التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
(للعودة للجزء الثالث أضغط هنا. )
الجزء الرابع من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها

  

 




2 – واقع الخطية وطبيعتها: الخطية واقع بشري، لكنها واقع زائل لأنه وهمي مُخادع في مظهره ونتيجته مؤلمة، وهي عبارة عن علاقة سلبية مع الله، أي في اتجاه معاكس لمشيئته ومخالفة لوصية الحياة التي قدمها للإنسان ليحفظه من كل عبث الموت المفسد للنفس. وللأسف أن جيلنا هذا وقد فقد الاحساس بالله، فقد أيضاً بالفعل نفسه الإحساس بالخطية. وموقف الإنسان من الخطية دائماً ما يكون مؤشر لموقفه من الله. والفكرة التي يكونها الانسان عن الخطية مرتبطة بفكرته عن الله.

إن للعهد القديم إحساساً مرهفاً بالخطية, كما لهُ إحساساً عميقاً بالله. وفي بادئ الأمر لم تكن الخطية متميزة تمييزاً كافياً عن مجرد مخالفات مادية لأوامر ومناهٍ صادرة من فوق (2 صموئيل 6: 7). ثم نُظر إليها كعصيان وتمرد، وأخيراً تبينت كنكران للجميل وقلة أمانة، ونكران النعمة ورفض الحب والانحصار في الذات وتحقيق الرغبات الشخصية المائلة نحو الموت الذي يتبعه الفساد بالضرورة.

والعهد القديم كشف أن الخطية لا تستطيع أن تطال الله في ذاته: 

  • [ إن اخطأت، فماذا تؤثر فيه. وإن اكثرت (إثمك) فماذا يلحقُ به ] (أيوب 35 : 6)
  • [ أفإياي يغيظون يقول الرب، أليس أنفسهم لأجل خزي وجوههم ] (إرميا 7: 19)

إنما هي تنال من الإنسان وتطعنه بالأوجاع الداخلية لأنها تفصله عن الله، الذي هو خيره الحقيقي وحياته، أي أن الخطية لا تؤثر في الله أو تهينه في ذاته، لكنها تؤثر فينا وتهين الإنسان في ذاته، إذ تفقده الحس فتفقده إنسانيته وتشوه صورة الله فيه.


وعموماً إذا كانت الخطية لا تؤثر علي الله بالذات، إلا انها تنقض خطة محبته بالنسبة لي أنا، فالخطية رفض للحب من قِبَل الانسان، وهي تضع حاجزاً بينه وبين الله، بحيث أن الله الكلي القداسة لا يستطيع أن يكون في شركة مع الإنسان: [ إن آثامكم فرقت بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم حجبت وجهه عنكم، فلا يسمع ] (أشعياء 59: 2 ) 

  • و نأتي لسؤال هام: ما الذي احدثته الخطية الأولي أو السقوط ؟

إن معاناتنا وآلامنا هي تجربة واقعيه مُعاشة نحياها، وليست مجرد مشكلة نظرية أو فكره فلسفية نتحدث عنها. إنها علي مستوي أعمق من الكلمات. فإن تكلمنا عن نتائج السقوط، فنحن لا نتكلم عن موضوع فكري أو نظري أو مجرد تاريخ مضى وفات، بل عن تجربة نحياها كل يوم، عن معاناة بدأت بها الدراما الإنسانية، وعانت منها البشرية كلها، وكل واحد فينا على المستوى الشخصي، حتى أنه لم يعد يشعر بالله ولا حضوره، بل والبعض لا يصدق وجوده من الأساس، لأن كل واحد فقد الحس بالله الذي خلقه على صورته كشبهه.

إن حقيقة الخلق علي صورة الثالوث القدوس، يدعونا للتقدم في المحبة، للتقدم من الصورة الإلهية إلي المثال الإلهي، لكن الانسان اختار لا طريقاً مؤدياً إلي الأعلى، بل طريقاً مؤدياً إلي الأسفل، طريق وهمي مُخادع، مثلما من يرى السراب في الصحراء وهو عطِش، فهو يسعى أن يصل إليه بكل طاقته لكي يروي ظمأه، ولكنه يسعى ويجتهد بكل معاناه وبذل الجهد، ولكنه لا يصل أبداً بكونه مخدوع، ومع ذلك السراب يجعله يستمر في السعي إليه بلا توقف، مع أنه يستمر في زيادة العطش الذي قد يصل به للموت لأنه لن يشرب أبداً .


لقد أنكر الإنسان العلاقة مع الله التي هي في عمق جوهره الحقيقي مزروعة فيه، وعِوضاً من أن يكون مركز موحد مع إخوته البشر والله، انتهي إلي سلسلة من الانقسامات: 
انقسام شخصي أو ذاتي (منقسم على نفسه)، انقسام بينه وبين الآخر، وانقسام بينه وبين عالم الطبيعة. وأخيراً إلي الانقسام الحاسم بينه وبين الله (الذي هو جوهر كل انقسام)، أي تم هدم علاقة الشركة بينه وبين الله الحياة فأدت طبيعياً إلى الفساد. لقد طعن عطية الحرية. وإذ كان حراً أصبح عبداً: [ أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية ] (يوحنا 8: 34)

ومشكلة الخطية أنها لم تقف عند حد، بل صارت إلى ما هو أخطر، لأن بسببها حاول الإنسان ان يُدين الله: فلقد حَمَّل آدم حواء كل المسئولية عما حدث: [ المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت ] (تكوين 3: 12)، وهو بذلك جعل الله هو السبب الجذري للخطية (وهذا ما يحدث في كل زمان)، إذ يتهم الإنسان الله بوجود الخطية في حياته وكأن الله هو السبب فيها، وبذلك عاش مختبراً الانفصال لا عن الله فقط، بل عن الإنسان أيضاً.

