هل الإيمان الحقيقي تصديق أعمى؟ – أليس هذا ما يقوله الكتاب المقدس؟ ج1 – ترجمة ودراسة: Patricia Michael

هل الإيمان الحقيقي تصديق أعمى؟ – أليس هذا ما يقوله الكتاب المقدس؟ ج1 – ترجمة ودراسة: Patricia Michael

هل الإيمان الحقيقي تصديق أعمى؟ – أليس هذا ما يقوله الكتاب المقدس؟ – ترجمة ودراسة: Patricia Michael

 

🟥الجزء الأول (يمكنك قراءة الجزء الثاني من هنا: التحليل اللغوي واللاهوتي لتعريف مفهوم الإيمان في (العبرانيين 11: 1) – ترجمة ودراسة: Patricia Michael)

 

مقدمة

بحكم عملي كمحقق جنائي على مدى أكثر من خمسة وعشرين عامًا، كان الاعتماد على الأدلّة جزءًا أساسيًا من مهنتي وشخصيتي. وقد تشكل لديّ مع مرور الوقت مَيْلٌ تلقائيٌ للبحث عن القرائن والتحقق من الفرضيات قبل قبول أي ادّعاء. ومع ذلك، أجد نفسي أحيانًا أتساءل: “هل توجهاتي الاستدلالية تُفضي إلى نوعٍ من التحيّز أو التشويش قد يُشوّه — ولو بشكل غير مقصود — طريقتي في قراءة الكتاب المقدس واستيعابه؟ هل أقوم بتفسير النصوص من منظور مُسْبق يفترض أن الإيمان لا بد أن يكون قائمًا على البرهان؟ وهل أتعامل مع النصوص المقدّسة من خلال عدسة الإيمان المرتكز على الدليل فقط؟”

لا ينبغي أن يُفاجَأ أحد بكوني مؤمنًا بالدليل؛ فأنا في النهاية مُحقّق، وقد أصبح هذا النهج جزءًا لا يتجزأ من مسيرتي المهنية طوال خمسة وعشرين عامًا. أعتقد أن ذلك صار جزءًا من تكويني. لكن هذه التساؤلات دفعتني إلى إعادة النظر، بتأنٍّ وصدق، في المفهوم الكتابي للإيمان. وقد توصلت، بعد سنوات من البحث والتأمل، إلى قناعة راسخة مفادها أن الإيمان، كما يقدّمه الكتاب المقدس، ليس إيمانًا أعمى أو قفزة في الظلام، بل هو ثقة عقلانية مستندة إلى أدلّة واضحة يمكن التحقق منها، ثقة معقّدة تتفاعل بعمق مع ما يُقدَّم من شواهد.

فعلى سبيل المثال، دعا يسوع مستمعيه إلى تصديق رسالته بناءً على تعاليمه وأعماله ومعجزاته، والتي قدّمها كبرهان ودليل ملموس على صحّة أقواله واثبات ألوهيته:

 

(يو 14: 11)

“صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا.”

 

وعلاوة على ذلك، مَكَثَ يسوع اربعين يومًا مع التلاميذ بعد قيامته، وقدّم لهم العديد من البراهين المقنعة التي تؤكد حقيقة قيامته وأَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ.

 

(أعمال الرسل 1:1-3).

1 اَلْكَلاَمُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ،

2 إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ، بَعْدَ مَا أَوْصَى بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الرُّسُلَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ.

3 اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ.

 

لقد تناولت مِراراً في كتاباتي هذا المنهج الاستدلالي في فهم طبيعة الايمان المسيحي، وخلُصْتُ الى نتيجة مفادها أنّ الايمان — كما يُقدّمه الكتاب المقدس— هو “ثقة عقلانية تستند الى ادلة موضوعية ملموسة”، وهذا ما يتجلّى بوضوح في النصوص التي تُبرز طبيعة الايمان المسيحي، بوصفه تجاوبا مع اعلان إلهي مدعوم بالبراهين.

ومع ذلك، ما زلت اتلقّى احيانا رسائل من مستمعي البودكاست الذين يتساءلون عن طبيعة الإيمان المسيحي، هل هو فعلًا يستند إلى براهين كما أؤمن وأدّعي؟ أم أن الكتاب المقدس يقدم مفهوما مختلفًا – ربما أقرب إلى “الإيمان الأعمى” الذي لا يطلب او يحتاج الى دليل؟

 

وإليكم مثالاً شائعًا عن هذه التساؤلات، ارسلها إليْ أحدُ المستمعين حيث يقول:

“جيم، أود أن تساعدني في توضيح نقطة تشغل ذهني وتثير حيرتي. انا أميل إلى الاتفاق مع منهجك الاستدلالي الذي يستند على الأدلّة في فهم الكتاب المقدس، ودائمًا ما أشعر بالإحباط عندما يُعرّف البعض الإيمان على انه مجرد تصديق أعمى دون أساس.

ومع ذلك، أجد انّ هناك بعض النصوص الكتابية التي تبدو -للوهلة الاولى- وكأنها تدعم هذا المفهوم، مما يدفعني الى التساؤل: كيف يمكن التوفيق بين هذه النصوص وبين منهجك الاستدلالي الذي يعتمد على الأدلّة والمنطق والبرهان؟

على سبيل المثال، يقول كاتب الرسالة الى العبرانيين في مستهل الاصحاح الحادي عشر:

“وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى.” (عب 11: 1).

كثيرًا ما يُستشهد بهذا النص من الرسالة إلى العبرانيين بوصفه مثالًا على إيمان قد يُفهَم على أنه لا يستند إلى دليل، بل يقوم على الرجاء والثقة في أمور غير منظورة دون حاجة إلى شواهد محسوسة او براهين موضوعية، ومن هنا، يرى البعض أنه يُعبّر عن مفهوم “الإيمان الأعمى” الذي لا يستند إلى ما يمكن التحقُّق منه أو الاستدلال عليه منطقيًّا.

فكيف توفّق بين هذا النص ومنهجك الاستدلالي القائم على الادلة في فهم الكتاب المقدس؟”.

 

 الرد:

 

 أولا: السياق الأدبي لفهم النص:

غالبا ما يتم الاستشهاد بالنص الوارد في (الرسالة الى العبرانيين11: 1) للدلالة على ان الايمان المسيحي يقوم على “الثقة والرجاء دون دليل”. غير ان هذا الفهم الشائع يتغاضى عن السياق الأدبي للنص، الذي يلعب دورا حاسمًا وجوهريًا في تحديد طبيعة الايمان المقصود ومرجعيته، ومن ثمّ فإنّ فهم المعنى الدقيق لهذا النص يقتضي دراسته في ضوء السياق المباشر الذي يسبق الإصحاح الحادي عشر، وتحديدًا في خاتمة الإصحاح العاشر، وكذلك في ضوء السياق الأوسع للرسالة.

يقول النص:

“وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى.” (عب 11: 1).

ولفهم هذا التعريف فهماً دقيقًا، لا بد من وضعه ضمن سياقه الأدبي المباشر حيث يقدّم الكاتب في ختام الإصحاح العاشر تمهيدًا لاهوتيًا ونفسيًا يعكس الحاجة الملحّة إلى الإيمان في ظل المعاناة والاضطهاد، وبالتالي فالتعريف الوارد في مطلع الإصحاح الحادي عشر لا يُطرح بوصفه جملة عرضية أو فكرة مبتورة، بل ينبثق من سياق متكامل يشدّد فيه الكاتب على ضرورة الثبات والصبر والثقة في الله ومعاملاته السابقة وسط الشدائد. وبهذا، لا يُقدَّم الايمان هنا كمفهوم نظري مجرّد، بل كاستجابة عقلانية وواعية تنبع من اختبار سابق لأمانة الله، وتقوم على رجاء راسخ، لا على تصديق أعمى أو إيمان منفصل عن الواقع.

عند الرجوع إلى الإصحاح العاشر الذي يسبق مباشرة تعريف الإيمان في مطلع الإصحاح الحادي عشر، نجد أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يختتم حديثه بتشجيع المؤمنين على الثبات في إيمانهم، داعيًا إياهم إلى الصبر والاحتمال على الرغم من “التعييرات” و”الضيقات” التي تعرَّضوا لها أو شهدوها، فيقول:

(العبرانيين10 :36)

لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ.

ويؤكد لهم ان المؤمنين لا ينتمون الى فئة أولئك الذين يرتدّون إلى الهلاك، بل الى الذين يثبتون ويثابرون في الايمان من اجل اقتناء وخلاص نفوسهم، حيث يقول:

(العبرانيين 10: 39)

وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْسِ.

في هذا السياق، يقدّم الكاتب في مطلع الإصحاح الحادي عشر تعريفًا للإيمان، فيقول:

“وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى.” (عب 11: 1).

هنا يُقدَّم الإيمان باعتباره ثقة راسخة بما يُرجى، ويقينًا قائمًا على أمور غير منظورة بَعْد. هذا الإيمان لا يُفهم كتصديق أعمى او قبول غير عقلاني بل هو ثقة راسخة في ما يُرجى ويقيناً مبنياً على وقائع موضوعية تتمثَّل في وعود الله، وتاريخ أمانته وتدخله الفعلي في الاحداث. فالإيمان بحسب الكاتب، ليس بديلًا عن الدليل، بل هو استجابة عقلانية واعية مبنية على مصداقية الله كما أُعلنت وأختُبِرت من خلال تدخلاته وأعماله السابقة عبر الاجيال.

وعليه، فانّ السياق العام للنص يُبرز أهمية الإيمان كوسيلة لتجاوز المصاعب والتحديات، قائمة على شواهد حقيقية حاضرة في ذاكرة المؤمنين، وليس كتصديق غير مبرر او قفزة في المجهول. فكثيرًا ما يُساء فهم هذا النص على أنه تأكيد لفكرة “الإيمان الأعمى”؛ أي الإيمان الذي لا يستند إلى دليل، بل يقوم على الثقة المجرَّدة في أمور غير منظورة لمجرّد كونها غير مرئية. غير أن هذا النص بحسب الكاتب يُبيّن أن هذا الفهم لا ينسجم مع السياق الأوسع للرسالة، ولا سيما مع ما ورد في خاتمة الإصحاح العاشر، والذي يتضمن دعوة صريحة إلى:

 

  • الثبات في وجه الضيق والاضطهاد

(العبرانيين 10: 32 – 33)

وَلكِنْ تَذَكَّرُوا الأَيَّامَ السَّالِفَةَ الَّتِي فِيهَا بَعْدَمَا أُنِرْتُمْ صَبَرْتُمْ عَلَى مُجَاهَدَةِ آلاَمٍ كَثِيرَةٍ.

مِنْ جِهَةٍ مَشْهُورِينَ بِتَعْيِيرَاتٍ وَضِيقَاتٍ، وَمِنْ جِهَةٍ صَائِرِينَ شُرَكَاءَ الَّذِينَ تُصُرِّفَ فِيهِمْ هكَذَا.

 

  • الثقة بالوعود الالهية رغم غياب مظاهر تحقّقه في الحاضر

(العبرانيين 10: 35).

فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ الَّتِي لَهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ.

 

  • التحلّي بالصبر

(العبرانيين 10: 36)

لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ.

 

من هنا، يتضح أن الإيمان الذي يتحدث عنه الكاتب ليس “قفزة في الظلام”، بل هو موقف روحي وعقلي نابع من رجاء مبني على اختبارات سابقة لأمانة الله، وعلى أسس منطقية وموضوعية. فـ”ما لا يُرى” لا يعني ما هو بلا أساس، بل ما لم يُرَ بَعْد، لكنه مؤسَّس على ثقة في الله الحيّ، العامل في تاريخ البشرية.

وهكذا، فإن اختزال النص إلى تعريف يدعو لـ”الإيمان الأعمى” يُفقده أبعاده اللاهوتية والاختبارية، ويبتعد عن فكر الكاتب الذي يؤسس الإيمان على “تاريخٍ حَيٍّ” من العلاقة مع الله، اختبره المؤمنون، ويستند إليه رجاؤهم في الحاضر والمستقبل.

 

 ثانيا: العلاقة بين الإيمان والأمور غير المنظورة؟ وهل يشير ذلك الى غياب الدليل؟

الجواب ينبع من صميم النص وسياقه؛ إذ لا يقدّم الكاتب الإيمان بوصفه “ثقة عمياء في غياب الأدلّة”، بل استجابة عقلانية واعية مبنية على مُعطيات تاريخية وروحية سابقة. فالإيمان لا يتناقض مع الدليل، بل يرتكز عليه؛ إذ يثق المؤمنون بما لم يُرَ بَعْد، استنادًا إلى وعود الله التي أثبتت مصداقيتها عبر أزمنة متكررة، وفي مواقف ملموسة عايشوها بأنفسهم أو تناقلتها جماعة المؤمنين.

فـ”غير المنظور” هنا لا يعني “غير المعقول”، بل يشير إلى ما لم يتحقَّق بَعْد في إطار الزمن الحاضر رغم تأخُّر ظهوره، وبالتالي، لا يُشير وصف الإيمان بأنه اقتناع “بأمور لا تُرى” إلى غياب الدليل، بل يعبّر عن اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بغياب حضور الله، رغم ثبات وجوده الدائم. في مثل هذه الأوقات، يُدعى المؤمنون إلى التمسُّك بثقة عقلانية لا تستند إلى مشاعر لحظية أو رؤى آنية، بل إلى سِجِلٍّ إلهي سابق من الأمانة، يثبت أن ما لم يُرَ بَعْد لا يَقلُّ يقينًا عمّا تم اختباره بالفعل سابقاً.

