “. فالله الذي ظهر في شكلنا وصار في صورة العبد، هو الرب وهذا ما نعنيه بأنه صار جسدا ولذلك نؤكد أن العذراء القديسة هي والدة الله “(16).

وقال في تفسيره ليوحنا 1: ” والكلمة صار جسدا “: ” الآن يعلن الإنجيلي التجسد بشكل علني، فهو يؤكد أن الابن الوحيد جاء، ودعي ابن الإنسان. ولهذا السبب بالذات وليس لأجل أي شيء آخر يقول ” الكلمة صار جسدا ” ومعنى هذه الكلمات لا يزيد عن قوله ” الكلمة صار إنسانا “، وتعبير الإنجيلي ” الكلمة صار جسدا ” ليس غريبا ولا بعيدا عن استعمال الأسفار الإلهية لأنها غالبا ما تسمي الإنسان كله ” جسد ” كما جاء في النبي يوئيل ” سأسكب من روحي على كل جسد ” (يوئيل28:2) 000 ولم يقل الإنجيلي أن الكلمة جاء إلى الجسد مثلما فعل في القديم عندما جاء إلى الأنبياء والقديسين، واشتركوا فيه وإنما ما يعنيه الإنجيلي، أنه صار جسدا، أي صار إنسانا ولكنه هو الله بالطبيعة وهو في الجسد، وجعله جسده دون أن يفقد لاهوته. فهذا هو اعتقادنا لأننا نعبده وهو في الجسد 000وحتى لا يتصور أحد بجهل أنه تخلى عن طبيعته، وتحول إلى جسد، وتألم، وبذلك صار قابلا لتغير (مع أن اللاهوت بعيد تماما عن التغيير أو التبديل)، أضاف الإنجيلي الإلهي على الفور ” وسكن فينا “، لكي ندرك أنه يتكلم عن شيئين أولا الساكن، ثم المسكن، لكي لا يفترض أحد بعد ذلك أنه تحول إلى جسد، وإنما سكن في الجسد، واستخدم جسده، الهيكل الذي اتخذه من العذراء القديسة، أو كما يقول بولس ” لأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9:2).

ثم يضيف ” ورأينا مجده، مجد الابن الوحيد للآب، مملوء نعمة وحقا “:

بعد أن قال أن الكلمة صار جسدا، أي صار إنسانا، وبعد أن جعله معنا في الأخوة الخاصة مع الخلائق والعبيد، يعود ويؤكد كرامته الإلهية التي لم تتغير، ويعلنه لنا إلها كاملا، له كل صفات وطبيعة الآب. فالطبيعة الإلهية لها ثباتها الخاص بها، ولا تقبل التغيير إلى ما ليس منها، بل تظل بلا تبديل محتفظة بما لها من صفات. ولأجل ذلك بعد أن قال الإنجيلي ” الكلمة صار جسدا ” عاد وأكد أنه لم يخضع لضعفات الجسد، ولم يفقد قوته ومجده الإلهي، عندما لبس جسد الضعف الذي بلا مجد. فقال ” ورأينا مجده “، الذي يفوق كل مجد، والذي يجعل كل من يراه يعترف أنه مجد الآب الوحيد، ابن الله الآب، المملوء نعمة وحقا “**.

+ يقول اميروسيوس أسقف ميلان في عمله بخصوص الإيمان:

” لقد كتب أن الكلمة صار جسدا، ولا أنكر أن هذا كتب، ولكن أنظر إلى النصوص المستخدمة، إذ يتبع هذا قوله، وحل بيننا، وهذا يعني أنه سكن في جسد بشري 000 أنه يتكلم عن اتخاذه جسدا “.

ونختم هذه الأقوال بقول القديس اثناسيوس الرسولي إلى أبيكتيتوس:

” من أين خرجت هذه الأمور. وأي عالم سفلي تقيأ القول بأن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة ؟ أو بأن الكلمة تحول إلي لحم وعظام وشعر وكل الجسد وتغير عن طبيعته الخاصة ؟ أو من كفر إلى مثل هذه الدرجة حتى يقول وهو في نفس الوقت يعتقد أيضا بأن اللاهوت ذاته الذي من نفس جوهر الأب، قد صار ناقصا خارجا من كامل، والذي سمر علي الخشبة لم يكن هو الجسد بل هو جوهر الحكمة الخالق ذاته ؟ أو من سمع بأن الكلمة حول نفسه جسدا قابلا للتألم، ليس من مريم بل من جوهره الذاتي فهل يمكن أن يدعي مسيحيا من يقول هذا ؟ “(19).

لقد صار الكلمة جسدا، صورة الله اتخذ صورة العبد وصار في الهيئة كإنسان، اتخذ كل مالنا، شابهنا في كل شئ ماعدا الخطية ” لأنه جاء في شبه جسد الخطية ” (رو3:8)، ” مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ” (عب15:4)، ” ظهر في الجسد ” الذي اتخذه من مريم العذراء وحل فيه وبه وصار جسده، جسد الله الكلمة، الكلمة المتجسد، الإله المتجسد.

(1) (رسالته إلى فيلبي 1:7).

(2) Apology 15.

(3) Fragment In Anastasius of Sinai ch. 13. 

(4) Ag. Her. B,3:16,6. 

(5) Ag. Her. b1.436.

(6) Apology 13.

(7) Ag. The Her. 13,1.

(8) Storm v. 39;2.

(9) First Apology 5.

(10) Dialogue With Trypho 48.

(11) آباء الكنيسة د أسد رستم 82.

(12) De Principiis.

(13) Ant. N. F. vol. 3, p174.

(14) تجسد الكلمة 3:8.

(15) تجسد ربنا يسوع المسيح 28.

* الرسالة إلى أبيكتيتوس: 2.

(16) المسيح واحد، مركز دراسة الآباء 20،21.

** شرح إنجيل يوحنا ص 129 – 132.

(19) الرسالة إلى أبكتيتوس:2.

 

أباء الكنيسة وتعبير “صار جسدا” – سر التجسد

كيف صار الكلمة جسدا؟ – سر التجسد

كيف صار الكلمة جسدا؟ – سر التجسد

 

كيف صار الكلمة جسدا؟ – سر التجسد

 

الفصل الثالث

كيف صار الكلمة جسدا؟

 

 س 1 : كيف صار الكلمة جسدا هل تحول اللاهوت إلى ناسوت وتغيرت الطبيعة الإلهية وتبدلت أو استحالت إلى طبيعة ناسوتية ؟ فالكتاب يقول “والكلمة صار جسداً “ويقول عن امرأة لوط أنها نظرت وراءها ” فصارت عمود ملح ” (تك26:19) ، ويقول عن عصاه موسى ” فصارت حية ” (خر3:4) . وقد تحولت امرأة لوط فعلا من لحم ودم وعظام إلى كتلة من الملح وكذلك عصا موسى تحولت من عصاه يابسة جافة إلى حية تدب فيها حياة .

E س 2 : وهل تحول اللاهوت كذلك عن طبيعته إلى ناسوت فترة التجسد والوجود على الأرض ؟

E س 3 : وهل توقف الله عن كونه إلهاً وتوقفت صفاته الإلهية كالقدرة الكلية ، القدرة على كل شيء ، والعلم الكلي ، العلم بكل شيء ، والمعرفة الكلية ، معرفة كل شيء ، والوجود الكلي ، الوجود في كل مكان فيما بين الحمل والقيامة والصعود ؟

E س 4 : وهل عاد إلى طبيعته الإلهية بكونه الله بعد الصعود ؟

& ج : لا يمكن أن نشبه الله بالبشر فالله طبيعته إلهية غير مرئية أو محسوسة أو مدركه بالحواس ، فهو روح ” الله روح ” (يو24:4) ، ” وأما الرب فهو الروح ” (2كو17:3) ، وهو نور ” الله نور وليس فيه ظلمة البتة ” (1يو5:1) ، ” الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن

 

يراه ” (1تي 16:6) ، ” أبي الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران ” (يع17:1) ، ولا يمكن أن يُري ” ملك الدهور الذي لا يفنى ولا يرى الإله الحكيم وحده ” (1تي17:1) ، أو يُحس أو يُدرك ” القدير لا ندركه ” (أي23:37) ، ” هوذا الله عظيم ولا نعرفه وعدد سنيه لا يفحص ” (أي26:36) ، ” عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها ” (مز6:139) ، ” إلى عمق الله تتصل أم إلى نهاية القدير تنتهي ” (أي7:11) ، ” عظيم هو الرب وحميد جدا وليس لعظمته استقصاء ” (مز3:145) ، ” ليس عن فهمه فحص ” (اش28:40) ، ”  يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه ما ابعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء ، لان من عرف فكر الرب أو من صار له مشيرا ، أو من سبق فأعطاه فيكافأ ، لان منه وبه وله كل الأشياء ” (رو33:11-36) . ولا أحد يعرف ماهية طبيعته سوي ذاته فقط ويعلنها بكلمته ، الابن ، صورة الله غير المنظور ، والذي يقول ؛ ” ليس أحد يعرف الابن إلا الأب . ولا أحد يعرف الأب إلا الابن ومن أراد الابن يعلن له ” (مت27:11) .

  والكتاب المقدس يعلن لنا ، أيضا ، أن الله لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل ولا يصير عن كونه إلى شئ آخر ، فالله هو الله ولا يتغير :

† ” أنا الرب لا أتغير ” (ملا6:3) .

V† ” الله ليس عنده تغيير ” (يع17:1) .

† ” إلى الدهر سنوك (يا رب) . من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك . هي تبيد وأنت تبقي وكلها كثوب تبلي . كرداء تغيرهن فتتغير وأنت هو وسنوك لن تنتهي ” (مز24:102-27) .

  كما أن الله لا مثيل له لنشبهه بالمخلوقات أو نمثله بها :

† ” فبمن تشبهون الله وأي شبه تعادلون به ” (اش18:440) .

† ” بمن تشبهونني وتمثلونني لنتشابه ” (اش5:46) .

† ” ليس مثل الله ” (تث26:33) .

† ” أي اله عظيم مثل الله ” (مز13:77) .

– 29 –

† ” ليس مثلي في كل الأرض ” (حز14:14) .

† ” لا مثل لك يارب عظيم أنت ” (ار6:10) .

E س 5 : ولكن ما الذي يمنع أن يكون المسيح قد تغير فعلا بالتجسد ، بمعني أنه إذا كان الله غير متغير فما الدليل علي أن المسيح غير متغير أو متحول أو متبدل ؟

& ج : المسيح باعتباره كلمة الله وعقله النطق وصورة الله وابن الله والإله القدير ، الله الكلمة ، فهو غير متغير أو متحول أو متبدل بطبيعة لاهوته :

† ” يسوع المسيح هو هو امسا واليوم والي الأبد ” (عب7:13) .

  أي أنه كما هو منذ الأزل والي الأبد هو هو لم ولن يتغير فهو الذي قال عن نفسه ” أنا الألف والياء . البداية والنهاية . الأول والأخر ” . (رؤ13:22) . وخاطبه القديس بولس باعتباره الله رب العرش الثابت والذي لا يفني ولا يتغير بنفس النصوص التي خاطب بها داود النبي الله في المزامير قائلاً :

† ” وأما عن الابن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور 000 وأنت يارب في البدء أسست الأرض والسموات هي عمل يديك . هي تبيد ولكن أنت تبقي وكلها كثوب تبلي وكرداء تطويها فتتغير ولكن أنت أنت وسنوك لن تفني ” (عب7:1-13) . ويلاحظ ، هنا ، أن الروح القدس يقول عنه ” هوهو ويخاطبه ” أنت أنت ” أي هو كما هو أنت كما أنت منذ الأزل والي الأبد بدون تغيير .

  وقال هو أيضا عن نفسه ؛ ” قبل أن يكون إبراهيم أنا أكون (كائن) ” (يو58:8) قالها بصيغة المضارع (أكون) أي أنه يكون دائما بدون تغيير .

E س 6 : إلا يعتبر ميلاده من العذراء ونموه في الجسم والقوه والحكمة وأكله وشربه 000 الخ ، وهو ، بلاهوته ، الأبدي الأزلي والكامل والغير محدود والذي لا يأكل ولا يشرب نوعا من التغير ؟

 

– 30 –

& ج : كلا فكل هذه من خصائص وصفات الطبيعة الإنسانية التي اتخذها ، كإنسان بعد التجسد(1).

E س 7 : فما معني صار إذا . ألا تعني أنه صار من شئ إلى آخر أي تحول وتبدل ؟

& ج : كلا . وسبق أن قلنا أن الله لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل . وقد وردت كلمة ” صار ” بمعاني مختلفة سواء في العهد القديم أو العهد الجديد . فقد جاءت في العهد القديم في الآيات التالية :

† ” وقال الرب الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منا ” (تك22:3) .

† ” أحمدك (يارب) لأنك استجبت لي صرت لي خلاصا ” (مز21:118) .

† ” صارت لي دموعي خبزا نهارا وليلا ” (مز33:42) .

† ” لأنه قال فكان . هو أمر فصار ” (مز9:33) .  

  وفي هذه الآيات الأربع نجد أن معني كلمة ” صار ” لا يعني بالضرورة التحول أو التغيير ففي الآية الأولى لا يمكن أن يكون آدم قد ” صار ” مثل الله بمعني تحول إلى الألوهية وصار ألها ؟‍! وفي الثانية لا يعني التحول وإنما يعني أنه أصبح (صار) مخلصا للمرنم عندما التجأ إليه ، وفي الثالثة لا يعني المرنم أن دموعه ” صارت ” خبزا بمعني أنها تحولت إلى خبز يؤكل وإنما يعني أنه كان يبكي ليلا ونهارا ، وفي الرابعة تعني ” صار” حدوث الشيء وكينونته بعد أمر الله .

