اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس
اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس
يتحدث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف (لاهوتي بروتستانتي) عن الاختلاف بين اللاهوتين الشرقي اليوناني والغربي اللاتيني في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:
في اللاهوت الآبائي اللاتيني:
على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائي اللاتيني لديه نقاط عديدة مشتركة مع تعليم اللاهوت اليوناني المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مهمة في الظهور*. حيث يبدأ النوع اللاتيني المختلف من اللاهوت مع ترتليان*. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصور التجسد على أنه يؤثر على الجنس البشري بالأساس من خلال الإرشاد والمثال.
ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكل أو بآخر إلى الخلفية. حيث يركز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب*، معتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يمكن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحددة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت*، مثل: ‘ذنب’، و ‘ترضية’، و ‘استحقاق’، وما إلى ذلك، التي تم توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطور اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح*.
ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يطبق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاري، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطور عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية”.
ثم يستطرد قائلاً في نفس السياق متحدثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتيني، موضحًا الاختلاف بين اللاهوت اليوناني واللاهوت الأوغسطيني بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:
“نشعر بشكل طبيعي بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس، الأب الكنسي الأعظم في الغرب، قد أضاف بشكل كبير، سواء على المستويين الجوهري والشكلي، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يقدم آراء متنوعة، جامعًا في ذاته التطور السابق.
كما توجد فكرة تأله الطبيعة البشرية بالتجسد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط*، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليوناني*.
حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مختلفة*. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض* النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهي*، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب*، وكمصالحة للإنسان مع الله*.
لم يطور أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يميز بصورة حادة بين الجانب القضائي والتجديدي للفداء”.
Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of christ, p. 125-129.
ويتضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانوني والقضائي في اللاهوت الغربي اللاتيني تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائي والتأليهي في اللاهوت الشرقي اليوناني.
اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس
اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس
اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس
يعلق البروفيسور نورمان بويل ويليامز N. P. Williams (لاهوتي بروتستانتي) أستاذ اللاهوت بجامعة دورهام بإنجلترا، وصاحب الكتاب الأهم عن تاريخ عقيدة السقوط والخطية الأصلية بعنوان “أفكار السقوط والخطية الأصلية”، على مفهوم الفداء والخطية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي والآباء اليونانيين كالقديس أثناسيوس وغريغوريوس النيسى التالي:
“نحتاج فقط للإشارة، دون التعليق على ذلك، إلى حقيقة أن مفهوم الفداء يبدو من المفترض هنا (عند ق. غريغوريوس اللاهوتي)، كما في كتابات أثناسيوس وغريغوريوس النيسى، هو مفهوم الاتحاد باللوغوس المتجسد*، و ‘التأله’ النهائي من خلال الاستقبال السرائري له في الإفخارستيا*.
ولكنه لم يُذكر ذلك في الواقع صراحةً، بل إنه من الصعب علينا، إن لم يكن مستحيلاً، رؤية كيف يمكن لاتخاذ اللوغوس للنوس (العقل) البشري أن يكون له الأثر الخلاصي على نوس الجنس البشري بوجه عام، إلا إذا تصورنا اكتمال ‘الإنجماع الكلي’ الأخير لجنسنا في المسيح عن طريق الاندماج السرائري لأفراده الضالين والخطاة فيه (أي في المسيح).
بل يمكن القول في الواقع بأن الشفاء والتقديس بواسطة الأسرار يمثل الغاية التي تقود إليها بشكل طبيعي الطريقة الطبية* لتصور ‘الميل الفطري للخطية’ التي يفضلها الفكر اليوناني*، تمامًا كما أن الغفران والتبرير القانونيين هما الغاية التي يفترضها المفهوم القضائي الأكثر ملائمةً للعقلية اللاتينية*”.
P. Williams, Ideas of the fall and of original sin: A Historical and Critical Study, (London, New York & Toronto: Longsmans, Green & Co., 1929), p. 292.
اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس
تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس
تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس
كانت تراودني من فترة فكرة كتابة هذا المقال من أجل توضيح الفرق الهائل في المفاهيم الخاصة بتدبير الخلاص بين آباء الكنيسة ولاهوت العصر الوسيط وبالخصوص اللاهوت المدرسي، الذي خير من يمثله هو الأب توما الأكويني، الذي قرأته له كثيرًا، وهكذا وجدت اختلافات تكاد تكون جذرية بين مفاهيم تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني ممثلاً عن اللاهوت المدرسي في العصر الوسيط. لذا قررت أن أعرض نقاط الاختلاف بين الطرحين في هذا المقال.
سأبدأ بعرض أفكار توما الأكويني عن تدبير الخلاص، ثم سأقوم بعرض أفكار آباء الكنيسة، عاقدًا مقارنة بين الطرحين، من أجل إظهار الاختلافات الجذرية بين الطرحين الآبائي والأكويني.
يتحدث الأكويني أولاً عن آلام المسيح كترضية واستحقاق عن البشر، مقارنًا بين القدرة على الفعل وممارسة الفعل ذاته، حيث يقول التالي:
“لذا، من الواضح، كما نرى من هذه المناقشة، أخذ المسيح بعض نقائصنا في نفسه، ليس عن اضطرار، بل من أجل غرض محدد (أي من أجل خلاصنا). ولكن كل قوة، وكل عادة، أو قدرة معينة فهم من أجل فعل كنهايتهم. لذا القدرة على المعاناة لم تكف للترضية أو الاستحقاق بمعزل عن المعاناة الفعلية. حيث يُدعى الشخص صالحًا أو شريرًا، ليس لأنه قادر على ممارسة الأعمال الصالحة أو الشريرة، بل لأنه يمارسها، ويتم تقديم المدح أو اللوم كما ينبغي لا من أجل القدرة على العمل، بل لممارسة العمل”.
Aquinas, Thomas, Shorter Summa, Trans. By Cyril Vollert, (Manchester, New Hanpshire: Sophia Institue Press, 1993), p. 227- 228, 289.
يستطرد الأكويني في شرحه لسر الفداء من خلال مبدأ إيفاء مطالب خطايانا وخطية آدم الأب الأول، حيث يقول التالي:
“وبالتبعية، من أجل خلاصنا، لم يكن المسيح يقصد ببساطة أن يجعل قابليتنا للألم نصيبًا له، بل أراد حقًا أن يتألم لكي ما يوفي مطالب خطايانا. احتمل لأجلنا هذه الآلام التي نستحق أن نتألم بها نتيجة خطية أبينا الأول. وأول هذه الآلام هو الموت، الذي تؤول إليه جميع الآلام البشرية الأخرى كما إلى تعبيرهم النهائي. ‘لأن أجرة الخطية هي موت’ كما يقول الرسول في (رو٦: ٢٣)”.
Ibid.
كما يتحدث الأكويني عن البدلية العقابية في سياق شرحه لتدبير الخلاص كالتالي:
“ووفقًا لذلك، أراد المسيح أن يخضع للموت من أجل خطايانا، لذا في اتخاذه لنفسه من دون أي خطأ خاص به العقوبة الموجهة ضدنا، كي ما يحررنا من الموت المحكوم به علينا، بالطريقة التي سوف يصير بها كل شخص حرًا من دين العقوبة، إن أخذ شخص آخر على عاتقه أن يدفع العقوبة له”.
Ibid.
كما يتحدث الأكويني عن موت المسيح كمجرد نموذج ومثال لنا على الفضيلة الكاملة، وليس عن وجودنا الكياني في المسيح كما سنرى عند آباء الكنيسة كالتالي:
“كما أراد المسيح أيضًا أن يموت كي ما يكون موته مثالاً للفضيلة الكاملة لنا. لقد أعطى مثالاً للحب ‘لأنه ليس حب أعظم من هذا، أن يضع الإنسان ذاته لأجل أحبائه’ (يو١٥: ١٣). وكلما تكون الآلام كثيرة وبشعة، التي لا يرفض المرء أن يتحملها لأجل رفيقه، يظهر حبه على نحو مدهش”.
Ibid.
نلخص في نقاط بسيطة تعليم الأكويني عن سر الفداء، أولاً، فكرة القدرة على المعاناة وممارسة المعاناة الفعلية كترضية من أجل البشر، ثانيًا، فكرة إيفاء مطالب خطايا البشر وخطية آدم الأصلية، ثالثًا، فكرة الإبدال العقابي النيابي شخص يتم معاقبته عوضًا عن شخص آخر، رابعًا، آلام المسيح وموته مجرد نموذج ومثال لنا على الفضيلة الكاملة لكي نتمثل بها فقط.
