الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

مقدمة:

في حين أن السيد المسيح هو المعلم الأعظم الذي ليس له مثيل، فإن بولس الرسول يمثل نموذجًا استثنائيًا للمدافعين المسيحيين. إن طريقته في التفكير والشرح والإثبات والإقناع والدفاع عن الإيمان هي بمثابة مخطط يُحتذى به للدفاعيات الفعالة.

 يقف بولس الرسول مثال حاسم للمدافعين المسيحيين في كيفية التعامل مع الاعتراضات على الإنجيل والحق الكتابي. إن أسلوب بولس في التفكير والشرح والإثبات وإبطال الحجج الباطلة هو أساس الدفاعيات المسيحية اليوم. كان منهجه متجذرًا في الفهم العميق للكتاب المقدس والمنطق والبلاغة، بالإضافة إلى التعاطف والمحبة لأولئك الذين سعى للوصول إليهم.

 

 في هذا المقال سوف نتطرّق إلى النقاط التالية:

– كيف يستطيع المدافعين المسيحيين المعاصرين السير على خُطى بولس الرسول وأساليبه في الدفاعيات لتقديم اجابات فعالة على الاعتراضات؟

– ما هو المنهج الذي اتبعه بولس الرسول في التعامل مع الاعتراضات؟

 وأيضا سوف نتطرق الى تنوّع اساليبه وكيف كان يُكيَّفَ اساليبه مع السياق الذي وجد نفسه فيه دون التهاون في الحق الكتابي، وايضا كيف كان يعمل على تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة.

  1. اسلوب بولس الرسول مع المعترضين الوثنيين وكيفية رده على الاعتراضات ذات الطبيعة الفلسفية.
  2. اسلوب بولس الرسول في استدلاله من الكتب المقدسة مع اليهود.
  3. اسلوب بولس الرسول في الدفاع عن الإيمان ضد المتهودين المتمسكين بالشريعة الموسوية.
  4. كيف استخدم بولس تجربته وشهادته الشخصية في اساليبه الدفاعية؟
  5. 5اسلوب بولس الرسول في دحض التعاليم الكاذبة للمعلمين الكذبة.
  6. اسلوب بولس الرسول في الكرازة والتعامل مع الأمم.
  7. كيف يمكن للمدافعين أن يتعلموا منهج بولس الرسول في استخدامه للمنطق والعقل؟

 

منهج بولس الرسول في الدفاعيات

– كيف تعامل بولس الرسول مع الفلاسفة اليونانيين واسلوب رده على الاعتراضات ذات الطبيعة الفلسفية؟

بالرجوع الى الكتاب المقدس في سفر اعمال الرسل ١٧: ١٦-٣٤، نقرأ عن كيفية تفاعل بولس الرسول في مدينة أثينا مع الفلاسفة الوثنيين والذي يُعتبر بمثابة مثال حي يُحتذى به لطريقة تعليمه ومنهجه.

أمام مدينة مملوءة بالأصنام، تحركت روح بولس الرسول، وبدأ يحاور اليهود والمتعبدين في المجمع وكذلك في السوق مع الذين تصادف وجودهم هناك (أعمال الرسل ١٧: ١٧). يوضح هذا المقطع في الكتاب المقدس كيف أن بولس الرسول أشرك كل من الجماهير الدينية والعلمانية، وكيَّفَ طريقته مع السياق الذي وجد نفسه فيه.

 

 

أعمال الرسل ١٧: ١٦-٣٤

16 وَبَيْنَمَا بُولُسُ يَنْتَظِرُهُمَا فِي أَثِينَا احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ، إِذْ رَأَى الْمَدِينَةَ مَمْلُؤَةً أَصْنَامًا.

17 فَكَانَ يُكَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ الْيَهُودَ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَالَّذِينَ يُصَادِفُونَهُ فِي السُّوقِ كُلَّ يَوْمٍ.

18 فَقَابَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْفَلاَسِفَةِ الأَبِيكُورِيِّينَ وَالرِّوَاقِيِّينَ، وَقَالَ بَعْضٌ: «تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟» وَبَعْضٌ: «إِنَّهُ يَظْهَرُ مُنَادِيًا بِآلِهَةٍ غَرِيبَةٍ». لأَنَّهُ كَانَ يُبَشِّرُهُمْ بِيَسُوعَ وَالْقِيَامَةِ.

19 فَأَخَذُوهُ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى أَرِيُوسَ بَاغُوسَ، قَائِلِينَ: «هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ بِهِ.

20 لأَنَّكَ تَأْتِي إِلَى مَسَامِعِنَا بِأُمُورٍ غَرِيبَةٍ، فَنُرِيدُ أَنْ نَعْلَمَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ».

21 أَمَّا الأَثِينِوِيُّونَ أَجْمَعُونَ وَالْغُرَبَاءُ الْمُسْتَوْطِنُونَ، فَلاَ يَتَفَرَّغُونَ لِشَيْءٍ آخَرَ، إِلاَّ لأَنْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَسْمَعُوا شَيْئًا حَديثًا.

22 فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسْطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ! أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا،

23 لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.

24 الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي،

25 وَلاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسًا وَكُلَّ شَيْءٍ.

26 وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ،

27 لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا.

28 لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ.

29 فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللهِ، لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرِ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ.

30 فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ.

31 لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ».

32 وَلَمَّا سَمِعُوا بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ، وَالْبَعْضُ يَقُولُونَ: «سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هذَا أَيْضًا!»

33 وَهكَذَا خَرَجَ بُولُسُ مِنْ وَسْطِهِمْ.

34 وَلكِنَّ أُنَاسًا الْتَصَقُوا بِهِ وَآمَنُوا، مِنْهُمْ دِيُونِيسِيُوسُ الأَرِيُوبَاغِيُّ، وَامْرَأَةٌ اسْمُهَا دَامَرِسُ وَآخَرُونَ مَعَهُمَا.

 

 

– في تعامله مع الفلاسفة اليونانيين، لم يقم بولس بنقد مباشر لعبادة أصنامهم، وبدلاً من ذلك فقد امتدح جانب ايجابي وجده فيهم وهو إخلاصهم الديني لمعبودهم المجهول واستخدم ذلك نقطة انطلاق لتعريفهم بالإله الحقيقي الواحد (أعمال الرسل 22:17-23). وكانت إشارته إلى مذبحهم المنقوش عليه عبارة “إله مجهول” طريقة رائعة كمدخل للتواصل معهم، مع توجيههم بالتدريج نحو الإله الحقيقي. إن طريقة بولس تعلّم المدافعين المسيحيين المعاصرين قيمة إيجاد أرضية مشتركة والبناء عليها عند معالجة المشكلة والرد على الاعتراضات.

يكشف لقاء بولس الرسول مع الفلاسفة في أريوس باغوس في أثينا عن قدرته على التعامل مع الحجج الفلسفية المتطورة. كان الأثينيون فضوليين بشأن الأفكار الجديدة، واغتنم بولس الفرصة لتقديم الإنجيل بطريقة تخاطب فضولهم الفكري. افتتح كلمته بمدح تدينهم ثم قدم مفهوم الإله الحقيقي الذي خلق العالم ولا يعيش في هياكل صنعها الإنسان (أعمال الرسل 17: 24).

الأمر الملفت للنظر في أسلوب بولس الرسول هو أنه لم يبدأ بالكتاب المقدس عندما كان يتحدث إلى هذا الجمهور بالتحديد. لقد عرف أن الفلاسفة اليونانيين لن يقبلوا سلطة الكتب المقدسة العبرية، لذلك كَيَّفَ رسالته مع نظرتهم للعالم مع الحفاظ على الحق الكتابي. على سبيل المثال، اقتبس من شعراء يونانيين قولهم: “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ.” (أع 17: 28). وباستخدام مراجعهم الثقافية الخاصة، أنشأ بولس جسرًا بحيث انه جعل رسالته في متناولهم بشكل أكبر. هذا النهج فعّال للمدافعين المعاصرين، خاصة عند التعامل مع الجماهير العلمانية أو المتشككة التي قد لا تعترف بسلطة الكتاب المقدس.

ومع ذلك، فإن بولس لم يساوم على رسالة الإنجيل. فهو بعد أن أسس أرضية مشتركة، سلّم الحقيقة الأساسية المتمثلة في التوبة وقيامة الرب يسوع، مما تسبّب في انقسام بين مستمعيه (أعمال الرسل 30:17-32). وهذا يوضح أنه على الرغم من أهمية وضع الرسالة في سياقها، إلا أنه لا ينبغي أبدًا التقليل من شأن الحقائق الأساسية للإنجيل أو المساس بها في محاولة لكسب التأييد. يمكن للمدافعين المسيحيين اليوم أن يحذوا حذو بولس الرسول من خلال التعامل مع وجهات نظر عالمية مختلفة، وذلك باستخدام عناصر الثقافة أو الفلسفة للفت الانتباه إلى الحقائق الكتابية، مع الالتزام الدائم بتقديم الرسالة الأساسية لصلب وموت المسيح وقيامته.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الاستدلال المنطقي والمنهجي من الكتب المقدسة في خدمته مع اليهود

إحدى السمات المميزة لمنهج بولس الرسول الدفاعي كانت قدرته على الاستدلال مباشرة من الكتب المقدسة والاستناد اليها كما رأينا في خدمته لليهود.

جاء في أعمال الرسل: “فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاَثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ، مُوَضِّحًا وَمُبَيِّنًا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَنَّ: هذَا هُوَ الْمَسِيحُ يَسُوعُ الَّذِي أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.” (أع 17: 2-3).

لم تكن أفكار بولس عاطفية أو مبنية على خبرة شخصية فحسب؛ لقد أسس رسالته على سلطة الكتاب المقدس، وعلى هذا يجب أن تكون طريقة الاستدلال من الكتاب المقدس قضية اساسية ومحورية في أي جهد دفاعي اليوم.

يكشف نهج بولس أيضًا أن الدفاعيات يجب أن تركز على شرح وإثبات الحق الكتابي، وليس مجرد مشاركته. فهو لم يخبر اليهود عن يسوع فحسب، بل شرح لهم بعناية لماذا كان من الضروري أن يتألم المسيح ويقوم مرة أخرى.

يجب أن يكون المدافعون المسيحيون اليوم مستعدين لشرح الأسباب الكامنة وراء العقائد الكتابية. على سبيل المثال، عند معالجة الاعتراضات حول القيامة، يمكن للمدافع أن يستشهد برسالة كورنثوس الأولى 3:15-4، حيث يسلط بولس الرسول الضوء على موت يسوع وقيامته باعتبارهما جوهر رسالة الإنجيل.

كان بولس الرسول معروفاً بقدرته على الاستدلال المنطقي والمنهجي من الكتب المقدس. لم يعتمد بولس كما سبق وأشرنا على المناشدات العاطفية أو الآراء الشخصية؛ وبدلا من ذلك، استدل من كلمة الله، موضحا كيف اشارت الاسفار المقدسة الى يسوع بصفته المسيح الموعود به.

بالنسبة للمدافعين المعاصرين، يعتبر الاستدلال من الكتاب المقدس أمرًا بالغ الأهمية. الكتاب المقدس هو الأساس المرجعي لكل العقيدة المسيحية، وهو يوفر الإجابات على العديد من الأسئلة والاعتراضات التي يثيرها الناس. ومن خلال الاستدلال الدقيق والمنطقي من الكتاب المقدس، يستطيع المدافعون أن يبرهنوا على حقيقة الإيمان المسيحي.

لنعرض بأكثر تفصيلا طريقة الاستدلال المنطقي والمنهجي لدى بولس الرسول في النقاط التالية:

1- الشرح والتوضيح

كان بولس الرسول بارعاً في شرح المفاهيم اللاهوتية الصعبة بطريقة يمكن لمستمعيه أن يفهموها. في رسائله، غالبًا ما كان يأخذ أفكارًا معقدة – مثل التبرير بالإيمان، وطبيعة النعمة، والقيامة – ويقسمها او يفككها إلى مصطلحات واضحة ومفهومة. على سبيل المثال، في رومية 1:5-2، شرح بولس مفهوم التبرير:

 فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،

 الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ.