  وقد وردت كلمة صار (εγένετο -egeneto ) في العهد الجديد من الفعل (γίνομαι – ginomai) والذي ترجم بمعنى ” يصير أو يكون ” وأيضا ” يحدث ، يجري ، يحصل ، يتفق يعرض ، يكون ، يتكون ،يجعل ، يصنع ، مولود 000الخ ” ، ونكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة التي تخص شخص السيد المسيح فقط :

† ” الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار (εγένήθη – egenethy) رأس الزاوية ” (مت42:21) .

† ” ما هذه الحكمة إلى أعطيت له حتى تجري ( γινόμεναι – genomenai) علي يديه قوات مثل هذه ” (مر2:6) .

† ” وفرح كل الجمع بجميع الأعمال المجيدة الكائنة (γενομένοις – genomenois) منه ” (لو17:13) .

† ” كل شئ به كان (εγένετο – egeneto ) وبغيره لم يكن شئ مما كان ” (يو3:1) .

† ” كان في العالم وكون العالم به (εγένετο – egeneto ) ” (يو10:1) .

† ” قبل أن يكون ( γενέσθαι  – genesthai ) إبراهيم أنا أكون ” (يو58:8) .

† ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً (γενόμενον –  genomenon) من امرأة مولودا تحت الناموس ” (غل4:4) .

† ” لكنه أخلي نفسه اخذاً صورة عبد صائرا ( γενόμενος- genomenos) في شبه الناس ” (في7:2) .

† ” صائرا ( γενόμενος- genomenos) اعظم من الملائكة بمقدار ما روث اسما افضل منهم ” (عب4:1) .

† ” دخل يسوع كسابق لأجلنا صائرا ( γενόμενος- genomenos) علي رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد ” (عب20:6) .

  وفي هذه الآيات العشر لا تعني أية منها التحول أو التغيير وقد ترجمت بمعاني عديدة : ” صار ” ” تجري ” ، ” كان ” ، ” كون ” ، ” يكون ” ، مولود ” ، وفي جميع الآيات التي ترجمت فيها بمعني ” صار ” لا تعني التحول أو التغيير مطلقا وإنما تعني الأولى الحصول علي الرتبة الأولى (المقدمة) ، رأس ، أي الحجر الأساسي في البناء والسابعة تعني ” الولادة من امرأة ” ليس بالتحول أو التغيير وإنما باتخاذ جسدا من امرأة والدخول تحت حكم الناموس كإنسان . والثامنة تعني أنه اخذ

– 32 –

صورة عبد بظهوره في شبه الناس بالجسد الذي اتخذه وليس بالتحول إلى شبه الناس فالرسول بولس يقول بالروح عن الرب يسوع المسيح ؛ ” الله الذي أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ” (رو3:8) . لاحظ (εν -in ) في شبه جسد وليس متحولا إلى جسد وإنما ” في ” وكذلك القديس يوحنا يقول ؛ ” كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله ” (يو2:4) . هنا أيضا يقول أنه جاء ” في الجسد وليس بالتحول أو التغيير إلى الجسد . ” والقديس بولس يقول بالروح أيضا ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (εν -in ) ظهور في الجسد وليس تحّول أو تبّدل أو تغيّر إلى جسد ، لم يقل أنه ظهر جسدا وإنما ظهر ” في – εν – in ” الجسد .

  وهذا أيضا ما يعنيه الكتاب بالروح القدس بقوله ؛ ” والكلمة صار جسدا ” أنه لا يعني التحول أو التغير ولكن يعني الاتخاذ كقول الكتاب بالروح ؛ ” فأنه لم يتخذ الملائكة قط بل إنما اتخذ نسل إبراهيم ” (عب16:2) . أو كما جاء في  كتاب   Reference  chain Thompson ” أنه لم يتخذ له (on him) طبيعه الملائكة وإنما اخذ له (on him) نسل إبراهيم ” (عب16:2) .

  أنه اتخذ جسدا  أعده بنفسه من وفي أحشاء العذراء مريم كما قال لها الملاك ؛ ” القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو35:1) ، وهو ثمرة بطنها كما قالت لها اليصابات بالروح القدس ” مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك ” (لو42:1) . وداخل أحشائها كما يقول الكتاب بالروح ؛ ” هيأت لي جسدا ” لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقربان لم ترد ولكن هيأت لي جسدا 000 لا فعل مشيئتك يا الله ” (عب5:10) .

  أعد لنفسه جسدا وهيأه داخل رحم العذراء مريم وحل فيه بملء لاهوته منذ اللحظة الأولى لبداية تكونه من أحشاء العذراء وداخل بطنها ، ولم يوجد هذا الجسد ، الطبيعة الإنسانية الكاملة ، بدون اللاهوت لحظة واحدة ولا طرفة عين ، بل وجد متحداً باللاهوت ؛

– 33 –

† ” لأنه فيه (جسده) سر أن يحل كل الملء” (كو19:1) .

† ” قد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت  ” (كو21:1،22) .

† ” فأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9:2) .

   لقد اتخذ جسدا ، هيأه وأعده لنفسه وحل فيه واتحد به منذ اللحظة الأولى لبدايته في بطن العذراء وصار جسده ، جسد الكلمة ، جسد الله ، الإله المتجسد ، عمانوئيل الله معنا .

E س 8 : إذا كان الله الكلمة قد اتخذ جسدا بمعني أعده وحل فيه وهو متحدا به فلماذا لم يقل والكلمة اتحد بجسدٍ وهيأ لنفسه جسدٍ واتحد به أو ما شابه ذلك ؟ 

 &ج : لقد أكد الكتاب في مواضع عديدة ، كما سنبين ، أنه هناك تمييز ما بين الكلمة ” الله ” وبين الجسد الذي اتخذه من حيث الطبيعة ، طبيعة اللاهوت وطبيعة الناسوت كقوله : ” الله حلف له (داود) بقسم أنه من ثمره صلبه يقيم المسيح حسب الجسد  ليجلس علي كرسيه ” (أع30:2) .

† ” أبنه (ابن الله) الذي صار من نسل داود من جهة الجسد ” (رو3:1) .

† ” منهم (اليهود) المسيح حسب الجسد الكائن علي الكل الإله المبارك ” (رو5:9) .

† ” وقد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت ” (كو22:1) .

 †” الذي في أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات ” (عب7:5).

† ” فأن المسيح تألم مره واحدة 000 مماتا في الجسد ولكن محي في الروح ” (1بط18:3) .

   وفي هذه الآيات يبين لنا الكتاب بالروح أن ناسوت (جسد) المسيح ، طبيعته الإنسانية ، مأخوذ من صلب إبراهيم وداود ، من نسل إبراهيم ونسل داود ” من ثمرة صلبه ” ، ” من نسل داود حسب الجسد ” ، ” منهم (نسل إبراهيم) ” المسيح حسب الجسد ” كما أنه تألم في جسده ، في جسم بشريته وكذلك مات بالجسد .

 ولم يقل الكتاب ” اتحد بجسد ” بدلا من ” صار جسدا ” لئلا يفهم أنه كان هناك

– 34 –

” جسد ” ثم اتحد به ، أو أنه حل علي إنسان كان موجوداً سابقاً للحلول والاتحاد ثم حل عليه واتحد به . ولكنه قال ” صار جسدا ” بمعني أنه حل في بطن العذراء بلاهوته أولا قبل أن يوجد ” الجسد ” واتخذ منها جسدا واتحد به منذ اللحظة الأولى لحلوله وبداية الجسد ونما متحدا (متجسدا) باللاهوت .

E س 9 : هل كان اللاهوت موجوداً أولا وكان هناك وقت لم يكن فيه الناسوت ؟  

& ج : نعم اللاهوت أزلي أبدي لا بداية له ولا نهاية ، ولكن الناسوت لم يوجد قبل بداية تكونه من وفي أحشاء العذراء مريم برغم من أنه ناسوت الإله المتجسد .

E س 10 : هل أعد اللاهوت الناسوت ثم حل فيه ؟ أو هل وجد الناسوت لفترة ثم حل فيه العذراء القديسة مريم ؟

& ج : حاشا وكلا : لم يوجد الناسوت لحظة واحدة ولا طرفة عين بدون اللاهوت أو بعيدا عنه وإنما وجد ونما متحداً باللاهوت . كما نما الناسوت وهو جسد كلمة الله ووجد وهو متحد باللاهوت . لقد كان هو الإله المتجسد ولم يوجد لحظة واحدة ولا طرفة عين دون اللاهوت وإنما كان منذ اللحظة الأولى هو الإله المتجسد ، منذ البدء هو عمانوئيل ، القدوس ، رب العالمين . فبعد بشارة الملاك للعذراء مباشرة يقول الكتاب ” فقامت مريم في تلك الأيام ” (لو39:1) ، ذهبت مريم إلى اليصابات بعد حبلها بيوحنا المعمدان بسته اشهر وكانت العذراء  حامل بالجنين الإلهي في لحظاتها الأولي ، وبمجرد دخولها على اليصابات ” أرتكض الجنين (يوحنا المعمدان) في بطن أمه للإله المتجسد الذي في بطن العذراء والتي لم تتعد بشارة الملاك لها بالحبل بعمانوئيل ، القدوس أبن الله ، سوي أيام تعد علي أصابع اليد . وقال عنه المعمدان أيضا :

† ” الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان (اقدم مني) قبلي ومن ملئه نحن جميعا أخذنا ” (يو15:1،16) .

– 35 –

(1)  أنظر كتابنا ” هل المسيح إله أم هو إنسان مثل آدم خُلق من تراب ؟ ” .

 

كيف صار الكلمة جسدا؟ – سر التجسد

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟ – سر التجسد

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟ – سر التجسد

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟ – سر التجسد

 

الفصل الثاني

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟

 

س 1 : إذا كان المسيح هو الله وفي نفس الوقت هو ابن مريم، فكيف يولد الله وهو الذي لم يلد ؟ وكيف يولد من امرأة مخلوقة وهو الخالق ؟

& ج : نحن نؤمن أن الله ليس مولوداً ولا يلد ولا يتوالد، مثل البشر، ليس له ذريه كما أنه ليس له أب أو أم فهو الذي لا بداية له ولا نهاية، الموجود الدائم الوجود وعله كل وجود ولم يوجده أحد وإنما هو الموجود بذاته، الموجود دائما بلا بداية ولا نهاية إذ يقول هو عن نفسه (كما بينّا في الفصل السابق) : 

† ” أنا أنا هو وليس اله معي . أنا أميت وأحي ” (تث39:32) .

V ” أكون الذي أكون ” الكائن ” (خر14:3)، أي الكائن، الموجود دائما علة كل وجود .

† ” أنا الأول وأنا الأخر ولا اله غيري ” (اش6:44) .

  والسيد المسيح باعتباره كلمة الله، الله ناطقا، ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1)، وصورة الله غير المنظور، هو الله ” هذا هو الإله الحق والحيوة الأبدية ” (1يو20:5) . وكلمة الله مولود من ذات الله بلا انفصال مثل ولادة الشعاع من النور والكلمة من العقل، مولود منذ الأزل ” أنت ابني أنا اليوم ولدتك ” (عب5:1)، مولود بلا بداية ولا نهاية ولا خلق ” مولود غير مخلوق “، فهو كلمة الله، وكلمة الله هو الله ” وكان الكلمة (هو) الله “، ” والكلمة

– 23 –

هو الله ” والله غير مولود وغير مخلوق ولا آب له ولا أم ولا نؤمن بتعدد آلهة بل نؤمن بإله واحد فقط بدون مشاركة من أي كائن آخر ” الرب إلهنا رب واحد ” (تث4:6) . والرب يسوع المسيح يقول ” :

† ” أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الإله الكائن والذي كان والذي يأتي القادر علي كل شئ ” (رؤ8:1) .

† ” أنا هو الألف والياء الأول والآخر ” (رؤ11:1) .

† ” أنا الألف والياء البداية والنهاية . الأول والأخر ” (رؤ13:22) .

† ” قبل أن يكون إبراهيم أنا أكون (كائن) ” (يو8:58)، أي أنا أكون دائما، أنا الكائن دائما، في كل زمان، بلا بداية ولا نهاية .

† ” يسوع المسيح هو هو امسا واليوم والي الأبد ” (عب7:13) . ولكن الله قادر علي كل شئ ولا يستحيل عليه شئ، والذي كُتب عنه ؛ ” الله القادر على كل شيء ” (تك3:48)، ” الإله القادر على كل شيء ” (خر3:6)، ” الرب القادر على كل شيء ” (2كو18:6)، ” قدوس قدوس قدوس الرب الإله القادر على كل شيء الذي كان و لكائن و لذي يأتي ” (رؤ8:4)، وأيضا ” غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله ” (لو26:18)، والذي عرف أول ما عرف عند الآباء الأول بالقدير أو القادر علي كل شئ ” وأنا أظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب بأني الإله القادر علي كل شئ ” (خر3:6) .

  وقد شاءت أرادته الإلهية، منذ الأزل، أن يظهر للإنسان على هذه الأرض وفي هذا العالم بأن يتجسد ويظهر له عيانا، في الجسد، في مكان معين وزمان معين ومن ثم أختار أم معينه ليولد منها ” في ملء الزمان “، يظهر علي الأرض كإنسان، فحل في بطن هذه الأم، العذراء مريم، واتخذ منها جسدا وظهر علي الأرض كإنسان، اتخذ صورة العبد وصار في الهيئة كإنسان، وجد في هيئة إنسان، يقول الكتاب :

† ” في البدء (منذ الأزل) كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (الكلمة هو الله) كل شئ به كان (كون، صار، وجد) وبغيره لم يكن شئ مما كان 000 فيه كانت الحياة 000 والكلمة صار (اتخذ)(1) جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا ” (يو1:1ـ3،14) .

† ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) .

† ” الذي إذ كان (هو) في صوره الله لم يحسب مساواته لله اختلاسا لكنه أخلى نفسه (تنازل من علاه) أخذا صورة عبد صائر في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت ” (في6:5-8) .

  كلمة الله وصوره الله غير المنظور، بهاء مجده ورسم (صورة) جوهره، الإله القدير، الله الكلمة، لما أراد أن يظهر علي الأرض، ولما جاء الوقت المحدد لذلك (ملء الزمان)، حل في بطن العذراء القديسة مريم واتخذ منها جسدا، اتخذ صورة العبد وصار علي الأرض في هيئة إنسان، ظهر في الجسد الكامل، اتخذ كل ما للإنسان حتى الموت، ولد من أم وهو الخالق الذي لم يخلقه أحد، ولد في الزمان وهو خالق الزمان، الأبدي الأزلي، ولد وهو الذي بطبيعته سلا يلد ولا يولد مثل سائر المخلوقات، نزل علي الأرض، نزل من السماء وظهر علي الأرض في هيئة إنسان وسار بين البشر وعاش بينهم ثلاث وثلاثين سنه وثلث !!

E س 2 : كيف يولد من العذراء في حين أنه نزل من السماء !؟؟ لو كان قد نزل من السماء فلا يمكن أن يكون ولد من امرأة، ولو كان قد ولد من امرأة فلا يمكن أن يكون من السماء !!

& ج : الكتاب واضع وصريح في أن المسيح قد نزل من السماء إذ يقول المسيح عن نفسه :

† “وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) وكرر في تعبيرات عديدة أنه نزل من السماء حتى أن اليهود لما سمعوه يقول ؛ ” لأني قد نزلت من السماء ” قالوا ” أليس هذا يسوع بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه : فكيف يقول هذا أنى نزلت من السماء ” (يو42:6) .

† والقديس بولس يقول بالروح ؛ ” وأما أنه صعد فما هو إلا أنه نزل أيضا إلى أقسام الأرض السفلي الذي نزل هو الذي صعد فوق جميع السموات لكي يملا الكل ” (أف9:4،10) .

  والكتاب أيضا واضح وصريح في أن المسيح قد ولد من العذراء مريم بالروح القدس، حل في أحشائها وأتخذ منها جسدا، إذ يقول :

† ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولوداً تحت الناموس ” (غل4:4) .

† ” ها العذراء تحبل تلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل ” (اش14:7) والذي تفسيره الله معنا ” (مت23:1) .

† ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا وتكون الرياسة علي كتفه ويدعي اسمه عجيبا مشيرا ألها قديرا أبا أبديا رئيس السلام ” (اش6:9) .

† وقال الملاك للعذراء ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع 000 الروح القديس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعي ابن الله ” (لو31:1،35) .

† وقال ليوسف النجار ؛ ” لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع ” (مت20:1) .

† وقالت اليصابات للعذراء ؛ ” مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك ” (لو42:1) .

† ويقول القديس لوقا الإنجيلي ؛ ” وبينما هما هناك (في بيت لحم) تمت أيامها لتلد فولدت ابنها البكر ” (لو6:2،7) .

  فالعذراء قد حبلت بالمسيح حقا وولدته حقا، فهو قد ولد منها وهو أيضا ثمرة

ـ 26 ـ

بطنها .

E س 3 : هل كان ميلاده منها مجرد مرور أو عبور، حل فيها ومر من خلالها دون أن يأخذ منها شيئاً، كعبور الماء من القناة أو عبور السفن من القنوات ؟

& ج : كلا وحاشا فقد كان ميلاده من العذراء ميلادا حقيقيا كاملا وليس مرورا . فقد حل فيها وأتخذ منها جسدا حقيقيا، كاملا، إنسانا كاملا، ومكث في أحشائها تسعة اشهر كجنين حتى ولدته عندما تمت أيامها . لقد كان هو ثمرة بطنها أي أن ناسوته، جسده، طبيعته الإنسانية، مكون من لحم ودم وعظام، وأيضا من روح ونفس وجسد، داخل أحشائها ومن أحشائها ذاتها فهو بالحق والحقيقة ثمرة بطنها ” ولد منها ودعيت هي أمه ” أم ربي ” (لو43:1)، بالرغم من أنه، هو، خالقها . نعم ولد من امرأة ولكن باتخاذه جسدا منها . فهو مع كونه الإله الأبدي الأزلي أتخذ منها جسدا، احتجب به وسكن فيه واتحد به فكان هو جسده :

  ” احترزوا إذا لأنفسكم ولجميع الرعية 000 لترعوا كنيسة الله التي اشتراها بدمه ” (أع28:20)، ” الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة ” (1بط24:2) . وللتعبير عن هذه الحقيقة يستخدم القديس يوحنا تعبير ؛ ” المسيح انه قد جاء في الجسد ” (1يو2:4-3)، و ” المسيح آتيا في الجسد ” (2يو7:1) .

  ” وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به في العالم رفع في المجد ” (1تي16:3) .

 

 

 

كيف يولد الخالق من امرأة مخلوقه؟ – سر التجسد

هل المسيح إله أم إنسان؟ – سر التجسد

هل المسيح إله أم إنسان؟ – سر التجسد

 

هل المسيح إله أم إنسان؟ – سر التجسد

 

الفصل الأول

هل المسيح إله أم إنسان؟

هل هو ابن الله أم ابن مريم؟

 

يسأل البعض هذا السؤال الجوهري بالنسبة للمسيحية ، هل المسيح إله أم إنسان؟ هل هو ابن الله أم ابن الإنسان ، أبن مريم؟ فعند القراءة الأولي للعهد الجديد يجد الإنسان نفسه أمام هذا السؤال وغيره من الأسئلة العديدة المرتبطة به:

† هل المسيح هو الله الخالق أم أنه مجرد إنسان مخلوق خُلق مثل آدم؟

† هل هو الله الكلي الوجود ، الموجود في كل مكان وزمان ، غير المحدود بالزمان أو المكان ، الأبدي الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية ، أم أنه المولود من في بيت لحم ومن العذراء في زمن معلوم ومكان محدد؟

† هل هو الله الواحد غير المولود الذي لا أب له ولا أم ولا نسب؟ أو أنه الإنسان الذي له ولد من أم وله سلسلة أنساب تصل إلى آدم؟

† هل هو الله الذي لا يجوع ولا يعطش ولا يأكل ولا يشرب ولا يتعب ولا ينام ، أم أنه الإنسان الذي جاع وعطش وأكل وشرب وتعب واستراح ونام؟

† هل هو الله الحي الأبدي الذي لا يموت ، أم أنه الإنسان الذي مات ودفن في القبر ثلاثة أيام؟

  وكثيرا من الأسئلة التي سنذكرها في حينها .

E س 1 : هل المسيح هو الله وابن الله؟

& ج : نعم المسيح هو الله(1) وابن الله فقد نسب إليه الكتاب المقدس كل أسماء الله

وألقابه وصفاته وأعماله ، ودعي اسمه يسوع (مت21:1؛ لو31:1) واصله العبري ” يهوشاع ” ومعناه الله المخلص أو الله يخلص (يهوه يخلص) كما دعي ” عمانوئيل ” في سفر اشعياء وإنجيل متي وتفسيره ” الله معنا ” (اش14:7؛ مت23:1) كما دعاه الكتاب ” الله ” أو ” الإله ” : 

† ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) .

† ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا وتكون الرياسة علي كتفه ويدعي اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام ” (اش6:9) .

† ” لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه ” (أع28:20) .

† ” لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ” (1تي5:2) .

† ” ونحن في الحق وفي ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5) .

† ” إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح ” (تي13:2) .

† ” ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن علي الكل الإله المبارك ” (رو5:9) .

† ” أما عن الابن يقول كرسيك يا الله إلى دهر الدهور ” (عب8:1) .

† ” أجاب توما وقال له (ليسوع المسيح) ربي والهي ” (يو28:20) .

† ” يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم والي الأبد ” (عب8:13) .

† ” الإله الحكيم الوحيد مخلصنا له المجد والعظمة والقدرة والسلطان ” (يه25) .

† ” أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الإله الكائن والذي يأتي القادر علي كل شئ ” (رؤ8:1) .

  وكانت أعماله هي أعمال الله : فهو خالق الكون ومدبره :

† ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس ” ( يو1:1ـ3) .

– 10 –

† ” الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين الكل به وله قد خلق الذي هو قبل كل شيء و فيه يقوم الكل ” (كو15:1ـ16) .

† ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به أيضا عمل العالمين الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ” (عب2:1ـ3) .

  وصاحب السلطان علي الكون ” كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ” (دا13:7،14) .

  وصفاته هي نفس صفات الله كالوجود الأزلي بلا حدود والأبدية ، أي الأزلي الأبدي والوجود في كل مكان ” وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) والعلم بكل شئ ” الآن نعلم انك عالم بكل شيء ولست تحتاج أن يسألك أحد لهذا نؤمن انك من الله خرجت ” (يو30:16) ، والقدرة علي كل شئ ” أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الإله الكائن والذي يأتي القادر علي كل شئ ” (رؤ8:1) .

  أما كون المسيح ابن الله ووصف الكتاب له بذلك باعتباره هو كلمة الله ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1) وعقل الله الناطق وصورة الله غير المنظور ” المسيح الذي هو صورة الله ” (2كو4:4) ، المساوي لله الآب ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله ” (في6:2) ، ” الذي هو صورة الله غير المنظور 000 فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين الكل به وله قد خلق ، الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل ” (كو15:1) ، وبهاء

– 11 –

مجد الله الآب ورسم (صورة) جوهره ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ” (عب3:1) ، والموجود دائما وأبدا في حضن الآب من الأزل وإلى الأبد ، بلا بداية ولا نهاية ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الأب هو خبر ” (يو18:1) ، ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا ” (عب5:1) ، المولود من الآب وفي ذات الآب قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق . من الآب ” أنا اعرفه لأني منه وهو أرسلني ” (29:7) ، وفي الآب ” أنا في الآب والآب في 000 صدقوني أني في الآب والآب في وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها ” (يو10:14،11) ، وواحد مع الآب ”  أنا والآب واحد ” (يو30:10) . وهذا ما يؤكده الكتاب أيضا في العشرات من آياته :

  فقد وُصف بـ ” ابن الله الحي ” ؛ ” أنت هو المسيح ابن الله الحي ” (مت16:16) ، و ” المسيح ابن الله ” (مت63:26) ، وفي بدء الإنجيل للقديس مرقس يقول ” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ” (مر1:1) ، والشياطين ” كانت تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول أنت المسيح ابن الله ” (لو41:4) . وأكد الرب يسوع المسيح للجموع أنه ابن الله الذي من ذات الله الآب والذي له كل صفات الله الآب والذي يعمل جميع أعمال الله الآب ؛ ” فمن اجل هذا كان اليهود يطلبون اكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا أن الله أبوه معادلا نفسه بالله ، فأجاب يسوع وقال لهم الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل لان مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك ، لان الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله وسيريه أعمالا اعظم من هذه لتتعجبوا انتم ، لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء ، لأن الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن ، لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله ، الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من

– 12 –

الموت إلى الحياة ، الحق الحق أقول لكم انه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ، لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضا أن تكون له حياة في ذاته ، وأعطاه سلطانا أن يدين أيضا لأنه ابن الإنسان ، لا تتعجبوا من هذا فانه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته ، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيّآت إلى قيامة الدينونة ” (يو18:5ـ29) .

E س 2 : هل المسيح ابن مريم أيضا؟

& نعم الرب يسوع المسيح هو ابن العذراء القديسة مريم ، فقد كرر الكتاب المقدس في آيات كثيرة أن المسيح بالجسد حبل به وولد من العذراء القديسة مريم بالروح القدس ، يقول الكتاب : ” مريم التي وُلد منها يسوع الذي يدعى المسيح ” (مت16:1) ، ” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس ” (مت18:1) ، وقال الملاك لـ ” يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت20:1) ، وقالت الجموع عنه ” أليس هذا ابن النجار أليست أمه تدعى مريم ” (مت55:13) ، وقال لها الملاك ” وها آنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ، فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا؟ فأجاب الملاك وقال لها الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو31:1ـ35) ، كما ووصفت العذراء مريم بـ أمه ” وكانت واقفات عند صليب  يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ” (يو25:19)  ، وأيضا بـ ” مريم أم يسوع ” (أع14:1) ، كما وصفتها اليصابات بالروح القدس بـ ” أم ربي ” ؛ ” فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي ” (لو43:1) .

