عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

مقدمة

عبارة «إله من إله» تشير الي ان كلاً من اقنوم الآب والابن لهم نفس الجوهر الالهي الواحد فكلمة اله لا تشير الي اله منفصل بل تشيل الي ماهية الابن اللاهوتية للرد علي قول اريوس ان الابن مخلوق فهي اشارة الي ان الابن له نفس طبيعة الآب من ناحية الجوهر وأنهما من نفس الجوهر أو الطبيعة الواحدة. وهي تُشبه العبارة: «إنسان من إنسان»، أي إنسان مولود من إنسان آخر، يشترك معه في نفس الطبيعة. فـ”الولادة” تعني الإصدار أو الانبثاق الطبيعي، أي أن يلد الواحد مَن هو على نفس طبيعته.مع عدم تشبيه الله بالمركبات لان الله ليس مركب كالانسان ولكن للاستدلال العقلي وليس للقياس بالله.

شيث (Seth) هو مولود من آدم (Adam). وكلاهما من نفس الطبيعة البشرية، ولهذا نقول: إنسان من إنسان. كذلك، الابن مولود من الآب. وكلاهما يشتركان في نفس الطبيعة الإلهية. أقنوم إلهي من أقنوم إلهي. ولهذا تقول العقيدة: “إله حق من إله حق”.

خلفية تاريخية

النزاع الآريوسي

في بداية القرن الرابع الميلادي، نشأ خلاف عقائدي خطير داخل الكنيسة عندما بدأ آريوس (256-336م) في الإسكندرية بالتعليم بأن ابن الله مخلوق من الآب، وأنه أقل منه في الجوهر والمكانة. ادّعى آريوس أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، وأن الآب وحده هو الإله الحقيقي غير المخلوق.

 

مجمع نيقية وقانون الإيمان النيقاوي – سنة ٣٢٥م

يُعتبر قانون الإيمان النيقاوي أحد أهم الوثائق في تاريخ المسيحية، والذي صدر عن المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م (Council of Nicaea I) بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الأول. جاء هذا المجمع كاستجابة للجدل اللاهوتي الحاد الذي أثاره آريوس، الكاهن الإسكندري، حول طبيعة المسيح وعلاقته بالآب. ووضع المجمع قانون الإيمان هذا لإرشاد الكنيسة في ما يخص اللاهوت، والكريستولوجيا (عقيدة المسيح)، والتعليم عن الثالوث القدوس.

وقد دار جدل كبير حول استخدام مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος – Homoousios) أي: “واحد في الجوهر”. حتى عند صياغته، لم يحظَ قانون الإيمان بموافقة كاملة من جميع الحاضرين، وسرعان ما تعرّض للهجوم، وتمت مراجعته لاحقًا في مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م (Council of Constantinople I – 381 AD).

 

النص الأصلي لقانون الإيمان سنة ٣٢٥م

نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى.

وبربٍّ واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الآب، [الابن الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله،] نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر.

الذي به كان كل شيء [ما في السماء وما على الأرض]؛

الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسد، وتأنس؛

وتألم، وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات؛ وصعد إلى السماوات،

ومن هناك يأتي ليدين الأحياء والأموات.

ونؤمن بالروح القدس.

 

الإدانة المضافة في نهاية النص (الموجَّهة ضد تعاليم آريوس)

أما الذين يقولون: “كان هناك وقت لم يكن فيه”، أو “لم يكن قبل أن يُولد”، أو “صُنع من العدم”، أو “هو من جوهر أو طبيعة أخرى”، أو أنّ “ابن الله مخلوق”، أو “قابل للتغيير” أو “للتحول” – فهؤلاء تُدينهم الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية.

