الدعوة على الغير بالهلاك – اتبع بالغضب وأهلكهم من تحت سماوات. مراثي ارميا 3: 66

الدعوة على الغير بالهلاك – اتبع بالغضب وأهلكهم من تحت سماوات. مراثي ارميا 3: 66 

الدعوة على الغير بالهلاك – اتبع بالغضب وأهلكهم من تحت سماوات. مراثي ارميا 3: 66

الدعوة على الغير بالهلاك – اتبع بالغضب وأهلكهم من تحت سماوات. مراثي ارميا 3: 66 

 

الرد باختصار

هذا ليس امر من قبل الله ولا علاقة به بالوصايا.

لكن كان ارميا دائم العتاب للرب فهو الذي عاتبه قائلاً:

ارميا 4: 10 آه، يا سيد الرب، حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب وأورشليم وقد ذكر الوحي الالهي هذا العتاب الانساني النابع من ضعف ارميا وقهره الداخلي. وهذا العتاب تكرر في العديد من المواضع. فالكتاب المقدس ليس غريب عن الانسان لكن يخاطب لإنسان بنماذج وليس كلاماً نظرياً.

وايضاً هذا ما وجدناه في مراثي ارميا 3: 66

اتبع بالغضب وأهلكهم من تحت سماوات الرب.

بحسب:

MacDonald, W., & Farstad, A. (1997, c1995). Believer’s Bible Commentary

الاصحاح الثالث من مراثي ارميا والاعداد 52 – 66 هو صلاة ارميا للرب ان ينجيه من اعدائه.

وكان يصلي بجدية للرب من الجب الاسفل ويقول: 52 قد اصطادتني أعدائي كعصفور بلا سبب. 53 قرضوا في الجب حياتي وألقوا على حجارة. 54 طفت المياه فوق رأسي. قلت: «قد قرضت!». 55 دعوت باسمك يا رب من الجب الأسفل.

ثم الاعداد 55 – 57 يجيبه الرب ان لا يخاف 56 لصوتي سمعت: «لا تستر أذنك عن زفرتي، عن صياحي». 57 دنوت يوم دعوتك. قلت: «لا تخف!».

ثم يأتي في الاعداد 58 – 66 يشتكي للرب كيف تعرض لمعاملة سيئة وانتقام وخطط وشتائم وتهكم ويطلب عدالة الله. وطلب ان يعاقب اعدائه وان يتم هلاكهم.

تستطيع ان تري مدي الالم والحزن الذي اصاب ارميا نتيجة السيف والهدم الذي اصاب اورشليم. فكان يطلب بدموع لذلك سمي بالنبي الباكي تستطيع ان تري دموعه في كلماته.

فطلب من الرب ان يعاقب الاعداء وان يحقق العدالة السماوية فالله هو القاضي العادل وهو الذي يري اعمالهم. طلب ارميا بمشاعره الانسانية لهؤلاء الاشرار الذين دمروا اورشليم واهانوه وعيروه.

وقد قال كتاب:

King James Version study Bible. 1997, c1988

ان هذا النهج متكرر في المزامير.

ويذكر لنا كتاب:

Wesley, J. (1999). Wesley’s Notes: Lamentations (electronic ed.). Logos Library System; Wesley’s Notes (La 3:66). Albany, OR: Ages Software.

أن هذا النوع من الطلبات احتوي ايضاً على نبوات مع الصلوات.

وهذا ما اكده كتاب:

Tom Constable. (2003; 2003). Tom Constable’s Expository Notes on the Bible (La 3:64-66). Galaxie Software.

وقد حصلت هذه النبوة عندما سقطت المدينة على يد البابليين ارميا 39: 4 -7 وارميا 52: 7 – 11 وارميا 52: 24 – 27.

فالدمار لم يأتي من خلال دعوة ارميا بل من خلال شرهم فالنار تأكل نفسها والشر له نهاية. والمؤمن في العهد الجديد يصلي لأجل اعداءه ولأجل الاشرار لخلاصهم فهم واقعون تحت سلطان ابليس.

فبحسب رسالة تيموثاؤس 2: 4

الذي يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون

وهو الذي يشرق شمسه على الاشرار والابرار بحسب متي 5: 45.

وايضاً هناك مسؤولية كرازية عن الاشرار:

فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا بحسب يعقوب 5: 20

في النهاية هذه المشاعر التي قدمت كهيئة صلاة هي طلب عدل الله من السماء. مشاعر انسانية نابعة عن حزن وضيق وقهر. تختص بإرميا ولا يوجد امر إلهي للدعاء على الاخر.

سلسلة كيف أتوب -11- تابع ثانياً أساس الدعوة للتوبة – غفران الخطايا.

تابــــــع سلسلة كيف أتـــــوب – الجزء العاشر
التوبة ربيع الإنسان وتجديده المستمر
تابع ثانياً: أساس الدعـــــــــوة للتوبـــــــــة
للرجوع للجزء العاشر أضغط هنا.
كما قلنا في مقدمة الجزء الثاني [ أساس الدعـــــــــوة للتوبـــــــــة ] أن للتوبة أساس راسخ تقوم عليه وتُبنى وبدونه تستحيل على وجه الإطلاق، لأن الله لا يدعو الإنسان ليتوب بمجرد كلام، أو نداء ودعوة للأخلاق الحميدة، أو على أساس أنه يهرب من الدينونة، أو لأجل أن يكون في المجتمع إنسان سوي لينال مدحاً من أحد، أو لأن الله سيستفيد من بره شيئاً أو حتى من توبته، لأن الإنسان لا يقدر أن يضيف أو ينتقص من الله شيئاً قط، بل أساس التوبة والدعوة قائمة على الآتي:[1] محبة الله الشديدة للإنسان، [2] طول أناة الله، [3] غفران الخطايا المجاني، وقد تحدثنا في العنوان الأول والثاني في الجزء السابق والذي يسبقه، والآن نتحدث في العنوان الثالث:
  • + [3] غفران الخطايا:
دعوة الله للتوبة في العهد الجديد لم تُقدم على سبيل مُكافئة أو ثمن لجُهد أو تعب يقدمه الإنسان لكي يصفح عنه الله ويقدم له الغفران، حتى منذ العهد القديم في المزمور يقول: [ اللهم بآذاننا قد سمعنا. آباؤنا أخبرونا بعمل عملتهُ في أيامهم، في أيام القدم. أنت بيدك استأصلت الأمم وغرستهم. حطمت شعوباً ومددتهم. لأن ليس بسيفهم امتلكوا الأرض ولا ذراعهم خلصتهم، لكن يمينك وذراعك ونور وجهك … لأني على قوسي لا أتكل وسيفي لا يُخلصني. لأنك أنت خلصتنا من مُضايقينا وأخزيت مبغضينا. بالله نفتخر اليوم كله واسمك نحمد إلى الدهر.. قم عوناً لنا وافدنا من أجل رحمتك ] (مزمور 44)
[ استيقظي استيقظي ألبسي قوة يا ذراع الرب، استيقظي كما في أيام القدم، كما في الأدوار القديمة، ألست أنتِ القاطعة رُهب الطاعنة التنين. ألستِ أنتِ هي المنشفة البحر مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقاً لعبور المفديين. ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم وعلى رؤوسهم فرح أبدي، ابتهاج وفرح يدركانهم، يهرب الحزن والتنهد. أنا أنا هو مُعزيكم، من أنتِ حتى تخافي من إنسان يموت ومن ابن الإنسان الذي يجعل كالعشب.. وقد جعلت أقوالي في فمك وبظل يدي سترتك لغرس السماوات وتأسيس الأرض ولتقول لصهيون أنتِ شعبي ] (إشعياء 51: 9 – 12و 16)

فجهد الإنسان وتعبه مهما ما صنع فأنه لا يجعله يستحق الغفران أو يقدر على خلاص نفسه على وجه الإطلاق، فللرب الخلاص وحده وليس معه أحد، وحتى المكافأة من الرب فهي مجاناً على حساب عمل قدرة نعمته وحده لأن القوة والمعونة والخلاص وكل شيء صالح لنا منه وحده، وليس على الإنسان إلا أن يقبل ويخضع لعمل الله في داخله، لذلك مكتوب:
  • [ للرب الخلاص، على شعبك بركتك ] (مزمور 3: 8)
  • [ أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك وأوفي بما نذرته، للرب الخلاص ] (يونان 2: 9)

[ من ذا الآتي من أدوم بثياب حُمر من بصرة، هذا البهي بملابسه، المتعظم بكثرة قوته ؟
أنا المتكلم بالبرّ العظيم للخلاص. 
ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة ؟
قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد، فدستهم بغضبي ووطئتهم بغيظي، فرش عصيرهم على ثيابي فلطخت كل ملابسي 
احسانات الرب اذكر تسابيح الرب حسب كل ما كافأنا به الرب، والخير العظيم لبيت إسرائيل الذي كافأهم به حسب مراحمه وحسب كثرة إحساناته.
في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلصهم، بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة ] (إشعياء 63: 1 – 3؛ 7و 9)

