الوسم: الخطايا
الغفران بدم المسيح (عب 9: 15-22) – ترجمة: أندرو أبادير
الغفران بدم المسيح (عب 9: 15-22) – ترجمة: أندرو أبادير
الغفران بدم المسيح (عب 9: 15-22) – ترجمة: أندرو أبادير
بواسطة ستيفن ج. كول* في 21 مارس 2013
*(عمل ستيفن ج. كول راعياً لزمالة فلاجستاف المسيحية من مايو 1992 حتى تقاعده في ديسمبر 2018. ومنذ عام 1977 إلى العام 1992 كان راعي كنيسة مجتمع بحيرة جريجوري في كريستلاين، كاليفورنيا. تخرج من مدرسة دالاس اللاهوتية وحصل على ماجستير اللاهوت في شرح الكتاب المقدس سنة 1976)
منذ زمن المسيح، تعثر الناس في عقيدة أن المسيح كان عليه أن يسفك دمه للتكفير عن خطايانا. فعندما أعلن يسوع للاثني عشر أنه كان عليه أن يذهب إلى أورشليم حيث سيتألم ويموت، وبخه الرسول بطرس قائلاً: “حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!” (متى 16: 21-22). وكتب الرسول بولس يقول، “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ…” وتابع قائلاً، “وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.” (1كو 1 :18، 23-24).
اللاهوتيون المتحررون يبغضون فكرة أن دم المسيح يدفع ثمن خطايانا. وقد أطلقوا على مثل هذه الآراء “دين المجزر”. إنهم يسخرون من المسيحيين الذين يؤمنون بالله الذي سيكون تافهًا بما يكفي إذا غضب من خطايانا، ووثنيًا بما يكفي إذا كان إرضاؤه يتحقق بإراقة الدم. ولقد هاجم الكاتب المسرحي، جورج برنارد شو، الكتاب الأنجليكاني للصلاة المشتركة بهجوم لاذع قائلاً: “إنه مُشبَّع بالخرافة القديمة – والشيطانية من وجهة نظري – وهي التكفير عن طريق سفك الدم، والتي أعتقد أن المسيحية يجب أن تتخلص تمامًا منها، إذا كانت تريد البقاء بين الناس المفكرين” (مقتبس من كتاب “خبزنا اليومي” 8 / 79).
ولكن منذ بداية تاريخ البشرية، أوضح الله أن غفران الخطايا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال سفك الدم لبديل مناسب. فعندما أخطأ آدم وحواء، أدركا عريهما وخاطا أوراق التين معًا لمحاولة تغطية ذنبهم وعارهم. لكن الله لم يقبل نهجهم. وبدلاً من ذلك، ألبس الزوجين المذنبين جلد حيوان مذبوح (تك 3: 21). وبهذا العمل، أظهر الله بطريقة تصويرية عقوبة الخطيئة المروعة، وأيضًا رحمته العظيمة في توفير بديل مناسب.
ولا شك أن الله شرح لآدم وحواء وأولادهم نوع الذبائح التي يقبلها. وأطاع هابيل الله بتقديم ذبيحة من قطيعه، لكن قايين قدم لله قرباناً من ثمار الأرض. وقَبِلَ الله تقدمة هابيل، لكنه لم يقبل تقدمة قايين (تك 4: 3-5). وفي غضبه، قتل قايين شقيقه. وفي عجرفته وتمرده، أصبح قايين أبًا لأولئك الذين يكرهون طريقة الله للمغفرة من خلال سفك الدم.
لطالما مارست الأديان الوثنية استرضاء الآلهة أو الأرواح من خلال الذبائح الدموية. وفي بعض الأحيان ذهبوا إلى حد تقديم الذبائح البشرية، بما في ذلك أطفالهم. لكن من الخطأ أن نفكر في أن اليهود وضعوا نظام ذبائحهم على أساس محاكاة الوثنيين. وبدلاً من ذلك، كما أشار جون كالفن، “كانت جميع الذبائح الوثنية فسادًا أخلاقياً، استمد أصله من نظام أسسه الله” (تفسير كالفن للرسالة إلى العبرانيين 9: 16، صفحة 209[دار نشر – بيكر]).
ربما كان لدى البعض في كنيسة العبرانيين أصدقاء يهود غير مؤمنين سخروا منهم لأنهم آمنوا بمسيح مصلوب. لكن الكاتب يشير إلى أن نظام العبادة اليهودي بأكمله كان قائماً على ذبائح الدم، وأن الله أسس هذا النظام للإشارة إلى ذبيحة واحدة كافية أي لذبيحة يسوع المسيح. فالعودة إلى النظام القديم يعني العودة إلى نظام لم يكن باستطاعته تطهير ضمائرهم أبدًا ويعني أيضاً التخلي عن الفداء الأبدي الذي قدمه الله في المسيح (عب 9: 12-14). في هذا النص يركز على نقطة أن…
-
غفران الخطايا لا يتحقق إلا بدم المسيح.
في (عب 9 :15) يوضح أنه لأن المسيح قدم دمه كفارة لأجل خطايانا، فهو بالتالي وسيط عهد جديد (راجع عب 8: 6). ويركز على وعد الله بمغفرة الخطايا بموجب العهد الجديد (عب 8: 12). ويوضح أن موت المسيح غطى كل ذنوب أولئك الذين تمت دعوتهم بموجب العهد القديم، لكي “يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ.” (عب 9: 15).
ذكر “الميراث” يبرز فكرة الوصية (الورث). وهناك بعض الالتباس في هذه الآيات لأن الكلمة اليونانية نفسها يمكن ترجمتها إما “عهد” أو “ورث” (أو “وصية”). في (عب9 :15، 18، 20)، يجب ترجمتها “عهد”. ولكن في (عب 9 :16، 17) تشير إلى ورث أو وصية أخيرة، والتي تنبع من ذكر الميراث (ترجمة النسخة الدولية الجديدة للكتاب المقدس تترجمها بهذه الطريقة). الوصية تصبح سارية المفعول فقط بعد وفاة صاحبها. وبطريقة مماثلة، دشن موسى العهد القديم بالدم وفقاً لأمر الله. ولكن يسوع دشن العهد الجديد بدمه. وهكذا فإن خلاصنا (ميراثنا) يعتمد بشكل آمن على العهد الجديد بدم المسيح، والذي هو أفضل بكثير من دم الحيوانات. نراعي هنا ثلاثة أشياء:
-
نحتاج جميعاً إلى مغفرة الخطايا لأن خطايانا قد أبعدتنا عن الله.
كما قيل سابقاً، يمكنك إنكار الذنب وأن تتقسى لدرجة أن ضميرك لا يعود يزعجك، ولكن إذا كان الله قدوسًا وإذا انتهكت معاييره المقدسة، فإنك تقف مذنب قانونياً في قاعة محكمته. لذا فإن القضية الرئيسية مع الذنب ليست فقط الشعور بالذنب، ولكن المسؤولية الجنائية الفعلية. فإذا أدانك الله يوم الدينونة، فإن ذنبك يصبح أبديًا. وعقوبة الله النهائية على الخطية هي الانفصال الأبدي عنه في بحيرة النار (وهو ما يسمى “الموت الثاني”، راجع سفر الرؤيا 20 :14).
عادة ما ينكر الخطاة حاجتهم إلى غفران الله من خلال تقليل شأن قداسة الله وعدالته وتضخيم صلاحهم أو مزاياهم. فهم يعتقدون خطأً ما يلي “بالتأكيد الله محبة، والله المحب لن يرسل شخصًا جيدًا مثلي إلى الجحيم” لكن الكتاب المقدس واضح في أن الله قدوس وعادل. سيعاقب على كل الخطايا. ومحبته لا تعني أنه سيضع جانباً قداسته أو عدله. الكتاب المقدس واضح أيضًا في أننا أكثر خطية في محضر الله مما نتخيل. فلقد ولدنا منفصلين عن الله لأن ذنب آدم قد انتقل إلينا. وأضفنا بسرعة ذنوبنا إلى ذنب آدم! والذنوب اقترفناها من خلال انتهاك معايير الله المقدسة، عن طريق أعمالنا وأفكارنا.
كوننا انفصلنا عن الله، نحتاج إلى وسيط ليصالحنا معه. “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1 تي 2: 5). “هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ” (عب 9: 15). إذا سبق لك أن شاركت في نزاع قانوني، فقد يساعد الوسيط الجانبين على التوصل إلى اتفاق مرضي للطرفين. يستمع إلى شروط كلا الجانبين ويحاول التوصل إلى حل يرضي الجميع. فقد عرف المسيح قداسة الله المطلقة. وعرف أيضًا حمل الإنسان الكبير من الخطية. وقد أخذ جسداً بشرياً، وعاش بتوافق تام مع معايير الله المقدسة، ثم قدم نفسه ثمن الفداء الذي يتطلبه عدل الله. وبذلك أصلح بين الطرفين (راجع رسالة بولس الرسول الثانية لأهل كورنثوس 5: 18-21).
يتساءل الناس أحيانًا عن كيفية خلاص أولئك الذين عاشوا قبل المسيح. والجواب هو: لقد تم خلاصهم بنفس الطريقة التي خَلُصْنَا بها، من خلال الإيمان بدم المسيح المسفوك. فالذبائح التي قدموها ترمز أو تُصُوِّر ذبيحة المسيح الذي قدم نفسه كبديل عنهم. كتب إشعياء في (اش 53: 5- 6، 11) يقول: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا…. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا.“
وهكذا أرجأت ذبائح العهد القديم عقوبة الخطايا حتى دفع المسيح ثمنها. كان خلاص القديسين الذين سبقوا المسيح، إذا جاز التعبير، على الحساب حتى دفع المسيح الفاتورة. يقول بولس الرسول الشيء نفسه في رسالته إلى رومية (رو 3: 23-26) “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ.“
حقيقة أن كل إنسان هو خاطيء وبحاجة إلى غفران الله تعني أنه يمكنك تقديم البشارة بالإنجيل لكل شخص عالماً أن قوة الله للخلاص هي لكل من يؤمن. قد تشعر بالخوف لأن الشخص الذي تتحدث معه هو مثقف وذكي. فقد ينطلق إلى الفلسفة أو العلم لمحاولة إثبات عدم وجود الله. لا تخف. فقط ضع في ذهنك أن هذا الرجل هو خاطئ سيموت ويقف أمام الله القدوس. فهو يحتاج إلى وسيط ليصالحه مع الله قبل ذلك اليوم. ويسوع المسيح هو الوسيط الوحيد. ودمه المسفوك هو ثمن الفداء للخطاة الذين يؤمنون به.
-
طريقة الله الوحيدة لغفران الخطايا هي سفك الدم.
أصدر الله أمرًا أن “أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” (رو 6: 23). وفي سفر اللاويين (17: 11)، يشرح الله لماذا يجب أن يُراق الدم: “لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ.” إن عدل الله يتطلب سداد العقوبة، وهي الموت. وفي رحمته، يقبل موت بديل ملائم بدلاً من موت الخاطئ. فنظام الذبائح الحيوانية بموجب العهد القديم صور وأشار إلى المسيح، “حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يوحنا 1 :29). لاحظ ثلاثة أشياء:
-
الخطية تؤدي إلى الموت الجسدي والروحي:
لقد أخبر الله آدم وحواء أنه في اليوم الذي يأكلوا فيه من شجرة معرفة الخير والشر، سيموتون بالتأكيد (تك 2 :17). لكنهم أكلوا من ثمر الشجرة ولم يسقطوا أمواتاً في ذلك اليوم. ولِمَ لا؟ ففي اللحظة التي أكلوا فيها من ثمرة الشجرة ماتوا روحيا. ففي السابق، كانا يتمتعان بعلاقة حميمة مع الله، دون حواجز بينهم. ولكن على الفور تم عزلهم عنه وحاولوا إخفاء أنفسهم من محضره المقدس.
في ذلك اليوم نفسه، بدأت عملية الموت الجسدي. فعلى الرغم من تدبير الله وقصده، عاش هؤلاء البشر الأوائل لمئات السنين، ثم ماتوا جميعًا في النهاية. فلقد أصبحت أجسادهم عرضة للشيخوخة والمرض. الخطية أدت إلى الموت أيضاً من خلال القتل والحرب. فكل الفظائع القبيحة في العالم، سواء كانت ويلات المرض، أو فظائع الجريمة، أو الإرهاب، أو الحرب، أو الدمار البيئي لموارد العالم، هي نتيجة الخطية.
عندما قرأت قصصًا عن مرسلين يذهبون إلى قبائل وحشية حاملين بشارة الإنجيل، تعجبت من أن هذه القبائل لم تُبِد نفسها منذ قرون سابقة. فتاريخهم عبارة عن سرد طويل لقبيلة تعتدي على قبيلة أخرى، ثم تنتقم القبيلة الأخرى بطرق وحشية. ومن ثم تنتقم القبيلة الأولى وتستمر الدورة. والشيء نفسه يحدث، مع ذلك، في أماكن أكثر “تحضر” من العالم. فتاريخ العالم بأكمله هو تاريخ من المعارك حول الأراضي أو الموارد. رجال مغرورون يسيطرون على رجال مغرورين آخرين حتى يتم الإطاحة بهم. الخطية هي جذر لكل موت جسدي في العالم. وتؤدي الخطية أيضاً إلى الموت الروحي لكل إنسان بعيد عن الحياة مع الله.
-
الدم يُظهر الصورة الواقعية لثمن الخطية:
تتكرر كلمة “الدم” ست مرات في الآيات 18-22، بالإضافة إلى “الموت” أو “الموتى” ثلاث مرات في الآيات 15-17. هل فكرت يومًا في مدى دموية وفوضوية الديانة اليهودية؟ فقد تم رش كل شيء بالدم. وقد ذبح الكهنة عشرات وأحيانًا مئات أو آلاف الحيوانات على المذبح. وأخذوا أوعية مليئة بالدم ورشوها على المذبح. وتم حرق الجثث على المذبح، بحيث كانت الرائحة ثابتة وغامرة. أنا شخصياً لم أرَ أبداً ذبح ثور أو خروف أو ماعز. أقوم بشراء اللحوم المقطعة مسبقًا والمغلفة بالسلوفان في محل البقالة. فأن يتم نقلنا مرة أخرى ومشاهدة تقديم الذبائح في خيمة الاجتماع ستكون تجربة مروعة لمعظمنا. فالدم يُظهر الصورة الواقعية لثمن الخطية.
-
تم تدشين العهد القديم بالدم، لأن الموت هو عقوبة الله للخطية.
يذكر الكاتب في (عب 9: 19) تفاصيل غير واردة في نص سفر الخروج إصحاح 24، ولا يوجد ذكر كذلك للماعز أو الماء أو الصوف القرمزي أو الزوفا أو رش الكتاب. بينما تذكر نصوص أخرى بعض هذه الأشياء في طقوس أخرى (لاويين 1:10؛ 14: 4-6؛ عدد 19: 6، 18). فإما أن الكاتب يجمع بشكل عام كل هذه الطقوس معاً، لأنه يتعامل مع الموضوع الأصلي وهو أن جميع الأشياء في العهد القديم تم تطهيرها بالدم (حسب رأي كالفن وجون أوين). أو ربما يعتمد على التقليد الشفهي الذي كان جميع اليهود على دراية به. وعلى أي حال، فوجهة نظره هي “أنه وفقًا للقانون، يمكن للمرء أن يقول، أن كل الأشياء تقريبًا تم تطهيرها بالدم” (9 :22). وكان الاستثناء هو أن الرجل الفقير يمكن أن يقدم تقدمة من الحبوب بدلاً من الذبيحة الحيوانية (لا 5: 11-13). لكن الاستثناء لم يبطل القاعدة التي تقول “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ”. لقد كان الله يشير إلى أن الموت هو عقوبته المفروضة جزاء لخطايانا.
وهكذا فإن كل إنسان يحتاج إلى مغفرة الخطايا. وطريقة الله الموحدة لمغفرة الخطايا هي سفك الدم.
-
موت الرب يسوع المسيح دشن العهد الجديد بالدم:
دم الرب يسوع المسيح هو بالطبع كناية عن موته. فبينما كانت معاناة الرب يسوع الجسدية دموية ومروعة، فإن ما مر به روحياً هو الذي خلصنا من لعنة الشريعة. كما قال بولس الرسول، “لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ.” (2 كو 5: 21). فإن أسوأ عذاب احتمله المسيح على الصليب كان أن يتم فصله عن الآب لأنه يتحمل عقابنا.
في (عب 9: 16-17)، يستخدم الكاتب التشابه بين الوصية الأخيرة والعهد لإظهار أن المغفرة تأتي إلينا كورثة للمسيح وأن المغفرة تأتي إلينا من خلال دمه.
-
نحصل على الغفران كورثة للمسيح:
لكي تحصل على ميراث، يجب أن يتم تضمينك في الوصية، ويجب أن يموت الشخص صاحب الوصية. أولئك الذين يدعوهم الله (عب 9: 15) هم الورثة. لا ينصب التركيز هنا على الذين يدعون الله، ولكن على من يدعوهم الله. وبعبارة أخرى، هو مالك الميراث، وهو صاحب الوصية، وهو الذي يختار الورثة. لدى الله قائمة محددة، وليس صحيفة تسجيل. وبمجرد وضع الوصية، لا يتم تفعيلها حتى وفاة الموصي.
