هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
لقد أثار موضوع نشأة الكون حيرة العلماء والفلاسفة واللاهوتيين على حد سواء لفترة طويلة. غالبًا ما يؤدي اتساع وتعقيد الكون إلى هذا السؤال: هل أوجد الكون نفسه ونشأ هكذا عن طريق أحداث كونيّة عشوائية بدون صانع ذكي (الاله)؟
يقدم الكتاب المقدس إجابة محددة في النص الاول من سفر التكوين ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. (تكوين 1: 1). تؤكد هذه العبارة الواضحة أن الله هو مصدر كل ما هو موجود، مما ينفي أي اعتقاد بأن الكون قد اوجد نفسه تلقائيًا أو بالصدفة عن طريق أحداث كونية عشوائية.
ومع ذلك، يقاوم العديد من علماء الفيزياء والطبيعة هذا التفسير، مفضلين النظرية القائلة بأن الكون نشأ من خلال عمليات طبيعية بحتة. إحدى أبرز النظريات هي نظرية الانفجار الكبير، التي تفترض أن الكون بدأ من حالة التفرد، وهي حالة من الكثافة ودرجة الحرارة اللانهائية، ثم توسّع وامتدّ منذ ذلك الحين. ومع ذلك، حتى أنصار هذه النظرية، مثل الدكتور أندريه ليندي Dr. Andrei Linde، يعترفون بأن هذه النظرية لا تفسر كيف نشأ الكون من العدم. في حين ان الكتاب المقدس أوضح لنا أن كل شيء جاء إلى الوجود بكلمة الله: “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا.” (مز 33: 6)
هل كان للكون بداية؟
لقد أثبتت الاكتشافات العلمية خلال القرن الماضي أن الكون يتمدد ويتوسع، مما دفع العديد من العلماء إلى استنتاج أن له بداية. وهذا يتوافق مع رواية الكتاب المقدس، التي تقول ان هناك نقطة بداية واضحة حددها الكتاب في اول نص من سفر التكوين “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.” (تك 1: 1).
في عشرينيات القرن العشرين، اكتشف علماء الفلك أن المجرّات البعيدة كانت تبتعد عنا، وهي ظاهرة تعرف باسم “الانزياح نحو الأحمر”redshif”. تشير هذه الظاهرة إلى أن الكون يتمدد ويتوسع، وبذلك تضيف هذه الظاهرة الى الاستنتاج ان الكون له بداية، وهو الاستنتاج الذي أزعج العديد من العلماء لأنه يتناقض مع فكرة الكون الأبدي.
قال السير برنارد لوفيل، Sir Bernard Lovell وهو عالم فلك بارز، ذات مرة: “إذا كان الكون، في مرحلة ما في الماضي، قريبًا من حالة فريدة ذات حجم متناهٍ في الصغر وكثافة لا نهائية، فيجب علينا أن نتساءل عما كان موجودًا من قبل وكيف نشأ وما كان خارج الكون”. إن السؤال عما كان موجودًا قبل الكون وكيف نشأ يشير مباشرة إلى الحاجة إلى خالق.
يكشف الكتاب المقدس أن الله موجود خارج نطاق الزمان والمكان، وأنه خلق كل الأشياء بقدرته الإلهية وحكمته. يقول إشعياء النبي “ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ.” (إش 40: 26).
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
هل الكون مهيأ للحياة؟
يعد الضبط الدقيق للكون أحد أقوى الحجج ضد فكرة أنه جاء إلى الوجود من خلال عمليات طبيعية عشوائية. وقد حدد العلماء أربع قوى أساسية تحكم الكون: الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية القوية، والقوة النووية الضعيفة، وهذه القوى يجب أن يتم معايرتها بدقة وأدنى انحراف من شأنه ان يؤدي الى انهيار الكون وبالتالي يصبح غير صالح للحياة. وهذ ما يطلق عليه علميا (معايرة أو هندسة الثوابت الكونية) وهو وجود ثوابت طبيعية لها مقادير محدده ذات دقه متناهيه لا تخرج عنها. هذه الثوابت الكونية لو اختلفت بمقادير جدا صغيره سوف تتسبب ليس فقط في استحالة ظهور الحياة ولكنها تتسبب في استحالة تركيب الكون من العناصر الكونية وذلك لانهيار هذه العناصر.
وقد حدد العلماء كما أشرنا إلى أربع قوى أساسية تحكم الكون (The Four Fundamental Forces):
قوة الجاذبية – Gravitational Force
القوة الكهرومغناطيسية – Electromagnetic Force
القوة النووية القوية – Strong Nuclear Force
القوة النووية الضعيفة – Weak Nuclear Force
الجاذبية، على سبيل المثال، يجب أن تكون متوازنة تماما. ولو كانت أقوى قليلاً، لاحترقت النجوم بسرعة كبيرة وانهارت، مما يمنع تكوين الكواكب التي تحافظ على الحياة. فإذا كانت الجاذبية أضعف قليلاً، فلن تحترق النجوم بدرجة كافية من الحرارة للحفاظ على الاندماج النووي، وسيمتلئ الكون بمادة باردة خاملة. وبالمثل، فإن القوة الكهرومغناطيسية مسؤولة عن احتجاز الإلكترونات حول نواة الذرات، مما يتيح التفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة. وأي تغيير طفيف في هذه القوة من شأنه أن يمنع تكوين الجزيئات، مما يجعل الحياة مستحيلة.
تشير هذه الشروط الدقيقة إلى مصمم خلق الكون عمدًا آخذا بعين الاعتبار وضع الاسس والقوانين لإمكانية الحياة في هذا الكون.
يسأل الله ايوب في سفر ايوب “أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ. مَنْ وَضَعَ قِيَاسَهَا؟ لأَنَّكَ تَعْلَمُ! أو مَنْ مَدَّ عَلَيْهَا مِطْمَارًا؟ سفر أيوب 38: 4-5
إن دقة قوانين الكون وثوابته هي بمثابة دليل دامغ على خلق الله المتعمد.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
ما هو الدور الذي تلعبه القوى النووية القوية والضعيفة؟
بالإضافة إلى الجاذبية والكهرومغناطيسية، تُظهر القوى النووية القوية والضعيفة أيضًا الضبط الدقيق الضروري للحياة. تربط القوة النووية القوية البروتونات والنيوترونات معًا في نواة الذرة، مما يسمح بتكوين العناصر. ولو كانت هذه القوة أضعف قليلاً، فلن يوجد سوى الهيدروجين، ولن تتشكل أي عناصر أخرى. ولو كان أقوى قليلًا، فلن توجد سوى العناصر الأثقل، ولكان الهيدروجين، وهو مكون أساسي في الماء والمركبات العضوية، غائبًا.
تتحكم القوة النووية الضعيفة في التحلل الإشعاعي وتلعب دورًا في عمليات الاندماج النووي التي تزود النجوم بالطاقة مثل الشمس. وبدون التوازن الدقيق لهذه القوة، ستحترق النجوم بسرعة كبيرة جدًا أو ببطء شديد، مما يؤدي إلى تعطيل إنتاج الطاقة الضروري لاستدامة الحياة على الأرض. يتأمل الكتاب المقدس في عظمة خليقة الله، مؤكداً على حكمته في دعم كل الأشياء: “فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ” (كو 1: 16-17).
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
كيف يدعم موقع الأرض في النظام الشمسي الحياة؟
إن سمات الأرض الفريدة وموقعها داخل النظام الشمسي يوضحان بشكل أكبر الدقة الإلهية التي ينطوي عليها الخلق. تقع الأرض على مسافة مثالية من الشمس، وغالبًا ما يشار إليها باسم “Goldilocks zone” ويعنــي “المنطقة المعتدلة” أو ما يطلق عليه “النطاق الامثل والانسب الذي يصلح للحياة” حيث تكون درجات الحرارة مناسبة للمياه السائلة – وهو عنصر حاسم للحياة. إذا كانت الأرض أقرب إلى الشمس بنسبة 5% فقط، فسوف تتعرض لظاهرة الاحتباس الحراري الجامحة، وتصبح ساخنة بشكل لا يطاق. وعلى العكس من ذلك، إذا كانت المسافة أبعد بنسبة 1% فقط، فسوف تصبح أرضًا قاحلة متجمدة.
بالإضافة إلى بعدها المثالي عن الشمس، يتم أيضًا ضبط دوران الأرض وخصائصها المدارية بدقة. ويضمن دوران الكوكب درجات حرارة معتدلة بين النهار والليل، في حين أن مداره شبه الدائري يمنع التغيرات الموسمية الشديدة. تتيح هذه الخصائص توفير البيئة المستقرة التي تدعم الحياة والتي غالبًا ما نعتبرها أمرًا مفروغًا منه. هذه الدقة ليست من قبيل الصدفة. فهذا يشير مباشرة إلى التصميم المتعمد للخالق. وكما أعلن النبي إشعياء، “لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «خَالِقُ السَّمَاوَاتِ هُوَ اللهُ. مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ قَرَّرَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلًا. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ.” (إش 45: 18).
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
ماذا يخبرنا القانون الثاني للديناميكا الحرارية؟ The second law of thermodynamics
يشير القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن الأنظمة تميل نحو الفوضى مع مرور الوقت. يمكن ملاحظة هذا القانون في الحياة اليومية، حيث تتحلل المباني، وتتعطل الآلات، وتتقدم الكائنات الحية في العمر. ونظرًا لهذا الميل الطبيعي نحو الفوضى، يجب أن يكون الكون أيضًا في حالة من الفوضى المتزايدة. ولكن لا نرى اطلاقا هذه الفوضى في نظام الكون – بل على العكس – ان ما نلاحظه هو ان الكون منظم ومنظم للغاية. تتبع الكواكب مدارات يمكن التنبؤ بها، وتتألق النجوم بثبات لمليارات السنين، وتحافظ القوى الأساسية على التوازن الدقيق الضروري للحياة.
ويقدم الكتاب المقدس تفسيرا لهذا التناقض الواضح. فالله إله نظام وليس فوضى. وكما تقول رسالة كورنثوس الأولى 14: 33 لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ.
إن النظام والاستقرار الملحوظين في الكون هما انعكاس لقدرة الله الداعمة.
وهذا ما تؤكده رسالة العبرانيين أن المسيح الَّذِي، “وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ”. (رسالة العبرانيين 1: 3)
إن وجود الكون ذاته، بقوانينه المضبوطة بدقة وتحدّيه للعشوائية والفوضى يشهد على تدخل الله المستمر في الحفاظ على الخليقة.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
تلخص هذه الآية وجهة النظر الكتابية للكون. كل جانب من جوانب الكون — من المجرات الواسعة إلى أصغر الذرة — يكشف جلالة خالقه وحكمته. إن الاكتشافات الحديثة في علم الفلك والفيزياء لا تؤدي إلا إلى ان نتعمّق برهبة في دقة كيفية خلق الله لهذا الكون.
العدد الهائل من النجوم في الكون أمر محيّر للعقل. تحتوي مجرة درب التبانة وحدها على أكثر من 100 مليار نجم، وهناك ما يقدر بنحو 50 مليار مجرة في الكون المرئي. ومع ذلك، على الرغم من اتساع الكون، يذكرنا الكتاب المقدس أن الله يعرف خليقته عن كثب: ” يُحْصِي عَدَدَ الْكَوَاكِبِ. يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ “. (مزمور 147: 4). إن الله الذي خلق الكون الواسع يعرف أيضًا كل خليقة من مخلوقاته بالاسم، مما يدل على قدرته وعنايته الشخصية في كل ما صنعه.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
كيف يفشل التطور الكوني في تفسير تصميم الكون؟
على الرغم من الأدلة الدامغة على التصميم في الكون، إلا أن العديد من العلماء ما زالوا معتقدين بنظرية التطور الكوني، التي تشير إلى أن الكون وكل ما فيه نشأ من خلال عمليات عشوائية وغير موجهة. غالبًا ما يكون هذا الرأي مصحوبًا بالاعتقاد بأن المادة والطاقة يمكن أن تخلق نفسها بنفسها، وهي فكرة تتناقض مع المبادئ العلمية وتعاليم الكتاب المقدس.
تدحض هذه الآية بشكل مباشر فكرة أن الكون يمكن أن يخلق نفسه من مادة أو طاقة موجودة مسبقًا. وبدلا من ذلك، يؤكد أن الله خلق الكون من العدم، وهو مفهوم يُعرف بالخلق من العدم. إن فعل الخلق هذا يتجاوز الإدراك البشري، ولكنه يتوافق مع شخصية الله القدير الذي تكلم عن نشأة هذا الكون.
كما فشل التطور الكوني في تفسير الضبط الدقيق الملحوظ في الكون. كما رأينا، فإن القوى الأساسية والثوابت الطبيعية يتم معايرتها بدقة للسماح بوجود الحياة. إن احتمال اصطفاف هذه القوى عن طريق الصدفة منخفض للغاية لدرجة أنه يتحدى التفسير العقلاني. تؤكد رسالة رومية أن “صفاته غير المنظورة، أي قدرته الأبدية وطبيعته الإلهية، تظهر بوضوح منذ خلق العالم في المصنوعات”. “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رو 1: 20).
إن دليل التصميم في الكون واضح ولا يمكن إنكاره، ويشير مباشرة إلى وجود الخالق.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
هل يستطيع العلم تقديم تفسير كامل؟
العديد من العلماء، الرافضين لفكرة وجود الخالق، يواصلون البحث عن تفسيرات طبيعية لأصل الكون. يشير نموذج الكون التضخمي، الذي اقترحه الفيزيائي آلان جوث Alan Guth، إلى أن الكون شهد توسعًا سريعًا مباشرة بعد الانفجار الكبير. وبينما تحاول هذه النظرية تفسير تطور الكون، إلا أنها لا تأخذ في الاعتبار أصل نشأة الكون. وقد اعترف الدكتور جوث نفسه بأن نظريته «لا تفسر كيف نشأ الكون من العدم». يسلط هذا الاعتراف الضوء على محدودية التفسيرات الطبيعية.
كمسيحيين، نحن ندرك أن العلم له حدوده. في حين أن البحث العلمي يمكن أن يكشف الكثير عن طريقة عمل الكون، إلا أنه لا يستطيع الإجابة على الأسئلة النهائية حول المعنى والغرض والأصل والنشأة. لكن الكتاب المقدس يقدم هذه الإجابات. يقول لنا سفر الامثال ” الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ. أَثْبَتَ السَّمَاوَاتِ بِالْفَهْمِ. بِعِلْمِهِ انْشَقَّتِ اللُّجَجُ، وَتَقْطُرُ السَّحَابُ نَدًى. (سفر الامثال 3: 19 – 20)
ختاما نقول إن تعقيد الكون ونظامه هما نتيجة حكمة الله وفهمه، وليس الصدفة العمياء أو العمليات الطبيعية العشوائية.
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
ليكون للبركة.
ترجمة: Patricia Michael
Can the Universe Create Itself, or Is There Evidence of a Creator?
هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael
لتطور أول كائن حي قادر على التكاثر أضحى أمراً في غاية الصعوبة.»
“أنتوني فلو”
تعقيد الخلية الحية
هدفنا الأول من هذا الفصل أن نتعلم قليلاً عما يميز الخلية الحية من تعقيد يفوق الخيال، ثم نركز انتباهنا على جانب واحد فيها، ألا وهو طبيعة تعقيد الـ DNA.
يرى عالم الوراثة “مايكل دنتون” Michael Denton أن الفارق بين العالم الحي والعالم غير الحي «يمثل أكبر وأعمق الفوارق في الطبيعة. فالفرق بين الخلية الحية وأكثر النظم غير الحية تنظيماً كالبلور أو رقائق الجليد فرق شاسع والهوة بينهما أعمق مما نتصور». وحتى أصغر خلايا البكتيريا التي يقل وزنها عن واحد على تريليون من الجرام تمثل «بحق مصنعاً متناهي الصغر يحتوي آلاف الآلات الجزيئية المعقدة ذات التصميم العجيب التي تتكون معاً من 100 ألف مليون ذرة تفوق في تعقيدها أحد الماكينات التي صنعها الإنسان ولا نظير لها على الإطلاق في العالم غير الحي».
ويقول “دنتون” علاوة على ذلك إن الدلائل التي تشير للتطور بين الخلايا نادرة جداً: «لقد كشف علم الأحياء الجزيئي أيضاً أن التصميم الأساسي لنظام الخلية واحد في كافة الأنظمة الحية على الأرض بدءًا من البكتريا وانتهاءً بالثدييات. والأدوار التي يؤديها كل من الـ DNA والحمض الريبوزي المرسل mRNA والبروتيني متماثلة في كل الكائنات. ومعنى الشفرة الوراثية أيضاً يكاد يكون متماثلاً في كل الخلايا. وحجم ماكينة تخليق البروتين وبنيتها وتصميمها تكاد تكون متماثلة في كل الخلايا. ولذلك، لا يمكن أن نعتبر أي نظام حيوي بدائياً أو سلفاً من حيث تصميمه البيوكيميائي الأساسي مقارنة بأي نظام آخر، ولم يثبت تجريبياً على الإطلاق وجود سلسلة تطورية بين مختلف الخلايا المتنوعة على وجه الأرض.»
ويؤيد هذه النظرة “جاك مونوه” Jacques Monod الحائز على جائزة نوبل ويستشهد به “دنتون” قائلاً: «ليست لدينا أدنى فكرة عن بنية أي خلية أولية. فأبسط النظم الحية المعروفة لنا، أي خلية البكتيريا…. في خريطتها الكيميائية العامة تماثل الخريطة الكيميائية لسائر الكائنات الحية جميعاً. فهي تستخدم نفس الشفرة الوراثية ونفس آلية الترجمة التي تستخدمها الخلايا البشرية مثلاً. ومن ثم، فأبسط الخلايا المتاحة للدراسة لا تتصف بأي شيء “بدائي”… ولا يمكن العثور على أي أثر لبنى بدائية بمعنى الكلمة».
وهكذا فالخلايا نفسها تعكس نوعاً من “السكون” يشبه فترات السكون في سجل الحفريات، كما أشرنا في الفصل السابق.
التعقيد غير القابل للاختزال:
يقول “بولس ألبرتس” Bruce Alberts رئيس “الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية” The National Academy of Sciences of the USA «دائماً ما كنا نحط من قدر الخلايا. رغم أن الخلية بأكملها يمكن رؤيتها كمصنع يحتوي على شبكة دقيقة من خطوط التجميع المتشابكة التي يتكون كل منها من مجموعة من ماكينات البروتيني الضخمة… ولماذا نطلق على تجميعات البروتين الضخمة التي تؤلف وظيفة الخلية اسم ماكينات البروتين؟ لأن تجميعات البروتين هذه تحوي فعلياً أجزاء متحركة عالية التناسق تماماً مثل الآلات التي تخترعها البشر للتعامل بفاعلية مع العالم المرئي بالعين المجردة.»
ومن الصعب أن نتصور النشاط بالغ التعقيد الذي يجري باستمرار داخل الخلية الحية التي تحوي في غشائها الدهني Lipid Membrane حوالي 100 مليون بروتين من 20 ألف نوع مختلف، ومن ذلك الخلية نفسها تكون شديدة الصغر حتى إنه يمكن وضع بضع مئات منها على نقطة حرف “ب”.
والخلية لا تتوقف عن الإنتاج، لأن خطوط تجميعها الكثيرة متناهية الصغر تنتج حصصاً لا حصر لها من آلات البروتين. وهذه الآلات الجزيئية ذات التركيب العجيب تمثل لبعض العلماء دليلاً قوياً على وجود ذكاء مصمم. ومن أبرزهم عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” الذي عرض دراسة لهذه الآلات في كتاب أثار الكثير من المناقشات الساخنة. وهو يقدم مثال الموتور الصغير الذي يعمل بالحمض acid-driven motor (الذي اكتشف سنة 1973) الذي يدير سوط البكتيريا، وهو أداة تشبه ذراع التحريك تكمن البكتريا من السباحة، وهو يبين أن هذا الموتور متناهي الصغر الذي إذا رصصنا منه 35 ألفاً لن يساوي طورها إلا 1 ملم (0,04 بوصة) يتكون من حوالي أربعين جزءًا من البروتين تشتمل مثل أي موتور على جزء دوار، وجزء ثابت، وبطانات تقلل الاحتكاك، وعمود توجيه. ويقول “بيهي” إن غياب أي جزء من أجزاء البروتين هذه ينجم عنه فقدان الوظيفة الحركية بالكامل. وهو ما يعني أن الموتور معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال Irreducibly complex، أي أنه «نظام واحد يتألف من عدة أجزاء متفاعلة شديدة التناسق تسهم في الوظيفة الأساسية حيث يؤدي نزع أي جزء إلى توقف النظام فعلياً عن القيام بوظيفته». ويشار إلى هذا المفهوم بنموذج مصيدة الفئران البسيط. فكل مكوناتها الخمسة أو الستة لا بد أن تتواجد حتى تقوم المصيدة بوظيفتها. وهو ما يعني، كما يشير “بيهي” «أنه لا يمكن إنتاج نظام معقد تعقيداً لا يقب الاختزال على نحو مباشر (أي بالتطوير المستمر للوظيفة الأصلية التي تظل تعمل بنفس الآلية) بتغيرات طفيفة متوالية في نظام سابق. لأن أي نظام يسبق نظاماً معقداً بشكل لا يقبل الاختزال ويفقد أحد أجزائه، هو نظام بطبيعته غير قابل للعمل».
والآن يتضح أن وجود آلات بيولوجية معقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال يشكل تحدياً هائلاً أمام نظرية التطور، كما رأى داروين نفسه إذ كتب يقول: «إن ثبت وجود أي عضو معقد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة». وقد أعاد “دوكينز” الفكرة عينها في كتابه “الساعاتي الأعمى” حيث يقول إنه إذا وجد مثل هذا الكائن سوف «يكف عن الإيمان بالداروينية».