وبالمثل، يجب أن يكون المدافعون قادرين على شرح الحقائق اللاهوتية بوضوح وإيجاز. قد يكون لدى الناس سوء فهم حول العقائد المسيحية الأساسية، ومن واجب المدافع أن يقدم تفسيرات تنير الحقيقة. سواء كان الأمر يتعلق بشرح مفهوم الثالوث، أو طبيعة الخطية، أو القيامة، فإن الوضوح أمر ضروري.

2- الاثبات

تميزت خدمة بولس بالتركيز القوي على إثبات حق الإنجيل. نقرأ في أعمال الرسل 22:9 وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقًا «أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ».

استخدم بولس الأدلة من الكتاب المقدس، وشهادة شهود العيان، وحتى تجربته الشخصية لإثبات حقيقة رسالة الإنجيل.

يمكن للمدافعين المسيحيين أن يحذوا حذو بولس بتقديم الأدلة على حقيقة المسيحية. قد يتضمن ذلك استخدام الأدلة التاريخية للقيامة، أو الحجج الفلسفية لوجود الله، أو الشهادات الشخصية للتحول من خلال الإيمان بالمسيح. ومن خلال تقديم أدلة منطقية، يمكن للمدافعين أن يساعدوا في إزالة الحواجز الفكرية التي قد تقف عائقا المعترضين.

3- الاقناع

من أبرز سمات بولس الرسول قدرته على إقناع الآخرين. في أعمال الرسل 26: 28

 فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: «بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا».

 لم تأت قوة بولس في الإقناع من حججه المنطقية فحسب، بل من شغفه وقناعته أيضًا. كان يؤمن بشدة بحق الإنجيل، وقد ظهر هذا الإيمان في كلماته وعباراته.

ويجب على المدافعين أيضًا أن يسعوا إلى إقناع الآخرين بحق الإنجيل. وهذا لا يعني التلاعب بالناس والالفاظ أو الضغط عليهم لقبول هذا الاعتقاد، ولكنه يتضمن تقديم الحقيقة بطريقة مقنعة وفيها شغف. عندما يرى الناس أن المدافعون يؤمنون حقًا بما يقولونه وأنهم منغمسون بشدة في الحقيقة، فمن المرجّح أن يؤثر ذلك على المتشككين بحيث يكونوا منفتحين ومتجاوبين اكثر مع تلك قناعات المدافعين.

4- الدفاع

كان بولس أيضًا مدافعًا ماهرًا عن الإيمان، وكان يدحض باستمرار الاعتراضات والتعاليم الكاذبة. في رسائله، دافع بولس مراراً وتكراراً عن حق الإنجيل ضد البدع والهرطقات، مثل تعاليم اليهود الكاذبة (غلاطية 6:1-9) أو البدع الغنوصية التي هددت الكنيسة الأولى. ولم يخجل من المواجهة عندما كان ذلك ضروريًا لحماية نقاء الإنجيل.

 

(غلاطية 6:1-9)

إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!

لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ.

وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!

كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!

بالنسبة للمدافعين المسيحيين، يعتبر الدفاع عن الإيمان جزءًا أساسيًا من رسالتهم. يدعو الكتاب المقدس المؤمنين إلى “أن يجاهدوا لأجل الإيمان المُسلَّم مرة واحدة للقديسين” وهذه النقطة ايضا اشار اليها يهوذا الرسول في رسالته:

“أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.” (يه 1: 3).

 وهذا لا يتضمن الرد على الاعتراضات فحسب، بل يشمل أيضًا دحض التعاليم الكاذبة وحماية سلامة رسالة الإنجيل.

من خلال دراسة طرق وأساليب بولس الرسول، يمكن للمدافعين المسيحيين المعاصرين أن يتعلموا كيفية توصيل حق الإنجيل بطريقة فعالة وأمينة للكتاب المقدس. من خلال الاصغاء التام، والتفسيرات الواضحة، والتفكير المنطقي، والمحبة العميقة للآخرين، يمكن للمدافعين أن يحققوا دعوتهم لمشاركة الأخبار السارة عن يسوع المسيح والإجابة على الاعتراضات التي تنشأ في عالم مليء بالأسئلة.

 

– كيف دافع بولس عن الإيمان ضد المتهودين المتمسكين بالشريعة الموسوية؟

أحد التحديات الأساسية التي واجهها بولس الرسول جاءت من المتهودين – المسيحيين، اليهود الذين أصروا على أن المتحولين من الأمم يجب أن يتبعوا الشريعة الموسوية، ولا سيما ممارسة الختان. إن دفاع بولس عن إنجيل النعمة بعيدًا عن أعمال الناموس يظهر بوضوح في رسائله إلى أهل غلاطية ورومية.

في رسالة غلاطية، يوبخ بولس الغلاطيين الذين قبلوا الإيمان على يديه ثم بدأوا يتحولون سريعًا عن الإنجيل الذي قبلوه بنعمة المسيح وينقادوا إلى الضلال نتيجة انسياقهم وراء التعليم الناموسي للمتهودين. فهو يكتب لهم قائلا:

6 إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!

7 لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. (غلاطية 1: 6-7).

يوضح بولس هنا على أهمية الحفاظ على نقاوة رسالة الإنجيل.

عندما واجه بولس الناموسيين، جادل بقوة بأن التبرير يأتي من خلال الإيمان بالمسيح، وليس من خلال الالتزام بأعمال الناموس.

 

يقول في غلاطية 2: 16:

16 إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا.

 

ويستمر في غلاطية 3: 11 قائلا: وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ «الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا».

يجب أن يكون المدافعون المسيحيون مستعدين للتعامل مع الناموسية الدينية بأنماطها المختلفة بأشكال مختلفة، سواء أتى ذلك من سوء فهم العلاقة بين الإيمان والأعمال كمثال أو من أخطاء عقائدية أخرى.

– كيف استخدم بولس تجربته وشهادته الشخصية في طريقته الدفاعية؟

غالبا ما استخدم بولس شهادته الشخصية كجزء من دفاعه عن الإيمان، خاصة عند مخاطبة الجماهير المعادية. إحدى أشهر الأمثلة على ذلك نجده في أعمال الرسل الاصحاح 22، عندما تم القبض على بولس في أورشليم وأعطي الفرصة لمخاطبة الجموع ولكنه بدلاً من الانطلاق في خطاب لاهوتي، بدأ بسرد تجربته الشخصية في لقائه مع المسيح القائم من الاموات على الطريق إلى دمشق (أعمال الرسل ٣:٢٢-١٦).

كانت شهادة بولس قوية لأنها أظهرت قوة الإنجيل الذي غيّر حياته. لقد كان في يوم من الأيام مضطهدًا للمسيحيين، ولكن بعد لقائه بالمسيح القائم من بين الأموات، تغيرت حياته جذريًا. لم تكن قصة التحول الشخصية هذه مفيدة للدفاع عن رسوليته فحسب، بل سلّطت الضوء أيضًا على نعمة يسوع وقوته لتقديم الخلاص حتى لأسوأ الخطأة.

في 1 تيموثاوس 1: 15-16، يتأمل بولس في قصة تحوّله من خلال النصوص التالية:

“صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا.” (1 تي 1: 15).

“لكِنَّنِي لِهذَا رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فيَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالًا لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.” (1 تي 1: 16).

يمكن للمدافعين المسيحيين أن يحذوا حذو بولس الرسول عن طريق دمج شهادتهم الشخصية في دفاعهم عن الإيمان. إن الاختبارات والتجارب الشخصية عن كيفية عمل الله في حياة الإنسان يمكن أن تكون بمثابة دليل قوي على حقيقة الإنجيل. في حين أن الاختبار الشخصي لا ينبغي أن يحل محل الكتاب المقدس كأساس للحجة، إلا أنه يمكن أن يكمّل المنطق الكتابي ويقدم مثالا ملموسًا لنعمة الله.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

– كيف دحض بولس التعاليم الكاذبة للمعلمين الكذبة؟

كثيرًا ما تتناول رسائل بولس الرسول التعاليم الكاذبة التي كانت تتسلل إلى الكنيسة الأولى. في رسائله الرعوية، ولا سيما في رسالتَيْ تيموثاوس الأولى والثانية ورسالته الى تيطس، يحث بولس أتباعه على الوقوف بحزم ضد العقيدة الباطلة ودحض أولئك الذين يناقضون الحق.

 

في 2 تيموثاوس 4: 2-5، كتب بولس:

2 اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ.

3 لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ،

4 فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ.

5 وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ. اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ.

 

في (تيطس 1: 9) حذر من المعلمين الكذبة وأكدّ على ملازمة الكلمة الصادقة والتعليم الصحيح.

9 مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ.

 

* كانت استراتيجية بولس لمحاربة التعليم الكاذب ذات شقين:

– دَحْض الخطأ

– والارشاد إلى التعليم الصحيح.

وهذا درس أساسي للمدافعين المسيحيين اليوم. لا يكفي مجرد الإشارة إلى أخطاء التعاليم الكاذبة؛ يجب على المدافعين أيضًا تقديم توجيهات وتعليمات ارشادية وإيجابية في العقيدة السليمة. يتضمن هذا فهمًا عميقًا للكتاب المقدس والقدرة على توصيله بشكل واضح ومقنع.

وهذا ايضا ما يحث عليه يهوذا الرسول المؤمنين في رسالته (يهوذا 1: 3) وذلك بواسطة تجهيز وتحصين أنفسهم بمعرفة الكتاب المقدس وفهم قوي للاهوت الكتابي.

“أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.” (يه 1: 3).

– كيف تعامل بولس في الكرازة مع الأمم؟

إن دعوة بولس كرسول للأمم (رومية 11: 13) شكّل الكثير من أسلوبه الدفاعي والكرازي.

على عكس اليهود الذين كان لديهم الكتب ويعرفون أساس أسفار العهد القديم، الامر الذي لم يكن يتمتع به الأمم اذ لم يكن لدى الأمم سوى القليل من المعرفة عن إعلان الله. لذلك، كان على بولس أن يُكيّف رسالته لتتوافق مع احتياجات جمهوره من الأمم.

في 1 كورنثوس 19:9-23، يصف بولس أسلوبه في الكرازة:

“فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ – مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ للهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ – لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ.” (1 كو 9: 19-23).

إن قدرة بولس على التكيُّف لا تعني التنازل عن رسالة الإنجيل؛ بل كان يعني تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة. هذا المبدأ مهم للمدافعين اليوم. يجب أن يكونوا على دراية بمعتقدات جمهورهم وقيمهم وخلفيتهم الثقافية وأن يقدموا الإنجيل بطريقة تخاطبهم ضمن اطارهم وسياقهم المحدد دون تمييع الحقيقة أو التنازل عن رسالة الانجيل.

– كيف يمكن للمدافعين أن يتعلموا منهج بولس الرسول في تقديم حجج منطقية تحاكي العقل والمنطق؟

إن استخدام بولس للمنطق والعقل واضح في كل كتاباته، فعلى سبيل المثال في رسالته إلى أهل رومية. غالبًا ما تُعدُّ رسالة رومية واحدة من أكثر الكتابات اللاهوتية منهجية في العهد الجديد، وهي تُظهر مهارة بولس في تقديم حجّة منطقية.

في رومية 1: 18-32، يوضح بولس بشكل منطقي عواقب رفض البشرية لله، موضحًا كيف تؤدي عبادتهم للأصنام إلى الانحلال الأخلاقي والدينونة.

في رومية (رو 3: 9)، يستخدم بولس سلسلة من الأسئلة البلاغية لإرشاد القارئ خلال حجته حول شمولية الخطية والحاجة إلى التبرير بالإيمان. ويتساءل: “ماذا إذن؟ هل نحن اليهود أفضل حالا؟ لا، على الاطلاق. “فَمَاذَا إِذًا؟ أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَلاَ الْبَتَّةَ! لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ،” (رو 3: 9).

إذا هنا نجد بولس الرسول ومن خلال طرح الاعتراضات المحتملة والمتوقعة والإجابة عليها مباشرة، يبني حجة مقنعة ومنطقية لضرورة ذبيحة المسيح الكفارية.

يمكن للمدافعين المسيحيين اليوم ان يحذوا حذو بولس الرسول من خلال بناء حجج منطقية بعناية حول الاعتراضات المختلفة والشائعة ويقومون على معالجتها. ولا يتضمن هذا فهمًا شاملاً للكتاب المقدس فحسب، بل يشمل أيضًا الوعي بالاعتراضات الفلسفية والثقافية الشائعة التي تحارب المسيحية. يجب على المدافعين أن يجتهدوا في تقديم الإنجيل بطريقة متماسكة فكريًا ومتّسقة منطقيًا.