كلنا نعرف هذا المبدأ. راي ستيدمان في كتابه (ماذا يمكن أن يقوله الله أيضاً؟ [دار نشر جوسبيل لايت- ريجال]، ص 139) يروي كيف كان في اجتماع مع مجموعة من الناس حيث كان مدير مركز مؤتمرات مسيحي يشرح إجراءات توفير ممتلكات إضافية لتوسيع المركز. ووصف اتفاق عقده المركز مع أرملة، حيث سيقومون بدفع راتبًا سنويًا لها حتى وفاتها، على أن تنتقل ممتلكاتها إلى مركز المؤتمرات عند وفاتها. عند ذلك رفع رجل يده على الفور وسأل مازحاً: “ما أخبار صحتها؟” كان للسؤال مذاق سيء، لكنه يوضح الحقيقة أن الوصية لا قيمة لها للمستفيدين حتى وفاة الموصي.
لذا فإن السؤال الذي تحتاج للإجابة عنه هو، “هل سمعت دعوة الله في الإنجيل واستجبت بالإيمان بموت المسيح؟” لقد مات ليمنح فوائد الوصية للورثة. فإذا كنت وريثًا للمسيح من خلال الإيمان بدمه، فلديك منفعة الغفران التي أمّنها بموته.
-
الغفران يأتي فقط من خلال دم المسيح:
إذا لم يكن هناك غفران بدون سفك دم، فإن العكس صحيح أيضًا: مع سفك الدم، هناك غفران! كما رأينا في (عب 9: 9)، فإن ذبائح العهد القديم هذه لم تستطع أن تجعل المؤمن كاملاً في الضمير. لقد كُرِّست هذه الذبائح لتطهير الجسد، ولكن “لأنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!” (عب 9: 13- 14).
بالمنطق لا نقدر أن نربط رش الدم على الأشياء على أنه لتطهيرها (9: 13، 22)، بل بالأحرى على أنه لتلطيخها. فإذا كان لديك قميص جيد تلطخ ببعض الدماء، فأنت تعلم أنك بحاجة إلى تنظيفه بسرعة وإلا فإن قميصك سيصطبغ بشكل دائم بالدماء. لذا فإن أخذ الدم ورش الكتاب، والبشر، والخيمة، وجميع الأوعية المقدسة سيقوم منطقياً بتلطيخها، وليس تطهيرها.
لكن الطب الحديث (الذي لم يكن لدى العبرانيين القدماء أي علم به) كشف عن مدى دقة الحديث عن خاصية التطهير التي للدم. فلقد كتب الدكتور بول براند، المتخصص في علاج الجذام (مع فيليب يانسي، في كتاب المسيحية اليوم [2/18/83]، ص 13) حول كيف تم تصميم الدم ليقوم بتطهير الجسم من السموم والنفايات التي يتم بناؤها في الأنسجة:
لا توجد خلية أقل اتساعاً من الشعيرات الدموية، وخشية أن تتراكم المنتجات الثانوية السامة بها… فمن خلال عملية كيميائية أساسية لانتشار الغازات ونقلها، تقوم خلايا الدم الحمراء الفردية، التي تسير ببطء داخل الشعيرات الدموية الضيقة، بإطلاق شحناتها من الأكسجين الطازج وامتصاص النفايات (ثاني أكسيد الكربون واليوريا وحمض البوليك). ثم تقوم الخلايا الحمراء بتوصيل هذه المواد الكيميائية الخطرة إلى أعضاء يمكنها التخلص منها خارج الجسم.
وأكمل ليوضح كيف تعمل الرئتان والكليتان، بالإضافة إلى الكبد والطحال، على تنظيف الدم من هذه السموم للحفاظ على نظام أجسادنا نظيفًا وصحيًا. يمكن لكل خلية دم حمراء الحفاظ على تسلسل تحميل وتفريغ هذه المواد الكيميائية لحوالي ربع مليون دورة فقط. ثم يتم تكسيرها (خلايا الدم الحمراء) وإعادة تصنيعها بواسطة الكبد، بينما يطلق نخاع العظام خلايا حمراء جديدة لمواصلة العملية (حوالي أربعة ملايين خلية في الثانية الواحدة!).
صمم الله هذا كصورة جميلة لإظهار أنه مثلما يقوم الدم بتنظيف أجسادنا من السموم، فإن دم المسيح، الذي يسري في قلوبنا بالإيمان، يطهر أرواحنا من سم الخطية. وفيما يتعلق بالتطهير الروحي الذي نحتاجه، كتب أحد الأشخاص ما يلي: “لا يمكن لدم الحيوانات أن يطهر من الخطيئة لأنه غير أخلاقي. ودم الإنسان الخاطئ لا يستطيع أن يطهر لأنه فاسد. لكن يمكن لدم المسيح وحده أن يطهر لأنه أخلاقي” (استشهد به ويليام جريفيث توماس، في كتابه “الرسالة إلى العبرانيين: تفسير وعظي” [دار نشر إيردمان] ص 117-118). سُفك دم المسيح ليمنح التطهير من الخطية والمغفرة التي نحتاجها جميعًا. هل استخدمته لتطهر روحك؟ إنه طريق الله الوحيد لمغفرة الخطايا.
خاتمة:
تقول الأسطورة أنه خلال مرضه الخطير، جاء الشيطان إلى غرفة علاج مارتن لوثر (راهب ألماني، وقسيس، وأستاذ للاهوت، ومُطلق عصر الإصلاح في أوروبا)، ونظر إليه بابتسامة منتصرة، وربطه برباط ضخم، والذي انحل من تلقاء نفسه. قرأ لوثر في الرباط الضخم الطويل السجل المخيف لخطاياه، واحدة تلو الأخرى. في البداية، عانى من اليأس. ولكن فجأة صرخ لوثر: “شيء واحد نسيته. الباقي كله صحيح، ولكن هناك شيء واحد نسيته: “دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية” “وحينما قال لوثر ذلك، اختفى المشتكي على المؤمنين (الشيطان) ورباطه الطويل (بول تان، موسوعة 7،700 رسم توضيحي [دار نشر- أشورانس] ص480).
قال لوثر أيضًا (نقلاً عن ريتشارد تشارلز هنري لينسكي، كتاب “تفسير إنجيل يوحنا” [دار نشر -أوجسبيرج]، صفحة 130):
الخطيئة لها مكانان فقط؛ إما أن تكون معك، بحيث تقع على عاتقك، أو تكون على عاتق المسيح حمل الله. فإذا كانت تقع على عاتقك، فستهلكك؛ أما إذا كانت تقع على عاتق المسيح، فأنت قد تحررت وستخلص. خذ الآن أيهما تفضل.
إن غفران خطاياك لا يأتي إلا بدم يسوع المسيح. تأكد من أنك قمت بانسكاب دمه على قلبك بالإيمان!
أسئلة للمناقشة:
- لماذا يعتبر تكفير المسيح كبديل عنا لخطايانا عقيدة أساسية للإيمان المسيحي؟
- لماذا لا يوجد تطهير من الخطية إلا من خلال دم المسيح؟
- كيف تنصح شخصًا يقول إنه يؤمن بالمسيح، لكنه لا يزال يشعر بالذنب على خطاياه السابقة؟
- سأل أحدهم: “لماذا لا يستطيع الله أن يقول فقط” أنا أغفر لك؟ لماذا الحاجة إلى الدم؟” ما هو ردك؟
Lesson 26: Forgiveness Through Christ’s Blood (Hebrews 9:15-22)
https://bible.org/seriespage/lesson-26-forgiveness-through-christ%E2%80%99s-blood-hebrews-915-22?
الخطية الكبيرة – سي إس لويس
الخطية الكبيرة – سي إس لويس
الخطية الكبيرة – سي إس لويس
وصلت الآن إلى ذلك الجزء من الأخلاق المسيحية الذي فيه تختلف اختلافاً حاداً عن جميع المفاهيم الأخلاقية الأخرى. فثمة رذيلة ليس من إنسان في الدنيا براءً منها. وكل إنسان في الدنيا يعافها عندما يراها في أحد سواه، ولا يكاد قوم يتصورون أنهم مُذنبون بها، ما عدا المسيحيين حقا. وقد سمعت أشخاصاً يعترفون بأنهم سيئو الطباع، أو أنهم لا يستطيعون تمالك أنفسهم حيال النساء والشراب، أو أنهم جبناء أيضاً. إنما لا أظن أني سمعت يوماً شخصاً غير مسيحي أبدى رحمة تجاهها في الآخرين. وليس من نقيصة أخرى تجعل الإنسان أقل شعبية، ولا نقيصة أخرى نحن أكثر سهواً عنها في أنفسنا. وكلما تفاقمت لدينا نحن، كرهناها لدى الآخرين.
هذه الرذيلة التي أشير أليها هي الكبرياء أو الغرور. أما الفضيلة المعاكسة لها، في الأخلاق المسيحية، فتدعى التواضع. ولعلك تذكر أنني في معرض حديثي عن الأخلاق المتعلقة بالجنس نبهتك إلى أن النقطة المركزية في الأخلاق المسيحية ليس الجنس. وها نحن الآن قد وصلنا إلى المركز. ففي رأي المعلمين المسيحيين أن الرذيلة الأساسية، أو الشر الأقصى، هي الكبرياء. وما عدمُ العفة والغضب والجشع والسُّكر، وما شابهها، سوى قرصات براغيث مقارنة بها: فبالكبرياء صار إبليسُ إبليسَ، والكبرياء تُفضي إلى كل رذيلة أخرى، وهي التوجه الذهني المُعادي لله.
أيبدو هذا لك مُبالغاً فيه؟ إن كان هكذا، فأعد النظر في الأمر. لقد ذكرتُ قبل قليل أنه كلما تفاقمت الكبرياء لدى المرء كره الكبرياء لدى الآخرين. فبالحقيقة إذا أردت أن تعرف مدى كبريائك فأسهل طريقة أن تسأل نفسك: “كم لا يروقني الأمر حين يهملني الآخرون بازدراء، أو يرفضون إعارتي أي انتباه، أو يُملون عليّ آراءهم، أو يتعالون عليّ، أو يتبجحون ويتباهون؟” بيت القصيد أن كبرياء كل إنسان تُنافس كبرياء كل إنسان سواه. فلأني أردت أن أكون محطّ الأنظار في الحفلة انزعجت كثيرً من كون شخص آخر محط الأنظار. واثنان من أهل مهنة واحدة لا يتفقان أبداً.
فما ينبغي أن يتوضح لديك هو أن الكبرياء تنافسية في جوهرها، أي بطبيعتها، في حين أن باقي الرذائل تنافُسية عرضاً فقط، إن صح التعبير. فالكبرياء لا تنال لذة من حصولها على شيء، بل فقط من حصول المرء على مقدار منها يفوق ما لدى الإنسان الآخر. ونحن نقول إن الناس متكبّرون لكونهم أغنياء، أو أذكياء، أو وسماء، غير أنهم ليسوا كذلك. إنهم متكبرون لكونهم أغنى من الآخرين أو أذكى أو أجمل منظراً. فلو صار الجميع أغنياء أو أذكياء أو وُسماء، لما كان من داع إلى الكبرياء. ذلك أن المقارنة هي ما يجعلك متكبراً، إذ تُشعرك بلذّة كونك فوق الآخرين.
وما إن يزول عنصر التنافس، حتى تزول الكبرياء. لذلك أقول إن الكبرياء تنافسية في جوهرها، على خلاف باقي الرذائل. فإن الحافز الجنسي قد يُفضي برجُلين إلى التنافس إذا كانا يريدان المرأة عينها. ولكن ذلك ناشئ عن العرض فحسب، إذ كان يمكن كذلك تماماً أن يريدا امرأتين مختلفتين، ولكن رجلاً متكبراً من شأنه أن ينتزع منك فتاتك، لا لأنه يريدها، بل فقط كي يبرهن لنفسه أنه رجلٌ أفضل منك. وقد يدفع الجشع الناس إلى التنافس إذا شحّت الموارد؛ غير أن الإنسان المتكبر، حتى لو حصل على أكثر مما قد يحتاج إليه، سيحاول أن يحصل على المزيد بعدُ فقط كي يؤكد نفوذه. وتكاد جميع الشرور المنتشرة في العالم والتي يوجزها الناس بكونها من قبيل الجشع أو الأنانية أن تكون بالأحرى نتيجة للكبرياء.
ولننظر إلى هذا الأمر من زاوية المال، فالجشع سيدفع الإنسان حتماً لأن يطلب المال، لأجل بيت أفضل، وعطلات أمتع، ومأكل ومشرب أفخر. لكن ذلك يبقى ضمن حدود معينة. فماذا يجعل رجُلاً مدخوله السنوي عشرة آلاف جنيه تواقاً لتحصيل عشرين ألف جنيه في السنة؟ طبعاً، ليس الدافع هو الجشع لمزيد من المسرات. فالعشرة آلاف جنيه توفر للمرء كل تنعُّم يمكن أن يتمتع به فعلاً. إنما الكبرياء هي الدافع: الرغبة في أن يكون المرء أغنى من شخص آخر غنيّ، وأيضاً (أكثر من ذلك بعد) أن يكون ذا نفوذ. وذلك لأن النفوذ أو السلطان هو ما تستمتع به الكبرياء حقاً.
فليس ما يُشعر الإنسان بأنه أعلى مقاماً من الآخرين بكثير مثل قدرته على تحريكهم كما لو كانوا جنوداً دُمى. وماذا يجعل الحسناء تبثُ البؤس أينما ذهبت، حاشدة حولها المعجبين؟ طبعاً ليس الدافع غريزتها الجنسية، إذ أن امرأة من هذا النوع غالباً ما تكون باردة جنسياً. إنما هو الكبرياء! وماذا يجعل قائداً سياسياً، أو شعباً بكامله، يمضي قُدماً مُطالباً بالمزيد؟ هي الكبرياء أيضاً! فإن الكبرياء تنافسية بطبيعتها في ذاتها، ولذلك تمضي قدماً بغير حدود بادية. وإذا كنتُ إنساناً متكبراً، فما دام في العالم إنسان واحد أقوى منى، أو أغنى أو أذكى، يكون ذلك مُنافسي وخصمي.
إن المسيحيين على حق: فهي الكبرياء ما زالت علّة الشقاء الرئيسية في كل أمّة وكل عائلة منذ بدء العالم. فالرذائل الأخرى قد تقرّب الناس بعضهم من بعض أحياناً: إذ ربما وجدت صداقة طيبة وتنكيتاً ومودة مؤنسين بين السكارة أو غير الأعفاء. غير أن الكبرياء دائماً تعني العداوة، بل هي العداوة، ولي فقد العداوة بين الإنسان والإنسان، بل العداوة لله أيضاً.
وتجد في الله ما هو متفوق عليك تفوقاً لا حدود له من كل ناحية. وما لم تعرف الله بهذه الصفة (ومن ثم تعرف نفسك باعتبارك لا شيئاً مقارنة به) فلن تعرفه أبداً. فما دمت متكبراً، فلا يمكنك أن تعرف الله. ذلك أن المتكبر ينظر دائماً باستعلاء إلى الأشياء والأشخاص. وما دمت تنظر دائماً إلى تحت، فلا يمكنك أن ترى ما هو فوقك.
وهذا يُثير سؤالاً رهيباً: كيف يُعقل أن أناساً تنهشهم الكبرياء على نحو واضح يقولون إنهم يؤمنون بالله ويَبدون في نظر أنفسهم متدينين جداً؟ أخشى أن يكون هؤلاء متعبدين لإله من نسج خيالهم. فهم يعترفون نظرياً بأنهم لا شيء في حضرة هذا الإله الوهمي. ولكنهم في الواقع يتصورون كل حين كيف هو راض عليهم ومعتبر إياهم أفضل من الناس العاديين. ذلك أنهم يؤدون له قيراطاً من التواضع يستثمرونه في رطل من الكبرياء تجاه إخوانهم البشر.
وأظن أن مثل هؤلاء القوم كانوا في فكر المسيح لما قال إن بعضاً سيُبشرون به ويطردون شياطين باسمه إنما كي يسمعوا في آخر الدهر أنه لم يعرفهم قط. وأي واحد منا قد يكون في أي وقت عالقاً في شرك الموت هذا. إنما من الخير أن لدينا اختباراً: كلما تبين لنا أن حياتنا الدينية تجعلنا نشعر بأننا صالحون (وفي المقام الأول أننا أصلح من شخص آخر سوانا)، أعتقد أنه يمكننا أن نتيقن بأننا قد خُدعنا لا من قِبَل الله طبعاً، بل من قِبَل إبليس. فالاختبار الحقيقي لكوننا في حضرة الله هو أنك إما أن تنسى أمر نفسك كلياً وإما أن ترى نفسك هباءة صغيرة قذرة. والأفضل أن تنسى أمر نفسك كلياً.
