أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية

أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية

أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية

أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية 

للتحميل اضغط هنا

الرد على شبهة : هل اكل داود خبز التقدمه بمفرده ام مع رجاله ؟

 

نَص الشُبهة :-
يقول سفر صموئيل الأول فى أصحاحه الـ 21 »1فَجَاءَ دَاوُدُ إِلَى نُوبٍ إِلَى أَخِيمَالِكَ الْكَاهِنِ، فَاضْطَرَبَ أَخِيمَالِكُ عِنْدَ لِقَاءِ دَاوُدَ وَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا أَنْتَ وَحْدَكَ وَلَيْسَ مَعَكَ أَحَدٌ؟». 2فَقَالَ دَاوُدُ لأَخِيمَالِكَ الْكَاهِنِ: «إِنَّ الْمَلِكَ أَمَرَنِي بِشَيْءٍ وَقَالَ لِيلاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ الأَمْرِ الَّذِي أَرْسَلْتُكَ فِيهِ وَأَمَرْتُكَ بِهِ، وَأَمَّا الْغِلْمَانُ فَقَدْ عَيَّنْتُ لَهُمُ الْمَوْضِعَ الْفُلاَنِيَّ وَالْفُلاَنِيَّ3وَالآنَ فَمَاذَا يُوجَدُ تَحْتَ يَدِكَ؟ أَعْطِ خَمْسَ خُبْزَاتٍ فِي يَدِي أَوِ الْمَوْجُودَ». 4فَأَجَابَ الْكَاهِنُ دَاوُدَ وَقَالَ: «لاَ يُوجَدُ خُبْزٌ مُحَلَّلٌ تَحْتَ يَدِي، وَلكِنْ يُوجَدُ خُبْزٌ مُقَدَّسٌ إِذَا كَانَ الْغِلْمَانُ قَدْ حَفِظُوا أَنْفُسَهُمْ لاَ سِيَّمَا مِنَ النِّسَاءِ». «.

 

فى حين أن بشارة مرقُس تقول فى الأصحاح الثانى منها » 25فَقَالَ لَهُمْأَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؟ 26كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ فِي أَيَّامِ أَبِيَأَثَارَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لاَ يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلاَّ لِلْكَهَنَةِ، وَأَعْطَى الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَيْضًا».27ثُمَّ قَالَ لَهُمُالسَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ28إِذًا ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا».«.

 


ملخص الشبهة :-

-سفر صموئيل الأول الإصحاح 21 : 1 لم يكن مع داود أحد
تناقض إنجيل مرقس الإصحاح 2 : 25-27 ” والذين معه “

 


الرد بنعمة المسيح :-
من يرى ان هناك تناقُض فهو مُتناقض مع نفسه !

لأن صموئيل الأول لم يقل أن داود لم يكُن معه أحد بل المُشكك يقتص النص من سياقه و يتلاعب لعبة النص الواحد و لكن بقراءة الأعداد قراءة سريعة :-
” فجاء داود الى نوب الى اخيمالك الكاهن فاضطرب اخيمالك عند لقاء داود و قال له لماذا انت وحدك و ليس معك احد ، فقال داود لاخيمالك الكاهن ان الملك امرني بشيء و قال لي لا يعلم احد شيئا من الامر الذي ارسلتك فيه و امرتك به و اما الغلمان فقد عينت لهم الموضع الفلاني و الفلاني. و الان فماذا يوجد تحت يدك اعط خمس خبزات في يدي او الموجود ! فاجاب الكاهن داود و قال لا يوجد خبز محلل تحت يدي و لكن يوجد خبز مقدس اذا كان الغلمان قد حفظوا انفسهم لا سيما من النساء ، فاجاب داود الكاهن و قال له ان النساء قد منعت عنا منذ امس و ما قبله عند خروجي و امتعة الغلمان مقدسة و هو على نوع محلل و اليوم ايضا يتقدس بالانية. فاعطاه الكاهن المقدس لانه لم يكن هناك خبز الا خبز الوجوه المرفوع من امام الرب لكي يوضع خبز سخن في يوم اخذه “
فبقراءتنا السريعة للأعداد أتضح لنا أن داود ذهب ومعه غلمانه ولكنه تركهم فى موضع ما وتقدم وحده لأخيمالك وتكلم معه وطلب منه ان يعطيه بعض الخبز له وللذين معه ، و أخيمالك فى رده على داود قال جُملة فى غاية الأهمية :-
” اذا كان الغلمان حفظوا انفسهم “
بمعني ان اخيمالك يعرف ان هذا الخبز ليس لداود فقط ولكن له وللغلمان لانه لو كان لداود فقط لكان قال لداود هل حفظت نفسك وليس باسلوب الجمع عنه وعن الغلمان. هذا بالأضافة لرد داود على أخيمالك حيث قال له :-
” امتعة الغلمان مقدسة “
و يتكلم بأسلوب الجمع فيتكلم ان الغلمان وامتعتهم مقدسه اي غير منجسه فهم يقدرون ايضا ان ياكلوا خبز التقدمة. و بهذا كلام بشارة معلمنا مرقس لا تتناقض مُطلقاً مع صموئيل الأول بأى شكل من الأشكال.

المواجهة مع الوصية وصعوبة تنفيذها

في المواجهة مع الوصية دائماً ما نقف ما بين إنسانيتنا الضعيفة وما بين قوة الله، لأننا نجد أن ربنا يسوع المسيح في العهد الجديد، حينما وضع وصيته أمام أعيننا صيرها صعبة للغاية، جعلها مثل حجر صدمة أمام إنسانيتنا الساقطة الضعيفة، حتى حينما نواجها ونحاول أن نطبقها تظهر أنها تفوق قامتنا فنقول: [ كيف أعيش هكذا وأنا إنسان تحت ضعف، أنا لست ملاك، والله يعرف ضعفي، وسأحاول أعيشها على قدر إمكانياتي ]

لكن هيهات لأن الوصية صعبة ثقيلة تفوق كل قدراتي، وهذه حقيقة فعلاً، لا يستطيع أحد أن يُنكرها، بل ولو غصب الإنسان نفسه لكي يحيا بها بكل قدراته الإنسانية، فهو يا إما يتحطم نفسياً، أو يدخل في حالة من الرياء، لأنه يحيا بها شكلاً بوداعة مصطنعة ومحبة متكلفة، وفي النهاية يخدع نفسه حتى أنه يظن أنه أصبح قديساً يحيا الوصية ويُمارس الشعائر الدينية ويقوم بكل واجبة الروحي كما ينبغي، ولكن تمر الأيام وتفوت السنين وعند أول محك يظهر فيه ضيق لأجل الكلمة والحياة مع الله، في داخله يظهر غليان فائق كالطوفان وتسقط القشرة الخارجية، ويصرعه الواقع العملي المُعاش لأنه يجد نفسه يواجه تقلبات المجتمع، فتسقط عنه شكل الوصية المُحتمي فيها، وتظهر حقيقة الداخل أن الوصية لم تكن تسكن قلبه وفكره كما ادَّعى، ويظهر حقيقة الشكل الذي كان مختفي فيه، أي ظهرت عورة قلبه الخفي وأصبح عُريان من النعمة التي ظن أنها تملأ قلبه !!!

يا إخوتي في الحقيقة المسيحية الوصية لا تُعاش بالإنسانية الساقطة، هذا يستحيل على الإنسان الطبيعي الذي اختبر السقوط، لذلك الرب حينما أتى لم يأتي بمجرد وصايا لنحياها من الخارج، ودليل كلامي ظاهر في الرسل أنفسهم قبل أن يسكن فيهم الروح القدس يوم الخمسين، لأن القديس بطرس في جثسيماني استل سيفاً وقطع أذن عبد رئيس الكهنة، وكل الرسل بعد ذلك هربوا ولم يستطيعوا أن يواجهوا الصليب مع المسيح، وذهب كلام القديس بطرس هباء الذي قاله [ يا رب مستعد أن أموت عنك ]، وكل هذا بسبب إنسانيتهم الضعيفة الساقطة التي لم تدخل بعد في قوة قيامة يسوع، أي لم يحصلوا على الخليقة الجديدة التي في المسيح يسوع بكل قوتها لكي يعملوا كل شيء بربنا يسوع…

عموماً نجد أن حينما تكلم الرب عن مثل الزارع، وقال أن بعضه سقط على الصخر، وشرح القصد من المثل قائلاً: [ والذين على الصخر هم الذين متى سمعوا يقبلون الكلمة بفرح، وهؤلاء ليس لهم أصل فيؤمنون إلى حين وفي وقت التجربة يرتدون] (لوقا 8: 13)، وبذلك أظهر أن المشكلة في القلب نفسه، هل هو قلب جديد جيد يتقبل كلمة الله فتزرع فيه وتنمو وتأتي بثمرها، أم أن القلب لازال قلب قديم تستحيل أن تُغرس فيه كلمة الحياة فتنمو وتُثمر، لذلك أن لم تتأصل كلمة الله في النفس التي نالت الإنسان الجديد الفوقاني وتدخل الوصية القلب وتضرب جذورها فيه وتنمو مثل البذرة، فأنه لا محالة من الحياة الحقيقية مع الله، وأن تكون الوصية محببة للنفس وتأتي بثمرها الحلو، لأنها مغروسة فيها بقوة النعمة المُخلِّصة، والروح القدس هو الذي يعطيها قوة ماء الحياة، لذلك يقول يعقوب الرسول: [ لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر، فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة ان تخلص نفوسكم ] (يعقوب 1: 21).

لذلك يا إخوتي علينا أن لا نندهش أن كثيرين يقفوا أمام وصية [ أحبوا أعدائكم ]، أو [ أن جاع عدوك اطعمه وأن عطش فاسقه ]، ويتخذوا أمامها موقف مخالف ومُعاند بقوة، ولا يستطيعوا أن يقروها كما هي، لأنها تجرح كرامتهم وتهين إنسانيتهم، ويقولون أن هذا يستحيل أن يكون قصد الرب، وتبدأ الشروحات والتفسيرات التي تنتقد هذه الآية وتحاول أن تعطيها بُعداً آخر على خلاف معناها، لكي يتملص منها كل واحد، ولكنها ستظل تواجه كل قلب وتكشف عن أصل جوهره، هل هو يحيا بالإنسان العتيق الذي يُعاكس وصية الله ولا يحتملها، أم يحيا بالإنسان الجديد الذي يتجدد كل يوم حسب صورة خالقه، لذلك النفس دائماً موضوعه بين اثنين، وهما الجسد، أي الإنسان العتيق بكل قدراته، وبين الروح أي الحياة بحسب الإنسان الجديد في المسيح يسوع، أي المولود من الله، لذلك حسب ما تنحاز النفس وتخضع له تكتب سيرتها، فيا إما في السماء بالروح، يا إما بالجسد على الأرض: [ لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون ] (غلاطية 5: 17)، فا [ المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح ] (يوحنا 3: 6)، [ لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً، ومن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية ] (غلاطية 6: 8)

فبأي روح نعيش ولمن نعيش، وبأي قانون نحيا !!!
هل بقانون الإنسان الجديد والحياة في المسيح، أم بقانون الجسد وحسب إنسانيتنا الساقطة التي تعيش تحت ضعف وغير قادرة على الحياة بالروح، وحذاري أن أحد منا يعيش باختلاط بين حياتين، لأنه مكتوب: [ ليس أحد يضع رقعة من ثو
ب جديد على ثوب عتيق وإلا فالجديد يشقه والعتيق لا توافقه الرقعة التي من الجديد ] (لوقا 5: 36)
ومن هنا يظهر سرّ عدم قدرتنا لقبول الوصية أو حمل الصليب، وأيضاً يظهر لماذا تتمزق الحياة حينما نحاول أن نضع ما للجديد على العتيق، والخلط الذي يتم ما بين ترقيع إنسانيتنا الساقطة بما هو جديد، أو مثل إنسان بسيط له قسط من التعليم، يترك مكانه ويذهب لبلد العلماء والمفكرين العِظام، ويدخل المدينة بتباهي عظيم، لكن عند الجلوس وسطهم يُفتضح أمره ويسقط افتخاره، لأنه لا يفقه ما يقولونه، لأنهم يفوقونه علماً وفي هذه الحالة لا ينفعه افتخاره ولا حكمته التي يراها في نفسه، هكذا كل واحد فينا، لا يقدر أن يرتفع للعلو الحلو الذي للقديسين أن لم يكن مولوداً من فوق، حاصلاً على قوة الله من الأعالي، ودليل هذا هو حفظ الوصية وبخاصة المحبة التي تُظهر هل هذا من الله أم لم يعرفه قط، ولا زال تحت إنسانيته المسكينة لا يقدر أن يرتفع لمستوى الإلهيات والوصية عنده ضد العقل والمنطق، وكل من يحيا بها مخدوع، أو جبان وخائف، وأن تاريخ الكنيسة التي ظهر فيه قوة المحبة هو تاريخ يعلم الجُبن والخنوع وقبول الموت بلا معنى او طائل، مع أن المحبة اقوى من السيف وغالبة الموت، لأن المحبة هو الله:



التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
(للعودة للجزء الثالث أضغط هنا. )
الجزء الرابع من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها

  

 




2 – واقع الخطية وطبيعتها: الخطية واقع بشري، لكنها واقع زائل لأنه وهمي مُخادع في مظهره ونتيجته مؤلمة، وهي عبارة عن علاقة سلبية مع الله، أي في اتجاه معاكس لمشيئته ومخالفة لوصية الحياة التي قدمها للإنسان ليحفظه من كل عبث الموت المفسد للنفس. وللأسف أن جيلنا هذا وقد فقد الاحساس بالله، فقد أيضاً بالفعل نفسه الإحساس بالخطية. وموقف الإنسان من الخطية دائماً ما يكون مؤشر لموقفه من الله. والفكرة التي يكونها الانسان عن الخطية مرتبطة بفكرته عن الله.

