تصحيح مفاهيم في البدلية العقابية – ملمح العقوبة – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم في البدلية العقابية – ملمح العقوبة – د. أنطون جرجس

تصحيح مفاهيم في البدلية العقابية – ملمح العقوبة – د. أنطون جرجس

سوف نورد بعض التفسيرات والشروحات الآبائية التي تفسِّر مفهوم العقوبة الإلهية في الكتاب المقدس، وكما فهمها آباء الكنيسة الجامعة كالتالي:

   يتحدث العلامة أوريجينوس عن قيمة العقوبة التربوية من الله، وإنها لتقويم وتصحيح الخطاة، وليس المقصود إهلاكهم وفنائهم، حيث يرد على ادعاءات الغنوسيين بقسوة إله العهد القديم وبصلاح ورأفة إله العهد الجديد بحسب زعمهم الباطل بوجود إلهين في الكتاب المقدس بعهديه، يقول:

”ليتهم يخبرون عن فضيلة ففضيلة منكبين على فحص الكتب، فلا يسعوا إلى التملص بقولهم: إنّ الله الذي يجازي كل أحد بحسب أعماله يجازي على السوء بسوءٍ حنقًا منه على الأشرار؛ وإنه لا يبادر الذين أخطئوا وهم في احتياج إلى العناية بهم بأدوية ناجعة، بعلاجٍ يبدو أنه يحمل الألم إليهم في الآن الحاضر لأجل إصلاحهم.

فهم لم يقرأوا ما كُتِبَ عن رجاء الذين لقوا حتفهم في أثناء الطوفان، الرجاء الذي قال عنه بطرس في رسالته الأولى: لقد مات المسيح بحسب الجسد، ولكنه محيي بحسب الروح، وبهذا الروح مضى وبشّر الأرواح المضبوطة في السجن، تلك التي عصت قديمًا إذ كان حلم الله يتأنى، أيام كان نوح يبني الفلك الذي نجا فيه، بالماء، عدد يسير من الناس -ثمانية أنفس بالضبط. وأنتم أيضًا يخلصكم اليوم بالعماد على النحو نفسه.

ويا ليتهم يقولون لنا، في موضوع سدوم وعمورة، هل يعتقدون بصدور الأقوال النبوية عن الله، الذي نُقِلَ عنه أنه أمطر عليهم وابلاً من نار وكبريت! ماذا يقول حزقيال عن هاتين المدينتين؟ ستعود سدوم إلى قديم حالها. فإذ إنه اقتصّ من الذين استحقوا القصاص، ألم يفعل ذلك لمنفعتهم؟ فقد قال مخاطبًا بنت الكلدانيين: عندك حجر، فاقعدي عليه يُثبِك خيرًا.

وفي شأن الذين سقطوا في البرية، ليصغي الزنادقة إلى ما جاء خبره في المزمور 77، منسوبًا بعنوانه إلى آساف: إذ كان يقتلهم كانوا يلتمسونه. لم يق إنّ بعضًا منهم إذ قُتِلوا، كان آخرون يلتمسونه، بل إنّ الذين قُتِلوا قد لقوا حتفهم، بحيث إنهم كانوا يلتمسون الله عندما قضوا نحبهم. فهذا كله يُظهِر أنّ الله العادل والصالح، إله الناموس والأناجيل، إله واحد هو هو نفسه، وأنه يعمل الخير بعدلٍ، ويعاقب بصلاحٍ، إذ ليس الصلاح دون العدل، ولا العدل دون الصلاح، علامة منزلة الطبيعة الإلهية“.

(في المبادئ 2: 5: 3).

   يستمر العلامة أوريجينوس بالرد على الغنوسيين وادعاءاتهم الفاسدة بإلهين في الكتاب المقدس في سياق تفسيره لشفاعة موسى وهارون أمام الله أثناء حادثة تمرد قورح وداثان وأبيرام وانتشار الوباء بين العبرانيين (عد16: 46). حيث يُذكِّر العلامة أوريجينوس بلطف الله الذي تمتع به تلاميذ المسيح، لكيلا يتزعزع أحد بتأثير الهراطقة فهم يقولون إنّ رب الشريعة ليس محبًا لكنه عادل، وإن شريعة موسى لا تُعلِّم المحبة بل العدل.

فلينظروا هؤلاء المحاربون لله، والمحاربون للشريعة كيف أنّ موسى نفسه وهارون هذان الرجلان في العهد القديم قد خضعا مقدمًا لتعاليم الإنجيل. موسى “أحب أعداءه وصلى لأجل مضطهديه”. هذا ما علّمته بكل دقة تعاليم المسيح في الأناجيل. لنتعلم حقًا كيف سجدا ووجههما للأرض، وصليا لأجل الثائرين الذين أرادوا أنْ يقتلوهما. إذًا، نجد قوة الإنجيل في الشريعة، ولا تُفهم الأناجيل إلا على أساس الشريعة.

(عظات على سفر العدد 9: 4).

*كما أن هناك مغالطة كبيرة جدًا تقول إن أوريجينوس هو الوحيد الذي تحدث عن العقوبات التأديبية الشفائية وهذا عكس ما سنرى من كتابات أباء الكنيسة كالتالي:

  يرى ق. كيرلس الأورشليمي إن الخطية هي شر مرعب للغاية، لكنها ليست بالمرض المستعصي شفائه، هي مرعبة لمَّنْ يلتصق بها، لكن مَنْ يتركها بالتوبة يُشفى منها بسهولة.

(مقالات الموعوظين 2: 1)

 ثم يؤكد ق. كيرلس الأورشليمي على عظم محبة الله للبشر، وترفقه وطول أناته الشديدة عليهم من أجل توبتهم، ويُعدِّد أمثلة رحمة ورأفة الله بالخطاة، وتعامله معهم كما يتعامل الطبيب الماهر مع مرضاه، فيذكر طول أناته على جبابرة الأرض الخطاة خمسمائة عامًا يهدّدهم بالطوفان لكي يهبهم مهلة للتوبة، فلو أنهم تابوا لما أخفقوا في التمتع بمحبة الله المترفقة.

ونفس الشيء صنعه الله مع راحاب الزانية الوثنية، ومع هارون عندما أخطأ في حق أخيه موسى، وترفقه بداود الساقط، ورحمته بسليمان وآخاب ملك السامرة، ويربعام الملك عابد الأوثان، ومع منسى الملك الشرير، ومع حزقيا الملك، ومع نبوخذ نصر الملك وغيرهم الكثيرين.

(مقالات الموعوظين 2: 6- 20)

كما يواجه الأورشليميّ هرطقة الغنوسيين القائلين بإلهين في الكتاب المقدس، واحد للعهد القديم والآخر للعهد الجديد، أنَّ الأسفار المقدسة وتعاليم الحق تعرفنا بإله واحد وحده، مدبر كل الأمور بقدرته، يتحمل كثيرًا بإرادته. إنه صاحب سلطان على الوثنيين، وبطول أناته يحتملهم. له سلطان على الهراطقة الذين لا يقيمونه عليهم إلهًا، وبطول أناته يحتملهم.

له سلطان على الشياطين وبطول أناته يحتملهم، ليس لأنه محتاج إلى سلطان كمَّن هو ضعيف، لقد سمح للشياطين أن تعيش لغرضين: لكي تخزي نفسها بنفسها بالأكثر في حربها، ولكي يتكلل البشر بالنصرة. يا لعناية الله الحكيمة! التي تستخدم نية الشرير كأساس لخلاص المؤمنين! لا شيء يفلت من سلطان الله الذي يحكم الكل وبطول أناته يحتمل حتى المجرمين واللصوص والزناة محدّدَا وقتًا معينًا لمجازاة كل أحد، لكن إنْ أصّر مَن يحذّرهم على عدم التوبة من القلب ينالون دينونة عظيمة.

(مقالات الموعوظين 8: 4، 5).