يقول فلاديمير من موسكو philaret of moscoo : [ لقد اغلق الانسان علي نفسه جداول النعمة الالهية ]، وذلك بالطبع عندما حمَّل آدم المسئولية لحواء، ففصل نفسه عن نفسها أولاً، وجعل كل واحد منها فرداً منفصلاً عن الآخر، في الحياة وفي المصير، يسعي للتحرر منه وتجاوزه كي ينمو هو، وذلك حينما ألقى عليها التهمه بدون أن يتحمل أي مسئولية لكي يتجنب ملامة ضميره ولكي يلقيها وحدها لتحمل المشكلة كلها.

عموماً الله في البدء خلق الإنسان الجامع ليكون رأس البشرية وبذلك حوي الانسان الأول في ذاته كل الطبيعة البشرية لأنه أصلها وأبيها. وكان شخصاً فريداً في كل شيء.
وكما يقول القديس النيصي: [ الإنسان المخلوق لا يملك اسماً خاصاً، ولكنه إنسان كوني. ولذلك فهذه التسمية العامة للطبيعة البشرية تعني لنا أن نفهم أن الله .. قد ضمَّن كل الإنسانية في الخليقة الأولي .. إذ إن الصورة ليست في جزء من الطبيعة] 


فالطبيعة البشرية أساسها وجذرها في آدم وحواء قبل السقوط. ولم تكن مجزأة بينهما. كان كل منهما شخصاً – علي صورة الثالوث القدوس – لهم كل الطبيعة الإنسانية، متحدين مع بعضهما في انسجام واتفاق مبدع في حرية إرادة ومشيئة منسجمه، ولكن الخطية أتت كعنصر غريب لتحوّل الاشخاص إلي أفراد، إلي كائنات تتنازع علي امتلاك الطبيعة، من هو السيد والرئيس والمرؤوس، فحولت الكل إلي كائنات يعتقد كل واحد منها أنه يملك الطبيعة لذاته وحده.

  • عموماً باختصار نستطيع أن نقول:

أن بسبب انفصالي عن الله وميلي الباطل لما هو غيره، أصبح كل شيء صار يستقطبني في هذا العالم ما عدا الله. لقد صارت ذاتي قطباً لي في جميع أفعالي وتصرفاتي. لقد تحوَّلت إلي مركز لي للتمركز حوله. لم أعد انظر إلي العالم وإلي الكائنات البشرية الباقية بطريقة إفخارستيا للشكر والمسرة، كسرّ للشركة مع الله.

لقد توقف كل شيء عن كونه عطية لي من الله. لقد صار كل شيء وسيلة لأُحقق به وفيه رغباتي الشخصية أو شهواتي الخاصة المُدمرة. وتناسيتُ أنها هبة من الخالق لأُعيد تقديمها إليه في شكر واعتراف حسن في المحبة. لقد بدأت باستعمال كل شيء كما لو كان ملكي أنا استهلكه وأُبدده وأُشوه منظره الطبيعي. ولم أعد أري الأشخاص والأشياء كما هي بحدًّ ذاتها وفي جمالها الطبيعي، وكما هي في الله. بل أصبحت أراها فقط كوسيلة للمتعة والإشباع (الأناني) اللذين لن ألبيَّهما أبداً بهذه الطريقة.


حتي جسدي صار مبيعاً تحت الخطية (رومية 7: 4)، صار أداة لي لشهواتي بدلاً من أن يكون هيكل مقدس طاهر لحلول الله، ولقد انطلقت به نحو العالم الغاش المادي الكامن فيه روح الشر والفساد بدلاً من أن انطلق به نحو الله، وأرفع العالم معي في سرّ التقوى وهبة القداسة: [ لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم ] (1يوحنا 2: 16)

لقد دخلتُ كإنسان خاطئ دائرة معينة من العطش والشهوة الخاصة، التي بمقدار ما تشبع أزداد جوعاً لتلبيتها، ولم يعد العالم ناقلاً لي جلال مجد الله وبهاءُه. ولم يعد نافذة أُعاين الله من خلالها. لقد صار ظليلاً، كامداً، باهتاً؛ لقد توقف عن أن يكون مانحاً للحياة، وصار موضوعاً وخاضعاً للفساد والموت كالإنسان [ من التراب أنت والي التراب تعود ] (تكوين 3: 19) 

هذه هي الحالة الحقيقية للإنسان الساقط، ولكل شيء مخلوق. فحالما يقطع نفسه عن مصدر الحياة الواحد يفقد الحياة؛ لقد سقط الانسان بعد الخطية، وإنهار جسدياً وأخلاقياً. 
لقد صار خاضعاً للألم والمرض والانحلال الجسدي؛ حتى أنه صار فرح المرأة بالولادة ممزوجاً بآلام المخاض (تكوين 3: 16)، وهذا كله لم يكن من خطة الله الأولية للبشرية. ولكن بسبب السقوط، صار الإنسان أسيراً لكل هذا وهو الذي تسبب وحده لنفسه بهذه الأوجاع؛ وفي النهاية صار خاضعاً للموت: [ لأنه بخطية واحدٍ مات الكثيرون ] (رومية 5: 15)، فسرى الموت في جميع البشر، والكل بدأ يموت، حتى الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم:
[ لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي ] (رومية 5: 14)