 

دور الكنيسة القبطية في المجمع

لعبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بقيادة البابا إسكندر البطريرك العشرين (312-326م) وخلفه القديس أثناسيوس الرسولي (326-373م)، دوراً محورياً في مقاومة الآريوسية والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي. كان القديس أثناسيوس، الذي حضر المجمع كشماس مع بطريركه، من أبرز المدافعين عن الطبيعة الإلهية للمسيح. ورغم صغر سنه ورتبته، برز أثناسيوس في المجمع كمفكر ولاهوتي قوي، وتميّز بوضوح عقيدته، خاصة في نقطتين:

  • تأكيد لاهوت الابن:

دافع بشدة عن أن الابن هو “مولود غير مخلوق”، “مساوٍ للآب في الجوهر” (ὁμοούσιος τῷ Πατρί)، رافضًا الطرح الآريوسي القائل بأنه “كان هناك وقت لم يكن فيه الابن”.

  • صياغة جوهر قانون الإيمان:

يُعتقد أن القديس أثناسيوس لعب دورًا محوريًا في صياغة الألفاظ الأساسية في قانون الإيمان النيقاوي، لا سيما عبارة:

“نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”

التي تهدف إلى تأكيد أن الابن ليس مخلوقًا بل مولودًا من نفس جوهر الآب.

أصل عبارة “إله من إله” من الإنجيل

عبارة “إله من إله” لها جذورها في إنجيل يوحنا ١:١، حيث يُقال أن معرفة الله لذاته وتعبيره عن نفسه هو كونه “إله”. أي أن “الفكر الإلهي عن نفسه” كان هو الله، أو كما تقول الترجمات الإنجليزية الشائعة: “وكان الكلمة الله” (The Word was God).

 

الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي لوغوس λόγος وفي المقطع الأخير من يوحنا 1:1c وأيضًا في يوحنا 1:18a، تأتي الكلمة بلا أداة تعريف (anarthrous)، ومع ذلك تُترجم إلى الإنجليزية كاسم علم: “God” أي الله.

يوحنا ١:١: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.”

الخلفية اليهودية لمفردة لوغوس “الكلمة – λόγος”

لم يكتب القديس يوحنا الإنجيلي هذه الآية من فراغ، بل كانت لديه خلفية يهودية ساعدته على التعبير عنها. في أيامه، كان مفهوم “اللوغوس – λόγος” معروفًا جيدًا، خاصة في اليهودية الهيلينية في فترة الهيكل الثاني.

هذا المفهوم يتضح في الترجمة السبعينية (LXX) وفي بعض الكتابات اليهودية الدينية بين العهدين. وبسبب انتشار هذا المفهوم، استخدمه يوحنا ليشرح البشارة.

آيات من العهد القديم في الترجمة السبعينية LXX التي تُشكل أساس يوحنا ١:١-٣

لدينا العديد من الآيات في العهد القديم والتي استند إليها القديس يوحنا الإنجيلي في استخدام كلمة لوغوس، منها:

  1. تكوين ١:١
  2. مزمور ٤٥:١
  3. مزمور ٣٣:٦
  4. أمثال ٨:٢٢–٣٠

معنى لوغوس

الكلمة اليونانية “لوغوس” لها معانٍ متعددة، منها: الكلمة، الخطاب، الرسالة، الخطة، والعقل/المنطق. والمعنى يُفهم بحسب السياق. في يوحنا ١:١، اللوغوس يُشير إلى الفكر الإلهي الداخلي والتعبير الذاتي لله، أي أن الكلمة هي تعبير خارجي عن معرفة الله لذاته. وهذا يعبر عنه هكذا:

المفكِّر = الله

الفكر = الله

إذن، نحن أمام الله الذي يعرف نفسه، ويفكر في نفسه، ويعبّر عن نفسه بالكلمة، وهذه الكلمة ليست شيئًا مخلوقًا، بل هي “إله من إله”، كما تُعلِن العقيدة النيقاوية (The Nicene Creed) والتي نسميها أيضاً قانون الإيمان.

التعبير اللاهوتي: الله في ذاته ومن ذاته — الله يعرف نفسه بكُليّة ذاته، وتعبيره الذاتي أو كلمته هو إله مثله، له نفس الجوهر الإلهي. الله لا يظن عن نفسه أنه إله جزئي، بل يرى نفسه على أنه الله بالكامل.