   يوضّح ق. غريغوريوس النيسي مفهوم العقوبات الإلهية في سياق تفسيره للضربات العشرة التي حلت بالمصريين إنه يجب ألا نستنتج أنَّ هذه الضربات التي حلت بمَّن يستحقونها جاءت مباشرةً من الله، بل يجب أن نلاحظ أنّ كل إنسان يجلب على نفسه الضربات بإرادته الحرة بسبب ميوله، ويخاطب بولس الرسول مذلة هذا الشخص، قائلاً: “ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة، الذي يجازي كل واحد حسب أعماله” (رو2: 5)، ويؤكد أيضًا أننا عندما نقول أنّ الانتقام المباشر يحل من الله على مَّن يسيئون استخدام إرادتهم الحرة، فمِن المنطقيّ أنْ نلاحظ أنّ أصل هذه المعاناة وسببها هو في أنفسنا، حيث لا يمكن أنْ يحلّ بنا شر إلا باختيارنا الحر.

(حياة موسى 2: 85- 88).

  ينتقد ق. كيرلس عمود الدين القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله “ذياس” يتحدث مع آلهة أخرى عن زنى “إيجيستوس” وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ.

فلأي سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تسبب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مستقيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ متخطيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير.

والذين يقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أما الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويفضِّلون الظلم، هؤلاء يفسدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم.

(السجود والعبادة بالروح والحق: المقالة 6).

يتحدث ق. كيرلس أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإن الناموس يحاكمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسماها مدن الملجأ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة.

ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مخالفين لله، كما يقول الكتاب: “لأنَّ تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك8: 21). فكما ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ.

وهذا يشير إلى أقسام الأرض السفلى، أي الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، ونزل إلى الجحيم، فتح أبوابه، وحرّر النفوس من القيود.

(المرجع السابق: المقالة )

  كما يرى ق. كيرلس ضلال عبادة الأوثان عند اليونانيين الذين يختارون الأشجار التي تحمل فروعًا جيدة، وكل غابة كثيفة الظلال ليبنوا فيها هياكل من أجل تقديم ذبائح للشياطين فيها، ويرتّبون بعض المتع العالمية التي تشغل الذهن بسبب الضعف؛ الذي هو المرض الطبيعيّ للمزيفين، الذي يحتاج للعلاج. (المرجع السابق: المقالة 10).

  يوضّح القديس إيسيذوروس الفرمي مفهوم العقوبة الإلهية، ويرى أنَّ تقويم وتصحيح الخطايا الذي يقوم به الله لأجل تحسيننا، لا يجب أنْ نسميه غضبًا ولا سخطًا، بل بالحري نُصحًا وموعظةً. لكن لو اعتبره البعض غضبًا، قاصدين بذلك الإعلان عن محبة الله للبشر، فذلك لأنهم يؤمنون بأنَّ الله يتنازل إلى مستوى الأهواء والعواطف بسبب البشر، وصار إنسانًا لأجلهم. (رسالة إلى سلوانس 344)

 ويؤكد نفس المفهوم الشفائيّ والتربويّ عن العقوبة الإلهية في موضع آخر، حيث يرى أن الطبيعة الإلهية وغير الدنسة قد أعطتنا كل أمثلة العقوبات مكتوبةً؛ حيث فُرِضَت عن حقٍ للخطايا، حتى بالخوف من الجحيم ذاته، نتجنب الشركة في الأعمال الخاطئة. إذًا، إنْ خاف أحد التأديبات، ليته يحافظ على احترام العقائد. (رسالة إلى الدياكون إيسيذوروس 467).

كما يناقش ق. باسيليوس موضوع الدينونة الإلهية والعقاب، ويفسرها وكأنه يتحدث بلسان حال أيامنا الحاضرة كالتالي:

” الحديث عن الدينونة تكرر في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس، باعتباره أمر ملزم، وقادر أن يحفظ أولئك الذين آمنوا بالله في المسيح يسوع في تعليم التقوى. ولأن الكلام عن الدينونة قد كُتب بطرق مختلفة، فمن الواضح أنه أحدث التباسًا لدى أولئك الذين لا يميزون المعنى بدقة. […] ولكن من الواضح أن كلمة “أدان” نتقابل معها في الكتاب المقدس، تارة بمعنى “أُجرب”، وتارة أخرى بمعنى “أحكم على نفسي” […]

وقيل أيضًا إن الرب سيدين أو سيجازي كل إنسان، أو يحاسب كل إنسان، أي عندما يفحص الله كل إنسان، سيضع ذلك الإنسان نفسه في مواجهة الدينونة أو القضاء، وسيضع الله مقابل وصاياه أعمال أولئك الذين أخطأوا. وسيبين في دفاعه أن كل ما كان منوط به عمله لأجل خلاص جميع المدانين، فهذا قد عمله وتممه، حتى يقتنع ويثق الخطاة أنهم مذنبين، بسبب ما ارتكبوه من خطايا، وبعدما يقبلون بالقضاء الإلهي، سيقبلون العقوبة المفروضة عليهم بإرادتهم“

(عظات على المزامير 2: 4).

ويستطرد ق. باسيليوس في نفس السياق موضحًا معنى العقوبة الإلهية كالتالي:

” فالمجاعات والسيول هي نكبات مشتركة تأتي على المدن والأمم لكي توقف وتحجّم فعل الشر المتفاقم. إذًا مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه محسن وكريم حتى لو تسبب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يحارب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يدبر الخلاص من خلال محصلة بعض الإجراءات“ (عظة الله ليس علة الشر).

كما يشرح ق. غريغوريوس اللاهوتي النزينزي معنى العقاب والدينونة الإلهية كظلمة وعمى روحيين وانفصال عن التنعم بمعاينة الله كالتالي:

” فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وافهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهرين في أذهانهم أعني أنهم سيرون الله وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نسميه “الملكوت السماوي”. وافهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جادة الحق والصواب. أي تغرب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى“ (عظة المعمودية والمعمدون).

كما ينقل ق. يوحنا كاسيان رأي الأب ثيؤدور عن مفهوم العقوبة الإلهية كعقوبة تأديبية شفائية كالتالي:

” اعتاد الكتاب المقدس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصلي. فيستخدم كلمة “الشرور” عن “الأحزان والضيقات” ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَن تحل بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يعتبرونها شرًا. فحينما يتحدث الحكم الإلهي مع البشر، يتكلم معهم حسب لغتهم ومشاعرهم البشرية.

فالطبيب يقوم بقطع أو كي الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَن لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس أو السوط يكون مفيدًا للحصان الجموح. والتأديب يُعتبر مرًا بالنسبة للمؤدبين، إذ يقول الرسول: “ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأما أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر السلام” (عب12: 11)، “الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله فأي ابن لا يؤدبه أبوه؟!” (عب12: 6، 7)“

(المناظرات 6: 6).

تصحيح مفاهيم في البدلية العقابية – ملمح العقوبة – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت اللاتيني – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت اللاتيني – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت اللاتيني – د. أنطون جرجس

سأبدأ أولاً من عند ق. أوغسطينوس، الذي يعتبره الكثير من الباحثين أبو اللاهوت اللاتيني، نجده يتحدث عن مفهوم البدلية العقابية كالتالي:

”لأن الله نفسه لم يكن علة الموت، بل أُصيب الخاطئ بالموت بالدينونة العادلة جدًا، تمامًا مثلما يوقع القاضي العقوبة على المذنب، ولكنها ليست عدالة القاضي، بل استحقاق الجريمة هو علة العقاب […] وبالتالي كما أن موتنا هو عقوبة الخطية، هكذا قد صار موت المسيح ذبيحةً لأجل الخطية“

(الثالوث 4: 12: 15).

*وهنا يتحدث ق. أوغسطينوس عن المسيح كذبيحة كفارية لتسديد عقوبة الخطية.

كما يتحدث في موضع آخر عن ترضية وتسكين غضب الله على البشرية بموت المسيح الذي سنراه بأكثر وضوحًا عند أنسلم الكانتربري، فيقول التالي:

”هل كان هذا بالحقيقة عندما غضب الله الآب علينا، فرأى موت ابنه لأجلنا فرضى عنا؟ وهل كذلك كان ابنه بالفعل راضيًا عنا جدًا، لأنه تنازل ليموت عنا، ولكن مازال الآب غاضبًا جدًا، لأنه من دون موت ابنه عنا، كان لن يرضى علينا؟ […] فأقول أن الآب بالفعل كان راضيًا عندما بذل ابنه، ولم يشفق عليه لأجلنا“

(الثالوث13: 11: 15).

