حبة الخردل والخميرة (ملكوت الله) – إنجيل لوقا 13 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

حبة الخردل والخميرة (ملكوت الله) – إنجيل لوقا 13 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

حبة الخردل والخميرة (ملكوت الله) – إنجيل لوقا 13 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو18:13ـ21): ” فَقَالَ: مَاذَا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ اللهِ وَبِمَاذَا أُشَبِّهُهُ؟. يُشْبِهُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَأَلْقَاهَا فِي بُسْتَانِهِ فَنَمَتْ وَصَارَتْ شَجَرَةً كَبِيرَةً وَتَآوَتْ طُيُورُ السَّمَاءِ فِي أَغْصَانِهَا. وَقَالَ أَيْضاً: بِمَاذَا أُشَبِّهُ مَلَكُوتَ اللهِ؟. يُشْبِهُ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ “.

 

          هذه المقارنة هي من النوع الممتاز وهي مناسبة لكي يضع أمامهم ما حدث وما تمّ عند الكرازة الإلهية والمقدَّسة بالإنجيل، هذه الكرازة بالإنجيل يعطيها هنا اسم ملكوت السموات، لأنه عن طريق الإنجيل نقتني نحن حق الاشتراك في ملكوت المسيح. ففي البداية كُرز بالإنجيل لأشخاص قليلين، وعلى نطاق ضيق، لكن فيما بعد اتسعت دائرة تأثير الإنجيل وانتشر ووصل إلى كل الأمم، لأنه في البداية كَرَزَ به الرب في اليهودية فقط حيث كان التلاميذ المباركين قليلين جدًّا في العدد، لكن بعد أن عصى إسرائيل، ورفضوا الإنجيل أُعطيت الوصية للرسل الأطهار أن ” يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم” (انظر متى 19:28). فكما أن حَبَّة الخردل هي أصغر في الحجم من جميع البذور لكنها تنمو وترتفع إلى علو عظيم، أكبر جدًّا عما هو معتاد بين الأشجار، حتى أنها تصير مأوى لطيور السماء. كذلك أيضًا ملكوت السموات الذي هو الكرازة الجديدة والمقدَّسة بالخلاص، والتي بها ننقاد إلى كل عمل صالح ونعرف ذلك الذي هو الله بالطبيعة وبالحق، تلك الكرازة قد تمّ توجيهها في البداية إلى أشخاص قلائل، وبينما كانت تلك الكرازة صغيرة ومحدودة أولاً فإنها نَمَتْ وانتشرت بعد ذلك انتشارًا سريعًا. وصارت هذه الجماعة النامية ملجأ لكل من يهرب إليها طالبًا الخلاص. هؤلاء لأنهم بشر صغار بالمقارنة بالله، يمكن تشبيههم بالطيور.

          إن ناموس موسى قد أُعطى للإسرائيليين، ولكن حيث إن سكان الأرض لم يكن ممكنًا إنقاذهم بواسطة الظل الذي كان يحتويه الناموس بعبادته المادية، لذلك كان أمرًا ضروريًا أن يُكرز ببشارة الإنجيل الخلاصية. وهكذا انتشرت سريعًا هذه الكرازة إلى كل من يحيا تحت السماء. وهذا ما أشار به إلينا حرف الناموس الموسوي في لغز لأنه هكذا يقول: “ وكلَّم الرب موسى قائلاً: اصنع لك بوقين من فضة مسحولين[1] تعملهما فيكونان لك لمناداة الجماعة ولارتحال المحلات ” (عدد 1:10 ،2). وقال بعد ذلك في الحال: “وبنو هارون الكهنة يضربون بالأبواق، فتكون لكم فريضة أبدية في أجيالكم” (عدد 8:10). والقصد بهذا الكلام هو أن نفهم كلاً من التدريب الإعدادي للناموس والكمال الذي يتم الوصول إليه في المسيح بواسطة طريقة الحياة بالإنجيل والتعليم الذي يفوق الظلال والرموز.

