هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
لقد أثار موضوع نشأة الكون حيرة العلماء والفلاسفة واللاهوتيين على حد سواء لفترة طويلة. غالبًا ما يؤدي اتساع وتعقيد الكون إلى هذا السؤال: هل أوجد الكون نفسه ونشأ هكذا عن طريق أحداث كونيّة عشوائية بدون صانع ذكي (الاله)؟
يقدم الكتاب المقدس إجابة محددة في النص الاول من سفر التكوين ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. (تكوين 1: 1). تؤكد هذه العبارة الواضحة أن الله هو مصدر كل ما هو موجود، مما ينفي أي اعتقاد بأن الكون قد اوجد نفسه تلقائيًا أو بالصدفة عن طريق أحداث كونية عشوائية.
ومع ذلك، يقاوم العديد من علماء الفيزياء والطبيعة هذا التفسير، مفضلين النظرية القائلة بأن الكون نشأ من خلال عمليات طبيعية بحتة. إحدى أبرز النظريات هي نظرية الانفجار الكبير، التي تفترض أن الكون بدأ من حالة التفرد، وهي حالة من الكثافة ودرجة الحرارة اللانهائية، ثم توسّع وامتدّ منذ ذلك الحين. ومع ذلك، حتى أنصار هذه النظرية، مثل الدكتور أندريه ليندي Dr. Andrei Linde، يعترفون بأن هذه النظرية لا تفسر كيف نشأ الكون من العدم. في حين ان الكتاب المقدس أوضح لنا أن كل شيء جاء إلى الوجود بكلمة الله: “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا.” (مز 33: 6)
هل كان للكون بداية؟
لقد أثبتت الاكتشافات العلمية خلال القرن الماضي أن الكون يتمدد ويتوسع، مما دفع العديد من العلماء إلى استنتاج أن له بداية. وهذا يتوافق مع رواية الكتاب المقدس، التي تقول ان هناك نقطة بداية واضحة حددها الكتاب في اول نص من سفر التكوين “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.” (تك 1: 1).
في عشرينيات القرن العشرين، اكتشف علماء الفلك أن المجرّات البعيدة كانت تبتعد عنا، وهي ظاهرة تعرف باسم “الانزياح نحو الأحمر”redshif”. تشير هذه الظاهرة إلى أن الكون يتمدد ويتوسع، وبذلك تضيف هذه الظاهرة الى الاستنتاج ان الكون له بداية، وهو الاستنتاج الذي أزعج العديد من العلماء لأنه يتناقض مع فكرة الكون الأبدي.
قال السير برنارد لوفيل، Sir Bernard Lovell وهو عالم فلك بارز، ذات مرة: “إذا كان الكون، في مرحلة ما في الماضي، قريبًا من حالة فريدة ذات حجم متناهٍ في الصغر وكثافة لا نهائية، فيجب علينا أن نتساءل عما كان موجودًا من قبل وكيف نشأ وما كان خارج الكون”. إن السؤال عما كان موجودًا قبل الكون وكيف نشأ يشير مباشرة إلى الحاجة إلى خالق.
يكشف الكتاب المقدس أن الله موجود خارج نطاق الزمان والمكان، وأنه خلق كل الأشياء بقدرته الإلهية وحكمته. يقول إشعياء النبي “ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ.” (إش 40: 26).
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
هل الكون مهيأ للحياة؟
يعد الضبط الدقيق للكون أحد أقوى الحجج ضد فكرة أنه جاء إلى الوجود من خلال عمليات طبيعية عشوائية. وقد حدد العلماء أربع قوى أساسية تحكم الكون: الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية القوية، والقوة النووية الضعيفة، وهذه القوى يجب أن يتم معايرتها بدقة وأدنى انحراف من شأنه ان يؤدي الى انهيار الكون وبالتالي يصبح غير صالح للحياة. وهذ ما يطلق عليه علميا (معايرة أو هندسة الثوابت الكونية) وهو وجود ثوابت طبيعية لها مقادير محدده ذات دقه متناهيه لا تخرج عنها. هذه الثوابت الكونية لو اختلفت بمقادير جدا صغيره سوف تتسبب ليس فقط في استحالة ظهور الحياة ولكنها تتسبب في استحالة تركيب الكون من العناصر الكونية وذلك لانهيار هذه العناصر.
وقد حدد العلماء كما أشرنا إلى أربع قوى أساسية تحكم الكون (The Four Fundamental Forces):
قوة الجاذبية – Gravitational Force
القوة الكهرومغناطيسية – Electromagnetic Force
القوة النووية القوية – Strong Nuclear Force
القوة النووية الضعيفة – Weak Nuclear Force
الجاذبية، على سبيل المثال، يجب أن تكون متوازنة تماما. ولو كانت أقوى قليلاً، لاحترقت النجوم بسرعة كبيرة وانهارت، مما يمنع تكوين الكواكب التي تحافظ على الحياة. فإذا كانت الجاذبية أضعف قليلاً، فلن تحترق النجوم بدرجة كافية من الحرارة للحفاظ على الاندماج النووي، وسيمتلئ الكون بمادة باردة خاملة. وبالمثل، فإن القوة الكهرومغناطيسية مسؤولة عن احتجاز الإلكترونات حول نواة الذرات، مما يتيح التفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة. وأي تغيير طفيف في هذه القوة من شأنه أن يمنع تكوين الجزيئات، مما يجعل الحياة مستحيلة.
تشير هذه الشروط الدقيقة إلى مصمم خلق الكون عمدًا آخذا بعين الاعتبار وضع الاسس والقوانين لإمكانية الحياة في هذا الكون.
يسأل الله ايوب في سفر ايوب “أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ. مَنْ وَضَعَ قِيَاسَهَا؟ لأَنَّكَ تَعْلَمُ! أو مَنْ مَدَّ عَلَيْهَا مِطْمَارًا؟ سفر أيوب 38: 4-5
إن دقة قوانين الكون وثوابته هي بمثابة دليل دامغ على خلق الله المتعمد.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
ما هو الدور الذي تلعبه القوى النووية القوية والضعيفة؟
بالإضافة إلى الجاذبية والكهرومغناطيسية، تُظهر القوى النووية القوية والضعيفة أيضًا الضبط الدقيق الضروري للحياة. تربط القوة النووية القوية البروتونات والنيوترونات معًا في نواة الذرة، مما يسمح بتكوين العناصر. ولو كانت هذه القوة أضعف قليلاً، فلن يوجد سوى الهيدروجين، ولن تتشكل أي عناصر أخرى. ولو كان أقوى قليلًا، فلن توجد سوى العناصر الأثقل، ولكان الهيدروجين، وهو مكون أساسي في الماء والمركبات العضوية، غائبًا.
تتحكم القوة النووية الضعيفة في التحلل الإشعاعي وتلعب دورًا في عمليات الاندماج النووي التي تزود النجوم بالطاقة مثل الشمس. وبدون التوازن الدقيق لهذه القوة، ستحترق النجوم بسرعة كبيرة جدًا أو ببطء شديد، مما يؤدي إلى تعطيل إنتاج الطاقة الضروري لاستدامة الحياة على الأرض. يتأمل الكتاب المقدس في عظمة خليقة الله، مؤكداً على حكمته في دعم كل الأشياء: “فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ” (كو 1: 16-17).
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
كيف يدعم موقع الأرض في النظام الشمسي الحياة؟
إن سمات الأرض الفريدة وموقعها داخل النظام الشمسي يوضحان بشكل أكبر الدقة الإلهية التي ينطوي عليها الخلق. تقع الأرض على مسافة مثالية من الشمس، وغالبًا ما يشار إليها باسم “Goldilocks zone” ويعنــي “المنطقة المعتدلة” أو ما يطلق عليه “النطاق الامثل والانسب الذي يصلح للحياة” حيث تكون درجات الحرارة مناسبة للمياه السائلة – وهو عنصر حاسم للحياة. إذا كانت الأرض أقرب إلى الشمس بنسبة 5% فقط، فسوف تتعرض لظاهرة الاحتباس الحراري الجامحة، وتصبح ساخنة بشكل لا يطاق. وعلى العكس من ذلك، إذا كانت المسافة أبعد بنسبة 1% فقط، فسوف تصبح أرضًا قاحلة متجمدة.
بالإضافة إلى بعدها المثالي عن الشمس، يتم أيضًا ضبط دوران الأرض وخصائصها المدارية بدقة. ويضمن دوران الكوكب درجات حرارة معتدلة بين النهار والليل، في حين أن مداره شبه الدائري يمنع التغيرات الموسمية الشديدة. تتيح هذه الخصائص توفير البيئة المستقرة التي تدعم الحياة والتي غالبًا ما نعتبرها أمرًا مفروغًا منه. هذه الدقة ليست من قبيل الصدفة. فهذا يشير مباشرة إلى التصميم المتعمد للخالق. وكما أعلن النبي إشعياء، “لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «خَالِقُ السَّمَاوَاتِ هُوَ اللهُ. مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ قَرَّرَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلًا. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ.” (إش 45: 18).
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
ماذا يخبرنا القانون الثاني للديناميكا الحرارية؟ The second law of thermodynamics
يشير القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن الأنظمة تميل نحو الفوضى مع مرور الوقت. يمكن ملاحظة هذا القانون في الحياة اليومية، حيث تتحلل المباني، وتتعطل الآلات، وتتقدم الكائنات الحية في العمر. ونظرًا لهذا الميل الطبيعي نحو الفوضى، يجب أن يكون الكون أيضًا في حالة من الفوضى المتزايدة. ولكن لا نرى اطلاقا هذه الفوضى في نظام الكون – بل على العكس – ان ما نلاحظه هو ان الكون منظم ومنظم للغاية. تتبع الكواكب مدارات يمكن التنبؤ بها، وتتألق النجوم بثبات لمليارات السنين، وتحافظ القوى الأساسية على التوازن الدقيق الضروري للحياة.
ويقدم الكتاب المقدس تفسيرا لهذا التناقض الواضح. فالله إله نظام وليس فوضى. وكما تقول رسالة كورنثوس الأولى 14: 33 لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ.
إن النظام والاستقرار الملحوظين في الكون هما انعكاس لقدرة الله الداعمة.
وهذا ما تؤكده رسالة العبرانيين أن المسيح الَّذِي، “وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ”. (رسالة العبرانيين 1: 3)
إن وجود الكون ذاته، بقوانينه المضبوطة بدقة وتحدّيه للعشوائية والفوضى يشهد على تدخل الله المستمر في الحفاظ على الخليقة.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
تلخص هذه الآية وجهة النظر الكتابية للكون. كل جانب من جوانب الكون — من المجرات الواسعة إلى أصغر الذرة — يكشف جلالة خالقه وحكمته. إن الاكتشافات الحديثة في علم الفلك والفيزياء لا تؤدي إلا إلى ان نتعمّق برهبة في دقة كيفية خلق الله لهذا الكون.
العدد الهائل من النجوم في الكون أمر محيّر للعقل. تحتوي مجرة درب التبانة وحدها على أكثر من 100 مليار نجم، وهناك ما يقدر بنحو 50 مليار مجرة في الكون المرئي. ومع ذلك، على الرغم من اتساع الكون، يذكرنا الكتاب المقدس أن الله يعرف خليقته عن كثب: ” يُحْصِي عَدَدَ الْكَوَاكِبِ. يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ “. (مزمور 147: 4). إن الله الذي خلق الكون الواسع يعرف أيضًا كل خليقة من مخلوقاته بالاسم، مما يدل على قدرته وعنايته الشخصية في كل ما صنعه.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
كيف يفشل التطور الكوني في تفسير تصميم الكون؟
على الرغم من الأدلة الدامغة على التصميم في الكون، إلا أن العديد من العلماء ما زالوا معتقدين بنظرية التطور الكوني، التي تشير إلى أن الكون وكل ما فيه نشأ من خلال عمليات عشوائية وغير موجهة. غالبًا ما يكون هذا الرأي مصحوبًا بالاعتقاد بأن المادة والطاقة يمكن أن تخلق نفسها بنفسها، وهي فكرة تتناقض مع المبادئ العلمية وتعاليم الكتاب المقدس.
تدحض هذه الآية بشكل مباشر فكرة أن الكون يمكن أن يخلق نفسه من مادة أو طاقة موجودة مسبقًا. وبدلا من ذلك، يؤكد أن الله خلق الكون من العدم، وهو مفهوم يُعرف بالخلق من العدم. إن فعل الخلق هذا يتجاوز الإدراك البشري، ولكنه يتوافق مع شخصية الله القدير الذي تكلم عن نشأة هذا الكون.
