عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

مقدمة

عبارة «إله من إله» تشير الي ان كلاً من اقنوم الآب والابن لهم نفس الجوهر الالهي الواحد فكلمة اله لا تشير الي اله منفصل بل تشيل الي ماهية الابن اللاهوتية للرد علي قول اريوس ان الابن مخلوق فهي اشارة الي ان الابن له نفس طبيعة الآب من ناحية الجوهر وأنهما من نفس الجوهر أو الطبيعة الواحدة. وهي تُشبه العبارة: «إنسان من إنسان»، أي إنسان مولود من إنسان آخر، يشترك معه في نفس الطبيعة. فـ”الولادة” تعني الإصدار أو الانبثاق الطبيعي، أي أن يلد الواحد مَن هو على نفس طبيعته.مع عدم تشبيه الله بالمركبات لان الله ليس مركب كالانسان ولكن للاستدلال العقلي وليس للقياس بالله.

شيث (Seth) هو مولود من آدم (Adam). وكلاهما من نفس الطبيعة البشرية، ولهذا نقول: إنسان من إنسان. كذلك، الابن مولود من الآب. وكلاهما يشتركان في نفس الطبيعة الإلهية. أقنوم إلهي من أقنوم إلهي. ولهذا تقول العقيدة: “إله حق من إله حق”.

خلفية تاريخية

النزاع الآريوسي

في بداية القرن الرابع الميلادي، نشأ خلاف عقائدي خطير داخل الكنيسة عندما بدأ آريوس (256-336م) في الإسكندرية بالتعليم بأن ابن الله مخلوق من الآب، وأنه أقل منه في الجوهر والمكانة. ادّعى آريوس أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، وأن الآب وحده هو الإله الحقيقي غير المخلوق.

 

مجمع نيقية وقانون الإيمان النيقاوي – سنة ٣٢٥م

يُعتبر قانون الإيمان النيقاوي أحد أهم الوثائق في تاريخ المسيحية، والذي صدر عن المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م (Council of Nicaea I) بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الأول. جاء هذا المجمع كاستجابة للجدل اللاهوتي الحاد الذي أثاره آريوس، الكاهن الإسكندري، حول طبيعة المسيح وعلاقته بالآب. ووضع المجمع قانون الإيمان هذا لإرشاد الكنيسة في ما يخص اللاهوت، والكريستولوجيا (عقيدة المسيح)، والتعليم عن الثالوث القدوس.

وقد دار جدل كبير حول استخدام مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος – Homoousios) أي: “واحد في الجوهر”. حتى عند صياغته، لم يحظَ قانون الإيمان بموافقة كاملة من جميع الحاضرين، وسرعان ما تعرّض للهجوم، وتمت مراجعته لاحقًا في مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م (Council of Constantinople I – 381 AD).

 

النص الأصلي لقانون الإيمان سنة ٣٢٥م

نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى.

وبربٍّ واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الآب، [الابن الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله،] نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر.

الذي به كان كل شيء [ما في السماء وما على الأرض]؛

الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسد، وتأنس؛

وتألم، وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات؛ وصعد إلى السماوات،

ومن هناك يأتي ليدين الأحياء والأموات.

ونؤمن بالروح القدس.

 

الإدانة المضافة في نهاية النص (الموجَّهة ضد تعاليم آريوس)

أما الذين يقولون: “كان هناك وقت لم يكن فيه”، أو “لم يكن قبل أن يُولد”، أو “صُنع من العدم”، أو “هو من جوهر أو طبيعة أخرى”، أو أنّ “ابن الله مخلوق”، أو “قابل للتغيير” أو “للتحول” – فهؤلاء تُدينهم الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية.

 

دور الكنيسة القبطية في المجمع

لعبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بقيادة البابا إسكندر البطريرك العشرين (312-326م) وخلفه القديس أثناسيوس الرسولي (326-373م)، دوراً محورياً في مقاومة الآريوسية والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي. كان القديس أثناسيوس، الذي حضر المجمع كشماس مع بطريركه، من أبرز المدافعين عن الطبيعة الإلهية للمسيح. ورغم صغر سنه ورتبته، برز أثناسيوس في المجمع كمفكر ولاهوتي قوي، وتميّز بوضوح عقيدته، خاصة في نقطتين:

  • تأكيد لاهوت الابن:

دافع بشدة عن أن الابن هو “مولود غير مخلوق”، “مساوٍ للآب في الجوهر” (ὁμοούσιος τῷ Πατρί)، رافضًا الطرح الآريوسي القائل بأنه “كان هناك وقت لم يكن فيه الابن”.

  • صياغة جوهر قانون الإيمان:

يُعتقد أن القديس أثناسيوس لعب دورًا محوريًا في صياغة الألفاظ الأساسية في قانون الإيمان النيقاوي، لا سيما عبارة:

“نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”

التي تهدف إلى تأكيد أن الابن ليس مخلوقًا بل مولودًا من نفس جوهر الآب.

أصل عبارة “إله من إله” من الإنجيل

عبارة “إله من إله” لها جذورها في إنجيل يوحنا ١:١، حيث يُقال أن معرفة الله لذاته وتعبيره عن نفسه هو كونه “إله”. أي أن “الفكر الإلهي عن نفسه” كان هو الله، أو كما تقول الترجمات الإنجليزية الشائعة: “وكان الكلمة الله” (The Word was God).

 

الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي لوغوس λόγος وفي المقطع الأخير من يوحنا 1:1c وأيضًا في يوحنا 1:18a، تأتي الكلمة بلا أداة تعريف (anarthrous)، ومع ذلك تُترجم إلى الإنجليزية كاسم علم: “God” أي الله.

يوحنا ١:١: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.”

الخلفية اليهودية لمفردة لوغوس “الكلمة – λόγος”

لم يكتب القديس يوحنا الإنجيلي هذه الآية من فراغ، بل كانت لديه خلفية يهودية ساعدته على التعبير عنها. في أيامه، كان مفهوم “اللوغوس – λόγος” معروفًا جيدًا، خاصة في اليهودية الهيلينية في فترة الهيكل الثاني.

هذا المفهوم يتضح في الترجمة السبعينية (LXX) وفي بعض الكتابات اليهودية الدينية بين العهدين. وبسبب انتشار هذا المفهوم، استخدمه يوحنا ليشرح البشارة.

آيات من العهد القديم في الترجمة السبعينية LXX التي تُشكل أساس يوحنا ١:١-٣

لدينا العديد من الآيات في العهد القديم والتي استند إليها القديس يوحنا الإنجيلي في استخدام كلمة لوغوس، منها:

  1. تكوين ١:١
  2. مزمور ٤٥:١
  3. مزمور ٣٣:٦
  4. أمثال ٨:٢٢–٣٠

معنى لوغوس

الكلمة اليونانية “لوغوس” لها معانٍ متعددة، منها: الكلمة، الخطاب، الرسالة، الخطة، والعقل/المنطق. والمعنى يُفهم بحسب السياق. في يوحنا ١:١، اللوغوس يُشير إلى الفكر الإلهي الداخلي والتعبير الذاتي لله، أي أن الكلمة هي تعبير خارجي عن معرفة الله لذاته. وهذا يعبر عنه هكذا:

المفكِّر = الله

الفكر = الله

إذن، نحن أمام الله الذي يعرف نفسه، ويفكر في نفسه، ويعبّر عن نفسه بالكلمة، وهذه الكلمة ليست شيئًا مخلوقًا، بل هي “إله من إله”، كما تُعلِن العقيدة النيقاوية (The Nicene Creed) والتي نسميها أيضاً قانون الإيمان.

التعبير اللاهوتي: الله في ذاته ومن ذاته — الله يعرف نفسه بكُليّة ذاته، وتعبيره الذاتي أو كلمته هو إله مثله، له نفس الجوهر الإلهي. الله لا يظن عن نفسه أنه إله جزئي، بل يرى نفسه على أنه الله بالكامل.

أمثال ٢٣:٧: “لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ هكَذَا هُوَ. “

وفقًا لإنجيل يوحنا ١:١، الكلمة (الابن) هو “إله من إله”، فهو ذات الفكر الإلهي، التعبير الكامل عن ذات الله، ولهذا فهو الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

تحليل عبارة “إله من إله” من المنظور الأرثوذكسي

تؤكد الكنيسة الأرثوذكسية أن عبارة “إله من إله” تشير إلى وحدة الجوهر (الأوسيا oύσiα) — أي الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود — بين الآب والابن. هذا يعني أن الابن ليس إلهاً منفصلاً أو مختلفاً عن الآب، بل هو من نفس الجوهر الإلهي، مما يؤكد على الوحدة الجوهرية في الثالوث المقدس. ويقول البابا شنودة الثالث في كتابه “قانون الإيمان” في تفسير هذه العبارة:

إله حق، أي له طبيعة الله بالحق. وليس مثل الذين دعوا آلهة بمعنى سادة، وليسوا هم آلهة بالحقيقة.

ويذكر أيضاً في موضع آخر:

ولكن السيد المسيح هو إله حق، أي له كل صفات الألوهية:
فهو أزلي خالق، قادر على كل شيء، موجود في كل مكان، غير محدود.. فاحص القلوب والكلى، قدوس، رب الأرباب، غافر الخطايا.. إلى آخر كل تلك الصفات الخاصة بالله وحده.

ويفسر التقليد القبطي من جهته هذه العبارة كتأكيد على أن العلاقة بين الآب والابن أزلية وليست زمنية. فالابن “من” الآب لا يعني أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، بل يشير إلى العلاقة الأقنومية الأزلية داخل الذات الإلهية الواحدة.

تعبر هذه العبارة عن مفهوم الولادة الإلهية الأزلية، حيث يُولد الابن من الآب منذ الأزل وإلى الأبد. هذه الولادة ليست جسدية أو زمنية، بل هي ولادة روحية أزلية تحافظ على وحدة الطبيعة الإلهية.

كما واجهت الكنيسة القبطية فكرة التبني التي تقول إن المسيح إنسان تبناه الله. عبارة “إله من إله” تؤكد على الطبيعة الإلهية الحقيقية للمسيح وليس مجرد التبني. كما أن كلمة (إله) هنا ليست مجرد لقب كما قيل عن آلهة الأمم أو كما قيل عن بعض البشر.

في الليتورجيا الإلهية، تُتلى عبارة “إله من إله” في كل قداس إلهي في الكنيسة، وتحديداً أثناء تلاوة قانون الإيمان. هذا التكرار اليومي يؤكد على أهمية هذا التعليم في الحياة الروحية والعبادية للمؤمنين.

في التعليم الآبائي، طور القديس أثناسيوس، الذي يُلقب بـ”عمود الإيمان”، تفسيراً عميقاً لهذه العبارة في كتاباته ضد الآريوسيين. أكد على أن الابن “من جوهر الآب” وليس “من لا شيء” كما ادّعى آريوس. وواصل القديس كيرلس الإسكندري (376-444 م) التقليد الأثناسي في تفسير العبارة، مؤكداً على وحدة الطبيعة الإلهية بين الآب والابن، مما ساهم في مقاومة النسطورية لاحقاً.

في التقليد الرهباني، تبنى الآباء الرهبان في مصر هذا التعليم وجعلوه جزءاً من تأملاتهم اليومية. الأنبا مقار الكبير والأنبا باخوم وغيرهم من آباء البرية المصرية أكدوا على أهمية فهم هذه الحقيقة الإيمانية في الحياة الروحية.

على مستوى العقيدة، تساهم عبارة “إله من إله” في تأسيس العقيدة الثالوثية السليمة، حيث تحافظ على التوازن بين وحدة الله وتمايز الأقانيم. هذا التوازن أساسي في الفهم الأرثوذكسي للثالوث.

أما من الناحية الروحية، تؤكد العبارة على أن المسيح الذي نعبده ونصلي إليه هو إله حقيقي، مما يبرر العبادة المسيحية ويعطيها معناها العميق. كما تؤكد على أن الخلاص الذي قدمه المسيح هو خلاص إلهي حقيقي.

كذلك على مستوى الكرازة، تستخدم الكنيسة هذه العبارة في الكرازة والتعليم لتأكيد ألوهية المسيح أمام التحديات المعاصرة، سواء من الديانات الأخرى أو من التيارات الليبرالية داخل المسيحية.

 

الخلاصة

تمثل عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي حجر الزاوية في التعليم الأرثوذكسي حول ألوهية المسيح. هذه العبارة، التي وُلدت من صراع لاهوتي عميق في القرن الرابع، تستمر في لعب دور مركزي في الحياة العقائدية والروحية والليتورجية للكنيسة.

من خلال تأكيدها على وحدة الجوهر بين الآب والابن، تحافظ هذه العبارة على التوازن الدقيق في فهم الثالوث، بينما تقاوم في الوقت نفسه الانحرافات العقائدية التي تهدد جوهر الإيمان المسيحي. التقليد الكنسي، المتجذر في تعاليم القديس أثناسيوس والقديس كيرلس، يواصل الدفاع عن هذا التعليم وتطبيقه في الحياة المعاصرة.

إن فهم هذه العبارة ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو في صميم الإيمان الأرثوذكسي والحياة الروحية للمؤمنين. فهي تؤكد على أن المسيح الذي نعبده هو الإله الحقيقي، وأن الخلاص الذي قدمه لنا هو عمل إلهي حقيقي قادر على تحويل حياتنا وضمان أبديتنا.

 

المراجع:

  1. شرح لاهوتي لعبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي – رابط: https://christianity.stackexchange.com/a/40068
  2. ملخص تاريخي لمجمع نيقية الأول وصياغة قانون الإيمان سنة 325م – Church History 101 – “Fourth Century Church History – The Council of Nicea (325 AD)” – رابط: https://www.churchhistory101.com/century4-p8.ph
  3. كتاب “قانون الإيمان” لقداسة البابا شنودة الثالث، الأنبا تكلا – الباب الخامس عشر – رابط: https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/35-Kanoun-El-Iman/Christian-Faith__15-Truth.html

بحث وكتابة: عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

إن رسائل العهد الجديد بما تضمنته من حث على الفضيلة وتحذير من السقوط في بعض الخطايا والانحرافات اللاهوتية والعقيدية والروحية، إنما تظهر يقظة الكنيسة الأولى وحرصها على أن يكون جميع أعضائها مقدسين جسداً وروحاً سالكين في وصايا الرب بلا لوم مدققين في حفظ الإيمان القويم الذي سُلم مرة واحدة للقديسين.

والمسيحية كدين جديد صاعد منبثق من اليهودية التقت أول ما التقت باليهودية نفسها، بل كان ينظر إلى المسيحية في أول أمرها على أنها شيعة يهودية جديدة وساعد على هذه النظرة حرص اليهود المتنصرين على الاستمرار في ممارسة عوائدهم اليهودية، لكن سرعان ما حدث الصدام الذي كان لا مندوحة عنه بين المسيحية الناشئة واليهودية العتيقة المتأصلة، صدام من الخارج ومتاعب من الداخل.

صدام من الخارج في صورة الاضطهادات التي أعلنتها اليهودية المتعصبة على الجماعات المسيحية الناشئة.

ومتاعب من الداخل أثارها اليهود المتنصرون الذين نادوا بضرورة التمسك بالناموس الموسوي والعوائد اليهودية وإلزام الأمم المتنصرين بضرورة مراعاتها وإلا فلا خلاص لهم.

وما لبثت المتاعب أن ظهرت من ناحية الأمميين الوثنيين بعد أن اتسعت دائرة الإيمان وكثر عدد المؤمنين منهم، أولاً: عن طريق الاضطهاد الخارجي الذي أثارته الوثنية ممثلة في الدولة الرومانية ضد الكنيسة المسيحية، وثانياً: عن طريق المحاولات التي قام بها بعض المفكرين والفلاسفة الوثنيين المتنصرين لتفسير المسيحية على ضوء الآراء والفلسفات الوثنية لتقريبها إلى عقول الوثنيين غير المؤمنين، وما نتج عن ذلك من انحرافات فكرية وعقيدية.

كان أمراً طبيعياً إذن أن تواجه الكنيسة المسيحية الناشئة هذه المشاكل الإيمانية العقيدية مجتمعة، وكان لابد أن تجد لها حلاً، وقد أخذت الكنيسة منذ أول عهدها بمبدأ حل المشاكل التي تواجهها بواسطة مجامع دينية، وعلى هذا فيمكن القول إن الفكرة المجمعية قد انبثقت في الكنيسة الأولى نتيجة إحساسها بالحاجة إليها.

 

الفكرة المجمعية

أ. في اليهودية.

وإذا أردنا تقصي النظام المجمعي المسيحي فإننا نلمس جذوره في اليهودية ومن أمثلته المجامع التي عقدها كهنة اليهود ورؤساؤهم على السيد المسيح (انظر مت 3:26-4 مر 1:15).

ومن أمثلتها أيضاً المجامع اليهودية التي انعقدت لتحاكم التلاميذ لكرازتهم بالإيمان المسيحي (انظر أع 21:5). وجدير بالذكر أن الرب يسوع في قوله الوارد في (مت 15:18-17) ” إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما، إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو اثنين.. وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار ” يستعمل عبارة ” كنيسة ” ويتحدث عنها كهيئة قضائية كالمجمع اليهودي لها سلطة بعد مناقشات أن تصدر قرارات وتمارس نظاماً معيناً.

 

ب. في كنيسة الرسل.

ولعل أول مجمع عقدته الكنيسة المسيحية هو مجمع أورشليم الذي يحدثنا عنه كاتب سفر الأعمال في الأصحاح الخامس عشر، والذي التأم للنظر في أمر الداخلين من الأمم إلى الإيمان المسيحي، وما إذا كان لابد لهم أن يتهودوا أولاً وإلى أي حد يجب أن يلتزموا بالناموس الموسوي، انعقد هذا المجمع سنة 50م وحضره بطرس وبولس ويوحنا وبرنابا وتيطس -وربما غيرهم من الرسل ممن لم يذكرهم كاتب سفر الأعمال- لكن إلى جانب هؤلاء الرسل كان بعض القسوس والأخوة العلمانيين (انظر أع 6:15، 22، 23).

وقد رأس المجمع القديس يعقوب أسقف أورشليم باعتباره أسقف المكان وكان حله المؤقت الذي ارتآه هو الذي وافق عليه المجمع. والظاهرة الواضحة في هذا المجمع أن روح الله كان يعمل به وفيه ولذا لا نعجب إذا رأينا على الرغم من دقة الموضوع الذي كان يناقش وحدانية القلب والروح والفكر. وسنري كيف أن المجامع الكنسية كانت وسيلة هامة لتدعيم وتقوية الوحدة المسيحية والكنسية وإقرار كل ما يتعلق بالإيمان والنظام وهي ولا شك تحتل صفة بارزة في تاريخ الكنيسة المسيحية.

 

ج. ما بعد العصر الرسولي.

لا يقدم لنا التاريخ الكنسي دليلاً أكيداً على أي أثر لانعقاد مجامع من نوع مجمع أورشليم قبل منتصف القرن الثاني الميلادي حينما انعقدت مجامع في آسيا الصغرى للنظر في بدعة المونتانيين Montanists وهم أتباع منتانوس Montanus الذي زعم أنه هو الباراقليط الموعود به من السيد المسيح.

وعُقدت عدة مجامع في أفسس في أواخر القرن الثاني برئاسة بوليكراتس Polycrates، وفي فلسطين وبلاد ما بين النهرين Mesopotamia وفي بلاد البنطس، وغالباً برئاسة القديس إيريناوس Iranaous بخصوص موضوع عيد الفصح، وأول ذِكر لأمثال هذه المجامع ورد في رسالة من فرميليانوس أسقف قيصرية كبادوكية إلى القديس كبريانوس في أوائل القرن الثالث كما أشار إليها العلامة ترتليانوس في بعض كتاباته كنوع من التنظيم الكنسي في زمانه ويشير إلى أن هذه العادات التي كانت متبعة في الأقاليم الشرقية، بدأت تسترعي انظار اللاتين في الأقاليم الغربية.

على أن أول المجامع الغربية اللاتينية عقدت في مطلع القرن الثالث الميلادي في شمال أفريقيا برئاسة كبريانوس. ومن الرسالة التي أرسلها فرميليانوس والتي أشرنا إليها آنفاً، نتبين أن المجامع كانت تجتمع بانتظام مرتين في كل عام في آسيا الصغرى في أوائل القرن الثالث الميلادي كنظام كنسي ثابت.

 

عضوية المجامع

من له الحق في عضوية المجمع والحق في التصويت بالنسبة لقراراته.

يري البعض في عضوية المجمع المسيحي الأول ” مجمع أورشليم ” وفئات المؤمنين الذين اشتركوا فيه وبالصورة التي اجتمع بها دليلاً واضحاً على أن من حق المؤمنين العلمانيين أن يسهموا في إدارة الشئون الكنسية مع الإكليروس ويستندون في ذلك إلى ما قاله كاتب سفر الأعمال في معرض حديثه عن هذا المجمع ” فاجتمع الرسل والقسوس لينظروا في هذا الأمر “.

وبعد كلمتي بطرس ويعقوب الذي رأس هذا المجمع يقول القديس لوقا ” حينئذ رأي الرسل والقسوس مع الكنيسة.. ” وحينما أقروا قرارات المجمع كتبوا بأيدهم هكذا ” الرسل والقسوس والأخوة يهدون سلاماً إلى الأخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية.. ” (أنظر أع 6:15، 22، 23).

