سنبحر في هذا المقال معًا في عالم الغنوسية، ونرصد بدقة تعاليم الغنوسية عن وراثة الخطية الأصلية، وكيف أن التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم غير أرثوذكسي وتعليم غنوصي.
يتحدث “د. يوسف كرم بطرس” عن رفض المسيحيين للعقائد الغنوسية كالثنائية في الألوهة، والوجود السابق للنفس، ووراثة
الأصلية المرتكبة في العالم العقلي السابق للنفس، ولقد تأثر بهذه الفكرة كل من العلامة السكندري أوريجينوس والعلامة السكندري ديديموس الضرير والأوريجانيون، حيث يقول د. يوسف التالي:
“وكان المسيحيون ينكرون كل ذلك أشد الإنكار، كما كانوا ينكرون القضايا الأساسية في الغنوسية، وهي أن للعالم صانعًا مغايرًا لله، وأن للنفس حياة سابقة على الحياة الأرضية، وأن الخطيئة الأصلية* ارتُكبت في العالم المعقول، وأن المادة رديئة بالذات، وأن الأجسام لا تُبعث (أي لا تقوم من الموت)”.
يوسف كرم (دكتور)، تاريخ الفلسفة اليونانية، (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، ٢٠١٨)، ص ٢٨٣.
ثم يؤكد كل من الأب ميشال أبرص وأنطوان عرب عقيدة وراثة الخطية الأصلية عن طريق الجسد عند الغنوسيين في سياق حديثهم عن عقيدة الخلاص عندهم، حيث يقولان التالي:
“جاء يسوع إذن لخلاص البشر وليزيل الحاجز الوحيد الذي يعيقه وهو خطيئة آدم المتوارثة* والملازمة للجسد*، فلما حل روح الله النازل من السماء عليه، يوم عماده في نهر الأردن، أهّله ليصعد على الصليب، بريئًا من كل خطيئة ليفتدي البشرية”.
ميشال أبرص وأنطوان عرب، المجمع المسكوني الأول بنيقيا ٣٢٥، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٩٧)، الفصل الأول، ص ٨٣.
ثم يتحدث هانس يوفاس عن عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج الشهواني في الديانة الغنوسية كالتالي:
“ولكن الثعبان (الحية) علمه (أي آدم) شهوة الإنجاب* التي تخدم مصلحة الأركون. وعندما أدرك يلداباؤوث أن آدم وحواء حين حصلا على المعرفة، قد أعرضا عنه، لعنهما وطردهما من الجنة إلى الظلمة الحالكة. ثم اشتعلت فيه الشهوة نحو العذراء حواء* فأغتصبها وانجب منها ولدين: يافي Javé أي وجه الرب، وإلويم Eloim أي وجه القط المعروفين بقايين وهابيل إلى يومنا هذا […] علاوة على ذلك زرع في آدم شهوة الانجاب (الديمورج هو الحية) فأنجب آدم من حواء شبث (تك٤: ٢٥) وهكذا بدأت سلسلة الانجاب […] فرد الأراكنة (الشياطين) على هذا الفعل بروحهم المزيفة Antimimon pneuma التي تدخل النفوس (أي نفوس البشر)، فتنمو وتتصلب وتغلبها وتثقل عليها، وتقودها للضلال لكي تفعل الشر، وتجعلها عاجزة عن المعرفة، ويتواصل من خلالها الإنجاب الشهواني*”.
هانس يوفاس، الديانة الغنوصية، ترجمة: د. صباح خليل الدهيس، (سوريا: تموز للطباعة والنشر، ٢٠١٧)، ص ٢٤٢.
ثم يتحدث أيضًا هانس يوفاس عن عقيدة السقوط في الغنوسية وكيف أن الدوافع المختلفة كالفضول، والغرور، والشهوة الجنسية هي المرادف الغنوصي للخطيئة الأصلية، حيث يقول التالي:
“أما كيف نشأ هذا السقوط وما هي المراحل التي بدأ منها، فهو موضوع أطروحات متباينة إلى حد كبير. وباستثناء الأنماط المانوية والإيرانية ذات الصلة، حيث بدأت العملية برمتها من قبل قوى الظلام، فهناك عنصر اختياري في انتقال الألوهة نحو الأسفل: رغبة آثمة للنفس* (ككينونة أسطورية) نحو العوالم السفلى، تصاحبها دوافع مختلفة مثل: الفضول، والغرور، والشهوة الجنسية، هي المرادف الغنوصي للخطيئة الأصلية*، وهذا هو السقوط قبل الكوني، ومن تبعاته العالم نفسه، والنتيجة الأخرى هي حالة ومصير الأنفس المفردة في العالم”.
المرجع السابق، ص ٨٦.
ثم يتحدث هانس يوفاس في موضع آخر عن عقيدة الخطية الأولى ونشأة المادة الشريرة منها كالتالي:
“لدينا هنا نموذج أولي لنشوء المادة من الخطيئة الأولى* في هيئتها الكاملة، نطالعها في العقيدة الفالنتينية حول أصل الجوهر المادي* والروحي الصادر عن عواطف صوفيا العقلية نفسها وليس مجرد نتيجة في إنجيل الحقيقة”.
المرجع السابق، ص ٣٥٥.
ثم يتحدث الأب يوسف توما مرقس عن عقيدة وراثة الخطية الأصلية في الغنوسية وانتقال الخطية عن طريق الجنس كالتالي:
“تتكون منذ هذه اللحظة خديعة هائلة، لا يفلت منها أي جزء من الحياة على الأرض. غايتها أن تغري الإنسان بسلاحها وهو الجنس*. فالجنس عند الغنوسيين يُعد نجاسة، وسوف يتحكم الجنس لا في الإنسان فحسب، بل في نظام الكون كله*. فالطبيعة* عبارة عن رحم يُخصبه الشياطين، ويشكل مسرحًا تدور فيه ماسأة الإنسانية – (هذا التعبير من كتاب أحاديث سام ٧: ١). فيقوي ظهور الجنس السلاسل الثقيلة التي تكبل آدم*.
كما أن حواء، رفيقة آدم، ستقع في إغواء الأركون الأول (الشيطان) أي الحية، التي علمت آدم وحواء أن يأكلا من ثمرة الإنجاب*، من ثمرة الشهوة المنحطة* (في كتاب الأسرار ليوحنا ٢: ١؛ ١: ٢٢، ١٢- ١٥). هكذا يبدأ نظام التكاثر البشري الذي يستعمل آدم*، فتخضع البشرية كلها لهذا المسلسل التاريخي*. ونقرأ في النص السابق عينه: حتى الآن كان الجنس مستمر انطلاقًا من الأركون الأول (الشيطان)*، لأنه زرع الإنجاب ورغبة الإنجاب في تلك التي كانت ملك آدم (حواء) بواسطة الجنس الذي خلقه، والنسل الذي يتشكل في الجسد*، ثم سلحه بالروح المشوهة*”.
يوسف توما مرقس (أب)، الغنوصية أو التيارات العرفانية في القرون المسيحية الأولى، (العراق: منشورات مجلة الفكر المسيحي، ٢٠٠٩)، ص ٦٧.
ونستنتج من هنا وجود عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج عن طريق الشهوة الآثمة، وانتقال الخطية بالإنجاب الشهواني في الغنوصية.
لقد تحدثنا في البوست السابق عن الغنوسية وتعليم وراثة الخطية الأصلية عندها، ننتقل الآن للحديث عن ديانة أخرى تعتبر امتدادًا للديانة الغنوسية، وكانت عبارة عن مزيج من الغنوسية، والمسيحية، والديانات الشرقية القديمة، ألا وهي الديانة المانوية، وسنفحص تعليم وراثة الشر والخطية والسقوط فيها.
يتحدث چ. ج. دافز J. G. Daves وچيراردو چنولي Gherardo Gnoli عن طريقة خلق آدم وحواء، وعقيدة الخلاص في المانوية كالتالي:
“يحدث خلق العنصر البشري وفق ما يلي: حبلت الشيطانات، والفضل في ذلك يعود إلى تبرير من الرسول (ماني)، وأنجبت مسوخًا، وابتلعت هذه المسوخ النباتات لتمتص النور الموجود فيها. بعد ذلك ومن أجل احتباس النور بطريقة أكثر أمنًا، فإن الظلمة (المادة) تتجلى في هيئة آز (ميل/ نزعة/ أمنية بالإيرانية الحديثة) الذي هو تجسيد للشبق، وتدفع الشيطان آشاغلوم والشيطانة نمرائيل إلى التهام المسوخ، ثم إلى التزواج فيولد منهما الزوجان البدائيان (الأولان) آدم وحواء. ثم يبدأ عمل الخلاص عند هذه النقطة. فآدم الذي أبقي في حالة جهل (أي الخطية) ضمن شراك المادة، يجري إيقاظه من غفلته عن طريق نفسه بواسطة مخلص هو ابن الله الذي أرسلته القوة العلوية، والذي يتطابق مع الإنسان القديم، أو مع يسوع بعد ذلك، ومع إله العقل (النوس)، حيث يقوم المخلص بتنبيه آدم من رقاده (رقدته) ويُطلعه على الحقيقة، ويُريه روحه التي تعاني في عالم المادة (الشر)، ويكشف له الأصول الشيطانية لجسده، والأصول السماوية لنفسه. عندها يعرف آدم ذاته وروحه بفضل العرفان (الغنوص) ويصحو من غفوته”.
چ. ج. دافز وچيراردو چنولي، مقالة بعنوان (المانوية)، موسوعة تاريخ الأديان (الزاردشتية – المانوية – اليهودية – المسيحية)، ترجمة: عبد الرازق العلي ومحمود منقذ الهاشمي، تحرير: فراس السواح، الكتاب الخامس، ص ٨١، ٨٢.
ثم يستطرد دافز وچنولي في الحديث عن تعليم وراثة الخطية بالتناسل والشهوة الجنسية مثلما نجده في عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والشهوة الجنسية والإنجاب الشهواني عند أوغسطينوس كالتالي:
“المرحلة الثالثة: هي الحرب الكبرى بين قوى الخير وقوى الشر، حيث يحاول أمير الظلام يائسًا نشر الشر في العالم من خلال التوالد الذي يأتي إلى العالم بأشخاصٍ ماديين من أجل احتباس مزيد من عناصر النور. وبالمقابل يحاول العظيم الأول نشر الخير من خلال قواعد الدين الصحيح. وهكذا يجري تحرير النور من خلال إعاقة دورة التناسخ (التناسل)، عندما تتحرر الروح من خلال المعرفة. بعد أن تنتصر كنيسة الحق ستُحاسب الأرواح ويصعد المختارون إلى السماء. بعد ذلك سوف يتطهر العالم من خلال نار مضرمة مدمرة تدوم ١٤٦٨ سنة. وسوف تتبقى جميع ذرات النور أو معظمها. وتُحبس المادة وكل تجسداتها مع ضحاياها الخاسرين في كرة داخل فوهة عملاقة تُغطى بحجر. وهكذا يتحقق فصل الأصلين إلى آبد الآبدين”.
المرجع السابق، ص ٨١، ٨٢.
ثم يتحدث العالم چيو وايدينغرين في نفس السياق عن عقيدة خلق الإنسان في المانوية وتوارث الخطية بالتوالد والتناسل فيها كالتالي:
“لقد طورت المادة في الشخص ذي الشهوة الجسدية خطة تآمرية استهدفت الاحتفاظ ببذرة النور التي بقيت لها حتى الآن، وقضت هذه الخطة بتركيز جزء كبير من النور في خلقة الفرد، وذلك كقوة موازية للخلق السماوي، ولتنفيذ ذلك، جرى اختيار شيطان مذكر اسمه أشقلون وشيطانة مؤنثة اسمها نامارائيل، وكيما يتم تمثيل ذرات النور التي كانت قد سقطت على الأرض، والتي كانت موجودة في إجهاضات الحكام، فابتلع أشقلون جميع الحيوانات المخيفة التي كانت مذكرة، في حين قُدمت الحيوانات المخيفة المؤنثة لنامارائيل، وبعد هذا تزوج أشقلون نامارائيل فأنجبا آدم وحواء أول المخلوقات البشرية. وهكذا نشأ الجنس البشري – بما لا شك فيه- من مزيج مقزز للنفس من أعمال آكل لحوم البشر والممارسات الجنسية، وكان جسد الإنسان بمثابة مظهر حيواني صرف للحكام، وكانت شهوته شهوة جنسية مسيرةً له تمشيًا مع خطة المادة (الشر) للإنجاب والولادة، فهذا هو ميراث الإنسان من أصله الحيواني”.