*وهنا يتجلى واضحًا التعليم بالترضية وتسكين غضب الآب على البشرية عن طريق بذل ابنه عنا.

ثم نتحول إلى البابا غريغوريوس الكبير وأحد أهم أعلام اللاهوت اللاتيني في الغرب، يشرح مفهوم البدلية العقابية كالتالي:

”لأن مخلص الجنس البشري، مَن صار وسيطًا بين الله والإنسان في الجسد، بيد أنه ظهر وحده بارًا بين البشر، وبالرغم من أنه بلا خطية، ولكنه أُؤخذ مع ذلك إلى عقوبة الخطية، وقام بدور كل من الإنسان المذنب، والذي لم يخطئ، وظلّ الإله الذي لا يعذب؟ أعطى مثالاً للبراءة، واحتمل عقوبة الخطية. وهكذا عن طريق الألم، أرضى كل من الواحد والآخر، بحيث أنه أدان خطية الإنسان عن طريق إلهام البر، وهدأ غضب القاضي باجتياز الموت، وبالتالي، بحسب العمل الذي دبّره بيده، يعطي البشر أمثلةً لكي ما يتبعوها، مقدمًا لله في ذاته تلك الأعمال؛ التي يمكن أن يتصالح بها مع البشر“

(الأخلاق، تفسير سفر أيوب 9: 39).

*نرى هنا أيضًا عند غريغوريوس الكبير مبدأ ترضية الله بموت المسيح مخلص البشرية وتهدئة غضب الله بعقاب المسيح عنا.

ثم نتوقف قليلاً عند أنسلم رئيس أساقفة كانتربري للحديث عن مفهوم الترضية والبدلية العقابية عنده. يتحدث أولاً عن ماهية الخطية كإهانة لله، وسلب لحقه في الإكرام، وحط من قدره كالتالي:

”فمَن لا يؤدي واجب الإكرام هذا لله، يكون قد سلب الله حقه، وحطّ من كرامته […] وكذلك مَن حطّ من كرامة صاحبه، فلا يكفي أن يرد له الإكرام الواجب، ينبغي عليه أيضًا التعويض الكافي عن طريق ترضيته عن الاهانة. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن المغتصِب الذي يرد المال المغتصَب، ينبغي عليه أن يعطي شيئًا، لم يطالب به، لو لم يعتد على غيره في ماله. وبالتالي، ينبغي على كل مَن يفعل الخطية أن يرد لله الإكرام الواجب الذي سلبه. وهذا هو الإيفاء المطلوب من الخاطئ لله“

(لماذا تجسد الله؟ 1: 10)

ثم يقول في موضع آخر:

”لا يليق بالله أن يغفر خطية من دون عقاب عليها“

(المرجع السابق 1: 11).

ثم يستطرد قائلاً:

”لا يوجد شيء ينبغي الحفاظ عليه عند الله أكثر من كرامة مقامه“ ثم يتساءل: ”أنسلم: هل يبدو لك إذا سمح الله بحدوث هذا النهب، ولم يسترد الشيء المنهوب، ولم يعاقب الناهب، أنه بذلك يحافظ على كرامته العالية المحافظة الحقيقية التي لا يشوبها أي شيء. بوزو: لا أستطيع قول ذلك. أنسلم: بناءً على ذلك، ينبغي أن يسترد الكرامة المهانة، أو يفرض العقاب، وإلا لن يسير كل من العدالة والقوة الإلهية في مسارهما، ولا يمكن تصور ذلك على الإطلاق“.

(المرجع السابق 1: 12)

ثم يشرح بمثال إيفاء المسيح لهذا القصاص كالتالي:

”حيث كان من الصعب لأحد غيره أن يجد منفذًا من حكم القصاص. وكان ابنه الأمين والصادق هذا له مكانة عظيمة عند ذلك الأب، وهو يحب كثيرًا أولئك الأولاد المجرمين، فأراد بما له من القدرة أن يصالح كل الذين يثقون بمشورته مع الأب بعمل خدمة مرضية جدًا، حيث كان عليه واجب أن يعملها في يوم محدد بحسب مشيئة الأب […] وحيث كان من الصعب على الذين يريدون الخلاص أن يحضروا جميعًا حينما أكمل المسيح ذلك الفداء، كانت قوة موته فعّالة بهذا القدر، حتى أن غير الموجودين في الزمان والمكان، يمكنهم استنتاج ذلك“

(المرجع السابق 2: 15).

ثم ننتقل إلى برنارد من كليرفو وهو أحد اللاهوتيين اللاتين المعروفين في العصر الوسيط، والمتأثرين بأنسلم متحدثًا عن مفهوم الخلاص بالدم ورافضًا لمفهوم بيير أبيلارد غريمه أن موت المسيح على الصليب هو ذبيحة حب من الله للإنسان كالتالي:

” لم يطالب الآب بدم الابن، ولكنه قَبِله مع ذلك عند تقديمه، غير متعطشًا للدم بل للخلاص؛ لأنّ الخلاص كان بالدم -الخلاص بالطبع، وليس كما يعتقد ويكتب ذاك الأحمق إنه الإعلان المجرد عن الحب. لأنه يلخص سلسلة الإهانات؛ التي يتقيأها بعدم تقوى وبدون حذر ضد الله، بالقول إن السبب الحقيقي من أجل ظهور الله في الجسد كان لتعليمنا، أو كما يقول أدناه؛ لإرشادنا من خلال كلمته ومثاله. لقد كان السبب الحقيقي من أجل آلامه وموته هو الإعلان أو التأكيد على محبته تجاهنا“

(الرسالة إلى البابا إينوسنت الثاني 190:

*نرى هنا جليًا فكرة الخلاص بقبول الآب لدم الابن، ومعارضة مفهوم أبيلارد عن موت المسيح كذبيحة حب لنا.

ويقول في موضع آخر متحدثًا عن مفهوم الترضية التالي:

” حيث قد تُنسَب ترضية الواحد للجميع، حتى لو حمل الواحد خطايا الجميع، وليس واحد أخطأ، وآخر صنع الترضية؛ لأنّ الرأس والجسد مسيح واحد. ولذلك صنع الرأس الترضية من أجل الأعضاء“.

(المرجع السابق: 6).

كما يشرح هيو من سان فيكتور أحد أعلام اللاهوت المدرسي، وأحد المتأثرين بأنسلم، مفهوم البدلية العقابية وتسديد المسيح الدين لله عن البشرية كالتالي:

” لقد أعطى الله بحرية للإنسان؛ ذاك الذي قد يدفعه الإنسان كدين لله، ولذا أعطى للإنسان هذا الإنسان (المسيح) الذي يستطيع أن يدفع للإنسان؛ الذي يُصنع به ما يستحق المجازاة. لم يكن مساويًا له، بل أعظم من الإنسان السابق. حيث يمكن إعطاء هذا الإنسان (المسيح) الأعظم من أجل الإنسان، لذا صار الله إنسانًا من أجل الإنسان.

وهكذا دفع المسيح بميلاده دين الإنسان للآب، وكفّر بموته عن ذنب الإنسان، وبالتالي، حيث أنه أجتاز من أجل الإنسان الموت؛ الذي لم يكن مدينًا به، لكي ما يهرب الإنسان بعدلٍ من خلال ذلك الموت من الموت؛ الذي كان مدينًا به. وهكذا لا يجد إبليس أي سبب للشكوى، بما أنّ السلطان على الإنسان لم يكن من حقه، واستحق الإنسان حريته“.

(حوار حول الأسرار: 4).

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت اللاتيني – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت المدرسي – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت المدرسي – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت المدرسي – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت المدرسي اللاتيني كالتالي:

نبدأ من عند ريشارد من سان فيكتور أحد اللاهوتيين الفيكتوريين المدرسيين في العصر الوسيط في أوروبا يتحدث عن ضرورة الترضية الكاملة من أجل أستعادة الإنسان بالكامل كالتالي:

“لا يمكن استعادة الإنسان بشكل كامل بدون ترضية، بل من أجل الترضية الكاملة، أقتضت إنه ينبغي أن توجد بشرية عظيمة في الكفارة، مثلما قد كان هناك وقاحة وجرأة في الخطية” (الحديث عن التجسد : ٨)

كما يتحدث برنارد من سان فيكتور عن فكرة الإيفاء لله بالألم كالتالي:

” لأنه فيمَن تألم، قد يرى البشر ما ينبغي عليهم أن يوفوه لله، وفيمَن تمجّد، قد يفهمون أية مكافأة قد يتوقعونها منه، وبالتالي، إنه كمثال يكون هو الطريق، بوعد الحقيقة، وبمكافأة الحياة” (الخلاصة ٣: ١: ٤-٧).