  • [ أنا، أنا الرب وليس غيري مُخلِّص ] (إشعياء 43: 11)
  • [ أليس أنا الرب ولا إله آخر غيري إله بار ومخلص، ليس سواي، التفتوا إليَّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأني أنا الله وليس آخر… بالرب يتبرر ويفتخر كل نسل إسرائيل ] (إشعياء 45: 21و 22و 25)

وعلينا أن نلاحظ النبوة وتحقيقها لأنه مكتوب: [ ويأتي الفادي إلى صهيون وإلى التائبينعن المعصية في يعقوب يقول الرب ] (إشعياء 59: 20)، [ الشعب الجالس في ظلمة أبصر نوراً عظيماً والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور. من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ] (متى 4: 16 – 17)

ومن هنا نرى أن الإنجيل هو إنجيل نعمة الله، فالله هو صاحب المبادرة ويقدم الخلاص الثمين المجاني لكل واحد بلا تمييز، وعلى كل واحد أن يتجاوب مع النعمة ويطيع الصوت الإلهي، لذلك فأن دعوة التوبة في العهد الجديد تصير لنا هكذا: لقد غفرت لكم خطاياكم بذبيحة نفسي فتعالوا إليَّ وتذوقوا خلاصي الثمين، اجنوا من ثمر تعبي، تعلوا أيها الجياع للبرّ خذوا كلوا واشبعوا...

وعلينا أن نلاحظ ما قاله الرسول المُلهم بالروح: [ الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديماً، بأنواع وطُرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه… الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته،بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا، جلس في يمين العظمة في الأعالي ] (عبرانيين 1: 1 – 3)
فالله في الأول – على مستوى العهد القديم – وعد، أما الآن فقد تمم وعده بالفعل والعمل، في الأول تكلم بفم الأنبياء ليُهيئ القلوب ويعدَّها للخلاص، أما الآن فتكلم إلينا بوسيط العهد الأبدي ابنه الوحيد، الذي تمم التدبير ببذل نفسه على الصليب بسلطانه وحده، ففي الأول الله وعد والآن نفذ ما وعد به، لذلك نسمع يوحنا الرسول يكتب قائلاً: [ أكتب إليكم أيها الأولاد لأنه غُفرت لكم الخطايا من أجل اسمه ] (1يوحنا 2: 12)

ولكن بالرغم من الحالة المفرحة بل والسعيدة جداً التي صارت للإنسان الخاطئ الذي يتجاوب مع دعوة الله في العهد الجديد، الذي أعلن أن كل من يؤمن بالابن الوحيد مُخلِّص النفس، له الحياة الأبدية:

  • [ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ] (يوحنا 3: 16)
  • [ وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله، والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً… ومن ملئه نحن جميعا أخذنا ونعمة فوق نعمة ] (يوحنا 1: 12 – 14و 16)

فبالرغم من هذا إلا إننا لا نُريد أن نُقلل قط من قيمة وعد الله في دعوته للخطاة في العهد القديم، لأن وعد الله لا يقل قيمة عن عمله حالياً، وكلمته لهم بفم الأنبياء كان لها سلطان المغفرة الكامل كما لها الآن، لأنه ينبغي أن نعلم يقيناً أن الله فوق الزمن، وأن اعطى غفراناً لا يعطيه بمجرد كلمة عابرة بل على أساس [ قائم وحاضر أمامه ] لذلك من له الحس الروحي وله فكر المسيح يصغي لما قاله الرسول عن اتساع عمل المسيح الذي يفوق الزمن بل شمله وغطاه منذ الأزل وإلى الأبد لأنه مكتوب: 

فالله أعطى قديماً غفران حقيقي فاعل على أساس وعد حي قائم أمامه محقق في الصليب، كما أنه أعطى لنا غفران على أساس أبدي بدم ابنه الحي الحاضر أمام عينيه: [ بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس ]

لكن الميزة في العهد الجديد هي أن المغفرة صارت حاضرة بدون وعد، كون أن الصليب نفسه هو تتميم الوعد، وهو حالة قائمة ذات عمل دائم ومستمر، واستعداد تلقائي في الصفح عن جميع الخطايا السالفة لكل من يؤمن في العالم أجمع بلا قيد أو شرط: [ وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً ] (1يوحنا 2: 2)

فمثلاً حينما يكون هناك ملك عظيم وغني جداً، أرسل دعوته لفقير يقول له لقد تبنيتك وأودعت في حسابك الخاص مليون جنيهاً لتتصرف بهما كما تشاء، ومنتظر أن تأتي إليَّ لتشاركني في قصري، فهنا لا يوجد وعد إنما حقائق تمت على أرض الواقع بالفعل، فأن سمع ولبى النداء وتحرك من مكانه وذهب إليه تمتع بما صار له، أما أن لم يُصدق ولم يذهب وظل يفكر كيف ولماذا، وينحصر في نفسه وذاته ويظل يفكر ويقول: أنا لا أستحق ولا أنفع، فأنه يضيع وقته وعمره ويظل فقيراً معدماً في مكانه؛ وهذا يختلف حينما يُرسل ملك لشخص وعد يقول له أن فعلت ما آمرك به أعدك أن أعطيك ذهب وفضة كثيرة وأن تصير ابناً لي، وهنا واضح أن هناك وعد سيتم وتختلف شكل الدعوة حينما يكون الوعد تم فعلاً 

عموماً في العهد الجديد نرى في الأناجيل، أن دعوة المسيح الرب للخطاة للتوبة تخلو من عُنصر التوبيخ والتهديد والتأنيب (وهذا يختلف عن موقفه من الفريسيين المرائين ولا يُصح أو ينبغي أن نخلط الأمور ببعضها)، هذه التي كانت عُنصر أساسي في دعوة الخطاة قديماً، مما يدل على أنه حدث تغيير جذري جوهري في قضية توبة الخطاة شكلاً وموضوعاً:

نجد أن الله اللوغوس الداعي للتوبة أصبح يحمل صفتين متلازمتين في نفس ذات الوقت عينه [ صفة الديان العادل ] و [ المحامي والشفيع ]: 

  • [ من هو الذي يُدين، المسيح ((لأن الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن – يوحنا 5: 22))… الذي أيضاً يشفع فينا (( هو حي في كل حين ليشفع فيهم – عبرانيين 7: 25)) ] (رومية 8: 34)
  • [ فمن ثم يقدر أن يُخلِّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله (الآب) إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم، لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السماوات. الذي ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يُقدم ذبائح أولاً عن خطايا نفسه، ثم عن خطايا الشعب، لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسه ] (عبرانيين 7: 25 – 27)

فأن كان الديان هو نفسه شفيع الخُطاة، إذن فقد انتفت الدينونة ولا محل للتأنيب والتهديد أو الوعيد أو توجد لعنة بسبب الخطية، لذلك يقول الرسول: [ إذن لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع.. لان ناموس روح الحياة (الجديدة) في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت (الحياة القديمة) ] [ إذن أن كان أحد في المسيح يسوع فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً ] (رومية 8: 1و2؛ 2كورنثوس 5: 17)

أي من جهة الخاطي نفسه، لأنه هو الموضوع الذي يدور حوله الخلاص كله، فتوبته أصبحت ليست قائمة على أساس احتياجه للتبرئة، لأن تبرئة جميع الخطاة قد تمت فعلاً مرة واحدة فقط بموت المسيح: [ لأن الموت الذي ماته قد ماته لخطية مرة واحدة ] (رومية 6: 10)، فالتبرئة حدثت وتمت فعلاً للجميع في الصليب، وتمت بينما الجميع رازحاً تحت الضعف لا يتحرك للبرّ والحياة، بل في ذهنه مجرد أمل أن يوجد له خلاص، مع أنه لازال ماكثاً في الموت، وهو في هذه الحالة ماكثاً تحت سلطان الموت، وهو في هذه الحالة المُزرية تمم الله خلاصه: [ لأن المسيح إذ كنا ضعفاء، مات في الوقت المُعين لأجل الفجار ] (رومية 5: 6)
فهنا المسيح لا يشفع بالكلام ولا بواسطة استعطاف – مثلما نطلب صلوات القديسين – إنما يشفع بسفك دمه، أي بآلامه الخلاصية وتحمله لعنة الصليب وتذوقه الموت كاملاً، هذه كلها التي هي ثمرة الخطية المدمرة للنفس ونتيجتها المُرَّة.