كما فشل التطور الكوني في تفسير الضبط الدقيق الملحوظ في الكون. كما رأينا، فإن القوى الأساسية والثوابت الطبيعية يتم معايرتها بدقة للسماح بوجود الحياة. إن احتمال اصطفاف هذه القوى عن طريق الصدفة منخفض للغاية لدرجة أنه يتحدى التفسير العقلاني. تؤكد رسالة رومية أن “صفاته غير المنظورة، أي قدرته الأبدية وطبيعته الإلهية، تظهر بوضوح منذ خلق العالم في المصنوعات”. “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رو 1: 20).
إن دليل التصميم في الكون واضح ولا يمكن إنكاره، ويشير مباشرة إلى وجود الخالق.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
هل يستطيع العلم تقديم تفسير كامل؟
العديد من العلماء، الرافضين لفكرة وجود الخالق، يواصلون البحث عن تفسيرات طبيعية لأصل الكون. يشير نموذج الكون التضخمي، الذي اقترحه الفيزيائي آلان جوث Alan Guth، إلى أن الكون شهد توسعًا سريعًا مباشرة بعد الانفجار الكبير. وبينما تحاول هذه النظرية تفسير تطور الكون، إلا أنها لا تأخذ في الاعتبار أصل نشأة الكون. وقد اعترف الدكتور جوث نفسه بأن نظريته «لا تفسر كيف نشأ الكون من العدم». يسلط هذا الاعتراف الضوء على محدودية التفسيرات الطبيعية.
كمسيحيين، نحن ندرك أن العلم له حدوده. في حين أن البحث العلمي يمكن أن يكشف الكثير عن طريقة عمل الكون، إلا أنه لا يستطيع الإجابة على الأسئلة النهائية حول المعنى والغرض والأصل والنشأة. لكن الكتاب المقدس يقدم هذه الإجابات. يقول لنا سفر الامثال ” الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ. أَثْبَتَ السَّمَاوَاتِ بِالْفَهْمِ. بِعِلْمِهِ انْشَقَّتِ اللُّجَجُ، وَتَقْطُرُ السَّحَابُ نَدًى. (سفر الامثال 3: 19 – 20)
ختاما نقول إن تعقيد الكون ونظامه هما نتيجة حكمة الله وفهمه، وليس الصدفة العمياء أو العمليات الطبيعية العشوائية.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
ليكون للبركة.
ترجمة: Patricia Michael
Can the Universe Create Itself, or Is There Evidence of a Creator?
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
من الصعب مقاومة انطباع ان التركيبة الحالية للكون – التي يتضح أنها حساسة للغاية تجاه تغيرات طفيفة في العدد – كانت مدروسة جيداً… فالتزامن المعجزي الذي يبدو بالنسبة لهذه القيم العددية لا بد أن يظل أعظم دليل للتصميم الكوني.
الفيزيائي بول يديفيز[1]
ألا يكون الأمر غريباً إن كان كون بلا هدف قد خلق بالصدفة بشر منقادين تماماً بالهدف؟
سير جون تمبلتون[2]
صار متشككاً روحياً حين تعلم الدارونية وهو طالب. وعمل لفترة وجيزة في صحيفة كبرى في شيكاغو ثم التحق بكلية التخرج في جامعة Ivy League. وفيما تحفز بمسيحية زوجته، بدأ فيما بعد في تحري دليل وجود خالق. وبذهن منفتح للحقائق، انتهى به الأمر بالتخلي عن إلحاده وقبول الله، وأخيراً كتب كتاباً سرد رحلته العقلية إلى الإيمان.
إن بدا أن هذه تشبه قصتي، فليكن[3]، لكنها أيضاً – بمحض الصدفة – قصة باتريك جلين؛ وهو مفاوض سابق في لجنة التحكم في الأسلحة في إدارة الرئيس ريجان، وهو الآن المدير المساعد لمعهد جامعة واشنطن للدارسات السياسية في واشنطن العاصمة.
واجه جلين النظرية التطورية للمرة الأولى عندما كان طالباً في مدرسة الإيبارشية، وأدرك على الفور أنها لا تتماشى مع الكتاب المقدس. وفيما استدعى ذاكرته قال: “وقفت في الفصل، وقلت هذه كله للراهبة المسكينة”.
وفيما كان مقتنعاً بأن العقل هو “الطريق الوحيد إلى الحق”، أصبح جلين ملحداً مزمناً حين تسلم درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في السبعينات. وقال: “لقد أوضح دارون أنه ليس ضرورياً حتى أن نفترض وجود إله لتفسير أصل الحياة. فالحياة والفصائل البشرية ذاتها كانت نتاج تقنيات عشوائية أساساً تعمل على الأيونات”.
وبعد أن تزوج بزوجة مسيحية، ووجد نفسه في مناقشات متكررة معها في الأمور الروحية، قال جلين أن عقله “أصبح منفتحاً بشكل كاف”، ولهذا كان مستعداً لفحص ما إذا كان هناك أي دليل عقلي لوجود الله. وأعد نفسه تماماً لما سوف يتعلمه:
“أدركت تدريجياً أنه في فترة العشرين عاماً منذ أن آثرت الإلحاد الفلسفي، ظهر أدب نظامي منتشر لم يكتفي بمجرد القضاء على الشك العميق، لكنه فند أيضاً نظرتي الإلحادية من أي منظور عقلاني بطريقة مؤثرة…. واليوم يبدو لي أنه ليس هناك سبب مقنع يمكن أن يتبناه إنسان ذكي لقبول خداع الإلحاد أو اللا أدرية، وارتكاب نفس الأخطاء العقلية التر ارتكبتها أنا”[4].
ما الدليل الذي كان مسؤولاً عن هذا التحول الروحي المذهل؟ كان من بين أكثر الاكتشافات المؤثرة التي قابلها في بحثه هو ما يسمى بـ “المبدأ الإنساني anthropic Principle” وقد صاغ هذه المصطلح – المستخرج من الكلمة اليونانية Anthropos بمعنى إنسان – فيزيائي جامعة كامبردج براندون كارتر الذي قدم بحثاً مثيراً بعنوان “تزامنات العدد الكبير والمبدأ الإنساني في علم الكونيات” في مؤتمر علمي حافل في العام 1973.
يقول هذا المبدأ أساساً – كما تعلم جلين – إن “كل الثوابت التي تبدو أنها كيفية وغير متصلة في الفيزياء بها شيء غريب مشترك – فهذه هي القيم التي تحتاجها تحديداً إذا أردت أن يكون لديك كوناً قادراً على إنتاج حياة”.
في كتابه اللاحق “الله: الدليل”، يصدق جلين بأن التعدي المدهش للكون بمثابة أحد الأسباب الرئيسية لاستنتاجه بأن الكون لا بد وأنه كان عمل مصمم فائق[5].
قال: “منذ خمسة وعشرين عاماً، فإن إنساناً مفكراً يزن الأدلة العلمية البحتة المرتبطة بالموضوع من المحتمل أن يكون في جانب التشكك. ولكن لم تعد هذه هي القضية. فالبيانات المادية اليوم تشير بقوة نحو فرضية الله. وهذا أبسط وأوضح حل للغز الإنساني”[6].
الدليل الكافي The Prima Facie Evidence
ألستر ماكجراث – العلامة اللاهوتي الذي درس فيزياء الأحياء الجزيئية في جامعة أكسفورد، وكتب سلسلة طموحة من ثلاثة مجلدات بعنوان “اللاهوت العلمي Scientific Theology” – لديه ميل لاختراق قلب القضايا المعقدة. وفيما يخص موضوع المبدأ الإنساني، تمكن من تلخيص التحدي الأساسي في سؤالين موجزين وضعهما في صيغة تصريح بريطاني مكتوم: “هل من الصدفة البحتة أن قوانين الطبيعة تفيد بأن الحياة ممكنة؟ ألا يمكن أن يكون هذا مفتاحاً مهماً للطبيعة ومصير الإنسانية؟”[7]
وقد شكل هذان السؤالان خريطة طريقي فيما كنت أسعى نحو إجابات قوية تخص كيف ولماذا تفيد الفيزياء بطريقة مشكوك فيها للغاية بأن الحياة في خطر. أما أنا فقد عرفت بالطبع أن عدداً متزايداً من العلماء والفلاسفة كانوا يتتبعون مفاتيح الحل التي تقودهم إلى استنتاجاتهم الخاصة في العقود الأخيرة، بما فيها “بعض الأبرياء من أي تأثير من وجهة نظر دينية تقليدية” كما عبر الفيزيائي واللاهوتي جون بولكينجهورن[8].
“من السهل جداً أن نفهم لماذا غيّر كثير من العلماء آراءهم في الأعوام الثلاثين الماضية، متفقين على أن الكون لا يمكن تفسيره باعتباره حادثاً كونياً، وهذا ما قاله والتر برادلي الذي شارك في تأليف كتاب “لغز أصل الحياة The Mystery of Life Origin“: “إن دليل وجود مصمم ذكي يفرض نفسه باستمرار كلما ازداد فهمنا لموطننا المُعد بحرص”[9].
على سبيل المثال، فإن المتشكك السابق بول ديفيز – الأستاذ السابق للفيزياء النظرية في جامعة أديلايد – مقتنع الآن بأنه لا بد أن يكون هناك هدف من وراء الكون.
وقال في كتابه “ذهن الله The Mind of God“: “توصلت من خلال عملي العلمي إلى الإيمان بقوة متزايدة بأن الكون الطبيعي موضوع ببراعة مدهشة للغاية حتى إنني لا يمكنني قبوله كحقيقة صماء. وأضاف: “لا يمكنني أن أؤمن بأن وجودنا في هذا الكون مجرد دعابة قدر، أو حادث تاريخ، أو مجرد صورة عرضية في الدراما الكونية العظيمة”[10].
عبر عالم الفيزياء الفلكية اللامع سير فريد هويك[11] عن ذلك هكذا: “لست أؤمن أن أي علماء فحصوا الدليل يمكنهم أن يخيبوا عن التوصل إلى استنتاج أن قوانين الفيزياء النووية قد صممت عمداً فيما يتعلق بالنتائج التي تحدثها داخل النجوم”[12].
دفعت تلك الملحوظة، وأخرى مثلها من هويل، أستاذ الفلك من هارفارد أوين جنجريتش – الفلكي الأعلى مقاماً في مرصد سميثونيان الفيزيائي الفلكي – للتعليق: “اختلف مع فريد هويك في كثير من النقاط، لكننا نتفق في هذا النقطة: فالفهم العام والتفسير المرضي لعالمنا يوحي باليد المصممة لذكاء فائق”[13].
قال جون ليزلي الذي تعلم في جامعة أكسفورد، والذي يصور أمثلة إنسانية كثيرة في كتابه المذهل الذي نُشر في العام 1989 “الأكوان Universes” إنه يؤمن بأنه إن كان كوننا هو الكون الوحيد الموجود – وأنه ليست هناك بيانات علمية تثبت وجود أية أكوان أخرى – يكون التعديل إذاً “دليلاً حقيقياً…. أن الله حقيقي”[14].
وفي كتابهما “القصة الجديدة للعلم The New Story of Science”، لخص روبرت أوغروس، وجورج ستانشيو الالتقاء المذهل لـ “التزامنات” التي تجعل الحياة ممكنة في الكون. وقالوا: “إن كوناً يهدف لإنتاج الإنسان يتضمن عقل يوجهه. ومع أن الإنسان ليس في المركز الطبيعي للكون، إلا أنه يبدو في مركز هدفه”[15].
وبوضع تلك الاستنتاجات جانباً، كنت أبحث عن إجاباتي الشخصية عن الأسئلة الأساسية التي وضعها ماكجراث. لم أكن أريد مجرد استكشاف الدليل العلمي لفعل توازن الكون المشكوك فيه. بل أيضاً رؤية ما إذا كان المبدأ الإنساني يمكنه الصمود أمام تحدي فرضية – طبقاً لبعض المتشككين – يمكن اعتبارها مهجورة.
بينما كنت أقوم بدراسة موضوع التعديل، صادفتني كتابات فيلسوف شهير تدرب في علم الفيزياء، وقام بعمل بحثه الأصلي الخاص في هذا الموضوع. وقد راقت لي سمعته بشكل خاص؛ فقد كان معروفاً بحرصه وتحفظه في حساباته، وعدم استعداده لإصدار الأحكام التي تفوق حدود البيانات. باختصار، ما كنت أبحث عنه.
وبعد بضعة مكالمات، كنت على طائرة متجهة إلى بنسلفانيا، حيث حرم جامعي رائع من مباني من الطوب الأحمر ليست أبعد شمالاً من ساحة قتال جيتسرج للحرب الأهلية.