ويرد “بيهي” على تحدي داروين بأنه يوجد الكثير من الآلات الجزيئية المعقدة تعقيداً لا يقبل الاختزال، مثل سوط البكتيريا. والآن يتضح من التعريف أن القول إن نظاماً بعينه معقد تعقيداً لا يقبل الاختزال يتطلب برهاناً على ما هو منفي، أي على نفي إمكانية الاختزال عن هذا النظام وإثبات عدم وجود أنظمة أبسط منه، وهو أمر شديد الصعوبة كما نعرف جميعاً. ولذلك تسبب “بيهي” (الذي يجب أن نشير إلى أنه لا يختلف عن داروين من حيث انحدار السلالات عن طريق حدوث تغيرات) في إثارة عاصفة من الجدل بزعمه أن «التطور الجزيئي لا يقوم على مرجعية علمية. فالإصدارات العلمية من المجلات المحترمة والمتخصصة والكتب لم ينشر فيها أي وصف يوضح كيف حدث فعلياً تطور جزئي لأي نظام كيميائي حيوي حقيقي معقد، ولا حتى كيف يحتمل أن يكون قد حدث. والبعض يؤكدون أن هذا التطور حدث، ولكن المؤكد قطعاً أن التجارب والحسابات ذات الصلة لا تؤيد أياً من هذه التأكيدات…. ورغم مقارنة السلاسل واستخدام النماذج الرياضية، فالتطور الجزيئي لم يتناول مطلقاً السؤال المتعلق بكيفية ظهور البنى المعقدة إلى الوجود. والحقيقة أن نظرية التطور الجزيئي الدارويني لم تنشر أيضاً أي شيء في هذا الصدد، وعليه لا بد أن يكون مصيرها الفناء».
ويعترف “جيمز شابيرو” James Shapiro أيضاً عالم الكيمياء الحيوية في جامعة شيكاغو بعد وجود أي شرح دارويني مفصل لتطور أي نظام كيميائي حيوي أساسي أو نظام خلية، كل ما هناك مجموعة متنوعة من التخمينات الرغبوية الحالمة. وحتى رأي “كافالير – سميث” Cavalier – Smith الذي يعتبر أشد الآراء نقداً لمزاعم “بيهي” يعترف بما يقوله “بيهي” عن عدم وجود نماذج كيميائية حيوية مفصلة.
ورغم عدم اتفاق “ستيفن جاي جولد” مع حجة “بيهي” فقد اعترف بأهمية مفهوم التعقيد غير القابل للاختزال: «إن العلم الكلاسيكي بميله لاختزال الأشياء إلى القليل من العوامل العلوية الضابطة حقق نجاحاً باهراً في الأنظمة البسيطة نسبياً مثل حركة الكواكب والجدول الدوري للعناصر. إلا أن الأنظمة المعقدة تعقيداً غير قابل للاختزال، أي معظم الظواهر المثيرة في علم الأحياء، والمجتمع البشري، والتاريخ لا يمكن تفسيرها بالطريقة نفسها. ولكننا نحتاج إلى فلسفات ونماذج جديدة لا بد ان تنبثق من اتحاد العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية بالمعنى التقليدي لكل منها». ومما يلفت النظر هنا أن “جولد” يتحدث عن فلسفات جديدة وليس مجرد منهجيات علمية جديدة، وهي أيضاً نقطة مهمة عند “بيهي”.
ويرى “بيهي” أن قصور التركيب الدارويني الحديث يرجع إلى عجزه حتى نظرياً عن تفسير أصل التعقيد غير القابل للاختزال. وهو يرى أن وجود التعقيد غير القابل للاختزال على مستوى الآلة الجزيئية يؤكد وجود تصميم ذكي: «من لا يشعر أنه مجبر على تقييد بحثه بالمسببات غير الذكية يخلص إلى نتيجة واضحة هي أن الكثير من الأنظمة الكيميائية الحيوية مصممة. ولم تصممها قوانين الطبيعة، ولا الصدفة، ولا الضرورة، بل جاءت وفقاً لخطة. أي أن المصمم كان يعرف الشكل الذي ستؤول إليه هذه الأنظمة عند اكتمالها، وبناءً على ذلك اتخذ الخطوات التي أتت بها للوجود. فالحياة على الأرض في مستوياتها الأساسية وفي مكوناتها الضرورية هي نتاج نشاط ذكي». ويؤكد “بيهي” علاوة على ذلك أن استنتاجاته تقوم بالطبع على البيانات، لا على كتب مقدسة ولا عقائد طائفية. فهي لا تتطلب قوانين جديدة منطقية أو علمية، ولكنها تنبثق من الأدلة التي تقدمها الكيمياء الحيوية مع الأخذ في الاعتبار الأسلوب المستخدم عادة في الاستدلال على التصميم. وهو زعم عظيم الأثر حتى إننا سنتناوله بمزيد من التفصيل لاحقاً.
ولكن قبل الخوض في ذلك وأثناء احتدام المعركة حول ما إذا كان “بيهي” قد تمكن من إثبات فكرته أم لا (وفي ضوء الوضع الحالي يبدو أن المعركة ستستمر لفترة طويلة)، ننتقل إلى ما يكمن وراء البنية المعقدة للآلات الجزيئية. وهو ما يقودنا فوراً لمسألة أصل الحياة نفسها.
لقد صيغت الكثير من النظريات المختلفة حول أصل الحياة. ومن أبرزها سيناريو “المستنسخ أولاً” Replicator first وسيناريو “الأيض أولاً” Metabolism first. وقد روج “ريتشارد دوكينز لأولى هاتين النظريتين في كتابه الأكثر مبيعاً “الجين الأناني” The Selfish Gene: «عند نقطة معينة تكون جزيء من نوع خاص جداً بالصدفة. وسنطلق عليه “المستنسخ” Replicator. ربما لم يكن أكبر الجزيئات الموجودة أو أعقدها، ولكنه كان يتمتع بالخاصية المتميزة من القدرة على إنتاج نسخ من نفسه». إلا أننا سنرى في الصفحات التالية أن هذا النموذج وغيره من النماذج التي تصف أصل الحياة أصبح غير وارد إطلاقاً في ضوء ما تم من أبحاث في السنوات الثلاثين الماضية منذ نشر كتاب “دوكينز”.
اللبنات الأساسية للحياة:
تتكون الآلات الجزيئية، مثل سوط البكتيريا، من البروتينات التي تتكون بدورها مما يطلق عليه غالباً اللبنات الأساسية للأنظمة الحية، ألا وهي الأحماض الأمينية التي يوجد عشرون منها في الكائنات الحية. ومن الأسئلة الجوهرية في علم الأحياء: كيف نشأت هذه الأحماض الأمينية؟
لقد رجح عالم الكيمياء الحيوية الروسي الشهير “إيه. آي. أوبارين” A. I. Oparin في العشرينات من القرن العشرين أن الغلاف الجوي للأرض البدائية Primeval Earth كان يتكون أساساً من الميثان، والأمونيا، والهيدروجين، وبخار الماء، وأن الحياة نشأت نتيجة التفاعلات الكيميائية بين هذا الغلاف الجوي والكيماويات الموجود في الأرض بمساعدة الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس وغيرها من مصاد الطاقة التي تحدث طبيعياً مثل البرق. وفي سنة 1952 أجرى طالب جامعي يدعى “ستانلي ميلر” Stanley Miller في الثانية والعشرين من عمره تجربة شهيرة في المعمل ليختبر زعم “أوبارين” حيث قام بتمرير شحنات تفريغ كهربي من خلال خليط كيميائي يحاكي الغلاف الجوي للأرض البدائية كما كان يعتقد. وبعد يومين وجد “ميلر” ناتجاً من الأحماض الأمينية يبلغ 2٪ والتجارب اللاحقة أنتجت تسعة عشر من الأحماض الأمينية العشرين اللازمة للحياة.
ومفهوم أن هذه التجارب حظيت بترحيب وحماس غير عادي باعتبارها حلاً لمشكلة أصل الحياة. وقد بدا وكأن اللبنات الأساسية للحياة يمكن الحصول عليها بسهولة نسبية بالعمليات الطبيعية غير الموجهة. إلا أن هذه النشوى تراجعت أمام ما تلى ذلك من صعوبات عسيرة نجمت عن فهم أعمق للكيمياء ذات الصلة بهذه التجارب.
وكان التحدث الأول أن الإجماع الذي اتفق عليه علماء الجيوكيمياء[1] من حيث تركيب الغلاف الجوي البدائي للأرض قد تغير. فهم الآن يعتقدون أنه لم يحتو على مقادير تذكر من الأمونيا أو الميثان أو الهيدروجين التي كانت تلزم لإنتاج غلاف جوي مختزل Reducing Atmosphere للغاية كما تتطلب فرضية “أوبارين”، ولكن الأرجح أنه تكون من النيتروجين، وثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء. وتشير بعض الدلائل أيضاً إلى كميات ضخمة من الأكسجين الحر Free Oxygen. وهو ما يغير الصورة كلية لأن لدينا أسباباً نظرية وعملية تدعونا للاعتقاد باستحالة تكون الأحماض الأمينية في هذا الغلاف الجوي كما أكدت التجارب. فوجود الأكسيجين مثلاً من شأنه أن يمنع إنتاج الجزيئات الحيوية الضرورية، بل يضعف ما كان موجوداً منها بالفعل. أي أن الدلائل تشير باختصار إلى أن الغلاف الجوي للأرض البدائية يفترض فعلياً أن يكون معادياً لتكون الأحماض الأمينية.
والآن هب أننا نريد أن نصنع بروتيناً يحتوي على 100 حمض أميني (وهو بروتين قصير، حيث أن معظم البروتينات يبلغ طولها ثلاثة أضعاف ذلك على الأقل). والأحماض الأمينية توجد على هيئة شكلين غير متناظرين Chiral forms يمثل كل منهما صورة في المرآة للآخر يسميان الشكل L والشكل D. وهذا الشكلان يظهران بأعداد متساوية في التجارب التي تحاكي ما قبل ظهور الحياة، بحيث إن احتمالية الحصول على الواحد أو الآخر تعادل حوالي 1/2. إلا أن الغالبية الساحقة من البروتينات الموجودة في الطبيعية لا تحوي إلا الشكل L. ومن ثم، احتمالية الحصول على 100 حمض أميني من (الشكل L–acids) L تعادل (1/2)100 وهو يساوي نحو احتمال واحد من 3010. وثانياً ربط هذه الأحماض الأمينية ببعضها. وحتى يتمكن البروتين من أداء وظيفته يتطلب أن تكون كافة الروابط من الروابط الببتايدية Peptide حتى يطوى متخذاً بنيته الصحيحة ثلاثية الأبعاد. ولكن في تجارب محاكاة ما قبل ظهور الحياة لا تزيد الروابط الببتايدية عن نصف الروابط المتكونة. ولذلك، فاحتمالية تكون رابطة ببتايدية يعادل حولي 1/2، وبالتالي احتمالية الحصول على 100 حمض من الشكل L عشوائياً بالروابط الببتايدية تساوي نحو 1 من 6010. وفي كل أشكال الحياة المعروفة، الآلة الوراثية هي التي تبقى على كل من عدم تناظر الجزيئات والروابط وسلسلة الأحماض الأمينية لن تؤدي إلى الحالات المطوية ذات البنية الصحيحة ثلاثية الأبعاد القادرة على إعادة إنتاج نفسها التي لا غنى عنها في وظيفة الجزيئات.
والبروتين القصير بطبيعة الحال أقل تعقيداً من أبسط خلية حيث الاحتمالات تتضاءل بشكل كبير. إلا أن الاحتمالات الصغيرة التي حصلنا عليها في هذا الجزء شديدة الشبة بالاحتمالات التي سردناها في الجزء المتعلق بالضبط الدقيق للكون. فالمكونات الأساسية للحياة تبين دلائل نستنتج منها أن أجسامنا مضبوطة ضبطاً دقيقاً يناسب الحياة.
ويشير عالم الفيزياء “بول دافيز” إلى مشكلات خطيرة تتعلق بالديناميكا الحرارية فيما يختص بإنتاج السلاسل الببتايدية للأحماض الأمينية. فالقانون الثاني من الديناميكا الحرارية يصف الميل الطبيعية للأنظمة المغلقة إلى التدهور، وإلى فقد المعلومات والنظام والتعقيد، أي إلا زيادة الإنتروبيا. فالحرارة تنساب من السخونة إلى البرودة، والمياه تنساب من أعلى لأسفل، والسيارات تصدأ…. الخ، والقانون الثاني يتميز بسمة إحصائية، أي أنه لا يمنع الأنظمة الفيزيائية أن تسير “لأعلى”، أي عكس الاتجاه، منعاً مطلقاً، ولكن غالباً ما يحشد كل الظروف التي تحول دون حدوث ذلك. ويقول “دافيز”: «يُقدّر أن محلولاً مركزاً من الأحماض الأمينية، إذا ترك على طبيعته يحتاج إلى سائل بحجم الكون المرئي حتى يسير ضد التيار الديناميكي الحراري وينتج ببتايدا متعدداً Polypeptide صغيراً بشكل تلقائي. والواضح أن الخلط الجزيئي Molecular Shuffling العشوائي قليل الفائدة عندما يشير السهم إلى الاتجاه الخاطئ».
علاوة على ذلك أمامنا مشكلة أساسية تتعلق بالزمن حيث إن الزمن المتاح لحدوث مثل هذا “الخلط الجزيئي العشوائي» أقصر بكثير مما يظن الكثيرون. فالتقديرات الحالية تبين أن الوقت المتاح لنشأة الحياة صغير نسبياً، وهو أقل من مليار سنة بعد تكون الأرض، أي منذ حوالي 4,5 مليار سنة، ومع ذلك نشأة الحية بالفعل حيث وجدة بقايا بعض الكائنات الحية وحيدة الخلية في أقدم الصخور.
المشكلة الكبرة: أصل بنية البروتين:
ولكن حتى هذه التخمينات (وهي تحديات مهولة) تبدو ضئيلة نسبياً، بل تافهة مقارنة بالتحدي الأكبر. وهو ما يتعلق بكيفية بناء البروتينات من الأحماض الأمينية. وذلك لأن البروتينات لا تتكون ببساطة بخلط الأحماض الأمينية المناسبة بالمقادير الصحيحة كما نخلط حمضاً عضوياً مع قلوي لإنتاج ملح وماء. ولكن البروتينات هي تراكيب شديدة التخصص والتعقيد تتكون من سلاسل طويلة من جزيئات الحمض الأميني ولا يمكن إنتاجها ببساطة بحق الطاقة من المواد الخام اللازمة لبنائها.
ويعبر “بول دافيز” عن ذلك بشكل تصويري قائلاً: «صنع البروتين بمجرد حقن الطاقة أشبه بتفجير إصبع ديناميت تحت كومة من قوالب الطوب على أمل أين يُكون بيتاً. فيمكنك إطلاق قدر كاف من الطاقة لإنشاء الطوب، ولكن إن لم تمزج الطاقة بالطوب بطريقة مضبوطة ومنظمة، فلا أمل في إنتاج أي شيء سوى فوضى عارمة».
فإنتاج الطوب يختلف كلية عن تنظيم بناء بيت أو مصنع. فإن أردت أن تبني بيتاً، يمكنك أن تستخدم الحجارة التي وجدتها ملقاة هنا وهناك، بكل الأشكال والأحجام التي أصبحت عليها الحجارة نتيجة لمسببات طبيعية. إلا أن تنظيم البناء يتطلب شيئاً لا تحتويه هذه الحجارة. إنه يتطلب ذكاء المهندس المعماري ومهارة البناء. وهو ما ينطبق على اللبنات الأساسية للحياة. فالصدفة العمياء لا تستطيع أن تقوم بوظيفة وضع هذه اللبنات معاً بطريقة محددة. ويعبر عالم الكيمياء العضوية والأحياء الجزيئية “أ. ج. كيرنز-سميث” A. G. Cairns-Smith عن هذه الفكرة قائلاً: «الصدفة العمياء…. محدودة للغاية… فهي قادرة على إنتاج ما يعادل حروفاً وكلمات صغيرة بمنتهى السهولة، ولكن سرعان ما يظهر قصورها عندما يزداد مقدار التنظيم. وإضافة فترات زمنية طويلة وموارد مادية ضخمة لا يغير في الأمر شيئاً ولا يتيح للصدفة فرصاً أفضل».
ويستخدم “كيرنز – سميث” مشابهة الحروف والكلمات هنا وهو استخدام صائب جداً لأن الخاصية الجوهرية التي تميز البروتينات هي أن الأحماض الأمينية المكونة لها لا بد أن تكون في أماكنها الدقيقة في السلسلة. تخيل الأحماض الأمينية مثل عشرين “حرفاً” في “أبجدية” ما. والبروتين “كلمة” طويلة جداً في تلك الأبجدية حيث كل “حرف” (أي كل حمض أميني) لا بد أن يكون في مكانه الصحيح. أي أن ترتيب وضع الأحماض الأمينية في السلسلة هو العنصر الجوهري، فوجودها وحده لا يكفي، تماماً مثل كل حرف من حروف كلمة ما، أو كل نقرة على لوحة المفاتيح في أحد برامج الكمبيوتر التي يجب أن تكون في أماكنها الصحيحة حتى تعطي الكلمة معناها الصحيح أو حتى يعمل البرنامج. فلو تغير مكان حرف واحد فقط، تصبح الكلمة كلمة أخرى أو تصبح بلا أي معنى. ونقرة واحدة على مفتاح خاطئ في برنامج الكمبيوتر قد تتسبب في تعطيل عمل البرنامج.
وتتضح فكرة هذه الحجة من الاعتبارات البسيطة القائمة على الاحتمالات. فمن بين الكثير من أنواع الأحماض الأمينية المختلفة هناك عشرون حمضاً يصنعون البروتينات، وبحيث إن كان لدينا بركة مكونة من الأحماض العشرين، يكون احتمال الحصول على الحمص الأميني الصحيح في مكان محدد في البروتين 1/20. وبذلك يكون احتمال الحصول على 100 حمض أميني بالترتيب الصحيح (1/20)100 وهو ما يعادل حوالي 1 من 13010، وهو احتمال ضعيف للغاية.
ولكن هذه ليست إلا البداية، بل بداية في منتهى التواضع. وذلك لأن هذه الحسابات تقتصر على بروتين واحد. ولكن الحياة كما نعرفها تتطلب مئات الآلاف من البروتينات، وقد قدر أن احتمالات عدم إنتاج هذه البروتينات بالصدفة تزيد عن 4000010 إلى 1. وقد اشتهر عن السير “فرد هويل” مقارنته بين هذه الاحتمالات المضادة لتَكَوّن الحياة تلقائياً واحتمالات تَكوّن طائرة طراز بوينج 747 نتيجة لهبوب إعصار على ساحة خردة.
وهذا التصوير ليس سوى نسخة مطورة مما أشار إليه شيشرون حوالي سنة 46 ق.م. عندما اقتبس من بالبوس Balbus الرواقي الذي رأى بكل وضوح التحديات البالغة المرتبطة بإرجاع أصل الشيء إلى الصدفة في اللغة مثلاً: «لو ألقينا عدداً لا نهائياً من النسخ لحروف الأبجدية الواحد والعشرين المصنوعة من الذهب أو أي مادة تحلو لك في حاوية ما، ورججناها ثم ألقينا بها على الأرض، هل من الممكن أن تنتج ملحمة “حوليات إنيوس” Annals of Ennius؟ أشل أن الصدفة يمكنها أن تنجح في إنتاج بيت شعري واحد». صحيح. إن الصدفة العمياء لا تستطيع أن تفعل ذلك، وهو رأي يلقى قبولاً واسعاً بين العلماء سواء أكانوا مؤمنين بالفلسفة الطبيعية أم لا. ولكن ما زال علينا أن نذكر عنه المزيد فيما يلي.
سيناريوهات التنظيم الذاتي:
يحظى مفهوم التنظيم الذاتي بمزيد من الجاذبية بوصفه حلاً لمشكلة أصل الحياة. فمثلاً، يرى “إيليا بريجوجين” Ilya Prigogine الحائز على جائزة نوبل وكذلك “إيزابل ستنجرس” Isabelle Stengers أن الترتيب والتنظيم يمكن أن ينشأ تلقائياً من الفوضى والتشوش. ونوع الفوضى الذي يعنهما هو ذلك الذي يظهر في أنظمة الديناميكا الحرارية التي تبتعد بعيداً عن التوازن وتبدأ في الإتيان بسلوك لاخطي non-linear behavior بحث إن أي تغير طفيف في المدخلات يمكن أن تثير عواقب كبرى لا تتناسب مع حجم هذا التغير. وأشهر مثال على هذه الفكرة هو الظاهرة المعروفة باسم “تأثير الفراشة” Butterfly effect حيث رفرفة جناحي الفراشة في إحدى مناطق العالم تطلق سلسلة من الأحداث التي تثير عاصفة مدارية في منطقة أخرى. وهذه الأنظمة التي تتميز بشدة حساسيتها للتغيرات التي تطرأ على الأوضاع الأصلية، مما يجعل التنبؤ بها أمراً مستحيلاً بطبيعة الحال، كالطقس مثلاً، يطلق عليها الأنظمة الفوضوية Chaotic Systems. ويبين “بريجوجين” أن الأنماط المنظمة غير المتوقعة يمكن أن تنتج دون توقع. ومن أفضل الأمثلة على ذلك الحمل الحراري المعروف باسم “ريلي بنار” Rayleigh–Benard Convection حيث الحرارة التي تسري في انسيابية خلال سائل تتحول فجأة إلى تيار حمل حراري يعيد تنظيم السائل بحيث يظهر نمط على هيئة قرص عسل النحل مكون من خلايا سداسية، وشكله يماثل التكوينات الصخرية الشهيرة في “ممر العمالقة” Giant’s Causeway بإيرلندا الشمالية.
ومن الأمثلة الأخرى التي تشيع الاستشهاد بها تفاعل بلوسوف جابوتينسكي Belousov-Zhabotinski الذي يظهر فيه كسر للتناظر Symmetry braking ولكنه كسر زمني Temporal وليس مكانياً Spatial. وتحدث هذه الظاهر مثلاً عند أكسدة حمض المالونيك بواسطة برومات البوتاسيوم بمساعدة محفزين مثل كبريتات السيريوم والفريون Ferroin. وإن وضع الخليط على درجة حرارة نحو 25 مئوية (77 فارنهاريت) مع التقليب المستمر سيظل لونه يتغير من الأحمر إلى الأزرق بفاصل زمني حوالي دقيقة بين كل تغير والآخر بحيث يعمل التفاعل وكأنه ساعة كيميائية بفترة زمنية منتظمة بشكل مذهل. وهو تفاعل مبهر حتى إنه يمكن شرحه بأسلوب وصفي في منتهى البساطة.