إذن فعودة الخاطي وتوبته لم تعد تحمل في العهد الجديد أي تأنيب أو ملامة، أو بحمل ثقل الموت، فلم يعد هناك لعنة أو ثقل ضمير يشعر بالدينونة بسبب عدم القدرة على تتميم ناموس الله، ناموس الحياة بالوصية، لأن كل ذلك حمله المسيح مرة واحدة عن الخُطاة:

  • [ أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مُصاباً مضروباً من الله ومذلولاً، وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا… وبُحُبرُه شُفينا… الرب وضع عليه إثم جميعُنا… ظُلم أما هو فلم يفتح فاه… ضُرب من أجل ذنب شعبي وجُعل مع الأشرار قبره… على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش ] (إشعياء 53: 4 – 9)

لذلك بكونه [ حمل الله رافع خطية العالم ] (يوحنا 1: 29و 36)، [ الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية 3: 25)، استطاع أن يقول للمرأة التي اُمسكت في حالة تلبُس وهي تزني، هذه التي تأمر الشريعة برجمها بدون رأفة: [ ولا أنا أُدينك، أذهبي ولا تُخطئي أيضاً ] (يوحنا 8: 11)

  • فالخطأة والأثمة الذي كان الناموس يُحرِّم حتى مجرد السلام عليهم والاقتراب منهم مثل الابتعاد عن كل من يحمل مرض مُعدي شديد الخطورة، فقد صاروا محبوبون وقريبون جداً لقلب المسيح لأنه قد ذيع عنه عن واقع وبشهود العيان: [ هذا يقبل الخُطاة ويأكل معهم ] (لوقا 15: 2)، [ دخل ليُبيت عند رجل خاطئ ] (لوقا 19: 7)، [ وكان جميع العشارين والخُطاة يدنون (يقتربون) منه ] (لوقا 15: 1)

وبكون البعض يرون أنفسهم أبراراً وليسوا من صفوف الخطاة محسوبون، فقد تطاولوا عليه بدون فهم ووعي عن طبيعة عمله لأنه هو المسيا المُخلِّص، قائلين متهامسين: [ لو كان هذا نبياً لعلم من هذه المرأة التي تلمسه وما هي: أنها خاطئة ] (لوقا 7: 39)

فواضح جداً يا إخوتي أنه أُظهر لنا تغييراً جوهرياً من جهة اعتبار الله وتدبيره الأزلي من جهة توبة الإنسان في العهد الجديد، لأن التوبة أصبحت تُقدم على أساس التجسد وموت المسيح، إذ جعل طريق التوبة سراً إلهياً سهلاً مُحبباً لكل نفس تتبعه فتنطق بفضل الله ولطفه الفائق وإحسانه الذي لا يوصف.

  • لذلك فأن نداء الله لنا [ تعالوا إليَّ لقد غفرت لكم خطاياكم من أجل اسمه، ورفعت عنكم الدينونة بكل ثقلها لأنه صار الآن لكم لا دينونة ( ليس بعد الآن من حكم ) لأنكم اعتمدتم في المسيح فقد لبستم المسيح، لذلك يستحيل أن يتم فيكم حكم دينونة لأنكم صرتم في الابن الوحيد خليقة جديدة بريئة في اتم الصحة والعافية والقوة العلوية ممسوحة بروحي الخاص، روح البنوة الذي يصرخ فيكم أبا أيها الآب ]

فالآن يا إخوتي تأكدوا يقيناً أنه من السهولة جداً أن نقترب بجراءه نحو عرش الرحمة لأن دعوة التوبة الآن قائمة على وعده الحي القائم على دم عهد جديد، دم ابن الله الحي، مسيح القيامة والحياة، فدخولنا أكيد وقبوله لنا يقين، لأن هذا هو الوعد المُحقق الذي وعدنا به: [ من يُقبل إليَّ لا (أو يستحيل) أخرجه خارجاً ] (يوحنا 6: 37)، فمن المستحيل على أي وجه أو شكل أو تحت أي مبدأ أن من الممكن ولو واحد على مليار في المية أن يرفض الله إنسان خاطي أو فاجر وفيه شر الدنيا والآخرة يأتي إليه باسم ربنا يسوع المسيح، لأن كل من يأتي باسم الرب يدخل عن جداره إلى حضن الآب بلا عائق أو مانع لأنه آمن ودخل في سرّ المسيح اي سرّ التقديس.
فبسبب عمل المسيح كالتدبير أصبح لنا ثقة في تأكيد قوله = لا أخرجه خارجاً: [ فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع. طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده ] (عبرانيين 10: 19)

  • ولنا الان على ضوء هذا الكلام نفهم عمل الرب بدقة وما طلبه لأجلنا:

[ تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذَا وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضاً. 
إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَاناً عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ. 
وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ. 
أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. 
الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. 
وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ. 
«أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ. كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي وَقَدْ حَفِظُوا كلاَمَكَ. 
وَالآنَ عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَيْتَنِي هُوَ مِنْ عِنْدِكَ. 
لأَنَّ الْكلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ وَهُمْ قَبِلُوا وَعَلِمُوا يَقِيناً أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ وَآمَنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي. 
مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ. 
لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لأَنَّهُمْ لَكَ. 
وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ. 
وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. 
أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ. 
حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ. 
الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ.
أَمَّا الآنَ فَإِنِّي آتِي إِلَيْكَ. وَأَتَكَلَّمُ بِهَذَا فِي الْعَالَمِ لِيَكُونَ لَهُمْ فَرَحِي كَامِلاً فِيهِمْ.
أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كلاَمَكَ وَالْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ.
لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ.
لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ.
قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ.
كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ.
وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ.
«وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاًمِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكلاَمِهِمْ.
لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداًكَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.
وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. 
أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي.

أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ.
أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ وَهَؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي.
وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ ] (يوحنا 17: 1 – 26)

_____________________________

في الجزء القادم سوف نتحدث عن

الجانب التطبيقي في حياة التوبة
ثالثاً: كيف أتـــــــــوب


سلسلة كيف أتوب -10- تابع ثانياً أساس الدعوة للتوبة – طول أناة الله.

تابــــــع سلسلة كيف أتـــــوب – الجزء العاشر
التوبة ربيع الإنسان وتجديده المستمر
تابع ثانياً: أساس الدعـــــــــوة للتوبـــــــــة
للرجوع للجزء التاسع أضغط هنا.
كما قلنا في مقدمة هذا الجزء أن للتوبة أساس راسخ تقوم عليه وتُبنى وبدونه تستحيل على وجه الإطلاق، لأن الله لا يدعو الإنسان ليتوب بمجرد كلام، أو نداء ودعوة للأخلاق الحميدة، أو على أساس أنه يهرب من الدينونة، أو لأجل أن يكون في المجتمع إنسان سوي لينال مدحاً من أحد، أو لأن الله سيستفيد من بره شيئاً أو حتى من توبته، لأن الإنسان لا يقدر أن يضيف أو ينتقص من الله شيئاً قط، بل أساس التوبة والدعوة قائمة على الآتي:[1] محبة الله الشديدة للإنسان، [2] طول أناة الله، [3] غفران الخطايا المجاني، وقد تحدثنا في العناوان الأول في الجزء السابق، والآن نتحدث في العنوان الثاني:
  • + [2] طول أناة الله ولطفه:
طبعاً طول أناة الله وصبره على الإنسان يأتي من لطفه الذي ينبع محبته، لذلك وضعنا محبة الله في الصدارة، وتحدثنا عنها أولاً بكونها هي المصدر الرئيسي لدعوة التوبة، لأن من فعل عملها (أي المحبة) هو طول الأناة وغفران الخطايا، فالأساس هو محبة الله ومنها طول الأناة ولطفه:
  • [ لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ، لكنه يتأنى علينا وهو لا يشاء أن يهلك أُناس، بل أن يُقبل الجميع إلى التوبة ] (2 بطرس 3: 9)
  • [ أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة ] (رومية 2: 4)
فلطف الله ليس مثل الإنسان لأنه هو لطف أبوته الحانية على حبيبه الإنسان، لأن الله بطبيعة أبوته كما كشفها لنا الكتاب المقدس تظهر في أصل الكلمة إذ تأتي بمعنى πραΰς [ لطيف، ودود، وديع، يُراعي شعور الآخرين، حليم، مترفق ]، وهذه كلها صفات تصدر من المحبة، وهذه تختلف عن القسوة والصرامة التي نتوقعها من الأعداء، لذلك فأن الله لم يكن يوماً عدواً للإنسان قط حتى لو عاداه الإنسان ورفضه، لذلك نجده بمحبته الأبوية الفائقة يشفق ويتحنن عليه ويطيل أناته جداً بصبر يفوق كل إدراكاتنا نحن البشر، لذلك يُلاطفنا ويتودد إلينا بالمحبة حتى نتوب ونرجع إليه فيُشفينا، لذلك يُعلن لنا مسرته قائلاً: [ هل مسرة أُسرّ بموت الشرير يقول السيد الرب إلا برجوعه عن طرقه فيحيا ] (حزقيال 18: 23)
  • ولنصغي للمكتوب جيداً جداً: [ فقال صموئيل للشعب لا تخافوا إنكم قد فعلتم كل هذا الشر، ولكن لا تحيدوا عن الرب، بل اعبدوا الرب بكل قلوبكم. ولا تحيدوا لأن ذلك وراء الأباطيل التي لا تفيد ولا تنقذ لأنها باطلة. لأنه لا يترك الرب شعبه من أجل اسمه العظيم لأنه قد شاء الرب أن يجعلكم له شعباً ] (1 صموئيل 12: 20 – 22)