اللقاء الرابع: روبين كولينز – دكتوراه في الفيزياء
عندما كان روبين كولينز طالباً في الصف السابع، انطلق يطلب كتيبات مجانية كثيرة من وكالة الطاقة الذرية، وهكذا ولد عاشق للفيزياء. وأصل مسيرته للحصول على درجات علمية في الفيزياء والرياضيات في جامعة ولاية واشطن (بمتوسط درجات أقل من الدرجة النهائية بـ 0,07)، ثم دخل برنامج الحصول على الدكتوراه في الفيزياء في جامعة تكساس في أوستن.
أما حبه الآخر فكان الفلسفة؛ ففي الواقع، كانت مادته الثالثة في الكلية. وقد استفاد من هذه الخبرة بينما كان يعمل للحصول على درجة الدكتوراه في مكتب تشاركه مع مجموعة من الطلبة الخريجين تضمنت ملحداً ولا أدرياً. أما كولينز فقد كان مسيحياً منذ عامه الأخير في المدرسة الثانوية.
كان الأربعة يسهرون لوقت متأخر من الليل يتجادلون حول قضايا فلسفية ولاهوتية، والتي وجدها كولينز محفزة جداً لدرجة أنه قرر أن يسعى للحصول على درجة دكتوراه في الفلسفة في جامعة نوتردام. وقد أشرف على رسالته الأسطوري ألفين بلانتينجا؛ الذي ريما يكون أفضل فيلسوف أمريكي في العصور الحديثة.
كان تعليق عابر قاله بلانتينجا في الفصل ذات يوم هو الذي دفع كولينز لأول مرة لموضوع تعديل الكون. وعندما أسرته الفكرة، تعمق في الموضوع، وسرعان ما اكتشف ارتباطاً كاملاً بين خبرته في الفيزياء وفي الفلسفة.
إن تدريبه في الفيزياء لم يؤهله فقط لفهم المعادلات الرياضية المعقدة أحياناً في هذا المجال – ذاك التدريب الذي دفعه أحياناً لتصحيح أخطاء دارسين أكثر شهرة بكل احترام – بل إن خبرته في الفلسفة قد عاونته على صياغة حجج دقيقة من الدليل. والآن، بعد سنوات من البحث والتحليل، صار واحداً من أكثر الأصوات معرفة وإقناعاً في المبدأ الإنساني.
كتب كولينز كتب عدة عن الموضوع، بما فيها “الله والعلم: المجادلة الغائية والعلم الحديث God and Science: Teleological Argument and Modern Science؛ ورشد الإيمان بالله The Rationality of Theism؛ والله يهم: القراءة في فلسفة الدين God Matters: Reading in The Philosophy of Religion؛ والفلسفة والدين: القارئ والدليل Philosophy and Religion: A Reader and Guide؛ والسبب المتضمن للأمل Reason for the Within. وبمنحة مدعمة من مؤسسة Pew، يُنهي حالياً كتاباً بعنوان الكون المنغم جيداً: الله، ضبط، وقوانين الطبيعية The Well-Tempered Universe: God, Fine-Tuning, and the Lows of Nature. وبالإضافة إلى ذلك، تحدث في ندوات ومؤتمرات كثيرة في بيل، وكونكورديا، وبيلور، وستانفورد، وغيرها، بما فيها خطاباً في المؤتمر الأمريكي الروسي كامل العدد في نوتردام في العام 2003، والذي كان حول موضوع الله وعلم الكونيات الطبيعي.
وبعد عمله كزميل بعد حصوله على درجة الدكتوراه في جامعة نورث ويسترن، قضى كولينز العقد الأخير في البحث والكتابة والتدريس في كلية المسيا، التي يعمل بها أستاذاً مساعداً للفلسفة. وهناك قابلته في ظهيرة دافئة ذات يوم سبت.
كان مكتب كولينز مكدساً عن آخره بأكوام وأرفف وصناديق الكتب لدرجة أنه لم يكن هناك مكان لنجلس فيه، ولهذا شغلنا غرفة مؤتمرات قريبة. كان الغرفة تسودها أشعة شمس الظهيرة التي تسللت من خلال نافذة كبيرة، وشكلت برك متراقصة من الضوء على السجاد.
خلع كولينز معطفه الرياضي الأخضر، ووضعه فوق مقعد فيما تهيأنا للبداية. كولينز له شعر متجعد داكن، ولحية، وبنية عدّاء (فهو يعدو تقريباً 90 دقيقة يومياً للتدريب والتأمل). جلسنا مقابل منضدة غير مزخرفة، وكان كولينز يحتسي شرابه المفضل: كوكتيل من شاي نصف أخضر ونصف أسود.
كنت مشتاقاً للبدء. فقد قال كولينز ذات مرة إن الحقائق المتعلقة بشروط الكون المميزة بمصطلح “بكل دقة” يتم تقديرها على نطاق واسع بصفتها “أكثر الحجج الحالية إقناعاً لوجود الله”[16] – وهي جملة وضعت معياراً عالياً. سحبت مذكرتي، وطلبت منه بداية أن يقدم لي فكرة عامة عن ماهية تعديل الكون.
انطباع التصميم
قال كولينز: “عندما يتحدث العلماء عن تعديل الكون، فإنهم يُشيرون بصورة عامة إلى التوازن الاستثنائي للقوانين الأساسية، ومعاير الفيزياء، والشروط المبدئية للكون. وعقولنا لا يمكنها استيعاب دقة البعض منها. وتكون النتيجة كون له الشروط الصحيحة لتدعيم الحياة. فالتزامنات ببساطة مذهلة للغاية لدرجة تجعله لا يمكن أن يكون نتيجة صدفة – وهذا ما قاله بول ديفيز: “إن انطباع التصميم ساحق”[17].
أحب ان أستخدم تشابه هبوط رواد الفضاء على المريخ، وعثورهم على محيط حيوي مغلق يشبه البناء ذات القبة الذي بني في أريزونا منذ بضع سنوات. في لوحة التحكم يجدون أن كل أرقام بينتها مهينة تماماً للحياة. فنسبة الأوكسجين تامة، ودرجة الحرارة 70، والرطوبة 50٪، وهناك نظام لإعادة تزويد الهواء، وأنظمة لإنتاج الغذاء، وتوليد الطاقة، والتخلص من الفضلات. وكل رقم له مدى واسع من الأوضاع الممكنة، ويمكنك أن تفهم ما إذا كان عليك أن تضبط قليلاً واحداً أو أكثر منها، فسوف تفقد البيئة قدرتها على العمل، وسوف تستحيل الحياة. ماذا تستنتج من هذا؟
كانت الإجابة واضحة. فقلت: “إن شخصاً ما اهتم اهتماماً كبيراً في تصميمها وبنائها”.
فأجاب: “هذا صحيح. سوف تستنتج ان هذا المحيط الحيوي لم يكن هناك بالصدفة. فالبراكين لم تثر فقذفت مركبات صحيحة تصادف أنها قد جمعت نفسها في المحيط الحيوي. فهناك كائن ذكي صممه وأعده لتدعيم الكائنات الحية. وهذا تشابه لكوننا”.
“طوال الثلاثين عاماً الماضية، اكتشف العلماء أن كل شيء تقريباً حول البنية الأساسية للكون متزنة في وضع خطر للوجود. إن التزامنات من الروعة بمكان حتى إننا لا يمكن أن ننسب هذا إلى مجرد صدفة، أو ندعي أنه لا يحتاج إلى تفسير. فالأرقام موضوعة بدقة بالغة للقطع باستحالة وجود صدفة عشوائية. وقد ذكر فريد هويل أن شخصاً ما كان يتدخل في الفيزياء”[18].
كان هذا من أروع الاكتشافات العلمية في القرن العشرين. فتساءلت: “من لاحظ ذلك أولاً؟”
“لنرجع إلى أواخر الخمسينات، تحدث هويل عن العملية الدقيقة التي ينتج عنها الكربون والأوكسيجين بنسبة معينة داخل النجوم. فإن كنت تعمل بغير براعة بالحالات الرنينية من الكربون، فلن تحصل على المواد التي تحتاجها لبناء الحياة بالمصادفة، توضح الدراسات الحديثة التي قام بها الفيزيائي هاينز أوبرهامر وزملائه أن مجرد تغير نسبة 1٪ في القوة النووية القوية سوف يكون له أثر من 30 إلى 1000 ضعف على إنتاج الأوكسجين والكربون في النجوم. وطالما أن النجوم تعطي الكربون والأوكسيجين المطلوب للحياة على الكواكب، فإن أبعدت ذلك التوازن، فإن الشروط في الكون ستكون أقل تهيئاً بشكل كبير لوجود الحياة”.
“على أية حال، عودة إلى سؤالك، فإن معظم الأبحاث والكتابات عن التعجيل حدثت منذ أوائل الثمانينيات. فقد كُتبت عنها مئات المقالات والكتب من المنظور التقني والشعبي”.
من الممكن أن تصير الفيزياء معقدة جداً بسرعة مدهشة. ولهذا عندما طلبت كولينز أن يصف لي واحداً من أحب الأمثلة لديه، سُررت لأنه اختار واحداً من أسهلها.
قال: “لنتحدث عن الجاذبية. تخيل مسطرة، أو مؤشر راديو من طراز قديم يعبر الكون. ستتحطم إلى مقادير من بوصة واحدة، وهذا معناه أن ستكون هناك بلايين وبلايين وبلايين من البوصات”.
“إن اللوحة بأكملها تمثل مدى قدرات القوة في الطبيعة، حيث الجاذبية أضعف قوة، والقوة النووية القوية التي تربط البروتونات والنيوترونات معاً في النواة الأقوى، فهي تبلغ عشرة آلاف بليون بليون بليون مرة أقوى من الجاذبية[19]. ومدى الأوضاع الممكنة لقوة الجاذبية يمكن اعتبارها على الأقل كبيراً كالمدى الكلي لقدرات القوة”.
والآن دعنا نتخيل أنك تريد أن تحرك اللوحة من مكانها الحالي. فحتى إن كنت ستحركها بمقدار بوصة واحدة، فإن التأثير على الحياة في الكون سيكون رهيباً”.
“بوصة واحدة تُقارن بالكون كله؟ أي نوع من التأثير سيكون هذا؟”
“إن هذا الضبط البسيط للوحة سيزيد الجاذبية بنسية بليون ضعف”.
“أوه، هذا يبدو كثيراً”.
“في الواقع، ليس كثيراً. فبالنسبة للوحة الراديو كلها – أي المدى الكامل لقدرات القوة في الطبيعة – فإنها صغير بشكل استثنائي، مجرد جزء واحد من عشرة آلاف بليون بليون بليون”.
“واو، هذا سيضعه في منظور. فماذا سيحدث للحياة عندئذ؟”
“ستُسحق الحيوانات في أي مكان والتي يقترب حجمها لحجم الكائنات البشرية. وكما قال عالم الفيزياء الفلكية مارتن ريز: “في عالم من الجاذبية القوية الخيالية، حتى الحشرات ستحتاج إلى أرجل كثيفة لتسندها، ولا يمكن للحيوان أن ينمو أكبر مما هو عليه”[20]. وفي الحقيقة، فإن كوكباً له قوة سحب جاذبية أكثر ألف مرة مما للأرض سيكون قطره 40 قدماً فقط، وهي نسبة غير كافية لدعم نظام حيوي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النجوم التي تصل أعمارها إلى أكثر من بليون سنة – مقارنة بعمر شمسنا الذي يصل إلى عشرة بلايين سنة – لا يمكنه أن يوجد إن زودت الجاذبية فقط بمقدار ثلاثة آلاف مرة”.
وكما ترى، مقارنة بالمدى الكلي لقدرات القوة في الطبيعة، إن الجاذبية لها مدى ضيق غير مفهوم لوجود الحياة. ومن بين كل الأوضاع الممكنة على اللوحة، من أحد جوانب الكون إلى الآخر، يحدث أنه يقع في الكسر الصحيح المضبوط من بوصة كي يجعل كوننا قادراً على تدعيم الحياة”.
والجاذبية مجرد معيار واحد درسه العلماء. فقد قال خبير إنه يوجد أكثر من ثلاثين معياراً فيزيائياً أو كونياً منفصلاً تتطلب تدريجاً دقيقاً لإنتاج كون داعم للحياة[21].
أما بالنسبة لكولنيز، فهو يحب التركيز على الجاذبية، ومجموعة من الأمثلة الأخرى التي تحراها شخصياً، ويؤمن بأنها كافية في حد ذاتها لتقرير الدفاع عن مصمم. قررت أن أسأل كولينز عن معيار آخر – والذي يُسمى بـ “الثابت الكوني” – وهو ظاهرة محيرة للغاية لدرجة انها ترعب ذهن أحد أكثر العلماء المتشككين.
