عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

مقدمة

عبارة «إله من إله» تشير الي ان كلاً من اقنوم الآب والابن لهم نفس الجوهر الالهي الواحد فكلمة اله لا تشير الي اله منفصل بل تشيل الي ماهية الابن اللاهوتية للرد علي قول اريوس ان الابن مخلوق فهي اشارة الي ان الابن له نفس طبيعة الآب من ناحية الجوهر وأنهما من نفس الجوهر أو الطبيعة الواحدة. وهي تُشبه العبارة: «إنسان من إنسان»، أي إنسان مولود من إنسان آخر، يشترك معه في نفس الطبيعة. فـ”الولادة” تعني الإصدار أو الانبثاق الطبيعي، أي أن يلد الواحد مَن هو على نفس طبيعته.مع عدم تشبيه الله بالمركبات لان الله ليس مركب كالانسان ولكن للاستدلال العقلي وليس للقياس بالله.

شيث (Seth) هو مولود من آدم (Adam). وكلاهما من نفس الطبيعة البشرية، ولهذا نقول: إنسان من إنسان. كذلك، الابن مولود من الآب. وكلاهما يشتركان في نفس الطبيعة الإلهية. أقنوم إلهي من أقنوم إلهي. ولهذا تقول العقيدة: “إله حق من إله حق”.

خلفية تاريخية

النزاع الآريوسي

في بداية القرن الرابع الميلادي، نشأ خلاف عقائدي خطير داخل الكنيسة عندما بدأ آريوس (256-336م) في الإسكندرية بالتعليم بأن ابن الله مخلوق من الآب، وأنه أقل منه في الجوهر والمكانة. ادّعى آريوس أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، وأن الآب وحده هو الإله الحقيقي غير المخلوق.

 

مجمع نيقية وقانون الإيمان النيقاوي – سنة ٣٢٥م

يُعتبر قانون الإيمان النيقاوي أحد أهم الوثائق في تاريخ المسيحية، والذي صدر عن المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م (Council of Nicaea I) بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الأول. جاء هذا المجمع كاستجابة للجدل اللاهوتي الحاد الذي أثاره آريوس، الكاهن الإسكندري، حول طبيعة المسيح وعلاقته بالآب. ووضع المجمع قانون الإيمان هذا لإرشاد الكنيسة في ما يخص اللاهوت، والكريستولوجيا (عقيدة المسيح)، والتعليم عن الثالوث القدوس.

وقد دار جدل كبير حول استخدام مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος – Homoousios) أي: “واحد في الجوهر”. حتى عند صياغته، لم يحظَ قانون الإيمان بموافقة كاملة من جميع الحاضرين، وسرعان ما تعرّض للهجوم، وتمت مراجعته لاحقًا في مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م (Council of Constantinople I – 381 AD).

 

النص الأصلي لقانون الإيمان سنة ٣٢٥م

نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى.

وبربٍّ واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الآب، [الابن الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله،] نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر.

الذي به كان كل شيء [ما في السماء وما على الأرض]؛

الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسد، وتأنس؛

وتألم، وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات؛ وصعد إلى السماوات،

ومن هناك يأتي ليدين الأحياء والأموات.

ونؤمن بالروح القدس.

 

الإدانة المضافة في نهاية النص (الموجَّهة ضد تعاليم آريوس)

أما الذين يقولون: “كان هناك وقت لم يكن فيه”، أو “لم يكن قبل أن يُولد”، أو “صُنع من العدم”، أو “هو من جوهر أو طبيعة أخرى”، أو أنّ “ابن الله مخلوق”، أو “قابل للتغيير” أو “للتحول” – فهؤلاء تُدينهم الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية.

 

دور الكنيسة القبطية في المجمع

لعبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بقيادة البابا إسكندر البطريرك العشرين (312-326م) وخلفه القديس أثناسيوس الرسولي (326-373م)، دوراً محورياً في مقاومة الآريوسية والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي. كان القديس أثناسيوس، الذي حضر المجمع كشماس مع بطريركه، من أبرز المدافعين عن الطبيعة الإلهية للمسيح. ورغم صغر سنه ورتبته، برز أثناسيوس في المجمع كمفكر ولاهوتي قوي، وتميّز بوضوح عقيدته، خاصة في نقطتين:

  • تأكيد لاهوت الابن:

دافع بشدة عن أن الابن هو “مولود غير مخلوق”، “مساوٍ للآب في الجوهر” (ὁμοούσιος τῷ Πατρί)، رافضًا الطرح الآريوسي القائل بأنه “كان هناك وقت لم يكن فيه الابن”.

  • صياغة جوهر قانون الإيمان:

يُعتقد أن القديس أثناسيوس لعب دورًا محوريًا في صياغة الألفاظ الأساسية في قانون الإيمان النيقاوي، لا سيما عبارة:

“نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”

التي تهدف إلى تأكيد أن الابن ليس مخلوقًا بل مولودًا من نفس جوهر الآب.