إنه لأمر رهيب أن أسوء رذيلة على الإطلاق قد تنسل إلى قلب حياتنا الدينية بالذات. ولكن في وسعك أن تدرك السبب. ذلك أن الرذائل الأخرى، الأقل سوءً، تنتج من عمل الشيطان للتأثير فينا بواسطة طبيعتنا الحيوانية. ولكن هذه الرذيلة لا تنتج من طبعتنا الحيوانية أبداً. إنها تأتينا من جهنم مباشرة فهي روحية محض، ولذلك هي أدهى وأفتك بكثير. وللسبب عينه قد تُستخدم الكبرياء أحياناً لدحر رذائل أبسط. فالمعلمون، في الواقع، غالباً ما يركنون إلى كبريا الولد، أو كما يسمّونها: احترامه لذاته، كي يحملوه على التصرف بحُسن سلوك.
وما أكثر الرجال الذين تغلبوا على الجبن أو الشهوة أو حدة الطبع بتعلمهم أن يعتبروها مُهينة لكرامتهم، أي الكبرياء. ثم أن إبليس يضحك. فهو مبتهج تماماً بأن يراك تصير عفيفاً وشجاعاً وضابطاً لنفسك، على أن يُنصب في داخلك كل حين دكتاتورية الكبرياء. تمامً كما يسره أن يراك قد شفيت من مرض بسيط إذا سُمح له، مقابل ذلك، أن يُصيبك بالسرطان. ذلك أن الكبرياء سرطان روحيّ؛ إذ تنهش حتى إمكانية المحبة أو القناعة أو الفطرة السليمة أيضاً.
وقبل اختتام هذا الموضوع، ينبغي لي أن أُنبه إلى وجوب الاحتراس من بضع إساءات فهم محتملة:
1- إن سرور المرء بامتداحه ليس كبرياء. فالولد الذي تُربت كتفه لإبلائه حسناً في دروسه، والمرأة التي يمتدح حبيبها بجمالها، والنفس المخلصة التي يقول لها المسيح “نعِماً” جميعهم يُسرون، وينبغي لهم ذلك. إذ أن المسرة هنا لا تكمن في هويتك بل في حقيقة كونك جلبت سرور لشخص أردت أن تسرّه (وإرادتك لهذا في محلها). إنما تبدأ المشكلة حين تنتقل من التفكير: “لقد جلبت له السرور وكل شيء بخير”، إلى التفكير: “يا لي من شخص رائع إذ فعلت هذا! فكلما زادت مسرتك بنفسك وقل سرورك بالمدح، تصير أسوأ حالاً.
وعندما تبتهج كلياً بنفسك ولا تكترث للامتداح أبداً، تكون قد بلغت الدرك الأسفل. لذلك كان الغرور، مع أنه نوع من الكبرياء الذي يظهر أكثر الكل على السطح، هو بالحقيقة أقل أنواعها سوءاً وأكثرها قابلية للاغتفار. فالشخص المغرور يطلب الامتداح والإطراء والإعجاب طلباً يفوق الحدّ، ونجده كل حين يحتال للحصول عليها. وهذه غلطة، لكنها غلطة صبيانية، بل أيضاً متواضعة بطريقة غريبة. فهي تبين أنك غير راض كلياً بعد عن إعجابك الشخصي. فأنت تُقدر الآخرين تقديراً كافياً بحيث تريد منهم أن يتطلعوا إليك.
وهكذا ما تزال في الواقع بشرياً. إنما الكبرياء الشيطانية السوداء حقاً تحصل حين تنظر باستعلاء إلى الآخرين بحيث لا يهمك ما يفكرون فيك. طبعاً، صحيح جداً، وغالباً ما يكون من واجبنا، ألا نهتم بما يفكره الناس فينا، إذا فعلنا ذلك بدافع من السبب الصحيح، أي لأننا نهتم أكثر على نحو لا نظير له بما يراه الله فينا. غير أن الإنسان المتكبر يحدوه سبب مختلف على ألا يهتم.
فهو يقول: “لماذا يهمني استحسان أولئك الرعاع كما لو كان رأيهم لا يستحق أي التفات؟ حتى لو كانت آراؤهم ذات قيمة، أفأنا ذلك الرجل الذي يتورد خداه سروراً لدى إطراءة توجّه إليه، كما لو كنت فتاة خجلة ترقص رقصتها الأولى؟ كلا، فأنا شخص راشد مكتمل! فكل ما فعلته إنما فعلته لإرضاء مُثلي العليا الخاصة (أو ضميري الفني، أو تقاليد أسرتي)، أو بكلمة وجيزة: لأني فتى كريم ماجد! فإن راق الرعاع ذلك، كان به. إنهم لا شيء في نظري”. بهذه الطريقة قد تقوم الكبرياء الخالصة الحقيقية بدور كابح للغرور، لأن إبليس، كما قلت منذ هُنيهة، يحب أن “يشفي” علّة يسيرة بإعطائك علّة خطيرة. فيجب علينا أن نحاول ألا نكون مغرورين، إنما يجب ألا نستدعي كبرياءنا البتة كي تشفينا من غرورنا.
2- ينبغي التميز بين الفخر والكبرياء. فقد نقول إن المرء فخور بابنه أو أبيه، أو مدرسته أو فوجه. وربما نسأل: هل الفخر في هذا النطاق خطية؟ أعتقد ان الأمر يتعلق تحديداً بما نعنيه بالفخر. فغالباً ما يُستعمل الفخر هنا بمعنى الإعجاب القلبي الشديد. ومثل هذا الإعجاب بالطبع أبعد ما يكون عن كونه خطيّة.
إلا أنه قد يعني أن ذلك الشخص يصطنع الكِبَر على أساس أبيه الممتاز، أو لأنه ينتمي إلى فوجٍ شهير. فواضح أن هذا عيب. ومع ذلك، فمن شأنه أن يكون أفضل من كون المرء فخوراً بنفسه فحسب. فإن يروقك ويُعجبك أي شيء خارج نفسك هو أن تخطو خطوة واحدة بعيداً عن الخراب الروحي؛ مع أننا لن نكون بخير ما دام يرقنا ويعجبنا أي شيء أكثر مما نحب الله ونعجب به.
3- يجب ألا نحسب الكبرياء شيئاً يحظره الله لأنه يستاء منه، أو أن التواضع شيء يطلبه كواجب يؤدّى لجلالته، وكأن الله نفسه متكبر. فهو غير قلق البتة على كرامته. إنما بيت القصيد أنه يريد لك أن تعرفه، يُريد أن يُعطيك ذاته. وأنت وهو كائنان من نوعين مميّزين بحيث أنك إذا دخلت حقاً في أي تماس معه فلا بد أن تكون بالحقيقة متواضعاً، متواضعاً على نحو مبهج، شاعراً بالراحة اللامحدودة الناجمة عن التخلص نهائياً من كل ذلك الهراء التافه عن كرامتك بعدما أقض مضجعك وسبّب لك الشقاوة طوال حياتك.
فهو تعالى يسعى لأن يصيرك متواضعاً كي يجعل هذه اللحظة ميسورة؛ يسعى لأن يجردنا من كثير من الملابس التنكرية القبيحة التافهة التي لبسناها كلنا ورحنا نجول فيها متضايقين ونحن نبدو على حقيقتنا…. حمقى صغاراً. وأتمنى لو أنني أنا شخصياً تقدمت أكثر في مجال التواضع. فلو كان ذلك قد حصل لي، لربما أمكنني أن أكشف لك المزيد عن الراحة والفرج الناجمين عن خلع تلك الملابس التنكرية، أعني التخلص من الذات الزائفة بكل ادعاءاتها: “انظروا إليَّ!”، “ألست أنا فتى رائعاً؟” وكل استعراضها وموقفها وتوجّهها. ألا إن مجرد الاقتراب من ذلك، ولو قليلاً وإلى لحظة، أشبه بشربة ماء بارد لأنسان في صحراء!
لا تتصور أنه إذا قابلت إنساناً متواضعاً حقاً فسيكون ما يدعوه معظم الناس “متواضعاً” هذه الأيام: فلن يكون شخصاً من ذلك النوع الزلق المُتمسكن الذي لا ينفك بالطبع يقول لك أنه نكرة. وربما كان كل ما فكرت فيه من جهته أنه سيبدو شخصاً فطيناً مُستبشراً يهتم فعلاً بما تقوله أنت له. وإن كرهته فعلاً، فسيكون ذلك لأنك تشعر بشي من الحسد تجاه أمرئ يبدو أنه يتمتع بالحياة بمثل تلك السهولة. وهو لن يكون مفكراً في التواضع. بل إنه لن يكون مفكراً في نفسه البتة.
وإذا ودّ أحد أن يكتسب التواضع، فأظن أن في وسعي اطلاعه على الخطوة الأولى. فأول خطوة هي أن يدرك أنه متكبر. وهي خطوة كبيرة نسبياً أيضاً. فعلى الأقل، لا شيء على الإطلاق يمكن القيام به قبلها. وإن حسبت أنك غير مغرور، فذلك يعني أنك بالحقيقة مغرور جداً.
الخطية الكبيرة – سي إس لويس
كيف أرى الخطية؟
كيف أرى الخطية؟
الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة, لكي نموت عن خطايانا فنحيا للبر, الذي بجلدته شفيتم, لأنكم كنتم كخراف ضالة, ولكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها
بطرس الأولى 2: 24-25
تصور أن صديقاً وهبك قصراً جميلاً لتتمتع به, لكنه طلب شيئاً وأحداً قائلاً ” أرجوك أن لا تقفز من البرج لئلا تموت”, ثم أتى عدو إلى قصرك وقال لك: “من منعك من القفز؟ هيا اقفز حتى تشعر شعوراً رائعاً! وتختبر لذة الطيران, وتكون قادراً على رؤية قصرك من زاوية مختلفة, لا تقلق مما سيجري لك عندما تطأ قدمك الأرض, فكر فقط في الأشياء الجديدة التي ستتعلمها في طريقك إلى الأرض”.
هل ستسرع إلى أعلى البرج وتقفز؟ بالطبع لا, إنه من الحماقة أن تثق بعدوك وتعمل بما يقوله لك.
لقد مر آدم وحواء بإختبار مشابه, فقد وضعهما الله في جنة جميلة وأخضع لهما كل شئ, ثم ما لبث أن أتى العدو – الشيطان – وقال لهما أن يأكلا من ثمار الشجرة, وأوهمهما بأن ذلك لن يؤذيهما, فصدقا كلامه بدل أن يصدقا كلام الله ….ياللعجب!
وكما درسنا سابقاً, فقد خُلق الإنسان كاملاً, إلا أنه بموقف عصيانه دخلت الخطية إلى حياته, فما هي الخطية؟ وما هو قصاص الخطية؟ وهل هناك مفر من سلطانها؟
إن الآيات المأخوذة من الكتاب المقدس والواردة في هذا الدرس ستعطينا الإجابات ولتبق قصتنا التي قرأناها في أذهاننا, ولنحاول أن نوجد تعريف للخطية.
ما هي الخطية..؟
لا يمكن لأحد أن يقرأ الكتاب المقدس بكثرة دون أن يدرك عظم الأهمية الموجههة لموضوع الخطية وسببها وعلاجها.
يروي الفصل الثالث من سفر التكوين قصة الزوج البشري (آدم وحواء), فبعد أن وضع الله الزوجين الأولين في الفردوس وسخّر كل شئ لهما, إذ أعطاهما الحيوانات كي يسودا عليها والنباتات ليأكلا منها “ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً” (تكوين 1: 31) وكأن الله قد أعطاهما وصية “وأوصى الرب آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً, أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلا منها, لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت” (تكوين 2: 16-17). وهذه الوصية ستكون الأداة التي ستستخدمها الحية المجربة للإيقاع بآدم وحواء في شباك الخطية.
ربما يكون رد فعل البعض عندما يقرؤا هذا النص قراءة سطحية هو التعليق بالقول: لو لم تكن هناك وصية لما كانت خطية!
ويضيفون: لماذا أعطى الله مثل هذه الوصية؟ .. وهل ضاقت عينه بثمرة أكلها الإنسان؟
ولعل مبعث هذه الأسئلة هو أننا كثيراً ما نفكر بالخطية على أنها الجريمة والقتل ولكن الخطية في الكتاب المقدس تشير إلى أي شئ يعوزه كمال الله, ففي الرسالة إلى رومية 3: 23 (الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله), ومجد الله يتضمن فكرة الكمال المطلق, لذلك فالخطية هي التقصير عن الوصول إلى الهدف, وجميع الناس بهذا آثمون.
تذكر الخطية في الكتاب المقدس بالأساليب التالية:
1- أن الخطية هي عصيان على شرائع الله:
وهي أن يقول الإنسان لله: ” أنا لست أقل أهمية منك, وأرفض أن أحيا حسب أقوالك”. فالخطية هي التمرد.
قد تقول: ” ليس لأحد الحق في التحكم في بل سأعمل ما يحلو لي”.
أن الحدود التي وضعها الله لنا لها غرض اساسي, وهو مصلحتنا العليا, فالله يعلم مثلاً أن البغض والكراهية ترهقان الأعصاب وتسببان الصداع وأن الرغبة في الإنتقام تؤدي إلى حدوث قرحة بالجهاز الهضمي.
ومواقف كهذه تؤثر على الآخرين أيضاً وتؤذيهم والله أظهر محبته لنا بوضعه بعض الحدود أو الشرائع لحمايتنا, ونحن نخطئ عندما نتجاوز هذه الحدود, نقرأ في (1 يوحنا 3: 4) أن “كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضاً, والخطية هي التعدي” فهل يجوز إذاً أن افعل أي شئ بشرط أن لا يؤذي الآخرين؟
كلا؟ فكل شئ يكون شرعيا فقط أن كان ضمن الحدود التي وضعها الله, فقد نظن أن شيئاً ما لن يؤذينا أو يؤذي الآخرين فنخطئ الظن, والطريق الوحيد الآمن بالنسبة لنا هو إطاعة الشرائع التي وضعها الله.
2– والخطية هي أن نرفض دعوة الله إلى الحياة معه. في الحب…
فالله دائماً يدعو الإنسان إلى الحب, ولكن الإنسان حر في أن يقبل أو يرفض, وقد قال السيد المسيح عن أورشليم:
” يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها, كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها, ولم تريدوا” (متى 23: 37).
وهذه هي الخطية, فالخطية هي دائماً من نمط رديء, حب مخلوط بحب الذات, أو مجرد رفض الحب.. وذلك طوال حياتنا كلها.
3- والخطية هي أن نرفض التعهد إلى أقصى حد بخلق ذواتنا..
كأن نقول لأنفسنا وللآخرين دائماً (أنا كده ..!!) فنتخذ من اللامبالاة موقفاً ثابتاً لنا تجاه أنفسنا, بل وأيضاً تجاه اخوتنا (كل البشر).
وطاعة الوصية ما هي إلا قبول التعهد الكامل مع الله بأن نحيا وصاياه وقال لهم : “اثمروا واكثروا وأملأوا الأرض..” (تكوين 1: 28). بل أننا نشوه هذا الخلق (شهواتنا..وأعظمها الإمتلاك), أن نخلق ذواتنا لأنفسنا ناسين إخوتنا (أنانية وكبرياء) وذلك بأن نتجاهل كلمة الله لنا حيث تعلن لنا: ” أن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي فقال لهما أحدكم: امضيا بسلام, استدفئا واشبعا ولكن لم يعطيهما حاجات الجسد فما المنفعة ” (رسالة يعقوب 2: 15-16)
وأيضاً ” نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لإننا نحب الأخوة, من لا يحب اخاه يبق في الموت, كل من يبغض اخاه فهو قاتل نفس, وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة ابدية ثابته فيه, بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الأخوة, أما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجا وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه, يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق., وبهذا نعرف أننا من الحق ونسكن قلوبنا قدامه ” (رسالة يوحنا الأولى 3: 14-19).
4- الخطية هي رفض الإعتراف بأن الله هو الغاية العليا لكل فرد, لكل العالم, ورفض اكرامه.
هي أن نجعل أنفسنا آلهه مكان الله, وذلك إذا فكرنا فقط في ذواتنا واتخذنا لنا ما يجب أن يكون للآخرين وله, وهي أن نجعل أنفسنا مركزا للعالم, فنعوق هكذا نمو البشر جميعاً والخلق أيضاً, وأن نخلق الشقاق في العالم ونجعله يتعثر في طريقه نحو غايته.
من كل ما سبق نجد أن الخطية ما هي إلا حالات الرفض, وحالات الرفض هذه ما هي إلا حالات حب فاشل تحيط الإنسان والعالم. لأنها تضعها خارج خطة الله الآب, وهي التي (أي خطة الله الآب) تهدف إلى جمع كل شئ في الحب لإنه لا يوجد في العالم إلا قوتان:
* قوة انتشار نحو الله ونحو الآخرين وهي الحب.
* وقوة تقهقر نحو الذات وهي الأنانية والكبرياء وكل الخطايا الأخرى التي ليست إلا ظواهر خاصة بمسعى هذا الإنسحاب الذاتي. الذي يرتكز على الأنانية.
ملخص تعريف الخطية:
الخطية هي أي موقف من مواقف عدم المبالاة أو عدم الإيمان أو العصيان لإرادة الله المعلنة في الضمير أو في الناموس أو في الإنجيل, سواء ظهر هذا الموقف في الفكر أو في القول أو في الفعل أو في الإتجاه أو في السلوك.
