أيات عن الصلاة – التواضع – الصبر – الشجاعة – المعرفة

أيات عن الصلاة – التواضع – الصبر – الشجاعة – المعرفة

أيات عن الصلاة – التواضع – الصبر – الشجاعة – المعرفة

الصلاة:

  1. “اسألوا تُعطَوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم.” (متى 7: 7)
  2. “لا تهتموا بشيء، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلم طلباتكم لدى الله.” (فيلبي 4: 6)
  3. “وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه.” (متى 21: 22)
  4. “صلوا بلا انقطاع.” (1 تسالونيكي 5: 17)
  5. “ادخل إلى مخدعك واغلق بابك، وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء، وأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية.” (متى 6: 6)

التواضع:

  1. “قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح.” (أمثال 16: 18)
  2. “ومن يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع.” (متى 23: 12)
  3. “الرب قريب من المنكسري القلوب، ويخلص المنسحقي الروح.” (مزمور 34: 18)
  4. “تواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه.” (1 بطرس 5: 6)
  5. “طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات.” (متى 5: 3)

الصبر:

  1. “ولكن إن كان أحد يتألم كمسيحي، فلا يخجل، بل ليمجد الله من هذا القبيل.” (1 بطرس 4: 16)
  2. “فاصبروا أنتم، وثبتوا قلوبكم، لأن مجيء الرب قد اقترب.” (يعقوب 5: 8)
  3. “ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص.” (متى 24: 13)
  4. “ونحن إذ لنا هذه الوعود أيها الأحباء، لنطهر أنفسنا من كل دنس الجسد والروح، مكملين القداسة في خوف الله.” (2 كورنثوس 7: 1)
  5. “لأنكم تحتاجون إلى الصبر، حتى إذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد.” (عبرانيين 10: 36)

الشجاعة:

  1. “تشدد وتشجع، لا تخف ولا ترتعب، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب.” (يشوع 1: 9)
  2. “لأن الله لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح.” (2 تيموثاوس 1: 7)
  3. “الرب نوري وخلاصي، ممن أخاف؟ الرب حصن حياتي، ممن أرتعب؟” (مزمور 27: 1)
  4. “في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم.” (يوحنا 16: 33)
  5. “تشددوا وتشجعوا، لا تخافوا ولا ترتعبوا منهم، لأن الرب إلهك هو السائر معك، لا يهملك ولا يتركك.” (تثنية 31: 6)

المعرفة:

  1. “لأن الرب يعطي حكمة، ومن فمه المعرفة والفهم.” (أمثال 2: 6)
  2. “إن كان أحدكم تعوزه حكمة، فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير، فسيعطى له.” (يعقوب 1: 5)
  3. “ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم، بل ليَخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين.” (متى 20: 28)
  4. “اطلبوا تجدوا. اقرعوا يُفتح لكم.” (لوقا 11: 9)
  5. “لأن الحكمة خير من اللآلئ، وكل النفائس لا تساويها.” (أمثال 8: 11)

ايات عن الخدمة – الغفران – الصداقة – الأمانة – الصدق

ايات عن التعزية – العطاء – العدل – الاحسان – السماء

أيات عن الصلاة – التواضع – الصبر – الشجاعة – المعرفة

آيات عن القيامة – الحكمة – القوة – الرجاء الأبدي – الخلاص

آيات عن الإيمان والمحبة والسلام والرجاء والغفران

 

أيات عن الصلاة – التواضع – الصبر – الشجاعة – المعرفة

علاقة الإيمان المسيحي بالمعرفة

علاقة الإيمان المسيحي بالمعرفة

علاقة الإيمان المسيحي بالمعرفة

وكان الآباء “اليونان” (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (έπιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[1].

حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[2].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور.

وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[3]، مثلما كان ق. أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[4].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن “الإيمان” حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطــــرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ “للحق” الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري.

فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب “الحقيقة” الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[5].

ويأخذ الإيمان شكل الطاعة (υπακοή τη̃ς πίστεως)[6] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (έπιστημονική συγκατάθεσις) “للحق” الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[7].

وقد أكد ق. هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم “الحق” الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[8]، وحين تحدث ق. هيلاري عن اعتراف الرسل “بأن المسيح هو ابن الله” على أن ذلك هو “صخرة الإيمان” التي بنيت عليها الكنيسة[9]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا، لأن الكنيسة بنيت على “الحق” الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا “الحق” الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها.

وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل “بالإيمان” وفهمهم “للحق” محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[10].

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[11]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس “الحق”، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً “للحق” الذي تشهد له الكتب المقدسة، لماذا؟

لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس؛ إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته، وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[12].

ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة “للإيمان” في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته ويجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[13].

 

[1]  إش 9:7. ولذلك نجد ق. إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[2]  انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

[3]  Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض ق. هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.   

[4]  Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48 ; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

[5]  Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[6]  رو 5:1؛ 26:16.

[7]  Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

[8]  Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

[9]  Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’ F. E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

[10]  Hilary, De Trin., 2.22.

[11]  Hilary, De Trin., 5.20f.

[12]  Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

[13]  Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

علاقة الإيمان المسيحي بالمعرفة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

 

الإيمان المسلم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

 

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام.

ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14]. بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15].

أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16]. ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس.

وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

 

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي.

فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة.

أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

 

نؤمن

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22]. ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

 

نظرة الآباء إلى الإيمان

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

 

علاقة الإيمان بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطــــرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري.

فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31]. ويأخذ الإيمان شكل الطاعة  (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا

لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها. وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس.

إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته، وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه.

مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘.

إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس وق. هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48].

إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله. وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49].

وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها.

ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51]. ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

[20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

[21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

[22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

[23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα)  . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم القديس أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد القديس إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض القديس هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الحُرية والمعرفة والحديث الروحي – أيمن فايق

+ الحريــــــــــة +

+ اتركوا الجهالات فتحيوا، وسيروا في طريق الفهم (أمثال 9: 6)
+ فتح كلامك (إعلان أقوالك) يُنير، يُعقل الجُهال (مزمور 119: 130)

الحرية هي إرادة النفس العاقلة المستنيرة المُهيأة للتحرك إلى ما تُريد بكامل وعيها وإدراكها الداخلي، ولا شيء يُقيدها فيمنعها عن المسير في طريقها التي اختارته، إذ يكون هدفها واضح أمام أعينها، وقد حسبت نفقة الطريق التي تسير فيه، وأصرت على انها تجتازه مهما ما كان فيه من صِعاب لأن لها رؤية نافذة للحق المُعلن الواضح أمامها مثل شمس النهار المُنير الذي لا يتعثر فيه أحد، وهذا يختلف عن ظلام الليل الكاحل الذي كل من يسير فيه لابد من أن تتعثر خطواته لأنه لا يرى.

وهكذا النفس التي حررها الابن الوحيد [ وتعرفون الحق والحق يحرركم… فان حرركم الابن فبالحقيقة تكونون احراراً – يوحنا 8: 32 و36 ]، وأنار ذهنها وفتح بصيرتها على الحق [ حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب – لوقا 24: 45 ]، فصار الهدف أمامها واضح في نور إشراق وجهه [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح – 2كورنثوس 4: 6 ]، فلا تتخبط النفس في ليل عدم الإدراك ولا رؤية الهدف [ فسيروا ما دام لكم النور لئلا يُدرككم الظلام، والذي يسير في الظلام لا يعلم إلى أين يذهب – يوحنا 12: 35 ]، لذلك فأن طريق الحياة في المسيح يسوع لا يضل فيها أحد قط حتى ولو لم يكن لهُ المعرفة الكاملة أو كان مبتدئ مثل طفلٍ صغير رضيع لا يزال يجهل الكثير [ وَتَكُونُ هُنَاكَ طَرِيقٌ تُدْعَى طَرِيقَ الْقَدَاسَةِ، لاَ يَسْلُكُ فِيهَا مَنْ هُوَ دَنِسٌ، إِنَّمَا تَكُونُ مِنْ نَصِيبِ السَّالِكِينَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ، وَلاَ يَضِلُّ فِيهَا حَتَّى الْجُهَّالُ – إشعياء 35: 8 ]، لأنه طريق مُنير بنور اللوغوس حمل الله وحيد الآب [ ثم كلمهم يسوع أيضاً قائلاً: “أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة” – يوحنا 8: 12 ]

والنفس التي دخلت في حرية مجد أولاد الله، وانفكت كل قيودها بقوة مسيح القيامة والحياة، فأنه – بالضرورة – صار لها غرض وهدف واحد هو أن تستكمل المسيرة في طريق الحق والحياة متجهه نحو الحياة الأبدية غير مكترثة بالمعوقات لأن من معها أعظم وأقوى من هم عليها، لأن سندها هو القائد المُزيل العوائق ومُمهد الطريق، لأنه يرفع النفس بجناحي الروح الوديع الهادئ الذي هو سند النفس ومُعينها الحقيقي:
+ أزرعوا لأنفسكم بالبرّ، احصدوا بحسب الصلاح، احرثوا لأنفسكم حرثاً، فأنه وقت لطلب الرب حتى يأتي ويُعلمكم البرّ (هوشع 10: 12)
+ وأما المُعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يُعلمكم كل شيء ويُذكركم بكل ما قلته لكم (يوحنا 14: 26)
+ وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يُعلمكم أحد، بل كما تُعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذباً، كما علمتكم تثبتون فيه (1يوحنا 2: 27)
وعلامة حُرية النفس الظاهرة هي سعيها الدائم للكمال الموضوع أمامها – حسب المثال الحي الإنجيلي للخلاص (أي شخص المسيح الذي كان ينموا في القامة والنعمة عند الله والناس) – لكي يُثمر زرع الكلمة فيها، فالروح الذي فيها يحثها على أن تخضع بحريتها لوصية المسيح بحُبٍ كثير، فتتخلى عن امتلاك نفسها والتفكير المنحصر فيها حتى تتغير وتستمر تسعى أن تكون على مثال من صالحنا بالمحبة، فتلتصق بالرب الصالح وحده فيُباد بصلاحه ذكر الشرور التي تعكر صفو فكر النفس وتعوقها عن المسيرة الروحانية حسب تدبير الخلاص المُعلن بالروح القدس في الإنجيل.