See also Duncan Greenlees, The Gospel of The prophet Mani, (California, SanDiego: The Book Tree, 2007), pp. 30-38.
Geo Widengren, Mani and Manichaeism, (New York, 1985).
ثم يتحدث چيو وايدنغرين عن عقيدة الفداء والخلاص في المانوية كالتالي:
“لكن عالم النور لم يكن قادرًا ولا راغبًا بترك الإنسان تحت رحمة عالم الشر، فتجمع في آدم الجزء الأكبر من النور المحتجز والمتبقي، وذلك هو السبب في أنه أصبح الموضوع الأول لجهد الفداء من قِبل عالم النور. وجرى بذل الجهد حسب النمط نفسه لافتداء الإنسان الأول، فقد خُلق آدم أعمى وأطرش، وغير مدرك تمامًا لوميض النور في داخله وذلك استجابةً لتحريض المادة، وكانت تحيط به ضحية من ضحايا الشياطين، فقد كان غارقًا في سبات عميق وظل كذلك حتى اقترب المخلص منه – ويتم وصف المخلص الذي هو إظهار وتمثيل للرسول الثالث بشكل متنوع، فهو يُسمى حينًا باسم ابن الله، أو أهرمزد (أي الإنسان الأول)، أو يسوع النور المتألق، أو يسوع، وبالطبع إن اسمي أهرمزد ويسوع ينتميان كل على حدة إلى التقاليد الإيرانية والسريانية، ومن المؤكد أنه ابن الله، والتجسيد المعقول للمخلص داخل إطار النظام، فهو إما نؤوس أو واهمان (منواهميد)”.
المرجع السابق، ص ٨٢، ٨٣.
ويقدم چيو وايدنغرين مفاجأة كبرى بخصوص تأثر الأديان في بلاد الرافدين والمسيحية السريانية بالمانوية وطقوسها في وصف عملية الفداء كالتالي:
“لقد مارست هذه الطقوس القديمة نفوذها على وصف عملية الفداء ليس في المانوية فحسب، بل في المسيحية السريانية أيضًا، كما أن الأديان التي اتخذت لنفسها مكانًا في بلاد الرافدين لم تستطع كليًا أن تفلت من تأثير هذه الحضارة الطبيعية المديدة، وبقدر ما يعني الأمر ماني، نجد أن دراما تموز قد زودته بنقطة البداية لميثولوچيته الرمزية لعملية الفداء وليس أكثر من ذلك، فقد أخذ تفسيره لعملية الفداء من تأمل لاهوتي هندي-إيراني، زود هذه الرؤيا الشرقية القديمة للحوادث التي تصل ذروتها بعملية الفداء بدلالة فلسفية أكثر عمقًا”.
المرجع السابق، ص ٨٤، ٨٥.
نستنتج من هنا تشابه تعليم وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والشهوة عند أوغسطينوس مع انتقال الخطية عبر الجسد أو المادة التي عبرت عنها التعاليم المانوية في تعليمها عن خلق الإنسان وتناسخ أو توالد البشر كمخطط من إله الظلمة (الشر) لحبس ذرات النور (المقصود بها الروح الإنسانية الصادرة من إله النور) في الجسد أو المادة في إطار حربه الكبرى مع إله النور (الخير).
الخطية الجدية عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس
يُعتبر ق. يوحنا ذهبي الفم أحد أعلام مدرسة أنطاكية اللاهوتية، وخطيب الكنيسة الأعظم على مر العصور. لقد كانت سمات مدرسة أنطاكية مثلها مثل حال الشرق كله آنذاك، لا تؤمن بشيء اسمه “وراثة الخطية الأصلية” أو “خطية الطبيعة”، هذه التعبيرات التي أدخلها أوغسطينوس إلى اللاهوت الغربي في صراعه ضد البيلاجية. فنجد ق. يوحنا ذهبي الفم يحارب فكرة خطية الطبيعة ووراثة الذنب كما سنرى.
يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم رفضًا تامًا فكرة أن الطبيعة البشرية تمارس الشر بطريقة تلقائية، مثلما تحدث أوغسطينوس عن الإرادة المقيدة بالشر والذنب الأصلي وخطية الطبيعة، حيث يقول التالي:
“لاحظ أيضًا أنه قال عنه: يحيد عن كل شر، وليس فقط عن شر دون شر. أين هم الذين يقولون أن الطبيعة البشرية مائلة بطريقة تلقائية نحو الشر؟ أية مخالفة وأية شرائع جعلت أيوب على ما هو عليه؟
فلأن الكتاب قال: لأنه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحًا ولا يخطئ (جا٧: ٢٠)، لذلك وصف الكتاب أيوب بأنه بلا لوم (كاملاً). فليس فقط أنه لم يقترف أي عمل ملوث بالخطية، بل أنه لم يقترف ولا حتى ما هو ملوم ومذموم”.
(يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير سفر أيوب، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، ٢٠٠٨)، تعليق على (أي ١: ١ س)، ص ١٥.)
وينفي ق. يوحنا ذهبي الفم أيضًا موضوع خطية الطبيعة في موضع آخر قائلاً:
“إنه قال: ربما أخطأ بنيّ وجدفوا على الله في قلوبهم. وإن كان هذا شيئًا ليس في طبيعتهم، لكنهم على كل حال بشر معرضون للسقوط. ألم تكن له هو نفسه مثل هذه الأفكار أبدًا؟ لذلك مهم جدًا الخوف والحذر حتى من هذه الخطايا الخفية”.
(المرجع السابق، تعليق على (أي١: ٥ س)، ص ٢٠.)
وعندما فسر ذهبي الفم آية “لأنه مَنْ سيصير طاهرًا من النجاسة؟ لا أحد، حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض” (أي١٤: ٤- ٥ س)، لم يأت على ذكر موضوع وراثة الخطية الأصلية، بل تحدث عن ضعف وهشاشة الطبيعة البشرية كالتالي:
“أتنظر أيها القارئ كيف يُسارع أيوب من جديد إلى الاحتماء في طبيعته البشرية الضعيفة، إذ قال: لأنه من المستحيل للإنسان أن يكون طاهرًا بصفة دائمة. إنه يتوسل ليس فقط بسبب ضعفنا، أو بسبب صفتنا الزائلة، أو بسبب الإحباط الذي يملأ حياتنا، إنما بسبب أنه لا يمكننا أيضًا أن نكون طاهرين”.
ثم يؤكد ذهبي الفم على عدم مسئولية تركيب طبيعتنا البشرية عن أخطائنا، وهكذا يرفض الذنب الطبيعي وخطية الطبيعة، تلك التعبيرات التي استحدثها أوغسطينوس في خضم صراعه مع البيلاجية، والتي لم يعرفها آباء الشرق ولم يُعلموا بها، حيث يقول التالي:
“وكان ينبغي أيضًا تحديد أي نوع من الطين: من التراب الذي هو أكثر وضاعةً، والذي منه اشتُقَ اسم طبيعتنا. هذا صدق تمامًا إذ لم يقل فيما يختص بنا إن كان تركيب طبيعتنا مسئولاً عن أخطائنا، بالمثل بالنسبة للملائكة يوجد شيء يخصهم، يجعل الله يظن فيهم شيئًا يوضعهم ويخفضهم، وعلى ذلك فيما يختص بنا أيضًا يوجد ما يظنه الله؛ مريدًا إظهار حكمته بتعبير: أنه ظن، ليس للتشديد على أن الله يبذل جهدًا في التفكير، بل هو بهذا أظهر فكرة عبقرية وفذة”.
(المرجع السابق، تعليق على (أي٤: ١٩ س)، ص ٧٥.)
كما يؤكد ق. يوحنا ذهبي الفم في سياق تفسيره لحادثة قتل أطفال بيت لحم على خلو الأطفال من أية خطية موروثة أو فعلية، كما يؤكد على دخولهم الملكوت ونوالهم المكافآت – بخلاف أوغسطينوس الذي يؤكد على أن مصير الأطفال غير المعمدين هو جهنم والهلاك الأبدي- بالرغم من أنهم كانوا قبل تدبير خلاص الرب، ولم يكونوا معمدين للخلاص من الخطية الأصلية الموروثة بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، حيث يقول التالي:
“قد يُقال: أي نوع من الخطايا كان لهؤلاء الأطفال بحيث كان يجب أن يمحوه؟ حتى لو لم توجد خطايا، فإنه توجد مجازاة بمكافآت للذين يقاسون الشر هنا. فبأي شيء تضرر به الأطفال الصغار لدى ذبحهم لسبب مثل هذا؟ تقولون: لأنهم كانوا سيحققون أعمالاً عظيمةً وكثيرةً من البر لو عاشوا. . . لهذا السبب يدخر الله لهم بشكل مبكر مكافأة ليست بصغيرة بإنهاء حياتهم لسبب كهذا. ولو كان الأطفال سيصيرون أشخاصًا عظامًا لما كان الله قد سمح لهم بأن يُختطفوا قبلاً لأنه إن كان الله يحتمل بآلام عظيمة جدًا الذين سوف يعيشون في الشر على الدوام، فبالحري أكثر ألا يأذن لهؤلاء الأطفال بالرحيل، لو سبق وعرف أنهم سيحرزون أمورًا عظيمةً”.
(يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج١، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، ١٩٩٦)، عظة ١: ٣، ص ١٠٧، ١٠٨.)
كما ينفي ق. يوحنا ذهبي الفم بجلاء موضوع وراثة الخطية الأصلية مستشهدًا بوجود أبرار في العهد القديم أمثال: نوح، وإبراهيم، ويعقوب، لم يكونوا وارثين للخطية الأصلية كالتالي:
“ماذا إذًا، أخبرني، هل مات الجميع في آدم موت الخطية؟ إذًا كيف كان نوح بارًا في جيله؟ وكيف كان إبراهيم أيضًا؟ وكيف كان يعقوب بارًا؟ وكيف كان الآخرين؟ وأخبرني أيضًا كيف سيحيا الجميع في المسيح؟ وأين هم الذين سيُلقون في جهنم؟ إذا كان هذا الكلام يخص الجسد فقط، فإنه يكون كلامًا صحيحًا، أما إذا كان قد قيل عن القداسة والخطية؟ فلن يُقبل على الإطلاق”.
(يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة كورنثوس الأولى ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، عظة ٣٩: ٥ على (١كو١٥: ٢٢)، ص ٣٧١.)
يتضح من هنا أن ق. يوحنا ذهبي الفم لم يعلم بشيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، ولا بخطية الطبيعة، ولا بالذنب الطبيعي، كما علم به بعد ذلك أوغسطينوس في صراعه مع البيلاجية، كما يؤكد على براءة وطهارة الأطفال من أية خطية موروثة أو فعلية، وأن مصير الأطفال المختطفين غير المعمدين هو المكافآت العظيمة جدًا.
أود التنويه في الأخير إن هذه الأقوال والاقتباسات الآبائية هي قليل من كثير عند آباء الكنيسة تنفي فكرة وراثة الذنب والخطية الأصلية كما علم بها أوغسطينوس.