وفي المجمع الذي التأم سنة 256 في عهد القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة لمناقشة موضوع إعادة معمودية الهراطقة كان حاضراً 87 أسقفاً بالإضافة إلى عديد من الكهنة والشمامسة وجمهرة من عامة الشعب وجدير بالذكر أن الأساقفة في هذا المجمع هم الذين كان لهم وحدهم دون سواهم حق التصويت.

ويتخذ البعض من ذلك دليل على أن العلمانيين والقسوس وليس لهم حق التصويت ولكن في بعض المجامع المكانية الأخرى كان القسوس والشمامسة يوقعون بأسمائهم بعد الأساقفة. وموضوع حق القسوس والشمامسة في التصويت رسمياً في المجامع الكنسية خاصة في المجامع الإقليمية كانت وما تزال موضوع جدل ولكن الواقع أنه على غرار ما يحدث الآن في الشئون السياسية، كان كل أسقف يصطحب معه مستشاريه من القسوس والشمامسة وبعد التشاور معهم كان يعلن رأيه بصفته أسقفاً. وإن كان هذا الرأي في واقع الأمر يعتبر محصلة رأيه وآراء مستشاريه.

ويؤكد هذا الذي نقوله رسالة بعث بها الإكليروس الروماني إلى القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة يتحدثون فيها عن المناقشات العامة المجمعية التي يجربها أساقفتهم مع القسوس والشمامسة والمعترفين والعلمانيين المعتبرين على أن الأمر أصبح قاطعاً وواضحاً عقب مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، حيث أصبح للأساقفة وحدهم بصفة عامة حق الحضور والتصويت وأصبح القسوس والشمامسة مجرد سكرتاريين أو مستشارين أو نواباً عن أساقفتهم، ويمكن أن نقسم المجامع الكنسية بصفة عامة إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: مجامع مكانية، مجامع إقليمية، ومجامع عامة ” مسكونية “.

 

المجامع المكانية Diocesan Councils

وهي التي يجتمع فيها الأسقف والقسوس والشمامسة في مركز الإيبارشية لتدبير أمورهم الخاصة. وإن كان التاريخ لا يمدنا بمادة عن انعقاد أمثال هذه المجامع قبل القرن الثالث المسيحي، لكن من المحتمل أن تكون قد انعقدت مجامع كنسية من هذا النوع قبل هذا التاريخ لأن الدسقولية وهي تعاليم الرسل تقول في الباب الثامن منها (يكون “أي الأساقفة” اجتماعكم للأحكام يوم الاثنين. فإن كان ثمة خصومة فصلتموها وتكونون متفرغون لذلك طول الجمعة إلى يوم السبت لتنقضي الخصومة فان كان يوم الأحد المقدس تكونون قد أصلحتم بين المتخاصمين ليحضر معكم يا أساقفة الشمامسة والقسوس.. الخ) “.

 

المجامع الإقليمية Provincial Councils

وهذه بدأت تظهر مع التنظيم الكنسي وكانت تجتمع برئاسة مطران الإقليم ” أي أسقف المدينة الأولي في الأقاليم ” ونظراً لما تعرضت له الكنيسة من عواصف الاضطهادات العنيفة فقد عقدت هذه المجامع في عاصمة الإقليم مرة أو مرتين في العام برئاسة رئيس أساقفة الإقليم الذي كان له الإشراف على أساقفة الإقليم، وإن كان هذا لم يمنع من عقد اجتماعات غير عادية لهذه المجامع كلما استجدت ظروف تدعوا إلى ذلك.

والتاريخ مملوء بأمثلة كثيرة لهذه المجامع كالمجمع الذي عقده البابا ديمتريوس بالإسكندرية سنة 231 للنظر في أمر أوريجانوس وما نسب إليه، وكالمجمعين اللذين عقدهما البابا الكسندروس ضد آريوس سنة 319، 321 م وحكم فيهما بحرم آريوس ومن يتبعه.

 

المجامع المسكونية

وهذه اجتمعت منذ عصر قسطنطين الكبير، أو بعبارة أخرى من وقت أن بدأت المسيحية تأخذ طريقها كديانة مسموح بها في الدولة التي أخذت تحتضنها نتيجة اعتناق الأباطرة لهذه الديانة الجديدة، وقد اجتمعت هذه المجامع العامة لضرورات حتمية تختص بالإيمان والعقيدة، وإن كانت قد بحثت أموراً أخري تتعلق بنواحي التنظيم الكنسي وكان يحضر هذه المجامع أساقفة من أنحاء العالم المسيحي شرقاً وغرباً، والكنائس الأرثوذكسية تعترف بثلاثة مجامع عامة فقط هي مجامع نيقية القسطنطينية وأفسس الأول.

 

وهذه المجامع الثلاثة تعترف بها جميع كنائس العالم شرقاً وغرباً وتتمسك بما وضعته من قوانين تحفظ الإيمان المسيحي، وكإظهار لهذه الحقيقية تذكر كنيستنا هذه المجامع الثلاثة في قداسها الإلهي في تحليل الخدام وفي مجمع الآباء القديسين.

 

الأحكام الباطلة لبعض المجامع.

تعترف الكنيسة القبطية بما للمجامع الكنسية الأرثوذكسية من سلطان في إصدار القوانين سواء كانت هذه القوانين تنظيمية أو عبارة عن أحكام ضد المبتدعين والخارجين عن الإيمان السليم وهي تقبل هذه القوانين والأحكام بشرط ألا تتعارض مع الكتاب المقدس والعقيدة القويمة والقوانين الكنسية وإلا اعتبرت باطلة.

 

وتاريخ الكنيسة به عينات كثيرة من المجامع الباطلة ومن أمثلتها مجمع صور الذي انعقد لمحاكمة البابا أثناسيوس الرسولي سنة 334 م وقضي بعزله من وظيفته الكهنوتية وبالنفي، وذلك لأن أعضاء هذا المجمع، كانوا من الآريوسيين، وعلى الرغم من أن الإمبراطور أمر بتنفيذ قرارات هذا المجمع، فإن الكنيسة اعتبرته باطلاً وظلت متمسكة برئيسها الديني البابا أثناسيوس الرسولي على الرغم من نفيه.

 

ومن أمثلتها أيضاً المجمع المكاني الذي انعقد بالقسطنطينية على القديس يوحنا ذهبي الفم وعلى الرغم من أن البابا ثاؤفيلس البطريرك الإسكندري ال23 هو الذي رأس هذا المجمع إلا أن الكنيسة سرعان ما عادت في عهد خلفه البابا كيرلس عمود الدين واعترفت ببراءة يوحنا ذهبي الفم.

 

مجمع نيقية المسكوني سنة 325 م

انعقد هذا المجمع وهو بكر المجامع العامة المسكونية في مدينة نيقية في شهر مايو سنة 325م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير لحسم بعض المسائل الدينية وفي مقدمتها المشكلة الكبيرة التي أثارها آريوس، ونحاول الآن أن نقف عند بعض النقاط التي تعطينا صورة واضحة عن هذا المجمع.

 

أسباب انعقاد مجمع نيقية المسكوني 325م

لا شك أن الآراء الهرطوقية التي نادي بها آريوس هي السبب المباشر لانعقاد مجمع نيقية لكن كان هناك دواع نجملها في الآتي:

 

(1) الخلاف حول تحديد يوم عيد القيامة.

وقد ظهر هذا الخلاف منذ وقت مبكر بين كنائس آسيا الصغرى وبين كنيسة روما، حينما أعلن القديس بوليكاربوس أسقف أزمير ” سميرنا ” وتلميذ يوحنا الحبيب إنه ينبغي الاحتفال بذكري الصليب يوم 14 نيسان العبري وهو اليوم الذي صلب فيه السيد المسيح وتذكار القيامة في السادس عشر منه وهو اليوم الذي قام فيه المسيح بغض النظر إن كان هذان اليومان يوافقان يومي جمعة وأحد وهما اليومان اللذان تم فيهما الصلب والقيامة ولهما مدلولاتهما أم لا. كانت الكنيسة القبطية تحرص على الاحتفال بذكري هاتين المناسبتين في يومي الجمعة والأحد.

 

وفي ختام القرن الثاني حاول فيكتور أسقف روما إرغام كنائس آسيا الصغرى على الالتزام بيومي الجمعة والأحد لكن هذه الكنائس ردت عليه بعقد مجمع من خمسين أسقفاً، واعتبر فيكتور أسقف روما معتدياً وقرر عدم الالتفات إلى تهديده، وأخيراً حاول البابا الإسكندري ديمتريوس الكرام التوفيق بين الفريقين فعمل على أن يُعيد المسيحيون بذكري الصلب في يوم الجمعة والقيامة في يوم الأحد، على أن يرتبطا بيومي 14، 16 نيسان العبري.

 

فجمع لذلك علماء الإسكندرية الفلكيين (وكانوا أشهر الفلكيين في العالم آنذاك). ووضعوا قاعدتهم المشهورة وهي أن يُعيد المسيحيون عيد القيامة يوم الأحد الذي يلي فصح اليهود مباشرة، وعلى الرغم من هذا الحل إلا أن الخلاف ظل قائماً حتى حسمه مجمع نيقية مُقرًا مبدأ كنيسة الإسكندرية سالف الذكر.

 

(2) الشقاق الذي أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط.

كان ملاتيوس هذا معاصراً لدقلديانوس وقبض عليه وأودعه السجن، وكان من جراء ذلك أنه ضعف وبخر للأوثان، ورغم أنه عاد وندم ورجع إلى المسيحية لكنه بدأ يرسم أساقفة بدون إذن من رئيس الكنيسة البابا بطرس خاتم الشهداء، فرسم حوالي 30 أسقفاً، مما اضطر البابا بطرس أن يعقد مجمعاً مكانياً حرمه هو وأساقفته، لكن ملاتيوس لم يخضع لحكم المجمع واستمر في عصيانه الأمر الذي أتعب كنيسة الإسكندرية.

 

 

(3) موضوع إعادة معمودية الهراطقة.

وهذه مشكلة هامة شغلت الكنيسة ردحاً طويلاً من الزمان، والمشكلة هي، هل يعاد عماد الهراطقة التائبين، وما هو وضع الذين قبلوا العماد على أيديهم؟، ظهر هذا الخلاف كمشكلة بين القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة ” في شمال أفريقيا ” وإسطفانوس أسقف روما. كان كبريانوس يري أن المعمدين من يد الهراطقة هم وحدهم الذين يجب إعادة معموديتهم أما الذين قبلوا العماد من الكنيسة الأرثوذكسية فعمادهم صحيح لا يعاد، على عكس اسطفانوس الذي نادي بعدم جواز إعادة المعمودية إطلاقاً. تحرج الأمر وعقد كلا الفريقين بعض المجامع المكانية لتدعيم رأيه. تدخل القديس ديوناسيوس البطريرك الإسكندري لحسم هذا الخلاف وكان من كبار اللاهوتيين في عصره مؤيداً رأي كبريانوس، وإن كان بهذا التدخل قد هدأ الجو لكن الأمر أيضاً لم يحسم بصورة قاطعة إلا في مجمع نيقية.

 

(4) بدعة آريوس.

ولد آريوس في مدينة القيروان بليبيا سنة 270م ودرس الكثير من العلوم والمعارف، ثم نزح إلى الإسكندرية حيث التحق بمدرستها اللاهوتية فأظهر في دراسته نبوغاً كبيراً وعندئذ داخله الغرور وسعي للحصول على درجة من درجات الكهنوت، شجع في بادئ الأمر ملاتيوس في حركته العصيانية ثم عاد وأظهر خضوعاً مزيفاً للبابا بطرس خاتم الشهداء الذي سامه شماساً، فقساً سنة 306م، بدأ في إعلان تعاليمه الفاسدة في عهد البابا بطرس خاتم الشهداء، وتنحصر هذه التعاليم في إنكار لاهوت المسيح وأنه غير مساوٍ للآب في الجوهر، وحالما وقف البابا بطرس على هرطقته حاول إرجاعه عن تعاليمه الفاسدة هذه ولما لم يقبل أعلن حرمه، بعد ذلك قُبض على البابا بطرس وأودع السجن في زمان الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس على الكنيسة.

 

حاول بعض أتباع آريوس مع البابا بطرس وهو في سجنه لكي يعطى حلاً لآريوس، ولكنه أكد حرمه واستدعى تلميذيه أرشيلاوس وألكسندروس ـ وأنبأهما بأنه سينال إكليل الشهادة كما تنبأ أنهما سيرتقيا السّدة المرقسية خلفاً له. وقال لهما ضمن ما قال عن آريوس ” إن فيه مكراً مخفياً ولست أنا الذي حرمته بل السيد المسيح ـ لأني في هذه الليلة لما أكملت صلاتي ونمت رأيت شاباً قد دخل علىّ ووجهه يضئ كضوء الشمس وعليه ثوب متشح به إلى رجليه وهو مشقوق وأمسك بيديه القطعة الممزقة.

 

فصرختُ وقلتُ: يا سيدي من الذي شق ثوبك؟ أجابني: آريوس هو الذي مزق ثوبي فلا تقبله. واليوم يأتيك قوم طالبين إرجاعه فلا تطعهم، وأوصى أرشيلاوس وألكسندروس بأن يمنعاه من شركتهما “. وعلى الرغم من هذه النصيحة فإنه عندما تبوأ أرشيلاوس الكرسي الإسكندري قبل آريوس بعد إلحاح بعض أتباعه.

 

لكن أرشيلاوس لم يجلس على الكرسي البطريركي سوى أشهر وخلفه ألكسندروس فجدد حرمه وناهض بدعته. حاول آريوس عن طريق بعض أتباعه أن ينال الحلّ من فم البابا الكسندروس لكن هذا الأخير قال لهم: ” قولوا لأريوس أوصاني أبى ألا أقبلك فلا تدخل إلىّ ولا أجتمع بك وذلك حسب أمر السيد المسيح فاعترف للمخلص بخطيئتك فإذا قبلك فهو يأمرني بقبولك “.

 

منذ ذلك الحين بدأ آريوس في نشر ضلالته جهاراً فبينما كان البابا الكسندروس يعظ ذات مرة عن سلطان المسيح في إقامة الموتى مبيناً أن ابن الله الكلمة مساوٍ للآب وأن له طبيعة وذاتاً واحدة مع الآب. وكان آريوس في مكان آخر من الإسكندرية يعظ على الآية “أبي أعظم مني” مندداً برأي الكسندروس ومنادياً بأن المسيح غير مساوٍ للآب في الجوهر بل هو مخلوق بإرادة الآب..

 

ولكي يروج آريوس لتعاليمه الفاسدة نظم تعاليمه في مقطوعات شعرية ضمنها كتابه المُسمى ثاليا ولقنها لأتباعه فأذاعوها بين العامة لكي يرددوها بأنغام خاصة لِما للتلحين من أثر كبير في نفوس السامعين. كانت النتيجة أن جمع البطريرك الكسندروس مجمعاً سنة 319م.

 

وأصدر رسائل ومنشورات كثيرة توضح عقائد الإيمان القويم. وإذ لم يرتدع آريوس وأتباعه عقد البابا مجمعاً آخر سنة 321م حضره حوالي مائة أسقف من مصر وليبيا وحكم بتجريد آريوس من رتبته الكهنوتية وكل من تبعه. واتصل البابا الكسندروس بسميه بطريرك القسطنطينية مظهراً له فساد آريوس وضلالته وشارحاً له العقيدة الأرثوذكسية.

 

ولما وجد آريوس أنه قد ضيق عليه الخناق في الإسكندرية وكل مصر غادرها إلى فلسطين وآسيا الصغرى، حيث بعض أصدقائه من الأساقفة الذين انخدعوا بضلالته وسمحوا له بنشرها، ثم اتصلوا بالبابا الكسندروس راجين قبوله في شركة المؤمنين. لكن البابا رفض طالما هو باقٍ على ضلالته. اقتنع بعض الأساقفة بينما عقد البعض الآخر مجمعين متتاليين في عامي 322، 323 م قرروا فيها إلغاء الحرم الصادر من البابا الكسندروس، وعاد آريوس إلى الإسكندرية ثانية ينفث سموم تعاليمه ممعناً في عناده وضلالته.

 

فطرده البابا ثانية فعاد من حيث أتى. اتصل أوسابيوس أسقف نيقوميدية بالإمبراطور قسطنطين راجياً وساطته لحل هذا الخلاف. انتدب الإمبراطور، هوسيوس أسقف قرطبة لهذه العملية المهمة فأتى إلى الإسكندرية لكنه لم يفلح في مهمته. فعاد إلى الإمبراطور شارحاً الأمر طالباً عقد مجمع عام لعلاج هذه المشكلة الخطيرة.

 

جلسات مجمع نيقية 325م

انعقد المجمع في مدينة نيقية في شهر مايو سنة 325م وخصص لاجتماعاته الساحة الوسطى في القصر، الإمبراطوري بالمدينة نظراً لإتساعها. بعد أن أعدت فيها المقاعد الكثيرة ووضع في الوسط كرسي من الذهب ليجلس عليه الإمبراطور قسطنطين الذي رغب في حضور جلسات المجمع ” ومدينة نيقية هي العاصمة الثانية لولاية بيثينية وتقع في الشمال الغربي لآسيا الصغرى وقد تهدمت ولم يبق منها سوى أطلال وفى موضعها الآن قرية ” أسنيك ” التركية..

وكانت المدينة على جانب كبير من الجمال. وقد اختيرت مدينة نيقية لانعقاد المجمع لتوسط موقعها بين آسيا وأوربا بالإضافة إلى جوها الصحي. هذا ولم تختر مدينة نيقوميدية وهي العاصمة الأولى لمقاطعة بيثنينية نظراً لما كان معروف عن الميول الأريوسية لأسقفها أوسابيوس.

بدأت وفود الأساقفة تصل إلى نيقية قُبيل الموعد المحدد لانعقاد المجمع، وكان في مقدمة الحاضرين وفد كنيسة الإسكندرية وكان يتألف من البابا الكسندروس وشماسه أثناسيوس مع عدد من الأساقفة من بينهم الأنبا بفنوتيوس أسقف طيبة والأنبا بوتامون أسقف هرقلية بأعالي النيل اللذين قُلعت عيناهما بالسيف وكُويت حواجبهما بالحديد المحمى بالنار في زمان الاضطهاد.

وبلغ عدد الآباء الذين حضروا المجمع 318أسقفاً منهم 310 من الشرق وثمانية أساقفة فقط من الغرب، ولعل ذلك راجع إلى ضعف المسيحية في الغرب آنذاك، وإذ لم يتمكن سلفستروس أسقف روما من الحضور لكبر سنه أناب عنه القسين وتين وويكندس. لا شك أن الحاضرين في المجمع كانوا خليطاً من الأساقفة اللاهوتيين الجهابذة ومنهم البسطاء من أمثال القديس أسبريدون أسقف قبرص والقديس نيقولاوس أحد الآباء اليونان وكلاهما أظهر الرب قداسته وكرامته.  

ويثبت التاريخ أن وفد كنيسة الإسكندرية كان له الصدارة والمكانة الأولى في المجمع. قال المؤرخ الإنجليزي استانلي في كتابه ” محاضرات عن الكنائس الشرقية ” لم يكن الكسندروس أسقف أول كراسي العالم المسيحي من حيث سمو المنزلة والأهمية فحسب بل وأعلى هذه الكراسي كعباً من الوجهة العلمية. وكان هو المنفرد بلقب ” بابا ” لا يعرف به رسمياً في المجمع سواه. لأن كلمة ” بابا رومية ” كانت وقتئذ ما لم يتمخض به التاريخ.

وأما بابا الإسكندرية فكان علَمَ على رأسه نار ولقب وإعزاز وحب ومهابة وإجلال وعُرف به رأس كنيسة الإسكندرية، فكان هو الذي يخاطب به بصفة خاصة. وثمة اجتماعات تمهيدية كانت تعقد في الشوارع والمنازل كانت تدور خلالها مباحثات ومناقشات حول القضية الرئيسية التي سينعقد المجمع لأجلها ألا وهي بدعة أريوس. كما حضر إلى نيقية في الأيام القليلة السابقة لانعقاد المجمع الكبير كثير من الفلاسفة والوثنيين والمسيحيين وقيل أن بعضهم شارك في المباحثات التمهيدية التي أشرنا إليها.

وبعد أن أخذ الأساقفة أماكنهم في المجمع حضر الإمبراطور قسطنطين وجلس عن يمينه البابا الكسندروس، وأثناسيوس رئيس الشمامسة، وأوسابيوس القيصري الذي قام بأعمال السكرتارية. وجلس عن يساره أوسيوس أسقف قرطبة الذي أسند إليه رئاسة المجمع لكبر سنة، وآريوس وأكبر أعوانه، كما أصطف الجمهور على جانبي القاعة.

أُفتتح المجمع في 20 مايو وانتهى في 25 أغسطس من سنة 325م وكانت الجلسة الأولى جلسة افتتاحية ألقى فيها سكرتير المجمع خطاب الافتتاح ورد عليه الإمبراطور قسطنطين بخطاب آخر. ولما بدأ المجمع يزاول أعماله والنظر في بدعة آريوس حدث جدل ونقاش كثير مما دعى إلى رفع الجلسة وانفضاضها دون الوصول إلى نتيجة ما. وفى اليوم التالي انعقد المجمع وقدم آريوس صورة معتقده الفاسد وفيه ” إن الابن ليس مساوياً للآب في الأزلية وليس من جوهره وأن الآب كان في الأصل وحيد وأخرج الابن من العدم بإرادته وأن الابن إله لحصوله على لاهوت مكتسب “.