فلنتخيل إذن تفاعلاً حيث المادة (أ) تتحول إلى المادة (ب). وهو ما نعبر عنه بالشكل التالي:
1 – أ >> ب
ثم نفترض أن هذا التفاعل يعقبه تفاعل ثان يطلق عليه تفاعل ذاتي التحفيز Autocatalytic:
2 – أ + ب >> 2ب
حيث (ب) مادة محفزة بما أن كل جزيء في (ب) على اليمين يعاود الظهور على اليسار. ولكن الكمية الناتجة من (ب) أكثر من الكمية التي بدأنا بها بحيث إن سرعة التفاعل الثاني تعتمد على كمية الناتج المتكون، وبذلك نحصل على حلقة ارتجاع إيجابية Positive feedback Loop تسرع من التفاعل، ومن هنا أتى مصطلح ذاتي التحفيز. والآن سنزيد الموقف تعقيداً وإثارة بإضافة تفاعلين آخرين:
3 – ب + ج >> 2ج
4 – ج >> د
والتفاعل الثالث هو تفاعل آخر ذاتي التحفيز، ولكنه هذه المرة ينقص كمية (ب)، وهو بذلك يعمل في الاتجاه المعاكس للتفاعل الثاني. ويمكننا أن نتخيل أن التفاعل الرابع ينتج مادة مهدرة هي (د). والمكونات النهائية التي نحتاجها لإكمال الصورة هي مؤشر يتحول إلى اللون الأحمر في وجود (ب) وإلى الأزرق في وجود (ج). الآن نبدأ التفاعل بحيث يكون تركيز (أ) أعلى من تركيز (ج). وبما أن سرعة التفاعل تتناسب مع تركيزات المواد المتفاعلة، ففي البداية سيسيطر التفاعل الثاني على الثالث. ومن ثم، سيرتفع تركيز (ب) وسيكون لون الخليط أحمر. ولكن التفاعل الثالث ذاتي التحفيز سيحتل مكانه في النهاية ويقلل تركيز (ب) ويتحول اللون إلى الأزرق بسبب سيطرة (ج). ولكن الآن يظهر التفاعل الرابع على الساحة ويتغلب على (ج)، وهكذا تعود (ب) للسيطرة مرة أخرى ويتغير اللون ثانية. وستتوقف العملية عندما تنفذ (أ) أو تعطل (د) النظام. ويمكننا بالطبع أن نجعل العملية تستمر، أي أن نحافظ على النظام بعيداً عن التوازن، وذلك بإضافة المزيد من (أ) واستبعاد (د).
وهكذا، في كل من هذه الأنظمة يتولد نوع من الترتيب، ويعتقد البعض أن هذه العمليات يمكن أن تعرفنا بكيفية نشأة الحياة.
وعلى صعيد مشابه يقترح “روبرت شابيرو” Robert Shapiro وغيره سيناريو أولياً لأصل الحياة يقوم على “الأيض” أو “الجزيء الصغير”، أي سيناريو لا يحوي من البداية آلية وراثية، ومن ثم يشتمل على جزيئات صغيرة وليس جزيئات كبيرة حاملة للمعلومات مثل DNA أو RNA. ويتحدث “شابيرو” عن بدء «نوع من الحياة…. يعرّف بأنه إنتاج نظام أكبر من مواضع محددة بواسطة دورات كيميائية تسير بتدفق من الطاقة». إلا أن “لسلي أورجل” Leslie Orgel، وهو أحد خبراء أصل الحياة البارزين، أجرى تقييماً تحليلياً دقيقاً لهذه الدورات، ولا سيما فيما يختص بأبحاث “كوفمن”. وهو يبني حجته على أساس كيميائي ويقول إن وجود هذه الدورات غير معقول أساساً. وقد كتب قائلاً: «واضح أن وجود سلسلة من التفاعلات المحفزة التي تشكل دورة ذاتية التحفيز شرط أساسي لاستمرار عمل الدورة، إلا أنه ليس شرطاً كافياً. فمن الضروري أيضاً تفادي التفاعلات الجانبية التي تعطل الدورة. وليس من المستحيل تماماً وجود محفزات معدنية محددة كافية لكل تفاعل في دورة حمض الستريك العكسية Reverse Citric Acid Cycle، إلا أن احتمالية حدوث مجموعة كاملة من هذه المحفزات في موضع واحد على الأرض البدائية في غياب المحفزات التي تنتج تفاعلات جانبية معوقة تبدو أمراً بعيداً بما لا يقال. وعندئذ قد يكون عدم التحديد وليس قلة التحفيز من أي نوع تقريباً.» ثم يستطرد قائلاً: «ما الذي يدعو المرء ليصدق أن مجموعة من المعادن القادرة على تحفيز كل خطوة من الخطوات الكثيرة في دورة حمض الستريك العكسية وجدت في أي مكان ما على الأرض البدائية، أو أن الدورة نظمت نفسها تضاريسياً بشكل سرى غامض على سطح معدني من الكبريتيد؟»
وهو يقول في تعليق لافت للنظر على إحدى الدارسات المتعلقة بالتنظيم الذاتي الكيميائي: “غاديري” Ghadiri وزملاؤه…. أظهروا التنظيم الذاتي في شبكات تفاعلات الإدماج Ligation reactions عند استخدام أكثر من اثنين من مدخلات الببتايد المصممة بدقة. ولكن هذه النتائج لا تؤيد نظرية “كوفمن” إلا إذا أمكن تفسير تركيبات ما قبل ظهور الحياة Prebiotic synthesis من الروابط الببتايدية المحددة من نوع 15mer وكذلك 17mer الناتجة عن الأحماض الأمينية المونومر Monomeric amino acids. وإلا تصبح تجارب “غاديري” تعبيراً عن “التصميم الذكي” للمدخلات الببتايدية، وليس تعبيراً عن التنظيم الذاتي التلقائي للأحماض الأمينية المبلمرة Polymerizing amino acids... ولا يمكن لأي من هذه الاحتمالات أو غيرها مما هو مألوف لدي أن يفسر كيفية نشأة عائلة من الدورات المعقدة المتشابكة القادرة على التطور، ولا أن يفسر ما يحافظ على استقرارها.»
والخلاصة التي يتوصل إليها هي أن «التركيبات التي تكونت في فترة ما قبل الحياة Prebiotic Syntheses التي خضعت للبحث التجريبي تؤدي في كل الحالات تقريباً إلى تكوين أنواع من الخليط المعقد. ومخططات تكرار إنتاج البوليمرات Polymer Replication المقترحة لا يحتمل أن تنجح إلا في وجود مدخلات نقية بما يكفي من المونومرات. فلا يمكن العثور على حل لمشكلة أصل الحياة إلا إذا أغلقت الفجوة بين نوعي الكيمياء. وتبسيط أنواع الخليط الناتجة عن طريق التنظيم الذاتي لسلاسل التفاعلات العضوية، سواء أكانت في صورة دورة أم لا سيكون عظيم الفائدة، تماماً مثل اكتشاف البوليمرات البسيطة جداً القابلة للتكرار. إلا أن الحلول التي يقترحها مؤيدو سيناريوهات الوراثة أو الأيض التي تعتمد على كيمياء افتراضية وهمية لن تفيد».
جوهر المشكلة:
إن الموقف القائل بأن هذه العمليات حتى وإن كانت قد حدثت بالفعل رغم كل العوائق التي يفترضها الكيميائيون تعطينا فكرة نوعاً ما عن أصل الحياة نفسها لا بد أن يصادف في النهاية تحديات أكبر بكثير تتعلق بطبيعة التعقيد الذي يظهر في بنية البروتينات التي ذكرناها في نهاية الجزء السابق. وذلك لأن جوهر المشكلة لا يكمن في إنتاج نوعية التنظيم الذي نراه في بلورة أو قرص عسل أو حتى تفاعل بلوسوف جابوتينسكي. ولكنه تنظيم ينتج بنى مختلفة نوعياً كالتي نراها في المنتجات اللغوية التي تتكون بتنظيم معقد للأحماض الأمينية المكونة للبروتين. ويعبر “بول دافيز” عن الفرق بكل وضوح قائلاً: «الحياة فعلياً ليست نموذجاّ للتنظيم الذاتي. ولن الحقيقة أن الحياة محددة، أي أنها تنظيم موجه وارثياً. فالكائنات الحية تتلقى تعليماتها من البرنامج الوراثي المشفر في الـ DNA (أو الـ RNA) الخاص بها. وخلايا الحمل الحراري تتكون تلقائياً بواسطة التنظيم الذاتي. ولكن خلية الحمل الحراري ليس لها جين وارثي. فمصدر التنظيم ليس مشفراً في برنامج، ولكن يمكن إرجاعه إلى الشروط الحدثة Boundary Conditions في السائل… أي تنظيم خلية الحمل الحراري مفروض عليها من الخارج، من بيئة النظام. وعلى العكس من ذلك، تنظيم الخلية الحية يشتق من ضبط داخلي…. فنظرية التنظيم الذاتي الذي ما زال يشتمل على بنى بسيطة نسبياً حتى في أعقد النماذج غير البيولوجية إلى التنظيم الوراثي للكائنات الحية الذي يقوم على المعلومات ويتميز بشدة تعقيده.»
ويعبر “ستيفن ماير” عن المسألة على هذا النحو: «أصحاب نظريات التنظيم الذاتي يجيدون شرح ما لا يحتاج إلى شرح. فما يحتاج إلى شرح ليس أصل التنظيم… بل أصل المعلومات». إن مفهوم المعلومات هو جوهر المشكلة، وهو ما لا بد أن ينصب عليه اهتمامنا في معظم الجزء المتبقي من الكتاب.
واحد من أبرز العلماء المشتغلين بأصل الحياة، وهو “لسلي أورجل” أوجز الموقف قائلاً: «لدينا الكثير من النظريات المعقولة عن منشأ المادة العضوية على الأرض البدائية، ولكن ما من نظرية واحدة تقدم دلائل مقنعة. ولدينا كذلك عدة سيناريوهات تفسير التنظيم الذاتي في كيان قادر على إعادة إنتاج نفسه من المادة العضوية السابقة لظهور الحياة، ولكن كل هذه السيناريوهات ذات الصياغة الجيدة تقوم على تكوينات كيميائية افتراضية تمثل مشكلة في ذاتها».
ومن ثم، يردد “أورجل” رأي “كلاوس دوس” Klaus Dose وهو أيضاً من أبرز العاملين في أبحاث أصل الحياة الذي خلص قبل “أورجل” بعشر سنوات إلى أن: «أكثر من ثلاثين سنة من التجريب في أصل الحياة في مجالي التطور الكيميائي والجزيئي زودتنا بفهم أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلاً من أن تزودنا بحل لها. وفي الوقت الحالي كل المناقشات المختصة بالنظريات والتجارب الرئيسية في المجال ينتهي بها الأمر إما إلى طريق مسدود أو الاعتراف بجهلها».
والسير “فرانسيس كريك” الذي لا يعرف عنه إيمانه بالمعجزات كتب يقول: «يبدو أن أصل الحياة معجزة، فالشروط اللازم توافرها للحياة كثيرة للغاية».
وكل هذا يقود المرء إلى الاعتقاد بأن حكم “ستيورات كوفمن” من “معهد سانتا فيه” Santa Fe Institute في محله: «أي شخص يخبرك أنه يعرف كيف بدأت الحياة على الأرض منذ حوالي 3،45 مليار سنة إما أحمق أو مخادع. لا أحد يعلم». وقد صرح بعده “فرانسيس كولينز” بالرأي نفسه قائلاً: «ولكن من الإنصاف أن نقول إننا في الوقت الحالي لا نعرف. فليست لدينا فرضية واحدة حتى الآن تقترب من تفسير ما قامت به بيئة ما قبل الحياة التي وجدت على كوكب الأرض من إنشاء الحياة في غضون 150 مليون سنة فقط. وهو ما لا ينفي وجود فرضيات منطقية، ولكن الاحتمالية الإحصائية لقدرتها على تفسير نشأة الحياة ما زالت ضعيفة للغاية».
[1] Geochemistry هو العلم الذي يعنى بدراسة التركيب الكيميائي للأرض وصخورها ومعادنها (المترجم).
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
ما معنى كل هذا؟ ريتشارد فاينمن
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟ من أين أتى، وإن كان يسير نحو وجهة معينة، فإلى أين؟ وهل الكون في ذاته يمثل الحقيقة النهائية التي لا يوجد أي شيء بعدها أم أن هناك شيئاً ما “أبعد” من الكون؟ أيمكننا أن نسأل “ريتشارد فاينمن” Richard Feynman: «ما معنى كل هذا؟» أم أن “برتراند رسل” Bertrand Russell كان محقاً عندما قال إن «الكون موجود، وهذا هو كل ما في الأمر»؟
إن هذه الأسئلة لم تفقد شيئاً من قدرتها على استنفار الخيال البشري. ونظراً لما يدفع العلماء من رغبة محمومة في تسلق أعلى قمم المعرفة، فقد كشفوا لنا أسرارً مدهشة تسبر أغوار الكون الذي نسكنه؛ فعلى مستوى الأجسام شديدة الضخامة، لدنا تلسكوب “هبل” Hubble telescope الذي ينقل صوراً مذهلة للسماء من مداره الذي يعلو عن الغلاف الجوي.
وعلى مستوى الأجسام متناهية الصغر، نحد الميكروسكوب النفقي الماسح Scanning tunneling microscope يظهر حقائق بالغة التعقيد في عالم الأحياء الجزيئية Molecular biology وما يعج به من الجزيئات الكبيرة Macromolecules الغنية بالمعلومات وما تحويه من مصانع بروتين شديدة الصغر تتميز بقدر من التعقيد والدقة يجعل أرقى التقنيات البشرية تبدو أمامها كل شيء.
هل نحن والكون، وما يزخر به من جمال مجراته وتعقيده البيولوجي الدقيق، لسنا سوى نتاج قوى اعتباطية تؤثر عشوائياً في مادة وطاقة لا عقل لهما، كما يزعم أولئك المعروفون باسم “الملحدين الجدد” New Atheists بقيادة “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins؟ وهل الحياة البشرية هي في النهاية مجرد تجمع لعدد من الذرات ضمن العديد من التجمعات المشابهة التي حدثت بالصدفة، وإن كان ذلك أمراً مستحيلاً؟ وعلى أي حال، ما الذي يميزنا بعد أن عرفنا أننا نسكن كوكباً صغيراً يدور في فلك واحدة من مليارات الشموس التي تقع في مكان ما في ذراع مجرة حلزونية، ضمن مليارات المجرات المنتشرة في الفضاء الفسيح؟
بل إن البعض يقولون إنه ما دامت بعض الخصائص الأساسية للكون، مثل قدرة القوى الأساسية للطبيعة، وعدد ما يمكن ملاحظته من أبعاد المكان والزمان، هي نتاج مؤثرات عشوائية عملت على نشأة الكون، فمن المؤكد وجود أكوان أخرى ذات بنى مختلفة تماماً. أليس من المحتمل أن هذا الكون ليس إلا واحداً ضمن مجموعة ضخمة من الأكوان المتوازية التي تنفصل بعضها عن بعض إلى ما لا نهاية؟ أليس من العبث أن ندعي أن البشر يتميزون بأي قيمة عليا؟ إن حجمهم وسط الأكوان المتعددة Multiverse يمكن أن يكون صفراً.
ومن ثم، فإنه عبث فكري أن نعود للعصور الغابرة عندما كان العلم الحديث يخطو خطواته الأولى حينما كان العلماء أمثال بيكون Bacon، وجاليليو Galileo، كبلر Kepler، ونيوتن Newton، وكلرك ماكسويل Clerk Maxwell يؤمنون بوجود إله خالق ذكي تمخض عقله عن الكون. وأصحاب هذا الفكر يحاولون إقناعنا بأن العلم تجاوز هذه التفكير البدائي، ووضع الله في مزنق، وقتله ودفنه بما قدمه من تفسيرات شاملة. وأصبحت أهمية الله للكون لا تتجاوز أهمية قصص الأطفال الخيالية المسلية.
بل إن الله لا يصل إلى مستوى شيخ خرافي ميت وحي في الوقت نفسه، مثل قط “شرودينجر” Schrodinger’s cat[1]، ولكنه ميت دون شك. وعملية تلاشيه برمتها تبين أن أي محاولة لإعادة تقديمه للعالم غالباً ما ستعيق تقدم العلم. وهكذا يمكننا أن نرى بوضوح لم يسبق له مثيل أن الفلسفة الطبيعية Naturalism (الاتجاه القائل بأنه ليس هناك شيء سوى الطبيعة، ولا يوجد أي شيء أبعد منها أو متجاوز لها Transcendence) هي المتربعة على العرش حالياً.
حتى إن “بيتر أتكينز” Peter Atkins أستاذ الكيمياء بجامعة أكسفورد (رغم أنه يتعرف بوجود عنصر ديني في تاريخ تكوين العلم) يدافع عن هذه النظرة باستماتة منقطعة النظير: «إن العلم، أي النظام العقائدي القائم على المعرفة المتفق عليها من الجميع والتي يمكن إعادة إنتاجها، قد نشأ من الدين. ولكن العلم بعد أن تخلص من شرنقته ليتحول إلى فراشة كما نراه اليوم، أتى على العشب كله.
فليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود. إن المتدينين فقط هم من يتمنون وجود ركن مظلم في الكون المادي أو في عالم الخبرة لا يمكن للعلم إنارته ولا يمكنه حتى أن يحلم بذلك، وإني أضع مع هؤلاء المتدينين كل من يتبنون أفكاراً مسبقة متحيزة وكذلك أصحاب المعلومات الضحلة. ولكن الحقيقة أن العلم لم تعرقله يوما أي حواجز، والمبرر الوحيد للاعتقاد بفشل الاختزالية[2] Reductionism هو تشاؤم العلماء وخوف المتدينين».
وقد نوقش موضوع بعنوان “أعمق من الاعتقاد: العلم والدين العقل والبقاء” “Beyond Belief: science, religion, reason and survival” في أحد المؤتمرات المنعقدة في “معهد سولك للدارسات البيولوجية” Salk Institute for Biological Studies بمدينة “لاهويا” في ولاية كاليفورنيا سنة 2006 حيث قال “ستيفن واينبرج” Steven Weinberg الحائز على جائزة نوبل إنه: «على العلم أن يستفيق من كابوس الدين الطويل… وعلينا نحن العلماء ألا ندخر وسعاً في أن نفعل كل ما من شأنه أن يضعف قبضة الدين، وربما يكون ذلك أعظم ما نسهم به في الحضارة.» ولا عجب أن “ريتشارد دوكينز” مضى خطوة أبعد قائلاً: «لقد سئمت كل السأم من الاحترام الذي أسبغناه على الدين بسبب ما تعرضنا له من غسيل مخ».
ولكن هل هذا صحيح؟ هل يجب وصم كل المتدينين بأنهم يتبنون أفكاراً مسبقة متحيزة ومعلوماتهم ضحلة؟ على أي حال، البعض منهم علماء حائزون على جائزة نوبل. هل صحيح أنه يعلقون آمالهم على العثور على ركن مظلم في الكون يستحيل على العلم أن يأمل في أن ينيره؟ من المؤكد أن هذا الوصف ليس دقيقاً ومجحف لمعظم العلماء الأوائل مثل كبلر الذين قالوا إن قناعتهم بوجود خالق كانت مصدر الإلهام الذي دفع علومهم لقمم أعلى. وكانت أركان الكون المظلمة التي نجح العلم في إنارتها هي ما وفر العديد من الأدلة على حقيقة وجود إله خالق ذكي.
وماذا عن الغلاف الحيوي؟ هل تعقيده الدقيق يبدو ظاهرياً كما لو كان قد صنع وفقاً لتصميم معين، ولكنه ليس كذلك، كما يؤمن “ريتشارد دوكينز” حليف “بيتر أتكينز” العنيد؟ هل يمكن حقاً أن ينشأ المعقول من عمليات طبيعية غير موجهة تؤثر على مواد الكون الأساسية وفقاً لقيود قوانين الطبيعة بشكل عشوائي؟ هل حل إشكالية العلاقة بين العقل والمادة Mind-body Problem هو أن عقلاً منطقياً “نشأ” من جسم مادي بلا عقل بفعل عمليات غير عاقلة وغير موجهة؟
إن الأسئلة المتعلقة بهذه الفلسفة الطبيعية لا تتلاشى بسهولة، كما يتضح من مستوى الاهتمام الجماهيري. فهل العلم يحتاج فعلاً للمذهب الطبيعي؟ أم أنه مفهوم أن الفلسفة الطبيعية أُقحمت على العلم وأنها ليست شيئاً يحتويه العلم أصلاً؟ بل هل يمكننا حتى أن نقول إن هذه الفلسفة قد تكون صورة من صور الإيمان، يشبه الإيمان الديني؟ وأرجو أن يغفروا لنا جرأتنا في الاعتقاد بذلك بسبب ما نراه من كيفية التعامل أحياناً مع من يجرؤون على طرح هذه الأسئلة. فقد يواجهون نوعاً من الاستشهاد بتجريدهم من كافة الامتيازات كما يحدث مع هراطقة الدين في العصور الغابرة.
فالمعروف عن أرسطو قوله إننا إن أردنا النجاح لا بد أن نسأل الأسئلة الصحيحة. إلا أن بعض الأسئلة خطيرة، ومحاولة الإجابة عنها أخطر. ولكن قبول هذا النوع من المخاطرة يمثل جزءًا أصيلاً من روح العلم واهتماماته. وإن نظرنا لهذه النقطة من زاوية تاريخية لن نجد عليها اختلافاً؛ ففي العصور الوسطى مثلاً، كان على العلم أن يحرر نفسه من بعض جوانب الفلسفة الأرسطية حتى ينطلق للأمام.