 

          إذن فالناموس هو بوق، وكذلك أيضًا بشارة الإنجيل المخلِّصة هي بوق، لأنه بهذا الاسم أيضًا يذكرها (البشارة) إشعياء النبي فيقول: ” يكون في ذلك اليوم أنه يضرب ببوق عظيم” (إش 13:27). لأنه قد انطلق في الواقع بوق عظيم بواسطة صوت الرسل القديسين دون إلغاء البوق الأول، بل احتووه أيضًا في كرازتهم، لأنهم كانوا دائمًا يبرهنون على كل ما يقولون بخصوص المسيح، من الناموس والأنبياء، مستخدمين شهادات الأزمنة القديمة.

          إذن كان هناك بوقان مسحولان مصنوعان من الفضة، حيث الفضة تشير إلى البهاء، لأن كل كلمة من الله هي مجيدة وليس فيها شيء من ظلمة العالم. وطَرْقُ المعدن أظهر أن البوق المقدس والإلهي، أي كلاً من الكرازة الجديدة والقديمة ستتقدمان وتنميان إلى الأمام لأن ما يُطرق يمتد، كما لو كان امتداده باستمرار إلى الأمام كما يمتد في العرض والطول.

          الآن عندما جاء المسيح لأجل سكان الأرض، فإن الناموس القديم تقدَّم ونما إلى تفسيره الروحي لأننا نكرز به نحن الذين قد بلغنا إلى الاستنارة الروحية في المسيح، وهكذا كان لابد لرسالة الإنجيل أنَ تنتشر إلى أن احتضنت العالم كله.

          إن الناموس قد أعطى الكهنة أن يستخدموا الأبواق ليأمروا الشعب، أما المسيح فقد أعطى لخدَّام البشارة الجديدة ـ أي الرسل القديسين ـ الوصية بأن يكرزوا به وبتعاليمه. لأنهم يعلنون سره مستخدمين ـ كما لو كان ـ بوقين، والبوقان يكرزان به، لكونهم: ” منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة ” (لو 2:1)، حيث إنهم أضافوا ـ تأكيدًا لكلماتهم ـ الشهادات الصادقة للناموس والأنبياء.

          وليس من العسير أن نرى رسالة الكرازة بالإنجيل، مع كونها صغيرة في البداية، لكنها قفزت حالاً، إلى ازدياد عظيم، حيث إن الله قد سبق وأخبر عن هذا بصوت إشعياء فقال: “ لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطى المياه البحر” (إش 9:11). لأن كرازة الخلاص تنفجر في كل موضع مثل بحر، وسيرها إلى الأمام لا يمكن مقاومته. وهذا أيضًا أخبرنا به إله الكل بوضوح بصوت النبي: ” والحق سيتدفق كمياه والبر كفيضان لا شيء يعيقه” (عا 24:5 س). لأنه يعطى اسمي الحق والبر لرسالة الإنجيل، ويمنحنا تأكيدًا أنه سيتدفق على العالم كمياه وفيضان، والذي تندفع مجاريه بقوة لا يمكن للإنسان أن يوقفها.

ملكوت الله والخميرة:

          ونفس طريقة التفسير تنطبق حسنًا على ملكوت الله عندما يُقارن أيضًا بالخميرة، لأن الخميرة مع أنها صغيرة في الحجم لكنها تمسك بالعجين وتنتشر فيه كله وتنقل إليه بسرعة كل خواصها. وكلمة الله تعمل فينا بطريقة مشابهة، لأنه حينما نقبلها في داخلنا، فهي تجعلنا مقدّسين وبلا لوم، وتغزو ذهننا وقلبنا وتجعلنا روحيين كما يقول بولس الرسول: ” لتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح” (1تس 23:5). وكون أن الكلمة الإلهية تنسكب إلى عمق ذهننا، هذا يُظهره إله الكل، حيث يقول بواسطة أحد الأنبياء القديسين: ” ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا، ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر، حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب، بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب، أجعل شرائعى في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم” (إر 30:31ـ33 س).