انبرى رئيس الشمامسة أثناسيوس وأفحم آريوس بردوده القوية وحججه الدامغة مظهراً ضلاله وفساد رأيه مما أثار إعجاب جميع الأساقفة الذين فرحوا لفصاحته وهو لم يبلغ بعد الثلاثين من عمره، حتى أن الإمبراطور قسطنطين أخذته الدهشة ونظر إليه وقال له: ” أنتَ بطل كنيسة الله ” وعندما ابتدأ الآباء في تحديد المعتقد السليم كان الآريوسيون يوافقون على ظاهر أقوالهم ثم يؤولونها بما هو لصالح معتقدهم، وأخيراً تدخل العظيم أثناسيوس واقترح أن تضاف إلى العقيدة عبارة:Homo- Ousious ومعناها ” مساوٍ في الجوهر ” للتعبير عن حقيقة صلة الآب بالابن غير أن الأريوسيين رفضوا هذه الكلمة، وأرادوا أن يستبدلوها بعبارة:

Homi- Ousious ومعناها ” مشابه في الجوهر “. وبعد نقاش كبير أخذ رأى المجمع فوافق على اقتراح أثناسيوس وتعبيره. وتوالت جلسات المجمع إلى أن تم وضع قانون الإيمان من أول ” نؤمن بإله واحد ” حتى ” نؤمن بالروح القدس ” وقد وقَّع على قانون الإيمان هذا أكثر من 300 أسقف، ولما امتنع آريوس وأنصاره عن التوقيع حرمهم المجمع وقرر نفى آريوس وحرق كتبه.

 

القضايا الأخرى التي نظرها مجمع نيقية 325م

بعد الانتهاء من الحكم في قضية آريوس نظر المجمع في بعض القضايا الأخرى وأصدر رأيه فيها. وأما هذه القضايا فكانت:

 

  1. موعد عيد القيامة:

وقد قرر المجمع أن يُعيد جميع المسيحيين في موعد واحد هو يوم الأحد الذي يلي الفصح لليهود، وقرر أن بابا الإسكندرية هو الذي يقوم سنوياً بإبلاغ أساقفة العالم عن موعد عيد القيامة.

  1. بخصوص الشقاق الذي أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط:

فقد قرر المجمع حفظ حقوق بابا الإسكندرية الواجبة في رئاسته على الأساقفة الذين في إقليم مصر.

  1. مشكلة معمودية الهراطقة:

أيد المجمع رأى الكنائس الشرقية في أنه لا تعاد معمودية من هرطق عند رجوعه وأوجب إعادة معمودية من يعمدهم الهراطقة.

  1. زواج الكهنة:

قرر المجمع السماح لمن يريد من الكهنة أن يتزوج مع الاحتفاظ ببتولية الأساقفة وعدم زواج الكهنة المترملين.

 

قوانين المجمع

سَنَّ الآباء المجتمعون بالمجمع عشرين قانوناً لسياسة الكنيسة عامة، وافق عليها بالإجماع جميع الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع، كما قبلتها كقوانين صحيحة جميع الكنائس شرقاً وغرباً، لكن الكنيسة الرومانية طلعت على الكنيسة الجامعة بعد المجمع النيقاوي بما يقرب من مائة عام وادعت أن هذه القوانين عددها 84 قانون، أما بواعث هذا الادعاء فهي محاولة إثبات رئاسة أسقف روما على العالم المسيحي كخليفة للسيد المسيح على الأرض. وضمنوا ذلك القانونين المزورين 33، 44 من القوانين المنسوبة لنيقية.

وأول ما ظهر هذا التزوير كان عند اجتماع مجمع قرطاجنة سنة 418م الذي طلب القديس أغسطينوس انعقاده للنظر في بدعة البلاجيين، وقد أرسل أسقف روما لحضور هذا المجمع نائباً عنه. وفى أولى جلسات المجمع طلب نائب أسقف روما قراءة رسالة أسقفه فوجد الحاضرين وكان عددهم 217من الآباء أن هذه الرسالة تشير إلى قوانين منسوبة إلى مجمع نيقية دون أن يكون لها أى أساس في القوانين الثابتة بجميع الكنائس.

وإزاء هذه البلبلة قرر أعضاء المجمع إرسال مندوبين إلى الإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية للإطلاع على قوانين نيقية الأصلية وكان نتيجة ذلك أن أثبت المجمع أن جميع النسخ لقوانين مجمع نيقية المجودة بقرطاجنة خالية تماماً من هذه القوانين المزعومة. ونصح المجتمعون أسقف روما أن يوفد من قِبَله من يتحقق من ذلك من النسخ الأصلية الموجودة بالكراسي الرسولية الشرقية.

وقد أثبت كيرلس مقار في كتابه ” الوضع الإلهي في تأسيس الكنيسة ” أن هذه القوانين المزورة المنسوبة إلى نيقية إنما هي قوانين مجمع مكاني عقد في سرديكا سنة 347م ولا صلة له بمجمع نيقية …

وثابت تاريخياً ومنطقياً من مراجعة هذه القوانين أنها تشير إلى أشياء وإلى أحداث لم تظهر إلا بعد مجمع نيقية مما يثبت تزويرها. ومن أمثلة ذلك القانون المزور رقم 42 الذي يقول ” والحبش فلا يبطرك عليهم بطريرك من علمائهم ولا باختيار منهم أنفسهم لأن بطركهم إنما يكون من تحت يد صاحب كرسي الإسكندرية وهو الذي ينبغي أن يصلح عليهم جاثليقاً الذي هو من دون البطريرك ومن قبله …

وهذا القانون ينظم العلاقة بين الكنيسة الحبشية وكنيسة الإسكندرية وبديهي أنه مزور ولا يمكن أن يكون صادراً عن المجمع المسكونى الأول، لأنه ثابت تاريخياً أن الحبشة لم تخضع لكرسي الإسكندرية إلا بعد أن أرسل البابا أثناسيوس، فرومنتيوس إليها وسامه أسقفاً باسم ” الأنبا سلامة ” سنة 330 م. أى بعد الانتهاء من مجمع نيقية بخمس سنوات على الأقل أضف إلى هذا أن لقب بطريرك لم يستعمل ضمن الإصلاحات الكنسية إلا في القرن الخامس وعلى وجه التحديد بعد مجمع خلقيدونية. وحتى المجمع النيقاوى كان اللفظ المستعمل أسقف وأسقفية أو أسقفيات.

وهذا مثل واحد على تزوير هذه القوانين. ويعوزنا الوقت إن أردنا إثبات بطلانها تاريخياً ومنطقياً.

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

1- مجمع نيقيا 325: حرم آريوس الذي ألأنكر ألوهية يسوع المسيح ووضع قانون الايمان.

2- مجمع القسطنطينية الاول 381: حرم مقدونيوس والماسيدنيين الذين ينكرون الوهة الروح القدس ومساواته للآب والابن في الجوهر.

3- مجمع أفسس 431: حرم نسطوريوس الذي أنكر ان تكون مريم العذراء أم الله.

4- مجمع خليقدونية 451: حدد طبيعتي المسيح الالهيه والانسانية وحرم اصحاب الطبيعة الواحدة.

5- مجمع القسطنطسنية الثاني 552: شجب نسطوريوس واوريجانوس.

6- مجمع القسطنطينية الثالث 680ــ 681: شجب المونوتولية او مذهب المشيئة الواحدة.

7- مجمع نيقيا الثاني 787: شجب محاربي الايقونات.

8- مجمع القسطنطينية الرابع 869ــ 870: عزل فوتيوس عن كرسي بطريركية القسطنطينية.

9- مجمع لاتران الاول 1123: تدخل فى مسألة الرتب الكنسية. وقد نشأت المسألة من جراء الصراع العنيف الذي قام بين البابوية وأباطرة المانيا حول سيامة الأساقفة. واستمر من سنة 1074 ــ 1122، وبلغ أشدة أيام غريغوريوس السابع والأمبراطور هنري السابع، وانتهى بمبدأ الفصل بين السلطتين. فالسلطة الزمنية يمنحها الأمبراطور والسلطة الروحية يمنحها البابا.

10- مجمع لاتران الثاني 1139: شجب السيمونيا (بيع الرتب الكنسية) وسوء استعمال السلطة الروحية، ونصح بعدم زواج الكهنة.

11-مجمع لاتران الثالث 1179 ــ 1180: اتخذ اجراءات اولية ضد بدعة الكاثار.

12- مجمع لاتران الرابع 1215: شجب بدعة الألبيجوا (أو الكاثار) وحدد عقيدة الاستحالة الجوهرية ونظم قوانين الكنيسة.

13- مجمع ليون الاول 1245: ضد فردريك الثاني.

14- مجمع ليون الثاني 1274: وهو محاولة للتقارب مع الكنيسة الشرقية، واتحاد الكنائس.

15- مجمع فيينا 1311 ــ 1312: حل منظمة الهيكل.

16- مجمع كونستانس 1414 ــ 1418: وضع حداً للأنشقاق في الغرب، وشجب جان هوس.

17- مجمع فلورنسا 1438 ــ 1445: وهو محاولة للتقارب من جديد مع الكنيسة الشرقية، ضمن مخطط اتحاد الكنائس.

18- مجمع لاتران الخامس 1512 ــ 1517: محاولة أصلاح الاكليروس، وتحديد خلود النفس. ولكن محاولة الاصلاح كانت فاشلة.

19- مجمع ترانت (التريدنتيني) 1545 ــ 1563: أصلاح الكنيسة الكاثوليكية: قرارات عقائدية البروتستانت.

20- مجمع الفاتيكان الأول 1869 ــ 1870: حدد موقف الكنيسة من الايمان والمذهب العقلاني وأعلن عصمة البابا.

21- مجمع الفاتيكان الثاني:

الدورة الأولى: من 11 تشرين الأول الى 8 كانون الأول 1962.

 الدورة الثانية: من 29 ايلول الى 4 كانون الاول 163.

الدورة الثالثة : من 14 أيلول الى 2 تشرين الثاني 1964.

الدورة الرابعة: من 14 أيلول الى 8 كانون الأول 1965.

حضر هذا المجمع 2300 أسقف وتألف من 12 لجنة، وأستغرق 140 جلسة، وأجرى حوالي 550 تصويتاً.

نتائجة: 4 دساتير و9 مراسيم و3 أعلانات. النص الاساسي: دستور عقائدى للكنيسة. أما باقى النصوص فموزعة على مجموعتين:

1- وثائق التجديد: قرارات فى رسالة العلمانيين والاساقفة والرسالات. ودستور عقائدي فى الوحي والليتورجيا.

2- وثائق الحوار: مع غير الكاثوليك، وغير المسيحيين، وغير المؤمنين، ومع العالم أجمع.

3- أسس الحوار ووسائلة: الحرية الدينية، الكنيسة وعالم اليوم ــ وسائل الأعلام الأجتماعية.

 

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجمع المسكونى الرابع (451) أساس الخرستولوجيا الراسخ

المجمع المسكونى الرابع (451) أساس الخرستولوجيا الراسخ

المجمع المسكونى الرابع (451) أساس الخرستولوجيا الراسخ

المجمع المسكونى الرابع (451) أساس الخرستولوجيا الراسخ

(رؤية موجزة)

للبروفسور بقسم اللاهوت بجامعة اثينا ستليانوس بابادوبلوس

نقلها من اليونانية القس اثناسيوس اسحق حنين [1]

خادم الكنيسة القبطية باليونان

 

مقدمة:

 يشكل المجمع المسكونى الرابع (451) حقيقة لاهوتية وعقائدية كبيرة فى الكنيسة  لانه وضع الاساس الراسخ والحصين لقضية الخرستولوجيا. وهذا انجاز كبير هيأت له جهادات واتعاب لاهوتيين واباء كبار وصغار خلال قرن من الزمان. وومع ذلك فقد سبب قانون ايمان المجمع انقسامات وجراحات فى الجسم الكنسى بسبب جرأة تعبيراته الراديكالية  تماما مثلما حدث فى المجمع المسكونى الاول  بنيقية (325) بسبب من ادخال تعبيرات جريئة وجديدة بخصوص تعبير (الهوموسيوس)  مساواة الابن للاب فى الجوهر.

اسباب انعقاد المجمع :

 السبب الاساسى وراء انعقاد مجمع خلقيدونية ذكره اللاهوتى الرائع ديوجينوس كوزيكوس فى الجلسة الرابعة  للمجمع:” المجتع  صار بسبب افتيخوس ” (اعمال المجامع المسكونية  ACO11  1  1 ص 111 ). ولكن بشكل اكثر تحديدا فان اسباب انعقاد المجمع  كانت ما قام به ديوسقوروس من التقنين المجمعى للانحرافات المونوفيزيتية (449 )وفى نفس الوقت بسبب اعادة اشتعال الاتجاهات النسطورية من جديد.

ففى المجمع المسكونى الثالث (431 ) تم الحكم على نسطور  وتم ايضا تقنين خرستولوجية القديس كيرلس الاسكندرى  ولكن الانطاكيون ظنوا ان عند كيرلس اتجاهات ابولينارية.

وتبع ذلك شوط طويل من تبادل الاراء والتوضيحات من كل طرف والنتيجة كانت (عريضة الايمان للتنازلات ) فى( بصخة 433) والتى قبلها كبار الفريقين وهما القديس كيرلس الاسكندرى والقديس يوحنا الانطاكى  والذى فى هذه المحاولة تم اعادة الاعتبار بشكل غير مباشر الى  اللاهوتى الهام والاكثر ترددا  ثيؤدوريتوس كيرو وهكذا صار نسطور هرطوقيا فى نظر الجميع  وبالاكثر فى نظر الانطاكيين التقليديين .

 

الارشمندريت أفتيخوس Εύτυχής :

ولكن وللاسف الشديد ظهر فى الجانبين جانب الاسكندرانيين وجانب الانطاكيين مواقف  متطرفة بزيادة.فالبعض صور بيان الصلح او عريضة الايمان لعام 433 على انها  متنسطرة اى تميل الى النسطورية والبعض الاخر رأها متبنية نهج المونوفيزيتية .ولقد جاء التأثير المونوفيزيتى الاكبر من جانب  الارشمندريت (القمص ) أفتيخيوس (ومعناها السعيد الحظ !!!)

وذلك فى القسطنطينية (تركيا الحالية )ووقتها كتب ثيودوريتوس كيرو (447) كتابه الايرانيستيس  لكى يدحض المونوفيزيتية ولما كانت المونوفيزيتية الاوطاخية قد انتشرت بشكل كبير فقد قام فلافيانوس القسطنطينى بدعوة مجمع محلى (اغسطس 448 )أدان فية أفتيخوس وايضا نسطور واعترف بطبيعتين   بعد اتحادهم فى المسيح الواحد .

قام خريسافيوس زوماس وهو القريب من الامبراطور ثيؤدوسيوس الثانى  وحامى افتيخوس  قام بعمل اللازم لكى يعيد افتيخوس الى الشركة وذلك فى مجمع أفسس (أغسطس 449 ) ودعى المجمع مجمعا عاما  ولقد رأسه ديوسقوروس بطريرك الاسكندرية . وفى هذا المجمع تم الحكم على على فلافيانوس ويوسيبيوس دوريليو وثيؤدوريتوس كيرو وانطاكيين اخرين على انهم ادانوا أوطاخى  وتبنوا نسطور. وهنا سادت المونوفيويتية والمونوفيزيتيين سيادة مطلقة .  فاحتج ليون الرومانى  وقرر مجمعيا ان مجمع أفسس (449) هو أمر كأنه لم يكن.

وطالب بمساندة امبراطور الغرب  بعقد مجمع عام فى ايطاليا . ولقد رفض ثيؤدوسيوس الثانى الاقتراح جملة وتفصيلا. ولما كان ليون رجل قوى الشكيمة وعنيد  فلقد استفسر عن الحقائق المائلة نحو المونوفيزيتية من فلافيانوس  ويوسيبيوس دوريليو وثيؤدوريتوس كيرو (الذى اعلن برائتهم جميعا ) فلقد حاول جاهدا ان يمرر فى الغرب والشرق رسالتيه العقائدية الهامة 28 (المعروفة بطومس لاون )  وفى تفس الوقت وفى الشهور الاولى من عام (451 ) حكم على المشاركين فى مجمع أفسس (449)  واطلق على المجمع صفة مجمع اللصوص (Latrocinium).

 

ظهور فكرة مجمع خلقيدونية :

وهنا أخذت اخذت الامور الكنسية والعقائدية منحى اخر. فلقد طلبوا مجمعا عاما ولكن سبقه مجمع محلى (21 سبتمبر ) حيث تم الاعتراف بارثوذكسية الطومس اللاونى وتم تجديد حرمان أفتيخوس ونسطور  ورأس المجمع أناطوليوس القسطنطينى  وهو من اصل اسكندرى وكان موضع ثقة ديوسقوروس . وللاسف فلقد تعثر  الجميع فى الالمام بقضية الخرستولوجيا  ولهذا ظهرت الحاجة الى مجمع عام  رغم اعتراضات روما بسبب هجمات اتيلاس فى مناطق فرنسا.

و فى 23 مايو 451  دعا ماركيانوس  باسم واليريانوس الغرب  الى مجمع فى نيقية  فى اول سبتمبر. وفى رسالتة ذكر كسبب  الدعوة للمجمع (بعض الشكوك التى تحوم حول الديانة الارثوذكسية) بينما الهدف المباشر هو استبعاد كل من (أربك) الكنيسة والعمل علىوضع مرة وللابد قانون  (الايمان الحقيقى) (أعمال المجامع المسكونية 11 1  1  ص 27)ودفعت بعض الاوضاع العسكرية والسياسية فى ان الامبراطور الذى اراد ان يكون قريبا من اعمال المجمع الى   تغيير مكان وميعاد المجمع ليصبح فى 8 اكتوبر  فى خلقيدونية  المقابلة  للقسطنطينية فى الجانب الاسيوى .

 

جلسات المجمع :

اول اعمال المجمع (بخصوص ديوسقوروس والايمان ):

انعقد المجمع الذى ضم اكبر عدد من المشاركين  فى تاريخ المجامع فى كنيسة القديسة أفوميا بخلقيدونية فى 8 أغسطس . وتم دعوة رؤساء اساقفة روما والقسطنطينية الاسكندرية وانطاكية واورشليم وكل المطارنة  ومن الغرب شارك ممثلين  روما الاساقفة باسخاسينوس ولوكينسيوس ويوليانوس  والكاهن الرومانى فونيفاتيوس   و عدد المجمعيين ليس  معروف لدينا جيدا  والذين وقعوا على الاعمال المجمعية وصلوا الى

 ( 358 ) وحملوا معهم توكيلات (94) اسقفا  وهكذا صار عدد المجتمعين 452 . وحضر ايضا نخبة من كبار قادة  الامبراطور  وذلك لسببين  اعطاء فخامة دنيوية للمجمع وحفظ النظام(χάριν εύκοσμίας καί τάξεως  ). ولقد مارسوا وبشكل ظاهر وبخاصة فى المسائل الادارية ضغوطا كبيرة  وذلك لان المجمع بداء اعماله  كمحكمة  ضد مجمع أفسس الغير القانونى (449 ) والقائمين عليه (ديوسقوروس الخ ).

ولقد طلب اسقف روما فى رسالة له ان يترأس المجمع مندوبه باسخاسينوس  الامر الذى تم قبوله فى صمت  ولكن فى الواقع  مارس اناطوليوس اسقف القسطنطينية الدور الاول  فى الامور الكنسية وممثلوا الامبراطور سهروا على الامور الادارية وحفظ النظام . ويبدوا ان باسخاسينوس قد رأس فقط الجلسات التى حرمت ديسقورورس .

استمرت اعمال المجمع الى الاول من نوفمبر  وتم عقد 21 جلسة  والتى فى نصوص لعمال المجمع اليونانية  وصلت 17 واللاتينية 16 .

قام يوسيبيوس دوريلو وفى اول جلسة باتهام ديسقوروس بانه يشارك أفتيخوس ارائه(όμόδοξον ) وبعد قرأة اعمال المجمع اللصوصى (449) لكى يظهروا تهور وسوء تعليم ديوسقوروس وبعدها اعمال مجمع (448) وذلك لاظها ارثوذكسية  فلافيانوس والذى الغى حرمانه مع يوسيبيوس دوريلو .

فى اثناء ذلك طلب مندوبى روما ابعاد ديوسقوروس  والذى سبق وادانته ولكن المصريون اعترضوا  على حضور ثيودوريتوس فى المجمع كموجه للاتهام و تم التوافق  فقد ظل ديوسقوروس كمتهم  بينما تم الاتفاق على تاجيل موضوع ثيؤدوريتوس وهو غير عاجل لجلسة اخرى . فلقد قبل ثيودوريتوس والذى اتهمه المصريون بالنسطورية من فترة  عريضة الايمان  (433) ووافق مع كيرلس الاسكندرى  ولكنه لم يحرم علنا نسطور.