لنرى الآن بيتر لومبارد أسقف باريس في العصر الوسيط وصاحب كتاب ” الأحكام” الذي كان يعتبر كاتاشيزم الكنيسة اللاتينية في ذلك الوقت بأوروبا في العصر الوسيط، والذي تبارى اللاهوتيون في وضع الشروحات عليه، يتحدث عن عقوبات الكنيسة على التائبين إنه ينبغي أن تتضافر مع عقوبة المسيح كالتالي:

“العقوبة التي تفتقد بها الكنيسة التائبين عن الخطايا، لن تكفي ما لم تتشارك مع عقوبة المسيح” (الأحكام ٣: ١٨: ٢).

ثم ننتقل إلى توما الأكويني أهم لاهوتي مدرسي في العصور الوسطى الذي حاول الجمع بين نظرية الترضية والنظرية الأخلاقية أو الأدبية كالتالي:

“بمحبته وطاعته في آلام المسيح، أظهر الله شيء ما أكثر مما كان مطلوبًا كمجازاة عن جميع آثام الجنس البشري: أولاً، بسبب عظم المحبة التي تألم بها، ثانيًا، من خلال استحقاق تلك الحياة التي قدمها كترضية، كونها حياة الله والإنسان، ثالثًا، بسبب شمولية الحب وعظم الآلام التي احتملها […] وبالتالي، لم تكن آلام المسيح كافية فقط، بل وترضية فائضة من أجل خطايا الجنس البشري” (الخلاصة ضد الأمم ٣: ٤٨)

ويستطر الأكويني أيضًا في نفس السياق موضحًا فكرة الترضية أو الثمن أوالدين الذي دفعته آلام المسيح للإنسان قائلاً:

“لأنه من ثم كانت آلام المسيح ترضية فائضة من أجل خطية الإنسان، ودين العقوبة، وآلامه، كما لو كانت نوعًا من ثمن تحريرنا من كلا الدينين. لأن تلك الترضية عينها التي صنع بها الإنسان الترضية، سواء عن نفسه، أو عن الآخر، تُدعى نوعًا من الثمن، الذي يخلص نفسه أو الآخر من الخطية ومن العقاب” (المرجع السابق).

يستمر الأكويني في سياق نظرية الترضية، حيث يقول:

” الرأس والأعضاء كما لو كانا شخصًا واحدًا سرائريًا، وهكذا تخص ترضية المسيح جميع المؤمنين، كما تخص أعضائه الخاصة” (المرجع السابق)

ويتحدث الأكويني في موضع آخر عن آلام المسيح كاسترضاء لكرامة الله كالتالي:

“كل شيء صُنِعَ من أجل الكرامة التي تليق بالله بهدف استرضائه” (المرجع السابق).

ويقول الأكويني أيضًا أن الله لا يغفر خطية بدون عقوبة كالتالي:

” بيد أنه من الواضح أن قسوة وصرامة الله، الذي لا يرضى أن يغفر خطية بدون عقاب” (المرجع السابق: ٤٧).

كما يتحدث الأكويني عن فكرة المصالحة بين الله والبشر من خلال إزالة الكراهية التي سببتها الخطية كالتالي:

“ولا ينبغي القول بأن آلام المسيح صالحتنا مع الله بمثل هذه الطريقة، التي بدأ بها أن يحبنا من جديد، بل لأنه عن طريق آلام المسيح، تم إزالة سبب الكراهية من خلال كل من إزالة الخطية، وإيفاء الدين المقبول جدًا” (المرجع السابق: ٤٩).

ثم نتحول الآن إلى جون دنس سكوت أحد أهم اللاهوتيين المدرسيين، حيث يتحدث عن نظرية “الاستحسان” واستحقاق ترضية المسيح عنا لله الثالوث كالتالي:

” فإن سألت، إلى أي مدى استحقاق المسيح له قيمة كافية، إنه بدون شك لديه الاستحقاق إلى حد أنه كان مقبولاً من الله، بما أن الرضا الإلهي هو السبب الرئيسي والعلة الرئيسية لكل رضا. لأن كل شيء فيما عدا الله هو صالح، لأنه محبوب من الله، وليس العكس […] لذلك كان استحقاق المسيح لديه الاستحقاق الكافي، لكي ما يمكن أن وسوف يقبله الثالوث” (الخلاصة ٣: ١: ٣).

ويستطرد سكوت في نفس السياق حول نظرية “الاستحسان” لتقدمة المسيح قائلاً:

” كما أن كل شيء فيما عدا الله هو صالح، لأنه مرغوب من الله، وليس العكس، هكذا كان ذلك الاستحقاق حسنًا لكي ما يكون مقبولاً، وهكذا كان استحقاقًا، لأنه كان مقبولاً، وليس العكس، إنه كان مقبولاً، لأنه كان استحقاقًا حسنًا” (المرجع السابق).

لنفحص أيضًا واحد من أهم إرهاصات الإصلاح البروتستانتي في أوروبا وهو أستاذ اللاهوت بأكسفورد جون ويكليف، حيث يتحدث عن مفهوم البدلية العقابية كالتالي:

” لن يسمح الله أبدًا بأي شر بلا عقوبة، لذلك وضع كل خطايانا وآثامنا على المسيح” (شرح آلام الرب: ٣).

كما يتحدث في نفس السياق عن علاقة إرضاء عدل الله بمعاناة الله من عقوبة الخطية لأجلنا قائلاً:

“ينبغي كراهية الخطية كثيرًا جدًا، لأنها لا ترضي كثيرًا جدًا العدل الإلهي، فأنظر ألم ومعاناة الله من عقوبة الخطية لأجلك لكي يزيلها”

(المرجع السابق).

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت المدرسي – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج2 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج2 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل أحبائي استعراض مفهوم البدلية العقابية عند رجال الإصلاح البروتستانتي، وسأستعرض مفهوم البدلية العقابية عند جون كالفن مؤسس الكنيسة الكالفنية وأحد أهم الدعائم التي ترتكز عليها الكنيسة المشيخية المصلحة، ثم سأطرح الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية بمفهموها اللاتيني الغربي المدرسي والبروتستانتي في شرح عمل المسيح الخلاصي على الصليب.

يتحدث كالفن في كتابه “مبادئ الإيمان المسيحي” عن عمل المسيح في المصالحة بين الله والإنسان من خلال طاعة الله وإرضاء عدالة دينونة الله واحتماله قصاص الخطيئة، وتتجلى بذلك أوضح أشكال البدلية العقابية من تقديم جسد المسيح أي جسدنا ثمن لإرضاء دينونة الله، ودفع عقوبتنا في هذا الجسد، كالتالي:

“المطلب الثاني لمصالحتنا مع الله هو أن الإنسان الذي ضل بعصيانه، مطالب بإصلاح الوضع عن طريق طاعته، وإرضائه عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة. لهذا السبب، جاء ربنا كإنسان حقيقي وأخذ طبيعة آدم واسمه، ليأخذ مكان آدم في طاعة الآب، ويقدم جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله العادلة، وليدفع في هذا الجسد ذاته العقوبة التي نستحقها نحن” (مبادئ الإيمان المسيحي ٢: ١٢: ٣).

يتحدث كالفن عن إرضاء المسيح لغضب الله الآب العادل من خلال تقديم جسده ذبيحة لمحو ذنبنا كالتالي:

” أن طبيعتنا المشتركة مع المسيح هي الضمان لشركتنا مع ابن الله، وهو إذ لبس طبيعتنا هزم الموت والخطيئة معًا جاعلاً من هذا الانتصار والغلبة ملكًا لنا، وقدم الجسد الذي نال منا، ذبيحةً لكي يمحو ذنبنا من خلال كفارته وإرضائه غضب الله العادل” (المرجع السابق ٢: ١٢: ٣).