          لذلك نحن نقبل في أذهاننا وأفهامنا الخميرة العقلية والإلهية، لكي بهذه الخميرة الثمينة والمقدَّسة والنقية نوجد روحيًا غير مختمرين بالشر إذ ليس فينا شيء من شر العالم لأن القوة المحييّة التي لتعليم الإنجيل إذ تدخل إلى الذهن فهي تحوِّل النفس والجسد والروح إلى خواصها الذاتية (انظر 1كو 7:5)، ولذلك نكون أنقياء ومقدَّسين وشركاء للمسيح الذي به وله مع الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

4 أى تم طرقها بالمطرقة.

حبة الخردل والخميرة (ملكوت الله) – إنجيل لوقا 13 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أصغر البذور – ما المقصود أصغر جميع البذور؟

أصغر البذور – ما المقصود أصغر جميع البذور؟

أصغر البذور – ما المقصود أصغر جميع البذور؟

أصغر البذور – ما المقصود أصغر جميع البذور؟

 
هى ليست شبهة جديدة بأى حال، ولكن هناك كلام كثير يُثار حولها لدرجة بلغت بالتعقيد ما يدعو للملل. فهذا متخصص في كل شىء، وفي كل علوم الدنيا: علم آثار، علم نبات، علم حيوان، علم ميثولوجيا، بل وحتى علم النقد النصى! أصبحت كلمة “التخصص” بالسهولة بمكان ليدعى كل من هب ودب أنه متخصص في علوم الدنيا كلها، ويكرر كثيراً أنه لا يتكلم إلا بتخصص. وهل ذكر كتاباً واحداً كمرجعاً؟
 
اللهم إعتماد رئيسى وكلى على مواقع الشبكة. ودخلنا في دوائر مغلقة وتقسيمات وصور، وذلك كله لأنه لا يوجد كتاب علمى واحد متخصص في الدراسة النقدية للعهد الجديد تم الرجوع له. لو أى شخص قرأ تفسيراً نقدياً واحداً، ولو كلف نفسه عناء شراء أى تفسير نقدى أو قاموس لاهوتى للعهد الجديد، وهناك الكثير منهم متوفر في مصر، لأدرك حل المشكلة ببساطة. ولكن لما ونحن المتخصصين في علوم الدنيا بأكملها؟!

تحتاج العقلية الشرقية أن تتدرب في كيفية فِهم المنهج التأويلى الهيرمونطيقى، حتى تستطيع أن تدرك أن “النص المُطلق” هو مجرد وهم وخرافة. لا يوجد نص غير تأويلى، وبالتالي لا يمكن الحكم فيه إلا في ضوء الإحتمالات الممكنة لتفسير النص، وإختيار أفضل هذه الإحتمالات، وهو الإحتمال الذي يفسر كافة معطيات النص المتوفرة. نصر حامد ابو زيد كان قد ذكر مرة أن الثقافة العربية هي ثقافة نص، لا تستطيع العبور منه إلا ما وراء النص. والغريب أن هذا هو بالضبط النقد الكتابى، في الوقت الذي يدعى فيه الصاحب أنه دارس للنقد الكتابى!

إن آخر منظور قد يُنظر به للكتاب المقدس هو ما يسميه العرب “ظاهر النص”. هذا الكتاب بشكل عام لم يُكتب لكى نقرأه بحسب ظاهره. مؤلفى هذا الكتاب لم يريدوا أن يظهروا ما يريدونه بكل بساطة لكل من يقرأ. النقد الكتابى بأكمله هو مجموعة من الفروع المعرفية القائمة فقط، وأكرر فقط، لأجل فِهم النص.

