مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

 

لقد استخدم السيد المسيح تعبير “فدية” عن نفسه، حيث يقول:

 (مت 20 اية 28) “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”

كما استخدمه بولس الرسول عن المسيح ليوضح عمل الفداء الذي قام به المسيح كالتالي:

 (١تي ٢ :٦) “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ”.

ولكن يتتبع البروفيسور راشدال فكرة الفدية وأصولها في العهد القديم ويقول التالي:

“نجد تعبير الفدية في [الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ]. (المزامير7:49) وفي [إِنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مُرْسَلٌ، وَسِيطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ لِيُعْلِنَ لِلإِنْسَانِ اسْتِقَامَتَهُ، يَتَرَاَءَفُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: أُطْلِقُهُ عَنِ الْهُبُوطِ إِلَى الْحُفْرَةِ، قَدْ وَجَدْتُ فِدْيَةً].  (أيوب24-23:33) وفي [«مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ»]. (هوشع14:13). كما يأتي تعبير λύτρον في النص السبعيني بصيغة الجمع τά λύτρα ١٧ مرة من أصل ٢٠ مرة، وتعادل الكلمات العبرية التالية:

 

١. فدية kopher (الأصل kaphar, kipper) كما في (خر٢١: ٣٠، ٣٠: ١٢) حيث يتم شرحها عادةً في اللغة العربية بمعنى ‘غطاء’ أو عطية استرضائية، ولكن المعنى الأصلي على الأرجح أكثر موجود في اللغتين البابلية والآشورية. حيث استخدام فعل “تسديد الدين” من خلال فعل طقسي تعبدي، وكذلك في اللغة السريانية “تسديد الدين”.

كما يشير درايفر Driver (Art. Expiation in Encycl. Of Religion & ethics) إلى أنه فكرة ‘التطهير’ في اللغة العبرية صاحبت الكلمة مبكرًا، لذلك الفكرة هي عن التطهير بالحري وليس عن ‘الاسترضاء’. ولا يكون الله أبدًا موضوع أو هدف ‘kipper’ أو ίλάσκομαι كما في النص السبعيني، لأنها حالة ثابتة عند الكُتاب الوثنيين.

 

٢. فداء g’ullah (الأصل ga’al أي “إزالة المطالبة بالدعوى” وكذلك “تبرئة” أو “استرداد”) وهو فعل أو حق الاسترداد، والخلاص والتعويض من أجل حقل أو عبد كما في (لا٢٥: ٢٤)، والتسديد مصنوع من أجل الخلاص أو تسديد الدين كما في  (لا٢٥: ٢٦، ٥١).

 

٣.فدية pidhyon, p’dhuyium (الأصل padhah) كما في (خر٢١: ٣٠) و (عد٣: ٤٨، ٥١) عن الثمن المدفوع كفدية.

 

٤.الربح أو الثمن أو المهر m’hir (فعل غير مستخدم) كما في (إش٤٥: ١٣)، وإن استخدمه ربنا، فالمعنى المحتمل أكثر يبدو أنه kopher أي كفارة بالشكل الآرامي. وإن كانت الكلمة تعود إلى البشير أو إلى التقليد، فلا نحتاج للاعتقاد بالمقابل الآرامي. يمكن تخليص فكرة λύτρον بسهولة من الفكرة العامة للفداء άπολύτρωσις.

حيث قد افتدى الله إسرائيل أي اشتراه، وهكذا جعله خاصته، وهي فكرة منتشرة في العهد القديم، وتحولت في العهد الجديد إلى إسرائيل الروحي كما في (أف١: ١٤؛ أع٢٠: ٢٨). وبالتالي، لا تحتاج الفكرة لإعطاء إجابة على سؤال لمَن دُفعت الفدية؟ ولا حتى إجابة محددة بعينها على سؤال مما تم خلاص شعب الله: الفكرة الرئيسية هي أنهم تم شرائهم لله، أي للملكوت، والخلاص، والسعادة الأبدية.

ولا توجد كلمة λύτρον عند ق. بولس، بالرغم من أن لدينا كلمة άπολύτρωσις عدة مرات، والفكرة موجودة في (١كو٦: ٢٠، ٧: ٢٣): “اشتريتم بثمن”. الكلمة التي قالها المسيح عن نفسه كفدية موجودة في (١تي٢: ٦)، حيث القراءة الصحيحة هي άντίλυτρον. يعلق M. Riviére في كتابه (Le Dogme de la Rédemption, p. 49) أنه “في العهد الجديد – وعادةً أكثر عند الآباء أيضًا- نجد فقط حرف الجر άντί عند تسميتها بكلمة ‘فدية’.

حيث أنه من الملاحظ إنه يُقال أحيانًا عن الله أنه ‘فدية’ λυτροϋν لشعبه بمعنى ‘يحرر’ أو ‘يخلص’ في آيات لا يوجد بها أي نوع من دفع الثمن أو المقابل كما في (خر٦: ٦) ga’al و (تث٢١: ٨) padhah وكذلك في (إر١٨: ٢٣؛ مز٧٨: ٣٨)، حيث تستخدم كلمة kipper عن فعل الله، وسوف تمثل كلمة “يطهر بعيدًا” الفكرة، حيث يترجم درايفر Driver الكلمة ‘يطهر’، بينما تقترب الفكرة عند ليرت  Leart من pardon أي الغفران أو الصفح.

الفكرة الرئيسية المفترضة من تعبير ‘فدية’ هي فكرة الثمن المدفوع من أجل تأمين المنافع للآخر- أو على وجه التحديد، الثمن المدفوع لتأمين الحياة أو الحرية”.

Hastings, Rashdul, Idea of atonement in christian theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), P. 32& 33 n. 3.

 

أما عن مفهوم الفدية عند الآباء ينقسم الآباء فيه إلى ٣ آراء:

١.الرأي الأول:

 يقول بأن الفدية قدمها الابن إلى الآب ونجد هذا الرأي عند كل من التالي:

ق. أثناسيوس، حيث يقول:

“وعندما أراد الآب أن تُقدم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة الكل، عندئذ مثلما أرتدى هارون الجبة أخذ الكلمة جسدًا من الأرض متخذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يقدمه، فهو يقدم ذاته للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ويقيمنا من بين الأموات” (ضد الآريوسيين ١: ١١: ٤١).

ويتفق مع هذا الرأي أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي حيث يقول:

“وإذ كان فينحاس عندما زادت غيرته ذبح فاعل الشر، فرد سخط الرب، فهل يسوع الذي لم يذبح غيره، بل بذل نفسه فدية ليرد السخط الذي كان من جهة الجنس البشري؟”. (العظات للموعوظين ١٣: ٣).

٢.الرأي الثاني:

يقول بأن الفدية قدمها المسيح للشيطان وهذا يقول به مجموعة من الآباء كالتالي:

ق.ايرينيؤس حيث يقول:

“وهو الذي فدانا بطريقة تناسب العقل، أعطى نفسه كفدية لأولئك الذين واقعوا في الأسر. وحيث أن الارتداد (إبليس) طغى علينا ظلمًا، رغم أننا بالطبيعة ملك الإله كلي القدرة، فإن الارتداد (إبليس) جعلنا غرباء عن الله ضد الطبيعة، إذ جعلنا تلاميذه، فإن كلمة الله القوي في كل شيء، وليس ناقصًا من جهة عدله قام ضد ذلك الارتداد بطريقة عادلة، وأفتدى خاصته منه لا بوسائل عنيقة، مثلما تسلط الارتداد علينا في البداية، حينما انتزع بدون شبع ما لم يكن له.

بل عن طريق الإقناع كما يليق بإله المشورة، الذي لا يتعامل بوسائل عنيفة ليحصل على ما يريد، حتى أنه لا تنتهك العدالة من ناحية، ولا يهلك صنعة يدي الله من ناحية أخرى، وحيث إن الرب قد فدانا بدمه هكذا، باذلاً نفسه عن نفوسنا وجسده عن أجسادنا”.

(ضد الهرطقات ٥: ١: ١).

العلامة أوريجينوس حيث يقول:

“فإذا كنا قد اُشترينا بثمن، كما يؤكد بولس الرسول، فبلا شك فإننا اُشتُرينا من شخص كنا عبيدًا له، وقد طالب أيضًا بالثمن الذي أراده، لكيما يحرر من سلطانه مَن هم في قبضته. الآن كان إبليس هو مَن يمسكنا، الذي أُُخذنا له بسبّب خطايانا. لذلك فقد طالب بدم المسيح كثمن له. وبالتالي متى قُدم دم المسيح الذي كان ثمينًا جدًا، بحيث يكفي وحده لفداء الكل”. (تفسير رومية ٢: ١٣: ٢٩).

ق.باسيليوس الكبير حيث يقول:

“فطهرنا بالماء وقدسنا بالروح القدس وبذل نفسه فديةً للموت الذي كان مستوليًا (إبليس مَن له سلطان الموت بحسب عب ٢) علينا ارقاءً تحت الخطية، وانحدر بالصليب إلى الجحيم ليمتلئ الكل منه، فحلّ أوجاع الموت وقام في اليوم الثالث”. (ليتورجية ق. باسيليوس بحسب الطقس البيزنطيّ/ الافخولجي الكبير ص ١٤٢).

ق.غريغوريوس النيسي حيث يقول:

“وبالتالي نظر العدو هذه القوة فيه (أي في المسيح) ورأى فيه أيضًا الفرصة من أجل التقدم، وفي المبادلة بحسب قيمة ما يحتويه، ولهذا السبب أختاره (أي إبليس) كفدية لهؤلاء القابعين في سجن الموت”. (العظة التعليمية الكبرى: ٢٣).

كما يؤيد ق.أوغسطينوس فكرة دفع الفدية للشيطان، حيث يقول:

 “لأن دم المسيح في هذا الفداء، قد أُعطي ثمنًا لأجلنا بموافقة وقبول إبليس الذي لم يكن مُستغنيًا، بل مُقيدًا لكي ما يطلقنا من قيوده”. (الثالوث ١٣: ١٥: ١٩).

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“لأن ثمننا الذي عرضه عليه على صليبه يشبه مصيدة فأر، وكطُعم موضوع عليها بدمه”. (عظة١٣٠: ٢، عظة ١٣٤: ٦).