فقد علم أرسطو أنه بدءًا من القمر وما بعده لا يوجد سوى الكمال، ولما كانت الحركة الكاملة عنده هي الحركة الدائرية، فقد رأى أن الكواكب والنجوم تتحرك في دوائر تامة. ولكن الحركة تحت القمر خطية حيث تسود حالة من عدم الكمال. وقد سادت هذه النظرة على الفكرة لمدة قرون حتى نظر جاليليو في تلسكوبه ورأى حواف بارزة من الفوهات القمرية. لقد تحدث الكون وتبدد استنتاج أرسطو الذي بناه على ما اعتبر مفهوماً بديهياً للكمال.
ومع ذلك ظلت دوائر أرسطو مستحوذة على جاليليو: «حفاظاً على النظام التام فيما بين أجزاء الكون، لا بد أن نسلم بأن الأجسام المتحركة لا يمكنها إلا أن تتحرك في حركة دائرية.» ولكن فكرة الدوائر لم يحالفها الحظ عندما أخذ كبلر على عاتقه أن يخطو خطوته الجريئة ويقول إن الملاحظات الفلكية تعتبر دليلاً أقوى من الحسابات التي تقوم على نظرية مبنية على مجرد مفهوم بديهي يقول بدائرية حركة الكواكب.
وقد اقترح كبلر ذلك على أساس تحليله للملاحظات المباشرة والدقيقة لمدار المريخ التي قام بها سلفه تيكو براهي Tycho Brahe عالم الرياضيات التجريبي في مدينة براخ. أما الباقي فهو تاريخ كما يقولون. فقد قدم اقتراحه المذهل بأن الكواكب تتحرك في مدارات على شكل قطع ناقص “تام” الاستواء حول الشمس التي تقع في إحدى بؤرتيه، وهو استنتاج كشف غوامضه فيما بعد نيوتن عندما وضع نظريته في الجاذبية المبنية على قانون التربيع العكسي Inverse-square التي لخصت كل هذه التطورات في صيغة واحدة بسيطة مختصرة جداً. لقد غير كبلر العلم للأبد بتحريره إياه من فلسفة قاصرة قيدته على مدى قرون. لذا، قد يكون ضرباً من الغرور أن نفترض أن هذه الخطوة المحررة لن تتكرر أبداً.
وهنا يعترض العلماء أمثال “آتكينز” وكذلك “دوكينز” أنه منذ عصر جاليليو وكبلر ونيوتن قفز العلم قفزات واسعة وليس هناك ما يدل على أن الفلسفة الطبيعية التي يرتبط بها العلم حالياً ارتباطاً وثيقاً (على الأقل في أذهان الكثيرين) هي فلسفة قاصرة. وهم يرون طبعاً أن الفلسفة الطبيعية تعلم على تقدم العلم الذي أصبح الآن قادراً على المضي قدماً بعد أن تحرر من حمل حقيبة الأساطير الثقيلة التي كثيراً ما أعاقت سيره في الماضي. وهم يزعمون أيضاً أن أفضل ما يميز الفلسفة الطبيعية هو استحالة إعاقتها للعلم لأنها تؤمن بتفوق المنهج العلمي، فهي الفلسفة الوحيدة التي تتميز بالتوافق التام مع العلم انطلاقاً من صميم طبيعتها.
ولكن هل الأمر كذلك حقاً؟ فلا شك أن جاليليو وجد أن الفلسفة الأرسطية تعيق العلم بافتراضها البديهي عما يجب أن يكون عليه الكون. ولكن لا جاليليو ولا نيوتن ولا حتى معظم العلماء العظماء الذين ساهموا فيما أحرزه العلم من تقدم مبهر آنذاك رأى أن الاعتقاد بإله خالق يعيق العلم كما هو الحال مع الفلسفة الأرسطية. بل على العكس، فقد رأوا أن هذا الاعتقاد يزودهم بحافز قوي، وكان يمثل للكثيرين منهم الدافع الأساسي نحو البحث العلمي
وإن كان الأمر كذلك، فإن الألحاد العنيد الذي يميز بعض الكتاب المعاصرين يدفع المرء لطرح هذا السؤال: ما الذي يجعلهم مقتنعين تماماً أن الإلحاد هو الموقف الوحيد الصلب والمتماسك فكرياً؟ هل صحيح أن كل ما في العلم يشير إلى الإلحاد؟ هل العلم والإلحاد بطبعتهما صنوان لا يفترقان؟ إن الفيلسوف البريطاني “أنتوني فلو” Anthony Flew الذي كان أحد رواد الإلحاد على مدى سنوات طويلة لا يتفق مع هذه النظرة. فقد أعلن في حوار على قناة BBC أن التفسير الوحيد الوجيه لنشأة الحياة والتعقيد الذي تتميز به الطبيعة هو وجود ذكاء فائق وراء كل ذلك.
مناقشة التصميم الذكي
لقد أضاف مثل هذا التصريح لمفكر بحجم “فلو” بعداً جديداً للمناقشات الحادة، بل الغاضبة أحياناً، حول “التصميم الذكي”. ومما يزيد هذه المناقشات اشتعالاً أن مصطلح “التصميم الذكي” يبدو للكثيرين أنه توجه حديث نسبياً يخفي وراءه نزعة مؤيدة لنظرية الخلق ومناهضة للعلم هدفها الأساسي مهاجمة نظرية التطور. وهذا يعني أن مصطلح “التصميم الذكي” غير معناه على نحو خفي مما ينذر بخطورة مناقشة قضية بهذه الأهمية دون أن نتفق على ما نعنيه بها.
والآن يرى البعض مصطلح “التصميم الذكي” تعبيراً غريباً لأننا عادة ما نعتبر أن أي تصميم ينتج عن ذكاء، وهو ما يجعل الصفة “ذكي” زائدة ويمكن الاستغناء عنها. فإن اكتفينا بمصطلح “تصميم” أو استخدمنا تعبير “مسبب ذكي” “Intelligent causation“، فنحن نتحدث عن فكرة تحظى باحترام كبير في تاريخ الفكر، لأن فكرة وجود مسبب ذكي وراء الكون ليست حديثة على الإطلاق بل قديمة قدم الفلسفة والدين.
ثم إننا قبل أن نتناول السؤال ما إذا كان التصميم الذكي يخفي وراءه عقيدة الخلق أم لا، علينا أن نفحص معنى مصطلح “عقيدة الخلق” Creationism نفسه حتى لا نقع في سوء فهم آخر.
لأن هذا المصطلح أيضاً معناه تغير. فقد استخدم مصطلح “عقيدة الخلق” للإشارة إلى الاعتقاد بوجود خالق. ولكنه لم يعد يقتصر على مجرد الاعتقاد في وجود خالق ولكنه صار يشتمل كذلك على العديد من المعتقدات الأخرى، وأهمها تفسير معين لسفر التكوين يعتبر أن عمر الأرض لا تجاوز بضعة آلاف من السنين. وهذا التغيير الذي طرأ على معنى “عقيدة الخلق” أو “المؤمن بعقيدة الخلق” نتج عنه ثلاثة آثار سلبية:
أولها أنه يستقطب المناقشة ويقدم هدفاً سهلاً لمن يصرون على رفض أي فكرة تتعلق بوجود مسبب ذكي في الكون. والثاني أنه يتجاهل الاختلاف الكبير في تفسير رواية التكوين في هذا الأمر. أما الأثر الثالث، إن هذا التغيير يضعف الغرض (الأصلي) من استخدام مصطلح “التصميم الذكي”، ألا وهو التمييز بين الاعتراف بوجود تصميم، وتحديد المصمم؛ وهما أمران لا بد من التفريق بينهما.
هذه الآثار الثلاثة هي ثلاث قضايا مختلفة. والقضية الثانية لاهوتية في جوهرها وقد اتفق الأغلبية على أن تظل خارج نطاق العلم. والهدف من رسم الخط الفاصل بين القضايا هو تمهيد الطريق لاستكشاف وسيلة يمكن للعلم استخدامها للإجابة عن القضية الأولى. ولذلك، فمن المؤسف أن هذا التمييز بين قضيتين بينهما اختلاف جذري، دائماً ما يتلاشى بسبب الاتهام الموجه لفكرة “التصميم الذكي” باعتباره ملخصاً لفكر “عقيدة الخلق متخفية”.
وإن كنا نفهم مصطلح “التصميم الذكي” بمعناه الأصلي، يصبح السؤال الشائع عما إذا كان التصميم الذكي علماً سؤالاً مضللاً. فهب أننا نريد أن نسأل هذين السؤالين المتوازيين: هل الإيمان بالله الخالق الحافظ Theism علم؟ هل الإلحاد علم؟ معظم الناس سيجيبون بالنفي. ولكن إن قلنا إن ما نقصده هو ما إذا كان هناك أدلة علمية تؤيد الإيمان بالله الخالق الحافظ (أو الإلحاد)، فغالباً ما سيكون رد الطرف الآخر: فلماذا لم تقل هذا صراحة من البداية؟
وحتى نفهم معنى هذا السؤال يمكننا أن نصيغه هكذا: هل من أدلة علمية تشير إلى وجود تصميم؟ فإن كان هذا هو المعنى الذي يجب أن نفهمه من السؤال، فيجب التعبير عنه طبقاً لهذا المعنى حتى نتجنب سوء الفهم الذي ظهر في العبارة التي قيلت في “محاكمة دوفر”[3] Dover trial وهي أن «التصميم الذكي قضية لاهوتية مهمة، ولكنه ليس علماً.» وفي فيلم ” مطرود” Expelled (أبريل 2008) يبدو أن “ريتشارد دوكينز” نفسه يعترف أنه يمكن استخدام البحث العلمي لتحديد ما إذا كان أصل الحياة يعكس عمليات طبيعية أم أنه نتيجة لتدخل مصدر خارجي ذكي.
وكذلك “توماس ناجل” Thomas Nagel، وهو من أساتذة الفلسفة الملحدين البارزين في نيويورك، كتب في مقال مذهل بعنوان “التعليم الحكومي والتصميم الذكي” Public Education and Intelligent Design: «إن مقاصد الله ونياته، وطبيعة إرادته، إن كان يوجد إله، يستحيل أن تكون موضوعاً لنظرية علمية أو تفسير علمي. ولكن هذا لا يعني استحالة وجود أدلة علمية تؤيد أو تدحض تدخل مسبب غير محكوم بقانون في النظام الطبيعي.»
وهو يقول إن التصميم الذكي «لا يعتمد على تشويهات ضخمة للأدلة ولا على تنافرات جسيمة في تفسيره» وذلك بناء على قراءته لبعض الأعمال مثل كتاب “حدود التطور” Edge of Evolution لمؤلفه “مايكل بيهي” Michael Behe (كان “بيهي” أحد الشهود في “محاكمة دوفر”) أي أنه يرى أن التصميم الذكي لا يقوم على أساس الافتراض بأنه “يتمتع بحصانة ضد الأدلة التجريبية” كما يؤمن من يعتقدون بحرفية الكتاب المقدس بأنه محصن بحيث يستحيل تفنيده بأي أدلة كانت، وهو ينتهي إلى هذه الخلاصة: «التصميم الذكي مختلف تماماً عن علم الخلق.»
ويقول البروفسور “ناجل” أيضاً إنه «ظل فترة طويلة يشك أن مزاعم نظرية التطور التقليدية هي القصة الكاملة لتاريخ الحياة.» ويقول أيضاً إنه «يصعب أن نجد سنداً في المؤلفات المتاحة» يؤيد هذه المزاعم. وهو يرى أن «الأدلة المتاحة حالياً» تعجز عن تأكيد «كفاية الآليات المعيارية التي تتضمنها نظرية التطور لتقديم تفسير لنشأة الحياة بكاملها.»
والمعروف الآن أن بعض الكتاب أمثال “بيتر آتكينز”، و”ريتشارد دوكينز” و”دانيل دني” Daniel Dennett يزعمون وجود أدلة علمية قوية على الإلحاد. مما يتيح لهم الفرصة ليقدموا دفاعاً علمياً عن موقف ميتافيزيقي. ولذلك، فهم من دون الناس جميعاً، لا يحق لهم أن يعترضوا على الآخرين إن استخدموا الدليل العلمي لتأييد الموقف الميتافيزيقي المضاد، ألا وهو التصميم الذي يؤكد فكرة الخلق. وأنا طبعاً واع تماماً أن الرد الذي سيأتي به البعض على الفور أنه ليس هناك قضية بديلة يمكن طرحها. إلا أن هذا الحكم قد يكون سابقاً لأوانه.
ويمكن صياغة السؤال ما إذا التصميم الذكي علماً صياغة أخرى. وذلك بأن نسأل ما إذا كانت فرضية التصميم يمكنها أن تؤدي إلى فرضيات يمكن إخضاعها للاختبار العلمي. وسوف نرى لاحقاً قضيتين رئيسيتين أسفرت فيهما فرضية التصميم الذكي عن النتائج. وهاتان القضيتان هما: إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني Rational intelligibility، بداية الكون.
إلا أن مصطلح “التصميم الذكي” يشكل صعوبة أخرى تتمثل في استخدام كلمة “تصميم” التي ترتبط في أذهان البعض ارتباطاً وثيقاً بالفكرة التي طرحها نيوتن عن الكون، إذ شبهه بالساعة التي تسير بانتظام دقيق معروف تحكمه القوانين الفيزيائية، ولكن أينشتاين سار بالعلم خطوات أبعد من هذه الفكرة.
بل إن الكلمة أيضاً تعيد إلى الذهن ذكريات الفيلسوف المسيحي “بيلي” Paley وما قدمه في القرن التاسع عشر من حجج مؤيدة لفكرة التصميم التي يعتقد الكثيرون أن “دافيد هيوم” David Hume قضى عليها. وحتى لا نصدر حكماً متعجلاً بخصوص هذه القضية الأخيرة، قد يكون من الحكمة أن نتحدث عن مسبب ذلك أو عن أصل ذكي، بدلاً من الحديث عن تصميم ذكي.
والحجج المعروضة في هذا الكتاب قدمتها في محاضرات وحلقات نقاشية وحوارات في العديد من بلدان العالم. ورغم شعوري أن الكثير لم ينجز بعد، ولكن استجابة لإلحاح الكثيرين ممن حضروا هذه الفعاليات، فقد قمت بهذه المحاولة من صياغة الحجج في شكل مدون في كتاب قصدت أن يكون قصيراً بناء على ما رآه البعض من أن المطلوب هو مقدمة موجزة ومركزة للقضايا الأساسية التي من شأنها أن تشكل أساساً لمزيد من المناقشة والاستكشاف لتفاصيل أكثر.
وأود أن أعبر عن امتناني لما تلقيته من الكثير من الأسئلة والتعليقات والنقد، مما ساعدني في مهمتي. أما أوجه القصور، فأنا فقط المسؤول عنها. أما عن الأسلوب المتبع في الكتاب، فسوف أحاول أن أتناول الموضوع في إطار الجدل الحالي حسب فهمي له. وسأقتبس كثيراً من أقوال العلماء والمفكرين البارزين لتقديم صورة واضحة لما يقوله من يتصدرون الحوار الدائر حول القضية. إلا أنني أدرك أن نزع الاقتباس من السياق الذي ورد فيه قد لا يكون منصفاً لقائل هذا الاقتباس، وقد يشوه الحق. ولذا، أتمنى أن أكون قد نجحت في تفادي هذه الخطوة بالذات.
ولكني إذا استخدمت كلمة الحق أخشى أن بعض المؤمنين بفكر ما بعد الحداثة Postmodernistقد يتوقفون عن القراءة، إلا أذا كان فضولهم يدفعهم لقراءة (وربما لهدم) نص كتبه شخص يؤمن فعلياً بالحق. وأنا أراه أمراً في غاية الغرابة أن من لا يعترفون بوجود شيء يسمى الحق يحاولون إقناعي بأن ما يقولونه حق! ربما أنا أسيء فهمهم، ولكن يبدو لي أنهم عندما يتحدثون إليّ أو يكتبون كتبهم، يستثنون أنفسهم من هذا المعيار العام الذي يقضى بعدم وجود حق. أي أنهم في نهاية الأمر يؤمنون بالحق.
وعلى أي حال، فالعلماء يهتمون بالحق، وإلا لماذا يتكبدون عناء العمل بالعلم؟ وبما أني أومن بالحق فقد حاولت أن أقتصر في اقتباساتي على ما يعبر نوعاً ما عن الموقف العام لكاتبها، وابتعدت عن اقتباس عبارات صدرت عن قائلها حينما لم يكن في أفضل حالاته، لأننا جميعاً معرضون للوقوع في ذلك.
ولكن ماذا عن التحيز؟ ليس هناك من يمكنه الهروب، لا الكاتب ولا القارئ. فكلنا منحازون من حيث إن كلاً منا له رؤية للعالم Worldview أو منظور خاص يرى به العالم من حوله، وهو يتكون من إجاباته الكاملة أو الجزئية عن الأسئلة التي يطرحها عليه الكون والحياة. وغالباً ما لا نكون هذه الفلسفة الحياتية أو المنظور بشكل دقيق قاطع، بل ربما تتكون حتى دون وعي منا، إلا أنها موجودة. وهذا المنظور يتشكل طبعاً بالخبرات وبالتفكير المتعمق فيها. وهو قابل للتغيير، بل إنه يتغير، بل إنه يتغير بالفعل إن وجد أدلة مقنعة، وهذا ما نرجوه.
والسؤال المحوري في هذا الكتاب هو سؤال يتعلق في جوهره بالفلسفة الحياتية أو المنظور: ما المنظور الأكثر توافقاً مع العلم: الإيمان بالله الخالق الحافظ أم الإلحاد؟ هل دفن العلم الله؟ فلنر إلى أي سيقودنا الدليل.
[1] تجربة يوضع فيها قط وسط ظروف تجعله حياً وميتاً في آن، مما يتطلب مزيداً من الملاحظة الدقيقة لتحديد حالته. (المترجم).
[2] يعرف “قاموس أكسفورد” Oxford Dictionary “الاختزالية” Reductionism بأنها تحليل ظاهرة معقدة ووصفها وفقاً لمكوناتها البسيطة أو الأساسية، وخاصة إذا كان الغرض تقديم تفسير واف. (المترجم).
[3] محاكمة جرت في مدينة دوفر الأمريكية حيث رفع بعض أولياء الأمور دعوى ضد منطقة دوفر التعليمية لأنها أقرت تدريس التصميم الذكي في المدارس التابعة لها. (المترجم)
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟
“في المدرسة الثانوية علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة خيالية.
وفي الجامعة علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة حقيقية.”
“رون :كارلسون” Ron Carlson
في فيلم “اتصال” Contact، تلعب جودي فوستر Jodie Foster دور عالِمة ضمن فريق برنامج “البحث عن ذكاء من خارج الأرض” (“ستي”) Search for Extra-Terrestrial Intelligence (SETI). وبرنامج “ستي”، الذي هو عبارة عن منظمة حقيقية، يضم علماء يمكنهم مسح الفضاء للعثور على علامات صريحة تبين وجود حياة ذكية. فممَّ تتألف العلامة الصريحة على وجود حياة ذكية؟ من رسالة. هذا صحيح. شيء من قبيل “أَخْرِج القمامة-ماما”.
وفي الفيلم تشتعل جودي حماسةً عندما يلتقط الهوائي موجات راديو يبدو أنها تتسم بنمط ذكي، وتقول مندهشة: “واحد، اثنان، ثلاثة، خمسة، سبعة،11…أولية!” (تقصد أعدادًا أولية). “مستحيل أن تكون ظواهر طبيعية!”
فعلاً، موجات الراديو العشوائية يمكن إنتاجها طبيعيًا، ولكن الموجات التي تحوي رسالة دائمًا ما تأتي من مصدر ذكي. والأعداد الأولية، من واحد إلى 101 بالترتيب، تشكل رسالة لا تصدر إلا من كائن ذكي.
وجودي الآن واثقة أنها عثرت على شيء من خارج الأرض، فتعلن عن اكتشافها. ومن ثم يتجه مسؤولون من الحكومة والجيش إلى مكان عملها. ويسألها أحدهم بنبرة ساخرة: “لو كان هذا مصدرًا ذكيًا، فلماذا لا يتحدث الإنجليزية؟”
فتجيب جودي بحزم: “لأن الرياضيات هي اللغة العالمية الوحيدة!”
وهي بالطبع على صواب. ففي الحقيقة الأبجديات، وبالتالي اللغة نفسها، يمكن اختزالها نهائيًا إلى أعداد. ولذلك الأبجدية الإنجليزية متماثلة رياضيًا مع الأبجدية الوراثية للـDNA ، وتشبيه معلومات الخلية بالموسوعات يمثل علاقةٌ تامةُ التطابِق وليس مشابهة جزئية.
ورغم أن جودي وزملاءها يكتشفون فيما بعد رسالة أكثر تعقيدًا متضمَّنة في موجات الراديو، فهم على يقين تام أن الأعداد الأولية وحدها تبرهن على أن الرسالة صادرة من حياة ذكية. ولكن ما سِرُ يقينهم؟ السر هو أن الملاحظات المتكررة تخبرنا أن الكائنات الذكية فقط هي مَنْ تخلُق رسائل، وأن القوانين الطبيعية لا تفعل ذلك أبدًا. فعندما نرى سلسلة من العداد الأولية، ندرك أنها تتطلب مسببًا ذكيًا تمامًا مثل رسائلك “أَخْرج القملمة-ماما”،” ماري تحب سكوت”.
ومن المضحك أن فيلم “اتصال” مأخوذ عن رواية للراحل كارل ساجان Carl Sagan، وهو تَطَوُّري متشدد آمن بالتوليد التلقائي ولعب دورًا فعالاً في إطلاق برنامج “سيتي” في الواقع. والمضحك في الأمر أن ساجان كان مقتنعًا تمامًا أن سلسلة بسيطة من الأعداد الأولية تبرهن على وجود كائن ذكى، ولكن ما يعادل 1000 موسوعة في الحياة الأولى وحيدة الخلية لا يبرهن على ذلك. إن عدم الاعتقاد في الله يتطلب قدرًا كبيرًا من الإيمان. أكبر مما نملك!