يتحدث كالفن أيضًا عن ملمح الغضب في البدلية العقابية وترضية غضب الله بكفارة المسيح كالتالي:

“فيسوع كوسيط طاهر وبلا عيب، يريد من خلال قداسته أن يصالحنا مع الله. لكن تمنعنا لعنة العدالة الإلهية من الاقتراب منه، والله بصفته قاضيًا، غاضب علينا. لهذا السبب، لابد من إدخال الكفارة لكي ينال المسيح ككاهن رضا الله من نحونا ويسترضي غضبه. لهذا السبب – بغرض أن يتمم وظيفته- كان عليه أن يتقدم بذبيحة” (المرجع السابق ٢: ١٥: ٦).

يستطرد كالفن أيضًا شارحًا ملمح العقوبة والغضب، وضرورة بحث الإنسان عن وسائل يسترضي بها غضب الله عليه، وأن الله لا يغفر الخطايا بدون عقاب وأنه على استعداد دائم للمعاقبة كالتالي:

“لا أحد يغوص في أعماق ذاته ويتأمل نفسه بجدية من دون أن يشعر بغضب الله عليه، وبأنه يعادي الله. ولهذا، يجب أن يسعى بجدية وراء طرق ووسائل يسترضي بها الله، وهذا يتطلب تكفيرًا عن الخطيئة. والضمانة المرجوة هي ضمانة غير عادية، فالخطاة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا عادلاً، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة” (المرجع السابق ٢: ١٦: ١).

يتحدث كالفن عن ملمح اللعنة في البدلية العقابية، وكيف تم محو اللعنة بالتكفير عن الإثم من خلال ذبيحة جسد المسيح، والتطهير بدمه، كالتالي:

” فالبشر كانوا تحت اللعنة إلى الوقت الذي تم فيه التكفير عن إثمهم من خلال الذبيحة (غل٣: ١٠، ١٣) لقد كانوا غرباء عن الله إلى الوقت الذي تصالحوا فيه معه من خلال جسد المسيح (كو١: ٢١- ٢٢) […] فلو لم يكن معلنًا بوضوح أن غضب الله وعقابه، والموت الأبدي هي من نصيبنا، لكان من النادر أن ندرك كم حياتنا تعيسة بدون رحمة الله […]

وبينما هو (الخاطئ) في هذه الحال، شفع المسيح له كمحام، واحتمل في جسده العقاب، الذي كانت دينونة الله العادلة تنذر بإنزاله بكل الخطاة، وطهره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله، وهكذا نال من خلال كفارة المسيح رضا الله الآب، وقُبلت ذبيحة المسيح المقدمة لأجله. وهدأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلّ سلام الله على البشر” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٢).

يتحدث كالفن عن الثمن الذي دفعه المسيح بموته كدليل على إرضاء الله كالتالي:

“ولكي يأخذ عنا الدينونة، لم يكن كافيًا بالنسبة إليه أن يموت ميتة عادية، فلكي يدفع ثمن فدائنا كان لابد من اختيار نوع من الموت، يمكنه من خلاله أن يحررنا عن طريق أخذه عنا دينونتنا وحمله ذنبنا. […] لما كان في ذلك الموت دليل إرضاء لله” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٥).

يستطرد كالفن للحديث عن التبرير المجاني بذبيحة المسيح واسترضاءنا وتسكيننا لغضب الله من خلالها قائلاً:

“وهذا يعني أننا نحن الذين <بالطبيعة أبناء الغضب> (أف٢: ٣) ومبعدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجاني، واسترضينا الله وسكنا غضبه” (المرجع السابق ٢: ١٧: ٢).

يتحدث كالفن عن فكرة المبادلة العقابية بين المسيح وبيننا ليحمل عنا انتقام الله العادل كالتالي:

” وهكذا تمت تبرئتنا: فالذنب الذي جعلنا مدينين للقصاص نُقل إلى ابن الله (إش٥٣: ١٢)، ويجب أن نتذكر، فوق كل شيء، هذه المبادلة، لئلا نرتجف ونقلق كل حياتنا، كما لو أن انتقام الله العادل، الذي حمله ابن الله، مازال متسلطًا فوق رؤوسنا” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٥).

ثم يتحدث كالفن عن ذبيحة المسيح كذبيحة تكفيرية قدمها المسيح للآب في الموت، لكي يدمر الآب قوة الخطية بنقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح كالتالي:

” فقد دمّر الآب قوة الخطيئة عندما نقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح، من هنا معنى هذا القول: قُدم المسيح إلى الآب في الموت كذبيحة تكفيرية، بحيث إنه إذ أتم التكفير من خلال ذبيحته، يمكننا أن نكف عن الخوف من دينونة الله” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٦).

يتحدث كالفن أيضًا عن التبرير بدم المسيح المسفوك لأجلنا كالتالي:

“فنحن لا نقدر أن نؤمن بكل يقين أن المسيح هو فداؤنا، وفديتنا، والكفارة عنا، ما لم يكن قد قُدم كذبيحة […] ولذلك هناك إشارة إلى الدم في كل مرة يبحث الكتاب المقدس طريقة الفداء. لكن دم المسيح المسفوك لم يكن تكفيرًا فحسب، بل مغسلة أيضًا ليغسلنا من فسادنا” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٦).

يتحدث كالفن عن طريقة مصالحتنا مع الله الذي كان يبغضنا بسبب الخطية بطاعة وتكفير وعقاب المسيح عنا لنوال استحقاقات فداء المسيح كالتالي:

” إن المسيح بطاعته، نال لنا حقًا النعمة عن استحقاق مع أبيه. […] وأنا أسلم جدلاً بأنه في حال صنع المسيح تكفيرًا لخطايانا، إذ هو دفع العقاب الذي علينا، إذ هو سكن غضب الله بطاعته – باختصار إذ هو كإنسان بار تألم لأجل الأشرار- فهو اكتسب الخلاص لنا من خلال بره الذي هو مساوٍ لاستحقاقه. لكن كما يقول بولس: “قد صولحنا مع الله بموت ابنه” (رو٥: ١٠- ١١). لكن لا تحصل المصالحة إلا حيث تسبقها الإساءة. فيكون المعنى كالتالي: الله الذي كان يبغضنا بسبب الخطيئة*، رضى عنا من خلال موت ابنه، وصار مؤيدًا لنا” (المرجع السابق ٢: ١٧: ٣).

يتحدث كالفن عن دم المسيح كثمن إرضاء دينونة الله، والتبرير بالدم، وتسكين غضب الله كالتالي:

“فإن كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تم إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن […] وهذا يظهر بسهولة أن نعمة المسيح تضعف قيمتها كثيرًا ما لم تمنح ذبيحته القوة على التكفير، وتسكين الغضب، وإرضاء الله […] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له” (المرجع السابق ٢: ١٧: ٤).

كما يتحدث كالفن عن مبدأ التعويض عن خطايانا بدفع الثمن لله أي دم المسيح كالتالي:

” فالله قدم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح [….] وهذه المقارنة لا تنطبق لو لم يكن هناك تعويض قد تم عن خطايانا بهذا الثمن [….] ما لم يُوضع عليه العقاب الذي نستحق، لهذا السبب يسمي الرسول الفداء بدم المسيح “غفران الخطايا” […] وقد أشار هناك إلى الجزاء أو التعويض الذي يعفينا من الذنب” (المرجع السابق ٢: ١٧: ٥).

نستعرض الآن أهم الانتقادات الموجهة لنظرية الإبدال العقابي في شرح عمل المسيح على الصليب:

١. نجد في ملمح الغضب في سياق الإبدال العقابي، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يسكن غضب الآب ويهدئ من غضبه، وهذا يعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية بعينها.

٢. لا نجد أي دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية والتعويض والعقوبة ودفع الثمن، تلك الأمور التي قدمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

٣. إخضاع الله لقوانين وشروط ملزمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

٤. تقديم صور مشوهة وثنية صنمية عن الله تظهره أنه إله غاضب على البشر ويكرههم ويبغضهم بسبب خطاياهم رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتظهر البدلية العقابية الله أنه يحتاج مَن يهدئه ويسكن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرة أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

٥. كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته وموته وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمجرد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقب بها في جسده لأجلنا كما يتحدث منظرو البدلية العقابية.