إن للعهد القديم إحساساً مرهفاً بالخطية, كما لهُ إحساساً عميقاً بالله. وفي بادئ الأمر لم تكن الخطية متميزة تمييزاً كافياً عن مجرد مخالفات مادية لأوامر ومناهٍ صادرة من فوق (2 صموئيل 6: 7). ثم نُظر إليها كعصيان وتمرد، وأخيراً تبينت كنكران للجميل وقلة أمانة، ونكران النعمة ورفض الحب والانحصار في الذات وتحقيق الرغبات الشخصية المائلة نحو الموت الذي يتبعه الفساد بالضرورة.

والعهد القديم كشف أن الخطية لا تستطيع أن تطال الله في ذاته: 

  • [ إن اخطأت، فماذا تؤثر فيه. وإن اكثرت (إثمك) فماذا يلحقُ به ] (أيوب 35 : 6)
  • [ أفإياي يغيظون يقول الرب، أليس أنفسهم لأجل خزي وجوههم ] (إرميا 7: 19)

إنما هي تنال من الإنسان وتطعنه بالأوجاع الداخلية لأنها تفصله عن الله، الذي هو خيره الحقيقي وحياته، أي أن الخطية لا تؤثر في الله أو تهينه في ذاته، لكنها تؤثر فينا وتهين الإنسان في ذاته، إذ تفقده الحس فتفقده إنسانيته وتشوه صورة الله فيه.


وعموماً إذا كانت الخطية لا تؤثر علي الله بالذات، إلا انها تنقض خطة محبته بالنسبة لي أنا، فالخطية رفض للحب من قِبَل الانسان، وهي تضع حاجزاً بينه وبين الله، بحيث أن الله الكلي القداسة لا يستطيع أن يكون في شركة مع الإنسان: [ إن آثامكم فرقت بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم حجبت وجهه عنكم، فلا يسمع ] (أشعياء 59: 2 ) 

  • و نأتي لسؤال هام: ما الذي احدثته الخطية الأولي أو السقوط ؟

إن معاناتنا وآلامنا هي تجربة واقعيه مُعاشة نحياها، وليست مجرد مشكلة نظرية أو فكره فلسفية نتحدث عنها. إنها علي مستوي أعمق من الكلمات. فإن تكلمنا عن نتائج السقوط، فنحن لا نتكلم عن موضوع فكري أو نظري أو مجرد تاريخ مضى وفات، بل عن تجربة نحياها كل يوم، عن معاناة بدأت بها الدراما الإنسانية، وعانت منها البشرية كلها، وكل واحد فينا على المستوى الشخصي، حتى أنه لم يعد يشعر بالله ولا حضوره، بل والبعض لا يصدق وجوده من الأساس، لأن كل واحد فقد الحس بالله الذي خلقه على صورته كشبهه.

إن حقيقة الخلق علي صورة الثالوث القدوس، يدعونا للتقدم في المحبة، للتقدم من الصورة الإلهية إلي المثال الإلهي، لكن الانسان اختار لا طريقاً مؤدياً إلي الأعلى، بل طريقاً مؤدياً إلي الأسفل، طريق وهمي مُخادع، مثلما من يرى السراب في الصحراء وهو عطِش، فهو يسعى أن يصل إليه بكل طاقته لكي يروي ظمأه، ولكنه يسعى ويجتهد بكل معاناه وبذل الجهد، ولكنه لا يصل أبداً بكونه مخدوع، ومع ذلك السراب يجعله يستمر في السعي إليه بلا توقف، مع أنه يستمر في زيادة العطش الذي قد يصل به للموت لأنه لن يشرب أبداً .


لقد أنكر الإنسان العلاقة مع الله التي هي في عمق جوهره الحقيقي مزروعة فيه، وعِوضاً من أن يكون مركز موحد مع إخوته البشر والله، انتهي إلي سلسلة من الانقسامات: 
انقسام شخصي أو ذاتي (منقسم على نفسه)، انقسام بينه وبين الآخر، وانقسام بينه وبين عالم الطبيعة. وأخيراً إلي الانقسام الحاسم بينه وبين الله (الذي هو جوهر كل انقسام)، أي تم هدم علاقة الشركة بينه وبين الله الحياة فأدت طبيعياً إلى الفساد. لقد طعن عطية الحرية. وإذ كان حراً أصبح عبداً: [ أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية ] (يوحنا 8: 34)

ومشكلة الخطية أنها لم تقف عند حد، بل صارت إلى ما هو أخطر، لأن بسببها حاول الإنسان ان يُدين الله: فلقد حَمَّل آدم حواء كل المسئولية عما حدث: [ المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت ] (تكوين 3: 12)، وهو بذلك جعل الله هو السبب الجذري للخطية (وهذا ما يحدث في كل زمان)، إذ يتهم الإنسان الله بوجود الخطية في حياته وكأن الله هو السبب فيها، وبذلك عاش مختبراً الانفصال لا عن الله فقط، بل عن الإنسان أيضاً.

يقول فلاديمير من موسكو philaret of moscoo : [ لقد اغلق الانسان علي نفسه جداول النعمة الالهية ]، وذلك بالطبع عندما حمَّل آدم المسئولية لحواء، ففصل نفسه عن نفسها أولاً، وجعل كل واحد منها فرداً منفصلاً عن الآخر، في الحياة وفي المصير، يسعي للتحرر منه وتجاوزه كي ينمو هو، وذلك حينما ألقى عليها التهمه بدون أن يتحمل أي مسئولية لكي يتجنب ملامة ضميره ولكي يلقيها وحدها لتحمل المشكلة كلها.

عموماً الله في البدء خلق الإنسان الجامع ليكون رأس البشرية وبذلك حوي الانسان الأول في ذاته كل الطبيعة البشرية لأنه أصلها وأبيها. وكان شخصاً فريداً في كل شيء.
وكما يقول القديس النيصي: [ الإنسان المخلوق لا يملك اسماً خاصاً، ولكنه إنسان كوني. ولذلك فهذه التسمية العامة للطبيعة البشرية تعني لنا أن نفهم أن الله .. قد ضمَّن كل الإنسانية في الخليقة الأولي .. إذ إن الصورة ليست في جزء من الطبيعة] 


فالطبيعة البشرية أساسها وجذرها في آدم وحواء قبل السقوط. ولم تكن مجزأة بينهما. كان كل منهما شخصاً – علي صورة الثالوث القدوس – لهم كل الطبيعة الإنسانية، متحدين مع بعضهما في انسجام واتفاق مبدع في حرية إرادة ومشيئة منسجمه، ولكن الخطية أتت كعنصر غريب لتحوّل الاشخاص إلي أفراد، إلي كائنات تتنازع علي امتلاك الطبيعة، من هو السيد والرئيس والمرؤوس، فحولت الكل إلي كائنات يعتقد كل واحد منها أنه يملك الطبيعة لذاته وحده.

  • عموماً باختصار نستطيع أن نقول:

أن بسبب انفصالي عن الله وميلي الباطل لما هو غيره، أصبح كل شيء صار يستقطبني في هذا العالم ما عدا الله. لقد صارت ذاتي قطباً لي في جميع أفعالي وتصرفاتي. لقد تحوَّلت إلي مركز لي للتمركز حوله. لم أعد انظر إلي العالم وإلي الكائنات البشرية الباقية بطريقة إفخارستيا للشكر والمسرة، كسرّ للشركة مع الله.

لقد توقف كل شيء عن كونه عطية لي من الله. لقد صار كل شيء وسيلة لأُحقق به وفيه رغباتي الشخصية أو شهواتي الخاصة المُدمرة. وتناسيتُ أنها هبة من الخالق لأُعيد تقديمها إليه في شكر واعتراف حسن في المحبة. لقد بدأت باستعمال كل شيء كما لو كان ملكي أنا استهلكه وأُبدده وأُشوه منظره الطبيعي. ولم أعد أري الأشخاص والأشياء كما هي بحدًّ ذاتها وفي جمالها الطبيعي، وكما هي في الله. بل أصبحت أراها فقط كوسيلة للمتعة والإشباع (الأناني) اللذين لن ألبيَّهما أبداً بهذه الطريقة.


حتي جسدي صار مبيعاً تحت الخطية (رومية 7: 4)، صار أداة لي لشهواتي بدلاً من أن يكون هيكل مقدس طاهر لحلول الله، ولقد انطلقت به نحو العالم الغاش المادي الكامن فيه روح الشر والفساد بدلاً من أن انطلق به نحو الله، وأرفع العالم معي في سرّ التقوى وهبة القداسة: [ لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم ] (1يوحنا 2: 16)

لقد دخلتُ كإنسان خاطئ دائرة معينة من العطش والشهوة الخاصة، التي بمقدار ما تشبع أزداد جوعاً لتلبيتها، ولم يعد العالم ناقلاً لي جلال مجد الله وبهاءُه. ولم يعد نافذة أُعاين الله من خلالها. لقد صار ظليلاً، كامداً، باهتاً؛ لقد توقف عن أن يكون مانحاً للحياة، وصار موضوعاً وخاضعاً للفساد والموت كالإنسان [ من التراب أنت والي التراب تعود ] (تكوين 3: 19) 

هذه هي الحالة الحقيقية للإنسان الساقط، ولكل شيء مخلوق. فحالما يقطع نفسه عن مصدر الحياة الواحد يفقد الحياة؛ لقد سقط الانسان بعد الخطية، وإنهار جسدياً وأخلاقياً. 
لقد صار خاضعاً للألم والمرض والانحلال الجسدي؛ حتى أنه صار فرح المرأة بالولادة ممزوجاً بآلام المخاض (تكوين 3: 16)، وهذا كله لم يكن من خطة الله الأولية للبشرية. ولكن بسبب السقوط، صار الإنسان أسيراً لكل هذا وهو الذي تسبب وحده لنفسه بهذه الأوجاع؛ وفي النهاية صار خاضعاً للموت: [ لأنه بخطية واحدٍ مات الكثيرون ] (رومية 5: 15)، فسرى الموت في جميع البشر، والكل بدأ يموت، حتى الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم:
[ لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي ] (رومية 5: 14)


__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الخامس
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
4 – خطية آدم وآثارها فينا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الثاني أضغط هنــا. )
الجزء الثالث من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطيـــــــــــــــة والسقــــــوط

 

 




2 – الخطية والسقوط: يقول القديس باسيليوس الكبير: [ الله ليس مسبباً لعذابات الجحيم، بل نحن أنفسنا. لأن أصل الخطية وجذرها كائن في حُريتنا وإرادتنا ] 
فمنذ القديم وفي بدء الزمان، خلق الله السموات والأرض وكل ما فيها وما عليها في منتهى الإتقان والجمال الطبيعي الفائق، لا لأجلها في حد ذاتها ولكن لغرض وهدف وضحه الله بعد ذلك حينما خلق أجمل خلائقه وأعقلها؛ خلق الانسان – محبوبه الخاص – علي صورته ومثاله كشبهه.
 
خلقه كائنا فريداً في خلقه، فريداً في حياته، وفريداً في مصيره. ووضعه في مكان فريد أعده له خصيصاً ليكون مكان راحته وفرحه كإنسان فريد لا يوجد له نظير آخر في الخليقة كلها، بل ومتميزاً عنها في كل شيء لأنه يعتبر رأسها وراعيها. وقد كان كل شيء متوفراً لديه، كل شيء موضوع لخدمة ذلك الكائن الذي خُلِقَ ليصير ملكاً وسيداً ورئيساً علي الكون وكل الخليقة التي فيه.