المحتوى المعلوماتي للمخ البشري مُعبَّرًا عنه بوحدات البِت[1] غالبًا ما يعادل مجموع عدد الاتصالات فيما بين العصبونات (الخلايا العصبية أو النيورونات neurons)، حوالي مائة تريليون بِت. ولو كُتِبَت هذه المعلومات بالإنجليزية لملأت حوالي عشرين مليون مجلدًا، وهو ما يعادل ما تحويه أكبر مكتبات العالم. إن ما يعادل عشرين مليون كتابًا يسكن داخل رأس كلٍّ منا. فالمخ هو مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا. … والكيمياء العصبية للمخ مشغولة على نحو يثير الإندهاش. إنها عبارة عن مجموعة دوائر كهربية لماكينة تفوق في روعتها كل ما هو من صُنْع البشر.
من المحتمل أن تقدير ساجان لمحتوى المخ المعلوماتي بعشرين مليون كتابًا هو تقدير أقل من الواقع. ومع ذلك حتى هذا الرقم مذهل. وحتى تُكوِّن عنه تصورًا، تخيل نفسك في الصالة الرئيسية لمُجَمَّع ماديسون سكوير جاردن Madison Square Garden قبل بدء مباراة كرة سلة بعد ساعات. وليس هناك أحد غيرك في الساحة، وأنت تنظر إلى ما يقرب من 20 ألف مقعد فارغ تحيط بك جميعًا. فكم عدد الكتب التي يجب أن تضعها فوق بعضها البعض على كل مقعد بحيث تضع عشرين مليون كتاب في تلك الساحة؟
يجب أن تضع 1000 كتاب فوق بعضها على كل مقعد على حدة حتى تستطيع أن تُدخل عشرين مليون كتاب في ماديسون سكوير جاردن. فكِّر فيها. فارتفاع السقف لا يكفي هذا العدد من الكتب. لذان ستضطر لتفجير السقف حتى تستمر في تكويم الكتب فوق بعضها! هذه هي كمية المعلومات المحددة والمعقدة الموجودة فيما بين أذنيك. وبالحقيقة أصاب ساجان في قوله إن المخ مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا، وهو شيء أكثر تعقيدًا بما لا يقاس من كل ما هو من صُنع البشر.
فلنراجع الحقائق: أدرك ساجان أن المخ البشري يضم محتوى من المعلومات يبلغ عشرين مليون كتاب. وقد أدرك أيضًا أن هذا المحتوى أكثر تحديدًا وتعقيدًا بما لا يقاس من سلسلة أعداد أولية. إذَن لماذا اعتقد أن الرسالة الأبسط تتطلب كائنًا ذكيًا ولكن رسالة طولها عشرين مليون كتاب لا تتطلب ذلك؟ ويمكننا أيضًا أن نسأل ساجان وإخوانه الداروينيين سؤالاً آخر بنفس الأهمية تقريبًا: إن كان البشر الأذكياء لا يستطيعون أن يصنعوا أي شيء يقترب من المخ البشري، فلماذا نتوقع من القوانين الطبيعية غير الذكية أن تفعل ذلك؟
عادةً ما تشتمل إجابة الداروينيين على فكرة “الانتخاب الطبيعي”. فهل هذا يكفي لتفسير الشكال الجديدة من الحياة؟ فمهما كان، المسافة بين خلية واحدة والمخ البشري مسافة طويلة.
ماذا عن الأشكال الجديدة من الحياة؟
قبل أن نناقش أصل الأشكال الجديدة من الحياة، يجب أن نراجع مشكلة أصل أول حياة. مؤكد أن المسافة طويلة بين خلية واحدة والمخ البشري، ولكن المسافة بين المواد الكيميائية غير الحية وأول خلية قد تكون أطول بكثير. وهذه هي أصعب مشكلة تواجه الداروينيين. فمن أين أتت أول حياة؟
هل ترى ضخامة هذه المشكلة التي تواجه الداروينيين؟ فإن لم يكن عند الداروينيين تفسير لأول حياة، فما الفائدة من الحديث عن أشكال جديدة من الحياة؟ فعملية الماكرو تطور، إن كانت ممكنة أصلاً، لا يمكنها حتى أن تبدأ إلا إذا كانت هناك حياة سابقة الوجود.
ولكن كما رأينا في الفصل السابق، هذه المشكلة لا تثني الداروينيين. فهم يسيرون عكس كل الأدلة التجريبية والجنائية، ويختلقون قصة “بلا دليل” عن التولد التلقائي أو “البانسبرميا” تعطيهم، بشكل سحري، الحياة الأولى التي يحتاجونها. وهذا ليس علمًا، بل نكتة. وهو فعليًا يُذَكِّرنا بنكتة، فقد اعتاد ستيف مارتن Steve Martin أن يقول: “أَعْرِف كيف يمكنك أن تصبح مليونيرًا دون أن تدفع ضرائب أبدًا! أولاً، احصل على مليون دولار، والآن…”.
بل إن موقف الداروينيين ينطوي على إشكالية أكبر عندما تأخذ في اعتبارك أنهم لا يملكون حتى تفسيرًا لمصدر المواد الكيميائية غير الحية، فما بالك أن يجدوا تفسيًرا للحياة. وكما رأينا في الفصل الثالث، من أعمق الأسئلة التي يمكننا أن نطرحها: “إن لم يكن الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟” وقد رأينا أن الملحدين لا يملكون إجابة معقولة على هذا السؤال. فاقتراحهم لبعض الاحتماليات الممكنة ليس كافيًا، ولكن عليهم أن يقدِّموا دلائل إن أرادوا أن يكونوا علميين.
إلا أنه من الواضح أنهم لا يعلمون من أين أتى الكون. وسطح العلبة (المنظور الفلسفي للحياة) يجب أن يتمكن من تقديم تفسير معقول لكل البيانات. فإن لم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة الأساسية المختصة بأصل العالم أو صل الحياة، فهو لا يصلح أن يكون سطح علبة. وعندئذٍ يجب البحث عن بديل.
ورغم أننا نرى أن سطح العلبة الدارويني معيب في أساسه، يجب أن ننظر في بضعة مزاعم يطلقها الداروينيين بخصوص أصل الأشكال الجديدة في الحياة. ونظريتهم هي الماكرو تطور.
الميكرو تطور مقابل الماكرو تطور
لعلك تتذكر الماكرو تطور: من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان. وهو يتلخَّص في الاعتقاد بأن كل أشكال الحياة انحدرت من سَلَف مشترك، هو الكائن الأول وحيد الخلية، وكل هذا حدث بعمليات طبيعية دون أي تدخل ذكي. فالله لا يدَّ له في هذا الموضوع. ولكنها عملية عمياء تمامًا.
ويقول الداروينيون إن هذا حدث بالانتخاب الطبيعي. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” تسمية خاطئة. فبما أن عملية التطور تخلو من الذكاء بطبيعة الحال، فهي لا تنطوي على أي “انتخاب” على الأطلاق. إنها عملية عمياء. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” يعني ببساطة أن أصلح الكائنات هي التي تبقى على قيد الحياة.
ما الجديد الذي أتت به هذه الفكرة؟ هذا صحيح بطبيعة الحال، فالأصلح هو الذي يبقى على قيد الحياة (وهذا ما نسميه تكرارًا مخلاً؛ حجة دائرية لا تُثبت أي شيء). فمنطقيًا، هذه الكائنات مجهَّزة جيدًا من الناحية الوراثية أو البنيوية للتعامل مع الظروف البيئية المتغيرة (ولذلك تبقى على قيد الحياة).
ومن أمثلة “الانتخاب الطبيعي” ما يحدث للبكتيريا التي تهاجمها المضادات الحيوية. عندما تنجو البكتيريا من إحدى هجمات المضادات الحيوية وتتكاثر، وهذه المجموعة الناجية من البكتيريا قد تكون مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي. والبكتيريا الناجية مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي لأن البكتيريا الأم كانت تمتلك القدرة الوراثية على المقاومة، أو طفرة بيوكيميائية نادرة ساعدتها بشكل ما على البقاء (نقول “نادرة” لأن الطفراتِ ضارة في كل الأحوال تقريبًا). وبما أن البكتيريا الضعيفة تموت، فالبكتيريا الناجية تتكاثر وتسود.
ويقول الداروينيون عن البكتيريا الناجية إنها تطورت. فبما أن البكتيريا الناجية تكيَّفت على البيئة، فهي تقدِّم لنا مثالاً للتطور. موافقون، ولكن أي نوع من التطور؟ الإجابة التي سنقدِّمها حرجة جدًا. فالحقيقة أنه بصرف النظر عن الافتراضات الفلسفية التي رفعنا عنها الستار، نجد أن تعريف “التطور” قد يمثل أكثر الأفكار إرباكًا في مجادلة الخلق والتطور.
وهنا تبدأ الأخطاء والمزاعم الداروينية الزائفة في التكاثر مثل البكتيريا لو لم يوقفها مَن يؤمنون بأهمية الملاحظة للعلم. وإليك ما تخبرنا به الملاحظة: البكتيريا الناجية تظل دائمًا بكتيريا. فهي لا تتطور إلى كائن من نوع آخر، وإلا أصبح هذا ماكرو تطور. ولكن الملاحظة لم تُثْبِت أبدًا أن الانتخاب الطبيعي خلق أشكالاً جديدة من الحياة.
ومع ذلك فالماكرو تطور هو بالضبط ما يزعمه الداروينيون من البيانات المتاحة. فهم يقولون إن هذه التغيرات الدقيقة micro القابلة للملاحظة يمكن تعميمها لإثبات حدوث الماكرو تطور غير القابل للملاحظة. فهم لا يميزون بين الميكرو تطور microevolution والماكرو تطور، ومن ثم يستخدمون أدلة الميكرو لإثبات الماكرو. وإذ يتجاهل الداروينيون هذا الفرق الحيوي، يمكنهم أن يخدعوا العامة للاعتقاد بأن أي تغير قابل للملاحظة في أي كائن حي يبرهن على أن كل الحياة تطورت من الكائن الأول وحيد الخلية.
ولذلك من الضروري أن نميز جيدًا بين الأمور وأن نكشف كل الافتراضات الخفية عند مناقشة الجدل بين الخلق والتطور. لذا إن سألك أحد: “ها تؤمن بالتطور؟” عليك أن تسأله: “ماذا تقصد بالتطور؟ هل تقصد الميكرو أم الماكرو تطور؟” الميكرو تطور ثَبَتَ بالملاحظة، ولكن لا يمكن استخدامه دليلاً على الماكرو تطور الذي لم يَثْبُت بالملاحظة أبدًا.
والداروينيون خبراء في تعريف مصطلح “التطور” تعريفًا عامًا يسمح باعتبار الأدلة في مجالٍ ما أدلة في مجال آخر. ولكن من سوء حظهم أن العامة بدؤوا يدركون هذه الخطة. ويرجع معظم الفضل في ذلك للأعمال الشهيرة لفيليب جونسون أستاذ القانون في بركلي Berkeley. فقد فضح جونسون أولاً هذا النوع من خفة اليد الداروينية بكتابه غير المسبوق “داروين أمام المحكمة” Darwin on Trial.
وهو يشير في هذا الكتاب إلى أنه: “ما من “برهان” واحد ]على الانتخاب الطبيعي[ يقدِّم أي سبب مقنع للاعتقاد بأن الأنتخاب الطبيعي قادر على إنتاج أنواع بيولوجية جديدة، أو أعضاء جديدة، أو غيرها من التغيرات الكبرى، أو حتى التغيرات الصغرى الدائمة”. ويتفق معه عالِم الأحياء جوناثان ولز Johnathan Wells عندما يكتب قائلاً: “الطفرات البيوكيميائية لا تستطيع أن تفسر التغيرات واسعة النطاق التي تحدث في الكائنات الحية التي نراها في تاريخ الحياة.
فلماذا لا يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يقوم بهذه الوظيفة؟ إليك خمسة اسباب تمنعه من ذلك:
الحدود الوراثية Genetic Limits: يقول الداروينيون إن الميكرو تطور الذي يتم داخل شكل واحد من أشكال الحياة يُثْبِت حدوث الماكرو تطور. فإن كانت هذه التغيرات الصغيرة يمكن أن تحدث على مدار فترة قصيرة من الزمن، تَخيَّل ما يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يفعله على مدار فترة طويلة من الزمن.
ولسوء حظ الداروينيين، يبدو أن الحدود الوراثية جزء أصيل في بنية الأشكال الأساسية للحياة. فمثلاً، المتخصصون في تربية الكلاب يصطدمون دائمًا بالحدود الوراثية عندما يستخدمون ذكاءهم لتخليق سلالات جديدة من الكلاب. فقد تتباين الكلاب في الحجم من التشيواوا إلى الكلب الدنماركي الكبير، ولكن بالرغم مما يقوم به المربون الأذكياء من محاولات مستميتة، تظل الكلاب دائمًا كلابًا.
وبالمثل، رغم أفضل ما يبذله العلماء الأذكياء من جهود للتحكم في ذبابة الفاكهة، فتجاربهم لم تسفر مطلقًا عن شيء سوى المزيد من ذباب الفاكهة (وعادةً ما تكون معوَّقة أيضًا). وهو أمر ذو أهمية خاصة لأن حياة ذبابة الفاكهة القصيرة تتيح للعلماء أن يختبروا سنوات كثيرة من التنوع الوراثي في فترة زمنية قصيرة.
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد
والأهم من ذلك كله أن مقارنة الانتخاب الطبيعي بالانتخاب الصناعي الذي يقوم به المتخصصون في تربية الحيوانات مقارنة لا تصلح إطلاقًا، كما يتبين من الجدول 6-1. والفرق الأكبر هو أن الانتخاب الطبيعي يتم توجيهه بالذكاء، وهو ما لا ينطبق على الانتخاب الطبيعي.
الفروق الجوهرية
الانتخاب الصناعي
الانتخاب الطبيعي
الهدف
الهدف (الغاية) معروف
ليس هناك هدف (غاية) معروف
العملية
عملية موجَّهة بالذكاء
عملية عمياء
الاختيارات
اختيار ذكي لسلالات معينة
لا اختيارات ذكية للسلالات
الحماية
السلالات محمية
من العمليات المدمِّرة
السلالات ليست محمية
من العمليات المدمرة
الصفات الغريبة
يحتفظ بالصفات الغريبة المرغوبة
يقضي على معظم الصفات الغريبة
المقاطعات
مقاطعات مستمرة
لتحقيق الغاية المرجوة
ليس هناك مقاطعات مستمرة
لتحقيق أي غاية
البقاء
بقاء تفضيلي
بقاء غير تفضيلي
إن الخلط بين العمليات الذكية وغير الذكية خطأ شائع عند الداروينيين. وهو ما حدث عندما ناظرتُ (نورم) الفيلسوف الإنساني بول كرتس Paul Kurtz سنة 1986 في موضوع التطور. والمناظرة التي كان يديرها المدافع التليفزيوني جون آنكربرج John Ankerberg أسفرت عن هذا الحوار بخصوص الماكرو تطور:
جايسلر: قال ]تشاندرا[ ويكراماسينغ ]الملحد[: “الاعتقاد بأن الحياة أتت بالصدفة كالاعتقاد بأن طائرة بوينج 747 نتجت من إعصار هَبَّ على ساحة خردة”. إن تصديق هذا الأمر يتطلب المثير من الإيمان.
كرتس: حسنًا، طائرة البوينج 747 تطورت. يمكننا أن نعود إلى الأخوين رايت Wright brothers ونرى أول نوع خلقاه من الطائرات…
جايسلر: خلقاه؟
كرتس: نعم، لكن …
آنكربرج: بالذكاء أم بالصدفة؟ ]ضَحِكْ[
كرتس: كان هناك فترة من الزمن تغيرت فيها هذه الأشكال…
آنكربرج: ولكن ألم يخلقا تلك الطائرات باستخدام الذكاء؟
كرتس: كنتُ أستخدم المشابَهة التي استخدمها الدكتور جايسلر.
جايسلر: حسنًا، أنت تساعدني في حجتي! ] ضحك [عليك أن تجد لنفسك مشابَهة أخرى!
كرتس: لا، لا، أظن أن المعنى الذي أقصده مهم لأنه حدثت تغيرات في الطائرات من الأبسط إلى الأعقد.
جايسلر: نعم، ولكن تلك التغيرات تَمَّتْ بتدخل ذكي!
مؤكد أن التغيير الاتجاهي الذي يسير في اتجاه محدد directional change في الطائرات بواسطة الذكاء لا يُثبت أي شيء عن إمكانية حدوث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية دون ذكاء. وكما سنرى في الجزء التالي، التغيير الاتجاهي في الكائنات الحية بواسطة الانتقاء الطبيعي لم يَثْبُت بالملاحظة. واستخدام الذكاء لإحداث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية يصطدم بالحدود الوراثية. لذا، حتى إن كان التطور موجَّهًا بالذكاء، فهو يصطدم بحوائط.
أي أنه حتى عندما يتحكم العلماء بذكاء الكائنات لتحقيق غاية محددة، ألا وهي الأطروحة المضادة للعملية الداروينية العمياء، لا ينجح الماكرو تطور! فإن كان العلماء الأذكياء لا يستطيعون اختراق الحدود الوراثية، فكيف نتوقع الانتخاب الطبيعي غير الذكي أن يفعل ذلك؟
التغير التكراري Cyclical Change: لا يقتصر الأمر على وجود حدود وراثية للتغيير داخل النوع الواحد، بل التغيير داخل النوع الواحد يبدو تكراريًا. اي أن التغيرات لا تتجه نحو تكوين أشكال جديدة من الحياة، كما تتطلب نظرية الماكرو تطور، ولكنها تتحرُك جيئة وذهابًا في نطاق محدود. فمثلاً، عصافير داروين كانت تتفاوت في أحجام مناقيرها طبقًا لحالة الطقس. فالمناقير الكبيرة كانت تساعد على تكسير بذور أكبر حجمًا وأشد صلابًة أثناء مواسم الجفاف، والمناقير الصغيرة كانت مناسبة عندما كانت الأمطار تأتي بكمية وفيرة من البذور الصغيرة اللينة. فعند حلول موسم الجفاف، كانت نسبة العصافير ذات المناقير الكبيرة تنمو مقارنةً بالعصافير ذات المناقير الصغيرة. ولكن النسبة كانت تنعكس بعد حلول موسم ممطر طويل. لاحظ أنه لم تظهر للوجود أي أشكال جديدة من الحياة (العصافير ظلت عصافير)، كل ما تَغَيَّر هو نسبة العصافير كبيرة المناقير إلى العصافير صغيرة المناقير. لاحظ أيضًا أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفسِّر كيف أتت العصافير إلى الوجود أصلاً. أي أن الانتخاب الطبيعي قد يتمكن من تفسير بقاء النوع، ولكنه لا يستطيع أن يفسر مجيء النوع.
التعقيد غير القابل للاختزال Irreducible Complexity: سنة 1859 كتب تشارلز داروين “إن ثَبَت وجود أي عضو معقَّد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة”. ونحن الآن نعرف أن هناك الكثير من الأعضاء، والأجهزة، والعمليات في الحياة تتناسب مع ذلك الوصف.
ومنها الخلية. وقد كانت الخلية في أيام داروين “صندوقًا أسود”، جزءًا صغيرًا غامضًا في الحياة لم يتمكن أحد من رؤية ما فيه. ولكننا الآن بعد أن تمكنَّا من النظر في أعماق الخلية، نرى أن الحياة على المستوى الجزيئي أكثر تعقيدًا بما لا يقاس مما كان يحلم به داروين. فهي في الحقيقة معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال. والجهاز المعقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال ” يتركب من عدة أجزاء متفاعلة ومتناسقة تساهم في الوظيفة الأساسية، بحيث إن نَزْعَ أي من هذه الأجزاء يوقف وظيفة الجهاز فعليًا”.
وهذه هي كلمات مايكل بيهي أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ليهاي Lehigh University صاحب الكتاب الثوري “صندوق داروين الأسود: التحدي البيوكيميائي للتطور” Darwan’s Black Box: The Biochemical Challenge to Evolution. ويؤكد بحث بيهي أن الكائنات الحية مملوءة حَرْفيًا بماكينات جزيئية تؤدي العديد من وظائف الحياة. وهذه الماكينات الجزيئية معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، وهو ما يعني أن كل أجزاء كل ماكينة لا بد أن تتكون بالكامل، في الأماكن الصحيحة، وبالأحجام الصحيحة، وبنظام قابل للعمل، وفي وقت واحد حتى تعمل الماكينة.
ويُعَدّ محرك السيارة مثالاً لجهاز معقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فإن حدث تغيير في حجم المكبس، سيتطلب ذلك تغييرات موازية في عمود الكامات، والبلوك، والمبرد، وحجرة المحرك، وغيرها، وإلا لن يعمل المحرك الجديد.
ويبين بيهي أن الكائنات الحية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال مثل محرك السيارة. فهو يبين بالتفصيل الممل أن وظائف عديدة في الجسم مثل تجلَط الدم، وأهداب الخلايا (الأجزاء المحرِّكة للخلية)، والبصر، كلها تتطلب أجهزة معقدة تعقيدًا غير قابل للاختزال، فلا يمكن أن تتكون بالطريقة الداروينية المتدرجة. لماذا؟ لأن المراحل المتوسطة intermediates لن تتمكن من أداء الوظيفة.
وكما هو الحال في محرك السيارة، يجب أن تكون كل الأجزاء الصحيحة في أماكنها، وبالأحجام الصحيحة، في وقت واحد، حتى تتمكن من القيام بوظيفة أصلاً. فيمكنك أن تُكَوِّن المحركَ جزءًا جزءًا (وهو أمر يتطلب ذكاء)، ولكن لا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك بجزء من المحرك. ولا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك إذا أجريت تعديلات على جزء أساسي من المحرك، ولم تُجْر هذه التعديلات على باقي الأجزاء. وهكذا الأجهزة الحية تتعطل فورًا عن أداء وظيفتها إن أُجْرِيَت عليها تعديلات قطعة قطعة.
إن درجة التعقيد غير القابل للاختزال في الكائنات الحية تُذهب العقل. تَذَكَّر أن أبجدية الـDNA الوراثية تتكون من أربعة حروف: أ، ث، س، ج. في كل خلية بشرية يوجد حوالي 3000 مليون زوج من تلك الحروف. فجسمك يحتوي على تريليونات الخلايا، وينتج ملايين الخلايا الجديدة كل ثانية، وعلاوة على ذلك كل خلية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحتوي على أجهزة فرعية معقدّة تعقيدًا لا يقبل الاختزال!