 

– 13 –

E س 3 : إذا هل يولد الله أو يلد؟ هل هو مولود أو والد؟

& مبدئيا نقول أن الله فوق الحس أو الجنس ، فالله بطبيعته وجوهره غير مولود أو والد ، لم يلد ولم يولد ، فالله نور ” الله نور وليس فيه ظلمة البتة ” (1يو5:1) ، ” الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه الذي له الكرامة والقدرة الأبدية آمين ” (1تي 16:6) ، والله روح ” الله روح ” (يو24:4) ، والله واحد ، كائن في الكون وحده ، ليس معه أو مثله أو شبيه به أحد ولا إله آخر معه ولا غيره ولا قبله أو بعده هو الأول والآخر وليس إله غيره ؛ ” الرب هو الإله ليس آخر سواه ” (تث35:4) ، ” أنا الأول وأنا الآخر ولا اله غيري ” (اش6:44) ، ” هل يوجد اله غيري ” (اش8:44) ، أنا الرب وليس آخر لا اله سواي ” (اش5:45) ، ” وحدك الله وليس آخر ليس اله ” (اش14:45) ، ” إليس أنا الرب ولا اله آخر غيري اله 000 ليس سواي ” (21:45) ، ” لأني أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلي ” (اش9:46) ، ” ليس اله آخر إلا واحدا ” (1كو4:8) ، ” أني أنا هو قبلي لم يصور اله وبعدي لا يكون ” (اش10:43) . فالله أزلي أبدي لا بداية له ولا نهاية . ولم يوجد أصلا بالتوالد إنما هو الموجود الذاتي ، الموجود بذاته دون أن يوجده أحد لأنه هو موجد كل الخليقة ، خالقها ومدبرها .

  ولكنه موجود كامل في ذاته ، فيه الحياة وفيه العقل ، فهو موجود بذاته عاقل بعقله حي بروحه ، وخاصية الوجود الذاتي في الذات الإلهية هي ما يسميها الله بالآب ، وخاصية العقل في ذات الله يسميها بالكلمة : كلمة الله والذي هو أيضا صورة الله ، فالله ناطق بكلمته ، ويسميها أيضا بالابن ، ابن الله ، وخاصية الحياة في الذات الإلهية يسميها بالروح ؛ الروح القدس أو روح الله ، روح الله القدوس . الله موجود بذاته ، ناطق بكلمته أو عاقل بعقله ، حي بروحه .

  إذا فالله موجود بذاته ، الآب ، ناطق بكلمته ، وكلمته ، ابنه ، موجود في ذاته ، في حضنه ” الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر ” (يو18:1) ، وروحه القدوس من ذاته وفي ذاته ، منبثق عنه ، خارج عنه ” الروح القدس الذي من عند

– 14 –

الآب ينبثق ” (يو26:15) .

  كلمة الله خارج من ذات الله وفي ذاته ومن ثم يسمى بالابن ، خارج من ذاته أي مولود من ذاته وفي ذاته ولادة أبدية مثل ولادة النور من النور ، كما نقول في قانون لأيمان ” مولود من الآب قبل كل الدهور ، نور من نور إله حق من إله حق ، مولود غير مخلوق ” . وهذه الولادة فوق الحس والجنس ، مولود من الآب وغير منفصل عنه ، فهذه صفات الإله الواحد الكامل في ذاته . ولكن هذا غير ولادته من العذراء ، أي تجسده في ملء الزمان .

E س 4 : إذا كان هو الله الأبدي الأزلي ، الأزلي الأبدي ، غير المحدود في الزمان والمكان فكيف تكون العذراء مريم هي أمه ، وهي مخلوقة ولها بداية؟ كيف يكون للأزلي أم حادثة ومخلوقة؟

& نعم العذراء مريم هي أمه بحسب الناسوت (بالجسد) ولكنها دعيت بوالده الإله لأنها ولدت الإله المتجسد ودعتها اليصابات بالروح القدس ” أم ربي ” (لو43:1) . ولكن أمومة العذراء للمسيح وحبلها به وولادتها له لا يعني أنها اسبق منه في الوجود كإله أو أنها أصله ومصدره كإله ، حاشا ! فهو بلاهوته اصلها وخالقها فهو الأزلي الأبدي ، الأزلي الأبدي ، غير الزمني وغير المحدود بالزمن أو المكان ، كقوله ” أنا هو الألف والياء الأول والأخر ” (رؤ11:1) ، ” أنا هو الأول والأخر ” (رؤ17:1) ، ” أنا الألف والياء البداية والنهاية الأول والأخر ” (رؤ13:22) . فهو الموجود دائما قبل العذراء بل وقبل الخلائق ، فهو خالق كل شئ ؛ ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان هند الله وكان الكلمة الله 000 كل شئ به كان (كون ـ صار) وبغيره لم يكن شئ مما كان (كون) . فيه كانت الحياة 000 والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا ” (يو1:1،2،14) ، ” فأنه فيه (المسيح) خلق الكل ما في السموات وما علي الأرض ما يري سواء كان عروشا أم رياسات أم سيادات أم سلاطين الكل به وله قد خلق ” ( كو15:1،16) . فوالدته العذراء مريم مخلوقة بواسطته

هو ، فهو خالقها وأصلها .

– 15 –

E س 5 : إذا كيف يكون المولود سابقا لأمه؟ وإذا كان هو الله فكيف تكون له أما مخلوقة؟ علما بأن الله لا أم له ولا أهل فهو نفسه علة الوجود والذي يستمد منه كل شئ وجوده؟

& أن الحبل بالمسيح وميلاده من العذراء لكونه عجيبا وغريبا علي الأفهام صار آية الكون ودعاه الوحي آية ” ولكن يعطيكم السيد نفسه آيه . ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعوا اسمه عمانوئيل ” (اش14:7) . نعم أن دخول الله في البشرية وولادته من عذراء هو آيه الآيات وتحار الأفكار والعقول في إدراكها ، ولكن فكر الله يختلف عن فكر الإنسان ” يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه ما ابعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء لان من عرف فكر الرب أو صار له مشيرا ” (رو33،34:11).

  والآية هنا هي في تجسد الله الأزلي الأبدي ؛ صائراً ، مولوداً ، من امرأة ” عذراء ” ودخوله في الزمان وهو غير الزمني وظهوره بحجم محدود بالأبعاد الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) وهو الغير محدود علي الإطلاق . صارت العذراء مريم أمه مع أنه خالقها ، صارت أما لمن أنشأها قال لها الملاك : ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع هذا يكون عظيما وابن العلي يدعي ” (لو31:1) ، ” القدوس المولود منك يدعي ابن الله ” (لو35:1) ، فالمولود من العذراء هو ” يسوع ـ يهوشاع ـ يهوه المخلص ـ الله المخلص ” أنه ” القدوس ” القدوس الحق ” (رؤ7:3) ” ابن العلي ـ ابن الله ” ، ” عمانوئيل ـ الله معنا ” ، ” الإله القدير ـ  الأب الأبدي ” (اش6:9) .

  نعم فالعذراء حبلت به وولدته مع أنه هو الله الأزلي الأبدي ، غير المحدود ، القدوس . كما دعي أيضا بـ ابن داود ومع ذلك يؤكد المسيح أنه وأن كان ابنا لداود فهو رب داود وخالقه إذ يقول في سفر الرؤيا ” أنا أصل وذرية داود ”  (رؤ16:22) . ونظرا لصعوبة ذلك علي الفهم البشري فقد عجز عن فهمه وإدراكه عظماء الدارسين اليهود في عصره (أيام تجسده) فقال لهم متسائلا :

† ” ماذا تظنون في المسيح ابن من هو؟ قالوا ابن داود . وقال لهم فكيف يدعوه

– 16 –

داود بالروح ربا قائلا : قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك . فأن كان داود يدعوه بالروح ربا فكيف يكون ابنه؟ ” (مت42:22ـ45) ، وهنا عجز الكتبة والفريسيون عن الإجابة علي سؤاله !

  أنه رب داود وخالقه ومع ذلك دعي ابنه !

  كما دعي أيضا ابن يهوذا لأنه جاء من سبط يهوذا ” فانه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا ” (عب14:7) ومع ذلك يقول الكتاب أنه ” اصل يهوذا ” (اش1:11) ، أنه من نسل يهوذا وفي نفس الوقت رب واصل يهوذا !    

   كما دعي أيضا بـ ابن إبراهيم ومع ذلك قال هو نفسه لليهود : ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (أكون) ” (يو58:8) ، أي قبل أن يوجد إبراهيم أنا موجود ، أنا أكون دائما ، أنا كائن من الأزل والي الأبد .

  مما سبق يتضح أن المسيح هو ابن العذراء وخالقها وابن داود وربه وخالقه وابن يهوذا وأصله وابن إبراهيم مع أنه الكائن الأزلي الأبدي الدائم الوجود ! وهذا يعود بنا للإجابة علي السؤال مرة أخري : كيف يكون المولود سابقا لأمه؟ 

  فتقول أن المولود ، هنا ، سابقا لأمه لأنه هو ذاته خالقها ، والله ليس في حاجة إلى الولادة من امرأة ولكن شاءت أرادته الإلهية لكي يظهر للبشرية أن يتجسد في ملء الزمان ويأخذ صورة الإنسان وأن يظهر لنا علي الأرض كإنسان ، بالجسد أو في الجسد ، ويصبح غير المرئي مرئيا وغير المنظور منظوراً وغير المدرك مدركا ، كما يقول القديس يوحنا بالروح القدس ؛ ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده ” (يو14:1) ، ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فأن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الأب وأظهرت لنا ” (1يو1:1ـ3) ، وأيضا يقول القديس بولس بالروح ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي 16:3) ، ” الذي إذ كان في صورة الله 000 أخلى نفسه أخذا صورة عبد ” (في5:2،6) ، ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة ” (غل4:4) .

– 17 –

  إذا فالمسيح هو الله وابن الله وهو أيضا ابن مريم بالجسد وابن داود وثمرة صلبه بالجسد ”  فإذ كان (داود) نبيا وعلم أن الله حلف له بقسم انه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه ” (أع30:2)(2) ، وابن إبراهيم ونسله الموعود (غل14:3،16) ورب إبراهيم (يو58:8) ، فهو الإله المتجسد الذي يجمع في أقنومه وذاته اللاهوت والناسوت ، فهو كلمة الله وحكمه الله وقوة الله ، الله معنا ، وهذه حقيقة لاهوته ، وهو أيضا ابن الإنسان وهذه حقيقة ناسوته ، أي أنه كإله فهو الله ذاته ، كلمة الله ، ابن الله ، وكإنسان فهو ابن مريم .

E س 6 : هل ولدت العذراء إنساناً لأنها لا يمكن أن تلد الله؟ فالله ، كما بينا ، لا يولد مثل البشر فهو فوق المادة والحس والجنس !؟

& العذراء ولدت يسوع المسيح ، ويسوع المسيح هو كلمة الله وهو نفسه ابن الإنسان ، أنه الإله المتجسد ، عمانوئيل ، الله معنا ، القدوس الحق ” القدوس المولود منك يدعى ابن الله “ (لو35:1) ، ” ابن العلي ” (لو32:1) وقد خاطبتها اليصابات بعد أن سجد الطفل الذي في بطنها لمن كان في بطن العذراء : ” أم ربي ” (لو43:1) ، فقد ” ارتكض الجنين (يوحنا المعمدان) بابتهاج في ” بطن اليصابات  (لو44:1) لربه وخالقه الحال في بطن العذراء ليتخذ لنفسه جسدا ، وعلمت هذه الحقيقة اليصابات بالروح القدس فهتفت  ” من ابن لي أن تأتى أم ربي إلى ” .

  ولدت العذراء الإله المتجسد فهي لم تلد إنساناً عادياً لأن الملاك بشرها أنها ستحبل وتلد بالقدوس ولم تلد الله بلاهوته ، لأن الله لا يلد ولا يولد ولا يتوالد وهو فوق الحس والجنس ، أنه روح وواحد لا شبيه له ولا مثيل ولا اله غيره ليس له والد أو والده فهو الدائم الوجود وعله كل وجود . كما أنها لم تلد اثنين الهاً وإنساناً ، إنسان ولد منها وإله مر بأحشائها ، إنما ولدت الإله المتجسد الذي هو اله وفي نفس الوقت إنسان ، أنها لم تلد اللاهوت ولكن اللاهوت هو الذي حل في أحشائها واتخذ لنفسه منها وفيها جسدا فولدت الناسوت المتحد باللاهوت ، ولدت الناسوت متحدا باللاهوت ، ولدت كلمة الله المتجسد . قال قداسة البابا شنوده الثالث متسائلا :

  ” من الذي ولدته العذراء؟ هل ولدت إلها فقط؟ أم ولدت إنسانا فقط؟ ولدت إلها و إنسانا؟ أم ولدت الإله المتجسد؟ ” وأجاب قداسته :

  ” من المستحيل أن تكون قد ولدت إلها فقط لأنها ولدت طفلا رآه الكل . ولا يمكن  أن تكون ولدت إنسانا فقط ، لأن هذه هرطقة نسطور . ثم ما معني قول الكتاب الروح القدس يحل عليك ، وقوة العلي تظللك . فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعي ابن الله (لو35:1) وما معني أن ابنها يدعي عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا (مت23:1)؟ وما معني قول اشعياء النبي ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا ، وتكون الرياسة علي كتفه ويدعي اسمه عجيبا مشيرا لها قديرا أبا أبديا رئيس السلام ” (اش6:9)؟ إذا هو لم يكن مجرد إنسان ، وإنما كان ابن الله وعمانوئيل وإلها قديرا والعذراء أيضا لم تلد إنسانا وإلها وإلا كان لها ابنان ، الواحد منها اله ، والآخر منها إنسان لم يبق إلا أنها ولدت الإله المتجسد(3) .

  أنه ابن مريم وابن الله وكلمته ، صورة الله ، الله معنا . أنه اله وإنسان في أن واحد ، شخص واحد مسيح واحد طبيعة واحدة من طبيعتين بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير أو استحالة أو انفصال ، أو افتراق ، أنه الإله المتجسد الذي هو اله بلاهوته وإنسان بناسوته . له خصائص وصفات اللاهوت وخصائص وصفات الناسوت مع أنه واحد مسيح واحد ” يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ” (1تي5:2) الذي قال عنه يوحنا الرسول والإنجيلي ” هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5) .