تسديد الأسهم على ذرة
عبر الفيزيائي ستيفن وينبرج، الحائز على جائزة نوبل، والذي يعترف بإلحاده، عن دهشته إزاء الوضع الذي عليه الثابت الكوني – كثافة طاقة الفراغ – “منضبطة جيداً بصورة ملحوظة في صالحنا”[22]. إن الثابت – الذي هو جزء من معادلة أينشتين للنسبية العامة – كان من الممكن أن تكون له أية قيمة، إيجابية أو سلبية، “ولكن من المبادئ الأولى سيخمن المرء أن هذا الثابت يجب أن يكون كبيراً للغاية”. وهذا ما قاله وينبيرج.
وأضاف أنه من حسن الحظ ليس كذلك.
إن كان الثابت الكوني كبيراً وإيجابياً، فسوف يعمل كقوة كريهة تزداد مع المسافة، وهي قوة ستمنع المادة من أن تتجمع معاً في الكون المبكر، وهذه العملية كانت الخطوة الأولى في تكوني المجرات والنجوم والكواكب والناس. وإن كان الثابت الكوني كبيراً وسلبياً، فسوف يعمل كقوة جاذبة تزداد مع المسافة، وهي قوة ستعكس فوراً وغالباً تمدد الكون وتتسبب في إعادة انهياره.[23]
في كلا الحالتين تفقد الحياة زماناً طويلاً. ولكن لدهشتنا، فإن هذا ليس هو ما حدث.
“في الواقع، كما قال وينبرج، فإن الملاحظات الفلكية تبين أن الثابت الكوني صغير للغاية، بل أصغر بمراحل مما كنا نتصور من المبادئ الأولى”[24].
وعندما سألت كولينز عن ذلك، قال لي إن الوضع الدقيق غير المتوقع، والمضاد للحدس، والمدهش للثابت الكوني “يتم اختباره على نطاق واسع بصفته المشكلة العظمى الوحيدة التي تواجه الفيزياء وعلم الكونيات اليوم”.
“وما مدى دقتها؟”
فقلب كولينز عينيه، وقال: “حسناً، ليست هناك طريقة تمكننا من فهمها حقاً. فالتعديل تم تقديره بصورة محافظة على الأقل بصفته جزء من مائة مليون بليون بليون بليون بليون بليون. أي عشرة متبوعة بـ 53 صفراً. وهذا دقيق للغاية”.
كان كولينز على صواب، فلم أتمكن من تخيل رقم مثل هذا. فسألته: “هل يمكنك أن تقدم لي شرحاً لذلك؟”
كان كولينز على صواب؛ فلم أتمكن من تخيل رقم مثل هذا. فسألته: “هل يمكنك أن تقدم لي شرحاً لذلك؟”
“فكر في الأمر هكذا. لنقل إنك انطلقت إلى الفضاء، وكان عليك أن ترمي سهماً بطريقة عشوائية نحو الأرض. فنسبة أن تصيب عين ثور بنجاح ستكون جزء من ترليون من البوصة في القطر. وهذا يقل حجماً عن ذرة واحدة”.
فجالت بخاطري كلمة مدهش. رائع. وقلت له: “لا شك أن العلماء قد اندهشوا إزاء هذا”.
من وجهة نظري، إن كان الثابت الكوني هو المثال الوحيد للتعديل، وإن لم يكن له تفسير طبيعي، فسوف يكون آنذاك كافياً في حد ذاته أن يقرر التصميم بقوة”.
كان عيلّ أن أوافق. فقد رأيت الأمر هكذا: إن كان الكون في وضع محاكمة بتهمة أنه قد صُمم، وأن الثابت الكوني هو الدليل الوحيد الذي تقيمه جهة الادعاء، سأصرح قائلاً: “مذنب”، على افتراض عدم وجود تفسير طبيعي مستتر. واحصائياً، سيكون هذا دفاعاً أقوى بكثير حتى من دليل الحامض النووي DNA الذي يُستخدم لإثبات الجريمة في محاكمات جنائية كثيرة اليوم.
استطرد كولينز: “الآن، فكر أن تضيف معاً دليل العاملين اللذين ناقشتهما حتى الآن؛ وهما الثابت الكوني، وقوة الجاذبية. فهذا سيكون دفاعاً أقوى بصورة لا يمكن تصورها. فعندما تربط الاثنين معاً، سيكون التعديل بالغ الدقة بمقدار جزء من مئة مليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون. وهذا سيكون معادلاً لذرة واحدة في الكون المعروف بأسره!”
ولم يكتفي كولينز بهذا، فأضاف: “هناك أمثلة أخرى للتعديل. فمثلاً، هناك الاختلاف في الكتلة بين النيوترونات والبروتونات. فإن زودت كتلة النيوترون بحوالي جزء واحد من 700 جزء، سوف يتوقف الاندماج في النجوم. ولن يكون هناك مصدر طاقة للحياة”.
“وإذا كانت القوة الكهرومغناطيسية أقوى أو أضعف بدرجة طفيفة، لاستحالت الحياة في الكون. أو فكر في القوة النووية القوية. تخيل إنقاصها بمقدار 50٪؛ وهي نسبة قليلة – جزء من عشرة ألاف بليون بليون بليون بليون، مقارنة بالمدى الكلي لقدرات القوة”.
“ماذا سيحدث لو تعاملت معها بهذه الكمية؟”
“كما ان الشحنات تقاوم، فإن القوة النووية القوية ستكون ضعيفة للغاية عن منع القوة المقاومة بين البوتونات ذات الشحنات الموجبة في النواة الذرية من تفتيت كل الذرات ما عدا الهيدروجين. وبغض النظر عما يمكنهم أن يُظهروه في عرض Star Trek، لا يمكن أن تكون لديك أشكال حياة ذكية مبنية على الهيدروجين. فببساطة ليس لديها تعقيد ثابت بدرجة كافية”.
كنت أعلم أن كولينز يمكنه الاستمرار طويلاً في ذلك الموضوع، ولكني كنت بحاجة إلى طريقة لتصوير تضمينات هذه المفاهيم المجردة بشكل متزايد. قلت له: “عد إلى المحيط الحيوي للمريخ”.
“حسناً، ضع جانباً قضية كيف ظهر المحيط الحيوي في المقام الأول. ولنقل إنه عندما وجدته، كانت هناك 12 لوحة كانت تتحكم في الشروط داخل القبة. وكانت كل لوحة بها مدى ضخم من الأوضاع الممكنة. وعندما رحلت، تركت اللوحات تعمل بطريقة عشوائية، ونتيجة هذا لم تكن هناك حياة ممكنة في المحيط الحيوي”.
“ثم عدت بعد عام. وعندما تنظر إلى اللوحات، ستندهش عندما تجد ان كل واحدة منها تهيأت بحرص للوضع الصحيح، ولهذا فإن الحياة تنتعش في القبة. 12 لوحة، 12 عاملاً مختلفاً – الكل مهيأ للحياة”.
“هل تعرف ماذا ستكون عناوين الصحف الرئيسية في اليوم التالي؟” ستكون هكذا: وجود حياة خارج الأرض. وسوف نتخذ هذا كدليل على أن كائناً ذكياً قد هبط وضبط هذه اللوحات بالدقة المطلوبة للحياة”.
“أقول إن اللوحات للخواص الأساسية للكون قد ضُبطت هكذا في الواقع، فإن الدقة ستكون أعلى قدراً وسيكون هذا أمراً غير متوقع بالمرة بحساب نظرية أن الفرصة العشوائية كانت مسؤولة. ومع ذلك، ليس من غير المتوقع أن يكون هناك مصمماً عظيماً”.
[1] Paul Davies, God and the New Physics (New York: Simon and Schuster, 1983), 189.
[2] John Templeton, The Humble Approach: Scientists Discover God (Philadelphia: Templeton Foundation, 1997), 19.
[3] For a description of the dynamics between Christian and non-Christian spouses, based on the experiences that Leslie and I had during the era when she was a Christian and I was an atheist, see Lee and Leslie Strobel, surviving a Spiritual Mismatch in Marriage (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 2002).
[4] See: Patrick Glynn, “The Making and Unmaking of an Atheist,” in: God: The Evidence (Rocklin, Calif.: Forum, 1997), 1-20.
[5] Ibid., 22.
[6] Ibid., 55,53.
[7] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 2002), 19.
[8] John Poldinghorne, Belief in God in an Age of Science (New Haven: Yale University Press, 1998), 10.
[9] Walter L. Bradley, “The <Just So> Universe,” in William A. Dembski and James M. Kushiner, Signs of Intelligence, 170.
[10] Paul Davies, The Mind of God (New York: Touchston, 1992), 16, 232.
[11] Edward Harrison, Masks of The Universe (New York: Collier, 1985), 263, 252.
[12] Quoted in John Barrow and Frank Tipler, The Anthropic Cosmological Principle (Oxford: Oxford University Press, 1986),22.
[13] Owen Gingerich, “Dare a Scientist Belive in Desing?” in John M. Templetion, editor, Evidence of Purpose (New York: Continuum, 1994), 25.
[14] John Lislie, Universes (New York: Toutledge, 1989), 198.
[15] Robert M. Augros and George N. Stanciu, The New Story of Science, 70.
[16]Robim Collins, “Acientific Argument for the Existence of God: The Fine-Tuning Dwsing Argument,” in Michael J. Murray, editor, Reason for the Hope Within (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1999), 48.
[17] Paul Davies, The Cosmic Blueprint: New Discoveries in Nature’s Creative Ability to Order the Universe (New York: Simon asn Schuster, 1988), 203.
[18] Collins (and Gingerich in his earlier quote) was referring to a well-Known Comment by Sir Fred Hoyle: “A common sense interpretation of the facts suggests that a superntellect has monkeyed with the physics, as well as with chemistry and biology, and that there are no blind forces worth speaking about in nature. The numbers one calculates from the facts seem to me so overwhelming as to put this conclusion almost beyond question”. Fred Hoyle, “The Universe: Past and Present Refliction,” Engineering & Science (November 1981).
[19] The relative strength of the four forces in nature-gravity, electromagnetism, the weak force, and the strong nuclear force is typically specified by a widely used dimensionless measure, which can roughly be thought of as the relative strengths of the respective forces between two protons in a nucleus. See: John Barrow and Frank Tipler, The Anthropic Cosmoligical Principle (Oxford: Oxford University Press, 1986), 2995.
[20] Martin Rees, Just Six Numbers: The Forces That Shape the Universe (New York: Basic, 2000), 30.
[21] Stephen C. Meyer, “Evidence for Design in Physics and Biology” in Michael J. Beche, William A. Dembski, and Stephen C. Meyer, editors, Science and Evidence for Design in the Universe (San Francisco: Ignatius, 2000), 60.
[22] Steven Weinberg, “A Designer Universe?” New York Review of Boods (October 21, 1999).
هناك مفاهيم قليلة توسع الذهن كمفهوم تعديل الكون. فمثلاً، قال فيزيائي جامعة أكسفورد روجر بنروز إن معياراً واحداً، وهو “الفراغ الفضائي الأصلي” استلزم تعديلاً لدقة مقدارها جزء من عشرة بلايين مضروبة في نفسها 123 مرة. وأشار بنروز إلى أنه سيكون من المستحيل حتى كتابة هذا الرقم كاملاً، لأنه سيتطلب أصفاراً أكثر من عدد الجزيئات الأولية في الكون بأكمله! وقد أوضح هذا، كما قال “مدى الدقة المطلوبة لضبط الكون في مساره”[1].
وكما تعجبت مجلة Discover: “الكون عجيب. عجيب جداً. عجيب بدرجة عميقة ومذهلة”[2].
في ضوء الأرقام ن غير المجدي محاولة تفسير كل هذا التعديل على أنه مجرد نتاج الصدفة العشوائية. الشاذة متناهية الصغر للحصول على كل الأوضاع الصحيحة للوحات بالنسبة لثوابت الفيزياء، وقوى الطبيعة، والقوانين الفيزيائية الأخرى، والمبادئ الضرورية للحياة، يبدو أنه م
قال كولينز: “طالما أننا نتحدث عن الاحتمالات، فلا يمكنك نظرياً أن تعلن إمكانية، مهما كانت بعيدة، أن هذا يمكن أن يحدث بالصدفة”.
“ومع ذلك، فإنني إذا راهنتك على ألف دولار بأنني أستطيع أن أقلب عملة وأحصل على صورة الملك خمسين مرة. وأبدأ في فعل هذا، فلن تقبل مني ذلك. فسوف تعلم أن الشواذ ضد ذلك غير محتملة جداً – حوالي فرصة واحدة في مليون بليون – وهذا غير محتمل حدوثه. وحقيقة أنني كنت أستطيع أن أقوم بهذا ضد مثل هذه الشواذ الضخمة ستكون دليلاً قوياً لك بأن اللعبة قد ضُبطت لمصلحة اللاعب. ونفس الأمر صحيح بالنسبة لتعديل الكون – فقبل أن تستنتج أن الصدفة العشوائية كانت مسؤولة، ستستنتج أن هناك دليلاً قوياً على أن الكون قد ضبط. أي إنه قد صمم”.