وبالرغم من كل شيء، أرادا الله من الإنسان أن يبقي حراً، غير مقيد أو مربوط بإرادة آخر، فلقد خلقه كائنا علي صورته. الله حُرّ والانسان حُرّ. فالله أراده حُراً دائماً، يستعمل إرادته الحرة في كل أعماله ومواقفه وقراراته وأقواله وتصرفاته. لذلك جعله قادراً علي الاختيار الحُر بدون ضغط ولا إكراه. والله يحترم الانسان ويحترم – بالتالي – حُريته، فهو يحترم صورة ذاته في الانسان الكائن الذي خلقه علي صورته ومثاله كشبهه من جهة الحرية في طهارة ونقاوة طبيعته الإنسانية، لأن الله هو من خلقها بالطهارة الأصيلة التي فيها، فزاده جمالاً على جمال بالحرية التي توجه بها.

وإرادة الله منذ البدء أن يشاركه الإنسان حياته الإلهية، لذلك أراده ان يصير علي مثاله كشبهه، لذلك صار النموذج والمثال أمام الخليقة كلها، ينمو نحو خالقه، ينمو ويزداد في ما أعطاه من قداسة وطهارة ونقاوة في صميم جوهر طبيعته الإنسانية، فيتعمق ويتأصل في معرفة الله الخالق ويأخذ من مجده ونوره ويتوشح به، إذ أراده الله إلهاً بالنعمة، أي كائناً خلاقاً مبتكراً ومبدعاً على شبه من خلقه (طبعاً لا يفهم أحد من الكلام أن الإنسان يتساوى مع الله أو يصير إله بالمعنى الحرفي للكلمة، فهذا مستحيل على وجه الإطلاق، ولكن المعنى أن تتحقق فيه الصورة الإلهية حسب القصد المبارك الذي أعطاه الله للإنسان) …

فمنذ البدء تأسست علاقة شركة محبة مع الله: [ وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار ] (تكوين 3: 8)؛ والمحبة تُمارس في جو الشركة بين طرفين، الله والإنسان، والمحبة – حسب طبيعتها – لا تحيا الا في جو من الحرية، فهي تتغذي من هذه الحرية. فلا إكراه أو غصب في المحبة وإلا صارت عبودية.
والله أراد من الإنسان أن يحبه بكل جوارحه وكيانه من داخله، أن يحيا لأجله، و ينمو في الشركة معه باختياره، بملء إرادته وحريته. فإن شاء الانسان نما في هذه الشركة، وإن شاء قطعها مباشرة مع الله ليحيا لنفسه.

عموماً في الاصحاح الثالث من سفر التكوين، وفي صميم وضع الانسان في علاقته مع الله والخليقة، فجأة يدخل عنصر غريب يزلزل كيان الإنسان على مستوى الداخل، وكأنما كان لابد أن يدخل هذا العنصر الغريب لتكتمل صورة الإنسان، وخاصةً فيما يتعلق بعلاقته بالله التي قامت منذ البدء علي حرية الإرادة المشروطة، فالإنسان لم يأخذ حرية إرادة مطلقة أو خضوعا مطلقاً لأوامر الله؛ إنما تظهر الحرية المشروطة بقول الله له: [ وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ] (تكوين 2: 17)

وهكذا يظهر منذ البدء أن الطاعة للوصية بالمحبة الصادقة الحرة لله هي الشرط الدائم اللازم لبقاء الانسان حُراً في إرادته الشخصية، يختار ما يختاره الله له بمنتهي الانسجام والتوافق التام، لأن هذا هو مفهوم خلقة الانسان علي صورة الله كشبهه، لأن الصورة إذا اتبعت أصلها، فمن ذا يستطيع أن ينتقص من حريتها وقدرتها علي الحركة نحو الله حبيبها الشخصي، ولكن أن عصت الصورة أصلها فكيف تظل صورة تُشابه من كونها؟ 


لأن المرآه أن كانت نظيفة ومصقولة صقلاً جيداً فأنها تعكس الصورة كما هي بدون تشويش، أما أن أصابها خلل أو شرخ أو كسر أو التصقت بها الأوساخ الصعبة فكيف تعكس الصورة نقية واضحة !!!

حيث أن العصيان يمثل استقلال الإنسان عن الله، وهُنا يكمن خطر الموت، لأن الله هو مصدر الحياة الدائمة للإنسان، وعلي أقل تقدير نقول أن نفخة الله في الإنسان تتوقف عند استمرارها أو تتعطل !!

عموماً، نجد أن حواء تعرضت لإغراء مُضلل، ولكنها كانت حُرة لترفض هذا التضليل وتنفر منه. لكنها نسيت (أو تناست) الكلام الإلهي وسمعت الإغراء الشيطاني؛ وصار ما صار وحدثت المأساة البشرية، إذ أغوت رجلها أيضاً الذي بدوره لم يردها ويذكرها بالوصية لأنه هو من تلقى الوصية أولاً. ومنذ ذاك الحين لازال الإنسان يؤخذ بالخدعة أكثر منه بالصدق.

فخطية آدم وحواء تتألف من عصيان واعٍ للفعل المرتكب، مع رفض متعمد للمحبة الإلهية إذ تزعزعت الثقة في وصية الله. وبذلك صارت الخطية اختيار حُر جعل الإنسان يتحوّل من الله إلي الذات (أنظر تكوين 3: 22, 23) ؛ لقد طمعا في أن يصيرا إلهين مستقلين ونسيا المحبة والشركة مع الله الحي، فقد طمعا في أن يصيرا إلهين بقدرتهم ولحساب ذاتهم ولمصلحتهم الشخصية بدون الله. فاستفاد الشيطان من سذاجتهما ونجح في تشويه طبعهم المقدس، فشوه صورة الله فيهما وانطمست.

ونأتي لسؤال هام وضروري: لماذا سمح الله للإنسان – والملائكة قبله – بالخطية ؟ لماذا يسمح بالشر والتألم ؟
الجواب : أولاً الله لا يسمح بالشر ولا يأذن به، لأن السماح معناها أن أتى واحد يسأل والآخر جاوب، أو استجاب لهُ، فالله لم يستجيب لأحد ولا أحد استأذنه ليرتكب شرّ فسمح له، لكن السؤال الأدق كيف سقطت الملائكة والإنسان والله لم يمنعهما، أليس هو بقادر أن يمنع اي شر يُرتكب أو أية جريمة تُقام !!!

طبعاً بكونه إله المحبة، والمحبة تعني المشاركة، والمحبة تعني أيضاً بالضرورة: [ الحرية ]. وكثالوث المحبة رغب الله أن تُشاركه حياته أشخاص مخلوقة علي صورته الثالوثية، قادرة علي الدخول معه – بحرية إرادة – في شركة محبة. فحيثما توجد حرية توجد محبة، فالإكراه لا يتواجد مع المحبة، لأن لو وجد إكراه إذن تتلاشى المحبة وتُصبح الطاعة عبودية قهرية كالأغلال والقيود التي يستثقلها الإنسان، مثلما يوجد عبد في البيت، فمهما ما كان محبوباً عند أهل البيت فهو يشعر أنه لازال عبداً تحت طاعة أمر ونهي صاحبه، لأنه مملوك لأحدهما لا يستطيع ان ينفك من هذا القيد وهذه التبعية !!!

وبالطبع لا يستطيع السيد معرفة محبة عبدهُ لهُ إلا إذا اعطاه حريته الكاملة وتكه لاختياره الحُر. والإنسان خُلق حراً والحُرية هي من صفات الصورة الإلهية فيه. والله – كما يقول بول افديموكوف: [ يستطيع أن يفعل أي شيء ما عدا إكراهنا علي محبته ]، فلذلك لم يخلق الله آلات تطيعه آلياً بتلقائية السميع المجيب، بل خلق ملائكة وكائنات بشرية قادرة علي الاختيار الحُر الواعي وذلك لرغبته في أن تشاركه محبته الفائقة من أعماق كيانها من الداخل.

فبدون الحرية لا يكون الإنسان إنساناً، وكائن عاقل مفكر بلا حرية لم يوجد بعد. فنحن نعرف أن الحرية هي قدّر الإنسان الذي لا يخضع لقدّر محتوم، فليس للحيوانات مصير سوي الرعي والذبح والموت. أما الإنسان فهو صاحب مصير خاص، وهو ينسج بيديه مصيره، متراوحاً بين أعلي درجات القداسة وأدني درجات الوحشية.
فبدون الحرية لا توجد خطية.

ولكن بدون الحرية لا يغدو الانسان علي صورة الله: وبدون الحرية لن يصبح الإنسان قادراً علي الدخول في شركة مع الله في شركة محبة؛ بل ونقدر أن نقول أيضاً بدون الحرية لا توجد طهارة ولا برّ ولا حتى عقل للتفكير، وبالتالي لا خيار بل إجبار، وفي النهاية سيبقى الإنسان ليس إنساناً بل ربما جماد أو إنسان آلي !!!

الانسان أخطأ بحرية. ولكن ما الذي يؤلف الخطية الأصلية ؟
الإنسان تلقي الوصية الالهية في روح المحبة، وكان عليه أن يستجيب لإرادة الله بثقة تامة، وبالتالي كان عليه أن يفصل نفسه – بكل رغبته – ليس فقط عن الثمرة، ولكن عن كل شيء خارجي لكي يحيا لله فقط، ليسعي للاتحاد به.

وصية الله تظهر للإنسان الطريق المؤدية للارتفاع للمستوى الإلهي، أي إلي الانفصال عن كل ما هو غير إلهي؛ لكن الارادة البشرية اختارت الطريق المضادة، وانفصلت – بحريتها – عن الله، وخضعت بكليتها للشيطان وصارت عبدة لأهواء ذاتها خاضعة للشر الذي يعمل في أبنا المعصية.

القديسان غريغوريوس النيسي ومكسيموس المعترف يضعان نبرة خاصة عن المفهوم الطبيعي للخطية. فبدلاً من توجه الروح البشرية نحو الله خالقها وميلها الطبيعي له، توجهت نحو العالم الخارجي وانحدرت لأسفل. وبدلاً من طهارة الجسد وترويضه والارتقاء به وحفظ ملكاته الخاصة، دخلت الروح نفسها إلي تيار الحياة الحيوانية والحّسية، وصارت خاضعة للظروف المادية.

لقد دخل الشيطان إلي العالم عبّر الارادة. فالشر ليس طبيعة Φύσης physis، ولكنه حالة (حالة اعتيادية – استعداد ردئ – حالة السوء) 
و يقول ذياذوخوس فوتيك: [ إن طبيعة الخير أقوي من عادة الشر، لأن الخير يوجد (له مصدر – الله)، والشر لا يوجد (حالة سلبية ليس لها قوام)، أو بالأحرى يوجد فقط في اللحظة التي يُصنع فيها ( وقتي وضعيف جداً لأنه زائل) ]

فالخطية هي مرض الإرادة المخدوعة، ولهذا السبب، فبمجرد الرغبة بتذوق ثمرة معرفة الخير والشر كان بحد ذاته خطية. إذ تبعاً للقديس غريغوريوس النيصي: المعرفة تفترض نزعة معينة – رغبة – تجاه الشيء الذي يُريد المرء أن يعرفه، والشر لكونه في ذاته غير موجود ولا كيان لهُ، يجب ألا يُعرف.

لقد صار الشرّ واقع فقط بسبب الإرادة وحدها، وبها فقط استمر ليكتمل. إنها الإرادة البشرية التي تعطي للشرّ كياناً معيناً يتحسسه الإنسان. فالإنسان كان ميالاً – بالطبيعة – الي معرفة الله ومحبته، واستطاع بسبب إرادته واختياره الانحراف نحو الخير غير الموجود، أي نحو الشر، أي انه اتجه نحو هدف خادع؛ وهذا تم بتأثير خارجي وإغراء وحث الإرادة الإنسانية لتقبلهُ.

الله بعلمه السابق للأمور كان يعرف ما سيجري للإنسان، وكان بإمكانه التدخل لمنعه من الذلل والسقوط بالقوة. فلماذا إذاً لم يتدخل ؟ سؤال يطرحه كثيرون في كل جيل: ولكن هذا السؤال – كما قلنا سابقاً – مناقض لمفهوم الحرية..

الله خلق الإنسان حراً، و لفرط صلاحهُ يريدني أن اختارهُ بكل حرية كما خلقني بحريته ووضع فيَّ صورته وجعلني حراً وفي إمكاني اشوهها أو أحفظها. فلقد أعطاني الحرية لا بأن أرفضه فقط، بل بأن أنكر وجوده أيضاً. ومع ذلك يستمر هو في محبته لي، محبة لا حدود لها، غير متغيرة قط، بدون قيد أو شرط، ودائماً ما يحاول أن يُناديني ليردني إليه لأنه يُريد نجاتي لا إهلاكي ..