__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الخامس
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
4 – خطية آدم وآثارها فينا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الثاني أضغط هنــا. )
الجزء الثالث من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطيـــــــــــــــة والسقــــــوط

 

 




2 – الخطية والسقوط: يقول القديس باسيليوس الكبير: [ الله ليس مسبباً لعذابات الجحيم، بل نحن أنفسنا. لأن أصل الخطية وجذرها كائن في حُريتنا وإرادتنا ] 
فمنذ القديم وفي بدء الزمان، خلق الله السموات والأرض وكل ما فيها وما عليها في منتهى الإتقان والجمال الطبيعي الفائق، لا لأجلها في حد ذاتها ولكن لغرض وهدف وضحه الله بعد ذلك حينما خلق أجمل خلائقه وأعقلها؛ خلق الانسان – محبوبه الخاص – علي صورته ومثاله كشبهه.
 
خلقه كائنا فريداً في خلقه، فريداً في حياته، وفريداً في مصيره. ووضعه في مكان فريد أعده له خصيصاً ليكون مكان راحته وفرحه كإنسان فريد لا يوجد له نظير آخر في الخليقة كلها، بل ومتميزاً عنها في كل شيء لأنه يعتبر رأسها وراعيها. وقد كان كل شيء متوفراً لديه، كل شيء موضوع لخدمة ذلك الكائن الذي خُلِقَ ليصير ملكاً وسيداً ورئيساً علي الكون وكل الخليقة التي فيه.

وبالرغم من كل شيء، أرادا الله من الإنسان أن يبقي حراً، غير مقيد أو مربوط بإرادة آخر، فلقد خلقه كائنا علي صورته. الله حُرّ والانسان حُرّ. فالله أراده حُراً دائماً، يستعمل إرادته الحرة في كل أعماله ومواقفه وقراراته وأقواله وتصرفاته. لذلك جعله قادراً علي الاختيار الحُر بدون ضغط ولا إكراه. والله يحترم الانسان ويحترم – بالتالي – حُريته، فهو يحترم صورة ذاته في الانسان الكائن الذي خلقه علي صورته ومثاله كشبهه من جهة الحرية في طهارة ونقاوة طبيعته الإنسانية، لأن الله هو من خلقها بالطهارة الأصيلة التي فيها، فزاده جمالاً على جمال بالحرية التي توجه بها.

وإرادة الله منذ البدء أن يشاركه الإنسان حياته الإلهية، لذلك أراده ان يصير علي مثاله كشبهه، لذلك صار النموذج والمثال أمام الخليقة كلها، ينمو نحو خالقه، ينمو ويزداد في ما أعطاه من قداسة وطهارة ونقاوة في صميم جوهر طبيعته الإنسانية، فيتعمق ويتأصل في معرفة الله الخالق ويأخذ من مجده ونوره ويتوشح به، إذ أراده الله إلهاً بالنعمة، أي كائناً خلاقاً مبتكراً ومبدعاً على شبه من خلقه (طبعاً لا يفهم أحد من الكلام أن الإنسان يتساوى مع الله أو يصير إله بالمعنى الحرفي للكلمة، فهذا مستحيل على وجه الإطلاق، ولكن المعنى أن تتحقق فيه الصورة الإلهية حسب القصد المبارك الذي أعطاه الله للإنسان) …

فمنذ البدء تأسست علاقة شركة محبة مع الله: [ وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار ] (تكوين 3: 8)؛ والمحبة تُمارس في جو الشركة بين طرفين، الله والإنسان، والمحبة – حسب طبيعتها – لا تحيا الا في جو من الحرية، فهي تتغذي من هذه الحرية. فلا إكراه أو غصب في المحبة وإلا صارت عبودية.
والله أراد من الإنسان أن يحبه بكل جوارحه وكيانه من داخله، أن يحيا لأجله، و ينمو في الشركة معه باختياره، بملء إرادته وحريته. فإن شاء الانسان نما في هذه الشركة، وإن شاء قطعها مباشرة مع الله ليحيا لنفسه.

عموماً في الاصحاح الثالث من سفر التكوين، وفي صميم وضع الانسان في علاقته مع الله والخليقة، فجأة يدخل عنصر غريب يزلزل كيان الإنسان على مستوى الداخل، وكأنما كان لابد أن يدخل هذا العنصر الغريب لتكتمل صورة الإنسان، وخاصةً فيما يتعلق بعلاقته بالله التي قامت منذ البدء علي حرية الإرادة المشروطة، فالإنسان لم يأخذ حرية إرادة مطلقة أو خضوعا مطلقاً لأوامر الله؛ إنما تظهر الحرية المشروطة بقول الله له: [ وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ] (تكوين 2: 17)

وهكذا يظهر منذ البدء أن الطاعة للوصية بالمحبة الصادقة الحرة لله هي الشرط الدائم اللازم لبقاء الانسان حُراً في إرادته الشخصية، يختار ما يختاره الله له بمنتهي الانسجام والتوافق التام، لأن هذا هو مفهوم خلقة الانسان علي صورة الله كشبهه، لأن الصورة إذا اتبعت أصلها، فمن ذا يستطيع أن ينتقص من حريتها وقدرتها علي الحركة نحو الله حبيبها الشخصي، ولكن أن عصت الصورة أصلها فكيف تظل صورة تُشابه من كونها؟ 


لأن المرآه أن كانت نظيفة ومصقولة صقلاً جيداً فأنها تعكس الصورة كما هي بدون تشويش، أما أن أصابها خلل أو شرخ أو كسر أو التصقت بها الأوساخ الصعبة فكيف تعكس الصورة نقية واضحة !!!