أمثال ٢٣:٧: “لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ هكَذَا هُوَ. “

وفقًا لإنجيل يوحنا ١:١، الكلمة (الابن) هو “إله من إله”، فهو ذات الفكر الإلهي، التعبير الكامل عن ذات الله، ولهذا فهو الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

تحليل عبارة “إله من إله” من المنظور الأرثوذكسي

تؤكد الكنيسة الأرثوذكسية أن عبارة “إله من إله” تشير إلى وحدة الجوهر (الأوسيا oύσiα) — أي الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود — بين الآب والابن. هذا يعني أن الابن ليس إلهاً منفصلاً أو مختلفاً عن الآب، بل هو من نفس الجوهر الإلهي، مما يؤكد على الوحدة الجوهرية في الثالوث المقدس. ويقول البابا شنودة الثالث في كتابه “قانون الإيمان” في تفسير هذه العبارة:

إله حق، أي له طبيعة الله بالحق. وليس مثل الذين دعوا آلهة بمعنى سادة، وليسوا هم آلهة بالحقيقة.

ويذكر أيضاً في موضع آخر:

ولكن السيد المسيح هو إله حق، أي له كل صفات الألوهية:
فهو أزلي خالق، قادر على كل شيء، موجود في كل مكان، غير محدود.. فاحص القلوب والكلى، قدوس، رب الأرباب، غافر الخطايا.. إلى آخر كل تلك الصفات الخاصة بالله وحده.

ويفسر التقليد القبطي من جهته هذه العبارة كتأكيد على أن العلاقة بين الآب والابن أزلية وليست زمنية. فالابن “من” الآب لا يعني أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، بل يشير إلى العلاقة الأقنومية الأزلية داخل الذات الإلهية الواحدة.

تعبر هذه العبارة عن مفهوم الولادة الإلهية الأزلية، حيث يُولد الابن من الآب منذ الأزل وإلى الأبد. هذه الولادة ليست جسدية أو زمنية، بل هي ولادة روحية أزلية تحافظ على وحدة الطبيعة الإلهية.

كما واجهت الكنيسة القبطية فكرة التبني التي تقول إن المسيح إنسان تبناه الله. عبارة “إله من إله” تؤكد على الطبيعة الإلهية الحقيقية للمسيح وليس مجرد التبني. كما أن كلمة (إله) هنا ليست مجرد لقب كما قيل عن آلهة الأمم أو كما قيل عن بعض البشر.

في الليتورجيا الإلهية، تُتلى عبارة “إله من إله” في كل قداس إلهي في الكنيسة، وتحديداً أثناء تلاوة قانون الإيمان. هذا التكرار اليومي يؤكد على أهمية هذا التعليم في الحياة الروحية والعبادية للمؤمنين.

في التعليم الآبائي، طور القديس أثناسيوس، الذي يُلقب بـ”عمود الإيمان”، تفسيراً عميقاً لهذه العبارة في كتاباته ضد الآريوسيين. أكد على أن الابن “من جوهر الآب” وليس “من لا شيء” كما ادّعى آريوس. وواصل القديس كيرلس الإسكندري (376-444 م) التقليد الأثناسي في تفسير العبارة، مؤكداً على وحدة الطبيعة الإلهية بين الآب والابن، مما ساهم في مقاومة النسطورية لاحقاً.

في التقليد الرهباني، تبنى الآباء الرهبان في مصر هذا التعليم وجعلوه جزءاً من تأملاتهم اليومية. الأنبا مقار الكبير والأنبا باخوم وغيرهم من آباء البرية المصرية أكدوا على أهمية فهم هذه الحقيقة الإيمانية في الحياة الروحية.

على مستوى العقيدة، تساهم عبارة “إله من إله” في تأسيس العقيدة الثالوثية السليمة، حيث تحافظ على التوازن بين وحدة الله وتمايز الأقانيم. هذا التوازن أساسي في الفهم الأرثوذكسي للثالوث.