ولقد كان مِن مؤيدي تقديم الفدية للشيطان من الآباء اللاتين أيضًا ق. أمبروسيوس وق. جيروم.

ويؤيد البابا لاون الكبير فكرة تقديم الفدية للشيطان كالتالي:

“أصر اللص عديم الضمير والسارق الجشع على الهجوم عليه (أي المسيح) ، مَن ليس له فيه شيء يخصه، وتخطى بتنفيذ الحكم العام على الخطية الأصلية القيد الذي أوثقه (أي إبليس) به، وطالب بمعاقبة الإثم ممَن لم يجد فيه أي ذنب، وبالتالي، تم إبطال المواعيد المؤذية للصك المميت، وتم إلغاء الدين كله من خلال ظلم الثمن الفاحش”. (عظة ٢٢: ٣، ٤).

 ويؤيد البابا غريغوريوس الكبير نفس الفكرة قائلاً:

” خدعه الرب مثل عصفور، عندما أظهر أمامه في الآلام ابنه الوحيد كطُعم، ولكنه أخفى حبل المشنقة”. (الأخلاق ٣٣: ١٥ على “أي ٤٠: ٢٤”).

٣.الرأي الثالث:

 يرفض فكرة تقديم المسيح الفدية لإبليس ويعتبر الفدية هي القضاء على الفساد والموت والالتفاف عليهما، وهذا نجده عند كلٌّ من:

ق.غريغوريوس اللاهوتي حيث يقول:

“والآن إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَن قُدمت؟ ولأيّ سبب؟ إذا قُدمت للشرير، فليُبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية لا من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا عظيمًا لاستبداده بالبشر حسب رغبته”. (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

كما يرفض في نفس العظة تقديم الفدية للآب أيضًا حيث يقول:

“أما إذا كان قد دفع للآب، فأنا اتساءل أولاً: كيف؟ لأن الآب لم يمسكنا كرهينة. لماذا سُر الآب بدم ابنه الوحيد، وهو الذي لم يقبل إسحق حين قدمه إبراهيم ذبيحة محرقة كاملة، بل بدّل الذبيحة بكبش؟ أليس الأمر واضحًا، أن الآب قد قبِل الذبيحة ليس لأنه طلبها أو كان في إحتياج لها، ولكن لأجل تدبيره: لأن الإنسان لابد أن يُقدس بإنسانية الله؛ والله نفسه يجب أن يخلصنا بأن يغلب المستبد بقوته هو، وأن يردنا إليه بواسطة الابن الذي يفعل هذا كله لمجد الله الذي أطاعه في كل شيء” (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

*وهنا نجد النزينزي يؤكد فكرة تقديس البشرية بإنسانية المسيح وانتصار المسيح على إبليس بقوة قيامته ونصرته على مَن بيده سلطان الموت أيّ إبليس.

ق.كيرلس الاسكندري رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس وللآب حيث يقول:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها” (حوار حول تأنس الابن الوحيد: ٧). وهنا يؤكد ق. كيرلس على نفس مفهوم ق. غريعوريوس اللاهوتي أن يعطينا الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته.

الأب يوحنا الدمشقي رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية للشيطان حيث يقول عن المسيح:

“إنه قدم ذاته فديةً عنا، وبذلك يحلنا من الحكم علينا ولكن حاشا أن يكون دم الرب قد تقرّب للطاغية (إبليس)” (المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي ٣: ٧١: ٢٧). ويؤكد الدمشقي أيضًا على أن الفدية هي حل قيود الإنسان من حكم الموت والفساد الذي جلبه على ذاته بالعصيان والخطية.

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

بحث حول موضوع البدلية العقابية ومفاهيم تدبير الخلاص

البدلية العقابية تحت الجهر – د. انطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

يتحدث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف (لاهوتي بروتستانتي) عن الاختلاف بين اللاهوتين الشرقي اليوناني والغربي اللاتيني في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

في اللاهوت الآبائي اللاتيني:

على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائي اللاتيني لديه نقاط عديدة مشتركة مع تعليم اللاهوت اليوناني المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مهمة في الظهور*. حيث يبدأ النوع اللاتيني المختلف من اللاهوت مع ترتليان*. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصور التجسد على أنه يؤثر على الجنس البشري بالأساس من خلال الإرشاد والمثال.

ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكل أو بآخر إلى الخلفية. حيث يركز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب*، معتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يمكن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحددة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت*، مثل: ‘ذنب’، و ‘ترضية’، و ‘استحقاق’، وما إلى ذلك، التي تم توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطور اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح*.

ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يطبق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاري، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطور عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية”.

ثم يستطرد قائلاً في نفس السياق متحدثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتيني، موضحًا الاختلاف بين اللاهوت اليوناني واللاهوت الأوغسطيني بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

“نشعر بشكل طبيعي بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس، الأب الكنسي الأعظم في الغرب، قد أضاف بشكل كبير، سواء على المستويين الجوهري والشكلي، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يقدم آراء متنوعة، جامعًا في ذاته التطور السابق.

كما توجد فكرة تأله الطبيعة البشرية بالتجسد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط*، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليوناني*.

حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مختلفة*. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض* النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهي*، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب*، وكمصالحة للإنسان مع الله*.

لم يطور أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يميز بصورة حادة بين الجانب القضائي والتجديدي للفداء”.

Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of christ, p. 125-129.

ويتضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانوني والقضائي في اللاهوت الغربي اللاتيني تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائي والتأليهي في اللاهوت الشرقي اليوناني.

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

يعلق البروفيسور نورمان بويل ويليامز N. P. Williams (لاهوتي بروتستانتي) أستاذ اللاهوت بجامعة دورهام بإنجلترا، وصاحب الكتاب الأهم عن تاريخ عقيدة السقوط والخطية الأصلية بعنوان “أفكار السقوط والخطية الأصلية”، على مفهوم الفداء والخطية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي والآباء اليونانيين كالقديس أثناسيوس وغريغوريوس النيسى التالي:

“نحتاج فقط للإشارة، دون التعليق على ذلك، إلى حقيقة أن مفهوم الفداء يبدو من المفترض هنا (عند ق. غريغوريوس اللاهوتي)، كما في كتابات أثناسيوس وغريغوريوس النيسى، هو مفهوم الاتحاد باللوغوس المتجسد*، و ‘التأله’ النهائي من خلال الاستقبال السرائري له في الإفخارستيا*.

ولكنه لم يُذكر ذلك في الواقع صراحةً، بل إنه من الصعب علينا، إن لم يكن مستحيلاً، رؤية كيف يمكن لاتخاذ اللوغوس للنوس (العقل) البشري أن يكون له الأثر الخلاصي على نوس الجنس البشري بوجه عام، إلا إذا تصورنا اكتمال ‘الإنجماع الكلي’ الأخير لجنسنا في المسيح عن طريق الاندماج السرائري لأفراده الضالين والخطاة فيه (أي في المسيح).

بل يمكن القول في الواقع بأن الشفاء والتقديس بواسطة الأسرار يمثل الغاية التي تقود إليها بشكل طبيعي الطريقة الطبية* لتصور ‘الميل الفطري للخطية’ التي يفضلها الفكر اليوناني*، تمامًا كما أن الغفران والتبرير القانونيين هما الغاية التي يفترضها المفهوم القضائي الأكثر ملائمةً للعقلية اللاتينية*”.

  1. P. Williams, Ideas of the fall and of original sin: A Historical and Critical Study, (London, New York & Toronto: Longsmans, Green & Co., 1929), p. 292.

اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس

تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس

تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس

 

كانت تراودني من فترة فكرة كتابة هذا المقال من أجل توضيح الفرق الهائل في المفاهيم الخاصة بتدبير الخلاص بين آباء الكنيسة ولاهوت العصر الوسيط وبالخصوص اللاهوت المدرسي، الذي خير من يمثله هو الأب توما الأكويني، الذي قرأته له كثيرًا، وهكذا وجدت اختلافات تكاد تكون جذرية بين مفاهيم تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني ممثلاً عن اللاهوت المدرسي في العصر الوسيط. لذا قررت أن أعرض نقاط الاختلاف بين الطرحين في هذا المقال.

سأبدأ بعرض أفكار توما الأكويني عن تدبير الخلاص، ثم سأقوم بعرض أفكار آباء الكنيسة، عاقدًا مقارنة بين الطرحين، من أجل إظهار الاختلافات الجذرية بين الطرحين الآبائي والأكويني.

 

يتحدث الأكويني أولاً عن آلام المسيح كترضية واستحقاق عن البشر، مقارنًا بين القدرة على الفعل وممارسة الفعل ذاته، حيث يقول التالي:

“لذا، من الواضح، كما نرى من هذه المناقشة، أخذ المسيح بعض نقائصنا في نفسه، ليس عن اضطرار، بل من أجل غرض محدد (أي من أجل خلاصنا). ولكن كل قوة، وكل عادة، أو قدرة معينة فهم من أجل فعل كنهايتهم. لذا القدرة على المعاناة لم تكف للترضية أو الاستحقاق بمعزل عن المعاناة الفعلية. حيث يُدعى الشخص صالحًا أو شريرًا، ليس لأنه قادر على ممارسة الأعمال الصالحة أو الشريرة، بل لأنه يمارسها، ويتم تقديم المدح أو اللوم كما ينبغي لا من أجل القدرة على العمل، بل لممارسة العمل”.

Aquinas, Thomas, Shorter Summa, Trans. By Cyril Vollert, (Manchester, New Hanpshire: Sophia Institue Press, 1993), p. 227- 228, 289.

يستطرد الأكويني في شرحه لسر الفداء من خلال مبدأ إيفاء مطالب خطايانا وخطية آدم الأب الأول، حيث يقول التالي:

“وبالتبعية، من أجل خلاصنا، لم يكن المسيح يقصد ببساطة أن يجعل قابليتنا للألم نصيبًا له، بل أراد حقًا أن يتألم لكي ما يوفي مطالب خطايانا. احتمل لأجلنا هذه الآلام التي نستحق أن نتألم بها نتيجة خطية أبينا الأول. وأول هذه الآلام هو الموت، الذي تؤول إليه جميع الآلام البشرية الأخرى كما إلى تعبيرهم النهائي. ‘لأن أجرة الخطية هي موت’ كما يقول الرسول في (رو٦: ٢٣)”.