حيث أن العصيان يمثل استقلال الإنسان عن الله، وهُنا يكمن خطر الموت، لأن الله هو مصدر الحياة الدائمة للإنسان، وعلي أقل تقدير نقول أن نفخة الله في الإنسان تتوقف عند استمرارها أو تتعطل !!

عموماً، نجد أن حواء تعرضت لإغراء مُضلل، ولكنها كانت حُرة لترفض هذا التضليل وتنفر منه. لكنها نسيت (أو تناست) الكلام الإلهي وسمعت الإغراء الشيطاني؛ وصار ما صار وحدثت المأساة البشرية، إذ أغوت رجلها أيضاً الذي بدوره لم يردها ويذكرها بالوصية لأنه هو من تلقى الوصية أولاً. ومنذ ذاك الحين لازال الإنسان يؤخذ بالخدعة أكثر منه بالصدق.

فخطية آدم وحواء تتألف من عصيان واعٍ للفعل المرتكب، مع رفض متعمد للمحبة الإلهية إذ تزعزعت الثقة في وصية الله. وبذلك صارت الخطية اختيار حُر جعل الإنسان يتحوّل من الله إلي الذات (أنظر تكوين 3: 22, 23) ؛ لقد طمعا في أن يصيرا إلهين مستقلين ونسيا المحبة والشركة مع الله الحي، فقد طمعا في أن يصيرا إلهين بقدرتهم ولحساب ذاتهم ولمصلحتهم الشخصية بدون الله. فاستفاد الشيطان من سذاجتهما ونجح في تشويه طبعهم المقدس، فشوه صورة الله فيهما وانطمست.

ونأتي لسؤال هام وضروري: لماذا سمح الله للإنسان – والملائكة قبله – بالخطية ؟ لماذا يسمح بالشر والتألم ؟
الجواب : أولاً الله لا يسمح بالشر ولا يأذن به، لأن السماح معناها أن أتى واحد يسأل والآخر جاوب، أو استجاب لهُ، فالله لم يستجيب لأحد ولا أحد استأذنه ليرتكب شرّ فسمح له، لكن السؤال الأدق كيف سقطت الملائكة والإنسان والله لم يمنعهما، أليس هو بقادر أن يمنع اي شر يُرتكب أو أية جريمة تُقام !!!

طبعاً بكونه إله المحبة، والمحبة تعني المشاركة، والمحبة تعني أيضاً بالضرورة: [ الحرية ]. وكثالوث المحبة رغب الله أن تُشاركه حياته أشخاص مخلوقة علي صورته الثالوثية، قادرة علي الدخول معه – بحرية إرادة – في شركة محبة. فحيثما توجد حرية توجد محبة، فالإكراه لا يتواجد مع المحبة، لأن لو وجد إكراه إذن تتلاشى المحبة وتُصبح الطاعة عبودية قهرية كالأغلال والقيود التي يستثقلها الإنسان، مثلما يوجد عبد في البيت، فمهما ما كان محبوباً عند أهل البيت فهو يشعر أنه لازال عبداً تحت طاعة أمر ونهي صاحبه، لأنه مملوك لأحدهما لا يستطيع ان ينفك من هذا القيد وهذه التبعية !!!

وبالطبع لا يستطيع السيد معرفة محبة عبدهُ لهُ إلا إذا اعطاه حريته الكاملة وتكه لاختياره الحُر. والإنسان خُلق حراً والحُرية هي من صفات الصورة الإلهية فيه. والله – كما يقول بول افديموكوف: [ يستطيع أن يفعل أي شيء ما عدا إكراهنا علي محبته ]، فلذلك لم يخلق الله آلات تطيعه آلياً بتلقائية السميع المجيب، بل خلق ملائكة وكائنات بشرية قادرة علي الاختيار الحُر الواعي وذلك لرغبته في أن تشاركه محبته الفائقة من أعماق كيانها من الداخل.

فبدون الحرية لا يكون الإنسان إنساناً، وكائن عاقل مفكر بلا حرية لم يوجد بعد. فنحن نعرف أن الحرية هي قدّر الإنسان الذي لا يخضع لقدّر محتوم، فليس للحيوانات مصير سوي الرعي والذبح والموت. أما الإنسان فهو صاحب مصير خاص، وهو ينسج بيديه مصيره، متراوحاً بين أعلي درجات القداسة وأدني درجات الوحشية.
فبدون الحرية لا توجد خطية.

ولكن بدون الحرية لا يغدو الانسان علي صورة الله: وبدون الحرية لن يصبح الإنسان قادراً علي الدخول في شركة مع الله في شركة محبة؛ بل ونقدر أن نقول أيضاً بدون الحرية لا توجد طهارة ولا برّ ولا حتى عقل للتفكير، وبالتالي لا خيار بل إجبار، وفي النهاية سيبقى الإنسان ليس إنساناً بل ربما جماد أو إنسان آلي !!!