ولذلك وعلى هذا الأساس المُرنم يُصلي قائلاً: [ ارحمني يا رب لأنني إليك أصرخ اليوم كله. فرح نفس عبدك لأنني إليك يا رب أرفع نفسي. لأنك أنت يا رب صالح وغفور وكثير الرحمة لكل الداعين إليك ] (مزمور 86: 3 – 5)
[ ولأنك رب الجميع وجبروتك مصدر كل عدل، فأنت تترفق بالجميع، وتُظهر جبروتك للذين يؤمنون بكمال قدرتك، وأما الذين يعرفونها فتُشجعهم على إعلان ما يعرفونه، وبما أنت عليه من القدرة تحكم بالإنصاف، وتؤدبنا بمُنتهى العطف، وتُمارس جبروتك ساعة تشاء. وبعملك هذا عَلَّمْتَ شعبك أن من كان صالحاً فلا بُدَّ أن يكون رَحوماً، ومنحت ابنائك رجاءً كبيراً بإعطائهم فرصة للتوبة عن خطاياهم ] (حكمة 12: 16 – 19)

  • ونجد قمة استعلان لطف الله يظهر في العهد الجديد: [ لأننا كنا نحن أيضاً قبلاً أغبياء غير طائعين، ضالين، مستعبدين لشهوات ولذات مختلفة، عائشين في الخبث والحسد، ممقوتين مبغضين بعضنا بعضاً. ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه. لا بأعمال في برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس. الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا. حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية ] (تيطس 3: 3 – 7)

فلطف الله الظاهر في شخص ربنا يسوع هو الذي جذبنا إليه، كالتدبير، لأنه لم يُكلمنا من فوق كمستعلي بل في تواضع مذهل أخلى نفسه آخذاً شكل العبد لكي يلاطفنا وهو قريب منا وواحد معنا، لأن من يسعى أن يُصلح أخطاء الضعف البشري، ينبغي أن يحمل هذا الضعف عينه على منكبيه، ويتحمل ثقله لا أن يتخلص منه، لأننا نقرأ في الإنجيل بشارة الخلاص الحي، أن الراعي حمل الخروف الضعيف التائه ولم يطرحه عنه بعيداً [ وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه. فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين هذا يقبل خطاة ويأكل معهم. فكلمهم بهذا المثل قائلاً: أي إنسان منكم له مئة خروف وأضاع واحداً منها، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال حتى يجده. وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحاً، ويأتي إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران قائلاً لهم: أفرحوا معي لأني وجدت خروفي الضال. أقول لكم أنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة ] (لوقا 15: 1 – 7) !!!

فهل وجدنا أُم تتأفف من طفلها المتسخ، أما أنها تحمله بيديها بكل لُطف وحنان فائق وتقبل أن تتسخ بنفس ذات الوسخ الذي له، وتأخذه لتحممه ولا تتذمر من رائحته الكريهة بل تحتملها، بل تفرح جداً لأنها تحممه وتمسح بكائه وتنتظر بسمته التي تفرح قلبها جداً، وأي أُم يا تُرى لا تحتمل طفلها في مرضه حتى أنها تعتبر نفسها رخيصة في عينيها، إذ أنها لا تبالي أن تقبل منه العدوى، بل تتمنى أن تحمل مرضه عنه وهو يظل صحيحاً مُعافاً !!!


لذلك نجد أن الرب يسوع وهو الطبيب الحقيقي القادر أن يُقيم من الموت، عنده محبة تفوق كل إدراكنا، فهو بشفقة المحبة الحانية وفي تواضع قلب ووداعة شديدة بكل لطف جذب إليه العشارين والخطاة وكل المرضى بأبشع أنواع الخطايا والآثام، بل وحتى المرضى بالجسد، فهو أساساً أتى إلينا بتواضع على الأرض وفي وداعة أخلى ذاته من مجده الفائق واتخذ جسدنا الضعيف مسكناً خاصاً له واقترب إلينا بودٍ شديد وجمع كل أحاسيسنا ليُركزها في شخصه ليجذبنا إليه، فقد أتى بلطف ووداعة وجعل لاهوته مستتر وراء حجاب الناسوت لكي لا يرعبنا من عظمة بهاء مجد لاهوته التي لا تستطيع الملائكة أن تنظر إليه قط، وبهذا التواضع العجيب بوداعة وتواضع القلب قال للجميع: [ تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم ] (متى 11: 28)


وهكذا نجد أن الرب يسوع يُريح ولا يُتعب أحد، يرفع الثقل ولا يضع ثقل على أحد، يُشفي ولا يُمرض أحد، بلطف يجذب أعظم الخطاة شراً ولا يلكم أو ينبُذ أحد قط، ولا يمنعنا من الدخول أو يطردنا إذا أتينا إليه خُطاة أو فجار أو حتى جهلة ملتمسين رحمته، وقد اختار تلاميذ وأعطاهم تعليم قائلاً [ أحملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم ] (متى 11: 29)، وحتى بذلك يصيروا مشابهين له، لطفاء، يدعون نفس ذات الدعوة عينها مجسدين محبة الله ورحمته للجميع، داعين كل الناس إليه بلا تمييز، لكي يجمعوا في النهاية شعب الله معاً المدعوين للحياة في شخصه العظيم القدوس، ولا يشتتوهم أو يرفضوهم أو يعيروهم.


ومن هُنا يتضح لنا أن الذين يظنون أنهم ينبغي عليهم أن يتعاملوا بخشونة وشدة مع المُخطئين أو للمخالفين الرأي ويرفضوهم ويعنفوهم، لأنهم يعتبرونهم عميان لا يدركون الحق ولا يعرفونه، أو أنهم مرضى وأموات بالخطايا والذنوب، أو أنهم أذنبوا وجرموا بشدة، عوض أن يعاملونهم بلطف ووداعة، أو يشفقون عليهم لأنهم مرضى أو عُميان لا يبصرون، فهؤلاء لا يُحسبون من بين تلاميذ المسيح الرب، لأن مثل هؤلاء الذين يدَّعون أنهم يطلبون رحمة الله عليهم وتحننه ويلتمسون غفرانه لخطاياهم، لا يرحمون الآخرين ولا يطلبون لأجلهم الغفران بل يقيموا عليهم الحد لا بالسيف بل بالكلام، طلبين أن يُحرموا ولا يكون لهم نصيب معهم في الغفران لأنهم يرونهم لا يستحقون، وبذلك يكونوا منعوا عن أنفسهم غفران الله وإحسانه ويجلبون عليهم غضب الله ورفضهم من محضره تاركاً إياهم ليموتوا في خطاياهم الكبرى وهي عدم الغفران للآخر، وتصير الصلاة الربانية شاهداً عليهم، لأنهم لم يستطيعوا أن يغفروا للآخرين ويريدون أن يدخلوا الله معهم في دينونة هؤلاء المرضى، لذلك صارت خطيتهم أعظم وحرمانهم من قوة غفران الله وسلامة أكيدة لأنهم لم يستطيعوا أن يرحموا أو يشفقوا على إخوتهم الذين أحبهم الرب ومات لأجلهم أيضاً، لذلك يقول الكتاب:

  • [ والنهاية كونوا جميعاً متحدي الرأي بحس واحد ذوي محبة أخوية مشفقين، لطفاء ] (1بطرس 3: 8)
  • [ وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض، شفوقين، متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح ] (أفسس 4: 32)
عموماً يقول الرب على لسان إرميا النبي: [ فَاذْهَبْ وَأَعْلِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ نَحْوَ الشِّمَالِ وَقُلْ: ارْجِعِي أَيَّتُهَا الْخَائِنَةُ إِسْرَائِيلُ، فَأَكُفَّ غَضَبِي عَنْكُمْ لأَنِّي رَحِيمٌ، وَلَنْ أَسْخَطَ عَلَيْكُمْ إِلَى الأَبَدِ ] (إرميا 3: 12 ترجمة تفسيرية)