ولهذا ففى الجلسة التاسعة حينما طلب منه ان يحرم نسطور اصر على عرض ايمانه .فاصر المجتمعون على عدم ضرورة ذلك مادام انه قد سبق وعرض ايمانه الارثوذكسى  وادان بدعة نسطور وبرأه المجمع فى (448 ) وفى روما وهنا صرخ المجتمعون ان ثيؤدوريتوس جدير بكرسيه فى كنيسة الارثوذكسيين وهو معلم ارثوذكسى .

محاكمة ديوسقوروس :

لقد سيطر موضوع ديوسقوروس على الجلسة الاولى  ولكن رغبة ديوسقوروس والامبراطور ماركيانوس  كانت عرض وفحص موضوع الايمان ولكن المجمع رأى انه يجب يسبق ذلك موضوع ديوسقوروس  لانه فى مجمع (449 ) برأ المونوفيزيتى أفتيخوس  واعلن عن مواقف مونوفيزويتية . وهكذا صارت مناقشة قصيرة  لمحاكمة ديسقوروس  لما فعله فى( 449 )واعطيت الفرصة لاساقفة كثيرين كانوا معه ليعلنوا توبتهم  وليقرروا انه مورس عليهم ضغوض او وقعوا على اوراق بيضاء او انه قد تم التزوير فى اوراق المجمع(ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην ).

الامر الهام انه خلال المناقشة  تجاهل ديوسقوروس ما قاله كيرلس عن الطبيعتين  بعد( 431  )واعترف باصرار بطبيعتين فى المسيح قبل الاتحاد  وطبيعة واحدة بعد الاتحاد  ولكنها (متجسدة ):

(لا يمكن ان نعقل طبيعتين  ولكن واحدة  للكلمة المتجسدة  …انا  اقبل من طبيعتين  بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان (ού δεί νοείν δύο φύσεις ,άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην …..τό έκ δύο  δέχομαι ,τό δύο ού δέχομαι ,τό δύο ού δέχομαι ….Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί ).

 وحينما شرح له يوسيبيوس دوريليو وباسيليوس سيليفكياس  وميلوفثونجوس اليوبوليتون واخرين بأن  فى المسيح الواحد يوجد والطبيعتين ( طبيعتين فى شخص واحد  رب واحد معروف فى طبيعتين δύο φύσεις έν ένί προσώπω …ένας Κύριος …..έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος   ).

 أنبرى ديوسقوروس ليقول ان هذه الاقوال (تمزيق وتشريح)καινοτομίας   وذيوفيزيتيةδυοφημίας  واضاف انه بسبب هذه الاقوال تم حرمان وعن حق فلافيانوس فى 449 (Φανερώς διά τούτο καθήρηται Φλαβιανός ,ότι μετά τήν ένωσιν  δύο  φύσεις  είπεν ).                                                     

ولقد قرر المجمع ان فلافيانوس يتفق مع كيرلس  الاسكندرى .

وبالرغم من ذلك  فأن ديوسقوروس أظهر استعدادا  كبيرا فى ان يحكم على أفتيخوس  اذا ما ثبت انه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές  (άντιλήψεις  واراد ان يبتعد عن مونوفيزيتية أفتيخوس اعلن انه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرب بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν ,λέγομεν ούτε τροπήν ,ούτε τομήν ……………. ).

 

ولقد عقد المجمع العزم على مناقشة ابمان ديوسقوروس بشكل اكثر تفصيلا فى الجلسة الثانية ولكن ديوسقوروس رفض الحضور ليدافع عن نفسه  وفى الجلسة الثالثة اجاب بانه ليس لديه شيئا اخر يضيفه على ما قاله فى الجلسة السابقة ( Διόσκορος  είπεν αύταρκως άνεδίδξα τήν ύμετέραν Θεοσέβειαν ,οίς προσθήναι τι ού δύναμαι .άρκούμ;ι γάρ έκείνοίς ).  )

وهذا معناه ان ديوسقوروس لم يكن لديه  الكفأة اللاهوتية لكى يؤسس رأيه ويقدم حججه المؤيدة . ومادام أصر على قرارات  مجمع 449 وعلى طبيعة المسيح الواحدة  فأن المجمع  رأى انه قد أضر  بالايمان المستقيم (τήν πίστιν παρέτρωσεν  )     فقد قرر المجمع قطع ديوسقوروس وفى الجلسة اللاحقة امر بنفيه . يبدو ان المجمع لم يضع ديوسقوروس  على نفس مستوى  مؤسسى البدع نسطور وأفتيخوس  لان الهدف النهائى من المجمع كان  ملاحقة مؤسسى البدع اى رؤساء المبتدعين .

 

 

التجهيز للقانون العقائدى :Ο Δογματικός Ορος

يلاحظ انه من بدء  المجمع  والقادة  الرومان ممثلوا الامبراطور  يرغبون فى صياغة قانون ايمان جديد  وظهرذلك جليا  فى الجلسة  الثانية (13 اكتوبر ) حينما طرحوا الموضوع بشكل نهائى.

ولقد رفض الكثير من الاساقفة  على اساس ان قرارات مجامع نيقية والقسطنطينية وأفسس  (431 ) تكفى  مع رسائل كيرلس وطومس لاون وشاروا ايض الىا القانون الثالث للمجمع المسكونى الثالث والذى يحرم وضع قانون ايمان جديد غير الذى وضعه الاباء  مرة والذى كان يعنى قانون ايمان جديد  ولهذ السبب ى تجنب عقد مجامع جديدة فقد تقدم عامود الايمان كيرلس وبدون صعوبة  فى التجهيز للتوقيع على  عريضة المصالحة  فى 433.

 تم قرأة النصوص السابقة  والح مندوب بابا روما باسخاسينوس على ان يعلن الاساقفة  اذا ما كان طومس لاون يتفق مع قرارات المجامع ومع اراء كيرلس. ولقد استجاب الكثير من الاساقفة مع الطلب بشكل ايجابى  وهكذا وفى نظر الغربيين انفسهم لم يعد هناك حاجة الى قانون ايمان جديد ونلاحظ شيئين هامين فى طريقة تفكير الاباء الاساقفة المجتمعين وهما:

أولا: انهم اعتبروا انه امر مفروغ منه ان يوافقوا على ما قاله اسقف روما

ثانيا: انهم اعتبروا ان المعيار الاساسى لقبول طومس لاون وارائه السابقة هو ما سبق ..  وقرره كيرلس فالكل يجب أن يوافق على الحق الكيرلس  ولكن فور اعلان  باسخاسينوس  عن اتفاق الطوموس مع  كيرلس اعترض ورفض التوقيع ثلاثة عشر اسقف مصرى  

على اساس انه حسب القنون  الكنسى السكندرى يجب ان يتبعوا رئيس اساقفتهم  ديوسقوروس  ولما تم الضغط عليهم  ادانوا اوطاخى  واعلنوا انهم يمتلكون الايمان الجامع   ولكن لكى يوقعوا على الطومس يجب ان ينتظروا اختيار رئيس اساقفة جديد  للاسكندرية  لكى يوقع هو اولا   ولقد قبل المجمع طلبهم  وطلب الكثير من الاساقفة من المصريين ان يوقعوا على حرمان ديوسقوروس  ولكن اعمال المجمع لم تسجل اجابة الاساقفة المصريين .

 وهذا كله يعنى ان مناقشات  الجلسة الثانية للمجمع قد تناولت امورا  لاهوتية وعقائدية بينما  اصر الباباويون على  ان طومس لاون يكفى  لتقرير الايمان  وانه غير مقبول اى عريضة ايمان  اخرى غير الطومس  ولو كان تم قبول ذلك فلابد للطومس ان يحظى بقبول مسكونى  وكان سيصير طومس عقائدى نهائى  ولقد وافق البعض من الاساقفة  ولكن اعترض اساقفة يونانيين واورشليميين على اساس  ان الطومس يحوى اتجاهات ذيوفيزيتية  وقرروا بشكل سليم ان الطومس لم يدن بشكل واضح النسطورية  كما حدث مع المونوفيزيتية.

واوضح باسخاسينوس بأن  الطومس لا يريد التفريق  او التجزئة  فى شخص الرب  الواحد  ولا يفرق ولا يفصل طبيعتى الرب . والحق ان الاساقفة  الذين راوا ان الطومس  غير كاف للتصدى  للنسطورية وللمونوفيزيتية  كانوا على حق . ولكن لم يستطيعون ان يؤصلوا فكرهم  اما بسبب عدم الكفائة اللاهوتية او بسبب انهم لم يريدوا اغضاب  الغربيين المتسطين على المجمع . فأشارات الطومس الى  شخص المسيح وطبيعتيه  غير واضحة وتحوى  مخاطر كبيرة .

فالشخص هنا هو نتيجة  اتحاد الطبيعتين  واللتين تتمايزان  فالوحدة فى المسيح هى وحدة شخص   وليست وحدة طبائع  فى الشخصΗ ένωση στόν Χριστό είναι (προσώπου ένωσις) και όχι ένωση φύσεων στό  προσωπο ή στην ύποστάση τού Υίου του Θεού.  او فى اقنوم  ابن الله  فوحدة الطبائع التى لا تتم فى  اقنوم ابن الله وكلمة الله  سوف يكون لها بالضرورة  خطر الاختلاط او الانفصال  وهذا لم يفهمه واضع الطومس .

 

التمييز بين الشخص والطبيعة بين اللاهوت والفلسفة :

  لقد بذل اللاهوتيين لشرقيين فى   لعشرات السنين جهدا جهيدا لكى يفهموا ان الطبيعتين  فى المسيح  اتحدتا فى الاقنوم الواحد او الشخص الواحد للوغوس الالهى ولهذا فهما لا يمتزجا ولا  يفترقا. وبمعنى اخر لقد ادركوا الفارق بين بين الطبيعة  والاقنوم φύσεως και ύποστάσεως  والتى  فى عمفها تتيح  امكانية ايجاد حل نهائى لقضية الخرستولوجيا 

ولقد سعى الاباء الى ان يقرر المجمع هذه الحقيقة  وطومس لاون  يتحرك  من معنى الطبيعة  سواء كانت طبيعة الهية او طبيعة انسانية   وانتهى الى فكرة الشخص  والتى صعب فهمها على واضعى الطومس  وبالاكثر  ظل معنى البروسوبوπροσώπο  صعب الفهم على النسطوريين والسبب انهم يفرقوا  او يميزوا بين الطبيعة والاقنوم كما كتب ليون اسقف روما  الى فلافيانوس:

”  الالهى والانسانى  فى السيد يسوع المسيح  يوجدوا فى شخص واحد   فالذى يتعرض للاهانة اخر والذى يقبل المجد اخر   ويجب ان نعى وحدة الشخص  فى  االطبيعة”. وبكل تأكيد فأن اللاهوتيون لم يصلوا الى التمييز بين الطبيعة والشخص   بسهولة . فالقديس اثناسيوس على سبيل المثال كان يطابق بينهما وذلك بسبب تشديده على  مساواة الابن فى الجوهر  مع الاب όμμουσιότητας   وبسبب المناخ الفلسفى السائد  ولكنه شدد على التمييزا  بين اقانيم او اشخاص االثالوث  الثلاثة  .

 والقديس كيرلس  ساوا بين الاثنين مرات لاسباب دفاعية ومرات ميز بينهم  ولكنه لم ينكر ابدا  فرادة الطبيعتين فى المسيح . ويجب ان لا  ننسى ان المناخ الفلسفى  السائد  الذى كان يطابق  بين التعبيرين  قد اثر تأثيرا كبيرا على  على التمييز الواضح بين  التعبيرين فى الخرستولوجيا . ولكن اصرار بعض الاساقفة القلة والمعتمدين على  رغبة  ممثلى الاباطرة  ادى الى القرار  بان يتم صياغة قانون ايمانΕκθέσεως πίστεως   على ان يتولى اناطوليوس  االقسطنطينى  مسئولية تشكيل لجنة صغيرة خاصة تقوم بالمهمة.

وتم الحديث عن النص المقترح  والذى دعى التيبوس Τύπον  والذى تمت مناقشته  ورفضه فى الجلسة  ولم يتم وضعه فى اعمال المجمع . والح الاساقفة المعتدلين  على طلب ان يوضع لقب  الثيؤطوكوسΘεοτόκος  فى اى نص يتعلق بتحديد الايمان الخرستولوجى. وايضا الطبيعتين فى المسيح  بمعنىالاتحاد كما قبل ذلك فلافيانوس  بدلا من التعبير الذى يوحى بالمونوفيزيتية  من طبيعتين  έκ δύο φύσεων  والذى نادى به واعتنقه ديوسقوروس. 

ولقد حاول ممثلو الامبراطور ان يوفقوا بين الذين ا يصرون على ان الطومس اللاونى كاف للتعبير عن  الايمان وبين الرافضين واقترحوا اضافة  الى الطومس  عبارة  الطبيعتين المتحدتين  بعد الاتحاد  متحدين بدون تغيير او تفريق  ولا امتزاج  فى المسيح  وهذه العبارة لا توجد حرفيا فى الطومس  ولكن  لم يؤخذ بالاقتراح ولم  توضع العبارة فى الصياغة النهائية  لقانون المجمع.

 

الضغوط الباباوية وموقف الامبراطورماركيانوس :

 ولما رأى ممثلوا روما ان المجمع يتجه الى عدم الاكتفاء بالطومس  اعلنوا انهم لن يتنازلوا عن موقفهم وهددوا  بانهم سينسحبوا من المجمع  وسيطلبوا عقده فى الغرب   اذا لم يتم القبول الحرفى والنهائى للطومس .

 تم رفع امر الخلاف الجذرى الى الامبراطور ماركيانوس  والذى تبنى تهديد االبابويين  واظهر للاساقفة رغبته فى   صياغة قانون جديد  واقترح تكوين لجنة موسعة يتمثل فيها الجميع  والتى تهدف الى عمل  اعتراف بالايمان  للقانون العقائدى ويبدوا واضحا ان الذين نصحوا وعن حق الامبراطور  قد اقتنعوا بان  من اجل التوضيح  وتخطى خطر  النسطورية  والمونوفيزيتية  هناك حاجة الى قانون عقائدى جديد  يأخذ فى الاعتبار التمييز بين الطبيعة والشخص او الاقنوم .

واجتمعت اللجنة فى كنيسة القديسة افيميا برئاسة اناطوليوس وحضور ممثلى الامبراطور وممثلى بابا روما   وقاموا بصياغة النص الذى رفع الى المجمع . وهكذا فى الجلسة  السادسة (25 اكتوبر ) تبنى المجمع القانون الجديد فى احتفال بحضور الامبراطور ماركيانويس والامبراطورة بوليخيرياس  بالرغم من بعض الاعتراضات على الطريقة التى اتبعت فى بعض الاجرأت.

 

 

  القانون العقائدى:

المقدمة  τό προοίμιο (ACO 11) :

 

بدأت لجنة  الصياغة  اعمالها برئاسة اناطوليوس  ا سقف القسطنطينية بوضع تمهيد تاريخى ولاهوتى  ونم وضع مساهمة المجمع اللاهوتية ضمن فرارات الكنيسة اللاهوتية والعقائدية السابقة  وذلك حتى يفهم وضع القانون الجديد فى كل مسيرة الكنيسة فى مواجهة  الاراء السيئة  κακοδοξιών . واعلنوا انه كان يمكن الاكتفاء بقانون الايمان النيقاوى فى معرفة الحق άλήθεια حيث لدينا التعليم عن الاقانيم الثلاثة  او الاشخاص الثلاثة فى الثالوث القدوس  διδασκαλία γιά τά τρία   

 πρόσωπα τής άγίας Τριάδος.

ولقد ادى حدوث اسأة كبيرة الى سر التدبير فى شخص المسيح  τού μυστηρίου της οίκονομίας τού προσώπου τού Χριστού الى الدعوة الى هذا المجمع المسكونى والذى يسير على خطى  ليس فقط المجمع المسكونى الثانى (381 ) والذى قرر حقيقة مساواة للروح القدس فى جوهر اللاهوت έπικύρωσε τήν άλήθεια τής όμοουσιότητας τού Αγίου Πνεύματος   ولكن ايضا يسير ايضا على خطى رسائل كيرلس  الاسكندرى   والتى تتعلق ببدعة نسطور  وتأكيد تعبير الثيؤتوكس . أيضا يشير الى طومس لاون والذىوبالرغم من انه يدحض بدعة اوطاخى الا انه يترك مجالا  لرؤية نسطورية لمفهوم الشخص αφήνει περιθώρια γιά νεστοριανίζουσα θεώρηση τού προσώπου .

 

واعتبروا ان اى نصوص  واعترافات بالايمان جأت بعد المجمع المسكونى الثانى  سليمة وارثوذكسية ولكن منها من اراد مواجهة النسطورية ومنها من اراد التصدى للمونوفيزيتية  ومن هنا جاء الاحتياج الى  رؤية لاهوتية  واعتراف ايمان  يمنع تقسيم المسيح الى اثنين   اى ابنين ونقصد النسطورية هذا من ناحية او الوصول الى طبيعة واحدة للمسيح من ناحية اخرى اى المونوفيزيتية والذى ادى وبالضرورة الى اختلاط الطبيعتين والى نسبة الالام الى الطبيعة الالهيةσέ πάθος τής Θείας φύσεως  وايضا كان من اللازم دحض بدعة ان جسد المسيح  كان عبارة عن جسد (سماوى  ούράνιον  ) وليس انسانا كمثل البشر(καί όχι κοινό άνθρώπινο).   ولقد تم فى تلك المقدمة التاريخية واللاهوتية  تحديد وبدقة القضايا الايجابية التى واجهها القانون الجديد .

 

 

 

القانون اوالقاعدة  Ο όρος:

 

نلالحظ ان كل العناصر اللاهوتية للقانون وبدون استثناء قد تم الاشارة اليها وكتبها اباء الكنيسة  وبعضها تم قبولها فى مجامع مسكونية . ومع ذلك كان هناك احتياج لان  تصاغ معا بشكل مترابط  وتقرر بشكل مترايط فى مجمع مسكونى  حتى تشكل اعتراف بالايمان مسكونى وبالتالى الزامى للجميع.

ولقد ظهرت هذه الحاجة  بسبب ان الذين وقفوا ضد النسطورية اظهروا توجهات مونوفيزيتية  والذين وقفوا ضد المونوفيزيتية اظهروا تعاطفا مع النسطورية  وهذا الموقف سواء تم بوعى او بدون وعى  سهل الانزلاق فى واحدة من البدع  وشكل خطرا على نقاوة الايمان  والسبب الاساسى وراء ذلك هو كما سبق واشرنا  هو الخلط اللاهوتى  الغير واع  وهدم التمييز بين  بين الطبيعة والشخص  فى المسيح  اى فى الخرستولوجيا  والقانون الجديد يؤكد  هذا التمييز باستعماله العبارتين المرتبطتين  وهما : المسيح الواحد هو ( فى طبيعتين   έν δύο φύσεσι)   وان الطبيعتين توجدا متحدتين   فى الشخص الواحد والاقنوم الواحد (είς έν πρόσωπον καί μίαν ύπόστασιν   ).

العبارة الاولى تعترف وبشكل مباشر بوجود طبيعتين فى المسيح  واللتان رغم اتحادهما الا  انهما لم يختلطا  ولم يتحولا  ولم ينفصلا . ولقد رأينا هذه العبارة لاول مرة عند بروكلوس القسطنطينى (قام بنشر النص  العالم الفرنسى شارل مارتان فى دورية الموسيون Muséon 54   1941 ) وبعده بعشرين عاما استخدمها فاسيليوس سيليفيكسياس  ونجد المعنى الدقيق للعبارة فى الاعتراف بالايمان الذى  وضعه فلافيانوس فى المجمع المحلى  عام 448 .

وققتها اعترف  بالمسيح  فى طبيعتين  بعد التجسد   وفى اقنوم واحد  وشخص واحد (έκ δύο φύσεων είναι μετά τήν έναθρώπησιν έν μιά ύποστσάσει καί ένί πρόσωπω).

 

العبارة الثانية تعترف بالتطابق بين الاقنوم والشخص  ورفضت الفكرة التى تقول ان شخص المسيح هو نتيجة اتحاد طبيعتين او شخصين  وتعلن انه فى الشخص الواحد او الاقنوم الواحد للثيؤس لوغوس  تتحد الطبيعتان  الالهية والانسانية  وبالتالى فبالعبارة الاولى تم استبعاد كل  ايحاء بالمونوفيزيتية وبالعبارة الثانية تم استبعاد كل  نسطورية مستترة  اى ذيوفيتزموس هرطوقى  وذلك  بسبب الاصرار على شخص الطبيعة الالهية وشخص الطبيعة الانسانية.