والآن وقد وجدنا تعريفاً محدداً للخطية لنا أن نسأل:
ما هو مصدر الخطية..؟!
الشيطان مصدر الخطية
لقد أغوى الشيطان الإنسان ليخطئ, واستسلم الإنسان لهذا الإغواء. والكتاب المقدس يقدم لنا وصفاً رمزياً لهذا الإغواء, حيث نقرأ في (تكوين 3: 1) ” أحقا قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة” وهنا ينبغي لنا أن نسأل: هل هذا الإدعاء صحيح؟ في واقع الأمر هذا كلام دخل عليه تحريف وتزوير, وما قاله الله يختلف عما قالته الحية! (والتي هي هنا رمز الشيطان) وما قاله الله بالحقيقة ” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلا منها,لأنك يوم تأكل منها موتا تموت” (تكوين 2: 16-17).
نلاحظ بأن الفارق بين كلام الله وكلام الحية هو كبير. اذ أن الحية تضع لا تأكل في بداية الكلام, فالله يبدو للوهلة الأولى المحرم الذي يمنع عن الإنسان خيراته, في حين أن البداية هي العطاء: ” من جميع شجر الجنة تأكل “, والحية تشوه الحقيقة وتشوه صورة الله, فالوجه المعطي يصبح وجهاً مُحَرِّماً, وكم من الناس خدعوا بالحية وبقيت صورة الله مرتبطة في أذهانهم, بصورة الذي يمنعهم من التمتع بالحياة ويحجب عنهم صورة الله محبة فيحل الخوف والشعور بالذنب مكان الإنطلاق والفرح والرجاء.
والحية لا تكتفي بهذا فقط, بل أنها تخطو خطوة أخرى على طريق زعزعة الثقة وزرع الشك بين الله والإنسان, ونتناول هذه المرة مقاصد الله وغايته من الوصية, فتقول لحواء: ” لن تموتا, بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر “.
كلام الحية هذه المرة يهدف إلى إثارة الشكوك في نوايا الله الحقيقية وفي موقفه من الإنسان الذي خلقه فمقصد الله من الوصية ليست حماية الإنسان من الموت “لئلا تموتا” بل حماية الله من الإنسا
فالله يمتلك امتيازات ومعارف يريد إبعاد الإنسان عنها وعدم مشاركته فيها, أنه يريد الإحتفاظ بها لنفسه, أن الله يريد منع آدم وحواء من أن يصيرا “كالله” فالغيرة والحسد يدخلان في العلاقة بين الإنسان والله… الله يحرص على ما يملك من إمتيازات, والإنسان يشتهي ما عند الله, ويسعى إلى إمتلاكه, وهذا ما يجعله يكذب ولا يقول الحقيقة, فنتيجة المعصية ليست الموت كما يدعي الله, بل المعرفة التي تجعله مساوياً له” لذا فهي (أي الحية) تقول: ” لن تموتا …تكونان كالله”.
فهل هذا الإدعاء صحيح أم أن المجرب (إبليس) ” أبا الكذاب” يسقط على طبيعته بالذات؟
إذا عدنا إلى الفصل الأول من سفر التكوين نجد نقيض هذا الإدعاء, إذ خلق الله الإنسان على صورته ومثاله: ” فخلق الله الإنسان على صورته, على صورة الله خلقه, ذكراً وأنثى خلقهم ” (تكوين 1: 27).
أن الله لم يخلق الإنسان كسائر المخلوقات, فالإنسان مخلوق على صورة الله – أن جاز لنا التعبير – خلقه شبيهاً به, وليعطيه حياته الإلهية بالذات, هذه القرابة التي تحول الإنسان إلى شريك لله, هذا هو مشروع الله الأساسي ” كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى..لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية ” (2 بطرس 1: 3-4), فالله يدعونا إذاً لنصير شركاء معه, وهذه الشراكة ليست شراكة في الخيرات أو الممتلكات, بل “بذاته الإلهية” وتحقيق هذه الشراكة يبقى مشروع الله حيال الإنسان, وإكتمال هذا المشروع بتجسد الله الإبن (يسوع المسيح).
أن الشيطان هو الذي جلب الخطية إلى العالم, لكن هذا لا يبرئ الإنسان ولا يعفيه من المسئولية. كان على آدم أمام إغواء الشيطان, كان عليه أن يتمسك بالمحبة, بالوجود الدائم مع الله ونحن نعلم أن الإغواءات لا تأتي من الله, كما جاء في (يعقوب 1: 13-14) ” لا يقل أحد إذا جرب أني أجرب من قبل الله, لأن الله غير مجرب بالشرور وهو لا يجرب أحداً).
إذا فابليس (والذي رمزه في الكتاب المقدس “الحية القديمة”) هو مصدر الخطية, ولكن ما هي نتائج الخطية؟!
نتائج الخطية:-
يقول القس الياس مقار في كتابه إيماني: وفي قصة خيالية أن أحدهم تصور نفسه وكأنه يقف إلى جانب أمنا حواء عندما مدت يدها لتأخذ الثمرة المحرمة من شجرة معرفة الخير والشر, وإذا به يصيح:
أي أمنا حواء! انك لا تعلمين ماذا تفعلين؟ إنك لا تعلمين بأنك ستقودين موكب البشرية بأجمعه إلى بحار من الدم والدموع والعرق والتعاسة والشقاء, أن الملايين من أبنائك سيصرخون في شتى العصور والأجيال من وراء هذه الأكلة صرخات الوجع والتلم والعار, في أنين مروع وحزن رهيب, بل هلا ذكرت أكثر من هذا منظر ابن الله في جثسيماني وهو منبطح على وجهه ينضح بالعرق الممزوج بالدم حيث كان عليه أن يتحمل آلام الورى وتعاسات الناس!؟ وهلا عرفت آخر الأمر بأن فريقا من أبنائك سيقضي عليه في عذاب دائم إلى أبد الآبدين!؟.
أي أمنا حواء كفّي يدك عن أكل الثمرة!
غير أن حواء أكلت واعطت زوجها فأكل! وسقط الجنس البشري كله بالتبعية من جراء هذا السقوط.
الخطية تحدث تبدلاً وتغييراً في الوجود الإنساني, إذ تخلق وضعاً انسانياً جديداً يحرفه عن وضعه الأصلي, وهكذا ينقسم زمن الوجود الإنساني إلى زمنين: زمن ما قبل الخطية وزمن ما بعدها, والفرق بين الزمنين هو ثمرة الخطية.
كما أن هذا الفرق يشير إلى أن الوضع البشري الحالي الخاطئ لم يكن عند انطلاق البشرية ولا يدخل في بنية الخطيئة والشر والموت في العالم.
فإذا أردنا أن نفهم لما تتآمر أمة على أمة, ولماذا تنقسم العائلة على نفسها, ولماذا تمتلئ صحفنا بأنباء العنف والإجرام والبغضاء, فلا بد لنا من الرجوع من جديد إلى البداءة لنرى القصة التي يرويها الفصل الأول من سفر التكوين عن آدم حينما كان في جنة عدن.
يظن بعض الناس أن قصة الخلق, كما يرويها الكتاب المقدس ليست سوى خرافة قد يصدقها الأطفال! لكنهم مخطئون في ما يزعمون, اذ أن ما يرويه الكتاب المقدس هو صادق كل الصدق. فهو يروي لنا بأمانة ودقة ما حدث بالفعل في أول الأمر, ثم يروي لنا كيف, ولماذا مضى الإنسان في سيره منذ تلك اللحظة في طريق الدمار والخراب.
خلق الله هذا الكون كاملاً لا نقص فيه ولا علة. خلقه كامل الجمال والإنسجام….ونحن اليوم نتوق إلى ذلك العالم.
في هذا العالم الكامل وُضع الإنسان كاملاً, وهل يعقل أن يصنع الله شيئا إلا كاملا؟! ثم سكب الله في آدم اعظم الهبات وأثمنها, وهي الحرية, حرية الإختيار. كان آدم كامل النضوج في جسمه وعقله, سائراً مع الله ومتمتعاً بالشركة المباركة معه. وكان من المقرر أن يكون ملكاً على الأرض يحكم وفق إرادة الله.
في جنة عدن نرى سمو حالة الإنسان الكامل, الإنسان الأول الذي تفرد بين سائر مخلوقات الله بهبة الحرية, حرية كاملة. فله أن يختار وله أن يرفض, له أن يطيع وصايا الله وله أن يعصيها, له أن يسعد نفسه أو يشقيها. ولكن مجرد إمتلاك الحرية لا يكفي لإسعادنا, وإنما ما نختار فعله بحريتنا هو الذي يقرر ما إذا كنا سنجد أم لا السلام مع أنفسنا ومع الله.
هذا هو جوهر المشكلة لأنه حالما توهب الحرية للإنسان يجد نفسه مخيراً بين طريقين اثنين. إذ لا معنى للحرية إذا كان هناك طريق واحد لاتباعه, الحرية تتطلب أن يمتلك المرء حق الإختيار وحق تقرير ما ينوي أن يفعله.
نعرف رجالاً ونساء ذوي استقامة وأمانة ولكن ليس ذلك منهم عن اختيار حر, لأنه لم تتح لهم الفرصة ليكونوا غير ما هم عليه. وكثيراً ما يفتخر الناس بأنهم طيبون, بينما هم في الواقع مدينون في صلاحهم إلى البيئة المحيطة بهم, وإلى نمط الحياة التي يحيونها. وكيف نفاخر بمقاومة التجربة إذا لم نواجه أية تجربة؟!
وقد اعطى الله آدم تمام الحرية ليختار ما يشاء, كما هيأ له افضل فرصة ليمارس تلك الحرية. العالم كافة كان خاضعا له رهن اشارته, وتاريخ البشرية كان في قبضة يديه, اشبه بصفحة ناصعة البياض, ينتظر أن يخط عليها آدم الفصل الأول…وجاءت التجربة العظيمة التي كانت بمثابة اختبار لادم الذي كان له ملء الخيار والحرية في اختيار السبيل الخطأ. ولم يكن أمامه سبيل واحد لابد من اتباعه, بل كان أمامه سبيلان, وقد اختار أحدهما بمحض ارادته.
لقد جرى اختياره فتحمل نتائج ذلك الإختيار ووضع النموذج الذي كان لابد للإنسانية من اتباعه ” بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة ” (رومية 5: 18).
وما اشبه آدم بالينبوع الذي انبثقت منه الإنسانية بأسرها. وقد كان بإمكان ذلك الينبوع الصافي الرقراق أن يختار مصيره بين أن يصبح نهرا صافيا يجري بين المراعي الخضاء المخصبة ليرويها وينعشها, أو أن يصبح نهرا موحلا قذرا يتسرب بين الصخور القاسية, منحدرا في الفجوات والكهوف المظلمة, فيصبح هو نفسه شقياً كما يصبح عاجزاً عن حمل الفرح والقدرة على الإخصاب لما يمر به من الأماكن والأراضي.
لايجوز أن نلوم الله بسبب ما نراه في العالم من فوضى واضطراب مستعصيين لأن الغلطة ترجع في أصولها إلى آدم وحده. فقد مُنح حق الإختيار في أن يصغي إلى أكاذيب الشيطان, أو أن يصدق قول الله.
ويتخلص تاريخ الجنس البشري منذ ذلك اليوم حتى الآن في محاولاته لاستعادة الوضع الذي خسره بسبب سقطة آدم.
قد تقول في نفسك: ” إن هذا ليس من الإنصاف في شئ! فما جنينا نحن حتى نتالم؟ هل ينبغي أن نتالم اليوم لمجرد أن الإنسان الأول قد أخطأ منذ عهد بعيد؟ ولماذا لم يتمكن الإنسان من التخلص من تلك الحالة وإستعادة وضعه الذي كان فيه؟ ولماذا نستمر نحن في تحمل الجزاء يوما بعد يوم؟”
لنعد ثانية إلى قصة النهر البارد المظلم الذي يجري أسفل الممر العميق بين الفجوات والكهوف. لماذا لا يستطيع ذلك النهر أن يرجع ويصعد إلى الحقول المبهجة الممتدة فوقه؟ ولماذا لا يترك طريقه المحزن وينقلب إلى جدول خرار كما كان عندما انبثق من الأرض لأول مرة؟
أنه لا يفعل ذلك لأنه لا يستطيع. وهو لا يمتلك بذاته القدرة على أن يفعل خلاف ما اعتاد أن يفعله دائماً. فما أن انحدر إلى ممره المظلم مرة حتى لم يعد بوسعه الإرتفاع إلى الأراضي المشرقة الممتدة فوقه. فالوسيلة للإرتقاء متوفرة, وكذلك الطريق, لكن النهر لا يعرف كيف يستفيد منها. ولا شك أن ذلك يتطلب حدوث معجزة. أن تلك المعجزة اللازمة مهيأة دائماً وهي كفيلة بتحويل نهر الإنسانية من الشقاء الذي يسير فيه لتجعله يسير مرة أخرى في مجرى السلام الدافئ المتالق, لكن النهر لا يرى ولا يسمع, وهو يظن أنه لا يستطيع سوى الإستمرار في طريقه الملتوي إلى أن يتلاشى اخيراً في بحر الدمار.
وقصة النهر هي قصة الإنسان منذ عهد آدم. فما زال يتمادى في مسيره بين الفجوات والكهوف مستمراً في انحداره نحو الظلمة المرعبة. ونحن أنفسنا بالرغم من أصواتنا التي تصرخ طالبة النجدة, مانزال نختار بمحض حريتنا الطريق الخطأ كما فعل آدم. وحين يدركنا اليأس والقنوط نلتف إلى الله وننحي باللائمة عليه بسبب مشكلتنا المستعصية, ونشك في حكمته وقضائه, وننتقص من رحمته ومحبته.
الإصحاح الثالث من سفر التكوين (وهو الكتاب الأول من التوراة), نتائج الخطية:-
1– فقد الإنسان بفعل الخطية شفافيته وعلاقته الآليفة والصداقة بالله, وحل محلها الخوف والإنطواء على النفس..
فبعدما تناول آدم وحواء من الثمرة ” انفتحت أعينها وعلما أنهما عريانين” (تكوين 7:3) وهذا العري يولد الخوف ” سمعت صوتك في الجنة فخشيت لإني عريان فأختبأت ” (تكوين 10:3), مع أن حالة العري هذه ليست جديدة, ولكن الخطيئة أحدثت تغيراً في نظرة الشريكان الأولين أحدهما نحو الآخر, وفي نظرتهما نحو الله, ” وكانا كلاهما عريانين آدم وأمراته وهما لا يخجلان ” (تكوين 25:2).
وأول ما يسرع الإنسان إلى فعله هو ستر عريه كي يحمي نفسه من الآخر: ” فخاطا أوراق تين وصنعا لإنفسهما مآزر ” (تكوين 7:3), فالعري ما قبل الخطية لم يكن مدعاة للخجل أو الإضطراب, لان النعمة كساء لهما, وحالة النعمة هي الوضع الطبيعي للإنسان, أي هي حالة الألفة والإنسجام مع الآخر, ولكن الخطية أضعفت هذه الحالة الكيانية بين الله والإنسان, بل بين الإنسان وذاته!
نعم فالضعف يربك العلاقات الإنسانية ويدفع البشر إلى الناتج وهو تكوين حواجز دفاعية من الآخرين, وإنتحال أقنعة مختلفة لستر هذا النقص الأساسي الناتج عن ابتعاد الإنسان عن مصدر حياته ووجوده, كما أن الخجل هو تعبير عن حالة إنطوائية, فيتقوقع الإنسان على ذاته باحثاً عن صورته في وجه الآخر بدلا من أن يعكس له وجه الآخر صورة الله.
إن العري الإنساني يكشف درجة إنخداع الإنسان وانطلاء الحيلة عليه, فالبون شاسع بين وعد الحية ” تنفتح أعينكما وتكونان عارفين الخير والشر ” (تكوين 5:3) وحالة العري التي انفتحت أعينهما عليها.
2– التعالي عن رؤية الذات الخاطئة وإلقاء تبعتها على الغير..
فآدم يتهم إمراته ويمس اتهامه الله ذاته: ” المرأة إلى جعلتها معي هي اعطتني من الشجرة فأكلت ” (تكوين 12:3), فهو يتهم الله لإنه اعطاه شريكه لحياته.
والمرأة تتهم الحية التي أغوتها. فحين لا يعترف الإنسان بخطيته فإنه سيلقي تبعتها بالضرورة على الآخر, والباحث بإستمرار عن القذي في عين أخيه هو المتعامي عن الخشبة التي في عينه.
3– العقاب في ذات وظائف الإنسان (الرجل والمراة)..
فالمراة تصاب بوظيفتها الأساسية وهي نقل الحياة بالولادة: ” وقال للمرأة: تكثيراً أكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين أولاداً “
كما تصبح علاقتها بالرجل علاقة انقياد وسيطرة ” وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك ” (تكوين 16:3). أما آدم, فيمس بوظيفته الأساسية وهي العمل, فالعمل ليس عقاباً على الخطية كما يتصور البعض. إذ وجد قبل الخطية: ” وأخذ الرب آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها ” (تكوين 15:2), لكن العمل بعد الخطية يترافق بالمشقة والعرق: ” ملعونة الأرض بسببك, بالتعب تأكل كل أيام حياتك, وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الحقل ..” (تكوين 3: 17-18).