يقول القديس أغسطينوس تعليقاً على الآية السابقة: [ أنظر كيف ينصحك الله ويحثك لكي تتوب عن خطاياك فتخلُّص. أنظر كم يدعو المستحقين للموت أن يأتوا للحياة. أي رقة وأي شفقة حتى أنه لا يرفض الخُطاة حين يرجعون، بل أنه يستمر في أن يدعوهم أبناء، رغم أنهم فقدوا أبوة الله لهم بسبب خطاياهم، كما شهد الله نفسه بحزن وأسى ونوح قائلاً: “رذل السيد كل مقتدري في وسطي دعا علي جماعة لحطم شباني، داس السيد العذراء بنت يهوذا معصرة ((بَدَّدَ الرَّبُّ جَمِيعَ جَبَابِرَتِي فِي وَسَطِي، وَأَلَّبَ عَلَيَّ حَشْداً مِنْ أَعْدَائِي لِيَسْحَقُوا شُبَّانِي، دَاسَ الرَّبُّ الْعَذْرَاءَ بِنْتَ صِهْيَوْنَ كَمَا يُدَاسُ الْعِنَبُ فِي الْمِعْصَرَةِ)) ] (مراثي 1: 15)

فأننا نتعلم من هذه الكلمات أن الله يحبك ويُريد لك الحياة لا الهلاك، ولكنك تحتقره وترذله، ذاك الذي يقول: “هل أُسرّ بموت الشرير يقول السيد الرب إلا برجوعه عن طُرقهُ فيحيا” (حزقيال 18: 23) فأنت ترغب في الموت عن طريق الخطايا التي تسقط فيها، ولكنه يُريد لك الحياة عن طريق التوبة ]

_____________________________

في الجزء القادم سوف نتحدث عن
تابع الأساس التي تقوم عليه دعوة التوبة
[3] غفران الخطايا


سلسلة كيف أتوب -9- ثانياً أساس الدعوة للتوبة.

تابــــــع سلسلة كيف أتـــــوب – الجزء التاسع
التوبة ربيع الإنسان وتجديده المستمر
ثانياً: أساس الدعـــــــــوة للتوبـــــــــــة
للرجوع للجزء الثامن أضغط هنا.
أن للتوبة أساس راسخ تقوم عليه وتُبنى وبدونه تستحيل على وجه الإطلاق، لأن الله لا يدعو الإنسان ليتوب بمجرد كلام، أو نداء ودعوة للأخلاق الحميدة، أو على أساس أنه يهرب من الدينونة، أو لأجل أن يكون في المجتمع إنسان سوي لينال مدحاً من أحد، أو لأن الله سيستفيد من بره شيئاً أو حتى من توبته، لأن الإنسان لا يقدر أن يضيف أو ينتقص من الله شيئاً قط، بل أساس التوبة والدعوة قائمة على الآتي:

[1] محبة الله الشديدة للإنسان
[2] طول أناة الله
[3] غفران الخطايا المجاني

  • + [1] محبة الله الشديدة، الثابتة والفائقة:

من خلال الكتاب المقدس وخبرة المسيرة مع الله من خلال التاريخ، نجد التذوق الإنساني لمحبة الله الفائقة بصورة تفوق كل وصف وشرح، لأن الله لم يشرح بالكلام محبته، بل جعلها في حيز الخبرة، لذلك لن يعي أحد محبة الله أن لم يدخل في مجالها التطبيقي في حياته الشخصية على مستوى الواقع المُعاش، لأن الله لم يحبنا بمجرد كلام نظري فكري يُشبع العقل، بل قدم محبته لنا ظاهره في حياتنا اليومية:

  • [ لُحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك، بفيضان الغضب حجبت وجهي عنك لحظة وبإحسان أبدي أرحمك قال وليك الرب… فأن الجبال تزول والآكام تتزعزع أما إحساني (نعمتي) فلا يزول عنك وعهد سلامي لا يتزعزع قال راحمك الرب ] (إشعياء 54: 7 – 8 و 10)

فمنذ بداية الكتاب المقدس فقد وضع ملامح المحبة ظاهرة في الخلق ومن بعده السقوط والوعد بالخلاص وتتميم الخلاص كالتدبير، لأن السقوط لم يمنع مراحم الله أو زعزع محبته الشديدة للإنسان، والهدف الأساسي من هذا كله هو إقامة حياة شركة قاعدة أساسها الحب، لذلك يا إخوتي لا يفهم الكثيرين الكتاب المقدس ويتعثروا في تاريخ معاملة الله مع الإنسان ويدخلون في متاهات غريبة متشابكة وقد يعثرون في الكتاب المقدس لأن أساس بحثهم عن علم أو فكر أو إعجاز.. الخ، وقد يفهموا الله خطأ ويدخلوا في جدل عقيم، وقد يحاول البعض الخروج منه بمحاولة إنقاذ كلمة الله من شبهات تُطلق عليها من غير الفاهمين وغير عارفي الله من جهة اللمسة والخبرة والحياة، فيتورطون معهم في زيادة العُزلة عن الله الحي وعدم الفهم اللاهوتي الروحي للدخول في شركة، وللأسف أن أقل من أقل القليلين الذين يصلون للطريق الإلهي السليم وسط هذا التزاحم الذي يرتبكون فيه حينما يبدئوا في الدخول للكتاب المقدس، حتى حينما يسمعون دعوة الله أو نداء التوبة لا يتعرفون عليها إلا في ضوء أعمال وأشكال مختلفة لا يقصدها الله، وذلك كله لأنهم لم يصلوا لميناء الحب الهادئ الذي يجتاح النفس كسيل جارف ليأسرها ويشدها للالتصاق بالله حياتها…

عموماً منذ بداية السقوط نرى إشفاق الله على حبيبه الإنسان الذي خسر نفسه حينما طعنها بأوجاع الموت، لأنه خرج خارج وصية المحب ولم يعد يرى نفسه أنه حبيبه الخاص، فخسر التحرك نحوه وتسرب الفساد لنفسه حتى أنه أصبح غير قادر على رؤية وجه النور، فانحصر في الظلمة وشعر ببرودة الموت تجتاح كيانه الذي بدأ يميل نحو الفناء لأن النعمة رفعت عنه بقبوله الموت، ولكن شكراً لله الذي عدل محبته لم يسمح أن صورته تضيع أو تزول من حبيبه الإنسان، فأعطاه الوعد لخلاص نفسه ونجاته لا بإنسان ولا برئيس ملائكة بل بواسطة ذاته أي هو بنفسه وبذاته يصير مخلصه الصالح وذلك ليكون خلاصه مضموناً والله بنفسه يكون هو حياته…

عموماً حينما نرى كيف وصف الله محبته للإنسان، فأننا نجده أنه وضعها في رتبه أعلى وأقوى وأرفع من طبيعة الأمومة نفسها التي زرعها في صميم طبيعة المرأة: [ هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها ؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك ] (إشعياء 49: 15)
فعدل محبة الله الفائقة يؤكد على أنه يستحيل على وجه الإطلاق أن ينسى حبيبه الإنسان، ومن هذه المحبة تنطلق الدعوة، دعوة شخصية لكل خاطي ميت معجون بشهوات مختلفة يعيش في فساد تحت سلطان الموت، مثل إنسان يحيا تحت الأرض في مجاري المخلفات ذات الرائحة النتنة المحملة بكل الميكروبات والجراثيم، ومن كثرة مدة طول حياته في وسطها وبكونه لم يتعرف على ضوء النهار ولا الجو النقي، فأنه يصبح غريب عنه ويظن أن حياته بهذه الطريقة طبيعية جداً، وكل ما هو فيه هو الحياة الإنسانية في كل بقاع العالم، ولكن حينما يرى شعاع الشمس يأتي من منفذ بعيد فأنه يتعجب ويندهش ويعلم أن هناك حياة أجمل واسمى مما يحياها لأنه محروماً منها زمان هذا مقداره وهو قابع (1) في مكانه راضي بحياته، وهكذا بالمثل تأتي دعوة الله وسط عتمة ظلمة الإنسان، بمحبة فائقة، لذلك يقول في هوشع وهو يصف محبته للبشر العُصاة ويكشف عن عمق شخصيته المُحبة قائلاً:

  • [ كنت أجذبهم بحبال البشر، برُبط المحبة… وشعبي جانحون إلى الارتداد عني… قد انقلب عليَّ قلبي اضطرمت مراحمي جميعاً ] (هوشع 11: 4و 8)

ولو أردنا أن نستوعب معنى هذه الآية حسب قصد الله، علينا أن نركز فيما قاله الرسول: [ ونحن بعد خُطاة مات المسيح لأجلنا ] (رومية 5: 8)؛ [ الذي أحبني وأسلم نفسه (للموت) من أجلي ] (غلاطية 2: 20)

المعنى واضح بالطبع، أن الله لم ينتظر أن يتغير الإنسان حسب القول المغلوط، الدارج والشهير [ لما ابقى كويس اروح لله واصلي علشان ابقى مستحق أعيش معاه ]
فالله أظهر محبته لنا – أنا وأنت عزيزي القارئ – ونحن في عمق خطايانا وآثامنا، فهو يُقدم محبته لنابإصرار ونحن جانحون إلى الارتداد عنه، وفي عمق ظلمتنا يشع علينا بشعاع نوره الخاص ليكشف لنا عن الحياة الجديدة التي ليس فيها موت بل كلها فرح في الروح القدس، يجذبنا ويشدنا إليه دائماً غير منتظر منا عمل ولا شيء قط، سوى أن نلبي الدعوة ونأتي إليه كما نحن وهو من يغسلنا ويطهرنا ويُغيرنا ويجدد نفوسنا…