Ibid.

كما يتحدث الأكويني عن البدلية العقابية في سياق شرحه لتدبير الخلاص كالتالي:

“ووفقًا لذلك، أراد المسيح أن يخضع للموت من أجل خطايانا، لذا في اتخاذه لنفسه من دون أي خطأ خاص به العقوبة الموجهة ضدنا، كي ما يحررنا من الموت المحكوم به علينا، بالطريقة التي سوف يصير بها كل شخص حرًا من دين العقوبة، إن أخذ شخص آخر على عاتقه أن يدفع العقوبة له”.

Ibid.

كما يتحدث الأكويني عن موت المسيح كمجرد نموذج ومثال لنا على الفضيلة الكاملة، وليس عن وجودنا الكياني في المسيح كما سنرى عند آباء الكنيسة كالتالي:

“كما أراد المسيح أيضًا أن يموت كي ما يكون موته مثالاً للفضيلة الكاملة لنا. لقد أعطى مثالاً للحب ‘لأنه ليس حب أعظم من هذا، أن يضع الإنسان ذاته لأجل أحبائه’ (يو١٥: ١٣). وكلما تكون الآلام كثيرة وبشعة، التي لا يرفض المرء أن يتحملها لأجل رفيقه، يظهر حبه على نحو مدهش”.

Ibid.

نلخص في نقاط بسيطة تعليم الأكويني عن سر الفداء، أولاً، فكرة القدرة على المعاناة وممارسة المعاناة الفعلية كترضية من أجل البشر، ثانيًا، فكرة إيفاء مطالب خطايا البشر وخطية آدم الأصلية، ثالثًا، فكرة الإبدال العقابي النيابي شخص يتم معاقبته عوضًا عن شخص آخر، رابعًا، آلام المسيح وموته مجرد نموذج ومثال لنا على الفضيلة الكاملة لكي نتمثل بها فقط.

نجد تعارض هذه الأفكار التي طرحها الأكويني مع تعاليم آباء الكنيسة السابقين عليه، وسوف نقوم باستعراض أفكارهم بشأن تدبير الخلاص كما فهموه.

نجد آباء الكنيسة يتحدثون عن وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره وعمله الخلاصي على العكس من نظرية البديل الذي يقوم بكل شيء من أجل البشر بمعزل عنهم.

 نبدأ بالقديس أثناسيوس الذي يتحدث عن وجودنا الكياني في المسيح عند موته كالتالي:

“كما أننا في المسيح متنا جميعًا بموته، هكذا في المسيح نفسه نرتفع أيضًا، إذ نقوم من الأموات ونصعد إلى السماوات”.

(ضد الاريوسيين ١: ١٤)

   كما يتحدث ق. أثناسيوس عن موت الجميع في المسيح مؤكدًا على وحدة الجنس البشري في المسيح آدم الجديد، حيث يقول التالي:

“لكي إذا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر”.

(تجسد الكلمة ٨: ٤)

يتحدث ق. كيرلس في نفس السياق مؤكدًا على فكرة وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه كالتالي:

“ونحن قد صُلبنا معه لما صُلب جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا”.

(تفسير رومية ٦: ٦)

    وهذا ما يؤكده ق. كيرلس في موضع آخر داحضًا فكرة البديل، ومؤكدًا على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، حيث يقول:

“ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السر العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعى ‘آدم الأخير’ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد”.

(تفسير يوحنا ١: ٩ على آية يو ١: ١٤)

ويؤكد أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي على نفس الفكرة حول وجودنا الكياني في المسيح في تدبيره الخلاصي، مؤكدًا على المبادلة الخلاصية الشفائية بيننا وبين المسيح، حيث يقول التالي:

“بالأمس صُلبت مع المسيح، واليوم أتمجد معه، بالأمس مت معه، واليوم نلت الحياة به، بالأمس دُفنت معه، واليوم أقوم معه…. وكما تشبه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، صار إنسانًا لكي يؤلهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، أتضع كي يرفعنا، جاز التجربة كي نغلب نحن به، أُهين ليمجدنا، مات ليخلصنا، صعد إلى السماء ليجذبنا إلى نفسه، نحن الذين سقطنا في وهدة الخطية”.

(العظة الفصحية الأولى PG 35: 396-407)

ونفس الشيء نجده عند ق. غريغوريوس النيسي الذي يتحدث عن المبادلة الشفائية والتأله بالنعمة في المسيح، داحضًا فكرة البديل العقابي التي رأيناها عند الأكويني، كالتالي:

“ولم يترك الخطية واللعنة والضعف بلا شفاء، بل قد ‘ابتُلع المائت من الحياة’، ولقد ‘كان مصلوبًا في ضعف، ولكنه حي في قوة’، وتحولت اللعنة إلى بركة. حيث امتزج كل شيء ضعيف ومائت في طبيعتنا مع الألوهية، وصار ما تكونه الألوهية”.

(الرسالة إلى البابا ثيؤفيلوس السكندري ضد الأبوليناريين)

   يتحدث النيسي أيضًا في موضع آخر مؤكدًا وجودنا الكياني في المسيح أثناء عمله الخلاصي،والمبادلة الخلاصية بيننا وبينه، وكيف آله اللاهوت كياننا البشري فيه بالنعمة كالتالي:

“لأنه حتى إن كانت طريقة حضور الله فينا ليست هي نفسها كتلك الحالة السابقة، إلا أننا نعترف أن وجوده فينا الآن وآنئذاك هو متساوي. فالآن هو يختلط بنا، باعتباره حافظ الطبيعة في الوجود، ومن ثم قد اختلط بكياننا حتى من خلال شركة اللاهوت يصير كياننا متألهًا، منعتقًا من الموت، ومتحررًا من طغيان الخصم. لأن عودته من الموت صارت بداية عودة جنسنا من الفناء إلى الحياة غير المائتة”.

(العظة التعليمية الكبيرة ٣: ٢٥: ٢)

هكذا في الأخير أحبائي يتضح لنا اختلاف المفاهيم حول سر تدبير الخلاص بين توما الأكويني ممثلاً عن اللاهوت المدرسي في العصر الوسيط، وبين آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية وليست عقابية، والذين يؤكدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مجرد مثال على فضيلة البذل والحب وكأنه منفصل عنا، بل نحن ندخل ونتحد معه في عمق السر الإلهي العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مجرد ترضية أو إيفاء لدين خطية آدم وخطايانا كما يعلم البعض في أيامنا، بل هو متحد بنا وبطبيعتنا ليؤلهنا ويؤله طبيعتنا فيه، ويبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.

تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس

نظريات الكفارة عند البروفيسور توماس تورانس – د. أنطون جرجس

نظريات الكفارة عند البروفيسور توماس تورانس – د. أنطون جرجس

نظريات الكفارة عند البروفيسور توماس تورانس – د. أنطون جرجس

يتحدث البروفيسور توماس تورانس أستاذ العقائد المسيحية في جامعة أدنبرج Edinburg باسكتلندا (لاهوتي بروتستانتي) عن جوانب عقيدة الفداء في الكتاب المقدس والتقليد الآبائي، حيث يقول التالي:

علاقة نظريات الكفارة بجوانب الفداء الثلاثة في العهد القديم

 لقد مالت النظريات التاريخية إلى أن تقع في ثلاث مجموعات أساسية، معروفة في العموم كالتالي: نظرية التأثير الأخلاقي، ونظرية الفدية ransom [١]، ونظرية البدلية العقابية penal substitution [٢]. هذا التمييز، يجعله أكثر وضوحًا التاريخ الذي يتفق بمعيار حقيقي معين مع الجوانب الأساسية الثلاثة في المفهوم الكتابي للفداء، ولكن ليس بشكل كامل.

فعلى سبيل المثال، يتم إغفال الجانب التعبدي للفداء، ولكن الأهم من الكل هو حقيقة فقدان الروابط البينية عندما ننظر إلى الكفارة بهذه الطريقة، وبالتالي الأجزاء الثلاثة التي تنقسم الكفارة إليها هي أكثر ضيقًا وفقرًا من الجوانب الأساسية الثلاثة أو خطوط الفداء padah أي الفدية، وkipper أي الكفارة، وgoel أي الفادي. لذا دعونا نفحص هذه الجوانب في ضوء النظريات التاريخية.

 

١.الجانب الدرامي (التمثيلي) للكفارة:

لقد مال إلى أن يقع في نظرية ‘الفدية للشيطان’، أو على أحسن تقدير مفهوم المسيح المنتصر Christus Victor. غالبًا هذه النظرية هي نظرية آبائية وفي العصر الوسيط المبكر، بل ولها مثيلاتها الحديثة في الدوائر اللوثرية والأنجلو-كاثوليكية، ولكن ليس كثيرًا جدًا في الأرثوذكسية اليونانية* أو اللاهوت الروماني الكاثوليكي. لذا عندما يضيق الجانب الدرامي (التمثيلي) للكفارة بهذه الطريقة، فيكون لديه نزعة مميزة نحو الثنائية dualism، ويستدعي هذا ‘تجريد الصفات الميثولوجية’ Demythologisation.

فمن الجدير بالملاحظة إنه في حين يتحدث المؤرخون في كثير من الأحيان عن ذلك على أنه آبائي وعصر وسيط، ولكنه يوجد فقط بالحقيقة الفعلية في جزء بسيط من الفكر الآبائي، أي في الأوريجانية، وفي مواضع معينة من الفكر الرهباني، حيث سادت الثنائية. ولم يناد به أيّ من الآباء العظام (فيما عدا غريغوريوس النيسي)، ونجده أيضًا مرةً أخرى في أزمنة العصر الوسيط، في الفكر الشعبي والرهباني، ولكنه غير واضح تمامًا عند اللاهوتيين – حيث قضى عليه عمليًا أنسلم وبرنارد من كليرفو.