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الرابع
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها 

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودناالتجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الأول أضغط هنا. )

الجزء الثاني من الموضوع 
ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

أولاً: آدم وأبناء آدم
1 – معني الكلمات: علي نقيض ما قد توحي به ترجمات الكتاب المقدس, فان كلمة (آدم) لفظ شائع جداً, يدل علي مجموعة كبيرة من المعاني؛ ويرد هذا اللفظ في العهد القديم في العبرية حوالي 500 مرة للتعبير عن الإنسان أو الجنس البشري .
و الاسم يحتمل معني : 
1 – خليقة 2 – احمر 3 – مولود الارض 
و قد يعني 4 – شهي ( للنظر ) 5 – اجتماعـــــــي 

وعندما كان أحد اليهود ينطق بهذه الكلمة, فانه لم يكن يفكر قط في الإنسان الأول؛ فإذا استثنينا قصة (الخلق) حيث تلتبس دلالة اللفظ, فأن كلمة آدم لا تدل دلالة أكيدة علي الإنسان الأول إلا في خمسة مواضيع: 

1 – [ وعرف آدم امرأته أيضاً فولدت ابناً … ] (تكوين 4: 25)
[ هذا كتاب مواليد آدم …. وعاش آدم مئة وثلثين سنة وولد ولداً علي شبهه كصورته ودعا اسمه شيثاً وكانت أيام آدم بعدما ولد شيثاً: ثماني مئة سنة، وولد بنين وبنات فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسع مئة ثلاثين سنة ومات ] (تكوين 5: 1, 3: 5) 
[ آدم شيث انوش ] (أيام 1: 1) 

2 – ويُعبِّر بهذا اللفظ عادةً وبحق, عن الانسان عامة: [ الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعباً ] (أيوب 14: 1)

3 – أو عن الناس عموماً: [ ويبعد الرب الإنسان אָדָם ويكون الخراب في وسط الارض ] (إشعياء 6: 12)

4 – أو عن شخص ما: [ لأنه من يعرف ما هو خير للإنسان في الحياة مدة أيام حياة باطلة التي قضيها كالظل لأنه من يُخبر الانسان بما يكون بعده تحت الشمس ] (جامعة 6: 12)
[ بل يقول لستُ أنا نبياً. أنا إنسان فالح الأرض لأن إنساناً اقتناني من صباي ] (زكريا 13: 5)

5 – أو عن أحدهم: [ إذا أخطأ إليك. لأنه ليس إنسان لا يُخطئ. وغضبت عليهم ودفعتهم أمام العدو وسباهم سابوهم إلي أرض العدو بعيدة أو قريبة ] (1 ملوك 8: 46) 
[ فلم يدع انساناً يظلمهم. بل وبخ ملوكا من أجلهم ] (مزمور 105: 14)

6 – أو عن الذات البشرية: [ كنت اجذبهم بحبال البشر بِرُبط المحبة ] (هوشع 11: 4) 
[ الرب يعرف أفكار الإنسان أنها باطلة ] (مزمور 94: 11) 
والمعني الجماعي هنا هو الغالب بشكل واضح.

و ينطبق نفس الشيء علي عبارة (بن آدم) التي لا تشير إلي شخص من نسل آدم كفرد, ولكنها توازي لفظ إنسان:
[ فكم بالحري الإنسان .. ابن ادم .. ] (أيوب 25: 6) 
[ فمن هو الإنسان حتي تذكره وابن الإنسان حتي تفتقده ] (مزمور 8: 4)

وقد تُشير إلي شخص أو (أي إنسان كشخص):
[ كانقلاب سدوم وعمورة ومجاورتها يقول الرب لا يسكن هناك إنسان إلي الأبد، لا يسكن هناك إنسان ولا يتغرب فيها ابن آدم ] (إرميا 49: 18, 33)
[ فقال لي يا ابن آدم قم علي قدميك فأتكلم معك .. وقال يا ابن آدم أنا أُرسلك إلي بني إسرائيل .. أما انت يا ابن آدم فلا تخف منهم… وانت يا ابن آدم فاسمع ما انا مكلمك به ] (حزقيال 2: 1, 3, 6، 8)
أو تشير الي جماعة : 
[ فرحة في مسكونة أرضه ولذاتي مع بني آدم ] (أمثال 8: 31) 
سليمان يخاطب الله قائلاً [ فاسمع انت من السماء مكان سكناك واغفر واعمل واعطِ كل إنسان حسب كل طرقه كما تعرف قلبه. لأنك وحدك قد عرفت قلوب كل بني البشر ] (1ملوك 8: 39)
وعندما تأتي عبارة (ابن آدم) في تضاد مع (الله) فهي تبرز, مثل كلمة (جسد), حالة الإنسانية الضعيفة والفانية:

  • [ من السموات نظر الرب. رأى جميع بني البشر ] (مزمور 33: 13)
  • [ فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما ] (تكوين 11: 5)
  • [ ما أكرم رحمتك يا الله فبنو البشر في ظلّ جناحيك يحتمون ] (مزمور 36 : 7)

عموما فإن (أبناء آدم) هم إذن البشر في حالتهم الأرضية. وهذا ما يوصي به أيضاً التفسير العام لأصل كلمة: (آدم؛ إذ تُعتبر مشتقة من אֲדָמְָה adamah أي الأرض earth)؛ فآدم هو إذن الكائن الأرضي المجبول من تراب الأرض.
وهذا الواقع التفسيري له انعكاس لاهوتي, فلا يكفي أن نري في آدم الأول فرداً مثل باقي الأفراد. وهذا ما يستنتج من الانتقال المدهش من صيغة المفرد إلي صيغة الجمع في كلام الله الخالق: [ لنصنع الانسان علي صورتنا كمثالنا .. وليتسلطوا ] (تكوين 1: 26)، فالله خلق آدم كراس للبشرية وكل ما وهبه له هو موهوب بالتالي للبشرية كلها لذلك نرى في هذا النص العميق أنه تكلم عن الإنسان بشكل شامل، وهذا ما يمثله آدم [ الإنسانية كلها ].

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثالث
تابع المقدمة:

 آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله
 
 
التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
الجزء الأول من الموضوع
أولاً: تمهيـــــــــــــــــــــــــد

 


في الواقع المسيحي الاختباري لا نستطيع أن نتعرف على الله الثالوث القدوس بدون أن ندخل في شركة معه على المستوى الإعلاني، لأنه هو من يعلن لنا عن ذاته وكينونته [ أنا هوَّ ]، وحتي الاعتراف الصحيح بأن الله واحد يصبح بلا معني في اللاهوت المسيحي ما لم يكن هذا التوحيد هو توحيد شركة وحياة، أي توحيد قائم علي الثالوث القدوس. 

حتى وجودنا الإنساني الحقيقي هو في الشركة، لأن يستحيل الوجود بدون شركة. فمن هنا ندرك أن الشركة هي أساس الوجود والقاعدة التي يرتكز عليها الاتحاد الإنساني كله، وأن أي كيان حقيقي لا يُمكن معرفته بدون الشركة، وهذا ما انجزه آباء الكنيسة الذين اعتمدوا على رسالة الإنجيل الحي الظاهرة في تجسد الكلمة، الذي أعلن لنا سرّ الشركة بإظهار وحدته مع الآب التي أعلنها لنا بالإنجيل [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30)، والتي شعها فينا بالروح القدس روح الوحدة والاتحاد في المسيح يسوع.

وإذا كان الوجود قائم على شركة، فأننا لا نفهم الوجود بل لا نستطيع أن نفهمه الا من خلال علاقة، وبالتالي لا يُمكننا ان نفهم الوجود كوجود في حد ذاته، وذلك لأن كل كائن لا يوجد في حالة عزلة عن الآخر ولا يحيا كفرد منفرد بذاته منعزلاً عن الآخر.
ولا يوجد كائن قائم بذاته يمكن فهمه كما هو في ذاته، وهذا ما انكره الآباء علي الفلاسفة الذين يطلبون فهم الوجود وكيان كل الموجودات كما هي مجردة وليس كما هي في علاقة وشركة مع غيرها.


ومن هنا نفهم سرّ الخلق وارتباط البشر ببعضهم البعض، بل وحاجتهم المستمرة لأن يقيموا علاقة بينهم، فالله الخالق بصلاحه ارتضي بدافع فائق من محبته أن يخلق من يُحسن إليهم ويفيض عليهم نعمته ويشركهم بصلاحه، فأخرج الكل من العدم إلي الوجود وخلق ما يُري وما لا يُري، جاعلاً الإنسان مُركباً من منظور وغير منظور بحسب قول القديس يوحنا الدمشقي. بل وجعل البشر كلهم من رأس واحد وهو آدم…

ومن سفر التكوين الذي جعله البعض مجرد صورة رمزية، لأنهم لا يصدقون أن للبشرية رأس واحد ويقولون أن هذا مستحيل، طبعاً مستحيل بسبب السقوط وتفتت الإنسان واستقلاله وهدم البناء الواحد (كما سوف نرى حينما نشرح موضوع الخطية)، عموماً يُمكننا أن نقول أن العالم كله سمع لأول مرة في تاريخه أن الشركة هي التي تجعل اي كائن كائن فعلا وأن الكينونة والوجود لا تقوم الا بالشركة حتي في الله نفسه، وذلك من خلال سرّ التجسد الفائق والوحدة التي تمت بين الله وإنسانيتنا، وايضاً من خلال صلاة الرب في جسثيماني على أساس أنه راس البشرية الجديدة الذي فيه يكون الجميع واحد 

  • [ أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحداً كما نحن ] (يوحنا 17: 11)
  • [ ليكون الجميع واحداً كما انك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم انك أرسلتني، وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما اننا نحن واحد، أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم انك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني ] (يوحنا 17: 21 – 23)

لننتبه لهذه الآية يا إخوتي، لأن فيها إعلان إيمان حي في المسيح، لأن الإيمان الحقيقي يوحد في كيان حي اسمه كنيسة واحدة لراعٍ واحد، أعضاء لبعضنا البعض ورأسنا الواحد هو المسيح الرب: [ ولي خراف أُخرّ ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد ] (يوحنا 10: 16)

وطبعا اذا كان الوجود شركة، فأن الشركة هي جوهر الوجود. وطبعا قد نتصور الشركة علي أنها علاقة ترضي طرفين، أو إنها هي بحد ذاتها هدف، ولكن ذلك يجعل الوجود نفسه غامض، فالوجود من أجل الشركة أو مجرد علاقة فأنه يحوَّل الوجود والشركة الي قضية وجودية فلسفية مثل تلك القضية الوجودية التي طرحها ماركن بوبر ( buber ) (فيلسوف ألماني من أصل يهودي له مؤلفات عن الفلسفة و يبدو أنه اعتنق المسيحية)، حيث اعتبر أن (( أنا )) هي الوجود وأن (( انت )) أي الآخر هو غاية الوجود، وأصبح الوجود عبارة عن بناء قائم علي (( أنا وانت )) أي (( أنا والآخر )) .

هذا الفكر الفلسفي الذي يطرح علينا الوجود بشكل فلسفي مُغلق (بين انا وانت بدون رأس يجمعنا في المحبة المتدفقة لنكون واحد) تصبح فيه غاية الوجود هي الوجود نفسه ( بحد ذاته ) وقد تجاوز الآباء هذا الفكر الضيق المحصور في دائرة (أنا وأنت) عندما عادوا الي الكتاب المقدس والتقليد الكنسي الذي أبرزه رعاة الكنيسة مثل أثناسيوس الرسولي وغيره من الآباء المختبرين للحياة المسيحية في شركة أعضاء المسيح..

فأعلنوا بروح الكتاب المقدس في صراحة الحق، بأن الله ليس موجود بالمعنى الفلسفي الفكري المحصور والضيق، بل هو كائن بذاته، وجوهره ليس غامضاً يتمتع بصفة الوجود من أجل الوجود ذاته، بل من الواضح أن علة أو سبب الكينونة ليس مبدأ أو علاقة غامضة أو فكرة مجردة وإنما هو شخص وأقنوم الآب.

وهذا يعني أن الله نفسه غير خاضع لبناء فلسفي يُفرض عليه وإنما جوهره وكيانه متأقنم يجعله فوق كل القياس العقلي النظري والفكري الفلسفي، فوجود الله ليس قضية فلسفية ولا الله واجب الوجود من أجل الوجود كما يقال، وإنما هو الكائن المطلق الفريد بذاته كأب فيه البنوة الأزلية والحياة متدفقة.

ولذلك علينا أن ندرك تمام الإدراك أن الكيان الالهي فوق الفهم النظري والكلام الفلسفي وكل الشروحات العقلية، لأن الأبوة تعرف في البنوة، وأبوة الله حياة متدفقة بالبنوة، اي أنها حياة شركة أبوة بالبنوة بتيار حياة الحب المتبادل والمتدفق، والبنوة لا تُعرف إلا بالأبوة بتيار حياة الحب المتبادل أيضاً، لذلك قد أصبح من الضروري أن نستوعب أن الله لا يُعرف الا من خلال التذوق بالرؤيا الداخلية بانفتاح الذهن والدخول في سرّ حياة البنوة أي الدخول في سرّ الشركة: 

  • [ ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب طوبى للرجل المتوكل عليه ] (مزمور 34: 8)
  • [ هذا وجد أولاً أخاه سمعان فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح ] (يوحنا 1: 41)
  • [ انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله، من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه ] (1يوحنا 3: 1)
  • [ أمين هو الله الذي به دُعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا ] (1كورنثوس 1: 9)
  • [ الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ] (1يوحنا 1: 3)

اذاً يا إخوتي جوهر الله ليس غامضاً وفكرة مجردة، بل كيان أبوة يُنشئ شركة في وحدة، وليس مجرد بناء وجودي نتأمله من الخارج ولا نقترب منه لأنه موجود من أجل التمتع بالوجود، بل جوهر الله هو كينونة وجوهر في أقانيم الثالوث، حيث الآب نفسه هو علة وسبب كينونة أقنومي الابن والروح القدس، وهكذا خلق الانسان علي صورة ذاته، ليكون في حالة شركة مع بعضه البعض مع الله أصل وعلة وجوده وخلقته.