“سأعطيك توضيحاً آخر. تخيل أنني كنت أتجول في الجبال، وصادفت صخوراً مرتبة بطريقة مكنتني من أن أقرأ العبارة “مرحباً بك يا روبين كولينز على الجبال”. فرضية ستكون أن الصخور تصادف فحسب أن تكون مرتبة بهذا الشكل، ربما نتيجة زلزال أو تدحرج صخري. لا يمكنك استبعاد هذا تماماً. لكن فرضية أخرى ستكون أن أخي، الذي كان يزور هذه الجبال من قبلي، قد نظم الصخور بهذه الطريقة”.
“من الطبيعي جداً أن معظم الناس سيقبلون نظرية زيارة أخي على نظرية الصدفة. لماذا؟ لأن الأمر يدهشنا باعتباره غير محتمل بدرجة كبيرة أن تترتب الصخور بالصدفة هكذا، ولكن ليس بنفس قدر عدم الاحتمالية أن يكون أخي قد وضعها هكذا. وهذا افتراض معقول تماماً”.
“وبالمثل، من غير المحتمل على الإطلاق أن تعديل الكون من الممكن أن يكون قد حدث بطريقة عشوائية، لكنه ليس من غير المحتمل على الإطلاق أن يكون عمل مصمم ذكي. ولهذا فمن المعقول جداً أن نختار نظرية التصميم أكثر من نظرية الصدفة. إننا نفكر في الأمر طوال الوقت. هل كانت بصمات المتهم على المسدس بسبب تكون كيماويات بالصدفة، أم بسبب أنه لمس المسدس؟ المحلفون لا يترددون في الاستنتاج الواثق بأنه لمس المسدس إن كانت الأرقام الشاذة ضد الصدفة أرقام فلكية للغاية”.
بينما كانت نظرية الصدفة العشوائية غير كافية لتفسير “التزامنات” الإنسانية، فربما كانت هناك بدائل أخرى تؤدي للاستنتاج بأن الكون كان عمل مصمم. وقد حان الوقت لاختبار بعض هذه البدائل.
“ماذا يحدث إن كان هناك مبدأ غير مكتشف يجعل الكون على ما هو عليه؟ فربما نظرية كل شيء المراوغة التي كان الفيزيائيون يبحثون عنها لمدة طويلة سيتضح أنها تتطلب معايير الفيزياء كي تكون لها تماماً القيم التي للفيزياء”.
فلم يرتبك كولينز إزاء هذه الفكرة. فأجاب: “هذا لا يزعجني على الإطلاق. فببساطة سيحرك مؤشر عدم احتمالية التعديل درجة واحدة”.
“ماذا تعني؟”
“سيكون الأمر مدهشاً حقاً لو أن هذه “النظرية الموحدة الضخمة Grand Unified Theory” قد تمكنت – خارج إطار مدى الاحتمالات المذهل – من إجبار كل لوحات التعديل للانتقال إلى المكان الذي تصادف وخلقت فيه كوناً داعم للحياة. وسوف يشبه ذلك قانوناً معد سابقاً في بداية الكون تسبب في وضع كل شيء في مكانه، ولهذا عندما وصلت إلى الجبل، رأيت الصخور موضوعة بطريقة مكنتني من قراءة هذه الجملة “مرحباً بك يا روبين كولينز على الجبال”.
“ولذل فإن هذا لن يقضي على حجة التصميم الذكي؟”
“العكس تماماً. إنها ستضخمها، لأنها ستوضح أن المصمم كان مبدعاً أكثر مما اعتقدنا أولاً. وكما أنه من الصعوبة تعديل كون بضبط كل اللوحات الفردية، فسوف يكون من الأصعب خلق قانون ضمني للطبيعة أجبر كل اللوحات آنذاك على هذه الأوضاع المحددة. وكل ما سيفعله هذا هو أن يجعلني حتى أكثر إحساساً بالرهبة بوجود الخالق”.
هاجم بعض المتشككين حجة التعديل من اتجاه آخر، وأثاروا ما أصبح معروفاً بـ “المبدأ الإنساني الضعيف Weak Anthropic Principle”. وطبقاً لهذه الفكرة، إن لم يكن الكون معدلاً للحياة، فالبشر لن يكونوا موجودين لملاحظة ذلك. ونتيجة لهذا يؤكدون ان التعديل لا يتطلب تفسيراً.
“يجب أن تعترف أن هناك جاذبية بديهية لهذا الأمر”.
“أعتقد أن جون ليزلي لديه أفضل إجابة على هذا الموضوع. افترض أنك كنت واقفاً أمام مجموعة مدربة على إطلاق النار مكونة من خمسين قناصاً مدرباً على أعلى مستوى كانوا جميعاً يصوبون بنادقهم إلى صدرك من مسافة قصيرة. وسمعت الأمر: “استعد!، صوب!، سدد!”، لكنك لم تشعر بأي شيء تتخلص من العصابة التي على عينيك، وترى أنك ما زلت حياً. ولم تصيبك حتى رصاصة واحدة”.
“والآن لن تسمح للمتشكك برفض الموقف قائلاً: “حسناً لو كانوا قد أطلقوا عليك النار، لما كانت هنا للتعليق على الموقف”. كلا – فالظروف ما زالت مدهشة ولا تزال تتطلب تفسيراً. هل اتفقوا معاً على ألا يضربونك؟ هل كان إعداماً ساخراً؟ ونفس الشيء ينطبق على تعديل الكون. فهو لا يزال يتطلب تفسيراً وفي تقديري أن أفضل تفسير هو وجود مصمم”.
ومع ذلك، رغم ثقة كولينز، أثار علماء تهديداً أكثر حدة على حجة تعديل الكون في السنوات الأخيرة. يقول علماء كثيرون إن ما يُسمى بـ “فرضية الأكوان الكثيرة” تلوح كما لو أنها أكبر تحدي للاستنتاج القائل بأن الكون قد صنع بدقة فائقة بواسطة مصمم فائق. فقررت أن هذا سيكون استفساري التالي.
باب الهروب الميتافيزيقي
المتشكك الروحي مارتن ريز – الذي أصبح أستاذاً للفلك في جامعة كامبردج عندما كان في الثلاثينات من عمره، وأطلقت عليه الملكة إليزابيث في العام 1995 لقب “الفلكي الملكي” – لم يستطع أن يتجاهل كيف أن المعيارات الكونية متناغمة بدرجة مذهلة لخلق كون تتلاءم فيه الحياة. وقال إن كانت الأرقام الستة التي تُشكل أساس الخواص الفيزيائية الأساسية للكون قد تبدلت “حتى ولو إلى أدنى درجة، فلن تكون هناك نجوم، ولا عناصر معقدة، ولا حياة”[3].
وصرح: “إن سرعة الامتداد، والمحتوى المادي للكون، وقدرات القوى الأساسية، يبدو أنها قد كانت متطلباً أساسياً لظهور هذا الموطن الكوني الملائم الذي نعيش فيه”[4].
لخص مؤلف ببراعة هذا المثال من ريز:
“لكي يوجد الكون، يستلزم الأمر أن يتحول الهيدروجين إلى هيليوم بطريقة دقيقة ولكن مدهشة؛ أي بطريقة تحول نسبة 0,007 من كتلتها إلى طاقة خفّض هذه القيمة قليلاً من 0,007٪ إلى 0,006٪ مثلاً، ولن يحدث أي تحول: فالكون سيتكون حينئذٍ من هيدروجين فقط. ارفع القيمة قليلاً جداً إلى 0,008٪، وسوف تكون الوصلة قوية جداً حتى أن الهيدروجين سيتزود بمخزون كبير منذ أن أستهلك. وفي كلا الحالتين، فمع أدنى تغيير للأرقام، فإن الكون الذي نعرفه ونحتاجه لن يكون موجوداً[5].
قال ريز إنه عندما نأخذ في الاعتبار الأعداد الخمسة الأخرى التي تمثل ” القوة العميقة التي تُشكل الكون”، فسوف تصبح بنية الكون “غير محتملة لدرجة كبيرة”[6].
هل ما زال ريز مندهشاً بفعل توازن الكون المتقن للغاية والمشكوك فيه؟ لا. هل يومن أن التعديل يشير إلى مصمم؟ لا على الإطلاق. لماذا؟ يُجيب على ذلك باستخدام توضيح متجر ملابس كبير للمقاسات الخاصة.
قال: “إن كانت هناك مجموعة مكدسة من الملابس، فليس عليك أن تندهش إذا وجدت فيها بذلة تناسبك. وإن كانت هناك أكوان كثيرة، كل منها تحكمه مجموعة مختلفة من الأرقام، سيكون واحد منها فيه مجموعة خاصة من الأرقام الملائمة للحياة. ونحن موجودون فيه”[7].
يمكن تلخيص هذه الحجة هكذا: “كان من الممكن أن تكون هناك ملايين وملايين من الأكوان المختلفة، خُلق كل منها بأوضاع رقمية مختلفة من النسب والثوابت الأساسية، كثير جداً في الواقع لدرجة أن الوضع الصحيح قد ظهر بالصدفة البحتة. وقد تصادف أن نكون الأوضاع المحظوظة”[8].
وبمعنى آخر، إن كان كوننا هو الكون الوحيد في الوجود، فسوف يكون التعديل دليلاً قوياً – أو دليلاً حاسماً كما يقول كثيرون – على أن ذكاء قد تدخل بالأرقام. ولا يبدو أن هناك إمكانية معقولة أخرى. لكن هذا الرأي يتلاشى إن كانت هناك أكوان كثيرة، أو عدداً محدداً منها. ومع دوران رقمي عشوائي، ستكون الشواذ أنه على الأقل واحداً – كوننا نحن – سيربح اليانصيب الكوني، وسيصبح موطئاً ملائماً للحياة.
ريز ليس المتشكك الوحيد الذي يهرب من التضمنيات الإيمانية للكون المعدل بالتأمل في وجود عوالم أخرى. في الواقع، هذا هو المدخل الذي اتخذه وينبيرج بعدما عبّر عن دهشته إزاء الشكوك غير المتوقعة للثابت الكوني[9].
يؤيد فيزيائيون كثيرون فكرة الكون المتعدد، أو بما يُسمى بنظرية “multiverse”، مع أن آخرين يسخرون منها، متهمين بأنها أكثر من مجرد هروب ميتافيزيقي لتجنب دليل التعديل المؤيد لوجود مصمم. قال كاتب:
لقد اقترحت فرضية العوالم الكثيرة في الأصل لأسباب علمية بحتة كحل لما يُسمى بمشكلة قياس الكم في علم الفيزياء. ورغم أن تأثيرها كتفسير داخل إطار الفيزياء الكمية ما زال مثيراً للجدل بين الفيزيائيين، إلا أن استخدامها في هذا المجال له أساس تجريبي. ومع ذلك، تم توظيفها في الفترة الأخيرة لتكون بديلاً لا إيماني لتعديل الثوابت الفيزيائية. وهذا الاستخدام [للفرضية] لا يبدو أنه يخدع التهور الميتافيزيقي.
في لقاء مع ويليام لين كريج[10]، الذي اشترك في تأليف كتاب الإيمان بالله، علم دراسة الأكوان الانفجار الكبير والإلحاد Theism, Atheism and Big Bang Cosmology، قال لي: “إنها مفهوم بحت، فكرة بحتة، بلا برهان علمي. انظر، إنها ميتافيزيقا بحتة.[11] فلا يوجد سبب حقيقي لتصديق وجود مثل هذه العوالم المتوازية. وحقيقة ان المتشككين عليهم الخروج بنظرية غريبة كهذه هو أن تعديل الكون يشير بقوة إلى مصمم ذكي – وهناك بعض الناس سيفترضوا أي شيء لتجنب الوصول إلى هذا الاستنتاج”[12].
بالمثل دعا بولكنجهورن – أستاذ سابق للفيزياء الرياضية في كامبردج – هذه الفرضية “علماً كاذباً”، و”تخميناً ميتافيزيقياً”[13]. وقال في كتابه “العلم واللاهوت Science and Theology”: “إن مسألة العوالم الكثيرة تقدم أحياناً كما لو كانت علمية تماماً، ولكن في الواقع، فإن مستنداً كافياً لأكوان مختلفة يمكنه أن ينشأ بعمليات تأملية تتخطى ما يمكن أن يؤكده العلم بأمانة”[14].