أما من الناحية الروحية، تؤكد العبارة على أن المسيح الذي نعبده ونصلي إليه هو إله حقيقي، مما يبرر العبادة المسيحية ويعطيها معناها العميق. كما تؤكد على أن الخلاص الذي قدمه المسيح هو خلاص إلهي حقيقي.

كذلك على مستوى الكرازة، تستخدم الكنيسة هذه العبارة في الكرازة والتعليم لتأكيد ألوهية المسيح أمام التحديات المعاصرة، سواء من الديانات الأخرى أو من التيارات الليبرالية داخل المسيحية.

 

الخلاصة

تمثل عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي حجر الزاوية في التعليم الأرثوذكسي حول ألوهية المسيح. هذه العبارة، التي وُلدت من صراع لاهوتي عميق في القرن الرابع، تستمر في لعب دور مركزي في الحياة العقائدية والروحية والليتورجية للكنيسة.

من خلال تأكيدها على وحدة الجوهر بين الآب والابن، تحافظ هذه العبارة على التوازن الدقيق في فهم الثالوث، بينما تقاوم في الوقت نفسه الانحرافات العقائدية التي تهدد جوهر الإيمان المسيحي. التقليد الكنسي، المتجذر في تعاليم القديس أثناسيوس والقديس كيرلس، يواصل الدفاع عن هذا التعليم وتطبيقه في الحياة المعاصرة.

إن فهم هذه العبارة ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو في صميم الإيمان الأرثوذكسي والحياة الروحية للمؤمنين. فهي تؤكد على أن المسيح الذي نعبده هو الإله الحقيقي، وأن الخلاص الذي قدمه لنا هو عمل إلهي حقيقي قادر على تحويل حياتنا وضمان أبديتنا.

 

المراجع:

  1. شرح لاهوتي لعبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي – رابط: https://christianity.stackexchange.com/a/40068
  2. ملخص تاريخي لمجمع نيقية الأول وصياغة قانون الإيمان سنة 325م – Church History 101 – “Fourth Century Church History – The Council of Nicea (325 AD)” – رابط: https://www.churchhistory101.com/century4-p8.ph
  3. كتاب “قانون الإيمان” لقداسة البابا شنودة الثالث، الأنبا تكلا – الباب الخامس عشر – رابط: https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/35-Kanoun-El-Iman/Christian-Faith__15-Truth.html

بحث وكتابة: عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

الثالوث وقانون الإيمان (إله حق من إله حق) – معاذ عليان في قبضة فريق اللاهوت الدفاعي (10)

الثالوث وقانون الإيمان (إله حق من إله حق) – معاذ عليان في قبضة فريق اللاهوت الدفاعي (10)

https://youtu.be/HOkJ-w39X4o

حقا، كما يقول القرآن عن معاذ أنه كان جهولا (الأحزاب 72)..

الكتاب المقدس مليء بالنصوص الصريحة والضمنية التي تؤكد صراحة أننا نؤمن بالإله الواحد وليس آخر، حتى أن عدد النصوص الصريحة الموجودة في الكتاب المقدس كثيرة جدا بما لا يقارن عن النصوص الموجودة في كتاب معاذ نفسه. ناهيك عن أن أقوال آباء الكنيسة طوال التاريخ المسيحي، شرقا وغربا، وبأي لغة كتبوا بها تؤكد أننا نعبد إله واحد وليس سواه.

فهل بعد كل هذا، يمكن أن يظن أحد أننا سنخالف هذه النصوص الصريحة الواضحة، ونقول إننا نعبد ثلاثة آلهة مختلفين؟

أم أن المنطقي والطبيعي والأقرب للعقل السوي أن يشك في فهمه للنصوص، ويتأكد أن للمسيحيين طريقة في فهم النصوص غير الطريقة البائسة التي يفهم بها معاذ النصوص المكتوبة؟

دعونا نشرح ببساطة ما يقوله قانون الإيمان حتى لا يكون هناك فرصة لأصحاب العقول السليمة في رفض ما نشرحه مرارا.