  وهذا الإيمان هو ما آمنت به الكنيسة منذ نشأتها الأولى :

† قال القديس اغناطيوس الإنطاكي تلميذ بطرس الرسول :

  ” يوجد طبيب واحد هو في الوقت نفسه روح وجسد (اله وإنسان) مولود وغير مولود . الله صار جسدا ، حياه حقيقية في الموت من مريم ومن الله(4) .

† وقال يوستينوس الشهيد (110ـ165م) :

  ” لقد صار المسيح إنسانا بواسطة العذراء 000 أما مريم العذراء فأمنت وابتهجت عندما بشرها الملاك فالقدوس الذي يولد منها هو ابن الله ”  (5).

† وقال ايريناؤس (120ـ 202م) :  

  ” إذا لم يكن المسيح اله حق وإنسان حق لأصبح خلاصنا مستحيل “(6)

  فالمسيح باعتباره الإله المتجسد فقد جمع في شخصه الإلهي بين الإله والإنسان ، اللاهوت والناسوت . فهو من حيث لاهوته واحد مع الأب في الجوهر ومع حيث ناسوته فهو شريك للإنسان ، لنا في اللحم والدم (عب 14:2)(7) وكل ما يتصل بنا . أنه اله من حيث لاهوته وإنسان من حيث ناسوته . 

† جاء في ثاؤطوكية لأحد :

  ” الله الكلمة 000 صار إنسانا بغير افتراق . واحد من اثنين . لاهوت قدوس بغير فساد مساو للآب ، وناسوت طاهر بغير مباضعة مساو لنا في التدبير “(8) .

† وجاء في ثاؤطوكية الثلاثاء :

  ” التي ولدت لنا الله الكلمة الذي صار إنسانا لأجلا خلاصنا . وبعد أن صار إنسانا هو الإله أيضا(9) .

† وجاء في ثاؤطوكية الخميس : 

  ” هو اتحاد الاثنين : لاهوت وناسوت . ولهذا سجد له المجوس ، ساكتين

وناطقين بلاهوته “(10) .

† وجاء في قانون الإيمان الاثناسيوسي :

  ” لأن الإيمان المستقيم هو أن نؤمن ونعترف بأن ربنا يسوع المسيح ابن الله ، هو اله وإنسان معا 000 هو اله مولود من جوهر الأب قبل العالمين . وهو إنسان مولود من جوهر أمه في العالم . هو اله تام ، وهو إنسان تام ذو نفس ناطقة وجسد بشري “(11) .

† وقال القديس اثناسيوس الرسولي :

  ” الكلمة نفسه الذي ولد من مريم فقد اتخذ منها جسدا وصار إنسانا ، إذ هو بطبعه وجوهره كلمه الله ، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم “(12) .

† وقال القديس كيرلس الاسكندري عمود الدين البطريرك والعشرين (404 ـ 435) : ” وماذا يمكن أن يكون ذاك الذي ولد عن العذراء ، إلا مثلنا في مظهره وطبيعته؟ لكن بالإضافة إلى أنه إنسان هو أيضا الإله الحقيقي(13) .

  وقال أيضا : ” نقر ، حسب إقرار الكنيسة الجامعة ، أن الله كاملا اتخذ الإنسان كاملا(14)

† وقال ساويرس بن المقفع أسقف الاشمونين (ولد حوالي 915م) :

  ” أن المسيح خالق ورازق ، وحي ، وعالم ، من حيث هو اله ونقول ” أن المسيح أكل وشرب وقتل ومات ” ، من حيث هو إنسان “(15) .

  نعم أنه إله من جهة لاهوته وهو أيضا إنسان من جهة ناسوته ، الإله المتجسد الذي يجمع في شخصه اللاهوت والناسوت ، خصائص وصفات اللاهوت وخصائص وصفات الناسوت ، هو الأزلي الأبدي ، وكإنسان دعي ابن مريم العذراء لكنه الإله المتجسد والمسيح الواحد والرب الواحد والطبيعة الواحدة المتحدة من طبيعتين بدون افتراق أو انفصال أو تحول أو تغيير أو امتزاج .

E إذا كان المسيح هو الله فكيف يحل في بطن العذراء في وسط الدم والنجاسة؟ ومن كان يدير الكون عندما كان في بطن العذراء؟!!

  يسأل البعض هذا السؤال بدون وعي أو حتى مجرد التوقف لحظة للتفكير فيما يقولون ، فقد بينا أن الله غير محدود لا بالمكان ولا الزمان ، فهو ، بلاهوته ، يملأ الكل وموجود في كل مكان كقول الرب يسوع المسيح عن نفسه ” وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) ، كما قال عنه الكتاب أيضاً أنه ” الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السموات لكي يملأ الكل ” (أف10:4) . فالمسيح بلاهوته لا يحده مكان ولا زمان لذا قال لتلاميذه ” حيثما أجتمع أثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم ” (مت20:18) ، كما قال لهم عند صعوده إلى السماء ” وها أنا معكم كل الأيام إلى أنقضاء الدهر ” (مت16:28) . وقال القديس أثناسيوس الرسولي ” صار له كل ما للبشر كأنه واحد منهم مع أنه في نفس الوقت خالقهم ويملأ بلاهوته السماء والأرض ” ، وقال القديس كيرلس عامود الدين ” ونحن لا نُعلم بأن الكلمة عندما تجسد وصار إنساناً كاملاً أصبح محدوداً . فهذا هو الغباء بعينه . إنما نحن نُعلم بأنه يملأ السموات والأرض وما تحت الأرض ” .

  ولأنه ماليء المسوات والأرض بلاهوته فقد كان في بطن العذراء متجسداً وكان في نفس الوقت موجوداً في كل مكان ، في السماء وعلى الأرض ، بلاهوته ، كما أنه ، بلاهوته ، لا يمكن أن يتأثر لا بالدم أو أي سوائل أو بأي مادة مهما كانت مثل شعاع الشمس الذي لا يتأثر بمياه البحار أو أي سوائل ينعكس عليها .

– 22 –

ـ 9 ـ

(2) أنظر ( 2صم12:7ـ13؛مز11:132؛رو3:1؛2تي8:2) .

ـ 18 ـ

– 19 –

(4) أفسس 7

(5) Dial. With Try. 100.

(6) Ag. Her. b. 3.

(7) تاريخ الفكر المسيحي جـ 1: 453 .

(8) الأبصلمودية المقدسة .

(9) الأبصلمودبة .

– 20 –

(10) السابق .

(11) الفقرات 28 ـ 30 .

(12) الرسالة إلى أبكتيكس : 13 .

(13) تفسيره ليوحنا 7:19 .

(14) في سر التجسد لنيافة الأنبا أغريغوريوس 18 .

(15) مصباح العقل ، تحقيق الأب سمير خليل ص 61 .

ـ 21 ـ

 

هل المسيح إله أم إنسان؟ – سر التجسد

كتاب تأملات فى البشارة والتجسد الالهى لمشاهير الاباء القديسين – كنيسة الملاك ميخائيل بدمنهور PDF

كتاب تأملات فى البشارة والتجسد الالهى لمشاهير الاباء القديسين – كنيسة الملاك ميخائيل بدمنهور PDF

كتاب تأملات فى البشارة والتجسد الالهى لمشاهير الاباء القديسين – كنيسة الملاك ميخائيل بدمنهور PDF

كتاب تأملات فى البشارة والتجسد الالهى لمشاهير الاباء القديسين – كنيسة الملاك ميخائيل بدمنهور PDF

تحميل الكتاب PDF

مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي

مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي

مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي

 

          26ـ انظر إنهم لا يملّون من تكرار كلمات الكفر، بل إذ قد تقّسوا مثل فرعون فإنهم حينما يستمعون إلى ما يشير إلى صفات المخلّص البشريّة ويرونه مدوّنًا في الأناجيل أن الابن هو إله كامل مثل الآب، فإنهم يتناسون تمامًا مثل بولس الساموسطى[1]، وبوقاحة لسان يجعجعون قائلين: [ كيف يمكن أن يكون الابن من الآب بالطبيعة، ويكون واحدًا معه في الجوهر؟ وهو الذي يقول “دفع إليّ كل سلطان” (مت18:28) و ” الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن ” (يو22:5)، ” الآب يحب الابن وقد دفع كل شئ في يده، الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية ” (يو35:3). وأيضًا ” كل شئ قد دفع إليّ من أبي. وليس أحد يعرف مَن هو الآب إلاّ الابن ومَن أراد الابن أن يعلن له ” (لو2:10)، وأيضًا ” كل ما يعطني الآب فإليّ يقبل ” (يو37:6) ].

إنهم يعلّقون على هذه الآيات ويقولون: [ لو كان الابن كما تقولون، ابنًا بالطبيعة، لما كان في احتياج أن يأخذ، بل كل شئ يكون له بالطبيعة كابن، أو كيف يكون هو القوّة الطبيعية والحقيقية للآب وهو في وقت الآلام قال ” الآن نفسي قد اضطربت وماذا أقول؟ أيها الآب نجني من هذه الساعة ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة أيها الآب مجّد اسمك فجاء صوت من السماء مجدت وأمجد أيضًا ” (يو27:12ـ28).

وأيضًا قال كلمات مشابهة في مرّة أخرى ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ” (مت39:26) وعندما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال ” الحق الحق أقول لكم إن واحدًا منكم سيسلمني ” (يو21:13). وبالإضافة إلى كل هذا، يتساءل هؤلاء الأغبياء قائلين: لو كان هو القوّة لما كان قد ضَعُفَ، بل لكان قد أعطى قوّة لآخرين بالأحرى، ويضيفون قائلين لو كان هو حكمة الآب الحقيقية والذاتية، فلماذا كُتِب عنه: ” وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لو52:2).

وبالمثل عندما جاء إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل التلاميذ ” ماذا يقول الناس إني أنا ” (مت13:16). وأيضًا حينما جاء إلى بيت عنيا سأل عن لعازر ” أين دفن ” (انظر يو18:11). وأيضًا قال لتلاميذه ” كم رغيفًا عندكم ” (مر38:6).

ويقولون: كيف إذًا يكون هو الحكمة وهو ينمو في الحكمة، وكان يجهل الأمور التي كان يسأل عنها الآخرين؟ ويقولون أيضًا: كيف يمكن أن يكون هو كلمة الآب الذاتي الذي بدونه لم يكن الآب أبدًا والذي به يخلق الآب كل الأشياء كما تعتقدون أنتم، وهو الذي قال على الصليب ” إلهي إلهي لماذا تركتني ” (مت46:27). وقبل ذلك صلى قائلاً “ مجد اسمك ” (يو28:12) وأيضًا ” مجدني أنت أيها الآب بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو5:17). واعتاد أن يصلي في البراري وأوصى تلاميذه أن يصلوا لئلا يدخلوا في تجربة، بل وقال لهم ” الروح نشيط أما الجسد فضعيف ” (مت41:26). وأيضًا ” أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة ولا الابن” (مر32:13).

          وبالإضافة إلى هذا فإن هؤلاء التعساء يدّعون أيضًا ويقولون: [ لو كان الابن بحسب رأيكم هو موجود أزليًا مع الله لما كان قد جهل ذلك اليوم بل لكان قد عرفه باعتباره أنه هو الكلمة، ولما كان قد تركه ذلك الذي هو كائن معه، ولما كان قد سأل أن ينال المجد طالما أن له هذا المجد مع الآب، ولما كان قد سأل أين ينال المجد طالما أن له هذا المجد مع الآب، ولما كان قد صلى على الإطلاق إذ أن الكلمة ليس في احتياج إلى أي شئ، ولكن حيث إنه مخلوق وواحد من الموجودات لذلك تكلّم هكذا وكان محتاجًا إلى ما لم يكن عنده، لأنه معروف عن المخلوقات أنها تسأل الأشياء التي لا تملكها، وتحتاج إليها ].

          27ـ هذه هي الأشياء التي يدّعي بها الجاحدون في أحاديثهم ويتكلّمون بها، ولكن طالما هم يفكرون هكذا فكان يمكنهم أن يسألوا بجرأة أكثر قائلين [ ” لماذا صار الكلمة جسدًا على الإطلاق “؟ ويمكن أن يضيفوا أيضًا ” كيف يمكن وهو الله، أن يصير إنسانًا “؟] أو [ كيف يمكن لمن لا جسد له أن يلبس جسدًا؟ أو يمكن أن يتكلّموا بطريقة يهودية أكثر من قيافا ويسألون عمومًا، لماذا يجعل المسيح نفسه إلهًا وهو إنسان؟ ] لأن أقوالاً مثل هذه وغيرها قد قالها اليهود وتذّمروا عليه. والآن فإن الآريوسيين حينما يقرأونها هم أيضًا لا يؤمنون، وقد سقطوا في التجاديف، والآن فمن يمتحن أقوال هؤلاء وأولئك فبالتأكيد سيجد أن كليهما يتفقان في عدم الإيمان ويتساويان في كفرهما وفي جرأتهما ضدنا ويشتركان معًا في محاربتهما لنا، لأن اليهود يقولون ” كيف يمكن وهو إنسان أن يكون إلهًا “؟ (انظر يو33:10). أما الآريوسيون فيقولون [ لو كان إلهًا حقيقيًا من إله، فكيف يمكن أن يصير إنسانًا؟ ] واليهود عثروا عندئذٍ واستهزءوا قائلين ” لو كان ابن الله، لما كان قد قبل الصليب “؟ والآريوسيون يتفقون مع اليهود ويهاجموننا ويقولون: [ كيف تتجاسرون أن تقولوا إن الذي هو الكلمة الذاتي من جوهر الآب، هو الذي أخذ جسدًا، واحتمل كل هذا ]؟ وأيضًا، فبينما حاول اليهود أن يقتلوا الرب لأنه قال إن الله أبوه، وجعل نفسه معادلاً لله، وإنه يعمل الأعمال التي يعملها الآب؛ فإن الآريوسيين أيضًا ليس فقط تعلّموا أن ينكروا أن الكلمة مساوي لله وأن الله هو الآب الطبيعي للكلمة، بل هم أيضًا يحاولون أن يقتلوا مَن يؤمنون بهذا. وبينما يقول اليهود ” أليس هذا هو يسوع ابن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه “؟ (يو42:6) فكيف يقول إذًا ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو58:8) و ” أني نزلت من السماء “؟ (يو42:6)، فالآريوسيون بدورهم يجيبون بنفس الأقوال ويقولون: [ كيف يمكن أن الذي ينام ويبكي ويطلب أن يعرف كإنسان، يكون هو الكلمة أو هو الله ]؟ ولهذا فالفريقان فقدا صوابهما وأنكرا أزلية الكلمة وألوهيته متعلّلين بتلك الصفات البشريّة التي نسبها المخلّص لنفسه بسبب الجسد الذي لبسه.