في هذه اللحظات الصعبة، حين يبدو الله صامتًا أو غائبًا، يبرُز التساؤل: أين الله في هذه الظروف؟ ولماذا لا نشعر بتدخله؟

يؤكّد كاتب الرسالة الى العبرانيين أن خلاص الله ورعايته وحضوره ثابت ومستمر، داعياً المؤمنين إلى الثقة بأن الله لم يغِب عنهم أو يتخلّى عنهم، وأن عمله الإلهي يظل فاعلًا في حياتهم، مهما اشتدت المِحَن.

 

ثالثًا: الثقة المستندة إلى الأدلّة في العهدين القديم والجديد

ولكن ما الذي يبرّر هذه الثقة، وعلى ماذا تستند؟

الثقة هنا ليست ايماناً أعمى، بل تستند الى سِجِلٍّ موثوق من أعمال الله التي شهدها المؤمنون عبر التاريخ. فالإيمان لا يُعتبر قفزة في الظلام، بل استجابة عقلانية وواقعية مبنية على تدخلات الله المثبتة تاريخياً. هذه الأعمال الإلهية، الموثّقة في الكتاب المقدس، تشكّل دليلاً ملموسًا على أمانة الله، مما يمنح المؤمنين أساسًا عقلانيًا ووجدانيًا للثقة في وعوده.

الجواب يكمن في أمانة الله عبر التاريخ. فالإيمان والثقة التي يدعو إليها الكاتب لا يقومان على مجرّد اعتقادات بلا سنَد، بل مبنيان على اختبار حيّ وثمرة تجربة توثّق أمانة الله المتجلية في أحداث التاريخ الكتابي. إن الإيمان هنا ليس قفزًا في الظلام، بل استنادًا إلى سِجِلٍّ إلهي حافل من الأمانة المتكررة، يقوم على ما يمكن تسميته بـ”السابقة الإلهية”. وهذا السِّجِلُّ المتكرر المتجدد لأمانة الله يُكوِّن مرجعية موثوقة، تمنح المؤمن أساسًا عقلانيًا ووجدانيًا للثقة في ما لم يُرَ بَعْد.

 

لذلك، كان تذكير شعب الله بأعماله السابقة، من إنقاذهم من مصر إلى حمايتهم في أوقات الضيق، دليلاً عملياً على قدرته ووفائه بوعوده.

أما في العهد الجديد، فكانت معجزات المسيح وأقواله وقيامته تمثل برهاناً قاطعاً على ألوهيته ومصداقية وعوده.

إذاً، لم يكن الإيمان لدى المؤمنين مبنياً على خيالات أو تكهنات، بل على أحداث تاريخية موثوقة تكشف أمانة الله وحضوره الفعلي في حياتهم. وبناء عليه، يدعو كاتب الرسالة الى العبرانيين المؤمنين إلى الثقة بالله، مستندين إلى هذه الأدلة التاريخية، حتى حين يغيب حضور الله الظاهر أو لا يشعر به الإنسان أو عندما تكون رحمة الله أو حضوره في مواقف معينة غير مرئية أو غير ملموسة، يُطلب منهم أن يتذكّروا الأدلّة والشهادات السابقة على أمانته، مما يُثبّت إيمانهم في مواجهة الشكوك والتحديات.

إن أعمال الخلاص التي أتمّها الله في الماضي — من إنقاذ الشعب من مصر إلى قيامة المسيح — ليست مجرد أحداث تاريخية عابرة، بل تأكيدات مرئية وملموسة على قدرة الله وحضوره الفعّال في العالم والتاريخ. وهكذا، فإن الكاتب لا يُطالب بالإيمان الأعمى، بل بإيمان يستند إلى تاريخ حافل بتدخلات الله المتكررة التي تُثبت أمانته، وتؤكّد حضوره ومصداقيته، وهو ما يشكّل قاعدة أساسية ومتينة للإيمان بما لم يُرَ بَعْد.

حتى كاتب الرسالة نفسه يُدرك أن اليقين لا ينبع من فراغ، واليقين الذي يدعونا إليه لا يأتي من الخيال، بل هو مستند إلى الأدلة الموثوقة على أمانة الله في العهد القديم، والدليل القوي على ألوهية المسيح وأعماله في العهد الجديد.

 

الخلاصة

الإيمان، كما يقدّمه كاتب الرسالة إلى العبرانيين، ليس استسلامًا أعمى أو تصديقًا بلا أساس، بل هو ثقة راسخة تستند إلى تاريخ عمل الله وسِجِلٍّ إِلَهِيٍّ موثوق من وعوده المتحقِّقة وافعاله السابقة. فعندما يدعو الكتاب المقدس إلى الإيمان بأمور “لا تُرى”، فإنه يحثُّ على الاتكال على ما قد تم اختباره ومعاينته في تاريخ تعاملات الله مع شعبه والمؤمنين به.

الإيمان المسيحي ليس قفزة في الظلام، بل هو استجابة عقلانية ووجدانية معًا، تعتمد على أدلة موضوعية وشواهد تاريخية ملموسة. فكاتب العبرانيين يُرسّخ هذا المفهوم بأنّ الإيمان بوصفه موقفًا يربط الحاضر بالماضي، ويتطلّع الى المستقبل بثقة قائمة على أمانة الله المستمرة.

وهكذا، يُفهم الإيمان المسيحي بأنه موقف يقوم على الثقة الثابتة بالله، مدعومًا بسِجِلٍّ إِلَهِيٍّ موثوق، واستجابة عقلانية مبنية على حقائق سابقة تعزز الثقة بالوعود المستقبلية، حتى في لحظات الغياب الظاهري للدلائل.

 

 الخاتمة

تؤكّد العديد من الدراسات والمقالات اللاهوتية المعاصرة أن الإيمان المسيحي لا يقوم على أساس الإيمان الأعمى أو القبول غير المبرّر، بل هو إيمان يُبنى على أدلّة وشواهد وتجارب مُعاشة تُعزّز الثقة العقلانية. هناك فرق كبير بين الإيمان الحقيقي والإيمان الأعمى، فالإيمان الحقيقي هو استجابة واعية ومستنيرة للدلائل التي يُقدّمها الله، كما يظهر في النصوص الكتابية التي تعرض علامات واضحة وأحداثًا تاريخية تُثبت صحة الرسالة المسيحية.

إنّ الإيمان لا ينشأ من فراغ أو فرضية عشوائية، بل من علاقة مستمرة وتجربة شخصية مع الاله الحيّ، تستند إلى وعد ملموس وتجارب واقعية، مما يجعل الإيمان قائمًا على المعرفة والتصديق العقلاني وليس على ظلمة الجهل أو الغموض. وفي هذا السياق، يبرز مثال إبراهيم كأحد أبرز نماذج الإيمان في الكتاب المقدس، فقد كان ايماناً وعيًا مستنيرًا نابعًا من إعلان إلهي واضح، وعلاقة حيّة وتجارب ملموسة مع الله. لقد آمن بإله يتواصل ويعلن نفسه، ويَعِد، ويُوفي، ويؤدّب، ويتدخّل، ويقيم العهد، ويُتممّ المواعيد — أي بإله موثوق، له سِجِلٍّ سابق في حياته وتجارب تراكمية مرَّ بها.

فالإيمان لا يُعتبر قفزة في الظلام، بل مبني على تاريخ موثوق لتدخُّلات إلهية ملموسة، وتجارب روحية وشخصية تعزز مصداقية الايمان وتثبت أمانة الله وثبات وعوده عبر الأزمنة.

 

ليكن للبركة

 

Patricia Michael

Doesn’t the Bible Say True Faith is Blind? J. Warner Wallace

Does God Expect us to have blind faith?

Blind Faith: Is it Biblical?

هل الإيمان الحقيقي تصديق أعمى؟ – أليس هذا ما يقوله الكتاب المقدس؟ – ترجمة ودراسة: Patricia Michael

العلم وادلة وجود الله

العلم وادلة وجود الله

العلم وادلة وجود الله

 

هل العلم فعلاً قضى على وجود الله زي ما بيقول بعض أعلام الإلحاد زي ما هنشوف..
الفكرة الرئيسية في البوست دا مش إيجاد دلائل لوجود الله، بقدر ما الهدف معرفة إن العلم مش بيخوف، ومهواش سلاح الإلحاد، بل على العكس..
“في المحاكمات الجنائية يُطلَب من هيئة المحلفين أن تختار تفسيرًا للدلائل من شأنه أن يُكسبها أفضل معنى، سواءً أكانت مقدَّمة من النيابة أم من الدفاع. ولكنهم ليسوا مطالبين أن يجزموا بثبوت الاتهام أو البراءة لمجرد أنهم يعتقدون أنهم قادرون على الوصول إلى استنتاج قاطع “لا يرقى إليه أي شك معقول.”

والدفاعيات تكاد تسير بالطريقة نفسها. فلا يمكن لأيّ شخص أن يثبت وجود الله كما لو كان يثبت أن “الكل أكبر من الجزء.” ولكن يمكنه أن ينتبه إلى كل الدلائل التي تشير إلى وجود الله وما لها من قوة تراكمية. فقد لا يمكن إثبات وجود الله بالمعنى العقلاني الجامد للكلمة.

إلا أنه يمكن أن نجزم بكل صدق أن الإيمان بالله منطقي بشكل يسترعي الانتباه وأنه يعطى لما نراه في العالم وما نميزه في التاريخ وما نختبره في حياتنا معنى أعمق من ذلك الذي تعطيه البدائل الأخرى”. (الدفاعيات المجردة، 95).

بالكلمات دي بدأ أليستر ماكجراث وضع قائمة طويلة من الحُجج اللي يراها منطقية في موضوع وجود الله..

حقيقة لا يُمكن إيجاد برهان مادي يُجزم 100% بإن الله موجود، بالظبط زي ما مفيش أي برهان مادي يُجزم 100% بعدم وجود الله، لكن في حُجج منطقية من شأنها إنها تقودنا في طريق البحث.. إلاَّ إن الأهم من الكل هو العلاقة الشخصية بين المؤمن والله، دي اللي مبتخضعش لدلائل وحُجج ولا شيء لإن الاختبار يفوق كل أنواع المعرفة..

فقائمة الحُجج اللي استخدمها الفلاسفة على مرّ العصور لإثبات وجود الله هي طويلة جدًا، لكن، في نفس الوقت، مينفعش نعتبر إن الحُجج دي براهين بالمعنى الرياضي للكلمة.

فكلمة برهان بمعناها الدقيق مش بتنطبق غير على العلوم التجريبية، أي العلوم القابلة للتجربة زي علم الرياضيات، زي لما نبرهن على إن الكل أكبر من الجزء، أو إن 2+ 2 = 4..

لكن كمان لازم نفرق بين القابلية للبرهنة، وبين الحق، فمش كل موضوع غير قابل للبرهنة عليه بشكل مادي هو غير حقيقي، فدايمًا في قواعد علمية مقبولة بالرغم من إنها مش بتخضع للبرهنة المعملية (John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.).

نفس الأمر قال بيه ريتشارد دوكينز نفسه في كتابه (The greatest Show on Earth)، قال إننا زي المُحققين اللي بيروحوا لمكان الحادث بعد حدوث الجريمة، وبالرغم من إن حدث الجريمة نفسه مش قدامهم، إلاَّ إنهم بيحاولوا يتوصلوا ليه من خلال الدلائل والإشارات الموجودة في المكان.. لكن الفرق إن دوكينز كان بيتكلم وقتها على اثبات التطور مش إثبات وجود الله..

1- العلم ميقدرش يحكم في موضوع وجود الله:
دوكينز بيدَّعي إن وجود الله هي فرضية علمية ينبغي أن تخضع للبرهنة (The God Delusion, p. 31).

دوكينز هنا بيضع الله غير المحدود وغير المرئي في حفرة العلم، وبعد ما يقفل أو يردم الحفرة دي، بيدخل بمنظاره المعملي جوه الحفرة علشان يدور على الله، وبعدين يقول: “”شايفين، الحفرة فاضيه خالص، فالله مش موجود”!

لو كان العلم يقدر يثبت وجود الله, فما كان الله الله, بل كان موضوع إثبات أي شيء أقل وأدنى منه, في حين أن الله هو اللي بيسيطر علينا ويفوقنا ولا (يُقبَض) عليه (الأرشمندريت أندريه سكريما، مدخل إلى الكتاب المُقدس، ص 24).

نفس الكلام بيصيغه الفيلسوف الشهير هربرت إسبنسر، لما بيتكلم عن وجود حقائق تعلو عن قوانين الميكانيكا والكم، وبيقول:
“أليس من المُمكن وجود نوع من الموجود يبلغ من سوه على العقل والإرادة، مبلغ سمو العقل والإرادة على الحركة الميكانيكية”؟ (إيميل بوترو، العلم والدين في الفلسفة المُعاصرة، ص 99).

دا غير إن الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم بتوافقنا الرأي عن وجود منهجين مُختلفين بين العلم والدين، لما بتقول:
“العلمُ هو وسيلة للمعرفة عن العالم الطبيعي. وهو قاصر على تفسير العالم الطبيعي من خلال الأسباب الطبيعية. لذلك لا يمكن للعلم أن يقول أي شيء عما هو فوق طبيعي. فمسألة وجود الله أو عدم وجوده هي أمر يقف العلم تجاهه على الحياد”.