وواضح للعيان بأن حياة الإنسان الآن ما هي إلا صراع وعناء شديد من اجل البقاء.
إن هذه الرواية التي يقصها الكتاب المقدس عن تجربة آدم وحواء لا تهدف إلى تصوير ما جرى من الأحداث في الماضي السحيق فوراء هذه الصور والرموز تكمن حقائق وأسئلة أساسية موجهه إلى الإنسان, ذلك لإن الحقائق حاضرة في كل زمان ومكان.
أن ما شغل ويشغل الأجيال المتلاحقة من البشرية هو التساؤل عن مصدر الشر والخطية, ولماذا الألم والموت. ولماذا العذاب والمشقة, والكتاب المقدس يقدم الإجابة عن هذه التساؤلات المصيرية, يؤكد أن الله ليس مسئولا عن الخطية والموت والألم في العالم, لإنه معطي الحياة, بل هو نصير للإنسان في صراعه مع قوى الموت والخطية, وإذا كان الله منزهاً عن الخطية والموت, فمعنى ذلك أن الإنسان مسئول خاصة عن ذلك, والكتاب المقدس يربط بين الخطية وحرية الإنسان وعظمته وفي الوقت نفسه بؤسه, أنه في حالة اختيار ومدعو إلى اختيار الحياة.
تمرين للتطبيق
اقرا مرة اخرى الفقرة السابقة (مع قراءة الإصحاحين الثاني والثالث من سفر التكوين) واكتب باسلوبك انت ..
* ما تحدثه الخطية من تبدل وتغير في الوجود الإنساني
* نتائج الخطية
هل التعرض للتجربة خطية ..؟!
ليس التعرض للتجربة خطية في ذاته, فحتى الرب يسوع قد تجرب من قبل إبليس, لكنه لم يخطئ ابداً, حتى وإن كنا نشعر بشئ من التلوث بعد تعرضنا للتجربة, لكن علينا أن نتذكر أن التجربة في ذاتها ليست خطية, ولكن الخطية تأتي عندما نضعف أمام التجربة.
كم كان سيختلف حال العالم لو لم يستسلم آدم للتجربة والإغواء. وينبغي أن نعلم بأن قصاص الخطية في يومنا هو نفس القصاص الذي نالاه آدم وحواء, أي الموت والآية الواردة في (رومية 12:5) تخبرنا: ” وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس ” وأيضاً نقرا في (رومية 23:6) ” لان أجرة الخطية هي الموت “, وبالطبع لا يموت الخاطئ جسديا في اللحظة التي يرتكب فيها الخطية, بل على العكس, فأحيانا يبدو أنه آل إلى الأفضل, لكن رغم ذلك فالموت يأخذ طريقه إليه, وأخيراً سوف لا يموت جسدياً فقط بل روحياً أيضاً, والموت الروحي يعني الإنفصال الأبدي عن الله.
تمرين للتطبيق
اختر الإجابة المكملة لكل جملة في التمارين الآتية, ضع دائرة حول الحرف المقابل لاختيارك.
دخلت الخطية العالم
- عن طريق الشيطان الذي يخطئ من البدء.
- لان آدم استسلم لإغراء الشيطان.
ج) عندما تعمد آدم عصيان الله.
بما أن الخطية دخلت العالم:
- لم يعد الشيطان بحاجة لإغواء أحد.
- فالجميع خطاه ومعرضون للسقوط في التجربة.
ج) أصبح هناك موت جسدي وموت روحي أيضاً.
اكتب رايك في هذا القول:
ليس لنا ذنب في خطية آدم, وأيضاً ” الله غفور رحيم”
الحية المجربة
تنسب بعض الديانات القديمة كالمانوية وجود الشر في العالم إلى مبدأين يقوم عليهما الكون:
المبدأ الصالح, وهو إله الخير. والمبدأ االشرير, وهو إله الشر.
هذان المبدأن هما في حالة صراع مستمرة ويتخذان من الكون ساحة للصراع بينهما. ففي المخلوقات يختلط الشر بالخير, والخلاص يكون بالخروج من العالم الروحي اللامادي للتحرر من الشر والدخول في العالم الروحي اللامادي.
لكن الكتاب المقدس لا يعترف إلا بوجود إله واحد كلي المحبة والخير, ويفسر وجود الحرية والإختيار عنده. أن الحرية تفترض إمكانيه الإنزلاق نحو الشر, وإلا لساد القهر والجبر أفعال الإنسان وتصرفاته, وما دام الشر مرتبطاً بالحرية والإختيار, فمعنى ذلك أنه دخيل على العالم وليس اساساً فيه. فالحرية, كقوة اختيار وتغيير, تنفي عن الإنسان مبدأ الضرورة في المجال الأخلاقي, ومثلما يقع الإنسان في الشر بسبب خيار خاطئ, فهو يستطيع الخروج منه بتصحيح الإختيار.
لذلك لا يتمتع الشر بصفة الوجود بحد ذاته, ولا ينتمي إلى بنية الخلق الأساسية. إنه متطفل عليها, ولكن كما رأينا أن الإنسان إنزلق إلى الخطية بفعل الغواية, لذلك ليس مسئولاً مئة بالمئة عن خطيئته, فهناك التاثيرات الخارجية, والحية تلعب دور هذا المؤثر الخارجي, وهي تمارس تأثيرها بالحيلة والغواية: ” الحية غرتني فأكلت ” (تكوين 13:3). الحية كما رأينا تشوه الحقائق وتزيفها. إنها الحيلة والخداع, إنها بناء وهمي يقوضه النور, فلذلك تحب الظلمة.
لكنها تمارس عملها بالغواية المرتبطة بضعف الإنسان وسعيه الدائم لملء نقصه الأساسي ككائن مخلوق بالأشياء والممتلكات والملذات, في حين أن الذى يملأ هذا النقص هو الله. فالغواية هي إقناع الإنسان عن طريق الحيلة بأن هناك أشياء يمكنها ملء هذا النقص الأساسي فيه عوضاً عن الله.
والتجربة تستند إلى نفاذ صبر الإنسان ومحاولته سد هذا النقص باللحظة الآنية. التجربة هى إلغاء للزمن وبالتالي إلغاء للوعد الذي تحمله كلمة الله, وهو الوعد الذي يفتح أفق المستقبل, في حين أن وعد المجرب آني يجعل من العلاقة بالآخ علاقة استهلاكية. أما العلاقة الحقيقية فتتطلب احترام الآخر لذاته لا السعي لإستملاكه وإستهلاكه. فالخطية هي ثمرة إنزلاق الإنسان نحو علاقة استملاكية بالله والمخلوقات تحت تأثير غواية الحية.
إن الحية تبقى نزعة شر خارجة عن الإنسان, لكنها لا تبلغ الوجود إلا من خلاله, إذ يعطيها إمكانية تجسد فى العالم, ولكن عندما يغلق الإنسان أذنيه وقلبه عنها فهي تفقد صفة الوجود. لذا فإن طبيعة الشر طفيلية لا تعيش إلا بالإستيلاء على إرادة الإنسان وحريته عن طريق الحيلة والخداع. إنها تحول قلب الإنسان إلى ساحة صراع فتخلق فيه الإضطراب والقلق وتفقده السلام الداخلي.
لكن الله لا يترك الإنسان وحيداً في هذا الصراع, والمخلص جاء لينقذ الإنسان من هذه القوى, فينتصر عليها في نهاية المطاف. ويصور الرسول يوحنا في رؤياه هذا الانتصار بقوله ” ورأيت ملاكاً نازلاً من السماء معه مفاتيح الهاوية, وسلسلة عظيمه على يده. فقبض على التنين, الحية القديمة, الذي هو إبليس والشيطان, وقيده ألف سنة وطرحه في الهاوية وأغلق عليه ” (رؤيا 12:2). وهذا الإنتصار نرى جذوره في الوعد الذي أعطاه الله منذ لحظة السقوط, إذ تحل لعنة الرب على الحية وحدها:
” فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا, ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية ” (تكوين 14:3). كما أن الصراع الذي يخوضه الإنسان مع الحية المجربة يحمل في طياته رجاء الإنتصار, وتحمله البشرية من جيل إلى جيل: ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها, هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه ” (تكوين 15:3). فالجرح الذي يصيب الإنسان في عقبه له دواء, في حين أن رأس الحية المسحوق لا شفاء له. هذا الرجاء سيحققه آدم الجديد للإنسانية التي تنتظر تحررها من عبودية الخطية, كإنتظار الولادة الجديدة التي تحمل في آلام مخاضها ساعة خلاصها:
” فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن وليس هكذا فقط, بل نحن الذين لنا باكورة الروح, نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا, متوقعين التبني فداء أجسادنا ” (رومية 8: 22-24).
فإذا كان آدم القديم قد جمع البشرية فى الخطية, فإن آدم الجديد يجمعها في الخلاص. لذلك فقصة السقوط الأول ودخول الخطية إلى العالم لا ندرك حقيقتها إلا في ضوء الخلاص الحقيقي الذي حققه يسوع المسيح.
والولادة الجديدة هي الإنتقال من حالة آدم القديم إلى حالة آدم الجديد, والله لا يخلص البشرية بمحو البشرية القديمة, بل بإخراجها من البشرية القديمة.
فبين البشريتين يقف المسيح كجسر يدعو كل إنسان إلى العبور به.
الحل لمشكلة الخطية:
هل تتذكر القصة التي بدأنا بها هذا الدرس؟
لابد للشخص الذي يقفز من برج القصر أن يموت ولكن, ماذا لو أن صديقاً نصب شبكة قوية تحت النافذة؟
إنه سينجو من الموت إذا وقع داخل الشبكة.
لقد رتب الله علاجاً لكى لا يتعذب الناس عذاباً أبدياً على خطاياهم, فأرسل ابنه إلى العالم ليعد طريقاً لنجاة الإنسان, ولد الرب يسوع المسيح من مريم العذراء ولم يرث طبيعة آدم الخاطئة, فكان الإنسان الوحيد بلا خطية البتة, وعلى صليب الجلجثة احتمل بإرادته عقاب الخطية ووفّى جميع مطالب الله المقدسة, وبما أن عقاب الخطية قد تسدد فإن الله يستطيع الآن أن يعطى الحياة الأبدية لكل خاطئ يعترف بأنه خاطئ ويقبل الرب يسوع المسيح رباً ومخلصاً له.
الخلاصة..
في ختام هذا العرض, نختصر موضوع الخطية كقضية في النقاط التالية:
1- عندما نتحدث عن الخطية الأصلية نخلط عادة بين حقيقتين:-
– حقيقة الخطية التي حدثت أولاً, أي خطية الإنسان الأول باختياره واتباعه صوت المجرب بحثاً عن استملاك الحياة, في حين أنها عطية الله نتلقاها بالعلاقة الحميمة معه.
هذه الخطية شكلت البداية الإفتتاحية لعصر الخطية.
– وحقيقة الإنسان الذي ينزع إلى الخطية منذ مولده. لذا فإن الخطية الأصلية لا تعني فعلا فردياً معيناً, بل تشير إلى الواقع البشري الذي تراكمت فيه سلبيات الخطايا عبر العصور, والذي يدفعنا إلى ارتكاب الخطايا نحن أيضاً, مثلما يؤثر الجو الملوث في صحة السكان الذين يعيشون فيه.
هذا الواقع لا ينزع إلى الإنفتاح على صداقة الله ومحبته والمشاركه في حياته…فالخطية ليست أصلية بالمعنى التاريخي للكلمة, بقدر ما هي نزعة متأصلة في الإنسان بابتعاده عن الله وارتكابه المعاصي. فآدم يرمز إلى الوجه المشترك للإنسانية, إذ يرى كل منا فيه ملامحه. إنه يعبر عن البعد التضامني للبشرية. فإذا كان آدم القديم تشير إلى هذا التضامن ببعده السلبي, فالمسيح هو آدم الجديد يشير إلى بعده الإيجابي.
2- ولكن يجب ألا نعزل حقيقة الخطية الأصلية عن الإطا العام للتاريخ الخلاصي, بجعلها حقيقة مستقلة قائمة بحد ذاتها ونقطة انطلاق لعلاقة الله مع الإنسان. بل يجب فهمها على ضوء الخلاص الذي حققه يسوع المسيح بموته وقيامته, والذي كشف لنا عن محبة الله اللامتناهية التي تبقى هي الأصل. وهذا ما بينّاه مطولاً فى عرضنا.
لذا يجب إعادة النظر في مكانة هذه الخطية ضمن إطار التعليم المسيحي وإعادتها إلى حجمها الحقيقي.
3 – من المؤسف ألا نرى في تجسد المسيح ورسالته الخلاصية سوى حادث ناتج عن الخطية الأصلية, خطيئة آدم. وحدث مجئ المسيح إلى عالمنا وكأن الخطية هي الحدث الأساسي الذي يفسر سر الخلاص, في حين أن الحدث الأول الأصلي هو حب الله الذي يتجلى في الخلق وفي الخلاص. فالمسيح هو كلمة الله الذي كان منذ البدء والذي به كُون كل شئ. فالمحرك الأول لتاريخ الخلاص ليس سقوط آدم, بل مبادرة الله المُحبِة التىي تسبق الخطيئة وتتجاوزها.
4- إن الكتاب المقدس لا يتحدث عن دينونة إلهية لإنسان كُتبت عليه الخطيئة قضاءً وقدراً, بل عن ثمار أعمال الإنسان المتولدة عن اختياراته الحرة. فوراء الخطية نكمن مسئولية الإنسان المتولدة عن اختياراته الحرة. فوراء الخطية تكمن مسئولية الإنسان ومأساة حريته. والواقع أن الكتاب المقدس فى أسفاره كافة عندما يتكلم عن الخطية يذكر في الوقت عينه الدعوة إلى التوبة, كأمكانية مفتوحة أبداً أمام الإنسان الخاطئ. والكتاب المقدس لا يتحدث عن خطية بالمعنى الوراثي للكلمة, بل عن تلوث عام بالخطية ينتقل من جيل إلى جيل. فخطية الأبناء لا يحددها سلوك الآباء, بل يضرس الأبناء بالمرارة التي تفرزها خطايا الآباء.
وفي النهاية يمكننا القول إن الخطية الأصلية هي الجذر العميق الذي نجده في كل خطية, في كل مرة نقول فيها “لا” لنعمة الله ومحبته الفياضة, عندما يرفض الإنسان تلقي حياته كهبة من الله, معتبراً إياها غنيمة يستولي عليها. ومهما يكن فإن نعمة الله ومحبته تبقيا هما جوهر العلاقة التي تربط الإنسان بالله والتي فاضت وتكاثرت, خصوصاً عندما كثرت الخطية.
كيف أرى الخطية؟
سلسلة كيف أتوب -11- تابع ثانياً أساس الدعوة للتوبة – غفران الخطايا.
للرجوع للجزء العاشر أضغط هنا.
- + [3] غفران الخطايا:
[ استيقظي استيقظي ألبسي قوة يا ذراع الرب، استيقظي كما في أيام القدم، كما في الأدوار القديمة، ألست أنتِ القاطعة رُهب الطاعنة التنين. ألستِ أنتِ هي المنشفة البحر مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقاً لعبور المفديين. ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم وعلى رؤوسهم فرح أبدي، ابتهاج وفرح يدركانهم، يهرب الحزن والتنهد. أنا أنا هو مُعزيكم، من أنتِ حتى تخافي من إنسان يموت ومن ابن الإنسان الذي يجعل كالعشب.. وقد جعلت أقوالي في فمك وبظل يدي سترتك لغرس السماوات وتأسيس الأرض ولتقول لصهيون أنتِ شعبي ] (إشعياء 51: 9 – 12و 16)
فجهد الإنسان وتعبه مهما ما صنع فأنه لا يجعله يستحق الغفران أو يقدر على خلاص نفسه على وجه الإطلاق، فللرب الخلاص وحده وليس معه أحد، وحتى المكافأة من الرب فهي مجاناً على حساب عمل قدرة نعمته وحده لأن القوة والمعونة والخلاص وكل شيء صالح لنا منه وحده، وليس على الإنسان إلا أن يقبل ويخضع لعمل الله في داخله، لذلك مكتوب:
- [ للرب الخلاص، على شعبك بركتك ] (مزمور 3: 8)
- [ أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك وأوفي بما نذرته، للرب الخلاص ] (يونان 2: 9)
[ من ذا الآتي من أدوم بثياب حُمر من بصرة، هذا البهي بملابسه، المتعظم بكثرة قوته ؟
أنا المتكلم بالبرّ العظيم للخلاص.
ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة ؟
قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد، فدستهم بغضبي ووطئتهم بغيظي، فرش عصيرهم على ثيابي فلطخت كل ملابسي
احسانات الرب اذكر تسابيح الرب حسب كل ما كافأنا به الرب، والخير العظيم لبيت إسرائيل الذي كافأهم به حسب مراحمه وحسب كثرة إحساناته.