إن اكتشافات بيهي تسدِّدُ ضربة قاضية للداروينية. فالتعقيد غير القابل للاختزال يعني أنه لا يمكن أن تأتي حياة جديدة إلى الوجود بالطريقة الداروينية التي تتكون من تغيرات طفيفة متتالية على مدار فترة طويلة من الزمن. والداروينية تشبه القوى الطبيعية التي تُنتج دون أي ذكاء محرك سيارة يعمل (أي الأميبا) ثم تُعَدَّل ذلك المحرك المعقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحوّله إلى محركات متوسطة متتالية حتى تُنتجُ تلك القوى الطبيعية أخيرًا المكوك الفضائي (أي الإنسان).
ولكن الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا مصدر المواد اللازمة لصنع المحرك، فما بالك بتفسير كيفية وجود أي محرك معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. ولا يمكنهم كذلك أن يبينوا العملية غير الذكية التي تطوَّر بها أي محرك حتى وصل إلى مكوك الفضاء وهو يُنتجُ قوة دافعة في كل خطوة من الخطوات المتوسطة. وهذا واضح من الغياب التام للتفسيرات الداروينية لكيفية نشوء الأجهزة المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال نشوءًا تدريجيًا. وقد كشف بيهي مزاعم الداروينيين الفارغة عندما كتب قائلاً:
فكرة التطور الجزيئي الدارويني لا تقوم على العلم. فليس هناك أي منشورات في الكتابات العلمية، كالصحف المتخصصة أو الكتب، تقدّم وصفًا مؤكَّدًا لكيفية حدوث تطور جزيئي لأي جهاز بيوكيميائي حقيقي معقَّد، أو حتى وصفًا احتماليًا غير مؤكد. إنهم يؤكدون حدوث هذا التطور، ولكن ولا واحد من كل تأكيداتهم مدعوم بتجارب أو حسابات. وبما أنه لا مرجعية لهذه المزاعم المعرفية، يمكننا أن نقول بحق إن تأكيد التطور الجزيئي الدارويني محض استعراض فارغ.
إن محاولات الداروينيين الواهنة للتعامل مع التعقيد غير القابل للاختزال تكشف ضخامة المشكلة التي تواجه نظريتهم. وقد قال الدارويني كِن ميلر Ken Miller بأن التعقيد غير القابل للاختزال غير صحيح لأنه يستطيع أن يُثْبِت أن مثال بيهي على التعقيد غير القابل للاختزال-ألا وهو مصيدة الفئران- ليس بالفعل معقَّدًا بما لا يقبل الاختزال. وفقًا لما يقوله بيهي جميع الأجزاء الخمسة لمصيدة الفئران التقليدية يجب أن تكون في مكانها وفي وقت واحد وبنظام قابل للعمل حتى تعمل. فلا يمكنك أن تصطاد الفئران بالقاعدة والزنبرك مثلاً. ولكن ميلر يعتقد أنه يستطيع أن يفند فكرة بيهي بصنع مصيدة مشابهة بأربعة أجزاء فقط. (طَرَحَ ميلر هذه الفكرة فعليًا أثناء مناظرة تليفزيونية على محطة بي.بي.إس PBS في أواخر التسعينيات).
ولكن نقد ميلر يخفق فعليًا في إصابة الهدف. فهو أولاً، مِثْل أي دارويني، يتجاهل أن صُنْع مصيدته يتطلب ذكاء. ثانيًا، بيهي لا يقول إنك تحتاج خمسة أجزاء لأي مصيدة فئران، ولكنه يتحدث عن المصيدة التقليدية. وهكذا يتضح أن مصيدة ميلر ليست مرحلة مادية سابقة تطورت منها مصيدة بيهي التقليدية. أي أن تحويل مصيدة ميلر إلى مصيدة بيهي يتطلب أكثر من خطوة عشوائية (أي داروينية)، فهو يتطلب إضافة جزء آخر محدَّد جدًا وعدة تعديلات محدّدة للأجزاء الموجودة (وهذا يتطلب ذكاء). ثالثًا، وحتى لو أمكن بشكل ما إجراء تلك التغييرات بعمليات عديمة العقل، فالمصيدة لن تعمل أثناء المرحلة الإنتقالية.
ولكن حتى تكون الدراوينية صحيحة، لا بد من الحفاظ على الأداء الوظيفي في كل المراحل لأن الكائنات الحية لا تستطيع أن تبقى على قيد الحياة لو، مثلاً، لم تؤدِ أعضاؤها الأساسية وظيفتها المعتادة أثناء المراحل الانتقالية الداروينية البطيئة التي تقوم على المحاولة والخطأ.[2] وفي النهاية مصيدة الفئران ليست سوى مثال توضيحي. ولكن الأنظمة الحية أعقد بما لا يقاس من مصيدة الفئران. لذا، واضح أن ميلر يفنِّد فكرة بيهي، ولم يفندها أي دارويني غيره.
وفي مؤتمر عن التصميم الذكي عُقِدَ في تموز/يوليو 2002 تحدَّثت فيه أنا (فرانك) وبيهي، كان أحد الداروينيين عنيفًا نوعًا ما في فقرة الأسئلة والأجوبة بعد المحاضرات. لذلك أردت أن أقلب الطاولة وأساله بضعة أسئلة، فحرصتُ أن أجلس بجواره على الغداء. فسألْتُه فيما بين شرائح البيتزا: “ماذا تفعل بحجة بيهي عن التعقيد غير القابل للاختزال؟” فدار بعينيه مستاءً وقال: “هذه ليست مشكلة كبيرة. هناك سقالات بيوكيميائية تُبنى حول الجهاز لتسمح له بالتطور التدريجي”.
وعندما رأيت بيهي بعدئذٍ في اليوم نفسه، أخبرته بتفسير الدراويني. فاوضح قائلاً، وكان محقًا: 1) ليس هناك دليل على هذه “السقالات”، 2) وهي فعليًا تُعَقِّد الأمور على الدراوينيين، بمعنى أنه إن وُجِدَت هذه ” السقالات” بحق، فمَن الذي يبنيها باستمرار في أماكنها الصحيحة؟ إنها عملية تتطلب ذكاء. لقد حاول آخرون أن يجدوا طرقًا داروينية للتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال، ولكنهم فشلوا جميعًا. وهو ما يؤكده بيهي عندما يقول قطعيًا: “ليس لدينا حاليًا أي دليل تجريبي يبين أن الانتخاب الطبيعي يستطيع أن يتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال”.
ويبيِّن بيهي الأهمية الجوهرية التي يتضمنها التعقيد غير القابل للاختزال وغيره من الاكتشافات بخصوص تعقيد الحياة. فهو يكتب قائلاً: “إن نتيجة هذه الجهود المتراكمة لفحص الخلية، أي لفحص الحياة على المستوى الجزيئي، هي صرخة عالية مدوية تعلن عن “التصميم”! إن النتيجة في غاية الوضوح وفي غاية الأهمية حتى إنه لا بد من احتسابها ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم. إنه اكتشاف ينافس اكتشافات نيوتن وأينشتاين”.
عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة Nonviability of Transitional Forms:
هناك مشكلة أخرى تهاجم معقولية الفكرة القائلة بأن الانتخاب الطبيعي يخلق أشكالاً جديدة من الحياة. وتتمثل هذه المشكلة في أن الأشكال الانتقالية لا تقدر أن تبقَ على قيد الحياة. فكِّر مثلاً في تأكيد الداروينيين أن الطيور تطوَّرت تدريجيًا من الزواحف على مدار فترات زمنية طويلة. وهو ما يتطلب مرحلة انتقالية من الحراشف إلى الريش.
فكيف يمكن لكائن أن يعيش بلا حراشف ولا ريش؟ إن الريش معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فكائن بأنصاف ريش لا يقدر أن يطير، مما يجعله فريسة سهلة على الأرض، وفي المياه، وفي الهواء. وفي منتصف الرحلة بين مرحلتي الزواحف والطيور، غالبًا لن يتمتع بالمهارة اللازمة للعثور على الغذاء أيضًا. إذَن يواجه الدراوينيون مشكلة مزدوجة: أولاً، ليس عندهم آلية صالحة للانتقال من الزواحف إلى الطيور. ثانيًا، حتى إن اكتُشِفَت آلية صالحة، فعلى أي حال لا يُحتَمَل للأشكال الانتقالية أن تعيش.
الانعزال الجزيئي Molecular Isolation: غالبًا ما يقول الدراوينيون إن دليل الانحدار من سلف مشترك يكمن في أن كل الكائنات الحية تحتوي على DNA . فمثلاً ريتشارد دوكينز يقول: “السبب الذي يجعلنا موقنين أن هناك صلة تجمع بيننا جميعًا، بما في ذلك البكتيريا، هو شمولية الشفرة الوراثية وغيرها من الأساسات البيوكيميائية”. يعتقد الدراوينيون أن نسبة تشابه الـDNA بين القردة العليا والبشر مثلاً، التي يُقَدِّر البعض أنها تتراوح بين 85 وأكثر من 95%، تشير بقوة إلى سلف مشترك.
ولكن هل هذا دليل على سلف مشترك أم على خالق مشترك؟ يمكن تفسيره بالطريقتين. فقد يكون الداروينيون محقّين، وقد يكون لنا شفرة وراثية genetic code مشتركة لأننا جميعًا انحدرنا من سلف مشترك. ولكن يمكن أن يكونوا أيضًا مخطئين بالقدر نفسه، فربما الشفرة الوراثية المشتركة بيننا جميًعا ترجع إلى خالق مشترك صمَّمَنا أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي. فلو كان كل كائن حي مختلفًا عن غيره من الناحية البيوكيميائية، ربما لن توجد سلسلة غذائية. ومن المحتمل أنه لا يمكن وجود حياة بتكوين بيوكيميائي مختلف. حتى إن كان ذلك ممكنًا، فربما لا يمكنها أن تستمر في هذا الغلاف الحيوي.
فكِّر في الشكل 6-3. هل التشابه والتدرج يُثبِتان أن الغلاية تطورت من ملعقة الشاي؟ لا. إن التشابه والتدرج لا يعنيان أوتوما تيكيًا سلفًا مشتركًا. وفي هذه الحالة نعرف أنهما يعنيان خالقًا أو مصممًا مشتركًا. وهو ما ينطبق على الكائنات الحية الحقيقة.
كما ذكرنا آنفًا، قدرة أبجدية الـDNA الوراثية على احتواء رسالة تساوي قدرة الأبجدية الإنجليزية على احتواء رسالة (الفرق الوحيد هو أن أبجدية الـDNA لا تضم إلا أربعة حروف مقابل ستة وعشرين حرفًا في الأبجدية الإنجليزية). فبما أن كل الكائنات الحية تحوي DNA بقواعده الأربعة التي تحتوي على النيتروجين (الممثَّلة بالحروف أ، ث، س، ج)، من الطبيعي أن نتوقع درجة عالية من التشابه في المعلومات بين الكائنات سواء أكانت متصلة بسلف واحد أم لا.
ولنستخدم مثالاً من اللغة الإنجليزية لتوضيح ما نقصده. إليك جملتين مكونتين من الحروف نفسها:
Charles Darwin was a scientific god. كان تشارلز داروين إلهاً علميًا.
Charles Darwin was a scientific dog. كان تشارلز داروين كلبًا علميًا.
رغم أن حروف الجملتين متماثلة وترتيب الحروف يكاد يكون متماثلاً (بدرجة تزيد عن 90%)، فالفرق الضئيل في الترتيب يؤدي إلى معنيين متضادين. وهكذا أي فرق ضئيل في ترتيب الحروف (أ، ث، س، ج) في الكائنات الحية قد يؤدّي إلى كائنات بعيدة جدًا عن بعضها البعض على شجرة التطور الافتراضية. فمثلاً بينما تبين بعض الدراسات أن تشابه الـDNA بين البشر والقردة العليا الأقرب شبهًا بالإنسان قد يصل إلى حوالي 90% تبين دراسات أخرى أن تشابه الـDNA بين البشر والفئران يبلغ أيضًا حوالي 90%.
ولكن هذه التشابهات محل خلاف وليست مفهومة على نحو كامل. فيجب القيام بمزيد من البحث في هذا المجال. ولكن إن كان التشابه الوراثي بين الفئران والبشر يعادل التشابه بين القردة العليا والبشر، فإن هذا من شأنه أن يُعَقَّد أي تفسير دارويني تعقيدًا كبيرًا.
ولكن نفترض أن مزيدًا من الدراسات سيُظهر يومًا ما أن DNA القردة العليا أكثر شبهًا بالبشر من DNA سائر الكائنات. فهذا لن يُثبِت ما يخلص إليه الدراوينيون بخصوص السلف المشترك. فقد يرجع التشابه إلى خالق مشترك لا إلى سلف مشترك. لذا علينا أن نجد دليلاً آخر على المستوى الجزيئي يساعدنا في اكتشاف ما إذا كانت الشفرة الوراثية المشتركة دليلاً على سلف مشترك أم خالق مشترك.
وقد وُجِدَ ذلك الدليل الآخر بمقارنة سلاسل البروتين. البروتينات هي الوحدات الأساسية لبنية الحياة. وهي تتكون من سلاسل طويلة من الوحدات الكيميائية التي يُطلَق عليها الأحماض الأمينية. ومعظم البروتينات تحوي في بنيتها أكثر من 100 حمض أميني يجب أن يكون لها ترتيب محدد جدًا. والـDNA هو ما يحتوي على تعليمات الأحماض الأمينية في البروتينات، والترتيب مسألة حرجة لأن أي تغيير عادةً ما يؤدي إلى خلل في وظيفة البروتين.
وإليك أين تنشأ المشكلة أمام الدراوينيين. لو كانت كل الأنواع تشترك في سلف واحد، يجب أن نتوقع أن نجد سلاسل برويتينية في شكل انتقالي transitional form، أي مثلاً أثناء المرحلة الانتقالية من الأسماك إلى البرمائيات، أو من الزواحف إلى الثدييات. ولكن ليس هذا ما نجده على الأطلاق. بل نجد أن الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض، وهو ما ينفي أي نوع من الصلة بسلف واحد. ويقول مايكل دنتون:
ليس هناك أي أثر على المستوى الجزيئي للانتقال التطوري من الأسماك البرمائيات الزواحف الثدييات. فالبرمائيات، التي دائمًا ما تُعتبر تقليديًا شكلاً متوسطًا بين الأسماك وغيرها من الفقاريات البرية، تبعد جزيئيًا عن الأسماك بُعْد أي مجموعة من الزواحف أو الثدييات عن الأسماك! إن النتيجة مدهشة حقًا للعارفين جيدًا بالصورة التقليدية لتطور الفقاريات.
لذا، رغم أن كل الكائنات الحية تشترك في شفرة وراثية واحدة بدرجات متفاوتة من التشابه، فتلك الشفرة رتبت الأحماض الأمينية في البروتينات على نحو يجعل الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض. فليس هناك من مراحل انتقالية داروينية، كل ما هنالك فجوات جزيئية متمايزة. والدراوينيون يعجزون عن تفسير وجود هذه الفجوات الجزيئية باستخدام الانتخاب الطبيعي، تمامًا كما يعجزون عن تفسير وجود فجوات ضخمة في سجل الحفريات وهو ما سنتحدث عنه في الجزء التالي).
ماذا عن سجِلّ الحفريات؟
لنراجع سريعًا ما رأيناه حتى الآن. إليك الأدلة الخمسة التي تبين أن الانتخاب الطبيعي ما كان ليمكنه أن يُنتج أشكالاً جديدة من الحياة:
الحدود الوراثية
التغير التكراري
التعقيد غير القابل للاختزال
عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة
الانعزال الجزيئي
ولكن ألا يؤيد سجلُ الحفريات النظريةَ الدراوينية؟ لنلقِ نظرة.
نظرًا لعدم توافر التكنولوجيا الحديثة في عصر تشارلز داروين، لم يتمكَّن من إدراك المشكلات التي تواجه نظريته على مستوى الخلية. إلا أنه أدرك أن سجل الحفريات يمثل مشكلة كبيرة لنظريته لأنه لا يُظهِر تدرجًا. وهو ما دفعه أن يكتب: “فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكَّدٌ أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. ويبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي”.
إلا أن داروين اعتقد أن مزيدًا من الاكتشافات الأحفورية سيكشف عن صحة نظريته. ولكن الزمن أثبت أنه مخطئ. وعلى عكس ما تسمع في وسائل الإعلام العامة، سجل الحفريات اتضح أنه سبب إحراج هائل للداروينيين. فإن كانت الداروينية صحيحة، لوجدنا حتى الأن آلاف، إن لم يكن ملايين الحفريات الانتقالية. ولكن كما يقول الراحل ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gouldعالم الحفريات في جامعة هارفارد (وهو تطوري):
يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجَرة بخاصيتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع: 1) السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين اثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريبًا منذ أن تظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدودًا ولا يسير في اتجاه محدد. 2) الظهور المفاجئ Sudden appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجيًا بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتةً ويكون “مكتمل التكوين”.
أي أن جولد يعترف أن الأشكال الأحفورية تظهر فجأة، مكتملة التكوين، وتظل كما هي حتى تنقرض دون أي تغير اتجاهي، وهو تمامًا ما يتوقع المرء أن يجده إن كان الخلق صحيحًا.
ولكن بدلاً من أن يتبنى جولد نظرية الخلق، رفض التطور التدريجي الدارويني وصاغ نظرية أطلق عليها “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibria (PE). وترجّح نظرية التوازن المتقطع أن الأنواع البيولوجية تطورت أسرع على مدار فترة زمنية أقصر، وهو ما يفسّر الفجوات الأحفورية الكبيرة. ولكن جولد لم يبين أي ألية طبيعية لحدوث هذا الأمر، ولكن بما أنه كان ملحدًا كان عليه أن يفسر سجل الحفريات بأي شكل. وهو ما يمثل نموذجًا كلاسيكيًا على السماح للتحيزات بالتشويش على الملاحظات.
ولكن هذا يخرجنا عن موضوعنا. فنقطتنا الأساسية هنا هي أن سجل الحفريات أقرب للخلق فوق الطبيعي منه للماكرو تطور. فالحقيقة أن المفقود من السجل ليس حلقات، بل سلسلة كاملة!
ليس هناك سلسلة؛ لأن كل المجموعات الرئيسية من الحيوانات المعروفة تقريبًا تظهر في سجل الحفريات فجأة وكاملة التكوين في طبقات العصر الكامبري Cambrian period (الذي يُقَدِّر الكثير من العلماء أنه وُجِدَ منذ حوالي 600 إلى 500 مليون سنة). ويكتب جوناثان ولز قائلاً: “الدليل الأحفوري قوي جدًا، والحَدَث مفاجئ وضخم جدًا، حتى إنه عُرِفَ باسم “الانفجار الكامبري” the Cambrian explosion، أو “الانفجار البيولوجي الكبير” biology’s big bang”.
وهذا الدليل بالطبع يتعارض تمامًا مع الداروينية. فكل المجموعات الحيوانية تظهر منفصلة عن بعضها البعض، مكتملة التكوين، وفي وقت واحد. وهو ما لا يدل على تطور تدريجي بل على خلق لحظي. إذَن الشجرة الداروينية التي اعتدنا أن نراها كثيرًا لا تمثل سجل الحفريات الحقيقي تمثيلاٍ صحيحًا. والحقيقة أنه كما يشير ولز: “لو كانت هناك أي مشابَهة نباتية مناسبة، لكانت حوض نباتات، لا شجرة”. ولكان ذلك الحوض يحتوي على رُقَع من الحشائش أو النباتات المختلفة التي تفصلها عن بعضها البعض مساحات شاسعة لا شيء فيها سوى التراب.
والآن لعلك تفكِّر: “ولكن ماذا عن تدرج الجمجمة الذي اعتدنا دائمًا أن نراه؟ ألا يبدو أن الإنسان تطور من القردة العليا؟” منذ عدة سنوان ناظرتُ (أنا نورم) داروينيًا رصَّ جماجم بجوار بعضها على منضدة ليبين أن التطور حدث بالفعل. وصرح قائلاً: “السيدات والسادة، إليكم الدليل على التطور”. أمرك غريب، كيف تتجاهل الحفريات؟ الجماجم تبدو متدرجة. يبدو أنها متصلة بسلف واحد. هل هذا دليل جيد على الداروينية؟ لا، إنه ليس أفضل من الدليل على أن الغلاية الكبيرة تطورت من ملعقة الشاي.
مشكلة الداروينيين أن سجل الحفريات لا يستطيع أن يُثْبِت أي ارتباط بسلف واحد. لمَ لا؟ لأنه كما يقول مايكل دنتون: “99% من التكوين البيولوجي لأي كائن حي يكمن في تشريح أنسجته soft anatomy، وهو ما يستحيل عمله في الحفرية”. أي أنه من الصعب جدًا اكتشاف التكوين البيولوجي للكائن بالنظر إلى بقاياه الأحفورية. ويشير جوناثان ولز إلى أن “الدليل الأحفوري يقبل الكثير من التفسيرات لأن النوع البيولوجي الواحد يمكن أن يُعاد بناؤه بطرق متنوعة، ولأن سجل الحفريات لا يمكنه إثبات سلف مشترك يربط بين كل الكائنات”.
إلا أن هذا لا يردع الداروينيين. فبما أن الداروينية ينبغى أن تكون صحيحة نظرًا لولائهم الفلسفي المسبق، إذَن ينبغي أن يجدوا أدلة تؤيدها. فبدلاً من ان يعترفوا بأن الحفريات لا تستطيع أن تُثبت ارتباط الكائنات بسلف مشترك، يأخذون الواحد في المائة الذي تخبرهم به الحفريات ويستخدمون التسعة والتسعين في المائة من هامش الحرية المتبقي لهم لتصوير اكتشافاتهم الأحفورية على أنها تسد كل الثغرات كما يحلو لهم .