 

العلم وادلة وجود الله

2- معرفة الله من الخليقة:
العالم كبلر اللي اتكلمنا عنه قبل كده، في واحد من كتبه قال:
“أن كل ما أصبو إليه أن أدرك كنه الذات الإلهية. فأني أجد الله في الكون الخارجي مثلما أجده في داخلي أنا” (In Inge, Christian Mysticism, 298.).
ومكتوب:

“إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ ‍مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ” (رو1: 19، 20).

“انّ جَمِيْعٌ الَّذِيْنَ لَمْ يَعْرِفُوْا الْلَّهِ هُمُ حَمْقَى مِنْ طَبْعِهِمْ لَمْ يَقْدِرُوْا انّ يَعْلَمُوَا الْكَائِنُ مِنْ الْخَيْرَاتِ الْمَنْظُوْرَةِ وَ لَمْ يَتَامِلُوا الْمَصْنُوْعَاتِ حَتَّىَ يَعْرِفُوْا صَانِعُهَا‏٢ لَكِنَّهُمْ حُسِبُوْا الْنَّارِ اوْ الرِّيَحُ اوْ الْهَوَاءِ اللَّطِيْفُ اوْ مَدَارُ الْنُّجُوْمِ اوْ لُجَّةً الْمِيَاهِ اوْ نِيْرِيْ الْسَّمَاءِ الِهَةٌ تَسْوَدّ الْعَالَمِ‏٣

فَانٍ كَانُوْا انَّمَا اعْتَقَدُوْا هَذِهِ الِهَةٌ لانَّهُمْ خَلَبُوا بِجَمَالِهَا فَلَيَتَعَرَفُوا كَمْ رَبِّهَا احْسَنَ مِنْهَا اذْ الَّذِيْ خَلَقَهَا هُوَ مْبَدَّا كُلِّ جَمَالْ‏٤ اوْ لانَّهُمْ دُهِشُوا مِنْ قُوْتِهَا وَ فِعْلِهَا فَلْيَتَفْهَمُوا بِهَا كَمْ مُنْشِئِهَا اقْوَىَ مِنْهَا‏٥ فَانَّهُ بِعَظْمٍ جَمَالِ الْمَبُرُوءَاتِ يُبْصِرُ فَاطِرِهَا عَلَىَ طَرِيْقِ الْمُقَايَسَةُ‏” (حك13: 1- 5).

الفكرة الرئيسية في الحُجة دي هي إن المادة لا يُمكن أن توجد وتنتظم من ذاتها، بل يجب وجود شيء غير المادة خرجت عنه المادة، واللي يقدر ينتج شيء هو العقل، فالعقل هو ما وراء وجود المادة.

في كتاب “أهناك إله؟ Is There a God يَحاج الفيلسوف الأكسفوردي ريتشارد سوينبور، بشكل جيد، بإن الإيمان بالله يُمكن أن يُفحص بالمنطق

(Is There a God? (Oxford University press, 1996), p. 2).

فبيتكلم عن إن الرأي القائل بوجود الله يوصل بينا إلى توقُّع الأمور التي نلاحظها:
“إن هنالك كوناً بالفعل، وأن قوانين علمية تشتغل في داخله، وأنه يضم كائنات بشرية ذات وعي وحس أخلاقي يتعذر محوه. وهو يحاج (أي الكون) بأن النظرية القائلة بعدم وجود الله لا تفضي بنا إلى أن نتوقع أيًا من هذه الأمور”.

وبناء عليه، فالإيمان بالله بيقدم مُلاءمة تجريبية، لإنه بيشرح ويعلل الأمور اللي بنشوفها على نحو أفضل من التفسيرات البديلة. الكلام دا مُمكن يكون أوضح لو أضفنا ليه نص سي اس لويس القائل:

“إني أؤمن بالله مثلما أصدق أن الشمس قد أشرقت ليس فقط لأني أراها، بل لأني بها أرى كل شيء آخر” (“Is Theology Poetry?” The Weight of Glory and Other Addresses (Harper Collins, 1980), p. 140).

فإله الكتاب المُقدس مش العامل اللي بيشغل التروس، مش جزء من الرواية، لكنه الروائي، ودا معناه إننا منقدرش نعثر عليه بقدراتنا الرياضية من استقصاء تجريبي، لكن ممكن نجد مفاتيح توصلنا لمعرفته من خلال اللي كتبه في الكون وفينا.

3- الانفجار العظيم، والعلة الأولى:
“حتى الآن لا يوجد أي أحد لا يعتقد بأن الكون, بل الزمان نفسه له بداية في الانفجار العظيم”
ستيفين هوكينج، عن كتابه:

(The Nature of Space and Time, The Isaac Newton Institute Series of Lectures (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1996,p.20).

العلماء قبل سنة 1920 كانوا بيعتقدوا إن الكون شيء ثابت، مش بيتحرك أو يتوسَّع، لكن لما طوَّر ألبرت أينشتاين نظريته عن النسبية عام 1915 وبدأ تطبيقها على الكون ككل، صُدم من اكتشافه بإنه مش هتسمح بوجود كون استاتيكي أو راكد، لازم – طبقًا لمُعادلاته – إن يكون الكون بيتحرك للداخل أو للخارج، مش ثابت السعة.

في العشرينيات طوَّر عالم الرياضيات الروسي ألكسندر فريدمان، وعالم الفالك البلجيكي جورج لوميتر نماذج مبنية على نظرية أينشتاين، وتنبأوا بإن الكون بيتمدد..
تمدد الكون بيعني من الجهة العكسية وجود انكماش للكون، وفي لحظة ما في الزمن الماضي السحيق كان الكون مُجرد “نُقطة” إنفجرت مكونة كل اللي بنشوفه من مجرات وكواكب..

وأول شخص يعطي تفسير قيِّم تجريبي عن الكون كان الفلكي فريد هويك، في سنة 1929 لاحظ إن الضوء الصادر من المجرات البعيدة بيبتعد ناحية الأحمر، يعني الضوء بيتحرك وبيبتعد عن الأرض، ودا معانه إن المجرة بتتحرك لجهة أبعد، وبالتالي فالكون نفسه “الفضاء الخارجي” بيوسع ومش ثابت.

من النقطة دي بدأ علماء اللاهوت يربطوها بوجود الخالق، وحُجتهم الأساسية هي إن الكون بيوصل في مرحلة من الزمن لكثافة لا مُتناهية، وهي كلمة مُرادفة للاشيء، لإن مفيش جسم له كثافة لا مُتناهية.. ودا بحسب تفسير الفلكي هويل نفسه بإن الكون كان ينكمش للاشيء (Fred Hoyle, Astronomy and Cosmology: A Modern Course (San Francisco: W. H. Freeman & Co., 1975), p. 658).

ودي واحدة من الحُجج اللي بيستخدمها المُتكلمين، أو الفلاسفة المُتدينيين عامة، وبيستخدمها بالأكثر المُدافع المسيحي وليام كريج، وهي باختصار:
1- لا يوجد شيء من لا شيء.
2- العالم موجود.
3- إذًا، فالعالم مخلوق ويوجد من خلقه.

 

العلم وادلة وجود الله

كتاب العلم ووجود الله – هل قتل العلم الإيمان بوجود الله؟ – جون لينوكس PDF

كتاب العلم ووجود الله – هل قتل العلم الإيمان بوجود الله؟ – جون لينوكس PDF

كتاب العلم ووجود الله – هل قتل العلم الإيمان بوجود الله؟ – جون لينوكس PDF

كتاب العلم ووجود الله – هل قتل العلم الإيمان بوجود الله؟ – جون لينوكس PDF

تحميل الكتاب PDF

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

 

الإيمان المسلم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

 

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام.

ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14]. بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15].

أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16]. ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس.

وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

 

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي.

فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة.

أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

 

نؤمن

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22]. ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

 

نظرة الآباء إلى الإيمان

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

 

علاقة الإيمان بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطــــرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري.

فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31]. ويأخذ الإيمان شكل الطاعة  (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا

لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها. وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس.

إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته، وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه.

مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘.

إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس وق. هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48].

إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله. وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49].

وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها.

ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51]. ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

[20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

[21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

[22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

[23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα)  . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم القديس أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد القديس إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض القديس هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الشك ف الكمين – علاقة العلم بالإيمان

الشك ف الكمين – علاقة العلم بالإيمان

الشك ف الكمين – علاقة العلم بالإيمان

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 2

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 2

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 2

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 1

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 1

الشك ف الكمين – هل هناك تعارض بين العلم والإيمان 1

 

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

أؤيد تماماً حواراً بين العلم والدين، ولكن ليس حواراً استدلالياً. فأحد أعظم إنجازات العلم، إن لم يكن أنه قد جعل من المستحيل على إنسان ذكي أن يكون متديناً، فعلى الأقل أنه جعل من الممكن بالنسبة لهم أن لا يكونوا متدينين. ونحن لا يجب أن نتراجع عن هذا الإنجاز.

عالم الطبيعة ستينفن وينبرج[1]

العلم والدين… صديقان لا عدوان، في البحث المشترك عن المعرفة. قد يجد البعض هذا أمراً مدهشاً، لأن هناك شعوراً منتشراً في مجتمعنا أن العقيدة الدينية مهجورة، أو مستحيلة تماماً، في عصر علمي. وأنا لا أوافق على هذا. في الحقيقة، أقول إنه إذا عرف الناس في العصر العلمي” قدراً أكبر عن العلم أكثر مما يعرفه كثيرون منهم، سيجدون أنه من السهل عليهم أن يشاركوني رؤيتي.

عالم الطبيعة واللاهوتي جون بولكنجورن[2]

آلان ركس سانداج – أعظم عالم كونيات في العالم، والذي فك شفرات أسرار النجوم، وفحص غوامض أشباه النجوم، وكشف عمر المجموعات ذات الكرات، وحدد مسافات المجرات البعيدة، وحدد اتساع الكون من خلال عمله في مرصدي جبل ويلسون وبالومار – استعد للتقدم إلى المنصة في مؤتمر في دالاس.

علماء قليلون مقدرين على نطاق واسع مثل هذا التلميذ السابق للفلكي الأسطوري إدوين هوبل. حصل سانداج على درجات علمية شرفية كثيرة من الجمعية الفلكية الأمريكية، والجمعية الفيزيائية السويسرية، والجمعية الفلكية الملكية والأكاديمية السويدية للعلوم، وتلقى المقابل الفلكي لجائزة نوبل. وأطلقت عليه صحيفة نيويورك تايمز لقب “عجوز الكونيات”.

بينما اقترب إلى المنصة في مؤتمر العام 1985 هذا عن العلم والدين، بدا أن هناك بعض الشكوك بخصوص أين سيجلس. كانت المناقشة عن أصل الكون، وكانت لوحة المؤتمر ستوزع بين علماء يؤمنون بالله، وآخرين لا يؤمنون به، وكان كل فريق سيجلس في أحد الجانبين.

كان من المحتمل أن كثيراً من الحضور كانوا يعرفون أن سانداج اليهودي عرقياً كان ملحداً بالفعل حتى في طفولته. وكان كثيرون آخرون يعتقدون دون شك أن عالماً في مثل مكانته لا بد وأن يكون متشككاً عن الله. وكما قالت مجلة نيوزويك: “كلما تعمق العلماء في أسرار الكون، تتوقع أنه كلما خبا الله من قلوبهم وعقولهم”[3]. ولهذا كان مقعد سانداج بين المتشككين جاهزاً.

ثم حدث غير المتوقع. فقد أذهل سانداج الحضور بأخذ مقعده بين المؤمنين. والأكثر ذهولاً، في سياق حديثه عن الانفجار العظيم وتضميناته الفلسفية، أعلن أمام الجميع أنه قرر أن يصير مسيحياً وهو في الخمسين من عمره.

قال للجمهور المندهش إن الانفجار العظيم كان حدث فائق للطبيعة لا يمكن تفسيره في نطاق علم الطبيعة كما نعرفه. لقد أخذنا العلم إلى الحدث الأول، لكنه لا يمكنه أن يأخذنا أكثر إلى العلة الأولى. فالظهور المفاجئ للمادة، والفضاء، والزمن، والطاقة أشار إلى الحاجة إلى نوع ما من السمو.

وقال فيما بعد لمراسل صحفي: “إن علمي هو الذي قادني إلى استنتاج أن العالم أكثر تعقيداً مما يمكن تفسيره بالعلم. فمن خلال ما هو فوق الطبيعة فقط يمكنني فهم سر الوجود”[4].

كان يجلس بين جمهور مؤتمر دالاس في ذلك اليوم، مندهشاً بما كان يسمعه من سانداج، جيوفيزيائي شاب حضر إلى المؤتمر غالباً بمحض الصدفة. صار ستيفن مير مسيحياً من خلال سعي فلسفي عن معنى الحياة، لكنه لم يكتشف حقاً قضية ما إذا كان العلم يمكنه أن يقدم الدعم البرهاني لإيمانه.

لم يكن هناك سانداج وحده، بل أيضاً الفيزيائي الفلكي البارز في جامعة هارفارد أوين جنجريتش، يستنتج أن الانفجار العظيم بدا أنه يناسب بأفضل صورة وجهة نظر عالمية إيمانية. بعد ذلك عقدت جلسة عن موضع أصل الحياة، كان فيها دين كينيون، عالم فيزياء حيوية من جامعة ولاية سان فرانسيسكو، الذي شارك في تأليف كتاب مؤثر يؤكد أن ظهور الحياة ربما كان “مقدراً من الناحية الكيميائية الحيوية” بسبب وجود تجاذب فطري بين الأحماض الأمينية[5]. وقد بدا ان هذا هو أفضل تفسير واعد للغز كيف أن الخلية الحية الأولى استطاعت بشكل ما أن تتجمع ذاتياً من مادة غير حية.