نجد تعارض هذه الأفكار التي طرحها الأكويني مع تعاليم آباء الكنيسة السابقين عليه، وسوف نقوم باستعراض أفكارهم بشأن تدبير الخلاص كما فهموه.
نجد آباء الكنيسة يتحدثون عن وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره وعمله الخلاصي على العكس من نظرية البديل الذي يقوم بكل شيء من أجل البشر بمعزل عنهم.
نبدأ بالقديس أثناسيوس الذي يتحدث عن وجودنا الكياني في المسيح عند موته كالتالي:
“كما أننا في المسيح متنا جميعًا بموته، هكذا في المسيح نفسه نرتفع أيضًا، إذ نقوم من الأموات ونصعد إلى السماوات”.
(ضد الاريوسيين ١: ١٤)
كما يتحدث ق. أثناسيوس عن موت الجميع في المسيح مؤكدًا على وحدة الجنس البشري في المسيح آدم الجديد، حيث يقول التالي:
“لكي إذا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر”.
(تجسد الكلمة ٨: ٤)
يتحدث ق. كيرلس في نفس السياق مؤكدًا على فكرة وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه كالتالي:
“ونحن قد صُلبنا معه لما صُلب جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا”.
(تفسير رومية ٦: ٦)
وهذا ما يؤكده ق. كيرلس في موضع آخر داحضًا فكرة البديل، ومؤكدًا على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، حيث يقول:
“ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السر العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعى ‘آدم الأخير’ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد”.
(تفسير يوحنا ١: ٩ على آية يو ١: ١٤)
ويؤكد أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي على نفس الفكرة حول وجودنا الكياني في المسيح في تدبيره الخلاصي، مؤكدًا على المبادلة الخلاصية الشفائية بيننا وبين المسيح، حيث يقول التالي:
“بالأمس صُلبت مع المسيح، واليوم أتمجد معه، بالأمس مت معه، واليوم نلت الحياة به، بالأمس دُفنت معه، واليوم أقوم معه…. وكما تشبه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، صار إنسانًا لكي يؤلهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، أتضع كي يرفعنا، جاز التجربة كي نغلب نحن به، أُهين ليمجدنا، مات ليخلصنا، صعد إلى السماء ليجذبنا إلى نفسه، نحن الذين سقطنا في وهدة الخطية”.
(العظة الفصحية الأولى PG 35: 396-407)
ونفس الشيء نجده عند ق. غريغوريوس النيسي الذي يتحدث عن المبادلة الشفائية والتأله بالنعمة في المسيح، داحضًا فكرة البديل العقابي التي رأيناها عند الأكويني، كالتالي:
“ولم يترك الخطية واللعنة والضعف بلا شفاء، بل قد ‘ابتُلع المائت من الحياة’، ولقد ‘كان مصلوبًا في ضعف، ولكنه حي في قوة’، وتحولت اللعنة إلى بركة. حيث امتزج كل شيء ضعيف ومائت في طبيعتنا مع الألوهية، وصار ما تكونه الألوهية”.
(الرسالة إلى البابا ثيؤفيلوس السكندري ضد الأبوليناريين)
يتحدث النيسي أيضًا في موضع آخر مؤكدًا وجودنا الكياني في المسيح أثناء عمله الخلاصي،والمبادلة الخلاصية بيننا وبينه، وكيف آله اللاهوت كياننا البشري فيه بالنعمة كالتالي:
“لأنه حتى إن كانت طريقة حضور الله فينا ليست هي نفسها كتلك الحالة السابقة، إلا أننا نعترف أن وجوده فينا الآن وآنئذاك هو متساوي. فالآن هو يختلط بنا، باعتباره حافظ الطبيعة في الوجود، ومن ثم قد اختلط بكياننا حتى من خلال شركة اللاهوت يصير كياننا متألهًا، منعتقًا من الموت، ومتحررًا من طغيان الخصم. لأن عودته من الموت صارت بداية عودة جنسنا من الفناء إلى الحياة غير المائتة”.
