التأله غاية خلق الإنسان عند ق. إيرينيؤس – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. إيرينيؤس – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. إيرينيؤس – د. أنطون جرجس

يتحدث ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي وتلميذ القديس بوليكاربوس أسقف أزمير، الذي كان بدوره تلميذًا للقديس يوحنا الرسول، عن أن الإنسان لم يكن كاملاً منذ البدء عندما خلقه الله، بل كان في مرحلة طفولة في مسيرة نحو كماله، حيث يقول التالي:

“ولكن إن كان أي أحد يقول: ماذا إذًا، ألم يكن يستطيع الله أن يُظهر الإنسان كاملاً منذ البدء*؟ فليعلم أن بقدر ما أن الله هو دائمًا حقًا هو ذاته، وهو غير مولود من جهته هو، فإن كل الأشياء مستطاعه لديه. أما المخلوقات فيحب أن تكون أقل منه هو الذي خلقها، من الحقيقة ذاتها أنهم نشأوا متأخرين، لأنه لم يكن ممكنًا للأشياء المخلوقة حديثًا أن تكون غير مخلوقة، ولكن بقدر ما أنها ليست غير مخلوقة، فلهذا السبب بالذات تقصر عن أن تكون كاملةً*.

لأنه بسبب أن هذه الأشياء هي من تاريخ متأخر، لذلك فهي طفولية (في حالة الطفولة) *، وهي لم تتعود على النظام الكامل، ولم تتدرب عليه”.

 

إيرينيؤس أسقف ليون (قديس)، ضد الهرطقات ج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، ٤: ٣٨: ١، ص ٢٥٨، ٢٥٩.

ويؤكد ق. إيرينيؤس في موضع آخر على حقيقة أن الإنسان لم يكن كاملاً منذ البدء قبل السقوط، بل خُلق في مرحلة الطفولة، لذا كان في مسيرة نمو نحو كماله. وإن القادر على تحقيق كمال الإنسان هو ابن الله نفسه بتجسده ليكمل نقص الإنسان ويمنحه الكمال من خلال مشاركته في طفولة الإنسان، حيث يقول التالي:

“وهكذا بالمثل، فإن الله كان له القوة في البدء أن يمنح الكمال للإنسان*، ولكن لأن الإنسان كان قد خُلق حديثًا فقط*، فكان من المحتمل ألا يستطيع أن يناله، وحتى إن ناله لم يكن يستطيع أن يحتويه*، وإن احتواه لم يكن يستطيع أن يحتفظ به*. ولهذا السبب، فإن ابن الله رغم أنه كامل، اجتاز خلال حالة الطفولة مشتركًا مع بقية الجنس البشري*، مشتركًا فيها هكذا ليس لأجل منفعته الذاتية، بل لأجل منفعة مرحلة الطفولة، لكي يستطيع الإنسان أن يتقبله.

لذلك لم يكن هناك شيء مستحيل عند الله، أو شيئًا ناقصًا فيه، متضمن في حقيقة أن الإنسان لم يكن كائنًا غير مخلوق [أي متألهًا]، ولكن هذا مجرد أن ينطبق عليه هو الذي خُلق فيما بعد أي الإنسان”.

المرجع السابق، ٤: ٣٨: ٢، ص ٢٦٠.

ثم يؤكد ق. إيرينيؤس أن تأله الإنسان يحدث فقط من خلال اتحاد الله بالإنسان، وهذا يعيدنا إلى موضوع التجسد غير المشروط، لأنها جميعًا أمور مرتبطة ببعضها البعض، فتكميل خلق الإنسان ليصير إلهًا بالنعمة، لا يمكن حدوثه دون اتحاد الله بالإنسان عن طريق التجسد الإلهي، ليجعل الله الإنسان شريكًا في عدم الفساد وعدم الموت (التأله)، وهذا لا يمكن حدوثه بدون الوسيط بين الله والناس، أي الإنسان يسوع المسيح. حيث يقول التالي:

“ولو لم يكن الإنسان قد اتحد بالله، لما صار شريكًا في عدم الفساد إطلاقًا*، لأنه كان إلزامًا على الوسيط بين الله والناس*، من خلال علاقته بكل منهما أن يُحضر كليهما إلى الصداقة، والوئام، ويقدم الإنسان إلى الله*، بينما يصير الله معلنًا للإنسان”.

المرجع السابق، ٣: ١٨: ٧، ص ٩٤.

ويؤكد ق. إيرينيؤس على نفس الحقيقة السابقة وهي أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان، وبدون التجسد لا يمكن أن يصير الإنسان في حياة عدم الفساد والخلود، حيث يقول التالي:

“لأنه لهذا الهدف، قد صار الكلمة إنسانًا، الذي هو ابن الله صار ابن الإنسان، ذلك الإنسان الذي إذ قد أُخذ في داخل الكلمة*، وإذ نال التبني، يصير ابن الله، لأنه لم يكن ممكنًا أن نبلغ إلى عدم الفساد والخلود بأية وسيلة أخرى، لو لم نتحد بعدم الفساد*. ولكن كيف كان ممكنًا أن نتحد بعدم الفساد وعدم الموت. لو لم يصر عدم الفساد وعدم الموت أولاً*، هما ذلك الذي هو نحن أيضًا، حتى أن الفاسد يُبتلع في عدم الفساد، والمائت يُبتلع في عدم الموت لكي ننال تبني البنين”.

المرجع السابق، ٣: ١٩: ١، ص ٩٥، ٩٦.

وهذا ما يؤكده ق. إيرينيؤس أيضًا أنه لا يوجد طريق آخر لنصير في شركة مع الله ونتأله سوى تجسد الابن الوحيد، حيث يقول التالي:

” فبأية طريقة كان يمكننا أن نصير شركاء تبني البنين، لو لم نكن قد نلنا منه تلك الشركة معه هو نفسه من خلال الابن، لو لم يكن الكلمة الذي صار جسدًا قد دخل في شركة معنا؟”.

المرجع السابق، ٣: ١٨: ٦، ص ٩٤.

كما يشير ق. إيرينيؤس إلى أن نفخة الله في الإنسان في بداية الخلق هي نفخة الروح القدس التي هي وسيلة شركة الكنيسة، وعربون عدم الفساد، ووسيلة تثبيت الإيمان، وسلم الصعود إلى السماء، وهذا على العكس مما يدّعي النساطرة الجدد بأن النفخة الإلهية في الخلق هي نفخة الروح الإنسانية وليست نفخة الروح القدس، حيث يقول التالي:

“فإن هبة الله هذه قد استؤمنت عليها الكنيسة، مثلما كانت النفخة بالنسبة إلى الإنسان المخلوق أولاً*، ولهذا الغرض، فإن كل الأعضاء الذين ينالونها، يمكن أن يتم إحياءهم. ووسيلة الشركة مع المسيح قد انتشرت في كل الكنيسة أي الروح القدس*، عربون عدم الفساد، ووسيلة تثبيت إيماننا، وسلم الصعود إلى الله*”.

المرجع السابق، ٣: ٢٤: ١، ص ١١٨.

ويؤكد ق. إيرينيؤس نفس الكلام في موضع آخر قائلاً:

“لأن الإنسان الكامل يتكون من اختلاط واتحاد النفس نائلة روح الآب [أي الروح القدس] وامتزاج تلك الطبيعة الجسدية التي شُكلت على صورة الله*، ولهذا السبب يقول الرسول: ‘نتكلم بحكمة بين الكاملين’ (١كو٢: ٦)، مسميًا الأشخاص الذين قبلوا روح الله ‘كاملين’ […] ولكن أن ندمج الروح مع النفس وتتحد بصنعة الله، يصير الإنسان روحيًا وكاملاً بسبب انسكاب الروح، وهذا هو الذي خُلق على صورة الله ومثاله، ولكن إن كانت النفس خالية من الروح*، فمَّن يكون هكذا، هو طبيعة حيوانية، وإن تُرك هكذا ليكون جسديًا، فسيكون كائنًا ناقصًا، مالكًا لصورة الله في تكوينه، وغير مائل للمشابهة بواسطة الروح*، وهكذا يكون هذا الكائن ناقصًا”.

المرجع السابق، ٥: ٦: ١، ص ٢٨٤.

وبالتالي نستنتج تأكيد ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي وتلميذ ق. بوليكاربوس تلميذ ق. يوحنا الرسول على أن التأله وحياة عدم الفساد والخلود وعدم الموت كان هو الغاية من خلق الإنسان. وتأكيده على أن النفخة الإلهية في الإنسان بداية الخلق هي نفخة الروح القدس في الإنسان المتكون من اتحاد وامتزاج النفس والجسد.

كما أكد ق. إيرينيؤس أيضًا على أنه لا يوجد وسيلة أخرى لنوال الاتحاد بالله والشركة معه، ومن ثم نوال حياة عدم الفساد وعدم الموت والتأله إلا عن طريق تجسد الكلمة الابن الوحيد، مؤكدًا على التجسد غير المشروط للابن قبل السقوط ليعطي للإنسان الذي خُلق ناقصًا منذ البدء وغير كامل كماله، وخلوده، وتألهه.

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. إيرينيؤس – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء السريان – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء السريان – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء السريان – د. أنطون جرجس

يعتقد البعض أن عقيدة التأله بالنعمة هي عقيدة حصرية عند الآباء اليونانيين، ولكنها عقيدة راسخة في الكنيسة شرقًا وغربًا، وفي جميع التقاليد المسيحية. وسوف نبحر الآن في عالم الآباء السريان، لنرى مفاهيم التأله في الأدب السرياني.

نبدأ من مار أفرام السرياني الملقب بقيثارة الروح القدس، حيث يسجل في أشعاره وترانيمه الموزونة عقيدة التأله كما فهمها آباء الكنيسة اليونانية، لأنه كان معاصرًا للقديس أثناسيوس الرسولي، فيتحدث عن عقيدة التأله بالنعمة كالتالي:

“الله في مراحمه، دعا المائتين آلهةً بالنعمة*، أما هم فحددوا مَن هو الله، وتعقبوه وكأنه إنسان، الكروبيم حملوا جسدكم الذي لبس، والسيرافيم يزهون قدامه، وقدامه الملائكة صامتون، وأنتم أيها المتحقرون، تحتقرون ولادة الإله الوقور”.

مار أفرام السرياني، أناشيد الإيمان ج١ (١- ٤٠)، ترجمة: الخوري بولس الفغالي، (لبنان: منشورات الجامعة الأنطونية، ٢٠٠٧)، ٢٩: ١، ص ١٥٩.

ويتحدث مار أفرام السرياني أيضًا عن أن الله في تجسده صنع معنا مبادلة خلاصية، حيث وهب لنا اللاهوت ووهبنا نحن له الناسوت كالتالي:

“الشكر لمَّن آتى بالبركة، وأخذ منا الصلاة، المسجود له نزل إلينا، أصعد منا السجود، وهب لنا اللاهوت*، فوهبنا له الناسوت، آتى إلينا بالمواعيد، فوهبنا له إيمان ابراهيم حبيبه، اقترضنا منه الصدقات، نقود أيضًا وبطلبها منه”.

المرجع السابق، ٥: ١٧، ص ٤٣.

ويتحدث مار أفرام أيضًا عن ارتقاء النفس والجسد إلى ذروة الجلال والمجد في السماء كالتالي:

“ترتقي الأجساد طبقات النفس، والنفس طبقة الفكر، ويرتقي الفكر ذروة الجلالة، وهو يقترب بخشية ومحبة، فلا يغريه الارتقاء، ولا يبعده الانفصال، فإن في بعده فطنةً، وفي دنوه عونًا له”.

مار أفرام السرياني، منظومة الفردوس، ترجمة: الأب روفائيل مطر اللبناني، (لبنان: رابطة الدراسات اللاهوتية بالشرق الأوسط، الكسليك، ١٩٨٠)، ٩: ٢١، ص ١٦٤، ١٦٥.