اندهش مير بينما صعد كينيون إلى المنصة وهو يستنكر استنتاجات كتابه الخاص، ويصرح بأنه وصل لمرحلة انتقاده لكي النظريات الطبيعية عن الأصول. وبسبب التعقيد الجزيئي الرهيب للخلية، وخواص ال DNA الحاملة للمعلومات، آمن كينيون أن أفضل دليل أشار إلى وجود مصمم للحياة.

وبدلاً من أن يكون العلم والدين متعارضان، أصغى مير إلى متخصصين على أعلى مستويات الإنجاز قالوا إنهم كانوا مؤمنون – لا بالرغم من الدليل العلمي، بل بفضل الدليل العلمي. وقال سانداج: “كثير من العلماء ينطلقون للإيمان بفضل عملهم”[6].

لقد خُدع مير. بدا له أن المؤمنين كانت لديهم المبادرة العقلانية في كل من القضايا الثلاث التي نوقشت في المؤتمر: أصل الكون، وأصل الحياة، وطبيعة الوعي الإنساني. وحتى المتشككين اعترفوا بنقاط ضعف التفسيرات الطبيعية. وكانت استجابتهم الرئيسية هي تحدي المؤمنين ليقدموا “إجابات علمية” بدلاً من مجرد الاستشهاد بفكرة التصميم الذكي. وهذا الاعتراض لم يشكل معنى بالنسبة لمير الذي قال متأملاً: “قد يبدو العالم مصمماً، لأنه بالحقيقة مصمماً!”

وبعدما غادر المؤتمر، كان مير في قمة الدهشة إزاء كل ما اختبره. ورغم من خلفيته العلمية، لم يكن ببساطة واعياً للاكتشافات العلمية القوية التي كانت تؤيد الإيمان بالله. وقد قرر أن هذا كله يستحق المزيد من البحث.

لم يكن يعرف هذا في ذاك الوقت، لكن ارسالية حياته قد تبلورت حالاً.

 

 

اللقاء الثاني: ستيفن مير، دكتوراه

بعد حصوله على درجات علمية في الطبيعة والجيولوجيا، واصل مير دراساته للحصول على درجة الماجستير في تاريخ وفلسفة العلم من جامعة كامبردج العريقة في إنجلترا، حيث ركز على تاريخ علم الأحياء الجزيئية، وتاريخ علم الطبيعة، ونظرية التطور. ثم حصل على درجة الدكتوراه من جامعة كامبردج، حيث حللت رسالته الموضوعات العلمية والمنهجية في علم أحياء أصل الحياة؛ وهو مجال اهتم به للمرة الأولى عندما سمع كينيون في مؤتمر دالاس.

في الخمسة عشر سنة الأخيرة، أصبح مير واحد من أكثر الأصوات معرفة وتأثيراً في ازدهار حركة التصميم الذكية. وساهم في كتابة عدة كتب، منها:

  • الدارونية، التصميم والتعليم العام Darwinism, Design and Public Education
  • مجرد الخلق: العلم، الإيمان والتصميم الذكي Mere Creation: Science, Faith,  and Intelligent Design
  • علامات الذكاء: التصميم الذكي المتفاهم Signs of Intelligence: Understanding Intelligent Design
  • العلم والمسيحية: أربع وجهات نظر Science and Christianity: Four Views
  • فرضية الخلق: الدليل العلمي لخالق ذكي The Creation Hypothesis: Scientific Evidence for and Intelligent Creator
  • العلم والدليل للتصميم في الكون Science and Evidence for design in the Universe
  • تاريخ العلم والدين في التقليد الغربي The History of Science and Religion in the Western Tradition
  • حيوانات الباندا والناس: السؤال المركزي للأصول الحيوية Of Pandas and People: The Central Question of Biological Origins
  • الدارونية: علم أم فلسفة Darwinism: Science or Philosophy
  • سطوح الإيمان والعلم Facets of Faith and Science“، وينهي حالياً كتب عن الـ DNA، وانفجار العصر الكمبري.

تحدث مير في ندوات في جامعات كامبردج، وأكسفورد، وبيل، وبيلور، وتكساس، وغيرها. وأجرى مناظرات مع متشككين مثل مايكل شيرمر، محرر مجلة The Skeptical Inquirer، وكتب لمجلات منها Origins and Design (التي يعمل بها محرراً مساعداً)، وThe Journal of Interdisciplinary Studies، وNational Review. وظهرت بعض كتاباته في Wall Street Journal، وWashington Times، وChicago Tribune، وكثير من الصحف الأخرى. وتواجه مع دارونيين في National Public Radio، PBS، وشبكات تليفزيونية.

عندما طرت إلى سبوكين الثلجية في واشطن للقاء مير في كلية ويتوورث، حيث كان استاذاً مساعداً للفلسفة، لم أكن أعلم أنه في ذروة قوله لزملائه إنه سيرحل قريباً ليكون مديراً وزميلاً أكبر في مركز العلم والثقافة في معهد الاكتشاف في سياتل. كان رحيله الوشيك وقتاً عصيباً بالنسبة لمير، لأنه كان قد قضى أكثر من عقد كواحد من أشهر الأساتذة في الكلية.

للانفراد معاُ، جلسنا في مكتب غريب خارج الحرم الجامعي، حيث خطر الديكور على بالنا فيما بعد، وجلسنا في مقاعد متواجهة لما يمكن أن يسفر عنه حقاً يوماً كاملاً من الحديث الحيوي سريع الطلقات. في الواقع، كانت النسخة الكاملة لحوارنا تربو على 30 ألف كلمة – كتاباً صغيراً لوحدها!

قال مير: “ذات مرة اختبروا نشاطي الزائد عندما كنت طفلاً. هل تتخيل ذلك؟” نعم. كان مير يرتدي بذلة زرقاء داكنة، ورباط عنق ملون، وجورب صوف رمادي، وحذاء بني اللون من طراز Doc Martin، كان لانكي طويل القامة مفعم بالحيوية، وهو يطلق بحماس طلقات سريعة من الكلمات. انساب شعره البني الهش على جبهته، مضفياً عليه مظهراً شبابياً، لكن حاجبيه كانا مجعدان في حدة.

كان تلاميذه يعاتبونه أحياناً لافتقاده تنظيم الفصل الدراسي بسبب شروده الذهني، لكنه كان يعوض هذه بعاطفته الجياشة، وإخلاصه الملطف. عندما أجاب على أسئلتي، أجاب بطريقة متكاملة منظمة مرتبة، كما لو كان يقرأ كروت واضحة. وظهر أنه لامعاً ذكياً، وواضحاً، ومتحمساً.

بعدما حكى بعض القصص الشخصية، بدأنا التركيز على قضية العلم والإيمان. ولم يكن من المثير أن منظوره مختلف بشدة عن منظوري أنا عندما بدأت أدرس الدارونية في المدرسة.

“دفاع قوي عن الإيمان”

قلت لمير “نحن نعيش في ثقافة تكنولوجية حيث يؤمن كثيرون بأن العلم يدوس كل أشكال المعرفة الأخرى. فمثلاً وصف الفيلسوف جي. بي. مورلاند لقائه بمهندس كان يُكمل دراسته للحصول على الدكتوراه في الطبيعة قائلاً “بالنسبة له، فإن العلم وحده عقلاني، العلم وحده يحقق الحق. وكل شيء آخر مجرد عقيدة ورأي. ووصل لحد القول إنه إذا كان هناك شيء لا يمكن قياسه أو اختباره بالطريقة العلمية… فلا يمكن أن يكون صحيحاً أو عقلاني”[7]. كما أن عالم الوراثة في هارفارد ريتشارد لينتون أكد أن العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة”[8]. فهل توافق هذه الرؤى؟

فأجابني: “كلا، لا أوافق. من المفارقة أن القول بأن العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة هو معارضة ذاتية، لأن هذه العبارة في حد ذاتها لا يمكن اختبارها بالطريقة العلمية. إنها افتراض فلسفي يضر أكثر مما ينفع.

واستطرد قائلاً: “الأبعد من ذلك، بينما أحترم العلم بكل تأكيد، لست أظن أن المعرفة العلمية تسبق بالضرورة الأشياء الأخرى التي نعرفها. فمثلاً، أكد مورلاند ان هناك بعض الأشياء نعرفها من خلال الاستبطان بيقين أكثر مما نعرفها من خلال العلوم. إنني أعلم أن لدي إرادة حرة على أساس استبطاني، ولن تستطيع أية دراسات في العلوم الاجتماعية أن تقنعني بغير هذا”.

أشار مير إلى مفتاح نور على الحائط، وقال فيما قام ليشعل النور: “أعرف أنه بإمكاني أن أدير هذا المفتاح، وأفند مزاعم من يقولون إنني كنت مصمم على ذلك. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للتاريخ ان يخبرنا بالكثير، رغم إنه لا يمكننا أن نختبره بالتجربة المتكررة.

“والآن، لا جدال أن العلم يُعلمنا أشياء مهمة كثيرة عن العالم الطبيعي. لكن السؤال الحقيقي هو: “هل هذه الأشياء تشير إلى أي شيء آخر أبعد منها؟” أعتقد أن الإجابة: نعم. فالعلم يعلمنا أشياء حقيقية كثيرة، وبعض هذه الأشياء الحقيقية تشير إلى الله”.

فقاطعته بسرعة وقلت: “على العكس، فعندما تعلمت عن الدارونية وأنا طالب، كنت مقتنعاً بأن العلم والإيمان متعارضان، وأن العلم قد أحرز التقدم بالتأكيد بخصوص المصداقية. فماذا ستقول لمن يؤمن بأن العلم والمسيحية مقدر لهما أن يكونا في صراع؟”

فقال: “حسناً، هذه بالتأكيد إحدى الطرق التي حدد بها الناس العلاقة بين العلم والإيمان. فالبعض يؤكد أن العلم والإيمان متعارضان بشكل أساسي. وآخرون يقولون إن العلم والإيمان يمثلان مجالين منفصلين لا يتفاعلان، ولا يمكنهما أن يتفاعلا”.

ومع ذلك، فأنا شخصياً اتخذ مدخلاً ثالثاً؛ وهو أن الدليل العلمي يؤيد حقاً العقيدة الإيمانية. في الواقع، عبر مجال واسع من العلوم، ظهرت أدلة في السنوات الخمسين الأخيرة، إن جُمعت معاً، تقدم دفاعاً قوياً عن الإيمان. والإيمان فقط هو الذي يمكنه أن يقدم حلاً مرضياً من الناحية العقلية لكل هذه الأدلة”.

“مثلاً؟”

“مثلاً، إن كان صحيحاً أن هناك بداية للكون – كما يتفق علماء الكونيات المحدثين الآن – فهذا يتضمن وجود عله تفوق الكون. وإن كانت قوانين الطبيعة مُعدلة لتسمح بالحياة – كما يكتشف علماء الطبيعة المعاصرون – فربما يكون هناك مصمم قام بتعديلها. وإن كانت هناك معلومات في الخلية – كما توضح البيولوجيا الجزيئية – فهذا يثبت وجود التصميم الذكي. وللإبقاء على سير الحياة في المقام الأول يتطلب معلومات بيولوجية، والتضمينات تشير إلى ما وراء المملكة المادية إلى علة ذكية قبل ذلك.

واستنتج قائلاً: “هذه مجرد ثلاثة أمثلة، وهي البداية فقط”.

مشكلة نوما NOMA

قلت: “أليس من الخطر أن نخلط العلم بالإيمان هكذا؟ فكثير من العلماء يتبعون رؤية الراحل ستيفن جاي جولد في قولهم بأن العلم والإيمان يشغلان مجالات مختلفة تماماً.

فقال: “لقد دعا هذه الفلسفة باسم نوما NOMA؛ وهي اختصار nonoverlapping magisterial. وقال: “إن شبكة العلم تغطي الكون التجريبي…. [بينما] تمتد شبكة الدين إلى أسئلة المعنى والقيمة الأخلاقية”[9]. ما الخطأ في أن يكون لدينا مثل هذا الخط القوي الفاصل بين حقائق العلم الجامدة وإيمان الدين الرقيق؟”

قال مير: “أعتقد أن نوما حقيقية جزئياً – هو اعتراف أدهشني قليلاً. فهناك مجالات للعلم محايدة من الناحية الفوق طبيعية. وهي تجيب على أسئلة مثل: “كم عدد العناصر الموجودة في الجدول الدوري؟ ما هي المعادلة الرياضية التي تصف الجاذبية؟ أو كيف تسير الطبيعة بنظام وفق مجموعة معروفة من الشروط؟ إن أسئلة من هذا النوع لا تؤثر كثيراً على موضوعات الرؤية العالمية بطريقة أو بأخرى. بعض الناس يستخدمون القول المأثور القديم لجاليليو: “العلم يخبرك كيف تسير السماء، أما الكتاب المقدس فيخبرك كيف تسير أنت إلى السماء”.

فاعترضته قائلاً: “هذا يبد سخيفاً، لكن به بعض المعنى”.

فقال: “بالطبع، هناك معنى في أن العلم والدين لديهما موضوعات مختلفة من حيث الاهتمام والتركيز؛ كطبيعة الثالوث من ناحية، والذرات الأولية الموجودة في الانفجار العظيم من ناحية أخرى”.