 

٢.الجانب التعبدي – القضائي للكفارة:

لقد مال هذا إلى أن يقع في مفهومين هما:

أ. المفهوم التعبدي للكفارة دون عنصر التبرير، موجود غالبًا في النصوص والسياقات الليتورجية. حيث مال إلى المضي قدمًا في الفكر الغربي* غالبًا بالارتباط مع ذبيحة القداس، دون العلاقة الكافية بالمسيح نفسه في عمله الخلاصي. ولكن يتم المبالغة في ذلك بأي حال من الأحوال عند اللاهوتيين العظام. فعلى سبيل المثال، العشرون سؤالاً التي خصصها توما الأكويني للإفخارستيا، سؤال واحد فقط منها مخصص لمفهوم الذبيحة الإفخارستية. كما يوجد مفهوم أفضل كثيرًا في صلوات وتأملات أنسلم.

ب. المفهوم العقابي دون الجانب الكهنوتي – مفهوم الترضية في الكفارة. حيث هذا مستمد في الغرب غالبًا من الفكر الأساسي لترتليان* – ولديه نزعة مميزة نحو الناحية القضائية*، مع مفهوم بسيط للخلاص من الناموس، ومفهوم للخلاص ‘بمعزل عن الناموس’. حيث يدين تطور مفاهيم العقوبة والترضية في الكفارة بالكثير إلى اللغة اللاتينية والمفاهيم الأكثر تأثرًا باللاتينية*، كما يمكننا أن نرى عندما نقارن التطور الغربي لهذه المفاهيم*، سواء في الفكر الروماني أو البروتستانتي*، مع إيضاح جوانب العقوبة والترضية في فكر كيرلس الإسكندري على وجه الخصوص.

لقد كان مفهوم البدلية العقابية مع الفهم الضيق للتبرير، هو الذي أصبح سائدًا في القرون المعروفة بالأرثوذكسية البروتستانتية*، وفيما يُعرف اليوم بالبروتستانتية الإنجيلية*.

 

٣. الجانب الأنطولوجي (الوجودي) للكفارة:

لقد مال هذا مجددًا إلى أن يقع في مفهومين هما:

أ. المفهوم التجسدي incarnational، حيث يكون العنصر الخلاصي من خلال المعرفة والاتحاد المستيكي (السرائري) بالمسيح. وهذا واضح مبكرًا جدًا عند الآباء اليونانيين*، على سبيل المثال، عند كليمندس السكندري، وسابقًا جدًا عند أغناطيوس الأنطاكي* – ولكنه يختلف في الرسالة إلى ديوجنيتوس. لقد أصبح أحد الخطوط الأساسية للتطور في جميع أنحاء التقليد المستيكي (الصوفي)، حيث يتم التركيز أكثر أحيانًا على الاتحاد بالله من خلال المعاينة السرية*، وأحيانًا على الاتحاد بالله من خلال التجسد*.

ب. المفهوم الذاتي للكفارة، حيث يكون التأثير الأخلاقي لذبيحة المسيح، أو معرفة ماذا فعل الله لأجلنا في محبته هو العنصر الخلاصي – على سبيل المثال عند أبيلارد، أو عند سوسينوس Socinus. ولكن يمتلك هذا تطورًا عميقًا ومؤثرًا في الليتورجية، على سبيل المثال، في صلاة مريم أسفل الصليب Stabat Mater – قارن هنا صلاة مريم لهايدن Haydan، والقوة الهائلة للتأمل في جراحات يسوع”.

__________

[١] يتلازم هذا المفهوم مع مفهوم المسيح المنتصر، حيث رأت نظرية الفدية موت المسيح كفدية مدفوعة لتحرير البشرية. حيث دُفعت، في عيون أوريجينوس، والعديد من الآباء اللاتين*، الفدية للشيطان الذي أسر البشرية بسبب الخطية

[٢] النظرية هي أن المسيح قاسى العقوبة في موته من أجل كسرنا للناموس، ومات كبديل بدلاً عنا (العقابية، تتضمن العقوبة، أو العقاب القانوني، من الكلمة اللاتينية poena، عقاب، جزاء، بدلية).

Thomas F. Torrance, Atonement, Edit. By Robert T. Walker, (USA: IVP Academics press, 2009), p. 56-58.

وندرك من هذا القول لهذا العلامة اللاهوتي الكبير وأستاذ العقائد المسيحية أن مفهوم البدلية العقابية هو مفهوم غربي نشأ بالأساس من فكر ترتليان، وتطور في الغرب في اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي حتى وصل إلى ما هو عليه في يومنا هذا.

نظريات الكفارة عند البروفيسور توماس تورانس – د. أنطون جرجس

هل هناك بدلية عقابية في تعليم القديس أثناسيوس؟ – د. أنطون جرجس

هل هناك بدلية عقابية في تعليم القديس أثناسيوس؟ – د. أنطون جرجس

هل هناك بدلية عقابية في تعليم القديس أثناسيوس؟ – د. أنطون جرجس

سأستعرض آراء ثلاثة من أهم الباحثين في تاريخ العقيدة حول آرائهم وملاحظاتهم على تعليم السوتيرلوجي عند القديس أثناسيوس كالتالي:

البروفيسور جون كيلي (بروتستانتي) يقول عن تعليم ق. أثناسيوس الخلاصي التالي:

“لم يشفنا المسيح فقط، بل حمل العبء الثقيل لضعفنا وخطايانا. المظهر الخارجي للتعليم هو أحد تعليم البدلية، ولكن ما يحاول أثناسيوس إبرازه لم يكن أكثر من أن ذبيحة واحدة كانت بديلة عن الأخرى، حيث “استُنفذ موت الجميع في جسد الرب” (تجسد الكلمة: ٢٠). بكلمات أخرى، إنه بسبب الاتحاد بين جسده وجسدنا، كان موته وانتصاره بالأساس لنا (أي موتنا وانتصارنا). تمامًا كما ورثنا الموت* من خلال ارتباطنا بآدم الأول، هكذا نهزم الموت ونرث الحياة من خلال ارتباطتنا ب “الإنسان من السماء”

(ضد الآريوسيين ١: ٤٤: ٢، ٦١؛ ٢: ٦٧)”.

Kelly, J. N. D., Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), 4th edit., p. 380.

* وهذه هي البدلية التي يقصدها أثناسيوس مبادلة الموت بالحياة والفساد بعدم الفساد والظلمة بالنور والخطية بالقداسة… وهكذا.

يقول البروفيسور لورانس جرينستيد (بروتستانتي) مقارنًا بين تعليم أثناسيوس السوتيرلوجي وتعليم البدلية العقابية التالي:

“لا يوجد مبرر للإدعاء بأن أثناسيوس هو أصل وبادرة النظريات العقابية اللاحقة. لا توجد إشارة إنه يعتبر الموت في أي موضع كمعاناة عقابية، ويظل قليلاً ما يعتبر موت المسيح كعقاب نيابي. لم يستخدم بالفعل عبارات <تألم نيابةً عن الكل> و <الموت نيابةً عن الكل> ولكن ينبغي تفسير تلك العبارات بحسب فهمه القوي لوحدة الجنس البشري في الكلمة المتجسد <بالنظر إلى موت الجميع فيه>”.

Grensted, L. W., A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 380.

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال (بروتستانتي) تعليم القديس أثناسيوس الخلاصي ويقارن بينه وبين تعليم البدلية العقابية كالتالي:

“هذا هو التعليم المحدد للذبيحة النيابية، ولكنه مع ذلك، لم يكن بكلمات واضحة تعليم العقاب النيابي. يبدو أن الفكرة هي كذلك، إنه بموت مثل هذه الذبيحة، تم إيفاء دين الموت – الذي جلبته خطية آدم- واستُوفي في حالة الجميع الذين يشتركون في ذلك الناسوت، الذي اتحد الكلمة به في حالة الجسد الواحد.

حيث أنه بأكثر وضوحًا من عند إيرينيؤس، لم يمثّل موت المسيح مجرد معادل، بل متطابق ومنجسم حقًا بموت الجميع (تجسد الكلمة ٢٠: ٤، ٥): مات الجميع بالفعل حرفيًا في موت الواحد. بالرغم من ذلك، لم يكن التركيز على فعل الذبيحة المتعلق بالماضي، بل على آثار التجديد التابعة، والتابعة من القيامة أكثر من الموت.[…]

هذا هو خط التفكير الذي قابلناه بالفعل عند إيرينيؤس، ولكنه أكثر تطورًا وتنظيمًا بكثير عند أثناسيوس. يحاول (أثناسيوس) توضيح أن قابلية الفساد ليست عقوبة جزائية تعسفية فرضها الله*، بل نتيجة طبيعية وحتمية للخطية”.

Rashdal, Hastings, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect 4, p. 296.

هل هناك بدلية عقابية في تعليم القديس أثناسيوس؟ – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الغضب – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الغضب – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الغضب – د. أنطون جرجس

نصيحتي لكل دارس وقارئ لكتابات الآباء، ينبغي توخي الدقة قبل البدء في اتخاذ أي رؤية عن أي تعبير يستخدمه آباء الكنيسة في كتاباتهم، فينبغي أن نفهم السياق العام لفكر الأب، واتساق الفكرة المطروحة عنه في هذا السياق العام، بدون اقتطاع أو انتقاء لأفكار وألفاظ معينة لإثبات أفكار ومفاهيم معينة تتناقض مع سياق فكر الأب العام.

سوف نستعرض معًا مفهوم الغضب الإلهي من خلال تعاليم الكتاب المقدس وآباء الكنيسة الجامعة عن مفهوم الغضب الإلهي في الكتاب المقدس.

   يواجه العلامة أوريجينوس الغنوسيين الهراطقة مفسرًا ما جاء ذكره في العهد القديم بشأن الله، الذي يحنق ويندم، أو يبدر منه شكل عاطفة بشرية فيقول:

”أما نحن فحينما ننظر إلى العهد القديم أو الجديد وهو يتكلم عن غضب الله، لا نأخذ بالحرف ما يرد فيه، بل نجدّ في إثر فهم روحيّ حتى نفكّر على مقتضى إدراك خليق بالله“.

(في المبادئ 2: 4: 4).