يقول قانون الإيمان “بالحقيقة نؤمن، بإله واحد” هذه عبارة افتتاحية تظهر بجلاء أن المسيحي لا يؤمن بوجود إلا إله واحد، والمقصود هنا هو أن المسيحي لا يؤمن بوجود خالق وإله آخر غير الله الواحد، فكلمة “إله” هنا تعبر عن طبيعة الله الجامعة، التي لا غيرها، والتي يعبدها المسيحي. فكل من هو خارج ومنفصل عن هذه الطبيعة الواحدة (الإله الواحد) هو ليس بإله.

بعد هذه العبارة المفصلية في البداية، يبدأ قانون الإيمان في الدخول والتعمق داخل طبيعة هذا الإله الواحد نفسه.. نكرر، يبدأ قانون الإيمان في زيادة شرح من هو هذا الإله الواحد الموجود في العبارة الأولى، من هو وما صفاته ومن أقانيمه، فالثالوث ليس خروجا عن طبيعة الإله الواحد فنعدده إلى آلهة مختلفة منفصلة حاشا، بل دخولا إلى طبيعة هذا الإله الواحد عينه (الطبيعة الألوهية الواحدة) فنعرفه في ثالوث بأكثر تفصيل.

فيبدأ القانون في ذكر الأقانيم الثلاثة، ويبدأ بالأقنوم الأول (من حيث الذِكر لا من حيث أي شيء آخر) ويقول:

 

  • الله الآب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يُرَى وما لا يرى Πιστεύομεν εἰς ἕνα Θεὸν Πατέρα παντοκράτορα ποιητὴν οὐρανοῦ καὶ γῆς ὁρατῶν τε πάντων καὶ ἀοράτων·

وكلمة “الله” أو “إله” هنا هي ليسا اسما علمًا كما يظن المسلمون، فكلمة “الله” لدينا ليست اسم “علم” لله. بل هي اسم وصفي يعبر عن طبيعة الموصوف به، فإن سمينا الآب “الله” فهذا يعني أن الآب موصوف بالألوهية، أي أن طبيعته هي طبيعة اللاهوت. وليس أن إلهنا له اسم علم وهو “الله”.

هذه النقطة مهمة، وخطيرة ولا يعرفها ولا يفهمها الغالبية العظمى من المسلمين لأن كلمة “الله” عندهم هي إسم علم لله، فالإله عندهم أسمه الشخصي “الله”.. لكن عندنا فلا. بكلمات أخرى ووصف آخر: عند المسيحيين، عندما يعبرون عن طبيعة الكيان الخالق للكون فهم يطلقون عليه كلمة “الله” كاسم وصفي، أي كاسم يصف طبيعته اللاهوتية. وهكذا كلمة “إله” عندما نطلقها عن الأقانيم، فهي تعبِّر عندنا عن أن طبيعة هذا الكيان هي طبيعة “ألوهية”.

نكمل، فعندما يذكر قانون الإيمان عبارة “الله الآب” فهو يقوم بتعريف أن الآب هو الله = أي أن جوهر طبيعته هو “اللاهوت”، ثم يشرح أنه الخالق.

وبعد هذا، يبدأ قانون الإيمان في التركيز على أقنوم الابن، فيبدأ بأول وصف ألا وهو علاقته بأبيه، أقنوم الآب، ولكثرة اللغط والأسئلة حول هذه العبارات، سأذكر العبارات واحدة فواحدة، مع تفصيل سريع وبسيط لكل منها:

 

  • نؤمن برب واحد يسوع المسيح εἰς ἕνα Κύριον Ἰησοῦν Χριστὸν

هنا يوجد سؤال مهم ألا وهو: النص يقول إننا نؤمن برب واحد هو يسوع المسيح، فهل هذا يعني أن الآب هو الله ولكنه ليس ربا؟ بالطبع لا، فلا يقول بهذا عاقل فالآب من حيث جوهره هو رب، والابن من حيث جوهره هو نفس الرب عينه وليس غيره، والروح القدس هو نفس الرب عينه وليس غيره. لكن هنا أُطلقت ألفاظ الرب على الابن والروح القدس لأن الابن مولود أزلا من الآب والروح القدس منبثق أزلا من الآب، فلكي لا يظن أحد أن الآب هو الابن هو الروح القدس فقد تمايزوا في الألقاب المعطاة لهم “الرب .. المولود من الآب” و “الرب … المنبثق من الآب” كما سنشرح عندما نتكلم عن أقنوم الروح القدس.