٦. تلغي البدلية العقابية مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية والميرون والتناول، لأنه بحسب البدلية العقابية تم إيفاء الدين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرة أخرى ونُدفن ونقوم في المعمودية بعدما مات المسيح عنا مرة واحدة، ولماذا نمارس القداسات ونكرر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تم العقاب والترضية والإيفاء، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية البدلية العقابية ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

٧.تشرع وتكرس وتحرض البدلية العقابية على العنف والتعذيب والعقاب، فطالما الله يعاقب ابنه لأجل البشر، وينزل جم غضبه على الابن لأجلنا، وينزل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مرشد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على ابنائنا أيضًا. صور مشوهة ووثنية وعنيفة عن الله الصالح محب البشر.

٨. تؤدي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهي الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تحدث البدلية العقابية انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهي بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب قاسي منتقم وكاره، وإله محب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهي.

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج2 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج1 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج1 – 

 

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج1 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي أو المصلح بصفة عامة، واللاهوت اللوثري بصفة خاصة من خلال عرض أفكار ومفاهيم أحد أهم شخصيتين ممثلتين لذلك اللاهوت اللوثري وهما: مارتن لوثر، وفيليب ميلانكتون.

نبدأ أولاً بمارتن لوثر، حيث ترد أهم الإشارات إلى مفاهيم البدلية العقابية بأجلى صورها ومفهوم ترضية الله الآب بمعاقبة وموت المسيح في عظاته وشروحاته على رسالة بولس إلى أهل غلاطية، حيث يفسر لوثر آية (غلا٣ :١٣) “اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ” كالتالي:

“ولذلك صوره ناموس موسى العام بريئًا، بالرغم من أنه كان في شخصه الخاص، لأنه وجده (الناموس) وسط الخطاة واللصوص […] ولذلك حينما وجده الناموس وسط اللصوص، لعنه وقتله مثل لصٍ”

Commentary on Galatians (1535).

ثم يستطرد لوثر في شرح نفس الآية موضحًا عمل المسيح في حمل عقوبة الخطية قائلاً:

“قد وُضعت الخطية عليه (المسيح)، ويأتي الناموس ويقول: فليمت كل خاطئ. فلذلك إن كنت قد تذللت، أيها المسيح، كونك بديلاً، ومذنبًا، وحملت العقوبة، وحملت أيضًا الخطية واللعنة”

Ibid.

ثم يستمر لوثر أيضًا في شرح نفس الآية مفسرًا ماهية الإبدال العقابي الذي أتمه الله في المسيح بعد طغيان الناموس علينا قائلاً:

“وعندما رأى الآب الرحيم أن الناموس طغى علينا، ووُضعنا تحت اللعنة، ولا يوجد أي شيء يمكنه أن يحررنا منها، أرسل ابنه إلى العالم، ووضع عليه جميع خطايا كل البشر، وقال له: كن أنت، بطرس ذاك الناكر، وبولس ذاك المضطهد والمجدف والعنيف، وداود ذاك الزاني، وذاك الخاطئ الذي أكل من التفاحة في الفردوس، ذاك اللص على الصليب، باختصار، كن أنت شخص كل البشر، الذي قد صنع خطايا كل البشر، وبالتالي، فلتدرك أنت، كيف أنك تدفع وتصنع ترضية لأجلهم.

ثم يأتي الناموس ويقول: وجدت ذاك الخاطئ آخذًا عليه خطية جميع البشر، ولا أرى خطية أكثر من ذلك إلا فيه، لذا فليمت على الصليب. وهكذا يهاجمه الناموس ويقتله، وهذا مصنوع من أجل تطهير العالم كله من كل خطيئة، وصُنع الكفارة، وبالتالي أيضًا، هل تحرر من الموت، ومن كل أسقامه”.

Ibid.

ويستمر لوثر شارحًا نفس الآية للوقوف على أفضل تصوّر للترضية التي صنعها المسيح لأجلنا نحن البشر كالتالي:

” وهذا ما رآه جميع الأنبياء، أن المسيح كان ينبغي أن يكون جميع البشر، أعتى لص، وقاتل، وزاني، وسارق، ومجدف، وملعون… إلخ مما مَن لم يكن هناك أعتى منه في العالم أبدًا في أي وقت، ولأنه الآن لم يحمل شخصه، والآن ليس هو ابن الله، المولود من العذراء، بل خاطئ لديه ويحمل خطية بولس الذي كان مجدفًا ومضطهدًا وعنيفًا، وخطية بطرس الذي أنكر المسيح، وخطية داود الذي كان زانيًا وقاتلاً، والذي جعل الأمم يجدفون على اسم الرب، باختصار، الذي لديه ويحمل في جسده كل خطايا جميع البشر -وليس لأنه ارتكبها، بل لأنه أخذ على جسده الأشياء التي فعلناها من أجل عمل ترضية لأجلهم بدمه”.

Ibid.

ويوضح لوثر أيضًا مفهوم البدلية العقابية وحمل المسيح لعنة الناموس عن الخليقة كلها في سياق شرحه لنفس الآية قائلاً:

” هذا هو بالحقيقة تصادم عجيب، حيث يتصادم الناموس هكذا ضد الخليقة مع خالقها، وضد كل حق، ويمارس على ابن الله كل طغيانه، الذي مارسه علينا، نحن أبناء الغضب. وبالتالي، لأن الناموس أخطأ بشكل مروع جدًا وبعدم تقوى شديدة ضد إلهه، فإنه يُستدعى من أجل اللعنة، ويُلعن […] وبالتالي، الناموس، الذي لعن وقتل جميع البشر من قبل، عندما لم يكن لديه القدرة على الدفاع عن نفسه، أو تطهير نفسه، فهو بدوره قد لُعن وقُتل كذلك، لكي ما يفقد كل حقه، ليس فقط ضد المسيح، الذي أهانه وقتله هكذا بدون وجه حق بشكل جائر، بل ضد جميع المؤمنين به أيضًا”.

Ibid.

*نرى هنا بوضوح عند لوثر مفهوم البدلية العقابية،حيث يعاقب الله في شخص المسيح كل الخطاة كبطرس وبولس وداود وجميع البشر الخطاة، كما نرى مفهوم تقديم الترضية لله بموت وعقاب المسيح لأجلنا.

ننتقل الآن إلى فيليب ملانكتون سكرتير لوثر ومساعده وصديقه، وأحد أهم رجالات الاصلاح البروتستانتي عامةً، واللوثري خاصةً، حيث يتحدث في كتابه المعنون ب “اعتراف أوجسبرج” عن التبرير والاستحقاق بالإيمان بموت المسيح، وغفران خطايا البشر جميعًا بترضية المسيح لله لأجلنا كالتالي:

“لا يمكن تبرير البشر أمام الله بقواهم، أو استحقاقاتهم، أو أعمالهم، بل يتم تبريرهم صراحةً من أجل المسيح بالإيمان، وحينما يعتقدون أنهم مقبلون على النعمة،وغُفرت خطيتهم من أجل المسيح، الذي بموته قد صنع ترضيةً من أجل خطايانا. وينسب الله هذا الإيمان من أجل البر أمامه”

Augsburg confession, Art. 4.

ويتحدث ملانكتون في نفس الكتاب عن المصالحة بيننا مع الله بذبيحة المسيح من أجل غفران الذنب الأصلي والخطايا الفعلية،حيث يقول:

” لقد تألم حقًا، وصُلب، ومات، ودُفن، لكي ما يصالح الآب معنا، ولكي ما يكون ذبيحةً ليس فقط من أجل الذنب الأصلي، بل من أجل جميع الخطايا الفعلية للبشر أيضًا”

Augsburg confession, 3

ثم يتحدث ملانكتون بوضوح جدًا عن مفهوم البدلية العقابية وتسديد الدين عن الإنسان المدان من أجل تبريره كالتالي:

“من أجل التبرير، وبحسب العرف القانوني، يشير هنا إلى تسديد دين المتهم، وإعلانه بارًا، ولكن على حساب بر الآخر، أي المسيح، حيث يتصل بر الآخر بنا عن طريق الإيمان”

Apology of Confession of Augsburg. P. 125, ap. Hagenbach, op. cit 3, 112.