في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلصهم، بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة ] (إشعياء 63: 1 – 3؛ 7و 9)
- [ أنا، أنا الرب وليس غيري مُخلِّص ] (إشعياء 43: 11)
- [ أليس أنا الرب ولا إله آخر غيري إله بار ومخلص، ليس سواي، التفتوا إليَّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأني أنا الله وليس آخر… بالرب يتبرر ويفتخر كل نسل إسرائيل ] (إشعياء 45: 21و 22و 25)
وعلينا أن نلاحظ النبوة وتحقيقها لأنه مكتوب: [ ويأتي الفادي إلى صهيون وإلى التائبينعن المعصية في يعقوب يقول الرب ] (إشعياء 59: 20)، [ الشعب الجالس في ظلمة أبصر نوراً عظيماً والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور. من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ] (متى 4: 16 – 17)
ومن هنا نرى أن الإنجيل هو إنجيل نعمة الله، فالله هو صاحب المبادرة ويقدم الخلاص الثمين المجاني لكل واحد بلا تمييز، وعلى كل واحد أن يتجاوب مع النعمة ويطيع الصوت الإلهي، لذلك فأن دعوة التوبة في العهد الجديد تصير لنا هكذا: لقد غفرت لكم خطاياكم بذبيحة نفسي فتعالوا إليَّ وتذوقوا خلاصي الثمين، اجنوا من ثمر تعبي، تعلوا أيها الجياع للبرّ خذوا كلوا واشبعوا...
وعلينا أن نلاحظ ما قاله الرسول المُلهم بالروح: [ الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديماً، بأنواع وطُرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه… الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته،بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا، جلس في يمين العظمة في الأعالي ] (عبرانيين 1: 1 – 3)
فالله في الأول – على مستوى العهد القديم – وعد، أما الآن فقد تمم وعده بالفعل والعمل، في الأول تكلم بفم الأنبياء ليُهيئ القلوب ويعدَّها للخلاص، أما الآن فتكلم إلينا بوسيط العهد الأبدي ابنه الوحيد، الذي تمم التدبير ببذل نفسه على الصليب بسلطانه وحده، ففي الأول الله وعد والآن نفذ ما وعد به، لذلك نسمع يوحنا الرسول يكتب قائلاً: [ أكتب إليكم أيها الأولاد لأنه غُفرت لكم الخطايا من أجل اسمه ] (1يوحنا 2: 12)
ولكن بالرغم من الحالة المفرحة بل والسعيدة جداً التي صارت للإنسان الخاطئ الذي يتجاوب مع دعوة الله في العهد الجديد، الذي أعلن أن كل من يؤمن بالابن الوحيد مُخلِّص النفس، له الحياة الأبدية:
- [ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ] (يوحنا 3: 16)
- [ وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله، والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً… ومن ملئه نحن جميعا أخذنا ونعمة فوق نعمة ] (يوحنا 1: 12 – 14و 16)
فبالرغم من هذا إلا إننا لا نُريد أن نُقلل قط من قيمة وعد الله في دعوته للخطاة في العهد القديم، لأن وعد الله لا يقل قيمة عن عمله حالياً، وكلمته لهم بفم الأنبياء كان لها سلطان المغفرة الكامل كما لها الآن، لأنه ينبغي أن نعلم يقيناً أن الله فوق الزمن، وأن اعطى غفراناً لا يعطيه بمجرد كلمة عابرة بل على أساس [ قائم وحاضر أمامه ] لذلك من له الحس الروحي وله فكر المسيح يصغي لما قاله الرسول عن اتساع عمل المسيح الذي يفوق الزمن بل شمله وغطاه منذ الأزل وإلى الأبد لأنه مكتوب:
- [ فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ] (عبرانيين 9: 14)
- [ وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً ] (عبرانيين 9: 12)
فالله أعطى قديماً غفران حقيقي فاعل على أساس وعد حي قائم أمامه محقق في الصليب، كما أنه أعطى لنا غفران على أساس أبدي بدم ابنه الحي الحاضر أمام عينيه: [ بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس ]
فمثلاً حينما يكون هناك ملك عظيم وغني جداً، أرسل دعوته لفقير يقول له لقد تبنيتك وأودعت في حسابك الخاص مليون جنيهاً لتتصرف بهما كما تشاء، ومنتظر أن تأتي إليَّ لتشاركني في قصري، فهنا لا يوجد وعد إنما حقائق تمت على أرض الواقع بالفعل، فأن سمع ولبى النداء وتحرك من مكانه وذهب إليه تمتع بما صار له، أما أن لم يُصدق ولم يذهب وظل يفكر كيف ولماذا، وينحصر في نفسه وذاته ويظل يفكر ويقول: أنا لا أستحق ولا أنفع، فأنه يضيع وقته وعمره ويظل فقيراً معدماً في مكانه؛ وهذا يختلف حينما يُرسل ملك لشخص وعد يقول له أن فعلت ما آمرك به أعدك أن أعطيك ذهب وفضة كثيرة وأن تصير ابناً لي، وهنا واضح أن هناك وعد سيتم وتختلف شكل الدعوة حينما يكون الوعد تم فعلاً
عموماً في العهد الجديد نرى في الأناجيل، أن دعوة المسيح الرب للخطاة للتوبة تخلو من عُنصر التوبيخ والتهديد والتأنيب (وهذا يختلف عن موقفه من الفريسيين المرائين ولا يُصح أو ينبغي أن نخلط الأمور ببعضها)، هذه التي كانت عُنصر أساسي في دعوة الخطاة قديماً، مما يدل على أنه حدث تغيير جذري جوهري في قضية توبة الخطاة شكلاً وموضوعاً:
نجد أن الله اللوغوس الداعي للتوبة أصبح يحمل صفتين متلازمتين في نفس ذات الوقت عينه [ صفة الديان العادل ] و [ المحامي والشفيع ]:
- [ من هو الذي يُدين، المسيح ((لأن الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن – يوحنا 5: 22))… الذي أيضاً يشفع فينا (( هو حي في كل حين ليشفع فيهم – عبرانيين 7: 25)) ] (رومية 8: 34)
- [ فمن ثم يقدر أن يُخلِّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله (الآب) إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم، لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السماوات. الذي ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يُقدم ذبائح أولاً عن خطايا نفسه، ثم عن خطايا الشعب، لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسه ] (عبرانيين 7: 25 – 27)
فأن كان الديان هو نفسه شفيع الخُطاة، إذن فقد انتفت الدينونة ولا محل للتأنيب والتهديد أو الوعيد أو توجد لعنة بسبب الخطية، لذلك يقول الرسول: [ إذن لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع.. لان ناموس روح الحياة (الجديدة) في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت (الحياة القديمة) ] [ إذن أن كان أحد في المسيح يسوع فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً ] (رومية 8: 1و2؛ 2كورنثوس 5: 17)
أي من جهة الخاطي نفسه، لأنه هو الموضوع الذي يدور حوله الخلاص كله، فتوبته أصبحت ليست قائمة على أساس احتياجه للتبرئة، لأن تبرئة جميع الخطاة قد تمت فعلاً مرة واحدة فقط بموت المسيح: [ لأن الموت الذي ماته قد ماته لخطية مرة واحدة ] (رومية 6: 10)، فالتبرئة حدثت وتمت فعلاً للجميع في الصليب، وتمت بينما الجميع رازحاً تحت الضعف لا يتحرك للبرّ والحياة، بل في ذهنه مجرد أمل أن يوجد له خلاص، مع أنه لازال ماكثاً في الموت، وهو في هذه الحالة ماكثاً تحت سلطان الموت، وهو في هذه الحالة المُزرية تمم الله خلاصه: [ لأن المسيح إذ كنا ضعفاء، مات في الوقت المُعين لأجل الفجار ] (رومية 5: 6)
فهنا المسيح لا يشفع بالكلام ولا بواسطة استعطاف – مثلما نطلب صلوات القديسين – إنما يشفع بسفك دمه، أي بآلامه الخلاصية وتحمله لعنة الصليب وتذوقه الموت كاملاً، هذه كلها التي هي ثمرة الخطية المدمرة للنفس ونتيجتها المُرَّة.
إذن فعودة الخاطي وتوبته لم تعد تحمل في العهد الجديد أي تأنيب أو ملامة، أو بحمل ثقل الموت، فلم يعد هناك لعنة أو ثقل ضمير يشعر بالدينونة بسبب عدم القدرة على تتميم ناموس الله، ناموس الحياة بالوصية، لأن كل ذلك حمله المسيح مرة واحدة عن الخُطاة:
- [ أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مُصاباً مضروباً من الله ومذلولاً، وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا… وبُحُبرُه شُفينا… الرب وضع عليه إثم جميعُنا… ظُلم أما هو فلم يفتح فاه… ضُرب من أجل ذنب شعبي وجُعل مع الأشرار قبره… على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش ] (إشعياء 53: 4 – 9)
لذلك بكونه [ حمل الله رافع خطية العالم ] (يوحنا 1: 29و 36)، [ الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية 3: 25)، استطاع أن يقول للمرأة التي اُمسكت في حالة تلبُس وهي تزني، هذه التي تأمر الشريعة برجمها بدون رأفة: [ ولا أنا أُدينك، أذهبي ولا تُخطئي أيضاً ] (يوحنا 8: 11)
- فالخطأة والأثمة الذي كان الناموس يُحرِّم حتى مجرد السلام عليهم والاقتراب منهم مثل الابتعاد عن كل من يحمل مرض مُعدي شديد الخطورة، فقد صاروا محبوبون وقريبون جداً لقلب المسيح لأنه قد ذيع عنه عن واقع وبشهود العيان: [ هذا يقبل الخُطاة ويأكل معهم ] (لوقا 15: 2)، [ دخل ليُبيت عند رجل خاطئ ] (لوقا 19: 7)، [ وكان جميع العشارين والخُطاة يدنون (يقتربون) منه ] (لوقا 15: 1)
وبكون البعض يرون أنفسهم أبراراً وليسوا من صفوف الخطاة محسوبون، فقد تطاولوا عليه بدون فهم ووعي عن طبيعة عمله لأنه هو المسيا المُخلِّص، قائلين متهامسين: [ لو كان هذا نبياً لعلم من هذه المرأة التي تلمسه وما هي: أنها خاطئة ] (لوقا 7: 39)
فواضح جداً يا إخوتي أنه أُظهر لنا تغييراً جوهرياً من جهة اعتبار الله وتدبيره الأزلي من جهة توبة الإنسان في العهد الجديد، لأن التوبة أصبحت تُقدم على أساس التجسد وموت المسيح، إذ جعل طريق التوبة سراً إلهياً سهلاً مُحبباً لكل نفس تتبعه فتنطق بفضل الله ولطفه الفائق وإحسانه الذي لا يوصف.
- لذلك فأن نداء الله لنا [ تعالوا إليَّ لقد غفرت لكم خطاياكم من أجل اسمه، ورفعت عنكم الدينونة بكل ثقلها لأنه صار الآن لكم لا دينونة ( ليس بعد الآن من حكم ) لأنكم اعتمدتم في المسيح فقد لبستم المسيح، لذلك يستحيل أن يتم فيكم حكم دينونة لأنكم صرتم في الابن الوحيد خليقة جديدة بريئة في اتم الصحة والعافية والقوة العلوية ممسوحة بروحي الخاص، روح البنوة الذي يصرخ فيكم أبا أيها الآب ]
فالآن يا إخوتي تأكدوا يقيناً أنه من السهولة جداً أن نقترب بجراءه نحو عرش الرحمة لأن دعوة التوبة الآن قائمة على وعده الحي القائم على دم عهد جديد، دم ابن الله الحي، مسيح القيامة والحياة، فدخولنا أكيد وقبوله لنا يقين، لأن هذا هو الوعد المُحقق الذي وعدنا به: [ من يُقبل إليَّ لا (أو يستحيل) أخرجه خارجاً ] (يوحنا 6: 37)، فمن المستحيل على أي وجه أو شكل أو تحت أي مبدأ أن من الممكن ولو واحد على مليار في المية أن يرفض الله إنسان خاطي أو فاجر وفيه شر الدنيا والآخرة يأتي إليه باسم ربنا يسوع المسيح، لأن كل من يأتي باسم الرب يدخل عن جداره إلى حضن الآب بلا عائق أو مانع لأنه آمن ودخل في سرّ المسيح اي سرّ التقديس.
فبسبب عمل المسيح كالتدبير أصبح لنا ثقة في تأكيد قوله = لا أخرجه خارجاً: [ فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع. طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده ] (عبرانيين 10: 19)
- ولنا الان على ضوء هذا الكلام نفهم عمل الرب بدقة وما طلبه لأجلنا:
[ تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذَا وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضاً.
إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَاناً عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ.
وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.
أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ.
الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ.
وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.
«أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ. كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي وَقَدْ حَفِظُوا كلاَمَكَ.
وَالآنَ عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَيْتَنِي هُوَ مِنْ عِنْدِكَ.
لأَنَّ الْكلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ وَهُمْ قَبِلُوا وَعَلِمُوا يَقِيناً أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ وَآمَنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي.
مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ.
لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لأَنَّهُمْ لَكَ.
وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ.
وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ.
أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ.
حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ.
الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ.
أَمَّا الآنَ فَإِنِّي آتِي إِلَيْكَ. وَأَتَكَلَّمُ بِهَذَا فِي الْعَالَمِ لِيَكُونَ لَهُمْ فَرَحِي كَامِلاً فِيهِمْ.
أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كلاَمَكَ وَالْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ.
لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ.
لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ.
قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ.
كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ.
وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ.
«وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاًمِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكلاَمِهِمْ.
لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداًكَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.
وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ.
أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي.أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ.
أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ وَهَؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي.
وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ ] (يوحنا 17: 1 – 26)_____________________________ في الجزء القادم سوف نتحدث عن
الجانب التطبيقي في حياة التوبة
ثالثاً: كيف أتـــــــــوب
هل المسيح أتى لأجل خطية آدم وذبائح العهد القديم كانت تكفي لغفران الخطايا ؟
سؤال أثاره البعض: هل بسبب آدم وحده اتى المسيح ليخلص الناس من خطيته التي توارثوها، وعلى ذلك كانت الخطية في العهد القديم تُغفر بالذبائح لأن الله قال أن كل واحد يكفر عن خطيته بالذبيحة الحيوانية !!! أي أن الخطايا التي ارتكبها الإنسان في العهد القديم غُفرت على أساس سفك دم الذبيحة ولكن عُلق الغفران التام والمصالحة مع الله بسبب آدم وحده، فجاء المسيح ربنا لكي يخلصنا من خطية آدم وترك لنا خطايانا الشخصية لكي يتم الغفران بالتوبة وحدها !!! وقدم غفران تام لكل من قدم الذبائح قديماً !!! وإذا كان الموضوع موضوع خطية آدم وحده أليس من العدل أن الله كان حاسب آدم وحده أو اتصرف وأتى بإنسان آخر !!!
الإجابة: أولاً، المشكلة كلها تتلخص في مفهوم الخطية المشوه عند البعض وعدم فهم الأسفار الإلهية فهماً سليماً صحيحاً، والتعلق بالاستنتاج الفكري العقلي، والاقتطاع من فقرات الكتاب المقدس والآيات وعدم أخذها كاملة مترابطة مع بعضها البعض في سرّ الإعلان الإلهي، وانحصار الفكر في الفلسفة وليس في المفهوم الصحيح حسب إعلان الله في الكتاب المقدس وخبرة الإنسان على مر العصور ومعاملات الله على مر تاريخ الخلاص كله ليشرح ويفهم الإنسان عملياً وليس فكرياً، لأن الله ليس إله الجدل ولا الفلسفة إنما إله إعلان ووعد يخلص الإنسان ويشفيه من الموت الذي تسلط عليه هو شخصياً، لأن كل واحد مسئول عن خطيئته ولا يحمل وزر غيره، لئلا يكون الله غير عادل ويحمل كل واحد بخطيئة أبيه ….