أصل عبارة “إله من إله” من الإنجيل

عبارة “إله من إله” لها جذورها في إنجيل يوحنا ١:١، حيث يُقال أن معرفة الله لذاته وتعبيره عن نفسه هو كونه “إله”. أي أن “الفكر الإلهي عن نفسه” كان هو الله، أو كما تقول الترجمات الإنجليزية الشائعة: “وكان الكلمة الله” (The Word was God).

 

الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي لوغوس λόγος وفي المقطع الأخير من يوحنا 1:1c وأيضًا في يوحنا 1:18a، تأتي الكلمة بلا أداة تعريف (anarthrous)، ومع ذلك تُترجم إلى الإنجليزية كاسم علم: “God” أي الله.

يوحنا ١:١: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.”

الخلفية اليهودية لمفردة لوغوس “الكلمة – λόγος”

لم يكتب القديس يوحنا الإنجيلي هذه الآية من فراغ، بل كانت لديه خلفية يهودية ساعدته على التعبير عنها. في أيامه، كان مفهوم “اللوغوس – λόγος” معروفًا جيدًا، خاصة في اليهودية الهيلينية في فترة الهيكل الثاني.

هذا المفهوم يتضح في الترجمة السبعينية (LXX) وفي بعض الكتابات اليهودية الدينية بين العهدين. وبسبب انتشار هذا المفهوم، استخدمه يوحنا ليشرح البشارة.

آيات من العهد القديم في الترجمة السبعينية LXX التي تُشكل أساس يوحنا ١:١-٣

لدينا العديد من الآيات في العهد القديم والتي استند إليها القديس يوحنا الإنجيلي في استخدام كلمة لوغوس، منها:

  1. تكوين ١:١
  2. مزمور ٤٥:١
  3. مزمور ٣٣:٦
  4. أمثال ٨:٢٢–٣٠

معنى لوغوس

الكلمة اليونانية “لوغوس” لها معانٍ متعددة، منها: الكلمة، الخطاب، الرسالة، الخطة، والعقل/المنطق. والمعنى يُفهم بحسب السياق. في يوحنا ١:١، اللوغوس يُشير إلى الفكر الإلهي الداخلي والتعبير الذاتي لله، أي أن الكلمة هي تعبير خارجي عن معرفة الله لذاته. وهذا يعبر عنه هكذا:

المفكِّر = الله

الفكر = الله

إذن، نحن أمام الله الذي يعرف نفسه، ويفكر في نفسه، ويعبّر عن نفسه بالكلمة، وهذه الكلمة ليست شيئًا مخلوقًا، بل هي “إله من إله”، كما تُعلِن العقيدة النيقاوية (The Nicene Creed) والتي نسميها أيضاً قانون الإيمان.

التعبير اللاهوتي: الله في ذاته ومن ذاته — الله يعرف نفسه بكُليّة ذاته، وتعبيره الذاتي أو كلمته هو إله مثله، له نفس الجوهر الإلهي. الله لا يظن عن نفسه أنه إله جزئي، بل يرى نفسه على أنه الله بالكامل.

أمثال ٢٣:٧: “لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ هكَذَا هُوَ. “

وفقًا لإنجيل يوحنا ١:١، الكلمة (الابن) هو “إله من إله”، فهو ذات الفكر الإلهي، التعبير الكامل عن ذات الله، ولهذا فهو الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

تحليل عبارة “إله من إله” من المنظور الأرثوذكسي

تؤكد الكنيسة الأرثوذكسية أن عبارة “إله من إله” تشير إلى وحدة الجوهر (الأوسيا oύσiα) — أي الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود — بين الآب والابن. هذا يعني أن الابن ليس إلهاً منفصلاً أو مختلفاً عن الآب، بل هو من نفس الجوهر الإلهي، مما يؤكد على الوحدة الجوهرية في الثالوث المقدس. ويقول البابا شنودة الثالث في كتابه “قانون الإيمان” في تفسير هذه العبارة:

إله حق، أي له طبيعة الله بالحق. وليس مثل الذين دعوا آلهة بمعنى سادة، وليسوا هم آلهة بالحقيقة.

ويذكر أيضاً في موضع آخر:

ولكن السيد المسيح هو إله حق، أي له كل صفات الألوهية:
فهو أزلي خالق، قادر على كل شيء، موجود في كل مكان، غير محدود.. فاحص القلوب والكلى، قدوس، رب الأرباب، غافر الخطايا.. إلى آخر كل تلك الصفات الخاصة بالله وحده.

ويفسر التقليد القبطي من جهته هذه العبارة كتأكيد على أن العلاقة بين الآب والابن أزلية وليست زمنية. فالابن “من” الآب لا يعني أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، بل يشير إلى العلاقة الأقنومية الأزلية داخل الذات الإلهية الواحدة.

تعبر هذه العبارة عن مفهوم الولادة الإلهية الأزلية، حيث يُولد الابن من الآب منذ الأزل وإلى الأبد. هذه الولادة ليست جسدية أو زمنية، بل هي ولادة روحية أزلية تحافظ على وحدة الطبيعة الإلهية.