حسناً، هل حبة الخردل هي أصغر حبوب كوكب الأرض؟ لست “متخصص” في النبات لكى أقول نعم أم لا، ولهذا يجب اللجوء للسلطة في هذا المجال، أى لمن يملك سلطة القرار؛ العالم. وقد إتفق علماء العهد الجديد على أن حبة الخردل ليست هي أصغر الحبوب الموجودة على كوكب الأرض. لكن هل هذا يعنى أن يسوع قد اخطأ؟ لا يرى الصاحب ذلك، إنما يرى أن مؤلفى الأناجيل “حرفوا” نص كلام يسوع. بكلمات أخرى، يرى جنابه أن أفضل تفسير لهذا النص هو أن مؤلفى الأناجيل قد غيروا نص كلام يسوع. السؤال الجوهرى إذن: هل هذا هو أفضل تفسير بالفعل؟

يحتاج المتخصص أن يعلم التالي: النص لا يُفسر إلا في بيئته وفي مجتمعه وبمقاييسه، وليس بمقاييس معاصرة. إذا خرج المُفسِر عن هذا الإطار فلا يُسمى ما يكتبه إلا عبثاً. لذلك لن تجد عالم يقول لك متى قد غيرّ في شىء إقتبسه عن مرقس إلا ويذكر لك السبب. ما السبب الذي سيجعل الإنجيليين يغيروا كلام يسوع؟ الآن، لو كان لدى صديقنا هذا أدنى معرفة بالنقد التاريخى، لعرف أن التوثيق المتعدد للنص من خلال إنجيل مرقس وإنجيل توما يذهب بالنص ليسوع.

النص لم يرد في المصدر Q حيث أن متى ولوقا أخذا النص عن مرقس، وبتطبيق النقد التنقيحى نستطيع أن نفهم بعض الإشارات عند متى ولوقا. ليس هذا هو المهم الآن، لكن المهم هو أن النص وارد عند مرقس ووارد في انجيل توما، وكلاهما مصدران مستقلان عن بعضها، وهذا يجعل العلماء يسألون: لماذا سيضع انجيل مرقس وانجيل توما نصاً ما دون أن يلتقيا إلا إذا كان النص أصلياً؟ لا يوجد سبب آخر بالتأكيد. وبالتالي، إدعاء الصاحب أن النص تغير شكله عن الشكل الذي قاله يسوع غير مُسند بالأدلة العلمية.

لماذا يفترض إذن أن الخطأ تم من قِبل الإنجيليين؟ لأنه يعتبر يسوع نبياً لا يخرج منه خطأ. حسناً، وأنا اؤمن أنه ابن الله نفسه، ولكن هذه المعتقدات لا علاقة لها بالبحث التاريخى. في أى بحث تاريخى لا يجب أن توجه البحث لما تريده أن ينتهى. عليك أن تضع كل الإحتمالات الممكنة وتقيمها بحسب الدليل المتوفر. هل هذا يعنى أنه هناك إحتمالية نظرية بحسب المنهج التاريخى أن يكون يسوع هو الذي ذكر هذا النص الذي يعتبره الصديق خطأ؟

نعم، لا يوجد أى أساس تاريخى يجعلك تستثنى يسوع، إنما أساس عقيدى فقط. هذا منهج مغلوط، لأنك إذا قررت البحث التاريخى يجب أن تخضع لقوانين البحث التاريخى دون تأثير من أى معتقدات. هذا لا يعنى أننى أقول أن يسوع قد اخطأ في شىء، بل ولا حتى الإنجيليين قد أخطأوا في شىء، فكما سنرى، إنعدام الدراسة النقدية هو الذي أدى إلى تخيل أنه خطأ! إنما ما أقوله هنا الآن هو نظرة في منهجية الصديق، التي لو عرضها على أى عالم متخصص (متخصص حقيقى!) لما أعطاه أى إعتبار اصلاً!

ما الذي يقوله المتخصصين الحقيقيين إذن؟

أجمع علماء العهد الجديد، بلا أى إستثناء، أن صِغر حبة الخردل كان مثلاً في اسرائيل. بكلمات أخرى، كانت حبة الخردل مضرباً للمثل في صغرها في اسرائيل. دعونا نستعرض معاً ما توصل له المتخصصين الحقيقيين:

يقول العالم روبيرت جيلش الأستاذ بمعهد فولر اللاهوتى، وهو أكبر معهد لاهوتى في العالم:”حبة الخردل κόκκῳ σινάπεως كان لها وضع مثلى في الفولكلور اليهودى كأصغر حبة. وكرمز للصغر كان لها معنى سلبى كثانوية. ولهذا فإن موضوع هذا المثل يتضمن بتأصل فكرة الصِغر”[1].