الخطية الجدية عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس
خرج علينا مَن يقول إن نظرية الكنيسة الجامعة في أصل النفس هي النظرية التوالدية traducianism ولكن بالبحث في تعليم آباء الكنيسة شرقًا وغربًا، وجدنا أن النظرية الخلقية creationism هي نظرية الكنيسة الجامعة في أصل النفس. حيث يرى الآباء أن الله خلق الإنسان على صورة الله، والله روح، ولا يمكن أن تكون صورة الله صورة مادية، بل صورة روحية، وهكذا يرى الآباء أن صورة الله في الإنسان هي النفس البشرية المخلوقة على صورة الله، ويرفض الآباء فكرة النفس المولودة، لأنهم يرون أن نظرية النفس المولودة تجعل من النفس شيئًا ماديًا عكس طبيعة النفس الروحية غير المادية، وأنها نفخة من الله.
نبدأ من ق. يوستينوس الفيلسوف والشهيد الذي يؤكد على أن النفس مخلوقة، لأن الكون مخلوق، ويرفض فكرة الوجود السابق للأرواح قبل أجسادها، النظرية التي علم بها أفلاطون والفلاسفة الأفلاطونيون المحدثون أمثال أفلوطين وبورفيري، والغنوصيون في عصر يوستينوس الشهيد كالتالي:
“لأنه إذا كان الكون مخلوقًا، فالنفس أيضًا بالضرورة تكون مخلوقةً. وقد كان وقت لم تكن الأنفس موجودةً فيه، لأنها خُلقت لأجل الإنسان والكائنات الحية الأخرى”.
(يوستينوس الفيلسوف (قديس)، الحوار مع تريفون اليهودي، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: إصدار باناريون للتراث الآبائي، ٢٠١٢)، الفصل الخامس، ص ١٤١، ١٤٢.)
وهكذا يتحدث ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي عن أن النفس في أصلها هي نفخة من الله، بينما الجسد المادي مأخوذ من تراب الأرض كالتالي:
“ولكن يرى الجميع أننا مكوّنون من جسد مأخوذ من الأرض، ونفس حاصلة على نفخة من الله”.
(إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، ٣: ٢٢: ١، ص ١٠٩.)
ثم يؤكد ق. ميثوديوس الأوليمبي على أن النفس مخلوقة في الأصل في مقابل تعاليم أوريجينوس والأوريجانيين بالوجود السابق للأرواح قبل انحباسها في أجسادها بعد سقوطها من عالم الغبطة، حيث يقول التالي:
“لأن روح الإنسان تشبه بدقة الله الذي أنجبها وشكلها، وتعكس شبه وملامح صورته الظاهرة، والتي شكلها الله ليعطيها شكلاً خالدًا لا يفنى، فتبقى كذلك”.
(ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، ٢٠٠٩)، ٦: ١، ص ١٤٩.)
وهكذا يؤكد ق. أثناسيوس الرسولي على أن النفس مخلوقة على صورة الله في مقابل الغنوصيين، والمانويين، والأفلاطونيين المحدثين، والأوريجانيين، الذين كانوا يؤمنون بالوجود السابق للأرواح في عالم الطوباوية قبل أن تفتر وتُعاقب على فتورها بانحباسها في أجسادها في العالم المادي. حيث يقول التالي:
“لذلك فالنفس وقد تحوّلت وتناست أنها قد خُلقت على صورة الله الصالح، لم تعد لديها القدرة على رؤية الله الكلمة الذي خُلقت على مثاله، ولكنها ابتعدت عن ذاتها، صارت تتوهم وتتخيل ما ليس له وجود”.
(أثناسيوس (قديس)، ضد الوثنيين، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ٨: ١، ص ٢٤، ٢٥.)
ويحارب ق. كيرلس الأورشليمي أيضًا التعاليم بالوجود السابق للأرواح قبل أجسادها المنتشرة في عصره مؤكدًا على النفس المخلوقة على صورة الله خالقها كالتالي:
“أعرف أيضًا أن لك نفس سيدة ذاتها؛ هي أسمى أعمال الله، خُلقت على صورة الله خالقها. إذ وهبها الله الخلود. إنها كائن حي عاقل، غير فاسد، إذ وهبها الله هذه النعم”.
(تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته – مقالاته لطالبي العماد – الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس اسبورتنج، ٢٠٠٦)، ٤: ١٨، ص ٨٥.)
كما يؤكد ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقب بأثناسيوس الغرب على أن النفس مخلوقة في الأصل، ويرفض رفضًا تامًا فكرة النفس المولودة التي تجعل من الروح شيئًا ماديًا، والتي نادى بها العلامة ترتليان من قبله في الغرب اللاتيني، وهذا في سياق شرحه لسر التجسد الإلهي من العذراء مريم، وكيف أخذ المسيح جسده من العذراء مريم، وخلق نفسه الخاصة به في جسده كالتالي:
“فهم يظنون أنه كما أخذ الكثير من العذراء، قد أخذ أيضًا نفسه منها؛ مع أن الجسد يُولد دائمًا من الجسد، لكن كل نفس هي العمل المباشر لله”.
(هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير أنبا انطونيوس، ٢٠١٧)، ١٠: ٢٠، ص ٧٠٢.)
وهكذا يؤكد ق. هيلاري في نفس السياق:
“لكن كما أنه اتخذ جسدًا من العذراء بعمله الخاص، هكذا أيضًا اتخذ نفسًا من ذاته؛ ومع ذلك فحتى في الولادة البشرية المعتادة، لا تنشأ النفس أبدًا من الأبوين”.
(المرجع السابق، ١٠: ٢٢، ص ٧٠٤.)
ثم يفرق ق. باسيليوس الكبير بين الجسد المجبول والنفس المخلوقة، مفرقًا بين فعلي ‘جبل’ و ‘خلق’ في نص سفر التكوين في سياق شرحه لخلق الإنسان، مؤكدًا على أن النفس مخلوقة كالتالي:
“قال البعض إن الفعل ‘جبل’ قيل عن الجسم والفعل ‘خلق’ عن النفس. ربما لا تكون هذه الفكرة بعيدة عن الحقيقة. لأنه عندما قال الكتاب: ‘فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه’، استخدم الفعل ‘خلق’، وعندما تحدث الكتاب عن وجود الجسم استعمل الفعل ‘جبل’.
فيعلمنا داود المرتل الفرق بين خلق وجبل، عندما يقول:’يداك خلقتاني وجبلتاني’ (مز ١١٨: ٧٣؛ أي ١٠: ٨). لقد خلق الإنسان الداخلي [أي النفس] وشكّل أو جبل الخارجي [أي الجسد]. فالتشكيل يتناسب مع التراب، والخلق يتناسب مع ما هو على حسب صورة الله، ومثلما شكّل الجسد، خلق النفس”.
(باسيليوس الكبير (قديس)، خلقة الإنسان، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٤)، عظة ٢: ٣، ص ٣٤، ٣٥.)
وهذا ما يؤكده ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس على أن النفس مخلوقة على صورة الله، حيث حدث تراشق الاتهامات بينه وبين يوحنا أسقف أورشليم في العظات آنذاك، حيث اتهمه الأخير بهرطقة الأنثروبومورفيزم أو تجسيم (أنسنة) اللاهوت Anthropomorphism، هذه الهرطقة التي انتشرت آنذاك بين رهبان فلسطين الذين خرج منهم ق.
إبيفانيوس، ولكن دافع ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس عن نفسه مؤكدًا على أن النفس مخلوقة في الأصل على صورة الله، ورفض أن تكون النفس مولودة لتجنب اتهامه ببدعة تجسيم اللاهوت من يوحنا الأورشليمي. ولكنه كان يحارب في نفس الوقت تعاليم أوريجينوس والأوريجانيين بالوجود السابق للأرواح قبل الأجساد كالتالي:
“نحن نعتقد أن النفس مخلوقة مثلها مثل الجسد. كيف خُلقت؟ يقول: ‘نفخ’، ونحن لا نقول إن النفس جزء من الله، ولا إنها شيء غريب عن النفخة. لكن كيف يمكن التفكير في ذلك بحسب التفصيل الدقيق؟ الله وحده يعلم”.
(إبيفانيوس أسقف سلاميس (قديس)، أنكوراتوس (المثبت بالمرساة)، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، ٢٠١٨)، ٥٥: ٩، ص ٢٧٥.)
وهذا أيضًا ما دافع عنه ق. چيروم في كتابيه “ضد روفينوس” الأكويلي، الذي كان يدين بتعاليم أوريجينوس عن الوجود السابق للأرواح قبل الأجساد، حيث يقرر أوغسطينوس في سياق مراسلاته وتساؤلاته لچيروم عن أصل النفس على أن چيروم يؤمن بالنظرية الخلقية في أصل النفس كالتالي:
“لنختصر. لأنك تعتقد بأن الله يخلق نفسًا لكل إنسان يأتي إلى العالم؛ ولئلا يُواجه رأيك هذا بأن الله أنهى عمل الخلق في اليوم السادس، وفي اليوم السابع استراح، فإنك تورد هذا القول من الإنجيل: ‘أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل’ (يو٥: ١٧). هكذا كتبت إلى مرسيلينوس، وفي رسالتك هذه تلطفت وتكلمت عني بكثير من العطف”.
(أوغسطينوس، الرسائل المتبادلة بين القديسين هيرونيموس وأوغسطينوس، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١١)، رسالة رقم ١٦٦ من رسائل أوغسطينوس ورقم ١٣١ من رسائل هيرونيموس (چيروم)، ص ١١٨.)
كما يؤكد في نفس السياق ق. كيرلس الإسكندري على أن النفس مخلوقة في سياق مقاومته لبدعة تجسيم أو أنسنة اللاهوت التي تفشت في عصره بين رهبان برية شيهيت بمصر، وبين رهبان سوريا وفلسطين، وفي سياق مقاومته لتعاليم أوريجينوس والأوريجانيين بالوجود السابق للأرواح قبل انحباسها في أجسادها بعد السقوط من عالم الغبطة في معية الله. حيث يقول التالي:
“ولا أظن أن أحدًا سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد، أو أنها تتكوّن معه، وإنما الله – بطريقة غير معروفة – يغرسها في الجسد وتُولد معه. ولذلك، نحن نحدّد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين”.
(كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح تجسد الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، (القاهرة: إصدار جذور للنشر، ٢٠١٥)، الفصل ٢٨، ص ٦٨.)
وهكذا نستنتج من خلال هذه الجولة السريعة بين تعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا أن النظرية الخلقية في أصل النفس هي نظرية الكنيسة الجامعة، وليس كما يدّعي البعض خطاءً بأن النظرية التوالدية هي نظرية الكنيسة الجامعة في أصل النفس، وهكذا يتضح أن آباء الكنيسة بالخصوص الآباء الشرقيين لم يؤمنوا بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل نفسًا (عن طريق النظرية التوالدية) وجسدًا (عن طريق نظرية العلل البذرية) كما علّم بها أوغسطينوس بعد ذلك في صراعه مع البيلاجية، مستخدمًا النظرية التوالدية في إثبات تناقل الخطية بالوراثة من آدم إلى ذريته.