  • نستطيع مما فات أن نعرف ونفهم من جهة إعلان مجد الله في ملء الزمان بتجسد الكلمة، أن لنا علاقة كيانية بالمسيح كلمة الله المتجسد، فمنذ البداية شدد الآباء متذوقي الحياة المسيحية على مستوى الخبرة، خبرة الإيمان الحي، علي حقيقة هامه وهي: أن الإنسان قادر علي أن يقترب من الله من خلال الابن في الروح القدس فقط دون أي أسلوب أو وسيلة أُخري.

والقديس بولس الرسول أول من تكلم عن علاقة المسيح الكيانية بكل واحد منا بصفته آدم الثاني (أو بمعنى أدق الأخير) أصل الجنس البشري الجديد. فكما أن البشرية كلها كانت في آدم الأول حينما استقبل الموت بسبب الخطية، حتي انطبق علينا جميعا حكم الطرد والموت حسب أفعالنا الشخصية المسئولين عنها نحن بإرادتنا:

[ فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة، لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة (لأنهم مرتبطين به كيانياً كبشر وهو رأسهم الواحد الذي تدفق عليهم بالموت) هكذا أيضاً بإطاعة الواحد (الجديد الرب من السماء رأس الخليقة الجديدة) سيجعل الكثيرون أبراراً ] (رومية 5: 18)

وقد اهتم آباء الإسكندرية علي الخصوص بإبراز هذه العلاقة الكيانية التي تربطنا بالمسيح حتي جعلوها أساساً لكل تعاليمهم الروحية عن الخلاص والتجسد، لأنهم أكدوا على أنها علاقة شركة حقيقية، على مستوى الواقع الاختباري.

فمثلا نسمع القديس أثناسيوس الرسولي يقول: [ انه لما اغتسل الرب في الأردن كإنسان كنا نحن فيه ومعه الذين نغتسل، وحينما اقتبل الروح نحن الذين كنا معه مقتبلين هذا الروح ] (عظة: الرسالة إلي تيطس )
وكما يقول أيضا بخصوص الصعود أن المسيح لم يصعد لأجل نفسه بل [ من اجلنا نحن الذين كان يحملنا في جسده ] (تجسد الكلمة 25: 6)
و بالإجمال يصيغ هذه الحقيقة في صيغة قانون لاهوتي عام قائلاً: [ أن كل ما كُتب فيما يختص بناسوت مخلصنا ينبغي ان يعتبر لكل جنس البشرية ] 

عموماً يا إخوتي أن الأساس اللاهوتي لوجودنا الكياني في المسيح هو يرتكز أساساً في سر التجسد، أي سرّ الاتحاد الأقنومي الفائق بين لاهوت المسيح وناسوته، ذلك الاتحاد الفائق هو الذي يعتبر بحق ينبوع جميع الخيرات التي تنسكب علينا في المسيح وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [ لأن جميع الخيرات إنما بواسطته تتدفق نحونا ] (تفسير يوحنا 7: 39)

 

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثاني
مقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

خيمة الاجتماع – خيمة الشهادة – مسكن الله مع شعبه

خيمة الاجتماع – خيمة الشهادة – مسكن الله مع شعبه

خيمة الاجتماع – خيمة الشهادة – مسكن الله مع شعبه

تمهيد

نلاحظ أنه من ابتداء الإصحاح 25 من سفر الخروج يتم سرد تفاصيل عن خيمة تختص بحضور الله وسط شعبه الخاص ليُشاركهم مجده ويتقبل منهم عبادتهم بعد أن أخرجهم بذراع رفيعة من أرض العبودية بخلاص عظيم وأتى بهم إلى البرية ليقدسهم بدم العهد الذي قطعه معهم على جميع الأقوال التي سلمها لهم على يد موسى النبي، لأن من المستحيل أن يسكن الله وسط شعبه ويحدث لقاء حي وسط أرض غريبة، التي تُعبِّر عن أرض العبودية أو وجود ملك آخر ذات سلطان وسيادة غير الله بشخصه وذاته !!!فليس من السهل أن يحل الله وسط شعب من الشعوب، وخاصةً إذا كان لا يعرفه.

 

ولو نظرنا نظرة سريعة متعمقة في عُمق التاريخ وفي تلك الفترة وما قبلها لوجدنا الإنسان عموماً قد أفسدته الخطية التي تسلطت عليه بالموت فأظلمت فكره بالتمام، فصارت متسلطة على كل أعضائه فصارت آلات إثم، حتى أصبحت كل أعماله أعمال فساد تام، حتى أن غرائزه الطبيعية صارت حيوانية مشتعلة بالشهوات فصار جسده متسلطاً على تفكيره وسلوكه، والنتيجة أن قلبه تلوث ولم يعد يقبل الحق المُعلن في الخليقة، وهبط تفكيره وانحط للتراب إلى الدرجة التي فيها خضع وعبد الحشرات والزحافات والبهائم، وبالطبع لم تكن هذه حالة فرادى أو شعب من الشعوب، بل هكذا كان الإنسان:

[لأن غضب الله مُعلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم. إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم واظلم قلبهم الغبي. وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء.

وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات. لذلك أسلمهم الله أيضاً في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم. الذين استبدلوا حق الله بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك إلى الأبد آمين. لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة. وكذلك الذكور أيضاً تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق.

وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق. مملوئين من كل إثم وزنى وشر وطمع وخبث، مشحونين حسداً وقتلاً وخِصاماً ومكراً وسوءاً. نمامين، مفترين، مبغضين لله، ثالبين، متعظمين، مُدَّعين، مبتدعين شروراً، غير طائعين للوالدين، بلا فهم ولا عهد ولا حنو ولا رضى ولا رحمة. الذين إذ عرفوا حُكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت لا يفعلونها فقط بل أيضاً يُسرون بالذين يعملون] (رومية 1: 18 – 32)

 

ولكي يرفع الله الإنسان من هذه الحالة البائسة ويُحرره من سلطان الخطية المُدمرّ للنفس فكان لابد من أن يبدأ بوحدة متجانسة، فيكوَّن شعباً يجمعه تحت قانون خاص ويعزله عن باقي الشعوب، ثم يتعهده بالتعليم مثل الولد الصغير إلى أن يبلغ به إلى المستوى البشري الكامل حتى يتمم تدبير الخلاص، وهذا ما بدأ أن يصنعه الله في العهد القديم بطول أناة وصبر عظيم.

فأخرج إبراهيم من أرضه وعشيرته [وقال الرب لإبرام أذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك] (تكوين 12: 1)، وبارك نسله ثم نقلهم لمصر، حتى تعلموا جميع فروع الحياة واكتسبوا شيئاً ليس بالقليل من حضارة المصريين وعرفوا الزراعة والنسيج والصباغة والنحت والبناء والنجارة وطب وحكمة… الخ؛ ثم بعد ذلك عزلهم الله في البرية بعيداً عن كل المؤثرات الوثنية، لأن كيف يُعلِّم الله الشعب وهو وسط أُناس ملوثون بالخطايا: 

 

[فكلم الجماعة قائلاً اعتزلوا عن خيام هؤلاء القوم البغاة ولا تمسوا شيئاً مما لهم لئلا تهلكوا بجميع خطاياهم] (عدد 16: 26)

[اعتزلوا، اعتزلوا، اخرجوا من هناك، لا تمسوا نجساً، اخرجوا من وسطها، تطهروا يا حاملي آنية الرب] (إشعياء 52: 11)

[اخرجوا من بابل، اهربوا من أرض الكلدانيين، بصوت الترنم أخبروا، نادوا بهذا، شيعوه إلى أقصى الأرض، قولوا قد فدى الرب عبده يعقوب] (إشعياء 48: 20)

[كيف نُرنم ترنيمة الرب في أرضٍ غريبة] (مزمور 137: 4)

[أيها الزناة والزواني أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله، فمن أراد أن يكون مُحباً للعالم فقد صار عدواً لله] (يعقوب 4: 4)

[لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد] (1يوحنا 2: 16)

 

لذلك نجد أن الله بعدما أكمل الخطوات التمهيدية بعزل الشعب تماماً وإخراجهم للبرية وبدأ في تربيتهم فيها كما يُربي الأب طفلاً عزيزاً له، وذلك لإعداده لقبول الإيمان الحقيقي بالله ومعرفة الأصول الأولى للخلاص والفداء وتذوق مبادئ الحرية الأولى، أعطاهم أول عطية وأعظمها هي الخيمة، ويُطلق على هذه الخيمة [المسكن]، وذلك لأنها تُعبَّر عن سكنى الله وسط شعبه، ولذلك تم سرد تفاصيل دقيقة عن شكل الخيمة ومواصفتها ومحتويتها وكيفية تصنيعها، فنرى – بوضوح – أن الله أظهر لموسى شكل المسكن ليُقيم مثالاً له:

 

[بحسب جميع ما أنا أُريك من مثال المسكن، ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون … أنظر فاصنعها على مثالها الذي أُظهر لك في الجبل] (خروج 25: 9 و40) وعلينا الآن أن ننتبه جداً بكل يقظة شديدة لهذا الموضوع، فالخيمة لا تُعد بالشيء البسيط أو مُجرد رمز يخص شعب إسرائيل في الماضي ونجمع معلومات عنها لنُزيد من محصلة معلوماتنا التاريخية ونُقدمها كعلم ومعرفة للآخرين، بل هي تخصنا نحن شخصياً بالدرجة الأولى، لأنها تُمثل حضور الله الخاص وسط الشعب المختار ليسكن وسطهم والكل ملتف حوله بنظام وترتيب دقيق.

 

والكل يتهيأ بالقداسة والطهارة والعفة والنقاوة ليصير شعب الله الحقيقي المؤهل لسكنى الله وحلوله في وسطهم، فكل ما يخص هذه الخيمة، لنا أن ننتبه له بشدة وبكل وعي وتدقيق، لندخل لجبل أسرار الله الشامخ لنأخذ من كنز عمله العظيم فنرى ونُبصر، وندخل ونشترك ونشبع من دسم عمل الله كخبرة في حياتنا اليومية !!!والسؤال المطروح على كل إنسان مسيحي حقيقي: ما هو قصد الوحي المقدس من سرد تفاصيل هذه الخيمة التي استغرق وصف التعليمات الخاصة لإعدادها ومراحل بنائها كل هذا الحيز من الأسفار المقدسة؟

 

مع وضع ما يقول الرسول في أذهاننا: [لأن كل ما سبق فكُتب، كُتب لأجل تعليمنا، حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء] (رومية 15: 4) فموضع الخيمة عن جد خطير وهام للغاية ويحتاج ذهن مستنير وعيون مفتوحة على مقاصد الله وتدبيره، فالخيمة تخص بداية الخلق بالدرجة الأولى وتعلن تدبيره العظيم لأجل الإنسان، أي أن الله منذ البدء خلق الإنسان ليكون له شركه مقدسة معه، فيكون له إلهاً وهو يكون له شعباً خاصاً:

 

[وأعطيهم قلباً ليعرفوني إني أنا الرب، فيكونوا لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً لأنهم يرجعون إليَّ بكل قلبهم] (إرميا 24: 7)، [وتكونون لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً] (إرميا 30: 22)، ولذلك خلقه على صورته، وكان يلتقي به يومياً عند هبوب ريح النهار كما هو واضح من سفر التكوين، بمعنى أن الله خلق الإنسان ليكون له شعباً وهو يسكن وسطهم كإله حي قدوس محب والإنسان هو محبوبة الخاص!!!

 

وبالرغم سقوط الإنسان وعدم ثبوته فيما أعطاه الله، وفقدانه روح الشركة، ولكن قصد الله الأزلي وتدبيره لا يخيب قط، ومحبته للبشر لا تسقط أبداً، لذلك لم تعجز محبة الله وصلاح عدله أن يعطي وسيلة لخلاص الإنسان وتجديد خلقته، ورده من العبودية تحت سلطان الموت وقوة الحية القديمة التي أفسدت عليه عشرته المقدسة مع الله القدوس الحي، لذلك ظل الله يعمل بقوة وسلطان فائق.

