الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

1 – هذا ما كان علينا أن نقوله في الابن، وهكذا جاز خطابنا بسلام بين من كانوا يتوخون رجمه[1]. والكلمة لا تقبل الرجم، ولكنها قد تصبح، إذا شاءت، حجر المقلاع ترمى به الوحوش الضارية، أين الأقوال التي تقترب بقحة من الجبل[2]. يقولون: ماذا تستطيع أن تقول في الروح القدس؟ ومن أين تأتينا بهذا الإله الغريب الذي ليس له في الكتاب أي أثر؟ هذا ما سيردده أولئك الذين يقفون من الابن موقف اعتدال[3]. وكما أننا نجد الطرق ومجاري المياه تنفصل بعضها عن بعض ثم تعود إلى الاجتماع، نجد الأمر نفسه هنا، فإن من يختلفون في بعض الآراء يلتقون على غيرها، وذلك لوفرة غنى الكفر، بحيث يمتنع التمييز بين مَواطن الاتفاق ومَواطن الاختلاف.

2 – وإنه لمن أصعب الصعب أن نتكلم عن الروح، لا لأن الذين ضيق عليهم في الكلام على الابن سيبذلون قصاراهم لمحاربة الروح فحسب – وهم بحاجة ماسة إلى أن يكونوا كافرين بوجه من الوجوه، وإلا فالحياة في نظرهم غير ذات قيمة – بل لأننا نحن أيضاً، وقد انهالت علينا وأرهقتنا الأسئلة، نعاني ما يعانيه أولئك الذين يشعرون بالغثيان، فإنهم إذا تقززوا من طعام، عافوا جميع الأطعمة، فنحن كذلك نعاف كل نقاش. وليعن الروح مع ذلك فتسرع كلمتنا[4] ويتمجد الله. أما فيما هو من أمر البحث، والتحري الدقيق في طرائق استعمال اللفظتين “روح” و”قدس” في الكتابة الإلهية، مع البراهين الداعمة لهذه الدراسة، وتفسير المقاطع التي تجمع فيها هاتان اللفظتان، أي “الروح” و”القدس”، فهذا العمل ندعه لآخرين، لأولئك الذي قاموا به لأنفسهم ولنا، فيما نعمل نحن لهم. وإننا نعود إلى مواصلة الخطاب.

3 – وهكذا فإن الذين يحسبون أننا ندخل الروح القدس إلهاً غريباً ومسجلاً تسجيل زور، فيغتاظون ويناضلون نضالاً شديداً للدفاع عن الكتابة الإلهية[5]، عليهم أن يعلموا أنهم “جزعوا جزعاً حيث ليس جزع”[6]، وأن حبهم للكتابة قناع يخفون وراءه الكفر[7]، كما سنبين ذلك بعد قليل عندنا نرد اعتراضاتهم[8]. إننا، ونحن على هذا القدر من الاقتناع بألوهة الروح القدس، موضوع عبادتنا، سنأخذ في هذا العرض للاهوت متناولين الثالوث بالتعبيرات نفسها، وإن رأى البعض في ذلك تجرؤاً مفرطاً. “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم”[9] الآب. “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم” الابن. “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم” البارقليط الآخر[10]. لقد كان، وكان، وكان. ولكنه كان واحداً. نور، ونور، ونور. ولكن نور واحد، وإله واحد. هذا ما تراءى لداود قديماً عندما قال: “بنورك نعاين النور”[11]. ونحن الآن، وقد أبصرنا، نكرز ونقول: من النور الآب، ندرك[12] النور الابن، وفي النور الروح، إنه لاهوت للثالوث موجز وبسيط[13] من ينكر فلينكر! ومن يتنجس فليتنجس![14] نحن ندرك ونكرز. “سنصعد إلى جبل عال نرفع صوتنا”، إن لم يسمع من ههنا، و”سنشيد” بالروح “في غير مخافة”[15]. إن خفنا فسيكون خوفنا من البطالة لا من الكرازة.

4 – إن كان هناك زمن لم يكن فيه الآب، كان هنالك زمن لم يكن فيه الابن. ولئن كان هنالك زمن لم يكن فيه الابن، كان هنالك زمن لم يكن فيه الروح أيضاً. لئن كان الواحد منذ البدء[16]، كان الثلاثة أيضاً منذ البدء. إن سفلت الواحد أجرؤ أن أقول لك: لا تُشد بالاثنين الآخرين. فما نفع ألوهة ناقصة؟ أو بالحري أي ألوهة تكون هذه الألوهة الناقصة؟ وكيف تكون كاملة إذا كانت بحاجة إلى شيء تكتمل به؟ والحال أنها تكون بحاجة إلى شيء إن خلت من القداسة. وكيف تحصل عليها إن خلت من الروح القدس؟[17] فليقل هل القداسة هي شيء آخر غيره؟ وكيف تفهم؟ فإن كانت هي إياه فكيف لا يكون الروح القدس “منذ البدء”؟[18] فكأنه كان من الأفضل لله أن يكون حيناً غير كامل وبدون الروح؟ فإن لم يكن “منذ البدء”[19] كان من رتبتي، وإن سبقني في الوجود بعض السبق، فإن الوقت هو الذي يفصلني عن الله. وإن كان من رتبتي فكيف يصيرني إلهاً[20]، أو كيف يوحدنا أنا والألوهة؟

5 – إنني سأناقش لك الموضوع منطلقاً من بعض العلو. لقد تكلمنا آنفاً على الثالوث. إن الصدوقيين أنكروا إنكاراً تاماً وجود الروح القدس، كما أنكروا وجود الملائكة والقيامة، لا أدري كيف تعاموا عن الشهادات الكثيرة الواردة في العهد القديم في شانه. ويبدو لي أن من اقتربوا منا من لاهوتيي اليونان اللامعين قد استشفوه ولكنهم لم يتفقوا على تسميته: فقد دعوه “عقل الكون”[21]، و”العقل الخارجي”[22]، وأموراً أخرى مشابهة. أما حكماؤنا فقد ذهب بعضهم إلى أنه قوة[23]، وبعضهم إلى أنه مخلوق، وبعضهم إلى أنه الله، ووقف آخرون موقفاً حائراً فما قالوا بهذا ولا ذاك احتراماً للكتابة الإلهية التي، على حد قولهم، لا تورد بصراحة أياً من هذه الألفاظ[24]. ولهذا فإنهم لا يجلونه كما أنهم لا يحطون من شأنه، ولكنهم يقفون منه موقفاً وسطاً، أو بالحري موقفاً يرثى له. وبين الذين يعترفون بألوهته قوم أرثوذوكسيتهم في تفكيرهم لا غير، وقم تحملهم جرأتهم على أن تكون أرثوذوكسيتهم على شفاههم أيضاً. وهنالك آخرون سمعت أنهم، في حكمتهم الشديدة، يقيسون الألوهة بمقياس. إنهم يعترفون معنا بالثلاثة الذين نعرفهم، ولكنهم يقيمون بينهم فروقاً، فيجعلون الأول غير متناه من حيث الجوهر والقدرة، والثاني من حيث القدرة دون الجوهر، والثالث شبه محدود في هذا وتلك. إنهم يتمثلون، على غير وجه، بالذين يجعلون الثالوث “صانعاً، ومساعداً، وخادماً”، ويرون في الرتبة والصفة اللتين تنطوي عليهما هذه الأسماء تفاوتاً حقيقياً في المكانة والسلطة.

6 – إلا أننا لا نخاطب من لا يعترفون بوجود الروح القدس، ولا اليونانيين الذين يهذون. فلا “يمتد دهن الخطأة” إلى خطابنا. وإننا سنتوجه إلى الآخرين على النحو التالي: “هل يُجعل الروح القدس في الكائنات القائمة بذاتها، أو في الصفات التي تقوم بغيرها؟ الناس الحاذقون في الموضوع يسمون ما كان في الحالة الأولى جوهراً، وما كان في الحالة الثانية عرضاً. فإن كان عرضاً كان، على الأرجح، قوة الله، وماذا يمكنه أن يكون غير قوة، وقوة من؟ ولا شك أن ذلك يوافقه أشد الموافقة، ويبعد عنه مبدأ التركيب. ولئن كان قوة فقد أتته القوة من غيره، لا من ذاته، ومتى توقفت عنه انتهى وجوده: ذلك هو شأن القوة. وكيف يعمل[25] والحالة هذه؟ هل يفوه بأقوال[26]، أو يفرز أشخاصاً[27]، هل يحزن[28] ويغضب[29]، ويعمل كل ما يدل بوضوح على أنه متحرك، لا أنه حركة؟ أما إذا كان جوهراً، لا شيئاً يدور في فلك الجوهر، فإنه يُعد خليقة، أو إلهاً، إذا إن نصف الإله الذي لا يتصف بصفات هذا ولا ذاك، أو يكون مزيجاً من هذا وذاك فأمر لا يستطيع أن يتخيله أحد حتى الذين اخترعوا “التيوس الأيائل”. أما إذا كان خليقة، فكيف نؤمن به، أو كيف نصير به كاملين؟ وليس سواء أن نؤمن بشيء، وأن نؤمن بالنظر إلى شيء. في الحال الأولى يكون عملنا متعلقاً بالألوهة، ويكون في الحال الثانية متعلقاً بما شئت من الأشياء. وإذا كان الله، لم يكن خليقة، ولا صنع صانع، ولا عبداً مثلنا، وبكلام آخر لم يكن قابلاً أي اسم يدل على حِطّة ونقص.

7 – لك الكلام الآن، فلتنطلق مقاليعك، ولتتجالد أقيستك. إنه في نظرك إما غير مولود، وإما مولود. فإذا كان غير مولود، كان هنالك اثنان بلا مبدأ، وإن كان مولوداً تميز أيضاً: فهو يأتي من الآب أو من الابن. فإن أتى من الآب كان هنالك ابنان أخوان. وبما أنك شديد التمسك بالأمور الجسدية تماد في القول وقل إنهما توأمان، أو إن أحدهما البكر والآخر الثاني! وهو يضيف: وإن أتى من الابن، كان لنا هنالك إله حفيد. هل من غرابة أقبح من هذه الغرابة؟ إنه مقال “الحكماء للشر”[30] والذين يأبون أن يجعلوا الخير في كتاباتهم. أما أنا فإن وجدت هنالك تميزاً ضرورياً تقبلت عناصره ولم يخفين أن أسميها. لا، لا، إذ إن الابن ابن لعلاقة[31] من درجة أسمى، ولا نستطيع التعبير بغير هذه الطريقة عن أنه يأتي من الله وإنه واحد معه في الجوهر، وهكذا كان لا بد لنا في الكلام على الألوهة من اللجوء إلى ألفاظنا الأرضية على الوجه المجازي، ولا سيما الألفاظ التي تدل عندنا على القربى. ومن هذا القبيل قد يخيل إليك أن الله من النوع المذكر لأنه يدعى الله والآب، والألوهة من النوع المؤنث، بسبب علامة التأنيث، وأن الروح القدس غير مذكر ولا مؤنث لكونه لا يلد. وإن واصلت تخيلاتك الصبيانية، مجارياً الأقدمين في أحلامهم وخرافاتهم التي ذهبوا فيها إلى أن الله ولد ابنه باتحاده بإرادته، فيكون لنا من ذلك إله في الوقت نفسه ذكر وأنثى، إله مركيونس مبدعاً “آيونات جديدة”[32].

8 – وإذا كنا لا نرتضي تمييزك الأول الذي لا يحتمل شيئاً وسطاً بين اللامولود والمولود، فسيتلاشى في الحال، مع تمييزك، الإخوة والأحفاد الذين ورد ذكرهم في كلامك، وكما تنحل عقد الرباط وتلافيفه عند حل العقدة الرئيسية، كذلك سقطت مزاعمك في اللاهوت. قل لي، أين تجعل، في التمييز الذي لجأت إليه، ذاك الذي ينبثق؟ إنه يظهر وسطاً، والذي جعله في هذا الوسط لاهوتي أرفع منك، هو مخلصنا. هذا ما لم يكن لك من الكتاب عهد ثالث تلجأ وتسقط منه القول: “الروح القدس الذي من الآب ينبثق”[33]. وإذ كان ينبثق من الآب فهو ليس خليقة، وإذ كان غير مولود فهو ليس ابناً، وإذ كان وسيطاً بين اللامولود والمولود فهو الله. وهكذا يتفلت من أشراك أقيستك، ويتجلى إلهاً أقدر من تمييزاتك. فما هذا الانبثاق؟ قل لي ماذا يعني أن يكون الآب غير مولود فأقول لك ماذا يعني أن يكون الابن مولوداً والروح منبثقاً. عند ذلك نتمم معاً منحنيين[34] على أسرار الله. ومن نحن لهذا الأمر؟ إننا لا نستطيع أن نعرف ما بين أقدامنا، ولا “إحصاء رمل البحر، وقطار المطر، وأيام الدهر”[35] فكيف لنا باختراق “أعماق الله”[36]، والكشف عن الطبيعة التي لا توصف ولا يدركها عقل.

9 – إنه يقول: ماذا ينقص الروح حتى يكون الابن؟ لو لم ينقصه شيء لكان الابن. أما نحن فنقول: لا ينقصه شيء، لأن الله منزه عن النقص، وإنما الفرق، إذا صح القول، في الظهور والتجلي، أو في العلاقة بينهم[37]، تلك العلاقة التي هي في أساس اختلاف الأسماء. ولا شيء ينقص الابن لكي يكون الآب – إذ إن البنوة ليست نقصاً – وهو مع ذلك ليس الآب، وإلا فينقص الآب شيء لكي يكون الابن، إذ إن الآب ليس الابن. إن هذه الألفاظ لا تدل على نقص أو انخفاض فيما هو من الجوهر، والتعبيرات “غير مولود” و”مولود” و”انبثق” تدل على الآب، والابن والروح القدس موضوع كلامنا هنا، وهكذا نحافظ على ميزة الأقانيم الخاصة في الطبيعة الواحدة وكرامة اللاهوت الواحدة. فالابن ليس الآب إذ ليس إلا آب واحد، ولكن له ما للآب، والروح القدس ليس الابن لمجرد كونه يأتي من الآب، إذ ليس إلا ابن واحد، الوحيد[38]، ولكن له ما للابن. الثلاثة واحد في الألوهة، والواحد هو ثلاثة من حيث الميزات الخاصة. وهكذا فالواحد ليس ما ذهب إليه سابليوس[39]، والثالوث ليس ما تذهب إليه انقسامات اليوم الهدامة[40].

10 – كيف إذن؟ الروح القدس؟ لا شك في ذلك. أيكون إذن واحداً مع الآب والابن في الجوهر؟ أجل، لكونه الله. فيقول: أعطني إذن من هو الابن ومن ليس هو الابن آتيين من الآب الواحد، ثم أعطينهما متساويين في الجوهر، فأسلم بأنهما كليهما الله. أعطني، أنت أيضاً إلهاً آخر وطبيعة واحدة إلهية[41]، فأعطيك الثالوث نفسه، مع الأسماء نفسها والحقائق نفسها. وألا يكون إلا إله واحد، وطبيعة سامية واحدة، من أين آتيك بتشبيه يوضح ذلك؟ أو تأتي بالتشبيه من الأشياء الأرضية التي تتشبث بها؟ إنه لعار قبيح، وأكثر من عار، بل جهالة جهلاء. أن تتخذ من الأشياء الدنيا صورة للحقائق العليا، ومن الأمور الحائلة صورة للحقائق التي لا تحول، فذلك كما قال أشعيا “أن يُطلب الأحياء بين الأموات”[42]. وإني بسببك سأعمد إلى بعض ما على هذا الأرض لدعم هذا العرض الذي أنا آخذ فيه. بإمكاني أن أقدم من حياة الحيوان عدة أمثلة، ولكني سأهمل ما كان لدينا مبتذلاً، وما كان معروفاً لدى البعض، وأتوقف عند الحذاقة العجيبة التي جعلتها الطبيعة في تناسل الأحياء. لقد قيل إنهم يولدون لا متشابهين من آباء متشابهين، ومختلفين من آباء مختلفين وحسب، ولكن متشابهين من آباء مختلفين، ومختلفين من آباء متشابهين أيضاً. وإن كان ما يقوله أحدهم جديراً بالتصديق، كان هنالك نوع آخر للتناسل: الكائن الواحد يتهدم ثم يعود فيبعث مولوداً جديداً[43]. وهنالك أيضاً حيوانات تخرج نوعاً ما من ذاتها، وتتحول إلى شكل آخر، وذلك من جراء ما في الطبيعة من قوة وعظمة[44]. أضف إلى ذلك أنه قد يكون هنالك من الكائن الواحد كائن غير مولود وآخر مولود، ومع ذلك متساويان في الجوهر. وهذا ما يوافق موضوعنا أفضل موافقة. وإني سأتخذ مما لدينا شاهداً يعرفه الجميع، ثم أنتقل إلى موضوع آخر.

11 – ما كان آدم؟ كان كائناً صنعه الله[45]. وحواء؟ بضعة اقتطعت من هذا الكائن المصنوع[46]. وشيت؟ كائناً وَلداه هما[47]. ألا ترى أن “صنع” “واقتطع” “وولد” ذات مدلول واحد؟ وكيف لا تكون كذلك؟ هل الأشخاص الثلاثة من جوهر واحد أم لا؟ كيف لا يكونون من جوهر واحد؟ وهكذا فمن الثابت أن كائنات أتت إلى الوجود بطرق مختلفة تستطيع أن تكون واحدة في الجوهر. وإني أتكلم هكذا لا لأني أنسب إلى الألوهة أنها صنعت أو اقتطعت أو كانت عرضة لأي تأثير جسدي – فلا يهاجمني في ذلك أحد المماحكين! – ولكني أتأمل في هذه الأمور، كما لو كان ذلك في مشهد من مشاهد المسرح، ما يدركه العقل، إذ إنه يستحيل أن يعبر التشبيه عن الحقيقة كاملة وصافية. ويقولون: ما نفع ذلك؟ وليس بالأمر الواحد أن يكون هذا مولوداً وذاك أتياً إلى الوجود بطريقة أخرى. كيف ذلك؟ حواء وشيت ألم يأتيا من آدم؟ ألعلهما أتيا من آخر؟ هل كانا كلاهما مولودين؟ كلا! ولكن ما هما؟ حواء مقتطعة، وشيت مولود، ومع ذلك فالواحد منهما يشبه الآخر، لأنهما إنسانان: لا أحد ينكر ذلك. ألن تتوقف عن مهاجمة الروح بادعائك أنه إما مولود وإما غير الله وغير واحد مع الله في الجوهر؟ وهل تسلم بأن رأينا ممكن بعد ما قدمنا من الحقائق الإنسانية؟ أظن أنك الآن توافقني عليه، ما لم تكن مقيماً على خطة الخصومة ومقاومة الحقيقة الراهنة.

12 – وهو يقول: ولكن من عبد الروح؟ مَن مِن جماعة العهد القديم أو جماعة العهد الحديث؟ من توجه إليه بالصلاة؟ أين كتب عن وجوب التعبد له وتوجيه الصلاة إليه؟ أنى لك هذا الرأي؟ سنقدم فيما بعد الشرح الأكمل، عندما نتكلم على العقائد غير المكتوبة[48]. والآن نكتفي بالقول: الروح هو الذي فيه نعبد وبه نصلي. فقد قيل: “إن الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا”[49]، وكذلك: الروح يعضد ضعفنا فإنا لا نعلم كيف نصلي كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا توصف”[50]، و”إني أصلي بالروح، ولكني أصلي أيضاً بالعقل”[51]، أي روحاً وعقلاً. فالعبادة والصلاة والعبادة ألا يمكن لهذه الفكرة أن يؤيدها جميع الذين يحيون في الله ويعلمون علم اليقين أن عبادة الواحد هي عبادة الثلاثة، إذ إن الثلاثة متساوون في الكرامة والألوهة؟

ولن يخيفني النص “كل شيء به كوّن”[52]، وكأن هذا “الكل” يشمل الروح القدس أيضاً. فقد قيل: “كل ما كوّن”[53]، لا “كل” بغير قيد ولا استثناء، فلا الآب معني، ولا كل ما لم يكوّن. بين لي إذن أن الروح القدس مصنوع، واجعل الابن صانعه، واجعله في رتبة المخلوقات، وما دمت لا تبين ذلك فأنت لم تأت الكفر مع هذا التعميم بأي مدد. لئن كوّن فلا شك أن المسيح مكونه: لن أنكر ذلك أنا أيضاً. وإن لم يكونه فكيف يكون بين عداد كل ما كون، أو كيف يكون المسيح مكونه؟ توقف عن الحط من قدر الآب بتحقير ابنه الوحيد – لأنه حط من قدر الآب أن تفقده ابنه وتجعل هذا الابن خليقة إن خليقة فوقية – وتوقف عن الحط من قدر الابن بتحقير الروح. فليس الابن صانع رفيق عبودية، ولكنه يتقاسم والروح مجد المساواة في الكرامة. لا تدخل شيئاً في الثالوث مما يشبهك مخافة أن تنحرف عن الثالوث[54]. لا تحلق أي انتقاص بهذا الطبيعة الواحدة والمتساوية في التقدير والإجلال، فأي انتقاص تلحقه بالثلاثة تلغي به الكل، أو بالحري تبعد به ذاتك عن الكل. فمن الأفضل قبول تصور ناقص عن الوحدة في الثالوث من التجرؤ على المضي إلى أقصى درجة من الكفر.

13 – لقد وصل خطابنا إلى النقطة الرئيسية، وإني أتألم لعودة قضية ماتت منذ زمن طويل وقضى عليها الإيمان[55]. ومع ذلك لا بد لنا من الصمود أما الثرثارين وتجنب الاندحار من جراء الإهمال، ونحن الذين نحوز الابن وندافع عن الروح. يقولون إذا وجد إله وإله وإله فكيف لا يكون هنالك ثلاثة آلهة؟ أوليس “بوليرخية” ما تكرمونه؟ من الذين يفوهون بهذا الكلام؟ إنهم الكافرون المغرقون في الكفر[56]، والذين يقفون في الكفر الموقف التالي[57]، أعني أولئك الذين لهم في الابن مذهب حسن. أما جوابي فسيكون في قسم منه للجميع، وسيتوجه بنوع خاص في قسم منه إلى الفئة الأخيرة. فأقول لهؤلاء: لماذا تدعوننا “ثالوثيي الآلهة”، أنتم الذين تكرمون الابن وإن كنتم تنكرون الروح؟ ألستم أنتم “ثانويين”؟ إذا كنتم تأبون تقديم العبادة للابن الوحيد أيضاً فأنتم، والحق يقال، في عداد خصومنا، فلماذا نعاملكم برفق وكأنكم أناس لم يموتوا بعد موتاً كاملاً. ولكن إذا أكرمتم الابن، وذهبتم في استعداداتكم الخلاصية إلى هذا الحد، كان لنا السؤال الآتي: بأي حجة تدفعون عنكم “الثانوية” إذا أُخذت عليكم؟ إذا كنتم تعرفون حجة بارعة فردوا، وسلحونا هكذا بوسيلة للرد، إن الحجج التي تدافعون بها عنكم “الثانوي” تكفينا هكذا عليكم؟ إذا كنتم تعرفون حجة بارعة فردوا، وسلحونا هكذا بوسيلة للرد. إن الحجج التي تدفعون بها عنكم “الثانوية” تكفينا لندفع عنا “ثالوثية الآلهة”. وهكذا نكون الرابحين بجعلكم المدافعين عنا أنتم الذين كنتم خصومنا. هل من سخاء أوفر من هذا السخاء؟

14 – فكيف يكون لنا أن نقاوم ونحج هاتين الفئتين معاً؟ ماذا يكون جوابنا؟ ليس لنا نحن إلا إله واحد، لكون الألوهة واحدة، والذين يأتون من الواجد يعودون إليه، وإن كنا نؤمن أن هنالك ثلاثة: ليس الواحد الله أكثر من الآخر، ولا ذاك أقل، ليس الواحد قبل، والآخر بعد، وليس فيهم انفصام في الإرادة، ولا انقسام في القدرة. لا يمكن أن يكون فيهم شيء مما نجده في الخلائق المركبة. وإذا كان لا بد من الإيجاز قلنا: إن الألوهة غير منقسمة فيمن هم متميزون: كذلك الأمر في ثلاثة شموس متداخلة، يكون مزيج نورها واحداً. وهكذا عندما نتطلع إلى الألوهة، العلة الأولى و”المونرخيا”، لا نرى غير الوحدة، وعندما نتطلع إلى من فيهم الألوهة، الذين يأتون من العلة الأولى على غير زمن ويتساو في المجد والكرامة، نجد الثلاثة الذين نعبدهم.

15 – ثم ماذا؟ قد يقال اليس عند الإغريق، كما ورد في تعاليم الكبار في فلاسفتهم، ألوهة واحدة وعندنا إنسانية واحدة، أي جميع الجنس البشري؟ ومع ذلك أليس لديهم عدة آلهة، لا إله واحد، كما أنه من الثابت وجود أناس كثيرين. وإن في الجماعة البشرية، والحال هذه، وحدة لا يمكن النظر إليها إلا بالفكر، والأشخاص هم على أشد ما يكون الاختلاف فيما بينهم، إذ إن الزمن قد قسمهم، كما قسمتهم طاقة الانفعال والفعل. فنحن، لسنا مركبين فحسب، بل نحن أيضاً متعاكسون، بعضنا بالنظر إلى بعض، وفي ذواتنا فلا نثبت على حال واحدة في النهار والواحد، ولا في أثناء الحياة كلها، وإلى ذلك ففي أجسادنا ونفوسنا تيارات وتقلبات متواصلة. لا أدري على الملائكة وجميع الطبائع العليا التي تأتي في الرتبة بعد الثالوث. هي على هذا النحو، مع أنها ذات طبائع أبسط. وإنها لقربها من الجمال الأسمى، أشد ثباتاً في تطلعها إليه.

16 – أما ما يكرمه الإغريق من آلهة ومما يدعونه “شياطين”[58]، فإنا بغنى عن تقبيحهم عليهم، فلاهوتيوهم أنفسهم يتحدثون عما هم عليه من خضوع شديد للأهواء، ومن تناحر وشقاق، ومما هم عليه من النقائص والعيوب والتقلب. إنهم في خصام دائم بعضهم مع بعض، وفي شجار مع العلل الأولى ومع ما يدعوهم الإغريق أوقيانس، وتيثياس، وفانيتاس، وما لا أدري من الأسماء، وأخيراً مع إله يقوده شغفه بالعنف إلى الفتك بأبنائه، فهو يبتلعهم بجشع لكي يصبح أباً لجميع البشر والآلهة[59] الذين افترسوا وقذفوا بالتقيؤ وبطريقة قبيحة. فإن لم يكن هنالك إلا خرافات وأساطير على حد ما يقولونه ويحاولون أن يتجنبوا عار هذا القول[60]، فماذا يقولون عندما يسمعون أن “الكون ثلاثة أقسام” يحكم كل قسم منه إله، وأن هؤلاء الآلهة الثلاثة على انقسام من جهة تقاسم العناصر والامتيازات؟[61]

إلا أن الحال ليست حالنا، و”ليس مثل حظ يعقوب”[62] على حد قول لاهوتيي[63]، فكل واحد من الثلاثة ليس بأقل وحدة بالنسبة إلى من معه مما هو عليه في ذاته، وذلك بسبب الوحدة في الجوهر والقدرة. هذا هو مبدأ توحدهم كما يتوصل عقلنا إلى إدراكه. فإذا كان هذا التفسير متيناً شكرنا لله نعمة هذه الدراسة، وإلا فلا بد لنا من تطلب غيره.

17 – لا أدري هل نقول إن حججك صادرة عن رجل مازح أو رجل جاد عندما تعمل على دكّ الاتحاد الذي نقول به. فكيف تفكر وتحلل؟ تقول: إن الأشياء الواحدة في الجوهر تحصى معاً – تريد بهذا الكلام أنه يمكن جمعها في عدد واحد – ولكن التي ليس واحدة في الجوهر لا تحصى معاً. وتضيف: من هنا لا يمكنكم إلا أن تقولوا بثلاثة آلهة، وفاقاً للمبدأ السابق، أما نحن فلا خطر علينا من هذا القبيل، لأننا لا نقول بوحدة الجوهر. وهكذا فإنك تملصت من العقدة بكلمة واحدة، وادعيت الانتصار، ولكن بئس الانتصار. لقد فعلت فعل من يعمدون إلى شنق أنفسهم خوفاً من الموت. وكي لا تجهد نفسك في الدفاع عن “المونرخيا” أنكرت الألوهة، وجعلت بين يدي أعدائك ما يطلبون. أما أنا فلن أسلم من أعبد، مهما كلفني ذلك من مشقة. ولا أرى أن في ذلك مشقة.

18 – تقول إن الأشياء الواحدة في الجوهر تحصى معاً، والتي ليست كذلك تعد منفصلة بعضها عن بعض. أنى لك هذا؟ من أي علامة أو من أي ساطر أساطير؟ ألا تعلم أن كل عدد يدل على كمية الأشياء، لا على طبيعتها؟ وأنا إلى هذا الحد متخلف وجاهل حتى إنني أستعمل “ثلاثة” لأعد ثلاثة أشياء. حتى إذا كانت هذه الأشياء من طبائع مختلفة، وبعكس ذلك واحد، وواحد، وواحد، أي ما هو لعدد من الوحدات المختلفة، حتى إذا كانت الأشياء من جوهر واحد، إذ إنني انظر إلى كمية الأشياء التي يتناولها العدد أكثر مما أنظر إلى الأشياء نفسها، وبما أنك تتمسك بحرفية الكتاب المقدس إلى هذا الحد – وأنت في الحقيقة تحاربه – فتأمل في الأمثلة التي اتخذتها منه. في كتاب الأمثال: “ثلاثة تحسن السير: الليث، والتيس والديك، وفي المقام الرابع الملك الذي يخطب في قومه”[64]. ولا أورد ما في النص نفسه من مجموعات ذوات أربعة معدودات بطبائع مختلفة. وأجد كروبين عدهما موسى منفصلين[65]. كيف يكون الثلاثة الأولون ثلاثة، بحسب قواعد فنك، ويكونون في الوقت نفسه منفصلين في الطبيعة، أو كيف يمكن إحصاء الاثنين الآخرين منفصلين وهما متشابهان في الطبيعة ومتحدان اتحاداً شديداً؟ وإن أوردت لك الله ومامّون “ربين اثنين”[66] معدودين في فئة واحدة مع ما بينهما من بون شاسع، فقد أكون في عينيك بهذا الجمع أشد سخفاً وأهلاً للاستخفاف.

19 – ويقول: من الممكن أن تعد الأشياء معاً في حين تكون من جوهر واحد، وذلك عندما يدل عليها اسم واحد بطريقة التبادل، من ذلك مثلاً: ثلاثة رجال، ثلاثة آلهة، لا مجموعة من ثلاثة تتألف من أشياء مختلفة. ما هذا الجواب؟ إنه جواب من يتلهى بالألفاظ ولا يهتم للحقيقة. فكأن بطرس وبولس ويوحنا ليس ثلاثة وليسوا من ذوي جوهر واحد، إذ لم يقل ثلاثة بطرسات وثلاثة بولسات وثلاثة يوحنات! فنحن نطالب للأسماء ذوات الدلالة الخاصة ما منحته لذوات الدلالة العامة، وذلك جرياً مع تصورك وتخيلاتك، وإذا تمنعت من ذلك كنت ظالماً.

ولكن ماذا يقول يوحنا؟ يقول في رسائله الجامعة: “والشهود في الأرض ثلاثة الروح والماء والدم وهؤلاء الثلاثة هم في جسد واحد”[67]. أتظن أنه يهذي؟ إنه أولاً يجرؤ على عد ما ليس من جوهر واحد معاً، وهذا ما لا تبيحه أنت إلا للأشياء ذات الجوهر الواحد. ومن يستطيع القول إن هذه الشهود الثلاثة من جوهر واحد؟ وإنه ثانياً استعمل الألفاظ ولم يحافظ على ما بينها من علاقة، فبعدما استعمل اللفظة “ثلاثة” في صيغة المذكر عاد عليها في صيغة اللامذكر واللامؤنث (neuter) مخالفاً بذلك قواعد لغتك وأصولها. ومع ذلك، فأي فرق بين استعمال “ثلاثة” بصيغة المذكر أولاً ثم العودة عليها بالقول واحد وواحد وواحد بصيغة اللامذكر واللامؤنث، أو بالقول واحد وواحد وواحد بصيغة المذكر، وأن نسميها، لا ثلاثة بصيغة المذكر، بل ثلاثة بصيغة اللامذكر واللامؤنث؟ وهذا ما ترفضه بالنسبة إلى اللاهوت؟

ما قولك في اللفظة “كركينس”؟[68] أليست تدل على الحيوان، والآلة، ومجموعة النجوم؟ وما قولك في اللفظة “كلب”؟ أليست تدل على الكلب الذي يعيش على الأرض، وكلب البحر، ومجموعة النجوم؟ ألا تظن أنه يقال ثلاثة “كركينسات”، وثلاثة كلاب؟ بلى! هل هي لذلك من جوهر واحد؟ أي إنسان عاقل يثبت ذلك؟ هل ترى كيف أن هذه الردود أسقطت ما ذهبت إليه من الأشياء لا تعد معاً إلا إذا كانت من جوهر واحد؟ وهكذا فماذا بقي لك إذا كان من الممكن للأشياء التي من جوهر واحد ألا تعد معاً، وإذا كان من الممكن للأشياء التي ليست من جوهر واحد أن تعد معاً؟

20 – إني أذكر أمراً آخر – وقد لا يكون خارجاً من الموضوع – أليس لدينا اثنان إذا جمعنا واحداً وواحداً، وفي اثنين ألسنا نجد واحداً وواحداً؟ بلى وإذا جرينا على مبدأك وجمعنا الأشياء التي من جوهر واحد، وفصلنا الأشياء المختلفة، فماذا يجري؟ يجري أن الأشياء نفسها هي في الوقت نفسه من جوهر واحد ومن جوهر غير واحد. يأخذني الضحك عندما أرى هذا العد تارة هكذا وتارة هكذا، وأنت بذلك فخورن وكأن الأشياء متعلقة بموقع الكلمات وفي هذا الحال وجرياً على المبدأ نفسه تستطيع القول: بما أن الكتابة الإلهية تسمي الأشخاص أنفسهم تارة على هذا الترتيب، وطوراً على ترتيب آخر، لما لهم من تساو في كرامة الطبيعة، فماذا يمنع من النظر إلى أن هنالك تفاوتاً فيما بينهم قدراً وكرامة؟ وإن لأرى الأمر نفسه في موضوع “الله” و”الرب”، وفي موضوع الأحرف الجارة في “منه وبه وإليه”[69] وأنت تتوهم أنك تستطيع بها أن تخضع الألوهة لمبادئك، مرجعاً الأول منها إلى الآب، والثاني إلى الابن، والثالث إلى الروح القدس. ماذا يكون موقفك لو أرجع كل حرف من هذه الأحرف إلى أي من الثلاثة في غير تمييز، لأنك، وإن أرجعت جميعها إلى الكل – وهي كذلك في نظر المتيقظ – تُدخل بها تفاوتاً شديداً في الكرامة والطبيعة؟[70]

هذا يكفي من هم على شيء من النوايا الصالحة. ولكن يصعب عليك، بعد تهجمك على الروح، أن تكبح جماحك، وتتوقف عن شجار لا نهاية له، وعن التشبه بالرتوت الشديدة التوحش التي تنقض على السيف، وذلك إلى أن تنال نصيبك الكامل من التجريح. وهيا بنا نعالج ما تبقى من الحجج.