ومع هذا الهامش الفسيح وغياب الحقائق التي تقيّدهم، توفرت لهم الحرية في ابتداع “حلقات مفقودة” بأكملها من بقايا أحفورية في منتهى التفاهة. ولذلك، الكثير مما يسمى “حلقات مفقودة” انكشف فيما بعد أنه مزيف أو خاطئ. وقد كتب هنري جي Henry Gee أحد الكُتَّاب العلميين الرئيسيين في جريدة نيتشر Nature: “إن أخذ تسلسل معيَّن من الحفريات والزعم بأنه يمثِّل سلالة واحدة ليس فرضية علمية قابلة للاختبار، ولكنه تأكيد تتساوى صلاحيته مع قصص قبل النوم، مسلٍّ، وقد يقدّم معلومات مفيدة، ولكنه ليس علميًا”.
إن سجل الحفريات لا يكفي لإثبات العلاقة بسلف مشترك، وفي ضوء ما نعرفه حاليًا عن طبيعة الأنظمة البيولوجية المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يتضح أن سجل الحفريات لا يمت بصلة للقضية. وتَشابُه البنية أو التشريح بين الأشكال (يطلق عليه أحيانًا التماثل homology) لا يخبرنا أيضًا بأي شيء عن وجود سلف مشترك. فمايكل بيهي يكتب قائلاً:
التشريح ببساطة لا يمت بصلة لمسألة ما إذا كان حدوث التطور على المستوى الجزيئي ممكنًا أم لا. وهو ما ينطبق على سجل الحفريات أيضًا. فلم يُعد مهمًا ما إذا كان هناك فجوات كبيرة في سجل الحفريات أم أن السجل متصل مثل سجل رؤساء الولايات المتحدة. وإن كانت هناك فجوات، لا يهم ما إذا كان يمكن تفسيرها تفسيرًا معقولاً. فسجل الحفريات ليس عنده ما يخبرنا به عما إذا كانت التفاعلات بين الريتينال-سي تي إس-11 11- cts-retinalوالرودبسين rhodopsin والترانسدوسين transducin والفوسفودايسترس ]phosphodiesterase أنظمة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال[ قد تكونت خطوة خطوة أم لا.
إذَن وفقًا لما يقوله بيهي، البيولوجيا تتفوق بامتياز على التشريح في تحديد معقولية الماكرو تطور. فكما أن محتويات الكتاب تقدِّم معلومات تتجاوز كثيرًا ما يقدمه غلاف الكتاب، هكذا التكوين البيولوجي للكائن يزودنا بكمية معلومات تزيد كثيرًا عن المعلومات التي يوفرها لنا تكوينه العظمي. ومع ذلك طالما حاجَّ الدارويبنيون بأن تشابه التكوين بين القردة العليا مثلاً والإنسان دليل على السلف المشترك (أو الانحدار من أصل واحد).
فهل يخطر على بالهم ابدًا أن تشابه البنية قد يدلل على مصمم مشترك لا سلف مشترك؟[3] فمهما كان، في عالم محكوم بقوانين فيزيائية وكيميائية معينة، ربما أن عدد البنى التشريحية التي ستسفر عن حيوانات مصمَّمة لتمشي على ساقين سيكون محدودًا جدًا، وبما أننا جميعًا يجب أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي، ينبغي أن نتوقع تشابه بعض الكائنات في التصميم.
علاوة على ذلك، رغم أن بنية القردة العليا قد تتشابه مع بنية البشر، الحقيقة المهملة غالبًا هي أنه ليس هناك أي وجه شبه بين القردة العليا والبشر من ناحية والثعابين، والفطريات، والأشجار من ناحية أخرى. ولكن وفقًا للداروينية كل الكائنات الحية تطورت من سلف واحد. وإن قَبِلتَ الداروينية، يجب عليك أن تتمكن من تفسير الاختلاف الشاسع بين الكائنات الحية.
يجب عليك أن تفسّر مثلاً كيف أن النخلة، والطاووس، والأخطبوط، والجرادة، والخفاش، وفرس النهر، والقنفد، وفرس البحر، وخَنَّاق الذباب، والإنسان، وفطر العفَن؛ انحدرت جميعًا من أول حياة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، دون تدخل ذكي. وعليك أيضًا أن تفسر كيف أتت أول حياة وكيف أتى الكون إلى الوجود. فبلا تفسيرات مقبولة منطقيًا، وهو ما يفشل الداروينيون في تقديمه، فإن الاعتقاد في الداروينية يتطلب إيمانًا مفرطًا. ولذلك لسنا نملك الإيمان الكافي للتحول إلى الداروينية.
هل التصميم الذكي بديل ذكي؟
يمكننا أن نقول المزيد والمزيد عن الماكرو تطور، ولكن المجال لا يسمح لنا أن نتوسع أكثر من ذلك. إلا أنه يمكننا استخلاص استنتاج معقول من البيانات التي بحثناها في هذا الفصل. ففي ضوء سجل الحفريات، والانعزال الجزيئي، واستحالة حدوث مراحل انتقالية، والتعقيد غير القابل للاختزال، والتغير التكراري، والحدود الوراثية (وعجز الداروينيين عن تفسير أصل الكون أو أول حياة)، قد تظن أن الداروينيين سيعترفون أخيرًا أن نظريتهم لا تتفق مع ما لوحظ من أدلة.
ولكن الداروينيون ما زالوا يقدمون قصصًا “بلا دليل” وبلا أساس، وتتناقض فعليًا مع الملاحظة العلمية. فهم ما زالوا يصرّون أن التطور حقيقة، حقيقة، حقيقة! إننا نتفق أن التطور حقيقة، ولكن ليس بالمعنى الذي يقصده الداروينيون. فإن كنت تُعَرِّف التطور بأنه “تغيُّر”، عندئذٍ من المؤكد أن الكائنات الحية قد تطوَّرت. ولكن هذا التطور حدث على المستوى الميكرو، لا الماكرو. وكما رأينا لا يوجد دليل على الماكرو تطور، بل إن عندنا أدلة تؤكد أنه لم يحدث.
فإن لم يكن الماكرو تطور صحيحًا، ما البديل؟ إن لم يكن هناك تفسير طبيعي لأصل الأشكال الجديدة من الحياة، إذَن لا بد من وجود تفسير ذكي. هذا هو الخيار الوحيد المتبقي. فليس هناك مرحلة انتقالية بين الذكاء واللاذكاء. إما ذكاءً تدخل في الأمر أو لا. ولكن الداروينيون لا يحبون هذا الخيار. فما إن تنفذ قدرتهم على الدفاع عن موقفهم بكفاءة باستخدام أدلة علمية محايدة (وهو ما يحدث بسرعة شديدة)، حتى يصوبوا عادةً أسلحتهم على أنصار التصميم الذكي، نحن المؤمنين بذكاء وراء الكون والحياة. وإليك اعتراضاتهم المعتادة وردودنا:
الاعتراض: التصميم الذكي ليس علمًا.
الرد: كما رأينا، العلم بحث عن المسببات، وليس هناك إلا نوعان من المسببات: الذكية وغير الذكية (الطبيعية). وزَعْم الداروينيين بأن التصميم الذكي ليس علمًا مبني على تعريفهم للعلم، وهو تعريف متحيز. ولكن هذه حجة دائرية![4] فإن كان تعريفك للعلم يستبعد المسببات الذكية مسبقًا، إذَن لن تعتبر أبدًا التصميم الذكي علمًا. إلا أن المضحك في أمر الداروينيين هو أنه: إن لم يكن التصميم الذكي علمًا، فالداروينية مثله. لماذا؟ لأن كلاً من الداروينيين وعلماء التصميم الذكي يحاولون اكتشاف ما حدث في الماضي.
والأسئلة المختصة بالأصل أسئلة أدلة جنائية، ومن ثم تتطلب استخدام مبادئ علم الأدلة الجنائية التي ناقشناها. والحقيقة أن استبعاد الداروينيين للتصميم الذكي من مجال العلم يعني أنهم يستبعدون أنفسهم ويستبعدون علم الآثار، وعلم الشفرة السرية، والأبحاث الجنائية المستخدمة في الجرائم والحوادث، والبحث عن ذكاء من خارج الأرض. كل هذه علوم أدلة جنائية مشروعة تفحص الماضي للتوصل إلى مسببات ذكية. إذَن لا بد أن التعريف الدارويني للعلم ينطوي على خطإً ما.
جدول 6-2 يبين الفرق بين العلم التجريبي وعلم الأدلة الجنائية:
العلم التجريبي
(الذي يدرس العملية الحالية Operation)
علم الأدلة الجنائية
(الذي يدرس الأصل Origin)
يدرس الحاضر
يدرس الماضي
يدرس الأحداث المنتظمة regularities
يدرس الأحداث الانفرادية singularities
يدرس المتكرِّر
يدرس غير المتكرِّر
يمكن إعادة الحدث
يستحيل إعادة الحدث
يدرس كيف تعمل الأشياء
يدرس كيف بدأت الأشياء
يُختبَر بتكرار التجريب
يُختبَر بالنمطية
يسأل: كيف يعمل الشيء؟
يسال: ما أصل الشيء؟
أمثلة:
كيف تسقط المياه؟
كيف تتآكل الصخور؟
كيف يعمل المحرك؟
كيف يلتصق الحبر بالورق؟
كيف تعمل الحياة؟
كيف يعمل الكون؟
أمثلة:
ما أصل المحطة الكهرومائية؟
ما أصل جبل رَشمور؟
ما أصل المحرك؟
ما اصل هذا الكتاب؟
ما أصل الحياة؟
ما أصل الكون؟
الجدول 6-2
الاعتراض: التصميم الذكي يرتكب مغالطة إله الفجوات.
الرد: تحدث مغالطة إله الفجوات عندما يعتقد المرء خطأً أن الله سبَّب الحدث رغم أنه في الواقع نتج بسبب ظاهرة طبيعية لم تُكتشَف. فمثلاً، كان الناس يعتقدون أن الله هو المسبب المباشر للبرق. فقد كانت هناك فجوة في معرفتنا بالطبيعة، فنَسَبْنا الأثر لله. ويؤكد الداروينيون أن المؤمنين بالله الخالق يفعلون الشيء نفسه عندما يزعمون أن الله خلق الكون والحياة. فهل هم على صواب؟ لا، لعدة اسباب.
أولاً، عندما نخلص إلى أن ذكاءً خلق أول خلية أو المخ البشري، لا نقول ذلك لمجرد إننا نفتقر لأدلة تشير إلى تفسير طبيعي؛ ولكن لأننا أيضًا نمتلك أدلة إيجابية يمكن رصدها تجريبيًا على وجود مسبب ذكي. فالرسالة (التعقيد المحدد) يمكن رصدها تجريبيًا. وعندما نرصد رسالة، مثل “أَخْرِج القمامة-ماما” أو 1000 موسوعة، نعرف أنه من المؤكد أنها أتت من كائن ذكي لأن كل خبراتنا القائمة على الملاحظة تخبرنا أن الرسائل لا تأتي إلا من كائنات ذكية.
فكلما نلاحظ رسالة، نجد أنها آتية من كائن ذكي. ونحن ندمج هذه البيانات مع حقيقة أننا لا نلاحظ أبدًا قوانين طبيعية تنشيء رسائل، ونعرف أنه لا بد أن يكون المسبب كائنًا ذكيًا. وهذا استنتاج علمي مقبول بناءً على الملاحظة والتكرار. فهي ليست محاجة تقوم على الجهل، ولا تقوم على أي “فجوة” في معرفتنا.
ثانيًا، علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. فهم لا يعارضون البحث المستمر عن تفسير طبيعي لأول حياة. ولكن كل ما في الأمر أنهم يلاحظون أن كل التفسيرات الطبيعية المعروفة تبوء بالفشل، وكل الأدلة التي يمكن رصدها تجريبيًا تشير إلى مصمم ذكي.
والآن يمكننا أن نتساءل عن الحكمة وراء الاستمرار في البحث عن مسبب طبيعي للحياة. وسأل وليم دمبسكي الذي نشر أبحاثًا موسعة في التصميم الذكي قائلاً: “متى يتحول الإصرار ]على إيجاد مسبب طبيعي[ إلى صلابة دماغ حمقاء؟ … إلى متى يجب أن نستمر في البحث حتى يحق لنا أن نتوقف عن البحث ونعلن أنه لا جدوى من استمرار البحث، بل أيضًا أن موضوعَ البحثِ نفسَه لا وجود له؟”
فكِّر في مضامين سؤال دمبسكي. هل يجب أن نستمر في البحث عن مسبب طبيعي لظواهر مثل جبل رَشمور أو رسائل مثل “أَخْرِج القمامة-ماما”؟ متى يُغلَق هذا الملف؟
والتر برادلي Walter Bradley، المشارك في تأليف كتاب الأثر بعنوان “سر أصل الحياة” The Mystery of life’s Origin يعتقد أنه “لا يبدو أن هناك أي إمكانية للعثور على ]تفسير طبيعي[” لأصل الحياة. وهو يضيف قائلاً: “أظن أن مَن يعتقدون أن الحياة نشأت طبيعيًا يحتاجون إلى قدر من الإيمان يفوق بكثير إيمان من يستدلون منطقيًا على مصمم ذكي”.
بصرف النظر عما إذا كنت تعتقد أنه علينا أن نستمر في البحث عن تفسير طبيعي أم لا، فالنقطة الرئيسية هي أن علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. ولكن اتضح أن المسبب الذكي هو أكثر ما يتفق مع الأدلة.
ثالثًا، استنتاج التصميم الذكي يمكن تخطيئه. أي أن التصميم الذكي يمكن إثبات خطئه إذا اكتُشِف يومًا ما أن القوانين الطبيعية خلقت التعقيد المحدد. إلا أن هذا لا يمكن أن ينطبق على الموقف الدارويني. فالداروينيون لا يسمحون بتخطيء “قصة الخلق” الخاصة بهم لأنهم، كما أشرنا، لا يسمحون بالتفكير في أي قصة خلق أخرى. وذلك لأن “عِلمهم” ليس مبدئيًا يقبل المراجعة أو التصحيح، ولكنه أضيق أفقًا من تعاليم الكنيسة المتصلبة التى يحلو للداروينيين انتقادها.
وأخيرًا، الحقيقة أن الداروينيين هم من يرتكبون مغالطة إله الفجوات. فداروين نفسه اتُّهِم ذات مرة بأنه يعتبر الانتخاب الطبيعي “قوة عاملة أو الله” (انظر الفصل الرابع من كتاب “أصل الأنواع” Origin of Species). ولكن يبدو ان الانتخاب الطبيعي هو فعلاً الله أو “إله الفجوات” عند الداروينيين اليوم. فعندما يفشلون تمامًا في معرفة كيف وًجِدَت الأنظمة البيولوجية الغنية بالمعلومات والمعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يسدون فجوتهم المعرفية بأن يزعموا أن الانتخاب الطبيعي، والزمن، والصدفة فعلت ذلك.
إن قدرة هذه الآلية على خلق أنظمة بيولوجية غنية بالمعلومات تناقض الأدلة التي ثبتت بالملاحظة. فالطفرات ضارة في كل الحالات تقريبًا، والزمن والصدفة ليسا في صالح الداروينيين كما شرحنا في الفصل الخامس. والانتخاب الطبيعي في أحسن الأحوال قد يكون مسؤولاً عن تغيرات طفيفة في الأنواع الحية، ولكنه لا يستطيع أن يفسر أصل الأشكال الأولى من الحياة.
فالانتخاب الطبيعي لكي يحدث أصلاً يحتاج إلى كائن حي يبدأ به عمله. ولكن، بالرغم مما يتضح من مشكلات في الآلية الداروينية، يصر الداروينيون على أنها تسد أي فجوة في معرفتهم. وإضافة إلى ذلك، يتجاهلون عمداً الأدلة الإيجابية المرصودة بالتجريب على وجود كائن ذكي. أن هذا ليس علمًا بل عقيدة جامدة لدين علماني. فالداروينيون مثل معارضي جاليليو يسمحون لديانتهم أن تتغلب على الملاحظات العلمية!
الاعتراض: التصميم الذكي مدفوع بالدين.
الرد: هذا الاعتراض له شقان. الأول هو أن بعض أنصار التصميم الذكي قد يكونون مدفوعين بالدين. وما العيب في ذلك؟ هل هذا يجعل التصميم الذكي خاطئًا؟ هل الدافع الديني عند بعض الداروينيين يجعل الداروينية خاطئة؟ لا، الحق لا يكمن في دوافع العلماء، بل في جودة الأدلة. فدافع العالِم أو تحيزه لا يعني بالضرورة أنه مخطئ. فمن الممكن أن يكون متحيزًا ومع ذلك صائبًا. التحيز أو الدافع ليس هو القضية الأساسية، ولكن الحق هو القضية.
واحيانًا ما يقال الأعتراض بهذه الطريقة: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه خَلْقيّ”. على أي حال، إن كان السيف يقطع، فهو يقطع على الجانبين. أي أنه يمكننا أيضًا أن نقول: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه دارويني”.
لماذا تُعتبَر الاستنتاجات الخَلْقية فورًا متحيزة وتُعتبَر الاستنتاجات الداروينية تلقائيًا موضوعية؟ لأن الأغلبية لا تدرك أن الملحدين لديهم منظور فلسفي للحياة مثلهم مثل الخَلْقيين. وكما نرى منظور الملحدين الفلسفي ليس محايدًا وهو يتطلب فعليًا قدرًا من الإيمان يزيد عن إيمان الخلقيين.
وكما ذكرنا آنفًا، إن التحيزات الفلسفية او الدينية تمنع المرء من تفسير الأدلة تفسيرًا صحيحًا، عندئذٍ يحق لنا أن نشك في استنتاجاته. وفي الموضوع الذي نحن بصدده، يبدو أن الداروينيين هم أكثر من يواجهون تلك المشكلة. إلا أن النقطة الرئيسية هي أنه حتى إن كان المرء مدفوعًا بالدين أو الفلسفة، يمكنه تصحيح استنتاجاته بنظرة مخلصة للأدلة. فالعلماء على الجانبين قد يصعب عليهم أن يكونوا محايدين، ولكنهم إن كانوا أمناء، يمكنهم أن يكونوا موضوعيين.
أما الشق الثاني في هذا الأعتراض هو الاتهام القائل بأن مؤيدي التصميم الذكي ليس لديهم أدلة على موقفهم، كل ما في الأمر أنه يرددون كلام الكتاب المقدس ترديدًا ببغائيًا. وهذا الشق من الاعتراض لا ينجح أيضًا.
فمعتقدات التصميم الذكي قد تتوافق مع الكتاب المقدس، ولكنها لا تقوم على الكتاب المقدس. ولكن كما رأينا، التصميم الذكي استنتاج يقوم على أدلة مرصودة تجريبيًا، لا على نصوص مقدسة. وكما أشار بيهي “الحياة على الأرض أساسها، وفي مكوناتها الجوهرية نتاج نشاط ذكي. واستنتاج التصميم الذكي ينبع تلقائيًا من البيانات نفسها، لا من كتب مقدسة أو معتقدات دينية”.
التصميم الذكي ليس “عِلمًا خَلْقيًا” أيضًا. علماء التصميم الذكي لا يزعمون مزاعم المدعوين “علماء الخلق”. فهم لا يقولون أن البيانات تؤيد بكل وضوح منظور سفر التكوين ذا الأيام الستة التي يتكون كل منها من أربع وعشرين ساعة، ولا طوفانًا غطى العالم كله. ولكنهم يعترفون أن البينات المؤيدة للتصميم الذكي لا تقوم على عمر أو تاريخ جيولوجي محدد للأرض.
وعلماء التصميم الذكي يدرسون في الطبيعة نفس الأشياء التي يدرسها الداروينيون، وهي الحياة والكون نفسه، ولكنهم يتوصّلون لاستنتاج أكثر منطقية بخصوص مسبِّب تلك الأشياء. باختصار، بصرف النظر عما يقوله الكتاب المقدس في هذا الموضوع، الداروينية مرفوضة لأنها لا تتوافق مع البيانات العلمية، والتصميم الذكي مقبول لأنه متوافق مع البيانات.
الاعتراض: التصميم الذكي خاطئ لأن المدعو تصميمًا لا يتسم بالكمال.
الرد: طالما حاجَّ الداروينيون أنه لو وُجِد مصمِّم، لصمَّم المخلوقات على نحو أفضل. وهو ما أشار إليه ستيفن جاي في كتابه “إبهام الباندا” The Panda’s Thumb حيث استشهد بالتصميم غير المثالي للبروز العظمي الذي يقوم مقام الإبهام عند حيوان الباندا.
إن مشكلة الداروينيين أن هذا ينقلب إلى حجة لمصلحة المصمم لا حجة ضده. أولاً، وصف جولد لشيءٍ ما بأنه تصميم غير مثالي يعني ضمنيًا أنه يعرف التصميم المثالي. لأنه لا يمكنك أن تعرف شيئًا ما غير مثالي إلا إذا كنت تعرف المثالي. إذَن ملاحظة جولد لتصميم غير مثالي تمثل اعترافًا ضمنيًا بأنه يمكن رصد تصميم في إبهام الباندا. (بالمناسبة، هذا سبب آخر يجعل الداروينيين مخطئين عندما يؤكدون أن التصميم الذكي ليس علمًا.
فعندما يزعمون أن شيئًا ما ليس مصممًا بشكل صحيح، يقصدون ضمنًا أنهم يستطيعون أن يحددوا التصميم الصحيح. وهو ما يثبت ما يقوله علماء التصميم الذكي منذ زمن بعيد، ألا وهو أن التصميم الذكي علمًا لأنه يمكن رصده تجريبيًا).
ثانيًا، التصميم غير المثالي لا يلغي وجود تصميم. وهو ما يعني أنه حتى إن حَكمْتَ أن شيئًا ما ليس مصممًا بالشكل المثالي، لا يعني هذا أنه ليس مصمَّمًا على الإطلاق. فسيارتك ليست مصممة بالشكل المثالي، ومع ذلك فهي مصممة، مؤكد أنها لم تتكون بالقوانين الطبيعية.