+ المعرفــــــــــة +

المعرفة الروحية الحقيقية حسب القصد الإلهي وتدبير الخلاص، لا تأتي للنفس إلا بالاستنارة أولاً والدخول في الحرية، لأن طالما النفس مقيدة بقيود الذهن المُظلم، فأنها تسير في ليل عدم الفهم، لأن كيف لإنسان أن يحيا في الظلمة ويرى وينظر أي شيء، لأن النفس المُعتمة بليل ظلمة هذا الدهر كيف ترى إنجيل نور المسيح: [ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم أناره إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ] (2كورنثوس 4: 4)

فالنفس التي لم تنظر نور الابن الوحيد ولم ينفتح ذهنها على الحق الإلهي بالروح، لا تقدر أن تُميز الأمور المتخالفة بمقارنة الروحيات بالروحيات، بل دائماً من خلال الجسديات والحسيات وأيضاً أحياناً كثيرة بما تصدقه من غيبيات حسب فكر الناس أو ما تربت عليه من أفكار وعادات تُقارن الروحيات وتشرحها في حدود إمكانيتها وذكائها الخاص بمعزل عن الله الحي، وتظن أنها في قمة الروحيات وتُدافع عن الحق التي تغضب لأجله حتى تهتاج على الناس وتود ان تمحوهم من أمامها لأنها تغير غيرة الله كما ترى، مع أن في الواقع الروحي، فهي تعمل في اتجاه مخالف تماماً للحق، لأنها تحيا في معزل عن النور وتسلك في الظلام الذي لا يقدر أن يميز الطريق الصحيح من الباطل، ولا قصد الله من قصد الناس…

يا إخوتي أن في المعرفة الحقيقية نور خاص مُشرق ببهاء المجد الإلهي الفائق والمفرح للنفس جداً، نور يُميز بدقة شديدة للغاية ما بين الخير حسب الله والخير المشوش الممزوج فيه سم الحية بالعسل، لأن الذهن المستنير بالنور الإلهي يلتصق بالصلاح التصاقاً وينجذب للمحبة جذباً تقوده في طريق العدل الإلهي بغيرة التقوى فيدخل وينمو في استنارة المعرفة الإلهية التي لا حد لها، وكلما يتعمق يعشق أن
يُنادي على الجميع بقوة الحب المنسكب في قلبه بالروح القدس لكي يأتوا لمسيح القيامة والحياة، مسيح الحرية، ليشاركوه هذا المجد الفائق باستنارة المعرفة الحقيقية…
فعلامة من دخل في استنارة المعرفة الحقيقية هو شوقه ولهفته أن يُجمع لا أن يُفرق، أن يضم لا أن يحرم، أن يُقرب لا أن يبعد، أن يُشارك لا أن يعزل…

+ الحديث الروحي +

النفس التي تحررت واستنار ذهنها ودخلت في سرّ المعرفة الروحية فأنها – حسب نعمة الله – تتكلم بلسان سماوي فتنطلق تتحدث الأحاديث الروحية الشيقة المفرحة للقلب، لأن هذا الحديث يأتي دائماً من عند الله بفعل المحبة، لذلك يكون لهيب للقلب يضرم فيه محبة ومُشبع للعقل ويقود للاستنارة أيضاً بشكل متزايد.
والحديث الروحي الذي على هذا المستوى يحفظ النفس في مأمن من المجد الباطل والكبرياء المُدمر لكل قواها الروحية، لأنه من الشعور الروحي العميق بالنور المُشرق المتغلغل فيها من وجه الله يجعلها تستغنى تماماً عن إكرام الناس ومدحهم أو تشجعهم، بل ولا تكترث حتى بذمهم أو رفضهم أو اضطهادهم، لأن نور الله المُحيط بالنفس يحفظ الفكر في عتق وحرية من أي تصورات تختص بما في العالم من شهوة جسد أو تعظم معيشة أو شهوة عيون أو حتى سلام في العالم أو راحة أو حتى قلق او اضطراب، إذ أنه يحول كل شيء لمحبة الله التي لها سلطان على النفس حتى أنها تجعلها تغلب وتفوز في النهاية:
+ وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت (رؤيا 12: 11)

أما من يُبادر ويتكلم بالأحاديث الروحانية بدون استنارة، فهو مثل الفقير المُعدم الذي يحاول أن يُعين الفقراء على معيشتهم بما لديه من رصيد وهمي يتخيله في فكره، أو مثل الولد الصغير الذي لم يجتاز المرحلة التمهيدية في التعليم، ويذهب لكي يقف مكان المُعلمين في الفصول المتقدمة ليقدم ما عنده من علم ومعرفة…

فما أعجز الفكر الذي يتفلسف خارج الله في أمور الله، لأن حديث كلام الحكمة الإنسانية المُقنع يدفع النفس لطلب مجد الناس، لأنه لا يستطيع أن يوفر لها الخبرة الواقعية المحسوسة بحياة الشركة مع الله والقديسين في النور بالإيمان العامل بالمحبة، وذلك لأن هناك فلس حقيقي من نعمة الله، وتغرب عن جسد المسيح الحي، ولا وجود للحكمة والمعرفة كموهبة الروح القدس، وبالتالي لا يوجد مأمن من أن يسقط الإنسان في الكبرياء والتعالي على الآخرين ورفض كل من لا يتبع فكره أو رأيه بكل تعنت وسخط وتحزب، وهذه هي خطورة الأحاديث الروحانية التي بلا استنارة ولا خبرة شركة حقيقية مع الله: [ فأجاب يسوع وقال لهم أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله ] (مرقس 12: 24)