ونجد العبارة الثانية عند بروكلوس (الموسيون 54 ) وعند فلافيانوس  وفاسيليوس سيليفيكسياس  فى اعترافه بالايمان يستعمل عبارة كيرلس (حسب الاقنوم  καθ ύπόστασις)   والتى حسب فكر كيرلس تعنى (الوحدة الحقيقية والواقعية   πραγματική  ένωση)

 لقدى شكل ادخال تعبير الاقنوم  محطة فى تاريخ اللاهوت  وصار هذا التعبير  اساس الخرستولوجيا  والحقيقة ان هذه الكلمة جأت من المجال الفلسفى  لتصير تعبيرا لاهوتيا  ولكن الفارق انه بينما فى الفلسفة يتم التطابق بشكل عام  بين كلمة الهيبوستاسيس  والفيزيز والاوسيا اى بين الاقنوم والطبيعة والجوهر  ففى اللاهوت يحدث العكس فيفترض التمييز بين  الطبيعة والكينونة φύσεως καί είναι (όντος )  والتطابق مع الكائن  είναι (όν-ύπόσταση) 

كما اظهر ذلك اللاهوتيون الكبادوك  والذين قلبوا المعطيات الفلسفية راسا على عقب . وربما فى عام 451  وربما وبكل تأكيد   لم يكن معظم الحضور على دراية كافية بهذه الحقيقة ولم يدركوا الاهمية القصوى لاعادة صياغة التعبير (هيبوستاسيس ) لان التحديث وتأسيس اللفظ صار واللاهوتيون الشرقيون  اللاحقون  يستمرون فى  صياغة وبنيان البنيان الخرستولوجى  وكانوا يحاولون شرح وفهم هذا التعديل فى اللفظ .

ويجب ان نؤكد ان  التمييز بين الطبيعة والاقنوم سهلت وساعدت على فهم افضل  للتطابق بين الشخص والاقنوم  وهذا التطابق الذى لم يكن ابدا عملا سهلا صار وبشكل تدريجى احد مقتنيات اللاهوت السائر فى طريق الارثوذكسية .

فالاتجاهات النسطورية  استدعت التشديد على  تعبير  (فى ذات الواحد ένα καί τόν αύτόν  )   الابن والمسيح بينما الاتجاهات المونوفيزيتية  اظهرت  الاعتراف  بأن المسيح  هو  مساو للاب  حسب اللاهوت ومساو لنا حسب الانسانية او الناسوت (όμοούσιος  τώ Πατρί κατά τήν Θεότητα καί όμοούσιος ημίν τόν αύτόν κατά τήν άνθρωπότητα   )

ورغم انه يبدوا ان قانون  المجمع كما يبدو فى الاعمال المجمعية قد تم نتيجة مساهمات الكثير من المجتمعين الا انه يبدو انه من وضعه كان على درجة عالية من الابداع الخاريسماتيكى  والذى استوعب التراث الكنسى  وفهم فى العمق النسطورية والمونوفيزيتية  وقبل واطلع على  كل ما سبق وقالته المجامع او اللاهوتيون  عن البدعتين .  ولقد اظهر انه مؤلف موهوب ولديه احساس وقدرة لغوية رفيعة المستوى .

 وهكذا فقد قدم نصا رائعا  والذى يعلن الحقيقة  بخصوص شخص وطبيعتى المسيح  واغلق الباب على البدع  والنص يمتلك بنيانا لاهوتيا  منهجيا  والنص عبارة عن جملة واحدة متواصلة بلا توقف ويتكون من 26 او 27 فقرة كالاتى :

1 – حسب ما قاله الاباء القديسونΕπόμενοι τοίνυν τοίς άγίοις πατράσιν  

2 – نعترف بالابن الواحد نفسهένα καί τόν αύτόν όμολογείν υίόν

3 – ربنا يسوع المسيح τόν κύριον ήμών Ιησούν Χριστόν

4 – ونحن جميعنا نعلم وباتفاق انه( συμφώνως άπαντες έδιδάσκομεν)

5 – كامل وهو ذاته فى اللاهوتية (τέλειον τόν αύτόν έν Θεότητι

6 –وكامل وهو نفسه فى البشرية والناسوتية

7 –وهو ذاته اله حقيقى وهو ذاته انسان حقيقى   τόν αύτόν

8 – وهو يتكون من نفس عاقلة وجسد( έκ ψυχής λογικής καί σώματος )

9—وهو مساو للاب حسب اللاهوت

10 – وهو نفسه مساو لنا حسب الناسوت

11 –وهو مساو لنا فى كل شئ بدون خطية

12 –وهو مولود من الاب حسب اللاهوت قبل الدهور

13 –وهو نفسه وفى اخر الايامέπί έσχάτων δέ τώνήμερών τόν αύτόν

14 –من اجلنا ومن اجل خلاصنا δι’ήμας καί διάτήν ήμετέραν σωτηρίαν

15 –من مريم العذراء الثيؤتوكس وحسب الناسوت او البشرية

16 –هو نفسه المسيح الواحد الابن الوحيدالجنس والرب

17 –ونحن نعترف بع من طبيعتين بدون اختلاط ولا تغيير ولا تفريق ولا انفصال( έν δύο φύσεσιν άσυυγχύτως άτρέπτως άδιαιρέτως άχωρίστως γνωριζόμενον)

18 –ولم يحدث اختلاف بين الطبيعتين بسبب الاتحاد

19 – وقد احتفظ بخاصيةίδιότητος  كل طبيعة

20 –فى نفس الشخص ونفس الاقنوم έν πρόσωπον καί μίαν ύπόστασιν

21 – ولم يفترق الى شخصين او اقنومين

22 –ولكنه هو هو الابن الوحيد الجنس  نفسهένα καί τόν αύτόν υίόν μονογενή

  3 2 –اللوغوس الاله الرب يسوع المسيح(Θεόν λόγον κύριον Ιησούν Χριστόν)

 24 –كم سبق وقال الانبياء عنه  –

25 –وهو نفسه يسوع المسيح الذى علمنا

26 – عنه  قانون الايمان الذى لابائنا .

((Ι.Καρμίρη ,Τά δογματικά καί συμβολικά μνημεία …Αθήνα 1960 σελ.175 .ACO11;1 1 σελ.129-130.

ولقد  انشغل علماء كثيرون وباحثون  بدراسة المقاطع   وتاريخ  القانون  مثل  Sellers  ;Bunic  Ortiz  DeHalleux   وفى اليونان مارتسيلوس   ولقد اصر البروفسور مارتسيلوس بان المصدر الاساسى للقانون هو فاسليوس سيليفيكسياس  وشدد على دور كيرلس الاسكندرى  والذى اعد الطريق لاهوتيا  للخرستولوجيا التى اعتمدها قانون خلقيدونية. ولقد  تم  دحض الراى القديم الذى يرى ان القانون قد اتى     من طومس   لاون الرومانى .  ونلاحظ اننا نجد  التعبيرات اللاهوتية الاولى  اللقانون عند بروكلوس القسطنطينى    وللمرة الاولى  (فى طبيعتين بغير اختلاط ) (كل طبيعة فى  الشخص الواحد والاقنوم الواحد ).

ونكرر ان الاهمية القصوى  لاستخدام التعبيرين  تكمن فى  انهم يقومون على اساس  التطابق  بين الشخص والاقنوم  من ناحية ومن ناحية اخرى التفريق بين الطبيعة والاقنوم وبهذه التعبيرا صار لدينا اساس للخرستولوجيا  الذى يمنع  وبشكل قاطع الاتجاهات النسطورية والمونوفيزيتية وهذا التفريق بين الطبيعة والشخص نجد اثره مؤخرا  بعد 18 عاما  بعد بروكلوس  فى الاعتراف  والاعلان  لفاسيليوس سيليفكسياس  فى  اثناء المجمع المحلى  فى 448 .

ولقد استعمل باسيليوس الذى يعرف جيدا بروكلوس  نفس جملته (فى طبيعتينέν δύο φύσεσιν ) وايضا عبارة (اتحد بنفسهاو لنفسه حسب الاقنوم ήνωσεν έαυτώ καθ’ υποστασιν  )  وهذا يعنى اتحاد بشكل حقيقى وواقعى  .وفى الاعتراف الذى تم بلسان فلافيانوس  فى نفس المجمع  448  تم الاعتراف بالطبيعتين بعد التجسد ( والذى يتطابق مع( فى طبيعتين ) واللتان توجدان فى شخص واحد واقنوم واحد .

وهذا معناه ان وفى هذا المجمع تم الاخذ فى الاعتبار وبشكل جدى باراء كيرلس  وايضا بروكوبيوس  والذى  فهم وبشكل جيد التمييز بين  الطبيعة والهيبوستاس وهكذا تم عمل اعتراف بالايمان اقرب ما يكون كمالا من قانون خلقيدونية .وفى النهاية  الشئء الواضح والجدير بالاعجاب انه قد تم فى خلقيدونيةوبدون صعوبة   الاعتراف بالايمان الذى   شارك فيه اللاهوتيون التقليديون  من كل المسكونة  وقتها (الاسكندرية وانطاكية والقسطنطينية والليريكو وروما)  وعلى سبيل المثال  وللتوضيح نقدم  من اجل توضيح التعبيرات الجديدة فى قانون المجمع وعلاقتها  بامثلة سابقة من بعيد او من فريب مهدت الطريق  لها:

فقرة 2 ( نعترف بالابن الواحد نفسه )

نجد مثلها عند كيراس  فى رسالته الى سيكونون باترولوجيا جريكا  77 فقرة 232 ) ويقول (نعترف  بالابن الواحد نفسه ) ونجدها عند بروكلوس (نحن نعى مسيحا واحدا ) الموسيون 54 .

فقرة 5و6 ( وهو نفسه كامل فى اللاهوت ونفسه كامل فى الناسوت ) نجدها عند كيرلس  فى عريضة المصالحة مع الانطاكيين باترولوجيا جريكا 77 وفقرة 176 و177 ( انسان كامل واله كامل هونفسه ).

فقرة 9و10 (مساو للاب فى اللاهوتية ومساو لنا فى الناسوتية ) نجدها عند كيرلس فى نفس المرجع السابق ( مساو للاب هو نفسه فى اللاهوت ومساو لنا حسب الناسوت ).

فقرة 16 (نحن نعترف بالمسيح الواحد فى طبيعتين  بدون اختلاط ولا تغيير ) نجدها عند بروكلوس (المسيح واحد فى طبيعتين ) و(اقنوم واحد  فى طبيعتين ) ألموسيون 1941 .

ونجد تعبير اخر عند نسطور يقول ( نعترف بمسيح واحد فى طبيعتين ) وهذا التعبير شكلا سليم ولكن المشكله ان الشخص عند نسطور  هو نتيجة اتحاد شخصين )  وكيرلس كتب الى أفلوجيون يقول ( كان واحدا فى اثنين )  باترولوجيا جريكا 77 . ومرة اخرى قال كيرلس  ( لقد جأت الطبيعتين  مها فى اتحاد  غير منفصم وغير مختلط وغير متحول ) نفس المرجع . وبايسليوس سيليفكياس قال ( نحن  نعرف الرب الواحد  فى طبيعتين ) .

 فقرة 18 (لم تختف الفروق بين الطبيعتين بسبب الاتحا د)  ولقد كتب كيرلس   الى نسطور يقول( ان المسيح من اثنين  ولم تختف الفروق بسبب الوحدة ) باترولوجيا جريكا 77 . ولقد كتب فلافيانوس  الى ليون اسقف روما يقول ( المسيح ابن وواحد من اثنين  ولم تختف الفراوق بين الطبيعتين بسبب الوحدة ).

 فقرة 19 (لقد احتفظت كل طبيعة بخصائصها ) ويقول ليون اسقف روما فى الطومس ( اقد احتفظت كل طبيعة بخصوصيتها ووجدت فى شخص واحد ).طومس لاون .

فقرة 20 ( فى شخص واحد واقنوم واحد اشتركت كل طبيعة ) ويقول بروكلوس ( لقد وحد الطبيعتين فى اقنومه الخاص  ووهو الابن الواحد ) ولقد كتب كيرلس فى دفاعه عن الحرمانات الاثنى عشر (  لقد تكلم فى الاناجيل  لغتين مرتبطتين  والاقنوم هو الواحد  فى اللوغوس المتجسدة السساركومينى ).(ένί προσώπω τάς έν τόίς Εύαγγελίοις πάσας άναθετέον φωνάς ,ύποστάσει μία τή Λόγου σεσαρκωμένη)

فقرة 21 (نحن لا نقسم الى شخصين   …) ويقول كيرلس  فى رسالته الى نسطورالتى تحوى الحرمانات (الاناجيل لا تقسم اصوات المسيح الى  اثنين  ولا الى شخصين ). باترولوجيا جريكا 77 .(ούκ είς δύο πρόσωπα μεριζόμενον ή διαιρούμενον)

 

 

  قوانين المجمع الخلقيدونى     : 

لقد واجه مجمع خلقيدونية سلسلة من المشاكل فى النظام الكنسى  ووضع الاساقفة  والحياة الرهبانية  والاحوال الشخصية والزواج ولقد وضع 28 قانونا خاصا مثل:

1 – منع اختلاط الرهبان  والاكليريكيون بأمور العالم.

2 – ومنع الرهبان من  تأسيس اديرة  او الخدمة فى المدن بدون اذن اسقف المدينة المحلى.

3 –تعيين شماساتδιακόνισσες  على الا يرسموا قبل سن الاربعين.

4 –ضرورة عقد مجامع مرتين فى السنة .

5 –اعطاء كرامة متساوية لكرسى القسطنطينية   كروما الجديدة  تماما مثل الكرامات التى يحظى بها كرسى روما القديم .(قانون 28 ).

ولقد تم مناقشة هذا القانون الجديد فى الجلسة النهائية  (31 اكتوبر ) بدون حضور  الاباطرة ولا ممثلى روما . ولقد صرح مندوبوا اسقف روما انهم غير مخولين لمناقشة مثل هذه القضايا ولهذا انسحبوا  بعد ان حصلوا على تأكيدات بالحفاظ على  امتيازات  كرسى روما . واستمر المجتمعون فى المناقشة ووافق الاباطرة على فحوى  القانون 28  ووقع عليه كل المجتمعون مستندين فى ذلك على  القانون الثالث للمجمع المسكونى الثانى 381  والذى  منح القسطنطينية  كرامات مع اسقف روما  πρεσβεία τιμής μετά τόν τής Ρώμης έπίσκοπον )  )

 ويشكل القانون 28 اعترافا بدور كنيسة القسطنطينية العظيم  وثقلها  واعطى  الامتياز لاسقفها لكى يرسم مطارنة  فى   اقاليم بونطيوس وثراكيس واسيا  ومن عام 732  فى الليريكو الشرقية . وترجع اهمية هذا القانون فى ان كنيسة القسطنطينية قد اعلنت وترفعت  كبطريركية  وهكذا فان كنيسة روما  برغم انها تسبق حسب الكرامة ولقد سبب هذا الموقف غضب كرسى روما والتى رفضت قبول هذا الامر .

نصوص المجمع  :

 من حسن الطالع بقاء نصوص كثيرة من اعمال مجمع خلقيدونية لم تتعرض للضياع  وهذه النصوص حسب تاريخها هى :

1 –رسائل عبارة عن اوامر امبراطورية  قبل المجمع

2 – نصوص مناقشات فى اثناء المجمع

3 – نصنوص قرارات  وحوارات

4 – رسائل بعد المجمع .

 اعمال المجمع  :

 وبها نجد اسماء المجتمعين  وطريقة العمل فى الجلسات والمنافشات  لقد ة بقيت لنا فى  2  كوديكاس يونانيين (فينيتوس 555 و فيندوبون 27 ) وفى ثلاث مجموعات لاتينية  والتى تختلف فيما ينها فى عدد النصوص وفى  جودة الترجمة  ومن اكثر المجموعات المعروفة  Schwatz(Acta Concliliorum Occu,enicorum ;Berlin 1933.

 

قائمة المراجع : Βιβλιογραφία

 

 

[1]  نلفت نظر القارئ باللغة العربية اننا قد قمنا بترجمة هذا النص من الدورية اللاهوتية المعروفة (ثيؤلوجيا )  اثينا اليونان طومس 77 عام 2007 ص 451-472 وهى تصدر باللغة اليونانية وتعد من اهم الدوريات العلمية اللاهوتية فى الكنيسة اليونانية والناطقة بلسانها ولقد دفعتنا لتعريب المقال عدة عوامل اهمها المساهمة فى الحوار القائم بين الكنائس الشرقية الارثوذكسية والكنائس البيزنطية الارثوذكسية بتعريف القارئ الشرقى باحدى وجهات النظر التى ربما لضيق الوقت وعدم توافر المراجع العلمية لم يتعرف عليها بشكل متعمق والسبب الثانى ان كاتب هذه الدراسة البروفسور بابادوبلوس معروف فى كنسيتنا  القبطية

ورأية له وزن فى الاوساط العلمية ليس فقط اليونانية بل المسكونية  ولقد قمنا بالترجمة بدقة علمية وخضوع كلمل للنص كما اراده المؤلف ولم نرد او نقدم ملاحظات رغم اننا لا نوافق بالطبع علىما يقوله ويمكن الرد فيما بعد ولكننا نترك للدارس والباحث واللاهوتى القبطى والشرقى مهمة ابداء الملحوظات ويمكنه ان يرسلها لنا حتى نفوم بالاعداد للرد بشكل علمى وفى شركة مع الكنيسة.

 

المجمع المسكونى الرابع (451) أساس الخرستولوجيا الراسخ

اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة

اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة

اللاهوت االلاهوت المقارن والباترولوجي – دراسةلمقارن والباترولوجي – دراسة

اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة

واجهت الكنيسة منذ نشأتها كثيرًا من البدع والهرطقات، لذا كانت هناك حاجة إلى علّم – اللاهوت المقارن – الذي يبحث في الفرق المتباينة، التي ظهرت في تاريخ الفكر المسيحيّ منذ نشأته، ومناقشة معتقداتها ومبادئها اللاهوتية بهدف إبراز الحقيقة المسيحية والبرهنة عليها، وبيان هدى انحراف المذاهب المعارضة وابتعادها عن الإيمان الرسولي[1].

ظهرتْ كتابات الآباء لإرساء العقيدة في أذهان أبنائها، ودحض وتفسير أفكار الهراطقة بالحجج القوية، الراسخة الموثقة بالتقليد والتسليم الكنسيّ والكتاب المقدس، فقد كان الآباء غيورين على الإيمان السليم إلى حد الاستشهاد، فانظرْ كم عانَى القديس أثناسيوس الرسوليّ ديسقورس وغيرهما..

أهمية دراسة اللاهوت المقارن عند الآباء وسماته

  1. من خلال كتابات الآباء في هذا المجال، نتعرّف على روح الآباء وأسلوبهم في الرّد على الهرطقات كلٍ بما يناسبها، كاستخدامهم للفلسفة اليونانية في الرد على الفلاسفة، واستخدام العهد القديم في الرّد على اليهود، والتقليد والكتاب المقدس للرّد على الهراطقة.
  2. دراسة بدعة قد لا تكون في عصرنا والرد عليها، لنتعرّف من خلالها على ما واجهته الكنيسة من اضطهادات داخلية، كذلك دراسة العقيدة من خلال اللاهوت المقارن توضح جوانب أكثر في العقيدة.
  3. من خلال دراستنا للآباء في اللاهوت المقارن نتعرف على العقيدة السليمة، وإظهار روح الآباء ووقارهم ودقة الألفاظ الأدبيّة مهما استخدم الهراطقة أفاظًا فيها إساءة، كذلك روح الحب الذي كانوا يُظهرونه للهراطقة، آملين أن يروهم في أحضان الكنيسة الجامعة الرسوليّة، على الرغم من أنهم كانوا حازمين ومدققين في الإيمان الذي تسلّموه (2تي12:1-14)، لكنهم كانزا محببين ولطفاء… ولهذا كتب القديس كيرلس لنسطور ليُخبره أنه لن يجد أحد يحبه مثله، لكن هذا الحب لن يكون على حساب الإيمان.

والبابا ديونيسيوس الرابع عشر عندما زار إيبارشية الفيوم، ووجد أسقفها نيبوس يُعلِّم بالمُلِكْ الألفيّ الأرضيّ، كتب يوضّح محبته وتقديره لمجهود هذا الأسقف ثم يشرح العقيدة السليمة: “لأنهم يقدِّمون لنا مؤلفًا لنيبوس وهم يعتمدون عليه كلّية، كأنه أثبت إثباتًا قاطعًا أنه سيكون هناك مُلك للمسيح على الأرض، فإنني أعترف بتقديري ومحبتي لنيبوس من نواحي أخرى كثيرة، لأجل إيمانه ونشاطه واجتهاده في الأسفار الإلهيّة، ولأجل تسابيحه العظيمة التي لا يزال كثيرون من الإخوة يتلذذون بها..

ويزداد احترامي له لأنه سبقنا إلى راحته، على أن الحق يجب أن يُحب ويُكرّم قبل كل شيء، ومع أننا يجب أن نمتدح ونصادق على كل ما يُقال صوابًا دون تحيز، فإننا يجب أن نمتحن كل ما يبدو أنه لم يُكتَب صوابًا ونصححه”.[2]لفي

كما قيل عن القديس ديديموس الضرير: “اتسمت تعاليمه اللاهوتية بالهدوء والرزانة بعيدًا عن الهجوم والعنف، وكان مهذبًا في نضاله ضد الأريوسيين والوثنيين، مركِّزًا على أن يقنعهم ويردّهم إلى الحق لا أن يهزمهم”[3].

كذلك قيل عن القديس إيريناؤس أسقف ليون: “في المقاومة لا يبغي الجدل كهدف، بل كان يركّز على إبراز أركان التعليم الرسوليّ في شتّى القضايا التي أثارها الهراطقة، فكان جدله إيجابيًّا بنّاءً، كان مجاهدًا لا في مقاومة الهرطقات فحسب، وإنما بالأحرى في ردّ الهراطقة إلى حضن الكنيسة، لذا كان يتحدث بحكمة بناءّة، في أُسلوب هادشء وتسلسل مقنع بروح المحبة غير المتعصبة ولا الجارحة”.