          28ـ إذًا طالما أن هذا الضلال هو يهودي، ويوصف هكذا نسبة إلى يهوذا الخائن، فدعهم إذًا يعترفون صراحةً أنهم تلاميذ قيافا وهيرودس، بدلاً من أن يُلبِسوا اليهودية اسم المسيحية، ولينكروا تمامًا كما سبق أن قلنا حضور المخلّص في الجسد. لأن هذا الإنكار أقرب إلى بدعتهم. أو إن كانوا يخافون أن يختتنوا ويتهوّدوا علنًا بسبب خضوعهم للملك قسطنطيوس، ولأجل أولئك الذين خُدِعوا منهم، إذًا فدعهم لا يقولون ما يقوله اليهود، لأنهم إن تخلّوا عن الاسم فيلزمهم عن حق أن يرفضوا العقيدة المرتبطة بالاسم. لأننا نحن مسيحيون. أيها الآريوسيون ـ نعم نحن مسيحيون ونحن نتميّز بأننا نعرف جيدًا ما تقوله الأناجيل عن المخلّص ونحن لا نرجمه مع اليهود عندما نسمع عن ألوهيته وأزليته، كما أننا لا نعثر معكم، في الكلمات المتواضعة التي قالها من أجلنا كإنسان. إذًا فإن أردتم أن تصيروا مسيحيين فارفضوا جنون آريوس، وآذانكم التي تلوثت بكلمات التجديف طهّروها بكلمات التقوى، عالمين أنه بمجرد توقفكم عن أن تكونوا آريوسيين فإنكم ستكفون أيضًا عن خبث اليهود المعاصرين. وعندئذٍ سيشرق عليكم نور الحق ويخرجكم من الظلمة،ولن تعودوا عندئذٍ تعيّروننا باعتقادنا بوجود اثنين أزليين. بل ستعترفون أنتم أنفسكم أن الرب هو ابن الله، الحقيقي بالطبيعة وليس مجرد أنه أزلي، بل وتعترفون أنه كائن في الآب، ومع الآب أزليًا لأن هناك موجودات تسمى أزلية، وهو صانعها لأنه مكتوب في المزمور 7:23س ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية “، فمن الواضح أن هذه الأبواب (الدهرية = الأزلية) قد صُنِعَت بواسطته. ولكن إن كان هو خالق حتى الأشياء الدهرية فمَن منا يمكنه عندئذٍ أن يشك في أنه هو سابق على تلك الأشياء الدهرية؟ وبالتالي يتبرهن أنه الرب، ليس من كونه أزليًا فقط بل ولكونه ابن الله. وكإبن هو غير منفصل عن الآب ولم يكن هناك زمن ما لم يكن فيه موجودًا، بل كان كائنًا على الدوام، ولأنه صورة الآب وشعاعه، فَلَهُ أزليّة الآب.

          والآن فما قلناه أعلاه باختصار يكفي لكي يبرهن على سوء فهمهم للآيات التي تعلّلوا بها وأن ما يتعلّلون به الآن من الأناجيل يعطونه بالتأكيد تفسيرًا غير صحيح، ويمكننا أن نرى هذا بسهولة إذا وضعنا أمامنا كهدف ذلك الإيمان الذي نمسك به نحن المسيحيون وأن نستخدمه كقاعدة كما يعلّمنا الرسول في قراءة الكتب الموحى بها (انظر 2تيمو16:3). لأن أعداء المسيح بسبب جهلهم لهذا الهدف، قد ضّلوا عن طريق الحق، واصطدموا بحجر الصدمة (انظر رو33:9)، معتقدين في أمور لا ينبغي أن يؤمنوا بها.

          29ـ والآن فإن هدف الكتاب المقدس وميزته الخاصة كما قلنا مرارًا هو أنه يحوي إعلانًا مزدوجًا عن المخلّص: أي أنه كان دائمًا إلهًا وأنه الابن إذ هو كلمة الآب وشعاعه وحكمته، ثم بعد ذلك اتخّذ من أجلنا جسدًا من العذراء مريم والدة الإله، وصار إنسانًا. وهذا الهدف نجده في كل الكتب الموحى بها، كما قال الرب نفسه ” فتشوا الكتب، وهي تشهد لي ” (يو39:5). ولكن لكي لا أُكثرْ في الكتابة بجمع كل الآيات عن هذا الموضوع فسوف أكتفي بذكْرْ عيّنة من هذه الآيات. فأولاً، يقول يوحنا ” في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله، كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان ” (يو1:1ـ3). وبعد ذلك يقول ” والكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيد من الآب ” (يو14:1). ثم يكتب بولس ” الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون مساويًا لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ” (في6:2ـ8).

          ويمكن لأي إنسان أن يبتدئ بهذه الآيات ويجتاز خلال كل الكتاب وسوف يرى كيف أن الآب قال في البدء ” ليكن نور” (تك3:1)، و  ” ليكن جلد” (تك6:1) و “ لنعمل الإنسان” (تك26:1)، ولكن في ملء الأزمنة أرسل ابنه إلى العالم، ” لا لكي يدين العالم بل ليخلّص به العالم ” (يو17:3). وكما كُتب ” ها العذراء تحبل، وتلد ابنًا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت23:1).

          30ـ إذًا فمَن يقرأ الكتاب المقدس، سيعرف هذه الآيات من كُتْبْ العهد القديم، ومن الأناجيل أيضًا وسيُدرِك أن الرب صار إنسانًا، لأن الكتاب يقول ” الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا ” (يو14:1). والكلمة صار إنسانًا، ولم يأت إلى داخل إنسان، لأن هذا ضروري أن نعرفه، لئلا يضل هؤلاء الناس عديمي التقوى ومن ثَمَ يخدعون الآخرين بهذا الضلال ظانين أنه كما اعتاد الكلمة أن يأتي إلى القديسين في العهد القديم، هكذا يأتي الآن أيضًا في إنسان ويقدّسه ويظهر بواسطته كما أَظهَرَ نفسه في السابقين، لأنه لو كان الأمر كذلك، وأنه ظهر فقط في إنسان، لما كان هذا أمرًا غريبًا، ولما تعجب أولئك الذين رآوه قائلين “من أين هو”؟ (انظر يو9:19) و” وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا ” (يو33:10) لأنهم قد اعتادوا على مجيء كلمة الله إلى الأنبياء من الكلمات التي تقول ” صارت كلمة الرب ” إلى هذا أو ذاك من الأنبياء. ولكن الآن، حيث إن كلمة الله، الذي به كان كل شئ، قبل أن يصير ابن الإنسان، ووضع نفسه، آخذًا صورة عبد، لذلك صار صليب المسيح لليهود عثرة أما لنا نحن، فالمسيح هو قوة الله وحكمة الله (انظر 1كو24:1).

          لأنه كما قال يوحنا “الكلمة صار جسدًا”. فمن عادة الكتاب أن يدعو الإنسان بلفظة جسد، كما يقول بيوئيل النبي ” أسكب روحي على كل جسد ” (يوئيل 4:3) وكما قال دانيال إلى أستياجيس ” لست أعبد الأصنام المصنوعة بالأيدي بل الإله الحيّ الذي خلق السماء والأرض، وله سلطان على كل جسد ” (تتمة دانيال 5). فكل من دانيال ويوئيل يدعو جنس البشر جسدًا.

          31ـ ومنذ القديم صار هذا مع كل واحد من القديسين لكي يقدّس أولئك الذين يقبلونه بأمانة، ولكن حينما وُلد أولئك الأنبياء، لم يَقُل عندئذٍ أنه الكلمة صار جسدًا، ولا حينما تألموا قيل أنه هو نفسه قد تألم. ولكن حينما جاء بيننا من مريم العذراء في نهاية الأزمنة لأجل إبطال الخطية، لأنه هكذا سُّر الآب أن يرسل ابنه الذاتي ” مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ” (غلا4:4)؛ عندئذٍ قيل إنه أخذ جسدًا وصار إنسانًا، وبهذا الجسد تألّم لأجلنا كما يقول بطرس ” فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد ” (1بط1:4)، لكي يقبل الكّل ويؤمنوا أنه كان إلهًا على الدوام، وقد قدّس أولئك الذين أتى إليهم، ورتّب كل الأشياء حسب مشيئة الآب، وفيما بعد صار لأجلنا إنسانًا، وكما يقول الرسول  ” اللاهوت حلّ في الجسد ” (كو9:2)، وهذا يساوي القول ” إنه هو الله، له جسده الخاص به، وقد صار إنسانًا لأجلنا مستخدمًا هذا الجسد كأداة.

          وبناء على هذا فقد قيل عن خواص الجسد أنها خاصة به حيث إنه كان في الجسد، وذلك مثل أن يجوع، وأن يعطش، وأن يتألم، وأن يتعب، وما شابهها من الأمور المختصّة بالجسد، بينما من الناحية الأخرى فإن الأعمال الخاصة بالكلمة ذاته مثل إقامة الموتى، وإعادة البصر إلى العميان، وشفاء المرأة نازفة الدم، قد فعلها بواسطة جسده، والكلمة حمل ضعفات الجسد كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خَدَم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي “حملها” (إش4:53، مت17:8) ولم يقل إنه ” شفى ضعفاتنا ” لئلا إذ تكون هذه الضعفات خارج جسده هو، وهو يشفيها فقط ـ كما كان يفعل دائمًا فإنه يترك البشر خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضّح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حَمَل الضعفات، هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا ” بحمله خطايانا في جسده على الخشبة ” كما قال بطرس (1بط24:2) فإننا نحن البشر قد افتدينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة.

          32ـ وتبعًا لذلك فعندما تألّم الجسد، لم يكن الكلمة خارجًا عنه، ولهذا السبب يقال إن الآلام خاصة بالكلمة، وعندما عمل أعمال الآب لاهوتيًا، لم يكن الجسد خارجًا عنه، لكن الرب عمل هذه الأعمال في هذا الجسد نفسه، لهذا فحينما صار إنسانًا، قال ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ وانأ فيه ” (يو37:10ـ38). ولذلك فحينما كان هناك احتياج لإقامة حماة بطرس التي كانت مريضة بالحمى، فإنه مدّ يده إليها بشريًا ولكنه أوقف المرض إلهيًا (انظر مت14:8). وفي حالة الإنسان المولود أعمى فإن تَفْل البصاق كان من الجسد ولكن فتّح عين الأعمى بالطين إلهيًا. وفي حالة لعازر، فلكونه إنسانًا فقد دعاه بصوته البشري ولكونه في نفس الوقت إلهًا فقد أقامه من الأموات. وهذه الأمور حدثت هكذا وظهرت هكذا لأنه كان قد اتخّذ لنفسه جسدًا حقيقيًا وليس خياليًا[2]، ولذا كان يليق بالرب بأخذِه جسدًا بشريًا أن يكون لهذا الجسد كل الخواص التي للجسد، حتى كما نقول إن الجسد كان جسده هكذا أيضًا نقول إن آلام الجسد كانت خاصة به أي بالكلمة رغم أنها لم تمسه بحسب لاهوته. فلو كان الجسد هو جسد خاص بآخر غيره لكانت الآلام قد نُسِبَت لهذا الآخر أيضًا، ولكن إن كان الجسد هو جسد الكلمةلأن الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) فبالضرورة إذًا أن تُنسَب آلام الجسد أيضًا للذي له هذا الجسد[3]. والذي تنسب له هذه الآلام مثل المحاكمة، والجلد والعطش والصلب، والموت وضعفات الجسد الأخرى، فلابد أن تنسب له بالأحرى النصرة والنعمة.

          لهذا السبب إذ كان ضروريًا وملائمًا أن لا تُنسب مثل هذه الآلام لآخر بل للرب، حتى تكون النعمة أيضًا منه ولا نصير نحن عابدين لآخر، بل تكون عبادتنا لله حقًا، لأننا لا ندعو مخلوقًا من المخلوقات، ولا إنسانًا عاديًا، بل ندعو الابن الحقيقي والذي هو الله حسب طبيعته، الذي صار إنسانًا وهو في نفس الوقت الرب والإله المخلّص.