“ومع ذلك، هناك أسئلة علمية أخرى تناقش مباشرة قضايا عالمية كبيرة. وعلى سبيل المثال مسألة الأصول. فإن كانت النماذج الطبيعية صحيحة تماماً، يصبح الإيمان فرضية غير ضرورية. وفي هذه الحالات التي يتداخل فيها العلم والميتافيزيقا – وحين تكون الأسئلة العالمية في خطر – يستحيل هذا فرض مبداً نوما. وسبب هذا أن ما يكتشفه العلم ستكون له بالضرورة تضمينات لهذه الأسئلة العالمية الأكبر. والطريقة الحقيقة الوحيدة للإبقاء عليهما منفصلين هو أن تُسقط من ادعاءات أحدهما أو الآخر”.

“تقول نوما إن العلم هو عالم الحقائق، والدين هو عالم الأخلاق والإيمان. والمشكلة الأساسية هي أن الديانة الكتابية تقدم تأكيدات محددة جداً عن الحقائق. فهي تقدم تأكيدات بأن الكون له بداية، وأن الله قد اشترك في الخلق، وأن البشر لهم نوع معين من الطبيعة، وأن الأحداث التاريخية يُفهم منها أنها حدثت في الزمان والمكان”.

“دعنا نأخذ فقط قانون الإيمان المسيحي التاريخي: “أؤمن بالله، الأب القادر، خالق السماء والأرض، وبيسوع المسيح ابنه الوحيد، الذي حبل به بالروح القدس، وولد من مريم العذراء، وتألم على عهد بيلاطس البنطي، وصلب، ومات، ودفن، وفي اليوم الثالث قام من الأموات”.

“حسناً، إن بيلاطس البنطي هذا موجود تاريخياً في فلسطين في القرن الأول. وكان هناك ادعاء أن يسوع الناصري قد عاش في نفس الوقت. وكان هناك تأكيد أنه قام من الأموات. الله يُدعى خالق السماء والأرض. وها أنت ترى أنه لأمر فطري بالنسبة للإيمان المسيحي ان يؤكد على العالم الحقيقي. وطبقاً للكتاب المقدس، فقد كشف الله عن ذاته في الزمان والمكان، وهكذا فإن المسيحية ستشطر بعض التأكيدات الواقعية للتاريخ وللعلم. ومن هنا سيكون هناك إما نوع من الصراع أو الوفاق”.

ولإتمام مبدأ نوما، على أنصاره أن يُخففوا من تأثير العلم أو الإيمان، أو كليهما. وهذا ما فعله جولد حقاً؛ فقد قال إن الدين مجرد مسألة تعليم أخلاقي، وعزاء، أو معتقدات ميتافيزيقية عن المعنى. لكن المسيحية تنادي بالتأكيد أن تكون أكثر من ذلك”.

بدت هذه الجملة الخاصة عن جولد أنها غامضة. فأردت أن أواجهه بطلب أمور محددة. فسألته: “هل يمكنك أن تعطيني مثلاً ملموساً عن كيف خفف جولد من تأثير المسيحية لتفعيل مبدأ نوما؟”

قال مير: “بالطبع؛ في كتابه Rocks of Ages، يقلل جولد من ظهور يسوع لتوما الشكاك على أنه مجرد “قصة أخلاقية”[10]. وكان هذا ضرورياً بالنسبة لجولد تحت قواعد نوما، لأن كل ظهورات يسوع بعد القيامة تأتي من وثيقة دينية – الكتاب المقدس – بينما تقول نوما إن الدين لابد وأن يحصر تأكيداته في إطار الأخلاقيات والقيم. لكن الكتاب المقدس يرسم بوضوح ظهورات يسوع كأحداث تاريخية واقعية. والمسيحية تؤكد على الاقتناع بأن هذه الأحداث قد حدثت فعلاً”.

“قد تحاول نوما استبعاد هذه الإمكانية بحصر الدين إلى مجرد مسائل أخلاقيات، لكن كتاب الكتاب المقدس لم يروا أنه من المناسب أن يحصروا تأكيداتهم عن الله إلى المجال غير الواقعي الذي خصصته نوما للدين. والآن قد توجد بعض الديانات التي قد تتماشى مع نوما. لكن المسيحية الكتابية – لأنها ليست مبنية على مجرد الإيمان، بل وعلى الحقائق أيضاً – لا يمكنها ذلك ببساطة”.

كان أستاذ القانون فيليب جونسون أيضاً ناقداً لمبدأ نوما بشدة. فقد قال: “إن ستيفن جاي جولد يعرض متنازلاً أن يسمح للمتدينين أن يعبروا عن أفكارهم الشخصية عن الأخلاق، بشرط أن لا يتدخلوا في سلطة العلماء لتحديد “الحقائق”، وإحدى هذه الحقائق هي أن الله مجرد أسطورة معزية”[11].

فقلت لمير وأنا أُلخص الموضوع: “وهكذا بينما قدر كبير من العلم والعقيدة الكتابية مهتمان بأمور مختلفة، فمن الواضح أن لديهما نوع من الأرضية المتداخلة”.

“بالضبط. وعندما يحدث ذلك، فإما أن يتفقوا أو يختلفوا. إن محاكمة مؤرخي القرن التاسع عشر، الذين كانوا يكتبون أساساً من إطار حركة التنوير، كانت أنهم حين تداخلوا اختلفوا، ومن المجالين، كان العلم أكثر ضماناً من الدين. لقد آمنوا أن الصراع سينمو على الدوام بين العلم والعقيدة الكتابية”.

“وبماذا تؤمن أنت؟”

“إن حكمي مختلف تماماً. فأنا أؤمن أن شهادة العلم تؤيد الإيمان. وبينما تكون هناك دائماً نقاط توتر أو صراع غير محلول، فإن التطورات الكبرى في العلم في العقود الخمسة الأخيرة كانت تسير بقوة نحو اتجاه الإيمان.

صمت للحظات، ثم أطلق خاتمته: “إن العلم يشير إلى الله”.

الخلق من العدم CREATIO EX NIHILO

لم يكن منظور مير أكثر اختلافاً عن منظوري عندما كنت أدرس نظرية التطور بالمدرسة. فقد استنتجت أن نظريات دارون المقنعة والخاصة بعلم الطبيعة قد أزالت أية حاجة إلى الله. ومع ذلك، فقد كان مير مقتنعاً بأن العلم والإيمان يشيران إلى نفس الحق. قررت أن أضغط عليه لمعرفة مزيد من التفاصيل.

“هل يمكنك أن تذكر لي ستة أمثلة عن كيف تؤمن أن العلم يشير إلى الإيمان؟”

استرخى مير في مقعده، وقال: “سأبدأ بعلم الكونيات الجديد – نظرية الانفجار العظيم، وأساسها النظري الذي صاحبها في النسبية العامة. وهاتان النظريتان تشيران الآن إلى بداية محددة للكون. وحقيقة أن معظم العلماء يؤمنون الآن بأن الطاقة، والمادة، والفضاء، والزمن كانت لها بداية حقيقية غير مادية أساساً”.

“لا يمكنك أن تستشهد لا بالزمان او المكان أو المادة أو الطاقة أو قوانين الطبيعة لتفسر أصل الكون. فالنسبية العامة تشير إلى الحاجة إلى علة تفوق هذه المجالات. والإيمان يؤكد على وجود مثل هذا الكيان – الذي اسمه الله”.

وأضاف مير: “باختصار، فإن المذهب الطبيعي يجتاز وقتاً عصيباً في علم الكونيات، فكلما تعمقت فيه، كلما صعب التخلص من فرضية الله. وعندما تأخذهما معاً، فإن نظرية الانفجار العظيم، والنظرية النسبية العامة ستقدمان وصفاً علمياً لما يسميه المسيحيون الخلق من العدم creation ex nihilo. وكما قال أرنو بنزيا، الحائز على جائزة نوبل، عن الانفجار العظيم: “إن أفضل البيانات التي لدينا هي تماماً ما كان يمكن أن أتنباً بها ما لم يكن لدي ما أستمر فيه سوى أسفار موسى الخمسة، والمزامير، والكتاب المقدس ككل”[12].

انتظر مير ليرى ما إذا كانت لدي أسئلة أخرى، لكني أشرت له باستكمال أمثلته.

“الفئة الثانية من الأدلة ستكون عن الضبط المتعلق بعلم الإنسان”. وهذا يعنى القوانين والمعايير الأساسية للطبيعة لها قيم عددية محددة كان من الممكن أن تكون غير ذلك. وهذا معناه أنه لا يوجد سبب جوهري يفسر سبب وجود هذه القيم على ما هي عليه. ومع ذلك، فكل هذه القوانين والأنظمة تتعاون معاً بطريقة رياضية مذهلة كي تجعل الحياة في الكون ممكنة.”

طلبت منه مثالاً على ذلك، فقال: “خذ مثلاً اتساع الكون، الذي هو منضبط على جزء من تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون. أي بمعنى إنه لو تغير بمقدار جزء واحد في أي من الاتجاهين – أسرع قليلاً أو أبطأ قليلاً  لما كان لدينا كوناً قادراً على منح حياة”.

“علّق السير فريد هويل قائلاً: “إن تفسيراً مقبولاً للحقائق يقول بأن عقلية فائقة قد تدخلت في الفيزياء والكيمياء والأحياء، وليست هناك قوى غامضة تستحق الحديث عنها في الطبيعة”[13].

“حسناً، ربما يبدو هذا منضبطاً لأنه فعلاً يوجد ضابط من وجهة نظر عالم الطبيعة بول ديفيز أن “انطباع التصميم يأسر الذهن”[14]. وأنا أوافقه تماماً على هذا. إنه دليل قوي على وجود تصميم ذكي.

“والمثل الثالث للعلم يشير إلى أن الله هو أصل الحياة، وأصل المعلومات الضرورية لجلب الحياة إلى الوجود. فالحياة في أصلها تتطلب معلومات، وهي مخزونة في الحامض النووي DNA، وجزيئات البروتين”.

“قال ريتشارد داوكنز من جامعة أكسفورد إن الشفرة الآلية للجينات شبيهة بشفرة الكمبيوتر بصورة غريبة”[15]. وإن فكرت في هذا، ستدرك أن أجهزة الكمبيوتر تعمل ببرامج سوفت وير ينتجها مهندسون أذكياء. وكل خبرة لدينا عن المعلومات – سواء كانت شفرة كمبيوتر، أو كتابة هيروغليفية، أو كتاب، أو رسم كهف – تشير إلى الذكاء. ونفس الشيء ينطبق على المعلومات داخل كل خلية في كل كائن حي”.

فتساءلتُ: “أليست هذه حجة ساذجة. فالعلماء ربما يكونوا عاجزين الآن عن إيجاد أي تفسير عن كيف بدأت الحياة، لكن هذا لا يشير بالضرورة لاستنتاج وجود قوة فوق الطبيعة”.

فأصر مير: “هذه ليست حجة ساذجة. فالعلماء ربما يكونوا عاجزين الآن عن إيجاد أي تفسير عن كيف بدأت الحياة، لكن هذا لا يشير بالضرورة لاستنتاج وجود قوة فوق طبيعية”.

فأصر مير: “هذه ليست ساذجة. فنحن لا نستدل على وجود مصمم لأن النظريات التطورية الطبيعية تفشل جميعاً في تفسير المعلومات. لكننا نشير إلى التصميم لأن كل تلك النظريات تفشل، ونحن نعرف وجود كيان آخر قادر على إنتاج المعلومات – ويدعى الذكاء. وأنا شخصياً أجد ذلك حجة قوية جداً بالفعل”.

مجموعة من الأدلة

واصل مير حديثه وأعطى المثال الرابع: “ثم هناك دليل التصميم في الماكينات الجزئية التي تتحدى تفسير دارون لفكرة الاختيار الطبيعي. إن هذه الأنظمة المتكاملة والمعقدة في الكائنات البيولوجية – التي يدعوها عالم الأحياء الدقيقة مايكل بيهي “معقدة بصورة يصعب إنقاصها” – تشمل دوائر محولات الطاقة، ومولدات الطاقة المعقدة، وكل أنواع الدوائر الكهربية الحيوية”.

“ما الحجة المبنية على هذا؟”

“هذه الماكينات الحيوية تحتاج إلى كل أجزائها المتعددة لكي تعمل. ولكن كيف يمكنك أن تبني مثل هذا النظام بعملية الاختيار الطبيعي الدارونية التي تعمل بأسلوب الاختلافات العشوائية؟ إن الاختيار الطبيعي يحافظ فقط على الأشياء التي تؤدي وظيفة، أو التي تساعد الكائن الحي على البقاء للجيل التالي. وهذا هو البقاء للأصلح”.

“ومشكلة هذه الأنظمة المعقدة هو أنها لا تؤدي وظائف إلا عندما توجد كل الأجزاء معاً، وتعمل معاً في تعاون تام مع بعضها البعض. ولهذا، فإن الاختيار الطبيعي لا يمكنه أن يساعدك على بناء مثل هذه الأنظمة، لكنه يمكنه فقط أن يحفظها حالما تُبنى. ومن المستحيل بالفعل على التطور أن يتخذ مثل هذه القفزة الهائلة من مجرد فرصة لخلق النظام بأكمله على الفور”.

“وبالطبع، فإن هذا يطرح السؤال: كيف نشأت الماكينة الكيميائية الحيوية؟ يقول بيهي إن هذه الأنظمة البيولوجية قد تبدو مصممة لأنها بالفعل مصممة. وباختصار، حينما نرى أنظمة معقدة يصعب إنقاصها، ونعرف كيف نشأت، فمن المؤكد أن مصمماً كان هو العلة”.