21 – إنك لا تزال تردد: هذا ليس في الكتابة الإلهية. وألا يكون الروح غريباً ومقحماً خلسة وتحايلاً، بل أن يكون معروفاً ومكتشفاً لدى القدامى والمحدثين، أمر برهنه الكثيرون ممن وضعوا التفسيرات المتعلقة بالموضوع، أولئك الذين مارسوا الكتابة الإلهية في غير فتور ولا ضحالة، بل في استنطاق للحرف، وفي استبطان للأشياء[71]، وقد استحقوا لذلك أن يشاهدوا الجمال الذي كان مطوياً، واستناروا بنور المعرفة.

فلنبين ذلك نحن أيضاً بإيجاز وعلى قدر طاقتنا، حتى لا نبدو ذوي أطماع مفرطة وبلا فائدة، ولا “نبني على أساس غيرنا”[72]. فالذي يحملك على التجديف، والإكثار من هذه الثرثرة[73] الفارغة، وهذا الكفر الذي لا يجدي فتيلاً هو أنه لم يرد في الكتابة بوضوح كاف أن الروح القدس هو الله، وأنه لم يسم بهذا الاسم مراراً كما جرى ذلك للآب أولاً ثم للابن بعد ذلك. إننا سنزيل من أمامك هذه العقبة بتفسير وجيز للأشياء والأسماء، معتمدين اعتماداً خاصاً على الكتابة الإلهية.

22 – هنالك أشياء لا توجد ولها أسماء، وأشياء توجد ولا أسماء لها، وأخرى لا توجد ولا أسماء لها، وأخرى توجد ولها أسماء. هل تطلب أمثالاً على ذلك؟ إني على استعداد لتقديمها. لقد ورد في الكتابة الإلهية أن الله ينام[74]، ويستيقظ[75]، ويغضب[76]، ويمشي[77]، وأنه جالس على الكروبين[78]. فهل أخضع لذلك كله في الحقيقة؟ هل بلغك يوماً أن لله جسماً؟ إنها أشياء لا توجد إلى في المخيلة. وقد استعرنا ما لنا لندل بعض الدلالة على أمور الله. فبقولنا “ينام” نعبر عن أن الله يبتعد عنا وكأنه يهملنا لأسباب يعرفها هو، إذ أنا النوم يعني لدينا التوقف عن كل نشاط وكل عمل. ويقولنا “يستيقظ” نشير إلى أنه عاد علينا بالخير، إذ إن الاستيقاظ هو النهوض من النوم، كما أن النظر إلى شخص ما هو عدم التحول عنه. وعندما يعاقبنا الله نتصور أنه غاضب، لأن العقوبة لدينا تصدر عن الغضب. وهو يعمل تارة هنا، وتارة هناك، فنعبر عن ذلك بالمشي لأن المشي انتقال من مكان إلى آخر. وهو يرتاح إلى القوات المقدسة، وكأنما يطيب له أن يقيم فيما بينها: إنه جالس وله عرش، إنها صورة مأخوذة مما لنا، إذ إن الألوهة لا ترتاح إلى أحد كما ترتاح إلى القديسين. إنه يتحرك بسرعة، فهو يطير[79]. إنه ينظر إلينا وكأن له وجهاً[80]. إنه يعطي ويتقبل وكأن له يداً[81]. وخلاصة القول إن أعمال الله المختلفة قد عبر لنا عنها بصورة مادية.

23 – وأنت، من أين أتيت بـ “اللامولود” و”بغير المبدأ”، وقد تحصنت بهما هذا التحصن؟ ونحن أنفسنا من أين أتينا بـ “غير المائت”؟[82] بين مصدرها في ألفاظها. فيما أنها لم ترد في الكتابة الإلهية سنعلن أنها غير صحيحة أو سنمحوها. ها قد قضين عليك انطلاقاً من مبادئك نفسها، وسقط سور الألفاظ الذي كنت تحتمي به في ثقة هكذا عظيمة. ألا ترى أنها صادرة عما يتضمنها معنوياً، وإن لم ترد في لفظها. فما الذي يتضمنها؟ “أنا الأول والآخر”[83]، “لم يكون إله قبلي ولا يكون بعدي”[84]، فهو إذن “الكائن”[85] كينونة كاملة لم يكن لها ابتداء ولن يكون لها انتهاء. فعندما قلت بأن لا شيء قبله، ولا علة سابقة له، رحت تدعوه “اللامبدأ له”، و”اللامولود”، وعندما قلت بأن وجوده لا ينتهي رحت تدعوه “اللامائت” و”اللاقابل الفساد”. تلك هي الفئة الأولى وتلك حالها.

والآن ما هي الأشياء التي لا توجد والتي ليس لها أسماء؟ هذه: الله شرير، الكرة مربعة، الماضي حاضر، الإنسان غير مركب. هل عرفت يوماً أحداً قادته الحماقة إلى أن يتجرأ على تصور مثل هذه الأمور والمناداة بها؟

بقي أن نبين الأشياء الموجودة والتي لها أسماء: الله، الأنسان، الملاك، الدينونة، سخف الأقيسة التي تشبه أقيستك، تعطيل الإيمان والقضاء على السر[86].

24 – إذا كان مثل هذه الفروق بين الأسماء والأشياء فكيف تكون عبداً للحرف على هذا الحد؟ هل أنت آخذٌ بالحكمة اليهودية؟ هل أنت مقيد بمقاطع الحروف دون الأشياء نفسها؟ لو قلت أنت: خمسة مضروبة باثنين، أو سبعة مضروبة باثنين. وإذا استنتجت أنا من ذلك: عشرة، أو أربعة عشر، أو إذا قلت أنت: كائن حي، عاقل، مائت، واستنتجت أنا أنه الإنسان، أفتحسب أنني أهذي؟ كيف ذلك وأنا أقول ما تقول أنت؟ والكلام إنما يأتي من قائله بقدر ما يأتي ممن يحمل على قوله. وكما أنني هنا أنظر إلى تفكيرك أكثر مما أنظر إلى أقوالك، كذلك الأمر عندما أجد شيئاً آخر لم يقل أو لم يقل بوضوح، وهو في طوايا الكتابة الإلهية، فإني لن أحجم عن إعلانه، ولن أخافك أنت الناقد الساعي وراء الأسماء! هذا موقفنا بالنسبة إلى من لا تخلو آراؤهم من بعض الصحة[87].

إننا لا نستطيع أن نواجهك أنت بمثل هذا الكلام[88]. إنك تنكر التسميات الكثيرة والواضحة التي تدل على الابن. إنك لن تتقيد بالأخرى[89] أيضاً – وهذا أمر ثابت – حتى لو كانت في عينيك أكثر وضوحاً وعدداً. وإذا كان الأمر كذلك، رأيت أن أرتقي بالموضوع إلى أعلى، وأشرح لكم، وإن كنتم علماء، سبب الغموض كله.

25 – لقد حصل “انقلابان”[90] شهيران في تاريخ البشر وفي طريقة حياتهم، وقد عودهما عهدين و”زلزالين أرضيين”[91]، والأمر معروف يكاد لا يجهله أحد: الواحد نقل من الأوثان إلى الناموس[92]، والآخر من الناموس إلى الإنجيل[93]. وقد أخبرنا أن هنالك زلزالاً ثالثاً للانتقال من هنا إلى هناك، إلى ملكوت لا يتغير ولا “يتزعزع”[94]. هكذا كان بالنسبة إلى العهدين العتيق والجديد[95]. كيف ذلك؟ لم يجر التغيير فجأة، ولا منذ انطلاق الحركة الأولى لهذا العمل. لماذا؟ لا بد من معرفة السبب. كان علينا أن نقتنع لا أن نُكره، لأن ما يخالف الإرادة لا يدوم – تلك حال مجاري المياه والنباتات إذا ضيق عليها – ولكن ما يتفق والإرادة هو آمن وأبقى: فمرجع إحدى النتيجتين إلى المكره، ومرجع الثانية إلينا نحن، الواحدة جديرة بالصلاح الإلهي، والأخرى جديرة بسلطة غاشمة. فكان تدبير الله لا في الإحسان إلى من يرفضون الإحسان، بل في توزيع النعم على من يتقبلونها. هكذا كان الله كالمؤدب أو كالطبيب ينهى عن هذه السيرة، ويبيح تلك، ويتغاضى عن بعض الأمور مجاراة للأحوال، هذا ما يفعله الأطباء في معالجة مرضاهم، إنهم يتحيلون جهدهم على الدواء لكي يتقبله مرضاهم، فيغيرون طعمه بمواد أقرب إلى التقبل، وإنه لمن الصعب تغيير الأشياء التي قضت العادة والزمن الطويل باحترامها. ماذا أعني بهذا القول؟ إن الانقلاب الأول ذهب بالأوثان ولكنه أباح الذبائح، والانقلاب الثاني ذهب بسنة الذبائح، ولكنه لم يمنع الختان، وعندما ارتاح الناس إلى الإلغاء، تقبلوه حتى فيما كان مباحاً: هؤلاء في موضوع الذبائح، وأولئك في موضوع الختان. لقد انتقلوا من الوثنية إلى اليهودية، ومن اليهودية إلى المسيحية، تقودهم هذه التغيرات الجزئية إلى الإنجيل بطريقة لا شعورية. وليقنعك بولس في الموضوع! لقد انطلق من الختان[96] ومن التطهير[97] وقال: “وأنا أيها الأخوة إن كنت أكرز إلى الآن بالختان فلم أضطهد بعد؟”[98] هنالك كان التسامح، وهنا الكمال.

26 – بهذا أستطيع أن أقارن ما هو من شأن اللاهوت، ولكن بطريقة عكسية. هناك التغيير عن طريق الإلغاء، وهنا الكمال عن طريق الإضافة. وذلك كما يلي: العهد القديم أعلن الآب في وضوح، والابن في غموض. العهد الجديد أعلن[99] الابن، وألمع بألوهة الروح. وهكذا أصبح للروح القدس مقر فيما بيننا، وهو ينير طريقنا إليه. وهكذا لم يكن من الحكمة، قبل الاعتراف بألوهة الآب، أن ينادى علناً بالابن، وقبل التسليم بألوهة الابن، أن يقحم الروح القدس عبئاً إضافياً – ولو كان التعبير جريئاً – وإلا كان الأمر على البشر كالغذاء الثقيل الذي يبهظ، أو كتحويل الأنظار إلى نور الشمس بعيون لا تزال ضعيفة، مما يفقدهم جميع طاقاتهم. أما إذا جرى الأمر بالإضافات الجزئية، و”بالمراقي”، على حد قول داود، بخطى متعاقبة، وبالتحول “من مجد إلى مجد”[100] فإن نور الثالوث يتلألأ أكثر فأكثر.

وأنا أرى أن هذا هو سبب سكناه الجزئية في نفوس التلاميذ، مراعياً في ذلك طاقات من يتقبلونه، في بدء الرسالة الإنجيلية، وبعد الآلام، وبعد الصعود: إنه يكمل طاقاتهم[101]، وقد نُفخ[102]، وظهر ألسنة من نار[103]. وقد كشف عنه يسوع شيئاً فشيئاً، كما تلاحظ ذلك أنت نفسك عندما تقرأ بانتباه أكثر قوله: “وأنا أسأل الآب فيعطيكم معزياً آخر روح الحق”[104] – هذا كي لا يظهر مناوئاً لله ومتكلماً بفعل قوة أخرى وهو يقول “سيرسله”، ولكن “باسمي”[105] – فهو يغفل “أسأل” ويحتفظ بـ “سيرسله” – ثم إنه يقول: “أرسِلُه”[106] وفي هذا كرامته الذاتية، ثم يقول “متى جاء”[107]، وفي هذا قدرة الروح.

27 – إنك ترى الإنارات الجزئية التي أنارتنا، والنظام الذي يُحسن بنا أن نجري عليه في “اللاهوت”، فلا نفاجئ بالكشف، ولا نموّه الحقائق إلى أقصى حد. ففي هذاك تفريط، وفي هذا كفر، هذاك قد يصدم الغرباء عنا، وهذا قد يحول عنا من هم معنا.

هنالك فكرة قد يكون غيري قد اهتدى إليها، ولكنني أرى أنها من ثمار تفكيري، فأضيفها إلى ما قيل. لقد دفق المخلص على تلاميذه سيلاً من التعاليم، ولكنهم – على حد قوله – لم يكونوا قادرين على حمل بعضه إذ ذاك[108]، للأسباب التي أتيت على ذكرها، لهذا كان لا يبوح بها. وهو يضيف أن الروح، متى جاء، سيرشدنا إلى كل شيء[109]. ومن تعاليمه، على ما أظن، ألوهة الروح نفسها، التي أوضحت فيما بعد، عندما حان وقت معرفتها وسهل إدراكها. أي بعد تمجيد المخلص ومعجزة قيامته التي لم تدع مجالاً للتردد والإنكار. هل كان بإمكانه أن يعد، وهل كان بإمكان الروح أن يبشر بشيء أعظم من هذا؟ إذا كان هنالك شيء يجب اعتباره عظيماً وجديراً بعظمة الله فهو هذا الوعد أو هذا التعليم.

28 – هذا هو رأيي في الموضوع. وكم أود لو يشترك معي فيه أصدقائي فنعبد الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، ثلاثة أقانيم، في لاهوت واحد، لا يناله انقسام في المجد، والكرامة، والجوهر، والملك! هكذا شرحه، منذ عهد قريب، أحد رجال الله[110]. فلا رأى “إشراق كوكب الصبح”[111]، على حد قول الكتاب، ولا أبصر مجد الإشراق العلوي، ذاك الذي تنكر لهذا الرأي، وانقاد لأحوال الزمان والمكان، فبدل موقفه وانحاز إلى فريق حقير في موضوع هو أعظم الموضوعات وأجلها شأناً! فكيف يؤلهني الروح بالمعمودية[112] إن لم تجب عبادته؟ وإذا وجبت عبادته فكيف لا يكون جديراً بمراسم تلك العبادة؟ وإذا كان جديراً بهذه المراسم فكيف لا يكون إلهاً؟ الواحد مرتبط بالآخر. تلك، والحق يقال، سلسلة ذهب[113] وخلاص. ومن الروح يأتينا التجدد[114]، ومن التجدد استعادة حالنا الأولى، ومن هذه الاستعادة معرفة من أعادنا.

29 – هذا ما يمكن قوله إذا سلمنا بأن الروح لم يرد ذكره في الكتابة الإلهية[115]. أما أن يكون ذكره وارداً فإليك جماً من الشواهد تبين أن ألوهة الروح القدس ظاهرة في الكتاب، وذلك لمن ليسوا حمقى ولا غرباء عن الروح. تأمل ما يلي: يأتي المسيح إلى العالم فيسبقه الروح[116]، المسيح يعتمد فيشهد له[117]، المسيح يتعرض للتجربة فيعيده إلى الجليل[118]، المسيح يجترح المعجزات فيرافقه[119]، المسيح يذهب فيقوم مقامه[120]. ما الذي يعصيه من الأعمال العظيمة والأمور التي يستطيع الله أن يعملها؟ أي من الأسماء التي تطلق على الله لا تطلق عليه، ما خلا اللامولود والمولود؟ إذا كان لا بد من استثناء ميزتي الآب والابن الخاصتين حتى لا يكون هنالك التباس واختلاط في الالوهة التي تجعل الأشياء في محلها وفي نظام كامل. إنني أرتجف عندما أفكر في غنى الألفاظ وفي جميع الأسماء التي تهان عندما يهاجم الروح! لقد قيل له: روح الله[121]، روح المسيح[122]، فكر المسيح[123]، روح الرب[124]، الرب نفسه[125]، روح التبني[126]، والحق[127] والحرية[128]، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح العلم والتقوى وخشية الرب[129]، فهو الذي صنع كل ذلك. إنه “يملأ الكل” بجوهره، و”يحتوي الكل” إنه يملأ المسكونة[130] بالنظر إلى جوهره، ولا تحده المسكونة بالنظر إلى قدرته.

إنه صالح[131]، مستقيم[132]، يعضد[133]، إنه يقدس[134] بطبيعته لا بموهبة عارضة، غير موهوب القداسة، يقيس ولا يقاس[135]، يُشترك فيه[136] ولا يَشترك، يملأ[137] ولا يُملأ، يحتوي[138] ولا يُحتوى، يُؤخذ ميراثاً[139]، يُمجد[140]، هو معدود مع الآب والابن[141]، موضوع تهديد[142]، إنه إصبع الله[143]، إنه نار[144] مثل الله[145]، ليظهر، على ما أظن، أنه واحد معه في الجوهر، إنه الروح الذي يخلق الكائنات[146]، الذي يجدد الخلق بالمعمودية[147]، بالقيامة[148]، إنه الروح الذي يعرف كل شيء[149]، الذي يعلم[150]، الذي يهب حيث يريد وبقدر ما يريد[151]، الذي يرشد[152]، الذي يتكلم[153]، الذي يرسل[154]، الذي يفرز[155]، الذي يغضب[156]، الذي يجرب[157]، الذي يوحي[158]، الذي ينير[159]، الذي يحي[160]، أو بالحري الذي هو نفسه نور وحياة – الذي يجعلنا هياكله[161]، الذي يؤلهنا[162]، الذي يقودنا إلى الكمال[163]، بحيث إنه يسبق المعمودية[164] وإنه يُطلب بعد المعمودية. له جميع أعمال الله[165]، وهو ينقسم ألسنة من نار[166]، يوزع المواهب الروحية[167]، يصنع الرسل، والأنبياء، والمبشرين، والرعاة، والمعلمين[168]، إنه فهم، شامل، نير، نافذ، لا يوقفه شيء، ولا يشوبه فساد[169] – هذا يعني أنه الحكمة العليا، وأنه يعمل بطرائق كثيرة[170]، وينير كل شيء وينفذه[171]، وأنه معلم ذاته[172]، وغير متحول[173]. أنه كلي القدرة[174]، والرقيب الذي يراقب كل شيء[175]، والذي ينفذ جميع الأرواح[176]: الفهمة، الطاهرة، اللطيفة[177] – القوات الملائكية على ما أرى – كالتي للرسل والأنبياء[178]، في آن واحد ولكن لا في الأمكنة الواحدة [179]– لأنهم منتشرون هنا وهناك – مما يدل على أن لا شيء يحده.

30 – إن الذين يقولون ذلك يعلمونه، والذين يسمونه “معزياً آخر”[180] – أي إلهاً آخر – أولئك الذين يعلمون أن التجديف عليه هو وحده غير مغتفر[181]، أولئك الذين وصموا حننيا وسفيرة بوصمة عار رهيبة لأنهما كذبا على الروح القدس، أي كذباً على الله لا على إنسان[182]، هؤلاء أنفسهم هل يعلنون، في رأيك، أن الروح القدس هو الله أو شيء آخر؟ إلى أي حد تكون هكذا شديد الكثافة وشديد البعد عن الروح إذا كانت تحول دونك ودونه عقبة وكنت بحاجة إلى من يعلمك! إن التعبيرات هي بمثل هذه الغزارة وبمثل هذه الحيوية. ما الذي يحوجك إلى أن تسرد لك هذه الشواهد واحدة واحدة؟

وهنالك أيضاً كل ما يورده الكتاب من أمور أدنى وأوضح: مُعطى[183]، مُرسل[184]، موزع[185]، العطية الروحية[186]، الموهبة[187]، النفخة[188]، الوعد[189]، الشفاعة[190]، أو أي كلمة أخرى من هذا النوع – هكذا كي لا أعددها واحدة فواحدة – فيجب إرجاعها إلى العلة الأولى، لكي يتضح مصدرها، وكي لا يتوهم المتوهم أن هنالك ثلاثة مبادئ منقسمة وتعدد آلهة. وإنه لسواء في مجال الكفر، المزج كما فعل سابليوس، والفصل كما فعل آريوس، هنا في موضوع الأقنوم، وهناك في موضوع الطبيعتين.

31 – وإني، بعد التفكير العميق في ذاتي مع ما بذلت فيه من فضول روحي، وبعد معالجة الموضوع من جميع جهاته ساعياً في أن أجد صورة لحقيقة بمثل هذه العظمة، لم أعرف كيف وبأي شيء من الأشياء الأرضية أستطيع أن أشبه الطبيعة الإلهية. حتى لو وجدت بعض التشابه، فإن القسم الأكبر يفوتني ويتركني تحت مع تشبيهي. تصورت، كما تصور غيري، ينبوعاً، وجدولاً، ونهراً، علني أجد تشابهاً بين الينبوع والآب، وبين الجدول والابن، وبين النهر والروح القدس. هذه الأشياء لا يجزئها الزمن، ولا تنفصل بعضها عن بعض من حيث التلاحق، وكأني بها تتمايز بعض التمايز بخصائصها الثلاث. إلا أني خشيت في بدء الأمر أن أجعل بهذا التشبيه لا أدري أي جريان في الألوهة يُفقدها الثبات والاستقرار، ثم خشيت أن يكون تشبيهي اقراراً لوحدة في الأقانيم، لأن الينبوع والجدول والنهر شيء واحد يتخذ أشكالاً مختلفة.

32 – وفكرت كذلك في الشمس، والشعاع، والنور. وهذا لا يخلو أيضاً من خطر: يُخشى أولاً تصور تركيب ما في الطبيعة غير المركبة – كما يكون ذلك في الشمس وخصائصها – ويخشى ثانياً ان يخص الآب وحده بالجوهر فتزول أقنومية الآخرين، ويكونان قوتين لازمتين لله لا أقنومين، فليس الشعاع شمساً وليس النور شمساً، بل فيض شمسي ومزية جوهرية. وإنه ليخشى عند التمسك بهذا التشبيه أن ينعت الله بالوجود وباللاوجود معاً، وهذا منتهى السخف.

وقد سمعت أحدهم يصوغ تفسيراً بمثل هذه الألفاظ: تلتمع على أحد الجدران بقعة ضوئية تصدر عن الشمس وتعكسها مياه متحركة، فالشعاع يتخذ هذه الحركة، وينشرها في الطبقات الهوائية، ثم يصطدم بالسطح الجامد، فيحصل من ذلك ارتجاج غير عادي. يضطرب الشعاع بحركة متشعبة وسريعة، فهو عند ذاك وحدة وتعدد وتعدد ووحدة، فهو يتوارى بسبب سرعة التلاقي والتفاصل وقبل أن تتمكن منه العين.

33 – وهذا أيضاً لا أستطيع قبوله للسبب الآتي: إننا نرى جيداً مصدر حركة الشعاع، والحال أن الله لا سابق له، ولا محرك، لأنه هو علة كل شيء وليس له علة. أضف إلى ذلك أننا نلمس هنا أيضاً الأمور نفسها: التركيب، والتوزع، والطبيعة غير المستقرة والقابلة للتحول، وهذا كله لا يمكن تصوره في الألوهة. وخلاصة القول إنني عندما أجيل الفكر في التصور الذي تقدمه الأمثلة والتشبيهات، لا أجد ما يرضيه وما يرتاح إليه، هذا ما لم يقدنا التبصر إلى اختيار ناحية واحدة من الصورة واسقاط الباقي. أخيراً وجدت من الأفضل أن تترك على الأرض الصور والظلال الخداعة والبعيدة كل البعد عن الحقيقة، وأن أعتنق الفكرة التي تتفق والإيمان أوثق اتفاق، وأقتصر على عدد قليل من الألفاظ، مهتدياً بهدي الروح القدس، ومحافظاً إلى النهاية على الإنارة التب حصلت عليها منه والتي كانت لي “القرين الصادق”[191] والشريك، مع مواصلة السير في طريق هذه الحياة والعمل على إقناع الآخرين، قدر المستطاع، بأن يعبدوا الآب والابن والروح القدس، ألوهة واحدة، وقدرة واحدة، إذ “له كل مجد، وكرامة، وعزة، إلى دهر الدهور”[192]. آمين.

[1] إشارة إلى ما جاء في لو 4: 30، أي إلى أن المسيح جاز بين اليهود الذين كانوا يريدون رجمه.

[2] خر 19: 12.

[3] أي أولئك الذين يفكرون في الابن تفكيراً أورثوذكسياً بعيداً عن التطرف والزيغ.

[4] طالع مز 147: 15.

[5] 1كور 3: 6.

[6] مز 13: 5.

[7] طالع متى 7: 15.

[8] سيكون ذلك في الفقرات 12إلى 24.

[9] يو 1: 9.

[10] يو 14: 16-26.

[11] مز 35: 10.

[12] طالع يو 1: 5.

[13] لم يخطئ غريغوريوس في ظنه أن البعض سيجدون في كلامه تجرؤاً، فقد وجه إلى كل من أقانيم الثالوث الكلام الإنجيلي الذي قيل في الابن، أي إنه “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم” (يو 1: 9)، فاعتبر أن هذا الكلام موجه إلى الجوهر الإلهي لا إلى الميزة الخاصة التي تميز الأقنوم، واستعان على ذلك بالمزمور 35: 10، وقد فسره أيضاً ثالوثياً. وتحليل غريغوريوس لا يستقيم إلا إذا اعتبر أن يوحنا 1: 9 لا يشير إلى التجسد، أي مجئ الكلمة إلى العالم منيراً كل إنسان، بل إلى النور الإلهي الذي ينير النفوس، وهو نور الله الذي يمكن أن ينسب إلى كل أقنوم على السواء.

[14] طالع رؤ 22: 11.

[15] أش 40: 9.

[16] يو 1: 1.

[17] يبدو أ، غريغوريوس قد جعل القداسة هنا ميزة الروح القدس، فكأن قداسة الله تقتضي وجود الأقنوم الثالث، وكأن القداسة في نظر غريغوريوس غير النور الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم، فهي للروح القدس، وهو للجوهر كله. وهكذا فاللفظة “روح” لا تكفي للدلالة على الأقنوم الثالث الذي هو “الروح القدس”. بمعنى أن لا قداسة إلهية بدون الروح القدس، كما انه لا أبوة إلهية بدو الآب. وبالنسبة ‘لينا فقداسة الروح هي التي تتيح لنا الاعتراف بألوهة الابن، وبدعوة الآب على أننا أبناء بالتبني.

[18] يو 1: 1.

[19] المرجع نفسه.

[20] 1كور 3: 16.

[21] أفلاطون: فيدون 97.

[22] أرسطوا: توالد الحيوانات 2: 3-9.

[23] تتضمن اللفظة اليونانية معاني شتى منها “القوة العاملة”، و”القوة المحركة، و” القوة الصادرة عن غيرها”.

[24] كان باسيليوس من الذين لا يطلقون على الروح القدس اسم الله لأنه لم يطلق عليه هذا الاسم بصراحة في الكتاب المقدس.

[25] 1كور 12: 11.

[26] متى 12: 20؛ يو 14: 26.

[27] أع 13: 2؛ طالع روم 1: 1؛ غلا 1: 15.

[28] أف 4: 30.

[29] أي 4: 9.

[30] إر 4: 22.

[31] في الخطاب 29: 16، قال غريغوريوس: الآب ليس اسم جوهر، أيها الحكماء، ولا اسم فعل، إنه اسم علاقة…”. في ذلك تحديد مهم، فإن كلمة “علافة” ستصبح تقليدية في عرض العقيدة الثالوثية، وأسماء أقانيم الثالوث تتحدد تماماً بالعلاقة: فالآب هو أبو ابنه الوحيد، وليس إلا ذلك. وفي موضع آخر، يعبر غريغوريوس عن هذه الحقيقة بأسلوب واقعي جداً: “…. إنه فقط أب ولم يسبق أن كان ابناً، لأنه بجملته اب لابنه بجملته… ولأنه، أخيراً، أب منذ البدء، وليس لاحقاً.

[32] الآيونات كائنات كل واحد منها ذكر وأنثى، فتتوالد في ذاتها ومن ذاتها، أزواجاً، والزوج الأول في الله. ومرجع مذهب الأيونات إلى الغنوصيين لا إلى مركيونس، وقد نسب غريغوريوس مركيونس إلى الغنوصية خطأ كما فعل بعض من سبقه.

[33] يو 15: 26.

[34] يو 20: 11.

[35] سير 1: 2.

[36] 1كور 2: 10.

[37] طالع الخطاب 29: 19، الحاشية 1.

[38] يو 1: 14.

[39] الوحدة الإلهية، في نظر سابليوس ، لا تتفق وثلاثية الأقانيم. طالع الخطاب 30: 6، الحاشية 1.

[40] أي الأريوسية، ولا سيما الأفنومية منها.

[41] كلام موجه إلى الذين يسلمون بألوهة الابن دون الروح القدس: فوجود أقنومين إلهيين ليس بأقل صعوبة في الإدراك من وجود ثلاثة (طالع الفقرة 13 من هذا الخطاب).

[42] أش 8: 19.

[43] رأى البعض في هذا الكلام إشارة إلى الفينكس.

[44] من ذلك الفراشة وغيرها.

[45] تك 1: 27.

[46] تك 2: 21-22.

[47] تك 4: 25.

[48] طالع الفقرتين 26 و27 من هذا الخطاب.

[49] يو 4: 24.

[50] روم 8: 26.

[51] 1كور 14: 15.

[52] يو 1: 3.

[53] المرجع نفسه.

[54] إن ادخال أي حقيقة من حقائق الخليقة في الثالوث هو هدم للألوهة.

[55] هذه القضية تقوم على التوفيق بين الإيمان بالله الواحد والإيمان بالثالوث. كيف لا يقضي القول بالله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، على عقيدة التوحيد؟ والذي يعالجه هنا غريغوريوس هو موضوع وحدة الله القائمة على المساواة في الكرامة وكمال الألوهة في الثلاثة.

[56] أي أولئك الذين ينكرون ألوهة الابن وألوهة الروح القدس كأتباع أفنوميوس.

[57] أي أولئك الذين يقولون بألوهة الابن، وينكرون ألوهة الروح القدس.

[58] شياطيهم هذه كائنات وسط بن الآلهة والبشر وغير خالدة.

[59] تعبير هوميري.

[60] إشارة إلى خرافة خرونس.

[61] الإلياذة 15: 189.

[62] إر 10: 16.

[63] يشير غريغوريوس بهذا القول إلى أسلوب قديم في الدفاع المسيحي.

[64] أم 30: 29-30.

[65] حر 37: 8.

[66] متى 6: 24.

[67] 1يو 5: 8.

[68] اللفظة “كركينس” تعني في اليونانية: سرطان، وكماشة، ومجموعة نجوم “برج السرطان”.

[69] روم 11: 36.

[70] إن الترتيب الذي وردت فيه أسماء الأقانيم، مع الأحرف المذكورة. فتحت باباً للهراطقة للتمييز بين الآب والابن والروح القدس، ولجعل الثلاثة في كرامة وألوهة متدنيتين من الواحد إلى الآخر. وغريفوريوس يرى أن الأحرف لا ترد دائماً هي هي، ويضيف في شيء من الهزء، ما يكون موقفك لو وردت دائماً هي هي؟

[71] يو 20: 11.

[72] روم 15: 20.

[73] 2تيم 4: 3.

[74] مز 77: 65.

[75] دا 9: 14.

[76] أش 5: 25.

[77] تك 3: 8، 11: 15.

[78] أش 37: 16، مز 79: 2.

[79] مز 17: 11.

[80] مز 33: 17 ألخ.

[81] مز 10: 12 ألخ.

[82] قد يُعترض على غريغوريوس بما ورد في 1تيم 1: 17، فيكون التعبير “غير قابل الفساد” هو المقصود هنا.

[83] أش 41: 4.

[84] أش 43: 10.

[85] خر 3: 14.

[86] روم 4: 14 و1كور 1: 17.

[87] يريد بهم من يقولون بألوهة الابن دون الروح القدس (طالع الرقم ا13).

[88] أي أنت الذي تنكر ألوهة الابن.

[89] أي تلك التي تدل على الروح القدس.

[90] عب 12: 27.

[91] متى 27: 51.

[92] خر 20: 3-5.

[93] متى 27: 51.

[94] عب 12: 28.

[95] لا ينحصر الكلام هنا في تاريخ الخلاص وحده، بل يتناول أيضاً تاريخ عقيدة الثالوث وتجليها شيئاً فشيئاً على مر العصور. وقد تكون الكلمة “أيكونوميا” التي يختم بها غريغوريوس الفقرة 25 كلمة الانتقال من تاريخ الخلاص إلى التعليم الإلهي (ثيولوجيا).

[96] أع 16: 3.

[97] أع 21: 26.

[98] غلا 5: 11.

[99] طالع 1بط 1: 20.

[100] 2كور 3: 18.

[101] متى 10: 1؛ مر 6: 7؛ لو 9: 1.

[102] يو 20: 22.

[103] أع 2: 3.

[104] يو 14: 16-17.

[105] يو 14: 26.

[106] يو 16: 7.

[107] يو 16: 8.

[108] يو 16: 12.

[109] يو 16: 13.

[110] قد يكون المشار إليه باسيليوس، وله في الروح القدس أبحاث شهيرة.

[111] أي 11: 17؛ 2بط 1: 19.

[112] متى 28: 19.

[113] تعبير هوميري: الإلياذة 8: 19.

[114] يو 3: 5.

[115] طالع مطلع الفقرة 21.

[116] لو 1: 31، 35.

[117] لو 3: 21-22.

[118] لو 4: 2، 14.

[119] متى 12: 22، 28.

[120] أع 1: 9, 2: 3-4.

[121] 1كور 2: 11.

[122] روم 8: 9.

[123] 1كور 2: 16.

[124] حك 1: 7.

[125] 2كور 3: 17.

[126] روم 8: 15.

[127] يو 14: 17؛ 15: 26.

[128] 2كور 3: 17.

[129] أش 11: 2.

[130] حك 1: 7.

[131] مز 142: 10.

[132] مز 50: 12.

[133] مز 50: 14.

[134] 1كور 6: 11.

[135] يو 3: 34.

[136] روم 8: 15.

[137] حك 1: 7.

[138] حك 1: 7.

[139] أف 1: 13-14.

[140] 1كور 6: 19، 20.

[141] متى 28: 19.

[142] مر 3: 29.

[143] لو 11: 20.

[144] أع 2: 3.

[145] تث 4: 24.

[146] مز 103: 30.

[147] يو 3: 5؛ وطالع 1كور 12: 13.

[148] حز 37: 5-6 و9، 10، 14.

[149] 1كور 2: 10.

[150] يو 14: 26.

[151] يو 3: 8.

[152] مز 142: 10.

[153] أع 13: 2.

[154] أع 13: 4.

[155] أع 13: 2.

[156] أي 4: 9.

[157] أع 5: 9.

[158] يو 16: 13.

[159] يو 14: 26.

[160] يو 6: 63.

[161] 1كور 3: 16.

[162] 1كور 3: 16.

[163] يو 16: 13.

[164] طالع أع 10: 47.

[165] 1كور 2: 4-6، 11.

[166] أع 2: 3.

[167] 1كور 12: 11.

[168] أف 4: 11.

[169] حك 7: 22.

[170] طالع 1كور 12: 11.

[171] حك 7: 24.

[172] حك 7: 23.

[173] حك 7: 23.

[174] حك 7: 23.

[175] حك 7: 23.

[176] حك 7: 23.

[177] حك 7: 23.

[178] حك 7: 27.

[179] حك 8: 1.

[180] يو 14: 16.

[181] متى 12: 31.

[182] أع 5.

[183] لو 11: 13.

[184] يو 16: 7.

[185] عب 2: 4.

[186] 1كور 12: 30.

[187] أع 2: 38.

[188] يو 20: 22.

[189] غلا 3: 14.

[190] روم 8: 26.