  • ويقول العلاَّمة ديونيسيوس الأريوباغي: [ أليس حقاً أن المسيح يتقرب، بود شديد، من الذين يحيدون عنه، ويحاول معهم متوسلاً إليهم أن لا يستهينوا بحبه، وإن لم يُظهروا إلا النفور والتصامم عن سماع مُناداته، ألا يظل هو نفسه محامياً وشفيعاً عنهم ]

حقاً ما أعظم محبة الله، فأن كنت ترى نفسك خاطي مسكين متورط في كل أنواع الشرّ وتشعر في نفسك أنكميت مرذول وليس من مشفق أو مُعين، فاعلم أنك محط أنظار الله وشغله الشاغل، أنت موضوع محبته واهتمامه، فهو لا يرتاح ولا يهدأ إلى أن يوصل لك شعاع نوره الخاص ليردك إليه، واعلم يقيناً أن كلامنا كله هو لك، والدعوة دعوتك، وغير مطلوب منك شيئاً آخر سوى أن تصغي للدعوة وتلبيها وتقول: آمين أنا لك ولن أكون لغيرك، لا أُريد أن أحيا منحصراً في ذاتي وداخل دائرة شهواتي التي أتعبتني وخزلتني، بل أُريدك أنت لأنك أنت حياتي…

فلننصت يا إخوتي لصوت الروح ولا نقسي قلبنا بل نطيع من القلب دعوتنا المقدسة والمفرحة للقلب جداً حينمانصغي ونُطيعها؛ فما المانع لديك الآن يا من تخاف أن تقترب من الله أو تخشى من أن يرفضك من أجل كثرة آثامك وتقول [[ انا لا أنفع وغير قادر، أنا ضعيف لا أستطيع شيئاً بل ولا أستحق لأني مجرم وخاطي بل فاجر فجور لا يستطيع ان يدركه أحد أو يعرف مدى فظاعته الشديدة ]]، فيا أخي الحبيب أليس لنا رئيس كهنة قادر أن يترفق بضعفتنا (عبرانيين 4: 15)، وهو يتغاضى عن كل سيئاتنا ويرأف بنا، إذ كُتب عنه [ لا يُخاصم ولا يصيح ] (متى 12: 19)، لأنه [ وديع ومتواضع القلب ] (متى 11: 24) !!!
أم أنك لا تدرك أن كلما كنت تشعر أنك فاجر وفاجر جداً كلما كانت لك النعمة قوية وقوية جداً: [ حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً ] (رومية 5: 20)
أفأنت فاجر فعلاً وغير مستحق غير الموت وترى أنك فاسد فساد أشد من هم في القبور، إذاً فأن لك نعمة الله بكثافة أعظم وأكبر من أي شخص آخر، ولك مسيح القيامة الذي يُقيم الميت الذي أنتن، والآن:

  • أفلا تدري أن التهذيب للجهال، لا أن يُعاقبوا ويطردوا خارجاً
  • أفلا تدري أن الأعمى يُأخذ بيده للسير في الطريق السوي، لا أن يُلكز أو يُلكم
  • أفلا تدري أن المريض له الطبيب الذي يعالجه، ويستحيل أن يرفضه لأن هذا عمله
    • فأن كنت جاهل فالرب حكمتك وسرّ معرفتك
    • وأن كنت أعمى فالرب نورك الذي يفتح عين الأعمى لتستنير بنوره الخاص
    • وأن كنت مريضاً فهو طبيبك الخاص الصالح الذي يشفي كل من تسلط عليه إبليس
    • وأن كنت فقير في الروح فهو يجول يصنع خيراً يُشبع الجياع خيرات أبدية لا تزول
    • أنت كنت ميت مرذول فأن الرب قيامتك وفرح حياتك الجديدة
    • · فما هي حجتك الآن أمام محبة الله المقدمة لك !!!


_______________
(1قابع: المستخبي تحت الغطاء، والمقصود هنا المستتر تحت الظلمة ظناً منه أن هذا هو الأمان وطبيعة حياته

_____________________________

في الجزء القادم سوف نتحدث عن
تابع الأساس التي تقوم عليه دعوة التوبة
[2] طول أناة الله ولطفه



 

سلسلة كيف أتوب -4- مرض الخطية والاعتراف به لتحقيق الدعوة.

تابــــــع سلسلة كيف أتـــــوب – الجزء الرابع
التوبة ربيع الإنسان وتجديده المستمر
أولاً: دعـــــــــوة التوبـــــــــة
للرجوع للجزء الثالث أضغط هنا.
  • تابع [1] لمن تكون الدعوة
  • شرح النقاط الثلاث لتحقيق الدعوة المقدمة من الله للإنسان
  • · الخطية مرض خبيث أحتاج شفاء منها لئلا أموت أبدياً
  • · الخطية خدَّاعة، خدعت قلبي الميال للشهوة
  • · أنا المسئول عن خطيئتي، وهي تنبع من الإرادة، فأنا الذي أسقط لأني أسعى لأُتمم شهوتي

·(1) الخطية مرض خبيث

أحياناً كثيرة لا ندرك أن الخطية مرض شديد الخطورة، أن تم إهماله يقضي على النفس ويُحطمها تحطيماً ويعمل فيها للموت إلى أن لا تقوى على القيام وتحيا في يأس مُدمرّ بالتمام، لذلك أن لم نستشعر هذا المرض وندرك خطورته، فأن ذهابنا لمسيح الحياة لن يخرج عن كونه ذهاباً لمجرد بركة بمعناها السطحي للكلمة، لأن كثيرين يتقدمون لله عن حاجة بشرية تخص الحياة الحاضرة وهم مملوئين بالخطايا والذنوب دون إدراك واعي منهم بذلك، ولِهذا لا يذهبوا أبداً إليه كطبيب يشفي النفس فعلاً، ويقدم لها علبة الأدوية الخاصة (أي الكتاب المقدس) الذي يُعطي منها الأدوية الملائمة بعناية فائقة ليُتمم شفاء النفس بالتمام، بل يتقدمون إليه كخادم لطلباتهم الشخصية وعوزهم المادي وكل ما يتناسب مع حياتهم الأرضية في هذا العالم الحاضر فقط، ولكي يرضوا ضمائرهم فما من مانع أن يطلبوا أشياء شكلها سماوي ولكن يظل التركيز الأعظم على كل ما هو على الأرض، لذلك يا إخوتي حينما نتقدم لله لابد من فحص أنفسنا أولاً طالبين معونته السماوية لكي يكشف لنا عن خطايانا وآثامنا المدفونة في أعماق قلبنا من الداخل لنُدرك احتياجنا الشخصي إليه، لذلك يقول الرب: [ لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى ] (لوقا 5: 31)

  • وهذا ما ينبغي أن يكون في اعتبارنا برؤية واضحة عن قناعة لأننا نرى أنفسنا مرضى فعلاً، لكي ندرك تمام الإدراك أنه حينما نقترب من الله كطبيب لا نذهب كأبرار مُدَّعين المرض، لأن من يدَّعي المرض بحجة التواضع، فهو كاذب ولن يُشفيه الطبيب، ولن ينفعه أي دواء مهما ما كان قوي للغاية، فلو تخيلنا أن شخصٌ ما ذهب للطبيب وادَّعى المرض، فبالتالي أن أعطى الطبيب لهُ أي دواء مهما ما كانت قوته وفاعليته، فأنه لن يُفيد في تلك الحالة بشيء، بل سيكون له ضرر عظيم جداً عليه، طبعاً الطبيب الماهر يعرف المريض الحقيقي من المُدَّعي لذلك يصرفه من عيادته ولا يقدم له شيئاً، لكن الغير متخصص ولا بارع في عمله لا يستطيع أن يكتشف الحقيقة من الادعاء الكاذب، لذلك لا يستطيع خدام كثيرين أن يعطوا الإرشاد الصحيح والسليم للنفوس، لأن ليس لهم موهبة الله ولا يعرفون المدَّعي من المريض الحقيقي، ولا نوع المرض ولا ما يتناسب معه من علاج، فيعطون أدوية خاطئة بلا تمييز، فعوض أن يتم شفاء النفس تزداد سوء؛ ويا إما تُصاب بكبرياء القلب فتتحطم بالتمام، يا إما تزداد خطية وتتفاقم الحالة وتزداد سوء وعزلة عن الطبيب الحقيقي الذي للنفس، يا إما تتوهم بالشفاء وهي لازالت تحت المرض ولكنها خُدعت بالكلام المعسول فتوهمت انها شُفيت بالتمام، مع أن الخطية لازالت مدفونة فيها وتعمل على عطب ثمارها الصالحة فتخرج كل أعمالها مشوهة لا تُمجد الله…