(العظة التعليمية الكبيرة ٣: ٢٥: ٢)
هكذا في الأخير أحبائي يتضح لنا اختلاف المفاهيم حول سر تدبير الخلاص بين توما الأكويني ممثلاً عن اللاهوت المدرسي في العصر الوسيط، وبين آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية وليست عقابية، والذين يؤكدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مجرد مثال على فضيلة البذل والحب وكأنه منفصل عنا، بل نحن ندخل ونتحد معه في عمق السر الإلهي العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مجرد ترضية أو إيفاء لدين خطية آدم وخطايانا كما يعلم البعض في أيامنا، بل هو متحد بنا وبطبيعتنا ليؤلهنا ويؤله طبيعتنا فيه، ويبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.
تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس
أنشئ الجزء السابق أصلاً ليُقَدم كحديث إذاعي قصير. فإذا طُلب إليك أن تتحدث عشر دقائق فقط، يحسن بك إلى أبعد حد أن تُضحي بكل شيء تقريباً في سبيل الإيجاز. وقد كان أحد الأسباب الرئيسية التي من أجلها قسّمت الأخلاقيات إلى ثلاثة مجالات (بما في ذلك استعارتي للسفن المُبحرة في موكب) أن تلك بَدت أقصر طريقة للتعبير عن فحوى الموضوع. وسأورد هنا فكرة ما عن طريقة أُخرى بها فرّع الكتاب الأقدمون موضوع الأخلاق، وهي أطول من أن أتطرق إليها في حديثي الإذاعي، ولكنها طريقة جيدة جداً.
فبحسب هذه الترسيمة الطُولى، توجد سبع “فضائل”. أربع منها تدعى “فضائل أساسية”، فيما تُدعى الثلاث الباقية “فضائل لاهوتية”. أما الفضائل “الأساسي” فهي تلك التي تُراعيها جميع الشعوب المتحضرة؛ وأما “اللاهوتية” فهي تلك التي يعرفها المسيحيون وحدهم عادة. وسأتناول الفضائل اللاهوتية لاحقاً. أما الآن فأنظر في الفضائل الأساسية الأربع، تلك الفضائل المحورية أو المفصلية، وهي التعقل، الاعتدال، العدل، الثبات.
معنى التعقل هو الفطرة السليمة العملية: أن تكلف نفسك عناء التفكير فيما أنت فاعله وفيما يُرجح أن يُسفر عنه. ولا يكاد معظم الناس اليوم يفكرون في التعقل على أنه إحدى “الفضائل”. وبالحقيقة، لأن المسيح قال إننا لا نقدر أن ندخل عالمه إلا بصيرورتنا مثل الأطفال، داخلت رؤوس كثيرين من المسيحيين الفكرة القائلة بأنه لا يهم أن تكون مغفلاً ما دامت “طيباً”. لكن هذا سوء فهم. ففي المقام الأول، مُعظم الأولاد يُبدون كثيرً من “التعقل” في شأن قيامهم بالأمور التي تستهويهم حقاً، ويُفكرون فيها بمعقولية مقبولة.
وفي المقام الثاني، كما يُنوه الرسول بولس، لم يعن المسيح قط أنه ينبغي لنا أن نبقى أطفالاً في التفكير، ولكنه على العكس طلب منا أن نكون لا “بسطاء كالحمام” فقط بل “حكماء كالحيات” أيضاً. فهو يريد قلب طفل، لكن عقل راشد. إنه يريد لنا أن نكون بُسطاء، مخلصي، مُحبين، مستعدين للتعلم، شأننا شأن الأولاد الطيبين. ولكنه أيضاً يريد أن يكون كل جزء من فطنتنا متيقظاً في عمله، وعلى أُهبة الاستعداد تماماً. فحقيقة تبرُعك بمبلغ من المال لأجل عمل إحسان لا تعني أن ليس عليك أن تحاول التحقق من كون ذلك إحساناً فعلياً، لا عملية احتيال.