مفهوم العقوبة الإلهية في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس
مفهوم العقوبة الإلهية في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس
سوف نورد بعض التفسيرات والشروحات الآبائية التي تفسِّر مفهوم العقوبة الإلهية في الكتاب المقدس، وكما فهمها آباء الكنيسة الجامعة كالتالي:
يتحدث العلامة أوريجينوس عن قيمة العقوبة التربوية من الله، وإنها لتقويم وتصحيح الخطاة، وليس المقصود إهلاكهم وفنائهم، حيث يرد على ادعاءات الغنوسيين بقسوة إله العهد القديم وبصلاح ورأفة إله العهد الجديد بحسب زعمهم الباطل بوجود إلهين في الكتاب المقدس بعهديه، يقول:
”ليتهم يخبرون عن فضيلة ففضيلة منكبين على فحص الكتب، فلا يسعوا إلى التملص بقولهم: إنّ الله الذي يجازي كل أحد بحسب أعماله يجازي على السوء بسوءٍ حنقًا منه على الأشرار؛ وإنه لا يبادر الذين أخطئوا وهم في احتياج إلى العناية بهم بأدوية ناجعة، بعلاجٍ يبدو أنه يحمل الألم إليهم في الآن الحاضر لأجل إصلاحهم. فهم لم يقرأوا ما كُتِبَ عن رجاء الذين لقوا حتفهم في أثناء الطوفان، الرجاء الذي قال عنه بطرس في رسالته الأولى: لقد مات المسيح بحسب الجسد، ولكنه محيي بحسب الروح، وبهذا الروح مضى وبشّر الأرواح المضبوطة في السجن، تلك التي عصت قديمًا إذ كان حلم الله يتأنى، أيام كان نوح يبني الفلك الذي نجا فيه، بالماء، عدد يسير من الناس -ثمانية أنفس بالضبط. وأنتم أيضًا يخلصكم اليوم بالعماد على النحو نفسه. ويا ليتهم يقولون لنا، في موضوع سدوم وعمورة، هل يعتقدون بصدور الأقوال النبوية عن الله، الذي نُقِلَ عنه أنه أمطر عليهم وابلاً من نار وكبريت! ماذا يقول حزقيال عن هاتين المدينتين؟ ستعود سدوم إلى قديم حالها. فإذ إنه اقتصّ من الذين استحقوا القصاص، ألم يفعل ذلك لمنفعتهم؟ فقد قال مخاطبًا بنت الكلدانيين: عندك حجر، فاقعدي عليه يُثبِك خيرًا. وفي شأن الذين سقطوا في البرية، ليصغي الزنادقة إلى ما جاء خبره في المزمور 77، منسوبًا بعنوانه إلى آساف: إذ كان يقتلهم كانوا يلتمسونه. لم يق إنّ بعضًا منهم إذ قُتِلوا، كان آخرون يلتمسونه، بل إنّ الذين قُتِلوا قد لقوا حتفهم، بحيث إنهم كانوا يلتمسون الله عندما قضوا نحبهم. فهذا كله يُظهِر أنّ الله العادل والصالح، إله الناموس والأناجيل، إله واحد هو هو نفسه، وأنه يعمل الخير بعدلٍ، ويعاقب بصلاحٍ، إذ ليس الصلاح دون العدل، ولا العدل دون الصلاح، علامة منزلة الطبيعة الإلهية”. (في المبادئ 2: 5: 3).
يستمر العلامة أوريجينوس بالرد على الغنوسيين وادعاءاتهم الفاسدة بإلهين في الكتاب المقدس في سياق تفسيره لشفاعة موسى وهارون أمام الله أثناء حادثة تمرد قورح وداثان وأبيرام وانتشار الوباء بين العبرانيين (عد16: 46). حيث يُذكِّر العلامة أوريجينوس بلطف الله الذي تمتع به تلاميذ المسيح، لكيلا يتزعزع أحد بتأثير الهراطقة فهم يقولون إنّ رب الشريعة ليس محبًا لكنه عادل، وإن شريعة موسى لا تُعلِّم المحبة بل العدل. فلينظروا هؤلاء المحاربون لله، والمحاربون للشريعة كيف أنّ موسى نفسه وهارون هذان الرجلان في العهد القديم قد خضعا مقدمًا لتعاليم الإنجيل. موسى “أحب أعداءه وصلى لأجل مضطهديه”. هذا ما علّمته بكل دقة تعاليم المسيح في الأناجيل. لنتعلم حقًا كيف سجدا ووجههما للأرض، وصليا لأجل الثائرين الذين أرادوا أنْ يقتلوهما. إذًا، نجد قوة الإنجيل في الشريعة، ولا تُفهم الأناجيل إلا على أساس الشريعة. (عظات على سفر العدد 9: 4).
كما أن هناك مغالطة كبيرة جدًا تقول إن أوريجينوس هو الوحيد الذي تحدث عن العقوبات التأديبية الشفائية وهذا عكس ما سنرى من كتابات أباء الكنيسة كالتالي:
يرى ق. كيرلس الأورشليمي إن الخطية هي شر مرعب للغاية، لكنها ليست بالمرض المستعصي شفائه، هي مرعبة لمَّنْ يلتصق بها، لكن مَنْ يتركها بالتوبة يُشفى منها بسهولة. (مقالات الموعوظين 2: 1)
ثم يؤكد ق. كيرلس الأورشليمي على عظم محبة الله للبشر، وترفقه وطول أناته الشديدة عليهم من أجل توبتهم، ويُعدِّد أمثلة رحمة ورأفة الله بالخطاة، وتعامله معهم كما يتعامل الطبيب الماهر مع مرضاه، فيذكر طول أناته على جبابرة الأرض الخطاة خمسمائة عامًا يهدّدهم بالطوفان لكي يهبهم مهلة للتوبة، فلو أنهم تابوا لما أخفقوا في التمتع بمحبة الله المترفقة. ونفس الشيء صنعه الله مع راحاب الزانية الوثنية، ومع هارون عندما أخطأ في حق أخيه موسى، وترفقه بداود الساقط، ورحمته بسليمان وآخاب ملك السامرة، ويربعام الملك عابد الأوثان، ومع منسى الملك الشرير، ومع حزقيا الملك، ومع نبوخذ نصر الملك وغيرهم الكثيرين. (مقالات الموعوظين 2: 6- 20)
كما يواجه الأورشليميّ هرطقة الغنوسيين القائلين بإلهين في الكتاب المقدس، واحد للعهد القديم والآخر للعهد الجديد، أنَّ الأسفار المقدسة وتعاليم الحق تعرفنا بإله واحد وحده، مدبر كل الأمور بقدرته، يتحمل كثيرًا بإرادته. إنه صاحب سلطان على الوثنيين، وبطول أناته يحتملهم. له سلطان على الهراطقة الذين لا يقيمونه عليهم إلهًا، وبطول أناته يحتملهم. له سلطان على الشياطين وبطول أناته يحتملهم، ليس لأنه محتاج إلى سلطان كمَّن هو ضعيف، لقد سمح للشياطين أن تعيش لغرضين: لكي تخزي نفسها بنفسها بالأكثر في حربها، ولكي يتكلل البشر بالنصرة. يا لعناية الله الحكيمة! التي تستخدم نية الشرير كأساس لخلاص المؤمنين! لا شيء يفلت من سلطان الله الذي يحكم الكل وبطول أناته يحتمل حتى المجرمين واللصوص والزناة محدّدَا وقتًا معينًا لمجازاة كل أحد، لكن إنْ أصّر مَن يحذّرهم على عدم التوبة من القلب ينالون دينونة عظيمة. (مقالات الموعوظين 8: 4، 5).
يوضّح ق. غريغوريوس النيسي مفهوم العقوبات الإلهية في سياق تفسيره للضربات العشرة التي حلت بالمصريين إنه يجب ألا نستنتج أنَّ هذه الضربات التي حلت بمَّن يستحقونها جاءت مباشرةً من الله، بل يجب أن نلاحظ أنّ كل إنسان يجلب على نفسه الضربات بإرادته الحرة بسبب ميوله، ويخاطب بولس الرسول مذلة هذا الشخص، قائلاً: “ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة، الذي يجازي كل واحد حسب أعماله” (رو2: 5)، ويؤكد أيضًا أننا عندما نقول أنّ الانتقام المباشر يحل من الله على مَّن يسيئون استخدام إرادتهم الحرة، فمِن المنطقيّ أنْ نلاحظ أنّ أصل هذه المعاناة وسببها هو في أنفسنا، حيث لا يمكن أنْ يحلّ بنا شر إلا باختيارنا الحر. (حياة موسى 2: 85- 88).
ينتقد ق. كيرلس عمود الدين القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله “ذياس” يتحدث مع آلهة أخرى عن زنى “إيجيستوس” وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ. فلأي سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تسبب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مستقيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ متخطيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير. والذين يقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أما الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويفضِّلون الظلم، هؤلاء يفسدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم. (السجود والعبادة بالروح والحق: المقالة 6).
يتحدث ق. كيرلس أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإن الناموس يحاكمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسماها مدن الملجأ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة. ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مخالفين لله، كما يقول الكتاب: “لأنَّ تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك8: 21).
فكما ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ. وهذا يشير إلى أقسام الأرض السفلى، أي الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، ونزل إلى الجحيم، فتح أبوابه، وحرّر النفوس من القيود. (المرجع السابق: المقالة
كما يرى ق. كيرلس ضلال عبادة الأوثان عند اليونانيين الذين يختارون الأشجار التي تحمل فروعًا جيدة، وكل غابة كثيفة الظلال ليبنوا فيها هياكل من أجل تقديم ذبائح للشياطين فيها، ويرتّبون بعض المتع العالمية التي تشغل الذهن بسبب الضعف؛ الذي هو المرض الطبيعيّ للمزيفين، الذي يحتاج للعلاج. (المرجع السابق: المقالة 10).
يوضّح القديس إيسيذوروس الفرمي مفهوم العقوبة الإلهية، ويرى أنَّ تقويم وتصحيح الخطايا الذي يقوم به الله لأجل تحسيننا، لا يجب أنْ نسميه غضبًا ولا سخطًا، بل بالحري نُصحًا وموعظةً. لكن لو اعتبره البعض غضبًا، قاصدين بذلك الإعلان عن محبة الله للبشر، فذلك لأنهم يؤمنون بأنَّ الله يتنازل إلى مستوى الأهواء والعواطف بسبب البشر، وصار إنسانًا لأجلهم. (رسالة إلى سلوانس 344)
ويؤكد نفس المفهوم الشفائيّ والتربويّ عن العقوبة الإلهية في موضع آخر، حيث يرى أن الطبيعة الإلهية وغير الدنسة قد أعطتنا كل أمثلة العقوبات مكتوبةً؛ حيث فُرِضَت عن حقٍ للخطايا، حتى بالخوف من الجحيم ذاته، نتجنب الشركة في الأعمال الخاطئة. إذًا، إنْ خاف أحد التأديبات، ليته يحافظ على احترام العقائد. (رسالة إلى الدياكون إيسيذوروس 467).
كما يناقش ق. باسيليوس موضوع الدينونة الإلهية والعقاب، ويفسرها وكأنه يتحدث بلسان حال أيامنا الحاضرة كالتالي:
”الحديث عن الدينونة تكرر في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس، باعتباره أمر ملزم، وقادر أن يحفظ أولئك الذين آمنوا بالله في المسيح يسوع في تعليم التقوى. ولأن الكلام عن الدينونة قد كُتب بطرق مختلفة، فمن الواضح أنه أحدث التباسًا لدى أولئك الذين لا يميزون المعنى بدقة. […] ولكن من الواضح أن كلمة “أدان” نتقابل معها في الكتاب المقدس، تارة بمعنى “أُجرب”، وتارة أخرى بمعنى “أحكم على نفسي” […] وقيل أيضًا إن الرب سيدين أو سيجازي كل إنسان، أو يحاسب كل إنسان، أي عندما يفحص الله كل إنسان، سيضع ذلك الإنسان نفسه في مواجهة الدينونة أو القضاء، وسيضع الله مقابل وصاياه أعمال أولئك الذين أخطأوا. وسيبين في دفاعه أن كل ما كان منوط به عمله لأجل خلاص جميع المدانين، فهذا قد عمله وتممه، حتى يقتنع ويثق الخطاة أنهم مذنبين، بسبب ما ارتكبوه من خطايا، وبعدما يقبلون بالقضاء الإلهي، سيقبلون العقوبة المفروضة عليهم بإرادتهم” (عظات على المزامير 2: 4).