كذلك يقول القديس أمبروسيوس: “يجب على الرعاة أن يكونوا هكذا كمرشدين للسفن حكماء، فيفردون شراعات إيمانهم حيث يسير في أكثر الأماكن أمانًا، حاسبين تكاليف (رحلة الكتب المقدسة) فلا ننطق بكلمة إلاّ للبنيان، وباختصار يليق بالراعي أن يمتنع عن المباحثات الغبية والأنساب والخصومات وكل ما هو ليس للبنيان، إذ يدعوها الرسول أنها أمور غير نافعة، من ينشغل بها يصير غبيًّا”[4].

كتابات الآباء تُعطي مفاهيم مسيحية وتفاسير قوية لعبارات الكتاب المقدس، فهي تكشف لنا مدى استنارة الآباء بالروح، فلا توجد حقيقة إلهية جديدة أو خلق جديد، ولكن الآباء المؤيدين بالروح القدس يتعمقون أكثر والروح يُعضدهم ويعطيهم وفقًا للاحتياجات، فلا يوجد شيء في الكنيسة يقبل إعادة النظر أو التطور، بل الكنيسة ثابتة على مر العصور، منذ حلول الروح القدس على التلاميذ إلى آخر الدهور.

منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم في اللاهوت المقارن [5]

يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أن الوعظ والتعليم الصحيح هو أنسب طريقة للتوبة، وعدم استخدام عصا التأديب إلاَّ عندما لا تنجح الطريقة الأولى، فيقول: “من الأفضل للبشر أن يتقدَّموا لخدمة الرّب لتثقيفهم لا بسبب الخوف من العقاب والألم… ولكن إن كانت الوسيلة الأولى أفضل، فإن هذا لا يعنى تجاهل الثانية…

فإن كثيرين كعبيد أشرار لا يعودون إلى ربهم غالبًا إلاَّ بعصا الآلام المؤقتة، وذلك قبل ما يبلغون إلى درجة التقدم في التقوى”[6]، كما يقول أيضًا تعليقًا على موقف السيد المسيح من الكتبة والفريسيين بعد معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا “ويجب علينا استخدام اللطافة لاستئصال هذا المرض، لأن الإصلاح والتغيير باستخدام الخوف، سرعان ما يعود إلى الشر مرة أخرى”[7].

أما منهجه فيتلخص في الآتي:

  1. عدم استخدام العنف كوسيلة للتوبة فيقول: “لا يُسمح للمسيحيين أن يعالجوا سقطات الخطاة كرهًا… فإنه يلزم إصلاح الخطاة بالاقتناع لا بالإرغام، فنحن لم نعط بالقانون سلطانًا من هذا النوع لقمع الخطاة”[8]، كما يقول أيضًا “ليتنا لا نحتد ضد هؤلاء الناس (يقصد الأنوميين) ولا نتخذ الغضب كعذر، بل نتحدّث إليهم بوداعة وعذوبة، فليس هناك وسيلة أكثر فاعلية من ذلك، لهذا أوصانا الرسول بولس أن نتمسك بهذا السلوك من كل قلبنا عندما قال:

    “وضعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ” (2تي24:2)، أنه لم يقل “مترفقًا فقط يإخوتك” بل قال “مترفقًا بالجميع”، كما قال أيضًا “لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا” (في5:4)، لم يقل “معروفًا عند إخوتك” بل قال “لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ” (في5:4)، وهو يقصد بذلك أي صلاح تفعلونه: “إن أحببتم الذين يحبونكم” (مت46:5)[9].

  2. عدم الجدال حسب قول معلمنا القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: “المُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ وَالْسَخِيفَةُ اجْتَنِبْهَا، عَالِمًا أنَّهَا تُوَلِّدُ خُصُومَاتٍ” (2تي23:2)، كما يقول لتلميذه تيطس: “وَأَمَّا الْمُبَاحَثَاتُ الغَبِيَّةُ وَالأَنْسَابُ وَالْخُصُومَاتُ وَالْمُنَازَعَاتُ النَّامُوسِيَّةُ فَاجْتَنِبْهَا، لأَنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَبَاطِلَةٌ. الرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ اإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ أَعْرِضْ هَنْهُ، عَالِمًا أَنَّ مِثِّلَ هَذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ” (تي9:3-11)، ويعلق ذهبيّ الفم على هذه الآية قائلاً:

    “أما الخصومات فيعني بها المناقشات مع الهراطقة، فالرسول يود ألاَّ نتعب فيها بغير جدوى، دون أن نجني منها شيئًا، لأنها تنتهي إلى لا شيء، لأنه إن صمم إنسان على عدم تغيير رأيه مهما حدث، فلماذا تُتعب نفسك وتزرع على الصخر، مع أنه كان يليق بك أن توّجه عملك العظيم إلى شعبك متحدثًّا معهم عن الفضائل؟”[10]، كذلك يقول أيضًا “يليق يمَن يعلِّم أن يهتم على وجه الخصوص أن يحقق عمله بالوداعة، فإن النفس التي ترغب في التعلم لا تتقبل التعلِّيم النافع المقترن بالخشومة والنزاع”[11].

  3. عدم الانفعال والغضب الذي بسببه نفقد سلامنا الداخلىّ فيقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم: “إن تغيير الإنسان لعقليّة خصومه وهداية أذهانهم أعظم من قتلهم”[12].

لكن روح الحب عند الآباء في كسب الهراطقة وانضمامهم لشركة الكنيسة، لا تعني التساهل في العقيدة…

فيقول القديس كيرلس الكبير في رسالته إلى فاليريان: “أعتقد أنه ضروريّ بلا شك، أن نهاجم الوسائل التي يعتقدون أنهم قادرون بها على محاربة شعب الرَّب، كما هو مكتوب “يَرموا في الدجى مستقيمي القلوب” (مز2:11)، أي هؤلاء الذين اختاروا أن يحيوا في بساطة الهذف والغاية، والذين أعطوا في نفوسهم تقليد الإيمان كوديعة ويحفظونه مقدسًا وبلا تغيير، وهؤلاء البارعون في الخداع، بابتداعات أفكارهم المخترعة بتعقيد، يدفعون هؤلاء الذين هم أقل منهم كفريسة بعيدًا عن الإيمان بالحق، وبمحاكمتهم بجهل لشر باقي الهراطقة..

ويقدّمون ما هو معتاد بالنسبة للهراطقة دون أن يأخذوا في الاعتبار ما هو مكتوب “ويل لمَن يسقي صاحبه سافحًا حموك ومسكرًا”[13] (حبقوق15:2).

كذلك يؤكد القديس يوحنا ذهبيّ الفم على التمسك بالأمانة وعدم التساهل مع الهراطقة، فنجده يمنع ويحرم الدخول إلى اجتماعاتهم، بل أيضًا كان يصادر كنائسهم، وفي رسالته إلى أنومياس Enomoens يُعَلِّق على قول معلِّمنا القديس بولس الرسول: “غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبَهَذَا أَنَا أَفْرَحُ، بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا” (في18:1)، فقد حاول الهراطقة أن يُدخلوا البدع إلى قلوب المؤمنين تحت ستار الإتضاع، خالطين بينه وبين الاستهتار في التمسك بالعقيدة…

مطالبين البسطاء أن يسمعوا لهم إذ هم يتحدّثون في المسيح يوسع، فأخذ يوضح التفسير الحقيقيّ للآية: أنها لم تكن بخصوص هراطقة، بل بخصوص الإيمان السليم، فيقول: “إذ يُفسد البعض هذا القول تمامًا، دون أن يقرأوا ما يسبقه وما يليه، بل يبترونه عن بقية الجزء المرتبط به، وذلك لأجل هلاك أنفسهم… مُدَّعسن أن بولس قد سمح بهذه..” وأخذ يوضح أن الحب يدفع إلى التواضع دون استهتار[14].

كما يقول ذهبيّ الفم أيضًا “ما دام الرعاة ليسوا في مواجهة وحش كاسر، فإنهم يسترخون تحت شجرة سنديان أو أرز، يعزفون الناي تاركين قطيعهم يرعى في حرية. أما إذا دبرت الذئاب هجومًا فإنه للحال يقوم الرعاة بحيوية ويلقون عنهم المزمار أو الناي متسلحين بالمقلاع. هكذا أنا أفعل”[15]، كذلك يقول “إن كانت صداقتهم (يقصد الهراطقة) مضّرة بك وتجرّك لتشاركهم شرهم، فأعرض عنهم حتى لو كانا والديك”[16].

يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم أن مار أفرام السريانيّ كان على الهراطقة كسيف ذي حدين[17].

الأسانيد التي اعتمد عليها الآباء في مواجهة الهرطقات:

  1. الكتاب المقدس:

يُعتَبر الكتاب المقدس هو السند الأول عند الآباء، في مواجهة الهرطقات والبدع التي جابهتهم، وفي ذلك يقول البابا أثناسيوس الرسوليّ: “ابحثوا أيضًا ما تضمنته الأناجيل وما كتبه الرسل”[18]، فمثلاً في دفاعه عن ألوهة الروح القدس يستخدم الكتاب المقدس فيقول: “انظروا كيف أشارتْ جميع الأسفار الإلهية إلى الروح القدس”[19]، ومرّة أخرى يقول: “أين وجدوا في الأسفار المقدسة أن الروح القدس أُشير إليه كملاك…

وإن كانت الأسفار المقدسة لم تتحدّث عن الروح القدس كملاك، فأيُّ عذرٍ لهم في مثل هذه الجرأة”[20]، كما يرى أنه عند دراسة أيّ موضوع من موضوعات الكتاب المقدس، يلزم فحص هذا الموضوع في جميع مواقعه بالكتاب المقدس، حتى يمكن إطلاق الحكم بصورة كاملة.

وهكذا عندما تناول موضوع الروح القدس في رسالته الأولى إلى سرابيون، فإنه لكي يُثبت أن الروح القدس ليس مخلوقًا، درس الآيات التي جاءت عن الروح القدس وانتهى إلى القول: “قولوا لنا إذن، أتوجد فقرة في الكتاب المقدس الإلهيّ أُشير فيها إلى الروح القدس بمجرد كلمة “روح” بدون إضافة كلمة أو حرف إليها، مثل: الله، أو الآب أو “ياء المتكلم”، أو “المسيح” نفسه أو “الابن”، أو “مني” أي من الله أو أداة التعريف “أل” فلا يُقال عنه روح، بل الروح أو الاصطلاح الكامل “الروح القدس” أو “روح الحق” أي “روح الابن”..

الذي يقول “أنا هو الحق” (يو6:14)، حتى إنكم بمجرد سمع كلمة “روح” افترضتم أنها تعني “الروح القدس”. وبالإيجاز نقول: إنه ما لم تضف أداة التعريف “أل” أو إحدى الإضافات السابقة، فإن كلمة “روح” لا يُمكن أن تشير إلى الروح القدس… أيمكنكم إجابة السؤال الذي قُدِّمَ إليكم عما إذا كنتم تجدون في أيّ مكان في الأسفار الإلهيّة –  أن الروح القدس قد أُطلق عليه مجرد كلمة “روح” دون الإضافات السابق ذكرها، ودون الصفات السابق تدوينها، إنكم لا تستطيعون الإجابة لأنكم لن تجدوا أثرًا لهذا في الكتاب المقدس”[21].

أما الهراطقة فقد استخدموا الكتاب المقدّس، لكنهم فسرّوه خارج نطاق الكنيسة بما يخدم بدعتهم، لذا نجد القديس أثناسيوس الرسوليّ يرى أن “الهراطقة يخدعون البسطاء بتقديم مقتطفات من الكتب المقدسة، ويغفلون أجزاء أخرى منها، إنهم يتظاهرون كأبيهم أبليس (يو44:8)، بأنهم يدرسون ويقتطفون لغة الكتاب، لكي يخدعوا الآخرين بمكرهم”[22]، كما يرى القديس أثناسيوس أن أسوأ ما في الأمر، أن نخترع كلمات جديدة تضاد الكلمات المستخدمة في الكتب المقدسة[23].

يقولالقديس جيروم “إن ماركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين… لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يملكون الروح القدس، الذي من دونه يُصبح الإنجيل المبشَّر به إنسانيًّا، فنحن لا نعتبر أن الإنجيل (أي البشارة) يتألَّف من كلام الكتاب المقدس فغايته في معناه، لا في سطحه، في لبِّه وجوهره، لا في أوراق العظات، بل في أصل معناه، في هذا الحال يُصبح الكتاب نافعًا حقًّا للسامعين عندما يُبشَّر به مع المسيح، وعندما يُقدَّم ويُعرَض مع الآباء، وعندما يُقدِّمه المبشِّرون به مع الروح…

كبير هو خطر التكلم في الكنيسة، لأن التفسير المنحرف يُحوِّل إنجيل المسيح إلى إنجيل إنسانيّ”[24].

فالهراطقة يأخذون جملة واحدة من النص ويفسرونها حسب ما تخدم بدعنهم، ولكن عندما تفهم هذه الجملة من خلال النص كله ستجد معناها مختلفًا تمامًا عما يقصدون.

  1. التقليد:

التقليد هو امتداد حياة الإيمان عبر الأجيال الحيّة، هو اكتشاف الحق المُعلَن بالروح القدس، فالتقليد المُسلَّم من الآباء قويّ، لأنهم من ناحية عاصروا الرسل مثل القديس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ،، وأغناطيوس وبوليكاربوس، وكذلك الاستنارة التي كانوا يعيشون بها، ويشمل التقليد الليتورجية، التي توضح إيماننا، كما هو معروف “ما نؤمن به يثعرَف من خِلال الطريقة التي نُصلِّي بها”[25]، كذلك التقليد المستمد من حياة الآباء وكتاباتهم، فأقوال الآباء وكتاباتهم صورة حية لعمل الروح القدس المستمر في الكنيسة.

لم يكتب الآباء أو يقولوا شيئًا كرأي شخصيّ، لكنهم حافظوا على ما تسلّموه من الآباء، لذا تُعتبَر أقوالهم حجة، فيقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “بحسب الإيمان الرسوليّ المُسلَّم لنا بالتقليد مع الآباء، فأني قد سلّمتُ التقليد بدون ابتداع أي شيء خارجًا عنه، فما تعلمتهُ بذلك قد رسمتهُ مطابقًا للكتب المقدسة”[26]، فيتضح من قول القديس أثناسيوس مدى حرصه على الإيمان المُسلَّم مرة بالتقليد الذي يتفق مع الكتاب المقدس.

فكما يقول معلمنا بولس الرسول “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيَّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ (بالتقليد) الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا” (2تس15:2)، وعبارة “تمسكوا بالتعليم”، تأتي في اليونانية بمعنى التقليد، كما تأتي في ترجمة New King James، بمعنى التقليد Tradition، إذن فمعيار الحق هو الكنيسة.

  1. المجامع المسكونية:

المجامع المسكونية هي صوت الكنيسة المُعبِّر عن التعليم الصحيح، وهي السلطة العُليا للتعليم في الكنيسة الأرثوذكسية؛ وترجع سلطة هذه المجامع فيما يتوافق مع مشيئة الروح القدس العامل فيها، فالتعليم العقائديّ في المجامع المسكونية، يحتوي على مضمون الإيمان والأساس الراسخ للعقائد الإيمانية الأرثوذكسية، والكنيسة – إكليروسًا وشعبًا – هي الحاملة للتعليم الصحيح للإيمان..

حيث يحميه ويصونه الروح القدس من أي خطأ، فمجمع أورشليم يشهد على حلول الروح القدس في المجمع “لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ” (أع18:15)، فهذا يؤكد أن الروح القدس هو المُشرِّع في المجامع المسكونية.

لم يهدف الآباء في نقاشهم حول العقيدة في المجامع المسكونية إلى إعطاء تفسير للأسرار والعقيدة، بل كان عملهم الاستناد إلى الكتاب المقدس وإلى تعاليم الرسل، على أبعاد الالتباسات التي طرأتْ على فهم العقيدة سواء على صعيد الفكر المنطقيّ، أو على صعيد الألفاظ اللغوية، لكي يحولوا دون ضياع التعليم في الخطأ والهرطقة، واكتفوا بإحاطة السرّ بقانون إيمان عقائديّ للمحافظة عليه، ليحمي العقيدة المسيحيَّة من الهراطقة.

أشهر كتابات الآباء العلوم اللاهوتية:

منذ قيام المسيحيّة والحرب الفكرية قائمة، فالكتبة والفريسيون حاربوا السيد المسيح نفسه… “لَوْ كَانَ هَذَا نَبِيًّا..” (لو39:7)، “بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هَذَا وَمَنْ أَعْطَاكَ هَذَا السُلْطَانَ؟” (مت23:21)، “هَذَا لاَ يُخْرِجُ الشيَّاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشيَّاطِينِ” (مت24:12)، “إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا” (لو67:22)

حتى إن السيد المسيح قال للتلاميذ “لأنَّه إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِس؟” (لو31:23)، لذا هناك كتابات كثيرة للآباء في اللاهوت العقائديّ والمقارن ضد مُحدثي الانشقاقات والبدع، سواء الفلاسفة الوثنيون أو اليهود أو أصحاب الهرطقات.

يثعتبَر القرن الرابع وبداية الخامس، العصر الذهبيّ لكتابات الآباء اللاهوتية، على أنه كانت هناك كتابات في القرون الثلاثة الأولى لكنها قليلة.

[1] Contra Anianos 2:70.

[2]  يوسابيوس القيصريّ – المرجع السابق – ك7 ف 24 – ص 328.

[3]  د. ميشيل بديع عبد الملك – التعليم عن المسيح في كتابات العلاّمة الأسكندري ديديموس الضرير – دورية مركز دراسات الآباء يناير 1998 – ص 29؟

[4] St. Ambrose: Of the Christian faith 1:47.

[5]  القمص تادرس يغقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص 203،202.

[6]  راجع القديس يوحنا ذهبيّ الفم – القمص تادرس يعقوب ملطيّ 1980 – ص 202.

[7] N.&P. N. F. vol. 10 by Philip Schaff, editor – In Mat, hom29. p. 426.

[8] De Sacr. 2:3.

[9]  القديس يوحنا ذهبيّ الفم – ضد الأنوميين – عظة 40:1.

[10]  القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول إلى تيطس ص 45.

[11]  القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول إلى تيطس ص 46.

[12] N.&P. N. F. vol. 10 by Philip Schaff, editor – In Mat, hom 29,p. 425.

[13]  الرسالة 50 من القديس كيرلس إلى فاليريان 16.

[14]  القمص تادرس يعقوب ملطي – من كتابات القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 2007 – الفريسيّ والعشار. ص259 N.&P.N.F. ser. I vol. 9.

[15] Adv. Jud. PG 48:871.

[16]  القديس يوحنا ذهبيّ الفم – ضد الأنوميين – عظة 41:1.

[17]  مار أغناطيوس أفرام الأول برصوم، الدر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة، المجلد الأول، ص 523.

[18]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:6 ص 36.

[19]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:7 ص 40.

[20]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:11 ص 47.

[21]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:4 – ص33.

[22]  القمص تادرس يعقوب – كنيسة علم ولاهوت – كنيسة مارجرجس باسبورتنج بالإسكندرية 1986 ص 83.

[23]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:17 ص60.

[24]  تفسير غلاطية1، 2 مجموعة الآباء اللاتين، مين 26، 386.

[25]  هل الكتاب المقدس وحده يكفي – أسرة القديس ديديموس الضرير للدراسات الكنسيّة – كنيسة مارجرجس باسبورتنج – مارس 2006 ص18.

[26]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:33 ص91.

خدمة التفريغ, اللاهوت المقارن , المجامع المسكونية, أشهر كتابات الآباء, كتابات الآباء, العلوم اللاهوتية, التقليد, الكتاب المقدس, الهراطقة, الكنيسة, التساهل في العقيدة, شركو الكنيسة, comparative theology

اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة

مجمع نيقية 325 الأول – الجلسات والقرارات والقانونية ولاهوت المسيح

مجمع نيقية 325 الأول – الجلسات والقرارات والقانونية ولاهوت المسيح

مجمع نيقية 325 الأول – الجلسات والقرارات والقانونية ولاهوت المسيح

مجمع نيقية 325 الأول – الجلسات والقرارات والقانونية ولاهوت المسيح

الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الاول

الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الثاني

الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الثالث

مجمع نيقية – هو المجمع المسكونى الأول وكان بسبب بدعة آريوس الهرطوقى وذلك بأن كتب البابا الكسندروس إلى الملك قطسنطنين الكبير يطلب منه عقد مجمع مسكونى للبت فى هذه البدعة. وطلب ذلك أيضاً من الملك أوسيوس أسقف قرطيه.

فوافق قسطنطين على عقد مجمع مسكونى وأرسل منشوراً لجميع الأساقفة فى المملكة ليستدعهيم فى مدينة نيقيه التى تقع فى ولاية بيثينيه ، فذهب 318 أسقفاً من كل العالم المسيحى وكان حاضر معهم البابا الكسندروس وكان البابا الوحيد فى ذلك الوقت وكان هو المدعى ضد آريوس.