كما واجهت الكنيسة القبطية فكرة التبني التي تقول إن المسيح إنسان تبناه الله. عبارة “إله من إله” تؤكد على الطبيعة الإلهية الحقيقية للمسيح وليس مجرد التبني. كما أن كلمة (إله) هنا ليست مجرد لقب كما قيل عن آلهة الأمم أو كما قيل عن بعض البشر.

في الليتورجيا الإلهية، تُتلى عبارة “إله من إله” في كل قداس إلهي في الكنيسة، وتحديداً أثناء تلاوة قانون الإيمان. هذا التكرار اليومي يؤكد على أهمية هذا التعليم في الحياة الروحية والعبادية للمؤمنين.

في التعليم الآبائي، طور القديس أثناسيوس، الذي يُلقب بـ”عمود الإيمان”، تفسيراً عميقاً لهذه العبارة في كتاباته ضد الآريوسيين. أكد على أن الابن “من جوهر الآب” وليس “من لا شيء” كما ادّعى آريوس. وواصل القديس كيرلس الإسكندري (376-444 م) التقليد الأثناسي في تفسير العبارة، مؤكداً على وحدة الطبيعة الإلهية بين الآب والابن، مما ساهم في مقاومة النسطورية لاحقاً.

في التقليد الرهباني، تبنى الآباء الرهبان في مصر هذا التعليم وجعلوه جزءاً من تأملاتهم اليومية. الأنبا مقار الكبير والأنبا باخوم وغيرهم من آباء البرية المصرية أكدوا على أهمية فهم هذه الحقيقة الإيمانية في الحياة الروحية.

على مستوى العقيدة، تساهم عبارة “إله من إله” في تأسيس العقيدة الثالوثية السليمة، حيث تحافظ على التوازن بين وحدة الله وتمايز الأقانيم. هذا التوازن أساسي في الفهم الأرثوذكسي للثالوث.

أما من الناحية الروحية، تؤكد العبارة على أن المسيح الذي نعبده ونصلي إليه هو إله حقيقي، مما يبرر العبادة المسيحية ويعطيها معناها العميق. كما تؤكد على أن الخلاص الذي قدمه المسيح هو خلاص إلهي حقيقي.

كذلك على مستوى الكرازة، تستخدم الكنيسة هذه العبارة في الكرازة والتعليم لتأكيد ألوهية المسيح أمام التحديات المعاصرة، سواء من الديانات الأخرى أو من التيارات الليبرالية داخل المسيحية.

 

الخلاصة

تمثل عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي حجر الزاوية في التعليم الأرثوذكسي حول ألوهية المسيح. هذه العبارة، التي وُلدت من صراع لاهوتي عميق في القرن الرابع، تستمر في لعب دور مركزي في الحياة العقائدية والروحية والليتورجية للكنيسة.

من خلال تأكيدها على وحدة الجوهر بين الآب والابن، تحافظ هذه العبارة على التوازن الدقيق في فهم الثالوث، بينما تقاوم في الوقت نفسه الانحرافات العقائدية التي تهدد جوهر الإيمان المسيحي. التقليد الكنسي، المتجذر في تعاليم القديس أثناسيوس والقديس كيرلس، يواصل الدفاع عن هذا التعليم وتطبيقه في الحياة المعاصرة.

إن فهم هذه العبارة ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو في صميم الإيمان الأرثوذكسي والحياة الروحية للمؤمنين. فهي تؤكد على أن المسيح الذي نعبده هو الإله الحقيقي، وأن الخلاص الذي قدمه لنا هو عمل إلهي حقيقي قادر على تحويل حياتنا وضمان أبديتنا.

 

المراجع:

  1. شرح لاهوتي لعبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي – رابط: https://christianity.stackexchange.com/a/40068
  2. ملخص تاريخي لمجمع نيقية الأول وصياغة قانون الإيمان سنة 325م – Church History 101 – “Fourth Century Church History – The Council of Nicea (325 AD)” – رابط: https://www.churchhistory101.com/century4-p8.ph
  3. كتاب “قانون الإيمان” لقداسة البابا شنودة الثالث، الأنبا تكلا – الباب الخامس عشر – رابط: https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/35-Kanoun-El-Iman/Christian-Faith__15-Truth.html

بحث وكتابة: عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

مقدمة:

في حين أن السيد المسيح هو المعلم الأعظم الذي ليس له مثيل، فإن بولس الرسول يمثل نموذجًا استثنائيًا للمدافعين المسيحيين. إن طريقته في التفكير والشرح والإثبات والإقناع والدفاع عن الإيمان هي بمثابة مخطط يُحتذى به للدفاعيات الفعالة.

 يقف بولس الرسول مثال حاسم للمدافعين المسيحيين في كيفية التعامل مع الاعتراضات على الإنجيل والحق الكتابي. إن أسلوب بولس في التفكير والشرح والإثبات وإبطال الحجج الباطلة هو أساس الدفاعيات المسيحية اليوم. كان منهجه متجذرًا في الفهم العميق للكتاب المقدس والمنطق والبلاغة، بالإضافة إلى التعاطف والمحبة لأولئك الذين سعى للوصول إليهم.