+ [ وأنا لما أتيت إليكم أيها الإخوة، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مُنادياً لكم بشهادة الله. لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً. وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الانسانية المُقنع بل ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله. لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يُبطلون. بل نتكلم بحكمة الله في سرّ الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر، لأن لو عرفوا لِما صلبوا رب المجد. بل كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أُذن ولم يخطُر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه. فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. لأن مَن مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان، الذي فيه هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تُعلمها حكمة إنسانية، بل بما يُعلِّمه الروح القدس، قارنين الروحيات بالروحيات. ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحياً. وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من (أو لا يقدر أن يحكم فيه) أحد. لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه، وأما نحن فلنا فكر المسيح ] (1كورنثوس 2: 1 – 16)

مشكلة إيماننا اليوم وصراعنا القائم على الألفاظ – ج3 النعمة المؤلِّهة والسرّ الفائق المعرفة

مشكلة إيماننا اليوم وصراعنا القائم على الألفاظ – ج3 النعمة المؤلِّهة والسرّ الفائق المعرفة

 

 

مشكلة إيماننا اليوم وصراعنا القائم على الألفاظ 

الجزء الثالث: النعمة المؤلِّهة والسرّ الفائق المعرفة

للعودة للجزء الثاني أضغط هنـــــــــا.

 

+ اطلبوا الرب وعزه التمسوا وجهه دائماً (1أخبار 16: 11)
+ لك قال قلبي، قلت اطلبوا وجهي، وجهك يا رب أطلب (مزمور 27: 8)
+ أطلبوا الرب ما دام يوجد ادعوه وهو قريب (إشعياء 55: 6)
+ اطلبوا الرب فتحيوا (عاموس 5: 6)
+ قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (مرقس 1: 15)
+ أسألوا تُعطوا، أُطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم (متى 7: 7)
+ إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي، اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً (يوحنا 16: 24)
+ اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تُزاد لكم (متى 6: 33)
+ فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا (لوقا 12: 29)
+ اهتموا بما فوق لا بما على الأرض (كولوسي 3: 2)
+ فان كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله (كولوسي 3: 1)

بسبب عدم إدراكنا ووعينا المسيحي الحقيقي بما هو موهوب لنا من الله، أصبحت كل طلباتنا منه على مستوى العالم الحاضر الزائل والتي تخص حياتنا وكل احتياجاتنا على الأرض، وننتظر الاستجابة في الأشياء التي يطلبها الأمم، ولم نعد نُميَّز كمسيحيين في طلباتنا، لأن طلبتنا تكشف عن هويتنا ووضعنا الحقيقي بالنسبة لله، فمن السهل أن نظل نطلب أشياء صالحة كثيرة من الله لأنه هو الواهب الخليقة كل شيء صالح ونافع..

ولكن من الصعب أن نطلب الله نفسه وبشخصه، كأن العطية هي الأفضل من العاطي، ناسياً كل مسيحي أن الله أعطانا ذاته في المسيح، انتسب إلينا حتى ننتسب إليه، الكلمة صار جسداً حتى كل ذو جسد يصير واحداً معه ويمتلئ من حياته الخاصة، لكي يخرج خارج إنسانيته الساقطة ليدخل في سرّ الخليقة الجديدة ممتلئاً من النعمة ويحيا بالأسرار الفائقة، أسرار ملكوت الله [ لكم قد أُعطي أن تعرفوا أسرار ملكوت الله وأما للباقين فبأمثال حتى أنهم مُبصرين لا يبصرون وسامعين لا يفهمون ] (لوقا 8: 10)

وبذلك يكون فرحه كاملاً، لأنه مكتوب: [ فرحاً أفرح بالرب، تبتهج نفسي بإلهي لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء البرّ، مثل عريس يتزين بعمامة ومثل عروس تتزين بُحليها ] (إشعياء 61: 10)


فالمسيحية حياة فرح سماوي، لا بأعمال في برّ نعملها، ولا في سيرة عطرة وأخلاق حسنة وسلوك جيد ومعاملات جميلة مع الآخرين لمدحنا، مع أن كل هذا جيد جداً بل وضروري ومع ذلك ليس هذا المميز للحياة المسيحية، بل هي فرح في الرب قوتنا: [ أخيراً يا إخوتي افرحوا في الرب… افرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا ] (فيلبي 3: 1؛ 4: 4)، ومع ذلك نجد كثيرين يحيون في هم وغم والطامة الكبرى أنهم خدام في الكنيسة !!! 

وللأسف لو سألنا أنفسنا أو أي شخص مسيحي عن النعمة والأسرار الفائقة، فأن جوابه يفضح قلبه، ويكشف عن أنه لم يتذوق النعمة في حياته الشخصية بل ولم يدخل في الأسرار الإلهية ليتعايشها ويستوعبها بالتذوق في حياته اليومية، مع أننا سنجده يفتخر بكونه مسيحي وعنده الأسرار الفائقة يُمارسها وهي تراث غالي ثمين استلمه من الآباء، وقد نجده ينبري في الدفاع المتعصب القوي ضد كل من يقول عنها شيئاً مضاد، مع أن في الواقع هو لا يدافع عن الحق بل عن ذاته وكبرياءه، لأن من تذوق السرّ الإلهي ويحيا بالنعمة، من المستحيل أن يتعصب أو يصارع أحد قط أو يفتخر كأنه لم يأخذ نعمة، بل في تواضع يقبل الكل ويقدم بسيرته المقدسة في الحق غنى مجد الأسرار الإلهية وعمل النعمة المُخلِّصة، حتى أن الكل يشتهي أن ينال كما هو نال أيضاً…