ننتقل إلى مار يعقوب السروجي الملقب بكنارة الروح القدس وقيثارة السريان، الذي يتحدث بنفس صيغة التأله الشهيرة الخاصة بالقديس أثناسيوس “صار ابن الله إنسانًا لكي يؤلهنا”، حيث يقول التالي:

“لما نزل، أنزل معه من العلويين، ولما صعد، أصعد معه من السفليين، أنزل الروح وأصعد الجسد، وكمل الأمرين: صار إنسانًا، وجعل الكثيرين آلهةً”.

مار يعقوب السروجي، ميامر مار يعقوب السروجي مج١، ترجمة: الأب د. بهنام سوني، (بغداد، ٢٠٠٣)، ميمر ٦: ٤٨٦، ٤٨٧، ص ٤٨٦.

ويتحدث مار يعقوب السروجي أيضًا عن تألهنا بالمعمودية، حيث يقول التالي:

“البتول أعطت لربنا جسدًا ليصير إنسانًا، والمعمودية صبغتنا بالروح لنصير آلهةً”.

المرجع السابق، ميمر ٦: ٥٠٧، ص ٢٦٣.

ويستخدم مار يعقوب السروجي مجددًا صيغة التأله التبادلية المشهورة في موضع آخر قائلاً:

“ولهذا آتى الكلمة الذي شاء أن يصير لحمًا، لينتمي إلى جنس الناس ويخلصهم، هو صار منا من بطن الممجدة، وجعلنا منه من ميلاد المعمودية، صار ابن الإنسان وجعل البشر آلهةً*، وأصعدهم ليدعوا السماوي: أبانا”.

المرجع السابق، ميمر ٩٤: ١٦٥- ١٦٧، ص ١٤٩٨.

ثم يتحدث مار فلوكسينوس أسقف هيرابوليس (منبج) وهو أحد الآباء السريان المناوئين لمجمع خلقيدونية ٤٥١م، والمدافع القوي عن الخريستولوجي اللا خلقيدوني، حيث يتحدث عن أن المسيح في تجسده:

“جعلنا أبناء الآب وآلهةً في السماء”.

Tractatus tres de trinitate et incarnatione, 229: 15.

ثم يستخدم مار فلوكسينوس المنبجي صيغة التأله التبادلية الشهيرة موضحًا معاني التأله من إعادة خلق الطبيعة البشرية من جديد في المسيح، ونوال التبني لله الآب كالتالي:

“لأن الكلمة، الذي هو الله، رغب أن يجعل البشر أبناء الله، فنعترف بأنه أخلى ذاته، وصار جسدًا، ولبس طبيعة إنسانية كاملة لكي يعيد خلق الكيان الإنساني بالكامل في نفسه، ولأنه أصبح إنسانًا فينا، نحن أيضًا تألهنا* وأصبحنا أبناء الآب”.

Ibid, 299: 15 = 15- 129: 2.

ثم يتحدث مار فلوكسينوس أيضًا عن أننا صرنا أبناء للآب في الابن، وصرنا متألهين في الله الذي صار إنسانًا كالتالي:

“لقد أصبحنا جميعًا أولادًا في الابن الذي صار إنسانًا، لقد تألهنا* جميعًا في الله الواحد الذي أصبح إنسانًا”.

Ibid, 8- 243. 7.

وهكذا يتحدث ق. يوحنا الدلياتي أو ق. يوحنا سابا الملقب بالشيخ الروحاني، وأحد أعمدة النسك السرياني والرهبنة السريانية في القرن السابع عن التأله بالنعمة ذاكرًا بركات اتحاد الإلهي بالبشرية قائلاً:

“أنت أيها الإنسان، صورة الله. هل تريد الصورة أن تأخذ شبه النموذج؟… احمل في قلبك دائمًا نير ربك، واحمل العجب في ذهنك من جلاله، حتى تشع في مجده*، وتتغير إلى الشبه، حتى تصبح أنت إلهًا* في الله، إذ قد نلت شبه الخالق بالاتحاد الذي يجعلنا نتمثل به”.

John of Dalyatha, Letters of St. John of Dalyatha Vol i, 1: 29.

ثم يتحدث ق. يوحنا سابا الدلياتي عن كيفية الاتحاد بالنور الأقنومي غير المخلوق وأثره في الذهن البشري والنفس البشرية كالتالي:

“لهذا يدعو الروح الذهن النشيط إلى الدخول، بعد أن تعبت حركات قواته الناظرة من الشخوص، لترى ذاك الذي هو في الكل والكل فيه. وإذا أقام الصلاة، يرى إشراق أقنومه، ويضيء النفس حسن طبعها، وترى ذاتها على ما هي، والنور الإلهي الذي يشرق فيها، والذي يبدلها إلى مثاله، ويرتفع مثال طبعها من أمام رؤيتها، وترى هي ذاتها مثالاً لله، بواسطة اتحادها بالنور الذي لا مثيل له*، وهو نور الثالوث القدوس* الذي يشرق في أقنومها، فتغطس في أمواج حسنها، وتندهش مدةً طويلةً.

وأحيانًا تنتقل من منظر إلى منظر، وتتبدل تبدلات عجيبة لا تُحصى في وقت قليل”.

يوحنا الدلياتي الشيخ الروحاني، مجموعة الميامر الروحية، ترجمة: الأب سليم دكاش اليسوعي، (لبنان: دار المشرق، ٢٠٠٢)، ميمر ٦: ١٣، ص ٤٤.

 

ونرى أصداء عقيدة التأله بالنعمة في الليتورجية السريانية، حيث يذكر كتاب الفينيقيت السرياني (أي المواسم الاحتفالية) عبارات واضحة كثيرة عن عقيدة التأله كالتالي:

“أصبح جسدك الإلهي سماء الحياة، وألَّه كياننا كله*، بحيث ينبغي ألا يُغوى ثانيةً ليعود إلى الفساد والفناء”.

Fenqitho V. 447 b.

ويقول أيضًا مخاطبًا الإله المتجسد قائلاً:

“لقد أصبحت إنسانًا وألَّهتنا”

Ibid, VI. 169b = 455a.

ويتحدث أيضًا عن أن الله منح الألوهية لآدم التي طلبها من قبل بصورة خاطئة كالتالي:

“لقد منح الألوهية لآدم كما طلب من قبل”.

Ibid, VII. 454a.

ونستنتج من هنا أن عقيدة التأله بالنعمة هي عقيدة مسيحية راسخة في التقاليد المسيحية المختلفة سواء اليوناني، أو السرياني، أو اللاتيني، وليس كما يزعم البعض خطاءً بأنها عقيدة غير أصيلة سواء في الكتاب المقدس أو التقليد.

التأله عند الآباء السريان – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء اللاتين – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء اللاتين – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء اللاتين – د. أنطون جرجس

نستكمل بحثنا في موضوع عقيدة التأله بالنعمة في تعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وسوف نتحدث عن مفهوم التأله بالنعمة عند الآباء اللاتين في الغرب.

نبدأ من العلامة ترتليان الذي يُعتبر أبو اللاهوت اللاتيني، حيث يتحدث ترتليان في أكثر من موضع عن عقيدة التأله بالنعمة. حيث يرى أن التأله هو غاية خلق الإنسان، وإن الإنسان لو لم يسقط، كان سيؤخذ في المستقبل إلى الطبيعة الإلهية، حيث يقول التالي:

“والآن، على الرغم من أن آدم كان عرضةً للموت بسبب حالته تحت الناموس، إلا أن الرجاء كان محفوظًا له بقول الرب: ‘هوذا آدم يصير كواحد منا’ (تك٣: ٢٢)، أي نتيجة اتخاذ الإنسان إلى الطبيعة الإلهية* في المستقبل. إذًا، ما الذي يلي ذلك؟ والآن، لئلا يمد يده، ويأخذ أيضًا من شجرة الحياة، (ويأكل)، ويحيا إلى الأبد. وبالتالي يُظهر بإضافة الجزء عن الوقت الحاضر ‘والآن’، أنه قد خلقه للوقت، وللحاضر، ولاستمرار حياة الإنسان”.

Tertullian, ANF03 (Against Marcion), Trans. By Dr. Holmes, Edit. By Phillip Schaff, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1845- 1916), 2: 25, p. 444.

ويتحدث ترتليان عن أن البشر يُدعون آلهةً أيضًا، ولكنه ليس من ذواتهم، بل بالنعمة حسب استحقاق كل منا، حيث يقول التالي:

“لكنك ستقول: إنه – بهذه الطريقة – لا يوجد فينا أي شيء من الله، لكن بالحقيقة إن لنا شيئًا منه، بل وسيظل لنا، لكن هذا الشيء هو منه، وقد تسلمناه، وهو ليس من ذواتنا؛ لأننا سنكون آلهةً، إذا استحققنا أن نكون ضمن هؤلاء الذين قال لهم: ‘أنا قلت: أنكم آلهة’، و ‘الله في وسط الآلهة يقضي’، ولكن هذا يتأتى من نعمته*، وليس بسبب مزية فينا، لأنه هو وحده مَن يستطيع أن يصنع [منا] آلهةً”.

ترتليانوس الأفريقي، ضد هرماجانوس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، ٢٠١٧)، الفصل الخامس، ص ١٦٤، ١٦٥.

ويستخدم آية (مز٨٢: ١، ٦) أيضًا في موضع آخر مؤكدًا على عقيدة ألوهية السيد المسيح وعقيدة تأله الإنسان، لأن الكتاب المقدس دعا البشر آلهة بسبب التبني لله والإيمان، فكيف لا يكون الابن هو بالحقيقة ابن الله الوحيد بالطبيعة كالتالي:

“فلنتذكر أنت وأولئك هذا القائل: ‘أنا قلت: أنكم آلهة وبنو العلي كلكم’ (مز٨٢: ٦)، ومرة أخرى: ‘الله قائم في مجمع الله’ (مز٨٢: ١)، وإن كانت الأسفار لم تخش أن تدعو البشر آلهةً، وهم قد صاروا أبناء الله بالإيمان، فلنتأكد إذًا، أن نفس الأسفار بكل احتراس، تمنح لقب ‘الرب’ لمَّن هو بالحقيقة ابن الله الواحد والوحيد”.

المرجع السابق، ضد براكسياس، الفصل ١٣، ص ١٠٨.

ننتقل إلى ق. هيلاري أسقف بواتييه والملقب بـ’ أثناسيوس الغرب’، حيث يتحدث عن أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان كالتالي:

“فالخطية الموجهة ضد الروح هي إنكار كمال قوة الله، ونقض للجوهر الأزلي في المسيح، الذي صار من خلاله الله في الإنسان، ليصير الإنسان إلهًا*”.

Hilary of Poitiers, The fathers of the church vol. 125 (Commentary on Mathew), Trans. By D. H. Williams, Edit. By David G. Hunter, (Washington DC: The catholic University of America Press, 2012), on Mt 5: 15, p. 84.

ثم يتحدث ق. هيلاري عن اقتناء البشر للروح القدس كعربون للخلود وشركة الطبيعة الإلهية مؤكدًا على ألوهية الروح القدس، حيث يقول التالي:

“لن يجرؤ الرجال فيما بعد، بقوة المنطق البشري المجرد، على أن يضيفوا الروح الإلهي بين المخلوقات، والذي نقبله كعربون الخلود وكمصدر للاشتراك مع الطبيعة الإلهية غير الآثمة”.

هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير انبا أنطونيوس، مراجعة: د. سعيد حكيم، (البحر الأحمر: دير الانبا أنطونيوس، ٢٠١٧)، ١: ٣٦، ص ٢٣٢.