استنتج ديفيز أن “نظرية الأكوان الكثيرة يمكنها في أفشل الأحوال أن تفسر مجرى مدى محدود من السمات، هذا إن أضاف المرء بعض الافتراضات الميتافيزيقية التي لا تبدو أنها أقل مغالاة من التصميم”[15]. وقال كليفورد لونجلي: “إن منظر الملحدين العلميين وهم يتعلقون بمثل هذا القش اليائس قد وضع وثبة جديدة في طريق المؤمنين”[16].
اعترف ريز بالطبيعة الهشة لنظرية الأكوان المتعددة في مقابلة مع صحفي علمي في العام 2000. فقد صرح بأن الحسابات “تحكمية بدرجة عالية” (رغم أنه يقترح أنها ستكون غير ذلك يوماً ما)، وأن النظرية نفسها “معلقة على افتراضات”، وتبقى تأملية، وغير مهيأة للبحث المباشر. وقال: “إن الأكوان الأخرى غير متاحة لنا، تماماً كما أن داخل حفرة مظلمة غير متاح”. وأضاف أننا لا يمكننا حتى أن نعرف ما إذا كانت الأكوان نهائية أو لا نهائية في العدد. ومع ذلك، قال إن نظرية الأكوان المتعددة “تقع أصلاً في نطاق العلم”[17].
كان كل هذا يدور في ذهني بينما كنت أتهيأ لسؤال كولينز عن إمكانية أن سيناريو الأكوان المتعددة يمكنه القضاء على دليل وجود مصمم لكوننا. كنت أشعر حقاً بحب الاستطلاع: هل يمكن أن تكون هذه الفرضية ملاذاً معقولاً للمتشككين الذين يُصدمون بفكرة الله؟ أم أن الحجة الإنسانية ستواجه هذه التحدي؟
فكرة الهوكي الكوني
لا بد أن أعترق بأنني اندهشت من إجابة كولنز المبدئية حين سألته عن قابلية فرضية الأكوان الكثيرة للتطبيق.
قال: “حسناً، إن معظم هذه الافتراضات تأملية تماماً، ولها أساس ضعيف في الفيزياء. إنها لا تستحق التفكير. ومع ذلك، فإن أكثر نظرية شيوعاً – وهي الكوزمولوجيا التضخمية – لها مصداقية أكثر. لا بد أن أقول إنني على الأقل متعاطف معها. فأنا أحاول أن يكون ذهني مفتوحاً”.
كان كولنز يشير إلى نموذج “الكون التضخمي ذاتي الإنتاج” الذي اقترحه أندريه ليندي من جامعة ستانفورد، وهو مبني على مبادئ متقدمة من فيزياء الكم. وقد كانت هذه هي النظرية التي استشهد بها وينبيرج عندما حاول تفسير التعديل الظاهر للثابت الكوني. وفي مثال مذهل، قال كاتب علمي إن مفهوم ليندي “تتحدى التصور السهل”[18]. ومع ذلك، مع خطورة السهولة المفرطة، يمكن استخدام توضيح أساسي.
يفترض ليندي وجود فضاء خارق قبل الوجود يتمدد بسرعة. وجزء صغير من هذا الفضاء الخارق ينفجر بمجال تضخمي نظري، انفجر بحسب نظرية التضخم، تماماً كفقاعات الصابون التي تشكل محيطاً لا نهائياً مليئاً بمنظف أطباق. وكل فقاعة تصير كوناً جديداً. وهذا ما يُعرف باسم “نظرية التضخم الفوضوي”، وعدد ضخم من هذه الأكوان تولد عشوائياً بفضل التذبذبات الكمية، عبر نقاط مختلفة من الفضاء الخارق. وهكذا، فإن كل كون له بداية، وحجمه محدود، في حين أن الفضاء الخارق الأكبر لا متناه في الحجم، ويبقى إلى الأبد.
ذكرت لكولينز أنه في لقاء سابق عن الكونيات، استخدم وليم لين كريج هذه النظرية استخداماً محدوداً. فقال كولينز: “موافق، إنها تأملية بدرجة عالية. وفيها قدر مرعب من النهايات غير الدقيقة. ولكن طالما إنها النظرية الأكثر شيوعاً اليوم – وأعتقد أنه لابد من اتخاذها بجدية – دعنا لا ننتقدها الآن. لنفترض أنها حقيقية”.
فقلت وأنا أومئ: “حسناً. هذا جيد”.
“والآن، إليك فكرتي المهمة جداً: حتى إن كانت نظرية ليندي استطاعت أن تفسر وجود أكوان كثيرة، فهذا لن يقضي على الدفاع عن التصميم. بل إنها ستغير المسألة قليلاً. في الواقع، أعتقد أنها تشير إلى التصميم”.
كانت هذه لفتة مذهلة! فسألته: “لماذا تعتقد ذلك؟”
فقال: “سأستخدم مثالاً من الحياة اليومية. لديّ مع زوجتي آلة لصنع الخبز. وهي الآن عاطلة عن العمل، لكننا اعتدنا على استخدامها. ولعمل خبر جيد كنا نحتاج أولاً إلى هذه الماكينة جيدة التصميم، التي كانت بها الدارة الكهربائية الصحيحة، والعنصر الحراري الصحيح، والمؤقت الصحيح، إلخ. ثم كان علينا أن نضع المكونات الصحيحة بالنسب الصحيحة وبالترتيب الصحيح – ماء، ولبن، ودقيق، زبدة، وملح، وسكر، وخميرة. كان يجب أن يحتوي الدقيق على الكمية الصحيحة من مادة البروتين التي تسمى الجلوتين، وإلا كان المطلوب أن تُضاف[19]. كل شيء يجب أن يكون مضبوطاً لإنتاج رغيف من الخبز – وإلا ستحصل على قص هوكي محترق”.
“والآن دعنا نواجه النظرية: فمسألة كون أكثر تعقيداً من رغيف خبز. أقصد أنه إذا كانت آلة تصنيع الخبز تستلزم معاير محددة مرتبة لعمل الخبز، فلا بد أيضاً أن تكون هناك عملية أو تقنية عالية التصميم لعمل أكوان عملية. أي أنه بغض النظر عن أية نظرية تعدد أكوان تستخدمها، ففي كل حالة ستحتاج إلى “مولد اكواناً متعددة”؛ وهذا ما يستلزم البنية الصحيحة، والتقنية الصحيحة، والمكونات الصحيحة لإخراج أكوان جديدة”.
“وإلا سينتهي بك المطاف بقرص هوكي كوني!” قالها ضاحكاً.
آلة الأكوان المتعددة
دفع كولينز مقعده للخلف متجهاً نحو سبورة على الحائط، وقال وهو يرسم رسماً كارتونياً غريباً لآلة تصنيع بها مدخنة متكتلة، وسير يُدخل المواد الخام ثم يخرج أكواناً جديدة طازجة من الجانب الآخر: “عندما أرسم “مولد أكوان متعددة” يندهش طلابي”.
وقال وهو يضع اللمسات الأخيرة على رسمه: “هذه الآلة يمكنها فقط أن تنتج أكواناً داعمة للحياة إن توفرت لها التقنيات والمكونات الصحيحة”.
التفت وتفحصت رسمه، وسألته: “ما الذي ستحتاج إليه مثلاً في ظل نظرية ليندي؟”
فقال كولينز فيما استعاد نظام جلسته: “أولاً، ستحتاج إلى تقنية لمد الطاقة المطلوبة للأكوان الفقاعية. وسوف يكون هذا هو مجال التضخم الذي افترضه هو، والذي يعمل بفعالية كمستودع طاقة غير محدودة. ثانياً، سيحتاج إلى تقنية لتكوني الفقاعات. وسوف تكون هذه معادلة اينشتين عن النسبية العامة. فبسبب شكلها المتميز، فمن المفترض أن يتسبب هذا في تشكيل الأكوان الفقاعية واستمرار المحيط في التمدد”.
“ثالثاً، سيحتاج إلى تقنية لتحويل طاقة مجال التضخم إلى الطاقة/ الكتلة العادية التي نجدها في كوننا. رابعاً، سيحتاج إلى تقنية للسماح بالتنوع الكافي في ثوابت الفيزياء بي الأكوان المتعددة. وبمعنى آخر، سيحتاج إلى طريقة لتنويع ثوابت الفيزياء حتى يمكنه بالصدفة العشوائية أن ينتج بعض الأكوان، مثل كوننا نحن، الذي ينعم بالتعديل الصحيح لتدعيم الحياة”.
“هل هناك مرشحاً لهذه التقنية؟”
“نعم؛ نظرية الخيط الفائق Superstring Theory. قد تنجح في ذلك رغم أن الوقت ما زال مبكراً جداً للحكم عليها”.
وعندما سألته لماذا ذكر الخيوط الفائقة، قال: “طبقاً لنظرية الخيط الفائق، فإن المكونات النهائية للمادة هي خيوط من الطاق تخضع لاهتزازات الكم في 10 أو 11 بعداً من الزمن الفضائي. ستة أو سبعة من هذه الأبعاد “تصل” إلى حجم متناهي الصغر. وبلغة نظرية الخيط الفائق، يُقال إنها مندمجة. وشكلها يحدد طرق اهتزازات الخيوط. وهذا بدوره يحدد أنواع وكتل الجزيئات الأساسية، وصفات القوى بينها. ولهذا ستكون لها ثوابت مختلفة من الفيزياء والقوانين التي تحكم القوى”.
“هذا يبدو مشكوك فيه تماماً”.
“كل من علم الكونيات التضخيم ونظرية الخيوط الفائقة تأمليان إلى حد كبير. في الواقع، قال الفيزيائي النظري ميشيو كاكو مؤخراً إنه ولا حتى “جزء من دليل تجريبي” قد اكتشف لتأكيد الخيوط الفائقة[20]. إن علماء الفيزياء على مسافة بعيدة من حتى عمل معادلات. والآن فهي مجرد نظرية مزاياها الوحيدة هي أنها رائعة رياضياً، وتحتوي على وعد توحيد ميكانيكيات الكم والنسبية العامة، وهما فرعان في الفيزياء ناضل علماء الفيزياء للتوفيق بينهما لما يزيد على خمسين عاماً”. لخصت كل ما قاله كولينز حتى الآن، وقلت: “ولهذا فإن مولد الأكوان المتعددة سيتطلب كل هذه العوامل إن كان يرجو أن يُنتج كوناً عملياً”.
فأجاب: “هذا صحيح، فمثلاً إن لم تعمل معادلة اينشتين مع مجال التضخم بانسجام، فلن تعمل. ولو خضع الكون لنظرية نيوتن في الجاذبية بدلاً من نظرية اينشتين، فلن يعمل. ولكن لي هذا هو كل شيء”.
“لا بد أيضاً أن تكون لديك القوانين الخلفية الصحيحة في مكانها. فمثلاً، بدون ما يسمى بمبدأ الكم، فإن كل الالكترونات في ذرة ستمتص في نواة ذرة. وهذا ما يجعل الذرات مستحيلة. والأهم من ذلك، كما قال فيزيائي برنستون اللامع فريمان دايسون إنه بدون مبدأ استثناء بول Pauli-exclusion prinicile، فسوف تشغل الالكترونات أكثر مدار انخفاضاً حول النواة، وهذا سيجعل الذرات المعقدة مستحيلة[21]. وأخيرً، فإنه لا يمكن أن تتكون النجوم أو الكواكب. وإن كان واحد فقط من هذه المكونات مفقوداً أو مختلفاً، فمن غير المحتمل بدرجة كبيرة إمكانية إنتاج أية أكوان تسمح بوجود حياة.
وأضاف: “وتذكر أنك ستكون بحاجة أن تضع تريليونات فوق تريليونات فوق تريليونات من الأكوان ليك تُزيد الشواذ التي سيخرجها الثابت الكوني مرة واحدة على الأقل، وطالما أنها معدلة لدرجة مذهلة. وهذا مجرد معيار واحد”.
“ما استنتاجك إذاً؟”
من غير المحتمل بدرجة كبيرة أن نظام مولداً للكون كهذا ستكون فيه المكونات والمقادير الصحيحة في مكانها بالصدفة العشوائية، تماماً كما أن الصدفة العشوائية لا يمكنها تفسير كيف تستطيع ماكينة الخبر إنتاج خبز جيد. ولهذا، إن كان نظام توليد أكوان متعددة موجوداً، فسوف يكون أفضل تفسير له هو وجود تصميم”.
فقلت: “وهذا معناه أنه عندما تروق للعلماء فكرة الوجود النظري لأكوان كثيرة لتجنب تضمينات تعديل كوننا، فهم لا يزالوا عاجزين علو الهروب من التصميم”.
“تماماً. فالمؤمنون ليس لديهم ما يخشونه من فكرة أنه ربما تكون هناك أكوان متعددة. ستكون هناك حاجة مستمرة لوجود مصمم ذكي كي يجعل العملية المولدة للكون تستمر في العمل. ولتعديل جملة من الفيلسوف فريد دريتسكي: فإن هذه أزمنة تضخمية، وثمن الإلحاد قد ارتفع”.