ثم يتحدث ملانكتون عن كيفية إرضاء المسيح وتهدئته لغضب الله الواقع عليه لأجلنا كالتالي:

“وُضعت خطة الله العجيبة، فبالرغم من أنه عادل، وغاضب على الخطية بشكل رهيب، ولكنه على الأقل سوف يكون مستعدًا من أجل تهدئة واسترضاء غضبه الأكثر عدلاً، لأن ابنه صار يتوسل ويتضرع عنا، ولقد أنزل الغضب عليه، وصار كفارةً وذبيحةً لأجلنا”.

Declamatio, C. R., 11, p. 779, ap. Ritschl, op. cit. P. 202.

كما يشرح ملانكتون في دفاعه عن إيمان كنائس ساكسونيا كيف كانت ذبيحة المسيح من إرضاء عدل الله وغضبه على الجنس البشري من أجل المصالحة بينه وبين البشر كالتالي:

” ولكن ابن الله، يسوع المسيح ربنا، الذي هو صورة الآب الأزلي، صار وسيطًا، وشفيعًا، وفاديًا، ومبررًا، ومخلصًا. وبالتالي يتم تهدئة وإرضاء غضب الله فقط من خلال طاعته واستحقاقه […] ويُرى في تلك الذبيحة عدل الله، وغضبه ضد الخطية، وجزيل رحمته نحونا، والمحبة في الابن نحو الجنس البشري كله. مثل هذا هو قسوة عدله، حيث لا تتم المصالحة إلا بدفع العقوبة تمامًا.

مثل هذا هو عظم غضبه، حيث لا يمكن تهدئة واسترضاء الآب الأزلي إلا باستعطاف وموت الابن. مثل هذه هي رحمته، حيث أُعطي الابن لأجلنا. مثل هذا الحب كان في الابن تجاهنا، حيث أنه صب جم غضبه الحقيقي على نفسه”

Confessio. Ecclesia. Sax., 1550, in Melanchton’s Corpus Doctrinae Christianae, Leipzig, 1560.

يستطرد ملانكتون أيضًا في نفس السياق قائلاً:

” بالنسبة للقلب الذي يشعر حقًا بأن الله غاضب، ولا يستطيع أن يحب الله، ما لم يُستعلن إرضاؤه وتهدئته. بينما يخيفنا ويظهر أنه يطرحنا إلى موت أبدي، ولا تستطيع الطبيعة البشرية أن ترتقي بنفسها لكي تحب مَن هو غاضب، ويدين، ويعاقب”

Apology. Conf. Aug. P. 71.

كما يعدّد ملانكتون أيضًا هبات وعطايا الله على البشرية من خلال عمل المسيح الكفاري لأجلنا كالتالي:

” هبات وعطايا الله هي كالتالي: حمل الذنب والموت الأبدي، أي تهدئة واسترضاء عظم غضب الله”

Loci Praeripui. Theologici., p. 603.

ّويعرّف ملانكتون الموت الأبدي بأنه:

” هو الشعور باستمرار غضب الله الرهيب والفائق الوصف”

Ibid.

كما يوضح ملانكتون أن موت المسيح وليس طقوس الناموس هو الترضية الحقيقية لله من أجل خطايانا:

“لكي ما نعرف أن موت المسيح وليس طقوس الناموس هو الترضية أو الكفارة الحقيقية من أجل خطايانا”

Ibid, De Sacrificio, p. 572.

ثم يشرح ملانكتون عمل المسيح على الصليب بأنه:

” عمل مضمون للآخرين، أي مغفرة الذنب، والصفح عن العقاب الأبدي، وعمل المصالحة مع الله، وتهدئة غضب الله من أجل الآخرين، وصُنع ترضية من أجل الذنب والعقاب الأبدي”

Ibid, p. 571.

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج1 – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

 

في حين يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مقيدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يعين ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، حيث يقول التالي:

“أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن* لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله*، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمُنجبين؟”.

 (مدينة الله١٤: ٢٣)

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله.

وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير*، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير*، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يولي الإرادات القدرة”.

 (مدينة الله٥: ١٠)

ولكن يختلف ق. كيرلس السكندرى تمامًا مع هذا الطرح الأوغسطيني، بل يعتقد ق. كيرلس السكندري بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:

“لقد خُلِق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.

وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه.

بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.

(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)

ونستنتج من هنا أيضًا اختلاف الطرح الكيرلسي عن الطرح الأوغسطيني بخصوص تعليم الخطية الجدية، في حين يعلم أوغسطينوس بسبق الاختيار وتعيين الأبرار والأشرار من قِبل الله منذ الأزل بسبب وراثة البشر للخطية الأصلية، يدحض ق. كيرلس السكندري التعليم بالقدرية وسبق التعيين والإرادة المقيدة بالشر على النقيض من أوغسطينوس، ويؤكد على بقاء حرية إرادة المرء حتى بعد السقوط ليختار بين الفضيلة والرذيلة.

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

معمودية الأطفال في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

معمودية الأطفال في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

معمودية الأطفال في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

معمودية الأطفال في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

تحميل هذا البحث

 

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

في حين يعتمد ق. أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”

كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يفسر الآية كالتالي:

“يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تكبل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويلاحظ أصل الخطيئة*، ويصرخ: ‘هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي’. هل بالآثام حُبل بداود؟ هل بالإثم حُبل بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبل به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم*. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم.

لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه*، أي وهو يُجرجر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ‘ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه’ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذا كان الأطفال يُولدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب.

فما الذي يمحوه العماد؟ أي قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة*. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أي خطيئة؟ ‘إني بالآثام حُبل بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي’. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس.

لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبل به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ‘الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك’ (لو١: ٣٥). فإذا كان البشر يُحبل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مقيم فيه على الدوام.

ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ‘في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر’ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبل به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولد متحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق.

ليس الزوج غير مائت لأن زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢).

يقول ق. بولس: ‘دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه*’ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم*. بينما وُلد واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولد من آدم”. (عظة على المزمور الخمسين/ عظته في أهل قرطاجنة/ التوبة، ١٠ على مز٥٠: ٦، ٧).

بينما عندما يفسر ق. كيرلس السكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، لو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسر هذه الآية كما فسرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس السكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسر آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

“ويقول (داود) هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعي*، لأنه لو كان كذلك ما كان مستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق*، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة.

ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يوجهون كلامهم إلى الله قائلين: ‘إن أردت أن تحاكمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تحاكم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا معترفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد’.

لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ‘تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب’ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ‘تذكر ما هو وجودي’ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوح صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)”.

(Cyrillus Alexandrinus, Expositio in Psalmos PG 69, 1089-1092).

ونستنتج من هنا أحبائي أختلاف مفاهيم وشروحات ق. كيرلس السكندري عن الخطية الجدية عن مفاهيم وشروحات أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية، حتى أن الدليل الكتابي الواضح آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” الذي يوجهه إليك مباشرةً أي واحد يؤمن بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، لم يفسره ق. كيرلس كدليل على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما فهم أوغسطينوس من نفس النص هذا المعنى.

وبالتالي نلاحظ اختلافًا جذريًا بين مفاهيم ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس حول موضوع الخطية الجدية ونتائجها وآثارها على البشرية، فكيف يعتقد البعض في أيامنا إنهما كانا متفقين في المفاهيم والشروحات لموضوع الخطية الجدية؟ بالرغم من أن النصوص من القديسين كيرلس وأوغسطينوس لا تدعم هذا الاتفاق المزعوم.