_ معنى النعمة _

 

+ ولكن ليس كالخطية هكذا أيضاً الهبة، لأنه ان كان بخطية الواحد مات الكثيرون فبالأولى كثيراً نعمة الله، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين (رومية 5: 15)
+ فأن كان بالنعمة فليس بعد بالأعمال وإلا فليست النعمة بعد نعمة، وأن كان بالأعمال فليس بعد نعمة، وإلا فالعمل لا يكون بعد عملاً (رومية 11: 6)
+ ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح، بالنعمة أنتم مُخلَّصون (أفسس 2: 5)
+ لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله (أفسس 2: 8)

يا إخوتي اعلموا أن النعمة تعني العطية، والمُقدس يعني المؤلَّه، القدوس هو اسم الله في الكتاب المقدس، وبالتالي الذي يُقدس هو الله، أي هو العاطي أو الواهب القداسة، والمُقدّس هو الإنسان، لأن الله في البدء خلقه إناء له استعداد خاص لهذه العطية، لأنه أعطاه ما يؤهله لذلك، أي أعطاه كل السجايا الجديرة باللاهوت، أي في صميم كيانه أعطاه صورته لكي يستقبل باستمرار ودوام عطية التقديس، وكلنا تعلمنا أن هناك النعمة المُقدسة، ولكن للأسف أهملوا أن يقولوا الحقيقة كاملة وهو غاية النعمة: [ تأليهنا ]، لأن هذه هي المسيحية [ صار الله إنساناً لكي يصير الإنسان إلهاً بالنعمة ]

+ وتكونون لي قديسين لأني قدوسٌ أنا الرب وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لي (لاويين 20: 26)
+ ولا تدنسون اسمي القدوس فأتقدس في وسط بني إسرائيل أنا الرب مُقدسكم (لاويين 22: 32)
طهرني بالزوفا فأطهر اغسلني فأبيض أكثر من الثلج (مزمور 51: 7)

وأُطهرهم من كل إثمهم الذي أخطأوا به إليَّ واغفر كل ذنوبهم التي أخطأوا بها إليَّ والتي عصوا بها عليَّ (إرميا 33: 8)
+ ولا يتنجسون بعد بأصنامهم ولا برجاساتهم ولا بشيء من معاصيهم، بل أُخلصهم من كل مساكنهم التي فيها أخطأوا وأُطهرهم فيكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً (حز 37 : 23)

وأرش عليكم ماء طاهراً فتطهرون من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أُطهركم (حزقيال 36: 25)
+ في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي عالٍ ومُرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال: “قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض”. فاهتزت أساسات العتب من صوت الصارخ وامتلأ البيت دخاناً. فقلت: “ويلٌ لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود”. فطار الي واحد من السرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح ومس بها فمي وقال: “أن هذه قد مست شفتيك فانتزع اثمك وكُفرَّ عن خطيتك”. ] (إشعياء 6: 1 – 7)

+ كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح، الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسدالمسيح (1كورنثوس 10: 16)
+ ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح (أفسس 2: 13)
+ فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي (عبرانيين 9: 14)
+ عالمين انكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء بلبدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح (1بطرس 1: 18 و19)

للأسف الشديد هذا لم يعد جوهر إيماننا الحي، في أن نكون إلهيين، آنية مخصصه لله، لأننا نرى أن في هذا الكلام مبالغة مفرطة، لأن فكرنا الساقط يقودنا لمفهوم التغير في الطبائع كما قلنا سابقاً، وهذا سخف الفكر الباطل المسيطر على كثير من الخدام والخادمات الذين لم يدخلوا بعد في سرّ التجسد خبرة وحياة، لأنهم لم يصيروا مسيحيين على مستوى عمل النعمة في القلب والتشرب من الأسرار الفائقة، فللأسف كثيرين جداً لازالوا ينظرون للتجسد على مستوى زيارة الله للأرض مثل الأساطير التاريخية..

 كأنه يتنزه وسطنا يرى أحوالنا ونراه حولنا، كأنه استعار لباسنا البشري ليظهر وسطنا لمدة من الزمن ويُبشرنا بأخلاقيات سامية نقول عنها أنها أفضل من جميع ما عرفته البشرية من مبادئ وأفكار دينية سامية عميقة وعظيمة، لذلك نفتخر أن المسيحية أعظم شريعة على وجه المسكونة كلها، وبعد ذلك عاد الرب إلى السماء وارتفع ليشاهدنا هل نحقق ونتمم الوصية بقدر طاقتنا أم أننا غير مستحقين للوصول إليه لأننا نهمل أو نضعف أو نسقط، وأصبحت المسيحية لنا عبارة عن شوية نُسك على أخلاق على صوم على أعياد وشوية واجبات نتممها وتأملات نكتبها ودراسات ووعظ وتعليم… الخ

وكل حديثنا الروحي أصبح عن كيف نتصرف في هذه الدنيا كمسيحيين وسفراء عن الله وسط الناس، لكي يكافئنا الله في النهاية أن مارسنا الفضائل المسيحية أو يُعاقبنا أن فَضَّلنا أن نسير في طريق الخطية، وبذلك فقدنا هويتنا المسيحية تماماً وأصبحنا اصحاب مبادئ الإنجيل والأخلاق الحسنة والصفات الحميدة مثل أي شعب من الشعوب السامية في فكرها، أو أي مبدأ ديني آخر…

للأسف يا إخوتي نسمع من ناس كثيرين يتكلمون عن التقليد وأنهم تقليديين، يدافعون عن كل ما هو كنسي وتسليم الآباء الحق، لكن هل حقاً استلموا من الآباء القديسين شيئاً !!! هل يدافعون عن التقليد حقاً !!! هل يعرفون إنجيل المسيح الحي بشارة الحياة الأبدية !!! 