          33ـ فمَنْ الذي لا يُعجَب بهذا الكلام؟ أو مَن هو الذي لا يوافق أن هذا الأمر هو إلهي بالحقيقة؟[4] لأنه لو كانت أعمال ألوهية الكلمة لم تحدث بالجسد، لما كان الإنسان قد تأله[5]، وأيضًا لو أن الضعفات الخاصة بالجسد لم تنسب للكلمة، لما كان الإنسان قد تحرّر منها تمامًا. وحتى لو أنها كانت قد توقّفت لفترة قليلة كما قلت سابقًا[6] لظلّت الخطية وظلّ الفساد باقيان في الإنسان، كما كان الحال مع الجنس البشري قبل التجسد. ولهذا فهناك أمثلة لكثيرين قد تقدّسوا وتطهّروا من كل خطية مثل إرميا الذي تقدّس من الرحم (انظر إر5:1) ويوحنا الذي وهو لا يزال جنينًا في البطن ارتكض بابتهاج عند سماع صوت مريم والدة الإله (انظر يو44:1). ومع ذلك فقد ” ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم ” (رو14:5)، وهكذا ظلّ البشر مائتين وقابلين للفساد كما كانوا، ومعرّضين للأوجاع الخاصة بطبيعتهم، أما الآن فإذ صار الكلمة إنسانًا وجعل الأمور الخاصة بالجسد خاصة به، فلم تَعُد تلك الأمور تمسك بالجسد بسبب الكلمة الذي قد جاء في الجسد، فقد انهزمت الأوجاع بواسطته ومنذ ذلك الحين فصاعدًا لم يبقَ الناس بعد خطاة وأمواتًا بحسب أوجاعهم بل قد قاموا بقوة الكلمة، وصاروا غير مائتين وغير فاسدين وأقوياء دائمًا. ومن هنا أيضًا فبينما وُلِدَ الجسد من مريم والدة الإله، فإن الكلمة نفسه يقال إنه قد وُلِد، وهو الذي يعطي بداية الوجود للكائنات الأخرى، لكي ينقل بداية تكويننا إلى نفسه، ولكي لا نرجع فيما بعد كمجرد تراب إلى تراب، ولكن بارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فإننا نُحمَل إلى  السماوات بواسطته. لذلك فإنه بطريقة مماثلة قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية ـ ليس كبشر فيما بعد ـ بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة.

          لأننا لم نَعُد نموت بحسب بدايتنا الأولى في آدم، بل بسبب أن بدايتنا وكل ضعفات الجسد قد انتقلت إلى الكلمة، فنحن نقوم من الأرض، إذ أن لعنة الخطية قد أُبطلت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنة لأجلنا. وكما أننا نحن جميعًا من الأرض وفي آدم نموت هكذا نحن إذ نُولَد من فوق من الماء والروح فإننا في المسيح نُحيا جميعًا. فلا يعود الجسد فيما بعد أرضيًا بل يكتسب قوّة بسبب كلمة الله، الذي لأجلنا صار جسدًا.

          34ـ ولكي ما نصل إلى معرفة أكثر دقة بخصوص عدم قابلية طبيعة الكلمة للتألم وبخصوص الضعفات التي نُسبت له بسبب الجسد، جيد لنا أن نستمع إلى الطوباوي بطرس لأنه شاهد موثوق فيه عن المخلّص. فهو يكتب في رسالته هكذا “ فإذ قد تألّم المسيح لأجلنا بالجسد ” (1بط1:4)، لذلك أيضًا فحينما يُقال عنه، إنه يجوع، وإنه يعطش، وإنه يتعب، وإنه لا يعرف، وإنه ينام، وإنه يبكي، وإنه يسأل، وإنه يهرب، وإنه يُولَد، وإنه يتجنّب الكأس، وعمومًا إنه يحتمل كل ما يخص الجسد، فينبغي أن يقال في كل حالة من هذه الحالات إن (المسيح) عندما يجوع ويعطش فإنه يفعل هذا بالجسد لأجلنا، وعندما يُقال إنه لم يعرف وأنه لُطِم، وأنه تعب، فإنه فعل هذه بالجسد لأجلنا، وأيضًا عندما يُقال إنه صعد وإنه قد وُلِدَ وكان ينمو فإن هذا كان بالجسد، وكذلك عندما يقال إنه خاف واختبئ فإن هذا كان بالجسد، وكذلك عندما قال ” إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ” (مت39:26). وعندما يقال إنه ضُرِب وإنه تحمّل فإن كل هذه كانت بالجسد لأجلنا. وعلى وجه العموم فكل مثل هذه الأمور قد تحمّلها بالجسد لأجلنا. ولهذا السبب قال الرسول نفسه إن المسيح عندما تألّم، لم يتألّم بلاهوته، بل “لأجلنا بالجسد”، لكي لا تعتبر هذه الآلام خاصة بطبيعة الكلمة ذاتها، بل هي خاصة بطبيعة الجسد ذاتها. لذلك لا ينبغي أن يَعثُر أحد بسبب الأمور الإنسانية، بل بالحرى فليعرف، أن الكلمة نفسه بالطبيعة هو غير قابل للتألّم، ومع ذلك فبسبب الجسد الذي اتخذه تقال عنه هذه الأمور، حيث إنها أمور خاصة بالجسد والجسد نفسه خاص بالمخلّص، فبينما هو نفسه غير قابل للتألم بالطبيعة، ويظّل كما هو دون أن تؤذيه هذه الآلام، بل بالحرى إذ هو يوقفها ويلاشيها، فإن آلام البشر تتغيّر وتتلاشى في ذلك الذي هو غير متألم، وحينئذٍ يصير البشر أنفسهم غير متألمين وأحرارًا من هذه الأوجاع إلى الأبد كما علّم يوحنا قائلاً ” وتعلمون أن ذاك أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية ” (1يو5:3). ولأن الأمر هكذا فلا يعترض أحد من الهراطقة قائلاً: [ كيف يقوم الجسد وهو بالطبيعة مائت؟ وإن قام، فلماذا لا يجوع ويعطش ويتألّم ويظّل مائتًا؟ لأنه قد صار من التراب، فكيف يمكن أن تفارقه حالته الطبيعية ]؟ عندئذٍ يستطيع الجسد الآن أن يجاوب هنا الهرطوقي المقاوم ويقول: [ أنا من التراب، وبحسب الطبيعة مائت، ولكن فيما بعد قد صرت جسد الكلمة، وهو حَمَلَ أوجاعي، مع أنه هو نفسه غير متألم، هكذا صرت أنا حرًا من هذه الأوجاع ولم أعد بعد مستعبدًا لها بسبب الرب الذي قد حرّرني منها. لأنك إن كنت تعترض على تحرّري من ذلك الفساد الذي هو من طبيعتي، فانتبه أنك بهذا تعترض على أن كلمة الله قد أخذ صورة العبد الخاصة بي. لأنه كما أن الرب بلبسه الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإننا نتأله[7] بالكلمة باتحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن سنرث الحياة الأبدية ].

          35ـ لقد وجدنا أنه من الضروري أن نبحث هذه الأمور أولاً لكي حينما نراه يعمل أو يقول ما يليق بالله بواسطة جسده، فإننا نعرف أنه يعمل هكذا لأنه هو الله، وأيضًا إذ رأيناه يتكلّم أو يتألّم إنسانيًا فإننا لا نجهل أنه باتخاذه الجسد صار إنسانًا ولذلك فهو عمل هذه الأعمال وتكلّم بهذه الكلمات. لأننا عندما نعرف ما هو خاص بكل منهما (الله والإنسان)، نرى ونفهم أن هذه الأمور التي تجري من كليهما، إنما تتم بواسطة واحد[8]، فإننا نكون مستقيمين في إيماننا، ولن نضل أبدًا. أما إن كان أحد وهو ينظر إلى الأعمال التي يعملها الكلمة إلهيًا، ينكر الجسد، أو وهو ينظر إلى تلك الأمور الخاصة بالجسد، ينكر حضور الكلمة في الجسد، أو بسبب ما هو بشري يفكر أفكارًا حقيرة عن الكلمة، مثل هذا يكون كبائع خمر يخلط الخمر بالماء[9] فيحسب الصليب عثرة أو يكون مثل اليوناني، الذي يعتبر الكرازة جهالة[10]. هذا هو إذًا ما أصاب الآريوسيين أعداء الله، لأنهم بنظرهم إلى ما هو بشري في المخلّص قد اعتبروه مخلوقًا. لذلك كان يلزمهم أيضًا عندما ينظرون الأعمال الإلهية للكلمة أن ينكروا تجسده، وبذلك فإنهم يصنفون أنفسهم مع المانويين[11]. فليتهم يتعلّمون ولو متأخرًا أن الكلمة صار جسدًا، أما نحن فإذ نحتفظ بهدف الإيمان، ندرك أن ما يسيئون تفسيره، له تفسير سليم.

 

 

 

 

1 بولس الساموساطي: كان أسقفًا لأنطاكية في القرن الثالث. علّم تعاليمًا خاطئة عن شخص المسيح له المجد، وقال إن الكلمة قد حلّ على طبيعة المسيح البشرية مثل حلول شخص على شخص وبالتالي فإن المسيح لا يختلف عن أي نبي آخر سوى في الدرجة وكانت تعاليمه هذه أساس لما علّم به نسطور فيما بعد ولقد أدانت ثلاث مجامع في انطاكية تعاليم الساموساطي وعزل عن كرسيه في عام 268م.

2 هنا يرد ق. أثناسيوس أيضًا على بدعة الخياليين التي أنكرت أن التجسد كان حقيقيًا، وعلّمت بأن الكلمة في تجسّده قد اتخذ جسدًا خياليًا. ولقد حارب ق. يوحنا هذه البدعة في رسالته الأولى 3:4.

3 تضع الكنيسة هذه التعاليم العقائدية الهامة أمامنا في صلوات الساعة السادسة عندما نتضرّع لله الكلمة الابن المتجسد والرب يسوع المسيح قائلين ” … اقتل أوجاعنا بآلامك المشفية المحييّة .. “.

4 يُلّخص ق. أثناسيوس في هذا الفصل نتائج هذا الأمر الإلهي الذي هو تجسد الابن الوحيد، وقد شرح في كتابه “تجسد الكلمة” بالتفصيل ما نالته البشرية بظهور الله الكلمة في الجسد. انظر كتاب “تجسد الكلمة” ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الفصول 6ـ32.

5 انظر هامش رقم 27 ص50.

6 انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين، ترجمة أ. صموئيل كامل، ود. نصحي عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء 1987. فقرة 65 صفحة 89، فقرة 86 صفحة 106

7 انظر هامش ص50 رقم 27.

8 أى بواسطة شخص واحد، ومن هنا تتضّح هنا الأسس السليمة التي اعتمد عليها ق. كيرلس بخصوص تعليمه عن طبيعة السيد المسيح الواحدة والتي استقاها من ق. أثناسيوس الرسولي.

9 إش22:1.

10 1كو23:1.

11 انظر الهامش رقم 22 ص36.

مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

 

أقدم للأحباء بحث بعنوان ”عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي“، هو عبارة عن بحث في عقيدة التأله بالنعمة في نصوص الكتاب المقدس، وفي كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وفي نصوص الليتورجية القبطية والسريانية.
 
يحتوي البحث على النقاط التالية:
١. عقيدة التأله في الكتاب المقدس.
٢. عقيدة التأله عند الآباء اليونانيين.
٣. عقيدة التأله عند الآباء السريان.
٤. عقيدة التأله في الليتورجية السريانية.
٥. عقيدة التأله عند الآباء اللاتين.
٦. التأله غاية خلق الإنسان.
٧. التأله غاية التجسد.
٨. تأله ناسوت المسيح.
٩. الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق.
١٠. الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر.
١١. الهرطقة الأفنومية وإنكار الحلول الأقنومي للروح القدس.
١٢. رد آباء الكنيسة على الهرطقة الأفنومية.
١٣. التأله بالأسرار المقدسة.
١٤. عقيدة التأله في الليتورجية القبطية.

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

تحميل البحث

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

كيف ينال المسيحي التأله بالنعمة؟

سنحاول الإجابة عن ذلك من خلال الكتاب المقدس وكتابات الآباء

قال السيد المسيح لنيقوديموس:

” أَجَابَ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (إنجيل يوحنا5:3).

هنا شرط دخول الملكوت والحياة الأبدية (التأله بالنعمة) هو الولادة من الماء والروح أي بالمعمودية ننال الحياة الأبدية والتأله بالنعمة.

قال السيد المسيح أيضًا لتلاميذه واليهود:

“مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (إنجيل يوحنا54:6).

هنا يؤكد السيد المسيح أن شرط الحياة الأبدية هو التناول من جسده ودمه الأقدسين لنوال الحياة الأبدية (التأله بالنعمة).

نستخلص مما سبق أن نوال الخلود والحياة الأبدية وهي حياة الله وصفة خاصة بالله يعطيها للإنسان كعطية من خلال الأسرار الكنسية كالمعمودية والميرون والافخارستيا والتأله بالنعمة هو شركة الطبيعة الإلهية وشركة الحياة الأبدية وشركة في صفات إلهية بالأساس كالقداسة والبر والصلاح والأبدية والحكمة والقوة وهذه كلها صفات إلهية يشترك فيها الإنسان مع الله كعطية وهبة ومنحة من الله للإنسان وهذا هو مفهوم “التأله بالنعمة” الذي تحدث عنه آباء الكنيسة الجامعة الذي يتحقق من خلا الأسرار كالتالي:

يقول ق. أغناطيوس الأنطاكي (الثيؤفوروس) عن الإفخارستيا إنها:

 “دواء الخلود وترياق عدم الموت” (الرسالة إلى أفسس ٢٠).

 فنحن بالتناول من جسد الرب ودمه ننال الخلود وعدم الموت أي ننال التأله بالنعمة من خلال الإفخارستيا.

يقول ق. إيرينيؤس أيضًا:

 “كيف يمكنهم أن يقولوا إن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي اغتذى من جسد الرب ودمه وصار عضوًا فيه” (ضد الهرطقات ٥: ٢: ٣).