العقل الفائق
فكرت للحظات في تفسير كولينز. وبالتأكيد كان من المعقول أن الأكوان المتولدة سوف تستلزمن التقنيات الصحيحة، والمقادير الصحيحة، والدقة السليمة – وكلها علامات مميزة لوجود تصميم ذكي. لكني كنت لا أزال أتصارع ذهنياً مع شيء آخر. فبالنسبة لي، وأعترف أنني لست بفيزيائي، كانت فكرة الأكوان المتعددة بأكملها تبدو سخيفة.
وجدت نفسي متفقاً مع الناقد جرج ايستربورك – محرر مساعد في الأطلسي الشهري ِAtlantic Monthly، الذي بحث اكتشافات ونظرات العلم الحديث. كان حاداً بصفة مميزة في تقريره. فقد كتب: “إن فكرة الأكوان المتعددة تقوم على افتراضات تدعو للسخرية إن كانت قد جاءت من نص ديني. [فالنظرية] تتطلب تأجيلاً طويلاً من عدم الإيمان كأية ديانة. انضم للكنيسة التي تؤمن بوجود أشياء غير منظورة عرضها 50 بليون مجرة!”[22]
كما ذكرت تشككي أما كولينز، استمع باهتمام، وقال: “هناك سبب ما يجعلك تشعر هكذا. فمع تساوي كل شيء آخر، نميل لتفضيل الفرضيات التي هي استقراءات طبيعية لما نعرفه فعلاً”.
لم أدرك ما كان يقصده، فسألته: “هل يمكنك أن تقدم توضيحاً على ذلك؟”
فقال: “بكل تأكيد. لنفترض أنك عثرت على بعض عظام ديناصور. واعتبرتها بتلقائية دليلاً قوياً جداً أن الديناصورات قد عاشت في الماضي. لماذا؟ لأنه حتى إن كان لا أحد قد رأى ديناصورات، فلدينا خبرة عن حيوانات أخرى تركت ورائها بقايا متحجرة. وبهذا يكون تفسير الديناصور استقراء طبيعي من خبرتنا العامة. وهكذا يصير الأمر له معنى”.
“ومع ذلك، لنفترض أنه كان هناك متشكك من وجود الديناصورات. وكان يحاول تفسير وجود العظام التي عثرت عليها. ولنفترض أنه ادعى أنه استطاع تفسير وجود العظام باقتراح أن “مجال إنتاج عظام ديناصور” تسبب ببساطة في اخراج هذه العظام من الهواء المتباعد”.
“هذا أمر سخيف”.
“وهذا تماماً ما ستقوله للمتشكك. ستقول له: “مهلاً؛ ليست هناك قوانين معروفة في الفيزياء تسمح لهذا المجال بإنتاج عظام من العدم”. لكنه سيكون مستعداً للرد عليك. سيرد قائلاً: ” إننا لم نكتشف هذه القوانين بعد. امنحنا المزيد من الوقت، يا لي Lee، ويقيني أننا سنتوصل إليها”.
“أخمن أن لا شيء يمكنه أن يمنعك عن استنتاج أن الديناصورات كان موجودة، لأن هذا سيكون استقراء طبيعياً مما تعرفه. ومن الناحية الأخرى، يحتاج المتشكك أن يخترع مجموعة كاملة جديدة من التقنيات التي ليست استقراء طبيعياً من أي شيء نعرفه أو اختبرناه. وأنت لن تقبل قصته. مستحيل”.
“تقصد إذاً أن مصمماً ذكياً هو استقراء طبيعي لما نعرفه حقاً”.
“نعم. فكر في الأمر، يا لي Lee، نحن نعلم أن العقول الذكية تنتج وسائل معدلة. انظر إلى مكوك الفضاء. انظر إلى جهاز تلفزيون. انظر إلى موتور احتراق داخلي. نحن نرى عقولاً تنتج أجهزة معقدة دقيقة طوال الوقت”.
“ولهذا فإن افتراض وجود عقل فائق – أو الله – كتفسير لتعديل الكون له معنى مقبول في العالم. وسوف يكون ببساطة استقراء طبيعياً لما نعرفه عما تستطيع العقول أن تفعله. والأهم، أنه على خلاف الفرضية القائلة بوجود أكوان كثيرة، لدينا دليل مستقل على وجود الله، كاختبار شخصي عن الخالق، والدليل الآخر الذي تتحدث عنه في كتابك”.
جمال الفيزياء
ارتشف كولينز آخر رشفة من الشاي في نفس الوقت الذي انتهيت فيه من شرب كوب الماء. وقال لي وهو يشير لي بأن أتبعه عبر البهو: “لنذهب لإحضار عبوات جديدة”.
كان المبنى هادئاً بصورة مخيفة كونه بلا طلاب أو كلية، وكانت أصواتنا تتردد صداها قليلاً بينما نزلنا الممر الفارغ. فقلت بينما وصلنا إلى مطبخ شخصي: “إن النهار جميل جداً بينما قضينا وقتاً طويلاً بالداخل”.
“نعم، إنه نهار مثالي للجري”.
ملأت كوبي بالماء بينما أعد هو مشروب الشاي. ساد الصمت للحظات، ثم قال كولينز: “إن الحديث عن الجمال يُذكرني باتجاه آخر من التفكير يشير إلى مصمم”.
“حقاً؟ أخبرني عنه”.
فأجاب ونحن عائدون إلى غرفة المؤتمرات: “فكر في الجمال الاستثنائي، والفخامة، والانسجام، والابداع الذي نجده في قوانين الطبيعة”.
“لقد كُتبت كتب كاملة عنه. كتب وينبيرج فصلاً كاملاً يشرح كيف أن معايير الجمال والفخامة استخدمت لإرشاد الفيزيائيين لصياغة القوانين الصحيحة.[23]قال الفيزيائي النظري آلان جوث إن البنية الأصلية لنظريات القياس في الفيزياء الجزيئية الأساسية “تحفزت أساساً بفخامتها الرياضية”[24].
“واحد من أكثر العلماء تأثيراً في القرن العشرين، بول ديراك، الحائز على جائزة نوبل من كامبردج نادى بأن: “أن يكون هناك جمال في معادلات شخص ما أهم من أن تناسب هذه المعادلات التجربة”[25]. وقال مؤرخ إن الجمال الرياضي كان جزءاً متكاملاً من استراتيجية ديراك. وقال إن ديراك كان يعتقد أن الفيزيائيين “كان عليهم أن يختاروا أولاً أجمل الرياضيات – ليست بالضرورة تلك المرتبطة بالأسس الموجودة لفيزياء النظرية – ثم يفسرونها بمصطلحات فيزيائية”[26].
هل ترى جمالاً في قوانين ومبادئ الطبيعة؟”
“نعم، بالتأكيد. إنها جميلة، وفخمة أيضاً في بساطتها. ومن المدهش أن يحدث هذا. عندما يحاول العلماء صياغة قانون جديد للطبيعة، يبحثون عن أبسط قانون يفسر البيانات بطريقة كافية”.
فقاطعته باعتراض: “أليس الجمال في عين الرائي؟ فما هو جميل يبدو أمراً ذاتي تماماً”.
“الذاتية لا يمكنها تفسير نجاح معيار الجمال في العلم. فلا يمكننا أن نتوقع ذاتية بحتة لتكون بمثابة أساس النظريات التي تقوم بتنبؤات عالية الدقة، كنجاح الديناميكا الكهربية الكمية في التنبؤ بالتصحيح الكمي لعامل g في الالكترون”.
“علاوة على ذلك، ليس كل الجمال ذاتياً؛ فهناك أيضاً ملامح موضوعية منه، على الأقل بالمعنى الكلاسيكي. في كتابه “تحليل الجمال The Analysis of Beauty” المكتوب في منتصف القرن الثامن عشر، قال وليم هوجراث إن الصفة المحددة للجمال أو للفخامة هي “البساطة مع التنوع”. وهذا ما وجده العلماء – عالم فيه البساطة الجوهرية تصل إلى تعقيد هائل المطلوبة للحياة”.
فطرحت بديلاً آخر قائلاً: ربما يكون مفهوم الجمال مجرد نتاج التطور. وربما تكون له قيمة باقية، ولهذا فإن إحساسنا بما هو جميل يكون قد تشكل بالاختيار الطبيعي”.
“هذا يمكن تطبيقه فقط على الأشياء التي يمكن أن نراها، أو نلمسها، أو نسمعها؛ الأشياء الموجودة في عالمنا اليومي والضرورية للبقاء. لكن التطور لا يمكنه تفسير الجمال الموجود في العالم المستتر للقوانين والرياضيات الفيزيائية”.
“في الفيزياء يمكننا أن نرى درجة ممتازة من التناغم، والتآلف، والتناسب. ونرى شيئاً أدعوه “إمكانية الاستكشاف”. وأقصد به أن قوانين الطبيعة يبدو أنها قد ترتبت بعناية لدرجة أنه يمكن اكتشافها من قبل كائنات لها نفس مستوى ذكائنا. وهذا لا يتفق فقط مع فكرة التصميم، لكنه يقترح أيضاً فكرة وجود قصد إلهي للبشرية حتى نتعلم عن مواطننا، وننمي العلم والتكنولوجيا”.
وقد ذكر كولنز أن ديفيز قد علق أيضاً على جمال الطبيعة في كتابه “القوة الفائقة Superforce”. وفيما بعد وجدت الفقرة:
أحد ردود الفعل الشائعة بين الفيزيائيين إزاء الاكتشافات الرائعة… هو مزيج من السرور تجاه رقة وفخامة الطبيعة، والاندهاش: “لم أفكر إطلاقاً في عملها بهذه الطريقة”. إن كانت الطبيعة “ماهرة” جداً حتى يمكنها استفلال التقنيات التي تدهشنا بإيداعها، أليس هذه دليلاً مقنعاً على وجود تصميم ذكي وراء العالم المادي؟ إن كانت أفضل عقول العالم يمكنها حل أسرار الطبيعة بصعوبة، فكيف يُفترض أن هذه الأسرار مجرد حادث غبي، نتاج صدفة بحتة؟ …… إن كشف قوانين الفيزياء يشبه تكملة [لغز] كلمات متقاطعة بعدة طرق… ففي حالة الكلمات المتقاطعة، لن يحدث لنا أبداً أن نفترض بأن الكلمات قد سقطت فحسب في نموذج متداخل بالصدفة[27].
استطرد كولينز: “من وجهة نظر إلحادية، ليس هناك سبباً لتوقع أن القوانين الأساسية ستكون جميلة أو فخمة، لأنها بسهولة كان يمكن أن تكون غير ذلك. وحتى وينبيرج الملحد اعترف أنه “أحياناً ما تبدو الطبيعة أجمل من المطلوب”[28].
“ومع ذلك، فإن التعديل من أجل البساطة، والجمال، والفخامة يشكل معنى في فرضية الله. فكر في الإدراك الكلاسيكي عن الله؛ فهو الكائن الأعظم الممكن، ومن ثم فهو كيان يتمتع بحس مطلق من الجمال. ولن يكون من المدهش على الإطلاق بالنسبة لله أن يريد أن يخلق عالماً ذات جمال ورقة عظيمة في مستواه الأساسي”.
“كل النظريات الأخرى ناقصة”
عدنا إلى غرفة المؤتمرات، عالمين أننا على وشك الانتهاء. استند كولينز على الحائط، وكان كوب في يد، واليد الأخرى ممتدة عبر صدره، بينما جلست على طرف مقعد.
كانت نقطة الالتقاء بين الإيمان والفيزياء ملتقى رائع بالنسبة لي، وكنت مهتماً بمعرفة تأثير بحث كولينز على حياته الشخصية.
“ماذا أسهمت دراستك حول تعديل الكون لإيمانك؟”
فوضع كولينز كوب الشاي، وأجاب: “لقد شددته بالتأكيد. ومثل أي شخص آخر، اجتزت أوقاتاً عصيبة في الحياة، وكانت كل الدلائل العلمية على وجود الله مرساة مهمة بالنسبة لي”.
بدا في هذا أن العلم يحل محل الإيمان. فسألته: “أليس من المفروض أن يكون هذا هو دور الإيمان؟”
فأصر قائلاً: “إني أتكلم عن الإيمان. فالله لا يظهر عادة بطريقة فائقة للطبيعة في مكان ما، ويقول: “هاأنذا” لكنه يستخدم الوعاظ ليوصلوا للناس رسالة الفداء في المسيح. وأحياناً يستخدم وسائل طبيعية. تخبرنا رومية 1: 20 أن قوة الله السرمدية وطبيعته الإلهية يمكن رؤيتهما وفهمهما من خلال المصنوعات، ولهذا فالبشرية بلا عذر. إني أرى الفيزياء وكأنها تزيح الستار عن دليل بصمة الله في مستوى أكثر عمقاً مما كان يحلم به الأقدمون. لقد استخدم الفيزياء لتمكنني من رؤية حضوره وقدرته على الخلق. والسماء تعلن حقاً مجد الله، وهذا ما يلاحظه بمستوى أوضح متدرب الفيزياء بعيونه البشرية. وقد كان هذا تشجيعاً مذهلاً بالنسبة لي”.