ختاما نقول يمكن للمدافعين المسيحيين المعاصرين أن يحذوا حذو منهج بولس الرسول وأن يتعلموا كيفية توصيل حق الإنجيل بطريقة فعالة وأمينة للكتاب المقدس. من خلال الاصغاء الفعال، والتفسيرات الواضحة، والتفكير المنطقي، وتنوّع الاساليب والطرق الفعالة دون التهاون في الحق الكتابي، وايضا تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة بالإضافة الى المحبة العميقة للآخرين، يمكن للمدافعين أن يحققوا دعوتهم لمشاركة الأخبار السارة عن يسوع المسيح والإجابة على الاعتراضات التي تنشأ في عالم مليء بالأسئلة.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

 

How Can Christian Apologists Follow the Teaching Methods of the Apostle Paul to Give Effective Answers to Objections?

The Apostle Paul: The Second-Greatest Teacher

 

ليكون للبركة

ترجمة: Patricia Michael

 

كيف يستطيع المدافعون المسيحيون اتّباع طرق تعليم بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات؟ ترجمة: Patricia Michael

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي[1]

البيلاجية ولاهوت الشرق في الموضوعات مثيرة الجدل -النصف البيلاجية- غريغوريوس الأول

في عام 411، عبر بيلاجيوس وكالستوس إلى أفريكا، حيث قابل بيلاجيوس أوغسطينوس. سرعان ما وجَّه نفسه إلى الشرق. في عام 412، الكاهن باولينيس Pauliniis، من ميلان، أتهم كالستوس بالهرطقة، أمام مجمع في قرطاجنة، متهمًا إياه بستة قضايا هرطوقية.[2] قُطِعَ كالستوس من شركة الكنيسة، وإعادته مرة أخرى من الشرق. هناك جيروم، من دون فهم واضح لنقط الجدال، ومذبذبًا بصراعه مع روفينوس، الذي كان صديقًا لبيلاجيوس، دخل الحرب بشدة على معتقداته.

في عام 415م، أوروسيوس Orosius، كاهن شاب أسباني كان في زيارة إلى جيروم، وجَّه اتهامًا إلى بيلاجيوس أمام جماعة من كهنة أورشليم بقيادة أسقفهم يوحنا، الذي، عند سماع شرح المتهم، أمتنع عن الحكم ضده. طالما أن بيلاجيوس كان من الكنيسة اللاتينية، كما قال، فكان للأسقف الروماني الاطلاع على الأمر.

في نفس العام، في مجمع ديوسبوليس Diospolis في فلسطين، الذي ترأسه أولوجيوس Eulogius، أسقف قيصرية، تم اتهام بيلاجيوس مجددًا بالهرطقة من أساقفة الشرق، ولكن تمت تبرئته، بسبب، كما يزعم أوغسطينوس، عدم الإخلاص في التبرؤ منه.[3] بذلت المجامع في قرطاجنة، وميليفيه Mileve، وأوغسطينوس شخصيًا، في عام 416م، جهدًا ناجحًا لإصدار حرمان لبيلاجيوس وكالستوس من إينوسنت Innocent الأول.

ولكن، خليفته، زوسيموس Zosimus، عند استلامه اعتراف الإيمان الذي قد أرسله بيلاجيوس إلى إينوسنت، وإيضاحات معينة من كالستوس، شهد علنًا على أرثوذكسيتهما. بينما أعلن الأساقفة الأفارقة، المجتمعين في قرطاجنة، في نهاية عام 417م أو بداية عام 418م، تأييدهم لقرار إينوسنت. في مجمع عام من أساقفة شمال أفريقيا في عام 418م، تمت تمرير ثماني أو تسع قوانين، مؤكدةً على الآراء الأوغسطينية، ورافضةً للآراء البيلاجية.[4]

تم حث الإمبراطور هونوريوس Honorius على إصدار منشور يبعث بالخطر ضد المؤيدين للهرطقة الجديدة. وكانت هناك مراسيم إمبراطورية أخرى صادرة في وقت لاحق بنفس الصفة. زوسيموس، بعد مجمع ثانٍ ثم مجمع أفريقي عام في قرطاجنة، على الرغم من ذلك، قد بدأ في التردد عما سبق، وغيَّر موقفه. وفي مجمع روماني، تم حرمان بيلاجيوس وكالستوس، وأصدر زوسيموس رسالة دورية -tractoria- مصدقًا بالكامل على رد فعل كنيسة شمال أفريقيا.

وطُلِبَ من جميع الأساقفة في الغرب الموافقة على خطاب زوسيموس بموجب البيان. رفض ثماني عشر أسقفًا، كان من أبرزهم يوليان أسقف إكلانوم، الخضوع للقرار. لجأ العديد منهم إلى الشرق. أستقبل ثيؤدور الموبسويستي يوليان، الذي لم يوافق على جميع آرائه، بل رفض عقيدة الخطية الأصلية.

وجلبت علاقتهم بنسطوريوس وأتباعه على بعض البيلاجيين جزءًا من عدم شعبيتهم. بذل ماريوس ميركاتور Marius Mercator، شخص علماني من الغرب، مجهودات كبيرة لإقناع الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني بهرطقة البيلاجيين.

نتيجة لهذه التعقيدات، حرم مجمع أفسس في عام 431م، الذي حرم نسطوريوس، أيضًا كالستوس ومؤيديه، ولكن دون تحديد أخطائهم. حيث من الواضح في جميع هذه الإجراءات أن القناعات الحقيقية للكنيسة الشرقية كانت على الحياد (موقف وسط) بين أوغسطينوس وبيلاجيوس، وأن الشرق، وبالأخص اللاهوتيين الأنطاكيين، بصرف النظر عن التأثيرات من الخارج ومن الأسباب العارضة، كانوا ميَّالين للتسامح مع القادة المزعجين.

وأكد هؤلاء القادة على الدوام أن آرائهم لا تحتوي على عقائد، ولم تتلقى حرمانًا رسميًا من الكنيسة، بل تتعلق بأسئلة يجوز فيها المفاضلة والاختلاف في الحكم.

     كان الدعم الذي تلقاه أوغسطينوس في الغرب، فيما يتعلق بعقائد العجز التام، والنعمة الجبرية، وسبق التعيين المطلق، أبعد عن أن يكون بالإجماع. ولم يذهب مجمع قرطاجنة العام أبعد من توضيح أن سقوط آدم هو الذي جلب الموت، وأنه ينبغي تعميد الأطفال من أجل مغفرة الخطية المستمدة من آدم، وأن النعمة تعمل داخل النفس، معطيةً العون المطلوب لمنع الخطية، وأن الكمال بلا خطيئة صعب الوصول إليه في هذه الحياة.

في عام 426م أو 427م، نما إلى علم أوغسطينوس أن الرهبان في دير أدروميتم Adrumetum في شمال أفريقيا انقادوا إلى اليأس في بعض الحالات، وفي الحالات الأخرى تحولوا إلى التساهل والتهاون مع الذات، بسبب تعليمه عن العجز البشري والنعمة الجبرية. حيث أرسل إليهم كتابين من أجل إصلاح هذه الشرور.[5]

حتى جيروم، مؤيد القضية الأوغسطينية، لم يتخل عن اعتقاده ببقاء الحرية في الإرادة، ولم يتبن حقيقةً عقائد الانتخاب المطلق والنعمة الجبرية. وإنه لحقيقة بارزة في التاريخ العقيدي أنه كان على سبيل الاعتراض غير المباشر على آراء أوغسطينوس هذه أن فينسنت الليرنزي Vincent of Lerins كتب كتابه (الأول) الجامع Commonitory (عام434م) الذي أوضح فيه معايير العقيدة الكاثوليكية (الجامعة).

وتم إعلان هذه المعايير بأنها تراثية وعالمية. ويعادل هذا القول بأن هذا هو فقط من الإيمان، وهو العقيدة الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، المقبولة دائمًا، في كل مكان، ومن الجميع Semper, ubique et ab omnibus. وكان من بين المعارضين الهادئين والمعتدلين هيلاري، أسقف أرلس Arles، الذي قدد عاش في دير ليرنز Lerins. ولكن أبرز المعارضين كان يوحنا كاسيان.

لقد تم تعليمه في الشرق، وكان المؤسس والمرشد لدير مارسيليا. يرتبط اسمه بنوع من التعليم اللاهوتي الذي يلقبه الدارسون بـ ”النصف بيلاجية“، ولكنه، كما قد قيل، ربما معروف أيضًا بـ ”النصف أوغسطينية“. حيث أعتقد بميل القلب إلى الخطية، والحاجة إلى عمل النعمة الداخلي، الإنسان قاصر في نفسه. ولكنه لم يعتقد بأن هذا الميل الموروث للشر هو ذنب بالمعنى المناسب، بل أكد على القوة الباقية والفعل المتآزر للإرادة البشرية في التغيير، وبالتالي، سبق التعيين المشروط.

نما تزايد هذه التحركات إلى علم بروسبر أسقف أكويتانيا Prosper of Aquitania وهيلاري آخر، علماني، فكتب أوغسطينوس مقالتين للدفاع عن آرائه.[6] وكتب هذان الصديقان في نفس الجانب، وهكذا استمر الجدال بعد نياحة أوغسطينوس. حيث أوضح بروسبر Prosper رأي أوغسطينوس بشأن سبق التعيين باعتدال دؤوب. وكُتِبَ بنفس الروح عمل مجهول عن دعوة الأمم،[7] حيث تم التمييز فيه بين النعمة العامة والخاصة -كان العمل الأخير فقط مؤثرًا.

هناك عمل آخر مجهول بعنوان ”سبق التعيين“ Predestintus، حيث تم استعراض العقيدة بصورة أبسط، وربما قام بتأليفه نصف بيلاجي ككاريكاتير وسلام للهجوم. في النصف الأخير من القرن الخامس، كان فاوستوس أسقف ريجيوم Faustus of Rhegium مدافعًا قديرًا عن العقيدة النصف بيلاجية.

تراجع أحد خصومه، كاهن اسمه لوسيديوس Lucidus، المدافع القوي عن سبق التعيين، عن آرائه في مجمع أرليس Arles عام 475م. كما هاجمت المقالة[8] التي كتبها فاوستوس بيلاجيوس على حد السواء، حيث وُصِفَ بأنه مهلِك ومضلِّل المدافعين عن سبق التعيين.

عن طريق تشابك غريب للظروف، اندلع الجدال النصف بيلاجي من جديد. ففي سردينيا Sardinia وكورسيكا Corsica، حيث كان يوجد أساقفة معينة من شمال أفريقيا منفيين، من بينهم فيلجينتيوس أسقف نوميديا Fulgentius of Numidia.

في عام 519م، أشار بوسيسور Possessor، أسقف أفريقي، في مناظرة مع الرهبان السكيثيين Scythian فيما يتعلق بصيغتهم المؤلمة لله Theopaschite، إلى فاوستوس كمرجعية في صفه أثناء النقاش. لذا سعى الرهبان إلى حكم ضد أرثوذكسية عمله، ولم ينالوا مواقفة هورميسداس Hormisdas أسقف روما (عام 514-553م)، فتحولوا إلى الأساقفة المنفيين. وهكذا دُفِعَ فيلجينتيوس إلى تأليف سلسلة من الكتب للدفاع عن سبق التعيين الأوغسطيني.

ظهر آخرون من نفس الجانب في جنوب غالة Gaul، بما فيهم قيصريوس أسقف أرلس Caesarius of Arles، بالرغم من ذلك، لم يعارض مجمع فالنس Valence في عام 529م للرأي النصف بيلاجي. ولكن بمناسبة تدشين كنيسة عام 529م في أورانج Orange بمقاطعة أرلس، وافق مجمع مكوِّن من أربعة عشر أسقفًا، بما فيهم قيصريوس، على مجموعة من الأقوال المقتبَسة من أوغسطينوس وبروسبر، واعتنقوا عقيدة إضافية.

حيث أكد المجمع على ضرورة النعمة المانعة، وضرورة النعمة في كل مرحلة من مراحل تجديد النفس، وأكدوا على أن النعمة غير المستحَقة تسبق الأعمال الصالحة، وأن الصلاح كله، بما فيه محبة الله، هو نعمة إلهية، وأنه حتى الإنسان غير الساقط بحاجة إلى النعمة. وتم إنكار ليس فقط سبق التعيين للخطية، وبل ولا يوجد تأكيد على الانتخاب المطلق أو النعمة الجبرية.