ويستطرد ق. باسيليوس في نفس السياق موضحًا معنى العقوبة الإلهية كالتالي:
”فالمجاعات والسيول هي نكبات مشتركة تأتي على المدن والأمم لكي توقف وتحجّم فعل الشر المتفاقم. إذًا مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه محسن وكريم حتى لو تسبب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يحارب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يدبر الخلاص من خلال محصلة بعض الإجراءات” (عظة الله ليس علة الشر).
كما يشرح ق. غريغوريوس اللاهوتي النزينزي معنى العقاب والدينونة الإلهية كظلمة وعمى روحيين وانفصال عن التنعم بمعاينة الله كالتالي:
”فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وافهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهرين في أذهانهم أعني أنهم سيرون الله وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نسميه “الملكوت السماوي”. وافهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جادة الحق والصواب. أي تغرب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى” (عظة المعمودية والمعمدون).
كما ينقل ق. يوحنا كاسيان رأي الأب ثيؤدور عن مفهوم العقوبة الإلهية كعقوبة تأديبية شفائية كالتالي:
”اعتاد الكتاب المقدس أن يستخدم بعض التعبيرات في غير معناها الأصلي. فيستخدم كلمة “الشرور” عن “الأحزان والضيقات” ليس لأنها شر، أو طبيعتها شريرة، بل لأن مَن تحل بهم هذه الأمور لأجل صالحهم يعتبرونها شرًا. فحينما يتحدث الحكم الإلهي مع البشر، يتكلم معهم حسب لغتهم ومشاعرهم البشرية. فالطبيب يقوم بقطع أو كي الذين يعانون من القروح لأجل سلامة صحتهم، ومع هذا يراه مَن لا يقدرون على احتماله أنه شر. والمنخاس أو السوط يكون مفيدًا للحصان الجموح. والتأديب يُعتبر مرًا بالنسبة للمؤدبين، إذ يقول الرسول: “ولكن كل تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن، وأما أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر السلام” (عب12: 11)، “الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله فأي ابن لا يؤدبه أبوه؟!” (عب12: 6، 7)” (المناظرات 6: 6).
نستنتج من هنا أن إلهنا صالح وإلى الأبد رحمته، وليس هو الإله الوثني السادي المنتقم الذي يبشر ويكرز به البعض في أيامنا هذه عن جهل، وعدم وعي، وعدم اختبار حقيقي لإلهنا الصالح. نصلي لإلهنا الصالح أن يرفع البرقع عن القلوب والعقول والأذهان والأفهام ليدركوا عظم صلاح الله.
مفهوم العقوبة الإلهية في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس
النسطورية وتكون الناسوت قبل الاتحاد الأقنومي – د. أنطون جرجس
النسطورية وتكون الناسوت قبل الاتحاد الأقنومي – د. أنطون جرجس
يقول البعض في أيامنا هذه بعض العبارات الخاطئة التي تتشابه مع العبارات النسطورية التي سوف نوردها في هذا المقال، لمطابقتها مع الأقوال السائدة في هذه الأيام.
يقول البعض: “ثم بعد إعداد الناسوت لله الكلمة*، بهذه الكيفية، حل أقنوم الابن، أي الله الكلمة، واتحد بالناسوت في أحشاء السيدة العذراء”. وهنا نجد أنهم يقولون إن الناسوت تكوّن قبل حلول أقنوم الكلمة فيه واتحاده به في أحشاء السيدة العذراء، وهذا يتشابه مع عبارات النساطرة كما سنوردها بعد ذلك.
يقولون أيضًا: “وكان للروح القدس دور آخر بعد الدور الذي ذكرناه، وهو إعداد الناسوت لله الكلمة في بداية تكوينه، خاليًا من الخطية بكل أنواعها وصورها”. وهنا نجد أن الروح القدس كوّن الناسوت أولاً في بداية تكوينه خاليًا من الخطية، وذلك قبل اتحاد أقنوم الكلمة به، بمعنى أن الناسوت تكون في بداية تكوينه، ثم اتحد به أقنوم الكلمة، وهذا ما قاله النساطرة، وحرمه آباء الكنيسة.
يقولون في موضع آخر: “إن جسد المسيح كان خاليًا من كل أنواع الفساد، سواء قبل الاتحاد أو بعد الاتحاد”. وهنا نتساءل هل كان جسد المسيح موجودًا قبل اتحاد الكلمة به أقنوميًا، أم وُجد في نفس لحظة الاتحاد في زمن قدره صفر؟ فالناسوت لم يكن له وجود قبل الاتحاد الأقنومي باللاهوت، بل وُجد في نفس لحظة الاتحاد الأقنومي باللاهوت، وليس قبل الاتحاد به.
وهكذا يحرم ق. غريغوريوس اللاهوتي مَن يقول إن الجسد لم يُجبل مع ارتباط الكلمة به جوهريًا كالتالي:
“إن قال أحد إنه (أي الكلمة) قد عمل في الجسد بالنعمة كما في نبي، وليس أنه ارتبط به جوهريًا، وأنه (أي الجسد) جُبل معه، فليُحرم من عمل الكلمة، ويمتلئ بالحري بما هو ضده”
PG, 37, 180 B.
ويعرض ق. ساويروس الأنطاكي قول النساطرة بأن الجسد (الإنسان) تكوّن أولاً في بطن العذراء، ثم سكن فيه الله الكلمة كالتالي:
“إلا أن الذين يقسمون ربنا الواحد يسوع المسيح إلى اثنين، لا يرون أن هذا هو ما حدث، بل إن الإنسان تكوّن أولاً في بطن العذراء، جاعلين إياه وحده، وهكذا سكن فيه الله الكلمة، كما يقولون. وهم يخفون هذا الحلول تحت المسمى الحسن: الاتحاد. وكنتيجة لذلك – بحسب رأيهم – يقسمون عمانوئيل إلى طبيعتين”.
ساويروس الأنطاكي (قديس)، كيرلس محب الحق، ترجمة: الراهب القس غريغوريوس آفا مينا، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، الباب الأول، ص ٣٤٢.
ثم يرد البطريرك ساويروس الأنطاكي على هذا الكلام الهرطوقي قائلاً:
“لأنهم لو كانوا متعمقين في الكتب أنفاس الله، وتعاليم الآباء حاملي الإله، بالطريقة التي أشرنا إليها بتدقيق، لفهموا – على العكس – أن الذي تجسد من العذراء هو الله الكلمة، بما أنه جعل الجسد الذي من مريم خاصته، أي الجسد ذا النفس العاقلة منذ بداية تكونه ووجوده، وكانوا قد عرفوا عمانوئيل الواحد أنه من طبيعتين، إذ الجسد غير منفصل عن الكلمة بفضل الاتحاد غير المفسَّر، والذي يتجاوز كل فهم، ولم يعدونه وحده، ولن يزيدوا عددًا زائدًا على الثالوث القدوس، بل على العكس، يعترفون بطبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، وكانوا سيظهرون تلك الطبائع التي منها المسيح الواحد والوحيد، ويبتعدون عن التقسيم المجدف”.
المرجع السابق، ص ٣٤٣.
ولكن يتحدث ديدور الطرسوسي جد التعليم النسطوري ومعلم ثيؤدور الموبسويستي المعلم المباشر لنسطوريوس، وتلميذ سلوانس الطرسوسي ويوسابيوس الحمصي (النساطرة)، عن تكون الجسد قبل اتخاذ الكلمة له، وهو ما شاهدناه في الاقتباسات التي ذكرناها أعلاه كالتالي:
“بينما كان الجسد لمريم، ولم يُتخذ بعد*، كان من الأرض، ولا يختلف عن الأجساد الأخرى في شيء. وكما أختير لاوي، وهو بعد في صلب أبيه (عب ٧: ٩، ١٠)، لكن نال الكرامة عند ميلاده، هكذا أيضًا، عندما كان الرب في بطن العذراء ومن جوهرها، لم ينل كرامة البنوة*، لكن عندما اتخذ صورة (بشرية)، وأصبح هيكلاً لله الكلمة، وتقبل إليه الابن الوحيد، حينئذ ينال كرامة الاسم (الابن)، ونال بعدها أيضًا شيئًا من الكرامة نفسها، أي البنوة”.
Lebon, Severi Antiocheni liber contra impium Grammaticum, dans CSCO, (Louvain- Washington, Oratio prima et secunda, dans CSCO 111/syr. 58., 1938), 1, 182, 11; part., P. E. Pusey, 503, 10, (Syr.). PG, 76, 1449- 1450 A (Latin).
ويرد ق. كيرلس السكندري على زعم ديدور الهرطوقي هذا قائلاً:
“الجسد المقدس حقًا من مريم، لكن منذ اللحظات الأولى لوجوده، أو لتكوينه في الرحم، كان مقدسًا، بما أنه جسد المسيح، حتى أننا لا يمكننا أن نرى لحظةً واحدةً، لم يكن فيها (الجسد) خاصًا به، أو – كما تقول أنت – في حالة متطابقة مع الأجساد الأخرى، وبالتساوي معها”.
ويردد نسطوريوس نفس كلام ديدور الطرسوسي في كتابه “عن العقيدة”، وهو نفس الكلام الذي رأيناه في الاقتباسات السابقة التي ذكرناها أعلاه قائلاً:
“يا عزيزي، لم تلد العذراء اللاهوت. لأن ما وُلد من الجسد هو جسد. لم يلد المخلوق غير المخلوق. فالآب لم يجعل العذراء تلد كلمةً جديدًا؛ ‘في البدء كان الكلمة’ (يو ١: ١)، كما قال يوحنا. إذًا، فالمخلوق لم يلد غير المخلوق، إنما ولدت إنسانًا كأداة أو آلة للاهوت. ورغم أن ‘الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس’ (مت ١: ٢٠)، لم يخلق الروح القدس الله الكلمة، لكنه أقام لله الكلمة هيكلاً مأخوذًا من العذراء. لم يمت الله، عندما تجسد، لكنه أقام (من الموت) هذا الذي تجسد فيه”.
Loofs, Nestoriana, (Halle, 1905), 252, 5- 15. Part. Lebon, Oratio tertia, pars posterior, dans CSCO [102/Syr. 51. 1933.], III, 94, 6; Ibid., 95, 1 (Syr.).
ويردد ثيؤدوريت أسقف كورش صديق نسطوريوس الهرطوقي نفس الكلام السابق، الموجود في الاقتباسات عاليه المنتشرة في هذه الأيام قائلاً:
“لو لم يتجسد الكلمة، بل اتخذ جسدًا حيًا عاقلاً، إذًا، ليس هو نفسه مولودًا بحسب طبيعته من العذراء، محبولاً به، مشكلاً، متخذًا هيئة إنسانية، ومتخذًا من هنا مبدأ وجوده، هذا الذي هو من قبل الدهور، الكائن بالقرب من الآب ومعه، المعروف والمعبود مع الآب، بل شكل لنفسه هيكلاً في الحشا البتولي، وكان مع هذا الذي تشكل وحُبل به، واتخذ صورة إنسانية، ووُلد”.
PG, 76, 393 A = ACO, 1, 1, 6 a, 109, 11.
ونستنتج من هنا أحبائي تطابق الاقتباسات المتداولة هذه الأيام مع الاقتباسات من النساطرة في فكرة تكوُّن الجسد وتشكُّله قبل اتحاد الكلمة به أقنوميًا، وهذه هي الهرطقة النسطورية كما ذكرها أعمدة الفكر النسطوري: ديدور الطرسوسي، ونسطوريوس نفسه، وثيؤدوريت أسقف كورش.
النسطورية وتكون الناسوت قبل الاتحاد الأقنومي – د. أنطون جرجس
عقيدة التأله في الليتورجية القبطية ج2 – د. أنطون جرجس
عقيدة التأله في الليتورجية القبطية ج2 – د. أنطون جرجس
عقيدة التأله في الليتورجية القبطية ج2 – د. أنطون جرجس
نتابع معًا أحبائي سلسلة الإشارات إلى عقيدة التأله بالنعمة في الليتورجية القبطية، حيث نجد إشارة واضحة جدًا إلى عقيدة التأله في طرح واطس للأحد الثالث من الخمسين المقدسة، والذي يتحدث عن المسيح الملك القائم من القبور، عربون التأله، والقيامة الأبدية كالتالي:
“قام الملك المسيح من القبور، عربون التأله*، والقيامة الأبدية، له المجد دائمًا”.