وهكذا يتحدث ق. هيلاري عن أن غاية التجسد الإلهي هي تأليه الإنسان، حيث يقول التالي:

“فإنه حينما وُلد الله ليكون إنسانًا، لم يكن الغرض هو فقدان الألوهية، بل ببقاء الألوهية يُولد إنسانًا كي يكون إلهًا*. فمن ثم إن اسمه هو عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا (مت١: ٢٣)، كي لا يقلل من شأن الله إلى مستوى الإنسان، بل يُرفع من شأن الإنسان إلى الاتحاد بالله. وعندما طلب (أي المسيح) أن يتمجد، لم يكن هذا تمجيدًا لطبيعته الإلهية بأي شكل، بل للطبيعة الأقل التي اتخذها؛ فإنه يطلب هذا المجد، الذي كان له قبل تأسيس العالم”.

المرجع السابق، ١٠: ٧، ص ٦٩٠.

ننتقل الآن إلى أوغسطينوس الذي يُعتبر من أكثر الآباء اللاتين حديثًا عن تأله الإنسان بالنعمة، حيث يتحدث مثله مثل العلامة ترتليان عن أن التأله هو غاية خلق الإنسان منذ البدء، وأنه كان سيصير إلهًا لو لم يسقط بالتعدي والعصيان كالتالي:

“هنالك في الراحة سوف ترى أنه هو الله، طبيعة سامية ادّعيناها لنا حينما هبطنا من أعالي عهده على صوت الشيطان الذي أغوانا قائلاً: ‘تصيران كآلهة’، لم نحفظ الأمانة لهذا الإله الذي كان قادرًا على أن يجعل منا آلهةً، لو لم نجحد نعمه، ونتخلف عن الاتحاد به”.

أوغسطينوس، مدينة الله ج٣، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٤)، ٢٢: ٣٠، ص ٤١٣.

ثم يتحدث أوغسطينوس عن أن تأله الإنسان والشركة في اللاهوت هي غاية الإخلاء والتجسد الإلهي، مستخدمًا صيغة التأله التبادلية الشهيرة، حيث يقول التالي:

“لكن المسيح، معلم التواضع، الذي جعل نفسه شريكًا لنا في سقمنا، ليجعلنا شركاء في لاهوته، ونزل من السماء ليعلمنا الطريق، ويكون هو طريقنا (يو١٤: ٦)”.

أوغسطينوس، عظات في المزامير ج٢، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٤)، عظة ٥٨: ٧، ص ٥٥٨.

ثم يتعمق أوغسطينوس في شرح عقيدة التأله في موضع آخر في سياق تفسيره لآية (مز٨١: ١) كالتالي:

“فمَّن هم؟ وأين هم الآلهة الذين إلههم هو الإله الحق؟ يجيبنا مزمور آخر: ‘الله قائم في مجمع الآلهة، وهو في وسط الآلهة ليدينهم’ (مز٨١: ١). مازلنا نجهل إذا كان لا يوجد في السماء آلهة أخرى، يقوم الله وسط مجمعهم ليدينهم. أنظروا في المزمور نفسه، عمَّن يتكلم النبي: ‘قلت أنكم آلهة، وبنو العلي كلكم، إلا أنكم مثل البشر تموتون، وكأحد الرؤساء تسقطون’ (مز٨١: ٦). يتضح من هذا الكلام أن الذين يدعوهم الله آلهةً، هم بشر تألهوا بنعمته*، وليسوا مولودين من جوهره.

وحده يبرر مَن هو البر ذاته، ولم ينل بره من آخر. كذلك، وحده يؤله مَن هو الله بذاته، ولا يشاركه إله آخر. والحال، فإن الذي يبرر هو الذي يؤله*، لأن الذين بررهم، يجعلهم أبناء الله. يقول الإنجيلي: ‘أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله’ (يو١: ١٢). إن صرنا أبناء الله، صرنا آلهةً، لكن بنعمة التبني، لا بالطبيعة التي وُلدنا فيها. ليس لله سوى ابن أوحد هو مع أبيه إله واحد، أعني ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الكلمة الذي كان في البدء، كلمة الله، والكلمة التي في الله. أما الذين يصيرون آلهةً، فبنعمة الله يصيرون، ولا يُولدون من جوهره ليكونوا مثله آلهةً”.

المرجع السابق، ٤٩: ٢، ص ٣١٣، ٣١٤.

ونستنتج من هنا أن عقيدة تأليه الإنسان هي عقيدة راسخة وثابتة في تعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وموجودة بقوة في جميع التقاليد المسيحية المبكرة، سواء التقليد اليوناني (سواء تقليد سكندري، أورشليمي، كبادوكي)، أو السرياني، أو اللاتيني. فالذي ينكر عقيدة التاله بالنعمة هو كمَّن ينكر نور الشمس في عز الظهيرة، لأن عقيدة التأله هي غاية المسيحية.

التأله عند الآباء اللاتين – د. أنطون جرجس

كتاب إذا كان المسيح إلها، فكيف حبل به وولد؟ – القس عبد المسيح بسيط ابو الخير PDF

كتاب إذا كان المسيح إلها، فكيف حبل به وولد؟ – القس عبد المسيح بسيط ابو الخير PDF

كتاب إذا كان المسيح إلها، فكيف حبل به وولد؟ – القس عبد المسيح بسيط ابو الخير PDF

كتاب إذا كان المسيح إلها، فكيف حبل به وولد؟ – القس عبد المسيح بسيط ابو الخير PDF

تحميل الكتاب PDF

استقلال التجسد الإلهي عن سقوط الإنسان – الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

استقلال التجسد الإلهي عن سقوط الإنسان – الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

استقلال التجسد الإلهي عن سقوط الإنسان – الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

استقلال التجسد الإلهي عن سقوط الإنسان – الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

يُدخل سر تجسّد ابن الله وكلمته إلى تألّه الإنسان. يشدّد آباء الكنيسة القديسون على أن الله صار إنساناً لكي يجعل الإنسان إلهاً. لا يبلغ أي إنسان إلى التألّه إلا عِبر ابن الله وكلمته المتجسّد. يناقش اللاهوتيون المعاصرون ما إذا كان التجسّد قد استلزم سقطة آدم وإذا كان التجسّد مستقلاً عن سقوط الإنسان. وتقوم هذه المناقشة لأنّ هناك نصوصاً لآباء الكنيسة حول هذه السقطة.

أ) الموقف العام لآباء الكنيسة

تنبغي الإشارة منذ البداية إلى أنّ الآباء القديسين لا يواجهون هذا السؤال على منوال سكولاستيكي بطريقة افتراضية. فهم لم يفكروا في ما إذا كان المسيح ليتجسّد ولا لو لم يسقط آدم. هذه الأسئلة تشير إلى استعمال مفرط للعقل في مجهود لفهم أسرار الله، وهذا سكولاستيكية نموذجية وليس لاهوتاً أرثوذكسياً. يهتمّ لاهوت الكنيسة الأرثوذكسية بالأحداث التي جرت ويتعاطى مع مسألة شفاء الطبيعة البشرية والناس جميعاً. ينظر هذا اللاهوت إلى الطبيعة البشرية الساقطة وكيفية شفائها للبلوغ إلى التألّه الذي صار من خلال تجسد الله.

في التعليم الآبائي أن في التجسّد اتّحد ابن الله وكلمته أقنومياً بالطبيعة البشرية وهكذا تألّهت هذه الطبيعة وصار الدواء الحقيقي والوحيد لخلاص الإنسان وتألّهه. من خلال المعمودية المقدسة يستطيع الإنسان أن يصير عضواً لجسد المسيح ومن خلال المناولة المقدسة يستطيع أن يشترك في الجسد المؤلّه للمسيح، الجسد الذي أخذه من والدته السيدة.

لو لم تتم هذه الوحدة الأقنومية بين الطبيعتين الإلهية والبشرية، لما كان التألّه ممكناً. لهذا السبب كان التجسّد الغاية الأخيرة لخلق الإنسان. إن آلام المسيح وصليبه هي الأمور التي أضافها سقوط آدم. يقول القديس مكسيموس أن التجسّد كان لخلاص الطبيعة، والآلام كانت بهدف تحرير أولئك الذين بالخطيئة امتلكهم الموت.

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه كان ينبغي أن يتجسّد ابن الله لسببين أساسيين

أولاً ليغيّر الفاسد إلى عدم الفساد والمائت إلى عدم الموت، وهو ما لم يحدث بالتوبة البسيطة إنما باتّخاذ الله الجسد البشري المائت والسريع التأثر

ثانياً لكي يتجدد الإنسان بالمسيح لأن الابن وكلمة الله هو المثال الأول للإنسان.

هذا الموقف اللاهوتي للقديس أثناسيوس لا يعارض موقف آباء الكنيسة الآخرين الذين سوف نراه بعد قليل والذين يتكلّمون عن أن التجسّد الإلهي لا يفترض السقوط كشرط مطلق. وهذا لسببين أساسيين.

أولاً لأن في التحليلات التي يقدمها، ينظر القديس أثناسيوس إلى الإنسان الساقط بشكل خاص فيتحدث عن سقوط الإنسان وإعادة تجديده. يرتكز لاهوت القديس على الحقيقة القائمة. وهو يهتم بشكل جدي بتجديد وإصلاح هذا الإنسان الذي لبس الموت وإمكانية التجربة.

ثانياً لأنه يتحدث عن سر التجسد الإلهي وتدبير الله كما نعرفه اليوم. فعندما يتكلّم عن التجسد والتألّه هو يعني تجسد المسيح وآلامه وصليبه وقيامته. يرى القديس أثناسيوس هذا كافياً ولا يتابع إلى تحاليل أخرى.

إذاً، تختلف افتراضات القديس أثناسيوس الكبير عن افتراضات غيره من الآباء القديسين الذين سوف نتوقف عندهم في الجزء التالي. إنهم لا يتكلمون عن الأمور نفسها. ينبغي أن نكون قادرين على ولوج نوس الآباء وتعليمهم كي لا نكون مخطئين.

ب) موقف القديس نيقوديموس الأثوسي

في تحليله للتعليم الآبائي حول النقطة ذاتها، يصل القديس نيقوديموس إلى خلاصة أن تجسد ابن الله وكلمته لم يكن نتيجة سقوط الإنسان بل كان الهدف الأول من خلقه، لأن بهذا يمكن الوصول إلى التألّه. هذا يبدو صحيحاً عندما نفكر بأن سقوط آدم لم يكن لـِ”يلزم” الله أن يصبح إنساناً ولم يكن المسيح ليأخذ الطبيعة البشرية إلى الأبد. هذا ما يتركنا نستنتج بأن السقوط تمّ لكي يتجسّد الله وبأنّه في النهاية لم يكن سيئاً بل كان بركة.

يطوّر القديس نيقوديموس الأثوسي هذه النقطة اللاهوتية في دراسة ممتازة عنوانها: “دفاع عن النص الذائع الصيت حول سيدتنا والدة الإله في كتاب الحرب اللامنظورة” الذي يشكّل مثالاً للمقالة اللاهوتية. لقد كان القديس نيقوديموس الأثوسي لاهوتياً عظيماً في الكنيسة لأنه استوعب التعليم الآبائي بشكل عميق وعبّر عنه بشكل مؤثّر ومثمر.

لقد حدّد الحافز لكتابة دفاعه عبارة من كتاب “الحرب غير المنظورة” الذي كان منتشراً في ذلك الحين فكتب: “إنّ كل العالم المنظور وغير المنظور تكوّن لهذا الهدف، لوالدة الإله، ووالدة الإله كانت من أجل سيدنا يسوع المسيح”.