علاوة على ذلك، يُقال عن الإرادة الحرة أنها ”ضعفت“ في آدم، ويتم استردادها بنعمة المعمودية. العقيدة هي عقيدة مضادة للبيلاجية، بل ويتم حرمان عقائد النصف بيلاجية جزئيًا فقط على نحو واضح. حيث صادق الأسقف الروماني بونيفاس الثاني Boniface II على ذلك.

تنتهي عند غريغوريوس الأول، القائد والمدبر العظيم، ولكن ليس له مكانة كمفكر لاهوتي، الحقبة الآبائية في الغرب. حيث اختلطت عنده العقائد الأوغسطينية مع الأفكار النصف بيلاجية. وهكذا بالإصرار على عقيدة النعمة المانعة، يُسقِط فكرة النعمة الجبرية والحرية المفقودة تمامًا.

حيث يتم غفران الخطية في المعمودية، ولكن الخلاص هو عمل شخصي من خلال التوبة والأعمال الصالحة، مع النعمة الداخلية كعامل مساعد. فإن كان جهنم هو عقوبة على الخطايا المميتة والآثام المميتة، التي لا يمكن الترضية عنهم من خلال التوبة هنا، بل يمكن التكفير عن الخطايا ذات الدرجة الأقل وتنقية النفس في نار المطهر. وبالتالي يتم رفع حدس أوغسطينوس إلى مرتبة التعريف كتعليم قاطع.

وهكذا يُعتبر عشاء الرب ذبيحة حرفية، لا تفيض بالنفع فقط للأحياء، بل للمتألمين في المطهر أيضًا. ولو لم يتم تحديد الكنيسة بجماعة القديسين، فإنه من خلال الكنيسة، وطقوسها، وأسرارها يتم تزويد هؤلاء بوسائط الخلاص. الأرضية الأساسية للرجاء هي شفاعة القديسين والملائكة الكاملين.

وتضامنًا مع أوغسطينوس، يتم تثمين كلمة الله والروح اللذين يجلبان تدبير الكلمة وعنايته. وفي الوقت نفسه، هذه المراسم والممارسات الأخرى التي أتبعتها الكنيسة كمسارها خلال المجتمع الوثني -التي حسمت الأمر لمسيحية ”المرتبة الثانية“، أي الكاثوليكية المعروفة التي كان يقبلها أوغسطينوس، ولكن، مع ذلك، وعلى نحو متناقض، اخترقت أفكاره العميقة والروحية إلى نقاط عدة -كل هذا كان مثمَّنًا في نسق غريغوريوس، حيث تم نقل هذه التوليفة من العقائد إلى القرون التالية القادمة.

[1] هذا المقال هو ترجمة فصل من كتاب

George Park Fisher, History of Christian Doctrine, (Edinburgh, T & T Clark, 1896), Ch 7, p. 194-198.

[2] Mercator, Comm. II. P.113. See Munscher, DG. I. 374, N. 1.

[3] بالنسبة إلى تقارير هذا المجمع،

See Mansi, IV. Pp. 315 sq. See Hefele, History of Councils, II. B. VIII. §118.

[4] Mansi, III. 810-823. See Hefele (as above), §119.

[5] De Grat. Et lib. Arbitr. And De Corrept. Et Grat.

[6] De Predest. Sanctorum & De Dono. Perseverantia.

[7] DeVocat. Genitilum.

[8] De Grat. Dei et human. Mertis lib. Arbitr.

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

كتاب المسيحية المزيفة PDF – لماذا تمتلئ كنائسنا من الفريسيين الهالكين؟ – د. سامي فوزي

كتاب المسيحية المزيفة – لماذا تمتلئ كنائسنا من الفريسيين الهالكين؟ – د. سامي فوزي

كتاب المسيحية المزيفة – لماذا تمتلئ كنائسنا من الفريسيين الهالكين؟ – د. سامي فوزي

كتاب المسيحية المزيفة – لماذا تمتلئ كنائسنا من الفريسيين الهالكين؟ – د. سامي فوزي

تحميل الكتاب PDF

كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF

كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF

كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF

كتاب ليتني أستطيع أن أؤمن – ويم ريتكريك – ترجمة سليم إسكندر PDF

تحميل الكتاب PDF

سر التوبة – ميخائيل شحاته

سر التوبة – ميخائيل شحاته

سر التوبة – ميخائيل شحاته

سر التوبة – ميخائيل شحاته

تحميل الكتاب

التوبة – محبة الابن وفرح الآب – د. وهيب قزمان بولس

التوبة – محبة الابن وفرح الآب – د. وهيب قزمان بولس

التوبة – محبة الابن وفرح الآب – د. وهيب قزمان بولس

التوبة – محبة الابن وفرح الآب – د. وهيب قزمان بولس

 

+ حبك غصبك وتجسدت لأجلنا:

التوبة هي إستجابة قلب الإنسان لمحبة الله المتدفقة، التي تجلَّت في ميلاده من العذراء مريم، إذ غصبه حبه حتى تجسد من أجلنا. هذه الإستجابة هي رجوع الإنسان إلى أحضان الله، والإلتفات للمسيح بقلوبنا الهزيلة، لنلتقي به في عمق القلب والنفس. ومهما كانت خطايانا فإن نور محبته وقدرة نعمته تخترق هذه الأعماق، لأنه ” أشرق على الجالسين في الظلمة وظلال الموت”.

 

+ من محبة الذات إلى محبة الرب يسوع:

إن يسوعنا يعطف علينا بلا حدود، حتى يجعل الخاطئ يتحول من عشق شهواته ونجاساته إلى محبة مخلصنا وفادينا، ] لأن المحبة الإلهية عندما تهبط على الإنسان بغزارة، فإنها تجعل النفس تنجذب إلى الله بقوة[[1]، لأنه قدم نفسه عن خطايانا جميعًا…. يسوع الذي لم يدعنا عبيدًا فحسب بل أحباء وأخصاء لأنه ” صديق الخطاة”، بل و” محب العشارين”.

 

+ التوبة فرح الآب[2]:

توبة الإنسان جهاد ورجوع إلى الله وإعتراف بالخطية، وندم وشعور بعدم الاستحقاق ” إجعلني كأحد أجراك” (لو19:15)، أي أن التوبة تعني رجوع الابن الضال إلى حضن الآب، وفرح الآب، الله يشعر أن الإنسان كان ميتًا بالخطية فعاش بالتوبة. ومن أجل هذا يركض الله ويقع على عنقه ويقبله.

الله يجد ويبحث عن الخروف الضال، ومتى وجده يضعه على منكبيه فرحًا (لو5:15)، ويفتش بإجتهاد عن الدرهم المفقود، وإذا وجده يدعو الملائكة بلسان المرأة التي أضاعت الدرهم قائلاً: ” أفرحن معي أني وجدت الدرهم الذي أضعته” (لو9:15). ” فالسماء تفرح” (لو7:15)، والملائكة تفرح (لو10:15) والآب السماوي يقول ” نأكل ونفرح” (لو23:15)، وجميع مَنْ في البيت (الكنيسة والسماء) يفرحون (لو24:15).

والآب السماوي يقول: ” كان ينبغي أن تفرح وتُسرَّ لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوُجد” (لو32:15).

 

التوبة أعظم تقدمه تفرح قلب الله:

نحن نستعيد بالتوبة مكانتنا الأولى في حضن الآب، ونُحمل على منكبي المسيح. ولكن ينبغي إلاّ ننسى النصيب العظيم الذي يسر به الرب من توبتنا: إنه الفرح … الفرح … الفرح.

لقد قدّم الشهداء دمائهم والنساك أتعابهم، وأنا اليوم ماذا أقدم للرب؟ إن التوبة والرجوع لله تقدمة رائعة تفرح قلبه.

فهيا بنا يا أخي نُفرِح قلب الآب ونتوب، هيا بنا نُسعد قلب الله، ونقدم له تقدمة رائعة جدًا، تُضاف إلى تقدمات الشهداء والقديسين. هيا بنا نتوب كل يوم وكل لحظة. ليكون الآب فرحًا دائمًا: نقف في الصلاة كتائبين، ونخدم كتائبين مقدمين ليسوع أعظم عطية: خروفًا يضعه على منكبيه. أو ابنًا على عنقه ويقبله.

+ ربي يسوع: سأعيش بنعمتك كل أيام حياتي في التوبة، لكي أعيش دائمًا في حضنك وأفرّح قلبك بي.

+ ربي يسوع: سأخدمك في كنيستك، ساعيًا لرجوع الضالين لأفرّح قلبك برجوعهم إليك أمين.

التوبة نقطة إنطلاق الأخبار السارة[3]:

القديس يوحنا المعمدان وربنا يسوع المسيح كلاهما يبدأن كرازتهما بنفس الكلمات المشجعة ” توبوا لأنه قد أقترب ملكوت السموات” (مت2:3). هذه هي نقطة بداية الأخبار السارة؛ إنها التوبة. بدون التوبة لا يمكن أن تكون هناك حياة جديدة ولا خلاص، ولا دخول إلى الملكوت.

وعندما نتحول من “الكتاب” إلى الآباء، نجد نفس الحقيقة يتم التأكيد عليها بقوة. فعندما سُئل أنبا ميلسيوس عما يفعل في الصحراء، أجاب ” جئت هنا لأبكي لأجل خطاياي”[4]، وهذه التوبة ليست مجرد مرحلة تمهيدية فقطن بل تستمر طوال الحياة.

وبينما كان أنبا صيصوي راقدًا على فراش الموت، ويحيط به تلاميذه، رأوه وكأنه يكلم شخصًا. فسأله تلاميذ: مع من تتحدث يا أبانا؟ أجاب ” ها إني أرى الملائكة وقد أتوا ليحملونني، وأنا أستعطفهم أن يمهلوني قليلاً… بعض الوقت لكي أتوب، فقال له تلاميذه: ]لا حاجة لك للتوبة يا أبانا[ فأجابهم الشيخ ]في الحقيقة أنا لست متأكدًا إن كنت قد بدأت أتوب أم لا[[5].

 

التوبة حياة مستمرة:

والقديس مرقس الناسك يصر على ] أنه ليس أحد صالح ورحيم مثل الله، ولكنه لا يغفر لمن لا يتوب… وصايا الله يمكن أن تُختزل في التوبة. ونحن لا نُدان بسبب تعدياتنا الكثيرة، بل بسبب رفضنا أن نتوب. لأنه التوبة تظل ناقصة حتى تكتمل عند لحظة الموت[[6].

ويقول أنبا إشعياء الإسقيطي ] إن ربنا يسوع المسيح أوصانا أن نستمر في التوبة حتى آخر نفس. لأنه لو لم تكن هناك توبة لما خلص أحد[[7]. والقديس مار إسحق السرياني يقول: ] خلال الأربعة والعشرين ساعة يوميًا نحن نحتاج إلى التوبة في كل لحظة من لحظات هذه الساعات[[8].

 

صلاة يسوع:

إن صلاة يسوع التي تُمارس اليوم بكثرة عما كانت تُمارس منذ خمسين عامًا مضت، هي صلاة توبة أساسًا، وخاصة حين تُستعمل في صيغتها الطويلة: ” يا ربي يسوع المسيح، ابن الله، أرحمني أنا الخاطئ”. ويجب أن نضع في إعتبارنا الإصرار المستمر على التوبة.

 

رجاء من ليس له رجاء:

إن ما نحضره أمام المسيح في الاعتراف ليس مجرد خطايا خاصة معينة، بل أيضًا نحضر أمامه حقيقة حالة الإثم العميقة التي في داخلنا…أي الفساد العميق جدًا الذي لا يمكن التعبير عنه تمامًا بالكلمات، والذي يبدو أنه يتملص ويراوغ أمام ذهننا الواعي وإرادتنا.