يا إخوتي هناك خلط كبير ومفارقة شاسعة ما بين التقليد الكنسي الحي الحقيقي، وبين تقليد العادة المترسخ في الفكر بالتربية والتعود على السماع من الخدام حسب رايهم وفكرهم ومعتقدهم هم، فما أبعد البعض عن التقليد الكنسي الحي النابض بروح الله المُقدس للنفس ومجددها على صورة خالقها في القداسة والحق، يا إخوتي علينا أن ننتبه بدقة وتدقيق وبوعي لعدم الخلط بين تقليد الكنيسة وما تعلمناه منذ الصغر وترسخ في فكرنا من الناس، وهو في أغلب الأحيان غريباً بل وبعيداً جداً عن تقليد الكنيسة الصحيح، فاحذروا لئلا يكون لنا قول الرب:

[فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم ] (متى 15: 6)، لأن علينا اليوم أن نستفيق ونعود للنبع الحلو وذلك: [ لكي يثبت قلوبكم بلا لوم في القداسة أمام الله أبينا في مجيء ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه] (1تسالونيكي 3: 13)

ولنأخذ ما قلناه سابقاً عن التجسد والتأله كمثال، فتجسد الله وتأليه الإنسان هما حقيقتان مترابطان أشد الترابط، وهذا أمر تقليدي كنسي حي أساسي خُط منذ القرن الأول وتوثق فيما بعد بقوة أعظم وأشمل على يد كل آباء الكنيسة المُعلمين، بل وكان هو نواة الإيمان والشيء الدائم والثابت الذي لا يتغير، وهذا الثابت عينه هو الذي رفضه الناس اليوم واعتبروه هرطقة، وانحرفوا به بحجة التقليد الزائف الذي تعلموه بفكر باطل سخيف مجنون وهو الادِّعاء أن من يقول هذا إنسان متكبر يريد أن يتحول ليصير الله ذاته !!!

وبذلك اثبتوا حجتهم بفكر فلسفي لم يقوله أحد قط ولا الهراطقة أنفسهم، بل استخفوا بعقول البسطاء واقنعوهم أن كل من يُعلم بذلك هو منحرف مجنون أبله لا يفقه شيء متكبر وضد العقيدة والكنيسة ومهرطق، وبذلك هم أنفسهم سقطوا من النعمة واسقطوا معهم الآخرين من الحياة المسيحية برمتها وحرموهم من شركة الطبيعة الإلهية في المسيح يسوع، وفي النهاية يُقال انهم كنسيين تقليديين، مدافعين عن الإيمان في الحق المُسلم من جيل لجيل…


وهكذا أصبح من يدافع عن التقليد فهو يدافع عن فكره المريض ولا يعرف شيئاً عن التقليد الحي، وهكذا لنقيس أشياء كثيرة يُقال عنها أنها من التقليد ويتم وضعها في إطار تعليمي وهي أبعد ما تكون عن الحياة المسيحية برمتها…

والآن بل واليوم علينا معاً أن نستعيد معاني فقدناها في حياتنا التي نقول عنها أنها حياة مسيحية، ولم يعد لها وجود حقيقي في خبرتنا مع الله، لأن إلى الآن كثيرين لم يدخلوا في سرّ الحياة المسيحية الحقيقية، لذلك علينا لكي ندخل في الحياة المسيحية نفهم بعض التعبيرات الهامة للغاية، لأن بدونها لن يكون لنا هوية مسيحية من الأساس، بل مجرد فكر ديني أو مبدأ تشريعي نحيا به، ونعيش الأخلاق والفضائل مثل سائر الناس والأديان، ونمدح النسك وفضائل القديسين، ولكننا لا نرتفع للمستوى الإلهي قط، ولا نختبر الوجود في حضرته فنمتلئ منه شخصياً فنصير منه وله وفيه وبه نحيا، وصورته تنعكس علينا وفرحه الخاص يدخل قلبنا [ لا تحزنوا لأن فرح الرب هو قوتكم ] (نحميا 8: 10)

التعبير الأول: الحياة الفائقة الطبيعة وأبناء الله 

 

+ [ كان إنسان من الفريسيين اسمه نيقوديموس رئيس لليهود. هذا جاء إلى يسوع ليلاً وقال له: “يا معلم نعلم أنك قد أتيت من الله مُعلماً لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل أن لم يكن الله معه”؛ أجاب يسوع وقال له: “الحق الحق أقول لك أن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله”. قال له نيقوديموس: “كيف يُمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد”.

أجاب يسوع: “الحق الحق أقول لك أن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله، المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح، لا تتعجب إني قلت لك ينبغي أن تولدوا من فوق، الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي و لا إلى أين تذهب، هكذا كل من ولد من الروح.


أجاب نيقوديموس وقال له: “كيف يمكن أن يكون هذا”؛ أجاب يسوع وقال له: “أنت معلم إسرائيل ولست تعلم هذا. الحق الحق أقول لك اننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا. أن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون فكيف تؤمنون أن قلت لكم السماويات. وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الانسان الذي هو في السماء. وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الانسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.

لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه الى العالم ليُدين العالم بل ليُخلِّص به العالم. الذي يؤمن به لا يُدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وهذه هي الدينونة: أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة. لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا توبخ أعماله.

وأما من يفعل الحق فيُقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة ] (يوحنا 3: 1 – 21)
كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله، وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضاً (1يوحنا 5: 1)
+ نعلم أن كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه (1يوحنا 5: 18)

ما معنى هذا الكلام الذي نحفظه حفظاً ونتكلم عنه بكونه سرّ المعمودية الفائق المعرفة، يا إخوتي انتبهوا لا تنظروا لهذا الكلام على أساس معرفتكم به، لأن كل واحد الآن في ذهنه سرّ المعمودية كطقس وليس خبرة حياة يومية يتعايشها بكل اتساعها الحلو، فما معنى أننا مولودين ولادة جديدة ليست من أبوينا حسب الجسد، هل تدركون هذا إدراكاً، هل عندكم الوعي أن رحم المعمودية الذي دخلنا إليه وخرجنا منه لا يمت بصلة بإنسانيتنا التي حسب الجسد المولود حسب الناس: [ مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد ] (1بطرس 1: 23)

يا إخوتي انظروا عمل الله لنا، فالله دعانا بالمجد والفضيلة لنكون شركاء طبيعته الفائقة، لم يدعونا مجرد دعوة شرف، لأننا لن نكون ضيوف شرف عنده، بل صنع عملاً فائقاً عظيماً: [ لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني. ثم بما إنكم أبناء (صرتم ابناء الله في المسيح) أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب. إذاً لست بعد عبداً، بل ابناً وأن كنت ابناً فوارث لله بالمسيح ] (غلاطية 4: 4 – 7)


فقد صار لنا بسبب تجسد الكلمة ولادة جديدة ليست من هذا العالم، بل من فوق، لنا حياة فائقة الطبيعة، ليست لنا حياة حسب هذا العالم [ ويكون عوضاً عن أن يُقال لهم لستم شعبي، يُقال لهم ابناء الله الحي ] [ لأنكم جميعاًابناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ] (هوشع 1: 10؛ غلاطية 3: 26)، لذلك في البداية أظهرت لكم أن الطلبات التي حسب العالم ليست أساس لنا ولا هي حياة المسيحي الحقيقي، بل التي من العالم الآخر الذي نحن منه، لأن أصبحت لنا حياة أخرى – بسبب ولادتنا الجديدة – مختلفة عن إنسان هذا العالم الحاضر، فلنا حياة أخرى غير طبيعية، حياة جديدة تنتمي للعالم السماوي، وهذه هي الحياة الجديدة التي في المسيح الفائقة الطبيعة، وهي دعوة الإنسان العُليا، دعوة إلى المشاركة في حياة الله نفسها، أي دعوة للتألُّه…

هل هذا الكلام تأليفي يا قارئي الإنجيل !!! فلننظر للإنجيل بشارة الحياة في المسيح ونقرأ لنفهم من نحن في حقيقة جوهرنا، لأن من يعرف نفسه يعرف الله، ومن يعرف الله يستحق أن يعبده بالروح والحق، ويكون شريك القديسين في المائدة الملوكية…

[ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يُضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه.


كان إنسان مرسل من الله اسمه يوحنا. هذا جاء للشهادة ليشهد للنور لكي يؤمن الكل بواسطته. لم يكن هو النور بل ليشهد للنور. كان النور الحقيقي الذي يُنير كل إنسان آتياً إلى العالم. كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم. إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله. وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دمٍ ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله. والكلمة صار جسداً وحل بيننا (فينا) ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءً نعمة وحقاً. يوحنا شهد له ونادى قائلاً: “هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان قبلي. ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا ونعمة فوق نعمة. لأن الناموس بموسى أُعطي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا. الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبرّ ] (يوحنا 1: 1 – 18)

الكلمة النور الحقيقي نور الإنسان المبدد الظلمة، اتخذ جسدنا، لبس إنسانيتنا، فانتسبنا إليه، وصرنا معه واحد لأنه هو من وَحدَّنا بنفسه، فصرنا معهُ واحد فعلاً، الناموس فكر الله الصالح وصل إلينا عن طريق موسى، ولكننا بسبب اننا اصحاب طبيعة ساقطة لم نستطع أن نحيا به، ولم ننتفع منه، مثل المريض الذي لم ينفعه الغذاء القوي بسبب مرضه، بل ادرك أنه لا يستطيع أن يستفيد لأنه مريض غير قادر على أن ينتفع بما هو صالح لجسده، وهكذا أُغلق على الجميع في العصيان لأن الناموس صار مرآة النفس كشف عورتها، وفضح مرض الإنسان فأعلن الدينونة بحكم الموت، إذ أظهر أن الكل ميت واقع تحت سلطان الظلمة، وأظهر أن الكل في حاجة لمجد الله الحي، لذلك فأن أعمال الجسد التي تخص تنفيذ مبادئ الناموس لا تستطيع أن تُنقذ الإنسان من الموت، لأن الإنسان بعيد عن الحياة، لأن الحياة في الله، وكل من هو خارج عن الله ميتاً في ذاته لذلك مكتوب: [فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس]، [لأنكم كنتم قبلاً ظُلمة وأما الآن فنور في الرب، اسلكوا كأولاد نور] (أفسس 5: 8)
لذلك فالناموس لا ينفع الإنسان الساقط الميت ذو طبيعة فاسدة، بل الإنسان الحي في الله، ذو الطبيعة الجديدة، طبيعة سماوية مطبوع فيها فكر الله الحي: [ لأن هذا هو العهد الذي أعهده مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب: أجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم وأنا أكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ] (عبرانيين 8: 10)