[191] طالع فيل 4: 3.

[192] رؤ 1: 6؛ 5: 13.

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

1 – من بعد ما زعزعنا، بقوة الروح، مداورات حججك وتلافيفها، زعزعة كافية، ذللنا الصعوبات والاعتراضات التي استخرجها من الكتابة الإلهية أولئك الذين يدنسون الكلمة ويحرفون معنى النصوص ويجردونها من روحها، لكي يجتذبوا الجموع إليهم ويموهوا طريق الحقيقة، ونحن مقتنعون أننا فعلنا ذلك، لذوي النوايا الصالحة، في غير غموض ولا لبس: وجهنا إلى الألوهة ما كان من الألفاظ أشد سمواً وأكثر جدارة بالله، وما كان منها أشد وضاعة وأكثر بشرية وجهناه إلى من كان لأجلنا آدم[1] الجديد والإله المتألم بسبب آثامنا. ولكننا لم نعالج كل قضية معالجة تفصيلية لانطلاقنا في الكلام. وإنك لتطلب كل قضية معالجة تفصيلية لانطلاقنا في الكلام. وإنك لتطلب أنت أيضاً حلولاً موجزة لهذه القضية خشية أن تنجر في متاهات الضلال، فإليك منا مسلسلاً لهذه الصعوبات في ترقيم يساعد الذاكرة.

2– هنالك أولاً نص يكثرون من تداوله وهو أن “الرب خلقني أولى طرقه قبل أعماله منذ البدء”[2]. فكيف وبم نقابله؟ لن نشكو سليمان. لن نطرح مقاله بسبب ما انتهى إله من عثار[3]. هل نقول بأن هذا الكلام لا يعني الحكمة في ذاتها، تلك التي كالعلم والفطنة[4] يثبت بها كل شيء؟ وكثيراً ما تشخص الكتابة الإلهية الأشياء حتى الجامدة منها، مثلاً: “البحر قال”[5] كذا وكذا؛ و “الغمر قال[6]: ليست[7] عندي”؛ و”السماوات تحدق بمجد الله”[8]؛ وكذلك يؤمر السيف[9] تسأل الجبال عن سبب وثبها[10]. ليس لنا في هذا ما نقوله، وإن رأي فيه بعض من سبقنا[11] رداً قوياً. وليكن أن المقصود بالكلام هو المخلص نفسه، الحكمة الحقيقية[12]. ولنبحر معاً في الأمر بعض التبحر، فمن من الكائنات بغير علة؟ الألوهة. ولا أحد يستطيع أن يبين أن لله علة، فقد تصبح تلك العلة شيئاً أقدم من الله. وما علة الطبيعة البشرية التي اتخذها الله من أجلنا. لا شك في أن العلة هي خلاصنا. وأي شيء آخر تكون؟ وإذ كنا نجد هنا بوضوح “خلق”[13] و”يلدني”[14] فالكلام بسيط ولا غموض فيه. ما نجده مع العلة نرده إلى الطبيعة البشرية، وما نجده بسيطاً وبغير علة نرده إلى الألوهة. أوليس التعبير “خلق” مرافقاً للعلة؟ لقد قال: “خلقني أولى طرقه قبل أعماله”[15]، والحال أن “أعمال يديه حق وحكم”[16]، وبها كانت له مسحة اللاهوت. تلك مسحة الإنسانية، بخلاف قوله “يلدني”، فذلك بغير علة، وإلا فقدم لي شيئاً يكون شرطاً لذلك. وهكذا فما الذي يمنع أن تكون الحكمة مخلوقة في ولادتها الأرضية، ومولودة في ولادتها الأولى والأبعد عن الإدراك؟

3 – من ذلك أنه دعي “عبداً”[17] يبرر كثيرين[18]، وأنه عظيم بالنسبة إليه أن يكون ابن الله”[19]. لقد أخضع للجسد والولادة ولما لنا من ميول في سبيل تحريرنا، أخضع لكل ما أعتق به المقيدين بقيود الخطيئة. وأي شيء أعظم لحقارة الإنسان من أن يختلط بالله، ومن أن يصبح بهذا الاختلاط إلهاً، ويصبح هكذا “مفتقداً بفقده المشرق من العلاء”[20] بحيث أن “المولود المقدس يدعى ابن العلي”[21] ويوهب “اسماً يفوق كل اسم”؟[22] وهل يكون هذا الاسم إلا الله؟ أضف إلى ذلك: “لكي تجثو كل ركبة”[23] أمام من “أخلى ذاته”[24] لأجلنا، ومن جمع ما بين “الصورة”[25] الإلهية و”صورة العبد”[26]؛ و”فليعلم يقيناً جميع آل إسرائيل أن الله جعله رباً ومسيحاً”[27] وهذه الأمور جرت بفعل من وُلد، وبعطف ما وَلَد.

4 – وما هو الثاني من نصوصهم العظمى والدامغة؟ ها هو ذا: “لا بد أن يملك حتى[28]” كذا؛ و “أن تقبله السماء إلى أزمنة الإصلاح”[29]، وأن يجلس عن اليمين إلى أن يسيطر على أعدائه[30]. وماذا يكون بعد ذلك؟ أيكون انتهاء ملكه أو يطرد من السماوات؟ ومن الذي ينهيه، أو لأي سبب؟ يا لك من مفسر جريء، ومن عدو لملكه لدود! وأنت تعلم أن ليس لملكه انقضاء[31]. ومرجع عثارك إلى كونك تجهل أن الكلمة “حتى: لا تحد الزمن المستقبل حداً مطلقاً، بل تدل على ما يكون إلى زمن ما، ولا تنفي ما يكون بعد ذلك الزمن. أو كيف تفهم النص التالي، ونحن لا نذكر سواه: “ها أنا معكم إلى منتهى الدهر”[32]؟ هل يعني ذلك أنه لن يكون معهم بعد ذلك؟ ولأي سبب؟

وليس ذلك فحسب، بل يضاف إليه أنك لا تميز المعاني. يقال من جهة أنه يملك، أنه كلي القدرة، وإنه ملك من يريد ومن لا يريد، ومن جهة أخرى إنه يعمل فينا الخضوع وأنه يجعلنا تحت سلطته الملكية نحن الذين اخترنا بإرادتنا أن يكون ملكاً علينا. وهكذا ففي المعنى الأول ليس لمملكته انقضاء، وفي المعنى الثاني أي انقضاء يكون لها؟ إنه يأخذنا تحت يده عندما نكون ناجين. وهل من حاجة إلى أن نخضع من هم خاضعون؟ ثم إنه ينهض، بعد هذا الإخضاع، فيدين الأرض[33]، ويميز الناجي من الهالك[34]. وبعد هذا الإخضاع “يقوم في جماعة الله”[35] أي في جماعة المختارين مميزاً ومحدداً ما يستحق كل واحد من الكرامة و”المنزل”[36].

5 – إلى ذلك كله أضف الخضوع الذي تخضع به الابن للآب[37]. ماذا تريد بقولك إنه غير خاضع[38]، هل من ضرورة لأن يخضع لله من هو الله؟ إنك تتحدث عنه كما تتحدث عن لص أو عن عدو لله. ألا أنظر فيما يلي: كما أنه دعي “لعنة”[39] لأجلي، هو الذي يكشف عني اللعنة، و”خطيئة”[40]، هو “الذي يرفع خطيئة العالم”[41]، وكما أنه أصبح آدم الجديد في مكان القديم[42]، فهو يحتمل عصياني لكونه رأس الجسد كله[43]. وهكذا فحين أكون غير خاضع وعاصياً بنكراني الله وبأهوائي، يكون المسيح أيضاً غير خاضع فيّ. ولكن “متى أخضع له كل شيء”[44] – وسيخضع له بمعرفة الله والتحول – سيقوم هو بالخضوع النهائي فيقدمني لله ناعماً بالخلاص. وخضوع المسيح يكون، على ما أقول، في إتمام مشيئة الآب. الابن يُخضع كل شيء للآب، والآب يخضعه للابن: الواحد بفعله، والآخر بعطفه، كما ذكرنا ذلك آنفاً. وهكذا فالمخضع يقدم لله ما أخضع له[45] ويجعلنا من خاصته.

ويبدو لي أن القول نفسه يقال عن النص: “إلهي إلهي، أصغ إلي، لماذا تركتني؟”[46] إنه لم يُترك، لم يتركه أبوه، ولا تركته ألوهته، كما ظن البعض[47]، وكأنها تفارق من يتألم لخوفها من الموت – ومن الذي أكرهه على الولادة الأرضية أولاً، أو على الارتفاع على الصليب؟ – ولكنه ينطق بلساننا، كما سبق لي القول. كنا قبلاً متروكين ومزدرين[48]، وأما الآن فنحن مقربون ومخلصون بآلام من لا يتألم، لقد أخذ خطأنا وحمل إثمنا، على حد ما جاء في سياق المزمور[49]، ومن الواضح أن المزمور 21 يتعلق بالمسيح.

6 – وإلى هذا يرجع النص الذي يقول إنه تعلم الطاعة بما تألم به[50]، وكذلك صراخه، ودموعه، وتضرعه، والاستجابة له، وتقواه[51]: لقد قام بهذا الدور وحبك هذه الأمور حبكاً عجيباً من أجلنا. وهو، في كونه كلمة، لم يكن مطيعاً ولا عاصياً. هاتان اللفظتان تقالان فيمن هم تحت سلطة آخر ومن هم في الرتبة الثانية، فإن أطاعوا كانوا صالحين، وإن عصوا استحقوا العقاب. أما في شأن “صورة عبد”[52] فهو يتنازل إلى مستوى إخوته في العبودية ومستوى العبيد، فيأخذ صورة غريبة عنه، ويحملني في ذاته مع كل ما لي، حتى يُذيب فيه ما فيّ من شر كما تذيب النار الشمع، أو الشمس ضباب الأرض، وحتى اشترك بهذا الاختلاط، فيما هو له. ولهذا فهو يعلي شأن الطاعة بأعماله، ويخبرها بآلامه. إنه لا يكتفي بالاستعداد الداخلي، كما لا يكفينا ذلك إذا لم نقرنه بالعمل، لأن العمل تعبير عن الاستعداد الداخلي. وقد لا يكون أقل شأناً التفكير في أنه أراد، في محبته للبشر، أن يقف على حقيقة ما نعانيه في الطاعة، وأن يقيس كل شيء بمقياس آلامه، وهكذا يستطيع أن يدرك فيما يعانيه هو، ما نعانيه نحن، كم يطلب منا من جهد، كما غفر لنا، وما قياس ضعفنا بالنسبة إلى آلامه. وإذا كان النور الذي يخترق الحجب ويضيء في ظلمة[53] هذه الحياة قد تعاورته الظلمات الأخرى[54] – أعني “الشرير”[55] و”المجرب”[56]، فلشد ما تكون مساورة الظلمات لمن هم ظلمة[57]، ومن هم على أشد ما يكون الضعف. وهل من عجب في أن يصمد هو أمام هذه جميعها صموداً لا عثار فيه، وفي أن نعثر نحن، هذا في رأي من يعالجون الموضوع معالجة قويمة. وإلى المستفسرين أضيف أمراً آخر يردني في النص: “لأنه إذ كان قد تألم وابتلي فهو قادر على أن يغيث المبتلين”[58]، فمرجعه إلى الفكرة نفسها. و”سيكون الله كلاً في الكل”[59] عندما يرد كل شيء[60]: لا الآب وحده، بل الابن أيضاً وقد احتواه الآب احتواء كاملاً فكان فيه كالشعلة انتزعت من السعير المتأجج حيناً ثم ضمت إليه – ولا يسئن استعمال هذا التعبير من كانوا على مذهب سابيليوس[61] – إنه الله كله، عندما نخرج من التعددية التي نحن عليها الآن، والتي أوقعتنا فيها الاضطرابات والأهواء، فصرنا لا نحمل[62] فينا شيئاً من الله، أو لا نحمل منه إلا الشيء اليسير، إننا سنكون إذ ذاك أمثال الله[63]، قادرين على الاتساع له وحمله كاملاً ودون سواه. هذا هو الكمال الذي نسعى إليه، والبرهان على ذلك يقدمه لنا بولس نفسه. فما يقوله هنا في الله بغير تحديد، يحصره هناك في المسيح بغير لبس. ماذا يقول؟ “حيث ليس يوناني ولا يهودي، ولا ختان ولا قلف، ولا أعجمي ولا إسكوتي، ولا عبد ولا حر[64]، بل المسيح هو كل شيء وفي الجميع.

7 – أورد ثالثاً “الأعظم”[65] ورابعاً “إلهي وإلهكم”[66]. لو قبل “أعظم” ولم يقل “مساو” لربما كان لهم في ذلك بعض الشيء، ولكن عندما نجد هذا وذاك بوضوح ماذا يقول أولئك الكرام؟ أي قوة يجدون في ذلك؟ كيف يستطيعون التوفيق بين المفارقات؟ وإنه لمن المستحيلات أن يكون الشيء الواحد أعظم من ذاته ومساوياً لذاته، أليس من الثابت أن “الأعظم” للعلة، وأن “المساوي” للطبيعة؟ وهذا ما نعترف به في غير عسر. وقد يتصدى أحد لكلامنا ويقول بأن الصدور عن مثل هذه العلة ليس أقل عظمة من أن يكون بلا علة. فالابن يشترك هكذا في مجد من لا مبدأ له، ويضيف إلى ذلك الولادة، وهي في نظر العاقلين أمر خطير وجليل. أما القول بأن الآب أعظم من الابن من حيث هو إنسان فذلك أمر لا يقبل الريب، ولا يدعو إلى الاهتمام: وأي عجب في أن يكون الله أعظم من إنسان؟ هذا ما نقوله للذين تستهويهم الكلمة “أعظم”.

8 – وإلى ذلك[67] فبقوله “إله” لا يعني إله الكلمة، بل إله من يُرى: وكيف يكون الله إله من هو الله بالمعنى الحقيقي؟ وكذلك بقوله “أب” لا يعني أبا من يُرى[68] بل يعني أبا الكلمة، والدلالة مزدوجة، وهكذا فأحد اللفظين يناسب الاثنين بالمعنى الحقيقي، والآخر بالمعنى المجازي، بخلاف ما يكون ذلك بالنسبة إلينا. فالله هو إلهنا بالمعنى الحقيقي، وأبونا بالمعنى المجازي. والأمر الذي يضلل الهراطقة هو أنهم يزاوجون الأسماء، فيما تكون الأسماء متبادلة بسبب الاختلاط. وهو ذا البرهان: عندما تكون الطبائع في ذهننا متمايزة تكون الأسماء كذلك وفي الوقت نفسه متمايزة. اسمع ما يقوله بولس: “ليعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد…”[69]. فهو إله المسيح وأبو المجد، وإن كان الاثنان كلاهما واحداً، لا في الطبيعة، بل في الاتحاد. هل من شيء أقرب إلى الفهم؟

9 – وليقل خامساً بأنه يتقبل الحياة[70]، أو الشهادة[71]، أو ميراث الأمم[72] أو السلطان على كل بشر[73]، أو المجد[74]، أو التلاميذ[75]، أو كل ما يقال إنه يتقبله، ذلك كله من شأن الطبيعة البشرية. ولن يكون في غير محله إذا نسبته إلى الله، إذ لا يكون فيه اكتساباً، بل يكون معه منذ البدء، وعن طبيعة لا عن موهبة.

10 – وليجعل سادساً أن “الابن لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما يرى الآب يعمله”[76]. إيضاح ذلك: إن الفعلين “يقدر” أو “لا يقدر” لا يقالان بالمعنى الواحد، وإن لهما عدة دلالات. فقد يستعصي شيء حيناً أو يستعصي بالنسبة إلى شيء آخر، وهكذا فلا يقدر الطفل على الصراع، أو لا يقدر جرو الكلب على النظر، أو على مهارشة أحد الكلاب، ولا شك في أن هذاك سيصارع يوماً، وأن هذا سيرى وسيهارش هذا الكلب ولا تكون له القدرة على مهارشة ذاك الكلب الآخر. وكثيراً ما يكون الأمر كما ورد في الآية: “لا يمكن أن تخفى مدينة مبنية على جبل”[77]، فقد تخفى تلك المدينة إذا نهض أمامها جبل أعلى منها. وقد يكون الأمر من غير المألوف: “هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا ما دام العروس معهم”[78] سواء كان العروس منظوراً جسدياً – فليس زمان حضوره زمان ترح، بل زمان فرح – أو كان الكلمة وقد أدركناه روحياً – وفيم يصوم جسدياً أولئك الذين طهرهم الكلمة؟ وقد يكون الأمر للتمنع كما ورد في الآية: “ولم يستطع أن يصنع هناك شيئاً من القوات لعدم إيمان”[79] مستقبليه. وهكذا فإذ كان الشفاء يقتضي شرطين هما إيمان المعالجين وقدرة المعالج، كان من غير الممكن وجود الواحد دون الآخر. ولا أدري هل كان من المعقول أن يكون الشفاء لمن تصميهم آلام عدم الإيمان. ولدينا في المعنى ذاته أيضاً: “لا يقدر العالم أن يبغضكم”[80] و “كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟”[81] وهكذا فكيف يكون أحد هذه الأمور غير ممكن لو لم يكن ذلك عن عدم الإرادة؟ وهنالك في الكلام أمر آخر لا يخرج من هذا النطاق، وهو ما يستحيل على الطبيعة ويكون ممكناً لدى الله إذا أراده، من ذلك أن الإنسان الواحد لا يستطيع أن يولد مرة ثانية[82]، وأن ثقب الإبرة لا يمكن أن يتسع لدخول الجمل[83]. هل يكون شيء من ذلك مستحيلاً لو شاءه الله؟

11 – وفضلاً عن ذلك لدينا أمور مستحيلة وغير مقبولة على الإطلاق، كتلك التي نحن آخذون في معالجتها الآن. فكما نقول إنه من المستحيل أن يكون الله شريراً أو أن لا يكون موجوداً – وحصول ذلك في الله دليل عجز لا دليل قدرة – أو نقول بوجود العدم، أو أن اثنين واثنين تساوي أربعة وعشر، كذلك يكون من المستحيل ومن غير المقبول أن يعمل الابن شيئاً لا يعمله الآب. فكل ما للآب هو للابن[84]، وبعكس ذلك فما للابن هو للآب. ما من شيء شخصي، لأن كل شيء مشترك، فالكينونة نفسها مشتركة، والكرامة واحدة، وإن تلقى الابن كينونته من الآب. وبهذا المعنى قيل أيضاً: “أنا أحيا بالآب”[85]، لا أن قوام حياته وكينونته بالآب، بل لكونه يصدر عن الآب في غير زمن وعن غير علة. ومع ذلك فهو يرى الآب يعمل – كيف؟ – فيعمل على مثاله[86]. هل يكون ذلك كما يفعل أولئك الذين يرسمون الرسوم ويخطون الحروف، ولا يجدون لهم طريقاً إلى الحقيقة بغير هذه الوسيلة، فينظرون إلى المثال ويقتفونه اقتفاءً وتقليداً؟ كيف تكون الحكمة بحاجة إلى من يعلمها؟ أولا تعلم شيئاً بغير تعليم؟ وكيف يعمل الآب أو كيف عمل؟ هل صنع عالماً غير هذا العالم، وهل سيصنع عالماً مستقبلياً، وهل صنع الابن ذاك وسيصنع هذا ناظراً إليهما وناسجاً عليهما؟ وعلى هذا المنوال يكون هنالك أربعة عوالم: اثنان من صنع الآب، واثنان من صنع الابن. يا للحماقة! الابن يطهر من البرص[87]، وينقذ من الشياطين[88] ومن الأمراض[89]، ويبعث الموتى[90]، ويمشي على البحر[91]، ويعمل كل ما عمله: ففيم ومتى صنع الآب هذه الأمور قبله؟ أليس من الواضح أن الآب ينشئ مثلاً لمثل هذه الأعمال والابن يحققها، لا تحقيق عبد أو جاهل، بل تحقيق مهارة وسلطان، وبكلام أدق، تحقيق الآب. هكذا أفهم معنى النص: “مهما يعمله الآب فهذا يعمله الابن أيضاً على مثاله[92]. لا بتشابه الأمور المعمولة بل بالتساوي في كرامة السلطة والقدرة. وهذا ما يجب قوله أيضاً في النص: إن أبي حتى الآن يعمل وأنا أيضاً أعمل”[93]. وليس ذلك محصوراً في العمل، بل هو أيضاً تدبير الأشياء المعمولة والحفاظ عليها، كما يتضح ذلك من النصوص: “الصانع ملائكته أرواحاً”[94]، و”المؤسس الأرض على قواعدها”[95]. لقد صنع هذا على ثبات وأقعد على صمود، وكذلك “شعب طرقاً للصواعق”[96]، و”يخلق الريح”[97]: لقد أُقرت علة هذه الأمور إقراراً ثابتاً وامتد عملها إلى الآن.

12 – وليقل سابعاً إن الابن نزل من السماء لا ليعمل مشيئته بل مشيئة من أرسله[98]. لو لم تصدر هذه الأقوال عن الذي نزل هو نفسه، لكنا رأينا فيها أثراً للإنسان، لا الإنسان الذي نجده في المخلص – إذ إن إرادته لا تخالف إرادة الله، فهي كلها تأتي من الله [99]– بل الإنسان البشري، إذ إن الإرادة البشرية لا تتفق دائماً والإرادة الإلهية، وهي كثيراً ما تخالفها وتقاومها. على هذا فهمنا النص: “يا أبت إن كان يستطاع فلتعبر عني هذه الكأس، لكن ليس كمشيئتي”[100] بل فلتكن مشيئتك هي الغالبة – إذ إنه من غير المعقول أن يجهل هل الأمر مستطاع أم لا، أو أن يقرع إرادة بإرادة. ولكن بما أن هذا الكلام[101] يصدر عمن أخذ طبعتنا – لأنه هو الذي نزل – لا عما أخذ – فإليك جوابنا: هذا الكلام لا يدل على أن للابن إرادة خاصة، إلى جانب إرادة الآب، بل يدل بعكس ذلك على أن شيئاً من ذلك لم يكن، وهكذا فمرجع المعنى إلى ما يلي: “لا لأعمل مشيئتي”[102] إذ أن مشيئتي غير منفصلة عن مشيئتك، فهي مشتركة فيما بيني وبينك، وكما أن لنا لاهوتاً واحداً، كذلك لنا إرادة واحدة. وهكذا فكثير من مثل هذه التعبيرات ذو دلالة مشتركة لا إيجاباً بل سلباً، مثلاً: “إن الله لا يعطي الروح بمقدار”[103]، فإن الله لا يعطيه بمقدار، وما يعطيه لا قياس له: الله لا يقيسه الله[104]. وكذلك: “لا معصية لي ولا خطيئة”[105]، فهذا الكلام لايدل على ما كان بل على ما لم يكن. وكذلك: “لسنا لأجل برنا نلقي تضرعاتنا”[106] إذ إننا لم نفعلها. وهذا الأمر واضح أيضاً فيما يلي: لقد قال “ما مشيئة الآب؟” هي أن كل من يرى الابن ويؤمن به يخلص ويحظى بالقيامة الأخيرة، أي الحياة الأبدية. هل هذه الإرادة هي إرادة الآب بمعزل عن الابن؟ هل يبشر الابن بالإنجيل ويؤمن الناس به عن غير إرادة منه؟ من يستطيع أن يقول هذا القول؟ وقد ورد أيضاً النص “الكلمة التي تسمعونها ليست للابن بل للآب”[107]، وهو نص كسابقه قيمة ودلالة. وكيف يمكن للشيء المشترك أن يكون خاصاً فينفرد به الواحد دون الآخر؟ إني لا أرى إمكان الوفاق بين الأمرين، وإن أمعنت في التحديق إنعام النظر، وأظن ألا أحد غيري يرى ذلك. فإن تفهمت الإرادة على هذا الوجه نهجت نهجاً قويماً وضمن نطاق التقوى. هذا هو رأيي وراي كل إنسان عاقل.

13 – وثامناً لهم النص: “…. أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك والذي أرسلته يسوع المسيح”[108]، والنص: “لا صالح إلا الله وحده”[109]. يبدو لي أن هذا الكلام يحمل حلاً سهلاً ووافياً. فإنك حصرت التعبير “الحقيقي وحدك” في الآب، فأني تجعل الحقيقة ذاتها؟[110] وهكذا فإذا كنت تفهم على هذا الوجه ما يلي من النصوص: “الله الحكيم وحده”، أو “الذي له وحده الخلود ومسكنه نور لا يدنا منه”[111]، أو “فلملك الدهور لله الواحد الذي لا يموت ولا يرى”[112]، فالابن يتوارى لديك، محكوماً عليه بالموت، أو بالظلمة، أو بأن لا يكون حكيماً، ولا ملكاً، ولا غير منظور – وبكلمة أخرى – ولا الله، وعلى هذا محور كلامنا. كيف لا يفقد الصلاح مع ما فقده، والصلاح لله وحده. ورأيي في النص “أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك”[113] أنه قبل لإسقاط من يحملون اسم الله وليسوا بآلهة، ولو كان في التعبير “الحقيقي وحده” ما يستبعد الابن، ولو لم يكن الكلام على الألوهة المشتركة فيما بينهما، لما أضيف “والذي أرسلته يسوع المسيح”[114]. أما النص “لا صالح”[115]، ففيه جواب للمسيح على أحد علماء الناموس الذي أراد أن يجربه وقد شهد لما في إنسانيته من صلاح، فقال له: إن الله وحده كامل الصلاح، وقد يدعى الإنسان صالحاً كما في النص: “الإنسان الصالح من كنزه الصالح يخرج الصالحات”[116]، وفي النص: “سأدفع ملكك إل من هو خير منك”[117] – كلمة وجهها الله إلى شاول في شأن داود – وفي النص: “جد يا رب على ذوي الجودة”[118]، وفي سائر الأقوال المماثلة التي قيلت فيمن استحقوا بيننا المديح والذين سكب فيهم الصلاح الأول شيئاً من صلاحه. فإن كنا قد اقنعناك بذلك كان الأمر جيداً جداً، وإلا فبأي كلام تواجه الذين يعكسون القضية ويذهبون مع مبادئك فيقولون بأن الابن وحده هو الله؟ في أي النصوص؟ في قوله: “هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه آخر”[119]، وفيما يعيد ذلك: “وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر”[120]، وألا يكون الكلام على الآب بل على الابن أمر واضح في القسم الثاني من الآية، لأنه هو الذي أقام بيننا في الجسد، وتردد على الأرض بين البشر. ولئن كان الانتصار في أن يقال ذلك على الآب، لا على من يدعونهم آلهة، فبئس الانتصار الذي قادتنا فيه الغيرة على الابن إلى إضاعة الآب! وأي انتصار أشد منه سوءاً وضرراً؟

14 – وتاسعاً سيقولون: “هو حي كل حين ليشفع فينا”[121]. أمر في الحقيقة حسن وروحي ومفيد للبشر. والفعل “شفع” لا يعني طلب الانتقام كما يفهمه عامة الناس – وهو في هذا المفهوم دليل انحدار – بل يعني التدخل[122] كوسيط[123]. وهكذا قبل إن الروح نفسه يشفع فينا[124]. “إن الله واحد والوسيط بين الله والناس واحد وهو الإنسان يسوع المسيح”[125]. فهو لا يزال يتدخل الآن كإنسان في سبيل خلاصي، إذ إنه لا يزال مع الجسد الذي اتخذه، إلى أن يصيرني إلهاً بحكم صيرورته إنساناً، مع أنه لم يعد معروفاً في هذا الجسد الذي حمل جميع أوهانه ما عدا الخطيئة. وكذلك الآية “لنا شفيع يسوع المسيح”[126]، لا بمعنى أنه يجثو لأجلنا أمام الآب، ويقع على قدميه كعبد. أبعد هذه الفكرة الحقيرة وغير اللائقة بالروح! فالآب لا يطلب ذلك والابن لا يلجأ إليه، وهل يجوز أن نتصور هذا الأمر عند الله؟ ولكن بما أنه تألم كإنسان فهو يقنعني بالصبر ككلمة ومشير. هذا ما يعنيه في نظري دوره كشفيع.

15 – وعاشراً لهم الجهل وأن لا أحد يعلم اليوم الأخير أو الساعة الأخيرة ولا الابن إلا الآب[127]. وكيف يجهل شيئاً من الكائنات من هو الحكمة[128] ومنشئ الدهور[129]، ومنهيها[130] ومجددها[131]، ومن هو نهاية[132] الموجودات، ومن يعرف ما في الله كما يعرف روح الإنسان ما فيه[133]. أي معرفة أكمل من هذه المعرفة؟ فكيف يعرف ما قبل الساعة معرفة دقيقة، وكيف تراه يعرف ما سيكون عن المنتهى ويجهل الساعة نفسها؟ إن ذلك أشبه بلغز، كما لو قال أحد أنه يعرف ما أمام الحائط معرفة جيدة ولكنه يجهل الحائط نفسه، أو إنه يعرف آخر النهار معرفة جيدة، ولكنه لا يعرف أول الليل: ومن الثابت في هذين الحالين أن معرفة الواحد تقتضي معرفة الآخر. أليس من الواضح لجميع الناس أنه يعرف كإله، وأنه بقوله “لا يعرف” يشير فيه إلى الإنسان، هذا إذا فصلنا المرئي عن الروحي؟ وقوله “الابن” هنا قول مطلق وخال من أي إشارة إلى من هو ابنه، وهذا ما يتيح لنا هذا التفسير، فننظر إلى الجهل نظرة استقامة، ونرجعه إلى الطبيعة الإنسانية لا إلى الطبيعة الإلهية.

16 – إذا كان لك في هذا الكلام كفاية توقفنا عنده، ولم يبق لأحد أن يطلب المزيد، وإلا فلدينا ما نقوله أيضاً وهو أن تكون معرفة الأشياء العظمى، وكل شيء من الأشياء الأخرى منسوبة إلى العلة الأولى، تجلة وإكراماً للذي وَلَد. فيبدو لي أننا لن نكون على موقف هزيل إذا جارينا أحد مفكري هذا العصر[134] وقرأنا كما يلي: الابن لا يعرف النهار أو الساعة على غير معرفة الآب لهما. والنتيجة، ما هي؟ بما أن للآب هذه المعرفة فهي للابن أيضاً، وهي من ثم بعيدة عن أن يعرفها أو بدركها أحد ما خلا الطبيعة الأولى.

بقي أن نعالج تلقيه الأوامر[135]، وحفظه للوصايا[136] وفعله ما يرضي الآب كل حين[137]، ثم إتمامه الذبيحة[138]، وارتفاعه[139]، وتعلمه الطاعة بما تألم به[140]، وكونه حبراً[141]، وتقدمته الذبيحة[142]، وكونه أُسلم[143]، وتقريبه التضرعات إلى القادر أن يخلصه من الموت[144]، ونزاعه[145]، وعرقه الدامي[146]، وصلاته[147]، وكل ما شابه ذلك، ما لم يكن واضحاً للجميع أن مثل هذه التعبيرات ترجع إلى الطبيعة المتألمة لا إلى الطبيعة التي لا تخضع للتحول، ولا يدركها ألم.

ما قلناه في صدد اعتراضاتهم من شأنه أن يفتح باباً ومنطلقاً للذين يرغبون في التقصي واستكمال البحث. ولكن قد يكون من المفيد أن نلحق ما أتينا عليه حتى الآن، بكلام يتحرى تسميات الابن، وهي كثيرة، ولها محل واسع في كثير من المواقف التأملية التي تتناول ذلك الابن. فلنبين معنى كل اسم، ونستجل ما فيه من قيمة سرية.

17 – علينا أن نقول أولاً: إن الألوهة لا تسمى باسم من الأسماء[148]. هذا أمر لا يثبته العقل فحسب، بل تحملنا على القول به شهادة أقدم العبرانيين وأوفرهم حكمة. إنهم وإن كان لديهم ألفاظ خاصة لتكريم الألوهة[149]، لم يرتضوا هذه الأحرف التي تكتب للدلالة على أي كائن غير الله، وعلى الله نفسه، لاعتقادهم أن الألوهة غير ذات علاقة – إلى هذا الحد! – بما لنا؛ وأنى، في نظرهم، للكلمة القابلة الانحلال أن تدل على الطبيعة التي لا تقبل الانحلال والتي تغاير طبيعتنا؟ لم يتمكن أحد من استنشاق الهواء كله، وجوهر الله لم يتمكن عقل من تصوره، ولم تتمكن لفظة من احتواء حقيقته احتواءً كاملاً، ولكننا نتخذ مما حواليه طريقاً إلى تخيله في ذاته، ونرسم لنا عنه صورة غامضة وضعيفة، صورة تختلف باختلاف عناصرها. إن أعظم اللاهوتيين، في نظرنا، ليس من اكتشف “الكل” – إذ إن السجن الذي نحن فيه لا يتسع “للكل” – بل من تفوق على غيره في التصور، ومن حقق في ذاته صورة الحقيقة أفضل من غيره، أو ظل تلك الحقيقة، أو ما لا أدري بأي أسم يجب أن نسميه.

18 – على كل حال، وبقدر فهمنا للأشياء، نرى أن اللفظتين “الكائن” و”الله” هما، نوعاً ما، اسمان للجوهر، وخصوصاً “الكائن”، وقد تسمى بها الله نفسه عندما خاطب موسى على الجبل[150]، وأمره عندما سأله ما اسمه، أن يقول للشعب: “الكائن أرسلني”[151]، وهي الاسم الذي نراه أقرب إلى الدلالة. أما اللفظة “الله” (ثيوس #) فهي، في نظر المحققين، من “ثيين #” (بمعنى ركض) أو “أيثن #” (بمعنى أحرق)[152]، لأنه في حركة دائمة، ولأنه يحرق ميولنا الفاسدة – ولهذا قيل “إنه نار آكلة”[153] – واللفظة على كل حال ذات دلالة نسبية لا مطلقة. وكذلك الاسم “رب” الذي قيل عنه إنه اسم الله أيضاً: “أنا الرب إلهك وهذا اسمي”[154]، و”اسمه الرب”[155]. أما نحن ففي تطلب طبيعة تكون للكائن في ذاته لا بالنسبة إلى غيره، و “أن يكون” هو في الحقيقة ميزة الله الخاصة، أي أن يكون كامل الكينونة، لا يسبقه في ذلك أحدٌ ولا يأتي بعد أحد، لأنه لم يكن ولن يكون المحدود أو المنقوص.

19 – أما التسميات الأخرى، فمنها ما يرجع بوضوح إلى القدرة، ومنها ما يرجع إلى التدبير، والتدبير مزدوج: ما هو لما فوق المادة، وما هو للمادي، وهكذا فهو من جهة “الكلي القدرة”[156]، و”الملك”، “ملك المجد”[157]، أو “ملك الدهور”[158]، أو “ملك القوات”[159]، أو “ملك الحبيب”[160]، أو “ملك الملوك”[161]، و”الرب”، “رب الصباؤوت”[162] – أي الجنود – أو “رب القوات”[163] أو “رب الأرباب”[164]: تلك هي أسماء القدرة. وهو من جهة أخرى “الله” “إله التخليص”[165]، أو “إله النقمات”[166]، أو “إله السلام”[167]، أو “إله البر”[168]، أو “إله إبراهيم واسحق ويعقوب”[169] وكل إسرائيل الروحي[170] ومن يرى الله[171]: تلك أسماء التدبير. وإذ كنا خاضعين لأمور ثلاثة: خوف العقاب، وترجي الخلاص والمجد، وممارسة الفضائل مصدر الخلاص والمجد، فإن اسم النقمات يبعث فينا الخوف، واسم الأمور الخلاصية يحملنا على الرجاء، واسم الفضائل يحلمنا على ممارستها. وهكذا فمن يحمل الله في ذاته[172] ببلوغه أحد هذه الأمور الثلاثة، يمضي بسرعة أشد في طريق الكمال وفي طريق ما تمنحه الفضائل من صلة القربى بالله.