وكان مع البابا شماساً أسمه اثناسيوس رئيس شمامسة وكان سكرتير البابا الخاص ولم يتجاوز من العمر 25 سنة وكان وجهه كالملائكة كقول القديس غريغوريوس النزينزى وكان من الحاضرين الأنبا بوتامون أسقف هرقليه بأعلى النيل والقديس بفنوتيوس أسقف طيبه وكان عن ممثلى الشرق 210 أسقفا وممثلى الغرب 8 أسقفاً.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

وحضر آريوس وأتباعه وهم أوسابيوس أسقف وميديا ، وثاؤغنس مطران نيقيه ، ومارس أسقف خلقدونية ومعهم عشرة فلاسفة وأجتمع مجمع نيقية سنة 325 م والقى الملك خطابه باللاتينيه ثم بعد ذلك دارت المناقشات من 20 مايو حتى 14 يونيه عندما حضر الملك ووضع قانون الإيمان فى 19 يونيه ، وختم مجمع نيقية أعماله فى 25 أغسطس.

وكان من أهم البارزين فى مجمع نيقية أثناسيوس شماس البابا الكسندروس الذى تولى الدفاع عن لاهوت السيد المسيح حجج آريوس الهرطوقى وقد أظهر براعته فى إفحام الآريوسين وعندما لم يجد الآريوسين حجه فى اثناسيوس اعترضوا على وجودهه كشماس فى وسطهم إلا أن الملك لم يسمع لهم وأمر على وجوده لعلمه وقوة حكمته فى الرد على آريوس.

الجلسة الأولى

عقدت هذه الجلسة وكثر فيها الجدال والغضب لأن الملك قد أعطى الحرية لكل من يتكلم فانقضت الجلسة الأولى وانقضت بدون جدوه. وفى اليوم التالى تقدموا للمناقشة فوقف آريوس وشرح بدعته وقال :

” أن الابن ليس مساويا للآب فى الأزلية وليس من جوهره وأن الآب كان فى الأصل وحيدا فأخرج الأبن من العادم بإرادته وأن الآب لا يرى ولا يكيف حتى للابن لأن الذى له بداية لا يعرف الأزلى وأن الأبن إله لحصوله على لاهوت مكتسب “

فحدث ضجيجا عاليا وسدوا أذنهم لكى لا يسمعوا هذا التجديف ، وقال بعض الأناشيد والأغانى التى تتكلم على هذه البدعة وعندما حاول آريوس الدفع عن هذه البدعة ببعض آيات من الكتاب المقدس ليؤيد بها بدعته وقف أمامه اثناسيوس وأفحمه بردود قويه جعلت الكل فرحين بهذا الشماس العملاق فى ردوده والآيات القوية التى أستند عليها وتوجد صورة هذه الردود بمكتبة البطريركية القبطية واقترح اثناسيوس أن تضاف كلمة ( homoousion ) ” ذو جوهر واحد “

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

والفرق بين الاثنين حلرف واحد هو ( i ) اليوتا فى اليونانية والقبطية ، ولكن الحرف الواحد يعنى هرطقة واضحة وهى مشابه له بدلا من مساوله أو واحد معه ” ذو جوهر واجد “
فصادق الأغلبية على اقتراح اثناسيوس واعتراض حوالى سبعة عشر صوتا ووضع مجمع نيقية قانون اللإيمان من أول ” بالحقيقة نؤمن بالله واحد…. حتى قوله ” ليس لملكه انقضاء ” ووقع مجمع نيقية قرار حرم آريوس وأتباعه وبعد هذا القرار بالحرم ، أمر الملك بنفيه وحرق كتبه وإعدام من يتستر عليها.

بدعة سابليوس

وقد قرر مجمع نيقية حرم سابليوس وبدعته الذى قال بأن ” اللآب والأبن والروح القدس اقنوما واحدا ” وليس ثلاثة أقانيم.
وقد نظر مجمع نيقية فى بعض أمور أخرى خاصة بالكنيسة وهى :

1- مسالة تحديد يوم عيد القيامة وهو الأحد الذى يلى البدر الذى فيه عيد اليهود حتى لا يعيدوا قبل اليهود أو معهم.
2- النظر فى أمر الشقاق الذى أحدثه ميلتس الأسقف لأنه رسم أساقفة وقسوس بلا رأى رئيسه فحكم مجمع نيقية بإقامته فى بلدته مسقط رأسه ولا يمارس أى وظيفة كهنوتية.
3- النظر فى معمودية الهراطقة ، وقرر مجمع نيقية بأن لا تعاد معمودية من هرطق ورجع إلى الإيمان مرة أخرى.
4- أن يكون ذوى الكهنوت من أصحاب الزوجات والذى دافع عن هذا الأمر بشدة وعضدته هو القديس بفنوتيوس أسقف طيبة ، وأكتفى مجمع نيقية بالحكم على الكهنة المترملين بعدم إعادة الزيجة.

وسنّ مجمع نيقية بعد ذلك عشرون قانونا مازالوا موجودين إلى هذا العصر.

 

هل أسس مجمع نيقية قانونية أسفار الكتاب المقدس؟

كل الأفكار لها عواقب. إحدى تلك الأفكار التي لها عواقب وخيمة، هي اعتقاد أن مجمع نيقية (325 م)، تحت سلطة الإمبراطور الروماني قسطنطين، قد أعتمد هو قانونية الكتاب.

هل اِبتُدع الكتاب المقدس من قِبل نخبة من الأساقفة الذين اختاروا الكُتب التي يتم إدراجها؟ هل يعود الفضل لإمبراطور روماني لقانونية الكتاب المقدس؟ لا، لقد أُستخدم هذا الافتراء لإلقاء الشكوك حول مصداقية قانونية الكتاب المقدس، لمحاولة إضعاف سلطان الكتاب المقدس.

 في كتابه الأكثر مبيعاً لعام 2003 “شيفرة دافينشي – The Da Vinci Code “، دان براون زرع هذه الفكرة في ثقافتنا، فيظن الكثيرون الآن أن قسطنطين أو نيقية اعتمدا قانونية الكتاب المقدس. لكن براون لم يخترع هذه القصة بل هو فقط كررها في روايته. (كذلك أيضاً الروائي دانيال سيلفا في كتابه الأخير، “الترتيب – The Order“. يعترف بنفسه في الحاشية: “لا شك أن المسيحيين الذين يؤمنون بعصمة الكتاب المقدس سجدوا إشكالية في وصفي لمن هم كتبة الأناجيل، وكيف تم كتابة أناجيلهم.”)

نيقية وقانونية الكتاب المقدس تاريخياً.

لا يوجد أساس تاريخي لفكرة أن نيقية اعتمدت قانونية الكتاب واخترعت الكتاب المقدس. كتاب The Biblical Canon Lists from Early Christianity: Texts and Analysis” وغيرها من الأدلة المُبكرة تظهر أن المسيحيين اختلفوا فيما بينهم على حدود قانونية الكتاب المقدس قبل وبعد نيقية. على سبيل المثال، حتى أباء نيقية مثل كيرلس الأورشليمي (حوالي 350 م) وأثناسيوس الإسكندري (حوالي 367 م) لا يتفقون على إدراج سفر الرؤيا. لا وثيقة مُبكرة من المجمع، ولا شهود عيان (يوسابيوس أو أثناسيوس، مثلاً)، يذكر أنه حدث قرار إجماعي لاعتماد قانونية الكتاب المقدس.

يكتب جيروم، في مقدمة ترجمته اللاتينية لرسالة يهوذا، “ولكن بما أن مجمع نيقية أعتبر هذا السفر ضمن النصوص المقدسة، فقد وافقت على طلبتك.”

هل رُبما يشير جيروم إلى إقرار رسمي بإدراج رسالة يهوذا في قانونية الكتاب المقدس؟ هذا غير مُرجح.

إن المتبنين الأولين لأرثوذكسية نيقية-من أثناسيوس إلى غريغوريوس النزينزي إلى هيلاري أسقف بوتييه إلى جيروم نفسه- لا يدرجون رسالة يهوذا في قانونيتهم. إذا تم بإقرار ما في نيقية على قانونية رسالة يهوذا، فإن هؤلاء الأولين كان سيدرجونها ضمن قانونية الكتب. لكنهم لم يفعلوا ذلك. وإنما، جيروم غالباً يصف مناقشات رُبما قد أشار فيها بعض الآباء لرسالة يهوذا وكأنها نص مقدس. على كل حال، لم تنتهي هذه المناقشات بقرار مُجمع رسمي على حدود قانونية الكتاب المقدس. يبدوا أن قول جيروم، أُسيء فهمه لاحقاً، على أن نيقية أقرت بقانونية الكتاب المقدس، مما أدى بنا لبقية هذه القصة.

نيقية وقانونية الكتاب المقدس أسطورياً

أصل هذه الفكرة تظهر في مخطوطة يونانية من أواخر القرن التاسع تٌسمى ” سينوديكون فيتوس – Synodicon Vetus“، حيث تدعي أنها تلخِّص قرارات المجامع اليونانية حتى ذلك الوقت. جاء أندرياس دارماسيوي – Andreas Darmasius بهذه المخطوطة من المورة في القرن السادس عشر، وقام جون بابوس – John Pappus بتحريرها ونشرها عام 1601 في ستراسبورغ. هذا هو الجزء المعني:
” أعلنت المجمع عن الكُتب القانونية والأبوكريفية بالطريقة التالية: ضعتهم بجانب المائدة الإلهية في بيت الله، وصلوا، مُتوسلين من الرب بأن الكتب الموحى بها الهياً توضع على المائدة والباطلة منها تحت المائدة، فقد حدث كذلك.”

وفقاً لهذا المصدر، جاءت الكنيسة بقانونية الكتاب المقدس بمعجزة حدثت في نيقية حيث أن الرب تسَّبب في إبقاء الكتب القانونية على الطاولة والأبوكريفية أو الباطلة منها وُجدت تحتها.

من طبعة بابوس “لسينوديكون فيتوس” تم تداول هذا الاقتباس واُستشهد به (أحيانا على أنه قاله بابوس نفسه مباشرةً، وليس المخطوطة اليونانية التي حررها) إلى أن وجدت طريقها في أعمال مفكرين بارزين مثل فولتير (1694 – 1778). في المجلد الثالث من قاموس فولتير الفلسفي تحت عنوان “المجالس – Counsils” (القسم الأول). يكتب:

إنه كانت بوسيلة مثل هذه، حيث أن الآباء الذين من نفس المجمع ميَّزوا بين الكتب المقدسة الحقيقة من الأبوكريفية. بعد أن وضعوها كلها على المذبح، الكُتب الأبوكريفية سقطت للأرض بنفسها.

في القسم III، يضيف فولتير:

لقد قلنا سابقاً، أنه في مجمع نيقية حيث كان الآباء، حائرين ليعرفوا أي من كُتب العهد الجديد والعهد القديم موحى بها وأي منها أبوكريفية، أنهم وضعوها جميعاً على المذبح، والكُتب التي كانوا عليهم رفضها هي التي سقطت للأرض.

يذكُر فولتير قبل ذلك، أن قسطنطين عقد مجمع. في نيقية، فالآباء ميَّزوا بين الكُتب القانونية من الأبوكريفية بصلاة ومعجزة. إن نشر طبعة 1601 لبابوس من سينوديكون فيتوس – والاقتباسات اللاحقة للمعجزة في نيقية، لا سيما مِن قِبل فولتير في قاموسه- هو السبب الذي جعل دان براون يحكي الأحداث بأسلوب مُفصِل ولماذا يستمر العديد في إعادة هذه الأسطورة.

ختاماً

مع زيادة العلمانية في ثقافتنا، سيستمر الكثيرون في التشكيك على مصداقية الكتاب المقدس وخاصةً على دور المسيحية في تكوين القانونية. على الرغم أن تاريخ قانونية الكتاب المقدس ملخبط بعض الشيء، إلا أنه لا وجود لأدلة أنه تم اعتماده ببعض من الأساقفة المسيحيين والكنائس الذين اجتمعوا في نيقية عام 325.

على المسيحيين أن يستعدوا فكريًا للصمود في هذا العصر، وأن يُصرِّحوا بثقة بأن قانونية الكتاب المقدس هي عمل الله، فالكنيسة ما إلا إنها أدركت ذلك على مر الزمن. توضح كلمات جيمس إينل باكر هذا بقوله، “الكنيسة لم تعطينا قانونية الكتاب كما لم يعطينا السير إسحاق نيوتين قوة الجاذبية.”

 

مهما كان الاضطراب الذي يصيب الفكر الحديث نتيجة لفكرة تجسد الله وأنه أصبح إنساناً.

إلإ أن الأمر الأكيد هو أن أتباع يسوع الأوائل كانوا يرونه إلهاً وحتى العلماء الذين لا يؤمنون هم أنفسهم بألوهية يسوع نجدهم مستعدين لإدراك أن من كتبوا العهد الجديد كانوا يعتنقون هذا الأمر إلى أن هذه الحقيقة يبدو أنها قد تاهت بصورة ما عن “لي تيبنج”، وهو أحد العلماء (المزعجين) في كتاب دان براون “شفرة دافنشي” إذ يتحدث تيبنج عن مجمع نيقية، وهو اجتماع مسكوني للأساقفة تم عقده بعد حوالي ثلاثمائة عام من زمن يسوع، فيعلن تيبنج أنه حتى تلك اللحظة من التاريخ، كان يسوع يُرى بواسطة أتباعه على أنه نبي بشري.. رجل عظيم وقوي، ولكنه مجرد إنسان.

ليس لدينا أي جدل بشأن حقيقة أن يسوع كان إنساناً. ولكن فكرة أن ألوهية يسوع قد تم اختراعها في مجمع نيقية، بحسب ما ننوي أن نوضّح في الفصول القليلة التالية، لا تحسب أكثر من مجرد تكهّن غريب وغير مألوف.

فمن خلال هذا الجزء، سوف نرى أن الأساقفة في مجمع نيقية لم يكشفوا عن عقيدة جديدة عندما أكّدوا أن يسوع هو ابن الله، بل أن المجمع بالأحرى، قام بالكشف عن أهمية عقيدة كانت متأصلة في نصوص قديمة منذ قرون. وسوف نقوم بتتبع هذه النصوص في الفصول التالية، بدءاً من الأناجيل القانونية.

الخلفية التاريخية

لكي ما نستطيع أن نُقدِّر قيمة الشهادة المسيحية الأولى عن يسوع، لابد أن نفهم البيئة اليهودية التي نشأت فيها هذه الشهادة. كان يهود القرن الأول الميلادي يؤمنون بالتوحيد بصرامة، وأن يكون للمرء إيماناً توحيدياً في وسط الثقافة اليونانية – الرومانية القاسية التي تؤمن بتعدد الاًلهة – كان معناه أن يكون له إيمان يسيطر على حياته وغالباً ما يهددها بالخطر. فعلى الأقل مرتين يومياً، كان كل يهودي مخلص يتلو “الشمع”، وهو نص يبدأ بالقول “اسمع يا اسرائيل: الرب إلهنا رب واحد” (تث 6: 4). هذا المقطع لا يؤكد فقط على تفرّد الله؛ ولكنه يتضمن أيضاً أنه هو الوحيد المستحق للعبادة.

يدخل ريتشارد بوكام في صميم هذا الاعتقاد عندما يسأل: “ما الذي كان يميّز الله على أنه حقيقة متفردة عن كل الحقائق الأخرى، بما فيها الكائنات التي كان الأمم يعبدونها كآلهة؟” نجد الإجابة مرات ومرات، في وسط التنوع الكبير للأدب اليهودي في حقبة الهيكل الثاني، وهي أن الإله الحقيقي وحده يهوه، إله إسرائيل، هو وحده الخالق لكل الأشياء والحاكم والأوحد لجميع الأشياء”. بمعنى آخر، كانت العبادة ليهوه وحده هو السمة المميّزة ليهودية القرن الميلادي الأول.

لكن المسيحية لم تنشأ فقط في بيئة من التوحيد اليهودي، ولكنها أيضاً اعتنقت المعتقدات التوحيدية لليهودية. فالحقيقة أن المسيحية شاركت اليهودية في عدم تحملها لأي مزاعم أو تلميحات تنسب الألوهية لشخص أو لشيء آخر سوى لله المتسامي وحده. وفي ضوء هذه الحقيقة، كان أمراً استثنائياً أن نجد أية تلميحات في الكتابات المسيحية القديمة إلى أن يسوع كان يتم التعامل معه على أنه إله. لكن الأناجيل ومعظم كتابات العهد الجديد تقدم مثل هذه التلميحات – بل وأكثر منها.

في هذا الفصل سوف ينصب تركيزنا على الأناجيل، فهناك الكثير مما يمكن أن يقال عن هذه الوثائق وعن الصور المتنوعة، مع كونها متفقة، التي أظهرتها عن يسوع. فهناك عشرات من التعليقات والكتب التي تحوي مناقشات لأجزاء محددة من الأناجيل التي إما أشارت ضمنياً إلى ألوهية المسيح أو عادلته بوضوح بالله. وبدلاً من البحث عن تلك النصوص التي تتخلل أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا، فإننا سنقدم مقتطفات من الموضوعات البارزة في إنجيل كل بشير ونلقي نظرة فاحصة على مشهدين قويين في أقدم الأناجيل.

كيف حددت الأناجيل صورها عن يسوع؟

إن من كتبوا الكتاب المقدس كثيراً ما كانوا يستخدمون أسلوباً أدبياً يعرف باسم inclusio (إنكلوجيو) للتركيز على الموضوعات المهمة في كتاباتهم. وهذا الأسلوب يقوم “بتحديد إطارين” للمقطع أو الأصحاح أو السفر بواسطة بدئه وختامه بنفس الكلمة أو العبارة أو الفكرة. وكان هذا أسلوب الكاتب في تعريف الموضوع وإخبار قرّائه أن كل ما هو موجود بين “إطاري” البداية والنهاية يجب أن تتم قراءته في ضوء ذلك الموضوع. وما يدعو للاهتمام هو أن الأناجيل الأربعة جميعها تستخدم نفس أسلوبinclusio“.

لننظر مثلاً إلى إنجيل مرقس، الذي يعتقد معظم العلماء أنه أقدم الأناجيل الأربعة، والذي يُعتَقَد أنه زمن كتابته لا يتجاوز ستينات القرن الأول. (انظر الفصل الأول: “الإنجيل الذي وراء الأناجيل” في مناقشة تواريخ كتابة أناجيل متى ومرقس ولوقا.) يفتتح مرقس إنجيله بالكلمات، “بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ” (مر 1: 1). ثم يصل إلى الذروة باعتراف قائد المئة الروماني الذي كان حاضراً صلب يسوع: “حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ!” (مر 15: 39).

وهكذا فإن أسلوب (إنكلوجيو) الذي تمت صياغته بالإشارتين إلى يسوع على أنه ابن الله يفترض أن كل شيء بين هاتين الإشارتين يجب قراءته في ضوء الاعتقاد بأن يسوع لم يكن مجرد إنسان. فمنذ البداية حتى النهاية، يقدم مرقس يسوع على أنه ابن الله الوحيد المتفرد. على أنه من المهم أن نشير إلى أنه بالرغم من تركيز مرقس على ألوهية يسوع، إلا أن إنجيله يكشف أن تلاميذ يسوع كانوا بطيئين قليلاً في إدراك هويته الحقيقية. وهذا على الأقل يوضّح أن مرقس لم يكن يحاول أن يجمّل إنجيله لاهوتياً، بل على العكس، يبدو أنه كان مقيداً حقيقة بالتاريخ الفعلي.

وتأتي اللحظة المؤثرة في الإنجيل عندما كان يسوع وأتباعه في قارب في بحر الجليل. فهبت الرياح وعلت الأمواج فجأة، مما أصاب التلاميذ بالذعر. ثم قام يسوع من نومه وأمر الطبيعة أن تهدأ وتبكم وعندها حصلت غمغمة بين التلاميذ: “مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!” (مر 4: 41).

إن هذا السؤال يكشف عن ارتباك التلاميذ بشأن هوية يسوع، كما يشير أيضاً إلى أنه أكثر من مجرد إنسان. وفي نفس الوقت، يعكس السؤال حقيقة أن التلاميذ لم يعتنقوا في الحقيقة بسهولة أو كأمر مسلم به أمر ألوهية يسوع. والسبب في ذلك واضح، فقد كانوا يهوداً يؤمنون بالتوحيد ومكرسين لعبادة الإله الواحد الحقيقي فكانت رؤيتهم كانسان مساوى لله، بل في الحقيقة، هو الله نفسه، بمثابة تحول جذري في التفكير احتاج إلى بعض الوقت لكي يستقر فيهم ولكن مرقس قدم مفاتيحاً مهمة لطبيعة يسوع الحقيقية، حتى في زمن مبكر، وهو يدعو القارئ لكي يسير في نفس رحلة الاستكشاف التي اجتازها التلاميذ الأوائل.

ومثل مرقس، ربما لم يكتب لوقا إنجيله بعد الستينات، ومثله مثل مرقس أيضاً، يركز لوقا على هوية يسوع على أنه ابن الله الوحيد. لكن رغم أن دور يسوع كالمسيا كان غالباً علي فكر لوقا عندما أشار إلى يسوع على أنه ابن الله، يستخدم لوقا أسلوب “ابن الله” (إنكلوجيو) لكي يوضّح أنه يرى بنوة يسوع أنها وحيدة ومتفردة من نوعها. ففي لوقا 1: 35، يعلن الملاك للعذراء مريم: “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.” بغض النظر عما يمكن أن يقال عن المفاهيم اللاهوتية للميلاد العذراوي، يجب على الأقل الاعتراف بالاًتي: أن لوقا يقدم يسوع على أنه إنسان ذو أصل فوق طبيعي.