“وبالطبع فإن التعديل في حد ذاته لا يمكنه ان يخبرنا ما إذا كان الله شخصياً أم لا. علينا أن نكتشف هذا بطرق أخرى. لكنه يساعدنا في استنتاج أنه موجود، وأنه خلق العالم، ومن ثم هناك قصد من وراء الكون. لقد خلقه بعناية فائقة وبدقة بالغة كموطن للحياة الذكية”.
“كيف تُقّيم إقناع الدليل الإنساني؟”
“إنه ليس حاسماً بنفس حسم الرياضيات بأن 2+2=4. ومع ذلك، فهو حجة تراكمية. فالتعديل الاستثنائي لقوانين وثوابت الطبيعة، وجمالها، وإمكانية اكتشافها، وذكائها، كل هذا يتحد معاً لجعل فرضية الله أكثر اختيار معقول لدينا. وكل النظريات الأخرى ناقصة”.
التقطت قصاصة صحفية من الطاولة، ثم قلت لكولينز: “نشرت صحيفة New York Times مؤخراً هذا الاقتباس الشهير للفيزيائي فريمان دايسون الذي بحث في دليل التعجيل وقال: “لا بد أن الكون بشكل ما قد علم أننا قادمين”. لكن المؤلف أضاف قائلاً: “هذه الفكرة ترعب بعض الفيزيائيين الذين يشعرون أن رسالتهم هي إيجاد تفسير رياضي للطبيعة لا يترك مجالاً للصدفة أو لهوى الخالق”. ومن الواضح أنك لا تنظر إلى مهمة الفيزياء هكذا، أليس كذلك؟”[29]
“كلا على الإطلاق. فهذا الاتجاه يعكس تحيزاً تناقضياً. وأنا لا أمانع العلماء وهم يحاولون إيجاد تفسيرات طبيعية، لكني لن أقول بأن مهمة الفيزياء هي تفسير كل شيء من الناحية الطبيعية. فمهمة الفيزياء هي تتبع تفسير طبيعي بقدر الإمكان، ولكن طالما أن الفيزياء يمكنها فقط تفسر مجموعة واحدة من القوانين باستدعاء مجموعة قوانين أكثر جوهرية، فلا يمكنها بنفسها أن تفسر القوانين الأكثر جوهرية. فتفسير هذه القوانين بمثابة انتقال الإنسان من الفيزياء [علم الطبيعة] إلى الميتافيزيقا [ما وراء الطبيعة]. ورغم أن الاستشهاد بفكرة الله ربما لا يكون جزءاً حاسماً من العلم، فإن العلم في جوهره هو تتبع الدليل وتضميناته حيثما تقودنا. ولا يجب أن نخشى من فرضية الله إذا كانت هي ما تناسبها الحقائق”.
لم يكن لوحده في منظوره هذا. فقد قال جنجريتش من جامعة هارفارد: أؤمن أن …. كتاب الطبيعة، بتفاصيله المذهلة – مسطحات عشبية، أو Conus cedonulli، أو رنين مستويات ذرة الكربون – يقترح وجود إله قصد وإله تصميم. وأعتقد بأن عقيدتي لا تجعلني بأقل من عالم”[30].
وآنذاك خطل سؤال أخير على ذهني، فقلت له: “بينما تتعمق أكثر فأكثر في الفيزياء، هل لديك شعور بالتعجب والرهبة لما تكتشفه؟”
فقال مبتسماً: “نعم، هذا صحيح. ليس فقط مع التعديل، بل أيضاً في مجالات كثيرة، مثل تقنيات الكم، وقدرة عقولنا على فهم العالم. فكلما نتعمق بحثاً، كلما نرى أن الله أكثر رقة، وأكثر ذكاءً، وأكثر إبداعاً مما كنا نعتقد. وأعتقد ان هذه هي الطريقة التي خلق بها الله الكون لنا – أن يكون مملوءً بالمفاجآت”.
ملك أم كتابة
أينما نظرت من حولي، كان استنتاج التصميم يبدو أنه لا يمكن الهروب منه. فإن كان كوننا هو الكون الوحيد في الوجود، وهذا استنتاج منطقي مبني على الدليل، فإن تعديله المتطور يعلن وجود مصمم. ومن الجانب الآخر، إن ثبتت صحة نظريات الفيزيائيين الغامضة، وصار كوننا واحداً من أكوان كثيرة، فإن الحاجة إلى تقنية مولدة لكون ستستلزم أيضاً وجود مصمم.
في كلا الحالتين يكسب الخالق.
لخصت فيرا كيستياكوفسكي – أستاذ فيزياء على المعاش في معهد ماساشوستس، والرئيس السابق لجمعية نساء العلم – تضمينات الدليل: “إن الترتيب الرائع الذي يعرضه فهمنا العلمي عن العالم المادي يدعو إلى السماويات”[31].
كان هذا الاستنتاج أيضاً هو الذي أزال إلحاد باتريك جلين. فقد قال إن الدليل الإنساني….
…. يقدم إشارة قوية في نفس قوة المنطق والعلم التي يمكنها إثبات وجود الله…. ومن المفارقة أن صورة الكون التي سُلمت لنا من خلال أكثر علوم القرن العشرين تقدماً قريبة في جوهرها من الرؤية المقدمة في سفر التكوين أكثر من أي شيء قدمه العلم منذ كوبرنيكوس[32].
حتى الآن، بعد لقائي مع كريج، وكولينز، كان الدليل يشير بوضوح إلى هذا الاتجاه. وفي الواقع، افتتن خيالي بتضمين مميز.
في “القضية…. المسيح” وصفت الدليل التاريخي لمعجزات يسوع الناصري، وخاصة قيامته من الأموات. فالقدرة على التدخل بطريقة فائقة للطبيعة في أمور العالم العادية، وذلك لإرجاء العمل الطبيعي للكون هو إثبات قوي حقاً على أنه ابن الله.
ومع ذلك، فيما سمعت عن التعديل بالغ الدقة لقوانين الطبيعة، أدرك الآن أن عمل الكون اليومي، في حد ذاته، نوع من المعجزة المستمرة. فـ “التزامنات” التي تسمح للخواص الأساسية للمادة أن تقدم بيئة صالحة للسكنى غير محتملة لدرجة بعيدة، وصعبة التصديق جداً، ومدارة ببراعة بالغة حتى إنها تحتاج إلى تفسير سماوي.
وبكلمات أخرى، فإن الإلغاء السريع لقوانين الطبيعة بطريقة فجائية، ومرئية، ومباشرة – وهو ما نسميه عادة “معجزة” – يشير بوضوح نحو إله كلي القدرة. ومع ذلك، حتى لو أن الله لا يتدخل بطريقة فائقة للطبيعة، فإن تعديل الفيزياء الذي يصعب تفسيره، الذي يعمل يوماً بعد يوم منذ بداية الخليقة، يبدو أنه يؤكد أيضاً كلمة “إعجازي”.
والمعجزات هي دائرة اختصاص الله.
كنت أتأمل في هذا التفكير بينما خرجت مع كولينز من المبنى، وتنفسنا الصعداء من هواء الخريف المنعش، واستمتعنا بأشعة الشمس. عندما رفعت عيني، رأيت الشمس المشرقة على جانب واحد من السماء الزرقاء، والقمر الباهت على الجانب الآخر. وتحول تفكيري من عالم الفيزياء النظري إلى الكواكب والأقمار والنجوم والمجرات التي تملأ الكون.
تساءلت عن أدلة التعديل الأخرى التي ربما تكون في الكون؟ هل يمكن أن يخبرنا وجودنا على صخرة داعمة للحياة على ضواحي مجرة الطريق اللبني شيئاً عن الخالق الذي اقترحه حتى الآن بقدر كبير علم الكونيات وعلم الفيزياء؟
وقد اتخذت قراري وأنا في طريق خروجي من المبنى: حان الوقت لمشاورة أحد الفلكيين عما يمكن أن نتعلمه من غموض وعظمة السماوات.
[1] Roger Penrose. The Emperors New Mind (New York: Oxford, 1989), 344, quoted in Stephen C. Meyer, “Evidence for Design in Physics and Biology” in Michael J. Behe, William A. Dembski, and Stephen C. Meyer, editors, Science and Evidence for Design in the Universe, 61.
[2] Brad Lemley,”Why Is There Life?” Discover (November 2002) imphasis added.
[3] Ibid. Also see Martin Rees, Just six Nnmbers: The Deep Forces That Shape the universe.
[4] Quoted in Larry Witham, By Design (San Francisce: Encounter, 2003), 55.
[5] Bill Bryson, A Short History of Nearly Everything, 16.
[6] Brad Lemley, “Why Is There Life?”
[7] Ibid.
[8] Clifford Longley, “Focusing on Theism,” London Times (January 21, 1989).
[9] Steven Weinberg, “A Designer Universe?”
[10] Michael J, Behe, William A. Dembske, and Stephen C. Meyer, Science and Evidence for Design in the Universe, 104, Referencing Clifford Longley, “Focusing on Theism”.
[11] Paul Davies offers this definition of metaphysics: “In Greek Philosophy, the term <metaphysics> originally meant <that which comes after physic. It refers to the fact that Aristotle’s metaphysics was found, unfilled, placed after hid treatise on physics. But metaphysics soon came to mean those topics that lie beyond physics (we would today say beyond science) and yet may have a bearing on the nature of scientific inquiry.
So metaphysics means the study of topics about physics (or science generally), as opposed to the scientific subject itself. Traditional metaphysical problems have included the origin, nature, and purpose of the universe, how the world of appearances presented to our senses relates to its underlying <reality> and order, the relationship between mind and matter, and the existence of free will. Clearly Science is deeply involved in such issues but empirical science alone may not be able to answer them, or any <meaning – of – Life> questions.” (Paul Davies, The Mind of God, 31).
[12] Lee Strobel, The Case for Faith, 78, 79.
[13] John Polkinghorne, Serous Talk: Science and Religion in Dialogye (London: Trinity Press International, 1995), 6.
[14]John Polkinghorne, Science and Theology (Minneapolis: Fortress Press, 1998), 38.
[15] Paul Davies, The Mind of God, 220.
[16] Clifford Longley, “Focusing on Theism.”
[17]Brad Lemley, “Why Is There Life?” In a subsequent interview, Rees said it’s helpful for physicists to contemplate the possibility of other universes He added: “I don’t believe, but I think it’s part of science to find out.” See Dennis Overbye, “A New View of Our Universe: Only One of Many,” New Yord Times (October 29, 2002).
[18] Ibid.
[19] According to The Bread Factory Book, produced by Sanyo: “Bread flour made from Hard wheat is high in the Protein substance called gluten. When Mixed and Kneaded, the gluten stretches and incorporates air bubbles to produce a light, fine textured loaf.” In making whole – wheat bread, up to four tablespoons of gluten needs to be added to increase the Height of the loaves.
[20] Michio Kaku, Introduction to Superstrings and M-Theory (New York: Springer Verlag, Second edition, 1999), 17.
[21] Freeman Dyson, Disturbing the Universe (New York: Harper and Row, 1979), 251.
[22] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002) emphases added.
[23] See: “Chapter Six: Beautiful Theories,” in steven Weinberg, Dreams of a Final Theory (New York, Vintage Books, 1992).
[24] Alan Guth, The Inflationary Universe (New York: Helix, 1997), 124.
[25] Paul Dirac, “The Evolution of the Physicist Picture of Nature,” Scientific American (May 1963).
[26] Oliver Darrigol, From c-Numbers to q-Numbers: The Classical Analogy in The History of Quantum Theory (Los Angeles: University of California Press 1992), 304.
[27] Paul Davies, Superforce: The Search for a Grand Unified Theory of Nature (New York: Simon and Schuster, 1984), 235-36.
[28] Steven Weinberg, Dreams of a Final Theory, 250.
[29]Dennis Overbye, “A New View of Our Universe: Only one of Many”.
[30] Owen Gingerch, “Dare A Scientist Believe in Design?” in John M. Templeton, Editor, Evidence of Purpose (New York: Continuum, 1994), 32.
[31] Vera Kistiakowsky, “The Exquisite Order of the Physical World Calls for the Divine,” in Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, Cosmos, Bios, Theos (Chicago: Open Court, 1992), 52.