“ما مدى قوة هذه الحجة في رأيك؟”

فأجاب مبتسماً: “أعتقد أنها قوية للغاية. وأنت ترى ذلك في الاعتراضات الضعيفة التي يقدمها الدارونيون. وهذا مجرد مثال آخر. والمثال التالي سيكون انفجار العصر الكمبري؛ وهو دليل آخر مثير على وجود تصميم في تاريخ الحياة”.

فأخبرته أن جوناثان ويلز كان قد أوضح في مقابلة سابقة أساسيات الانفجار العظيم البيولوجي. وقلت له: “لقد تحدث عنه أساساً بمصطلحات تشير إلى أنه مجادلة ضد الدارونية”.

فأجاب مير: “في الحقيقة هو كذلك؛ فلديك ما بين 20 – 35 رسم لأجساد غريبة تماماً من العصر الكمبري. وهذه قفزة ضخمة في التعقيد. فهي فجائية، وليست لديك مراحل انتقالية متوسطة”.

“لكن هذا دليل تأكيدي آخر على وجود تصميم، لأنه في خبرتنا، تكون المعلومات نتيجة النشاط الواعي. وهنا لدينا الإدخال الفجائي جيولوجياً لقدر مكثف من المعلومات البيولوجية الجديدة المطلوبة لعمل رسومات الأجساد هذه، وهي أبعد كثيراً عما يمكن أن تقدمه أية تقنية دارونية. فالدارونية ببساطة لا يمكنها أن تفسر ذلك، فالتصميم إذاً تفسير أفضل”.

“فكر كيف ظهرت رسومات هذه الأجساد الجديدة فجأة. قال أحد علماء الباليونتولوجي: “ما أود معرفته من أصدقائي البيولوجيين هو ما مدى سرعة حدوث هذا التطور قبل أن يتوقفوا عن تسميته تطوراً؟ لقد قال دارون إن الطبيعة لا تحدث قفزات فجائية. ومع ذلك فلدينا هنا قفزة هائلة – وهي التي يسببها العوامل الذكية. ونتيجة لذلك، فإن انفجار العصر الكمبري لا يقدم لنا مجرد دفاع سلبي ضد التطورية الدارونية، بل أيضاً حجة إيجابية قوية مؤيدة للتصميم”.

“حسناً، لقد طلبت منك ستة أمثلة، فما هو المثال السادس؟”

ففكر مير للحظات، ثم قال: “أقول إن الوعي الإنساني يؤيد بالتأكيد وجهة نظر إيمانية للطبيعة البشرية. تُعلم اليهودية والمسيحية بكل وضوح أننا أكثر من مجرد مادة – فنحن لسنا “كمبيوتر مصنوع من اللحم” كما قال مارفن منسكي، لكننا مخلوقين على صورة الله”.

“ولدينا القدرة على فحص الذات، والإبداع الفني، وتعلم اللغة. والإنجاز. والعلم لا يمكنه أن يفسر هذا النوع من الوعي بمجرد تفاعل المادة الطبيعية في المخ. من أين جاء؟ مرة أخرى أعتقد أن الإيمان يقدم أفضل تفسير”.

اتجه مير إلى حافة مقعده. وقال: “ولهذا فإن ما لدينا هنا مجموعة من ستة أدلة تشير إلى علة فائقة ذكية. وهذا أمر مذهل! لم يكن العلماء وأعين بهذه الأشياء عندما قالوا إن المذهب الطبيعي يفسر كل شيء. وبفضل الاكتشافات في العقود الخمسة الأخيرة، فنحن اليوم نعرف أكثر”.

“فقلت: “بناءً على الدليل الذي ذكرته، كيف تكمل الدفاع عن الله؟”

“أولاً، الإيمان – بمفهومه عن وجود خالق فائق – يقدم تفسيراً كافياً أكثر قبولاً عن الانفجار العظيم أكثر مما يقدمه التفسير الطبيعي. فعلة الكون لا بد وأن تفوق المادة، والفضاء، والزمن، والتي وجدت مع الانفجار العظيم. والله الذي عبده اليهود والمسيحيون له نفس صفة السمو هذه. ومع ذلك، فإن المذهب الطبيعي ينكر وجود أي كيان آخر أبعد من نظام الطبيعة المغلق”.

“كما أن ضبط قوانين الطبيعة وثوابت الكون، والأشكال الدقيقة لحالاته المبدئية، والتي ترجع في تاريخها إلى أصل الكون نفسه، كل هذا يوحي بالحاجة إلى علة تتسم بالذكاء. والإيمان يؤكد وجود كيان، لا فائق فقط، بل وذكي أيضاً – وهو الله. ولهذا، فالإيمان يمكنه أن يفسر كلاً من كوزمولوجيا الانفجار العظيم، والضبط الإنساني”.

“إن مذهب وحدة الوجود لا يمكنه تفسير أصل الكون؛ لأن أنصاره يؤمنون بإله مجهول متساو في الامتداد مع الكون الطبيعي. ومثل هذا الإله لا يمكنه أن يوجد الكون من لا شيء، لأنه غير موجود بصورة مستقلة عن الكون الطبيعي. فإن لم يوجد الكون الطبيعي، لما وجد هذا الإله أيضاً. وإن كان غير موجود، فلا يمكن أن يكون قد أوجد الكون”.

فقاطعته قائلاً: “ماذا عن الربوبية*، مشيراً إلى الاعتقاد بأن الله خلق العالم وتركه يدير نفسه. ألا يمكن لمذهب الربوبية أن يفسر أصل الكون أيضاً؟”

فقال مير: “نعم، وسأعطيك هذا التوضيح: إن مذهب الربوبية يمكنه أن يفعل نفس الشيء. لكني أؤمن بأن وجود التصميم بعد الانفجار العظيم يُقوض مذهب الربوبية كتفسير كاف”.

“مذهب الربوبية لا يمكنه أن يوضح الدليل على الإعمال المتفردة التصميم أو الخلق بعد خلق الكون. فإله الربوبية لا يتدخل في الطبيعة، ومع ذلك فنحن نرى دليل التصميم الذكي في تاريخ الحياة. فمثلاً، المحتوى الكبير للمعلومات يعطي دليلاً قوياً على عمل تصميم ذكي للحياة الأولى، بعد بداية الكون بكثير”.

“وبجمع كل هذا، فإن ما نعمله اليوم يعطينا ثقة قوية – من العلم – بأن الله موجود. إن ثقل الدليل مؤثر للغاية، وفي الحقيقة من وجهة نظري، يكفيني بشكل حاسم أن أقول إن الإيمان يقدم أفضل تفسير لمجموعة الأدلة العلمية التي كنا نناقشها”.

“العلم والإيمان لا يتصارعان. فعندما نفسر الأدلة العلمية والتعاليم الكتابية تفسيراً صحيحاً، فإنهما يؤيدان بعضهما البعض. وأقول لأي شخص يشك في هذا الأمر، تحقق بنفسك من الدليل”.

كانت جولة مير العاصفة منعشة. في البداية بدا الدفاع التراكمي عن الله، الذي بُني نقطة تلو الأخرى من اكتشافات العلم، دفاعاً مذهلاً. وبالطبع كان لدي قدر وافر من أسئلة المتابعة، قصدت أن أطرح بعضها على مير، وأبقي البعض الآخر للخبراء الآخرين الذين خططت اجراء مقابلات أخرى معهم في كل فئة من الأدلة التي ذكرها مير. قررت أن أبدأ بقضية كيف أن الدليل المؤيد لله مطلوب لترسيخ الدفاع عن خالق.

فرضية الله

في الساحة القضائية، فإن المحاكم المختلفة لديها معايير مختلفة من البراهين. ففي الحالات الجنائية، لا بد أن يُثبت المدعي أن المتهم مذنب بلا شك. وفي معظم القضايا المدنية، لا بد أن ينتصر جانب الادعاء بما يُسمى رجحان الأدلة. وفي بعض القضايا المدنية، هناك مستوى ثالث للبرهان يقع بين السابقين: أدلة واضحة وأدلة مقنعة[16].

عندما سألت مير عن أي مستوى من الأدلة يعتبره مناسباً في المجال اللاهوتي، أعطاني درساً مشوقاً في التاريخ في موضوع أدلة وجود الله. قررت أن أجلس صامتاً، وأدعوه يتكلم، وأحتفظ بأسئلة المتابعة حتى النهاية.

بدأ مير: “هناك مستوى متطرف ينكر وجود أية قاعدة دليلية على الاعتقاد المسيحي، والقول بدلاً من ذلك بأن كل ما نحتاجه هو الإيمان. وهذا ما يعرف باسم الإيمانية fideism [الإيمانية – الاعتماد على الإيمان بدلاً من العقل]. وقد جاء إلينا من حركة التنوير بعد فشل براهين إيمانية معينة على الإيمان بوجود الله.

“على وجه الخصوص، قدم الفيلسوف الفرني رينيه ديكارت بعض البراهين الجميلة لمحاولة تأكيد وجود الله بيقين شديد. واستخدم ما يسمى “براهين استدلالية”، حيث تكون لديك مقدمات منطقية رئيسية وفرعية، وإن اتضح أن هذه المقدمات المنطقية حقيقية، وأن منطق الحجة صحيح، سيكون الاستنتاج مؤكداً. فمثلاً:

“كل الناس سيموتون،

سقراط إنسان،

سقراط سيموت”.

لكن ديكارت وضع مقياساً عالياً وغير واقعي؛ فقد استخدم براهينه لمحاولة خلق تأكيد صارم بوجود الله، ولم يتمكن من توضيح ذلك. وليس بإمكانك أن تثبت بشكل مطلق – أو لا تثبت – وجود الله.

“ونتيجة هذا، سادت الفكرة التي تقول بأن حجج وجود الله لا تصلح، وأنه لا توجد أسس عقلية للإيمان. ثم جاء دارون، الذي أوضح أن ظهور التصميم يمكن تفسيره من خلال تقنيات طبيعية دون مصمم فعلي، وقد أسهم هذا في الاقتناع بعدم وجود أساس عقلية أو دليلية للإيمان بالله”.

“وفي ضوء هذا، كان لدى المؤمنين اختيار: إما أن يرفضوا الإيمان لأنه ليس له أساس عقلي، أو يرفضوا فكرة أنك بحاجة إلى أساس عقلي للإيمان. الذين ظلوا على إيمانهم أخذوا بالاختيار الثاني قائلين: “أنا أؤمن، وببساطة لست أملك ولا أحتاج أساساً عقليا لذلك”. ثم تبنوا استراتيجيات تقسم الإيمان والعقل، والتي قادت إلى الاستنتاج بأن الإيمان والعلم يشغلان مجالين مختلفين”.

“ولكن هناك اختيار ثالث يتضمن عمل دفاع مقنع عن الإيمان دون استخدام براهين استدلالية. وقد كتبت أنا وعالم الرياضيات ويليام ديمبسكي مقالة في العام 1998 نوضح فيها نموذج للإقناع نعتقد أنه يمكن أن يُستخدم لتأييد العقيدة التوحيدية. ويُدعى هذا “الرجوع للتفسير الأفضل”.

“هذه الصورة من صور العقلانية المنطقية نستخدمها في الحياة طوال الوقت. وتقول إنه إن أردنا تفسير ظاهرة أو حدث، علينا التفكير في مجموعة متكاملة من الفرضيات، ونرجع إلى الافتراض الذي يمدنا بأفضل تفسير إن كان صحيحاً. وبمعنى آخر، نُجري تحليلاً شاملاً للتفسيرات الممكنة، ونواصل إضافة معلومات حتى يبقى تفسير واحد يمكنه تفسير جميع البيانات”.

“والطريقة التي تُمير بها بين الفرضيات المتنافسة هي النظر إلى مدى قوتها على التفسير. غالباً ما تكون هناك أكثر من فرضية واحدة يمكنها تفسير نفس الدليل. فمثلاً، كما اتفقنا، فإن كلاً من مبدأ الربوبية، ومبدأ الإيمان بإله واحد، يمكنهما أن يفسرا بداية الكون. حسناً، ولكن إذا واصلت النظر إلى البيانات، ستجد أن مبدأ الإيمان بإله واحد هو فقط الذي يمكنه تفسير دليل وجود التصميم في الأحياء بعد أصل الكون. وبهذا يكون مبدأ الإيمان بإله واحد له قوة تفسيرية أعظم”.

“نحن نصل إلى استنتاجات بدرجة عالية من الثقة مستخدمين هذا الشكل من التفكير في حياتنا اليومية. وهذا ما يفعله المحققون. وهذا ما يفعله المحامون في المحاكم، وهذا ما يستخدمه العلماء وهذا النموذج يمكننا من تحقيق درجة عالية من اليقين العملي”.

“وعندما ننظر إلى الدليل الذي ذكرته أنا من علم الكونيات، والطبيعة، والأحياء، والوعي الإنساني، سنجد أن الإيمان بإله واحد له قوة تفسيرية مدهشة. فوجود الله يفسر هذا المدى الواسع من الأدلة بأكثر بساطة، وبطريقة كافية، وأشمل من أية نظرة عالمية أخرى، بما فيها المذهب الطبيعي، ومذهب وحدة الوجود. واكتشافات الأدلة البانية أو الداعمة يزداد سرعة”.

“في العام 1992، قال مؤرخ العلوم فريدريك بيرنهام إن فرضية الله “هي الآن فرضية محترمة أكثر من أي وقت مضى في المئة سنة الأخيرة”[17]. وسأقول ما هو أكثر من هذا: فأكثر من كونها “محترمة”، فإن فرضية الله فعالة بدرجة كافية لتضمن حكماً أن الله حي”.