الانسان أخطأ بحرية. ولكن ما الذي يؤلف الخطية الأصلية ؟
الإنسان تلقي الوصية الالهية في روح المحبة، وكان عليه أن يستجيب لإرادة الله بثقة تامة، وبالتالي كان عليه أن يفصل نفسه – بكل رغبته – ليس فقط عن الثمرة، ولكن عن كل شيء خارجي لكي يحيا لله فقط، ليسعي للاتحاد به.

وصية الله تظهر للإنسان الطريق المؤدية للارتفاع للمستوى الإلهي، أي إلي الانفصال عن كل ما هو غير إلهي؛ لكن الارادة البشرية اختارت الطريق المضادة، وانفصلت – بحريتها – عن الله، وخضعت بكليتها للشيطان وصارت عبدة لأهواء ذاتها خاضعة للشر الذي يعمل في أبنا المعصية.

القديسان غريغوريوس النيسي ومكسيموس المعترف يضعان نبرة خاصة عن المفهوم الطبيعي للخطية. فبدلاً من توجه الروح البشرية نحو الله خالقها وميلها الطبيعي له، توجهت نحو العالم الخارجي وانحدرت لأسفل. وبدلاً من طهارة الجسد وترويضه والارتقاء به وحفظ ملكاته الخاصة، دخلت الروح نفسها إلي تيار الحياة الحيوانية والحّسية، وصارت خاضعة للظروف المادية.

لقد دخل الشيطان إلي العالم عبّر الارادة. فالشر ليس طبيعة Φύσης physis، ولكنه حالة (حالة اعتيادية – استعداد ردئ – حالة السوء) 
و يقول ذياذوخوس فوتيك: [ إن طبيعة الخير أقوي من عادة الشر، لأن الخير يوجد (له مصدر – الله)، والشر لا يوجد (حالة سلبية ليس لها قوام)، أو بالأحرى يوجد فقط في اللحظة التي يُصنع فيها ( وقتي وضعيف جداً لأنه زائل) ]

فالخطية هي مرض الإرادة المخدوعة، ولهذا السبب، فبمجرد الرغبة بتذوق ثمرة معرفة الخير والشر كان بحد ذاته خطية. إذ تبعاً للقديس غريغوريوس النيصي: المعرفة تفترض نزعة معينة – رغبة – تجاه الشيء الذي يُريد المرء أن يعرفه، والشر لكونه في ذاته غير موجود ولا كيان لهُ، يجب ألا يُعرف.

لقد صار الشرّ واقع فقط بسبب الإرادة وحدها، وبها فقط استمر ليكتمل. إنها الإرادة البشرية التي تعطي للشرّ كياناً معيناً يتحسسه الإنسان. فالإنسان كان ميالاً – بالطبيعة – الي معرفة الله ومحبته، واستطاع بسبب إرادته واختياره الانحراف نحو الخير غير الموجود، أي نحو الشر، أي انه اتجه نحو هدف خادع؛ وهذا تم بتأثير خارجي وإغراء وحث الإرادة الإنسانية لتقبلهُ.

الله بعلمه السابق للأمور كان يعرف ما سيجري للإنسان، وكان بإمكانه التدخل لمنعه من الذلل والسقوط بالقوة. فلماذا إذاً لم يتدخل ؟ سؤال يطرحه كثيرون في كل جيل: ولكن هذا السؤال – كما قلنا سابقاً – مناقض لمفهوم الحرية..

الله خلق الإنسان حراً، و لفرط صلاحهُ يريدني أن اختارهُ بكل حرية كما خلقني بحريته ووضع فيَّ صورته وجعلني حراً وفي إمكاني اشوهها أو أحفظها. فلقد أعطاني الحرية لا بأن أرفضه فقط، بل بأن أنكر وجوده أيضاً. ومع ذلك يستمر هو في محبته لي، محبة لا حدود لها، غير متغيرة قط، بدون قيد أو شرط، ودائماً ما يحاول أن يُناديني ليردني إليه لأنه يُريد نجاتي لا إهلاكي ..

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الرابع
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها 

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودناالتجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الأول أضغط هنا. )

الجزء الثاني من الموضوع 
ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

أولاً: آدم وأبناء آدم
1 – معني الكلمات: علي نقيض ما قد توحي به ترجمات الكتاب المقدس, فان كلمة (آدم) لفظ شائع جداً, يدل علي مجموعة كبيرة من المعاني؛ ويرد هذا اللفظ في العهد القديم في العبرية حوالي 500 مرة للتعبير عن الإنسان أو الجنس البشري .
و الاسم يحتمل معني : 
1 – خليقة 2 – احمر 3 – مولود الارض 
و قد يعني 4 – شهي ( للنظر ) 5 – اجتماعـــــــي 

وعندما كان أحد اليهود ينطق بهذه الكلمة, فانه لم يكن يفكر قط في الإنسان الأول؛ فإذا استثنينا قصة (الخلق) حيث تلتبس دلالة اللفظ, فأن كلمة آدم لا تدل دلالة أكيدة علي الإنسان الأول إلا في خمسة مواضيع: 