تلك أسماء الألوهة بطريقة عامة. ولكن الاسم “الآب” هو الاسم الخص لمن لا مبدأ له. و”الابن” هو اسم المولود عن غير علة، و”الروح القدس” هو اسم من انبثق أو من ينبثق في غير ولادة.

ولننتقل الآن إلى الألفاظ التي تدل على الابن، فمن هنا كان انطلاق خطابنا[173].

20 – يبدو لي أنه يقال له “الابن” لأنه واحد مع الآب في الجوهر، وليس لهذا فقط بل لأنه يأتي منه أيضاً. ويقال له “الوحيد”[174] لا لأنه وحده أتى من واحد فقط، وبل لأن ذلك جرى بطريقة لا مثيل لها تختلف عما هو معهود للأجسام. ويقال له “كلمة”[175] لأنه بالنسبة إلى الآب كالكلمة بالنسبة إلى العقل، وليس لأن ولادته جرت بغير تحول فقط، بل للرباط الوثيق الذي يربطه بالآب ولما هو عليه من طاقة الكشف عنه[176]. وقد يمكن القول إنه كالتحديد بالنسبة إلى الشيء المحدد، إذ إنه يقال للتحديد أيضاً “لوغس” (أي الكلمة). وقد قال: “من عرف الابن” – والفعل “عرف” هنا بمعنى “رأى” – “فقد عرف الآب”[177]، والابن مَجْلّى موجز وواضح لطبيعة الآب. وكل مولود إنما هو تعريف صامت لمن ولده. ولا ضير في أن يقال إنه دعي “كلمة” لكونه مشرفاً على الموجودات. وأي شيء وجد بمعزل عن الكلمة؟[178] ويقال له “حكمة”[179] لكونه يعرف الأمور الإلهية والبشرية؛ وأنى لمن صنع الأشياء[180] أن يجهل حقيقة ما صنع؟ ويقال له “القدرة”[181] لكونه يحفظ الأشياء المصنوعة[182] ويمنحها القدرة على التلاحم. ويقال له “حقيقة”[183] لكونه واحداً لا متعدداً بطبيعته – والحقيقية واحدة أما الكذب فكثير الأشكال – ولكونه ختم الآب[184] الطاهر، وصورته[185] الخاليين من كل تمويه. ويقال له “صورة”[186] لكونه والآب جوهراً واحداً، ولأنه يأتي من الآب وأن الآب لا يأتي منه. ومن شأن الصورة أن تطابق صاحبها الذي يقال إنها أُخذت عنه، ولدينا هنا أكثر من ذلك: ففي غير هذا الذي نحن فيه تكون الصورة صورة جامدة لكائن متحرك، وهنا الصورة صورة حية وهي حيه وأكثر شبهاً به مما كان شيت يشبه آدم[187]، وما يشبه المولود من ولده، أياً كان. تلك هي طبيعة الأشياء البسيطة ألا يكون بينها تشابه جزئي. وهكذا فالصورة الكاملة تمثل الشيء كاملاً، وهي بالأحرى الشيء نفسه لا ما يشبهه. ويقال له “نور”[188] لكونه منارة للنفوس التي تتبرر كلمة وحياة، فإذا كان الجهل والخطيئة ظلمة، كانت المعرفة والحياة في الله نوراً. ويقال له “حياة” لكونه نوراً[189]، ولكونه قوام كل طبيعة عاقلة ومنسقها. “فإنّا به نحيا ونتحرك ونوجد”[190]، وذلك بفعل قوة نفخته المزدوجة ونفسه المزدوج[191]، فمنه تأتي الجميع نفحة الروح القدس المحيية، يتقبلها الذين يستطيعون احتواءها، وذلك بقدر ما “نفتح فم”[192] أذهاننا. ويقال له “بر”[193] لكونه يجازي على حسب الاستحقاق[194]، ولكونه يحاكم بالعدل من هم “تحت الناموس” ومن هم “تحت النعمة”[195]، وكذلك النفس والجسد بحيث تأمر هي ويخضع هو، وبحيث يخضع الأدنى للأعلى فلا يتاح للأدنى أن يثور على الأنبل والأشرف. ويقال له “القداسة”[196] لكونه الطهارة بحيث تتقبل الطهارة الطاهر[197]. ويقال له “فداء”[198] لكونه يحررنا، ونحن الذين كنا في الخطيئة، ولكنه يقدم نفسه فدية عنا تطهر الأرض. ويقال له “قيامة”[199] لكونه يجعلنا نطلق من ههنا[200]، ويعيدنا إلى الحياة[201] نحن الذين كنا أمواتاً من جراء تناولنا الثمرة المحرمة[202].

21 – هذه الأسماء هي أيضاً مشتركة بين ما كان في المسيح أرفع منا وما كان لأجلنا. وإليكم الآن أسماء محصورة فينا وموافقة لما اتخذ منا. إنه “إنسان”[203] لا لكي يكون بجسده في متناول من هم في الجسد وحسب – وهو إذا خلا من الجسد كان بطبيعته غير المدركة متعذر المنال – بل ليقدس هو بنفسه أيضاً الإنسان إذ صار كالخمير للعجين كله، فاتخذ في ذاته ما كان محكوماً عليه، لكي يحرر الكل من ربقة الحكم، وذلك عندما صار للجميع كل ما نحن عليه – ما عدا الخطيئة – جسداً ونفساً وروحاً، من حيث دخل الموت، فمن مجموع هذه العناصر كان إنساناً، إلهاً منظوراً، وفاقاً لما يدركه عقلنا. وهو “ابن الانسان”[204] بسبب آدم والعذراء معاً، وقد أتى منهما: من آدم على أنه الأب الأول، ومن العذراء لكونه خضع لناموس الأمومة لا لناموس الولادة. وهو “مسيح”[205] بسبب ألوهته: فالألوهة مسحة الإنسانية التي تقدسها لا بعملية المسح، كما هي الحال بالنسبة إلى سائر “المسحاء”[206]، بل بحضوره هو كاملاً وماسحاً. وبسبب هذا الحضور يسمى الذي يمسح “إنساناً” ويُجعل الممسوح إلهاً[207]. وهو “طريق”[208] من حيث إنه يقودنا هو بنفسه. وهو “باب”[209] من حيث إنه يدخلنا. وهو “راع”[210] من حيث إنه يجعل قطيعه في مكان خضر[211]، ويورده مياه الراحة[212]، ومن هناك يمضي أمام القطيع[213]، ويكف عنه الوحوش الضارية[214]، ويرد النعجة الشاردة[215]، ويتطلب المفقودة[216] ويضمد جراح الجريحة[217]، ويحفظ القوية[218]، ويجمع القطيع[219] إلى الحظيرة العلوية بأقوال حكمته الراعوية. وهو “شاة”[220] لأنه ذبح[221]. وهو “حمل”[222] لأنه كامل[223]. وهو “حَبْر”[224] لأنه يقرب الذبيحة[225]. وهو “ملكيصادق”[226] لأنه بغير أم[227] بالنظر إلى ما فوقنا، وبغير أب[228] بالنظر إلى ما نحن فيه، وبغير نسب[229] بالنظر إلى العلاء: قال: “أما مولده فمن يصفه؟”[230]. وهو كذلك لأنه “ملك شليم”[231] – أي ملك السلام[232] – إذا إنه “ملك البر”[233]، ولأنه ينال العشر[234] من الآباء الذين تغلبوا على قوات الشر[235].

تلك هي تسميات الابن. فامض ما بينها: بطريقة علوية، ما بين العلوية منها، وبطريقة رفيقة[236] ما بين الجسدية منها، أو بالحري فليكن كله بطريقة إلهية لكي تصير، وأنت صاعد من هنا، إلهاً بالذي نزل لأجلنا من العلاء. التزم هذا فوق كل شيء وقبل كل شيء فتكون بنجوة من الحيرة والتردد أمام ما هو من الأسماء أرفع أو أوضع. “يسوع المسيح أمس واليوم” جسدياً “هو هو ” روحياً وإلى الدهور[237]. آمين

[1] طالع 1كور 15: 45.

[2] أم 8.

[3] 1صم 11: 1-8.

[4] حك 7: 21، 8: 6.

[5] أي 28: 14.

[6] المرجع نفسه.

[7] أي الحكمة.

[8] مز 18: 1.

[9] زك 13: 7.

[10] مز 113: 4.

[11] إشارة إلى القديس باسيليوس في رده على أفنوميوس Conter Eunom. II. 20. PG 29, 616-617.

[12] 1كور 1: 24.

[13] أم 8: 22.

[14] أم 8: 25.

[15] أم 8: 22.

[16] أم 110: 7.

[17] أش 49: 3، 5. في التقليد المسيحي أن في كلام أشعيا هذا إشارة إلى المسيح.

[18] أش 53: 11.

[19] أش 49: 6.

[20] لو 1: 78.

[21] لو 1: 32.

[22] فيل 2: 9.

[23] فيل 2: 10.

[24] فيل 2: 7.

[25] 2كور 4: 4؛ كول 1: 15.

[26] فيل 2: 7.

[27] أع 2: 36.

[28] 1كور 15: 25.

[29] أع 3: 21.

[30] مز 109: 1.

[31] لو 1: 33.

[32] متى 28: 20.

[33] مز 93: 2.

[34] طالع متى 25: 32.

[35] مز 81: 1.

[36] يو 14: 2.

[37] 1كو 15: 28.

[38] يقول القديس بولس في 1كور 15: 28 إنه متى أخضع لله كل شيء فحينئذ يخضع الابن نفسه، وهذا الكلام، في نظر الأفنوميين، دليل على أن المسيح غير خاضع الآن.

[39] غلا 3: 13.

[40] 2كور 5: 21.

[41] يو 1: 29.

[42] 1كور 15: 45.

[43] كول 1: 18.

[44] 1كور 15: 28.

[45] المرجع نفسه.

[46] مز 21: 1.

[47] يشير إيليا الكريتي إلى أن أوريجانس كان على هذا الرأي.

[48] طالع أش 53: 6.

[49] مز 21: 2-3.

[50] عب 5: 8.

[51] عب 5: 7.

[52] فيل 2: 7.

[53] يو 1: 5.

[54] طالع لو 22: 53.

[55] 1 يو 5: 18.

[56] متى 4: 3.

[57] أف 5: 8 أي نحن.

[58] عب 2: 18.

[59] 1كور 15: 28.

[60] أع 3: 21.

[61]  عاش سابيليوس في القرن الثالث وذهب إلى أن الأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس لا شيء يميز أحدهم عن الآخر.

[62] 1كور 6: 20.

[63] 1يو 3: 2.

[64] غلا 3: 27؛ كول 3: 11.

[65] يو 14: 17.

[66] يو 20: 17.

[67] ينتقل غريغوريوس هنا إلى النص الثاني، أي “إلهي وإلهكم” (يو 20: 17).

[68] يو 20: 17. في هذا الكلام إشارة إلى القسم الثاني من الآية.

[69] أف 1: 17.

[70] يو 5: 26.

[71] يو 5: 27.

[72] مز 2: 8.

[73] يو 17: 2.

[74] رؤ 5: 12.

[75] يو 17: 6.

[76] يو 5: 19.

[77] متى 5: 14.

[78] متى 9: 15؛ مر 2: 19؛ لو 5: 34.

[79] مر 6: 5؛ متى 13: 58.

[80] يو 7: 7.

[81] متى 12: 34.

[82] يو 3: 4.

[83] متى 19: 24.

[84] يو 16: 15.

[85] يو 6: 58.

[86] يو 5: 19.

[87] متى 8: 3؛ مر 1: 40؛ لو 5: 13؛ 17: 14.

[88] مر 1: 34.

[89] متى 8: 16.

[90] متى 9: 25؛ مر 5: 42؛ لو 8: 55؛ 7: 14-15؛ يو 11: 44.

[91] متى 14: 25؛ مر 6: 28؛ يو 6: 19.

[92] يو 5: 19.

[93] يو 5: 17.

[94] مز 103: 4.

[95] مز 103: 5.

[96] أي 38: 25.

[97] عا 4: 13.

[98] يو 6: 38.

[99] هذه العبارة اعتمدها مجمع القسطنطينية الثالث (681) في اعلانه الأخير (16 أيلول 681)، وقد لقب غريغوريوس باللاهوتي. وهو في هذا القسم من خطابه يُظهر من البراعة اللاهوتية والدقة ما لا حد له، وذلك في معالجة سر التجسد وإبراز الإرادتين الإلهية والإنسانية في المسيح، وفي اهتمامه الدائم للوحدة في المسيح وفي احترامه لكمال الطبيعة البشرية فيه.

[100] متى 26: 39.

[101] أي النص الذي ورد في أول هذه الفقرة.

[102] يو 6: 38.

[103] يو 3: 34. القسم الأول من هذه الآية يُظهر الآب معطياً الروح ليسوع.

[104] إن الله لم يعط روحه ليسوع بمقدار، كما كان يعطيه للأنبياء، ولكن أعطاه إياه كاملاً.

[105] مز 58: 5.

[106] دا 9: 18.

[107] يو 14: 24.

[108] يو 17: 3.

[109] لو 18: 19.

[110] أي الابن، فقد قال يسوع: “أنا الحقيقة” (يو 14: 16).

[111] 1تيم 6: 16.

[112] 1تيم 1: 17.

[113] يو 17: 3.

[114] المصدر ذاته.

[115] لو 18: 19.

[116] متى 12: 35.

[117] 1صم 15: 28.

[118] مز 124: 4.

[119] با 3: 36.

[120] با 3: 38.

[121] عب 7: 25.

[122] 2كور 5: 20؛ أف 6: 20.

[123] طالع 1تيم 2: 5.

[124] روم 8: 26.

[125] 1تيم 2: 5.

[126] 1يو 2: 1.

[127] مر 13: 32.

[128] 1كور 1: 30.

[129] عب 1: 2.

[130] متى 28: 20.

[131] رؤ 21: 5.

[132] رؤ 1: 8؛ 22: 13.

[133] 1كور 2: 11.

[134] إشارة إلى باسيليوس.

[135] يو 10: 18.

[136] يو 15: 10.

[137] يو 8: 25.

[138] يو 19: 30.

[139] يو 9: 14.

[140] عب 5: 8.

[141] عب 6: 20.

[142] روم 4: 25.

[143] غلا 2: 40.

[144] عب 5: 7.

[145] لو 22: 44.

[146] نفس المرجع.

[147] لو 22: 43.

[148] كان أفنوموس بدعي أن “غير المولود” هو اسم الله.

[149] كان اليهود يتحاشون عن أن يلفظوا بالكلمة “يهوه” (وهي الاسم الذي تسمى به الله عندما ظهر لموسى: خر 3: 14)، فكانوا يستبدلون بها الكلمة “أدوناي” أي السيد والرب.

[150] خر 3: 14.

[151] نفس المرجع.

[152] يذهب العلماء اليوم إلى أن أصل هذه اللفظة غير معروف. طالع

  1. CHANTRAINE, Dixtionnaire etymologique de la langue grecque. II Paris. 1970. P 430

[153] تث 4: 24.

[154] أش 42: 8.

[155] عا 9: 6.

[156] خر 15: 3.

[157] مز 23: 10.

[158] 1تيم 6: 15.

[159] مز 57: 13.

[160] المرجع نفسه.

[161] 1تيم 6: 15.

[162] أش 1: 9؛ روم 9: 29.

[163] مز 23: 10.

[164] تث 10: 17.

[165] مز 67: 21.

[166] مز 93: 1.

[167] روم 15: 33.

[168] مز 4: 2.

[169] خر 3: 6.

[170] طالع غلا 6: 16.

[171] طالع تك 32: 30.

[172] طالع 1كور 6: 20.

[173] أعلن غريغوريوس في آخر الفقرة 16 من هذا الخطاب أنه سيعالج أسماء الابن ثم انساق في استطراد طويل ضمنه كلاماً على الألفاظ التي تدل على الله بوجه عام.

[174] يو 1: 18.

[175] يو 1: 1.

[176] متى 11: 27؛ لو 10: 22؛ يو 1: 18.

[177] يو 14: 9. وفي الأصل اليوناني “من رأني فقد رأى الآب أيضاً.

[178] كول 1: 17.

[179] 1كور 1: 30.

[180] كول: 1: 17.

[181] أف 5: 9.

[182] يو 1: 13.

[183] يو 14: 6.

[184] يو 6: 27.

[185] عب 1: 3.

[186] كول 1: 15.

[187] تك 4: 25.

[188] يو 8: 12؛ 9: 5.

[189] يو 8: 12؛ 9: 5.

[190] أع 17: 28.

[191] تك 2: 7، يو 10: 22 – إشارة إلى الحياة التي نفخها الله في آدم (تك 2: 7)، وإلى نفخة المسيح التي أعطى بها رسله الروح القدس (يو20: 22).

[192] مز 118: 131.

[193] 1كور 1: 30.

[194] متى 16: 27؛ روم 2: 6.

[195] روم 6: 14.

[196] 1كور 1: 30.

[197] طالع الخطاب 27: 3.

[198] 1كور 1: 30.

[199] يو 11: 25.

[200] يو 14: 40.

[201] طالع طو 13: 2؛ حك 16: 13؛ تث 32: 39؛ 1صم 2: 6.

[202] طالع تك 2: 17.

[203] يو 9: 11.

[204] متى 9: 6 إلخ.

[205] متى 1: 16.

[206] خر 30: 30؛ 1صم 10: 1 الخ. كان الملوك والأحبار قديماً يمسحون بالدهن.

[207] بكلام آخر: يدعى الله إنسانً ويدعى الإنسان إلهاً بسبب اتحاد الإنسانية والألوهة.

[208] يو 14: 6.

[209] يو 10: 9.

[210] يو 10: 11.

[211] مز 22: 2.

[212] المرجع نفسه.

[213] يو 10: 4.

[214] حز 34: 25.

[215] حز 34: 16.

[216] المرجع نفسه.

[217] المرجع نفسه.

[218] المرجع نفسه.

[219] طالع أس 40: 11.

[220] أش 53: 7.

[221] المرجع نفسه.

[222] أش 53: 7 ويو 1: 29.

[223] خر 12: 5.

[224] عب 6: 20.

[225] عب 8: 3.

[226] عب 6: 20و 7: 1.

[227] عب 7: 3.

[228] عب 7: 3.

[229] المرجع نفسه.

[230] أش 53: 8.

[231] عب 7: 1.

[232] عب 7: 2.

[233] المرجع نفسه.

[234] تك 14: 20 وعب 7: 2.

[235] تك 14: 20 وعب 7: 1.

[236] عب 5: 2.

[237] عب 13: 8.

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثالث – في الابن الكلمة 1 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثالث – في الابن الكلمة 1 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثالث – في الابن الكلمة 1 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثالث – في الابن الكلمة 1 – غريغوريوس النزينزي

1 – هذا ما لم يكن بد من قوله في مجال التصدي لميولهم وإسراعهم إلى النقاش، ولخطر التسرع في جميع الأمور، ولا سيما النقاشات في موضوع الله. وإذ كان التأنيب أمراً يسيراً وغير ذي بال – إنه شديد السهولة وفي متناول كل من أراده – وإذ كانت الاستعاضة عنه بإبداء الرأي الشخصي هي عمل رجل تقي وحكيم، فهلم بنا واثقين في الروح القدس الذي يتنكرون له هم، ونعبده نحن، ولنبرز للنور مذهبنا في اللاهوت، أياً كان ذلك المذهب، فسلاً مؤصلاً وقوياً، لا أننا كنا قبل صامتين – وهذا هو الأمر الوحيد الذي نضطرم له غيرة واندفاعاً – ولكننا الآن نقول الحقيقة بحرية أوفر، وذلك تجنباً لما يؤدي إليه النكوص مما لا نرتضيه، على حد ما كتب[1].

وإذ كان في كل خطاب قسمان: قسم لبسط المذهب الشخصي، وقسم لدحر المذهب المخالف كان علينا نحن أيضاً، بعد بسط مذهبنا العقائدي، أن نعمل على نقض ما يخالفوننا به، وسيكون القسمان موجزين قدر الإمكان لكي تسهل على النظر الإحاطة بما يقال – كما هو الحال في الخطة التمهيدية التي ابتكروها لتضليل السذج والمغفلين –[2] وكي لا يحول الإطناب في الخطاب دون الالتقاط ما فيه من أفكار، فتكون تلك الأفكار كالماء الذي لم تحتجزه السدود، فيجري ويتفرق في السهول.

2 – أقدم المذاهب في شأن الله ثلاثة: الأنرخيا، والبوليرخيا، والمونرخيا[3]. اللفظتان الأولى والثانية كانتا لأطفال اليونان[4] موضوع لهو وتسلية. فليقيمن على لهوهم. إذ إن الأنرخيا هي الفوضى، والبوليرخيا هي الخصام، وكذلك الأنرخيا، وذلك الفوضى، كلتاهما تفضي إلى الأمر الواحد: الفوضى، وهذه تقود إلى الخراب، إذ إن الفوضى تدرب على الخراب. أما نحن فتكريمنا للمونرخيا، لا المونرخيا المحصورة في شخص واحد – إذ قد يكون هذا الشخص الواحد في نزاع مع ذاته، فيصبح والحالة هذه متعدداً – بل المونرخيا القائمة على الكرامة المتساوية في الطبيعة، والاتفاق في الإرادة، والتطابق في الحركة، وعودة ما يصدر عنها إلى الوحدة – وهذا ما يتنافى والطبيعة المولودة – بحيث، وإن كان هنالك اختلاف في العدد، لا يوجد أي تفسخ في الجوهر. ولهذا فـ “منذ البدء”[5] كان التحرك من الوحدانية إلى الثنوية، وقد توقف عند الثلاثية. وهذا ما هو لنا الآب والابن والروح القدس: الأول يلد ويحدث، ولكن أقول إن ذلك في غير تأثر وتغير منه، وخارجاً عن الزمن والهيولى، أما الآخران، فالواحد منهما مولود، والثاني مبثوق، أو لا أدري كيف أسمي ذلك في غير استعانة بالمرئيات. ولن يكون لنا من الجرأة ما يجعلنا نتحدث عن فيض الصلاح، كما فعل أحد فلاسفة الإغريق الذي حملته الجرأة على القول: “كفوهة بركان فياضة”[6]، قال ذلك بوضوح وصراحة في غضون كلامه على العلة الأولى والعلة الثانية، فلا ننجرن إلى التسليم بولادة قسرية، وبنوع من الفيض الطبيعي الجارف الذي لا يليق بما نذهب إليه في شأن اللاهوت. ولهذا فإننا، في نطاق ما رسمناه وتقيدنا به من حدود، نقول بغير المولود، وبالمولود، “وبالمنبثق من الآب” على حد ما يقوله الله وكلمته في أحد المواضع[7].

3 – منذ متى توجد هذه الأشياء؟ إنها فوق الـ “منذ” والـ “متى” وإن كان لا بد من الكلام بشيء من الجرأة، قلنا إنها توجد منذ وجد الآب. ومتى وجد الآب؟ لم يوجد وقت خال من وجوده. وذلك شأن الابن والروح القدس. عد عليّ بالسؤال أعد عليك بالجواب. متى ولد الابن؟ عندما كان الآب غير مولود. ومتى انبثق الروح القدس؟ منذ كان الابن غير منبثق، بل كان مولوداً بمعزل عن الزمن وبطريقة تفوق الوصف. نقول ذلك، وإن كنا لا نستطيع التجرد من صورة الزمن عندما نريد معالجة ما هو فوق الزمن. فالألفاظ “متى”، و”قبل هذا”، و”بعد هذا”، و”منذ البدء” لا تخرج عن نطاق الزمن مهما غلونا في التخريج، ومن ثم فعلينا أن نعتمد لفظة الأبدية، وهي المدى الذي يقيس الأمور الأبدية، ولا يقبل التقسيم، ولا تقيسه حركة، ولا يخضع كالزمن لدورة الشمس.

فكيف لا يكونان مع الآب بغير مبدأ إذا كانا معه أزليين؟ فما لا مبدأ له أزلي. ولكن ما هو أزلي ليس بالضرورة بلا مبدأ، ما دام ذلك يتعلق بالآب الذي هو المبدأ. فليسا بلا مبدأ من حيث العلة، ولكنه من الظاهر أن هذه العلة غير سابقة لمن كانا معلولين عنها كما لا تكون الشمس سابقة لنورها. فهما بغير مبدأ من حيث الزمن، بالرغم من فزاعتك التي تعمل بها على ترويع السذج[8]، إذ لا يخضع للزمن من يصدر عنهم الزمن[9].

4 – فكيف تكون ولادة الابن بغير تغير؟ إنها غير جسدية، وإن كانت الولادة الجسدية لا تجري بغير تغير، فالولادة غير الجسدية لا تغير فيها ومعها. هأنذا بدوري أسألك: إذا كان الابن خليقة فكيف يكون الله؟[10] والمخلوق لا يكون الله. وليس لي أن أقول إن ما يكون جسدياً يكون خاضعاً للتغيرات والمؤثرات من مثل الوقت، والشهوة، والتخيل، والقلق، والأمل، والألم والخطر، والاخفاق، والإبلال، وكل ذلك، وأكثر من ذلك يعتري الخليقة، كما لا يخفى على أحد. وإني لأعجب من أن يذهب تجرؤك إلى القول بتواصل، وحمل، وتعرض للإسقاط، لكون الآب لا يمكنه أن يلد إن لم يلد هكذا! أو كأني بك تعدد صنوفاً من ولادات الطيور والحيوانات الأرضية والمائية، وتذهب إلى تشبيه الولادة الإلهية التي لا يمكن وصفها بإحدى هذه الولادات، أو إلى إنكار الابن، تمشياً وما توصلت إليه من تورط جديد! وإنك لا تستطيع أن تتصور فرقاً بين ولادة من يولد بالجسد وهذه الولادة الإلهية – وأين تراك أبصرت بين جماعتك العذراء والدة الإله؟ – ولهذا أيضاً ولادة روحية فذة، أو قل إن من كانت طبيعته غير طبيعتنا كانت ولادته غير ولادتنا.

5 – فمن يكون ذلك الأب الذي لم يكن بدءٌ لأبوته؟ إنه ذاك الذي لم يكن بدءٌ لكينونته: فمن كان لكينونته بدء كان لأبوته بدءٌ أيضاً. فلم تعقب أبوته الكينونة إذ لم يكن له بدءٌ. وهو أب بالمعنى الحقيقي. إذ ليس هو الابن أيضاً؛ وكذلك الابن فهو ابن بالمعنى الحقيقي إذ ليس هو الأب أيضاً. وليس لهاتين اللفظتين بالنسبة إلينا مدلول حقيقي لأننا في الوقت الواحد أب وابن: ولسنا من ثم هذا أكثر من ذاك؛ إننا من أبوين اثنين، لا من واحد، ولهذا كان فينا انقسام؛ ونحن لا نبلغ شأو الرجال إلا شيئاً فشيئاً، وقد لا نصير رجالاً، بل خلائق غير مرغوب فيه[11]ا، وإننا لننفصل عن أهلينا وينفصل عنا أهلونا، بحيث لا يبقى سوى علاقات خالية من الحقيقة. ولكنه يقول: أليس في اللفظتين “وَلَدَ” و “وُلِدَ” بدء في الولادة؟ وليس لنا إلا أن نقول إنه مولود منذ البدء، لكي ننجو بسهولة من اعتراضاتك اللولبية والتي لا تخرج عن نطاق الزمن. ألعلك تريد أن ترمينا بأننا نحرف الكتاب والحقيقة بعض التحريف؟ أليس من الواضح لدى الجميع أن أحداثاً كثيرة تذكر لزمن من الأزمان وتكون لغير ذلك الزمن – كما هي الحال في الكتابة الإلهية بنوع خاص – ولا ينحصر ذلك فيما هو من الماضي أو الحاضر، بل يتناول المستقبل أيضاً؟ من ذلك: “لماذا ارتجت الأمم”[12] وهي لم تكن بعد قد ارتجت، ومن ذلك: “وبالأرجل يعبرون النهر”[13] أي عبروا. ويطول الكلام لو أتينا على ذكر ما كان من هذا الباب وما وقع عليه من أرباب العلم والتحري[14].

6 – هذا، ولكن فيم يقوم اعتراضهم الآخر الحافل بالاستثارة والوقاحة؟ إنهم يقولون: هل ولد الآب الابن بإرادته أم بغير إرادته؟ وهم يفكرون بعد ذلك أنه يقيدوننا من الناحيتين، ولن بربط غير وثيقة وشديدة الهزال. فيقولون: إذا كانت الولادة بغير إرادته كان مكرهاً عليها، ومن ذا الذي أكرهه؟ وكيف يكون المكره إلهاً؟ وإذا كانت الولادة بإرادته كان الابن ابن الإرادة فكيف يكون ابن الآب؟ وهذا ابتكارهم الجديد: إن الإرادة أم الابن، في موضع الآب. ومع ذلك ففي كلامهم ما يروقنا، وهو أنهم يتجنبون القول بالتغير عندما يلجأون على الإرادة، إذ الإرادة غير التغير، ولننظر بعد ذلك في قوة ما يثبتون. والأفضل في ذلك أن نبدأ بالتضيق عليهم أقرب فأقرب. فإليك أنت أيها الذاهب في الكلام كل مذهب: هل ولدك أبوك بإرادته أم بغير إرادته؟ إذا لم تكن له في ذلك إرادة، كان إذن مكرهاً عليه. يا للعنف! من ذا الذي أكرهه؟ لن تقول إنه الطبيعة، فالطبيعة تتقبل التعفف. ولئن ولدك أبوك بإرادته فها هو ذا يضمحل في هذا المقاطع اللفظية، وكأني بك ابن للإرادة لا لأبيك. وانتقل إلى الله والخلائق، أتوجه بسؤالك إلى حكمتك: هل خلق الله كل شيء بإرادة منه، ام هل أكره بالعنف على ذلك؟ فإن كان الخلق بإرادة منه كانت خسارة الخليقة لخالقها، وكانت خسارتك انت قبل سواك، أنت الذي يختلق مثل هذه الحجج ويركب مثل هذه السفسطات، لأن الإرادة تقل حاجزاً وتفصل عن الخالق. ولكن من يريد هو، في نظري، غير الإرادة، ومن يلد هو غير الولادة، ومن يتكلم هو غير الكلام – هذا ما لم نكن سكارى – ههنا المحرك، وهناك الحركة. وهكذا فالمراد ليس للإرادة – إذ المراد لا يصدر عنها صدوراً كلياً[15] – والمولود ليس للولادة، والمسموع ليس للتصويت، بل للمريد، والوالد، والمتكلم. ومع ذلك ففي الله، وفوق ذلك كله، وقد تكون الولادة إرادة الولادة، ولكن بغير وسيط، هذا إذا سلمنا تسليماً كلياً بهذا، وإذا لم تكن الولادة فوق الإرادة.

7 – هل لي أن أمازح بعض الممازحة في شأن الآب؟ لقد أخذت عنك مثل هذه الجرأة. هل الآب هو الله بإرادة منه، أم بغير إرادة منه. هيا تفلت من مراوغة حذلقتك! إذا كان الله بإرادة منه، فمتى بدأ تلك الإرادة؟ أليس ذلك قبل وجوده، إذا لم يكن شيئاً قبل ذلك الوجود. هل فيه من يريد وما هو مراد؟ فهو إذاً قاب التقسيم، وكيف لا يكون هو أيضاً، وفي نظرك، ثمرة الإرادة؟ وإذا كان الله عن غير إرادة منه، فمن اضطره إلى إن يكون الله؟ وكيف يكون الله إذا اضطر إلى ذلك، ولم يضطر إلى غير ذلك، وبل إلى أن يكون الله؟ قل كيف وُلِدَ الابن إذن؟ كيف خُلق، إذا كنت ترى أنه مخلوق؟ إننا في هذا كله أمام الصعوبة نفسها. قد تقول إن ذلك بالإرادة والكلمة، إلا أنك لم تقل بعد كل شيء. فأنى للإرادة والكلمة القدرة الفاعلة؟ هذا ما بقي عليك أن تقوله، إذ ليس الأمر نفس الأمر في دنيا الإنسان.

8 – فكيف وُلد الابن؟ وما كانت ولادته أمراً ذا بال لو كان قريبة من فهمك، أنت الذي لا تعرف كيفية ولادتك نفسها، أو لا تعرف منها إلا شيئاً يسيراً، وبقدر يخجلك أن تأتي على ذكره، ثم تزعم أنك تعرف ذلك كله؟ إنه ليلزمك من العناء قسط وفير قبل أن تجد السبيل إلى اكتشاف كيف جُمعت، وصُورت، ووُضعت، وكيف ترتبط النفس بالجسد، والعقل بالنفس، والنطق بالعقل، وكيف تجري الحركة، والنمو، وهضم الطعام، والإحساس، والذكر، والتذكر، وسائر النشاطات التي بها قوامك، وكيف أن بعضها لكلا النفس والجسد مشتركين، وبعضها الآخر لكل منهما منفردين، وأن بعضها يساند بعضاً آخر؛ ذلك أن الأمور التي يتأخر اكتمالها تكون بواعثها مرافقة لمولدها. قل ما هذه البواعث. وحذار إذ ذاك من تفسير الولادة الإلهية: إن في ذلك لمغامرة خطرة. وإنك وإن عرفت حقيقة ولادتك فلن تعرف حقيقة الولادة الإلهية؛ وهكذا فإذا كنت تجهل حقيقة ولادتك، فكيف تعرف حقيقة الولادة الإلهية؟ وبقدر ما يكون الله أبعد من الإنسان عن أن يُدرك ويُتصور، تكون الولادة العلوية أعصى على الفهم من ولادتك. وإذا كنت تنكر ولادته لا لشيء إلا لأنك لم تفهمها فعليك أن تلغي كائنات كثيرة لم تفهمها، وأن تلغي الله نفسه قبلها كلها؛ إذ إنك لا تملك أن تقول ما هو، مهما تقصت جرأتك البحث ومهما غلا طغيانك في متاهاته. فاقلع عن جرجرتك، واعزف عن التقسيم والتقطيع، وعن ميلك إلى تصور الطبيعة غير الهيولية تصوراً جسمانياً، فقد نتمكن عند ذلك من تخيل شيء لائق بالولادة الإلهية. كيف وُلد؟ وإن لأصيح مرة أخرى في سخط وأقول: فلتكرم الولادة الإلهية في صمت. وإنه لأمر عظيم بالنسبة إليك أن تعرف أنه قد ولد. أما الـ “كيف” فلنعترف بأن الملائكة يجهلونه، فكيف بك أنت. هل تريد أن أبين لك الكيف؟ إنه كما يعرفه الآب الذي وَلَدَ والابن الذي وُلِدَ[16]، وما فوق ذلك محجوب وراء غمامة[17]، ومتوار عن عينيك الضعيفتين.