لقد أثارت هذه المقالة بعض لاهوتيي ذالك الزمان الذين عبّروا عن شكوك حولها. لهذا كتب القديس نيقوديموس في بداية دفاعه: “بما أن بعض المعلّقين المهتمّين باللاهوت المقدّس والذين قد قرأوا ما كتبت عن السيدة والدة الإله… محتارون… أنا أعتذر هنا لتقصيري عن حل مشكلتهم”. إنه لأمر مثير للإعجاب أن يبدأ القدّيس دفاعه بتواضع كبير من دون أن يفتري وأن ينتقد لاهوتيي زمانه الذين كانوا ينتقدونه. فهو يتقدم إلى شرحه من دون هوى إنما بهدوء ورزانة. بالواقع، إن المواضيع اللاهوتية تستلزم حواراً جدياً، وإلا فالروح القدس لا يعمل.

بعد تقديم حججه اللاهوتية، التي سوف نعرضها في ما يلي، يستنتج: “أرى أن هذه الكلمات القليلة تكفي للاعتذار من الحكّام المشكورين والقرّاء لما كتبت عن والدة الإله، وأنا أسألهم ألاّ يفرِطوا بلومي، لأني لا أكتب ما كتبت من رأيي ولا من عقيدتي، بل اتّبعت عقائد اللاهوتيين الذين تكلّموا قبلي. وإذا كان البعض يوبخني محرّكاً بالانفعال فليوبّخ بالأحرى
مكسيموس المتوشح بالله، غريغوريوس التسالونيكي وإندراوس العظيم وغيرهم من الذين استعرت منهم هذه العقيدة”.

إنّ هذا النص مذهل ويظهر طريقة القدّيس في مواجهة الحالات المماثلة. في البداية يتكلّم القديس نيقوديموس بتهذيب. فهو يصف قرّاءه بالمشكورين ويسألهم بألاّ يلوموه بإفراط. إنه يأمل بألاّ يكون متّهموه محرّكين بالهوى. مع أنّه يعرف أنهم مشبَعين من الأهواء، فإنّه لا يتوجّه إليهم باتهامات سطحية. من ثمّ يشدّد على أنّه لا يعبّر عن نظرته هو لكنه يروي تعليم آباء الكنيسة القدّيسين الذين منهم استعار هذه العبارة.

في ما يلي سوف نعالج بتحليل أكثر نظرة القديس نيقوديموس الأثوسي اللاهوتية التي بحسبها “كل العالم المنظور وغير المنظور تكوّن لهذا الهدف، لوالدة الإله، ووالدة الإله كانت من أجل سيدنا يسوع المسيح”، أي أن تجسّد المسيح كان الهدف الأصلي للخليقة وغايتها. هذا يعني أنه هكذا تمّ اتحاد الإنسان بالله، وبالتالي التجسّد كان مستقلاً عن سقطة آدم.

ج) التدبير الإلهي هو إرادة الله السابقة

لكي يدعم نظرته، يأخذ القديس نيقوديموس مقاطع من الكتاب المقدّس وآباء الكنيسة القديسين. فمن الكتاب المقدّس يأخذ بشكل أساسي ثلاث مقاطع، الأول من الأمثال حيث يقول: “الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم” (أمثال 22:8).

الثاني هو من رسالة بولس إلى الكولوسيين، حيث يسمّى المسيح بكر كل خليقة: “الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة” (كولوسي 15:1). وبطريقة مماثلة يورِد المقطع من رسالة بولس إلى الروميين: “لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين” (روما 29:8).

في تفسيره لهذه المقاطع على أساس تعليم الآباء القديسين، يقول أنها لا تشير إلى الألوهة، لأنّ الكلمة لم يُخلَق من الله، ولا هو أول المخلوقات كما قال أريوس، لكن هذه المقاطع تشير إلى بشرية المسيح التي “هي بداية كل قضاء تنبأ به الله قبل أي شيء آخر، إنها أولى ما قام به”. هكذا، سر تدبير الإبن المتجسّد وكلمة الله يبدأ من كل طرق الله، إنّه بكر كل خليقة “وقد تمّ تحديده قبل تعيين كل المخلَّصين”.

عند القديس مكسيموس المعترف مقطع مميّز يدعم نظرته. سوف أستشهد هنا بجزء كبير منه لأن معناه مهم وله وزنه. “إنّه سرّ التجسّد لعظيم وعميق. إنه الأمر المبارَك الذي لأجله كل الأشياء توطدت أهدافها”. إن تجسّد المسيح هو سر عظيم وعميق لأجله أوجد الثالوث القدوس العالم كله. ويتابع القديس مكسيموس: “إنه الغاية التي تصوَّرها الإله سلفاً لأول الخليقة محدداً ما نسميه الهدف الذي لأجله كل شيء كان من دون أن يكون هو لأي شيء”.

إن هذه العبارة مذهلة لأنها تظهر أن سر التجسد هو الغاية الإلهية التي كانت من بدء خليقة الكائنات وكل شيء كان لهذا الهدف وليس لأي هدف آخر. هذا يعني أن قرار التجسّد سبق.

بالتأكيد، يجب فهم هذا الأمر بمعنى أن الوقت ليس موجوداً في الله. ويتابع القديس مكسيموس بشكل معبّر: “أوجد الله جواهر الكائنات بهذا الهدف. إنه بشكل رئيسي غاية العناية الإلهية والأمور التي يقدمها، ونحو هذه الغاية تكون في الله خلاصة كل الأمور التي صنعها”. خلق الله العالم لهذا الهدف، فغاية العناية الإلهية وإعادة كل الخليقة هي التجسد.

هذا المقطع مفاجئ ومميّز جداً ولا يستطيع أحد أن يفسّره بطريقة أخرى. إذاً، إذا كان هذا المقطع من تعليم القديس مكسيموس صحيحاً، فسوف يثبّت أن تألّه الإنسان تمّ بالفعل عِبر الاتحاد الأقنومي بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص كلمة الله. وهكذا، فالسيّدة والدة الإله التي منها أتّخذ المسيح جسداً، كانت حصيلة خلق كل العالم، المنظور وغير المنظور. الإنسان هو خلاصة كل الخليقة.

يقول القديس غريغوريوس بالاماس بالإشارة إلى إثبات الآب عند معمودية المسيح في نهر الأردن: “هذا هو ابني الحبيب”، أنّ هذا الصوت يظهر أنّ كل ما كان في العهد القديم، الناموس والوعود والتبنّي، كان غير كامل “ولا مختار ومكمّلاً بحسب رأي الله المسبَق، بل كان يتطلّع نحو الغاية الحاضرة ومكمّلاً نحو الحاضر، وهذه الأمور أتِمَّت”. من ثمّ يقول أنه ليس فقط أحداث العهد القديم بل أيضاً بداية العالم والإنسان كانت موجّهة نحو المسيح. وفما هو يتابع، يشدّد أن خلق الإنسان أيضاً كان لهذا الهدف.

خُلق الإنسان على صورة الله “لكي يكون قادراً يوماً ما على احتواء النموذج الأصلي”. هنا يميّز القديس غريغوريوس بالاماس بشكل حكيم بين إرادة الله السابقة، التي هي رغبته الصالحة، وإرادته الصالحة النهائية أي تجسّد كلمة الله من جهة، وإرادة الله بالتدبير أي ناموس العهد القديم من جهة أخرى. إن تجسّد إبن الله وكلمته هو الرغبة الإلهية السابقة وبالتالي هو مستقلّ عن سقوط الإنسان.

يستنتج القديس نيقوديموس الأثوسي في إشارته إلى هذه المقاطع: “أتسمع أن الله خلق الإنسان على صورته لكي يكون قادراً على احتواء النموذج الأصلي للتجسّد؟ ولهذا صنع الله الإنسان وحدة من العالم العقلي والحسي، وموجَزاً وخلاصةً لكل المخلوقات حتى باتحاده معه يتحد بكل المخلوقات، كما يقول القديس بولس، والخالق والخليقة يصبحان واحداً بالأقنوم بحسب مكسيموس المتوشّح الإله”.

إن حقيقة كون التدبير الإلهي، سر تجسّد ابن الله وكلمته، هو إرادةَ الله السابقة، تظهر من أن الملائكة استفادوا من التجسد أيضاً. نحن نعرف جيداً أن الإنسان أخطأ وليس الملائكة الذين يمجدون الله بلا انقطاع. كون الملائكة استفادوا من التجسد يعني أن هذا الخير كان في فكر الله وهو إرادته الكاملة وليس تدبيراً. بحسب القديس نيكيتا ستيثاتوس، الملائكة كانوا بلا ميل نحو الشر، ولكن بعد التجسد، وخاصةً بعد قيامة المسيح، صاروا ثابتين ضد الشر “ليس بالطبيعة بل بالنعمة”.

لقد بلغوا الثبات، بحسب القديس يوحنا الدمشقي، وحصلوا على الصمود بحسب القديس غريغوريوس بالاماس. وهكذا أيضاً كان الإنسان سوف يحصل على التألّه بالنعمة من خلال تجسد المسيح حتى ولو لم يكن السقوط.

بالطبع علينا أن نكرر أن الآباء لم يقاربوا هذا الموضوع افتراضياً كون هذه المقاربة هي طريقة التفكير السكولاستيكية، لكننا استعملنا هذه العبارة الافتراضية لكي نقدّم تشديداً خاصاً على الحقيقة الإيجابية التي مفادها أن من خلال المسيح أتى تألّه الإنسان. من خلال تجسد المسيح صار الملائكة، بالإضافة إلى كونهم غير متغيرين، صاروا أيضاً أكثر تقبّلاً للإستنارة.

يستعمل القديس نيقوديموس حججاً أخرى لكي يظهر أن التجسد هو الإرادة الأصلية، كما يسمّيها النبي إشعياء، كونها قديمة والأولى بين تصاميمه. في الله جوهر، أقنوم وقوى. القوى، والفعل الذي به يشترك الله مع الخلائق، خارجية. الأقنوم هو أكثر داخلية والجوهر هو الأعمق في الداخل. “بهذه الثلاثة اتّخذ الله إلى الأبد هذه الروابط الثلاث العامة”. يشترك الآب بالجوهر إلى الأبد مع الابن والروح، بولادة الابن وبثق الروح.

“الابن اتّخذ علاقة أقنومية من الشركة مع البشرية، من خلال هذه العلاقة عرف مقدّماً وأدرك مسبقاً الوحدة الفعلية التي بعد هذه العلاقة في الزمن”. وعلى المنوال نفسه، “اتّخذ الله علاقة أبدية… ليشترك بالقوى مع الخلائق الباقية، ومن خلال هذه العلاقة هو عرف مقدّماً وأدرك مسبقاً مصير كل الخلائق العقلية والجسدية”. بما أن هذه العلاقة الأقنومية هي أكثر داخلية من علاقة القوى، فالمعرفة المسبقة للوحدة الأقنومية بين الطبيعتين الإلهية والبشرية سابقة للوحدة بالقوى وأكثر أصالة منها.

يظهر هذا أيضاً في كلمات الآباء القديسين عن والدة الإله التي هي الشخص الذي خدم سر التجسّد والتي قدّمت جسدها ليكون الوحدة الأقنومية بين الطبيعتين الإلهية والبشرية. وهكذا يقول القديس اندراوس الكريتي “والدة الإله هي… هدف عهد الله لنا. إنها تجلّي الأعماق العويصة غير المفهومة؛ إنّها الهدف الموضوع سلفاً لكل الأجيال لصنع الأجيال؛ إنّها تاج النبوءات الإلهية؛ إنها الإرادة الإلهية التي تفوق الوصف والتي لا سبيل لوصفها بكل ما في الكلمة من معنى قبل الأزل لحراسة الإنسان”.

هذه النظرة اللاهوتية مقبولة إذا افتكرنا أن المسيح هو بداية خلق العالم وتألّه الإنسان ووسطهما ونهايتهما. فقط من هذا المنظار يمكننا أن نرى أن سر التجسد مستقل عن سقوط الإنسان. يقول القديس مكسيموس المعترف أن ربنا يسوع المسيح هو “بداية الأجيال ووسطها ونهايتها، الماضية والحاضرة والمستقبلة”. وفي تفسير هذا الكلام يقول القديس نيقوديموس الأثوسي أن هذا السر هو بداية الخلائق، لأن هدف هذا السر كان بداية المعرفة السابقة لخلق كل الخلائق وسبب هذه المعرفة وهذا الخلق.