فنحن نسأل ونطلب أن نُُشفى من هذا الفساد، أهم من كل شيء آخر. إن الإعتراف كسر شفاء ليس هو مجرد أمر ضروري مؤلم، أو نظام مفروض علينا من سلطة الكنيسة، بل هو عمل مملوء بالفرح والنعمة المخلصة، فبواسطة الإعتراف نتعلم أن الله هو في الحقيقة الكاملة ” رجاء من ليس له رجاء” (قداس القديس باسيليوس) إذن فالتوبة والإعتراف ليسا مجرد شيء يمكن أن نفعله بأنفسنا فقط، أو بمساعدة الكاهن، بل هما شيء يقوم الله بعمله معنا، وفي كل من المعترف والكاهن، وبكلمات القديس يوحنا ذهبي الفم: ] دعونا نطبق على أنفسنا دواء التوبة الخلاصي، دعونا نقبل من الله التوبة التي تشفينا. فلسنا نحن الذين نقدم التوبة لله، بل بالأحرى هو الذي ينعم علينا بالتوبة[[9].

 

الإفخارستيا رحلة توبة، للتمتع بالمجد الإلهي[10]:

الكنيسة كيان “ليتورجي” يتحقق وجوده بتمجيد الله، ويبلغ كماله في العبادة الليتورجية، التي وضعت فيها الكنيسة كل خبرتها الإيمانية والروحية، في أبهى وأتم صورة.

والإفخارستيا (القداس الإلهي) هي مركز وقلب العبادة الليتورجية، بل هي سر الكنيسة. فالمسيحيون يقيمون الإفخارستيا، والإفخارستيا تُقيم المسيحيين.

وإن كنا نحن جميعًا مدعوين لأن نعيش حياة التوبة طوال أيام غربتنا على هذه الأرض، فإن القداس الإلهي رحلة توبة، فيها نتغير عن شكلنا وفكرنا مُعترفين بخطايانا، إكليروس وشعب، إذ يقول الأب الكاهن ” أيها الرب العارف قلب كل أحد، القدوس المستريح في قديسيه، الذي بلا خطية والقادر على مغفرة الخطايا. أنت تعلم إني غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة، وليس لي وجه أن أقترب وأفتح فمي أمام مجدك الأقدس، بل ككثرة رأفتك إغفر لي أنا الخاطئ، أمتحن أن أجد نعمة ورحمة في هذه الساعة ” (الصلاة السرية).

وإن كنا في بداية القداس نصلي تائبين، لأننا في نور حضور الثالوث القدوس، ومجد الآب، فلأن الكنيسة قد أدركت بوعيها المستنير بالروح القدوس ذلك المشهد القديم جدًا، حين أتى إشعياء النبي ليعاين مجد ابن الله، وكانت أذياله تملأ الهيكل، والسيرافيم يصرخون، فصرخ هو أيضًا تائبًا: ” ويل لي لأني هلكت، لأني نجس الشفتين…”.

فأجابه الحمل المذبوح عن حياة العالم بجمرة وضعها بين شفتيه قائلاً: “ هذه قد مست شفتيك فأنتزع إثمك، فكفر عن خطيئتك” (إش 1:6ـ7). ” وكما طهّرت شفتي عبدك إشعياء النبي، عندما أخذ أحد السيرافيم جمرة بملقط من على المذبح، وطرحها في فيه.. هكذا نحن أيضًا الضعفاء عبيدك الطالبين رحمتك… إعطنا يا سيدنا هذه الجمرة الحقيقية المعطية حياة للنفس والجسد والروح، التي هي الجسد المقدس والدم الكريم اللذان لمسيحك “. (قسمة القداس الكيرلسي).

لذلك رتبت الكنيسة أيضًا أن تكون توبتنا وإعترافنا (سر التوبة والإعتراف) سابقة لتناولنا من جسد الرب ودمه!

+ وأني أعتبر الجزء الأخير من صلاة القسمة أقوى طلبة تقدمها الكنيسة من أجل التوبة، التي تعدنا للشركة في مجد الله: ” يا حمل الله الذي بأوجاعك حملت خطايا العالم، بتحننك إمح آثامنا…عند إصعاد الذبيحة على مذبحك، تضمحِّل الخطية من أعضائنا بنعمتك…

عند إستحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك، تتحول نفوسنا إلى مشاركة مجدك، وتتحد نفوسنا بألوهيتك (قسمة القداس الكيرلسي).

1 بتصرف عن الابن الضال للقمص بيشوي كامل.

2 القديس اسحق السرياني عن كتاب درجات المحبة المسيحية والكينوسيس، د. رؤوف إبراهيم، تروي، ميتشجان 1998، صـ53.

3 بتصرف عن التوبة في الاختيار الارثوذكسي، للأسقف كاليستوس وير، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، بيت التكريس سنة2003.

[4] The sayings of the desert fathers,

[5] A.P. Sisoes 14, المجمعة الأبجدية

[6] On those who think they are made righteous by works (PGb5: 940D).

[7] Homily 11.

[8] Homily 70.

[9] On repentance 73 (P.G. 49: 3270.

10 بتصرف عن كتاب الإفخارستيا رحلة توبة، للقس بنيامين مرجان.

التوبة – محبة الابن وفرح الآب – د. وهيب قزمان بولس

رسالة موجهة لكل من أرسل اعترافات شخصية وهو يائس من حاله- أيمن فايق

+ سلام لكم يا إخوتي من الله الحي الذي يحب الكل بلا تمييز أو أدنى فرق، وعلى الأخص كل من يرى نفسه أنه لا يستحق بكونه خاطي أو في حالة من الفجور، أو في عدم استحقاق لكل شيء…

++ تأتيني رسائل كثيرة جداً فيها شكوى واعترافات عن خطايا متنوعة وكل واحد يرى خطيته أعظم مما تُحتمل وأنها خطية عُظمى أكثر من غيره إذ أنها تفوق خطايا البشر كلهم، كما أنه يوجد واحد قال ((سامحني يا أبي إني باقولك على خطايا عمرك ما تعرفها أو سمعت أن حد عملها، وعارف أو ودانك طاهرة لا تسمع هذا الكلام))… طبعاً لا أدري لماذا نتصور دائماً حينما نجد إنسان يحيا مع الله أنه صار بلا خطية أو ضعف، كلنا إنسان وتذوقنا مرارة الخطية وسمعنا عنها ونعرف كل أنواعها، والرب بيرحمنا ويطهرنا ويقبلنا ويغسلنا، فيا إخوتي لا تعطوا أحد أكبر من حجمه وتتصوروا أنه يوجد إنسان على وجه البسيطة لم يرتكب خطية، لا أنا ولا غيري كلنا إنسان…

+++ عموماً أولاً دعوني أخبركم بشيء، قلته تكراراً ومراراً، أروني خطية واحدة جديدة ذات مُسمى جديد لم يرتكبها أحد في العالم كله أو أي واحد فيكم ارتكبها وتعتبر جديدة على مسامعنا، لأن لستة الخطايا منذ السقوط لليوم لم تتغير قط، بل ولن تتغير، لأن لن يفعل أحد ما هو جديد تحت مسمى جديد لا نعرفه، فالخطية نتيجة الهوى الدفين، وأساسه ظلمة مستترة في القلب لم يدخل إليها نور المسيح الرب بعد، ولا تحتاج منا أن نركز عليها في ذاتها بل على مسيح القيامة والحياة، نور النفس ومبدد ظلمتها، وليس ولا واحد بلا خطية، لا أنا ولا انت ولا أي حد – على وجه الأرض كلها – يقدر يقول أنا عمري ما عملت خطية: [ أن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا ] (1يوحنا 1: 8)

++++ فيا إخوتي لا تضلوا وتظنوا إني أنا أو غيري ليس له خطية، كلنا تحت ضعف طالما في الجسد مهما ما تقدمنا في الطريق الروحي، أرجوكم لا أُريد أن اسمع من حد قط، أنه يقول أن فلان ليس له خطية… لكن تعلَّموا أن لا تنظروا للآخرين وتنحصروا في شخصيتهم مهما ما كانت عظمتها في نظركم، بل أنظروا ليسوع المسيح الله الكلمة المتجسد وحده مبررنا الذي وحده فقط بلا خطية، وتيقنوا أنه لم ولن يوجد إنسان بلا خطية، لأن هل يوجد من هو أعظم من موسى وإبراهيم أب الآباء وداود النبي.. الخ مع أنهم أخطأوا والكتاب المقدس أظهر أخطائهم، فأنا والا حتى غيري ها يبقى أفضل منهم مثلاً !!!

+++++ يا إخوتي أرجوكم لا أنا بل محبة المسيح، لا تحيوا على مستوى العهد القديم قبل إشراق نور المسيح في ملء الزمان، لأن للأسف كثيرين يحيون عند تكرار [ خطيئتي أمامي في كل حين ] ويظل ينظر للخطية ويحيا حياة نكديه خالية من إشراق نور المسيح، ناسين ما نصليه على الدوام [ ونجنا من تذكُّر (أو تذكار) الشرّ الملبس الموت ]، فلنأخذ معنى خطيئتي أمامي في كل حين بمعناها العام وليس الخاص مركزين على أن المسيح هو برنا وحياتنا كلنا، لأن دمه صار بحر غسيل الدنسين، لأن دمه يطهر من كل خطية مهما ما كانت وأياً ما كانت، أم أنكم تستكثرون خطيتكم على دم المسيح وكأنها أقوى منه وأمامها يقف عاجزاً (حاشا يكون هذا قط)، فاحذروا جداً جداً ولا تقللوا من فعل قوة دم حمل الله رافع خطية العالم كله وأنا وانت من ضمن العالم لأنه لم يستثني أحد قط من بره….

++++++ كلنا الخطاة الفجار الأثمة الذين حبهم الله فبذل ابنه لأجلهم، كلنا مرضنا بأوجاع الخطية المدمرة لملكات النفس الروحية، وكلنا احتجنا للمخلِّص شافي النفس، المسيح يا إخوتي حي، وهو وسيطنا، وقد رفع الدينونة تماماً وفعلاً، فلماذا نحيا غير مؤمنين أنه يبرر الفاجر، وغير مؤمنين أنه يقيم الميت بالخطايا والذنوب، أمنوا تُشفوا..

+++++++ يا إخوتي – أتوسل إليكم – لا تنظروا لخطاياكم بعيداً عن صليب ربنا يسوع، خطيتي امامي في كل حين في الصليب، لأن الصليب قتل العداوة وأمات الخطية وبين محبة الله لنا، وما وراء الصليب هو القيامة، اي تبرير وحياة الملكوت حيثما صعد الرب وجلس، فانظروا للمجروح لأجل معاصينا والمسحوق لأجل آثامنا، أنظروا ليديه ورجليه التي هي إعلان سرّ خلاصنا الأبدي، لأنه حي، فحينما تنظرون لأنفسكم حتماً تضلون عن بركم المسيح الرب، لكن حينما تنظرون لمسيح القيامة والحياة الخطية ستسقط وحدها بدون عناء، فلا تنحصروا فيها..