9 – وهكذا فهل وَلَدَ الآب شخصاً كان موجواً أو شخصاً لم يكن له وجود؟ يا للهذيان! مثل هذا القول يقال فيك وفيّ نحن اللذين كنا كلاوي موجودين “في صلب إبراهيم”[18]، واللذين ولدنا في قسم منا. وهكذا فمصدرنا الوجود والعدم، بخلاف المادة الأولى التي لا شك في كونها ذات بداية في الوجود، والتي يذهب البعض إلى أنها غير مولودة[19]. أما ههنا[20] فالولادة رفيقة الوجود، و”منذ البدء”[21]، فأين تجعل سؤالك الخدّاع؟ هل من شيء أقدم مما هو “منذ البدء” لكي نجعل فيه تاريخ وجود الابن أو عدم وجوده؟ في كلا الحالين يزول هذا الـ “منذ البدء”. وقد نتعرض، إذا عدنا وسألناك عن الآب هل هو صادر عن كائنات ذات وجود أو عن العدم، قد نتعرض لأن يكون لنا أبوان، أحدهما سابق الوجود، والآخر موجود، أو شأنه شأن الابن تأتي به من العدم أسئلتك السخيفة وتركيباتك الرملية التي لا تلبث في وجه أضعف الرياح. وألا أقر هذا ولا ذاك، وأثبت أن السؤال سخيف وأن الجواب غير عسير. وإن بدا لك، في عرف جدليتك، أن أحد الأمرين صحيح وثابت الحقيقة في كل حال، فهب لي أن أوجه إليك السؤال الصغير التالي: هل الزمن في الزمن، أم ليس الزمن؟ إن كان في الزمن، فما هو هذا الزمن؟ ولماذا يتميز عن الآخر؟ وكيف يحويه هذا الآخر؟ وإذا لم يكن الزمن في الزمن فأنى لهذه الحكمة الحاذقة أن تتقدم بزمن غير زمني؟ والمقولة “أنا الآن أكذب” تجري على هذا أو ذاك، فإما على حقيقة، وإما على خطأ، إذ إننا لا نوافق على الأمرين معاً. أجل إن ذلك غير ممكن. فإما أنني أكذب وهي عند ذلك تعبر عن الحقيقة، وإما أنن أقول الحقيقة وهي عند ذلك تعبر عن مكذوب، وهو أمر لا مفر منه[22]. ففيم التعجب من أن تتوافق هنا المفارقتان، وإن تكونا كلتاهما هناك على خطأ، وأن تكون سفسطتك والحالة هذه مظهراً من مظاهر الحماقة؟ وإلى ذلك فأتني بحل للألغاز التالية: هل كنت حاضراً لذاتك عند جرت ولادتك، وهل أنت حاضر لذاتك الآن، ام لم تكن هذا ولا ذاك؟ فإذا كنت حاضراً إذ ذاك، وإن كنت حاضراً الآن، فعلام حضورك ولمن كان هذا الحضور؟ وكيف كنت أحد هذين الأمرين؟ وإذا لم يكن فيما قلناه أي حقيقة لأي من الأمرين، فكيف انفصلت عن ذاتك، وما سبب ذلك الانفصام؟ وقد تقول إنه من الفضول والسخف أن يُبحث في شأن أحد الأشخاص هل هو حاضر لذاته أم غير حاضر، وإن هذا القول يقال في شأن الآخرين لا في شأن ذات الإنسان. فاعلم أنه أشد سخفاً وغباء أن يعرض لمن وُلد “منذ البدء” ويقال في شأنه: هل كان موجوداً قبل هذه الولادة أم لا. مثل هذا الجدل جدير بمن يعمل فيهم الزمان عوامل تمزيقه وتقسيمه.

10 – وهو يقول: ولكن غير المولود مختلف عن المولود، وإذا كان الأمر كذلك كان الابن أيضاً مختلفاً عن الآب. وهل من حاجة إلى القول بأن هذا الاستدلال يؤدي بوضوح إلى إخراج الابن أو الآب من الألوهة؟ فإذا كان غير المولود جوهر الله لم يكن المولود جوهره. وإذا كان هذه جوهره لم يكنه ذاك. أي قياس ينقض هذا القول؟ فاختر من هاتين المَعَرّتين أيهما تشاء، أيها الحديث، إذ إنك تبذل قصاراك في أن تكون كافراً. وبعد ذلك، كيف تقول بأن المولود وغير المولود يختلف أحدهما عن الآخر؟ إذا قلت ذلك في المخلوق وغير المخلوق ما كنت للقول رافضاً، لأن طبيعة من لا بدء له غير طبيعة المخلوق. أما أن تقول بأن الذي وَلَدَ غير الذي وُلِدَ فذلك كلام غير قويم. وإنه لمن الضرورة أن يكون هو إياه، لأن قوام طبيعة من يلد ومن يُولد في كون من يُولد ومن يلد واحد من حيث الطبيعة. أو نعيد القول على النحو التالي: ماذا تعني بقولك غير مولود ومولود؟ إذا كنت تعني اللاولادة نفسها والولادة، فالأمر مختلف، أما إذا كنت تعني المعنيين بهاتين اللفظتين فكيف لا يكون الأمر غير مختلف؟ كذلك شأن اللاحكمة والحكمة فهما أمران مختلفان، ولكنهما يتعلقان بواحد هو الإنسان، وهما لا يقسمان الجواهر وإن كانا منقسمين بالنسبة إلى الجوهر الواحد. كذلك اللازوال واللاخطيئة واللاتحول، فهل هي جوهر الله؟ إذا كان الأمر كذلك كان لله عدة جواهر لا جوهر واحد؛ أو كان الألوهة من مجموعة هذه الأشياء. ولا بد لهذه الأشياء من أن تكون غير مركبة في مجموعة إذا كانت جواهر.

11 – إنهم لا يقولون ذلك لما هنالك من أمور يشارك فيها آخرون[23]، أما ما يختص به الله وحده فهو جوهره. ولا شك في أن الذين يذهبون إلى أن المادة والصورة[24] أيضاً غير مولودتين، ينكرون أن تكون اللاولادة من شأن الله وحده دون سواه. أما ظلمات المانويين[25] فعلينا أن نطرحها بعيداً. ولنحسب أن اللاولادة من شأن الله وحده، فما القول في آدم؟ ألم يكن من صنع الله؟ تقول: بلى، لا شك في ذلك. وهل كان وحده إنساناً؟ كلا! لماذا؟ لأن إنسانيته لم تأته من كونه مصنوعاً، فالمولود إنسان أيضاً. وهكذا فليس الله وحده غير المولود، وإن كان ذلك من خصائص الآب وحدهز ألت تقبل أن يكون الله مولوداً أيضاً – لكونه يأتي من الله – وإن كنت شديد التمسك باللامولود. وإلى ذلك فكيف تعبر عن جوهر الله من غير أن تبين ما هو، فتكتفي بإسقاط ما ليس هو؟ أما ألا يكون له أي علاقة بالولادة فكلامك يُظهر ذلك، ولكنه لا يبين طبيعة ما لا ولادة له، كما لا يبين حاله. فما هو جوهر الله؟ إن ضلالك هو الذي يملي عليك هذا الكلام، أنت المنهمك في أمر هذه الولادة. وإنه لعظيم بالنسبة إلينا أن نتوصل إلى معرفة ذلك يوماً وفيما بعد[26]، عندما تنجلي عنا الظلمة[27] وكثافة الجسد[28] على حسب وعد “من لا يكذب”[29]. وليكن في ذلك تفكير المتطهرين ورجاؤهم! وليس لنا نحن إلا أن نتجرأ ونقول: إذا كان عظيماً بالنسبة إلى الآب ألا يصدر عن أحد، فليس بأقل عظمة بالنسبة إلى الابن أن يصدر عن مثل هذا الآب. فهو لا يشترك في مجد من لا علة له، لأنه يصدر عمن لا علة له، ويضيف إلى ذلك شرف الولادة، وهي حقيقة مجيدة وسامية جداً في نظر من لم ترتبط نفسهم بالأرض ارتباطاً وثيقاً، ومن لم تغرق في المادة غرقاً كاملاً.

12 – ولكنهم يقولون: إذا كان للابن والآب جوهر واحد، وكان الآب غير مولود، كان الابن غير مولود أيضاً. يصح هذا القول لو كانت اللامولودية جوهر الله، فيكون هنالك خليط جديد من مولود – لا مولود. ولكن إذا كان الاختلاف في موضوع الجوهر فأنى لك أن تقول هذا القول وكأنه لا يقبل الرد. أفتكون أباً لأبيك، ولا تكون دونه في شيء، لكونك واحداً معه في الجوهر؟ وهكذا فمن الواضح أننا إذا أردنا المباحثة كان لا بد من البحث فيما هو جوهر الله متحاشين عن انتقاص الميزة الخاصة[30]. فأن لا تكون اللاولادة والله أمراً واحداً لاقتضى لله وهو إله البعض أن يكون لا مولود البعض أيضاً، أو قل إن من ليس لا مولود أحد لا يمكن أن يكون إله البعض. تلك تعبيرات مترادفة ومدلولها واحد. والثابت هو أن الله ليس لا مولود البعض – ومن يكون أولئك البعض؟ – وهو إله البعض – بل إله الكل. فكيف يكون الله واللامولود أمراً واحداً؟ أضف إلى ذلك أن اللامولود والمولود من الأضداد مثل المِلْك والحرمان، وهو أمر يجملنا على إدخال الأضداد في جوهر الله، وحاشا الله من ذلك. وبكلام آخر: بما أن المِلْك يسبق الحرمان، وأن الحرمان يُجرد من المِلْك وينقضه، فليس أن جوهر الابن يصبح سابقاً لجوهر الآب وحسب، بل أن جوهر الآب ينقضه ويزيله: هذا ما ينتهي إليه افتراضك!

13 – ماذا بقي لهم من الحجج التي لا تُردّ؟ قد يكون موئلهم الأخير أن يقولوا: إذا لم يتوقف الله عن الولادة فولادته ناقصة، ومتى يكون توقفه عنها؟ ولئن توقف فمنى ذلك أنه ابتدأ. إنهم في ذلك أيضاً جسديون وأفكارهم جسدية. وأنا لن أقول هل المولودية عنده أزلية أم لا قبل أن أتعمق في استيضاح الآية “قبل التلال ولدت”[31]. إني لا أرى ما لهذه الحجة من تعجيز. فلئن كان، في نظرهم، لما ينتهي ابتداء، كان لما لا ينتهي عدم ابتداء، وأين هم والحالة هذه من حقيقة النفس ومن الطبيعة الملائكية؟ لئن كان لهما ابتداء كانت لهما نهاية أيضاً: وإذا لم تكون لهما نهاية، فمن الواضح في نظرهم أن ليس لهما ابتداء. ولكن الثابت أن لهما ابتداء وليس لهما انتهاء. وكأني بهم يرون أن ما ينتهي لم يبتدئ. أما رأينا فهو التالي: كما أن للفرس والثور والإنسان تعريفاً، وكذلك لكل ما هو من نوع واحد، فإذا طابقه التعريف عرف به تعريفاً عينياً، وإذا لم يطابقه لم يعرف به، أو لم يُعرف به تعريفاً عينياً، كذلك الأمر في شأن الله، فهناك جوهر واحد، وطبيعة واحدة، وتسمية مردها إلى واحد، وإن اختلفت الأسماء التي يُدعى بها اختلاف النظر والقصد: فالله هو الذي يدعى الله بالمعنى العيني، أو هو ما هو عليه في طبيعته، يسمى به تسمية حقيقية، هذا مع العلم بأن الحقيقة عندنا هي في الأشياء لا في الأسماء. أما هم، فكأني بهم يخشون أن يفوتهم شيء في زعزعتهم للحقيقة، فلا يعترفون بألوهية الابن إلا عندما تقرعهم الكلمة الإلهية وما تحمله من بينات، ومع ذلك فألوهيته عندهم ذات معنى لا يخلو من لبس، إنها مجرد تسمية جوفاء.

14 – عندما نعترض عليهم بقولنا: كيف؟ ألا يكون الابن إلهاً بالمعنى الحقيقي، كما لا يكون الحيوان في الرسم حيواناً؟ كيف يكون إلهاً إن لم يكن ذلك بالمعنى الحقيقي؟ فيجيبون: ما الذي يمنع أن تكون الألفاظ متجانسة، وألا يكون مدلولها واحداً بالنسبة إلى الآب والابن؟ وهم يستشهدون باللفظة “كلب”، فهو الحيوان الذي يعيش على اليابسة، وهو أيضاً كلب البحر، فاللفظة هي هي، ومدلولها هو المدلول العيني، وهكذا فللألفاظ المتجانسة امتداد خاص في الدلالة، فتكون الكلمة واحدة في اللفظ وتدل على شيئين مختلفين في الطبيعة. ولكن، أيها المفضال، عندما تطلق الاسم الواحد على كائنين مختلفين لا تعني أن أحدهما يفضل الآخر، أو أن أحدهما أقدم والآخر أحدث، أو أن أحدهما أكثر والآخر أقلّ؛ ليس فيهما ما يقضي بذلك. وهكذا فليس الكلب الأول أكثر كلبية من الثاني، والكلب الثاني أقل كلبية من الأول، أي ليس كلب البحر أكثر كلبية من كلب البر، أو بعكس ذلك ليس كلب البر أكثر كلبية من كلب البحر، لماذا، وكيف يكون الأمر غير ذلك؟ وليكن أن للأشياء ذات المنزلة الواحدة وذات الميزات المختلفة تسمية واحدة. وأنت في هذا المقام تعترف بأن من لازم الله أن يكون أهلاً للإجلال، وأن يكون فوق كل جوهر ولك طبيعة، وذلك أمر من شأن الله، وهو نوعاً ما الطبيعة الإلهية، وأنت تنعت به الآب، وتجرد الابن منه، وتجعل هذا الابن دونه رتبة بل في المنزلة الثانية إجلالاً وعبادة، وفيما تجعله في اللفظ مساوياً للآب، تجرده في الحقيقة من ألوهته، وتنتقل بدهاء من المجانسة اللفظية التي تدل على المساواة إلى المجانسة التي تجمع الأشياء غير المتساوية. وهكذا فالإنسان في الرسم والإنسان الحي هما في نظرك أقرب إلى الألوهة من الكلبين المضروب بهما المثل. وبكلام آخر امنحهما كليهما مع التسمية الواحدة المساواة في شرف الطبيعة، وإن كنت تحسب أن طبيعتهما مختلفتان، وهكذا يُنسج كلباك اللذان تخيلتهما لتقيم البرهان على اللامساواة. فما النفع من أن يكون الاسم واحداً، إذا كانت الأشياء التي تفصلها غير متساوية في المنزلة؟ إنك لم تلجأ إلى المجانسة وإلى الكلبين لتبين المساواة في المنزلة، بل لتبين اللامساواة. بأي طريقة أفضل يمكن إقناع من كان في خلاف مع نفسه وفي حرب مع الألوهة؟

15 – لئن قلنا إن الآب أعظم من الابن من حيث العلة، وزادوا على ذلك العبارة “والحال إن العلة هي بالطبيعة”، واستنتجوا بعد ذلك أنه أعظم بالطبيعة، فإنني لا أدري هل يغالطون بهذه السفسطة أنفسهم أم يغالطون من يوجهون إليهم الكلام. فليس كل ما يقال في كائن من الكائنات يقال في مبدأه. ولكن ينظر في القول إلى من يعني وإلى ماذا يعني، وإلا فما الذي يمنعني أناً أيضاً من الإدلاء بهذه المقولة فأقول: “إن الآب أعظم من حيث الطبيعة”، ثم أضيف: “والحال أن لا أحد أعظم من حيث الطبيعة بنوع مطلق، ولا الآب نفسه”، واستنتج بعد ذلك “أن الأعظم ليس أعظم بنوع مطلق” أو “أن الآب ليس آباً بنوع مطلق؟ أو إذا شئت فهكذا: “الله جوهر، والحال أن الجوهر ليس الله بنوع مطلق”، استخرج النتيجة أنت بنفسك: “الله ليس الله بنوع مطلق”. وأنا أرى أن هذا القياس الفاسد يتناول المقول نسبياً والمقول في غير تحديد[32]، على طريقة أولئك المتحذلقين المتمرسين بهذا الفن. وهكذا فعندما نلتقي على طبيعة العلة صفة “الأعظم”، يستدلون هو أنه “الأعظم” من حيث الطبيعة[33]، فيكون ذلك كما لو قلنا إن فلاناً إنسان ميت، فيقولون إن كل إنسان ميت في غير تحديد.

16 – وكيف نتجاوز المقولة التالية وهي كسابقاتها جديرة بالإعجاب؟ إنه يقول: “الآب هو اسم جوهر أو اسم فعل” وهم بذلك يحسبون أنهم قيدونا من الناحيتين: فإن قلنا إنه اسم جوهر جعلنا الابن من جوهر آخر، إذ إن جوهر الله واحد، وهذا الجوهر، في نظرهم، قد سبق الآب وحصل عليه، وإن قلنا إنه اسم فعل اعترفنا اعترافاً واضحاً بأن الابن مخلوق لا مولود، إذ حيث يكون الفاعل يكون من يقع عليه الفعل. ويقولون بتعجب كيف يكون المصنوع والصانع شيئاً واحداً؟ قد يكون في تفصيلك الدقيق ما يثير اهتمامي انا أيضاً لو كان الأمر يقضي بالوقوف عند هذين الافتراضين ولم يكن في الإمكان تجنبهما وعرض مقولة ثالثة أوفر حقيقة: الآب ليس اسم جوهر، أيها الحكماء، ولا اسم فعل، إنه اسم علاقة، اسم يدل على ما هو الآب بالنظر إلى الابن، أو ما الابن بالنظر إلى الآب. وكما أن هذه التسميات لدينا تبين صلة الدم والقرابة، فهي هنالك أيضاً تعني وحدة الطبيعة في المولود وفي الذي ولده. وليكن في معرض رضاك أن الآب جوهر: إن ذلك يشمل الابن، ولا يستبعده، وعلى الأمر إجماع، وفي الألفاظ ما يدل عليه. وليكن أيضاً اسم فعل، إذا شئت؛ وفي هذا الحال أيضاً لن تتمكن من تعجيزنا: فقد صدر عن الآب منهو من جوهره، هذا وإن كان رأيك في موضوع الفعل رأياً فطيراً. أثرى كيف استطعنا أن نفلت من حبائلك في الحرب الشنيعة التي أردت أن تثيرها؟ والآن وقد لمسنا صلابتك في التحذلق والمداورة هيا بنا نرى مقدرتك على اعتماد الأقوال الإلهية علك تجد فيها ما يقنعنا.

17 – فمن هذه الألفاظ العظيمة والسامية عرفنا ألوهية الابن وأشدنا بها. أي ألفاظ؟ الله، الكلمة، “الذي كان منذ البدء، وكان المبدأ مع المبدأ”: “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”[34]، و “لك الرئاسة”[35] و “من فعل وصنع داعاُ الأجيال من البدء”[36]. وإذا كان الابن الوحيد، فـ “الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر”[37]. وهو “الطريق والحقيقة والحياة والنور”: “أنا هو الطريق والحق والحياة”[38]، و “أنا نور العالم”[39]. وهو “حكمة وقوة”: “فالمسيح قوة الله وحكمة الله”[40]، “وهو إشعاع، وطابع، وصورة، وختم”: ” وهو ضياء مجده، وصورة جوهره”[41]، “صورة صلاحه”، و “لأن هذا قد ختمه الآب الله”[42]. إنه “السيد، والملك، والكائن، والكلي القدرة”: “وأمطر الرب ناراً من عند الرب”[43]، و”صولجان ملكك هو صولجان استقامة”[44]، و “الكائن والذي كان والذي سيأتي”، و”القدير”[45]. من الواضح أن جميع هذه الأقوال قيلت في الابن كما قيل فيه جميع ما شابهها، ونحن لا نجد في ذلك شيئاً اكتسب أو أضيف فيما بعد إلى الابن أو على الروح القدس كما لم يضف إلى الآب نفسه. فالكمال الإلهي لم يكون بالإضافة. وهكذا لم يكن الآب يوماً بدون الكلمة، ولم يكن يوماً غير آب، ولم يكن يوماً بغير حقيقة، أو بغير حكمة، أو بغير قدرة، أو بغير حياة أو إشراق أو صلاح.

18 – ومقابل ذلك أورد الأقوال التي تتسلح بها جهالتك من مثل: “إلهي وإلهكم”، الذي هو “أعظم”[46]، والذي “حاز”[47]، والذي “جعل”[48]، والذي “قدس”[49]، وكذلك، إذا شئت، اللفظتين: “عبد”[50]، “يطيع”[51]، والتعبيرات: “أعطيت”[52]، “أعلم”[53]، “هذه الوصية قبلتها”[54]، “أرسلني”[55]، “الابن لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئاً”[56]، لا الكلام[57]، ولا الدينونة[58]، ولا العطاء[59]، ولا الإرادة[60]، “وهذه أيضاً: اللا علم[61]، والخضوع[62]، والصلاة[63]، والسؤال[64]، والنمو[65]، والكمال[66]، وأضف إذا شئت كل ما هو أوضع وأحقر كالنوم[67]، والجوع[68]، والتعب[69]، والبكاء[70]، والارتياع[71]، والانهيار[72]. وقد تأخذ عليه أيضاً صلبه وموته. ويبدو لي أنك تغفل قيامته وصعوده لما فيهما مما يؤيد رأينا. وفي إمكانك أيضاً أن تلتقط مواد كثيرة إذا شئت أن تقيم لك إلهاً بالمعنى اللبسي والتمويهي، إلهاً نعده نحن إلهاً حقيقاُ مساوياً للآب في الكرامة.

وإننا إذا أنعمنا النظر في كل من هذا الأقوال، لم يصعب علينا شرحه في الخط السوي، وتجريده من العقبات التي تعترضك، هذا ما لم تكن من العاثرين الأشرار. فأرجع أولاً ما هو أسمى إلى الألوهة، إلى الطبيعة التي هي فوق الأهواء وفوق الجسد، وما هو دون ذلك إلى المركب التجسدي، إلى الذي من أجلك أخلى ذاته[73]، وصار جسداً[74]، وبكلام أوفى صار إنساناً[75]، والذي بعد ذلك رفع[76]، لكي تنتزع أنت من تعاليمك ما هو مادي وأرضي، ولكي تتعلم التعالي فوق ذلك الارتقاء مع الألوهة، فلا تظل في غمرة الأشياء المرئية، بل تصعد لكي تكون مع الروحيات، وتدرك ما قيل في الطبيعة الإلهية، وما قيل في “التدبير الإلهي”[77].

19 – فالذي هو الآن حقير في نظرك، كان قبلاً أرفع منك، الذي هو الآن كان حينذاك غير مركب. ما كان بقي عليه، وما لم يكنه صار إليه. كان في البدء[78] بلا علة – وهل يكون لله علة؟ –ثم وُلد لعلة. وكانت العلة أن تخلص، أنت المجدف عليه، ومحتقر الألوهة التي تحملت كثافتك؛ والإنسان الأرضي، الذي اتحد بالجسد بوساطة روح، صار إلهاً عندما امتزج بالله، وصار واحداً يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أُصبح أنا إلهاً بقدر ما أَصبح هو إنساناً. لقد ولد[79]، ولكنه كان مولوداً[80]؛ ولد من امرأة[81]، ولكنها امرأة عذراء[82]. ظاهرات بشرية وأخرى إلهية. إنه ههنا بغير أب[83]، ولكنه هناك بغير أم[84]. إنه شأن إلهي. حمل في أحشاء أمه[85]، ولكن نبياً في أحشاء أمه أيضاً عرفه وارتكض[86] في حضرة الكلمة الذي لأجله كان. لقد لف في قمط[87]، ولكنه ألقى عن الأكفان[88] عندما قام. لقد وضع في مذود[89]، ولكنه لقي من الملائكة تمجيداً[90]، ومن الكواكب دلالة[91]، ومن المجوس عبادة[92]. كيف تتعثر فيما هو من معطيات العين، ولا تأخذ بمعطيات العقل؟ لقد هرب إلى مصر[93]، ولكنه هرّب المصريين[94]. لم يكن له “صورة ولا بهاء[95]” في نظر اليهود، ولكنه في نظر داود “أبهى جمالاً من بين آدم”[96]، وهو يتلألأ على الجبل كالبرق ويضيئ وجهه كالشمس[97]، مشيراً بذلك إلى المستقبل.

20 – لقد اعتمد[98] كإنسان، ولكنه رفع الخطايا[99] كإله، وذلك لكي يقدس المياه. لقد جُرب[100] كإنسان، ولكنه تغلب[101] كإله، وهو يطلب الثقة لكونه تغلب على العالم[102]. لقد جاع[103]، ولكنه أطعم الألوف[104]، ولكنه الخبز الحي والسماوي[105]. لقد عطش[106]، ولكنه صاح قائلاً: “إن عطش أحد فليأت إلي ويشرب”[107]، ولكنه وعد أيضاً بأن يصبح المؤمنون به ينابيع ماء حي[108]. لقد تعب[109]، ولكنه الراحة للمتعبين والمثقلين[110]. لقد أثقله النوم[111]، ولكنه كان على البحر خفيفاً[112]، ولكنه يأمر الرياح[113]، ولكنه عندما كاد بطرس يغرق جعله خفيفاً[114]. إنه يؤدي الجزية، ولكنه يستخرجها من فم السمكة[115]، ولكنه ملك[116] من يطالبونه بها. إنه يدعى سامرياً وشيطاناً[117]، ولكنه يخلص من كان منحدراً من أورشليم وواقعاً في أيدي اللصوص[118]، كما أن

الشياطين تعرفه[119]، وهو يطردها[120]، ويغرق جوقة من الأرواح الشريرة[121]، ويرى أركون الشياطين “ساقطاُ من السماء كالبرق”[122]. يُرجم بالحجارة ولكنه لا يقبض عليه[123]. إنه يصلي[124]، ولكنه يستجيب الدعاء[125]. إنه يبكي[126]، ولكنه يكفكف عن البكاء[127]. يسأل أي وُضع لعازر[128] لأنه إنسان، ولكنه يقيم لعازر[129] لأنه إله. لقد بيع وبثمن بخس، وبثلاثين من الفضة[130]، ولكنه يفتدي العالم، وبثمن باهظ، بذات دمه[131]. كشاة سيق إلى الذبح[132]، ولكنه راعي إسرائيل[133]، وهو الآن راعي الأرض كلها[134]. إنه كحمل صامت[135]، ولكنه الكلمة[136] الذي بشر به الصوت الصارخ في البرية[137]. لقد أخذ عاهاتنا[138] وجرح[139]، ولكنه يشفي “كل مرض وكل ضعف”[140]. لقد علق “على خشبة”[141]، وسمر عليها[142]، ولكنه يصالحنا بواسطة “شجرة الحياة”[143]، ولكنه يخلص اللص المصلوب إلى جانبه[144]، ولكنه ينشر الظلمة على كل ما يرى[145]. لقد سُقي خلاً[146] وأُشبع مرارة[147]، مَنْ؟ ذاك الذي يحول الماء خمراً[148]، الذي يزيل المرارة[149]، وهو “أعذب ما يكون وبجملته شهي”[150]. إنه يبذل نفسه[151]، ولكن له سلطاناً أن يأخذها أيضاً[152]، ولكن حجاب الهيكل ينشق[153] – إذ تظهر العلويات – ولكن الصخور تشقق[154]، ولكن الراقدين يقومون[155]. إنه يموت[156]، ولكنه “يُحيي”[157]، وبموته يبطل الموت[158]. لقد دفن[159]، ولكنه يقوم[160]. إنه ينحدر إلى الجحيم[161]، ولكنه يُخرج النفوس منها[162]، ولكنه يصعد إلى السماوات[163]، ولكنه سيأتي “ليدين الأحياء والأموات”[164]، ويمحص ما كان مثل ترهاتك من أقاويل. لئن كان في بعض الأقوال ما يقودك إلى الضلال فليكن لك في غيرك ما يمحق ضلالك.

21 – هذا ما نتوجه به إلى صانعي الألغاز، وما ذلك عن رغبة منا – إذ لا يطيب للمؤمنين أن يصطنعوا الثرثرة ومقارعة الجدل، ولهم في الخصم[165] الواحد كفاية – مع ذلك فكان لا بد من تسفيه المناوئين، إذ إن الأمراض تستوجب الأدوية، وذلك لكي يدركوا أنهم لا يحيطون بكل شيء، وأنه من الممكن التغلب عليهم في الأمور الباطلة والتي تبطل الإنجيل[166]. وهكذا فعندما نقدم سلطان التحليل العقلي ونهمل الإيمان، عندما نبطل سلطان الروح بتحرياتنا ويكون التحليل العقلي دون عظمة الموضوع – وسيكون كذلك على كل حال لأنه ثمرة أداة ضعيفة هي عقلنا البشري – فماذا يجري والحالة هذه؟ إن الاستدلال يبدو كالسر ضعيفاً. وهكذا فإن دقة التحليل العقلي تظهر “بطلان الصليب”[167] على حد ما يرى بولس. ذلك أن الإيمان يكمل عقلنا.

وفيما يتعلق بذاك الذي يحل ما عقد ويبين الألغاز[168]، ذاك الذي أوعز إلينا أن نحل بالقوة عقد العقائد، عسى أن يغير هؤلاء الناس، فيجعلهم مؤمنين لا أرباب تحذلق وتمنطق، ومسيحيين لا موسومين بالاسم الذي يطلق عليهم الآن[169]. إننا نحرض على ما يلي. نطلب لأجل المسيح أن “تصالحوا مع الله”[170]، و “لا تطفئوا الروح”[171]؛ أو بالحري عسى أن يصالحكم المسيح، وعسى أن ينيركم الروح ولو متأخراً. وإن لبثتم متمسكين بأسلوب المشاجرة فعسى أن ننقذ لنا الثالوث وأن ينقذنا الثالوث فنظل أطهاراً “لا عثار فينا”[172] إلى أن يتجلى لنا تجلياً أكمل ما نصبو إليه في المسيح نفسه ربنا الذل “له المجد إلى دهر الدهور”[173]. آمين.

[1] عب 10: 38.

[2] كان آريوس، مؤسس الأريوسية، قد اعتمد في تعليمه خطة السهولة والإيجاز، كما عمد إلى إدخال هذا التعليم في الأغاني الشعبية.

[3] هذه الألفاظ اليونانية الثلاث تعني: لا سيد، عدة أسياد، سيد واحد.

[4] يريد رجال اليونان وقد شبههم بالأطفال.

[5] يو 1: 1.

[6] أفلوطين: التاسوعات 5: 1، 6.

[7] يو 15: 26.

[8] كان أفنوميوس يذهب إلى أن الآب سابق للابن لأنه مبدأ له.

[9] عب 1: 2.

[10] انحصر هذا الرأي وأتباعه دون سائر الآريوسيين.

[11] لعله يشير بذلك إلى المسوخ والسواقط.

[12] مز 2: 1.

[13] مز 65: 6.

[14] ليس في التصريف الفعلي العبراني صيغ للدلالة على الماضي والمستقبل بدقة. من هنا الصعوبة التي اعترضت أصحاب الترجمة السبعينية.

[15] سيأتي في كلام الخطيب أن المراد شأن المريد، أي صاحب الإرادة.

[16] متى 11: 27؛ لو 10: 22.

[17] خر 14: 20، متى 17: 5.

[18] عب 7: 10.

[19] إشارة إلى أفلاطون وأرسطو.

[20] أي في الله.

[21] يو 1: 1.

[22] ينسب شيشرون هذه السفسطة إلى كريسيبوس.

[23] أي الملائكة الذين ينعمون باللازوال واللاخطيئة واللاتحول.

[24] إشارة إلى أفلاطون.

[25] كان المانويون يقولون بالظلمة غير المولودة.

[26] 1يو 3: 2؛ 1كور 13: 12.

[27] يو 1: 5.

[28] حك 9: 15.

[29] تيط 1: 2.

[30] أي الميزة التي تميز الشخص وتنحصر فيه. وهي الأقنومية.

[31] الأمثال 8: 25.

[32] فساد هذا القياس في الانتقال من مقولة محدودة الدلالة إلى مقولة غير محدودة.

[33] فساد هذا القياس في استعمال اللفظة “طبيعة” بمعنين مختلفين. هي أولاً طبيعة الآب الخاص، أي ميزته الخاص، على أنه العلة؛ وهي ثانياً بالمعنى العام الذي نجده في الطبيعة الإنسانية حيث لا يختلف الابن عن أبيه ولا يكون أقل منه إنسانية.

[34] يو 1: 1.

[35] مز 109: 3.

[36] أش 41: 4.

[37] يو 1: 18.

[38] يو 14: 6.

[39] يو 8: 12.

[40] 1كور 1: 24.

[41] عب 1: 3. اللفظة “جوهر” تعني هنا ما تعنيه في رسالة بولس إلى العبرانيين.

[42] يو 6: 27.

[43] تك 19: 24.

[44] مز 44: 8.

[45] رؤ 1: 8

[46] يو 14: 28.

[47] أم 8: 22.

[48] أع 2: 36.

[49] يو 10: 36.

[50] أش 49: 3، 5.

[51] فيل 2: 8.

[52] يو 18: 9.

[53] يو 15: 15.

[54] يو 10: 18.

[55] يو 9: 4.

[56] يو 5: 19.

[57] يو 12: 49.

[58] يو 8: 15.

[59] مر 10: 40.

[60] متى 26: 39.

[61] متى 24: 36.

[62] لو 2: 51.

[63] لو 6: 12.

[64] لو 2: 46.

[65] لو 2: 52.

[66] لو 2: 52.

[67] متى 8: 24.

[68] متى 4: 2.

[69] يو 4: 6.

[70] يو 11: 35.

[71] مر 14: 33.

[72] مر 14: 33.

[73] فيل 2: 7.

[74] يو 1: 14.

[75] طالع مر 15: 39، فيل 2: 7.

[76] فيل 2: 9.

[77] يجب التمييز بين ما هو الابن بطبيعته، وما أراد له الآب في تدبيره الخلاصي من تجسد وتقبل للألم والجوع وسائر ما يعرض للكائن البشري ما عدا الخطيئة.

[78] يو 1: 1.

[79] متى 1: 16.

[80] مز 2: 7؛ أع 13: 33؛ عب 1: 5؛ 5: 5. لقد وُلد من العذراء مريم إنساناً، ومن الآب ابناً لله.

[81] غلا 4: 4.

[82] طالع لو 1: 34-35؛ متى 1: 20.

[83] متى 1: 20.

[84] مز 2: 7.

[85] لو 1: 31.

[86] لو 1: 41.

[87] لو 2: 7، 12.

[88] طالع يو 20: 6-7.

[89] لو 2: 7، 16.

[90] لو 2: 13-14.

[91] متى 2: 2؛ 7: 9-10.

[92] متى 2: 11.

[93] متى 2: 13-14.

[94] خر 14: 27.

[95] أش 53: 2.

[96] مز 43: 3.

[97] متى 17: 2.

[98] متى 3: 16؛ لو 3: 21.

[99] يو 1: 29.

[100] متى 4: 1؛ مر 1: 13؛ لو 4: 2.

[101] متى 4: 11؛ لو 4: 13.

[102] يو 16: 33.

[103] متى 4: 2؛ لو 4: 2.

[104] متى 14: 20-21؛ 6: 42-44؛ متى 15: 38؛ مر 8: 9.

[105] يو 6: 41.

[106] يو 19: 28.

[107] يو 7: 37.

[108] يو 7: 38.

[109] يو 4: 6.

[110] متى 11: 28.

[111] متى 8: 24؛ مر 4: 38.

[112] متى 14: 25؛ مر 6: 48؛ يو 6: 19.

[113] متى 8: 26؛ مر 4: 39؛ لو 8: 24.

[114] متى 14: 31.

[115] متى 17: 24-26.

[116] يو 18: 37.

[117] يو 8: 48.

[118] لو 10: 30.

[119] مر 1: 24؛ لو 4: 34.