ما معنى أنها أصغر حبة في الفولكلور اليهودى؟ ببساطة، أنها كانت حبة متناهية الصِغر للدرجة التي جعلتها تكون مضرب المثل. هذا يعنى أن يسوع حينما قال أن حبة الخردل هي أصغر البذور كان يستخدم الثقافة اليهودية المحيطة به في المجتمع الذي عاش فيه. ولهذا حينما نقول أن الكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً، فإننا نعنى بذلك أنه لا يذكر تفاصيل كل علم المُطلقة. وحينما نقول أن الكتاب المقدس لا يخالف العلم، نحن نعنى أن تصريحاته تُفهم في مجتمعه وسياقه. فكما رأينا، وسنرى تفصيلاً الآن، كان يسوع يتكلم بحسب الثقافة السائدة في مجتمعه، لأنه يتعامل مع جماعة من البشر لها مقاييسها ومفاهيمها وثوابتها.

قلت سابقاً أن هذا المفهوم توصل له العلماء وليس عالم واحد فقط، لذلك دعونا نرى ما ورد في أكبر قاموس للغة اليونانية في العالم:

“لا يرد ذكر للخردل في العهد القديم، ولكن يبدو من الأدب اليهودى أنها كانت معروفة جيداً في فلسطين. وبحسب المشنا، لم تكن تُزرع في الحدائق وإنما في المزارع. وكانت تنمو لكل من الحبوب والأوراق. ولا يوجد ذكر للإستخدام الطبى لها. مدى صِغر الحبة كان مضرباً للمثل. ففى بعض قواعد التطهير، أقل كمية تنجس الإنسان هي “حتى لو مجرد صغيرة جداً كحبة الخردل” (المشنا: نيدا 5 و2، وقارن التلمود البابلى: بيراخوت 31 أ).

وهناك مثل آخر كالتالي: إذا كان شخصاً قد نذر أن يقبل بالنذر لمدة ثلاثين يوما كـ “سلة ممتلئة”، أى بالسعة التي تتحملها سلة، فإن أقسى إمكانية هى:”يجب أن ينتبه أن يجعل السلة مليئة بحبوب الخردل – وبهذا فقد نذر نفسه للرب طول حياته” (المشنا، نذير 1، 5). بل وحتى إلى اليوم يوجد المثل العربى:”لا يوجد حبة خردل تنزلق من يد البخيل”. النصوص اليهودية لا تقول أن النبات ينمو بشكل طبيعى لإرتفاع مفاجىء.

وكما يمكن أن نرى من السياق، لا يجب علينا أن نأخذ بشكل جاد التعبيرات العرضية التي تتباهى بخصوبة ارض فلسطين والتي تذكر نباتات خردل غير عادية، مثل:”قال الراباى شيما عن خالفتا: كان عندى نبات خردل وجعلتها تنمو إلى علو شجرة التينة”. ومع ذلك، فإن الخردل في الحقيقة ينمو إلى طول مترين ونصف إلى ثلاثة أمتار بالقرب من بحيرة جنيسارت”.

ثم يذكر في الهامش:”ويلكين لاحظ أيضاً أن الطيور تستظل بأوراقها الكبيرة. وعلى أية حال، فإن الطيور كانت تتغذى بحبوبها”[2].

ما الذي يعنيه هذا الكلام إذن؟ بكل وضوح وبساطة يعنى التالي: أن الثقافة اليهودية إعتبرت حبة الخردل لصِغرها المتناهى أصغر الحبوب، وكانت مضرباً للمثل في مدى الصِغر. وهو ما يعبر عنه العالم جيمس ادواردز، استاذ اللغة والأدب الكتابى بكلية ويتورث في واشنطن:”حبة الخردل، وهى الحبة التي تظهر سنوياً في فصل الربيع، ليست فعلياً أصغر الحبوب، وإنما كان لها رؤية في فلسطين تعتبرها الصغرى مثلياً”[3].