إبصاليات وطروحات الأعياد السيدية والمواسم الكنسية، تقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، (وادي النطرون: دير السريان، ٢٠٠٣)، ص ٥٧٥.
وهكذا يصلي الكاهن في صلاة تسريح ماء المعمودية في ختام طقس سر المعمودية المقدسة، متحدثًا عن إضاءة المعمدين بنور اللاهوت بعد معموديتهم، أي أنهم اتحدوا بالنور الإلهي، وصاروا يضيئون ببهاء ونور اللاهوت كالتالي:
“أنت يا سيدنا جعلت هذا الماء طاهرًا بنعمة مسيحك، وحلول روحك القدوس عليه، وصار لعبيدك الذين تعمدوا فيه حميمًا للميلاد الجديد، وتجديدًا من الضلالة القديمة، وأضاءوا بنور لاهوتك*”.
صلوات الخدمات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، (القاهرة: مكتبة المحبة، ١٩٧١)، ص ٥٦.
ويصلي الكاهن على المعمد أيضًا في صلاة حل زنار المعمدين بوضع يده عليه، بعد التناول من الأسرار المقدسة، متحدثًا عن إضاءة المعمد بنور لاهوت السيد الرب إلهنا، ونواله النور الفوقاني الذي من فوق، النور غير الموصوف، الذي للرب يسوع المسيح مخلصنا كالتالي:
“أيها السيد الرب إلهنا مانح السلام والبركة، ذو الصلاح، وحده محب البشر، الذي باركنا، وقدسنا، وأضاء علينا بنور لاهوته*، الذي جعل عبيده مستحقين أن ينالوا النور الذي من فوق*، غير الموصوف*، الذي لمسيحك يسوع مخلصنا. أنر عليهم بنور البركة، طهرهم. باركهم. جددهم بنعمتك من جهة الصبغة التي نالوها بقوة روحك القدوس المحيي”.
المرجع السابق، ص ٦٩.
كما يصلي الكاهن طلبة في تحليل المرأة أثناء إتمام طقس سر المعمودية المقدسة، حيث يتحدث عن اتحادنا الكياني بشخص المسيح في شركة سرية كالتالي:
“من أجل هذا يارب طهرت طبيعتنا، وعتقتنا بالاتحاد في شخصك في شركة سرية*. نسأل ونطلب منك يا محب البشر لكي تتطلع على أمتك (فلانة) حتى يتجدد روح قدسك في أحشائها”.
المرجع السابق، ص ٢٤.
وتتحدث قسمة الابن التي تقال في أي وقت عن الاتحاد الكياني في المسيح بالروح القدس، حيث صرنا مسكنًا له بالروح القدس الحال فينا بأقنومه كالتالي:
“وأكملت ناموسك عني، ربطتني بكمالات الشريعة. وعزيتني بلبان العلم من قِبل روحك القدوس، منطقتني بالقوة، واتخذتني لك مسكنًا*”.
إيسيذوروس البراموسي (قمص)، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، ١٩٩٤)، ص ٢٦٤.
وتتحدث قسمة تقال للابن في عيد القيامة عن نوالنا لنور قيامة الرب بتجسده وقيامته، وإضاءتنا بشكله المحيي بنور معرفته الحقيقية كالتالي:
“ونحن أيضًا الجلوس في الظلمة زمانًا، أنعم علينا بنور قيامته من قِبل تجسده الطاهر. فليضيء علينا نور معرفتك الحقيقية لنضيء بشكلك المحيي*”.
المرجع السابق، ص ٢٥١.
ويصلي الكاهن صلاة خضوع للآب قبل التناول في القداس الكيرلسي، تؤكد على أننا ننال بالتناول من الأسرار المقدسة طهر إنساننا الداخلي كطهر الابن الوحيد كالتالي:
“طهَّر إنساننا الداخلي كطهر ابنك الوحيد، هذا الذي نريد أن نتناوله”.
المرجع السابق، ص ٢٤٢.
ويصلي الكاهن في صلاة القسمة للآب في القداس الكيرلسي، ويتحدث عن تناولنا للجمرة الحقيقية المعطية حياة للنفس والجسد والروح، ألا وهي الجسد المقدس والدم الكريم اللذان للمسيح، وهذه الجمرة بالطبع هي جمرة اللاهوت، لأن إلهنا نار آكلة، وبالتالي يدحض هذا القول بأننا نتناول الناسوت فقط في سر الإفخارستيا، وليس اللاهوت المتحد بالناسوت كالتالي:
“تفضل طهر أنفسنا، وأجسادنا، وشفاهنا، وقلوبنا، وأعطنا هذه الجمرة الحقيقية* المعطية حياة للنفس، والجسد، والروح، التي هي الجسد المقدس، والدم الكريم اللذان لمسيحك”.
المرجع السابق، ص ٢٤٠، ٢٤١.
ويصلي الكاهن في صلاة الحجاب لأبينا ق. يوحنا المثلث الطوبى للآب سرًا، في بداية القداس الكيرلسي، ويتحدث عن حلول الروح القدس، النار غير الهيولية (أي غير المادية) فينا، أي يتحدث عن حلول الروح القدس بأقنومه فينا، كالتالي:
“أعطني يارب روحك القدوس، النار غير الهيولية [المادية] التي لا يُفكر فيها، التي تأكل كل الضعفات، وتحرق الموجودات الرديئة”.
المرجع السابق، ص ٢١٩.
وهذا ما نصليه أيضًا مخاطبين العذراء القديسة مريم في لبش واطس في باكر سبت الفرح (أو سبت النور) لكي ما ننال الروح القدس لنصير مسكنًا له مثلما حلَّ على العذراء القديسة مريم، وهذا يؤكد الحلول الأقنومي للروح القدس فينا كما حلَّ أقنوميًا على العذراء مريم كالتالي:
“من أجلك أيضًا صرنا مسكنًا للروح القدس الذي حلَّ عليك وقدَّسك”.
ترتيب أسبوع الآلام بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إعداد: مجموعة من الدارسين والباحثين في الطقوس القبطية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، (القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، ١٩٩٤)، ص ٦٨٤.
ونستنتج من هنا أحبائي أن عقيدة التأله بالنعمة بكافة مفاهميمها، وصورها، وأشكالها متغلغلة ومتجذرة بعمق في ليتورجيتنا القبطية.
مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس
مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس
الرد على المشككين والمضللين في صحة ما قلناه عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، حيث خرج البعض علينا عن جهل وعن عدم دراسة ليشكك في قولنا بأن ق. غريغوريوس اللاهوتي لم يقل بتقديم الفدية للآب، ويتهمنا بالتزويير، ولكننا سنبين لهم أنهم هم المزورين، والمضللين، ويرمون الباحثين بالباطل والكذب.
في الواقع، رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي تقديم الابن كفدية للآب، وهذا سوف نقوم بإثباته من خلال نصوص ق. غريغوريوس اللاهوتي التي تحدثت عن مفهوم الفدية. ثم سنقوم بعرض آراء الأساتذة واللاهوتيين المعروفين على مستوى العالم التي تدعم طرحنا بخصوص مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ثم سنقدم تفسيرنا لهذا النص محل النقاش الذي تدعمه آراء الأساتذة اللاهوتيين المعروفين في العالم الأكاديمي، ولهم ثقل كبير في هذه الأمور.
يستخدمون نص ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية رقم ٤٥ والتي تحدث فيها عن موضوع الفدية لمن قُدمت؟ وسوف أقوم بعرض ترجمتين مختلفتين لهذا النص أحدهما من ترجمة القس لوقا يوسف عن مجموعة الآباء اليونان باترولوجيا جريكا PG والترجمة الأخرى ترجمتي أنا لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية السلسلة الثانية والمجلد السابع NPNF.
يناقش معلمنا ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية موضوع الفدية كالتالي:
“والآن لنفحص حقيقة أخرى والتعليم اللذين أغفلهما الكثيرون، والتي بالنسبة إلىَّ تستحق فحصها بتوسع: إلى مَن أُعطي الدم الذي سُفك من أجلنا؟ ولأي شيء سُفك الدم العظيم والمعروف جيدًا، دم الإله ورئيس الكهنة والذبيحة في الوقت نفسه؟ لأننا نوجد تحت عبودية الشرير، ومبيعون بالخطيئة مقابل تمتعنا بالشر والرذيلة.
والآن، إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَّن قُدمت؟ ولأي سبب؟ إذا قُدمت لأجل الشرير، فليبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية ليس من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا رفيعًا من أجل استبداده بالبشر حسب رغبته، فلأجل مَن يكون من العدل أن يشفق علينا؟ إن كان لأجل الآب، فسؤالي الأول هو: كيف؟ لأننا لم نكن مُقيدين من قِبله. وسؤالي الثاني هو: لأي سبب كان دم الوحيد الجنس مسرةً الآب*، الذي لم يقبل حتى إسحاق حينما كان أبوه يقدمه كذبيحة، بل بدّل الذبيحة واضعًا حملاً عوضًا عن الذبيحة العقلية؟
ومن ثم، فإنه من الواضح أن الآب يأخذ دون أن يسأل أو يلتمس، ولكن من أجل تدبير الخلاص، ولأنه كان يجب أن تتقدس الإنسانية بإنسانية الله، حتى يحررنا المسيح نفسه، ويقهر الشيطان الطاغية، ويجذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه الذي دبر هذا كرامةً لأبيه الذي يعطي الابن كل شيء. لقد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وبقى أن نكرمه بالأكثر بصمتنا”. (تمت الترجمة من PG 36: 624- 663).
سأقوم بعرض ترجمتي الخاصة لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية لمقارنة النص المترجم عن اليوناني والنص المترجم عن الإنجليزي للوصول إلى أفضل فهم لمعنى النص كالتالي:
“ينبغي أن نفحص الآن حقيقة أخرى، وتعليم يهمله أغلب الناس، ولكنه يستحق في رأيي البحث فيه. لمَّن قُدم هذا الدم المسفوك لأجلنا؟ ولماذا سُفك؟ أقصد الدم الثمين والمعروف جدًا لإلهنا ورئيس الكهنة والذبيحة. لقد قيدنا الشرير في العبودية، مباعين بالخطية، ومستمتعين في المقابل بالشر.
الآن، ما دامت الفدية تخص فقط مَن يستعبدنا، لذلك أتساءل لمَّن قُدمت هذه (الفدية)؟ ولأي سبب؟ إن كانت للشرير، فإنني أستنكر هذه الإساءة! إذ أن السارق يأخذ الفدية، لا فقط من الله، بل الفدية هي الله نفسه، ويمتلك هذا الثمن الغالي من أجل استبداده، الثمن المستحق الذي سعى من أجله لكي يحررنا تمامًا. ولكن إن كانت للآب، فأتساءل
أولاً: كيف؟ لأنه لم يكن هو الذي كنا تحت سطوته.
وثانيًا، على أي أساس يسُر الآب دم ابنه الوحيد، الذي لم يقبل حتى بإسحاق عندما قدمه أبوه، بل استبدله بذبيحةٍ، واضعًا كبشًا عوضًا عن الذبيحة البشرية*؟ أليس من الواضح قبول الآب له، ولكنه لم يطلبه، ولم يحتاجه، بل من أجل التجسُّد، ومن أجل أن البشرية ينبغي أن تتطهر ببشرية الله، لكي ما يخلصنا لنفسه، ويغلب الطاغية، ويجتذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه، الذي دبر ذلك كرامةً للآب، الذي من الواضح أنه يطيعه في كل شيء؟ وهكذا قد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وأعظم ما يمكننا قوله هو إكرامه في صمت”.