وباستمرار وبلا توقف على مدى الأجيال كلها لأجل تكميل تدبيره في ملئ الزمان: [ حسب مسرته التي قصدها في نفسه، لتدبير ملئ الأزمنة، ليجمع كل شيء في المسيح ] (أفسس 1: 9 و10) فلنا أن نعلم ونتيقن أن الله مستحيل أن يرضى بأقل مما وضعه في قصده الأزلي، بأن يُشرك الإنسان في قداسته ومجده كما طلب ربنا يسوع المسيح من الآب في صلاته التشفعية لأجلنا.

 

[أيها الآب أُريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم] (يوحنا 17: 24) وهذا هو منتهى قصد الله لنا …فلنا أن ننتبه جداً ونطلب من أن يكشف الله عن أعيننا لنبصر ونُعاين تدبيره الذي كُتب لنا، فأبصروا معي وافتحوا آذان قلوبكم: ها هو الله بعد أن خلَّص شعبه من عبودية مصر وأخرجهم من أرضها بذبيحة كفارة وفداء وعبر بهم بحر الموت لحياة جديدة في البرية

أتى بهم إلى جبل سيناء واستعلن ذاته لهم بمجد فائق عظيم، فرأوا مجده وجبروته، وسمعوا صوته، وأعطاهم ناموسه ووصياه كقانون ودستور حياتهم الجديدة، وقدسهم أي أفرزهم وعزلهم من بين الشعوب وخصصهم بدم العهد الذي قطعه معهم ليكونوا له شعباً مختاراً مكرساً أي مخصصاً لشخصه فقط، وها هو الآن يطلب منهم أن يصنعوا له مقدساً ليسكن في وسطهم، كأب يشتاق أن يُقيم وسط أبنائه الأخصاء الذين أحبهم وأحب آبائهم [إبراهيم وإسحق ويعقوب].

 

وأحب من خلالهم البشرية كلها التي خلقها على صورته ومثاله لكي يسعد بها وتسعد به بعلاقة حب متبادل لا تفتر، إذ جعل شعب إسرائيل مثال للشعوب ليضم إليهم الكل وسطهم ليكونا رعية واحدة لراعٍ واحد، لأن الله لا ينشأ شعوب بل شعب، ولا يصنع فِرق وجماعات بل جماعة واحدة تخصه !!!وطبعاً الله [العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي، كما يقول النبي: السماء كرسي لي، والأرض موطئ لقدميَّ.

 

أي بيت تبنون لي يقول الرب، وأيٌّ هو مكان راحتي؟ أليست يديَّ صنعتْ هذه الأشياء كلها ] (أعمال 7: 48 – 50)، ولكن الله قصد بهذا المقدس [ أمثال الأشياء التي في السماوات ] (عبرانيين 9: 23)، و [ ظل الخيرات العتيدة ] (عبرانيين 10: 1) ، وذلك لكي يكون خطوة في سبيل تحقيق قصده النهائي بتجسُّده وحلوله بيننا في آخر الأيام [ والكلمة صار جسداً وحل بيننا (فينا) (ونصب خيمته فينا) ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ] (يوحنا 1: 14)

وفي نهاية الدهور يسكننا معه أورشليم السمائية المهيأة كعروس مزينة لرجلها:+ [ هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعباً، والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم …

 

ولم أرى فيها هيكلاً، لأن الرب القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها. والمدينة لا تحتاج إلى شمس ولا إلى قمر ليَضيئا فيها، لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها. وتمشي شعوب المخلَّصين بنورها، وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها. ولن يدخلها شيء دنس ولا ما يصنع رجساً وكذباً، إلاَّ المكتوبين في سفر حياة الخروف] (رؤيا 21: 3 و22 – 37)

 

ويقول القديس إيرينيئوس: [إذاً، فإنه هو الله أيضاً الذي كلَّف الشعب (اليهودي) ببناء الخيمة وتشييد الهيكل، واختيار اللاويين، وتقديم الذبائح والقرابين وسائر مطالب الناموس التشريعية وجميع خدماته الأخرى. مع أن الله نفسه لا يحتاج بالحقيقة لأي شيء منها، لأنه مُمتلئ دائماً بكل صلاح، وينبع منه كل عبيق الجود والسخاء، وكل عطر طيب حتى قبل أن يأتي موسى إلى الوجود.

 

إلاَّ أنه قصد أن يوصي الشعب – الذي كان بطبعه ميَّلاً إلى عبادة الأصنام – مكرَّراً لهم تعليماته بين الحين والآخر لكي يثابروا على عبادة الله، داعياً إياهم إلى الأشياء التي لها الأهمية الرئيسية بواسطة الأمور الثانوية، أعني بذلك جذبهم إلى الأشياء الحقيقية بواسطة ما هو رمزي، وعن طريق الأشياء الزمنية يأتي بهم إلى الأبديات، وبالجسديات يقودهم إلى الروحيات، ومن الأرضيات يرفعهم إلى السمائيات، كما قال لموسى:

 

” أنظر فاصنعها على مثالها الذي أُظهر لك في الجبل ” (خر25: 40)] Against Heresies, Book IV, Chap.XIV,3 عموماً مما فات نُدرك أن الخيمة هي مثال لمسكن الله السماوي، فقد أمر الله موسى أن يصنعها [بحسب ما أنا أُريك من مثال المسكن، ومثال جميع آنيته] (خروج 25: 9)، ثم عاد وقال له “وانظر فاصنعها على مثالها الذي أُظهر لك في الجبل”، وقد رأى إشعياء النبي في رؤياه:

[السيد (الرب) جالساً على كرسي عالٍ ومرتفع، وأذياله تملأ الهيكل (السماوي)] (إشعياء 6: 1)، وكذلك شهد إرميا النبي قائلاً: [كرسي مجدٍ مرتفع من الابتداء هو موضع مقدسنا] (إرميا 17: 12)، وحزقيال النبي أيضاً يصور لنا في رؤيته: السماوات مفتوحة، وشبه عرش جالس عليه إنسان وحوله كائنات مُجنَّحة ذات أوجه أربعة.

 

والمنظر كله [مثل منظر نار ولها لمعان من حولها، كمنظر القوس التي في السحاب يوم مطر، هكذا منظر اللمعان من حوله. هذا منظر شبه مجد الرب] (حزقيال 1: 26 – 28)، هذا هو مسكن الله السماوي.

 

ثم نجد ما يؤكد هذه الحقيقة في سفر رؤيا القديس يوحنا الرسول، إذ يقول واصفاً ما قد رآه: [ثم بعد هذا نظرت وإذا قد انفتح هيكل خيمة الشهادة في السماء] (رؤيا 15: 5) فالخيمة إذن كانت تصويراً منظوراً للمسكن السماوي الغير منظور والذي أراه الله لموسى في الجبل كمثال، فصنع كل شيء على مثاله بكل تدقيق. وهذا بالطبع يعني شيئاً واحداً وهو أن الله قد أراد أن تكون جميع تفاصيل المسكن ودقائقه ليست أموراً للزينة، بل رمزاً يُعلن حقيقة إلهية مستترة ومخفية كسرّ فائق سيتحقق ويُستعلن في ملئ الزمان بتجسد الكلمة كما سوف نرى في نهاية موضوعنا.

 

وهذا ما جعلني أدخل لهذا السرّ العظيم وأغو ص فيه واكتبه كدراسة متواضعة أقدمها للجميع لكي يغرفوا معي من بحر هذا السرّ العظيم الذي أن كنا ندخله باشتياق لكي يكون لنا شركة معاً في تذوق حلاوة السرّ الإلهي الفائق المذخر لنا فيه…في الجزء القادم سوف نتعرف عن ماهي الخيمة على وجه العموم في تلك الفترة وما هي الأساسات الموضوعة فيها، وذلك قبل أن نتعرف على خيمة الشهادة وأسمائها في الكتاب المقدس وكل محتوياتها لكي نميز بدقة ما بين الخيمة لمسكن الناس والخيمة التي قصدها الله لتُعبر عن سكناه وسط شعبه الخاص.

خيمة الاجتماع – خيمة الشهادة – مسكن الله مع شعبه

ولادة المسيح المذكورة في الأناجيل و تناسقها و توافقها مع التاريخ و المؤرخين.

ولادة المسيح المذكورة في الأناجيل و تناسقها و توافقها مع التاريخ و المؤرخين

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/05/المسيح-المذكورة-في-الأناجيل-و-تناسقها-و-توافقها-مع-التاريخ-و-المؤرخين.pdf” save=”0″]

خلال متابعتي المستمرة لكل ما يُطرح من شُبهات ع العقيدة المسيحية و الكتاب المقدس، سواء على صفحات منتديات الكنيسة او مواقع آخرى، لاحظت احيان كثيرة تكلم بعض السنة الجهل بتواريخ و اشياء لا يعرفون عنها شيئاً، بل اكاد اجزم إنهم لم يقرأوا كتاب اكاديمي واحد عن التاريخ الروماني او اي تاريخ آخر مُعاصر لعصر السيد المسيح. كل ما وجدته هو تحليلات شخصية لاشخاص لا يستحقون حتى ان نُطلق عليهم مُبتدأين في مجال التاريخ المعاصر للكتاب المقدس.
هناك من يُشكك بأشياء تافهة، منها توقيت ولادة المسيح و موت هيرودس، و هم لا يعرفون كيف و متى بدأ التقويم الميلادي و علاقته بتاريخ ولادة السيد المسيح بصورة دقيقة. أحيان آخرى يذهب البعض للتشكيك بترابط انجيل لوقا او متى في تحديد تواريخ مُعينة، و هم لا يعرفون شيئاً عن خلفية هذه التواريخ و كيف حُددت و كيف حُسبت.
لهذا بدأت بكتابة سلسة ردود ستشرح و تُحدد و تُبسط التواريخ المذكور في الأناجيل و تاسقها و إتفاقها مع التاريخ و المؤرخين.
سلسلة الردود أبدأها مع السنة الجديدة برد يشرح تاريخ ولادة المسيح تاريخياً من أفضل و أقوى وجهات النظر علمياً، بعدها و مع أعياد الصلب و القيامة المجيدة سأقدم رداً أخر عن تحديد وقت وتاريخ صلب المسيح و الشبهات المتعلقة بذلك، لاختم هذه السلسة آخيراً و بعد اعياد الصلب و القيام برد آخر عن حياة المسيح و فترتها بشئ من التفصيل، لاجمع الردود الثلاثة في موضوع (كُتيب صغير) واحد لاحقاً و أعيد النتسيق و الإضافة فيه ليكون مساعداً لكل من يبحث للرد على هذه الشبهات.
في ردي هذا إعتمدت التبسيط و الإبتعاد عن المصادر و الإسماء لكي تكون المادة بسيط و سلسة للقارئ، لكن من يحتاج اي مصدر او توثيق لأي معلومة فليكتب في هذا الموضوع او يرسل لي رسالة لاقوم بالواجب. المراجع و المصادر و التوثيقات العلمية سأقوم بإضافتها لاحقاً عند جمع الردود الثلاثة لتكون أيضاً سداً في توسيع القراءة في هذا الموضوع.

My Rock

حياة المسيح المذكورة في الأناجيل و تناسقها مع التاريخ و المؤرخين.. 1
تاريخ ولادة السيد المسيح في التاريخ.. 3
التاريخ الميلادي.. 4
المسيح و هيرودس…. 5
المسيح و كيرينيوس…. 6
المسيح و طيباريوس…. 7
بدأ الحُكم من تشرين.. 8
بدأ الحكم بالإعتماد على التقويم اليولياني.. 8
بدأ الحكم بالإعتماد على حساب سنين الحكم. 8
الإكتتاب في عهد هيرودس و كيرينوسيوس…. 9
خلاصة تحديد تاريخ ولادة المسيح و إتفاقها مع فترة حياة المسيح بعد بدأ خدمته. 10

تاريخ ولادة السيد المسيح في التاريخ

المسيحيين الأوائل لم يكونوا منشغلين بمعرفة او تناقل تاريخ ولادة السيد المسيح و هذا يرجع لإهتمامهم الأكبر بولادة المسيح و حياته اكثر من التواريخ و الأرقام. طريقة تفكير المسيحيين الأوائل لا شائبة فيها، لأن حياتهم كانت مُزامنة لأحداث حياة المسيح بصورة شاملة و عاشوا على هذا التأكيد دون الحاجة الى تواريخ و أدلة، لان شهادة العيان هي أقوى من شهادة التاريخ أو التدوين. لكن بطبيعة الحال مسألة تحديد تاريخ ولادة المسيح كسبت إهتماماً أكبر كلما مر الوقت و زادت الفجوة الزمنية بين ولادته المجيدة. عدم تحديد المسيحيين الأوائل لتاريخ ولادة المسيح و تناقله لا يعني إن المسيح لم يولد، لان أفضل الأدلة التاريخية التي في الإناجيل تُخبرنا عن شخص المسيح و حياته و معجزاته دون التطرق الى تحديد ولادته بالتحديد.