[120] متى 8: 16.

[121] مر 5: 13-19؛ لو 8: 30.

[122] لو 10: 18.

[123] يو 10: 31، 39.

[124] مر 1: 35.

[125] متى 8: 13.

[126] يو 11: 35.

[127] لو 7: 13؛ 8: 52؛ 23: 28.

[128] يو 11: 34.

[129] يو 11: 43: 44.

[130] متى 26: 15.

[131] 1كور 6: 20؛ 1بط 1: 19.

[132] أش 53: 7؛ أع 8: 32.

[133] مز 79: 2.

[134] يو 10: 11-16.

[135] أش 53: 7.

[136] يو 1: 1.

[137] يو 1: 23.

[138] أش 53: 4.

[139] أش 53: 5.

[140] متى 9: 35.

[141] 1بط 2: 24.

[142] مر 15: 24؛ طالع لو 23: 33؛ متى 27: 35؛ يو 19: 17.

[143] تك 2: 9؛ 3: 22؛ رؤ 2: 7.

[144] لو 23: 43.

[145] متى 27: 45؛ مر 15: 33؛ لو 23: 44.

[146] متى 27: 48.

[147] متى 27: 34.

[148] يو 2: 7-9.

[149] خر 15: 23-25؛ طالع حك 8: 16.

[150] نش 5: 16.

[151] يو 10: 17.

[152] يو 10: 18.

[153] متى 27: 38؛ لو 23: 45.

[154] متى 27: 51.

[155] متى 27: 52.

[156] متى 27: 50؛ مر 15: 37؛ لو 23: 46؛ يو 19: 30.

[157] يو 5: 21.

[158] 2تيم 1: 10؛ عب 2: 14.

[159] متى 27: 60؛ مر 15: 46؛ لو 23: 53؛ يو 19: 41-42؛ 1كور 15: 4.

[160] متى 28: 6؛ مر 16: 6؛ لو 24: 6؛ يو 20: 8-9؛ 1كور 15: 4:

[161] أف 4: 9.

[162] أف 4: 8.

[163] مر 16: 19؛ لو 24: 51؛ أع 1: 10-11؛ عب 9: 24؛ 1بط 3: 22.

[164] 2تيم 4: 1؛ 1بط 4: 5.

[165] طالع 1بط 5: 8.

[166] طالع 1كور 1: 17.

[167] 1كور 1: 17.

[168] طالع دا 5: 12.

[169] أي الاسم “أفنوميين” أو أتباع أفنوميوس.

[170] 2كور 5: 20.

[171] 1تسا 5: 19.

[172] أع 24: 16؛ فيل 1: 10.

[173] رؤ: 1: 6.

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

القديس غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

في اللاهـوت

1 – بما أننا طهرنا اللاهوتي[1] بخطابنا[2]، عندما عرضنا ماذا يجب أن يكون، وأمام من يجب أن يناقش، وفي أي وقت، وإلى أي حد – أمام أناس يكونون من الطهارة بحيث يلتقط النور النور؛ أمام من يكونون أشد الناس إصغاء كي لا تكون الكلمة عقيمة بسقوطها في أرض مملحة[3]؛ وفي الوقت الذي نكون فيه هادئي الداخل وبعيدين عن دوامة الخارج بحيث لا ينقطع نفسنا ونكون كالمسعورين؛ وإلى الحد الذي نكون عند قد فهمنا وأفهمنا. وإذا كان الأمر كذلك، وكنا قد “حرثنا حرثاً”[4] إلهياً فينا، بحيث لا يكون “الزرع بين الشوك”[5]، و”سوينا وجه الأرض”[6]، وبالكتاب المقدس كيّفنا[7] أنفسنا والآخرين، فهيا بنا في الحال إلى الكلام على اللاهوت، مفتتحين هذا الخطاب بالآب والابن والروح القدس الذي هم موضوعه، على أن يؤيدنا الأول، ويرافقنا الثاني، ويهدينا الثالث؛ أو بالأحرى أن تأتينا من الألوهة الواحدة إنارة وحيدة، متميزة في الوحدة، ووحيدة في التميز، وذلك أمر غريب!

2 – إني أصعد إلى الجبل[8] في اندفاع، أو بكلام أصح، في اندفاع وقلق، والواحد عن رجاء، والآخر عن ضعف، وذلك لكي أدخل في الغمام[9]، وأكون مع الله – عن أمر منه –[10] فهل من هارون[11] يصعد معي ويقف إلى جانبي، وإن اضطر أن يبقى خارج الغمام. هل من ناداب أو أبيهو أو أحد الشيوخ[12] يصعد، ويقعد من بعيد[13] وفاقاً لأهلية تطهيره! هل من أحد في هذا الجمهور ومن غير المؤهلين لهذا العلاء ولهذه المشاهدة؛ وإن كان غير طاهر البتة فلا يقترب، لأن اقترابه غير آمن[14]، وإن كان تطهره لوقت موقوت فليمكث في الأسفل، وليكتف بسماع الصوت، والبوق، وكلمات التقوى فقط، ولينظر إلى الجبل مدخناً وساطعاً البروق[15]؛ إنه تهديد لمن لا يستطيعون الصعود، وفي الوقت نفسه مبعث تعجب وإعجاب. وإن كان هنالك وحش شرير ضار غير قادر البتة على تقبل أقوال التأمل واللاهوت فلا يتخف في الغابات على تستر ومكر، لكي ينقض فجأة ويتلقط رأياً أو كلمة، ويمزق بافتراءاته “الأقوال الصحيحة”[16]، وليمكث بعيداً ولا يقترب من الجبل، وإلا رجم رجماً[17] وحطم[18]، “فيهلك ذلك الرديء على شر وجه”[19]؛ لأن الأقوال الحقيقية والمتينة حجارة في وجه من يُشبهون الوحوش. إن كان فهداً فليمت مع “رقطه”[20]. وكذلك إذا كان “أسداً” ضارياً و “زائراً” و “ملتمساً ما يفترسه”[21] في نفوسنا وفي عباداتنا؛ وإذا كان “خنزيراً يدوس بأرجله جواهر” الحقيقة الجميلة والمتألقة؛ وإذا كان “ذئباً من بلاد العرب”[22] وغريباً، أو كان أشد نهشاً من هذه الوحوش بسفسطته، وإذا كان “ثعلباً”، نفساً ماكرة وخداعة، يتلون وفاقاً للأحوال والحاجات، هو الذي تغذوه الأجسام المائتة والمنتنة، أو “الكروم الصغير”[23] إذ إن “الكبيرة”[24] تفوته، وكذلك كل حيوان آخر من آكلات اللحوم النيئة التي يرذلها الناموس والتي ليست طاهرة[25] ولا تصلح للغذاء والاستعمال. فخطابنا يجانب هؤلاء، ويريد أن يُحفر على ألواح صلبة وحجرية[26]، وعلى صفحتي الألواح، بسبب القسم الظاهر من الناموس والقسم الخفي: هذاك للجم الغفير الباقي تحت، وهذا للعدد القليل والذين يرقون إلى فوق.

3 – ماذا جرى لي، أيها الأصدقاء، الواقفون على الحقيقة والكلفون بها بمقدار ما أنا كلف بها؟ لقد أسرعت لبلوغ الله، وصعدت هكذا إلى الجبل، ودخلت الغمام، منعزلاً في داخلي عن المادة والماديات، ومنكفئاً على ذاتي قدر المستطاع. وعندما نظرت لم أكد أرى سوى قفا الله[27]، وكنت محتمياً بالصخرة[28]، وبالكلمة[29]، والذي صار جسداً من أجلنا[30]، وعندما انحنيت قليلاً أبصرت، لا الطبيعة الأولى الخالصة من كل اختلاط، التي تدرك ذاتها، أعني الثالوث، وكل ما يبقى وراء الستر الأول الذي يغشيه الكروبين[31]، بل ما يقع في الطرف ويصل إلينا. إنه، على ما أرى، عظمة الله في المخلوقات وفي الأشياء التي أبدعها وساسها، وما يسميه داور الإلهي “جلاله”[32]، هذا ما يُرى في قفا الله[33]، وما يدرك بعد اجتيازه[34]، إنه كظلال الشمس على المياه، والأخيلة تمثل الشمس في العيون الضعيفة، إذ لا يمكن التحديق إلى ذات الشمس، لأن صفاء نورها يتغلب على الحواس. هكذا يجب أن تعالج اللاهوت، وإن كنت موسى، و “إلهاً لفرعون”[35]، وإن كنت بلغت “السماء الثالثة” كبولس، وسمعت “كلمات تفوق الوصف”[36]، وإن تفوقت عليه، في أحد المواقع أو الصفوف التي لرؤساء الملائكة. فكل كائن، سواء كان علوياً أو فوق العلوي، وإن كان بطبيعته أرفع منا جداً أقرب من الله، هو أبعد من الله ومن إدراك كامل لله بعده عنا نحن الخليط المركب السفلي والميال إلى الأرض.

4 – فلا بد والحالة هذه من العودة إلى المسيرة على النحو التالي: يصعب إدراك الله، ويستحيل التعبير عنه، على حد ما علمه أحد “لاهوتيي” الإغريق[37]، في أسلوب لا يخلو من حذق، على ما أظن، وهكذا كان يبدو مدركاً ما يصعب قوله، كما كان ينجو من اللوم بكون هذا الأمر لايمكن التعبير عنه. وفي رأيي أن التعبير عن الله مستحيل، وإن إدراكه أشد استحالة. فمن الثابت أن ما أدرك يستطيع النطق أن يُبينه، وإن لم تكن الإنابة وافية تكون على الأقل غامضة، لمن لم تغلق أذناه إغلاقاً تاماً، ولم يفسد العقل عند إفساداً كاملاً. ثم أن حقيقة كهذه لا يستعصي إدراكها ولا يمتنع على الغارقين في الخمول والنزاعين إلى السفليات وحسب، بل يستعصي ويمتنع أيضاً على المغرقين في الترفع والتعلق بالله، بل على كل طبيعة مولودة، أي على كل من تقف الظلمات وكثافة الهيولى الجسدية دون إدراكه الحقيقة. ترى هل يكون الأمر هو هو لدى الطبائع العليا، أي الطبائع الروحية؟ لست أدري. إنها قريبة من الله وتتلقى منه فيضاً من النور، وقد تكون في غمرة من ذلك النور، وإن لم تكن استنارتها كاملة فهي بلا مراء أكمل وأوفى من التي نتلقاها نحن، وهي تكون لهذه أوفر مما تكون لتلك، وذلك بحسب المصاف والمراتب.

5 – لنقف بهذا المسألة عند هذا الحد! ولننتقل إلى موضوعنا، فليس هو “سلام الله” وحده، الذي “يفوق كل فهم”[38] وكل إدراك، وليس كل ما أعد للصديقين ووعدوا به مما لم تره عين ولا سمعت به أذن، وقلما تأمل فيه فكر[39]، وليس هو معرفة الخليقة الدقيقة – كن على يقين أنه لم يبلغك من ذلك سوى الظلال عندما تسمع هذا القول: “إني أرى سماواتك عمل أصابعك، القمر والكواكب”[40]، والدليل الثابت في ذلك أن ما لا تراه الآن ستراه فيما بعد؛ لا ليس في هذا موضوعنا، بل إنه، قبل هذه الأمور كلها، في الطبيعة التي ينضوي تحتها ويصدر عنها كل شيء، في الطبيعة التي لا يمكن إدراكها والإحاطة بها، أعني إدراك انيتها والإحاطة بها، لا إدراك وجودها وفهمه. فليست “كرازتنا باطلة ولا إيماننا باطلاً”[41]، وليس من الباطل ما نعلمه. وهكذا لن تستطيع أن تلتقط من بعد في صراحتنا مبدأ “إلحاد” و”خداع”، ولن تستطيع مناهضتنا على أننا نقر بجهلنا[42]. والفرق شديد جداً بين التثبت في وجود الشيء ومعرفة إنيته.

6 – فأن يكون الله العلة الفاعلة لكل شيء، وأن يكون هو علة ذاته، هذا ما يعلمناه النظر ونظام الطبيعة: أما النظر فبوقوعه على مرئيات ثابتة ثبوتاً جيداً ومتحركة في آن واحد، وبكلام آخر: محركة ومسيرة في غير حركة؛ وأما نظام الطبيعة فبدلالته على مكون كل شيء من خلال المرئيات ونظامها. فكيف كان يبدأ هذا الشيء كله ويحفظ لو لم يمده الله بالجوهر ويتعهده بالحفظ؟ ولئن أبصرنا قيثارة في أبهى زينتها، وفي دقة بضّها، أو سمعنا أنغامها، ألا ننتقل بالفكر إلى صانع القيثارة وإلى الضارب عليها، ألا نرتقي بالفكر إليها وإن غائبين عن أنظارنا؟[43] هكذا يبدو لنا الخالق الذي يحرك ويفظ ما خلق، وإن لم يحط به فكرنا؛ وإنه لفي غاية الغفلة من لا يتدرج تلقائياً إلى هذه النتيجة، ولا يأخذ بالأدلة التي توفرها الطبيعة؛ إلا أني لا أقول بأن الله هو ما تخيلناه، أو ما تمثلناه، أو ما رسمه عقلنا.

لئن توصل يوماً أحد إلى إدراك هذا الكائن، ولو إدراكاً جزئياً، فهل يكون على ذلك دليل؟ من توصل هكذا إلى مشارف الحكمة؟ من استحق يوماً هذه الموهبة الروحية؟ من “فتح” هكذا “فم” عقله و”اجتذب الروح”[44] الذي “يفحص كل شيء حتى أعماق الله”[45] لكي يعمل ذلك الروح على إبلاغه الله، فلا يشعر بحاجة إلى أي شيء آخر، بعد حصوله على منتهى ما يتشوق إليه، على ما تسعى الحياة كلها إليه، وتترامى إليه فكرة الإنسان المتسامي.

7 – فأي فكرة تكون فكرتك عن الألوهة إذا كنت تثق ثقة حقيقة بالاستدلالات العقلية؟ وإلى أين يصل بك هذا النقاش، إذا نظرت فيه نظرة عميقة، أيها الفيلسوف العظيم، واللاهوتي القدير، يا من يتعاظم تعاظماً لا حد له؟ هل الألوهة جسد؟[46] كيف هي إذاً غير محدودة، وغير متناهية، وغير ذات شكل خارجي، وغير قابلة اللمس والرؤية؟ هل تكون الأجسام هكذا؟ يا للتفريط في الكلام! لا، ليست هذه طبيعة الأجسام. أو هل تكون الألوهة جسداً مجرداً من هذه الخصائص؟ يا لجهالة الجهلاء! وذلك كي لا يكون للألوهة شيء ليس فينا! فكيف تعد إذا كانت ذات حدود؟ وكيف تنجو من أن تكون مركبة من عناصر وقابلة الانحلال إلى تلك العناصر، أو من الفناء الكامل؟ فإن التركيب عامل صراع؛ والصراع عامل انقسام؛ والانقسام عالم زوال؛ والزوال أمر مفارق تمام المفارقة لله وللطبيعة الأولى. فليس ثمت انقسام كي لا يكون زوال؛ ولا صراع كي لا يكون انقسام؛ ولا تركيب كي لا يكون صراع؛ ولهذا فليس ثمت جسد كي لا يكون تركيب. فالاستدلال ينطلق من الأفكار الأخيرة ويرتقي إلى الأولى ويتوقف عندنا.

8 – إذا كان الله يحد جزئياً ويحد جزيئاً فكيف نصون واقع كونه يخترق كل شيء ويملأ كل شيء، على حد ما جاء في الكتاب: “ألست مالئ السماوات والأرض؟ يقول الرب”[47]، و “روح الرب ملأ المسكونة”[48]. وهكذا فإما أن يقيم في فراغ، وتغيب الأشياء كلها عنا، فيهان الله بتحوله إلى جسم وتفلت من سلطانه جميع مصنوعاته؛ وإما أن يكون جسماً بين الأجسام، وهذا أمر مستحيل[49]؛ وإما أن يدخل في أجسام أخرى[50] ويخرجها عن شبيهاتها، فيختلط بها اختلاط السوائل، فيذيب أو يذوب، وهذا أمر أشد سخفاً من ذرات أبيقورس ومن “الخرافات العجائزية”[51]، وهكذا تسقط أمامنا جدلية الجسم ولن يكون لنا من بعد جسم ولا قوام.

إذا قلنا إن الله غير مادية، وإذا كان هو العنصر الخامس، على ما يراه البعض[52]، وكان مندفعاً في الحركة الدائرية – ولنحسب أنه كائن غير مادي، وأنه الجسم الخامس، وأنه، إذا أرادوا، جسم غير جسماني، على حد تعبيرهم الواسع وغير المنضبط، وأنا لا أريد الآن مناقشة هذا الموضوع – إذا كان الله كذلك فأين يجد مكانه بين الكائنات المتحركة التي تعصف بها الحركة، وهذا بغض النظر عن الإهانة التي تلحق بالصانع إذا تحرك بحركة مصنوعاته، وبالقوام إذا تحرك بحركة الكائنات التي تقوم به وتحفظ – هذا إذا سلموا بهذا الرأي؟ وهذا الحركة من باعثها؟ من يبعث الحركة في هذا كله؟ وهذا الكائن من يحركه؟ وهذا الأخير ممن يستمد الحركة؟ وهكذا إلى ما لا عد له. وإذا كان الله في دوامة هذه الحركة فكيف لا يكون له مكان البتة؟

ولئن قالوا بأن الله هو العنصر الخامس أو إنه ذو جسم ملائكي، فأنى لهم أن يكون الملائكة أجساماً، وما تكون تلك الأجسام؟ وما أرفع ما يكون الله عن الملاك[53] والملاك خادم له![54] وإذا كان الله في أعلى هذه الأجسام كان لنا أيضاً سيل فرق من الأجسام، وهوة من الحماقة لا يمكن أن يحدها مكان.

9 – وهكذا فليس الله في نظرنا جسماً. ولما يقم نبي[55] ويقل بذلك أو يوافق على ذلك، وليست العقيدة هذه من “حظيرتنا”[56]. بقي أن الله لا جسم له. ولكن خلوه من الجسمية لا يكفي لإدراك جوهره والإحاطة به، كما لا تكفي التعبيرات “غير مولود”، “لا مبدأ له”، “غير قابل للتغير”، “غير قابل للفساد”، وسائر ما قيل في الله وعن الله. فماذا يعني، في موضوع طبيعته، أن يقال “ليس له مبدأ”، و “لا يتغير”، و “لا تحده حدود”؟ إن إدراكه إدراكاً كاملاً متروك لتبحر من عنده “فكر الله”[57] حقاً كان أكثر إيغالاً في التأمل. لا يكفي أن يقل “الجسد”، أو “المولود” لكي يفهم أن الكلام يُشار به إلى هذا أو ذاك، بل يجب أن يكشف عن الحقيقة الكامنة في كل لفظة، إذا قصد الوقوف على مفهومها وقوفاً كافياً ومرضياً – فقد يكون هذا الكائن الجسماني المولود والقابل الزوال إنساناً، أو ثوراً، أو حصاناً؛ وهكذا لا يكفي هنا أن نتوقف عند قول ما ليس هو، إذا تطفلنا وبحثنا في طبيعة من “هو الكائن”[58]؛ بل يجب علينا، بعد قول ما ليس هو، أن نقول أيضاً ما هو. وإنه لمن الأسهل أن ندرك الشيء في ذاته من أن ننفي جميع العناصر واحداً فواحداً لكي نوصل ما نفكر فيه إلى ذهن السامع، فارزين أولاً ما ليس هو، ثم مثبتين ما هو. فمن يقول عن الشيء ما ليس هو ويتغاضى عما هو يجري وكأنه يجيب عن السؤال “ما مجموع خمسة وخمسة” قائلاً: لا هو اثنان، ولا ثلاثة، ولا أربعة ولا خمسة، ولا عشرون، ولا ثلاثون، ولا هو بموجز القول، من الأعداد التي دون العشرة أو فوق العشرة، من غير أن يقول إنه عشرة ويجنب عقل السائل عناء انتظار ما يبحث عنه. فالانطلاق مما يكون الكائن وإبراز كل ما لا يكون أشد سهولة وأقرب إلى التناول من طريقة الفرز ونفي ما لا يكون لإظهار ما يكون. أليس هذا أمراً ثابتاً لدى الجميع؟

10 – إذا كانت الألوهة في نظرنا غير جسمانية كان علينا ان نواصل بحثنا شيئاً فشيئاً: هل الألوهة لا مكان لها أم هل هي في مكان ما؟ فإن لم يكن لها أي مكان انطلق أحد مقامينا اللد يقول: كيف يمكن إذن أن يكون لها وجود. فإن ما لا وجود له لا مكان له، وما لا مكان له لا يكون في الأغلب له وجود أيضاً. وإن كان الألوهة في مكان – إذاً هي موجودة – كانت إما في الكل، وأما فوق الكل. فإن كان في الكل كانت إما في الجزء، وإما في جميع الأجزاء. وإن كانت في جزء حدها هذا الجزء الذي هو أصغر من الكل؛ وإن كانت في جميع الأجزاء حدها شيء أكبر[59]، شيء كبير ومختلف عنها، أقول إن الموسع يحده ما يسعه، إذا كان لا بد للكل (أي الله) من أن يحتويه الكل (أي الكون)، وألا يكون منزهاً عن أن يكون محدوداً في مكان. هذا إذا كانت الألوهة في الكل. وأين كانت قبل وجود الكل؟ ليس ذلك بالأمر اليسير في باب الصعوبة.

وإذا كانت الألوهة فوق الكل أفلم يكن هنالك شيء يفصلها عن الكل؟ وأين هذا الذي فوق الكل؟ وكيف تصوروا ما يرفع إلى فوق وما هو مرفوع إلى فوق عندما لا يكون هنالك حد يقسم هذه الأشياء ويفصها بعضها عن بعض؟ أليس من الضرورة أن يكون هنالك وسيط يقوم طرفاً للكل ولما هو فوق الكل؟ وهذا ما هذا؟ أليس مكاناً حاولنا أن نتهرب منه؟ ولست أقول أيضاً إن الألوهة في الضرورة محدودة إذا كان الفكر يستطيع أن يدركها، فإن قابلة الإدراك نوع من المحدودية.

11 – ترى لماذا تماديت في هذا الأمور التي تدق جداً على آذان الكثيرين وتجاري تيار المناقشات الشائعة في هذا الأيام، تلك المناقشات التي استخفت بما هو صريح ويسبط لتدخل ما هو ملتو ومعمى؟ وكما تعرف الشجرة بثمارها[60] أقول بأن مثل هذه التعاليم من أعمال الظلمة[61] لما في مضمونها من ظلام؟ فليس هدفي أن أظهر متفوهاً بالمفاجئات، ولا أن أتظاهر “بالبراعة في العلم” عاقداً “العقد وحالاً الألغاز”[62] – إنما هذا المعجز العظيم من شأن دانيال – ولكني أردت أن أبين المجرى الذي جرى فيه خطابي منذ بدايته. فماذا كان؟ كان أن الفكر البشري لا يستطيع أن يدرك الألوهة، وأن يتخيلها في كامل ذاتها أمر غير ممكن. وما ذلك حسداً منها – لأن الحسد بعيد عن الطبيعة الإلهية[63]، تلك الطبيعة المنزهة عن الأهواء، والصالحة وحدها، والمطلقة السلطة، ولا سيما بالنسبة إلى أشرف خلائقها عندها – ومن في نظر كلمة الله أشرف من الإنسان الناطق بالكلمة والذي غمر الله وجوده بفيض من صلاحه الأعظم؟ وما ذلك تطلباً منه تعالى لشرف ذاتي ومجد ذاتي، وهو “الشبعان”[64] من ذلك كله، ولا استجلاباً للتكريم والعبادة، وهو السامي فوق كل سمو. وما السعي وراء التكريم والتعالي على الغير بالسفسطة والتعمية إلا شأن سفسطائي وهو بعيد أشد البعد لا عن الله وحسب، بل عن كل إنسان أيضاً فيه كفاية من نزاهة وبعض وعي للصدق والاستقامة.

12 – وإن كان هنالك أسباب أخرى فقد يكون الأقربون إلى الله والذين ينقبون عن أحكامه “التي لا تستقصى”[65]، قد يكون أمثال هؤلاء على علم بها، هذا إذا كان هنالك أناس يتحلون بمثل هذه الفضيلة و”يجولون في أعماق الغمر”[66] على حد ما يقال. ونحن، في نطاق طاقتنا الإدراكية، إذ نقيس الأمور التي تصعب دراستها بمقاييس صغيرة، نقول إن ذلك قد يكون منعاً لأن تصبح سهولة التحصيل طريقاً إلى سهولة أشد في فقدان ما نكون قد حصلناه، ذلك أن ما يحصل بتعب وكد يكون الحرص عليه أشد، وما يحصل بسهولة يبدد بسرعة، لا لشيء إلا لكون العودة إلى تحصيله خالية من العسر؛ وهكذا فمن الخير أن يكون الخير صعب المنال، على الأقل عند من يتصفون بسلامة التفكير. وقد يكون ذلك لتجنيبنا المصير الذي صال إليه لوسيفورس الساقط[67]، والحؤول دون التوصل، بعد حصولنا على النور الكامل، إلى “التجبر”[68] على الرب الكلي القدرة، والهبوط من علائنا أقبح ما يرثى له من هبوط. وقد يكون ذلك أيضاً لكي يكون هنالك مكافأة أعظم على الشجاعة والحياة الصافة اللتين يتحلى بهما أولئك الذين تطهروا على هذا الأرض وسعوا سعياً حثيثاً إلى الغاية المنشودة. بسبب ذلك كله يقوم بيننا وبين الله “ظلام”[69] مصدره الجسد، وهو أشبه بالغمام الذي كان يقوم قديماً بين المصريين والعبرانيين[70]. وقد يكون هذا معنى القول: “جعل الظلمة حجاباً له”[71]، والظلمة هي كثافتنا التي لا ترى القلة من خلالها إلا القليل. وعلى من يهمهم هذا الموضوع أن يخوضوا فيه ما شاءوا، وليوغلوا في البحث إلى أقصى ما استطاعوا. أما نحن “أسرى الأرض”[72]، على حد قول إرميا الإلهي، نحن الذين تغمرهم كثافة الجسد، فجل ما نعرفه أنه كما يستحيل على الإنسان، وإن شديد السرعة، أن يسبق ظله – والظل كلما حاولت إدراكه وجدته متقدماً عليك – أو كما يستحيل على النظر أن يباشر المرئيات بمعزل عن النور والهواء، أو كما يستحيل على جماعة السباحة أن يعوموا خارج الماء، كذلك يستحيل على من هم في الجسد أن ينقطعوا تمام الانقطاع إلى الأمور الروحية بمعزل عن الأمور الجسدية. فلا بد من تسرب شيء من جسدياتنا، حتى ولو تجردت النفس تجرداً شديداً من المنظورات وصارت إلى ما هي عليه في ذاتها، وحاولت أن تعكف على ما يوافقها من غير المنظورات. هذا ما يجب أن تدركه.

13 – “روح”[73]، “نار”[74]، “نور”[75]، “محبة”[76]، “حكمة”[77]، “عدل”[78]، “عقل”[79]، “كلمة”[80]، أليست هذه الألفاظ وما شابهها أسماء للطبيعة الأولى؟[81] وماذا؟ هل تتصور نفساً (روحاً) بغير انطلاق وانتشار؟ ناراً في خارج المادة وبغير تشبب إلى فوق، وبغير لون ولا شكل؟ نوراً غير ممتزج بالهواء ومنفصلاً نوعاً ما عن مصدره وباعثه؟ عقلاً، وأي عقل؟ هل هو عقل في آخر، عقل تصوره حركة، عقل ساكن أم مندفق على الخارج؟ كلمة، وأي كلمة؟ هل هو المقيم فينا أو المنتشر، ولا أجرؤ أن أقول المتبدد؟ وإن كان حكمة، فأي حكمة هي؟ أما هي الخلة المألوفة التي تعمل في أثناء التأمل، وسواء كان ذلك في الأمور الإلهية أو في الأمور البشرية؟ عدلاً ومحبة؟ أليسا خلتين حميدتين تخالف إحداهما الظلم، وتخالف الأخرى الحقد والضغينة، وتشتدان وتتراخيان، وتبرزان وتتواريان، وتعملان فينا على كل حال تأثيراً تغييراً، كما تفعل الألوان في الأجسام؟ أم ترى هل يجب أن ندع هذا وننظر إلى الألوهة في ذاتها، قدر المستطاع، ونتصور لها صورة ولو جزئية؟ فماذا يكون هذا الابتداع: أفيكون من هذا ولا يكون هذا؟ أو كيف يكون كل هذا وكيف يكون كل شيء من هذه الأشياء على وجه كامل، هو الواحد بطبيعته في غير تركيب ولا مماثلة لأحد؟ هكذا يستنفد عقلنا قواه لكي يتملص من الأمور الجسدية ويباشر غير الجسدية، وهو عبثاً يسعى ما دام في ضعفه الذاتي يتشوق إلى ما فوق طاقته. وهكذا فكل طبيعة عاقلة تتجه إلى الله والعلة الأولى؛ وهي لا تتمكن من إدراكها للأسباب التي ذكرتها. وفي شوقها المضطرم، واختلاجات قلقها تعمل على تجنب الضرر فتبحر للمرة الثانية، فإما إنها تتوقف بنظرها عند الأشياء التي ترى ويقودها الضلال إلى أن تجعل من أحدها إلهاً – وأي شيء من المرئيات أرفع وأشبه بالله من الذي يراها، إلى حد أن يكون الواحد منها عابداً والآخر معبوداً – وإما أن يكون الجمال والنظام في المرئيات طريقاً إلى معرفة الله، فتكون الرؤية دليلاً على ما وراء الرؤية، من غير أن يضيع الله في غمرة العظمة التي تتجلى في الأشياء المرئية.

14 – هكذا عبد بعضهم الشمس، وآخرون القمر، وعبد هؤلاء مجموعة الكواكب، وأولئك السماء نفسها وعبدوا معها كواكبها التي أناطوا بها إدارة الكل وفاقاً لاندفاعها في حركتها او لسعة نطاق تلك الحركة، وعبد آخرون العناصر، التراب والماء والهواء والنار، لما لها من فائدة، ولكون الحياة الإنسانية لا تقوم إلى بها؛ وعبد غيرهم كل واحد ما شاء من المرئيات، مؤلهاً أشدها جمالاً. وكان من عبدوا الصور والتماثيل، صور ذويهم وتماثيلهم أولاً، لما كان يخالجهم من حزن وأسف ولما كانوا عليه من تعلق بهيئات أمواتهم الجسمية، فكانوا يكرمون أولئك الأموات بتكريم ما يذكر بهم؛ ثم صور الغرباء وتماثيلهم، أولئك الذين شط بهم الزمن وتراخت بأخبارهم المسافات؛ وما ذلك إلا لأنهم جهلوا الطبيعة الأولى وتمسكوا بأمجاد موروثة على أنها شرعية وضرورية؛ وقد رسخ الزمن العادة فأصبحت في نظرهم شرعة ونظاماً. وهنالك آخرون، على ما أظن، أعظموا السيطرة، فامتدحوا القوة وأعجبوا بالجمال، فقادهم الزمن إلى تأليه من كانوا يعظمون، ونسجوا حول خزعبلاتهم درعاً من الأساطير[82].

15 – من كانوا منهم أكثر خضوعاً للشهوات رأوا في تلك الشهوات آلهة أو أدوا تكريم الآلة للغضب، والقتل، والسكر، والفسق، ولأي شيء آخر مما يُشبه ذلك، متذرعين لأضاليلهم بأعذار قبيحة وجائرة. وقد تركوا بعض هذه الآلهة على الأرض، وواروا بعضها في الأعماق – وكانوا في هذا الأمر وحده عاقلين – ورفعوا بعضها إلى السماء. ويا للقسمة المهزلة! ثم إنهم أطلقوا على كل من هذه الكائنات المختلفة اسم إله أو شيطان[83]، جرياً مع ما كانوا يتمتعون به من حرية واستقلال في ضلالهم، وقد رفعوا لها أنصاباً كانت في روعتها طعوماً لاجتذاب النفوس، وقادهم التفكير إلى تكريمها بالدم ورائحة الدهن، بل تكريم بعضها بالمخزيات من الأعمال كالسكر والذبائح البشرية؛ ولا شك في أن مثل هذا التكريم كان لائقاً بمثل هذه الآلهة. والمخزيات أمعنوا فيها عندما كرموا “الطيور، والدبابات والزحافات”[84] وما كان منها الأحقر والأغرب، وخصوها بالمجد الذي لله، بحيث أصبح من الصعب معرفة من هو أخلق بازدراء أكبر: العابد أو المعبود؛ قد يكون أولئك الذي يؤدون العبادة، لأنهم، وقد وهبوا طبيعة عاقلة وتلقوا نعمة الله، فضلوا الأسوأ على أنه في نظرهم الأفضل. تلك كانت خدعة الخبيث الذي تعدى الخير ليعمل الشر، وهذا دأبه في مجمل أعماله الشريرة. لقد لمس لديهم الرغبة الشاردة في تطلب الله، فعمل على اقتناص الهيمنة لنفسه والاستئثار برغباتهم، آخذاً بيدهم وكأنهم عميان يبحثون عن طريق، وهنا وهناك أهوى بهم في المهواة، وشتتهم في هاوية الموت والضياع.

16 – هذا بالنسبة إليهم. أما نحن فإن العقل قد استقبلنا عندما كنا نطلب الله، ولا نتحمل غياب القائد والربان، وإذ أكب على الأشياء المنظورة وتتبع ما كان منذ البدء، لم يتوقف عندها – إذ لم يكن من المعقول أن تلقى السلطة المهيمنة إلى من يساووننا في المشاعر – فقادنا عن طريقها إلى من هو فوقها، ومن به كان لها الوجود. فمن ذا الذي نظم السماويات والأرضيات، وكل ما في الهواء وعلى الماء، أو بالأحرى، قبل ذلك، السماء والأرض والهواء وعنصر الماء؟ من ذا الذي مزجها وفصلها؟ ما هذا التآلف القائم بينها، وهذا التلاحم، وهذا التناغم؟ إني أوافق على قول القائل، وإن كان القائل من غير جماعتنا: “من ذا الذي بعث الحركة في هذه، والذي يقودها في مدار لا يحد ولا يرد؟”[85] أليس هو العامل الذي عملها، وجعل في جميع الأشياء مبعث مسيرتها ونظامها؟ ولكن من يكون هذا العامل؟ أليس هو الصانع الذي صنعها وأتى بها إلى الوجود؟ وإنه لمن الثابت أن ليس للصدفة مثل هذا القدرة. ولنحسب أن الوجود من صنع الصدفة، فمن يكون المنظم؟ ولنحسب، إذا شئت، أن النظام أيضاً من وضعها، فمن يكون حافظ المخلوقات ومدبرها وفاقاً لما أقيمت عليه؟ هل هو غير الصدفة؟ أم هو الصدفة؟ إنه ولا شك غير الصدفة. إنه الله ولا أحد سواه. وهكذا فإن العقل الآتي من الله والمرافق لطبيعتنا، والشرعة الأولى فينا التي لا تغيب عن بصيرتها شيء، هذا العقل ارتقى بنا إلى الله انطلاقاً من الكائنات المنظورة. والآن فلنتكلم ناحين في كلامنا منحى جديداً.