  ويتحدث العلامة أوريجينوس عن ماهية غضب الله في موضع آخر قائلاً:

”وبالتالي يبدو أحيانًا أن الغضب يشير إلى تلك القوة التي تحكم وتضبط الذين ينفذون العقوبات ويفرضون الجزاءات التي تحكم الخطاة. أنا أتبنى الرأي بأن هذا هو معنى النص الذي يسجل أن غضب الله أهاج داود ليأمر يوآب ليقوم بتعداد الشعب … كذلك أحيانًا وخزات الضمير تُسمى غضبًا، عندما نطهِّر “المنتقمين” و “المعاقبين”، … كذلك محنة الضيق والتجربة تُسمى غضب الله، كما يقول أيوب “غضب الله في جسدي”“.

(تفسير رومية 1: 16: 3).

   ويستنكر العلامة أوريجينوس أن يكون في طبيعة الله غضب، حيث إن كان الرب قد نطق بمثل هذا التهديد ليس لأن الطبيعة الإلهية خاضعة للعواطف ولرذيلة الغضب، ولكن لكي تظهر محبة موسى للشعب، ولطف الله الذي لا نستطيع إن ندركه أو نفهمه نحو كل الخطاة.

مكتوب أن الله يغضب ويهدد الشعب بالموت. على الإنسان أن يتعلم من ذلك أن له مكانًا عند الله، وأنه يحظى باعتبار كبير لدى الله. إذا كان الله لديه أسباب للسخط ضد الإنسان، فإن هذا الغضب يهدأ بواسطة ابتهالات الإنسان وتضرعاته، ويستطيع الإنسان أيضًا أن يحصل من الله على تغيير الأحكام التي سبق وأصدرها، حيث إن اللطف الذي يتبع الغضب يبين مكانة موسى لدى الله، ويعرفنا أن الطبيعة الإلهية لا تتفق مع رذيلة الغضب.

(عظات على سفر العدد 8: 1).

  كما يوضح الفيلسوف المسيحي لاكتانتيوس نقطة مهمة في مسألة الغضب الإلهي في سياق رده على الأبيقوريين منكري العناية الإلهية والتدبير الإلهي للخليقة، متبعين الفكر الأرسطي حول عدم اكتراث الله بالخليقة، بل هو يتحكم بها من خلال سلسلة من العلل الفاعلة، دون الدخول في علاقة شخصية وكيانية مع خليقته، كما جاء في المسيحية، حيث يقول:

”أول كل شيء، لم يقل أحد قط عن الله إنه يغضب فقط، ولا يتحرك بالرأفة، لأن هذا يتناقض مع فكرة عن الله تقول إنه يملك القوة ليؤذي ويمنع، لكنه لا يقدر على تقديم العون وفعل الخير. لذلك أية وسيلة وأي رجاء للخلاص أُعطِيَ للبشر إذا كان الله هو خالق الشرور فقط؟ […] لكن إن كان لا يمكن أن يوجد شيء بجوار الله، فمن العبث والحماقة أن نفكر أن القوة الإلهية، التي لا يوجد شيء أعظم منها، ولا أفضل منها، يمكن أن تؤذي، ولا يمكن أن تنفع. بالتالي لا يوجد مَن يجرؤ أن يقول هذا لأنه بلا معنى، ولا يمكن أن يُصدق بأي حالٍ من الأحوال“.

(الغضب الإلهي : 3).

   كما يوضح لاكتانتيوس مفهوم الغضب الإلهي حيث هناك بعض الانفعالات التي لا توجد في الله، مثل الرغبة، والخوف، والطمع، والحزن، والحسد، فهو خالٍ تمامًا من كل هذه الانفعالات لأنها انفعالات الرذائل، لكن انفعالات الفضائل، أي الغضب تجاه الشر، والحب تجاه الخير، والشفقة على الذين في ضيقة، فلأنها تليق بقوته الإلهية، فهذه يختبرها الله كانفعالات خاصة به، وهي عادلة وصحيحة.

(الغضب الإلهي: 16).

  كما يشرح ق. يوحنا ذهبي الفم ماهية غضب الله قائلاً:

”غضب الله ليس انفعالاً، وإلا كان يحق للإنسان أن ييأس لعدم قدرته على إطفاء لهيب غضب الله المشتعل بسبب أعماله (أي الإنسان) الشريرة. لكن الله بطبيعته خالٍ من الانفعال حتى إن عاقب وإن انتقم، فإنه لا يصنع ذلك حنقًا، بل عن اهتمام بنا فيه حنان وعفو عظيم. وهذا يدفعنا إلى أن تكون لنا شجاعة عظيمة صالحة، وأن نثق في قوة التوبة“.

(رسالة بعنوان “ستعود بقوة أعظم” إلى ثيؤدور).

   يؤكد ق. يوحنا ذهبي الفم أيضًا أن غضب الله يمكن أن يُستعلن مرات كثيرة هنا في الحياة الحاضرة، مثلما يحدث في المجاعات، والأمراض، والحروب، حيث يُعاقب الجميع، بشكل فرديّ وجماعيّ أيضًا. وهل في هذا ما يدعو للدهشة؟

إن العقاب فيما بعد سيكون أكبر وأشمل، فما يحدث الآن يهدف إلى التصحيح والتقويم، لكن فيما بعد يكون العقاب، الأمر الذي عرضه بولس الرسول قائلاً:

“ولكن إذ قد حُكِمَ علينا نُؤدَّب من الرب لكيلا نُدان”. وإن كان بعض الناس الآن يعتقدون أن أمورًا كثيرة محزنة تحدث في الحياة، بسبب سلوك الناس السيء، وليس بسبب غضب الله. لكن في الدينونة الأخيرة سيكون عقاب الله علنيّ، عندما يأمر الديّان المخوف الجالس على عرشه، بطرح البعض في البحيرة المتقدة بالنار، والبعض إلى الظلمة الخارجية، وآخرين لعقوبات أخرى أشد وأصعب.

(تفسير رومية 4: 1).

   يستنكر ق. يوحنا كاسيان محاولة البعض تبرير مرض الغضب البالغ الضرر الذي يلحق بالنفس، ملتجئين إلى طريقة مُنفّرة في تفسير الكتاب المقدس لهذا التبرير، كقولهم بأنه ليس من الضرر في شيء أن نغضب على اخوتنا الذين يخطئون، ما دام الله ذاته -على حد قولهم- قد ذُكِرَ عنه أنه يسخط ويغضب على أولئك الذين لم يعرفوه، أو عرفوه ثم رفضوه، غير مدركين أنهم إذ يريدون تلمس الأعذار لارتكاب خطية بالغة الأذية، ينسبون إلى العزة الإلهية، ومصدر كل نقاء إحدى وصمات الانفعال البشريّ.

لا يمكن -دون تجديف- تفسير تلك الأشياء حرفيًا عنه، وهو الذي أعلن، بنص الكتاب المقدس، أنه غير مرئيّ، لا يُعبّر عنه، غير مُدرَك، غير مفحوص، بسيط، غير مركب. إذًا، لا يمكن إسناد نزعة الغضب والسخط إلى تلك الطبيعة غير المتغيرة دون تجديف فظيع.

حين نقرأ عن غضب الرب وسخطه، ينبغي ألا نفهم اللفظ وفق معنى العاطفة البشرية غير الكريمة. إنما بمعنى يليق بالله، المنزَّه عن كل انفعال أو شائبة. ومن ثم ينبغي أن ندرك من هذا أنه الديّان المنتقم عن كل الأشياء الظالمة التي تُرتكَب في هذا العالم. وبمنطق هذه المصطلحات ومعناها ينبغي أن نخشاه بكونه المجازي المخوف عن أعمالنا، وأنْ نخشى عمل إي شيء ضد إرادته. لأنَّ الطبيعة البشرية قد ألِفَّت أن تخشى أولئك الذين تعرف أنهم ساخطون، وتفزع من الإساءة إليهم، كما هو الحال مع بعض القضاة البالغين ذروة العدالة.

(المؤسسات 8: 4).

  يشرح ق. باسيليوس الكبير ماهية الغضب الإلهيّ وما فيه من دلالة شفائية لعلاج الشر الذي يشبه المرض الذي استفحل ولا بد من استئصاله بجراحة، كالتالي:

”عندما يقول النبي: إنّ هناك غضب في سخط الله، كما لو كان الغضب هو نفسه السخط، إلا أنَّ الفارق كبير. السخط إذًا، هو قرار الله أنْ تُفرض بعض العقوبات القاسية على مَنْ يستحق العقاب. أما الغضب فهو الألم، والعقاب الذي يقضي به الديَّان العادل، بقدر الظلم الذي أرتُكِبَ. هذا الذي أقوله سيصير مفهومًا بمثال واحد، فبعدما يحدّد الطبيب العضو المصاب بالالتهاب الصديديّ، يقرِّر ضرورة إجراء الجراحة للمريض.

هذا ما يدعوه الكتاب “سخط”، فبعد قرار الطبيب بالتدخل الجراحيّ، تتحوّل قراراته إلى عمل، ويبدأ في استخدام المشرط إجراء الجراحة، فيثير الألم لدى الخاضع للجراحة، هذا ما يُسمى “غضب الله”“.

(عظات على المزامير5: 4).

  يرى ق. غريغوريوس النزينزي أن الطبيعة الإلهية منزّهة عن الأهواء البشرية كالحسد والغضب، فهي الطبيعة الصالحة وحدها، والمطلقة السلطة. (خطاب 28: 11)

 كما يؤكد النزينزي في موضع آخر أن طبيعة الألوهة هي أسمى وفوق الأهواء وفوق الجسد. (خطاب 29: 18).

ويرى النزينزي إنه كان لابد لنا في الكلام عن الألوهة من اللجوء إلى ألفاظنا الأرضية على الوجه المجازيّ. (خطاب30: 7).

 كما يشرح النزينزي حقيقة الانفعالات والأمور البشرية المنسوبة لله كالغضب والنوم والاستيقاظ والمشي والجلوس وغيرها في الكتاب المقدس قائلاً:

”لقد ورد في الكتابة الإلهية أنّ الله ينام، ويستيقظ، ويغضب، ويمشي، وأنه جالس على الكروبين. فهل أُخضِعَ لذلك كله في الحقيقة؟ هل بلغك يومًا أنّ لله جسمًا؟ إنها أشياء لا توجد إلا في المخيلة. وقد استعرنا ما لنا لندل بعض الدلالة على أمور الله. فبقولنا “ينام” نعبر عن أن الله يبتعد عنا، وكأنه يهملنا لأسباب يعرفها هو، إذ إنّ النوم يعني لدينا التوقف عن كل نشاط وكل عمل.