 

 

  • ابن الله الوحيد τὸν υἱὸν τοῦ Θεοῦ τὸν Μονογενῆ

هذه هي صفة أقنوم الابن “المولود من الآب”، ويسميها الآباء “الصفة الأقنومية للأقنوم”، أي أن هذه الصفة هي الصفة الممايزة لأقنوم الابن عن أقنوم الآب والروح القدس، وهكذا عن الروح القدس صفة “المنبثق من الآب”، فهذه هي الصفة الأقنومية الوحيدة للروح القدس للتمايز عن أقنومي الآب والابن. وفيما عدا هذه الصفة، فكل ما سواها من صفات، هي صفات جوهريه فتتساوى فيها الأقانيم. فصفة العلم والقدرة واللامحدودية …إلخ، هي صفات تخص جوهر الإله الواحد-الثالوث لذا، فهي صفات كل الأقانيم بلا تفاوت.

 

  • المولود من الآب قبل كل الدهور τὸν ἐκ τοῦ Πατρὸς γεννηθέντα πρὸ πάντων τῶν αἰώνων

قيلت هذه العبارة كرد على هرطقة أريوس في مضمونها، والذي كان يقول إن الابن نعم هو الله، لكنه ليس كالله الآب، بل هو إله مخلوق ليخلق به الآب بقية المخلوقات. أي أن أقنوم الابن ليس أزليا كأزلية الآب، بل هو تالي له في الزمن. فقد دلت هذه العبارة صراحة على أن الابن مولود أقنوميًا من الآب قبل كل الدهور، فهو أزلي بأزلية الآب، فلم يكن زمن أو غير زمن، كان فيه الآب بدون ابنًا، ولا الابن بدون آبا، ولا يمكن أن يكون الآب آبا إلا بالابن المولود منه أقنوميًا.

 

  • نور من نور، إله حق من إله حق Φῶς ἐκ Φωτός, Θεὸν ἀληθινὸν ἐκ Θεοῦ ἀληθινοῦ

هذه هي العبار الرئيسية التي يسقط في فهمها المعترضون وتصيبهم البلاهة نظرا لأنهم ليسوا صادقين في فهمها، أو لأن أذهانهم ملوثة. وهنا سنضرب أمثلة مع تحديد الوجه المراد شرحه من المثال، ولا نقصد بأي مثال المشابهة أو التمثيل، بل أن كل مثال مهما كان دقيقًا فهو قاصرًا جدًا، لكن عن طريق شرح الأمثلة على المخلوقات، وبيان أن العقل البشري يفهمها بسهولة، فلا تتبقى حجة لاعتراضهم إلا أنهم يتعمدون عدم الفهم.

يركز الكثير على العبارة الثانية وهي “إله حق من إله حق” ويقولون، كم إله لدينا الآن؟ “إله من إله” فالمحصلة أنهم إلهين وليسا إلها واحدا. أليس كذلك؟ لا، ليس كذلك، وسأشرح السبب.