17 – الله، في طبيعته وفي جوهره، لم يتوصل أحد قط ولن يتوصل أحد إلى اكتشافه؛ ترى هل يتوصلون إلى ذلك يوماً ما؟ فليترك هذا الموضوع لبحث من أرادوا من الباحثين ولتحريات علمهم. وفي رأيي أن هذا الاكتشاف لن يتم إلا عندما يصبح الشيء الإلهي الذي فينا، أعني روحنا وعقلنا، على صورة الله، عندما يصبح غارقاً فيمن ينتمي إليه، عندما ترتقي الصورة إلى من أخذت عنه ومن تصبو إليه. وإنه ليبدو لي فيما يبدو أن الفلسفة كل الفلسفة في أننا سنعرف يوماً بقدر ما نحن معروفون[86]. وكل يصلنا الآن إنما هو شعاع ضئيل، أو شبه عبس نزر[87] من نور عظيم. وهكذا فإن كان أحد قد عرف الله أو عد عارفاً لله فليست معرفته سوى أنه تعرض للنور أكثر من غيره. وهذا القسط الذي حصل عليه من المعرفة عد كاملاً، لا في الحقيقة، بل بالنسبة إلى إمكانية جاره الذي لم يصب من النور ما أصاب هو.

18 – لهذا رجا أخنوخ أن “يدعو باسم الرب”[88]: إنه لم يحصل إلا على الرجاء، لا رجاء معرفة الله، بل رجاء دعوته. وأُخذ أخنوخ[89]، ولم يعرف بعد هل كان ذلك بعد إدراكه طبيعة الله، أو من أجل إدراكها. وجميل نوع أنه أرضى الله ونال حظوة في عينيه[90]، وقد عهد إليه في إنقاذ العالم كله، أو قل نواة العالم، على حاملة صغيرة من خشب نجت من الطوفان[91]. وإبراهيم برر بالإيمان[92]، هو أبو الآباء الكبير، وقد قدم ذبيحة غريبة كانت رمزاً للذبيحة الكبرى[93]؛ إنه رأى الله، لا الله في ألوهته[94]، ولكنه قدم له الطعام على أنه إنسان[95]، فامتدح لكونه أدى العبادة بمقدار ما أدرك من حقيقة ما جرى. ويعقوب رأى في حلمه سلماً منتصبة وملائكة تصعد عليها[96]، وقد صب دهناً على النصب بوجه رمزي[97] – لعل في ذلك إشارة إلى الحجر[98] المسيح الذي مسح لأجل خلاصنا[99] – وأسمى الموضع “مشهد الله”[100] إكراماً للذي شاهده؛ وصارع الله على أنه إنسان[101] – أياً كانت تلك المصارعة، أو لعلها تكون مقارنة لفضيلة الإنسان بالله – وحمل في جسده علامة صراعه[102]، وهي تشير إلى هزيمة الطبيعة المولودة؛ ونال جزاء تقواه تبديلاً لاسمه، فانتقل اسمه من يعقوب إلى إسرائيل[103]، إلى ذلك الاسم العظيم والشريف؛ ولكن لا هو، ولا أحد من أسباط الاثني عشر، الذين كان لهم أباً، استطاع إلى هذا اليوم أن يدعي بأنه عرف طبيعة الله، أو أنه شاهدها مشاهدة تامة.

19 – وإيليا لم يعبر إليه الله في الريح الشديدة، ولا في النار. ولا في الزلزلة، كما أورد التاريخ ذلك إلى سمعك، بل في النسيم اللطيف[104] حيث تمثل له طيف الحضور الإلهي، لا طبيعة الله ذاتها. وإيليا، من يكون؟ هو من ارتفعت به مركبة نارية إلى السماء[105]، وأظهرت ما كان عليه من بر يفوق طبيعة البشر.

وكيف لا نعجب بالقاضي منوح[106]، ثم بالتلميذ بطرس من بعده؟ أما الأول فما كان ليتحمل رؤية الله الذي تراءى له، وكان لذلك يقول لامرأته: “إنا سنموت لأنا عاينا الله”[107]. ففي نظره أن البشر لا يستطيعون تحمل رؤية الله، فكيف بطبيعته الإلهية. وأما الآخر فقد شاهد المسيح ولم يدعه يقترب من سفينته، ولهذا كان يطلب إليه أن يتباعد[108]. هذا مع أن بطرس كان أشدهم حرارة للاعتراف بالمسيح، ولهذا نعت بالطوباوي”[109]، وأودع الوديعة العظمى[110]. وماذا تقول في أشعيا، وحزقيال الذي شاهد أعظم الأمورـ وسائر الأنبياء؟ أما الأول فقد رأى رب الصابئوت جالساً على عرش مجد يحيط به السرافون ذوو الأجنحة الستة ويسبحونه وسترونه، ورأى أن جمرة مست شفتيه وطهرته وهيأته لدور النبوة[111]. وأن يكون هذا رؤيا نهارية لا يراها غير القديسين، وأن يكون رؤيا نهارية لا يراها غير القديسين، وأن يكون رؤيا ليلية غير كاذبة، أن يكون حدساً جارياً في القسم الآمر من النفس، حدساً هو بمثابة اتصال بما سيأتي وكأنه حاضر، وأن يكون أي نوع آخر لا يعبر عنه من أنواع النبوة، ليس لي في ذلك كله أي قول، ولكن الذي يعرف ذلك هو إله الأنبياء ومن تجرى فيهم هذه الآيات. ومع ذلك فليس هؤلاء الذين ذكرتهم ولا غيرهم ممن يشبهم قد وقفوا في مجلس الرب”[112] وفي موقف حقيقته، على حد قول الكتاب؛ إنهم لم يروا طبيعة الله ولا فسروها.

20 – أما بولس، فلو أعطي له أن يكشف عما اشتملت عليه السماء الثالثة[113]، والتقرب، أو الصعود أو الاختطاف إلى هنالك ربما كان لنا اطلاع أوسع على ما يتعلق بالله، على أن يكون ذلك هو السبب الخفي لهذا الاختطاف، ولكن بما أنها أمور تفوق الوصف[114]، كان علينا نحن أيضاً أن نقدرها في صمت. ولنستمع فقط لبولس نفسه يقول: “فإن علمنا ناقص، ونبوتنا ناقصة”[115]. إنه يعترف بهذا الأمر كما يعترف بغيره، هو غير المتطفل في المعرفة، هو الذي يهدد بأن يقدم الرهان على أن المسيح ينطق فيه[116]، هو المدافع الكبير عن الحقيقة والمعلم الكبير لها. وهو يقر أن كل علمنا ههنا ليس سوى نظر في المرآة وفي الألغاز[117]، وأنه يتوقف عند بعض الصور الهزلية للحقيقة. ولئن بدوت في نظر البعض غير مالك من الفضول والتطفل ما يحملني على تقصي هذه المسائل فلأنها قد تكون مما ذكره الكلمة نفسه عندما تكلم على الأمور التي لا يطاق الآن حملها[118] – وسيأتي يوم يطاق فيه حملها وتكشف – تلك الأمور التي أشار إليها يوحنا، سابق الكلمة، وصوت الحقيقة العظيم، وأعلن “أن العالم نفسه ههنا لا يستطيع أن يسعها”[119].

21 – وهكذا يصعب في كل حقيقة وفي كل خطاب أن يقع الإنسان على براهين، وأن يبلغ المشاهدة. إننا كمن يريد أن يقوم بعمل كبير بوسيلة صغيرة، عندما نعمل على اقتناص معرفة الحقيقة بالحكمة البشرية، وعندما نواجه المعقولات بالحواس أو بغير أن نتغاضى عن الحواس التي تطوح بنا وتضللنا[120]، وإنه ليتعذر علينا، ونحن نقابل الأشياء معراة بعقلنا المعرى، أن نقترب من الحقيقة اقتراباً أشد، ونسم عقلنا بميسم المدركات. أما النقاش في موضوع الله فبقدر ما يكون أوسع وأعمق يكون أصعب وأغلق، ويكون مجالاً لاعتراضات كثيرة، ولردود معقدة عسيرة. فكل عائق، وإن هزيلاً وضئيلاً، يوقف مسيرة النقاش، ويشله، ويحول دون انطلاقه، كما يفعل الشد المفاجئ لأعنة الخيل المندفعة، عندما ترتد وتستدير في عنف الصدمة المفاجئة. هكذا سليمان الذي نال فيضاً من الحكمة ولم يقم قبله ولا معه أحد نظيره[121]، والذي آتاه الله “سعة الصدر” وفهماً ذكياً جداً كالرمل الذي على شاطئ البحر[122]، كلما أغرق في سبر الأعماق[123] عراه الدوار، ورأى في خاتمة مطافه كم تباعدت الحكمة عنه[124]. وقد حاول بولس أن يدرك، لا أقول طبيعة الله – إذ كان يعلم أن الأمر شديد الاستحالة – ولكن “أحكام”[125] الله لا غير، وعندما لم يجد في تصعيده منفذاً ولا مقراً، ولم يقف فضول تفكيره عند حد معلوم، إذ كان يرى أبداً شيئاً ما مفلتاً منه – يا للأمر العجيب![126] هذا لكي أشاركه في الشعور – موه كلامه بالذعر، وعبر عن ذلك الأمر بقوله “غنى الله وعمقه”، واعترف بأن أحكام الله لا تدرك[127]، وفاه بما يقارب الألفاظ نفسها التي فاه بها داود إذ كان يطلق تارة على أحكام الله “الغمر العظيم”[128] الذي يتعذر سبره بالمقاييس والحواس، ويقول تارة أخرى إن هذا “علم عجيب” بالنسبة إليه وإلى حاله، وإنه “فوق طاقته وأرفع من أن يدركه”[129].

22 – إنه يقول: “إذا ألقيت عني كل شيء لأوجه نظري إلى ذاتي وإلى مجمل الطبيعة البشرية ومقوماتها، فما نحن وهذا الخليط الذي فينا؟ ما هذه الحركة التي نتحركها؟ كيف امتزج غير المائت بالمائت؟ كيف أهوي إلى تحت وأنا محمول إلى فوق؟ كيف تتسرب النفس في الجسد؟ كيف تبعث الحياة وتشترك في الآلام؟ كيف يكون العقل محدوداً وغير محدود معاً، مقيماً فينا وممتداً إلى كل شيء في اندفاع واندفاق سريعين؟ كيف يعبر في الكلام وينتقل إلى الغير، يسير في الهواء ويخترق حجب الأشياء؟ كيف يتواصل والحواس ثم ينكفئ مبتعداً عن الحواس؟ وقبل هذا كله كيف جبلنا أولاً ونسجنا في مصنع الطبيعة؟[130] وكيف نلنا صورتنا الأخيرة وكامل قوامنا؟ كيف تنشأ لدينا الرغبة في الطعام وكيف يتوزع فينا هذا الطعام؟ ومن كان دليلنا في توجهنا العفوي إلى ينابيع الحياة الأولى[131] وإلى التوسل بالوسائل الأولى للحفاظ على الحياة؟ كيف يتغذى الجسم بالأطعمة والنفس بالفكر؟ ما هذه النزعة الطبيعية، هذا الميل المتبادل بين الآباء والأبناء إلى التواصل العاطفي؟ كيف تكون الأنواع ثابتة في خلقها، متمايزة في تعدد طبائعها التي لا تحصى؟ كيف يكون الكائن الحي الواحد مائتاً وغير مائت، مائتاً بكونه يزول، وغير مائت بكونه يتناسل؟[132] وهكذا يخلو إنسان فيقوم في مكانه آخر، على مثال مجرى النهر الذي يواصل جريه في غير توقف. وإنه لمن الممكن أيضاً الإفاضة في حديث الفلسفة والتطرق إلى الأعضاء وأجزاء الجسم وتناغم تركيبها، وتوافق بعضها البعض الآخر، وما يجتمع فيها من فائدة وجمال، مجتمعة أو متفرقة، كريمة أو أقل كرامة، متحدة أو منقسمة، حاوية أو محوية، ذلك كله وفاقاً لناموس الطبيعة ومنطقها. وهناك مادة غنية للكلام في موضوعي الأصوات والأسماع: كيف تعبر الأصوات الأجهزة الصوتية، وكيف تتلقاها الأسماع، وكيف تجري الصلة فيما بينها بوساطة الذبذبات والتموجات في الهواء المتوسط بينها. وهنالك أمور كثيرة يمكن الكلام عليها في شأن النظر الذي يتصل بالمرئيات اتصالاً لا يمكن التعبير عنه، وهذا الاتصال يجري بإمرة الإدارة، مرافقاً لها في تحركها، ومماشياً العقل في الحالة التي يكون فيها، إذ إن اتصال العقل بالمعقولات والنظر بالمنظورات بجري في سرعة لا يختلف فيها الواحد عن الآخر. وهنالك أمور كثيرة يمكن التحدث عنها في شأن الحواس الأخرى التي هي أشبه بمواطن تقبل للأشياء الخارجية في غير تنظر للعقل. وهنالك النوم وما يجلب من راحة، وتخيلات الأحلام، والذاكرة والتذكر، والعقل والتعقل، والغضب، والرغبة، وبموجز القول، كل ما يقوم به وعليه هذا العالم المصغر الذي الإنسان.

23 – هل تريد أن أُعدد لك ما بيننا وبين سائر الأحياء من فوارق، وما يميز الأحياء بعضها من بعض، وأن أبين لك طبيعتها وولادتها وإعالتها لصغارها، وسُكناها وغرائزها، ونظام حياتها؟ كيف تكون هذه قطعاناً وتكل وُحداناً؟ هذه عشبية المأكل وتلك آكلة لحوم؟ هذه ضارية، وتلك داجنة؟ هذه صديقة الإنسان ومؤاكلته، وتلك متوحشة ومستقلة؟ هذه شبه قريبة من الفهم وشبه قابلة للتدريب، وتلك على الدرجة القصوى من البلادة والامتناع على التدريب؟ هذه بأعضاء تحسسية كثيرة، وتلك بعدد قليل منها؟ هذه ساكنة لا حركة لها، وتلك قادرة على التحرك؟ هذه سريعة جداً، وتلك غارقة في الثقل؟ هذه متفوقة في القد والجمال أو في أحدهما، وتلك على أقبح ما يكون القصر أو القبح أو كلاهما معاً؟ هذه قوية، وتلك ضعيفة؟ هذه متحفزة للدفاع عن نفسها، وتلك مختالة ومكارة؟ هذه حكيمة وتلك خالية من الفطنة؟ هذه نشيطة ومقتصدة، وتلك كسول وقصيرة النظر؟ وقبل ذلك أيضاً كيف تكون هذه زاحفة، وتلك واقفة؟ هذه ذات مكان واحد، وتلك برمائية؟ هذه أنيقة، والأخرى كثيثة؟ كيف تكون ذات قرين أو بلا قرين؟ معتدلة أو شهاءة؟ خصبة أو قليلة الخصب؟ معمرة أو قليلة الأيام؟ وقد يعرو كلامنا الوهن والثقل لو أفضنا في التفصيل[133].

24 – أجل لي نظرك أيضاً في عالم السوابح التي تنساب في المياه وكأنها تطير في العنصر المائع، وتستخرج منه ما تحتاج إليه من هواء، وهي تلقى في جونا من الخطر ما نلقاه في مائها، تأمل في غرائزها وأحاسيسها، وتزاوجها، وولادتها، والعظمة والجمال، والتعلق بالمقر، والهجرة، والتجمع، والتفرق، والخصائص التي تكاد تشبه خصائص الحيوانات الأرضية، وأحياناً تشاركها فيها، والخصائص التي تخالفها فيها مظهراً واسماً. أجل لي نظرك أيضاً في جماعات الطيور وتنوعها أشكالاً وألواناً، وما كان منها صامتاً وما كان منها مغرداً. ما سر هذا التغريد وأنى لها الألحان؟ من علق على صدر الصرار حاملة أوتار، ومن وهبه الأناشيد والصرصرة على الأغصان، عندما تهيج الشمس الجماعة الصرارة في ظهيرة النهار فتنطلق في موسيقاها وتملأ الغابات صرصرة، وترافق بأصواتها عابر السبيل؟ من يساعد التم على نسج تمتمته، عندما يبسط جناحيه للريح ويجعل صفيره نغماً من الأنغام؟ وإني لأغفل ذكر الأصوات التي يبعثها الضغط وكل ما تصطنعه الحذاقة على غير مجرى الحقيقة. والطاووس، هذا الطائر المتغطرس ذو الأصل الميديوني، أنى له هذه الأناقة الفريدة وهذا الاعتداد بالنفس، بحيث إنه – وهو المدرك لما أوتي من جمال – إذا أبصر مقترباً، أو إذا درج، على ما يقال، أمام إناثه، نصب عنقه، ونشر ذنبه من طيه، بريش كالذهب الوهاج نثرت عليه الكواكب، وماس بزيفانه فكان مشهد بهاء في عيون المعجبين. والكتاب المقدس يشيد أيضاً بمهارة النساء في صناعة النسيج ويقول: “من وهب النساء المهارة في صناعة النسيج وعلمهن التطريز؟”[134] إنه صنع كائن عاقل، فياض الحكمة، يرقى أعراف السماوات.

25 – انظر لي بأعجاب في الذكاء الطبيعي عند العجماوات، وقدم لي عن ذلك بياناً. كيف تقيم العصافير لها في الصخور والأشجار والسقوف أعشاشاً يجتمع فيها الأمان والجمال، وتكون متأنية لتلقيم الفراخ؟ من أين استمدت النحل والعناكب نشاطها وبراعتها، حتى تقيم النحل أقراص عسلها متشابكة بمخاريب مسدسة الزوايا يقوم الواحد منها بظهر الآخر، وتجعل لمسكنها قاعدة من تعاقب الزوايا التي تتقاطع هي والخطوط المستقيمة، وذلك في خلايا كالحة الظلام، وبأعمال بعيدة عن الأنظار، وتمد العناكب في اتجاهات متعددة خيوطاً دقيقة جداً تكاد تكون هوائية، وتنسج عليها شباكاً كثيرة الأطواء، وذلك في غير منطلق ظاهر، وتقيم لها منها مسكناً كريماً، ومصيدة لاصطياد الضعاف والتمتع بالتهامها؟ أي أفقليذس[135] قلد هذا العمل باحثاً في الخطوط الوهمية وجاهداً في إقامة البراهين؟ أي بلميذس[136] لهذه المخططات الحربية والخطط الفنية، وهي، على ما يقال، طريقة الكراكي في التحرك المنظم والطيران المنوع؟ أي فيدياس وزفكسيذس وبوليغنوتس، وأي باراسيوس وأغلافونتس[137] للإبداع في رسم الجمال ونحته؟ أي رقص تناسقي في كنوسيوس أحياه ذيذالس[138] لغانية شابة[139] وبلغ فيه من الروعة كل مبلغ؟ أو لافورنثس كريق الضيق المدخل، والمستعصي الملاوي الدهليزية – على حد قول الشعراء – والملتف على ذاته التفافاً برع الفن في ابتداعه والإكثار منه؟ وإني لأعرض عن الكلام على مخازن النمل وخازنيها، وعلى مخزونها من المؤونة الكافية لشتى أحوالها، وعلى ما تورده لنا الأحاديث عن تجولها وعن قوادها، وعن النظام الدقيق الذي تجري عليه أعمالها.

26 – إذا كان تفسير هذه الأمور لا يفوتك، وإذا كنت قد أدركت ما فيها من حكمة، فانظر في النبات وتنوعه، وما يتجلى في أوراقه من براعة، فهي فتنة للنظر ووقاء للثمر. أجل لي نظرك أيضاً في الفواكه وتنوعها وغزارتها، وفي أن أشدها ضرورة أوفرها جمالاً. وتمعن لي في فضيلة الجذور والعصير، والزهور، والعبير، فهي ليس عذبة وحسب، بل هي العذوبة والمصحة؟ وتمعن في زهوة الألوان ومزاياها، وفي غنى الجواهر وألقها، فالطبيعة قد بسطت أمامك كل شيء وكأنه وليمة أعدت للجميع: بسطت الضروري كما بسطت الممتع، حتى إذا ما أخلصت الرؤية ترى الله في صنائعه ويبعث فيك فقرك مزيداً من الفطنة والتيقظ.

من هنا جُلْ لي في الأرض، أم الجميع، عرضاً وطولاً، في مطاوي البحار متصلاً بعضها ببعض وبالأرض، وتأمل جمال الغابات، والأنهار والينابيع الدائمة التدفق، ينابيع المياه السائغة والعذبة التي تجري على سطح الأرض، وتلك التي تجري في أعماقها، غائرة في المهاوي، ثم مندفعة في تيار جوفي، تضرمها الحرارة المنطلقة من حركة الدفع والصد العنيفة، إلى أن تجد لها بعد لأي منفذاً ممكناً فتنبجس لنا حمة في أمكنة كثيرة من الأرض – مع إمكان خروجها على خلاف ذلك –[140] طِباً مجانياً وفي غير كلفة. قل كيف ذلك ومن أين؟ ما هذا النسيج الوسيع الذي مد خيطه ولم تمدد له يد؟ وهذه الأشياء لا تقل روعة إذا تأملتها في علاقتها بعضها ببعض عما هي عليه في ذاتها واحدة فواحدة.

كيف ترسو الأرض ثابتة وفي غير انحناء؟ على أي شيء تنتقل، وعلى أي شيء أقرت؟ هذا الشيء أيضاً على أي شيء أقر؟ ليس لعقلنا في الحقيقة شيء يستند إليه غير الإرادة الإلهية. كيف يرتفع شطر من الأرض إلى قمم الجبال، وينبسط آخر سهولاً، في تنوع وتعدد أشكال، وفي تبدل يجري مع الزمن، وفيم يكون قسم منها أخصب من قسم لفائدتنا، أو قسم أبهج من قسم باختلاف المشاهد؟ كيف قسم لهذه أن تكون مسكونة ولتلك أن تكون مقفرة تعزلها أعالي الجبال وتفصلها، فتكون في انتفاضتها أعظم شاهد على عظمة الله.

27 – والبحر إذا لم يكن لي أن أقف أمام سعته موقف إعجاب، فإني أعجب بطواعيته، وبالتزامه، وهو غير المقيد، حدوداً لا يتعداها[141]. ولئن اعرضت عن طواعيته لم أعرض عن الإعجاب بسعته وعظمه. وإذا كان له هذه وتلك فإني أمتدح مقدرته فيهما جميعاً. فبماذا جمع؟ وبماذا قيد؟ كيف يتعالي، ثم يتوقف وكأنه يداري ما جاوره من الأرض؟ كيف يتلقى جميع الأنهار ويبقى كما هو[142]، لاتساع لجته أو لما لا أعرف الإفصاح عنه؟ كيف يكون الرمل حداً له[143]، لمثل هذا العنصر المائي؟ هل لعلماء الطبيعة ما يقولونه، إذا قاسوا مثل هذه الأمور بما لهم من آراء هم علماء الباطل الذين يكيلون البحر بالفنجان؟ أو هل عليّ أن أرجع إلى الكتاب المقدس لتفسير ذلك تفسيراً موجزاً وأشد إقناعاً وصحة من المطولات الخطابية؟ “رسم حداً حول وجه المياه”[144]، هذا هو المغلاق الذي يكبل عنصر الماء. وكيف يسوق هذا العنصر المائي ساكن الأرض البحار على قليل من خشب وبقليل من هواء؟ ألا ترى في ذلك عجباً عندما تراه؟ ألا يستخف روحك المشهد؟ بحيث يجتمع البر والبحر في تأدية الخدمة المتبادلة، وتكون هذه الأمور، في اختلاف طبيعتها، مجتمعة في سبيل مصلحة الإنسان؟

ما هي ينابيع الينابيع الأولى؟ تحر عنها أيها الإنسان، إن استطعت أن تسلك أحد هذه السراديب وتقف على الحقيقة. ومن فصل الأنهار، والسهول والجبال، ومن آتى الأنهار اندراء لا يصد؟ وكيف تجري هذه المعجزة في اجتماع النقيضين: بحر لا يفيض، وأنهار لا تغيض ولا تتوقف عن الجري؟[145] ما هذا الغذاء الذي تحتمله المياه، وفيم تنوعه، بحيث يروي بعض النبات عن طريق أوراقه، والبعض الآخر عن طريق جذوره، هذا وكم في الكلام على “مباهج الله”[146] من بهجة!

28 – هيا بنا الآن، دع الأرض وما يتعلق بها، وطر في الهواء بأجنحة النفس[147]، لكي يواصل هذا الخطاب مسيرته في اطراد. من هنا سأصعد بك إلى الأمور العلوية، إلى السماء نفسها وإلى ما فوق السماء. إن هذا الخطاب ليتردد في التقدم إلى ما يلي، ولكنه مع ذلك سيتقدم قدر المستطاع. من نشر الهواء، هذه الثروة الطائلة والفياضة، التي لم تقس بالمراتب، ولا بالأحوال، والتي لم تضبط بحدود، ولم توزع وفاقاً للأعمار، بل كان شأنها شأن المن في التوزيع، فينال كل منها كفاف حاجته، في مساواة الحظوظ والأنصبة؟ والهواء مركبة الجماعة الطائرة، وموطن الرياح، وقسطاس الفصول، ومتنفس الأحياء، أو بالأحرى عامل اللحمة بين النفس والجسد، فيه تتكون الأجسام، وبوساطته يجري الكلام، وفيه ينتشر النور وتظهر المنورات، كما يظهر به شكل الأشياء الخارجي وينتقل إلى الأنظار. أَجِل لي نظرك أيضاً فيما تبقى، لأني لا أوافق على تحميل الهواء كل ما يحملونه من التأثير على الأشياء التي يحسبونها في نطاق سلطانه. ما الخزائن التي تحجز فيها الرياح؟[148] ما الخزائن التي يتجمع فيها الثلج؟[149] “من ولد نقط الندى”؟[150] على حد قول الكتاب، و “من بطن من خرج الجمد”؟[151] من ذا الذي “يحبس المياه في السحب”[152]، والذي يغلق تارة الغمام على العنصر المائع خاضعاً لكلمته[153] – يا للمعجز! – ويفيضه تارة أخرى على وجه الأرض كلها[154]، فيصبه في الوقت الموافق وبطريقة التوازن والتساوي، من غير أن يترك له مجالاً لطغيان لا يصد – إذ حسبه أنه طهر العالم في زمن نوح وهو لا ينسى عهده[155]، ولا يطيق الكذب، إلا أنه لا يحبس الماء حبساً كاملاً بحيث نعود إلى الاستنجاد بإيليا لإبعاد الجفاف؟[156] إذا “حبس السماء”[157]، يقول الكتاب، فمن يفتحها؟ وإذا “فتح كوى السماء”[158] فمن ذا يحتويها؟ من ذا يستطيع في الحالين تحمل التطرف من الذي يبعث المطر[159] إذا هو لم يزن كل شيء بميزان ولم يعابره بمقدار؟[160] أنى لك أن تناقشي في البروق والرعود أنت يا من دويه أرضي، ووميضه أوهى من أن يكون شرارة حقيقة؟ في أي أبخرة الأرض ترى مصادر الغيوم، أو لعلها من بعض تكثف الهواء، أو من ضغط الغيوم الرقيقة، أو من احتكاكها بعضها ببعض، فيكون لك من ضغطها البرق، ويكون لك من احتكاكها الرعد؟ أو أي هواء ضغط ولم يجد له منفذاً، فكان من ضغطه البروق، ومن احتكاكه الرعود؟ لئن جلت بفكرك في الهواء وفي كل ما يتعلق بالهواء فتحسس معي السماء نفسها والأشياء السماوية. وليكن لنا في مسيرتنا الإيمان فوق العقل دليلاً، هذا إذا كنت قد أدركت ضعفك فيما هو أقرب منك، وعرفت أن من شأن العقل أن يعرف ما هو فوقه، حتى لا يكون بجملته أرضياً أو متعلقاً بالأرض، فتكون والحالة هذه قد بلغت من الجهل درجة تجهل فيها أنك جاهل.

29 – من أعطى السماء حركتها الدائرية؟ من أقر الكواكب في أماكنها؟ أو بالأحرى وقبل ذلك، ما السماء وما الكواكب؟ هل تستطيع الإجابة أنت إنسان الأعالي، الذي لا يعرف ما بين قدميه، ولا يستطيع أن يقيس نفسه بمقياس، الذي يقوم بأبحاث وقحة في أمور تفوق طبيعته، ويقف ذاهلاً عاجزاً أمام ما لا قياس له؟ وليكن أنك تعرف للكواكب حركات دائرية ومسيرات، واقتراباً وابتعاداً، وشروقاً وغروباً، وإنك تعرف بعض الأقسام في منطقة البروج، وبعض دقائق الأمور، هذا وكل ما يحملك على التباهي بما لك من معرفة: فليس في ذلك امتلاك للحقيقة، إنه رصد لحركة لا غير، وهذا الرصد أثبته الاختبار الطويل، اجتمعت فيه ارصاد الكثيرين، ثم تخيل له تفسير سمي علماً، وهكذا فوجوه القمر يعرفها أكثر الناس ومرجع هذه المعرفة إلى الرصد النظري. أما أنت فإذا كنت من أصحاب المعرفة الواسعة في هذه الأمور وإذا كنت تسعى بحق في إثارة الإعجاب، فقل ما علة هذا النظام وهذه الحركة. من أتى الشمس أن تشع كالمنارة على جميع المسكونة، وأن تكون في جميع الأنظار كمدير فرقة علوية، يمحو نورها سائر الكواكب، ويحجبها أكثر مما يحجب بعضها البعض الآخر؟ والدليل على ذلك أن الكواكب إذا حاولت منافستها بالنور غمرتها بنور أشد إشراقاً والتماعاً، وغيبت طلوعها معها. إنها جميلة “كالعروس”، وسريعة “كالجبار”[161]، وعظيمة، وليس لي إلا أن أشيد بعظمتها مستعيناً بما قاله غيري فيها. إن لها سلطاناً شاملاً، فهي من الأقاصي إلى الأقاصي تغمر الجميع وليس من يتوارى عن حرها[162]، وهي تملأ العيون نوراً، وتملأ الأجسام حرارة؛ إنها تسخن ولا تحرق، لما في حرارتها من اعتدال، ولما في حركتها من نظام، وهكذا فهي حاضرة لدى جميع الكائنات لا تلم بواحد منها دون الآخر.

30 – وما قولك في هذا – إذا كنت قد تنبهت له – أن الشمس في العالم الحسي كالله في العالم العقلي، على حد قول قائل ليس من جماعتنا[163]. فهي تنير العين، وهو ينير العقل؛ هذه أجمل ما في العالم المنظور، وذاك أجمل ما في العالم المعقول. ولكن من أعطى الشمس حركتها الأولى؟ من ذا الذي يحركها في غير توقف، ويجعلها تدور دورتها الدائمة، هي التي في طبيعتها ثابتة وغير متحركة، هي التي لا يعروها كلل، والتي تحمل معها الحياة، وتنمي الأحياء، هي التي يتغنى بها الشعراء، عن جدارة، والتي لا يتوقف لها دفق ولا فيض إحسان؟ كيف يكون باعث النهار فوق الأرض، وباعث الليل تحت الأرض؟ أو لا أدري ما يجب أن أقوله عندما أنظر إلى الشمس، ما الزيادة والنقص في طول النهارات والليالي، ولكي أتكلم بأسلوب فيه بعض المفارقة أقول: ما هذه المساواة في اللامساواة؟ كيف يرجع إلى الشمي صنع الفصول وتقسيمها، تلك الفصول التي تقبل وتمضي في نظام، وتكون كالجوقة في حركة الاتحاد والانفصال، يشدها عاملا التجاذب والتوازن، وهي تتمازج شيئاً فشيئاً، ولتقاربها بعضها من بعض تنسل كالنهارات والليالي انسلالاً غير محسوس بحيث لا تؤذينا المفاجأة ولا يصدمنا الانقلاب غير المألوف؟ ولكن فلتكن لنا الشمس ما تكون! وأنت هل عرفت طبيعة القمر، ووجوهه، ومقياس ضوئه، ومراحل مسيرته؟ كيف تملك الشمس سلطان النهار، فيما يهيمن القمر على الليل؟ كيف يطلق القمر الوحوش فيما تُنهض الشمس الإنسان إلى عمله[164]، وكيف أن ارتفاعها وانحدارها يكونان لفائدتنا العظمى؟ هل وقفت على ما تشد به عقد الثريا، أو على النطق التي تطوق الجوزاء[165]، كمن يحصي عدد الكواكب وبدعو كلها بأسمائها[166]، وعرفت مجد كل واحد منها ونظام حركته لك أثق فيك عند تربط مصيرنا بها وتسلح الخليقة في وجه الخالق؟

31 – ما قولك. هل نقف بخطابنا عند هذا الحد مقتصرين على المادة والأشياء المنظورة؟ أم نتخطاها، لعلم هذا الخطاب[167] بأن خيمة موسى صورة[168] للعالم كله، أي “لما يُرى وما لا يرى”[169] فنجتاز الحجاب الأول[170]، وبعد التغلب على الشعور ننحني على المقدس[171] لكي ننظر[172]، ونرى الكائنات الروحية والتي فوق السماوية؟ إننا لن نستطيع رؤيتها بطريقة غير جسمية وإن كانت غير جسمية، إنها تدعى “ناراً” أو “ريحاً” أو هذه وتلك، فقد قيل إن الله “يصنع ملائكته أرواحاً وخدامه لهيب نار”[173]، ما لم يعن الفعل “يصنع” أن الله يحفظهم في الوجود بكلمته التي أوجدتهم، وما لم تعن التسميتان “ريح” و”نار” أن طبيعتهم روحانية وأنها من جهة ثانية تطهيرية، وإني لأعلم أن هذا الاسمين يوافقان الجوهر الأول[174]. ومهما يكن من أمر فلتكن هذه الطبيعة لدينا غير جسمية، أو ما هو الأقرب إلى ذلك! ترى كيف يعرونا الدوار من جراء هذا الكلام، وكيف لا نعرف إلى أي حد نستطيع التقدم، وكل ما نعرفه هو أن هنالك ملائكة[175]، ورؤساء ملائكة[176]، وعروشاً وقوات، ورئاسات، وسلاطين[177]، وشارقات، ورفعات، وقوات روحية أو أرواحاً[178]، طبائع صافية لا اختلاط فيها، لا تكاد تستطيع الميل أو الشر، أو الإتيان به، تحيط بالعلة الأولى في جوقة تمجيد وتسبيح، وكيف السبيل إلى الإشادة بهذه الكائنات التي تستمد من هنا الإشراق الكلي النقاوة الذي يبعث منها، أو التي يختلف إشارقها باختلاف طبيعتها ومرتبتها؟ لقد اصطنعها الجمال وكيفها في دقة وكمال بحيث أصبحت أنواراً أخرى، وأصبح بإمكانها أن تنير الآخرين بفيضها النوراني وتغمرهم به؛ وإذ كان هؤلاء الملائكة خداماً للإرادة الإلهية[179]، وأقوياء بقوتهم الذاتية فضلاً عن القوة التي تضاف إليها، فإنهم يطوفون في العالم، باذلين الخدمة في غير إبطاء، ومطيفين بالجميع لخدمة سريعة تمكنهم منها خفة طبيعتهم. هؤلاء في هذا القسم من الأرض، وأولئك في القسم الآخر، بعلم من الذي نظم وقسم، وبإشارة من الذي خلق العالم يوجهون كل شيء إلى الواحد الأحد. وهم يشيدون بالعظمة الإلهية، ويشاهدون المجد الأبدي أبدياً، وليس ذلك لكي يكون الله ممجداً – إذ لا يمكن أن يضاف شيء إلى الملء، إلى الذي يفيض بالخير على الآخرين – بل في سبيل أن تظل تلك الطبائع الأولى بعد الله في غمرة من النعم.