1 – [ وعرف آدم امرأته أيضاً فولدت ابناً … ] (تكوين 4: 25)
[ هذا كتاب مواليد آدم …. وعاش آدم مئة وثلثين سنة وولد ولداً علي شبهه كصورته ودعا اسمه شيثاً وكانت أيام آدم بعدما ولد شيثاً: ثماني مئة سنة، وولد بنين وبنات فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسع مئة ثلاثين سنة ومات ] (تكوين 5: 1, 3: 5) 
[ آدم شيث انوش ] (أيام 1: 1) 

2 – ويُعبِّر بهذا اللفظ عادةً وبحق, عن الانسان عامة: [ الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعباً ] (أيوب 14: 1)

3 – أو عن الناس عموماً: [ ويبعد الرب الإنسان אָדָם ويكون الخراب في وسط الارض ] (إشعياء 6: 12)

4 – أو عن شخص ما: [ لأنه من يعرف ما هو خير للإنسان في الحياة مدة أيام حياة باطلة التي قضيها كالظل لأنه من يُخبر الانسان بما يكون بعده تحت الشمس ] (جامعة 6: 12)
[ بل يقول لستُ أنا نبياً. أنا إنسان فالح الأرض لأن إنساناً اقتناني من صباي ] (زكريا 13: 5)

5 – أو عن أحدهم: [ إذا أخطأ إليك. لأنه ليس إنسان لا يُخطئ. وغضبت عليهم ودفعتهم أمام العدو وسباهم سابوهم إلي أرض العدو بعيدة أو قريبة ] (1 ملوك 8: 46) 
[ فلم يدع انساناً يظلمهم. بل وبخ ملوكا من أجلهم ] (مزمور 105: 14)

6 – أو عن الذات البشرية: [ كنت اجذبهم بحبال البشر بِرُبط المحبة ] (هوشع 11: 4) 
[ الرب يعرف أفكار الإنسان أنها باطلة ] (مزمور 94: 11) 
والمعني الجماعي هنا هو الغالب بشكل واضح.

و ينطبق نفس الشيء علي عبارة (بن آدم) التي لا تشير إلي شخص من نسل آدم كفرد, ولكنها توازي لفظ إنسان:
[ فكم بالحري الإنسان .. ابن ادم .. ] (أيوب 25: 6) 
[ فمن هو الإنسان حتي تذكره وابن الإنسان حتي تفتقده ] (مزمور 8: 4)

وقد تُشير إلي شخص أو (أي إنسان كشخص):
[ كانقلاب سدوم وعمورة ومجاورتها يقول الرب لا يسكن هناك إنسان إلي الأبد، لا يسكن هناك إنسان ولا يتغرب فيها ابن آدم ] (إرميا 49: 18, 33)
[ فقال لي يا ابن آدم قم علي قدميك فأتكلم معك .. وقال يا ابن آدم أنا أُرسلك إلي بني إسرائيل .. أما انت يا ابن آدم فلا تخف منهم… وانت يا ابن آدم فاسمع ما انا مكلمك به ] (حزقيال 2: 1, 3, 6، 8)
أو تشير الي جماعة : 
[ فرحة في مسكونة أرضه ولذاتي مع بني آدم ] (أمثال 8: 31) 
سليمان يخاطب الله قائلاً [ فاسمع انت من السماء مكان سكناك واغفر واعمل واعطِ كل إنسان حسب كل طرقه كما تعرف قلبه. لأنك وحدك قد عرفت قلوب كل بني البشر ] (1ملوك 8: 39)
وعندما تأتي عبارة (ابن آدم) في تضاد مع (الله) فهي تبرز, مثل كلمة (جسد), حالة الإنسانية الضعيفة والفانية:

  • [ من السموات نظر الرب. رأى جميع بني البشر ] (مزمور 33: 13)
  • [ فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما ] (تكوين 11: 5)
  • [ ما أكرم رحمتك يا الله فبنو البشر في ظلّ جناحيك يحتمون ] (مزمور 36 : 7)

عموما فإن (أبناء آدم) هم إذن البشر في حالتهم الأرضية. وهذا ما يوصي به أيضاً التفسير العام لأصل كلمة: (آدم؛ إذ تُعتبر مشتقة من אֲדָמְָה adamah أي الأرض earth)؛ فآدم هو إذن الكائن الأرضي المجبول من تراب الأرض.
وهذا الواقع التفسيري له انعكاس لاهوتي, فلا يكفي أن نري في آدم الأول فرداً مثل باقي الأفراد. وهذا ما يستنتج من الانتقال المدهش من صيغة المفرد إلي صيغة الجمع في كلام الله الخالق: [ لنصنع الانسان علي صورتنا كمثالنا .. وليتسلطوا ] (تكوين 1: 26)، فالله خلق آدم كراس للبشرية وكل ما وهبه له هو موهوب بالتالي للبشرية كلها لذلك نرى في هذا النص العميق أنه تكلم عن الإنسان بشكل شامل، وهذا ما يمثله آدم [ الإنسانية كلها ].

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثالث
تابع المقدمة:

 آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله
 
 
التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
الجزء الأول من الموضوع
أولاً: تمهيـــــــــــــــــــــــــد

 


في الواقع المسيحي الاختباري لا نستطيع أن نتعرف على الله الثالوث القدوس بدون أن ندخل في شركة معه على المستوى الإعلاني، لأنه هو من يعلن لنا عن ذاته وكينونته [ أنا هوَّ ]، وحتي الاعتراف الصحيح بأن الله واحد يصبح بلا معني في اللاهوت المسيحي ما لم يكن هذا التوحيد هو توحيد شركة وحياة، أي توحيد قائم علي الثالوث القدوس. 