وبقولنا “يستيقظ” نشير إلى أنه عاد علينا بالخير، إذ أنّ الاستيقاظ هو النهوض من النوم، كما أنّ النظر إلى شخص ما هو عدم التحوّل عنه. وعندما يعاقبنا الله نتصوّر أنه غاضب، لأنّ العقوبة لدينا تصدر عن الغضب […] وخلاصة القول أنّ أعمال الله المختلفة قد عُبِّرَ لنا عنها بصورة مادية“.

(خطاب30: 22).

   يحدِّد ق. كيرلس عمود الدين ما هو غضب الله، حيث يتحدث عن الحياة إنها الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أما “غضب الله” فهو عذابات الأشرار، حيث يقول:

”لكن إنْ كان من الممكن إدراك أنَّ غير المؤمن سوف يُحرم من الحياة في الجسد، لكنه بالتأكيد قد أضاف على الفور “بل يمكث عليه الموت” لكن حيث إنه يسميه “غضب الله”، فمن الجلي إنه يعقد مقارنة بين عقاب الأشرار وتنعمات القديسين، وأيضًا يصف تلك الحالة بكلمة “الحياة” التي هي الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أما عذابات الأشرار فيسميها “غضب الله”، وكثيرًا ما سُمِيَ ذلك العقاب في الكتاب المقدس إنه “غضب”، وسوف أقتبس من شاهدين، بولس ويوحنا المعمدان: إذ يقول الأول للمهتدين بين الأمم “وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضًا” (أف2: 3)، ويقول الآخر للكتبة والفريسيين: “يا أولاد الأفاعي، مَنْ أراكم أنْ تهربوا من الغضب الآتي؟” (مت3: 7)“.

(تفسير إنجيل يوحنا 2: 3: 4).

    يشير الأب يوحنا الدمشقيّ إلى كون الله صالحًا، فهو فيَّاض بكل صلاح، دون أن يخضع البتة لبُخل أو انفعال ما. فما أبعد البُخل عن الطبيعة الإلهية الصالحة وحدها والمنزهة عن الانفعال! (المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي 1: 1).

كما يوضح سبب استخدام الكتاب المقدس للصفات الجسمانية عن الله موضحًا ماهية الغضب الإلهيّ كالتالي:

”ولما كنا نرى في الكتاب الإلهيّ الكثير من المقولات ترمز إلى الله بصورة جسمية أكثر منها روحية، فيجب أن نعلم، نحن البشر لابسي هذا الجسد الكثيف، أنه لا يمكننا أنْ نفهم أفعال اللاهوت الإلهية، السامية، اللامادية، ولا أن نعبر عنها إلا إذا استعملنا الصور والأمثال والرموز المختصة بنا. وعليه كل ما يُقال في الله بصورة جسمية إنما يُقال بصورة رمزية، ومعناه أسمى من ذلك؛ لأنّ الله بسيط ولا شكل له […] ويُراد بغضبه وغيظه (الله)، بغضه للشر ونفوره منه، لأننا نحن أيضًا نبغض ما يضادُّ رأينا فنغضب … إنّ كل ما يُقال في الله بطريقة جسمية يتضمن فكرة خفية ترشدنا مما فينا إلى ما يفوقنا“.

(المرجع السابق 11: 11).

 كما يستنكر ق. كيرلس فكرة وراثة الغضب الإلهيّ من الآباء للأبناء بسبب خطايا الآباء، حيث إنهم لو كانوا حكماء، ألا يكون لائقًا بهم بالأحرى أنْ يعتنقوا الرأي الذي يقول: أن الله الذي هو مصدر البر ومصدر قوانيننا الأخلاقية لا يمكن أنْ يفعل شيئًا مخجلاً كهذا؛ لأنه حتى الناس يعاقبون العصاة بحسب القوانين، ولكنهم لا يوقعون هذه العقوبات على أولادهم، إلا لو كان هؤلاء الأولاد مشتركين مع آبائهم في الأفعال الشريرة. فذلك الذي وصف لنا قوانين كل عدل، كيف يمكن أنْ يُقال عنه أنه يوقّع عقوبات تعتبر مدانة عندنا بشدة (لأنها غير عادلة).

(شرح إنجيل يوحنا 6: 1).

   ويناقش ق. كيرلس عمود الدين موضوع الانفعالات البشرية المنسوبة لله في الكتاب المقدس من الغضب والندم والسخط، ويعلل ذلك بأن السبب الحقيقيّ الذي جعل الكتاب المقدس يحدثنا عن الله بأقوال تخص الأعضاء الجسدية، هو ضعف عقلنا ولغتنا. بدون شك الأمور المتعلقة بالله هي أبعد من أنْ تُوصَف. وبالتأكيد لا يمكننا أنْ ندرك الأمور الهامة عن الله، نحن الذين نحيا في أجساد مادية وسميكة، إلا فقط، إذا قَبِلنا أمثلة ونماذج تتناسب مع نوعية طبيعتنا. بمثل هذه الطريقة فقط، يكون لدينا المقدرة أنْ نرتفع نحو مفاهيم سامية عن الله.

(ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية : 1).

 كما يتحدث ق. كيرلس عن انذرات الله لأولئك الذين يُغضِبونه ويسببون له حزنًا، حيث يعلن الله لهم الأمور التي سوف تحدث لهم أحيانًا، ولكن بطرق ملائمة، على الأقل برسالة الملائكة إلى العقل البشريّ، وعندما يُعلِم بها أولئك، يذوبون خوفًا من الحزن، ويصير هذا الإعلان بالنسبة لهم بمثابة إنذارٍ كبداية للغضب والعقاب الذي يتهدّدهم. ولأنه يستريح في الأنبياء القديسين، ففي مرات كثيرة يعلن لهم، ليس فقط الأمور المحزنة والأمور التي سوف يضايقون بها شخصًا لتجعله يجلس ويبكي، لكن أيضًا يذكر لهم الأمور المفرحة حقًا لرفاهية البعض، أمَّا الفُجَّار وأتبارع المنجمين فيكشف لهم الأمور الشريرة التي سوف تحدث لهم.

(السجود والعبادة بالروح والحق : 6).

   يؤكد ديونيسيوس الأريوباغي (أو المنحول) أن الصور الإلهية التي نتخيلها عن الطبيعة الإلهية سواء أشكالها الإلهية، أو أجزائها، أو أعضائها، أو أماكنها الإلهية وعوالمها، أو غضبها، أو أسفها وحنقها، أو سُّكرها وثملها، أو قسمها، أو لعناتها، أو نومها ويقظتها، وكل الصور التشبيهية والتصورات المقدسة ما هي إلا صور استعارية ورمزية عن الطبيعة الإلهية تمثل تصوراتنا عن الله فيما يخص تلك الصفات البشرية، وهي مجرد تعبيرات مجازية وصور تشبيهية كمحاولة من الإنسان لفهم الله بتجسيده في صور بشرية.

(اللاهوت الباطني: 3).

يتحدث ق. أوغسطينوس عن ماهية الغضب الإلهي من خلال عدة مفاهيم، قد تبدو بعض الأحيان متناقضة، لأنه أحيانًا ينسب الغضب لله، وفي أحيان  أخرى للبشر، حيث يرى أنه صوت العدالة الإلهية وهو الحركة في الروح التي تعرف الشريعة الإلهية، وغضب الأرواح البارة الذي يقضي على الذنوب الكثيرة، وهي ظلمات النفس المنتهكة للشريعة الإلهية كالتالي:

”فيكون غضب الله مماثلاً لسخطه. لكن غضب الرب الإله، ينبغي ألا يُفهم بأنه صادر عن اضطراب الروح، إنه صوت العدالة الهادر في كل خليقة خاضعة لتكون في خدمته. لأن علينا أن نتذكر ما كتب سليمان ونؤمن به: «لكنك أيها السلطان القدير تحكم بالرفق وتدبرنا بإشفاق» (حك12: 18).

غضب الله، إذًا، هو تلك الحركة التي تختلج في روح تعرف شريعة الله، عندما ترى الخاطئ ينتهك تلك الشريعة؛ إنه غضب الأرواح البارة الذي يقضي مسبقًا على ذنوب كثيرة. وغضب الله هذا يمكن أن يقال عنه أيضًا إنه الظلمات التي تطبق على نفس كل مَن ينتهك شريعة الله“. (عظات في المزامير 2: 4).

ويتحدث أوغسطينوس في موضع آخر عن مفهوم جديد للغضب الإلهي كالتالي:

”فإن النبي يسمي «غضب الله» ذلك القصاص الذي يرشق الله به الشيطان، بانتزاعه منه مَن يمتلكهم“.

(المرجع السابق 7: 5).

ثم يعطي ق. أوغسطينوس مفهوم آخر عن ماهية الغضب الإلهي موضحًا الفرق بين السخط والغضب الإلهي كالتالي:

”تلك هي الدينونة التي ترهبها الكنيسة، التي تصرخ في هذا المزمور: «يارب لا توبخني بغضبك» (مز6: 2). والقديس بولس يتكلم أيضًا عن الغضب يوم الدينونة، فيقول: «تذخر لك غضبًا ليوم الغضب، ولقضاء الله العادل» (رو2: 5). في هذا اليوم لا يرغب في أن يقف متهمًا مَن يطلب الشفاء في هذه الحياة.

«ولا تؤدبني بسخطك». كلمة ”تؤدبني“ أخف وطأةً من كلمة ”توبخني“، لأنها تؤدي إلى الإصلاح، فبدل أن نُتهم ونُدان، علينا أن نخشى الإدانة. غير أن السخط يبدو أشد من الغضب، ويمكن أن نعجب من أن التأديب، وهو الأخف، يترافق مع السخط، وهو الأشد. أما أنا فأرى أن العبارتين تحملان المعنى نفسه، لأن اللفظة اليونانية Θυμός غضب في المقطع الأول، لها معنى لفظة  όργήسخط في المقطع الثاني.