ولكننا سنضع بعض الآيات بدون تعليق كثير للرد على السؤال بإيجاز شديد:
ولنلاحظ وندقق في كلام القديس بولس الرسول الذي قال اننا أخطأنا نحن بأنفسنا وحريتنا وصرنا تحت حكم الموت بسبب خطايانا وليس بسبب خطايا آدم وحده (مع أن البعض يحور الترجمة لمعنى آخر ليُثبت وجهة نظرة)، لأننا حملنا منه الموت وليس فعل الخطية ذاته وبعد ذلك استمرينا نحن شخصياً نُخطأ، وكل واحد فينا صار يحمل الموت في داخله لأن طبيعة الخطية وأجرتها = موت، لذلك ملك علينا الموت وتسلط من ابتداء آدم واستمر في سلطانة يقوى يوماً بعد يوم، لأننا ابتدئنا نخترع الشر ونزداد خطية على خطية حتى أن رائحتها فاحت وصارت رائحة فساد بلا قدرة على الشفاء، لأن ما فسد لا يُمكن إصلاحه إلا لو صار جديداً، لذلك قد زيد الناموس بسبب التعديات وطقوسة للتأديب، وأُعطي لكي يُعري ويكشف ويفضح قلب الإنسان ليعرف الإنسان إلى أي مدى وصل فساده وكم فيه من موت قد تسلط على كيانه الذي فسد عن أصل الطبيعة النقية التي خُلق عليها، وقد أعطى الله الذبائح للتكفير عن الخطية ليُظهر للإنسان كم كانت الخطية خاطئة جداً، وأن كل ما يفعله الإنسان لن ينفع بسبب تعدياته لأنه أصبح فاسد لا يستطيع أن يخلص ولا يصلح ولا لمزبلة لأنه ميت بالخطايا والذنوب، لذلك لم تشفيه الذبائح بل صار يقدمها مراراً وتكراراً ولم يستطع ان يريح ضميره المتعب قط ولم تجعله بقادر أن يفلت من سلطان الموت ويخرج عن حالة الفساد التي تفوح منه، ولم يستطع أن يثبت في أحكام الناموس ويحيا بالوصية فاستحق اللعنة، لأن الناموس بكل أحكامة وفرائضة كشف الخطية وأظهر الإنسان في مرآة الوصية كم هو مشوه وغير صالح إلا أن يموت بسبب سلطان الموت الذي ملك عليه والفساد الذي يفوح منه مثل الجيفة التي لحيوان ميت وقد بدأ في التحلل ولم يُعرف له شكل أو منظر، فهو يسير في ظلمة الموت والظلمة أعمت عينيه عن الله الحي فصار من ضلال لضلال أردأ، ومن موت لفساد حتى أنه لم يستطع أن يتعرف على الله تعرف حقيقي من نفسه، وهذا ظهر في تيه الإنسان عن الله على مر عصور طويلة، وحتى لما تعامل الله مع الإنسان واتخذ شعب مثالاً ليكون قائد الشعوب في معرفة الله، هو نفسه الذي سُميَّ شعب الله المختار، ضل عنه وعصى وصياه وتركه وعبد آلهة أخرى ولم يطع الوصية التي أخذها من الله والتي فيها حياة تطرد قوة الموت فظهر فيه الموت أكثر وفاحت رائحة الفساد منه أكثر قوة، ولم يعرف الله كنور وحق وحياة، بل ضل عنه أيضاً بصورة ملفتة للنظر وشديدة الجرأة، وهذا يُظهر كيف أن الإنسان عموماً لم يستطع أن يثبت في وصية الله لأنه ضال ومظلم داخلياً وبسهولة ينقاد للخير الغير موجود ويطيع الشر أسهل مما يطيع الله، بل ويسير للموت أسهل من أن يسير للحياة، لأنه لا يرى ولا يبصر هيئة الله ولا يستطيع أن يتعرف عليه ويعرفه، لأن عنصر الموت يعمل في داخله مبدداً صورة الله التي خُلِقَ عليها …
+[ كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضاً الخطية هي التعدي ] (1يو3: 4)
+[ من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ لأجل هذا أُظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس ] (1يو3: 8)
+[ نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات. الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا ] (رو4: 24، 25)
+[ لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار…. ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. فبالأولى كثيراً ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب. لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيراً ونحن مصالحون نخلص بحياته. ] (رو5: 6 – 10)
+[ من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع (وليس آدم وحده لأن الخطية سادت على الكل بالموت والجميع أخطأ ولم يثبت في جميع أحكام الناموس ولا الوصايا، وكل واحد مسئول عن خطيئته). فأنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم (قبل الناموس كانت الخطية موجوده في العالم ولكنها غير ظاهرة، أي أن الإنسان ميت ولا يدرك، مثل إنسان ملابسة متسخة جداً ولا يدري لأنه لا يملك مرآة يرى فيها نفسه) على أن الخطية لا تحسب إن لم يكن ناموس (لأنه كشفها وأظهرها وبينها ودانها في قلب الإنسان). لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذينلم يخطئوا على شبه تعدي آدم (لم يخطئوا مثل آدم ولم يأكلوا من شجرة معرفة الخير والشرّ) الذي هو مثال الآتي. ولكن ليس كالخطية هكذا أيضاً الهبة لأنه ان كان بخطية الواحد مات الكثيرون (بسبب انحراف آدم دخل الموت ومات الكثيرين، أي ملك عليهم سلطان الموت) فبالأولى كثيراً نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد أزدادت للكثيرين. وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية لأن الحكم من واحد للدينونة (كمثال للبشر) وأما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة (وليست خطية آدم وحده فقط لأن آدم لم يرتكب خطايا كثيرة وغير مسئول عن خطايا البشر لأن كل واحد مسئول عن خطية نفسه) للتبرير. فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس (لأنهم ساروا على مبدأ العصيان، اي أنهم هم أنفسهم وتحت مسئوليتهم أحبوا الظلمه) للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة. لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة (أي ساروا وراء نفس ذات الداء وهو العصيان على الله ورفض الوصيه وحب حياة الظلمة) هكذا أيضاً بإطاعة الواحد (المسيح) سيجعل الكثيرون أبراراً. وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية (أي تظهر وتبان في داخلي لأن الناموس أظهرها لأنه حينما قال لا تشتهي فانا اكتشفت بذلك كم أنا شهواني لحد الجنون ولم أستطع أن أتخلص من شهوتي وانحرافي عن الوصية) ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدا. حتى كما ملكت الخطية في الموت (وهذه نتيجة الخطية أنها ملكت للموت وكل واحد أخطأ بنفسه وسرى الموت فيه وملكت الخطية فيه) هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا ] (أنظر رومية5)
+[ فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة. لأنه أن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق (إنسان الخطية وقانون الموت الذي تسلط عليَّ) قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضاً للخطية(لأننا بواسطته تحررنا من سلطان الخطية والموت، إذن المشكلة في عبوديتنا للخطية وخضوعنا لسلطانها علينا بالموت والانفصال الدائم عن الله). لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية (الخطية وسلطان الموت وليس فعل آدم وحده لأن المسيح مات لأجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا) ] (رو 6: 4 – 7)
+[ لأنكم لما كنتم عبيد الخطية كنتم أحراراً من البر. فأي ثمر كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن لأن نهاية تلك الأمور هي الموت. وأما الآن إذ أُعتقتم من الخطية وصرتم عبيداً لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة أبدية. لأن أجرة الخطية هي موت (ثمرتها الطبيعية ونتيجتها والموت ملك على جميع الناس بسبب خطاياهم وليس بسبب آدم وحده ) وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا ] (رو6: 20 – 23)
إذن المشكلة كلها أننا عبيد الخطية ولو كان الله علَّق توبة الناس بسبب آدم وحده لكان غير عادل لأنه هو الذي قال انه لن يفتقد ذنب الآباء في الأبناء، فأن كان أبي قد أخطأ فما ذنبي أنا لأُلقى في الجحيم وتعلق غفراني بسبب خطية من ولدني، ولكن أن كنت أنا نفسي أخطأت ومش نافع وصرت أنا نفسي وبشخصي تحت سلطان الخطية والموت فأنا استحق الموت عن عدل لأني أنا نفسي تم الحكم فيَّ: أني تحت الخطية وسلطانها المُدمرّ للنفس، بالرغم من إني لم أتعدى على الله بشكل خطية آدم ولا شبهها ولكن بعد سقوط آدم انغلقت الأذن على الله وابتدأ الناس يخترعون الشر – كما قال القديس أثناسيوس الرسولي – وصار الكل مدان وأُغلق على الجميع في العصيان تحت حكم الدينونة لأن الكل مدان يحتاج لمخلص مهما ما قدم من توبة وذبائح لأن ذبائح العهد القديم كله لم تُصلح الضمير والناموس قد زيد بسبب التعديات وإظهار شرور الإنسان:
[ فلماذا الناموس؟ قد زيد بسبب التعديات، إلى أن يأتي النسل الذي قد وعد له مرتباً بملائكة في يد وسيط، فهل الناموس ضد مواعيد الله حاشا لأنه لو أُعطي ناموس قادر أن يُحيي لكان بالحقيقة البرّ بالناموس. لكن الكتاب أغلق على الكل تحت (سلطان) الخطية ليعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون. ولكن قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقاً علينا إلى الإيمان العتيد أن يُعلن. إذاً قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان. ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب. لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (اعتمدتم في المسيح) قد لبستم المسيح ] (غل3: 19 – 27)، [ لست أُبطل نعمة الله لأنه إن كان بالناموس برّ فالمسيح إذاً مات بلا سبب ] (غل 2: 21).
عموماً لم يستطع أن يثبت الإنسان في أحكام الناموس رغم كل ما رآه من معجزات ومن قوات متنوعة فالكل يصرخ ويحتاج لوسيط ليُصالحه مع الله …
[ ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني (حررني) من ناموس الخطية والموت. لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه في ما كان ضعيفا بالجسد (أي الإنسان العتيق إنسان الخطية) فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد (جسده الذي اتخذه بالتجسد من طبعنا). لكي يتم حكم الناموس فينا (أي حكم الموت) نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ] (رو8: 2 – 4)
لذلك قال الرسول أيضاً [ فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا (نحن جميعاً وليس آدم وحده فقط) حسب الكتب ] (1كو15: 3)، [ الذي أسلم من أجل خطايانا (كلنا معاً) وأُقيم لأجل تبريرنا ] (رو4: 25)
يقول القديس أثناسيوس الرسولي :
[ 1- فالله لم يكتفِ بأن يخلقنا من العدم، ولكنه وهبنا أيضاً بنعمة الكلمة إمكانية أن نعيش حسب الله، ولكن البشر حَوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحولوا إلى أعمال الفساد الطبيعي وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقاً – بالطبيعة فاسدين لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعي لو أنهم بقوا صالحين.
2- وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يَمَسَّهم كما يقول سفر الحكمة: ” الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله على صورة أزليته لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم ” ( حك 2: 23 – 24 ) وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون، هذا من جهة ومن جهة أخرى فمن ذلك الوقت فصاعداً بدأ الفساد يسود عليهم بل صار له سيادة على كل البشر أقوى من سيادته الطبيعية، وذلك لأنه حدث نتيجة عصيان الوصية التي حذرهم أن لا يخالفوها.
3- فالبشر لم يقفوا عند حد معين في خطاياهم بل تمادوا في الشرّ حتى أنهم شيئاً فشيئاً تجاوزوا كل الحدود، وصاروا يخترعون الشرّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد، ثم توغلوا في الظلم والمخالفة ولم يتوقفوا عند شرّ واحد، بل كان كل الشرّ يقودهم لشرّ جديد حتى أصبحوا نهمين في فعل الشرّ ( لا يشبعون من فعل الشرّ ).
1- لأجل هذا إذن ساد الموت أكثر وعم الفساد على البشر، وبالتالي كان الجنس البشري سائراً نحو الهلاك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان الإنسان العاقل المخلوق على صورة الله آخذاً في التلاشي، وكانت خليقة الله آخذةً في الانحلال. ] ( القديس أثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة ف 4: 1و 2و 3 + ف 5 : 1 )
_________________
يقول القديس كيرلس الكبير، موضحاً موقف الرب يسوع من خطيتنا ويظهر أننا لم نُخطأ فقط في آدم وحده بل أننا أيضاً دسنا الوصية المقدسة بإرادتنا وحريتنا (لذلك نقول في القداس الإلهي: أنا الذي اختطفت لي قضية الموت، ولم يقل آدم اختطف قضية الموت وحده) ولنصغي لكلمات هذا القديس الحلو وندقق فيها جداً :
[ أننا أخطأنا في آدم أولاً (لأن آدم مثال للبشرية)، ثم دسنا (نحن بأنفسنا) بعد ذلك الوصية المقدسة. ولكن المسيح يُهان لأجل خطايانا، لأنه حمل خطايانا في ذاته، كما يقول النبي، وتألم عوضاً عنا. وصار سبب خلاصنا من الموت بتقديم جسده للموت.
ولذلك كانت الضربة التي تقبلها المسيح هي أتمام للعار الذي حمله، ولكنها كانت تحمل خلاصنا من عبئ تعدي آدم أبينا وخطيتة (التي اشتركنا فيها إذ سرنا في نفس ذات الطريق عينه لا كمرغمين بل بإرادتنا وحريتنا)، ورغم أنه واحد إلا أنه الذبيحة الكاملة عن كل البشر وهو وحده الذي حمل عارنا ] ( عن شرح يوحنا 18 : 22 للقديس كيرلس الكبير )
_________________
طبيعة الخطية :
[ أن الخطية والموت والشيطان معاً طبيعة واحدة، لأنهم يشتركون في التعدي. الأول والثاني أي الخطية والموت، لا يمكن فصلهما عن بعضهما، والثالث هو المصدر ( أي الشيطان ).
الأولى ( الخطية ) لا وجود لها إلا في الخطاة. والثاني ( الموت ) هو النتيجة. والثالث ( الشيطان ) هو مصدر الغواية لترك الحق، أي الحدود التي تخص الطبيعة.
وقد جاء الرب يسوع المسيح، فأباد الخطية والموت معاً؛ لأنه عندما أباد الموت، فصل الموت عن الخطية، وجرد الشيطان الذي به سلطان الموت من سلطانه ( كولوسي2 : 15 )
وهناك فرق بين من يشرح الخطية كتعدًّ، ومن يشرح الخطية في نور إنجيل ابن الله، لأن المسيح يسوع ربنا كشف لنا عن طبيعة الخطية, وعندما نتكلم عن الخطية، فإن الموت والشيطان معاً هما مصدر الظلمة والفساد والتعدَّي والموت.
… هل تريد أن تعرف جذور الخطية ؟
تأمل حب الرئاسة. هو من الشيطان الذي أراد أن يكون مثل الله، وأغرى آدم لكي يسلك في ذات الطريق، فوقع في فخ الموت الروحي الذي أدى إلى موته الجسداني بعد ذلك؛ لأنه لم يمت بعد السقوط، بل عاش كل حياته خارج الفردوس. ولأن بذرة الموت في الروح الإنسانية، لذلك زرع الرب بذرة الحياة في القلب لكي تنمو بمياه روح الحياة الذي أقام ربنا يسوع من الأموات.
* هل مات الرب يسوع المسيح على الصليب بنفس موت آدم ؟
لقد مات لأنه أخذ ” الحكم ” الذي كان يخصنا، ولكنه مزق ” الصك ” ورفعه من الوسط، أي أزاله من علاقة الشركة بين الله والإنسان، فقد مزقه بالصليب عندما سمره في الصليب. هذا حدث لأجلنا. فهو، إذن، لم يمت موت آدم. ولذلك السبب يقول الرسول بطرس في يوم العنصرة إن الموت عجز عن أن ” يمسكه ” ( أع2: 24 ) …
ومات الرب يسوع فعلاً لأن نفسه انفصلت عن جسده، وهو ذات موت آدم، ولكن له سلطان الحياة، فموته ليس كموت آدم، ولكن لأن الرب له سلطان الحياة، فموته ليس كموت آدم فقط، لأننا لا يجب أن ننسى أن الرب نزل إلى الجحيم، ليس كميت تحت سلطان الموت أي الشيطان ( عب2: 14 )، بل نزل وشتت قوات الظلمة، وأباد قوات الجحيم، وكسر شوكة الموت، ومزق الصك، لأن له سلطان الحياة .
… آدم خَلُصَ بموت الرب وتواضعه. والصليب وحده هو الذي يكشف عن ضعف القوة وعجزها، فهو ميزان القوة الحقيقية، أي قوة المحبة والتواضع التي أعلنها الرب .] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس : 1 و 2 و3 و 4 )
________________________
الموت الروحي :
[ الموت الروحي والجحيم هما وجهان لعملة واحدة، لأن الجحيم هو الحياة المحصورة التي لا نمو فيها والتي فقدت الهدف أو غاية الوجود؛ لأن الإنسان إذ خُلق على صورة الله فهو بدون الله يصبح صورة لنفسه، وبذلك يحدد وجوده ويحصره في الوجود غير النامي والمحدود، بصورة الإنسان التي خلقها لنفسه، ولذلك يعجز الإنسان عن أن يرتفع إلى ما هو أعلى من صورته الإنسانية، لأن محاربة صورة الله فينا تجعلنا غرباء عن وجودنا الحقيقي، وأسرى وجودنا الكاذب الذي صنعناه لأنفسنا.
وعندما قال الرسول عن ربنا له المجد أنه ” أدان الخطية في الجسد ” ( رو8: 3 )، فقد قَبِلَ موت الجسد الذي يشتهي الخلود، ويسعى للبقاء بقوة الحياة الداخلية بدون الله، أي بدون نعمة الله المصدر الحقيقي للحياة.
أما الرب يسوع فقد أخذ جسدنا وردَّه إلى الحياة التي لا تموت بالشركة في أُقنومه الإلهي ( سرّ التجسد )، وهي شركة في الآب والابن والروح القدس .
وعندما ذاق الرب الموت بالجسد على الصليب، حكم على فساد الخطية كأسلوب ( أو وسيلة ) للحياة، فقد رفض الحياة التي لا تعرف الله ولا تقبله بعكس آدم.