 

 في هذا المقال سوف نتطرّق إلى النقاط التالية:

– كيف يستطيع المدافعين المسيحيين المعاصرين السير على خُطى بولس الرسول وأساليبه في الدفاعيات لتقديم اجابات فعالة على الاعتراضات؟

– ما هو المنهج الذي اتبعه بولس الرسول في التعامل مع الاعتراضات؟

 وأيضا سوف نتطرق الى تنوّع اساليبه وكيف كان يُكيَّفَ اساليبه مع السياق الذي وجد نفسه فيه دون التهاون في الحق الكتابي، وايضا كيف كان يعمل على تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة.

  1. اسلوب بولس الرسول مع المعترضين الوثنيين وكيفية رده على الاعتراضات ذات الطبيعة الفلسفية.
  2. اسلوب بولس الرسول في استدلاله من الكتب المقدسة مع اليهود.
  3. اسلوب بولس الرسول في الدفاع عن الإيمان ضد المتهودين المتمسكين بالشريعة الموسوية.
  4. كيف استخدم بولس تجربته وشهادته الشخصية في اساليبه الدفاعية؟
  5. 5اسلوب بولس الرسول في دحض التعاليم الكاذبة للمعلمين الكذبة.
  6. اسلوب بولس الرسول في الكرازة والتعامل مع الأمم.
  7. كيف يمكن للمدافعين أن يتعلموا منهج بولس الرسول في استخدامه للمنطق والعقل؟

 

منهج بولس الرسول في الدفاعيات

– كيف تعامل بولس الرسول مع الفلاسفة اليونانيين واسلوب رده على الاعتراضات ذات الطبيعة الفلسفية؟

بالرجوع الى الكتاب المقدس في سفر اعمال الرسل ١٧: ١٦-٣٤، نقرأ عن كيفية تفاعل بولس الرسول في مدينة أثينا مع الفلاسفة الوثنيين والذي يُعتبر بمثابة مثال حي يُحتذى به لطريقة تعليمه ومنهجه.

أمام مدينة مملوءة بالأصنام، تحركت روح بولس الرسول، وبدأ يحاور اليهود والمتعبدين في المجمع وكذلك في السوق مع الذين تصادف وجودهم هناك (أعمال الرسل ١٧: ١٧). يوضح هذا المقطع في الكتاب المقدس كيف أن بولس الرسول أشرك كل من الجماهير الدينية والعلمانية، وكيَّفَ طريقته مع السياق الذي وجد نفسه فيه.

 

 

أعمال الرسل ١٧: ١٦-٣٤

16 وَبَيْنَمَا بُولُسُ يَنْتَظِرُهُمَا فِي أَثِينَا احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ، إِذْ رَأَى الْمَدِينَةَ مَمْلُؤَةً أَصْنَامًا.

17 فَكَانَ يُكَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ الْيَهُودَ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَالَّذِينَ يُصَادِفُونَهُ فِي السُّوقِ كُلَّ يَوْمٍ.

18 فَقَابَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْفَلاَسِفَةِ الأَبِيكُورِيِّينَ وَالرِّوَاقِيِّينَ، وَقَالَ بَعْضٌ: «تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟» وَبَعْضٌ: «إِنَّهُ يَظْهَرُ مُنَادِيًا بِآلِهَةٍ غَرِيبَةٍ». لأَنَّهُ كَانَ يُبَشِّرُهُمْ بِيَسُوعَ وَالْقِيَامَةِ.

19 فَأَخَذُوهُ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى أَرِيُوسَ بَاغُوسَ، قَائِلِينَ: «هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ بِهِ.

20 لأَنَّكَ تَأْتِي إِلَى مَسَامِعِنَا بِأُمُورٍ غَرِيبَةٍ، فَنُرِيدُ أَنْ نَعْلَمَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ».

21 أَمَّا الأَثِينِوِيُّونَ أَجْمَعُونَ وَالْغُرَبَاءُ الْمُسْتَوْطِنُونَ، فَلاَ يَتَفَرَّغُونَ لِشَيْءٍ آخَرَ، إِلاَّ لأَنْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَسْمَعُوا شَيْئًا حَديثًا.

22 فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسْطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ! أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا،

23 لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.

24 الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي،

25 وَلاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسًا وَكُلَّ شَيْءٍ.

26 وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ،

27 لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا.

28 لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ.

29 فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللهِ، لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرِ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ.

30 فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ.

31 لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ».

32 وَلَمَّا سَمِعُوا بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ، وَالْبَعْضُ يَقُولُونَ: «سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هذَا أَيْضًا!»

33 وَهكَذَا خَرَجَ بُولُسُ مِنْ وَسْطِهِمْ.

34 وَلكِنَّ أُنَاسًا الْتَصَقُوا بِهِ وَآمَنُوا، مِنْهُمْ دِيُونِيسِيُوسُ الأَرِيُوبَاغِيُّ، وَامْرَأَةٌ اسْمُهَا دَامَرِسُ وَآخَرُونَ مَعَهُمَا.