ولما رأت الترجمة اللاتينية أن تستعمل العبارتين أيضًا، بحثت عن كلمة مرادفة لـ ”غضب“ فوضعت سخط. من هنا التنوع في الترجمات. في هذه يأتي الغضب قبل السخط، وفي تلك بعده. ومهما يكن من أمر، فإن هاتين الكلمتين تعبران عن حركة في النفس تبغي الانتقام، حركة لا نستطيع أن نعزوها إلى الله بالمعنى الذي نعزوها فيه لأنفسنا، من حيث أنه قيل: «لكنك أيها السلطان القدير تحكم بالرفق» (حك12: 18).

وما كان بالرفق، يتعارض مع ما هو بالشدة. والله في حكمه لا ترقى إليه شدة، لكننا دعونا غضبه ذاك الشعور الذي سببته شرائعه عند خدامه. والحال، فإن النفس التي تتوسل في هذا المزمور تخشى أن تكون متهمة بسبب هذا الغضب، حتى أنها لا تريد التأديب الذي قد يصلحها أو يعلّمها“.

(المرجع السابق 6: 3).

كما يرى ق. أوغسطينوس أن غضب الله لا يعني أي شيء آخر سوى العقاب العادل، وغضب الله ليس مثل غضب الإنسان اضطراب في الذهن، ولكن غضبه هو ما تحدث عنه الكتاب المقدس في موضع آخر قائلاً: “لكنك أيها السلطان القدير تحكم بالرفق” (حك12: 18). وبالتالي إن كان عقاب الله العادل قد قَبِلَ هذا الاسم، فماذا يكون الفهم الصحيح للمصالحة مع الله إلا نهاية هذا الغضب.

(الثالوث 13: 16: 21).

 ويشرح أيضًا ق. أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهي في موضع آخر قائلاً:

”ولا يعني غضب الله اضطرابًا في فكره، بل إنه حكم يُعاقِب على الخطيئة. إن فكرته وتفكيره يبقيان السبب الثابت اللامتغير للتغييرات التي حدّدها لأنّ الله لا يندم كالإنسان على أعماله؛ وفي كل شيء قصده ثابت وعلمه المسبق أكيد؛ ولكن إن لم يستعمل الكتاب تلك التعابير فكيف يمكنه وهو يحرّض على التجاوب مع مصلحة الناس أجمعين أنْ يختلط بهم دون تكلف، فيبدّد الكبرياء، ويوقظ الإنسان من خموله وكسله، ويحفّزه على السعي والجّد ويغذي العلم؟“

(مدينة الله 15: 25).

ونلاحظ أن آباء الكنيسة يعتبرون الغضب المنسوب لله هو إسقاط على حالة الإنسان المبتعد والمنفصل عن شركة الله، فهو الغاضب والناقم وغير المكترث بالله، وليس الله الذي لا يريد هلاك الخاطئ، مثلما يرجع ويحيا، ويسعى في طلب الضال والهالك دائمًا ليخلصه ويعود به إلى الشركة معه.

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الغضب – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي سلسلة من المقالات كنت قد بدأتها عن ملمح الدَّين ومفهومه عند آباء الشرق الأرثوذكسي، مبينًا الاختلاف بين مفاهيم آباء الشرق والغرب عند استخدام نفس المصطلحات كمصطلح الدَّين في سياق شرح تدبير الخلاص.

نبدأ من عند ق.باسيليوس الكبير الذي يفهم الدَّين على أنه دَّين الموت، وإنه لو لم يتجسد الرب، ويسدد دَّين ابموت عنا، فلن يتم إبادة حكم الموت. وبالتالي معنى “إيفاء الدَّين” عند ق.باسيليوس الكبير مثله مثل ق.أثناسيوس الرسولي هو إبادة حكم الموت، وهكذا يختلف مفهوم الدَّين عند ق.باسيليوس وق.أثناسيوس عنه عند لاهوتي العصر الوسيط كأنسلم والأكويني وغيرهم، ولاهوتي عصر الإصلاح مثل لوثر وميلانكتون وكالفن وآخرين.

حيث يرى اللاهوت الغربي إنه الآب قَبِلَ ابنه كمقابل لديون البشر أي خطاياهم، بينما يقول ق.باسيليوس التالي:

“إن كان مجيء الرب في الجسد لم يحدث، فإن الفادي لن يسدد دَّين الموت عنا، ولن يبدد حكم الموت نفسه. لأنه إن كان الخاضع للموت شيئًا، والذي أخذه الرب شيئًا آخر، لما أوقف الموت أيًا منهما عاملاً أعماله الذاتية، ولما صارت آلام جسد الله ربحًا لنا، ولما أباد الخطية في الجسد، ونحن الذين مُتنا في آدم، ما صرنا أحياءً في المسيح، وما كان قد سقط لا يمكنه أن ينصلح، وما تبعثر ما تمت استعادته، وما اغترب عن الله بخداع الحية، قد جعله الله خاصته من جديد”.

(رسالة رقم ٢٦١ إلى شعب سوزوبوليس، PG 32, 969)

ننتقل إلى ق.كيرلس عمود الدين، ولنا معه وقفة، حيث يرى أن الله خلصنا وسدد عنا ديوننا مجانًا بلا مقابل بسبب إحسانه ومحبته، وذلك في سياق شرحه لشريعة تحرير العبيد وإيفاء الديون في السنة السابعة، فيما يعرف بشريعة سنة اليوبيل. ونرى بوضوح المنحى الشفائي الخلاصي عند ق.كيرلس، حيث يرى ق.كيرلس إنه غاية تدبير المخلص هو شركة الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية أي التأله بالنعمة.

وبالتالي نجد مفهوم ق. كيرلس الكبير عن الدَّين في سياق شرح تدبير خلاص الرب بعيد تمامًا عن مفهومه عند اللاهوت الغربي بشقيه المدرسي والبروتستانتي، حيث يقول التالي:

“وقد خلصنا مجانًا بنعمة الله من دون أن نعطي أي مقابل لحياتنا واشترينا مجد الحرية، لكننا نلنا البر بسبب إحسان السيد ومحبته، وهذا ما عبَّر عنه في سفر التثنية قائلاً:

‘فِي آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إِبْرَاءً. وَهذَا هُوَ حُكْمُ الإِبْرَاءِ: يُبْرِئُ كُلُّ صَاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمَّا أَقْرَضَ صَاحِبَهُ. لاَ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ وَلاَ أَخَاهُ، لأَنَّهُ قَدْ نُودِيَ بِإِبْرَاءٍ لِلرَّبِّ. الأَجْنَبِيَّ تُطَالِبُ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَكَ عِنْدَ أَخِيكَ فَتُبْرِئُهُ يَدُكَ مِنْهُ. إِلاَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيكَ فَقِيرٌ. لأَنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا يُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِتَمْتَلِكَهَا’  (تث١٥: ١-٤).

هل رأيت كيف تشرق الحقيقة من داخل الظلال؟ وبوضوح تام سوف يظهر تدبير المخلص لأجلنا؛ بمعنى أنه حرر الذين اقتربوا إليه من ديونهم بواسطة الإيمان، وصرنا أخوةً بمشاركة الروح القدس. ولكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط١: ٤)، حررهم دون أن يدفعوا شيئًا. حقًا، لم يفرض عليهم عقابًا بسبب عصيانهم، مع أنهم مديونون بإعطاء جواب عن أعمالهم”.

(السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة السابعة)

كما يؤكد ق.كيرلس في سياق شرحه لتدبير الخلاص على وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه وهكذا معموديتنا في اسمه بسبب احتوائنا في المسيح، حيث يقول التالي:

“إذًا، بما أن المسيح لم يُوزع، بل الكل ملكه، والجميع خاصون به، وبما أنه صُلب لأجلنا واعتمدنا في اسمه، فمن الواضح أننا أحتُوينا فيه، ولا ننتمي لإنسان مثلنا، بل إلى الله. بالتالي المسيح لنا هو الله”.

(الرسالة التوضيحية الأولى إلى الملكات، ص١٠٨)

وهكذا أحبائي كما قد رأينا التفاوت الواضح بين مفهوم الدَّين عند آباء اللاهوت الشرقي عنه عند آباء اللاهوت الغربي، حيث يرى آباء الأرثوذكسية أن الدَّين هو دَّين الموت، وإيفاء الدَّين هو إبادة الموت، ورد الحياة للإنسان الذي أضاعها بالخطية، فجلب على نفسه حكم الموت. ولما كان الإنسان المخلوق من العدم ليس له الحياة في ذاته، بحيث يستطيع أن يغلب الموت، لذا أقتضت حكمة الله أن يجوز مَن كان هو الحياة بطبيعته الموت بجسده، ويقوم من الموت، فيرد الحياة للمائتين.

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج3 – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج1 – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج1 – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج1 – د. أنطون جرجس

كنت قد بدأت من فترة الحديث عن مفاهيم وملامح البدلية العقابية من منظور اللاهوت الغربي، وقدمت أيضًا تصحيحًا لتلك المفاهيم والملامح الخاطئة من منظور اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، وتحدثت عن ملامح العقوبة والغضب والفدية والعدواة ومفاهيمها المختلفة تمام الاختلاف عند آباء الأرثوذكسية خاصة الآباء اليونانيين.

وإنه حتى لو استخدموا نفس المصطلحات، لأنها مصطلحات كتابية بالأساس، إلا إنهم يفهمونها بصورة مختلفة وبعيدة تمامًا عن مفاهيم نفس المصطلحات في اللاهوت الغربي. وأستكمل الآن معكم أحبائي ملمحًا آخر من ملامح تدبير الخلاص وهو ملمح الدَّين.

تعبير “الدَّين” هو تعبير تجاري بالأساس وله بعد حضاري وتاريخي معروف سواء في البيئة الحضارية اليونانية والرومانية، حيث عندما يقترض أحد من شخص آخر، يصبح هذا القرض دينًا عليه إيفائه حسب المواعيد المحددة لسداده. ولكن استخدمه المسيح والرسل في العهد الجديد كتعبير عن الخطايا والزلات، ولكن سياق استخدامه مختلف تمامًا عن استخدامه التجاري الحضاري، فقد كان على سبيل المجاز والاستعارة لتقريب معاني روحية ولاهوتية غير منطورة وغير محسوسة.