Gregory of Nazianzus (St.), The Second oration on Easter (NPNF 2- 07), Trans. By Charles Gordon & James Edward, Edit. By Philip Schaff, (Michigan, CCEL, Grand Rapids, 1819- 1893), Or. 45: 22, p. 847, 848.
للأسف الشديد يُحرّف البعض معنى نص الفدية الذي للقديس غريغوريوس اللاهوتي بذهنية وعقلية لاهوت العصر الوسيط، واللاهوت المدرسي، والبروتستانتي، ليجعله مناسبًا لقناعاته المغلوطة والخاطئة عن تدبير الخلاص، حيث يرى أن العقوبة من الآب، والآب يأخذ الابن ليعاقبه فديةً بدلاً عنا وعن عقوبة خطايانا، وهذا ضلال وبهتان، وبعيد كل البعد عن المعنى المقصود في النص.
حيث يرفض النزينزي تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا ولم يسبينا، ولا يمكن أن يُسر برؤية دم ابنه الوحيد مسفوكًا، كأنه إله سادي يتلذذ ويُسر ويستمتع بسفك دماء ابنه الوحيد، يا لضلال! ويا لفداحة! ويا لسادية! هؤلاء الذين لا يقبلون ذلك على أبنائهم، ويقبلونه ببساطة على الآب أن يصنعه في ابنه لكي يستمتع بسفك دمائه، واحسرتاه! إنهم فقدوا عقولهم، وعميت أبصارهم، وأظهروا طبائعهم غير الآدمية.
سأقوم بعرض نصوص أخرى عن الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عنده، حيث يتحدث في عظة رقم ١٤ عن محبة الفقراء بخصوص تقديم الابن نفسه كفدية من أجل حياة العالم، ويعدد بعد ذلك بركات هذه الفدية وسر الخلاص الجديد من الحصول على طريق الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على الذي هزمنا، وعطايا الشركة في الروح القدس قائلاً:
“لقد أظهر الرحمة نحونا بطرق عظمى، وفوق كل شيء، بإعطاءنا الناموس والأنبياء، وحتى قبلهما بإعطاءنا ناموس الطبيعة غير المكتوب، معيارًا للحكم على جميع أعمالنا، يفحصنا، وينصحنا، ويدربنا، وأخيرًا، قد أعطى نفسه فديةً من أجل حياة العالم. وقد أنعم علينا بالرسل، والإنجيليين، والمعلمين، والرعاة، والأطباء، والعلامات المذهلة، طريقًا يقود إلى الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على مَن هزمنا، وعهدًا في الظل، وظلاً في الحقيقة، وعطايا جعلتنا نشترك في الروح القدس، سر الخلاص الجديد”.
Brian E. Daley, Gregory of Nazianzus (The early Church Fathers), Edit. By Carol Harrison, (London, New York: Routledge, 2006), Or. 14: 27, p. 90, 91.
ويناقش ق. غريغوريوس اللاهوتي موضوع الفدية في قصيدة لاهوتية له، حيث يرفض تقديم الابن كفدية للشيطان، كما يستنكر أيضًا تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا أو يسبينا، أو يضعنا في الأسر، ويتعجب ق. غريغوريوس كيف يمكن أن يتم سبي ماسح المسيح (أي الله) ووضعه في الأسر، ويقول إننا نقبل بهذه النماذج المقبولة في عالم السماويات، أي يمكننا قبول هذه كرموز ونماذج للأمور المقبولة في السماويات قائلاً:
“لذا أتساءل: لمَّن سُفك دم الإله؟ إن كان للشرير – فيا للأسف! أن يُقدم دم المسيح للشرير! ولكن إن قلت لله – كيف يمكن أن يكون هذا، في حين أننا كنا مستعبدين لآخر (غير الله)؟ فالفدية تخص مَن يحتجز الأسرى دائمًا. أ يمكن أن يكون هذا حقًا، أن يُقدم ذبيحةً لله لكي ما ينتزعنا الله نفسه بعيدًا عن سلطان مَن يأسرنا، ويأخذ المساوي لمَّن أنزل المسيح؟ لأنه لا يمكن أن يؤخذ ماسح هذا المسيح في الأسر. وهذا هو ما نعتقده. ولكننا نقبل بالنماذج المقبولة في السماويات”.
Poemata Dogmatica, I, VIII, 65- 69, Migne XXXVII, 470.
ونستعرض نص آخر للقديس غريغوريوس اللاهوتي يتحدث فيه عن مفهوم الفدية، حيث يرى أن الفدية والمصالحة تتمثل في استردادنا لحريتنا بأخذ الابن لشكل العبد، وارتفاعنا بنزوله، وتمجيدنا بإهانته، وخلاصنا بموته، وانتشالنا من محنة الخطية بقيامته كالتالي:
“لقد أخذ شكل العبد لكي ما نسترد حريتنا، نزل لكي ما نرتفع، جُرب لكي ما ننتصر، أُهين لكي ما يُمجِّد، مات لكي ما يخلص، قام لكي ما يجتذبنا إلى نفسه، نحن الذين كنا راقدين في محنة الخطية. أعطى الجميع، وقدم الجميع، لمَّن أسلم ذاته فديةً ومصالحةً لأجلنا”.
Oliver B. Langworthy, Gregory of Nazianzus’s Soteriological Pneumatology, (Germany, Tunmbingen: Mohr Siebeck, 2019), Or. 1. 5. SC 247, 78, p. 53.
سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة الأشهر في العالم الذين قرأوا وفسروا نص الفدية للقديس غريغوريوس اللاهوتي بلغته اليونانية، وكيف إنهم لم يروا أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يتحدث عن تقديم الابن كفدية للآب. ونصيحة للأخوة المشككين والمضللين، لا يمكننا أن نقرأ نصوص الآباء ونفسرها بقناعاتنا المسبقة وبحسب أهوائنا الشخصية، بل لا بد من الرجوع إلى المتخصصين والأساتذة في علم الآباء وتاريخ العقائد لنتأكد هل فهمنا للنص صحيح وعليه إجماع أكاديمي من أشهر الأساتذة في هذا المجال أم لا؟ حتى لا نضل أنفسنا ونضل الآخرين بخزعبلات وتأويلات شخصية خاصة بنا لنصوص الآباء.
يتحدث البروفيسور جوستاف ألين Gustave Aùlen وهو أسقف ولاهوتي سويدي لوثري (بروتستانتي)، وصاحب أشهر كتاب عن عقيدة الفداء والخلاص باسم “كريستوس فيكتور” عن مفهوم الفدية عند ق غريغوريوس اللاهوتي، حيث يؤكد ألين أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض تقديم الابن كفدية للآب قائلاً:
“في النهاية، يرفض ق. غريغوريوس النزينزي فكرة الفدية تمامًا، ولا يسمح بدفع الفدية سواء للشيطان، ولا حتى لله، لأننا لم نكن، كما يقول، مأسورين ومستعبدين لله”.
Gustave Aùlen, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. By A. G. Hebert, Forwarded by Jeroslav Pelikan, (London: S. P. C. K., 1975), P. 50.
ويتحدث البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة أكسفورد بإنجلترا عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويوضح رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي لفكرة تقديم الابن كفدية للآب كالتالي:
“استمر ق. غريغوريوس (النزينزي) في إثبات أن دم المسيح لم يكن فديةً مدفوعةً، بالمعنى الدقيق للكلمة، لله الآب أيضًا، لأنه لا يُعقل أنه قد استمتع بدم ابنه الوحيد. بل على العكس، حقيقة قبول الآب لها، لم يكن بسبب أنه قد طالب بها، أو أحتاج إليها، بل بسبب أنه كان يليق في تدبير الخلاص أن يتم استعادة التقديس للطبيعة البشرية من خلال البشرية (الناسوت) التي أتخذها الله. أما بالنسبة إلى إبليس، فقد هُزِم بالقوة”.
N. D. Kelly, The Early Christian Doctorines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 383, 384.
ويتحدث البروفيسور هستنجس راشدال Hasings Rashdall أستاذ تاريخ العقيدة المعروف عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويؤكد على أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض مفهوم الفدية على الإطلاق سواء للشيطان أو للآب، ويستعرض أسباب ق. غريغوريوس اللاهوتي في ذلك قائلاً:
“ولكن يرفض [ق. غريغوريوس] أن تكون فدية على الإطلاق في الخطبة المخصصة تحديدًا لعقيدة الخلاص: لأنه من المستهجن الاعتقاد بأن السارق يمكنه أن يأخذ الله نفسه كثمن مدفوع لأجلنا، لذلك يتساءل: إن كانت مدفوعة للآب.
فأولاً، قد يتساءل المرء: كيف؟ لأنه لم يكن [الآب] هو الذي احتجزنا كسجناء.
ثانيًا، كيف يمكن أن يُعقل أن الآب يُسر ويستمتع بدم الابن الوحيد، وهو الذي رفض إسحاق، عندما قدمه والده، بل وضع كبشًا عوضًا عن الذبيحة العقلية. وبالتالي، يتضح أنه إذا قَبِل الآب دم ابنه، فليس لأنه قد طالب به، أو كان في حاجة إليه، بل بسبب تدبير الخلاص، وبسبب حاجة الإنسان إلى التقديس بما كان إنسانيًا في الله لكي ما يخلصنا في ذاته، منتصرًا على الطاغية بالقوة، ولكي ما يرجعنا إلى ذاته بوساطة ابنه، الذي قد صنع كل شيء من أجل مجد الآب، الذي يبدو واضحًا أنه قد خضع له في كل شيء
.Oration 45, 22, Migne 36. 654.
Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MacMillian & Co., 1919), p. 309, 310.
سوف استكمل في بوستات قادمة باقي الردود على المشككين والمضللين في النقاط التي أثاروها ضد مقالاتي لإظهار تزييفهم، وتحريفهم، وجهلهم، بمعاني نصوص الآباء كما قالها الآباء، وفهمها الشراح من الأساتذة والباحثين المرموقين على مستوى العالم.
يُتبع
مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس
مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس
مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس
نستكمل معًا أحبائي سلسلة الرد على الجهلاء، والمزورين، والمشككين في فهمنا لفكر الآباء عن موضوع الفدية عامةً، وبالخصوص ق. باسيليوس محل نقاشنا في هذه المقالة.
لا بد من التنويه أولاً أن موضوع الفدية هو نوع من مجاز الحروب والمعارك والأسر، استخدمه الكتاب المقدس ليشرح به أمور روحية تشبه الحرب والأسر، ولكنها للأسف غير منظورة، فهي حرب روحية بين الله وملائكته والبشر وبين أجناد الشر الروحية في السماويات.
لذا لجأ الآباء إلى تفسير موضوع الفدية من خلال التقليد والكتاب المقدس، وكان في فكرهم أنه ما دام الشيطان هو الذي يأسر أرواح البشر في الجحيم قبل مجيء وتجسد وخلاص المسيح، فلا بد أنه هو المسيطر عليهم بإرادتهم لأنهم أرادوا الاستمتاع بالشر والخطية تحت سلطانه، لذا منطقيًا البشر مأسورين تحت عبودية إبليس، ولا بد من فك أسرهم من إبليس، ويتطلب هذا دفع الفدية لفك سبي هؤلاء المأسورين تحت إبليس.
وهذا المجاز الحربي كان منتشر بين أوساط التدين الشعبي، كما نرى هذه الأيام، وفي نفس الوقت يتحدث الكتاب المقدس عن تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله، لذا كان ق. باسيليوس الكبير يتأرجح ما بين منطقية تقديم الفدية للشيطان لأنه هو الذي يأسر البشر، وليس الله هو الذي يأسر البشر، وفي نفس الوقت، تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله عن البشر باعتباره الإله المتأنس القادر على خلاص البشرية.