إنه الوسط لأنه منح الملء لمعرفة الله المسبقة وبالتالي الثبات للملائكة وعدم الموت وعدم الفساد والخلاص للبشر. إنه أيضاً النهاية لأن هذا السر صار الكمال والتأله والمجد والبركة للملائكة والبشر ولكل الخليقة.

د) استنتاجات

بعد تحليل هذا الموقف اللاهوتي، يصل القديس نيقوديموس إلى استنتاجين.

أولاً، أنه “لا بد لسر التجسد من أن يكون، أولاً وقبل كل شيء لأن هذا السر كان إرادة الله المسبقة، كما نقول مع القديس غريغوريوس التسالونيكي، بالدرجة الأولى بسبب صلاح الله غير المتناهي والجوهري والأسمى، وبالأحرى بسبب هذا الأساس الأكثر عمقاً للصلاح الأبوي، كما قال مكسيموس الحامل الإله”. ثانياً لأن هذا كان ضرورياً لكل الخلائق الروحية والجسدية كبداياتها ووسطها ونهايتها، كما أُظهر.

الاستنتاج الثاني هو أن والدة الإله أيضاً، كونها الوسيلة الأكثر مباشرة وصراحة والسبب المشترك الضروري لهذا السر (لأن جسد المسيح هو جسد مريم بحسب الطوباوي أوغسطين)، كانت معروفة مسبقاً ومسامة من الله قبل كل الخلائق الأخرى، وكل الخلائق الأخرى سيمت ووُجدت من خلالها، كون هذا هو الهدف الذي في فكر الله مسبقاً، كما أنه النهاية التي من أجلها تكوّنت كل الأشياء، كما قال القديس أندراوس.

قد يبدو للوهلة الأولى أن كل ما يُشرح هنا، استناداً إلى تعليم الآباء القديسين، يشير إلى أمور نظرية لا تحمل أي تأثير على الحياة الروحية. ولكن هذا خطأ لأن للعقيدة علاقة عميقة وحميمة بحياة الإنسان الروحية. تُثبَت هذه الحقيقة في هذا التعليم اللاهوتي.

يظهر كل ما رأينا أن كلمة الله صار إنساناً لا لكي يسترضي الصلاح الإلهي، كما يقول اللاهوتيون الغربيون، بل ليؤلّه الطبيعة البشرية بالمحبة والإحسان. إن استرضاء الصلاح الإلهي يعطي بعداً قانونياً للحياة الروحية لأنه يشير إلى أن كل نسكنا يهدف إلى استرضاء الله. من ناحية أخرى، ليس الله مَن يحتاج مداواة بل نحن.

لذلك تجسد المسيح كان إرادة الله المسبقة والهدف المُطلَق لخلق الإنسان. لم يكن الإنسان ليستطيع أن يبلغ الشركة مع الله لو لم يكن هناك وحدة أقنومية بين طبيعتي المسيح الإلهية والبشرية، لأن هناك فرق عظيم بين المخلوق وغير المخلوق.

لم يكن المخلوق ليستطيع أن يتحد مع غير المخلوق لو لم تكن هذه الوحدة الأقنومية بين الإثنين في شخص المسيح. ما أُضيف بسقوط الإنسان هو آلام المسيح وصليبه وموته وقيامته. وهذه الأمور مفهومة بالطبع بحقيقة أن من خلال تجسده اتّخذ المسيح طبيعة بشرية فائقة النقاوة لكنها قابلة للموت وللهوى.

أرى من واجبي أن أنهي بالقول بأن القديس نيقوديموس الأثوسي، كما يظهر من هذه الأشياء القليلة التي ذكرناها، هو لاهوتي وأب عظيم للكنيسة في التقليد الآبائي والكنسي. إنه لاهوتي أرثوذكسي يرى خلاص الإنسان في العلاج ضمن الافتراضات المسبقة الأرثوذكسية.

إذا كان البعض يرى الأمور غير ذلك فلأنهم لا يعرفون تعليم القديس نيقوديموس الذي يقرؤونه مجتزأً ومن خلال افتراضاتهم الخاصة. ولهم يكرر القديس كلماته التي وجّهها إلى متّهميه في حينه: “أرجو ألاّ تفرِطوا بلومي، لأني لا أكتب ما كتبت من رأيي ولا من عقيدتي، بل اتّبعت عقائد اللاهوتيين الذين تكلّموا قبلي.

وإذا كان البعض يوبخني محرّكاً بالانفعال فليوبّخ بالأحرى مكسيموس المتوشح بالله، غريغوريوس التسالونيكي وإندراوس العظيم وغيرهم من الذين استعرت منهم هذه العقيدة. للذي يعطي البداية المجد إلى الأبد”.

استقلال التجسد الإلهي عن سقوط الإنسان – الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
(للعودة للجزء الثالث أضغط هنا. )
الجزء الرابع من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها

  

 




2 – واقع الخطية وطبيعتها: الخطية واقع بشري، لكنها واقع زائل لأنه وهمي مُخادع في مظهره ونتيجته مؤلمة، وهي عبارة عن علاقة سلبية مع الله، أي في اتجاه معاكس لمشيئته ومخالفة لوصية الحياة التي قدمها للإنسان ليحفظه من كل عبث الموت المفسد للنفس. وللأسف أن جيلنا هذا وقد فقد الاحساس بالله، فقد أيضاً بالفعل نفسه الإحساس بالخطية. وموقف الإنسان من الخطية دائماً ما يكون مؤشر لموقفه من الله. والفكرة التي يكونها الانسان عن الخطية مرتبطة بفكرته عن الله.

إن للعهد القديم إحساساً مرهفاً بالخطية, كما لهُ إحساساً عميقاً بالله. وفي بادئ الأمر لم تكن الخطية متميزة تمييزاً كافياً عن مجرد مخالفات مادية لأوامر ومناهٍ صادرة من فوق (2 صموئيل 6: 7). ثم نُظر إليها كعصيان وتمرد، وأخيراً تبينت كنكران للجميل وقلة أمانة، ونكران النعمة ورفض الحب والانحصار في الذات وتحقيق الرغبات الشخصية المائلة نحو الموت الذي يتبعه الفساد بالضرورة.

والعهد القديم كشف أن الخطية لا تستطيع أن تطال الله في ذاته: 

  • [ إن اخطأت، فماذا تؤثر فيه. وإن اكثرت (إثمك) فماذا يلحقُ به ] (أيوب 35 : 6)
  • [ أفإياي يغيظون يقول الرب، أليس أنفسهم لأجل خزي وجوههم ] (إرميا 7: 19)

إنما هي تنال من الإنسان وتطعنه بالأوجاع الداخلية لأنها تفصله عن الله، الذي هو خيره الحقيقي وحياته، أي أن الخطية لا تؤثر في الله أو تهينه في ذاته، لكنها تؤثر فينا وتهين الإنسان في ذاته، إذ تفقده الحس فتفقده إنسانيته وتشوه صورة الله فيه.


وعموماً إذا كانت الخطية لا تؤثر علي الله بالذات، إلا انها تنقض خطة محبته بالنسبة لي أنا، فالخطية رفض للحب من قِبَل الانسان، وهي تضع حاجزاً بينه وبين الله، بحيث أن الله الكلي القداسة لا يستطيع أن يكون في شركة مع الإنسان: [ إن آثامكم فرقت بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم حجبت وجهه عنكم، فلا يسمع ] (أشعياء 59: 2 ) 

  • و نأتي لسؤال هام: ما الذي احدثته الخطية الأولي أو السقوط ؟

إن معاناتنا وآلامنا هي تجربة واقعيه مُعاشة نحياها، وليست مجرد مشكلة نظرية أو فكره فلسفية نتحدث عنها. إنها علي مستوي أعمق من الكلمات. فإن تكلمنا عن نتائج السقوط، فنحن لا نتكلم عن موضوع فكري أو نظري أو مجرد تاريخ مضى وفات، بل عن تجربة نحياها كل يوم، عن معاناة بدأت بها الدراما الإنسانية، وعانت منها البشرية كلها، وكل واحد فينا على المستوى الشخصي، حتى أنه لم يعد يشعر بالله ولا حضوره، بل والبعض لا يصدق وجوده من الأساس، لأن كل واحد فقد الحس بالله الذي خلقه على صورته كشبهه.

إن حقيقة الخلق علي صورة الثالوث القدوس، يدعونا للتقدم في المحبة، للتقدم من الصورة الإلهية إلي المثال الإلهي، لكن الانسان اختار لا طريقاً مؤدياً إلي الأعلى، بل طريقاً مؤدياً إلي الأسفل، طريق وهمي مُخادع، مثلما من يرى السراب في الصحراء وهو عطِش، فهو يسعى أن يصل إليه بكل طاقته لكي يروي ظمأه، ولكنه يسعى ويجتهد بكل معاناه وبذل الجهد، ولكنه لا يصل أبداً بكونه مخدوع، ومع ذلك السراب يجعله يستمر في السعي إليه بلا توقف، مع أنه يستمر في زيادة العطش الذي قد يصل به للموت لأنه لن يشرب أبداً .


لقد أنكر الإنسان العلاقة مع الله التي هي في عمق جوهره الحقيقي مزروعة فيه، وعِوضاً من أن يكون مركز موحد مع إخوته البشر والله، انتهي إلي سلسلة من الانقسامات: 
انقسام شخصي أو ذاتي (منقسم على نفسه)، انقسام بينه وبين الآخر، وانقسام بينه وبين عالم الطبيعة. وأخيراً إلي الانقسام الحاسم بينه وبين الله (الذي هو جوهر كل انقسام)، أي تم هدم علاقة الشركة بينه وبين الله الحياة فأدت طبيعياً إلى الفساد. لقد طعن عطية الحرية. وإذ كان حراً أصبح عبداً: [ أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية ] (يوحنا 8: 34)

ومشكلة الخطية أنها لم تقف عند حد، بل صارت إلى ما هو أخطر، لأن بسببها حاول الإنسان ان يُدين الله: فلقد حَمَّل آدم حواء كل المسئولية عما حدث: [ المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت ] (تكوين 3: 12)، وهو بذلك جعل الله هو السبب الجذري للخطية (وهذا ما يحدث في كل زمان)، إذ يتهم الإنسان الله بوجود الخطية في حياته وكأن الله هو السبب فيها، وبذلك عاش مختبراً الانفصال لا عن الله فقط، بل عن الإنسان أيضاً.

يقول فلاديمير من موسكو philaret of moscoo : [ لقد اغلق الانسان علي نفسه جداول النعمة الالهية ]، وذلك بالطبع عندما حمَّل آدم المسئولية لحواء، ففصل نفسه عن نفسها أولاً، وجعل كل واحد منها فرداً منفصلاً عن الآخر، في الحياة وفي المصير، يسعي للتحرر منه وتجاوزه كي ينمو هو، وذلك حينما ألقى عليها التهمه بدون أن يتحمل أي مسئولية لكي يتجنب ملامة ضميره ولكي يلقيها وحدها لتحمل المشكلة كلها.

عموماً الله في البدء خلق الإنسان الجامع ليكون رأس البشرية وبذلك حوي الانسان الأول في ذاته كل الطبيعة البشرية لأنه أصلها وأبيها. وكان شخصاً فريداً في كل شيء.
وكما يقول القديس النيصي: [ الإنسان المخلوق لا يملك اسماً خاصاً، ولكنه إنسان كوني. ولذلك فهذه التسمية العامة للطبيعة البشرية تعني لنا أن نفهم أن الله .. قد ضمَّن كل الإنسانية في الخليقة الأولي .. إذ إن الصورة ليست في جزء من الطبيعة] 


فالطبيعة البشرية أساسها وجذرها في آدم وحواء قبل السقوط. ولم تكن مجزأة بينهما. كان كل منهما شخصاً – علي صورة الثالوث القدوس – لهم كل الطبيعة الإنسانية، متحدين مع بعضهما في انسجام واتفاق مبدع في حرية إرادة ومشيئة منسجمه، ولكن الخطية أتت كعنصر غريب لتحوّل الاشخاص إلي أفراد، إلي كائنات تتنازع علي امتلاك الطبيعة، من هو السيد والرئيس والمرؤوس، فحولت الكل إلي كائنات يعتقد كل واحد منها أنه يملك الطبيعة لذاته وحده.

  • عموماً باختصار نستطيع أن نقول:

أن بسبب انفصالي عن الله وميلي الباطل لما هو غيره، أصبح كل شيء صار يستقطبني في هذا العالم ما عدا الله. لقد صارت ذاتي قطباً لي في جميع أفعالي وتصرفاتي. لقد تحوَّلت إلي مركز لي للتمركز حوله. لم أعد انظر إلي العالم وإلي الكائنات البشرية الباقية بطريقة إفخارستيا للشكر والمسرة، كسرّ للشركة مع الله.

لقد توقف كل شيء عن كونه عطية لي من الله. لقد صار كل شيء وسيلة لأُحقق به وفيه رغباتي الشخصية أو شهواتي الخاصة المُدمرة. وتناسيتُ أنها هبة من الخالق لأُعيد تقديمها إليه في شكر واعتراف حسن في المحبة. لقد بدأت باستعمال كل شيء كما لو كان ملكي أنا استهلكه وأُبدده وأُشوه منظره الطبيعي. ولم أعد أري الأشخاص والأشياء كما هي بحدًّ ذاتها وفي جمالها الطبيعي، وكما هي في الله. بل أصبحت أراها فقط كوسيلة للمتعة والإشباع (الأناني) اللذين لن ألبيَّهما أبداً بهذه الطريقة.


حتي جسدي صار مبيعاً تحت الخطية (رومية 7: 4)، صار أداة لي لشهواتي بدلاً من أن يكون هيكل مقدس طاهر لحلول الله، ولقد انطلقت به نحو العالم الغاش المادي الكامن فيه روح الشر والفساد بدلاً من أن انطلق به نحو الله، وأرفع العالم معي في سرّ التقوى وهبة القداسة: [ لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم ] (1يوحنا 2: 16)

لقد دخلتُ كإنسان خاطئ دائرة معينة من العطش والشهوة الخاصة، التي بمقدار ما تشبع أزداد جوعاً لتلبيتها، ولم يعد العالم ناقلاً لي جلال مجد الله وبهاءُه. ولم يعد نافذة أُعاين الله من خلالها. لقد صار ظليلاً، كامداً، باهتاً؛ لقد توقف عن أن يكون مانحاً للحياة، وصار موضوعاً وخاضعاً للفساد والموت كالإنسان [ من التراب أنت والي التراب تعود ] (تكوين 3: 19) 

هذه هي الحالة الحقيقية للإنسان الساقط، ولكل شيء مخلوق. فحالما يقطع نفسه عن مصدر الحياة الواحد يفقد الحياة؛ لقد سقط الانسان بعد الخطية، وإنهار جسدياً وأخلاقياً. 
لقد صار خاضعاً للألم والمرض والانحلال الجسدي؛ حتى أنه صار فرح المرأة بالولادة ممزوجاً بآلام المخاض (تكوين 3: 16)، وهذا كله لم يكن من خطة الله الأولية للبشرية. ولكن بسبب السقوط، صار الإنسان أسيراً لكل هذا وهو الذي تسبب وحده لنفسه بهذه الأوجاع؛ وفي النهاية صار خاضعاً للموت: [ لأنه بخطية واحدٍ مات الكثيرون ] (رومية 5: 15)، فسرى الموت في جميع البشر، والكل بدأ يموت، حتى الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم:
[ لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي ] (رومية 5: 14)


__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الخامس
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
4 – خطية آدم وآثارها فينا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الثاني أضغط هنــا. )
الجزء الثالث من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطيـــــــــــــــة والسقــــــوط

 

 




2 – الخطية والسقوط: يقول القديس باسيليوس الكبير: [ الله ليس مسبباً لعذابات الجحيم، بل نحن أنفسنا. لأن أصل الخطية وجذرها كائن في حُريتنا وإرادتنا ] 
فمنذ القديم وفي بدء الزمان، خلق الله السموات والأرض وكل ما فيها وما عليها في منتهى الإتقان والجمال الطبيعي الفائق، لا لأجلها في حد ذاتها ولكن لغرض وهدف وضحه الله بعد ذلك حينما خلق أجمل خلائقه وأعقلها؛ خلق الانسان – محبوبه الخاص – علي صورته ومثاله كشبهه.
 
خلقه كائنا فريداً في خلقه، فريداً في حياته، وفريداً في مصيره. ووضعه في مكان فريد أعده له خصيصاً ليكون مكان راحته وفرحه كإنسان فريد لا يوجد له نظير آخر في الخليقة كلها، بل ومتميزاً عنها في كل شيء لأنه يعتبر رأسها وراعيها. وقد كان كل شيء متوفراً لديه، كل شيء موضوع لخدمة ذلك الكائن الذي خُلِقَ ليصير ملكاً وسيداً ورئيساً علي الكون وكل الخليقة التي فيه.

وبالرغم من كل شيء، أرادا الله من الإنسان أن يبقي حراً، غير مقيد أو مربوط بإرادة آخر، فلقد خلقه كائنا علي صورته. الله حُرّ والانسان حُرّ. فالله أراده حُراً دائماً، يستعمل إرادته الحرة في كل أعماله ومواقفه وقراراته وأقواله وتصرفاته. لذلك جعله قادراً علي الاختيار الحُر بدون ضغط ولا إكراه. والله يحترم الانسان ويحترم – بالتالي – حُريته، فهو يحترم صورة ذاته في الانسان الكائن الذي خلقه علي صورته ومثاله كشبهه من جهة الحرية في طهارة ونقاوة طبيعته الإنسانية، لأن الله هو من خلقها بالطهارة الأصيلة التي فيها، فزاده جمالاً على جمال بالحرية التي توجه بها.

وإرادة الله منذ البدء أن يشاركه الإنسان حياته الإلهية، لذلك أراده ان يصير علي مثاله كشبهه، لذلك صار النموذج والمثال أمام الخليقة كلها، ينمو نحو خالقه، ينمو ويزداد في ما أعطاه من قداسة وطهارة ونقاوة في صميم جوهر طبيعته الإنسانية، فيتعمق ويتأصل في معرفة الله الخالق ويأخذ من مجده ونوره ويتوشح به، إذ أراده الله إلهاً بالنعمة، أي كائناً خلاقاً مبتكراً ومبدعاً على شبه من خلقه (طبعاً لا يفهم أحد من الكلام أن الإنسان يتساوى مع الله أو يصير إله بالمعنى الحرفي للكلمة، فهذا مستحيل على وجه الإطلاق، ولكن المعنى أن تتحقق فيه الصورة الإلهية حسب القصد المبارك الذي أعطاه الله للإنسان) …

فمنذ البدء تأسست علاقة شركة محبة مع الله: [ وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار ] (تكوين 3: 8)؛ والمحبة تُمارس في جو الشركة بين طرفين، الله والإنسان، والمحبة – حسب طبيعتها – لا تحيا الا في جو من الحرية، فهي تتغذي من هذه الحرية. فلا إكراه أو غصب في المحبة وإلا صارت عبودية.
والله أراد من الإنسان أن يحبه بكل جوارحه وكيانه من داخله، أن يحيا لأجله، و ينمو في الشركة معه باختياره، بملء إرادته وحريته. فإن شاء الانسان نما في هذه الشركة، وإن شاء قطعها مباشرة مع الله ليحيا لنفسه.

عموماً في الاصحاح الثالث من سفر التكوين، وفي صميم وضع الانسان في علاقته مع الله والخليقة، فجأة يدخل عنصر غريب يزلزل كيان الإنسان على مستوى الداخل، وكأنما كان لابد أن يدخل هذا العنصر الغريب لتكتمل صورة الإنسان، وخاصةً فيما يتعلق بعلاقته بالله التي قامت منذ البدء علي حرية الإرادة المشروطة، فالإنسان لم يأخذ حرية إرادة مطلقة أو خضوعا مطلقاً لأوامر الله؛ إنما تظهر الحرية المشروطة بقول الله له: [ وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ] (تكوين 2: 17)

وهكذا يظهر منذ البدء أن الطاعة للوصية بالمحبة الصادقة الحرة لله هي الشرط الدائم اللازم لبقاء الانسان حُراً في إرادته الشخصية، يختار ما يختاره الله له بمنتهي الانسجام والتوافق التام، لأن هذا هو مفهوم خلقة الانسان علي صورة الله كشبهه، لأن الصورة إذا اتبعت أصلها، فمن ذا يستطيع أن ينتقص من حريتها وقدرتها علي الحركة نحو الله حبيبها الشخصي، ولكن أن عصت الصورة أصلها فكيف تظل صورة تُشابه من كونها؟ 


لأن المرآه أن كانت نظيفة ومصقولة صقلاً جيداً فأنها تعكس الصورة كما هي بدون تشويش، أما أن أصابها خلل أو شرخ أو كسر أو التصقت بها الأوساخ الصعبة فكيف تعكس الصورة نقية واضحة !!!

حيث أن العصيان يمثل استقلال الإنسان عن الله، وهُنا يكمن خطر الموت، لأن الله هو مصدر الحياة الدائمة للإنسان، وعلي أقل تقدير نقول أن نفخة الله في الإنسان تتوقف عند استمرارها أو تتعطل !!

عموماً، نجد أن حواء تعرضت لإغراء مُضلل، ولكنها كانت حُرة لترفض هذا التضليل وتنفر منه. لكنها نسيت (أو تناست) الكلام الإلهي وسمعت الإغراء الشيطاني؛ وصار ما صار وحدثت المأساة البشرية، إذ أغوت رجلها أيضاً الذي بدوره لم يردها ويذكرها بالوصية لأنه هو من تلقى الوصية أولاً. ومنذ ذاك الحين لازال الإنسان يؤخذ بالخدعة أكثر منه بالصدق.

فخطية آدم وحواء تتألف من عصيان واعٍ للفعل المرتكب، مع رفض متعمد للمحبة الإلهية إذ تزعزعت الثقة في وصية الله. وبذلك صارت الخطية اختيار حُر جعل الإنسان يتحوّل من الله إلي الذات (أنظر تكوين 3: 22, 23) ؛ لقد طمعا في أن يصيرا إلهين مستقلين ونسيا المحبة والشركة مع الله الحي، فقد طمعا في أن يصيرا إلهين بقدرتهم ولحساب ذاتهم ولمصلحتهم الشخصية بدون الله. فاستفاد الشيطان من سذاجتهما ونجح في تشويه طبعهم المقدس، فشوه صورة الله فيهما وانطمست.

ونأتي لسؤال هام وضروري: لماذا سمح الله للإنسان – والملائكة قبله – بالخطية ؟ لماذا يسمح بالشر والتألم ؟
الجواب : أولاً الله لا يسمح بالشر ولا يأذن به، لأن السماح معناها أن أتى واحد يسأل والآخر جاوب، أو استجاب لهُ، فالله لم يستجيب لأحد ولا أحد استأذنه ليرتكب شرّ فسمح له، لكن السؤال الأدق كيف سقطت الملائكة والإنسان والله لم يمنعهما، أليس هو بقادر أن يمنع اي شر يُرتكب أو أية جريمة تُقام !!!

طبعاً بكونه إله المحبة، والمحبة تعني المشاركة، والمحبة تعني أيضاً بالضرورة: [ الحرية ]. وكثالوث المحبة رغب الله أن تُشاركه حياته أشخاص مخلوقة علي صورته الثالوثية، قادرة علي الدخول معه – بحرية إرادة – في شركة محبة. فحيثما توجد حرية توجد محبة، فالإكراه لا يتواجد مع المحبة، لأن لو وجد إكراه إذن تتلاشى المحبة وتُصبح الطاعة عبودية قهرية كالأغلال والقيود التي يستثقلها الإنسان، مثلما يوجد عبد في البيت، فمهما ما كان محبوباً عند أهل البيت فهو يشعر أنه لازال عبداً تحت طاعة أمر ونهي صاحبه، لأنه مملوك لأحدهما لا يستطيع ان ينفك من هذا القيد وهذه التبعية !!!

وبالطبع لا يستطيع السيد معرفة محبة عبدهُ لهُ إلا إذا اعطاه حريته الكاملة وتكه لاختياره الحُر. والإنسان خُلق حراً والحُرية هي من صفات الصورة الإلهية فيه. والله – كما يقول بول افديموكوف: [ يستطيع أن يفعل أي شيء ما عدا إكراهنا علي محبته ]، فلذلك لم يخلق الله آلات تطيعه آلياً بتلقائية السميع المجيب، بل خلق ملائكة وكائنات بشرية قادرة علي الاختيار الحُر الواعي وذلك لرغبته في أن تشاركه محبته الفائقة من أعماق كيانها من الداخل.

فبدون الحرية لا يكون الإنسان إنساناً، وكائن عاقل مفكر بلا حرية لم يوجد بعد. فنحن نعرف أن الحرية هي قدّر الإنسان الذي لا يخضع لقدّر محتوم، فليس للحيوانات مصير سوي الرعي والذبح والموت. أما الإنسان فهو صاحب مصير خاص، وهو ينسج بيديه مصيره، متراوحاً بين أعلي درجات القداسة وأدني درجات الوحشية.
فبدون الحرية لا توجد خطية.

ولكن بدون الحرية لا يغدو الانسان علي صورة الله: وبدون الحرية لن يصبح الإنسان قادراً علي الدخول في شركة مع الله في شركة محبة؛ بل ونقدر أن نقول أيضاً بدون الحرية لا توجد طهارة ولا برّ ولا حتى عقل للتفكير، وبالتالي لا خيار بل إجبار، وفي النهاية سيبقى الإنسان ليس إنساناً بل ربما جماد أو إنسان آلي !!!

الانسان أخطأ بحرية. ولكن ما الذي يؤلف الخطية الأصلية ؟
الإنسان تلقي الوصية الالهية في روح المحبة، وكان عليه أن يستجيب لإرادة الله بثقة تامة، وبالتالي كان عليه أن يفصل نفسه – بكل رغبته – ليس فقط عن الثمرة، ولكن عن كل شيء خارجي لكي يحيا لله فقط، ليسعي للاتحاد به.

وصية الله تظهر للإنسان الطريق المؤدية للارتفاع للمستوى الإلهي، أي إلي الانفصال عن كل ما هو غير إلهي؛ لكن الارادة البشرية اختارت الطريق المضادة، وانفصلت – بحريتها – عن الله، وخضعت بكليتها للشيطان وصارت عبدة لأهواء ذاتها خاضعة للشر الذي يعمل في أبنا المعصية.

القديسان غريغوريوس النيسي ومكسيموس المعترف يضعان نبرة خاصة عن المفهوم الطبيعي للخطية. فبدلاً من توجه الروح البشرية نحو الله خالقها وميلها الطبيعي له، توجهت نحو العالم الخارجي وانحدرت لأسفل. وبدلاً من طهارة الجسد وترويضه والارتقاء به وحفظ ملكاته الخاصة، دخلت الروح نفسها إلي تيار الحياة الحيوانية والحّسية، وصارت خاضعة للظروف المادية.

لقد دخل الشيطان إلي العالم عبّر الارادة. فالشر ليس طبيعة Φύσης physis، ولكنه حالة (حالة اعتيادية – استعداد ردئ – حالة السوء) 
و يقول ذياذوخوس فوتيك: [ إن طبيعة الخير أقوي من عادة الشر، لأن الخير يوجد (له مصدر – الله)، والشر لا يوجد (حالة سلبية ليس لها قوام)، أو بالأحرى يوجد فقط في اللحظة التي يُصنع فيها ( وقتي وضعيف جداً لأنه زائل) ]

فالخطية هي مرض الإرادة المخدوعة، ولهذا السبب، فبمجرد الرغبة بتذوق ثمرة معرفة الخير والشر كان بحد ذاته خطية. إذ تبعاً للقديس غريغوريوس النيصي: المعرفة تفترض نزعة معينة – رغبة – تجاه الشيء الذي يُريد المرء أن يعرفه، والشر لكونه في ذاته غير موجود ولا كيان لهُ، يجب ألا يُعرف.

لقد صار الشرّ واقع فقط بسبب الإرادة وحدها، وبها فقط استمر ليكتمل. إنها الإرادة البشرية التي تعطي للشرّ كياناً معيناً يتحسسه الإنسان. فالإنسان كان ميالاً – بالطبيعة – الي معرفة الله ومحبته، واستطاع بسبب إرادته واختياره الانحراف نحو الخير غير الموجود، أي نحو الشر، أي انه اتجه نحو هدف خادع؛ وهذا تم بتأثير خارجي وإغراء وحث الإرادة الإنسانية لتقبلهُ.

الله بعلمه السابق للأمور كان يعرف ما سيجري للإنسان، وكان بإمكانه التدخل لمنعه من الذلل والسقوط بالقوة. فلماذا إذاً لم يتدخل ؟ سؤال يطرحه كثيرون في كل جيل: ولكن هذا السؤال – كما قلنا سابقاً – مناقض لمفهوم الحرية..

الله خلق الإنسان حراً، و لفرط صلاحهُ يريدني أن اختارهُ بكل حرية كما خلقني بحريته ووضع فيَّ صورته وجعلني حراً وفي إمكاني اشوهها أو أحفظها. فلقد أعطاني الحرية لا بأن أرفضه فقط، بل بأن أنكر وجوده أيضاً. ومع ذلك يستمر هو في محبته لي، محبة لا حدود لها، غير متغيرة قط، بدون قيد أو شرط، ودائماً ما يحاول أن يُناديني ليردني إليه لأنه يُريد نجاتي لا إهلاكي ..

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الرابع
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها 

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودناالتجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الأول أضغط هنا. )

الجزء الثاني من الموضوع 
ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

أولاً: آدم وأبناء آدم
1 – معني الكلمات: علي نقيض ما قد توحي به ترجمات الكتاب المقدس, فان كلمة (آدم) لفظ شائع جداً, يدل علي مجموعة كبيرة من المعاني؛ ويرد هذا اللفظ في العهد القديم في العبرية حوالي 500 مرة للتعبير عن الإنسان أو الجنس البشري .
و الاسم يحتمل معني : 
1 – خليقة 2 – احمر 3 – مولود الارض 
و قد يعني 4 – شهي ( للنظر ) 5 – اجتماعـــــــي 

وعندما كان أحد اليهود ينطق بهذه الكلمة, فانه لم يكن يفكر قط في الإنسان الأول؛ فإذا استثنينا قصة (الخلق) حيث تلتبس دلالة اللفظ, فأن كلمة آدم لا تدل دلالة أكيدة علي الإنسان الأول إلا في خمسة مواضيع: 

1 – [ وعرف آدم امرأته أيضاً فولدت ابناً … ] (تكوين 4: 25)
[ هذا كتاب مواليد آدم …. وعاش آدم مئة وثلثين سنة وولد ولداً علي شبهه كصورته ودعا اسمه شيثاً وكانت أيام آدم بعدما ولد شيثاً: ثماني مئة سنة، وولد بنين وبنات فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسع مئة ثلاثين سنة ومات ] (تكوين 5: 1, 3: 5) 
[ آدم شيث انوش ] (أيام 1: 1) 

2 – ويُعبِّر بهذا اللفظ عادةً وبحق, عن الانسان عامة: [ الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعباً ] (أيوب 14: 1)

3 – أو عن الناس عموماً: [ ويبعد الرب الإنسان אָדָם ويكون الخراب في وسط الارض ] (إشعياء 6: 12)

4 – أو عن شخص ما: [ لأنه من يعرف ما هو خير للإنسان في الحياة مدة أيام حياة باطلة التي قضيها كالظل لأنه من يُخبر الانسان بما يكون بعده تحت الشمس ] (جامعة 6: 12)
[ بل يقول لستُ أنا نبياً. أنا إنسان فالح الأرض لأن إنساناً اقتناني من صباي ] (زكريا 13: 5)

5 – أو عن أحدهم: [ إذا أخطأ إليك. لأنه ليس إنسان لا يُخطئ. وغضبت عليهم ودفعتهم أمام العدو وسباهم سابوهم إلي أرض العدو بعيدة أو قريبة ] (1 ملوك 8: 46) 
[ فلم يدع انساناً يظلمهم. بل وبخ ملوكا من أجلهم ] (مزمور 105: 14)

6 – أو عن الذات البشرية: [ كنت اجذبهم بحبال البشر بِرُبط المحبة ] (هوشع 11: 4) 
[ الرب يعرف أفكار الإنسان أنها باطلة ] (مزمور 94: 11) 
والمعني الجماعي هنا هو الغالب بشكل واضح.

و ينطبق نفس الشيء علي عبارة (بن آدم) التي لا تشير إلي شخص من نسل آدم كفرد, ولكنها توازي لفظ إنسان:
[ فكم بالحري الإنسان .. ابن ادم .. ] (أيوب 25: 6) 
[ فمن هو الإنسان حتي تذكره وابن الإنسان حتي تفتقده ] (مزمور 8: 4)

وقد تُشير إلي شخص أو (أي إنسان كشخص):
[ كانقلاب سدوم وعمورة ومجاورتها يقول الرب لا يسكن هناك إنسان إلي الأبد، لا يسكن هناك إنسان ولا يتغرب فيها ابن آدم ] (إرميا 49: 18, 33)
[ فقال لي يا ابن آدم قم علي قدميك فأتكلم معك .. وقال يا ابن آدم أنا أُرسلك إلي بني إسرائيل .. أما انت يا ابن آدم فلا تخف منهم… وانت يا ابن آدم فاسمع ما انا مكلمك به ] (حزقيال 2: 1, 3, 6، 8)
أو تشير الي جماعة : 
[ فرحة في مسكونة أرضه ولذاتي مع بني آدم ] (أمثال 8: 31) 
سليمان يخاطب الله قائلاً [ فاسمع انت من السماء مكان سكناك واغفر واعمل واعطِ كل إنسان حسب كل طرقه كما تعرف قلبه. لأنك وحدك قد عرفت قلوب كل بني البشر ] (1ملوك 8: 39)
وعندما تأتي عبارة (ابن آدم) في تضاد مع (الله) فهي تبرز, مثل كلمة (جسد), حالة الإنسانية الضعيفة والفانية:

  • [ من السموات نظر الرب. رأى جميع بني البشر ] (مزمور 33: 13)
  • [ فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما ] (تكوين 11: 5)
  • [ ما أكرم رحمتك يا الله فبنو البشر في ظلّ جناحيك يحتمون ] (مزمور 36 : 7)

عموما فإن (أبناء آدم) هم إذن البشر في حالتهم الأرضية. وهذا ما يوصي به أيضاً التفسير العام لأصل كلمة: (آدم؛ إذ تُعتبر مشتقة من אֲדָמְָה adamah أي الأرض earth)؛ فآدم هو إذن الكائن الأرضي المجبول من تراب الأرض.
وهذا الواقع التفسيري له انعكاس لاهوتي, فلا يكفي أن نري في آدم الأول فرداً مثل باقي الأفراد. وهذا ما يستنتج من الانتقال المدهش من صيغة المفرد إلي صيغة الجمع في كلام الله الخالق: [ لنصنع الانسان علي صورتنا كمثالنا .. وليتسلطوا ] (تكوين 1: 26)، فالله خلق آدم كراس للبشرية وكل ما وهبه له هو موهوب بالتالي للبشرية كلها لذلك نرى في هذا النص العميق أنه تكلم عن الإنسان بشكل شامل، وهذا ما يمثله آدم [ الإنسانية كلها ].

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثالث
تابع المقدمة:

 آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله
 
 
التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
الجزء الأول من الموضوع
أولاً: تمهيـــــــــــــــــــــــــد

 


في الواقع المسيحي الاختباري لا نستطيع أن نتعرف على الله الثالوث القدوس بدون أن ندخل في شركة معه على المستوى الإعلاني، لأنه هو من يعلن لنا عن ذاته وكينونته [ أنا هوَّ ]، وحتي الاعتراف الصحيح بأن الله واحد يصبح بلا معني في اللاهوت المسيحي ما لم يكن هذا التوحيد هو توحيد شركة وحياة، أي توحيد قائم علي الثالوث القدوس. 

حتى وجودنا الإنساني الحقيقي هو في الشركة، لأن يستحيل الوجود بدون شركة. فمن هنا ندرك أن الشركة هي أساس الوجود والقاعدة التي يرتكز عليها الاتحاد الإنساني كله، وأن أي كيان حقيقي لا يُمكن معرفته بدون الشركة، وهذا ما انجزه آباء الكنيسة الذين اعتمدوا على رسالة الإنجيل الحي الظاهرة في تجسد الكلمة، الذي أعلن لنا سرّ الشركة بإظهار وحدته مع الآب التي أعلنها لنا بالإنجيل [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30)، والتي شعها فينا بالروح القدس روح الوحدة والاتحاد في المسيح يسوع.

وإذا كان الوجود قائم على شركة، فأننا لا نفهم الوجود بل لا نستطيع أن نفهمه الا من خلال علاقة، وبالتالي لا يُمكننا ان نفهم الوجود كوجود في حد ذاته، وذلك لأن كل كائن لا يوجد في حالة عزلة عن الآخر ولا يحيا كفرد منفرد بذاته منعزلاً عن الآخر.
ولا يوجد كائن قائم بذاته يمكن فهمه كما هو في ذاته، وهذا ما انكره الآباء علي الفلاسفة الذين يطلبون فهم الوجود وكيان كل الموجودات كما هي مجردة وليس كما هي في علاقة وشركة مع غيرها.


ومن هنا نفهم سرّ الخلق وارتباط البشر ببعضهم البعض، بل وحاجتهم المستمرة لأن يقيموا علاقة بينهم، فالله الخالق بصلاحه ارتضي بدافع فائق من محبته أن يخلق من يُحسن إليهم ويفيض عليهم نعمته ويشركهم بصلاحه، فأخرج الكل من العدم إلي الوجود وخلق ما يُري وما لا يُري، جاعلاً الإنسان مُركباً من منظور وغير منظور بحسب قول القديس يوحنا الدمشقي. بل وجعل البشر كلهم من رأس واحد وهو آدم…

ومن سفر التكوين الذي جعله البعض مجرد صورة رمزية، لأنهم لا يصدقون أن للبشرية رأس واحد ويقولون أن هذا مستحيل، طبعاً مستحيل بسبب السقوط وتفتت الإنسان واستقلاله وهدم البناء الواحد (كما سوف نرى حينما نشرح موضوع الخطية)، عموماً يُمكننا أن نقول أن العالم كله سمع لأول مرة في تاريخه أن الشركة هي التي تجعل اي كائن كائن فعلا وأن الكينونة والوجود لا تقوم الا بالشركة حتي في الله نفسه، وذلك من خلال سرّ التجسد الفائق والوحدة التي تمت بين الله وإنسانيتنا، وايضاً من خلال صلاة الرب في جسثيماني على أساس أنه راس البشرية الجديدة الذي فيه يكون الجميع واحد 

  • [ أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحداً كما نحن ] (يوحنا 17: 11)
  • [ ليكون الجميع واحداً كما انك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم انك أرسلتني، وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما اننا نحن واحد، أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم انك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني ] (يوحنا 17: 21 – 23)

لننتبه لهذه الآية يا إخوتي، لأن فيها إعلان إيمان حي في المسيح، لأن الإيمان الحقيقي يوحد في كيان حي اسمه كنيسة واحدة لراعٍ واحد، أعضاء لبعضنا البعض ورأسنا الواحد هو المسيح الرب: [ ولي خراف أُخرّ ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد ] (يوحنا 10: 16)

وطبعا اذا كان الوجود شركة، فأن الشركة هي جوهر الوجود. وطبعا قد نتصور الشركة علي أنها علاقة ترضي طرفين، أو إنها هي بحد ذاتها هدف، ولكن ذلك يجعل الوجود نفسه غامض، فالوجود من أجل الشركة أو مجرد علاقة فأنه يحوَّل الوجود والشركة الي قضية وجودية فلسفية مثل تلك القضية الوجودية التي طرحها ماركن بوبر ( buber ) (فيلسوف ألماني من أصل يهودي له مؤلفات عن الفلسفة و يبدو أنه اعتنق المسيحية)، حيث اعتبر أن (( أنا )) هي الوجود وأن (( انت )) أي الآخر هو غاية الوجود، وأصبح الوجود عبارة عن بناء قائم علي (( أنا وانت )) أي (( أنا والآخر )) .

هذا الفكر الفلسفي الذي يطرح علينا الوجود بشكل فلسفي مُغلق (بين انا وانت بدون رأس يجمعنا في المحبة المتدفقة لنكون واحد) تصبح فيه غاية الوجود هي الوجود نفسه ( بحد ذاته ) وقد تجاوز الآباء هذا الفكر الضيق المحصور في دائرة (أنا وأنت) عندما عادوا الي الكتاب المقدس والتقليد الكنسي الذي أبرزه رعاة الكنيسة مثل أثناسيوس الرسولي وغيره من الآباء المختبرين للحياة المسيحية في شركة أعضاء المسيح..

فأعلنوا بروح الكتاب المقدس في صراحة الحق، بأن الله ليس موجود بالمعنى الفلسفي الفكري المحصور والضيق، بل هو كائن بذاته، وجوهره ليس غامضاً يتمتع بصفة الوجود من أجل الوجود ذاته، بل من الواضح أن علة أو سبب الكينونة ليس مبدأ أو علاقة غامضة أو فكرة مجردة وإنما هو شخص وأقنوم الآب.

وهذا يعني أن الله نفسه غير خاضع لبناء فلسفي يُفرض عليه وإنما جوهره وكيانه متأقنم يجعله فوق كل القياس العقلي النظري والفكري الفلسفي، فوجود الله ليس قضية فلسفية ولا الله واجب الوجود من أجل الوجود كما يقال، وإنما هو الكائن المطلق الفريد بذاته كأب فيه البنوة الأزلية والحياة متدفقة.

ولذلك علينا أن ندرك تمام الإدراك أن الكيان الالهي فوق الفهم النظري والكلام الفلسفي وكل الشروحات العقلية، لأن الأبوة تعرف في البنوة، وأبوة الله حياة متدفقة بالبنوة، اي أنها حياة شركة أبوة بالبنوة بتيار حياة الحب المتبادل والمتدفق، والبنوة لا تُعرف إلا بالأبوة بتيار حياة الحب المتبادل أيضاً، لذلك قد أصبح من الضروري أن نستوعب أن الله لا يُعرف الا من خلال التذوق بالرؤيا الداخلية بانفتاح الذهن والدخول في سرّ حياة البنوة أي الدخول في سرّ الشركة: 

  • [ ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب طوبى للرجل المتوكل عليه ] (مزمور 34: 8)
  • [ هذا وجد أولاً أخاه سمعان فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح ] (يوحنا 1: 41)
  • [ انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله، من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه ] (1يوحنا 3: 1)
  • [ أمين هو الله الذي به دُعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا ] (1كورنثوس 1: 9)
  • [ الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ] (1يوحنا 1: 3)

اذاً يا إخوتي جوهر الله ليس غامضاً وفكرة مجردة، بل كيان أبوة يُنشئ شركة في وحدة، وليس مجرد بناء وجودي نتأمله من الخارج ولا نقترب منه لأنه موجود من أجل التمتع بالوجود، بل جوهر الله هو كينونة وجوهر في أقانيم الثالوث، حيث الآب نفسه هو علة وسبب كينونة أقنومي الابن والروح القدس، وهكذا خلق الانسان علي صورة ذاته، ليكون في حالة شركة مع بعضه البعض مع الله أصل وعلة وجوده وخلقته.

  • نستطيع مما فات أن نعرف ونفهم من جهة إعلان مجد الله في ملء الزمان بتجسد الكلمة، أن لنا علاقة كيانية بالمسيح كلمة الله المتجسد، فمنذ البداية شدد الآباء متذوقي الحياة المسيحية على مستوى الخبرة، خبرة الإيمان الحي، علي حقيقة هامه وهي: أن الإنسان قادر علي أن يقترب من الله من خلال الابن في الروح القدس فقط دون أي أسلوب أو وسيلة أُخري.

والقديس بولس الرسول أول من تكلم عن علاقة المسيح الكيانية بكل واحد منا بصفته آدم الثاني (أو بمعنى أدق الأخير) أصل الجنس البشري الجديد. فكما أن البشرية كلها كانت في آدم الأول حينما استقبل الموت بسبب الخطية، حتي انطبق علينا جميعا حكم الطرد والموت حسب أفعالنا الشخصية المسئولين عنها نحن بإرادتنا:

[ فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة، لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة (لأنهم مرتبطين به كيانياً كبشر وهو رأسهم الواحد الذي تدفق عليهم بالموت) هكذا أيضاً بإطاعة الواحد (الجديد الرب من السماء رأس الخليقة الجديدة) سيجعل الكثيرون أبراراً ] (رومية 5: 18)

وقد اهتم آباء الإسكندرية علي الخصوص بإبراز هذه العلاقة الكيانية التي تربطنا بالمسيح حتي جعلوها أساساً لكل تعاليمهم الروحية عن الخلاص والتجسد، لأنهم أكدوا على أنها علاقة شركة حقيقية، على مستوى الواقع الاختباري.

فمثلا نسمع القديس أثناسيوس الرسولي يقول: [ انه لما اغتسل الرب في الأردن كإنسان كنا نحن فيه ومعه الذين نغتسل، وحينما اقتبل الروح نحن الذين كنا معه مقتبلين هذا الروح ] (عظة: الرسالة إلي تيطس )
وكما يقول أيضا بخصوص الصعود أن المسيح لم يصعد لأجل نفسه بل [ من اجلنا نحن الذين كان يحملنا في جسده ] (تجسد الكلمة 25: 6)
و بالإجمال يصيغ هذه الحقيقة في صيغة قانون لاهوتي عام قائلاً: [ أن كل ما كُتب فيما يختص بناسوت مخلصنا ينبغي ان يعتبر لكل جنس البشرية ] 

عموماً يا إخوتي أن الأساس اللاهوتي لوجودنا الكياني في المسيح هو يرتكز أساساً في سر التجسد، أي سرّ الاتحاد الأقنومي الفائق بين لاهوت المسيح وناسوته، ذلك الاتحاد الفائق هو الذي يعتبر بحق ينبوع جميع الخيرات التي تنسكب علينا في المسيح وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [ لأن جميع الخيرات إنما بواسطته تتدفق نحونا ] (تفسير يوحنا 7: 39)

 

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثاني
مقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

Exit mobile version