وحقيقة كون الله هو ما تُفكر فيه (كما عند الصلاة مثلاً) لا تعني أنه يمكنك أن تقنع بمثل تلك الأفكار الصبيانية التي كانت لك لما كنت ابن خمس سنين. صحيح بالطبع أن الله ما كان ليُحبك أقل قطعاًن أو يستخدمك استخداماً أقل، إذا صدف أنك وُلدت بعقل رديء جداً. فإن لديه متّسعاً لذوي الإدراك المحدود جداً، ولكنه يريد من كل إنسان أن يستخدم الإدراك الذي لديه. وهكذا يكون الشعار المعقول ليس: “كوني صالحة، يا مليحة، ودعي مَن يقدر يكن ذكياً” بل: “كوني صالحة، يا مليحة، ولا تنسي أن هذا يعني أيضاً أن تكوني أذكى ما يُمكنك”.
فالله لا يعجبه المتهاونين في التفكير أكثر من سواهم من المُتهاونين. وإذا كنت تُفكر في أن تصير مسيحياً بالحق، فإني أُنبهك إلى أنك تباشر أمراً يحتاج إلى مُجمل كيانك، إلى عقلك وكل ما فيك سواه، ولكن من الخير أن العملية تجري بطريقة معاكسة. فأي شخص يحاول صادقاً أن يكون مسيحياً بالحق لا يلبث أن يجد أن ذكاءه بدأ يتوقد. وأحد أسباب عدم الاحتياج إلى تعليم خاص كي يصير المرء مسيحياً حقيقياً هو أن المسيحية هي تعليم بحد ذاتها. ولذلك السبب استطاع مؤمن غير متعلم مثل جان بَنيان أن يكتب كتاباً أذهل العالم (كتاب “سياحة المسيحي”).
أما الاعتدال فمن المؤسف أن تغييراً لحق بمعناه. إذ بات يعني عند بعضهم عادة “الامتناع التام عن المسكرات”. ولكن أيام دُعيت الفضيلة الأساسية الثانية “الاعتدال” لم تكن تعني شيئاً من ذلك النوع. فإن نطاق الاعتدال لم يكن يقتصر على المُسكرات، بل كان يشمل جميع الملذات. لم يكن الامتناع الكلي، بل الاكتفاء بالمقدار السليم وعدم تخطيه. فم الخطأ اعتبار المسيحية ديناً يطالب بالامتناع الكلي، وكأنها طريقة نُسكية تقشفية.
طبعً، قد يكون من واجب مسيحي معين، أو أي مسيحي آخر، في وقت معين أن يمتنع عن أي مشروب كحولي، إما لكونه من الأشخاص الذين لا يقدرون أن يشربوا أبداً بغير أن يفرطوا في الشرب، وإما لوجوده في محيط يكثر فيه الميّالون إلى السكر ووجوب عدم تشجيعه لهم بتناول الشراب شخصياً. ولكن بيت القصيد أنه يمتنع لسبب وجيه، عن شيء لا يدين غيره على تناوله في حدود المعقول. ومن العلامات التي تميّز نوعاً معيناً من الأردياء أن يعجز المرء عن التخلي عن شيء بعينه دون أن يريد من كل شخص سواه أن يتخلى عن ذلك الشيء. فليس هذا سبيل المسيحي.
فرُبّ مسيحي فرد قد يستحسن التخلي عن أمور شتى، كالزواج أو اللحم أو البيرة أو السينما، ولكن لحظة يبدأ يقول إن هذا الأمور سيئة في ذاتها، أو ينظر بازدراء إلى سواه ممن يستعملونها، يكون قد انحرف عن سواء السبيل.
ولقد نتج أذى كبير من تقليد كلمة “الاعتدال” في مسألة المُسكرات. فهذا الواقع يُسهم في إنساء الناس أنهم يمكن ألا يكونوا معتدلين في كثير من الأمور الأخرى. فالرجل الذي يجعل كرة القدم أو درجاته النارية مركز حياته، أو المرأة تصرف كل أفكارها نحو الثياب أو لعب الورق أو كلبها الأليف، هما غير “معتدلين” تماماً مثل الشخص الذي يسكر كل ليلة. إنما بالطبع لا يظهر ذلك بسهولة في العَلَن: فهوس لعب الورف أو كرة القدم لا يجعلك تترنح وتسقط على قارعة الطريق. ولكن الله لا تغشه المظاهر!