حسناً، إرجع خطوة للخلف، وتذكر: ما السياق الذي تكلم فيه يسوع عن حبة الخردل؟ إنه مثل! يسوع كان يتكلم بمثل لكى يشبه كيف سيُولد ملكوت الله صغيراً لا يتعدى إثنى عشر فرداً، لكنه سيمتد إلى كافة أرجاء الأرض. الحبة هي أصغر الحبوب مثلياً في اسرائيل في ذلك الزمان، ويسوع كان يتكلم بمثل حينما تكلم عنها. هل أدرك الصاحب هذا المنظور النقدى؟ هل بحث في الكتب والمراجع؟ إذا كان لا يملكها، فليصمت ولا يتكلم ليعطى حكماً خائباً!

بهذا، هل أخطأ الكتاب المقدس؟ يقول العالم جيمس بروكس، أستاذ العهد الجديد في معهد معهد بيت إيل اللاهوتى:”حبة الخردل لم تكن أصغر البذور في فلسطين، ولكنها كانت واحدة من أصغر الحبوب وكان مضرباً للمثل في تناهى صغرها. وكعادة الكتاب المقدس، لا يعطى وصفاً علمياً أو تحليلياً إنما الوصف العام. وبهذا فإن الكتاب المقدس لا يوجد به أى خطأ كان”[4]. فالكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً يتكلم عن علم نبات وعلم حيوان وعلم آثار، حتى يلتزم بالتقنية العلمية، إنما هو كتاباً لا يتعارض مع العلم، فيتكلم بثقافة المجتمع الذي كُتِب فيه كل سفر من أسفاره.

وعقيدتنا في عصمة الكتاب المقدس الدنيوية كالتالي: حينما نعرف كل البيانات والمعلومات عن نص معين، فسيتبين أنه لم يرد فيه خطأ. وهذا هو فكر كافة المسيحيين، وهو الفكر الذي عبر عنه بيان شيكاغو. لأننا إذا كنا سنتعامل مع الكتاب المقدس كنص، علينا أن نعرف الوسط والمجتمع الذي خرجه فيه هذا الكتاب. لا يوجد متخصص واحد في النقد الكتابى يقول أننا يجب أن نفسر النص في ضوء المقاييس المعاصرة.

الآن، إذا كان المجتمع اليهودى يعتبر حبة الخردل يُضرب بها المثل في التناهى في الصِغر، وإذا كان يسوع يستخدم حبة الخردل ويقول أنها أصغر البذور بينما يلقى “مثلاً” عن ملكوت الله، وإذا كان العلماء النقديين الذي ينظرون للتاريخ لا للعقيدة يؤكدون هذه الحقائق، فهل نقول أن يسوع قد اخطأ؟

أو هل هناك سبب واحد يجعلنا نقول أن أحد الإنجيليين قد حرفّ كلام يسوع؟ لقد بينا أنه لا يوجد أى سبب لأى إنجيلى يجعله يغير مفهوم الكلمة، ورأينا أن يسوع كان يتكلم بثقافة مجتمعه والبيئة التي وُلِد وعاش ومات وقام فيها. أين الخطأ إذن؟ أين العناوين البراقة “علم النبات يثبت تحريف الكتاب”؟

أكبر وأشهر تفسير نقدى خرج للكتاب المقدس منذ أن بدأ النقد الكتابى في عصر التنوير يقول:”هذه المقارنة تقصد أن تبرز علو هذا النبات عن الآخرين في تصنيف “لاخانا” λάχανα والذي ينتمى له هذا النبات، وهو التصنيف الذي لا يوجد له أعواد خشبية مثل الشجر والشجيرات، حتى أنه يتعدى التصنيف الأخير، ويصنع فروعاً كبيرة تستظل بها الطيور. وهذا يقابل مدى صِغر البذرة”[5].