فعندما ذاق الموت، وضع نهاية لاغتراب الجسد عن الله وعن الحياة الداخلية؛ لأن الجسد يغترب عن الروح الإنسانية عندما يصبح وسيلة وأداة للخطية، فيترك الحياة الطبيعية ويتشكل بكل صور الخطية ويقع أسيراً للموت؛ لأن موت الخطية نابع من الخطية التي يصفها الرسول بأنها ” أعمال الجسد الميتة “، أي تلك التي لا حياة فيها، والتي تجعلنا غرباء عن أنفسنا، وعن أجسادنا، وعن مصدر الحياة. ] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس : 5)
وبالنسبة لموضوع ذبائح العهد القديم وهل هي بقادرة على التكفير عن الخطية والغفران هذا كله شرحه القديس بولس الرسول في رسالة العبرانيين وفي عبارة واحدة موجزة ومركزة قال : [ وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية ] (عبرانيين10: 11 )، وأكتب شرح القديس يوحنا ذهبي الفم على الفقرات التي توضح أن الذبائح لم تكن سوى رمز ومجرد ظلال وغير قادرة على فعل الغفران …
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم في شرح عبرانيين 10: 2 – 7، العظة السابعة عشر:
[ لماذا كانت الحاجة إلى ذبائح كثيرة، طالما أن ذبيحة واحدة كانت كافية؟
لأنه من خلال الذبائح الكثيرة وتقديمها المستمر، يُظهر أن هؤلاء لم يتطهروا أبداً. لأنه تماماً مثل الدواء، عندما يكون قوياً وقادراً على استرداد صحة المريض فأنه يستطيع أن يقضي على المرض كلية ويتمم الشفاء الكامل إذا استُخدم مرة واحدة، وبذلك يكون قد حقق النتيجة المرجوة وأُظهر فاعليته، وبذلك لا يكون هُناك حاجة لتناوله مرة أخرى. أما إذ استُخدم باستمرار، فأن هذا يُعد دليل على ضعفه في أن يمنح الشفاء، لأن سمة الدواء أن يُستخدم مرة واحدة، وليس مرات عديدة، هكذا هُنا أيضاً (فيما يتعلق بالذبيحة). بمعنى أنه لماذا كانوا يحرصون دائماً على تقديم الذبائح؟
لأنه إذا كانوا قد تخلصوا بالفعل من كل الخطايا بالذبائح، ما كانوا ليقدموها كل يوم. كذلك كان هُناك بعض الذبائح التي كانت تُقدم كل يوم عن كل الشعب، في المساء وفي الصباح. إذاً فما كان يحدث، هو بمثابة اعتراف بوجود الخطايا وليس بمحوها، كان اعترافاً بالضعف، وليس دليل قوة. لأن الذبيحة الأولى لم يكن لها حقيقة أي قوة. لهذا قُدمت الذبيحة الثانية (ذبيحة المسيح)، ولأن الذبيحة الأولى لم تنفع مطلقاً، فقد تبعتها ذبيحة أخرى، إلا أن كثرة هذه الذبائح كان يُعد دليلاً على وجود الخطايا. بينما تقدماتها بشكل مستمر كان دليل ضعفها ] (القديس يوحنا ذهبي الفم عظة 17على شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى العبرانيين مترجم عن اليونانية طبعة 2010 صفحة255 – 256)
ويقول أيضاً القديس يوحنا ذهبي الفم في شرح عبرانيين 10: 8 – 13، العظة الثامنة عشر :
[ لقد أظهر بالكلام السابق أن الذبائح كانت بلا فائدة من حيث تحقيق النقاوة الكاملة، وأنها ضعيفة جداً. بل أن الواحدة قد أتت ضد الأخرى، فإن كانت هذه الذبائح أمثلة وظلال، فكيف، بعد ما أتت الحقيقة، لم تتوقف ولا تراجعت، بل كانت تُمارس؟ هذا بالضبط ما يظهره هنا، أنها لم تعد تُقدم بعد، ولا حتى كمثال، لأن الله لا يقبلها. وهذا أيضاً يبرهن عليه ليس من العهد الجديد، بل من الأنبياء، مُقدماً منذ البداية أقوى شهادة، أن الذبائح القديمة قد أُنقضت وانتهت، وانه ليس من المقبول القول بأنها تصنع كل شيء، فهي تأتي باستمرار في تعارض مع الروح القدس. ويُظهر بكل وضوح أن هذه الذبائح لم تتوقف اليوم فقط، بل منذ ظهور المسيح، بل الأفضل أن نقول، بل وقبل ظهوره، وأن المسيح لم يُبطلها مؤخراً، بل توقفت قوتها أولاً ثم أتى بعد ذلك، فقط أُبطلت سابقاً وحينئذٍ أتى المسيح. إذاً لكي لا يقولوا أنه بدون هذه الذبيحة (أي المسيح)، كان يُمكن أن نُرضي الله، فقد أنتظر هؤلاء أن يزدروا بأنفسهم، وحينئذٍ ياتي المسيح، لأنه يقول “ذبيحة وقرباناً لم ترد” (مزمور51: 16) .
لقد نقض كل شيء بهذا الكلام، وبعدما تكلم بشكل عام، نجده يتكلم بشكل خاص يقول لم تُسّر بالمحرقات التي كانوا يقدمونها، من أجل غفران الخطايا … كانت تُقدم (الذبائح) مراراً كثيرة؟ لم يتضح، أنها كانت ضعيفة وانها لم تفد ابداً، من حيث أنها كانت تُقدم مراراً كثيرة فقط، بل ومن حيث إن الله لا يقبلها، لأنها زائدة، وبلا فائدة. هذا تحديداً هو ما يعلن عنه في موضع آخر فيقول: ” لا تُسر بذبيحة وإلا فكنت أقدمها ” (مزمور51: 16). إذاً بحسب هذا الكلام هو لا يُريد ذبيحة. فالذبائح ليست هي بحسب إرادة الله. بل هو يُريد إبطالها، وبناء على ذلك، فهي تُقدم بحسب إرادة الذين يقدمونها. ] (القديس يوحنا ذهبي الفم عظة 18على شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى العبرانيين مترجم عن اليونانية طبعة 2010 صفحة262، 263)
عموماً وباختصار بالنسبة لما ذُكر في رومية واستنتاج وراثة الخطية في الطبيعة البشرية وأن الرب يسوع أتى لأجل خطية آدم فقط، وأن خطيانا الشخصية تغفر فقط بالتوبة والجهاد الروحي بعد المعمودية ولا علاقة لها بكفارة المسيح، فالقديس بولس الرسول يقول:
[ من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع ] (رو5: 12)، بمعنى أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، واجتاز الموت إلى جميع الناس لأن الكل أخطأ، فنحن حملنا الموت من آدم ( أي نقدر نقول ورثنا الموت وليس فعل الخطية نفسها ) ولكننا كلنا أخطأنا فتسلط الموت وملك على الجميع إلى أن فسدنا كلنا وأتى الرب يسوع ليجدد طبعنا ويرفع الموت ومن ثم الخطية التي تسببت فيه، فيجدد طبيعة الإنسان لذلك قال أحد الآباء بالنص الواحد الآتي:
[ ولكن الله لم يُرسل المسيح ليُصلح ما أفسده آدم بل ليحمل طبيعة الإنسان، ليرتقي بها إلى فوق الإنسان، فغرس فيها النعمة عوض الخطية، ووهبها روح الحياة الأبدية والقداسة لتقوى على سلطان الموت وتدوسه. وهكذا صار الربح الذي نالته طبيعة الإنسان بالمسيح أعظم بما لا يُقاس من الخسارة التي خسرها آدم. وتاريخ الإنسان الذي كان ينحدر بسرعة نحو الفناء، انقلب صعوداً ليؤرخ للخلاص والحياة الأبدية “فأن سيرتنا نحن هي في السماوات” (في3: 20) ]
+ وبالنسبة لموضوع “إذ أخطأ الجميع” بحسب ما شرحه الآباء وجمهرة كبيرة من اللاهوتيين على مر العصور:
فهذه الآية انقسم فيها الشراح المحدثين فمن يقول أن الناس تعدوا في حياتهم الخاصة والفردية، ومن يقول أن الكل تعدوا لما أخطأ آدم أو في خطية آدم نفسها، ولكن في الحقيقة أن كلا القولين والشرحين ناقص، والفكر الصحيح حسب آباء الكنيسة هو كما قاله القديس بولس الرسول نفسه [ إذ أخطأ الجميع] أي فعلوا بأنفسهم الخطية. فالخطية دخلت إلى العالم ليس كعنصر طبيعي موروث في الطبيعة بل كعنصر طياع يُمكن التحكم فيه على حد ما، ولكن لو الخطية كانت موروثه في جينات الإنسان، فلا يستطيع أن يختار الناس بين أن يُخطأ ولا يُخطأ، فلو كان عندي جين اسمه الخطية فانا مقيد بالخطية لا محاله، فلو أبي زاني مثلاً، فسأرث منه حتماً الزنا وأصبح مثله تماماً ولست حُرّ في أن أفعل ولا أفعل لأني مقيد بما ورثته من أبي، ونلاحظ أن الحرية في عدم الخطية موجود مثلاً عند البوذيين فهم لا يشتمون ولا يكذبون … الخ… ويفعلون الأفعال الإنسانية العظيمة والمبادئ القوية التي يحترمونها جداً بل ويفوق كل عملهم نسك الرهبان والراهبات على مر العصور كلها….
كذلك الموت دخل إلى العالم وساد بسيادة الخطية ولكن سيادة الموت ليست حتمية (جسدياً وروحياً)، بدليل مَنْ أُخِذوا إلى السماء بدون أن يجوزوا الموت (الجسدي) كأخنوخ وإيليا، وبدليل من بررهم الله كإبراهيم وإسحق ويعقوب فلم يُعتبروا أمواتاً روحياً، لأن قيل عن إبراهيم أب الآباء أنه تبرر بالإيمان. والله قال أنه إله أحياء وليس إله أموات ، بل قال أنه إله أحياء إله ابراهيم واسحق ويعقوب !!!
عموماً الجميع أخطأوا لأنهم لم يستطيعوا أن لا يخطئوا، وليس لأنهم حتماً كانوا لابد من أن يخطئوا لأن فيهم خطية آدم وورثوها كجينات، وإلا كيف يدانون عن خطايا وُضع عليهم حتمية صنعها لأنهم ورثوها ؟(ولنلاحظ أن تعبير وراثة الخطية ليس بتعبير حرفي عند من يتحدثوا عنه)، لأن لو أنا ورثت خطيئة آدم إذن انا بريء أمام الله بكوني أفعل الخطية بعدم إرادة مني، بل مرغم عليها، وبذلك لماذا يُحاكمني وأنا لم أُخطأ، بل هو يحكم على آدم فيَّ أنا وبذلك أنا أُدان على فعل لم أرتكبه باختياري، وفي المحاكم المدنية على مستوى القانون الإنساني يستحيل أن يصدر حكم على إنسان بسبب إحدى والديه، لأن من يفعل الخطأ وحده هو الذي يحتمله ويُعاقب عليه، فأن كان الإنسان على مستوى القضاء الإنساني يحكم بالعدل، أليس الله مصدر العدل كله وهو الذي لا يقبل ظلم !!!
عموماً هُنا عدل الله لا يجد له مقراً ويُلام قضاء الله، لأن أن كان آدم أخطأ فلماذا أُحاكم أنا على خطيئته، أو لماذا يتحتم عليا أن يتعلق خلاصي وقبول الله لي بسبب آدم بدون مسئولية شخصية واضحة وظاهرة أمام ضميري وقلبي ناتجة مني أنا شخصياً، وحاشا بالطبع أن يُلام قضاء الله العادل لأني انا بنفسي وبشخصي أخطأت بحريتي وعشت في حالة فساد على مستوايا الشخصي عملياً في حياتي الواقعية، لأن الخطية شوهت طبعي واحتجت أنا – على المستوى الشخصي – لطبع جديد لينقذني من جسد هذا الموت (أي الإنسان العتيق المتسلطة عليه الخطية ومنها الموت ومن بعده الفساد، فلم أعد أصلح ولا لمزبلة). فمستحيل أن يُدين الله إنساناً أخطأ بدون إرادته. فالكل أخطأ بإرادته، ولهذا يحق لله ان يُدين…
ونعود نُأكد بكل وضوح تام مع الحرص على أن كثيرين يتكلموا عن وراثة الخطية ليس حرفياً ولكن كتأمل ولكنه غير دقيق وغير وافي لشرح السقوط وخطيئتنا، وعموماً باختصار شديد نقدر أن نقول:
[ الخطية ليست عنصر موروث في الطبيعة البشرية التي سلمها آدم لأولاده، ولكنه سلم طبيعة انفتحت على الشيطان وأصبحت مستهدفة لكل حيلة ومؤثراته بالفكر أولاً ثم الحواس جميعاً. فهنا احتمال الخطية واردولكنه ليس حتمياً…
كذلك آدم لم يُسلم الخطية لأولاده كفعل من الأفعال يمارسونه هو بعينه عن حتمية واضطرار ولكنه سلم طبيعة عارفة بالخير والشر، ومعرفتها للشر هي التي تجرها لارتكابه وليس لديها القدرة لمقاومته، لأن مقاومة الخطية هي قوة نعمة الله التي فقدها آدم حينما طُرد من أمام وجهه. فآدم نستطيع ان نقول أنه ورَّث لنا طبيعة فاقدة للنعمة مُستهدفة لإغراء الخطية.
ومن هُنا استعبد كل أولاد آدم للخطية والشر، ولا عذر لإنسان بالطبع، لأنه بإرادته ومعرفته واختياره يُخطئ، ولا لوم على الله بالطبع، لأن النعمة ليست حقاً من حقوق طبيعة الإنسان، والإنسان – آدم – فقدها بإرادته !!! من هنا فالأطفال ليست لهم طبيعة شريرة وارثة للخطية، ولكن لهم طبيعة فاقدة النعمة، عريانه من النعمة (من أعلمك أنك عريان هل أكلت من الشجرة !!! ) وهنا قال الآباء أن آدم اتعرى من النعمة فرأى أنه عُريان وابتدأ يخجل من جسده لأنه قَبِلَ فيه الموت ودخله عنصر غريب عنه وأصبح غريب عن الله النور والحياة، لذلك أصبحت طبيعتنا قابلة للموت ونحتاج أن يظهر المخلص الذي يرفع الموت وسلطان الخطية التي ملكت بالموت … ]
وماذا عن خطايانا الشخصية التي نفعلها :
أولاً: لابد أن نعلم اننا بالمعمودية لبسنا المسيح [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ] (غل3: 27)، وأخذنا إنسان جديد مولود من الله لا يُخطأ ويحفظ نفسه في الرب ثابت [ نعلم أن كل من ولد من الله لا يُخطئ بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه ] (1يو5: 18)، إنما خطايانا ناتجه عن تلبية رغبات الإنسان العتيق الباقي فينا الذي ينبغي أن نخلعه كل يوم ونلبس الجديد [ الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه ] (كو3: 10)، أي نرفض كل أعمال الإنسان العتيق [ أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور ] (اف4: 22)، لأن فينا قوة الله ونعمته الساكنة بالإنسان الجديد وحضور الروح القدس الذي به نغلب وننتصر بقوة الله، ولكن أن تعثرنا وسقطنا يقول الرسول: [ يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا وأن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً ] (1يو2: 1 – 2)، فالمسيح ليس كفارة عن خطية آدم وحده بل عن كل خطايا العالم كله وحتى كل خطايانا الشخصية، وهذه هي التوبة أولاً الرجوع لقوة الله وعمله فينا، وثانياً الإيمان بكفارة المسيح الرب الذي فيه غفراننا الأبدي عن كل خطية [ أن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم ] (1يو1: 9)، إذن التطهير لا دخل فيه لإنسان بل هو عمل الله وحده وتجديد الروح القدس: [ لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ] (تي3: 5)…
فجهدنا الروحي كله هو خضوعنا لعمل الله والثبات فيه بالإيمان والمحبة: [ أثبتوا في وأنا فيكم، كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم أيضاً أن لم تثبتوا في ] (يو15: 4)، فنحن من ذواتنا ومهما ما كان جهدنا وتوبتنا من غير قوة الله وعمله وتنقية القلب بكلمته لن نقدر أن نأتي بثمر من ذاتنا إطلاقاً إن لم نثبت في المسيح الرب …
[ كما أحبني الآب كذلك أحببتكم أنا إثبتوا في محبتي ] (يو15: 9)
[ (هذا هو جهدنا ايضاً وثباتنا في المسيح عملياً) أسهروا اثبتوا في الإيمان كونوا رجالاً تقووا ] (1كو16: 13)
[ والآن أيها الأولاد إثبتوا فيه حتى إذا أُظهر يكون لنا ثقة ولا نخجل منه في مجيئه ] (1يو2: 28)
ولنتيقن اننا بدون المسيح الرب في داخلنا لن نستطيع ان نفعل شيئاً إطلاقاً، وأي شيء نفعله خارجاً عنه فهو لا يُقبل لأن كل ما يقبل هو حسب عطية الله وعمله فينا وليس حسب أعمال برنا ولا شطارتنا ولا قوتنا ولا أي شيء آخر من مثل هذا القبيل حتى لو كان صحيح جداً وصالح، فالرب بنفسه يقول: [ أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت في وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا ] (يو15: 5)، والرسول يقول: [ أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني ] (في4: 13)