دوافع العلماء

طرأت على ذهني العديد من الأسئلة وأنا أستمع إلى تحليل مير. فقلت له: “لقد أعطيتك الفرصة لتقدم ستة أمثلة من الأدلة العلمية المؤيدة للإيمان بالله، وسوفت أتابع باعتراضات معينة حينما أناقشها بالتفصيل مع خبراء آخرين. ولكن لا أود أن أغادرك دون أن أواجهك على الأقل بأربعة تحديات”.

وبينما كان مير يصغي إلى كلماتي، خلع نظارته ذات الإطار الذهبي، وبدأ ينظفها بمنديل. تطلع إليّ قائلاً: “هذا يبدو عادلاً. هيا انطلق. ما هو سؤالك الأول؟”

فالتفت إلى مذكراتي قبل التكلم، وبدأت قائلاً: “إن كان الدليل العلمي على الإيمان بإله واحد مقنع للغاية، فلماذا لا يؤمن بالله علماء أكثر؟ فقد أوضحت دراسة في العام 1966 أن 60% من العلماء إنا لا يؤمنون بالله أو كانوا متشككين، وهذه النسبة تتزايد إن نظرت على علماء الصفوة”[18].

فضيق مير شفتيه بينما كان يتأمل السؤال، ثم قال: “سأقول مبدئياً إن الاكتشافات الحديثة تأخذ وقتاً حتى تنتشر، ويتم التفكير الشامل في تضميناتها، كما أن بعض أفضل الأدلة على الإيمان بإله واحد أدلة جديدة جداً. والعلماء الذين يركزون على مجال واحد معين قد لا ينتبهون للاكتشافات في المجالات الأخرى التي تشير إلى الإيمان بإله واحد.

“وكما أن وجهة النظر العالمية المادية قد مارست نوعاً من السيطرة على الحياة العقلية في الثقافة الغربية لمدة 150 عاماً. وقد أصبحت وجهة النظر العالمية المخطئة في العلم، والفلسفة، والدراسة الأكاديمية بوجه عام. وبعض الناس الذين ينشقون عنها اجتازوا عدوانية شديدة، بل واضطهاد أحياناً. وهذا ما أحبط آخرين عن اكتشاف هذه المجال، أو التصريح بشأنه بشكل جيد”.

ذكرتني هذه النقطة باقتباس لسانداج، الذي قال مرة لمراسل صحفي إن المجتمع العلمي يحتقر الإيمان جداً حتى “إن هناك نفور من أن تكشف نفسك كمؤمن، فالازدراء قاسي جداً”[19].

واصل مير قائلاً: “وأخيراً، داخل الثقافة العلمية، توجد أنظمة معتقدات مشكوك فيها جداً من الناحية الفلسفية. فمثلاً، كثيرون يؤمنون أن لا بد عليه فقط أن يقدم التفسيرات الطبيعية التي تستبعد من اعتباراتها فرضية التصميم. ويرفض علماء كثير الاعتراف بهذا الدليل، ومن ثم ينمو نوع من “التفكير الجماعي”.

بدت إجابته مقبولة، لكنها أثارت سؤالاً من نوع آخر، فقلت: “هناك ملامح مختلفة لهذا الموضوع. فالمتشكك مايكل شيرمر قال إن أغلبية الناس الذين يراهم في حركة “التصميم الذكي” مسيحيون[20]. ألا يقوض هذا شرعية علمهم؟ فربما هم يبحثون فقط عما يريدون أن يجدوه، وليسوا منفتحين على تفسيرات المذهب الطبيعي التي قد تكون كافية”.

بدا ان هذا التحدي قد أثار مير، فقال بحزم: “كل عالم له دوافع، لكن الدوافع لا علاقة لها بتقدير صلاحية النظريات العلمية، أو قضية في محكمة، أو حجة في الفلسفة. عليك أن تستجيب للدليل أو الحجة المقدمة، بغض النظر عمن يقدمها أو لماذا. وإن كان كل شخص في حركة التصميم الذكي متشدداً ويحضر الكنيسة المعمدانية، فهذا لي مهماً. فحججهم يجب أن تُقيّم على أساس استحقاقها”.

فسألته: “ولكن هل هي حركة مسيحية خالصة؟”

فأجاب: “كلا، فهناك علماء من أنصار التصميم الذكي، وهم لا أدريين أو يهود، لكنني ما زلت لا أعتقد أن هذا له صلة بالموضوع. فالغالبية العظمى من الناس المؤيدين للدارونية من أتباع المذهب الطبيعي أو المادي، لهذا يمكنك أن تلعب على دور الدوافع في كلا الاتجاهين”.

“بالإضافة إلى هذا، انظر إلى الأمر بهذه الطريقة: إن اقتنع عالم بالدليل القائل بأن الإيمان بالله حقيقي، وأصبح تابعاً لله، فهل يصبح عندئـذ غير مؤهـل للعمل بالعـلم في هذا المجال؟ بالطبع لا. أقول دعنا نتجاوز هذا الموضوع الجانبي، ونترك الدليل يتحدث عن نفسه. هل التصميم أفضل تفسير أم لا؟”

فقلت له: “هذا يقودني إلى السؤال الثالث. إن كان العلماء يسمحون بإمكانية العمل الإعجازي كتفسير، ألا يمنع هذا البحث المستقبلي؟ لقد اقترح عالم الأحياء كينيث ميلر أن الرجوع إلى وجود مصمم ذكي سينتج عنه طريق مسدود[21]. فلماذا تستمر في اكتشاف مجال ما علمياً، بينما قد تركت مهمتك وقلت: “إن الله فعل هذا؟”

فأجابني مير على الفور قائلاً: “أعتقد أن الوضع قد اختلف الآن”.

“كيف؟”

“لنأخذ موضوع الأصول على سبيل المثال. السؤال المطروح هو: كيف نشأت الخلية على الأرض؟ إن قلت: سوف ندعك تفكر في الإجابات التي تتضمن العمليات المادية، فإن هذا سيوقف أي استفسار، لأن أحد التفسيرات الممكنة لموضوع أصل الحياة هو أن الذكاء ربما يكون قد لعب دوراً في هذا الأمر”.

فقلت: “إذاً فأنت تعتقد أن استبعاد إمكانية التصميم الذكي يعرقل البحث العلمي والعقلاني”.

فأجابني: “هذا صحيح تماماً، وقد رأيته يحدث كثيراً”.

أشرت إليه قائلاً: “تريد أن تغير قوانين اللعبة، أليس كذلك؟”

فقال: “نعم، إلى حد ما. ولا أعتقد أنه من الصواب أن أستشهد بقاعدة ذاتية تقول بأن التفسيرات الطبيعية فقط يمكن أن يقرها العلم. فلتكن لنا فترة جديدة في تاريخ العلم حيث تكون لدينا قواعد منهجية ترعى فعلاً البحث المتحرر عن الحقيقة. يجب أن يُسمح للعلماء أن يتتبعوا الدليل حيثما يأخذهم، حتى وإن قادهم لاستنتاج قد لا يُريح البعض.

مشاركة نفس الأفكار

كان اعتراضي الرابع يختص بموضوع يسمى بـ “الغائية disteleology”؛ وهو يشير إلى تصميم ضعيف بوضوح في العالم البيولوجي والطبيعي. كتب ميلر: “لتبني تفسير التصميم، نحن مجبرون أن ننسب العديد من النقائص إلى المصمم”[22]. وتضمين هذا يقول بأن تصميماً ناقصاً لا يثبت وجود إله كامل.

استشهد ميلر بمثل عين الفقاريات. فقد كتب: “ربما علينا أن نتساءل لماذا وضع المصمم الذكي عصب الشبكية في الجانب الذي يواجه الضوء الداخل إلى العين. فهذا الترتيب يبدد الضوء، ويجعل رؤيتنا أقل تفصيلاً مما يجب أن تكون عليه، بل وتنتج عن ذلك بقعة مصمتة لو شد العصب من خلال الشبكية الحساسة للضوء لكي ينتج العصب البصري الذي يحمل الصور المرئية إلى المخ.[23]”

كما أن دارونيين آخرين، بمن فيهم ريتشارد داوكنز من أكسفورد، انتقدوا التركيب الضعيف للعين. أما جورج ويليامز فقد انطلق ليعلن أن العين قد صممت “بغباء” لأن ” الشبكية موجودة في وضع معكوس”[24].

فتحفز مير للرد: “هناك سبب نفسي مهم يفسر لماذا الشبكية مقلوبة في العين. فداخل التصميم الكلي للنظام، يمثل توازن يسمح للعين أن تعمل الكمية الكبيرة من الأوكسيجين التي تحتاجها في الفقاريات. نعم، هذا يخلق بقعة مصمتة طفيفة، لكن هذه ليست مشكلة لأن للناس عينان، والبقعتان السوداوان المصمتان لا تتداخلان. في الحقيقة تصميم مذهل”.

بعدما قال هذه الكلمات، وقف مير واتجه إلى الجانب الآخر من الغرفة، حيث كانت حقيبته تستند على مكتب. قلب بعض الأوراق، وأخرج في النهاية نسخة مصورة من مقال.

قال وهو يسلمها لي: “في الحقيقة، كتب عالم الأحياء جورج أيوب هذه المقالة لتفنيد الادعاء بأن العين قد أسيئ خلقها”. نظرت إلى المقال الذي يستنتج فيه أيوب؛ أستاذ متخصص في الفيزيولوجيا الخلوية للشبكية، ما يلي:

“إن شبكية الفقاريات تقدم مثالاً ممتازاً للتصميم الوظيفي غير الحدسي. فتصميم الشبكية مسؤول عن حدتها وحساسيتها العالية. وليس حقيقياً ببساطة أن الشبكية عضو ضعيف، وليس من السهل أن نتخيل كيف يمكن أن تُعدل دون إنقاص وظيفتها”[25].

شعرت ببعض الكدر، فوضعت المقالة وقلت: “ربما لا يكون هذا مثالاً جيداً لرداءة التصميم، لكن هناك أمثلة أخرى كثيرة”.

فقاطعني مير: “لا تنتقل بسرعة كبيرة. هناك درس جيد ههنا. فالناس يقدمون ادعاءات كثيرة عن تصميم بيولوجي سيء، ولكن في بعض الأحيان تتغير الصورة كلها عندما تسمع بقية القصة. فمثلاً، يطلق الناس على تصميم معين أنه سيء لأنهم ينظرون إلى عامل واحد فقط، ويدعون أنه كان من الممكن أن يكون قد صمم بشكل أفضل. ومع ذلك، يعرف المهندسون أن كل التصميمات تتطلب جمع كل العوامل، ومن هنا فإن التوازنات لا يمكن تجنبها لخلق النتيجة الكلية الأفضل”.

كانت هذه جملة طويلة تتطلب توضيح، فقلت له: “أعطني مثالاً”.

فأشار إلى كمبيوتر آبل في الحقيبة المفتوحة، عند قدميّ. وقال: “أحياناً ما يُقدم مثال الكمبيوتر المحمول. يمكنك أن تنظر إلى الشاشة وتقول: “تصميم سيء، كان يجب أن يكون أكبر حجماً”. ويمكنك أن تنظر إلى الذاكرة وتقول: “تصميم سيء؛ كان يجب أن يكون أكثر سعة”، ويمكنك أن تنظر إلى لوحة المفاتيح وتقول: “تصميم سيء”؛ كان يجب أن تكون أكثر سهولة في الاستعمال”.

“لكن المهندس ليس مفروضاً عليه أن يصنع أفضل شاشة، وأفضل ذاكرة، وأفضل لوحة مفاتيح – لكن من المفروض أن ينتج أفضل كمبيوتر بحجم، ووزن، وثمن معين، ومتطلبات نقله. هل كان من الممكن أن تكون الشاشة أكبر؟ نعم، ولكنها ستكون أثقل وزناً. هل كان من الممكن أن تكون الذاكرة أكثر سعة؟ بالطبع لكن التكلفة ستكون أكثر”.

“لذلك هناك توازنات لا يمكن تجنبها. يمكنك انتقاد كل جزء على حدة، ولكن ليست هذه هي القضية. فالقضية الحقيقية هي كيف يعمل الكمبيوتر المحمول جيداً. هذا هو الفكر الهندسي الجيد. وهذا يفسر بعض الأمثلة التي ذكرناها”.

بينما كان هذا الكلام يشكل معنى، إلا أنه لم يجب على كل الاستفسارات، فقلت له: “عليك أن تعترف بأن هناك بعض الأمثلة التوضيحية لـ “رداءة التصميم” يصعب تفسيرها للغاية”.

فأجابني: “لست أنكر هذا. فبعضها سخيف، والبعض الآخر أكثر مدعاة للتفكر والاهتمام؛ فهي تتطلب مجهود التفكير العميق. مثلاً، إدعى جولد أن إبهام حيوان الباندا يبدو أن به نوع من الضعف jerry-rigged، وغير مصمم. أما الخبراء المتخصصون في الباندا فيقولون إن تصميمه هكذا فعال جداً لأنه يساعد في نزع لحاء البامبو. ففي ظل غياب معيار تحديد التصميم الجيد، الذي لا يمكن لجولد أن يقدمه، يصعب أن نقول ما إذا كان تصميماً جيداً أو رديئاً. فهو يبدو أنه يؤدي وظيفته بطريقة رائعة.

“التوضيحات الأخرى لـ “الغائية” تدخل في موضوعات ثيوقراطية، أو قبول الإيمان بالله وبالشر الطبيعي. فمثلاً، ماذا عن الفيروسات والبكتيريا التي تؤذي الناس؟ هل الله هو الذي خلقها؟ آمن اللاهوتيون الطبيعيون في القرن التاسع عشر أنه إذا كان الله الكامل قد خلق العالم، عندئذ سيكون العالم كاملاً، ولهذا لم يكونوا مؤهلين جيداً للتعامل مع حجج دارون المتعلقة بالغائية”.