 يؤكد القديس إيرينيؤس أن الحياة الأبدية هي عطية إلهية ننالها من خلال التغذي من الإفخارستيا والحياة الأبدية هي مرادف لمفهوم التأله بالنعمة” كما ذكرنا من قبل.

يقول ق. أثناسيوس الرسولي في نفس السياق:

 “ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من (جسد الكلمة) ذاته” (الرسالة إلى مكسيموس ٢).

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا وبالتالي الأسرار الكنسية تعتبر ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية.

يقول ق. كيرلس الأورشليمي:

 “وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن (حاملي المسيح) بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” (٢بط١: ٤)”

(العظة للموعوظين ٢٢: ٣).

 كما يؤكد ق. كيرلس هنا أيضًا على نوال شركة الطبيعة الإلهية (التأله بالنعمة) وباتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا ونصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا.

يقول ق. غريغوريوس اللاهوتي:

  “بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة (النفس) والثانية منظورة (الجسد) فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد”

(عظة ٤٠: ١٠).

ونجد ق. غريغوريوس هنا يؤكد على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله) ونلبس الإنسان الجديد ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية.

يقول ق. غريغوريوس النيسي:

“كما أن الله الذي أظهر ذاته قد (مزج) نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذا الشركة مع اللاهوت يتيسر للبشرية أن تصير (مؤلهة) في نفس الوقت. فيزرع ذاته بحسب خطة النعمة الخاصة به في كل المؤمنين بواسطة الجسد، الذي يستمد بقائه من الخبز والخمر، مازجًا ذاته بأجساد المؤمنين حتى أنه بواسطة الاتحاد بذاك الأزلي، يستطيع الإنسان أن يشترك في عدم الفساد”

(العظة التعليمية الكبرى ٣٧).

 يؤكد ق. غريغوريوس على نوال نعمة التأله من خلال سر الإفخارستيا حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة).

يقول ق. يوحنا الذهبي الفم:

“كذلك المسيح والكنيسة يُكوِّنان كيانًا كليًا واحدًا، ويتحقق هذا الاتحاد بالقوت السماوي (الإفخارستيا) الذي منحنا إياه المسيح… لأجل هذا وحَّد نفسه بنا كيانيًا، فمزج جسده ببشريتنا كالخميرة بالعجين، كي نصير كائنًا واحدًا في تماسك الجسد بالرأس”

(عظة ٣٠: ١ على رسالة ١كو).

 ونرى هنا ق. يوحنا يؤكد على اتحادنا الكياني بالمسيح ككيان واحد كلي من خلال الإفخارستيا ويسميها ” القوت السماوي” وهكذا يمزج المسيح جسده بجسد بشريتنا كامتزاج الخميرة والعجين وهكذا يصير الرأس (المسيح) والجسد (الكنيسة) كائن واحد متماسك.

يقول ق. باسيليوس الكبير:

“لذلك نحتاج من الآن فصاعدًا لأن نتغذى بطعام الحياة الأبدية، كما علّمنا ذلك الابن الوحيد الإله الحي… وفي مرة أخرى يكرر كلمة ” الحق” ليؤكد ما يقوله ويعطي الثقة التامة لسامعيه، فيقول:  “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ”.  (يو56-53:6)”

(شرح المعمودية ٣: ١).

وهكذا يُسمي ق. باسيليوس القيصري الإفخارستيا ب(طعام الحياة الأبدية) الذي به ننال (التأله بالنعمة).

وأخيرًا يؤكد ق. كيرلس عمود الدين على أننا بالإفخارستيا أي “بشركة جسده الخاص الذي دخل فينا، ننال الشركة مع الله” (تفسير يو ٦: ٣٥).

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا موضوع الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق، هذا النور الذي يتسامى على الإطلاق لا على الحواس فقط، بل وعلى العقل نفسه، نور يلاقيه الذهن البشري ويتطابق معه، عندما يخرج الذهن البشري من ذاته ليصير أفضل مما هو عليه، عندما يتجاوز ذاته (أي الذهن البشري) ويتحد بالله.

سأتحدث عن الوصول إلى حالة الدهش والانخطاف الروحي في تعليم آباء الكنيسة، هذا الدهش والانخطاف الذي يحدث عندما تصلي النفس صلاة عقلية حارة*، وتنال مواهب الروح القدس، وتحقق هذه الصلاة بصورة سرية اتحاد النفس بينبوع هذه المواهب. وننوه بإمكانية نوال مواهب الروح هذه حتى في أوقات عمل الجسد، فالصلاة ليست انسلاخًا (أي ترك) عن الجسد.

يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق قائلاً:

“إنه ينزل من الأعالي حيث مقره لكيما تدخل إليه – إلى حد ما – الطبيعة المخلوقة”.

Homily 45: 11. PG 36: 637 B.

يتحدث مار اسحاق السرياني عن خبرة معاينة النور الإلهي غير المخلوق، وكيف ندرك هذا النور الإلهي العجيب بعيون نفوسنا الروحية كالتالي:

“إن لنفسنا حدقتين، ولكن النظر الخاص بكل منهما يختلف استعماله عن الآخر. فبإحدى هاتين الحدقتين نعاين أسرار الطبيعة، أعني قوة الله وحكمته وعنايته بنا، وندركها بفضل الجلال الذي يقودنا به. ونعاين بالحدقة الأخرى مجد طبيعته المقدسة حين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية”. (عظة ٧٢)

ثم يتحدث مار اسحاق السرياني عن إشراق نور الثالوث القدوس مثل الشمس في نفس الإنسان النقي من الداخل، واستنشاقه للروح القدس كلي القداسة، وتساكنه الطبائع الروحية المقدسة (أي الملائكة) كالتالي:

“الرجل النقي النفس هي داخله. والشمس التي تشرق داخله هي نور الثالوث القدوس. الهواء الذي يستنشقه سكان تلك البلدة هو الروح القدس المعزي وكلي القداسة. والذين يسكنون معه هم الطبائع المقدسة الروحانية. المسيح هو نور نور الآب، هو حياتهم، وفرحهم، وسعادتهم.

مثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة بالرؤى الإلهية داخل نفسه*، ويسحره جمالها الخاص الذي هو بالحق أبهى مئة ضعف من لمعان الشمس نفسها. هذه هي أورشليم وملكوت الله المختفي داخلنا*، كما يقول الرب. هذا العالم هو سحابة مجد الله التي لا يدخلها إلا أنقياء القلب ليروا وجه سيدهم وليستنير عقلهم بشعاع نوره”.

مار اسحاق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: نيافة الانبا سيرافيم، (وداي النطرون: دير العذراء البراموس، ٢٠١٧)، الميمر ١٥، ص٢٢٣.

 

ويتحدث مار اسحاق السرياني عن كيفية الوصول إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق من خلال الصلاة التي نصليها كالتالي:

“وإذ يتخذ الروح القدس مادة من صلاة الإنسان التي يصليها، يتحرك داخله، وتفقد بذلك صلاة الإنسان حركتها أثناء الصلاة، ويرتبك ذهنه، ويُبتلع في الدهش والانذهال*، وينسى حتى الرغبة فيما كان يتوسل بشأنه*. تغطس حركات العقل في سكر عميق، ولا تعد في هذا العالم في مثل هذا الوقت*، لا يوجد تمييز بين النفس والجسد، كما لا يوجد تذكار لأي شيء، تمامًا كما قال العظيم غريغوريوس اللاهوتي: الصلاة هي نقاوة الذهن*، وهي تنتهي فقط بواسطة نور الثالوث القدوس من خلال الدهش والانذهال*.

هل رأيت كيف تنتهي الصلاة من خلال الدهش بالمفاهيم التي ولدتها الصلاة في العقل، كما قلت في بداية هذا الميمر وفي مواضع أخرى عديدة؟ ويكتب أيضًا نفس هذا القديس غريغوريوس: نقاوة العقل هي التحليق السامي والمرتفع للقدرات الذهنية*، وهي تشبه منظر السماء، وهي التي يشرق عليها ومن خلالها نور الثالوث القدوس وقت الصلاة*”.

المرجع السابق، الميمر ٢٣، ص ٢٧٨، ٢٧٩.

 

وهكذا يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن معاينتنا للنور الإلهي غير المخلوق، وخبرة إشعياء النبي لهذا النور الإلهي في رؤياه كالتالي:

” وهذا نادى ذاك وقال: قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود. مجده ملء كل الأرض (إش٦: ٢، ٣). بالحقيقة هو قدوس لأنه جعل طبيعتنا مستحقة هذه الأسرار الكثيرة والعظيمة*، وصيرنا شركاء هذه الأمور التي لا تُوصف، لقد استوى عليَّ الفزع والرعدة (المقدسة) في أثناء إنشاد هذه التسبحة، وما يدعو للعجب أن هذا يحدث لي أنا الطين* المصنوع من تراب في اللحظة التي فيها حتى القوات السمائية تأخذها الدهشة العظيمة والدائمة؟ لذلك يديرون وجوههم ويغطونها بأجنحتهم كمثل ساتر، لأنهم لا يستطيعون تحمل اللمعان المنبعث من هناك.

وبالرغم من أن المشهد (الرؤيا) – كما يقال- كان يمثل تنازلاً للطبيعة الإلهية*. فلماذا إذًا لا يحتملون؟ فهل تسألني أنا ذلك؟! سل أولئك الذين يريدون أن يفحصوا الطبيعة غير الموصوفة وغير المقترب منها، أولئك الذين يتجرأون على ما لا يمكن التجرؤ منه […] بينما تجاسر الإنسان أن يتكلم أو بالحري أن يفكر بعقله في أنه يقدر أن يتطلع بدقة وبوضوح إلى تلك الطبيعة الإلهية البسيطة”.

يوحنا ذهبي الفم (قديس)، رؤيا إشعياء، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢: ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.

 

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم في نفس السياق:

“لأنه يقول: باثنين يُغطي وجهه (إش٦: ٢). كأنهما ستارتان يغطيان وجهه، لأنهم لا يتحملون اللمعان المنبعث من ذلك المجد. وباثنين يغطي رجله (إش٦: ٢) تحت تأثير نفس الانبهار، لأننا أنفسنا عندما يُسلط علينا جسم باهر، فإننا ننكمش ونخفي كل مكان في جسدنا.

ولماذا اتحدث فقط عن الجسد، طالما أن النفس ذاتها، عندما يحدث لها ذلك الأمر في تجلياتها السامية، تجذب كل طاقاتها، ثم تجمع ذاتها ضاغطةً إياها بعمق في الجسد كما لو كان هذا الجسد ملبسًا لها؟ وحين يسمع أحد الاندهاش والانبهار لا يظن أننا نتحدث عن صراع مقزز للنفس، لأنه مع هذا الاندهاش توجد نشوة* ممتزجة به لا تُحتمل من عظمتها. وباثنين يطيرون (إش٦: ٢)، وهذا يدل على أنهم دائمًا يشتهون الأمور العلوية (السمائية) ولا ينظرون إلى أسفل أبدًا”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٧٨، ١٧٩.

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم في حديثه عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وحالة الاندهاش والانخطاف الروحي كالتالي:

“لأن الأجسادةالبراقة، وإن كانت منيرة بشكل عظيم، حينئذ فإنها عادةً ما تثير ذهولنا لما نشاهدها للمرة الأولى بعيوننا، ولكن إن واصلنا التطلع فيها أكثر فبالتعود سوف ينتهي اندهاشنا، لأن عيوننا قد اعتادت على تلك الأجساد. لذلك فعندما نرى أيقونة ملوكية، وقد تم تكريسها حديثًا (تجهيزها) وهي تزهو بألوانها، فهي تُثير إعجابنا، ولكن بعد يوم ويومين يزول إعجابنا هذا.

ولكن لماذا أتحدث عن أيقونة ملوكية، طالما أن الأمر ذاته يحدث لنا مع أشعة الشمس، على الرغم من أنه لا يوجد جسم أكثر لمعانًا منها؟ وهكذا فأي جسد بسبب الاعتياد على النظر إليه يذهب الإعجاب به. غير أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمجد الله، بل على العكس تمامًا، لأنه كما واصلت تلك القوات (السمائية) في النظر إلى ذلك المجد كلما انبهرت بالأكثر وازداد تعجبها.

لذلك فبالرغم من أنهم يرون ذاك المجد منذ خلقتهم وحتى الآن، فلا يتوقفون عن الصراخ بانبهار، لأن ما نعاني منه، ويحدث لنا في برهة قصيرة من الزمن، عندما يأتي علينا ضياء ساطع، يحدث لتلك القوات القائمة قدامه باستمرار وبلا انقطاع، وبالرغم من ذلك يُظهِرون لذةً ما وتعجبًا.

لأنهم لا يصرخون فقط، بل يفعلون ذلك فيما بينهم، وهذه علامة على اندهاشهم الدائم، وهذا نفسه ما يحدث لنا* عندما نسمع رعدًا أو زلزالاً يهز الأرض، لا نقفز ونصرخ فقط، بل نُسرِع بالهرب الواحد تلو الآخر إلى بيته، وهذا هو ما يفعله السيرافيم، لذلك كل واحد يصرخ نحو الآخر قائلاً: قدوس، قدوس، قدوس”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٨٠، ١٨١.

وهكذا بعد جولة روحية عميقة وممتعة بين تعاليم آباء الكنيسة عن حالة الاندهاش والانخطاف الروحي التي تحدث لنا في الصلاة، وكيف تصل الصلاة الذهنية بنا إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وغير المحسوس والفائق الوصف، نصلي دائمًا من كل قلوبنا أن نصل إلى هذه الحالة الروحية الجميلة والطوباوية لنتمتع بلمحات من ملكوت الله ونحن سالكون في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالمصاعب والضيقات.

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

Exit mobile version