 

 

– في تعامله مع الفلاسفة اليونانيين، لم يقم بولس بنقد مباشر لعبادة أصنامهم، وبدلاً من ذلك فقد امتدح جانب ايجابي وجده فيهم وهو إخلاصهم الديني لمعبودهم المجهول واستخدم ذلك نقطة انطلاق لتعريفهم بالإله الحقيقي الواحد (أعمال الرسل 22:17-23). وكانت إشارته إلى مذبحهم المنقوش عليه عبارة “إله مجهول” طريقة رائعة كمدخل للتواصل معهم، مع توجيههم بالتدريج نحو الإله الحقيقي. إن طريقة بولس تعلّم المدافعين المسيحيين المعاصرين قيمة إيجاد أرضية مشتركة والبناء عليها عند معالجة المشكلة والرد على الاعتراضات.

يكشف لقاء بولس الرسول مع الفلاسفة في أريوس باغوس في أثينا عن قدرته على التعامل مع الحجج الفلسفية المتطورة. كان الأثينيون فضوليين بشأن الأفكار الجديدة، واغتنم بولس الفرصة لتقديم الإنجيل بطريقة تخاطب فضولهم الفكري. افتتح كلمته بمدح تدينهم ثم قدم مفهوم الإله الحقيقي الذي خلق العالم ولا يعيش في هياكل صنعها الإنسان (أعمال الرسل 17: 24).

الأمر الملفت للنظر في أسلوب بولس الرسول هو أنه لم يبدأ بالكتاب المقدس عندما كان يتحدث إلى هذا الجمهور بالتحديد. لقد عرف أن الفلاسفة اليونانيين لن يقبلوا سلطة الكتب المقدسة العبرية، لذلك كَيَّفَ رسالته مع نظرتهم للعالم مع الحفاظ على الحق الكتابي. على سبيل المثال، اقتبس من شعراء يونانيين قولهم: “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ.” (أع 17: 28). وباستخدام مراجعهم الثقافية الخاصة، أنشأ بولس جسرًا بحيث انه جعل رسالته في متناولهم بشكل أكبر. هذا النهج فعّال للمدافعين المعاصرين، خاصة عند التعامل مع الجماهير العلمانية أو المتشككة التي قد لا تعترف بسلطة الكتاب المقدس.

ومع ذلك، فإن بولس لم يساوم على رسالة الإنجيل. فهو بعد أن أسس أرضية مشتركة، سلّم الحقيقة الأساسية المتمثلة في التوبة وقيامة الرب يسوع، مما تسبّب في انقسام بين مستمعيه (أعمال الرسل 30:17-32). وهذا يوضح أنه على الرغم من أهمية وضع الرسالة في سياقها، إلا أنه لا ينبغي أبدًا التقليل من شأن الحقائق الأساسية للإنجيل أو المساس بها في محاولة لكسب التأييد. يمكن للمدافعين المسيحيين اليوم أن يحذوا حذو بولس الرسول من خلال التعامل مع وجهات نظر عالمية مختلفة، وذلك باستخدام عناصر الثقافة أو الفلسفة للفت الانتباه إلى الحقائق الكتابية، مع الالتزام الدائم بتقديم الرسالة الأساسية لصلب وموت المسيح وقيامته.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الاستدلال المنطقي والمنهجي من الكتب المقدسة في خدمته مع اليهود

إحدى السمات المميزة لمنهج بولس الرسول الدفاعي كانت قدرته على الاستدلال مباشرة من الكتب المقدسة والاستناد اليها كما رأينا في خدمته لليهود.

جاء في أعمال الرسل: “فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاَثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ، مُوَضِّحًا وَمُبَيِّنًا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَنَّ: هذَا هُوَ الْمَسِيحُ يَسُوعُ الَّذِي أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.” (أع 17: 2-3).

لم تكن أفكار بولس عاطفية أو مبنية على خبرة شخصية فحسب؛ لقد أسس رسالته على سلطة الكتاب المقدس، وعلى هذا يجب أن تكون طريقة الاستدلال من الكتاب المقدس قضية اساسية ومحورية في أي جهد دفاعي اليوم.

يكشف نهج بولس أيضًا أن الدفاعيات يجب أن تركز على شرح وإثبات الحق الكتابي، وليس مجرد مشاركته. فهو لم يخبر اليهود عن يسوع فحسب، بل شرح لهم بعناية لماذا كان من الضروري أن يتألم المسيح ويقوم مرة أخرى.

يجب أن يكون المدافعون المسيحيون اليوم مستعدين لشرح الأسباب الكامنة وراء العقائد الكتابية. على سبيل المثال، عند معالجة الاعتراضات حول القيامة، يمكن للمدافع أن يستشهد برسالة كورنثوس الأولى 3:15-4، حيث يسلط بولس الرسول الضوء على موت يسوع وقيامته باعتبارهما جوهر رسالة الإنجيل.

كان بولس الرسول معروفاً بقدرته على الاستدلال المنطقي والمنهجي من الكتب المقدس. لم يعتمد بولس كما سبق وأشرنا على المناشدات العاطفية أو الآراء الشخصية؛ وبدلا من ذلك، استدل من كلمة الله، موضحا كيف اشارت الاسفار المقدسة الى يسوع بصفته المسيح الموعود به.