كما أننا نجد في سياسة الديون إنه ينبغي تسديد الدين في موعده المحدد، ولا يسقط استحقاقه أبدًا في سياق استخدامه التجاري في البيئتين الحضاريتين اليونانية والرومانية، بل ينبغي أن يتم سداد الدين سواء من خلال الشخص المديون نفسه، أو آخر يدفع عنه ديونه. هذا هو المفهوم التجاري البحت.

ولكننا نجد هذا المفهوم مختلف في مثل العبد الشرير (مت١٨: ٢٣- ٣٤)، حيث نجد سيد هذا العبد يسامحه بلا مقابل عن سداد ديونه ويعفيه منها، وهنا يشير المثل بصورة رمزية إلى تعاملات الله الصالح المحب معنا، حيث إنه لا يطلب مقابل لكي يغفر لنا خطايانا، بل يسامحنا من دون أي مقابل، ويقدم غفران غير مشروط بأي شيء لنا.

ولكن هذا لم يفهمه لاهوتيو الغرب الذين كانوا في البيئتين الحضاريتين اليونانية والرومانية ومن بعدها في العصور الوسطى وعصر الإصلاح، بل رأوا إنه ينبغي سداد الدين عن طريق ابن الله بأن يقدم ذاته في مقابل خطايانا، لكي يصفح ويغفر الله لنا مقابل ابنه الوحيد، أي أن الله الذي يغفر بلا مقابل، صار في تدبير الخلاص بحسب اللاهوت الغربي فجاءةً يطالب بالمقابل، ويطالب بتسديد دين الخطية بمقابلٍ، وهذا المقابل كان ابنه الوحيد الذي تجسد لأجل خلاصنا.

وكأنه حدث تغير في طبيعة الله الصالحة التي تغفر بلا شروط أو مقابل، كما أوضح مثل العبد الشرير، الذي صفح عنه سيده بلا مقابل عن دينه الكبير. بل ويطالب الله بسداد الدين أي دين الخطية والثمن والمقابل هو ابنه الوحيد، يا له من تسطيح وتهميش للمفاهيم الإيمانية الخلاصية بشكل مؤسف.

نبحث الآن معًا أحبائي مفهوم الدين في اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، وكيف فهم الآباء اليونانيون مصطلح “الدين” الوارد في الكتاب المقدس.

نبدأ بالعلامة أوريجينوس أمير شراح الكتاب المقدس، حيث يرى أن الخطايا هي الديون، ولكنه لم يخطر بباله أبدًا أن يتم سداد هذه الديون بمقابل هو الابن الوحيد، بل يرى أن اجرة الخطية هي موت، ولكنه لم يجد أجرة البر هي حياة أبدية، لأن الله يمنح هذه الحياة الأبدية على سبيل الهبة والنعمة فقط بلا مقابل، بينما لم يفهم لاهوتيو الغرب ذلك، حيث يقول التالي:

“لهذا السبب أيضًا، يقول الرسول في نص آخر: ‘اجرة الخطية هي موت’ (رو٦: ٢٣). ولم يواصل القول على نفس النمط، لكن أجرة البر هي حياة أبدية. بل قال: ‘أما هبة الله فهي حياة أبدية’ (رو٦: ٢٣) لكي يعلمنا أن الأجرة، والتي من المؤكد أنها تُقارن بدينٍ أو مجازاة هي عقوبة وموت، لكن ليعلمنا أيضًا أن الحياة الأبدية تؤسس على النعمة فقط.

ووفقًا لهذا المعنى، أعتقد أنه يجدر بنا أن نفسر النص على أنه يشير إلى الأعمال الشريرة، وهو ما كُتب في الإنجيل: ‘بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم’ (مت٧: ٢؛ لو ٦: ٣٨). لأن الله لم يضع على نعمته أي مكيال، لأنه مكتوب: ‘لأنه ليس بكيل يعطي الله الروح’ (يو٣: ٣٤)”. (تفسير رسالة رومية ٣: ١١: ١٥)

وهذا ما نجده أيضًا عند ق. أثناسيوس حين يستخدم مصطلح “الدَّين” في سياق سوتيرلوجي (خلاصي)، حيث يفهم” الدَّين” على أنه دَين الموت الذي كان الجميع مدينًا به لله مانح وواهب الحياة للجميع، فالإنسان بخطيته جلب الموت على نفسه، وبدد هبة الحياة التي أعطاها الله له، فصار مدينًا لله بحياته التي بددها بموته، فكان ينبغي أن يوفي أحد هذا الدين بأن يعيد الحياة المفقودة من الإنسان مرة أخرى بموته ليسدد دين الموت، ويهب الحياة للإنسان الذي فقد حياته بإرادته بالخطية والموت.

وهنا لم يطلب الله مقابل الدين، بل ساعد الله نفسه الإنسان بتجسده ليعيد ما فقده الإنسان من حياة بموته ليهب له الحياة، حيث يقول التالي:

“وهكذا تم في جسد المسيح فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول، هو أن موت الجميع قد تم في جسد الرب على الصليب، والثاني، هو أن الموت والفساد قد أُبيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به، فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكي يوفي الدين المستحق على الجميع”.

(تجسد الكلمة ٢٠: ٥)

وهكذا يفهم ق. غريغوريوس النيسي مصطلح “الدَّين” بأنه الخطية، ولكننا كما نصلي في الصلاة الربانية: ‘أترك لنا ما علينا (أي ديوننا) كما نترك نحن أيضًا ما لنا عند الآخرين’، حيث يرى كما أننا نغفر أو نسامح أو نترك للذين يسيئون إلينا أو لنا عليهم ذنوب أو ديون من ناحيتنا، فبالأولى يسامحنا الله الصالح ومصدر كل صلاح بلا مقابل، حيث أننا بذلك العمل نتشبه بالله ونصير آلهة بالنعمة، لأننا نترك ما لنا عند الآخرين بلا مقابل مثله، حيث يقول التالي:

“وبالتالي فمَّن يمارس القساوة على مَن له عليه بسبب دينه المستحق، يحرم نفسه بتصرفه هذا من الصدقة الإلهية، إذ أنه ما هي العلاقة بين الصدقة والقساوة؟ وبين المحبة والضراوة؟ والأمر ينطبق أيضًا من جهة أخرى على كل الأشياء التي يمكن إدراكها من خلال الاختلاف بينها وبين الشر، حيث أنه هذا الاختلاف لا يمكن تجاوزه.

وكل مَن امتلأ بواحدة من هذه الصفات يكون بالتأكيد منعزلاً عن الصفة المعاكسة. هذا يعني أن مَن وصل إلى الموت، لا يكون موجودًا في الحياة. ومَن يشارك في الحياة، يكون مفصولاً عن الموت. هكذا فإن مَن يقترب من صدقة الله يجب أن يكون مجردًا من كل قسوة. ومَن يكون بعيدًا عن كل ما يعنيه الشر يصبح بطريقة ما إلهًا بسلوكه هذا، لأنه حقق لنفسه ذاك الذي يراه المنطق محيطًا بالطبيعة الإلهية”.

(شرح الصلاة الربانية ٥: ١)

ثم يعلق ق. يوحنا ذهبي الفم على مثل العبد الشرير في (مت ١٨: ٢١)، ويشرح كيف عفا الله مُمثَّلاً بالسيد في المثل عن كل دين العبد أي البشر بلا مقابل، وإن هذه كانت مشيئته منذ البدء، ولكنه أراد من العبد أي البشر أن يطلبوا ويتوسلوا لهذه المشيئة، كي ما يكون هذا سبب تكليل لهم، حيث يقول التالي:

“أرأيتم الإحسان الفائق مرة أخرى؟ لقد سأل العبد مجرد تمهل وإبطاء، لكن سيده أعطى أكثر مما سأل: الصفح وإعفاء كل الدين. فقد كانت مشيئته أن يمنحه هذا من البداية، لكنه لم يرغب أن تكون العطية عطيته فقط، بل أن تأتي أيضًا من توسل هذا الإنسان حتى لا يمضي غير مكلل، لأن كل شيء كان منه”.

(شرح إنجيل متى ١٩: ١١)

وهذا ما يشرحه ذهبي الفم في موضع آخر، ولكن لم يفهمه لاهوتيو الغرب المنظرين لنظرية “الدَّين” بمفهومها الخاطئ في سياق شرح تدبير الخلاص، حيث يقول:

“لهذا دعوني أضيف، لقد اورد السيد محبته للإنسان لكي بالمقارنة، كما يقول، تتعلم أنك ولو كنت تغفر سبعين مرة سبع مرات، ولو أنك تسامح قريبك دائمًا بكل خطاياه تمامًا، كمثل نقطة مياه في بحر لا نهاية له، هكذا كثيرًا، أو بالحري أكثر بكثير تقصر محبتك للإنسان بالمقارنة بصلاح الله غير المتناهي الذي تحتاج إليه، لأنك ستُحاكم وستقدم حسابًا”.

(شرح إنجيل متى ٦١: ١)

ويؤكد ذهبي الفم على الغفران بلا مقابل والصفح غير المشروط من قِبل الله، والذي ينبغي أن يكون لدى البشر أيضًا، حيث يقول في سياق شرحه لآية (مت٦: ١٤، ١٥) التالي:

“فكم فادح هو العقاب الذي يجب أن يستحقه الذين، بعد كل هذا، يتضرعون إلى إله طلبًا للثأر من أعدائهم؟ فبما أن المحبة هي أصل كل صلاح، فإن السيد يزيل كل ما يفسدها من جهة، ويجمعنا معًا، ويلصقنا الواحد بالآخر. فلا يوجد أحد -سواء كان أبًا أو أمًا أو صديقًا- قد أحبنا مثل الله الذي خلقنا”.

(شرح إنجيل متى ١٩: ١١)

بهذا أحبائي نجد اختلاف مفهوم الدَّين في سياق شرح تدبير الخلاص بين اللاهوت الشرقي واللاهوت الغربي، حيث يرى اللاهوت الشرقي أن الله قدم غفرانًا للخطايا بلا مقابل للبشر، بينما يرى اللاهوت الغربي أن الله أخذ دم ابنه الوحيد كمقابل وتعويض وبديل وثمن لدين الخطية التي اقترفها جميع البشر.

تصحيح مفاهيم خاطئة في البدلية العقابية – ملمح الدين ج1 – د. أنطون جرجس

Exit mobile version