حتى وجودنا الإنساني الحقيقي هو في الشركة، لأن يستحيل الوجود بدون شركة. فمن هنا ندرك أن الشركة هي أساس الوجود والقاعدة التي يرتكز عليها الاتحاد الإنساني كله، وأن أي كيان حقيقي لا يُمكن معرفته بدون الشركة، وهذا ما انجزه آباء الكنيسة الذين اعتمدوا على رسالة الإنجيل الحي الظاهرة في تجسد الكلمة، الذي أعلن لنا سرّ الشركة بإظهار وحدته مع الآب التي أعلنها لنا بالإنجيل [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30)، والتي شعها فينا بالروح القدس روح الوحدة والاتحاد في المسيح يسوع.

وإذا كان الوجود قائم على شركة، فأننا لا نفهم الوجود بل لا نستطيع أن نفهمه الا من خلال علاقة، وبالتالي لا يُمكننا ان نفهم الوجود كوجود في حد ذاته، وذلك لأن كل كائن لا يوجد في حالة عزلة عن الآخر ولا يحيا كفرد منفرد بذاته منعزلاً عن الآخر.
ولا يوجد كائن قائم بذاته يمكن فهمه كما هو في ذاته، وهذا ما انكره الآباء علي الفلاسفة الذين يطلبون فهم الوجود وكيان كل الموجودات كما هي مجردة وليس كما هي في علاقة وشركة مع غيرها.


ومن هنا نفهم سرّ الخلق وارتباط البشر ببعضهم البعض، بل وحاجتهم المستمرة لأن يقيموا علاقة بينهم، فالله الخالق بصلاحه ارتضي بدافع فائق من محبته أن يخلق من يُحسن إليهم ويفيض عليهم نعمته ويشركهم بصلاحه، فأخرج الكل من العدم إلي الوجود وخلق ما يُري وما لا يُري، جاعلاً الإنسان مُركباً من منظور وغير منظور بحسب قول القديس يوحنا الدمشقي. بل وجعل البشر كلهم من رأس واحد وهو آدم…

ومن سفر التكوين الذي جعله البعض مجرد صورة رمزية، لأنهم لا يصدقون أن للبشرية رأس واحد ويقولون أن هذا مستحيل، طبعاً مستحيل بسبب السقوط وتفتت الإنسان واستقلاله وهدم البناء الواحد (كما سوف نرى حينما نشرح موضوع الخطية)، عموماً يُمكننا أن نقول أن العالم كله سمع لأول مرة في تاريخه أن الشركة هي التي تجعل اي كائن كائن فعلا وأن الكينونة والوجود لا تقوم الا بالشركة حتي في الله نفسه، وذلك من خلال سرّ التجسد الفائق والوحدة التي تمت بين الله وإنسانيتنا، وايضاً من خلال صلاة الرب في جسثيماني على أساس أنه راس البشرية الجديدة الذي فيه يكون الجميع واحد 

  • [ أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحداً كما نحن ] (يوحنا 17: 11)
  • [ ليكون الجميع واحداً كما انك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم انك أرسلتني، وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما اننا نحن واحد، أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم انك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني ] (يوحنا 17: 21 – 23)

لننتبه لهذه الآية يا إخوتي، لأن فيها إعلان إيمان حي في المسيح، لأن الإيمان الحقيقي يوحد في كيان حي اسمه كنيسة واحدة لراعٍ واحد، أعضاء لبعضنا البعض ورأسنا الواحد هو المسيح الرب: [ ولي خراف أُخرّ ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد ] (يوحنا 10: 16)

وطبعا اذا كان الوجود شركة، فأن الشركة هي جوهر الوجود. وطبعا قد نتصور الشركة علي أنها علاقة ترضي طرفين، أو إنها هي بحد ذاتها هدف، ولكن ذلك يجعل الوجود نفسه غامض، فالوجود من أجل الشركة أو مجرد علاقة فأنه يحوَّل الوجود والشركة الي قضية وجودية فلسفية مثل تلك القضية الوجودية التي طرحها ماركن بوبر ( buber ) (فيلسوف ألماني من أصل يهودي له مؤلفات عن الفلسفة و يبدو أنه اعتنق المسيحية)، حيث اعتبر أن (( أنا )) هي الوجود وأن (( انت )) أي الآخر هو غاية الوجود، وأصبح الوجود عبارة عن بناء قائم علي (( أنا وانت )) أي (( أنا والآخر )) .

هذا الفكر الفلسفي الذي يطرح علينا الوجود بشكل فلسفي مُغلق (بين انا وانت بدون رأس يجمعنا في المحبة المتدفقة لنكون واحد) تصبح فيه غاية الوجود هي الوجود نفسه ( بحد ذاته ) وقد تجاوز الآباء هذا الفكر الضيق المحصور في دائرة (أنا وأنت) عندما عادوا الي الكتاب المقدس والتقليد الكنسي الذي أبرزه رعاة الكنيسة مثل أثناسيوس الرسولي وغيره من الآباء المختبرين للحياة المسيحية في شركة أعضاء المسيح..

فأعلنوا بروح الكتاب المقدس في صراحة الحق، بأن الله ليس موجود بالمعنى الفلسفي الفكري المحصور والضيق، بل هو كائن بذاته، وجوهره ليس غامضاً يتمتع بصفة الوجود من أجل الوجود ذاته، بل من الواضح أن علة أو سبب الكينونة ليس مبدأ أو علاقة غامضة أو فكرة مجردة وإنما هو شخص وأقنوم الآب.