بالنسبة للمدافعين المعاصرين، يعتبر الاستدلال من الكتاب المقدس أمرًا بالغ الأهمية. الكتاب المقدس هو الأساس المرجعي لكل العقيدة المسيحية، وهو يوفر الإجابات على العديد من الأسئلة والاعتراضات التي يثيرها الناس. ومن خلال الاستدلال الدقيق والمنطقي من الكتاب المقدس، يستطيع المدافعون أن يبرهنوا على حقيقة الإيمان المسيحي.

لنعرض بأكثر تفصيلا طريقة الاستدلال المنطقي والمنهجي لدى بولس الرسول في النقاط التالية:

1- الشرح والتوضيح

كان بولس الرسول بارعاً في شرح المفاهيم اللاهوتية الصعبة بطريقة يمكن لمستمعيه أن يفهموها. في رسائله، غالبًا ما كان يأخذ أفكارًا معقدة – مثل التبرير بالإيمان، وطبيعة النعمة، والقيامة – ويقسمها او يفككها إلى مصطلحات واضحة ومفهومة. على سبيل المثال، في رومية 1:5-2، شرح بولس مفهوم التبرير:

 فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،

 الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ.

وبالمثل، يجب أن يكون المدافعون قادرين على شرح الحقائق اللاهوتية بوضوح وإيجاز. قد يكون لدى الناس سوء فهم حول العقائد المسيحية الأساسية، ومن واجب المدافع أن يقدم تفسيرات تنير الحقيقة. سواء كان الأمر يتعلق بشرح مفهوم الثالوث، أو طبيعة الخطية، أو القيامة، فإن الوضوح أمر ضروري.

2- الاثبات

تميزت خدمة بولس بالتركيز القوي على إثبات حق الإنجيل. نقرأ في أعمال الرسل 22:9 وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقًا «أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ».

استخدم بولس الأدلة من الكتاب المقدس، وشهادة شهود العيان، وحتى تجربته الشخصية لإثبات حقيقة رسالة الإنجيل.

يمكن للمدافعين المسيحيين أن يحذوا حذو بولس بتقديم الأدلة على حقيقة المسيحية. قد يتضمن ذلك استخدام الأدلة التاريخية للقيامة، أو الحجج الفلسفية لوجود الله، أو الشهادات الشخصية للتحول من خلال الإيمان بالمسيح. ومن خلال تقديم أدلة منطقية، يمكن للمدافعين أن يساعدوا في إزالة الحواجز الفكرية التي قد تقف عائقا المعترضين.

3- الاقناع

من أبرز سمات بولس الرسول قدرته على إقناع الآخرين. في أعمال الرسل 26: 28

 فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: «بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا».

 لم تأت قوة بولس في الإقناع من حججه المنطقية فحسب، بل من شغفه وقناعته أيضًا. كان يؤمن بشدة بحق الإنجيل، وقد ظهر هذا الإيمان في كلماته وعباراته.

ويجب على المدافعين أيضًا أن يسعوا إلى إقناع الآخرين بحق الإنجيل. وهذا لا يعني التلاعب بالناس والالفاظ أو الضغط عليهم لقبول هذا الاعتقاد، ولكنه يتضمن تقديم الحقيقة بطريقة مقنعة وفيها شغف. عندما يرى الناس أن المدافعون يؤمنون حقًا بما يقولونه وأنهم منغمسون بشدة في الحقيقة، فمن المرجّح أن يؤثر ذلك على المتشككين بحيث يكونوا منفتحين ومتجاوبين اكثر مع تلك قناعات المدافعين.

4- الدفاع

كان بولس أيضًا مدافعًا ماهرًا عن الإيمان، وكان يدحض باستمرار الاعتراضات والتعاليم الكاذبة. في رسائله، دافع بولس مراراً وتكراراً عن حق الإنجيل ضد البدع والهرطقات، مثل تعاليم اليهود الكاذبة (غلاطية 6:1-9) أو البدع الغنوصية التي هددت الكنيسة الأولى. ولم يخجل من المواجهة عندما كان ذلك ضروريًا لحماية نقاء الإنجيل.

 

(غلاطية 6:1-9)

إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!

لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ.

وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!

كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!

بالنسبة للمدافعين المسيحيين، يعتبر الدفاع عن الإيمان جزءًا أساسيًا من رسالتهم. يدعو الكتاب المقدس المؤمنين إلى “أن يجاهدوا لأجل الإيمان المُسلَّم مرة واحدة للقديسين” وهذه النقطة ايضا اشار اليها يهوذا الرسول في رسالته:

“أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.” (يه 1: 3).

 وهذا لا يتضمن الرد على الاعتراضات فحسب، بل يشمل أيضًا دحض التعاليم الكاذبة وحماية سلامة رسالة الإنجيل.