فلو تخيلنا إنسان ورث قريبه الطبيب وفُتحت أمامه عيادته ووجد بها غرفة خاصة مملوءة من الأدوية والمراجع والكتب الطبية، وبكونه غير متخصص وغير فاهم، فأنه يتخذ مكان الطبيب ويجلس على كرسيه ويبدأ في تشخيص الحالات التي تأتي إليه غير مُميزاً أنواع الأمراض المتشابهة ولا طبيعة الأجسام وتقبلها لأنواع العلاجات التي تتناسب معها، ويبدأ في وصف العلاج لها ويُعطيها من الأدوية حسب ما يرى من أنها قادرة على شفائها، وبذلك ودون أن يدري قد حكم على كل من يأتيه بالموت، إذ قد ساعد على تفاقم الأمراض وتوسيع دائرة نشاطها، بل وقد تصير الأدوية نفسها سم قاتل للمريض مع أن لها القدرة على الشفاء، وهكذا هو الحال لمن يعطي علاج روحي من الكتاب المقدس القادر على شفاء النفس، لأنه أن لم يُعطى حسب نعمة الله وتوجيه طبيب النفس الأعظم بإلهام الروح عينه الذي كُتبت به الكلمة، فمع كونه فيه القدرة على الشفاء فقد يصير سم قاتل للنفس لأنه لم يُعطى حسب مقاصد الله بل حسب فكر الإنسان ورأيه الشخصي…

فمثلاً أن كان هناك صورة لإمبراطور عظيم، وحب الإمبراطور أن فناني المدينة يأخذوا صورته ويجمعوها بشكل الفُسيفساء، اي تقطيعها مربعات صغيرة لتجميعها بشكل فني، ولكن الذي جمعها بكونه غير بارع في هذا المجال، حينما انتهى منها إذ هي تظهر بشكل ثعلب، فافسد الغرض منها مع أن ما جمعه كان شكله الفني جميلاً جداً، هكذا بالمثل من يستخدم الكتاب المقدس ويحاول أن يقدمه غذاء حي للناس فأن لم تكن له الموهبة من الله واضعاً القصد الإلهي أمام الناس فأنه يأخذ من الأسفار ويقتطع منها ويجمع ويضع الشرح ليكون غذاء حي للنفوس، وبالرغم من نيته الحسنة، لكنه أظهر الكلمة في صورة أخرى غير ما هي عليه حسب القصد الإلهي ليوصل معنى فكره هو وليس ما قصده الله، فتكون في النهاية غذاء يفسد النفس مع أنها هي عينها كلمة الله الحية التي تشفي النفوس وتُنير العينين.

  • لذلك علينا أن نحذر كل الحذر من أن نُقدم أي إرشاد أو تعليم أو شرح لأي نفس بدون أن ننال موهبة الإفراز من الله ونعرف كيف نوجه النفوس حسب عمل نعمة الله وليس حسب أحاسيسنا الخاصة ولا مشاعرنا ولا أفكارنا ولا فلسفتنا ولا رغبتنا نحن.

لذلك أتعجب كل العجب حينما أجد أن الحل عند الناس أنهم يجعلوا واحد بعيد عن الكنيسة يدخل الخدمة بحجة أن الخدمة ستُشفي قلبه وتضبط حياته وتجعله يقرأ الكتاب المقدس وكأنه سحر يُأثر على قلبه ويغيره فجأة، وذلك لكي يحضر الكنيسة وفيها ينتظم أو لكي يلتصق بالخدمة ويعرف كثيراً، أو واحد مبتدأ في الطريق مثل طفل، وأجلِّسه على كرسي التعليم فيتعثر ويعثر غيره، وبالتالي أُساعد – بدون دراية مني – في تعقيد مشكلته واعزله عن الله لأني خدرت ضميره فارتاح في هذا الوضع إذ صار مرشداً للخطاة وهادياً للضالين وهو نفسه يحتاج من يرشده لطريق الحياة الجديدة في المسيح يسوع، وطبعاً هذا يختلف تمام الاختلاف عن من عاش مع الله وتقدم في الطريق ونال موهبة الروح ليخدم بها بقوة النعمة وسقط في ضعف ما، ويحتاج أن يعود ليتوب ثم يعود لخدمته بقوة أعظم… 

  • وهنا يحدث الخلط عند الناس بلا تمييز أو تفريق بين الحالتين واحتياجهم الخاص، وحتى في الطريق الروحي لا ينفع كل إرشاد لكل نفس، لأن لكل نفس طابعها الخاص، والمرحلة التي تجتاز فيها لا يدركها أو يعيها سوى الأب الروحي الذي نال روح الإرشاد من الله، فيعرف احتياجها ويوجهها توجيهاً سليماً حسب مشيئة الله وتدبيره الخاص لها، وهذا ما وضحه القديس يوحنا الرسول في رسالته الأولى حينما تحدث إلى الأحداث والأولاد والشيوخ، فلم يكلم الكل بنفس ذات الكلام لأن لكل واحد طعام يخصه، فلا ينفع أن نعطي طعام الأطفال مثل الأولاد أو مثل الرجال.. الخ…

عموماً على كل من يرى في نفسه فعلاً ويعترف بصدق عن واقع في حياته الشخصية بقناعة رؤية واضحة، أنه خاطي ويحتاج إلى الطبيب، عليه ان يُدرك بشاعة الخطية لكي يذهب للطبيب مدركاً احتياجه الشديد إليه، ويقول القديس كيرلس الأورشليمي:

  • [ الخطية بشعة، والإثم مرض عِضال يبتلي النفس، فيشل طاقاتها ويجعلها مستحقة للنار الأبدية. إنها الشرّ المرتكب طِوعاً، وجرثومة القصد السيء. ونحن إذ نفعل الشرّ طِوعاً نرتكب الخطية، ويقول النبي بحكمة: “إني غرستك أفضل كرمة، وزرع حق بجملته، فكيف تحوَّلت إلى غُرس كرم أجنبي ؟” (إرميا 2: 12).

الغرس جيد والثمرة رديئة، فالشرّ هو من الإرادة الرديئة، ولا ذنب على الذي زرع. ولكن الكرمة ستُحرق في النار، لأنها غُرست للخير، وبسبب الإرادة السيئة أثمرت ثمراً رديئاً. “فالله صنع البشر مستقيمين، أما هُم فتطلبوا مباحث كثيرة ” على حد قول الجامعة (7: 30). ويقول الرسول: إننا من صُنع الله خُلقنا “للأعمال الصالحة” التي أعدها بسابق إعداده كي ما نُمارسها (أنظر أفسس 2: 10). فالخالق صالح، خلقنا لأعمال صالحة، ولكن الخليقة انحرفت إلى الشرّ بملء إرادتها. فالشرّ إذن بغيض ويُدعى خطية، ولكن ليس عديم الدواء. أنه بشع للذي يلتزمه، ولكنه سهل الشفاء للذي يسلك طريق التوبة.

فلنفرض إنساناً يحمل ناراً في يده، فهو مادام يحمل الجمرة حتماً سيحترق، ولكن إذا ألقى الجمرة (المشتعلة) فهو ينفض في نفس الوقت ما كان سيحرقه. وأن ظن أحد أنه لا يحترق إن أخطأ، فأن الكتاب يقول له: “أيأخذ إنسان ناراً في حجرة ولا تحترق ثيابه ؟” (أمثال 6: 27) ] (من عظات القديس كيرلس الأورشليمي)

_____________________________

في الجزء القادم سوف نتحدث عن النقطة الثانية وهي
خداع الخطية: [ لأن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية خدعتني بها وقتلتني ] (رومية 7: 11)


سلسلة كيف أتوب -3- دعوة التوبة، لمن تكون الدعوة.