أما العدل فيعني أكثر بكثير من الأمور التي تجري في المحاكم. إنه يشمل الإنصاف حُسن المعاملة والاستقامة والسوية والصدق والوفاء بالوعد، وكامل نطاق الحية هذا.
وأما الثبات فيشتمل على كلا نوعي الشجاعة: ذاك الذي يواجه الخطر، وذاك الذي يُعنين المرء على الجلد والتماسك وسط معاناة الألم. وستلاحظ بالطبع أنك لا تستطيع أن تمارس اية واحدة من الفضائل الأخر وقتاً وطويلاً بغير أن تُطلق يد هذا الفضيلة بالذات.
تبقى نقطة أخرى بشأن الفضائل تنبغي ملاحظتها: أن بين القيام بفعل معين يتسم بالعدل، أو الاعتدال، وكون المرء إنساناً عادلاً، او معتدلاً، فرقاً بديهياً. فالشخص الذي ليس لاعبت تنس بارعاً قد يضرب ضربة موفقة بين حين وآخر. وما نعنيه باللاعب البارع أنه أمرؤ قد تدربت عضلاته وأعصابه جيداً من جراء تأديتها ضربات جيدة لا حصر لها بحث بات يمكنه أن يركن إليها.
فإن عضلاته تتميز بنشاط كامن أو ميزة ثابتة تبقى حاضرة حتى لو لم يكن اللاعب يلعب، كما يكون عقل عالم الرياضيات متميزاً بعادة واستشراف حاضرين دائماً حتى لو من يكن قائماً بالعمليات الرياضية. على هذا المنوال، يكتسب الإنسان الذي يواظب على القيام بأفعال العدل والإنصاف مزيّة خُلقية خاصة في نهاية المطاف. فهذه المزيّة، لا الأفعال ذاتها، هي ما نعنيه حين نتحدث عن “الفضيلة”.
وهذا التمييز مهم للسبب التالي: إذا فكرنا فقط في الأفعال ذاتها، فقد نعمل على ترويج ثلاثة أفكار خاطئة.
قد نحسب أنه ما دمنا نفعل الأمر الصائب فلا يهم كيف أو لماذا نفعله: باختيارنا فعلنا أم مكرهين، أبفتور أم بسرور، أخوفاً من الرأي العام أم إرضاءً له. ولكن الحقيقة تؤكد أن الأفعال الصحيحة إذا ما فُعلت بدافع سيء لا تُسهم في تعزيز المزية أو الميزة الداخلية المدعوة “فضيلة”، وهذه المزية أو الميزة هي ما يهم حقاً. (إذا ضرب لاعب التنس ضربة قوية جداً، ليس لأنه يدرك أن الحاجة لضربة قوية جداً، بل أنه خرج عن طوره، فلربما أسعفته ضربته تلك بالصدفة على الفوز في تلك المباراة عينها؛ غير أنها لن تكون مُسعفه له على الصيرورة لاعباً بارعاً).
قد نحسب أن الله لا يريد سوى إطاعة مجموعة من القوانين، فيما الحقيقة هي أنه يطلب ناساً من صنف معين.
قد نحسب أن “الفضائل” ضرورية فقط لهذه الحياة، وأنه في العالم الآخر يمكننا أن نكف عن ممارسة العدل لأن ليس هناك ما نتنازع عليه، ونكف عن ممارسة الثبات لأن ليس هناك ما يهدد سلامتنا.
فلئن كان صحيحاً تمامً أنه لن تسنح في العالم الآتي فرصة لإتيان الأفعال التي تتسم بالعدل أو الشجاعة، فلسوف تتوافر كل فرصة لأن نكون ذلك الصنف من الناس الذي لا يمكن أن نصيره إلا من جراء قيامنا بمثل تلك الأفعال في هذه الدنيا. وليس بيت القصيد أن الله سيرفض استقبالك في ملكوته الأبدي، إذا لم تكن لديك مزايا خُلقية من صنف معين، بل بيت القصيد أنه إذا لم يملك الناس على الأقل بدايات تلك المزايا في داخلهم، فعندئذ لا يمكن لأية ظروف خارجية محتملة أن تكون “سماء” أو نعيماً لهم، أي أن تجعلهم سُعداء تلك السعادة الثابتة الغامرة الفائقة التي يشاؤها لها الله.