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

في حين يستخدم أوغسطينوس نظرية رواقية في الأصل هي نظرية “العلل البذرية” لإثبات انتقال الخطية الأصلية عن طريق الجسد بسبب أن بذرة الجسد التي تتكون منها أجساد البشر هي بذرة آدم المشوهة بالخطية، لذا تنتقل الخطية الأصلية عن طريق بذرة جسد المعصية الأول الذي لآدم إلى أجساد ذريته، وعن طريقها تنتقل خطيته الأصلية إلى ذريته وتتوارثها بالتناسل عن طريق هذه العلل البذرية أو الجسدية، حيث يؤكد على وجود العلل البذرية في أجساد البشر كالتالي:

“هنالك علل جسدية* أو بذرية*، سواء أكان ذلك بمساهمة الملائكة، أو البشر، أو أي كائن حي آخر، أم بمجامعة الجنسين التي تؤدي إلى الإنجاب النوعي، أيًا كانت القوة التي تمارسها حركات الأمهات ورغباتها على ثمرة الحشا للتعديل في الملامح أو اللون، فإن تلك الطبائع ذاتها مهما طغى على كيانها من تأثيرات متنوعة، تظل عمل الله السامي دون سواه”.

(مدينة الله ١٢: ٢٥)

ثم يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل الجسدية أو البذرية في تفسير انتقال الخطية الأصلية بالوراثة من آدم إلى نسله كالتالي:

“ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعوقب بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يمثلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة، التي استُلت من جنبه قبل الخطيئة. لم يكن آنذاك الشكل الخاص لكل وجود مخلوقًا، وما كان أحد منا مالكًا لحياته الخاصة، بيد أن البذرة* التي كان علينا أن نخرج منها* قد شوهتها الخطيئة*، وحملت أثقال الموت بحكمٍ عادلٍ، وجعلت الإنسان مولود الإنسان في الحالة عينها*”.

(مدينة الله ١٣: ١٤)

وهذا ما يقرره أوغسطينوس في موضع آخر، حيث يؤكد على أن طبيعتنا البشرية المريضة والخاطئة نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول الذي لا يستطيع من تلقاء نفسه إتمام الناموس وتكميل البر، حيث يقول التالي:

“إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة* لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول* الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل البر”.

(الطبيعة والنعمة ١: ٢)

ويؤكد أوغسطينوس على العكس من آباء الشرق عامةً، والقديس كيرلس السكندري خاصةً، أننا نولد خطأة ومذنبين ومدانين ومعاقبين من آدم، حيث يقول التالي:

“كل هؤلاء هم بالعدل تحت دينونة الله، لأنهم ليسوا أبرياء من الخطيئة سواء تلك الخطيئة التي وُلدوا بها*، أو الخطايا التي أضافوها بسوء سلوكهم، ‘لأن الجميع قد أخطأوا – سواء من آدم* أو من أنفسهم – وأعوزهم مجد الله’ (رو٣: ٢٣)، طالما أن جميع الناس بلا استثناء قد أخطأوا في آدم*، إذًا، فهم مذنبون* وتحت الدينونة والمعاقبة”.

(الطبيعة والنعمة ١: ٤، ٥)

ولا أجد قولاً عند ق. كيرلس السكندري يشير إلى انتقال الخطية الأصلية، كما يدّعي أوغسطينوس، عن طريق العلل الجسدية أو البذرية من جسد آدم أو جسد المعصية الأول. فلم يستخدم ق. كيرلس السكندري مثل هذه النظرية الرواقية الشهيرة في إثبات انتقال الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج من آدم عن طريق الجسد إلى أجساد ذريته.

فكيف بعد ذلك نقول إن القديس كيرلس السكندري وأوغسطينوس متقاربين ومتشابهين في تعليمهما حول الخطية الجدية، يبدو مما سبق، وجود اختلاف جذري في المفاهيم بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس فيما يتعلق بالخطية الجدية، ولا يمكننا الإدعاء بأن تعاليم ق. كيرلس السكندري مثل تعاليم أوغسطينوس في هذا الصدد، لأنه سيكون من الظلم إدعاء ذلك على ق. كيرلس السكندري وتعليمه الأرثوذكسي السليم عن وراثة نتائج الخطية الجدية أي الفساد والموت، وليس وراثة ذنب أو خطية أو معصية آدم بأية طريقة، سواء نفسًا عن طريق النفس المولودة، أو جسدًا عن طريق العلل البذرية أو الجسدية.

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

أصل النفس – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

أصل النفس – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

أصل النفس – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

أصل النفس

سأبدأ أحبائي في سلسلة من المقالات هي عبارة عن عرض للاختلافات في التعليم بين القديسين كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس.

وأول مفارقة بين الاثنين هي موضوع أصل النفس، في حين يؤمن أوغسطينوس بالنظرية التوالدية المسمَى بـ traducianism في أصل النفس، ومعناها انتقال النفوس بالولادة من الآباء إلى الأبناء، مثلها مثل أجسادها، وبالتالي تنتقل نفوس جميع البشر بالولادة من آدم إلى نسله، ولقد استخدم أوغسطينوس هذه النظرية في مواجهة البيلاجيين في سياق شرحه لكيفية انتقال الخطية الأصلية من نفس آدم إلى نفس كل واحد من أبنائه عن طريق الولادة، حيث يخاطب چيروم الذي كان يؤمن بالنظرية الخلقية المسمى بـ creationism قائلاً:

“علمني إذًا، أرجوك، ما عليَّ أن أعلمه. علمني ما الذي يجب أن أعتبره صحيحًا، وإذا كانت تُخلق، كل يوم، نفوس للذين يُولدون كل يوم. قل لي كيف أخطأت في آدم، الذي ينتقل منه جسد الخطيئة*، وكيف تخطأ نفوس الأطفال فتكون بحاجةٍ إلى مغفرة الخطيئة في سر المسيح المقدس؛ وإذا كانت لم تخطئ، قل لي بأي عدلٍ من الخالق، يكفي أن تتحد بجسدٍ مائتٍ خارج من جسد آدم، لكي تحمل وزر خطيئة غريبة*، إلى درجة تعرضها للهلاك، ما لم تبادر الكنيسة إلى نجدتها، لكونها لا تستطيع أن تطلب نعمة العماد.

بأي عدلٍ تهلك آلاف نفوس الأطفال التي يفصلها الموت عن أجسادها، من دون مغفرة السر المسيحي، إذا كانت كخلائق جديدة، اتحدت بأجسادٍ وُلدت من دون خطيئة سابقة، بل بمشيئة الخالق؟”.

(الرسالة من أوغسطينوس إلى چيروم رقم ١٦٦: ١٠)

 

بينما نجد ق. كيرلس السكندري يؤمن بالنظرية الخلقية creationism في مقابل النظرية التوالدية التي يؤمن بها أوغسطينوس، ويرفض لأجلها النظرية الخلقية، بل ويعترض عليها ويدحضها في كتاباته. حيث يؤمن ق. كيرلس السكندري بأن الله يخلق نفس جديدة لكل إنسان مولود جديد، لأن الله يشرق شمسه على الأبرار والأشرار، فهو يعطي النفس لكل جسد مولود جديد، حتى لو كان الجسد مائت، لأن عطية الوجود والحياة هي عطية إلهية من الله للإنسان، بالرغم من فساده وموته بعد السقوط. فيقول ق. كيرلس التالي:

“ألا تُولد النفس البشرية وهي من طبيعة مختلفة عن طبيعة الجسد، مع الجسد، لأنها – كما قلنا سابقًا – متحدة به؟ ولا أظن أن أحد سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد*، أو أنها تتكون معه*، وإنما الله – بطريقة غير معروفة – يغرسها في الجسد*، وتُولد معه. ولذلك، نحن نحدد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين”. (شرح تجسد الابن الوحيد، ٢٨)

وبالتالي، نلاحظ أحبائي اختلاف مفهوم أصل النفس بين القديسين كيرلس وأوغسطينوس، ومن ثم اختلاف مفهوم كل منهما بشأن الخطية الجدية. فكيف يمكن القول بأنهما متفقان في تعاليمهما وهما مختلفان بالفعل في مكون رئيسي من مكونات عقيدة وراثة الخطية الأصلية بمفهومها الأوغسطيني ألا وهو أصل النفس. حيث يرى أوغسطينوس أن النظرية التوالدية تخدم هدفه في إثبات وراثة الخطية الأصلية، بينما لا تخدم النظرية الخلقية، التي يؤمن بها ق. كيرلس السكندري وغيره من آباء الشرق، هدفش أوغسطينوس في إثبات وراثة الخطية اﻷصلية.

أصل النفس – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

Exit mobile version