لئن أوتيت اللهجة الموافقة فالفضل والشكر للثالوث وللألوهة الواحدة في الثلاثة. وإن كان الكلام دون المنتظر والمرتقب، فالخطاب هذا قد نال الظفر أيضاً، إذ كان الرهان على أن طبيعة الأشياء الثانية نفسها تفوق عقلنا، فكيف بالطبيعة الأولى والواحدة، وإني لأتردد في قول: بالطبيعة التي فوق الجميع[180].

[1] اللاهوت في نظر الآباء هو علم الله في ذاته وحدة وثالوث.

[2] الخطاب 27: 7.

[3] متى 13: 5-6.

[4] إر 4: 3.

[5] المرجع نفسه، ومتى 13: 7.

[6] أش 28: 25.

[7] حك 13: 13.

[8] خر 19: 20؛ 24: 9-15.

[9] خر 24: 18.

[10] خر 24: 12.

[11] خر 19: 24؛ 24: 9.

[12] خر 24: 2؛ 9-10.

[13] خر 24: 1، 14.

[14] خر 19: 12.

[15] خر 19: 16-20.

[16] 2 تيم : 13.

[17] خر 19: 13.

[18] أخ 11: 33.

[19] متى 21: 41.

[20] إر 13: 23.

[21] ابط 5: 8.

[22] حب 1: 8.

[23] نش 2: 15.

[24] مز 79: 9-12.

[25] تك 7: 2، 3، 8.

[26] خر 31: 18.

[27] خر 33: 23

[28] خر 33: 22.

[29] يو 1: 14.

[30] اكور 10: 4.

[31] خر 26: 31-33؛ 36: 35-36.

[32] مز 8: 2.

[33] خر 33: 23.

[34] خر 33: 22-23.

[35] خر 7: 1.

[36] 2كور 12: 2-4.

[37] أفلاطون: تيماوس 28.

[38] فيل 4: 7.

[39] 1كور 2: 9.

[40] مز 8: 4.

[41] 1كور 15: 14.

[42] هذه الاتهامات بألفاظها كانت تصدر عن الهراطقة، وكان غريغوريوس وجماعة الأرثوذكسيين يخالفون أفنوميوس في الرأي، ويقولون بأننا نستطيع معرفة وجود الله لا إنيته، ولهذا كان الهراطقة يتهمونهم بالكفر والإلحاد وبأنهم لا يؤمنون بالله.

[43] إن مثل القيثارة هذا من ابتكارات أفلاطون “فيدون 73)، وهو فيه يرتقي من وجود القيثارة إلى وجود مالكها، وفيما يرتقي غريغوريوس إلى وجود الصانع.

[44] مز 118: 131.

[45] 1كور 2: 10.

[46] كان الرواقيون يذهبون إلى أن طبيعة الله نسمة أو نار، أي أحد العناصر الدقيقة وهي في نظرهم مادة جسدية.

[47] إر 23: 24.

[48] حك 1: 7.

[49] هذا أمر مستحيل لأن الكتاب المقدس يقول إنه يملأ كل شيء.

[50] في هذا الكلام إشارة إلى ما ذهب إليه الرواقيون من تداخل الأجسام.

[51] 1تيم 4: 7.

[52] من هؤلاء أرسطو.

[53] عب 1: 4.

[54] عب 1: 14.

[55] 2تيم 3: 16.

[56] يو 10: 16.

[57] 1كور 2: 16.

[58] خر 3: 14.

[59] أي أكبر مما يحدها عندما تكون في جزء.

[60] متى 7: 20.

[61] يو 3: 19؛ اتسا 5: 4.

[62] دا 5: 12.

[63] عمد الخطيب إلى لفظة “الحسد” إشارة منه إلى كلام أفلاطون “إن الحسد لا محل له في مجلس الآلهة”.

[64] أش 1: 11.

[65] روم 11: 33.

[66] أي 38: 16.

[67] أش 14: 12.

[68] أي 15: 20.

[69] خر 10: 22.

[70] خر 14: 20.

[71] مز 17: 12.

[72] مرا 3: 34.

[73] يو 4: 24.

[74] تث 4: 24.

[75] يو 9: 5.

[76] يو 4: 16.

[77] أي 12: 13.

[78] مز 102: 17.

[79] أش 40: 13.

[80] يو 1: 1.

[81] يفسر الخطيب هذه الألفاظ تفسيراً رمزياً إذ أن الله في نظره لا جسم له. وكان الرواقيون يطلقون على الله أيضاً “الروح” و النار” ولكنهم كانوا يذهبون إلى أن الله كائن ذو جسد.

[82] يتلاقى في هذا الموضوع النزينزي وصاحب سفر الحكمة 13، 14، 15.

[83] الشيطان هنا بمعنى الكائن الأسطوري المتوسط بين الله والإنسان.

[84] روم 1: 23.

[85] أفلاطون: القوانين 10، 896أ – 897ج.

[86] 1كو 13: 12.

[87] حك 7: 26؛ عب 1: 3.

[88] تك 4: 26.

[89] تك 5: 26.

[90] تك 6: 8.

[91] تك 6: 13؛ 7: 19.

[92] تك 15: 6؛ روم 4: 3.

[93] تك 22: 2 وما يلي. يقول أن ذبيحة إبراهيم التي أراد أن يقدم فيها لله ابنه اسحق هي رمز لذبيحة المسيح على الصليب.

[94] تك 18: 1-2.

[95] تك 18: 6-8.

[96] تك 28: 12.

[97] تك 28: 18.

[98] هو المسيح حجر الزاوية.

[99] لو 4: 18؛ أع 10: 38.

[100] تك 28: 17.

[101] تك 32: 25-30.

[102] تك 32: 25.

[103] تك 32: 28.

[104] 3ملو 19: 11.

[105] 4ملو 2: 11.

[106] منوح هو أبو شمشون. قض 13: 22.

[107] لو 5: 8.

[108] متى 16: 17.

[109] متى 16: 17.

[110] متى 16: 19.

[111] أش 6: 1 وما يلي.

[112] إر 23: 18.

[113] 2كور 12: 2.

[114] 2كور 12: 4.

[115] 1كور 13: 9.

[116] 2كور 13: 3.

[117] 1كور 13: 12.

[118] يو 16: 12.

[119] يو 21: 25. وقد دعي هنا يوحنا الإنجيلي سابقاً للكلمة لأنه دعا إلى التبشير بالكلمة في مقدمة إنجيله.

[120] في هذا المقطع يتوارد الخطيب وأفلاطون (فيدون 66أ و83أ)، والتعبير “اقتناص الحقيقة” كثيراً ما يرد على لسان أفلاطون.

[121] 3ملو 3: 12.

[122] 3ملو 4: 29.

[123] 1كور 2: 10؛ روم 11: 33.

[124] جا 7: 25؛ 8: 17.

[125] روم 11: 33.

[126] روم 11: 33. وهذا الهتاف التعجبي يطلقه الخطيب مجاراة لبولس الرسول في المرجع الذي ذكرناه.

[127] روم 11: 33.

[128] مز 35: 7.

[129] مز 138: 6.

[130] مز 138: 13 يعني حشا الأم.

[131] يريد لبن الأم.

[132] أفلاطون: الوليمة 206، 207.

[133] ملاحظة طريفة من الخطيب وقد أغرق في التفصيل، وإن في هذا الاطناب ما يميز الفن البلاغي الذي كان شائعاً لذلك العهد.

[134] أي 38: 36. النص العبراني يختلف عن النص اليوناني في هذا الآية، فهو في العبرانية “من وضع الحكمة في الإعصار أم من أتى النوء الفهم”.

[135] أفقليذس: هو أبو علم الهندسة.

[136] بلميذس: هو أحد ملوك الإغريق الذين اشتركوا في حرب طروادة، اشتهر بتنظيم حركة الجيوش، كما اشتهر بلعب الشطرنج.

[137] فيدياس نحات شهير من عهد بريكليس، والباقون رسامون من القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.

[138] ذيذالس شخص أسطوري قيل إنه كان يبعث الحركة في التماثيل فتبدو كأنها حية، وهو باني اللابيرنت (اللافورنثس).

[139] هذه الفتاة هي أرياذني بنت مينوس ملك كريت، وقد أقام لها ذايذالس مرقصاً في مدينة كنوسيوس (إلياذة 18: 592)

[140] يقال أن ينابيع المياه الباردة كثيراً ما تكون إلى جانب ينابيع المياه الحارة.

[141] أي 38: 8-11.

[142] جا 1: 7.

[143] إر 5: 22.

[144] أي 26: 10.

[145] جا 1: 7.

[146] حز 31: 9.

[147] هنالك تقليد في الأفلاطونية الحديثة وفي المسيحية يتحدث عن “طيران النفس”. وطالع فيدر لأفلاطون: 248.

[148] مز 134: 7.

[149] أي 38: 22.

[150] أي 38: 28.

[151] أي 38: 29.

[152] أي 26: 8.

[153] سير 48: 3.

[154] أي 5: 10.

[155] تك 9: 12.

[156] 2ملو 18: 44.

[157] 1أخ 7: 13.

[158] ملا 3: 10.

[159] متى 5: 45.

[160] أي 28: 25.

[161] مز 18: 6.

[162] مز 18: 7.

[163] أفلاطون: الجمهورية 6: 508.

[164] مز 103: 23.

[165] أي 38: 31.

[166] مز 146: 4.

[167] يشخص غريغوريوس خطابه، وفي هذا إشارة إلى الأهمية التي يعلقها الكتاب المقدس على الكلمة.

[168] عب 9: 24.

[169] كول 1: 16.

[170] خر 26: 31.

[171] عب 9: 24.

[172] طالع يو 20: 11.

[173] مز 103: 4.

[174] الطبيعة الأولى: طالع الرقم 13 من هذا الخطاب.

[175] روم 8: 38، يهو 9، 1تسا 4: 16.

[176] دا 10: 13.

[177] كول 1: 16.

[178] رؤ 4: 5.

[179] عب 1: 14.

[180] يخشى الخطيب ان يفكر البعض في أن هنالك تسلسلاً وهرمية في الطبائع وألا تعتبر الطبيعة الإلهية فوقها جميعاً.

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الأول ضد أتباع أفنوميوس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الأول ضد أتباع أفنوميوس غريغوريوس النزينزي

غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الأول ضد أتباع أفنوميوس غريغوريوس النزينزي

1– إلى المتحذلقين في الكلام يتوجه هذا الخطاب. ولكي يكون انطلاقي من الكتاب المقدس: ” هأنذا عليك أيها المتطاول الوقح”[1]، تعليماً، واصغاءً وتفكيراً. وإن هنالك لأناساً يشكون “الحكاك”[2] في سمعهم، وفي لسانهم، وها هم، على ما أرى، يشكونه في أيديهم[3]، بسبب كلامنا، وتستهويهم “الأحاديث الباطلة الفارغة، ومناقضات العلم الكاذب”[4]، “والمماحكات الكلامية”[5] التي لا تغني فتيلاً. فهكذا ينعت بولس كل ما كان في الكلام هذياناً وتطاولاً، هو رائد “الكلمة الناجزة”[6]، تلميذ الصيادين ومعلمهم. هؤلاء الذين يدور عليهم الكلام، ذوو اللسان الزلاق، والحاذق في تصيد أفخم الألفاظ وأجلها، حبّذا لو كانوا في أعمالهم هكذا حاذقين. قليلاً من الوقت وتتقلص سفسطائيتهم، وتتراخى في الخطب بهلوانيتهم السخيفة والمستهجنة، وما جرني إلى مثل هذا القول إلا كون السخف لا يجدر به إلا الاستخفاف.

2 – لقد نسخوا طريق التقوى[7] وحصروا همهم في أمر واحد: “عقد” المسائل المطروحة أو “حلها”[8] شأنهم في ذلك شأن الذين يقدمون على المسارح مشاهد الاقتتال، لا للغلبة وفاقاً لقوانين القتال، بل لخطف أنظار الجهال، ورغبة في التمدح وابتزاز الثناء – فيجب أن تضج كل ساحة عامة بدندنة خطبهم وأن يَثقُل جو كل وليمة بترّهات هذرهم، وأن يصبح كل عيد وكل حداد خاليين من بهجة العيد، حافلين بمرارة الحداد، وأن يكون العزاء في ويل أشد وطأة، في جل يخترق حجب الخدور كلها، وينقلها من مألوف بساطتها إلى القلق والاضطراب، وأن تذوي زهرة الخفر في التهافت على الجدل والحجاج.

وإذ كان الأمر كذلك، والشر لا يكبح جماحه، ولا يطاق نطاحه، وإذ كان سرنا العظيم في خطر الانقلاب إلى تحذق زري، فهلم، وليتحملنا الجواسيس[9]، نحن الذي “توجعنا جدران قلبنا[10] الأبوي، ونشعر بتمزق في المشاعر”، على حد ما قال إرميا الإلهي، لا يقابلوا كلامنا على هذه الأمور بالجفوة والتنكر، وليضبطوا لسانهم بعض الوقت إذا أمكنهم ذلك، ويميلوا إلينا بمسامعهم. وعلى كل حال فلا ضير عليكم في ذلك.

وهكذا فإما أن نكون قد خاطبنا “آذاناً صاغية”[11] وكان كلامنا مثمراً وذا فائدة لكم – لأن الزارع يزرع[12] الكلمة في كل ذهن، والذهن الذي يثمر[13] هو الذهن الجميل والخصيب – وإما أن تخرجوا هازئين مستخفين[14] وممعنين في التطاول والتحامل، حتى يكون لكم من ذلك مآدب على مآدب. فلا تعجبوا لخطاب أفاجئكم به وأجري فيه على غير ما تألفون، أنتم الذين تدعون معرفة كل شيء، وتعليم كل شيء، وذلك في كثير من الجرأة والسخاء، وتجنباً لاستيائكم لا أقول في كثير من الجهل والوقاحة.

3 – ليس لكل إنسان، ويكم، ليس لكل إنسان أن يتفلسف في شأن الله؛ ليس ذلك أمراً زهيد الثمن، ولا هو من شأن الزاحفين في التراب[15]. وأزيد: لا في كل حين، ولا أمام الجميع، ولا في كل شيء، بل عندما يلزم، ولمن يلزم، وبقدر ما يلزم، ليس من شأن جميع الناس، بل من شأن الذين تمرسوا بالتأمل وصعّدوا فيه، وقبل ذلك من شأن الذين طهروا النفس والجسد، أو الذين هم على الأقل في طريق ذلك التطهير. فمس الطاهر في غير طهارة[16] أمر غير مأموم العاقبة، كما هي حال العيون الضعيفة أمام أشعة الشمس. وفي أي وقت؟ عندما نتيح لأنفسنا سانحة الخروج من الحمأة ومن الضياع، وعندما يكون سلطان الحكم فينا غير غارق في التصورات المقلقة والباطلة، وإلا كنا كمن يمزج الخط الجميل بخرابيشه القبيحة، أو عرف الأطياب بالمقاذر. أجل، يجب أن نتيح لأنفسنا السانحة وأن نعرف الله، ونحكم باستقامة اللاهوت “متى بلغنا ميقاتنا”[17].

وأمام من؟ أمام من تعنيهم القضية ويغارون عليها، لا أمام من هي لهم كسائر الأشياء التي يتلهون بها في ثرثرتهم بعد حفلات السباق، والمسرح، والغناء، وبعد متعة البطن وما تحت البطن: هؤلاء يجدون مجال ترفه واسترخاء في معالجة هذه القضية بالمكايدة وحذلقات الجدل. وفيم يكون التفلسف وبأي قدر؟ يكون فيما هو لنا من المدركات، وفيما للمستمعين طاقة وقدرة على إدراكه، وإلا فكما تؤذي الأصوات الشديدة الآذان، والأطعمة القوية الأجسام، أو – إذا أردت – كما ترهق الأحمال الباهظة طاقة رافعيها، أو كما تسيء وابلات الأمطار إلى الأرض، هكذا تكون حال أولئك المستمعين، الذين يرهقهم ويبهظهم ما في الخطب من عوص – إذا صح القول – فينهار ما كان متبقياً لديهم من طاقة.

4 – لا أقول بوجوب الامتناع الدائم عن ذكر الله؛ ولا يهاجمنا مرة أخرى أولئك الذين ديدنهم ودأبهم المهاجمة. فعلينا أن نذكر الله أكثر مما نتنفس، بل علينا – إذا أمكن القول – ألا يكون لنا عمل سوى الذكر. وأنا من مؤيدي القول الذي يدعو إلى أن “يُهَذّ فيه ليلاً ونهاراً”[18] وأن يردد “في العشي والغداة والظهر”[19]، وأن “يبارك الرب في كل حين”[20]، وإذا اقتضى الأمر قلنا مع موسى: “عند النوم، وعند النهوض، وعند المشي في الطريق”[21]، وفي أي عمل آخر يعمل، فبالذكر يُصاغ التطهير.

وهكذا فلست أمانع الذكر الدائم لله، بل الجدل في موضوع الله، ولا أمانع الجدل على أنه كفر، بل على أنه تطفل، ولا التعليم، بل التفريط. الإكثار من أكل العسل يبعث على التقيؤ[22]، وإن كان عسلاً، ولكل أمر أوان[23]، على ما يرى سليمان – وعلى ما أرى أنا أيضاً – والجميل يكون غير جميل عندما يحدث بطريقة غير جمالية؛ تلك حال الزهرة، فهي في الشتاء في غير ميقاتها البتة، وكذلك زينة الرجال على النساء، وزينة النساء على الرجال، أو الهندسة[24] في مأتم، أو الدموع في مأدبة، ونحن نستخف بالوقت الملائم هنا فقط حيث يجب الاهتمام الشديد بما هو ملائم.

5 – لا، لا، أيها الأصدقاء والإخوة – وأدعوكم أيضاً إخوة، وإن كان سلوككم غير السلوك الأخوي – لا نذهبن في مثل هذا التفكير، ولا نكن كالخيول الجموحة الشّموسة[25] ونطوح بفارسنا – العقل – ولا نهملن التقوى التي “تشدنا”[26] شداً خيراً، ولا نَعدونَّ خارج المضمار، ولكن لنلزمن حدودنا في الجدل، ولا نتهاو إلى مصر، لا ننجز إلى أشور[27]، ولا نرنم “ترنيم الرب في أرض غربة”[28]؛ أتكلم في آذان الجميع، سواء كانوا من الغرباء أو من ذوينا، من الأعداء أو من الأصدقاء، من المفكرين أو من المغفلين، الذين يراقبون أمورنا بدقة شديدة، ويتمنون لو تنقلب شعلة مَضَرَّاتِنا لهيباً، فيوقدونها. وينفخ أنفاسهم يرتفعون بها خلسة إلى السماء، ويتجاوزون بها لهيب أتون بابل، الذي كان يلتهم كل ما كان حوله[29]. وإذ لم يجدوا في عقيدتهم القوة راحوا يطلبونها في مثالبنا، ولهذا فهم كالذباب على الجراح ينهالون على مواطن ضعفنا، ويأخذننا بما يجب أن نسميه بؤسنا وخطأنا.

وأما نحن فلا نتجاهلن ذواتنا من بعد، ولا نستهينن بالتحفظ والاحتراز في هذه الأمور، ولئن تعذر وضع حد للعدواة والبغضاء فلنتداع للكلام على الأسرار سرياً[30]، وعلى الأقداس قدسياً، غير ملقين في المسامع الأرضية ما لا يجوز إلقاؤه إليها، ولا نُظهرن عبدة الأوثان وخدمة الأساطير والممارسات المخزية أوفر توقيراً واحترازاً منا، هم الذين يؤثرون أن يتخلوا عن دمهم على أن يتخلوا عن كلمات تلقى إلى من لا قبل لهم بها ولا اطلاع على سرها، ولنعلم أنه كما في الملبس والسلوك، والضحك، والسير أدب اعتدال، كذلك في الكلام والصمت، فإننا نجل الكلمة مع سائر أسماء الله وقواته، وحبنا للجدل يجب أن يكون هو أيضاً مقيداً بنظام.

6 – لماذا يسمع بولادة الله وخلقه، وبخروج الله من العدم، ولماذا يسمع بالانقطاع والانقسام والانفصال من يستقرئ هذه الألفاظ في تنكر؟[31] لماذا نُقيم المتهم حكماً علينا؟ لماذا نجعل السيف في قبضة أعدائنا؟ كيف تراه يستقبل كلامك على هذا القضايا، وبأي نفسية تراه يتقبله، من يقر الزنى والفساد في الأولاد، من يتعبد للأهواء، من لا يقوى على الارتفاع بفكرة فوق الجسد، من اتخذ له أمس وقبل الأمس آلهة عُرفوا بأقبح الإجرام؟ أليس مادياً؟ أليس تحقيرياً؟ أليس استخفافياً؟ أليس ذلك دأبه؟ أن يفقه هذه الأمور هكذا، ويجعل من اللاهوت وسيلة دفاع عن آلهته وأهوائه؟ إذا كنا نسيء إلى أنفسنا بهذه الألفاظ فكيف وبكم من الجهد يمكننا أن نحمل الآخرين على أن يعتنقوا مذهبنا ويكونوا من جماعتنا؟

وإذا كانوا بأنفسهم يختلقون المنكرات فمتى يتورعون عن تناول ما نقدمه لهم؟ هذا ما بعث الحرب فيما بيننا[32]، وهذا عمل المتحاربين لأجل الكلمة حرباً أوسع مما يرتضيه الكلمة[33]، وكأني بهم قد فقدوا العقل وكانوا كالمجانين الذين يبعثون النار في منازلهم، أو يُمزقون أبنائهم، أو يطردون والديهم على أنهم غرباء.

7 – بعد تخلصنا مما هو غريب عن كلامنا، وبعد إلقائنا “الجوقة الكثيرة العدد” في قطيع الخنازير الذي تواثب إلى عمق البحيرة[34]، فلنمض فيما يلي من حديثنا، ولنلق النظر على ذواتنا، ولنصقل اللاهوتي صقلاً جماليّاً كما يُصقل التمثال. لنفكر أولاً في هذا: ما هذا التنافس في النقاش، وهذا الانجراف في الكلام؟ ما هذا الوباء الجديد وما هذا الكَلَبُ المُستحدث؟ لماذا، وقد غللنا الأيدي، لم نحجم عن إصلات الألسنة؟ ألسنا نحمد قرى الغرباء؟ ألا نعجب بالحب الأخوي والحب الزوجي، والبتولية، والحَدب على البؤساء؟ ألا نعجب بالترنم بالمزامير، وإحياء الليل بطوله وقوفاً، وسكب الدموع الغزيرة؟ ألا نقمع جسدنا[35] بالصوم؟ ألا ننطلق إلى الله بالصلاة؟ ألا نخضع الناحية الدنيا فينا للعليا، أعني “التراب”[36] للروح، كمن يحكمون الحكم العادل على هذا الكائن الخليط؟ ألا نجعل الحياة “تدربنا على الموت”؟[37]

ألا نقيم من أنفسنا سلطاناً مسيطراً على الأهواء، ذاكرين الأصالة الكريمة التي لنا من العلاء؟ ألا ندجن الغضب الذي ينتفخ ويتلهب؟ والتشامخ الذي يصرع[38]، الحزن الطائش، المتعة الفظة، والضحك الفاجر، والنظر الجائر، والسمع الجشع، والكلام القذع، والفكر الجامح، وكل ما يقتنصه الشرير فينا ليرمينا به مدخلاً الموت “من كوانا”[39] على حد قول الكتاب، أي من حواسنا؟ إننا بخلاف ذلك نطلق العنان لأهواء الآخرين، كما يسرح الملوك جنودهم بعد الانتصار، ويكفي أن يميلوا برأسهم إلينا لكي يتحاملوا بعد ذلك على الله بجرأة أشد وكفر ألد، ونحن نشتري العمل الطالح بالمكافأة القبيحة، أي الإقامة المطمئنة على الكفر[40].

8 – ومع ذلك فإني أتوجه إليك بسؤال وجيز أيها الجدلي الثرثار: “وأنت أجب”[41] يقول لأيوب من يتكلم في العاصفة وفي السحاب. هل عند الله منازل كثير كما يترامى إلى سمعك[42]، أم منزل واحد؟ لا شك في أنك تقول بالكثيرة لا بالواحد. وهل يجب أن تسْكَن جميعها، أم يُسكن البعض منها ويبقى البعض الآخر خالياً ولا فائدة من إعداده[43]؟ نعم جميعها، إذ ليس من عبث فيما يصدر عن الله. وهذا المنزل كيف تتصوره؟ هل لك في أن تُجيب؟ أليس مقر راحة ومجد معداً هناك للطوباويين، أم تراه شيئاً آخر؟ ليس هو شيئاً آخر. وإذ كان الأمر لا خلاف فيه، فلنبحث فيما يلي: هذا الذي يتيح لنا دخول تلك المنازل، اهو شيءٌ ما – كما أقول أنا – أم هو لا شيء؟ من الثابت أنه شيء ما. فما هو؟ هناك أنواع مختلفة في سياسة الحياة وهنالك خيارات متعددة من شأنها أن تتيح دخول هذا المنزل أو ذاك على حسب قاعدة الإيمان[44].

وهذا ما نسميه “السبل”. فهل يجب سلوك جميع هذه السبل أو سلوك بعضها؟ بل جميعها لو كان ذلك في إمكان الإنسان الواحد، وإلا فأكثرها، وإن تعذر عليه ذلك فبعضها، وإن تعذر ذلك كان من الجدير به ومن عظيم الشأن بالنسبة إليه أن يسلك واحدة سلوكاً كاملاً، على ما يبدو لي وموافقتك على ذلك صوابية ولا مداورة فيها. ولكن ماذا؟ عندما تسمع أن هنالك طريقاً واحدة وأنها ضيقة[45]، فماذا يعني هذا القول في رأيك؟ إنها واحدة بسبب الفضيلة، لأن الفضيلة واحدة وإن تشعبت، وهي ضيقة بسبب ما تسيله من عرق، وبسبب أن الكثيرين يجدونها غير سالكة، وعلى حد ما يراه الكثيرون من الزائغين والآخذين في طريق الفسق. وهذا ما أراه أنا أيضاً.

فإذا كان الأمر كذلك، أيها العزيز، فعلام تبطل كلامنا وتزعم أنه لا يخلو من فقر، وفيم تجانب جميع الطرق الأخرى وتنصب وتتهافت على هذه الطريق الوحيدة، طريق النقاش والمباحثة، كما ترى، وأنا أقول إنها طريق الثرثرة والتدجيل. فليؤنبكم بولس الذي، بعدما عدد المواهب انهال باللوم الشديد في هذا الموضوع قائلاً: “أيكون الجميع رسلاً، والجميع أنبياء؟”[46] وما يلي.

9 – فليكن! لقد ارتفعتَ أنت، وارتفعتَ على المرتفعين، وعلى السحاب، وإن شئت، وأنت تشاهد ما لا يُشاهد، وتسمع “كلمات تفوق الوصف”[47]، وطلعت مع إيليا[48]، وكنت أهلاً لأن يتجلى لك الله مع موسى[49]، واختطفت إلى السماء مع بولس[50]، زه! وأنت تنشئ الآخرين على القداسة في يوم، وتختار اللاهوتيين برفع اليد، وتنفخ فيه العلم نفخاً، وتصطنع زمراً من العلماء الجهال! لماذا تلف الضعفاء بخيوط عناكبك، كما لو كان في الأمر حذقٌ وموطن فخار؟ لماذا تثير مدبرة الدبابير في وجه الإيمان؟ لماذا ترتجل ثورة الجدليين علينا وكأنهم مردة الأسطورة القديمة[51].

لماذا جمعت من بين البشر كل خفيف وخسيس كركام قمامة في وحدة واحدة، وبعدما زدت في تخنيثهم بالممالقة لماذا أنشأت وكراً جديداً للكفر، مستغلاً حماقتهم بحذق ودهاء؟ ألا تزال تنقض هذا القول؟ ولا يهمك أي شيء آخر؟[52] وفيما كان من واجبل أن تضبط لسانك ضبطاَ كاملاً رحت تسترسل فيما تتمخض به من كلام! لديك موضوعات أخرى كثيرة ونبيلة للدراسة والنقاش حول إليها سعارك بطريقة مفيدة.

10 – اطعن لي في صمت فيثاغورس[53]، والفول الاورفيّ[54]، ووقاحة الطريقة الجديدة في الحجاج القائمة على العبارة “لقد قال”[55]. إطعن لي في مُثُل أفلاطون، وفي التناسخ وعودة نفسنا الدورية[56] والتذكر[57]، والحب الذي تستثيره الأجسام الجميلة في النفس والذي يخلو من كل جمال[58]، وإلحاد أبيقورس، والذرّة، واللذة التي لا تليق بالفلسفة[59]، وعناية أرسطو[60]، ودقة حذاقته الفنية، وخطبه الفائية في موضوع النفس، والنزعة البشرية في تعاليمه؛ وتعبس الرواقيين، وجشع الكلبيين وسوقيتهم[61]. اطعن لي في الملآن والفارغ[62]، وفيما بين تخريفاتهم جميع تخرصاتهم في شأن الآلهة أو الذبائح، في شأن الأوثان، والأرواح الخيرة والشريرة، والتكهن، واستحضار الآلهة والأرواح، وقدرة الكواكب.

وإذا وجدت كل ذلك غير لائق بكلامك، وأنه أمر حقير طالما عولج، وإذا تحولت إلى ما يعنيك وطلبت موضوعاً نبيلاً، فإني أدلك هنا أيضاً على طرق واسعة. ناقشني في موضوعات العالم أو العوالم، والمادة، والروح، والطبائع العاقلة سواء كانت صالحة أو شريرة، والقيامة، والدينونة، والجزاء، وآلام المسيح. فالانتصار في هذا المجال لا يكن بلا جدوى، والفشل لا يكتنفه الخطر[63]. وإننا سنلتقي الله الآن جزئياً، ولكننا سنتلقيه بعد قليل على نحو أكمل، في المسيح يسوع نفسه ربنا، الذي له “المجد إلى الدهور”[64] آمين.

[1] إر 50: 13.

[2] 2تيم 4: 3.

[3] في هذا الكلام إشارة إلى عنف الأريوسيين في خصومتهم للكاثوليكيين، و”الأيدي” هنا تعني الكتابة.

[4] 1تيم 6: 20.

[5] 1تيم 6: 4.

[6] روم 9: 28.

[7] اللفظة “طريق” هنا بالمعنى الكتابي، فهي تعني الحياة الأخلاقية والدينية.

[8] دا 5: 12.

[9] يشير بـ “الجواسيس” إلى من كان حاضراً من جماعة أفنوميوس.

[10] إر 4: 19.

[11] سير 25: 12 (9).

[12] متى 13: 3

[13] متى 3: 23.

[14] كان الأريوسيون يهزأون بغريغوريوس لأنه كان فقيراً متغضن الوجه، محدودب الظهر، قد نهكه الصوم، ولأنه كان يأتي من مكان بعيد. هذا ما يخبرنا به هو نفسه في سيرة حياته التي نظمها شعراً.

[15] أي أولئك الذين لم يستطيعوا التخلص من أهوائهم ومن المشاغل الأرضية.

[16] فكرة أفلاطونية مرجعها إلى المبدأ العام القائل بأن الشبيه لا يمكن أن يعرفه إلا شبيهه.

[17] مز 74: 3

[18] مز 1: 2.

[19] مز 54: 18.

[20] مز 33: 2.

[21] تث 6: 7.

[22] أم 25: 27.

[23] جا 3: 2.

[24] وردت اللفظة “هندسة” في معظم المخطوطات.

[25] مز 31: 9.

[26] مز 31: 9.

[27] مصر وآشور: أي بلاد الغربة والابتعاد عن الأرثوذكسية.

[28] مز 136: 4.

[29] دا 3: 22.

[30] أي لا نحاولن أن نفسر الأسرار بأقوال مضللة.

[31] في هذا الكلام شبه خلاصة للآريوسية يظهر فيها الخطيب أن الحوار اللاهوتي على طريقة الهراطقة يسيء إلى المسيحية. ومن المعلوم أن الآريوسية تعد ولادة الكلمة برهاناً على أن الألوهة غير كاملة في الكلمة برهاناً على أن الألوهة غير كاملة في الكلمة. وهو من ثم مخلوق نوعاً ما. من هنا اهتمام الآريوسية، ولا سيما أفنوميوس، بالتميز واللولبة، فالكلمة في نظرهم هو مخلوق الله المباشر، وليس هو من جوهره على طريق التواصل. وبين اللامولود وكلمته انقطاع، وانقسام وانفصال.

[32] الأرثوذكسيون والهراطقة ينتمون إلى المسيح، والحرب القائمة فيما بينهم هي حرب بين الإخوة.

[33] فالكلمة لا يرتضي هذا الجدل غير اللائق في موضوع ولادته.

[34] مر 5: 9-13؛ لو 8: 30-33.

[35] 1كو 9: 27.

[36] تك 2: 7.

[37] كلام مأثور لأفلاطون (فيدون 81 أ).

[38] مز 72.

[39] أر 9: 21 (العبراني: 20).

[40] في هذا كله تنديد بالذين يحسبون أن النقاش اللاهوتي وتعليم العقيدة ممكنان لمن لم يمارسوا حياة التقشف والنسك. فالنسك ضروري للتطهير، والتطهير ضروري للعمل اللاهوتي.

[41] أي 38: 3.

[42] يو 14: 2.

[43] يو 14: 2.

[44] روم 12: 6.

[45] متى 7: 14.

[46] 1كور 12: 29.

[47] 2كور 12: 4. ليس في هذا المقطع معالجة لموضوع المواهب الروحية، بل محاولة لبقة من الخطيب لحمل خصمه على اعتبار أن اللاهوت، بالمعنى الأقنومي، ليس الطريق الوحيدة التي تقود إلى الله.

[48] 2 ملو 4: 11.

[49] خر 2: 3؛ 19: 2؛ 33: 18-23.

[50] 2 كور 12: 2.

[51] إشارة إلى أسطورة قدموس الذي نثر أنياب التنين الذي قتله، فخرج منها محاربون مدججون بالسلاح.

[52] أي شيء غير النقض والمناقضة.

[53] كان فيثاغورس يفرض على تلاميذه الصمت خمس سنوات.

[54] كان فيثاغورس يحرم الفول، ولا تزال العلاقة بين الفيثاغورية والأورفية مجهولة.

[55] كانت هذه العبارة حجة الفصل عند الفيثاغوريين.

[56] كانت الرحلة الدورية تستغرق ألف سنة.

[57] المعرفة عند أفلاطون هي تذكر، وعلى ذلك فلا بد أن تكون النفس قد شاهدت المثل قبل ميلادها.

[58] إشارة إلى “الظرفاء” الذين ورد ذكرهم مراراً في آثار أفلاطون.

[59] كان أبيقورس يجعل الذرات في أساس العالم ويجعل السعادة القصوى في اللذة.

[60] العالم في نظر أرسطو أزلي، والله لا يعني به ولا يؤثر فيه إلا بالجاذبية.

[61] في هذا الكلام إشارة إلى خرج الكلبيين الشهير، ومن المعلوم أن ديوجينس كان يعيش على الصدقة.

[62] اشتعر ديمقريطس بهذه الآراء.

[63] يرى الخطيب أن هذه الأمور التي بوردها لم يوضحها الكتاب المقدس بصراحة، وهي في هذا المعنى يمكنها أن تكون موضوع بحث.

[64] رؤ 1: 6.

الخطاب اللاهوتي الأول ضد أتباع أفنوميوس غريغوريوس النزينزي

Exit mobile version