تابــــــع سلسلة كيف أتـــــوب – الجزء الثالث
التوبة ربيع الإنسان وتجديده المستمر
أولاً: دعـــــــــوة التوبـــــــــة
للـرجـوع لـلجـزء الـثـانـى أضـغـط هـنـا.
  • [1] لمن تكون الدعوة

أي دعوة تكون عادةً مقدمة على أساس مناسبة خاصة، وتُقدم من شخص لشخص آخر عزيز في عينيه، فالدعوة لها طرفين، الطرف الأول هو صاحب الدعوة والآخر هو المدعو، والداعي هنا أي صاحب الدعوة هو الله القدوس الحي، والمناسبة هي الجلوس على المائدة الملوكية للتمتع بالشركة مع الملك السماوي، والمدعو الذي قُدمت إليه الدعوة هو الإنسان، ولكن الإنسان المقدمة له الدعوة ليس أي شخصن بل هو [الإنسان الخاطي] وموصفاته حسب المفهوم الإنجيلي: هو المُعاق والمشوه والمضروب في جسده وكيانه كله، ولكي نتعرف على الدعوة ومتطلباتها لنفهمها جيداً لنصغي لما قاله الرب بفمه الطاهر:

[ فلما سمع ذلك واحد من المتكئين قال له طوبى لمن يأكل خبزاً في ملكوت الله. فقال له (مثل): إنسان صنع عشاء عظيماً ودعا كثيرين. وأرسل عبده في ساعة العشاء ليقول للمدعوين تعالوا لأن كل شيء قد أُعد. فابتدأ الجميع برأي واحد يستعفون
قال له الأول إني اشتريت حقلاً وأنا مضطر أن أخرج وأنظره أسألك أن تعفيني. 
وقال آخر إني اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماضٍ لامتحنها أسألك أن تعفيني.
وقال آخر إني تزوجت بامرأة فلذلك لا أقدر أن أجئ.
فأتى ذلك العبد وأخبر سيده بذلك، حينئذ غضب رب البيت وقال لعبده أخرج عاجلاً إلى شوارع المدينة وأزقتها وادخل إلى هُنا المساكين والجدع والعرج والعمي. فقال العبد يا سيد قد صار كما أمرت ويوجد أيضاً مكان. فقال السيد للعبد أخرج إلى الطرق والسياجات والزمهم بالدخول حتى يمتلئ بيتي. لأني أقول لكم أنه ليس واحد من أولئك الرجال المدعوين يذوق عشائي ] (لوقا 14: 15 – 24)

ولندقق جداً في هذا المثل العظيم لكي نستطيع أن نفهم سرّ الدعوة الإلهية الفائقة التي لا يستحقها أحد، كيف استعفى منها أهل الدعوة الحقيقية، وبرأي واحد توسلوا أن يُعفوا من الدعوة، وكيف وجه صاحب العشاء دعوته لمن هو غير جدير بها على وجه الإطلاق، وألزمهم بالدخول…
ولو فحصنا المدعوين الجُدد الذي اختارهم السيد العظيم على مستوى الواقع العملي المُعاش، فسنجدهم يعبروا عن الخطاة المدعوين من الله للجلوس معه على مائدته للشركة في طعامه، ومن هم الخطاة المدعوين !!! 

فهذا هو الخاطي الذي يرى نفسه يتخبط في الظلام الدامس تحت سلطان الخطية التي أعمت عينيه عن نور الله الحي، منفصلاً عن رجاء الخلاص وشمس البرّ وشركة القديسين في النور، وهو في الواقع شديد الحاجة لمن ينتشله من ظلام المستنقع الذي يعيش فيه، متذوقاً كل مرارة ويكتنفه الحزن والكآبة الشديدة…
وعموماً حسب إعلان الإنجيل نستطيع أن نتعرف على المدعوين المختارين من الله حسب نطق الروح على فم الرسول: [ فانظروا دعوتكم أيها الإخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد، ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء. بل اختار الله جُهال العالم ليخزي الحكماء واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمُزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود ] (1 كورنثوس 26 – 28)

ولو تعمقنا قليلاً في الكتاب المقدس نجده يُخبرنا بإعلان إلهي فائق عن موقف الرب تجاه سؤال يخرج بمرارة من تلك النفس الواقعة تحت ضعف مرضها الداخلي المرير، فالسؤال المطروح هو: هل نسى شعبه العديم القدرة وليس له قوة، وهذا هو عينه سؤال كل خاطي يشعر أنه منبوذ ومرفوض من الله وليس له اي شركة مع الشرفاء الأطهار، مُتسلط عليه بالخطية عدو النفس الشيطان، فيقول بحزن هل نساني الله وطرحني عنه، ولسان حاله لسان المزمور: [ إلى متى يا رب تنساني كل النسيان إلى متى تحجب وجهك عني، إلى متى أجعل هموماً في نفسي وحزناً في قلبي كل يوم، إلى متى يرتفع عدوي عليَّ، أنظر واستجب لي يا رب إلهي، أنر عيني لئلا أنام نوم الموت. لئلا يقول عدوي قد قويت عليه، لئلا يهتف مضايقي بأني تزعزعت ] (مزمور 13: 1 – 4)
ونجد رد الرب واضح: [ لماذا تقول يا يعقوب وتتكلم يا إسرائيل (قائلاً): قد اختفت طريقي عن الرب وفات حقي الهي. أما عرفت أم لم تسمع: إله الدهر، الرب خالق أطراف الأرض، لا يكل ولا يعيا، ليس عن فهمه فحص. يُعطي المُعيي قُدرة ولعديم القوة يُكثر شدة ] (أشعياء 40: 27 – 29)
ولكن يظل لسان حال الخاطي في داخل نفسه [ أما أنا فدودة لا إنسان عار عند البشر ومُحتقر الشعب ] (مزمور 22: 6)
أما قول الرب يصير له على نحوٍ خاص قائلاً: [ أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الْمُمْسِكُ بِيَمِينِكَ الْقَائِلُ لَكَ: لاَ تَخَفْ. أَنَا أُعِينُكَ،لاَ تَخَفْ يَا دُودَةَ يَعْقُوبَ يَا شِرْذِمَةَ إِسْرَائِيلَ. أَنَا أُعِينُكَ يَقُولُ الرَّبُّ وَفَادِيكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ ] (إشعياء 41: 13و 14)

  • [ رُوح السَّيد الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ.لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا (يوم القضاء العظيم على الصليب لدحر الشرّ وتفريغ عدو الإنسان من قوته ورفع سلطان الخطية بالموت). لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ.لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ لأُعْطِيَهُمْ جَمَالاً عِوَضاً عَنِ الرَّمَادِ وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضاً عَنِ النَّوْحِ وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضاً عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ ] (إشعياء 61: 1 – 3)، [ فابتدأ يقول لهم (يسوع) أنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم ] (لوقا 4: 21)

عموماً دعوة الله قائمة على التوبة [ توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ] (متى 3: 2)، وهي مُقدمة للشخص الذي يعرف نفسه معرفة حقيقية، وهو الإنسان الذي غاص في داخل أعماق قلبه ووجده مملوء من كل إثم وتأكد أن الخطية مرض خبيث يعمل في داخله للموت، إذ أن الخطية خدعته ولوثت ضميره، ومنبعها إرادته المخدوعة بالشهوة الذي يُريد أن يُتممها دائماً، إذ قد تسلطت عليه، حتى أنها ظهر تفاقمها أمام وصية الله، لأنه حينما تقول الوصية لا تشتهي، يجد أن الشهوة سيطرت بالتمام على كل ملكات نفسه حتى أنه لا يقدر على مقاومتها فينجرف معها مثل العاصفة التي تجتاح القُرى والنجوع فتطيح بكل ما فيها ولا تتركها سوى حِطاماً، هكذا نفس كل واحد يشعر أن الخطية اجتاحت نفسه بالشهوة وتركته حِطاماً حتى أنه فقد الأمل في كل شيء وكَفَرَ حتى بذاته وبإرادته، ولا يثق في شيء ولا حتى كلام الناس وعلى الأخص من يعظه أو يقدم له أي حل يصنعه لكي تُحل مشكلة نفسه ويتخلص من شهوة قلبه…

  • لذلك علينا أن لا نتعجب من أن الخاطي الذي نراه يائساً من ذاته لا يسمع لأحد، ولا حتى لكلمة الله الذي قتلناها على شفاهنا لأنها لم يكن لها موضع فينا، لأننا لا نرى حال الخاطي في حالنا إذ لا فرق بيننا وبينه، فأصبحنا نُقدم له حلولاً بشرية تزيده بُعداً عن الله وتورطه في ضيق أعظم، لأن حلولنا تُقدم على أساس عمل بشري ميت لا يقوى على أن يرفعنا نحن فكم يكون أخونا الخاطي الذي لا نرى – للأسف – أننا أخطى منه، فنغوص في داخل المشكلة عينها لنرتفع معه إلى الله الحي وهناك نجد الحل القاطع إذ ننال نعمة وعوناً في حينه، لذلك يقول المزمور: [ أما أنا فعلى رحمتك توكلت يبتهج قلبي بخلاصك. أُغني للرب لأنه أحسن إليَّ ] (مزمور 13: 5 – 6)

عموماً الدعوة (توبوا) مقدمة من الله الحي مخلص النفس لمن يشعر واقعياً أن:

  • · الخطية مرض خبيث أحتاج شفاء منها لئلا أموت أبدياً
  • · الخطية خدَّاعة، خدعت قلبي الميال للشهوة
  • · أنا المسئول عن خطيئتي، وهي تنبع من الإرادة، فأنا الذي أسقط لأني أسعى لأُتمم شهوتي
  • · احتاج أن أصير آخر جديد لأني يائس من كل حل ولا أقدر أن أُشفي من أحد

وسوف نتكلم عن هذه النقاط باستفاضة في الأجزاء الأخرى… 

Exit mobile version