ثالثًا، حتى تقول إن شيئًا غير مثالي، لا بد أن تعرف أهداف المصمم أو أغراضه.فإن كان جولد لا يعرف ما كان يقصده المصمم، فلا يمكنه أن يقول إن التصميم يَقْصُر عن بلوغ تلك المقاصد. فكيف يعرف جولد أن إبهام الباندا ليس هو بالضبط ما كان في عقل المصمم؟
جولد يفترض أن إبهام الباندا يجب أن يكون مجاورًا للسبابة كما هو الحال في الإنسان. ولكن ربما أن المصمم أراد إبهام الباندا بالشكل الذي هو عليه. وبالرغم من كل شيء، فإبهام الباندا يؤدي غرضه بامتياز في مساعدة الباندا على تقشير نباتات البامبو حتى يصل إلى جزئه الداخلي الذي يمكن أكله. من المحتمل أن الباندا لا يحتاج إبهامًا مجاورًا للسبابة لأنه لا يحتاج أن يكتب كتابًا مثل جولد، ولكن كل ما يحتاجه هو تقشير البامبو. لذا، لا يمكن لجولد أن يخَطِّئ مصمم ذلك الإبهام إن كان الغرض منه لا يزيد عن تقشير البامبو.
أخيرًا، في عالم مقيَّد بالواقع الفيزيائي، يتطلب التصميم كله تحقيق نوع من التوازن. فحسابات اللاب توب لا بد أن تُوازِن بين الحجم، والوزن، والأداء. والسيارات الكبيرة قد توفر مزيدًا من الأمان والراحة، ولكن التحكم فيها أصعب وتستهلك كمية أكبر من الوقود. السقوف العالية تُزيد الغرف فخامةً، ولكنها تستهلك أيضًا مزيدًا من الطاقة. ونظرًا لاستحالة التخلص من التوازنات في هذا العالم، على المهندسين أن يبحثوا عن حلول وسطية تحقق الأغراض المرجوة بأفضل ما يمكن.
فمثلاً، لا يمكنك أن تعيب على تصميم سيارة صغيرة لأنها لا تكفي خمسة عشر راكبًا. فالهدف هو أن تحمل أربعة ركاب لا خمسة عشر راكبًا. وذلك لأن مصنع السيارات ضحى بالحجم في سبيل توفير الوقود وحَقَّقَ الغرض المرجو. وهكذا، ربما يُعَدّ تصميم إبهام الباندا حلاً وسطًا يحقق الأغراض المرجوة. فالإبهام مناسب جدًا لتقشير البامبو. ربما لو صُمِّمَ الإبهام بأي شكل آخر، لأعاق الباندا في مجال آخر. فنحن لا نعرف إلا إذا عرفنا أهداف المصمم. ولكن ما نعرفه بالتأكيد أن انتقادات جولد لا تنجح دون معرفة تلك الأهداف.
إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟
إن كانت أدلة التصميم الذكي بهذه القوة، إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟ فمهما كان، هؤلاء الأشخاص ليسوا سُذَّجًا، بل أسماؤهم عادةً ما تكون مسبوقة بلقب دكتور!
أول ما يجب ملاحظته أن المسألة ليست مجرد قضية فكرية حيث ينظر الداروينيون إلى الأدلة نظرة متجردة من المشاعر الشخصية ثم يتوصلون إلى استنتاج عقلاني. فقد كتب ريتشارد دوكينز هذه الكلمات المشهورة: “إن التقيتَ بشخص يزعم أنه لا يؤمن بالتطور، تستطيع أن تقول بكل إرتياح وثقة إنه جاهل، أو غبي، أو مجنون (أو شرير، وإن كنت لا أفضل أن آخذ هذا الوصف في الحسبان)”. وطبعًا تعليق دوكينز خاطئ بكل بساطة.
وذلك لأن هناك عباقرة حملة دكتوراه يؤمنون بالتصميم الذكي. ولكن السؤال الحقيقي هو: لماذا الإهانات؟ لماذا الانفعال؟ لماذا العداوة؟ كنت أظن أن الموضوع علمي. لا بد أن هناك شيئًا آخر. نعم. لنرجع إلى كلام ريتشارد ليونتِن الذي اقتبسناه في الفصل السابق. تَذَكَّر تأكيده أن الداروينيين يؤمنون بما يؤمنون به من عبث لأن “المادية مطلقة لأننا لا نستطيع أن نسمح بدخول قَدَم إلهية من الباب”. هذه هي القضية الحقيقية! إبقاءُ الله خارجًا. ولكن لماذا لا يريد الداروينيين “قدمًا إلهية في الباب”؟ نقترح أربعة أسباب رئيسية.
أولاً، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف بأنهم ليسوا السلطة المرجعية العليا للحق. فحاليًا في هذا العالم المتقدِّم تكنولوجيًا، تنظر العامة إلى العلماء باعتبارهم السلطة المرجعية الموقَّرة، إنهم الكهنة الجدد الذين بِيَدِهم إمكانية تحسين الحياة والذين يشكلون المصدر الوحيد للحق الموضوعي. ولكن السماح بإمكانية وجودِ الله يعني التنازل عن زعمهم بأنهم أصحاب السلطة العليا.
ثانيًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف أنهم ليسوا أصحاب السلطة المرجعية المطلقة في تفسير المسببات. بمعنى أنه إن كان الله موجودًا لا يمكنهم أن يفسروا كل حدث باعتباره نتيجة لقوانين طبيعية يمكن التنبؤ بها. وهو ما عَبَّرَ عنه ريتشارد ليونتن على هذا النحو: “الاحتكام إلى إله كلي القدرة يعني السماح بخرق منتظِمات الطبيعة في أي لحظة، والسماح بالمعجزات”. وكما أشار جاسترو أنه عندما يحدثُ ذلك “يفقد العالِم السيطرة” ويتركها لله بالتأكيد، وربما للاَّهوتي.
ثالثًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني المخاطرة بأمانهم المادي وإعجاب الناس بهم على المستوى المهني. كيف؟ بسبب الضغط الشديد من المجتمع الأكاديمي لنشر مواد تؤيد التطور. هات موضوعًا مهمًا، وقد تجد نفسك على غلاف مجلة ناشونال جيوجرافك National Geographic أو موضوع حلقة خاصة على محطة بي. بي. إس PBS. وإن لم تجد شيئًا مهمًا، قد تجد نفسك خارج وظيفتك، أو قد تفقد الأموال الممنوحة لك، أو تفقد على الأقل رضا زملائك المؤمنين بالفلسفة المادية. إذَن المال، والأمان الوظيفي، والمركز الاجتماعي كلها دوافع لتأييد المنظور الدارويني.
أخيرًا، وربما الأهم، اعتراف الداروينيين بوجودِ الله يعني الاعتراف بأنهم لا يملكون سلطةَ تعريفِ الصواب والخطإ بأنفسهم. فاستبعاد الداروينيين لما هو فائق للطبيعة يُمَكِّنهم من تجنب إمكانية وجود ممنوعات أخلاقية. لأنه إن لم يكن هناك إله، يكون كل شيء مشروعًا، كما قالت إحدى الشخصيات في رواية للكاتب دوستويفسكي. (سنتناول الارتباط بين الله والأخلاق في الفصل القادم).
والحقيقة أن الراحل جوليان هَكسلي Julian Huxleyأحد قادة الداروينيين في إحدى الفترات، اعترف أن الحرية الجنسية دافع شائع وراء العقيدة التطورية. وعندما سأله مرف جريفن Merv Griffin مضيف البرامج الحوارية: “لماذا يؤمن الناس بالتطور؟” أجاب بصدق قائلاً: “سبب قبولنا للداروينية، حتى دون برهان، هو أننا لم نُرِدْ أن يتدخل الله في أعرافنا الجنسية”. لاحظ أنه لم يستشهد بأدلة على التولد التلقائي ولا من سجل الحفريات. والدافع الذي لاحظ انتشاره بين التطوريين يقوم على استحسانات أخلاقية، لا أدلة علمية.
ويكشف الملحد السابق لي ستروبِل Lee Strobel أن إيمانه بالداروينية يرجع إلى هذا الدافع. فهو يكتب: “كنتُ سعيدًا أن أتعلق بالداروينية كذريعة للتخلص من فكرِة الله حتى أتمكن من تحقيق أغراضي في الحياة بلا خجل دون أي محاذير أخلاقية”.
وقد اعترف بعض الداروينيين أيضًا بذلك للكاتب والمحاضر رون كارلسون. ففي إحدى المناسبات، بعد أن ألقى محاضرة في جامعة كبرى عن مشكلات الداروينية وأدلة التصميم الذكي، تناول العشاء مع أستاذ علم الأحياء حَضَرَ عَرْضَه.
فسأله كارلسون: “ما رأيك في محاضرتي؟”
فبدأ الأستاذ كلامه قائلاً: “رون، كلامك صحيح ومعقول جدًا. ولكني سأستمر في تدريس الداروينية على أي حال”.
فتحير كارلسون وسأله: “لماذا؟”
أجاب الأستاذ: “بصراحة يا رون لأن الداروينية مريحة أخلاقيًا”.
فسأل كارلسون بإلحاح: “مريحة أخلاقيًا؟ ماذا تقصد؟”
أجاب الأستاذ: “أقصد إن كانت الداروينية صحيحة، أي أن لم يكن الله موجودًا وكلنا تطورنا من طحالب خضراء لزجة، يمكنني أن أنام مع من أريد. في الداروينية لا مُساءلة أخلاقية”.
إنها لحظة صدق تام. طبعًا هذا لا يعني أن كل الداروينيين يفكرون بهذه الطريقة أوأن كل الداروينيين غير أخلاقيين، فلا شك أن البعض يعيشون حياة أخلاقية أفضل من الكثيرين ممن يُدْعَون مسيحيين. ولكنه يكشف ببساطة أن بعض الداروينيين مدفعون لا بالأدلة بل برغبة في أن يظلوا أحرارًا مما يضعه الله من محاذير أخلاقية معروفة.
وهذا الدافع قد يؤدي بهم إلى إخماد الأدلة على وجود خالق حتى يواصلوا حياتهم بالطريقة التي تحلو لهم. (وبهذا المعنى لا تختلف الداروينية عن الكثير من أديان العالم الأخرى من حيث إنها تقدم طريقة للتعامل مع الذنب الذي ينتج من السلوك غير الأخلاقي. الفرق هو أن بعض الداروينيين بدلاً من أن يُقِرَوا بالذنب ويقدموا طرقًا للتكفير عنه أو قواعد لتجنبه، يحاولون أن يتجنبوا أي إشارة للذنب بتأكيد أنه ليس هناك سلوك غير إخلاقي حتى نكون مذنبيين بارتكابه).
هذه الدوافع الأربعة التي اقترحناها يجب ألا تدهشنا. فالجنس والسلطة هما الدافعان اللذان يشكلان أساس الكثير من مناقشتنا الثقافية الأشَدّ حدةً، مثل تلك المختصة بالإجهاض والمثلية الجنسية. ففي أغلب الأحيان يتخذ الناس في تلك المجادلات المواقف التي تتماشى مع رغباتهم الشخصية فحسب بدلاً من أن يفكروا في الأدلة.
وكذلك الاعتقاد في الداروينية غالبًا ما يكون مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية. وأحيانًا يرفض الناس ما يعرفون أنه حقيقي بسبب ما سيُحدثه من تأثير على حياتهم الشخصية. وهو ما يفسر اقتراح بعض الداروينيين لهذه التفسيرات العبثية “المناقضة لما هو واضح”، التفسيرات التي “تخالف الحس العام”. فالبرغم من الأدلة الصريحة على التصميم، هؤلاء الداروينيون يخشون تدخل الله في حياتهم الشخصية أكثر مما يخشون أن يكونوا مخطئين في استنتاجتهم العلمية.
وهو ما لا يعني أن كل الداروينيين لديهم هذه الدوافع وراء معتقداتهم. فالبعض قد يعتقدون فعلاً أن الأدلة تؤيد نظريتهم. ونظن أنهم يكَوِّنون هذا المفهوم الخاطئ لأن معظم الداروينيين نادرًا ما يدرسون أبحاثًا في مجالات أخرى. والنتيجة أن عددًا قليلاً جدًا هو من يرى الصورة كاملة.
وهو ما ينطبق بوجه خاص على علماء الأحياء. فعالِم الأحياء الخلوية والجزيئية جوناثان ولز يشير إلى أن “معظم علماء الأحياء أمناء ومجتهدون وحريصون على تقديم الأدلة بدقة، ولكنهم نادرًا ما يغامرون بالخروج من مجالاتهم”. وهو ما يعني أنه بالرغم من أنهم أمناء في عملهم، فهم لا يرون إلا قطعة اللغز التي تخصهم.
وبما أن معظم علماء الأحياء تعلموا أن سطحَ علبة اللغزِ الداروينيَّ صحيح بوجه عام (فقط تلك التفاصيل المزعجة هي التي لم يوجد لها حل حتى الآن)، إذَن هم يفسرون قطعة اللغز التي تخصهم بناءً على سطح العلبة الذي في عقولهم، مفترضين صدق المنظور الدارويني ومفترضين أن أقوى الأدلة على الداروينية موجودة في مجال آخر من مجالات علم الأحياء.
لذا، حتى إن كانوا لا يرون أدلة على التولد التلقائي أو الماكرو تطور في قطعة اللغز التي تخصهم، فمن المؤكد أن الدليل موجود في مجال آخر في علم الأحياء لأن سطح العلبة الدارويني يستلزم أن تكون الأمور صحيحة. وهذه الظروف تجعل علماء الأحياء لا يَشُكّون في النموذج التطوري.
ما اهمية عمر الكون؟
لا نستطيع أن نترك مناقشة التطور والخلق دون أن نذكر على الأقل عمر الكون. وبما أن الآراء تتعدد حول هذا الموضوع، وخاصةً في الدوائر المسيحية، فالمجال هنا لا يسمح بتناول كل هذه الآراء (ولكنها مشروحة بالتفصيل في “موسوعة بيكر للدفاعيات المسيحية واللاهوت النظامي، الجزء الثاني” Baker Encyclopedia of Christian Apologetics and Systematic Theology, Volume 2).
إلا أننا نريد أن نؤكّد أنه رغم أن عمر الكون مسألة لاهوتية مهمة، فالأهم ليس متى خُلِقَ الكون ولكن أنه خُلِقَ. وكما رأينا الكون انفجر إلى الوجود من العدم، وقد ضُبِطَ ضبطًا دقيقًا ليدعم الحياة على الأرض. وبما أن هذا الكون، بما فيه مُتَصَّل الزمكان time-space continuum كله، له بداية، إذَن يتطلب بادئًا بغضِّ النظر عن الوقت الذي حدثت فيه هذه البداية. وهكذا، بما أن هذا الكون مصمَّم، إذَن هو يتطلب مصمِّمًا بغض النظر عن الوقت الذي تم فيه هذا التصميم.
يمكننا أن نناقش مدة أيام سفر التكوين، أو ما إذا كانت الافتراضات التي تقوم عليها أساليب تحديد عمر الأرض افتراضات صحيحة. ولكننا عندما نفعل ذلك، لا بد أن نحترس من التشويش على الفكرة الأهم، ألا وهي أن هذه الخليقة تتطلب خالقًا.[5]
الملخص والخلاصة
والآن نصل إلى فصل القول. ليس هناك فعليًا إلا احتمالان: إما أن الله خَلَقَنا، أو أننا خَلَقْنا الله. إما أن الله موجود فعلاً، أو أنه من نسجِ عقولنا. وكما رأينا الداروينية حيث لا إله هي نتاج العقل البشري. ولا بد أن تتمتع بقدر كبير من الإيمان حتى تصبح داروينيًا. وعليك أن تؤمن أنه بدون تدخل ذكي:
1- شيء نشأ من لا شيء (أصل الكون).
2- النظام نشأ من الفوضى (تصميم الكون).
3- الحياة نشأت من اللاحياة (أي أن الذكاء نشأ من اللاذكاء، والشخصية من اللاشخصية).
4- الأشكال الجديدة من الحياة نشأت من أشكال حياة موجودة رغم الأدلة التي تُثْبت العكس مثل:
(1) الحدود الوراثية
(2) التغير التكراري
(3) التعقيد غير القابل للاختزال
(4) الانعزال الجزيئي
(5) عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة
(6) سجل الحفريات
أذَن الأدلة ليست في صالح الماكرو تطور. ولكن ماذا عن الماكرو تطور الخَلقي؟ ربما ما لا يمكن تفسيره طبيعيًا يصبح له معنى إن أدخلت الله في الصورة.
لماذا هذا الاقتراح؟ لأنه إن وُجِدَت أدلة على الله وعلى الماكرو تطور، إذَن قد نجد سببًا لدمج الاثنين معًا. ولكن كما رأينا، ليس هناك أدلة على الماكرو تطور. فالأمر ليس أن عندنا أدلة متضاربة: بعضها يشير إلى الماكرو تطور، وبعضها يدحضه.
فإن كان عندك مثلاً سجل حفريات يحوى ملايين الأشكال الانتقالية من ناحية، وعندك من ناحية أخرى مخلوقات معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، ربما يمكنك أن ترجح أن الله وَجَّهَ التطور أثناء تلك الفجوات التي لا يربط بينها ارتباط. ولكن بما أن الحال ليس هكذا، يبدو أنه لا حاجة أن يوجِّه الله الماكرو تطور لأنه ليس هناك دليل على حدوث الماكرو تطور أصلاً!
أخيرًا نلقي نظرة على الأدلة من منظور سؤال آخر: ما نوعية الأدلة المطلوبة لإثبات صحة الخلق (التصميم الذكي)؟ ماذا عن:
1- الكون انفجر إلى الوجود من العدم
2- الكون الذي يحوي أكثر من 100 ثابت مضبوطة ضبطًا دقيقًا وتُمَكِّن الحياة من الوجود على هذا الكوكب النائي شديد الصغر الذي يُطلَق عليه الأرض
3- الحياة التي:
لوحظ أنها لا تنشأ من حياة موجودة (لم يُلحَظ أبدًا أنها نشأت تلقائيًا)
تتكون من آلاف بل ملايين الموسوعات من التعقيد المحدد المرصود تجريبيًا (ومِن ثم فالحياة أعظم من المواد الكيميائية غير الحية التي تحويها)
تتغير تكراريًا وفي نطاق محدود
لا يمكن بناؤها أو تعديلها تدريجيًا (أي أنها معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال)
منعزلة جزيئيًا فيما بين الأشكال الأساسية (ليس هناك تدرج ينحدر من سلف واحد على المستوى الجزيئي)
تترك سجل حفريات يحوي كائنات مكتماة التكوين تظهر فجأة، ولا تتغير، ثم تختفي فجأة.
إن نظرة متجردة إلى الحقائق ترجِّح أن الخلق هو الصحيح، وليس الماكرو تطور. وكما رأينا الملحدون عليهم أن يبذلوا جهدًا كبيرًا حتى ينكروا الواضح. ولذلك فهم يحتاجون إلى إيمان أكبر بكثير مما نحتاج إليه.
أخيرًا، نقدم مقترحًا في حل الجدل الدائر في هذا البلد بشأن ما يجب تدريسه في المدارس الحكومية عن الخلق والتطور. ما الخطأ في تدريس ما تناولناه من الفصل الثالث إلى السادس؟ لاحظ أننا لم نقتبس آيات من الكتاب المقدس لإثبات أفكارنا. ولكننا استشهدنا بأدلة علمية. إذَن فهي ليست معركة بين العلم والدين، ولكنها معركة بين العلم السليم والعلم الركيك. وحاليًا معظم أبنائنا يدرسون علمًا ركيكًا لأنهم يدرسون إلا التطور. ولكن الأمور يجب ألا تسير هكذا.
فما هو ضد الدستور في تدريس أدلة SURGE، أو تعريف الأطفال بتعقيد أبسط أشكال الحياة، أو إظهار الفرق بين الميكرو والماكرو تطور وبين علم الأدلة الجنائية والعلم التجريبي، أو كشف المشكلات التي تشوب الماكرو تطور؟ لا شيء. فلماذا نستمر في حقن أبنائنا بنظرية معيبة متهرئة تقوم على افتراضات فلسفية مسبقة أكثر مما تقوم على الملاحظات العلمية؟ لماذا لا نطرح على أبنائنا كل الأدلة العلمية، المؤِّيدة والمضادة، ونترك لهم الاختيار؟
ألا يجب أن نعلِّمهم أن يفكِّروا بأنفسهم تفكيرًا نقديًا؟ بالطبع، علينا أن نفعل ذلك. ولكن الداروينيون سيفعلون كل ما بوسعهم للحيلولة دون هذا الأمر. فالداروينيون يفضلون إخماد الدليل على تقديمه بشكل منصف. لماذا؟ لأن هذا هو المجال الوحيد الذي يفتقر فيه الداروينيون للإيمان، فهم لا يملكون الإيمان بأن أبناءنا سيستمرون في تصديق نظريتهم إذا رأوا كل الأدلة.
[1] Bit اختصار binary digit وتستخدم كوحدة قياس للمعلومات الرقمية. (المترجمة)
[2] يتفق ميلر مع بيهي في أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفضّل تطور جهاز لا يعمل. ولكنه يفند الحجة باقتراحه أن المصيدة في المرحلة الإنتقالية، عندما لا تقدر على اصطياد الفئران، يمكن أن تعمل كمشبك ربطة عنق أو سلسلة مفاتيح (انظر !).
وهو ما يخطئ الهدف طبعًا. فالكائنات الحيّة المعقدة لا يمكنها أن تستبدل عشوائيًا وظيفة بوظيفة آخرى وتظل على قيد الحياة. ولكن الكائن الحي يموت لو فشلت أجزاؤه الأساسية في أداء وظيفتها الأولية، حتى إن كانت تؤدي وظيفة أخرى أثناء مرحلته الانتقالية الداروينية. أي أن المهم هو فقدان الوظيفة الأساسية، وليس أن الجهاز المتوسط قد يتمكن من فعل شيء آخر في المرحلة المتوسطة!
[3] كما رأينا، ينطبق ذلك على تشابه الـDNA الذي يمكن أن يكون أيضًا نتيجة لمصمم مشترك تمامًا كما يمكن أن يكون نتيجة لسلف مشترك.
[4] انظر الحاشية السفلية ص 144. (المترجمة)
[5] بعض المسحيين يخشون من أن التسليم بفترات زمنية طويلة يُزيد من معقولية الماكرو تطور. ولكن هذا ليس صحيحًا كما رأينا في الفصل الخامس.
الخلية الأولى – من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان – عرض ونقد