 

الأناجيل الأربعة و بالرغم على إحتوائها الغزير بأحداث السيد المسيح المتنوعة، من معجزات و وعضات و امثال، لم تتطرق الى تحديد اي تواريخ مُحددة كما هي العادة في تدوين الأحداث بدل الأوقات في ذلك الوقت.

لذلك عند محاولة تحديد تواريخ مُعينة في حياة السيد المسيح، من الضروري ان نأخذ احداث الأناجيل و التواريخ المؤرخة من مصادر التاريخ الخارجية و محاولة إيجاد فترة زمنية بين الحد الأدنى ( اي ابكر وقت مُمكنtermini a quo) و الحد الأعلى ( اي أكثر وقت متأخر مُمكنtermini ad quem)

 

فكلما ضاقت الفترة بين الحدين (الأدنى و الأعلى) كلما حصلنا على إجابة اقرب و أدق لتحديد تاريخ مُعين. لذلك نجد علماء العهد الجديد المُختصين بالتاريخ، لا يكتفون بتحديد حد أدنى و أعلى يحتوي على فجوة زمنية كبيرة، بل يسعون الى تحديد حدين مُتقاربين بأفضل صورة تُقدمها التواريخ و الأدلة الخارجية. كمثال بسيط، جد إن إنجيل متى يذكر إن المسيح ولد قبل موت هيرودس و التاريخ يُخبرنا إن هيرودس تم تعيينه كحاكم في اواخر سنة 40 ق. م. لكن فعلياً اخذ الحكم بمساعدة الجيش الروماني في سنة 37 ق. م. اي بعد 3 سنين من تعيينه. هذا يعني إنه بالإعتماد على هذا الدليل فقط، يستطيع المؤرخون القول إن المسيح ولد ما بين اواخر 40 ق. م. و ربيع 4 ق. م. لكن كما نرى فترة ال 33 الى 36 سنة هي فترة كبيرة جداً و غير جيدة لتعيين ولادة المسيح بصورة دقيقة، لذلك يتم اللجوء لأدلة تاريخية آخرى، مثل الفصح او خسوف القمر الخ لتقريب الفترة الزمنية بي الحد الأدنى و الأعلى.

 

من الجدير بالذكر إن التاريخ مليئ بالتواريخ و الأدلة، و الباحثون يحتاجون للإعتماد على أفضل الأدلة و أوثقها عن محاولة تحديد حادثة مُعينة، إضافة الى إن التواريخ في تلك العصور كانت تُحسب بُطرق تختلف عن طريقة التقويم الميلادي الحالية، فلكل عصر و مُجتمع طريقته في حساب الأوقات و تدوينها. أيضاً هناك طُرق مُختلفة لتدوين التواريخ في عصر السيد المسيح، فنرى يوسفوس مثلاً يؤرخ بناء الهيكل تارة لتاريخ حُكم هيرودس لسنة 40 ق. م. و تارة لسنة 37 ق. م. و ذلك لان التاريخ الأول هو لتعيين هيرودس في الحكم و الأخير هو لتسلمه الحكم بصورة فعلية و بمساعدة الجيش الروماني لمنطقته.

 

نستنتج من ذلك، إنه لا يُمكن تحديد تاريخ حادثة او الجزم في تحديد تواريخ بالإعتماد على دليل واحد أو جزء منه، بل يحتاج الأمر لاطلاع كامل على التاريخ و المؤرخين و أعمالهم و العصر المدو فيه، فمثلاً الإعتماد على يوسفوس كدليل في تحديد تاريخ بناء الهيكل و توافقه مع حياة المسيح يتطلب منا معرفة التاريخين الذي ذكرهما يوسفوس و معرفة اوسع بالمحتوى الذي قصده إضافة الى ادلة تاريخية من مؤرخين آخرين إن امكن لتحديد حد أدنى و أعلى بصورة أدق.

 

نستنتج من أعلاه أيضاً إ هناك اكثر من طريقة لتحديد تواريخ الحوادث، و خاصة لو ركزنا على احداث الأناجيل الأربعة التي لم تذكر ان تواريخ في تدونيها لاحداث المسيح كشاهد عيان، هذا يعني إه في بعض الأحيان هناك اكثر من طريقة و أكثر من دليل لحساب تاريخ اي حادثة من الأناجيل، و الطريف في الموضوع، بل المُفرح أيضاً، إن الأناجيل تتفق مع أغلب هذه الطرق و الأدلة، المقبول علمياً، بل إنها احياناً لا تُناقض حتى الأدلة المرفوضة من قِبل العلماء لضعفها، و هذا يرجع لكون الكتاب المقدس، و العهد الجديد منه، كتاب لخلاص البشر و ليس كتاب تاريخي أو علمي، و بذلك هو سليم بل و معصوم من أي أخطاء تاريخية كما سنرى بصورة أوسع في باقي هذا البحث.

التاريخ الميلادي

من المهم جداً توضيح إن التاريخ الميلادي الحالي لا يؤرخ تاريخ ميلاد المسيح بصورة صحيحة اي إن سنة 1 ميلادية هي ليست سنة ميلاد المسيح. قصة بدأ التاريخ الميلادي ترجع لسنة 525 ميلادية، عندما آمر البابا يوحنا الأول ديونيسيوس الصغير السيثي (من سيثيا الصغرى) بتحضير تقويم للكنيسة الغربية. قام ديونيسيوس الصغير بالتعديل و الإضافة على التقويم الأسنكدري المبني من فترة حُكم حاكم الإمبراطورية الرومانية ديوكلتيانوس او كما يُسمى ايضاً دقلديانوس، أذ كان ديوكلتيانوس مضطهِداً للكنيسة و قاتلاً و ملاحقاً للمسيحيين في أخر ايامه بعدما كان مُسامحاً في اولها، لذلك التعديل الذي قام به ديونيسيوس كان ليبدأ التقويم من تاريخ تجسد المسيح بدل من تاريخ هذا الحاكم القاسي القاتل الغير عادل.

 

التواريخ التي أختارها ديونيسيوس غير معروف كيف بناها و كيف وثقها، فلا نعرف بالضبط كيف توصل لتحديد سنة 1 م. و لا يوم 25 من الشهر 12. لن ندخل كثيراً في إمكانيات و تحليلات إختيار ديونيسيوس لهذه التواريخ، لكن سنفترض إن تحديده كان بحسب مُعطياته في ذلك الوقت و لن نخوض بها اكثر من ذلك لعدم أهميتها.

 

سنة 1 ميلادية التي عينها ديونيسيوس في تقويمه قابلت سنة 754 بحسب التقويم الروماني الذي كان مبني على بداية تشييد مدينة روما.

 

لذلك التواريخ التي قبل هذا التاريخ لُقبت بقبل الميلاد و التي بعدها بالميلادية، و من الجدير بالذكر انه الفرق بي سنة 1 قبل الميلاد و 1 للميلاد هو سنة واحدة فقط، لانه لا يوجد سنة 0 للميلاد، بل تحول مباشر من قبل الميلاد للميلاد.

 

خلال الصفحات القادمة سنخوض في تحديد تاريخ ميلاد المسيح بالنسبة لاحداث تاريخية مُهمة، مثل هيرودس و كيرينيوس و طيباريوس الخ من الأحداث. في كل تاريخ سنُحدد تاريخ ولادة المسيح مقارنة به و نُحاول لاحقاً ربط الأحداث كلها معاً في سمفونية رائعة تؤكد عصمة الكتاب المقدس، و حقيقة ولادة السيد المسيح و تأكيدها تاريخياً.

المسيح و هيرودس

كما تم توضيحه سابقاً، المسيح لم يولد في سنة 1 للميلاد بتوقيتنا الحالي، بل وُلد قبل سنة 754 بحسب التقويم الروماني. حسب إنجيل متى 2 : 1 و لوقا 1 : 5، المسيح وُلد في فترة حُكم هيرودس، اي في أي وقت قبل موت هيرودس. الأدلة التاريخية تُشير الى إن هيرودس عُين كحاكم في سنة 40 ق. م. و إستلم الحكم في سنة 37 ق. م.

 

يوسيفوس يؤرخ لنا خسوف القمر الذي حصل قبل موت هيرودس بفترة قصيرة، هذا الخسوف تأريخه بين 12 و 13 من الشهر 3 لسنة 4 ق. م.
يوسيفوس يذكر لنا أيضاً انه بعد موت هيرودس كان هناك إحتفال بأول يوم من عيد الفصح، و الذي قابل يوم 11 من الشهر الرابع لسنة 4 ق. م.

 

من هذا نستطيع تحديد إن موت هيرودوس حدث بين نهاية الشهر 3 و اوائل الشهر 4 لسنة 4 ق. م.، اي بين 29 من الشهر 3 الى 12 او 13 م الشهر 4 و بطبيعة الحال المسيح يجب ان يكون قد ولد قبل موت هيرودوس لكي توافق الأناجيل التواريخ كما سنراه بصورة أعمق لاحقاً بصورة مُتناسقة جداً.

 

من هذا نستنتج إن المسيح ولد قبل موت هيرودس، اي قبل ربيع سة 4 ق. م. و غالبية العُلماء يُرشحون إن المسيح وُلد بين شتاء 5 ق. م. و ربيع 4 ق. م. لتقارب فترة ولادة المسيح و موت هيرودس و الأحداث الباقية. لكن نظرياً تاريخ ولادة المسيح بين سنة 6 و 4 قبل الميلاد لان هيرودوس قتل الأطفال من سنتين فما دون و بالتالي الفارق الزمني بين ولادة المسيح و موت هيرودس لا يتجاوز السنتين بأقصى الحالات، إذ يعتبره الكثيرين حُرص زائد من هيرودس بقتل الإطفال دون السنتنين للتأكد من التخلص من الملك الجديد الذي يُهدد حُكمه، و بالتالي لا يعني بالضرورة إن السيد المسيح ولد بالظبط قبل سنتين و الا لقتل الأطفال بين السنة و السنتنين، لكنه قتل الجميع مما يؤكد إحتمالية كون عُمر السيد المسيح أقل من سنتين عندما امر هيرودس قتل الأطفال.

 

المسيح و كيرينيوس

 

إنجيل لوقا 2 يُخبرنا عن حُكم كيرينيوس لسوريا في فترة الإكتتاب، لكن البشير لوقا كالعادة لا يخوض في تفاصيل التواريخ و لا طبيعة حُكم كيرينيوس او مُدتها، لكن هذا لا يعني إن لوقا لم يكن مُلماً بالتاريخ و التواريخ، بالعكس، فغالبية العُلماء يذكرون و يؤكدون لنا إن لوقا كان مُلماً جداً و ذكره للتواريخ كان بتتبع و فحص دقيق.

 

يخبرنا يوسفوس إن كيرينيوس حكم بين سنة 6 و 7 م. و للأسف الكثير من الغير مُلمين بالتاريخ المُعاصر للسيد المسيح يعتبرون هذا دليلاً على إن الإحصاء او الإكتتاب حدث بين ينة 6 او 7 ميلادية، لكن الحقيقة غير ذلك!

 

التاريخ يُخبرنا عن عدم إستقرار فترات الحُكم، فكان الحاكم يحكم لسنين و من ثُم يقف و يرجع للُحكم بعد فترة، كما نرى في حجر طبر من أدلة تؤكد إن بعض الحُكام حكموا لفترة و بعدها توقفوا عن الحكم لسنين معدودة ليرجعوا بعدها للحكم من جديد، بل كانوا حتى يحكمون على مناطق مُختلف من فترة لاخرى. هذا يعني إن حكم كيرينيوس في سنة 6 او 7 م. لا يعني إنه لم يحكم لو يم يكن جزءاً من الحكم سابقاً، بالعكس تعيينه في سنة 6 او 7 م. تُشير إلى إحتمالية قوية جداً بإنه كان مُشتركا بالحكم سابقاً بصورة أهلته لاخذ الحُكم مُجددا و بصورة اكبر في سنة 6 او 7 م.

 

نرجع لحجر طبر و نجد فيه تأكيد على مسألة فترة الحُكم المُتقطعة، فنجد كوينتيليوس الذي حكم سوريا من 6 الى 4 ق. م. و مجدداً في سنة 2 الى 1 ق. م.

 

التاريخ الروماني يُخبرنا إن كيرينيوس كان عسكري روماني و كان يقوم ببعثات و توسيعات عسكربة في شرق الإمبراطورية الرومانية. هذا النفوذ العسكري كان في فترة تزامن اخر سنين حُكم هيرودس و بداية حُكم كوينتيليوس، و التاريخ الروماني و إشارات حجر طبر تُرشح كيرينيوس بكونه مُشرك بالحُكم بصورة حاكم مُساعد لكوينتيليوس و هذا الشئ يُفسره العُلماء اما لكون كوينتيليوس غير موثوق به بصورة كاملة بسبب فشله في الحكم في جزء من المانيا في سنة 7 ق. م. او بسبب نفوذ كيرينيوس و قُربه من كوينتيليوس. الشهيد جستن يؤكد لنا إن كيرينيوس كان حاكماً عسكرياً و مُشركاً بالحكم كما يؤكده تيرتليان في ذلك.