قلنا أعلاه (برجاء مراجعة هذه النقطة سابقا لعدم تكرارها)، أن كلمة “الله” وكلمة “إله” في الاصطلاح المسيحي عن الأقانيم، تُستخدم كاسم وصفي لطبيعة هذا الأقنوم فكأنك تسأل:

ما طبيعة الآب؟ ما جوهر الآب؟

والجواب: إله، الله، لاهوت، ألوهة، رب (مطلق)

فما طبيعة الابن؟ ما جوهر الابن؟

والجواب: إله، الله، لاهوت، ألوهة، رب (مطلق)

فما طبيعة الروح القدس؟ ما جوهر الروح القدس؟

والجواب: إله، الله، لاهوت، ألوهة، رب (مطلق)

فعبارة “إله حق من إله حق” (إله حقيقي من إله حقيقي) قيلت لأسباب منها:

  1. للرد على الأريوسيين الذين كانوا يقولوا إن الابن هو إله نعم، لكنه ليس إلها بالحقيقة كالإله الآب بالحقيقة. أي أنهم يقولون أن ألوهية الابن، ألوهية ليست كألوهية الآب، فجاء النص في القانون ليعطي صفة “إله حق” (إله حقيقي) لكل من الآب والابن على السواء دون تفريق ودون تمييز في جوهر الألوهية أو في رتبهما الأقنومية.
  2. لبيان أن أقنوم الابن رغم أنه متمايز عن أقنوم الآب في الأقنومية، فالآب ليس الابن والابن ليس الآب، إلا أنهما متساوون في الجوهر وبقية الصفات الأخرى (فيما عدا الصفات الأقنومية التي ذكرناها أعلاه: الوالدية، والبنوة والانبثاق).

ولبيان أن هذا هو المقصود من هذه العبارة، كتب الآباء عبارة قبلها لتضبط فكر القارئ قبلما يقرأ عبارة “إله حق من إله حق” ألا وهي عبارة “نور من نور” فكما أن كلمة “نور” الأولى تحمل كل ما تحويه كلمة “نور” الثانية في المعنى، فهكذا كلمة “إله حق” الأولى تحوي كل ما تحويه كلمة “إله حق الثانية”.

 

ولنضرب هنا مثال (وقد قلنا أن كل مثال فهو بعيد عن طبيعة الله غير المدركة)، وهو مثال النار من النار، فإذا أوقدت نارا ثم أخذت منها نارا أخرى عن طريق شعلة، فهل تختلف خواص النار الأولى عن الثانية سواء في الدرجة أو القوة أو التأثير؟ بالطبع لا. هكذا هي ولادة الابن من الآب (مجازا لأن هذا مجرد مثال) فولادة الابن من الآب أزلا، لا تنقص من طبيعة الآب ولا تجعل الابن المولود ناقصا، بل له نفس صفات الجوهر الألوهي الواحد.

وهنا نعود لقضية “كم إله” أو “كم نار” لدينا، ونسأل: هل النار الأولى تختلف في طبيعتها وخواصها وصفاتها عن النار الثانية المولودة منها؟ بالطبع لا.

فهنا كلمة “نار” هي اسم وصفي لطبيعة هذا اللهب الحارق، ولهذا، فقد فالتعبير عن هذه الحالة سيكون “نار حق من نار حق”، وهنا ليس لدينا إلا نار واحدة كطبيعة.

بالطبع النار محدودة، بينما طبيعة اللاهوت غير محدودة. وبالطبع النار الأولى قد انفصلت عن النار الأولى، لكن طبيعة الأقانيم ليست منفصلة، ولهذا نقول إن كل مثال هو قاصر. لكن ضربنا هذا المثل لبيان كيف أن الاسم الوصفي (إله، نار) يطلق للوصف وليس للتجزيء.

فكان الاعتراض سيكون صحيحا إن قلنا إن الآب والابن منفصلين، وبالتالي يكون هذا “إله منفصل” عن “إله منفصل” غيره. وهذا ما لا تقول به العقيدة المسيحية.

 

  • مولود غير مخلوق γεννηθέντα οὐ ποιηθέντα

هذه العبارة قيلت عن أقنوم الابن، كلاهوت، وليس عن ناسوت المسيح. فأقنوم الابن ليس مخلوقا من الآب، بل مولود ولادة أقنومية داخل جوهر اللاهوت، وهذه ولادة بحسب الطبيعة، فلم يكن هناك الآب إلا وهو آبًا للابن، ولم يكن هناك الابن إلا وهو ابنًا للآب. فالولادة لا تخضع للزمن أو غيره، فهي صفة للأقنوم. وقد قيلت هذه العبارة أيضا ردًا على الأريوسيين الذين كانوا يقولون إن الآب خلق الابن ليخلق به المخلوقات.