فيا إخوتي هذه هي الحياة الفائقة للطبيعة، التي تخص ابناء الله المولدين ثانية من فوق من عند ابي الأنوار في المسيح يسوع، أصحاب الخليقة الجديدة [ إذاً أن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً ] (2كورنثوس 5: 17)

فكل من آمن واعتمد ولد من الله، صار ابناً لله في الابن الوحيد، ومعنى انه صار ابناً لله، صار له حياة جديدة فائقة الطبيعة، ومعنى أنه صار له حياة جديدة، أي أنه يحيا بحياة الله، فالأب لا يهب الأولاد الحياة فقط، بل حياته هو شخصياً، وعندما نقول إننا ابناء الله، نقول أن الله يهب لنا حياته الخاصة، أي أنه يشركنا في الوهيته، في خلوده، في مجده، أي اننا متألهين، حياتنا نستمدها منه: [ من ملئه نحن جميعاً أخذنا ]، [ لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن ] (رومية 10: 4)، [ لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح ] (فيلبي 1: 21)

[ كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي ] (يوحنا 6: 57)، [ بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني إني أنا حي فأنتم ستحيون ] (يوحنا 14: 19).

يا إخوتي [ وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هي في ابنه ] (1يوحنا 5: 11)، لأن كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المولدين منه على نحوٍ خاص للغاية، لذلك: [ انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله، من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه ] (1يوحنا 3: 1)، وكل من لم ينظر محبة الله ودخل في سر التبني خبرة وحياة، فأنه لا يعرف المسيحية الحقيقية بعد، ولم يدخل في هذا السر العظيم الذي للتقوى: [ وبالإجماع عظيم هو سرّ التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأُمم اومن به في العالم رُفع في المجد ] (1تيموثاوس 3: 16)

وهذه مشكلة من لا يقبل موضوع الاتحاد بالله وشركة الطبيعة الإلهية، لأنه لم يتذوق بعد أن يمتلئ من الله، وكل مشكلته انحصرت في انه يصير إنسان ذو أخلاق وصاحب فضيلة، لكنه بعيد عن حياة الله وإناءه فارغ من النعمة المؤلهة، أي أنه لم يأخذ من ملء المسيح شيئاً قط: [ ملء الذي يملأ الكل في الكل ] (أفسس 1: 23)، [ الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السماوات لكي يملأ الكل ] (أفسس 4: 10)

إذاً معموديتنا ليست بالشيء البسيط كموضوع تم في حياتنا وانتهى، أو مجرد التخلص من الخطية، بل هي أعظم وأعمق من هذا التسطيح الفارغ من المضمون، لأن الرسول لم يقل جزافاً: [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ] (غلاطية 3: 27)، المعمودية موت مع المسيح بالصيب، ثم قيامة معه نرتديه هو شخصياً، فحدث عمادنا أن نلبس المسيح، فيرانا الآب فيه ابناء فعلياً لأننا ارتديناه في المعمودية، لبسناه، صرنا مؤمنين أحياء بالله، لنا حياة هي المسيح، به نحيا ونتحرك ونوجد، لنا أن نرث معه، أي لنا كل ما له، لأنه هو أخذ كل ما لنا وأعطانا ما له، اتحد بنا اتحاد حقيقي بلا امتزاج ولا اختلاط ولا تغيير، بل اتحاد سري عظيم فائق بلا تبديل أو إلغاء وطمس إنسانيتنا، لأننا سنظل إنسان وهو يظل الله، لكننا لبلسناه لأنه ارتدى إنسانيتنا، صار معنا واحد، يملئنا من ملئه، ونحن نظل نتشرب منه، فتتحقق فينا إرادته في أن نكون مثله: [ أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو ] (1يوحنا 3: 2)

والآن يا إخوتي فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بر

بنا يسوع المسيح (رومية 5: 1) الذي به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون ونفتخر على رجاء مجد الله (رومية 5: 2)، عليكم أن تدخلوا وتحيوا هذه الحياة الشريفة المقدسة، وأن تُقدِّروا الهبة التي لنا من الله، فلا تنكرون عمل الله بسبب الفكر الباطل ولغو الجدل القائم على الانحياز العقيم للأشخاص، فلنترك كل جدل لنحيا هذا السرّ العظيم الفائق، لأن لنا الآن حياة جديدة نحياها في شخص ربنا يسوع، ولا ينبغي أن نضيع وقتنا وعمرنا في الجدل ونقض الألفاظ، بل علينا أن نفهم وندخل في السرّ المُعطى لنا، وهذا ينقلنا للمصطلح الهام للغاية وهو السرّ الفائق المعرفة، فما معنى كلمة سر ّ… !!! وهذا هو موضوعنا في الجزء الرابع.

مشكلة إيماننا اليوم وصراعنا القائم على الألفاظ – ج3 النعمة المؤلِّهة والسرّ الفائق المعرفة

Exit mobile version