“ومع ذلك، فمن وجهة نظر كتابية، لا يوجد توقع بأن الطبيعة ستكون كاملة. فالكتاب المقدس يقول إنه كان هناك فساد او تدهور لأن الشر قد دخل العالم وأفسد التصميم الأصلي. ولم نُعطي كل التفاصيل لكيفية حدوث هذا، لكن رسالة بولس إلى أهل رومية تؤكد ان العالم الطبيعي يئن للفداء، لأنه حدث خطأ في الخليقة الأصلية[26]. وبناء على القول الكتابي، يمكننا أن نتوقع أن نرى في الطبيعة كلاً من دليل التصميم، وأيضاً دليل التدهور والفساد – وهذا ما نراه فعلاً”.

حان الوقت كي ننتقل إلى شيء آخر، لكنني نظرت إلى الكمبيوتر المحمول في حقيبتي. وكان عليّ أن أصرح بأن تفسيرات مير الأساسية عن رداءة التصميم كانت تحمل معان واضحة.

خريطة المستقبل

بينما كنا نستجمع حديثنا، شعرت قليلاً بنفس شعور مير عندما حضر مؤتمر دالاس في العام 1985: متحمساً للدفاع العلمي التأكيدي لوجود الله. وحتى الآن، كان الدليل من التلسكوب إلى الميكروسكوب يشير بقوة في إتجاه خالق – وهذه حالة لم أكن أحلم بتحقيقها على الأطلاق عندما كنت طالباً. فتولدت في داخلي رغبة ملحة لمواصلة بحثي.

كنت لا أزال أختبر في داخلي تشككاً كامناً. هل سيعلق الدفاع عن خالق بينما كان يُفحص بعناية أكثر، وبينما كنت أحاور خبراء بكل الأسئلة التي انتابتني؟ ما التفاصيل الجديدة الجذابة التي يمكن أن يقدمها أولئك الذي قضوا سنوات في دراسة فئات متنوعة من الأدلة التي وصفها مير؟ هل سيخرج دفاعه قوياً أم ضعيفاً أم محطماً؟

كصحفي مختص بالشؤون القانونية، شاهدت الكثير من المحاكمات حيث يقدم المدعي وجهة نظر مقنعة للدليل أثناء دفاعه الافتتاحي لهيئة المحلفين. لكن القاضي يوجه هيئة المحلفين دائماً بأن كلمات المدعي ليست هي الدليل. إنها مجرد خريطة تساعده على تقديم الشهادة اللاحقة من خلال الشهود.

وبنفس المعنى، هذا ما أتاحه لي مير: ملخص الدليل العلمي للإيمان. والآن حان الوقت بالنسبة لي لمحاورة خبراء الكونيات، والطبيعة، والفلك، وعلم الأحياء المجهري، والمعلومات البيولوجية، والوعي كي أرى ما إذا كان الدفاع قوياً جداً كما قال مير. كانت خطتي أن أبدأ من البداية – أصل الكون، الذي حدث في انفجار للطاقة كان في منتهى القوة حتى إن صداه ما زال يُسمع بعد مرور بلايين السنين. لم أسع انتظار لحظة البداية!

ابتسامة الله الساخرة

ومع ذلك، لم أرد أن أغادر قبل قضاء عدة لحظات للتأمل في انطباعاتي عن مير. لقد أعجبت بشكل خاص بمزيجه المحبب من العمق الأكاديمي للأستاذ الجامعي، وذكاء المحامي، والجدية الساحرة للمتحمس. ولكن بينما كنا نتحدث كثيراً عن العلم، وقليلاً عن الفلسفة، وأقل عن اللاهوت، أدركت أننا لم نتطرق إلى تأملات مير الخاصة. فرحلته من كونه عالم إلى مدافع عن التصميم الذكي كانت شيقة بالنسبة لن، وشعرت بنوع من الفضول كي أعرف شيئاً عن حياة ستيفن مير الروحية.

فسألته: “عبر السنوات التي درست فيها الأدلة العلمية التي تؤيد الإيمان بالله، كيف أثر ذلك على إيمانك؟”

فأجابني: “لا جدال انه قد شدد إيماني، كان إتجاهي بالتحديد نحو اكتشافات أكثر تشير إلى الله، وهذا ما يثيرني. هناك أناس أكثر وأكثر يجدون أنفسهم منفتحين على الله نتيجة للاكتشافات الحديثة التي تجعل الإيمان بالله أفضل تفسير لدليل الطبيعية”.

وبقوله هذا توقف. لقد كانت إجابة آمنة، لكني خمنت أنه كان يحسب ما إذا كان عليه أن يخاطر أكثر من ذلك. شعرت أنه إنسان يشعر بارتياح وهو يطري فضائل الأحياء المجهرية أكثر مما يتطرق إلى موضوع شخصي كعلاقته الخاصة مع الله. ولكن فيما جلست بهدوء مصغياً، كان على وشك أن يبرهن خطأ إحساسي.

واصل كلامه: “هناك شيء واحد لم أخبرك إياه عن رحلتي الروحية؛ وهو أنه لمدة سنتين من حياتي، كنت منجذباً جداً لرؤية نيتشه عن الوجودية. فقد كان نيتشه لديه اعتراض مختلف عن تلك التي كنا نتحدث عنها. لقد تساءل: لماذا يجب أن يحكم الله وأخدم أنا؟ واقتنعت بهذا السؤال. فلماذا يكون شرط سعادتي خاضعاً لإرادة الله؟ شعرت أنه لا يمكنني أن أكون سعيداً بدونه، وكنت أعلم أن أسلوب حياتي الرديء قد جلب لي البؤس. وانتهى بي الأمر بأنني كما لو كنت أتحدى الله وأنا في حقل قمح في ولاية واشطن”.

“ما أقصده هو أن الثورة الذهنية التي يتحدث عنها الرسول بولس حقيقية تماماً في حياتي الخاصة. وحتى اليوم في تفكيري المسيحي، أجد في نفسي ميلاً للاتجاه إلى ما يشير إليه بولس كالذهن الطبيعي. وإليك كيف يفيدني الدليل العلمي المؤيد لله: إنه يغيرني. إنه يساعدني في إدراك أنه رغم ميلي الطبيعي نحو التركيز الذاتي والاستيعاب الذاتي، لا يمكنني أن أتجاهل ما حققه الله في هذا العالم كي يجعل كل إنسان يعرف أنه حقيقي، وأنه الخالق، وأننا بحاجة لأن نتصالح معه”.

“لا أرى ذلك في علم الكونيات والطبيعة والأحياء فقط، بل أيضاً في الرؤيا التاريخية للكتاب المقدس، وأساساً في رؤيا يسوع المسيح نفسه. إنه مؤثر للغاية! كان أينشتين يؤمن بهذا. وكان نابليون يؤمن بهذا. لقد أسر هذا الناصري ألبابهم، وما زال يأسر لبي أنا أيضاً”.

“أتذكر أنني فكرت ذات مرة أنه إن لم يكن يسوع الكتاب المقدس حقيقياً، لكنت بحاجة لعبادة من خلقه. إن يسوع أسمى تماماً من تفكيري! ودليل وجود الله في الطبيعة يقودني باستمرار إلى شركة أعمق وأكمل معه. ودراستي للأدلة العلمية ليست منفصلة عن حياتي كمسيحي، لكنها مشكلة من خلال ذاك الاختبار”.

“أتذكر عندما بدأت لأول مرة تدريس منهج جامعي عن أدلة وجود الله، انتقدني بعض الناس الذي ادعوا أن مثل هذه الحجج يمكنها أن تجعل من العقل صنماً. أو من العلم إلهاً. شعرت بالقليل من التحفظ لفترة، لكني لم أستمر في هذا التحفظ. لقد توصلت حتى إلى اقتناع أقوى بأن هذا هو الدليل الذي استخدمه الله كي يكشف لنا ذاته”.

“انظر إلى النجوم في سماء الليل، وأتأمل في تركيبة وخواص جزيء الـ DNA الحاملة للمعلومات، وتكون هذه فرص كي أعبد الخالق الذي أتى بها إلى الوجود. أفكر في الابتسامة الساخرة التي قد تظهر على شفتي الله بينما ظهرت في السنوات القليلة الماضية كل أنواع الأدلة على صحة الكتاب المقدس، وخلق الله للكون والحياة. أؤمن أنه سمح أن ينكشف لنا كل هذا بعنايته السماوية، وأنه يُسر عندما نكتشف بصمات أصابعه في الكون الواسع، وفي بقايا علم الباليونتولوجي الغبارية، وفي تعقيد الخلية”.

“ولهذا فإن اكتشاف الأدلة العلمية والتاريخية على وجود الله ليس مجرد اختبار معرفي، بل أيضاً نوع من العبادة بالنسبة لي. إنه وسيلة لإعطاء الخالق الفضل، والاحترام، والمجد الذي يستحقه. وأن ننسب الخلق لمجرد عملية طبيعية بمثابة نوع من الحب الأعمى الذي نميل إليه جميعاً. لست أدين زملائي أنصار المذهب الطبيعي لميلهم إلى ذلك. فقد كنت أنا كذلك. وكل منا لديه ميلاً للتقليل من قدر الله، وأن نفكر ونتصرف كما لو لم نكن عمدنا حقاً في خليقته، وأننا لسنا بأنفسنا نتاج قوته الخالقة الجبارة.

“إن النظر إلى الأدلة – في الطبيعة وفي الكتاب المقدس – يذكرني باستمرار من هو الله. ويذكرني من أنا أيضاً – إنسان يحتاج إليه”.

 

 

 

 

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

Dembski, William. The Design Revolution: Answering thd toughest Question about Intelligent Desgin.

Downer’s Grove,III., Intervarsity 2004.

McGrath. Alister. The Face of God. Grand Rapids, Mich.;Eerdmans. 2002.

Meyer. Stephen C. Evidence for Design in Pysics and Biology. “In Science and Evidence for Design in the Universe, eds. Michael J. Behe, William A. Demski, and Stephen C. Meyer. San Francisco;. Ignatius. 1999.

– “Modern Science and Return of God Hypothesis. “In Science and Christianity: Four Views, ed. Richard F. Carlson. Downer’s Grover, III.: InterVarsity, 2000.

Moreland, J. P. Christianity and Nature of Science.

Grand Rapids, Mich.: Baker. 1989.

Witham. Larry. By Design: Science and Search for God. San Francisco;. Encounter. 2003.

[1] Steven Weinberg, “ADesigner Universe?” The New York Review of Books (October 21, 1999), adapted from a talk given at the Conference on Cosmic Design of the American Association for the Advancement of Science. Washington, D.C., April 1999 (emphasis added).

[2] John Plokinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity (New York: Crossroad, 1994), xii.

[3] Sharon Begley, “Science Finds God,” Newsweek (July 20, 1998).

[4] Ibid.

[5] See: Dean H. Kenyon and Gary Steinman, Biochemical Predestination (New York: McGraw-Hill, 1969).

[6]Allan Sandage, “A Scientist Reflects on Religious Belief,” available at: www. Leaderu. Con/truth/ltruth5.html (January 7, 2003).

[7] J. P. Moreland, Christianity and the Nature of Science, 103.

[8] Review of Carl Sagan, The Demon-Haunted World: Science as a Candle in the Dark (New York: Ballantine, 1997) in the New York Review of Books (January 9, 1997).

[9] Stephen Jay Gould “Nonoverlapping Magisterial,” Natural History 106 (March 1997). See also: Stephen Jay Gould Rocks of Ages (New York: Ballantine, 1999).

[10] Stephen Jay Gould, Rocks of Ages, 14.

[11] Phillip E. Johnson, “The Church of Darwin,” Wall Street Journal (August 16, 1999).

[12] See: Malcolm W. Browne, “Clues To Universe Origin Expected,” New York Times (March 12, 1978).

[13]Fred Hoyle, “The Universe: Past and Present Reflections,” Annual Review of Astronomy and Astrophyics 20(1982).

[14] Paul Davies, The Comsmic Blueprint (New York: Simon & Schuster, 1988), 203.

[15] Richard Dawkins, River Out Eden (New York: Basic Books, 1995), 10.  

* الإيمان بالله بغير الاعتقاد بديانات منزلة.

[16] Stevern HGifis, Law Dictionary (Woodbary, N.Y.: Barren’s Educational series, 1975), 33-34.

[17] David Briggs, “Science, Religion Are Discovering Commenality in Big Bang Theory,” Los Angeles Times (May 2, 1992).

[18] See: Michael Shermer, How We Believe (New York: W. H. Freeman, 2000, 72-73, 251.

[19] Sharon Begley, “Science Fends God,” Newsweek (July 20, 1998).

[20] Michael Shermer, How We Believe, xxix.        

[21] Kenneth R. Miller, Fending Darwin’s God (New York: Cliff Street Books, paperback edition, 2000), 28.

[22] Ibid., 101.

[23] Ibid.,

[24] G. C. Williams, Natural Selection: Domainns, Levels and Challenges (Oxford: Oxford University Pess, 1992), 73, 72.

[25] Goerge Ayoub, “On the Design of the Vertebrate Retina,” Origins & Design 17:1, Winter, 19%.

[26] Romans 8:22 “We Know that the whole creation has been groaning as in the pains of childbirth right up to the present time.”

حيث يلتقي العلم بالإيمان – لي ستروبل

Exit mobile version