بكلمات أخرى، يقول عزرا جولد، الذي كان أستاذاً للغة وأدب العهد الجديد بكلية اللاهوت الأسقفية في ولاية فيلادلفيا، أننا يجب أن نفهم التعبير في سياقه، لا بحسب المعايير المعاصرة. وهذه النقطة الأخيرة التي سألفت النظر لها، وهى أن كِبر النبات حينما ينمو لا يُقاس بحسب خبرة كل فرد الشخصية. هذا أمر نسبى بحت لا علاقة له بخبرة كل فرد، فحجم النبات حينما ينمو إلى ثلاثة أمتار بالنسبة لحبة متناهية الصغر للدرجة التي جعلتها مضرباً للمثل في المجتمع اليهودى، هو بكل تأكيد حجم كبير وأعظم من حجم الحبة!

بإختصار:

  1. حبة الخردل صغيرة جداً.
  2. حبة الخردل كانت أصغر الحبوب في الثقافة اليهودية.
  3. حبة الخردل كانت مضرباً للمثل في صِغرها.
  4. يسوع إستخدم حبة الخردل في مثل.
  5. يسوع قال أن حبة الخردل أصغر الحبوب في الأرض.

ما الذي نفهمه من ذلك؟ هذه هي قضيتى: أن يسوع إستخدم التعبير الملائم والمناسب جداً للمجتمع الذي عاش فيه، ولا يوجد أى خطأ في كلامه بمقاييس عصره. أى ناقد كتابى لن يفسر النص خارجاً عن سياقه وعن بيئته التي خرج منها النص. وكل شخص لديه علم بمناهج التأويل الهيرمونطيقى لن يجازف ويفسر النص بمعايير عصره.

من إتضع رفعه الله، فهو الذي أنزل الأعزاء من على الكراسى ورفع المتضعين، وهو الذي جعل نبوخذ نصر ملك بابل الذي تبجح بجبروته يهبط ليصير حيواناً يأكل العشب من الأرض. إنما التفاخر والتكبر والغرور في التعامل مع المسيحيين قائلين مرددين “التخصص” مدعين أنهم متخصصين في النقد النصى، فبنعمة الرب وقوة الروح، لو وضعنا لهم مصطلحاً في النقد النصى لسهروا شهوراً على الشبكة ليفهموه سيضيع تعبهم هباء!

أخيراً، أحب أن أقول لماذا كتبت هذا الرد الآن. انا لا أنتبه كثيراً لشبهات قديمة، خاصةً ما يتعلق باللاهوت الدفاعى، وذلك نظراً لتركيزى الشديد والمُكثف في النقد الأعلى. ولكن أخبرنى الأصدقاء بالغرور من مدعى التخصص وبالقيل والقال والردود على فلان والتفنيد على فلان وما إلى ذلك! ولو لم أكن علمت بهذه البروبجاندا السطحية جداً لما كنت رددت عليها!

لقد قال داود قديماً لجليات حينما تجبر على شعب الرب:”مَنْ هُوَ هَذَا الْفِلِسْطِينِيُّ الأَغْلَفُ حَتَّى يُعَيِّرَ صُفُوفَ اللَّهِ الْحَيِّ؟” (1 صم 17 : 26). وبقوة الروح القدس، لا بقدرته هو الشخصية، قتل داود هذا الأغلف. إن كل إعتمادنا هو على الروح القدس، لأن الرب هو الذي وعد قائلاً:”لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ” (مت 10 : 20). وإننا نقول بقوة الروح الذي يتكلم فينا:

لا يوجد رد علمى بمنهج نقدى محترم يمكنه أن يثبت خطأ الإستدلال المبني في هذه المقالة!

 

[1] Robert W. Guelich, Word Biblical Commentary, Vol. 34a (Mark 1-8:26), Word Books: USA 1989, P. 249

[2] G. Kittel & G. Friedrich, ed., Theological Dictionary of The New Testament, Vol. 7, Translated by G. W. Bromiley, Eerdmans: USA 1964, P. 288

[3] James R. Edwards, The Gospel According To Mark, Eerdmans: USA 2002, P. 144

[4] James A. Brooks, The New American Commentary, Vol. 23 (Mark), Broadman Press: USA 1992, P. 85

[5] Ezra P. Gould, Critical & Exegetical Commentary on The Gospel According To St. Mark, T&T Clark: USA 1989, P. 82

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

ما المقصود أصغر جميع البذور؟

Exit mobile version