++++++++ أأخطأ واحداً فيكم ووقع في أشر أنواع الخطايا حسب ما يرى، حسناً هذا طبعنا الإنساني، لكن لنا إله حي قوي ذات سلطان فائق، إله مُخلِّص، قوموا وانظروا إليه – الآن – كما نظر شعب إسرائيل للحية النحاسية التي كانت مجرد رمز ظل باهت عن مسيح القيامة والحياة، فمسيحنا حي وحاضر حسب وعده بكل وكامل قوته وقدرته، فقط آمنوا وانظروا إليه ولا تنظروا لأفعالكم وانا فعلت أم لم أفعل، لأن حيثما يكون نظرك تكون حياتك…

+++++++ عموماً يا إخوتي الرائعين في جمال جوهرهم الخاص أحباء الله في شخص ربنا يسوع والقديسين

++++++ لا تتعجبوا من قولي لكم إني أرى في داخلكم ملامح الله الحلوة التي تولد في قلبكم شوق خفي دائم لله القدوس الحي بمحبة مستترة كسرّ مخفي في داخلكم، بإيمان بسيط مثل شمعة في وسط الظلام، وهو قادر أن يُدخلكم لعرش الرحمة كل حين وكل وقت، حتى أنكم تستطيعون أن تقرعوا باب الله الرفيع فيُفتح لكم لأنها مسرة الله أن يفتح ويعطي كل أحباؤه الأخصاء، الذين هم مقبولين عنده لأن رأسنا يسوع يشفع فينا بدمه الذي به دخل إلى الأقداس مرة واحدة فوجد لنا فداءً أبدياً، فصرنا مقبولين فيه لا عن استحقاق فينا بل م
ن أجل اسمه [ أكتب إليكم أيها الأولاد لأنه قد غُفرت لكم الخطايا من أجل اسمه ] (1يوحنا 2: 12)، وقد أصبح ضعفنا لا شيء أمام حبه العظيم وعمله الفائق، لأنه يرفعنا فوقه (أي فوق ضعفنا وكَسرِتنا وهزيمتنا) بالنعمة ويتراءف علينا ويغسلنا ويطهرنا وينقينا من خطايانا الذي نعترف بها دائماً كل حين أمامه [ ان اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهرنا من كل إثم ] (1يوحنا 1: 9)

+++++ وعموماً كثيراً ما أرى فيكم، النداءات الإلهية واضحة في حياتكم، وارتباككم أتى من قلة الخبرة في الطريق الروحي والتعثر في الطريق الناتج من بعض الملابسات التي اربكتكم في عدم وعي والخلط في الأمور وانحصار النظر في الذات، وذلك لأنكم لم تحصلوا على الغذاء الحي الذي ينمي نفوسكم في البرّ ويربيكم في التقوى، حتى تحفظوا نفوسكم بالتسلح بالسلاح الإلهي لتقدروا أن تقاوم وقت المحنة بقوة نعمة الله والتمسك بالإيمان الذي به تغلبوا العالم لأنه مكتوب: [ لأن كل من ولد من الله يغلب العالم، وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا ] (1يوحنا 5: 4)…

++++ أما الآن عليكم أن تنسوا – تماماً – ما هو وراء ولا تذكروا سوى رأفة الله ومحبته الشديدة لكم، وواجب موضوع على كلينا الآن في أن نصلي بعضنا من أجل بعض وأن نشدد بعضنا البعض في طريق الحياة، طالباً من الله أبينا باسم ربنا يسوع في الروح القدس لكم ولي، أن يُعطينا الله معاً تلك القوة السماوية التي تحفظنا له أنقياء لنصير شركاء المجد الإلهي حسب عطية الله في المحبوب يسوع، لأنه صيرنا أبناء له في الابن الوحيد وجعلنا واحد في سرّ الكنيسة المقدسة التي نحن أعضاء فيها حسب تدبير تعطفات الله علينا، وأحب أن أكتب لكم كلمات القديس العظيم مصباح البرية القديس مقاريوس الكبير الذي أحبها جداً لأنها أمام عيني كل حين إذ قال:

+++ [ إن لم تُخلّصنا معونة القوة العليا (الروح القدس) من سهام الشرير الملتهبة، وأن لم نُحسب أهلاً لأن نكون أبناء بالتبني، فإن حياتنا على هذه الأرض تكون حينئذٍ باطلة وبلا هدف، إذ نوجد بعيدين عن قوة الله. لذلك فمن يُريد ويشتهي أن يصير شريكاً في المجد الإلهي، وأن يرى كما في مرآة صورة المسيح في داخل عقله، فينبغي أن يطلب معونة الله التي تتدفق منه بقوة – يطلبها بحب مشتعل لا ينطفئ وبرغبة حارة من كل قلبه وكل قدرته، ليلاً ونهاراً – هذه المعونة الإلهية التي لا يُمكن نوالها، كما قلت سابقاً، إن لم يتخلَّ الإنسان عن لذة العالم وعن شهوات ورغبات القوة المعادية، والتي هي أجنبية عن النور ومخالفة له وهي نشاط وعمل الشرير، وليس لها أي قرابة أو مشابهة لعمل الصلاح بل هي غريبة تماماً عنه ] +++

++ بكل محبة أخوية صادقة كأعضاء في كنيسة الله الحي وكأحباء ولنا شركة مع بعضنا البعض في النور، أُهديكم تحية سلام نلناها من رب المجد يسوع المسيح، سائلاً أن يحفظكم الله في ملئ محبته واهباً شخصكم الحلو أن تتمتعوا مع جميع القديسين بشركة محبته في النور، وأن يكتمل فرحه في قلوبكم ويشع فيكم نوره وقداسته ويكسيكم بهاء مجده العظيم ويرفع عنكم كل ضيق ومحنة وكل رؤية مخالفة لنور وجه خلاصه، ويشبع قلوبكم بدسم نعمته الحلو لتجلسوا معه في فرحه وسط قديسيه بالبهجة والمسرة…

+ أقبلوا مني كل احترام المحبة أخوية في المسيح رأسنا، ولتكونوا دائماً في تمام الصحة مُعافين دائماً باسم الثالوث القدوس الإله الواحد الذي يليق به كل تمجيد آمين +

___ ملحوظة مهمة لتوضيح اللبس الحادث عند البعض ___
البعض بيقول لي يا أبي على أساس أني في عمر والدهم، مش على أساس إني كاهن خالص، انا مجرد خادم فقط مش كاهن ولا أحمل أي رتبه كهنوتية على الإطلاق.

 
 

 

لا تيأس من نفسك فمهما كانت خطاياك الله أبوك الصالح – أيمن فايق

لا تيأس من نفسك فمهما كانت خطاياك الله أبوك الصالح – أيمن فايق

 

لا تيأس من نفسك فمهما كانت خطاياك الله أبوك الصالح – أيمن فايق

أن كنت فقدت امتيازك كابن طاهر مُحباً لله وتحيا بكلمته وتعيش وصاياه، وسقطت صريع الجوع والعطش للبرّ وخارت كل قوة فيك، ولم يعد لك القدرة على القيام وممارسة الحياة الروحية، وسُدت نفسك عن الصلاة وقراءة الكلمة، ولم تعد ترى نور الحياة في المسيح يسوع، ونظرك صار مثبتاً في ضعفك ولا ترى سوى مشكلتك، ووصلت لطريق مسدود حتى يئست من نفسك تماماً في كل شيء، بل وترى نفسك فاشلاً وميتاً بالخطايا والذنوب لا أمل ولا رجاء فيك إطلاقاً، فأعلم يقيناً، وأنت في هذه الحالة المُرة، أنك الآن محل عمل الطبيب، فأنت وفي هذا الحال صرت شغل الله الشاغل وموضوع محبته الخاص ومحل عنايته الفائقة، لأن في الواقع أنت فقدت امتيازك كابن، لكنه لم يفقد امتيازه كأب، لأنه أب أبدي، أبوته لا تتوقف قط حتى لو تعطلت بنوتك، وهو لا يحتاج إلى إنسان غريب آخر يتوسل إليه من أجلك أو يحنن قلبه عليك، لأن محبته هي التي تتوسط بينك وبينه، وأحشاؤه الأبوية هي التي تأن عليك أنيناً وتحنو إليك، وهي وحدها من تلدك من جديد، لتصير أنت إنساناً جديداً آخر طاهراً غير الذي كنت عليه.

الأب حينما يجد ابنه العائد إليه، لأن ليس له آخر يلجأ له سواه، فهو يفرح فرح فائق جداً ويُسرّ للغاية، وبكون الله أصل كل أبوة ومصدرها المُشع، فأنه حينما يراك آتياً له ولو من بعيد جداً، فأنه يشدك ويجذبك نحوه سريعاً ليحتضنك ويقبلك بقلات أبوته الحانية، ويرد لك كل ما فقدته باستهتارك وعبثتك ولهوك في حياة الشرّ حتى أصبت نفسك بجروح وأوجاع لا تنتهي، فشوَّهت نفسيتك وحطَمتك بالتمام، حتى شعرت أنك منبوذاً عند ذاتك ومرفوضاً من الله، وهذا هو وهم الخطية وجرحها المُميت حينما تدخل الإنسان في اليأس ليفقد كل ثقه في أبيه السماوي…

فيا محبوب الله الحلو أخي الخاطي مثلي الذي يحبنا الله معاً لا لأننا مستحقين بل بكونه أب، عن خبرة أقول لك، واعرفك طريقة قبول أبيك السماوي لك الذي تظن أنه ينتظرك بالعقوبة التي تدَّعي أنك تعلمها جيداً، فها هي الطريقة التي يُصلح ويؤدب بها نفسك:
+ أنه يفتح أحضانه عن آخرها ويحتضنك بشوق عظيم جداً، ويعطيك عوض العقوبة قبله محبة أبوية فائقة، هذه التي لا تُقيم وزناً للخطية، بل تقيس رجوعك على المحبة، والمحبة وحدها فقط هي المقياس والميزان الذي يقيس الله عليه القلوب، فلا توبة بدون محبة، والمحبة بدايتها الاشتياق للأب السماوي والعودة إليه.

أيها الخاطي والفاجر حبيب الله ومحل عمله وشغله الشاغل، أعلم يقيناً أن الأب لا يفضح ولده، ولا يُشهر به قط، بل يضمد جراحاته ويعتني به جداً، ويظل محل رعايته الفائقة باهتمام شديد بالسهر والبذل الفائق والاهتمام البالغ إلى أن تعود صحته كامله ويقف بقوة ويلبس الملابس التي تليق به في بيت ابيه ويجلس على أفخر الموائد ليتمتع بشركة أبيه وسط إخوته، بل واسمه يلمع كشعاع شمس النهار الدافئ.

فالآن انسى الخطية وكل شيء عن نفسك وذاتك، وركز فقط على عودتك لحضن من يحبك وحده أكثر من أي شيء آخر في الدنيا كلها، حتى أصدقائك وكل معارفك حتى والديك لا يحبونك مثله أبداً، بل ربما الكل يتخلى عنك وقت ما تدخل في مشكلة عميقة بسبب خطاياك، لكن الوحيد الذي سيعتني بك ولن يتأفف أو يبتعد بسبب قُبح خطاياك وكل رزيلة فيك، بل سيحملها من على كتفك ويريحك ويضمك لحضنه بقوة ويسقيك من نبع نعمته الحلو ويغسلك لتصير أبيض أكثر من الثلج، ليفرحك ويفرح بيك ومعك، هو أبوك السماوي وحده..

فهل رأيت أم تتقزز من طفلها الصغير لأنه متسخ بكل وسخ وقذارة وذو رائحة منفرة، أم تراها أنها الوحيدة التي تحتمل رائحته الصعبة وتحمله على يديها التي تتسخ بوسخه، وتقبله وتحممه وتعطره بأغلى العطور وأثمنها وتلبسه افخر الثياب النظيفة لديها، إلى أن تُعيد له نضارته بالتمام ويصير أحلى وأجمل مما كان، ليصير نظيفاً ذو رائحة عطرة جميلة للغاية ويتمنى كل من هم حوله أن يقتربوا منه لأنهم ارتاحوا إليه بسبب عمل أمه معه، فأن كانت هذه محبة الأم فكم تكون محبة الله الذي زرع في كل أم هذه الغريزة المقدسة: [ هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها، حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك ] (إشعياء 49: 15)

+++ اليوم يوم خلاص والساعة ساعة القبول وحضن الله مفتوح لك في المسيح الذي يُناديك كل لُحيظة قائلاً: [ تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم ] (متى 11: 28) +++

خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الثالث – أيمن فايق

+ تابع خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الثالث +
لقراءة > الجزء الأول 
لقراءة > الجزء الثاني
 

رابعاً – الخطوة الرابعة (غضب الله وغضب النفس المقدس)

+ فحمي غضب الرب على إسرائيل فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم، باعهم بيد أعدائهم، حولهم ولم يقدروا بعد على الوقوف أمام أعدائهم (قضاة 2: 14)

لننتبه جداً يا إخوتي لأني لا أكتب لكم كلمة ولا مجرد عظة أو أُقيم حوار أو أدخل في جدل ونقاش وفلسفة ورد على تساؤل وأدافع عن موضوع وجود الغضب الإلهي من عدمه، بل أُسلِّم إليكم خبرة، وهي خبرتي التي تذوقتها والتي أعيش بها كما عاشها الآباء أيضاً، فانتبوها لما أكتب بتدقيق، وتعلموا وانظروا ما أروع الرب وما هو غنى حنانه الفائق كأب قريب منا جداً

* لأن السؤال الصحيح الذي ينبغي أن يُطرح أولاً هو ليس هل الله يغضب أم لا يغضب، بل لماذا الغضب كإعلان ظاهر في الكتاب المقدس، وكيف نتصالح مع الله !!!!