من خلال دراسة طرق وأساليب بولس الرسول، يمكن للمدافعين المسيحيين المعاصرين أن يتعلموا كيفية توصيل حق الإنجيل بطريقة فعالة وأمينة للكتاب المقدس. من خلال الاصغاء التام، والتفسيرات الواضحة، والتفكير المنطقي، والمحبة العميقة للآخرين، يمكن للمدافعين أن يحققوا دعوتهم لمشاركة الأخبار السارة عن يسوع المسيح والإجابة على الاعتراضات التي تنشأ في عالم مليء بالأسئلة.

 

– كيف دافع بولس عن الإيمان ضد المتهودين المتمسكين بالشريعة الموسوية؟

أحد التحديات الأساسية التي واجهها بولس الرسول جاءت من المتهودين – المسيحيين، اليهود الذين أصروا على أن المتحولين من الأمم يجب أن يتبعوا الشريعة الموسوية، ولا سيما ممارسة الختان. إن دفاع بولس عن إنجيل النعمة بعيدًا عن أعمال الناموس يظهر بوضوح في رسائله إلى أهل غلاطية ورومية.

في رسالة غلاطية، يوبخ بولس الغلاطيين الذين قبلوا الإيمان على يديه ثم بدأوا يتحولون سريعًا عن الإنجيل الذي قبلوه بنعمة المسيح وينقادوا إلى الضلال نتيجة انسياقهم وراء التعليم الناموسي للمتهودين. فهو يكتب لهم قائلا:

6 إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!

7 لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. (غلاطية 1: 6-7).

يوضح بولس هنا على أهمية الحفاظ على نقاوة رسالة الإنجيل.

عندما واجه بولس الناموسيين، جادل بقوة بأن التبرير يأتي من خلال الإيمان بالمسيح، وليس من خلال الالتزام بأعمال الناموس.

 

يقول في غلاطية 2: 16:

16 إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا.

 

ويستمر في غلاطية 3: 11 قائلا: وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ «الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا».

يجب أن يكون المدافعون المسيحيون مستعدين للتعامل مع الناموسية الدينية بأنماطها المختلفة بأشكال مختلفة، سواء أتى ذلك من سوء فهم العلاقة بين الإيمان والأعمال كمثال أو من أخطاء عقائدية أخرى.

– كيف استخدم بولس تجربته وشهادته الشخصية في طريقته الدفاعية؟

غالبا ما استخدم بولس شهادته الشخصية كجزء من دفاعه عن الإيمان، خاصة عند مخاطبة الجماهير المعادية. إحدى أشهر الأمثلة على ذلك نجده في أعمال الرسل الاصحاح 22، عندما تم القبض على بولس في أورشليم وأعطي الفرصة لمخاطبة الجموع ولكنه بدلاً من الانطلاق في خطاب لاهوتي، بدأ بسرد تجربته الشخصية في لقائه مع المسيح القائم من الاموات على الطريق إلى دمشق (أعمال الرسل ٣:٢٢-١٦).

كانت شهادة بولس قوية لأنها أظهرت قوة الإنجيل الذي غيّر حياته. لقد كان في يوم من الأيام مضطهدًا للمسيحيين، ولكن بعد لقائه بالمسيح القائم من بين الأموات، تغيرت حياته جذريًا. لم تكن قصة التحول الشخصية هذه مفيدة للدفاع عن رسوليته فحسب، بل سلّطت الضوء أيضًا على نعمة يسوع وقوته لتقديم الخلاص حتى لأسوأ الخطأة.

في 1 تيموثاوس 1: 15-16، يتأمل بولس في قصة تحوّله من خلال النصوص التالية:

“صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا.” (1 تي 1: 15).

“لكِنَّنِي لِهذَا رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فيَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالًا لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.” (1 تي 1: 16).

يمكن للمدافعين المسيحيين أن يحذوا حذو بولس الرسول عن طريق دمج شهادتهم الشخصية في دفاعهم عن الإيمان. إن الاختبارات والتجارب الشخصية عن كيفية عمل الله في حياة الإنسان يمكن أن تكون بمثابة دليل قوي على حقيقة الإنجيل. في حين أن الاختبار الشخصي لا ينبغي أن يحل محل الكتاب المقدس كأساس للحجة، إلا أنه يمكن أن يكمّل المنطق الكتابي ويقدم مثالا ملموسًا لنعمة الله.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

– كيف دحض بولس التعاليم الكاذبة للمعلمين الكذبة؟

كثيرًا ما تتناول رسائل بولس الرسول التعاليم الكاذبة التي كانت تتسلل إلى الكنيسة الأولى. في رسائله الرعوية، ولا سيما في رسالتَيْ تيموثاوس الأولى والثانية ورسالته الى تيطس، يحث بولس أتباعه على الوقوف بحزم ضد العقيدة الباطلة ودحض أولئك الذين يناقضون الحق.

 

في 2 تيموثاوس 4: 2-5، كتب بولس:

2 اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ.

3 لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ،

4 فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ.

5 وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ. اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ.

 

في (تيطس 1: 9) حذر من المعلمين الكذبة وأكدّ على ملازمة الكلمة الصادقة والتعليم الصحيح.

9 مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ.

 

* كانت استراتيجية بولس لمحاربة التعليم الكاذب ذات شقين:

– دَحْض الخطأ

– والارشاد إلى التعليم الصحيح.

وهذا درس أساسي للمدافعين المسيحيين اليوم. لا يكفي مجرد الإشارة إلى أخطاء التعاليم الكاذبة؛ يجب على المدافعين أيضًا تقديم توجيهات وتعليمات ارشادية وإيجابية في العقيدة السليمة. يتضمن هذا فهمًا عميقًا للكتاب المقدس والقدرة على توصيله بشكل واضح ومقنع.

وهذا ايضا ما يحث عليه يهوذا الرسول المؤمنين في رسالته (يهوذا 1: 3) وذلك بواسطة تجهيز وتحصين أنفسهم بمعرفة الكتاب المقدس وفهم قوي للاهوت الكتابي.

“أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.” (يه 1: 3).

– كيف تعامل بولس في الكرازة مع الأمم؟

إن دعوة بولس كرسول للأمم (رومية 11: 13) شكّل الكثير من أسلوبه الدفاعي والكرازي.

على عكس اليهود الذين كان لديهم الكتب ويعرفون أساس أسفار العهد القديم، الامر الذي لم يكن يتمتع به الأمم اذ لم يكن لدى الأمم سوى القليل من المعرفة عن إعلان الله. لذلك، كان على بولس أن يُكيّف رسالته لتتوافق مع احتياجات جمهوره من الأمم.

في 1 كورنثوس 19:9-23، يصف بولس أسلوبه في الكرازة:

“فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ – مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ للهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ – لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ.” (1 كو 9: 19-23).

إن قدرة بولس على التكيُّف لا تعني التنازل عن رسالة الإنجيل؛ بل كان يعني تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة. هذا المبدأ مهم للمدافعين اليوم. يجب أن يكونوا على دراية بمعتقدات جمهورهم وقيمهم وخلفيتهم الثقافية وأن يقدموا الإنجيل بطريقة تخاطبهم ضمن اطارهم وسياقهم المحدد دون تمييع الحقيقة أو التنازل عن رسالة الانجيل.

– كيف يمكن للمدافعين أن يتعلموا منهج بولس الرسول في تقديم حجج منطقية تحاكي العقل والمنطق؟

إن استخدام بولس للمنطق والعقل واضح في كل كتاباته، فعلى سبيل المثال في رسالته إلى أهل رومية. غالبًا ما تُعدُّ رسالة رومية واحدة من أكثر الكتابات اللاهوتية منهجية في العهد الجديد، وهي تُظهر مهارة بولس في تقديم حجّة منطقية.

في رومية 1: 18-32، يوضح بولس بشكل منطقي عواقب رفض البشرية لله، موضحًا كيف تؤدي عبادتهم للأصنام إلى الانحلال الأخلاقي والدينونة.

في رومية (رو 3: 9)، يستخدم بولس سلسلة من الأسئلة البلاغية لإرشاد القارئ خلال حجته حول شمولية الخطية والحاجة إلى التبرير بالإيمان. ويتساءل: “ماذا إذن؟ هل نحن اليهود أفضل حالا؟ لا، على الاطلاق. “فَمَاذَا إِذًا؟ أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَلاَ الْبَتَّةَ! لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ،” (رو 3: 9).

إذا هنا نجد بولس الرسول ومن خلال طرح الاعتراضات المحتملة والمتوقعة والإجابة عليها مباشرة، يبني حجة مقنعة ومنطقية لضرورة ذبيحة المسيح الكفارية.

يمكن للمدافعين المسيحيين اليوم ان يحذوا حذو بولس الرسول من خلال بناء حجج منطقية بعناية حول الاعتراضات المختلفة والشائعة ويقومون على معالجتها. ولا يتضمن هذا فهمًا شاملاً للكتاب المقدس فحسب، بل يشمل أيضًا الوعي بالاعتراضات الفلسفية والثقافية الشائعة التي تحارب المسيحية. يجب على المدافعين أن يجتهدوا في تقديم الإنجيل بطريقة متماسكة فكريًا ومتّسقة منطقيًا.

ختاما نقول يمكن للمدافعين المسيحيين المعاصرين أن يحذوا حذو منهج بولس الرسول وأن يتعلموا كيفية توصيل حق الإنجيل بطريقة فعالة وأمينة للكتاب المقدس. من خلال الاصغاء الفعال، والتفسيرات الواضحة، والتفكير المنطقي، وتنوّع الاساليب والطرق الفعالة دون التهاون في الحق الكتابي، وايضا تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة بالإضافة الى المحبة العميقة للآخرين، يمكن للمدافعين أن يحققوا دعوتهم لمشاركة الأخبار السارة عن يسوع المسيح والإجابة على الاعتراضات التي تنشأ في عالم مليء بالأسئلة.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

 

How Can Christian Apologists Follow the Teaching Methods of the Apostle Paul to Give Effective Answers to Objections?

The Apostle Paul: The Second-Greatest Teacher

 

ليكون للبركة

ترجمة: Patricia Michael

 

كيف يستطيع المدافعون المسيحيون اتّباع طرق تعليم بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات؟ ترجمة: Patricia Michael

Exit mobile version