 

  • مساو للآب في الجوهر ὁμοούσιον τῷ Πατρί

مازال قانون الإيمان يرد على أفكار الأريوسيين القائلين إن الابن إله نعم، لكن إله أقل من الآب، فجاءت هذه العبارة لتؤكد على أن أقنوم الابن مساوٍ للآب في الجوهر. أي أن جوهر الابن هو نفسه جوهر الآب. فلو كان الابن من جوهر آخر غير جوهر الآب، أو له جوهر أقل من جوهر الآب، لكانا بحق إلهين مختلفين ومنفصلين.

 

  • الذي به كان كل شيء δι’ οὗ τὰ πάντα ἐγένετο·

لكي يكمل قانون الإيمان أوصاف المساواة بين الآب والابن، وبعدما قال “نور من نور” وقال “إله حق من إله حق” وقال “مساو للآب في الجوهر” جاء هنا إلى صفة الخلق، ليقول إن كل شيء مخلوق فهو مخلوق بالابن. ونتذكر هنا أن قانون الإيمان في البداية قال عن الآب أنه “خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى” وهنا يذكر عن الابن أن به “كان كل شيء”. ليوضح المساواة في الخلق، وليرد على الأريوسيين الذين يقولون إن الابن نفسه مخلوق. فإن كان الابن هو خالق كل شيء، فإذن هو ليس من المخلوقات التي خلقها، لأنه خالق “كل” شيء، فواضح أنه غير “كل شيء” مخلوق، فهو إذن، غير مخلوق.

 

  • نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الآب καὶ εἰς τὸ Πνεῦμα τὸ Ἅγιον, τὸ Κύριον καὶ Ζωοποιόν, τὸ ἐκ τοῦ Πατρὸς ἐκπορευόμενον,

وهنا نجد الأقنوم الثالث، وموصوف بأنه “الرب …المنبثق من الآب” وكما قلنا فإن كلمة “الرب” هي كلمة تُستخدم في الاصطلاح المسيحي كاسم وصفي للتعبير عن طبيعة “الروح القدس” فهو الإله والرب من حيث طبيعته. فالرب هو واحد كطبيعة، ولهذا يوصف الآب بأنه رب والابن أنه رب (هو نفسه الرب الموصوف به الآب) والروح القدس أنه رب (هو نفسه أيضا الرب الموصوف به الآب والابن كاسم وصفي).

وكان للعظيم في الجهلة معاذ، اعتراض عن كيف يقول قانون الإيمان “نؤمن برب واحد يسوع المسيح” ثم يقول عن الروح القدس أنه “الرب المحيي المنبثق من الآب”.. ونقول له أنك بحاجة لتكمل تعليمك الابتدائي لتعلم قراءة اللغة العربية بشكل سليم. فعبارة “نؤمن برب واحد يسوع المسيح” لم تقف هنا، بل أكملت من هو هذا الوحيد، حيث قالت “نؤمن برب واحد يسوع المسيح …. المولود من الآب”. فالواحدية هنا تقع على صفته الأقنومية، أي أنه الوحيد المولود من الآب.

وللتبسيط (لأني أعرف أن مستوى معاذ لا يؤهله إلا لمرحلة ما قبل مدارس الأحد): فكأن النص يقول:

  • نؤمن برب واحد المولود من الآب
  • نؤمن برب واحد المنبثق من الآب

فواحد هو الرب المنبثق وواحد هو الرب المولود. فالواحدية هنا تقع على صفة الأقنوم وليس على اسم الأقنوم (الابن، الروح القدس)

 

الثالوث وقانون الإيمان (إله حق من إله حق) – معاذ عليان في قبضة فريق اللاهوت الدفاعي (10)

الثالوث وقانون الإيمان – معاذ عليان في قبضة فريق اللاهوت الدفاعي (10)
Exit mobile version