في الواقع الروحي الاختباري، أنه حينما نقترب من الله بتوبة صادقة وإيمان حي طالبين غفرانه وقوته، فأنه يتراءى لنا سراً في قلوبنا، نشعر به قريب منا جداً ويتعامل معنا ويُصالحنا معه بسرّ تقديس القلب بدمه، وذلك لأننا أتينا إليه بإيمان معترفين بخطايانا ونحن عالمين ميل قلبنا الفاسد نحو الخير الغير موجود، وقد التزمنا زمان طويل بما اخترعناه لأنفسنا من لذات نُسرّ بها سروراً حتى صارت لنا فرح حياتنا المنحصرين فيه كأننا في دائرة لا نقدر أن نفلت منها قط.

فنحن أولاً نشعر بحنين داخلي يجذبنا نحو الله يقودنا للتوبة والإيمان فنبدأ اعترافنا لله حينما نقرُّب إليه مُقرين بصراحة تامة بدون أي هروب من مسئوليتنا، أننا كنا نعبده بالشفتين وقلبنا مبتعداً بعيداً عنه، فيبدأ بالتعامل معنا ويعمل فينا سراً بنعمته ودمه يطهرنا من كل إثم، ثم يدخل الفرح لقلبنا سراً كما هو مكتوب: “طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيته” (مزمور 32: 1)؛ وهذه هي – باختصار – خبرة كل خاطي يلتقي بالمسيح الرب طبيب النفس ومداويها، لأنه يخرج من محضره فرحاً ولسانه يمتلأ تهليلاً، لأنه تذوق خبرة محبة الله وذاق قوة غفرانه وهو عالم أنه غير مستحق لهذه النعمة التي سترت خطيته والكساء النقي الذي كسى عورته.

ولكن كثيراً بعد هذه الخبرة الرائعة التي فيها حلاوة لقاء الرب وغسل القلب وتطهيره، لا نحترز لأنفسنا حينما تختفي في داخلنا حلاوة الفرح والمسرة بغفران الله الحلو، لأن أحياناً النعمة تختفي وتتوارى قليلاً لتدخل الإنسان في خبرة جديدة، لذلك تُمتحن إرادة الإنسان لتظهر رغباته الخفية أمام عينيه، بغرض أن يعرف عوره قلبه وانه لا زال ناقصاً فيُقدم عنها توبة ويمسك في رئيس الحياة وملك الدهور فيتنقى قلبه ويستمر في التغيير، لأن كثيرين في بداية الطريق يفرحون ويظنوا أنهم وصلوا لنهايته وصاروا في حالة من الكمال ومن هنا يبدأ أعظم سقوط للإنسان في مرض الاكتفاء أو ربما الكبرياء، ولكن الكثيرين يخفقون في هذه الخطوة فيبدئون في إهمال حياتهم ويظنوا أن النعمة تخلت عنهم والله حجب وجهه، فيهتز إيمانهم ويستسلمون لخطياهم السابقة، أحياناً يستيقظوا منها فيتوبوا فوراً ويعودوا لله الحي، وأحياناً يستسلمون لها حتى تُثقل آذانهم عن سماع صوت الروح القدس المبكت على الخطية ويفقدوا إيمانهم، ويبدئون في خلق الأعذار، قائلين: ربنا عارف ضعفي، أو أن العالم شرير والشر حولي انتشر، فماذا أفعل !!! أو الله تخلى عني ورفضني ولا يُريد أن يعطني رؤية ولا فرح ولا مسرة.. الخ.

وأحياناً يتكل الإنسان على فكر أن الله يعلم كل شيء وهو محبة يغفر الخطية ويصفح عن الذنب (وهذه حقيقية فعلاً ومؤكده بقوة في الإنجيل)، ولكنه يهمل نفسه ويخسر حركة قلبه نحو الله ويتمادى في الشرّ إلى أن يعتاد عليه، ويستهين بلطف الله وحنانه الذي مس قلبه ويتكل على أن الله كثير الرحمة والغفران:

+ أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة (رومية 2: 4)
+ فهوذا لطف الله وصرامته، أما الصرامة فعلى الذين سقطوا وأما اللطف فلك، (وذلك) أن ثبت في اللطف وإلا فأنت أيضاً ستُقطع ] (رومية 11: 22)

ولكن شكراً لله المُحب لأنه لا يترك الإنسان مهما ما كان وصل لأعلى درجات الشرّ وظهر فيه الفساد بطياشة، فيُظهر غضبه الأبوي في قلب الإنسان وفكره ويبدأ في تأديبه، ويشعر الإنسان بلسعة ضربات الله القوية، ويتساءل مثل الولد الذي يتعجب من صرامة أبويه:
*** ألم يكن الله لنا مسامحاً وغافراً لنا في المسيح الذي رفع الغضب عنا وأعطانا المصالحة، فكيف أشعر اليوم بغضب الله المعلن على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم، ولماذا أنا بعد ما أصبحت ابناً لله دخلت في دائرة غضب الله الذي يُحاصرني بقوة !!!
هذا سؤال المسيحي الذي تذوق خبرة غفران الله وقربه منه، وسقط فترة طويلة مبتعداً عن الله فوجد غضب الله وشعر به ثقيلاً في قلبه، وتم فيه المكتوب:

+ فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين. (1ملوك 11: 9)

يا إخوتي، كثيرين – اليوم – يرفضون ويشجبون تماماً أن هناك غضب لله ويقولون الكتاب المقدس لا يتحدث عن أن الله يغضب وكل الآيات التي تتحدث عن الغضب الإلهي مفهومها خاطئ، فالله في العهد الجديد لا يغضب قط، وطبعاً يلزمنا أن نعلم أن الله ليس مثلنا له جهاز عصبي مثلاً وغضوب وينتقم مثل البشر، ولكن هذا الغض هو إعلان أبوي عن رفض الله للشرّ لكي نفهم طبيعة الموت والفساد، فالله يغضب فعلاً على الشرّ ولا يقبل أي مهادنة معه أو خلط ما بين النور والظلمة، والغضب هنا يُعلن ما هو مكتوب: [ لأن الرب إلهكم إله غيور في وسطكم لئلا يحمى غضب الرب إلهكم عليكم فيبيدكم عن وجه الأرض ] (تثنية 6: 15)

فلماذا هذا الغضب، مع أن الله محبة، ولكن غضب الله هو عمق المحبة الحقيقية، لأن الله محبته لنا ليست عاطفية وحنانه ليس الحنو المريض الذي يشفق ويسكب الدمع على مريض جرحه غائر سيقتله، لذلك يعلن غضبه الشديد لكي يصرخ الإنسان: [ لا أريد هذا الشر ولا أُريد هذا الفساد الخانق، ارحمني يا رب كعظيم رحمتك، وأشكرك يا رب على عصا رعاية محبتك لتردني إليك وتُحيي نفسي بالتقوى، انت معي وعصاك وعكازك هما يعزيانني (مزمور 23: 4) ]

فالمريض الذي لا يشعر بألم أوجاع جسده فأنه لن يذهب للطبيب، والمريض الذي لا يرى أثر المرض على من هم حوله وكيف أن بعضهم يموت منه، فأنه سيتهاون مع مرضة إلى أن يقتله.

فيا إخوتي أن للرب غضبه الخاص مع النفس التي هي له فعلاً، لأن الأب لا يغضب على ابن الغريب ليؤدبه بل على ابنه الذي له لأنه يخصه ومحبته كله موجهه نحوه، فالرب يغضب فعلاً (كأب) حينما نُخطئ ويُعلن غضبه في قلبنا لو كنا فعلاً له، وذلك لأنه مكتوب:
لا يرتد غضب الرب حتى يُجري ويُقيم مقاصد قلبه، في آخر الأيام تفهمون فهماً (إرميا 23: 20)

وقد أتت آخر الأيام التي فيها نفهم بالروح القدس وإعلانه في القلب، آخر الأيام أي ملء الزمان حينما تجسد الكلمة ومات لأجل خطيانا وقام لأجل تبريرنا، فهو برنا الخاص وكساء نفوسنا لكي لا نوجد عُراه، ونعم المسيح الرب يغضب ويُعلن غضبه على الخطية، ولا يترك الإنسان في موتها المُرّ للنفس، وذلك حتى يُجري ويُقيم مقاصد قلبه وهي شفاءنا من أمراضنا الداخلية التي تُحطم أنفسنا وتتعسنا وتُضايقنا واشرعنا بالمرارة والحُزن القاتل للنفس، إذن غضب الله، غضب المحبة الأبوية الحقيقية، وهذا لكي يحولنا إليه بواسطة خوفنا من غضبه كأبناء
إذاً فسخطه ليس للانتقام منا، بل بالحري ليُعطينا الغفران:

• رضيت يا رب على أرضك. أرجعت سبى يعقوب
• غفرت إثم شعبك، سترت كل خطيتهم سلاه.
• حجزت كل رجزك، رجعت عن حمو غضبك.
• ارجعنا يا إله خلاصنا وانفِ غضبك عنا.
• هل إلى الدهر تسخط علينا !! هل تطيل غضبك إلى دورٍ فدور !!
• ألا تعود أنت فتُحيينا، فيفرح بك شعبك.
• أرنا يا رب رحمتك، واعطنا خلاصك.
• إني اسمع ما يتكلم به الله الرب، لأنه يتكلم بالسلام لشعبه ولأتقيائه، فلا يرجعن إلى الحماقة.
• لأن خلاصه قريب من خائفيه، ليَسكن المجد في أرضنا.
• الرحمة والحق التقيا، البرّ والسلام تلاثما.
• الحق من الأرض ينبت، والبرّ من السماء يطلع.
• أيضاً الرب يُعطي الخير وأرضنا تُعطي غلتها.
• البرّ قُدامه يسلك ويطأ في طريق خطواته (مزمور 85)

فهو ينتظر بكاءنا وحزن قلبنا بإيمان الرجاء الحي والثقة في محبته الأبوية في المسيح، ونحن هنا في هذا الزمان الحاضر، لكي ينجينا من الأحزان الأبدية ويخلصنا من آثار الخطية المدمرة للنفس. فهو ينتظر حزن قلبنا الموجوع، ودموع توبتنا الحقيقية، وذلك لكي يسكب علينا رحمته. وهذا ما عرفناه في الإنجيل عندما أشفق على الأرملة الباكية وأقام ابنها (لوقا 7: 11 و15)، كما أنه أعطى الكنعانية بعد أن أظهر نوعية عبادتها الفاسدة مع الأمم (متى 15: 21 – 28).

فهدف غضبه هو رجوعنا لكي يُعيدنا إلى النعمة التي كانت ستظل مستمرة معنا لو أننا لم نسقط، والشاطر هو الذي يفهم مشيئة الله فيقول بوعي الإيمان: [ احتمل غضب الرب لأني أخطأت إليه حتى يُقيم دعواي ويُجري حقي، سيخرجني إلى النور، سأنظر بره ] (ميخا 7: 9) فالغضب غضب أبوة حانية جداً، والتأديب تأديب المحبة، لأنه مكتوب: [ لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله ] (عبرانيين 12: 6)

ومن هنا ندرك العثرة ونعلم لماذا كثيرين يتكلمون عن غضب الله أنه محصور في إله العهد القديم فقط، وكأن الله يتغير ويختلف من عهد لعهد، مع أنه هو الله الواحد الغير متغير على الإطلاق، ورفض غضب الله وتأديبه والتعليم – المنتشر عند البعض – باختلاف الله من عهد لعهد، هو دليل قاطع على أن الإنسان لم يتذوق بعد أبوة الله في المسيح يسوع، ولم يدخل بعد في عهد البنين، ولم يرى الله ولا عرفه معرفة حقيقية، لأنه مكتوب:

+ لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله. أن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين فأي ابن لا يؤدبه أبوه. ولكن ان كنتم بلا تأديب قد صار الجميع شركاء فيه فأنتم نغول لا بنون. (عبرانيين 12: 6 – 8)

فيا إخوتي انتبهوا جداً لأزمنة التأديب، وتيقنوا أن محبة الله قريبة منكم جداً، وامسكوا بكل قوتكم وطاقتكم في هذه الأيام بشدة لأنها نجاة كل أحد لخلاصه الحقيقي وشفاءهُ التام، فنحن في زمن الشفاء الذي فيه اقترب منا الله جداً بمحبة أبوية حانية شديدة الإشفاق، فأن فلتت منا سنهلك حتماً، نعم سنضيع تماماً أن فلتنا من قبول عصا التأديب بالغضب، أما أن رجعنا ومسكنا في محبة الله المُعلنة لنا فستأتينا أوقات الفرج حتماً ويكون لنا مجد عظيم لم نرى له مثيلاً من قبل، لأنه حيثما ازدادت الخطية ازدادت النعمة جداً وتفاضلت: [ فتوبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب ] (أعمال 3: 19)
ولنصغي بل ونحفظ كلمات الرسول ونضعها أمام أعيننا كل يوم وفي كل وقت:

• قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدبين وكنا نهابهم، أفلا نخضع بالأولى جداً لأبي الأرواح فنحيا. لأن أولئك أدبونا أياماً قليلة حسب استحسانهم، وأما هذا فلأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته. ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأما أخيراً فيعطي الذين يتدربون به ثمر برّ للسلام. لذلك قوَّموا الأيادي المسترخية والركب المخلعة. واصنعوا لأرجلكم مسالك مستقيمة لكي لا يعتسف الأعرج بل بالحري يُشفى.(عبرانيين 12: 9 – 13)
• الآن أنا أفرح لا لأنكم حزنتم، بل لأنكم حزنتم للتوبة، لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله لكي لا تتخسروا منا في شيء، لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة وأما حزن العالم فينشئ موتاً. (2كورنثوس 7: 9 – 10)

فهذه هي يا إخوتي خبرة البنوة الحقيقية العملية في حياتنا اليومية المُعاشه، لأن الله لا يُعطينا نعمته ثم يتركنا لأنفسنا في معزل عن أبوته، بل يُلازمنا ويُربينا في التقوى، بل ويجعل غضبه يسكن فينا ليصير هو عينه غضبنا نحن أيضاً على الخطية، وهذا هو غضب غيرة التقوى المقدسة التي تظهر رد فعل محبتنا تجاه محبة الله المُعلنة لنا في الابن الحبيب الذي غضب وطرد باعة الحمام والصيارفة من الهيكل لأن غيره بيت الرب أكلته، وهكذا نفس ذات الغيرة – عينها – تأكلنا أكلنا فنغضب بثورة عارمة على كل ما هو دخيل في قلبنا وغريب عن طبيعة الله، لأننا نغضب بنفس ذات الغضب فلا نرتاح إلا بعد طرد كل شبه شرّ من قلبنا ونرفضه بشدة ناظرين لرب النجاة الطبيب المنقذ لكي يريحنا من الثعالب المفسدة للكروم ويساعدنا بنعمته الغنية ونوره مبدد كل ظُلمات العدو، وهذا الغضب فينا هو علامة نضوج روحي عميق وإظهار مدى ثبات النفس في الحق بكل غيرة حسنة حسب مسرة مشيئة الله.

+ اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك، لأن المحبة قوية كالموت، الغيرة قاسية كالهاوية، لهيبها لهيب نار لظى الرب (نشيد 8: 6)
+ اذهب ونادٍ في أُذني أورشليم قائلاً: هكذا قال الرب قد ذكرت لكِ غيرة صباكِ، محبة خُطبتك، ذهابك ورائي في البرية، في أرض غير مزروعة (أرميا 2: 2)
+ هكذا قال رب الجنود غرت على صهيون غيرة عظيمة وبسخط عظيم غرت عليها(زكريا 8: 2)

+ فأني أُغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لأُقدم عذراء عفيفة للمسيح (2كورنثوس 11: 2)

_________صــــــــــلاة_________

• المجد لك أيها الآب العظيم القدوس
• يا من تحبنا حباً حقيقياً فتحزن قلوبنا بتأديبك المُحيي
• بعصا رعاية يسوع لكي يكون لنا حياة حقيقية وشركة معك
• ونعرفك أباً لنا في المسيح
• فنحن ابنائك الأخصاء في المحبوب
• وقد رأينا وشاهدنا هذا في تأديبك المُحيي لنا كأب
• وقد أعلنت لنا هذا بروحك الساكن في أوانينا الخزفية الضعيفة
• فاقبل توبتنا إليك الآن في المسيح يسوع الذي يشع فينا مجده الخاص
• ألبسنا ثوب قداستك أيها المسيح الرب
• وسامحنا على خطايانا الكثيرة
• مطهراً ايانا بغسل قلبنا بدمك الكريم
• بالحقيقة نشكرك جداً لأجل إعلان غضب محبتك
• الذي شهد لنا عن غيرتك ومحبتك الحانية لنا
• لأنك تريد أن الكل يخلص ولمعرفة الحق يُقبل
• ومن يأتيك لا تخرجه خارجاً
• بل تدخله إلى داخل محضرك
• تلبسه الحُلة كالابن الضال
• والكل يهتف باحتفال معك قائلين
• ابني هذا كان ميتاً فعاش، ضالاً فوجد
• اوجدنا انت وردنا إليك أيها الرب المُحيي وربينا في التقوى
• با من يليق بك كل حين المجد والإكرام والسجود
• مع أبيك الصالح والروح القدس آمين

___وسوف نتكلم في الجزء الرابع عن الخطوة الأخيرة__

خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الثاني – أيمن فايق 

  خطوات طريق الحياة الروحية السليمة – الجزء الثاني 

لقراءة > الجزء الأول 

ثالثاً – الخطوة الثالثة (فلاحـــــة النعمــــــــــة)

+ حينما نأتي إلى الرب المسيح البار بالتوبة والإيمان الشخصي (كما رأينا سابقاً) وندخل فيه كطريق الحياة الجديدة [ أنا هو الطريق والحق والحياة ]، نرعى فيه ونأخذ منه قوة الحياة الجديدة لنتجدد كل يوم حسب صورته هو [ أنا هو الباب إن دخل بي أحد فيخلص، ويدخل ويخرج ويجد مرعى (يوحنا 10: 9) ]، تبدأ تنمو فينا بذرة الحياة الأبدية التي ذرعها فينا بالمعمودية لننمو في النعمة والقامة كل يوم ونتعمق في معرفته ونتأصل في حياة القداسة والبرّ فيه.

ولكن بالرغم من أن نعمة الله المجانية والتي لا تُعطى لنا بسبب برنا الشخصي أو لأن فينا ما هو صالح، لأن كما رأينا سابقاً أن كل أعمالنا مستحيل أن تُرضي الله، لأن أصبح طبيعياً – بسبب السقوط وشدة الفساد – لا نقدر أن نصل لله أو نعمل أعمال برّ ولا قداسة، أما في المسيح يسوع، وحسب الإنسان الجديد الذي نلناه بمعموديتنا، تُصبح أعمالنا كلها معمولة بالله، لأننا طُعمنا في الكرمة الحقيقية بسبب التجسد [ أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيَّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً (يوحنا 15: 5) ]
فنحن في المسيح يسوع ربنا فقط نقدر أن نعمل أعمال الله بقوة الله، أي بعمل الروح القدس في داخلنا، ولكن علينا أن نثبت في الكرمة ونُثمر لله…

أي أنه بالرغم من وجود النعمة فينا وعمل فاعليتها، فواجب علينا الآن أن نُفلح حياتنا بفلاحة النعمة، وفلاحة النعمة تبدأ بوعينا التام أنه ينبغي في كل حين نجدد العهد مع الله بالتوبة الدائمة المستمرة والثبات في الإيمان الحي، ومفهوم التوبة الصحيح هو لبس الرب يسوع وعدم صُنع تدبير أو تخطيط للجسد لأجل الشهوات، أي أن نلبس قداسة المسيح الرب وبره وطهارته كل يوم، وهذا هو عمل الله الإيجابي فينا بالروح القدس الذي يأخذ من المسيح الرب ويُعطينا، ويتم ذلك – عملياً – باستمرار الاعتذار عن أقل هفوة في حياتنا معترفين أمامه بخطايانا ولا نعود إليها مرة أخرى، بل نتمسك بالرب يسوع طالبين أن يلبسنا ذاته لنتوشح به كرداء برّ خاص لنا من الله، ويسكن فينا بقوته لتنحل كل رباطات الخطية وتهرب الظلمة الداخلية أمام نوره المُشرق فينا:
+ والنور يُضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه (يوحنا 1: 5)
+ ثم كلمهم يسوع أيضاً قائلاً: أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة (يوحنا 8: 12)
+ أنا قد جئت نوراً إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة (يوحنا 12: 46)

فالمسيح الرب يُشرق في داخل النفس كنور مبدداً ظُلمتها ويزيل (مع الأيام) خبرتها في الشرّ ويمحوها ليُعيدها لبساطتها الأولى التي شوهتها الخطية وظلمة الفساد التي تسلطت عليها؛ وعلى الإنسان أن يحفظ نور الله في داخله باستمرار ومواظبة قراءة كلمة الله بوعي وتركيز، مع الحفاظ على صلاته بقلب محترف للتوبة الصادقة محباً لله الذي فداه وأعطاه حياه باسمه، مستمراً في شركة الكنيسة متناولاً ترياق الخلود (الإفخارستيا) حسب عطية الله، وهذه تُسمى فلاحة النعمة…

فيا إخوتي لا تظنوا أن الدينونة مجرد حساب على ما نقترفه من أعمال لا تليق، لأن وأن كان كُتِبَ أنه يُجازي كل واحد حسب أعماله، ذلك لا من أجل الأعمال ذاتها، بل من أجل أنها تُظهر نوع الزرع، لأن من ثمار الأشجار ونتاجها يتحدد نوعها وطبيعة نموها السليم، أي أن الأعمال الظاهرة توضح ما في داخل النفس من بذار زُرِعت فيها، لأن كل ثمرة تُعبِّر عن نوع الشجرة، لأن كل عمل هو ناتج من الداخل، فالعمل الخارجي يدل على البذرة الحقيقية المزروعة في باطن الإنسان، فأن كانت بذرة الحياة، ستُثمر – طبيعياً – ما يتفق مع الحياة التي فينا، أي تظهر حياة الله فينا، أما أن كانت البذرة غير صالحة فستخرج أعمال الموت، وأنا هنا لا أتكلم عن حالة ضعف عابرة لأن من منا لا يضعف، إنما اتكلم عن حالة دائمة مستمرة لا تتوقف يتبعها الكآبة والفشل والإحساس بالدينونة وحزن الموت المصحوب باليأس وصغر النفس، وعموماً الرب كشف لنا سرّ الدينونة الحقيقية إذ قال بفمه الطاهر:
+ وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة (يوحنا 3: 19)

يا إخوتي لنا أن نحذر جداً من أن نحب الظلمة أكثر من النور، ونُهمل حياتنا الداخلية ولا نُفَلَّح القلب فلاحة النعمة، ليُزال كل ما في تربة القلب من شوائب تعوق بذرة الحياة أن تنمو فينا، لأن الشوك والحسك يخنق الزرع الجيد، ويتحول في النهاية لموت داخلي لا تسعفه حياة !!!

وأيضاً فلنحذر جداً في يوم من الأيام أن نعتقد أننا وصلنا للكمال لئلا نتوقف عن السعي وننتفخ ونتكبر فنخسر النعمة وعمل الله في داخلنا، لأن كما قلنا أن كل واحد يستوعب غنى وأسرار النعمة حسب قامته ونموه في الروح، لأن الزرع الجيد يأتي بثمر بعد أن يصل للوقت المعين الذي فيه تظهر الثمار، لأن لا يزرع الزارع الأرض ثم بعد قليل يجدها أثمرت، بل يستمر يرعاها يوماً بعد يوم وبلا توقف إلى أن يأتي وقت الإثمار، ونحن مهما ما وصلنا في معرفة الله وخبرات روحية عظيمة فأنه من المستحيل أن ندرك أعماق الله بكل اتساعها، لأن كل ما ندركه هو القليل جداً لأن الله مُطلق في اتساعه، مستحيل يدركه إنساناً مهما ما بلغ من قامة، والكنيسة كلها كأعضاء معاً تُدرك الله لأنه حي فيها وتنبض بحياته، فالكنيسة كلها معاً بأنبياء وأتقياء العهد القديم والرسل وكل القديسين في العهد الجديد بل وإلى آخر إنسان يأتي قبل مجيء الرب، هما معاً سيدركون عظمة بهاء مجد الله في ملكوته الآتي معاً لتصل الكنيسة ككل إلى ملء قامة المسيح [وليس كل فرد وحده (منفصل بذاته) يصل للملء] كما هو مكتوب:
+ إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح (أفسس 4: 13)

_______وسوف نتكلم في الجزء الثالث عن الخطوة الرابعة_______

الجزء الثالث 

Exit mobile version