 

من هذا نستنتج إن كيرينيوس كان حاكماً و قائداً عسكرياً في فترة ولادة المسيح و بالتالي ما يذكره لنا لوقا هو صحيح تاريخياً بل الأدلة التاريخية تدعمه بأكثر من طريقة و التي ذكرنا منها اهما و اكثرها قبولاً.

 

المسيح و طيباريوس

 

إنجيل لوقا 3 يُخبرنا عن فترة حُكم طيباريوس المُزامنة لبدأ يوحنا المعمدان خدمته، ففي السنة الخامسة عشر لحُكم طيباريوس بدأ يوحنا المعمدان خدمته، و من خلال هذا التاريخ نستطيع تحديد تاريخ بدأ المسيح لخدمته و منها نستطيع تحديد وقت ولادته.

 

نحن نعلم من انجيل لوقا الإصحاح 3 إن يوحنا المعمدان بدأ خدمته في السة الخامسة عشر لُحكم طيباريوس، و بالتالي السيد المسيح بدأ خدمته بعد يوحنا المعمدان، اي لا يُمكن للمسيح ان يكون بدأ خدمته قبل سنة 15 لُحكم طيباريوس وهذا يُعطينا الحد الأدنى الذي سنستخدمه لاحقاً لتحديد بدأ المسيح لخدمته و ولادته، لكن قبل ذلك علينا تحديد تاريخ حُكم طيباريوس بالتقويم الميلادي.

 

الشئ الذي يجهله المشككين إن هناك اكثر من طريقة لحساب تاريخ حُكم حاكم مُعين، إذا تعتمد على وقت بدأه في الحكم، تعتمد على أي تقويم تم إستعماله لحساب السنين و يعتمد على كيفية حساب السنين بحسب تقاليد المماكلة المملوكة.

 

قبل الخوض في الحسابات التاريخية من المهم معرفة إن طيباريوس حكم بعد موت اغسطس، و الذي وافق 19 من الشهر 8 لسنة 14 مز و أن يوحنا بدأ خدمته بفترة قصيرة قبل السيد المسيح، اي يُمكننا القول إ المسيح بدأ خدمته بعد شهرين او ثلاثة. نعرف أيضاً إن السيد المسيح كان بحدود الثلاثينات من عمره عند بدأه لخدمته، فلاحظ إن لوقا ذكر إنه في الثلاثينات و هذا يُعزى بغالبية المفسرين و العلماء بأنه رقم تقديري يٌصد به بين الثلاثين و الثالث و الثلاثين من عمره.

 

هناك ثلاثة طرق مقبولة من قِبل العُلماء لتحديد وقت بدأ خدمة يوحنا المعمدان. الطرق الثلاثة توافق إنجيل لوقا بطريقة رائعة كما سنراه في النقاط الثلاثة:

بدأ الحُكم من تشرين

حُكام الأمبراطورية الرومانية كانوا يُحسبون في الحُكم من اول شهر تشرين (العاشر) كما كانت العادة من عصر اغسطس الى نيرفا. هذا يعني إن السنة الأولى لُحكم طيباريوس بدأت من 19 للشهر 8 و الى الأول من تشرين من سنة 14 م. و بذلك السنة ال 15 لُحكم طيباريوس ستكون من تشرين 27 الى تشرين 28 م. العُلماء يرجحون هذا الدليل لكون لوقا من انطاكيا و مُلم بطريقة الحساب هذه. فالقول إن السيد المسيح كان بين ال 30 و ال 31 من عمره يتطابق تماماً مع ولادته بين خريف 5 وربيع 4 ق. م. فبدأ الخدمة من الفصح السابق لسنة 28 م. نطرح منها 31 سنة (لاحظ انه لا توجد لا توجد سنة 0 م. في الحساب)، ف اواخر 27 نطرح منها ال 31 سنة، سنكون في اواخر سنة 5 ق. م. و بالتالي يوافق تحديدنا لتاريخ ولادة المسيح السابق لموت هيرودس في هذا الوقت.

بدأ الحكم بالإعتماد على التقويم اليولياني

الطريقة الثاني هي حساب الحُكم من بحسب التقويم اليولياني الذي يستعمل فترة الدخول للحكم لنهاية السنة التوقيمية بسنة حُكم كاملة (non-accession-year) أي إن فترة حُكم طيباريوس في السنة الأولة هي من 19 للشهر 8 و لنهاية السنة في 31 من الشهر 12 و بالتالي السنة 15 لحُكمه هي بين بداية و نهاية سنة 28.

 

البعض يعترض على حساب سنة دخول الحكم كسنة مُنفصلة، و هذا لا مانع فيه ايضاً، فالحساب يكون إن الفترة من 19 للشهر 8 الى 31 للشهر 12 لسنة 14 هي فترة الدخول في الحكم لغير محسوبة من وقت الحكم، اي السنة ال 15 لحكم طيباريوس تُقابل اوائل و اواخر سنة 29 م.
سنحسب تاريخ ولادة المسيح في الطرقة الثالثة لتقارب التواريخ.

بدأ الحكم بالإعتماد على حساب سنين الحكم

الطريقة الاخيرة في الحساب هي ان يكون لوقا حسب السنين بصورة عادية، اي من بداية الحُكم ، اي سنة الحُكم الأول من 19 للشهر 8 سنة 14 م الى 18 للشهر 8 سنة 15 م. و بالتالي السنة 15 لحكم طيباريوس تُصادف 18 للشهر 8 سنة 29. بالرغم من إعتراض البعض على هذه الطريقة لكونها طريقة حساب الحُكم بالإعتماد على طريقة غير مُعتمدة في الحُكم الروماني، لكن سنحسبها أيضاً لقربها من الطريقة الثانية.

 

فالقول إن يوحنا المعمدان بدأ خدمته في سنة 28 او 29 يعني إن المسيح بدأ خدمته في نفس السنة لكن بعده بأشهر قليلة، اي بدأ المسيح لخدمته كأبعد تقدير هو ربيع و خريف سنة 29 م. من هذا نسنتطيع ان نستنتج إن بدأ السيد المسيح لخدمته بعمر ال 32 الى 33 يعني ولادته بين اواخر سنة 5 و اوائل سنة 4 ق. م.

 

من جديد نرى التواريخ و الأحداث تتناسق بشكل رائع، فالبرغم من وجود اكثرمن طريق للحساب، الى انها كلها موافقة للأناجيل المقدسة.

الإكتتاب في عهد هيرودس و كيرينوسيوس

هناك أدلة تاريخية التي تؤكد لنا حدوث الإكتتابات في فترات متقاطعة في فترة حُكم اغسطس حاكم الإمبراطورية الرومانية و هذا يرجع حتى لسنة 28 ق. م. لكن لا يوجد مصدر تاريخي يذكر لنا الإكتتاب في اخر ايام هيرودس و بالتعاون مع كيرينوسيوس لك لا يوجد ما يعارض هذا، فالعلماء يرجحون توقيت الإكتتاب الذي جرى في اخر ايام هيرودس فالتاريخ يُخبرنا إن هيرودوس كان على خلافات مع اوغسطس بين سنة 7 و 8 قبل الميلاد و التي أدت بهيرودس الى تنفيذ الحكم بأبنائه اليكساندر و اريستوبولوس في سنة 7 قبل الميلاد بحجة إنهم كانوا يهددون حياته و ملكه، و هو بالفعل ما فعلوه للتنافس في الحصول على كرسي الحكم، فهيرودوس كان كبير العمر و بحالة صحية تعسة، بحيث إنه قام بتغيير وصيته لثلاثة مرات قبل موته، كل هذا تستطيع مراجعته في كتابات يوسفوس المؤرخ.

 

لذلك يُرشح العُلماء إن الوقت الأمثل و بسبب حالة هيرودوس و مشاكل هو بين 6 و 4 قبل الميلاد و الذي يوافق الدليل الكتابي بقيام الإكتتاب قبل ولادة المسيح.

 

كما ذكرنا فكيرينوسيوس كان مُشركاً بالحكم، بل حتى نجد إ هناك ادلة تاريخية توثق آمر كيرينوسيوس بعمل إكتتاب في مكان اخر و وقت آخر مما يشير الى خبرة كيرينوسيوس و تجربته لهذه الأمور بصورة سابقة.

خلاصة تحديد تاريخ ولادة المسيح و إتفاقها مع فترة حياة المسيح بعد بدأ خدمته

نستطيع بذلك الإستنتاج إن المسيح ولد قبل موت هيرودس بفترة قصيرة، يُسفرها مُعظم العلماء لكونها بين شتاء 5 ق. م. و ربيع 4 ق. م.
نسنتنتج أيضاً إ الحُكام الآخرين المذكورين في الأناجيل و التواريخ المُتعلقة بها تتفق بصورة رائعة مع بعضها البعض، فولادة المسيح بالنسبة لهيرودس و طيباريوس و كيرينوسيوس تتفق مع بعضها، و الموضوع يحتاج بعض الإلمام بالتاريخ المعاصر للسيد المسيح لربط الأحداث مع بعضها البعض.

 

تحديد ولادة المسيح من بدأ خدمته التي بدأت بعد خدمة يوحنا بوقت قصير، يعتمد على ما ذكره لوقا في انجيله 3 : 1 إن يوحا بدأ خدمته في السنة 15 لُحكم طيباريوس و التي قابلت 19 لشهر 8 من سنة 14 م.

 

قدمت افضل ثلاثة طُرق لحساب السنين، و تحديد السنة التي قصدها لوقا، فهي تتراوح بين 27 و 29 م.

 

إن اخذنا 27 و قلنا إن المسيح كان في الثلاثينات عدما بدأ خدمته، في بين 30 و 31 على اقل تقدير، سنصل الى إن المسيح ولدة أيضاً بي خريف 5 و ربيع 4 ق. م.و هذا الخيار يُعطينا ايضاً تناسق مرور خدمة المسيح بالفصح ثلاثة مرات، فمن الوارد ان يكون بدأ خدمته قبل الفصح بفترة قليلة ليمر بالفصح ثلاثة مرات خلال سنتي و جزء من السنة الثالثة، أي خدمة المسيح أستمرت تقريب السنتين و ربع (بالإعتماد على الأدلة التاريخية و الفلكية التي تُحدد صلب المسيح في الشهر 4 لسنة 30 او 33 لاتفاق بعض الأحداث مع العلم سأتي لها بالتفصيل مع إقتراب فترة الصلب و القيامة المجيدة).

 

إن أخذنا ما بين 28 و 29 و قلنا إن المسيح كان بين 32 و 33 عند بدأ خدمته، فهذا يوصلنا لنفس تاريخ ولادته في الخيار الأول، اي في خريف 5 و ربيع 4 ق. م. و بالتالي سيكون للمسيح فترة ال 3 سنين لخدمته، و هو الخيار المرشح بقوة أكثر من لاعتماده على أقوال الأباء التي ترجع لعهد ميليتس أسقف ساردس و يوسيبوس، اي منذ القرون الأولى للمسيحية و هذا التقليد المنتشر و المتناقل عن فترة خدمة المسيح المُقدرة بثلاثة سنين.

 

من هذا كله نستتج إنسجام و توافق الحوادث التاريخية في الأناجيل الأربعة، و هذا ما يؤكد العصمة الكتابية بذكر أحداث و تواريخ سليمة.

 

الأناجيل كُتبت لتوثيق حياة المسيح بدقة لنقل البشارة للمسكونة اجمع و لا يوجد مُبرر واحد لذكر تواريخ خاطئة او ملفقة في اي من الأناجيل، فكل الأناجيل كُتبت في وقت مُبكر و مقارب لحياة المسيح، اي اي معلومة خاطئة فيه كانت الكنيسة الأولى حددتها و عينتها، لكن هذه التخيلات لا توجد سوى في العقول المهوسة بنقض كل ما في الكتاب المقدس، لكونه اقوى كتب صمد اما اكبر التحديات او الشبهات خلال الآف السنين.

 

فيبقى الكتاب المقدس الكتاب الفريد الذي كُتب لخلاص الإنسان و يبقى الصخرة التي تتحطم عليها كل الشبهات على عبر العصور، فالمدافع لا يحتاج اكثر من معرفة كتابية و معرفة بخلفية الشبهات المطروحة ليُفندها حرفاً حرفاً.

 

هذه كات المقالة الأولى في تواريخ حياة المسيح، و التي ستُتبع بمقالة آخرى في فترة الصلب و القيامة المجيدة، بنفسالطريقة و المنهج و الأدلة.

أي إضافة أو إستفسار أو سؤال أرحب بطرحها في الموضوع

 

لتحميل البحث

حوار مع بروس ميتزجر

نص حوار العالم بروس ميتزجر مع لي ستروبل كما ورد في كتاب القضية للمسيح 

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/08/حوار-مع-بروس-متزجر-coptic-books.blogspot.com-.pdf”]

Exit mobile version