وهذا يعني أن الله نفسه غير خاضع لبناء فلسفي يُفرض عليه وإنما جوهره وكيانه متأقنم يجعله فوق كل القياس العقلي النظري والفكري الفلسفي، فوجود الله ليس قضية فلسفية ولا الله واجب الوجود من أجل الوجود كما يقال، وإنما هو الكائن المطلق الفريد بذاته كأب فيه البنوة الأزلية والحياة متدفقة.

ولذلك علينا أن ندرك تمام الإدراك أن الكيان الالهي فوق الفهم النظري والكلام الفلسفي وكل الشروحات العقلية، لأن الأبوة تعرف في البنوة، وأبوة الله حياة متدفقة بالبنوة، اي أنها حياة شركة أبوة بالبنوة بتيار حياة الحب المتبادل والمتدفق، والبنوة لا تُعرف إلا بالأبوة بتيار حياة الحب المتبادل أيضاً، لذلك قد أصبح من الضروري أن نستوعب أن الله لا يُعرف الا من خلال التذوق بالرؤيا الداخلية بانفتاح الذهن والدخول في سرّ حياة البنوة أي الدخول في سرّ الشركة: 

  • [ ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب طوبى للرجل المتوكل عليه ] (مزمور 34: 8)
  • [ هذا وجد أولاً أخاه سمعان فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح ] (يوحنا 1: 41)
  • [ انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله، من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه ] (1يوحنا 3: 1)
  • [ أمين هو الله الذي به دُعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا ] (1كورنثوس 1: 9)
  • [ الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ] (1يوحنا 1: 3)

اذاً يا إخوتي جوهر الله ليس غامضاً وفكرة مجردة، بل كيان أبوة يُنشئ شركة في وحدة، وليس مجرد بناء وجودي نتأمله من الخارج ولا نقترب منه لأنه موجود من أجل التمتع بالوجود، بل جوهر الله هو كينونة وجوهر في أقانيم الثالوث، حيث الآب نفسه هو علة وسبب كينونة أقنومي الابن والروح القدس، وهكذا خلق الانسان علي صورة ذاته، ليكون في حالة شركة مع بعضه البعض مع الله أصل وعلة وجوده وخلقته.

  • نستطيع مما فات أن نعرف ونفهم من جهة إعلان مجد الله في ملء الزمان بتجسد الكلمة، أن لنا علاقة كيانية بالمسيح كلمة الله المتجسد، فمنذ البداية شدد الآباء متذوقي الحياة المسيحية على مستوى الخبرة، خبرة الإيمان الحي، علي حقيقة هامه وهي: أن الإنسان قادر علي أن يقترب من الله من خلال الابن في الروح القدس فقط دون أي أسلوب أو وسيلة أُخري.

والقديس بولس الرسول أول من تكلم عن علاقة المسيح الكيانية بكل واحد منا بصفته آدم الثاني (أو بمعنى أدق الأخير) أصل الجنس البشري الجديد. فكما أن البشرية كلها كانت في آدم الأول حينما استقبل الموت بسبب الخطية، حتي انطبق علينا جميعا حكم الطرد والموت حسب أفعالنا الشخصية المسئولين عنها نحن بإرادتنا:

[ فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة، لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة (لأنهم مرتبطين به كيانياً كبشر وهو رأسهم الواحد الذي تدفق عليهم بالموت) هكذا أيضاً بإطاعة الواحد (الجديد الرب من السماء رأس الخليقة الجديدة) سيجعل الكثيرون أبراراً ] (رومية 5: 18)

وقد اهتم آباء الإسكندرية علي الخصوص بإبراز هذه العلاقة الكيانية التي تربطنا بالمسيح حتي جعلوها أساساً لكل تعاليمهم الروحية عن الخلاص والتجسد، لأنهم أكدوا على أنها علاقة شركة حقيقية، على مستوى الواقع الاختباري.

فمثلا نسمع القديس أثناسيوس الرسولي يقول: [ انه لما اغتسل الرب في الأردن كإنسان كنا نحن فيه ومعه الذين نغتسل، وحينما اقتبل الروح نحن الذين كنا معه مقتبلين هذا الروح ] (عظة: الرسالة إلي تيطس )
وكما يقول أيضا بخصوص الصعود أن المسيح لم يصعد لأجل نفسه بل [ من اجلنا نحن الذين كان يحملنا في جسده ] (تجسد الكلمة 25: 6)
و بالإجمال يصيغ هذه الحقيقة في صيغة قانون لاهوتي عام قائلاً: [ أن كل ما كُتب فيما يختص بناسوت مخلصنا ينبغي ان يعتبر لكل جنس البشرية ] 

عموماً يا إخوتي أن الأساس اللاهوتي لوجودنا الكياني في المسيح هو يرتكز أساساً في سر التجسد، أي سرّ الاتحاد الأقنومي الفائق بين لاهوت المسيح وناسوته، ذلك الاتحاد الفائق هو الذي يعتبر بحق ينبوع جميع الخيرات التي تنسكب علينا في المسيح وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [ لأن جميع الخيرات إنما بواسطته تتدفق نحونا ] (تفسير يوحنا 7: 39)

 

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثاني
مقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

Exit mobile version