كما يقدّم لوقا يسوع أيضاً على أنه إنسان نهايته فوق طبيعية. فينهي أسلوب (الإنكلوجيو) باستخدام تعبير “ابن الله” إنجيل لوقا بكلمات متهمي يسوع أثناء محاكمته: “فَقَالَ الْجَمِيعُ:«أَفَأَنْتَ ابْنُ اللهِ؟» فَقَالَ لَهُمْ(يسوع): «أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ».” كلمة “فقالوا” بعد ذلك، تعود على عبارة يسوع في العدد السابق: “مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ اللهِ” (لوقا 22: 69).

فعندما سأله متهموه عما إذا كان ابن الله، كانت بداية ادعاء يسوع المذهل هو أنه سوف يرتفع ويسمو بصورة فريدة إلى يمين الله كما لو كان هو الله الذي يمارس حكمه العالمي الشامل. (انظر المناقشة الخاصة بتعبير “يمين الله” فيما بعد في هذا الفصل.) بكلمات أخرى، مرة ثانية يشار إلى يسوع على أنه ابن الله بطريقة تشدد على دوره الفريد كمشارك لله. هذا التشبيه لا يلائم على الإطلاق وصف دان براون ليسوع بأنه “نبي بشري”! تمت كتابة كل من إنجيلي مرقس ولوقا قبل عام 70 م وهما يعلنان أن يسوع هو الممثل المتفرد لله، وهو ابن الله.

هذا بالتأكيد يكفي لكي يقوّض زعم دان براون بأن يسوع كان يُرى بواسطة أتباعه الأولين على أنه ليس أكثر – رغم أنه ليس أقل – من مجرد رجل عظيم. لكن هناك ما هو أكثر من ذلك، فكما يوضح إنجيلا متى ويوحنا، تذهب هوية يسوع إلى ما هو أبعد من مركزه الإلهي كابن لله، إذ أنه كان يرى أيضاً على أنه أقنوم إلهي مساوي لله.

لم يدعوا من كتبوا الأناجيل يسوع “الله” صراحة إلا نادراً، إن لم يكن مطلقاً؟ الحقيقة أن إنجيل يوحنا فقط هو الذي يدعو يسوع صراحة “الله”، وقد فعل ذلك مرات قليلة فقط (يو 1: 1، 18؛ 20: 28). فيسوع يطلق عليه “الله” صراحة مرات قليلة في العهد الجديد كله، ولكن هذا لا يقلل من قوة هذه التأكيدات بتاتاً. وكما يشير أر. تي. فرانس، الرئيس السابق لويكليف هول، بجامعة أكسفورد، أننا يجب ألا ندهش لهذا الأمر:

إن الاستخدام الصريح لتعبير “الله” للإشارة ليسوع هو قليل في العهد الجديد، وهو يتركز في الكتابات المتأخرة… فقد كان تعبيراً يثير الصدمة، إذ رغم أن المعتقدات التي تؤكده كانت مؤسسة بقوة، فقد كان من الأسهل، وربما أكثر حكمة أن يتم التعبير عن هذه المعتقدات بمصطلحات غير مباشرة. لكن ما يثير العجب ليس أن العهد الجديد نادراً ما يصف يسوع بأنه الله، ولكن أن يحدث ذلك من الأساس في بيئة (تؤمن بالتوحيد بطريقة متطرفة).

بالحق، كما يشير دبليو. إل. شوتر:

لقد كان التجسّد في البداية يصدم اليهود ويروّعهم، لأنه كان يهدد التزامهم بالتوحيد بصورة جوهرية. فالمسيحيون من خلفية يهودية مثل بولس أو يوحنا، كان عليهم أن يصارعوا مع إمكانية التوفيق بين هاتين العقيدتين. بل الأكثر من ذلك، كان هذا الاعتقاد يمثّل بالتأكيد حجر عثرة في إرسالية الكنيسة لليهود. ولذلك فقد كان لابد للقيادة اليهودية للكنيسة الناشئة أن يكون لديها قناعات عميقة بشأن التجسّد وإلا لكانت قد تخلت عنه.

في ضوء هذه الملاحظات التي قالها كل من فرانس وشوتر، كان يجب أن نتوقع أن نرى صوراً غير مباشرة ليسوع كإله تزيد عدداً عن العبارات المباشرة التي تخدم نفس المعنى. فالمنهج غير المباشر كان أمراً استراتيجياً، وكما سيتضح أيضاً فقد كان بمثابة الطريق الوحيد كذلك.

الصور الأساسية: مشهدان قويان من الإنجيل “الثاني”

لم تكن معجزات يسوع غاية في حد ذاتها، فقد كانت تشير إلى ما هو أبعد من القوة أو السلطة، كانت تشير إلى الشخص، إذ تكشف الهوية فوق الطبيعية للشخص الذي يمارس سلطة الله. ولذلك فإننا يمكن أن نعتبر هذه المعجزات “وسائل سمعية – بصرية لاهوتية”، توضح الحقائق الروحية عن الشخص الذي يصنعها. في بعض الأحيان كان شهود العيان لهذه المعجزات لا يستطيعون تمييز هذه الحقائق؛ وفي أحيان أخرى كان باستطاعتهم تمييزها. وقد كانت هذه الوسائل السمعية – البصرية عالية وواضحة في (مرقس 2: 1-12). حيث كان المشهد في كفرناحوم، على الشاطئ الشمالي لبحر الجليل. وكان يسوع داخل أحد البيوت يعلّم الجموع الموجودة هناك.

وتروي القصة أن رجلاً مفلوجاً تمت تدليته من سقف البيت بواسطة أصدقائه لأن الجمع كان متزاحماً بشدة وكان يسد مدخل الباب. كان أصدقاء هذا المفلوج متشوقين لأن يشفى صديقهم، لذلك قاموا بشق طريقهم للوصول إلى يسوع بطريقتهم الخاصة. وإذ تأثر يسوع بإظهار إيمانهم، قال يسوع وفعل أمراً مذهلاّ. فلدهشة الجموع، شفى الرجل المفلوج، ولكن ما يثير العجب أكثر، هو أنه قال للرجل “َيا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ”(عدد 5). وقد أدرك بعض القادة الدينيين في وسط الجمع في الحال أن هناك مشكلة لاهوتية في عبارة يسوع، وفكروا في أنفسهم قائلين: “لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟»(مر 2: 7).

لقد كانوا محقين في نصف الموضوع، فالله وحده هو الذي يستطيع أن يغفر الخطايا، ولكن يسوع لم يكن يجدّف، بل كان ينسب لنفسه ضمنياً وبسلطان معادلته لله. بل أن يسوع نفسه أوضح أن شفاء المفلوج كان يشير إلى حقيقة أعظم عندما سأل مقاوميه: “أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا…” (مر 2: 9- 10). لقد جعل يسوع أعماله تتحدث بينما كانت كلماته تنتشر بلطف وببطء. ففي الحقيقة أن كل إنسان كان موجوداً على مقربة من الرجل الذي شفي رأى أن ما أعلنه يسوع قد حدث، وأن خطايا المفلوج قد غفرت.

والجدير بالذكر أن هذا الإدعاء هو الذي جعل أعداء يسوع يهزأون منه، فلم يحاولوا أن يفسروا المعجزة نفسها. وهكذا فإن لدينا شهادة تاريخية قوية لمعجزة، تقدم بدورها شهادة لاهوتية قوية لهوية يسوع الإلهية. كما أن هناك تأكيداً قوياً آخر لاعتقاد يسوع الشخصي بألوهيته تم إظهاره أثناء محاكمته أمام المجمع اليهودي في مساء اليوم السابق لصلبه (مر 14: 53- 64). ففي بحثهم لتلفيق تهمة ليسوع لكي تلصق به إلى أن يحضر يسوع أمام بيلاطس، سأله قيافا رئيس الكهنة قائلاً: “أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ؟” (مر 14: 61).

ولكن إجابة يسوع صدمت رئيس الكهنة ومن معه: فقال يسوع: “أَنَا هُوَ. وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا فِي سَحَابِ السَّمَاءِ». 63فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ ثِيَابَهُ وَقَالَ:«مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ 64قَدْ سَمِعْتُمُ التَّجَادِيفَ! مَا رَأْيُكُمْ؟» فَالْجَمِيعُ حَكَمُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ.” (مر 14: 62- 64). للوهلة الأولى كان رد فعل قيافا والمجمع يبدو متطرفاً، فلم يكن هناك أصلاً أي تجديف في الادعاء بأن يسوع هو المسيا. ولكننا كما سنرى، فقد ادعى يسوع ما أكثر من ذلك بكثير. لقد ادعى يسوع أنه أكثر من مجرد ملك اليهود عندما عرف نفسه بأنه “ابْنَ الإِنْسَانِ” (مرقس 14: 62).

كثيراً ما يخطئ البعض بافتراض أن لقب “ابْنَ الإِنْسَانِ” يشير ببساطة إلى بشرية يسوع. لكن مستجوبي يسوع الذين كانوا على دراية عميقة بالكتب المقدسة العبرية، لم يكن في أذهانهم أن هذا اللقب يشير إلى سمات يسوع الأرضية، بل كانوا يفكرون في الرؤيا السماوية في سفر دانيال  7: 13- 14: “كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ.”

من الواضح أن الضعف البشري كان أبعد ما يكون عن فكر دانيال، الذي صوّر ابن الإنسان على أنه مرتفع ومتسامي، وأنه في هيئته الإنسانية لديه كل السلطان والقوة في ملكوت أبدي. كما كشفت رؤيا دانيال أيضاً أن ابن الإنسان أكثر من مجرد بشر. ففي كتابات العهد القديم الأخرى، كانت صورة ركوب السحاب تستخدم بالكامل للكائنات الإلهية (خر 14: 20؛ 34: 5؛ عد 10: 34؛ مز 104: 3؛ إش 19: 1). وقد استخدم دانيال هذا التصوير، وتبناه يسوع على أنه يخصه هو.

كما إدعى يسوع أيضاً أمراً أكثر إذهالاً عندما قال إنه هو – الشخصية البشرية الإلهية بكل حكمها وسلطانها – سوف يُرى “جالساً عن يمين قوة الله” (مر 14: 62). لم يكن هذا التصوير غريباً على المجمع اليهودي الذي كان على معرفة وثيقة بالمزامير: “قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ».” (مز 110: 1)

كان تطبيق يسوع لهذا النص على نفسه هو أمر يثير الدهشة، فعدد قليل فقط من الشخصيات المهمة في اليهودية هي التي دخلت إلى محضر الله، وأقل منها من جلسوا فيه. لكن حتى هذه النقطة، لم يُعرَض على أحد في الكتابات اليهودية أبدأ امتياز الجلوس عن يمين الله، ولكن يسوع أصّر شخصياً على حقه في القيام بذلك.

إن الكهنة في المجمع اليهودي الذين كان يسوع يدلي أمامهم بهذا الادّعاء الراديكالي، لم يكن يمكنهم، بحسب الناموس، حتى الدخول إلى القدس في الهيكل. أما قدس الأقداس – مكان حضور الله على الأرض – فلم يكن من الممكن دخوله إلى في يوم محدد وبطريقة خاصة وبواسطة شخص معين.

ففي عيد الكفّارة، كان يُسمَح لرئيس الكهنة فقط بالدخول إلى قدس الأقداس لكي يقدم دم ثور لأجل تطهيره هو الشخصي ودم تيس تكفيراً عن خطايا الشعب. وكان هذا يسبقه تغييراً لثيابه وترحيض جسده بالماء (لا 16).بمعنى آخر، كان حضور الله في الهيكل يتم الدخول إليه بحذر، وأي إخفاق أو تساهل في الالتزام بهذا الحذر نتيجته الموت.

بمثل هذه الحدود والموانع للدخول إلى قدس الأقداس الأرضي، يمكننا أن نتخيل ما جال بخاطر الكهنة عندما ادعى يسوع حقه في الدخول إلى محضر الله السماوي. ويمكننا أن نشرع في تخيل ما كانوا يفكرون فيه عندما قال يسوع إنه سيدخل إلى قدس الأقداس السماوي ويجلس هناك، وربما كان يعزو لنفسه امتلاك ذلك المكان أيضاً!

كانت إجابة يسوع فوق احتمال القادة الدينيين بحيث لم يتمكنوا من قبولها. فقد ادّعى أنه يمارس سلطة الله. متضمناً معنى أنه هو الذي يجلس ليحكم على المجمع اليهودي – وليس العكس. كما أنه ارتكب التجديف أيضاً بتهديده لتفرّد وجود الله. فقد كان يسوع يتحدث بجرأة عن الدخول مباشرة إلى قدس الأقداس السماوي والجلوس هناك، وهكذا يشغل مكانة أعلى وأسمى حتى من الملائكة، لأن “مكان عرش الله عن يمين الآب هو أعلى مكان في السماوات”.

لقد أذهلت كلمات يسوع المجمع اليهودي وكان رد فعلهم يفترض بقوة أنهم فهموا أن يسوع يدّعي الألوهية. وبلا شك، كانت هذه هو الطريقة التي فهم بها مرقس يسوع، وهي نفس الطريقة التي فهم بها يسوع نفسه. وهكذا فإننا نكون في مأمن عندما نخلص مع ريتشارد بوكام إلى أن “أقدم تعليل لاهوتي لشخص المسيح كان بالفعل هو أسمى تعليل”.

 

 

الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية

الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الاول

تمهيد

زعم الكثيرين ان الاعتقاد بلاهوت الرب يسوع المسيح نشأ في مجمع نيقية المنعقد سنة 325 م، وقد  ادعت رواية شفرة دافنشي هذا الامر وبحسب جريده نيويورك تايمز قد كانت هذه الرواية الاكثر مبيعاً واكثر شعبية في الآونة الاخيره. متغافلين عن ايات العهد الجديد الاكثر وضوحاً وفهم المسيحين الاوائل لحقيقة لاهوت المسيح طوال القرن الثاني. مثل كتابات القديس اعناطيوس وكتابات يوستينوس الشهيد وميليتو واثيناغوراس وايرناؤس. جميع هذه الكتابات تحدثت عن المسيح كونه الله. وكانت تحتوي علي ثقافة من اليهودية وعن الوهية الرب يسوع المسيح.

فالمسيح هو الله المتجسد القائم من الموت. وعلي الرغم انهم لم يشرحوا طبيعة المسيح بشكل دقيق كما شرحها اللاهوتيين في وقت لاحق. لكن جميع اعمالهم تدل أن الايمان بلاهوت المسيح ليس هو وليد مجمع نيقية. ثم جاءت الكنيسة في وقت لاحق وضعت الفروق الدقيقة للتفسير والمصطلحات بشأن لاهوت المسيح. لكن كان الايمان بلاهوت المسيح وعبادة المسيح كونه الله يتدفق جيل ورا جيل خلال القرون الاربعة الأولى.

 وعن غير قصد نتيجة لانتشار شفرة دافنشي صدق القراء عن غير قصد ما قالته الرواية بشأن ولاده لاهوت المسيح في مجمع نيقية واصبحت هذه المعلومة حقيقة تاريخية بالنسبة لهم. فوضعت الرواية حديث بين السير لي تيبينج وهويعتبر مؤرخ داخل الرواية يناقش ما دارس في مجمع نيقية.

“حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبياً فانياً مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

قالت “صوفي”: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسمياً للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بقارق ضئيل بين الطرفين.”

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته. (1)

وايضاً يزعم هذا الزعم العديد من الطوائف الغير المسيحية والاديان. فهؤلاء يريدون نفي لاهوت المسيح بادعاء ان الكتاب المقدس لم يذكر لاهوت المسيح وان مجمع نيقية هو من زعم هذا الادعاء. (2) ويدعي البعض انه في مجمع نيقية دخلت الوثنية في المسيحية. (3) ويوجد كتب صدرت عن ذلك (4).

فعلي الرغم من رواج هذا الادعاء لكن كتابات العهد الجديد اشارة للاهوت المسيح وقد كتب MurrayJ.Harris مقدمة عن هذا الموضوع الهام وعن استخدام لفظ الله عن يسوع في ايات متعدده مثل ما جاء في يوحنا 1 : 1 ويوحنا 1 : 18 ويوحنا 20 : 28 ورومية 9 : 5 وتيطس 2 : 13 وعبرانين 1 : 8 وبطرس الثانية 1 : 1 , (5) 

فهذه الكتابات اكدت لاهوت المسيح وتواصلت حتي القرن الثاني بلا انقطاع من خلال كتابات اغناطيوس ويوستينوس الشهيد وميلتو واثيناغورس وكثيراً ما اشاروا للاهوت الرب يسوع وكما فعل ايرناؤس اسقف ليون في وقت مبكر.

اولاً شهاده القديس اغناطيوس الانطاكي :-

كتب اغناطيوس سبع رسائل. واستشهد في روما ما بين سنة 110 وسنة 117 م، وقد هاجم اغناطيوس الدوستية التي زعمت ان جسد يسوع هو لم يكن جسداً حقيقياً. (6)كما اكد علي حقيقة لاهوت الابن. واشار للاهوت المسيح اكثر في اثني عشر موضعاً. (7)

وقد شملت رسائل القديس بولس الرسول علي اكبر عدد من الاشارات. فيقول اغناطيوس ان معاناة كنيسة افسس قد جاءة من خلال  ارادة الآب ويسوع المسيح ألهنا. (8) وفي الفصل السابع يوضح اغناطيوس بوضوح أن يسوع المسيح ربنا هو الله الظاهر في الجسد بحسب ما جاء في رسالته Ephesians7.2 ويشير اغناطيوس بكلمات مثل ربنا والهنا يسوع المسيح. ابن الله الحي. ويشير اغناطيوس الي جمل اخري مثل لنا الله يسوع المسيح وفقاً لموعد الرب حبل به في بطن العذراء من نسل داود في Ephesians18.2 والله نفسه جاء في شكل انسان للتجديد  للحياة الابدية Ephesians19.3 ومواضع اخري مثل ما جاء في Ephesians15.3 عن لاهوت الرب يسوع.

وقد تكلم اغناطيوس ايضاً عن رسالة بولس الرسول الي رومية. وذكر ايضاً عن الرب يسوع انه هو الهنا. ويقول اغناطيوس عن وفرة السعادة بلا لوم في يسوع المسيح الهنا. (9) واكد ان المسيح الهنا وهو الان مع الآب. مما يزيد من اظهار مجده. Romans3.3; 6.3

وايضاً تحدث اغناطيوس عن كنيسة سيمرنا واشار الي المسيح الهنا Smyrnaeans1.1; 10.1. وقال انه يحض ترتليان علي الحميم مع المسيح الهنا Trallians7 وايضا كان اغناطيوس علي اتصال ببوليكاربوس. اصلي لاجل سعادتك الي الابد في الهنا يسوع المسيح Polycarp8.

المراجع

Dan Brown, The Da Vinci Code (New York: Doubleday, 2003), 233–34. See also Richard E. Rubenstein’s misleadingly titled When Jesus Became God: The Epic Fight over Christ’s Divinity in the Last Days of Rome (New York: Harcourt Brace, 1999).

Anthony Buzzard, “Who Is Jesus? Do the Creeds Tell Us the Truth about Him?” Restoration Fellowship, http://www.mindspring.com/~anthonybuzzard/jesus.htm.

Victor Paul Wierwille, Jesus Christ Is Not God (New Knoxville, OH: American Christian Press, 1975),1–20.

The Christadelphian Magazine and Publishing Association Ltd., “Jesus: God the Son or Son of God?” Christadelphia World Wide, http://www.christadelphia.org/pamphlet/ jesus.htm.

MurrayJ.Harris, Jesus As God: The New Testament Use of Theos in Reference to Jesus (Grand Rapids: Baker Books, 1993),271–73. See also RobertL.Reymond’s Jesus, Divine Messiah: The New Testament Witness (Phillipsburg, NJ: Presbyterian and Reformed, 1990).

These were early sects who denied the true humanity of Christ and taught that His corporeal (physical) body was only an “appearance” or disguise.

See Edmund J. Fortman, The Triune God: A Historical Study of the Doctrine of the Trinity (Philadelphia: Westminster, 1972),39.

Ephesians inscription; see also Ephesians1. Except where otherwise noted, all quotations of Greek works in this article are from Alexander Roberts and James Donaldson, eds.,The Ante-Nicene Fathers,vol.1, The Apostolic Fathers with Justin Martyr and Irenaeus, rev. ed. (1867; repr., Grand Rapids:Eerdmans,2001).

Romans inscription

Jesus as God in the Second Century Paul Hartog

تاريخ العقيدة المسيحية ج1 من البدء حتى نهاية مجمع نيقية سنة 325م – القمص عبد المسيح بسيط PDF

تاريخ العقيدة المسيحية ج2 من نهاية مجمع نيقية إلى مجمع القسطنطينية وحتى نهاية مجمع أفسس 1 – القمص عبد المسيح بسيط PDF

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

مجمع نيقية – المجامع المسكونية المقدسة

Exit mobile version