للأسف يتهمني المزورين بأنني مَن أحذف وأقتطع من نفسي النصوص لهدف ما في فكري، ولكنني سأتغاضى عن ذلك الهراء، ولكنني أراهم هم الذين يقتطعون أجزاء كاملة عند مناقشتهم لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث لم يذكروا الجزء الخاص بتقديم الفدية للشيطان عند باسيليوس، وذكروا فقط الجزء الذي يخدم مصلحتهم وأهوائهم الشريرة. لذا سأعرض النص كاملاً على الرغم من طول الفقرة، لكي يتضح إلى القارئ العزيز مدى كذب وتدليس هؤلاء، وصدق عرضنا لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير.
يتحدث ق. باسيليوس الكبير في عظته على مز ٤٨ أو ٤٩ في العظة رقم ١٩ عن تقديم الفدية للشيطان وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله كالتالي:
“اسمعوا أنتم محتاجون إلى الفداء لكي تربحوا حريتكم التي فقدتموها، لأنكم هُزمتم من عنف الشيطان* الذي بعدما جعلكم تحت سلطانه، لن يترككم تتحرروا من استبداده السابق، قبل أن يقتنع بفدية كبيرة ذات قيمة ترضيه*، ويريد أن يقاضيكم بها. إذًا، يجب ألا تكون الفدية مساوية للأسرى*، بل أن تكون مختلفة كثيرًا بحسب القياس، طالما أنه يكون مزمعًا بإرادته أن يحرر الأسرى*.
إن الأخ لا يستطيع أن يحرركم أو يفديكم، ولا يوجد إنسان قادر أن يُقنِع الشيطان* بأن يفك أسر مَن قبض عليه قبلاً من سلطانه*، وذلك بسبب خطايا الإنسان الخاصة، فلا يستطيع أن يقدم ذبيحة كفارية لله. […] فلينصت إلى حقيقة الأمر كله أن كل نفس إنسانية قد خضعت لنير العبودية لعدونا المشترك*، وبعدما فقدت الحرية التي وهبها لها الخالق، تصبح أسيرة الخطية*.
إن كل أسير يحتاج فدية لأجل تحريره*. ولا يقدر أحد أن يفدي نفسه، لأن الفادي لا بد أن يكون أسمى بكثير من الذي هو بالفعل أسير وعبد. لكن على وجه العموم، لا يوجد إنسان له سلطان بالنسبة لله، حتى أن يطلب غفرانًا للخاطئ، لأنه هو نفسه تحت دينونة الخطية، أو تحت حكم الخطية، لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح”.
باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢١)، عظة على مز ٤٩، ص ٩٣- ٩٥.
سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة والباحثين المعتبرين في العالم كله عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث يعرض هؤلاء الأساتذة الكبار آراء ومفاهيم الأب بكل حيادية وموضوعية، وسوف نجد أن طرحهم يتفق مع طرحنا السابق وطرحنا في هذا المقال لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، الذي كان يفسر موت المسيح متأرجحًا ما بين فرضيتي تقديم المسيح الفدية للشيطان بصورة تقليدية ومنطقية، وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله بصورة كتابية فيما يلي.
يتحدث البروفيسور موزلي Mozley أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة كامبريدج بإنكلترا عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير باعتبارها ثمن فوري مدفوع للشيطان الذي أسر البشر عنده لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله كالتالي:
“يربط (باسيليوس) في موضع آخر معنى محدد أكثر بموت المسيح، مفسرًا إياه في أحد عظاته بأنه ثمن مدفوع فوريًا لإبليس*، الذي كان يأسر البشر، وكفارة έξίλασμα عن جميع البشر، لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله”.
K. Mozley, The Doctrine of The Atonement, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1916), p. 109.
ويعلق البروفيسور موزلي في حاشية رقم ٣ على طرحه السابق هذا مؤكدًا على تأرجح فكر ق. باسيليوس ما بين فكر الشيطان وفكر الله قائلاً:
“حيث الانتقال من فكر الشيطان إلى فكر الله يتم بصورة متأرجحة. لأنه يعتمد على المنطق في نقطته الأولى (الفدية للشيطان)، وعلى الكتاب المقدس في نقطته الثانية (ذبيحة كفارية لله). ولكنه لا يتوصل إلى أنها تمثل نظرية حقيقية”
Ibid, n. 3.
ويشرح البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة اكسفورد مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير أنها كانت مدفوعة للشيطان كالتالي:
“لقد لاقت نفس النظرية تمامًا عن حق الشيطان في إبقاء البشرية تحت العبودية حتى يُمنح تعويضًا مناسبًا، دعمًا مع أخيه الأكبر باسيليوس [المقصود غريغوريوس النيسي الأخ الأصغر للقديس باسيليوس الكبير]. حيث علم (باسيليوس) بخضوع جميع البشر لسلطان رئيس هذا العالم، ولكن المسيح هو وحده القادر على أن ينادي (راجع يو ١٤: ٣٠) بأنه ليس له فيَّ شيء. ومن ثم فإن الفدية ضرورية، إن كان سيتم تحريرهم، ولا يمكن أن تشمل أي إنسان عادي.
لأنه من الصعب إقناع الشيطان بتسليم أسراه عن طريق القبول بمجرد إنسان عادي، لأن مثل هذا الإنسان يحتاج في جميع الأحوال فداءً عن نفسه. ولكن ما نحتاجه هو شخص يفوق الطبيعة البشرية – في الواقع، نحتاج يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا نلاحظ أن صور غريغوريوس الغريبة عن الطعم والخطاف (الصنارة) غائبة هنا، ولا يبدو أن باسيليوس يركز على هذه النظرية. ولكنه يتأرجح في نفس السياق بين تفسير موت المسيح على أنه فدية مدفوعة للشيطان وذبيحة مقدمة لله”.
N. D. Kelly, The Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 382, 383.
يشرح البروفيسور هستنجس راشدال Hastings Rashdall مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير موضحًا أن ق. باسيليوس نادى بتقديم المسيح الفدية للشيطان كلغة معتادة في ذلك العصر بين الأوساط الشعبية لتفسير طبيعة وماهية موت المسيح كالتالي:
“وهناك فقرات يتحدث (باسيليوس) فيها بالطريقة المعتادة عن الحيلة التي تم خداع الشيطان بها لتطويقه بموت المسيح، والبحث عن القضاء عليه. وبالتالي، يقبل باسيليوس اللغة التقليدية دون دفاع أو تفسير، ولكن التركيز على حقوق الشيطان أقل من التركيز على القيمة العليا أو الجدارة لمَّن عُرض عليه كفدية.
إن الفدية ليست أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن ضرورة موت المسيح من أجل مغفرة الخطايا، والتي اعترف بها باسيليوس بشكل رسمي مثله مثل الآباء اليونانيين الآخرين، على الرغم من رغبتهم العامة في جعل الخلاص يعتمد على التجسد ككل.
فيبدو واضحًا أن الطريقة العرضية التي يتطرق بها هؤلاء الكُتاب إلى فكرة دفع الفدية للشيطان، قد لعبت دورًا أكثر في التدين الشعبي اكثر منه في اذهان المتعلمين. لأنها (الفدية) تنتمي إلى التقليد المقبول عامةً، وربما لمجرد أنها كانت مقبولة بالإجماع، لم تكن موضوعًا قابلاً للنقاش، أو أساسًا للتفكير”.
Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in The Christian Theology, (London: MacMillian & Co., Limited, 1919), p. 311.
مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس
مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري- د. أنطون جرجس
مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس
استكمالاً لما قد بدأناه من سلسلة مقالات لتوضيح مفهوم الفدية عند آباء الكنيسة ردًا على المشككين والجهلاء من البعض، نستعرض الآن مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري.
وأود التنويه في البداية أن نصوص ق. كيرلس عن موضوع الفدية كثيرة ومتنوعة ومتعددة الجوانب في مفاهيمه حول موضوع الفدية، ولكن السمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هو أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقب من الآب لأجل البشر.
كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يعاقب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدس، ونصلي في الليتورجية، وفي الأجبية.
فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يمارس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يميت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يميت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يمارس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت.
فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا ادعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!
ننتقل إل مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس – مثلما أكد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت كالتالي:
“لذا كان من الضروري أن يقدم ابن الآب الحي جسده الخاص للموت كفدية* عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتحد بالكلمة يمهد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.
ونجد هنا ق. كيرلس الإسكندري يتبع الآباء السابقين عليه في التأكيد على تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي.
حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي:
“فإن مجيء المخلص متجسدًا، قد صار فديةً* للموت وخلاصًا لكل الخليقة”.
أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس (الرسالة إلى أدلفيوس المعترف)، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٦، ص ٢٩.
ويتحدث ق. باسيليوس الكبير أيضًا عن تقديم المسيح الفدية للموت في الليتورچية البيزنطية الخاصة به قائلاً:
“فطهّرنا بالماء وقدّسنا بالروح القدس، وبذل نفسه فديةً* للموت الذي كان مستوليًا علينا ارقاءً تحت الخطية”.
باسيليوس الكبير (قديس)، الأفخولوجي الكبير (ليتورجية ق. باسيليوس)، ترجمة: الأسقف رافائيل هواويني، (لبنان: بيرثوث وقلفاط، ١٩٥٥)، ص ١٤٢.
وهذا ما يؤكده أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي أن المسيح قدم جسده كطُعم للموت قائلاً:
“لذلك صار جسده طُعمًا للموت*، وإذ صار موضع أمل للوحش [الشيطان] أن يقبض على المخلص، قبض المخلص عليه. لأنه ‘يبلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد المسيح الدموع عن كل الوجوه’ (إش ٢٥: ٨)”.
تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته – مقالاته لطالبي العماد – الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس اسبورتنج، ٢٠٠٦)، المقالة ١٢: ١٥، ص ١٧٢.
مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري- د. أنطون جرجس
نعود مرة أخرى إلى مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:
“وعندما قدّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.
ويؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع كالتالي:
“لأنه هكذا خلص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.
ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على تقديم المسيح للفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالى:
“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا، ونفسه فديةً* لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام، إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٢)، الفصل ٧، ص ٧٧.
وهكذا يؤكد ق. كيرلس أن الفدية لأجل الجميع لإماتة الموت وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة كالتالي:
“(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً* لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٥)، ٤: ٢، تعليق على (يو ٦: ٥١)، ص ٤٠٣.
وهذا ما يؤكده ق. كيرلس أن المسيح أعطى جسده فديةً لأجلنا كالتالي:
“إذًا، فقد افتُدينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً*، فإذا أعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو أعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدراةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.
ويؤكد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليطلقنا من الأسر، بل يؤكد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء- على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:
“ويعلن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا* ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.
ويؤكد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:
“وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان*، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفضوا وفقدوا كل العناية السماوية”.
المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.
وهكذا يؤكد ق. كيرلس على أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:
“نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه* لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.
ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدم ذاته فديةً للموت كالتالي:
“لأنه افتدانا* من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرك كطريقة للفداء*. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مسمرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ‘الذي بذل نفسه فديةً* لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة’ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه* صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.
ويؤكد ق. كيرلس على أن الآب نفسه هو الذي بذل وقدّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:
“وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ‘قد اشتُريتم بثمن* فمجّدوا الله’ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: ‘وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.
كما يؤكد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسر بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:
“فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفع الفدية* لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدم ذاته لأجلنا”.
المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.
لذلك، إن كان الآب هو مقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المقدِّم للفدية والمقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابي البروتستانتي، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. هذا ما يوضحه ق. كيرلس كالتالي:
“والمسيح قدم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يقدمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ‘التفت إليَّ وارحمني’ (مز ٢٥: ١٦)”.
كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.
أخيرًا، نستنتج أحبائي أن الفدية تم تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليقدم المسيح للآب الجنس البشري جنسًا مقدسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه.
مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس