الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية  بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

تؤمن الكنيسة المسيحية الحقة بأن الكتاب المقدس هو كلمة إعلان من عالم آخر، مصدرها الله، إله السماء المثلث الأقانيم. الدليل على كونها كلمة معلنة، منتشرة على صعيد واسع ومتكرر على صفحات الأسفار المقدسة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مصدرها الإلهي، وعصمتها، وحقيقة كونها منزهة عن الخطأ.

كنت في الفصل الثاني تناولت تعليم يسوع بخصوص المصدر فوق الطبيعي للكتاب المقدس، واكتساب تعليمه بالطبع أهمية بالغة. وفي هذا الفصل الثالث، أود الاستفاضة أكثر في شهادة الكتاب المقدس عن نفسه، الأمر الذي يظهر أنه فعلاً كلمة الله المعلنة والموحى بها. سنرى كيف أن الكتاب المقدس ولو أقدم رجال على كتابته بأكمله، فهو يظهر لنا أيضاً على أنه كلمة الله بالتمام، ذلك لأن روح الله الحي هو الذي أوحى لرجال كتابته على صعيدي الكل والأجزاء. إلا أن العلاقة بين كُتاب الكتاب المقدس من جهة وروح الله من جهة أخرى.

لم تكن من قبيل مجرد التعاون أو المشاركة في التأليف. فالرجال ما كان بوسعهم أن يكتبوا الكتاب المقدس (ولا كانوا ليحاولوا الإقدام على ذلك) بمعزل عن عمل الإشراف الذي قام به الروح القدس. فالروح القدس هو مؤلف الأسفار المقدسة بشكل أساسي وأعمق مما كان بمقدور الكتاب البشريين أن يكونوا عليه (أو يتمنون ذلك). كان الله هو المؤلف الرئيس للأسفار المقدسة (أوكتر بريماريوس سكريبتورا ساكرا). أما الكتاب البشريون فيعتبرون كتاب الكتاب المقدس على قدر ما كلفهم الروح القدس بذلك، وأطلقهم ودفعهم إلى الكتابة (مانداتم أوت إمبلسم سكريبندي). فالكتاب المقدس في الكل أو في الجزء، لم يكن ليوجد للحظة واحدة لولا تكليف الروح القدس وطابع الوحي فيه.

لذا، فإن اعتبار الكتاب المقدس مجرد مكتبة من الوثائق القديمة الجديرة بالثقة على وجه العموم (كيف بوسع أحدهم التحقق من هذا؟) من نتاج مؤلفين بشر، كما يرغب بعض المدافعين الإنجيلين في القيام به (على الأقل في البداية) كجزء استراتيجيتهم الدفاعية[1]، فإن هذا ينطوي على تجاهل الحقيقة الأكثر جوهرية حول الكتاب المقدس مع الادعاء الرئيس للكتاب المقدس حول نفسه.

إن اقتناع الكنيسة بكون الروح القدس هو المؤلف الرئيس للأسفار المقدسة يحتم اقتناعاً آخر، هو أن تأثير إشراف الروح القدس في أذهان الكتاب فيه الضمان على أنهم سيكتبون بكل دقة ما أرادهم الله أن يقولوه. بكلام آخر، بما أن إله لاحق، من خلال روح الحق، أوحى إلى كتاب الكتاب المقدس كتابة ما أرادهم أن يكتبوا، فيكون قد أسفر عن ذلك في النهاية نتاجاً منزهاً عن الخطأ في صيغته الأصلية.

أما الشخص الذي يؤمن بأن الله، إله الحق، أوحى بالكتاب المقدس، لكن الكتاب المقدس لم يكن منزهاً عن الخطأ في صيغته الأصلية، فأقل ما يقال فيه أنه يعاني مشكلة رئيسية من زاوية فلسفة المعرفة. إلى ذلك، إن فاتنا إدراك صوت السيد من خلال الأسفار المقدسة وهو يخاطبنا بحقه المعصوم من عالمه إلى عالمنا، نحن بذلك ندمر نفوسنا ليس من زاوية المعرفة وحسب، بل شخصياً أيضاً.

ذلك لأننا بفعلنا هذا إنما نتخلى عن الأساس الأوحد لمعرفتنا اليقينية “والركيزة ذات معنى” الوحيدة التي تمكننا من المعرفة الحقة لله الواحد اللامتناهي والشخصي، وبالتالي أنفسنا كأشخاص أصحاب كرامة وقيمة[2]. والآن، لماذا على المسيحيين أن يؤمنوا بكل هذا؟ ولماذا عليّ أنا وأنت ان نؤمن به؟

[1] راجع

Benjamin B. Warfield, The Inspiration and Authority of the Bible (Philadelphia: Presbyterian and Reformed, 1948), 210; John Warwick Montgomery, History and Christianity (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 1972) 25-26; R. C. Sproul, John Gerstner, and Lindsley, Classical Apllogetics (Grand Rapids: Zondervan, 1984), 137-55.

[2] راجع كتابي

The Justification of Knowledge (Phillipsburg, N. J. : Presbyterian and Reformed, 1976)

حيث حاججت حول كون الكتاب المقدس يبقى الأساس الأوحد للمعرفة اليقينية عند الإنسان. إن جزءًا ضرورياً من كامل حجتي هناك، هي أن الكتاب المقدس كإعلان إلهي، يقوم بالضرورة بإثبات صحته بنفسه أو يصادق بنفسه على نفسه، بما أنه يحمل في طياته مؤشراته الإلهية (انديسيا) (15-16؛ راجع في هذا الصدد Westminster Confession of Faith I/v أنا أصر أيضاً على أن الكتاب المقدس، بفضل عقيدته عن الخلق، يمنح الإنسان الأساس الأوحد لتسويغ وجود وقيمة لشخصه وسنسهب أكثر في الحديث عن هذا لاحقاً.

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
(للعودة للجزء الثالث أضغط هنا. )
الجزء الرابع من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها

  

 




2 – واقع الخطية وطبيعتها: الخطية واقع بشري، لكنها واقع زائل لأنه وهمي مُخادع في مظهره ونتيجته مؤلمة، وهي عبارة عن علاقة سلبية مع الله، أي في اتجاه معاكس لمشيئته ومخالفة لوصية الحياة التي قدمها للإنسان ليحفظه من كل عبث الموت المفسد للنفس. وللأسف أن جيلنا هذا وقد فقد الاحساس بالله، فقد أيضاً بالفعل نفسه الإحساس بالخطية. وموقف الإنسان من الخطية دائماً ما يكون مؤشر لموقفه من الله. والفكرة التي يكونها الانسان عن الخطية مرتبطة بفكرته عن الله.

إن للعهد القديم إحساساً مرهفاً بالخطية, كما لهُ إحساساً عميقاً بالله. وفي بادئ الأمر لم تكن الخطية متميزة تمييزاً كافياً عن مجرد مخالفات مادية لأوامر ومناهٍ صادرة من فوق (2 صموئيل 6: 7). ثم نُظر إليها كعصيان وتمرد، وأخيراً تبينت كنكران للجميل وقلة أمانة، ونكران النعمة ورفض الحب والانحصار في الذات وتحقيق الرغبات الشخصية المائلة نحو الموت الذي يتبعه الفساد بالضرورة.

والعهد القديم كشف أن الخطية لا تستطيع أن تطال الله في ذاته: 

  • [ إن اخطأت، فماذا تؤثر فيه. وإن اكثرت (إثمك) فماذا يلحقُ به ] (أيوب 35 : 6)
  • [ أفإياي يغيظون يقول الرب، أليس أنفسهم لأجل خزي وجوههم ] (إرميا 7: 19)

إنما هي تنال من الإنسان وتطعنه بالأوجاع الداخلية لأنها تفصله عن الله، الذي هو خيره الحقيقي وحياته، أي أن الخطية لا تؤثر في الله أو تهينه في ذاته، لكنها تؤثر فينا وتهين الإنسان في ذاته، إذ تفقده الحس فتفقده إنسانيته وتشوه صورة الله فيه.


وعموماً إذا كانت الخطية لا تؤثر علي الله بالذات، إلا انها تنقض خطة محبته بالنسبة لي أنا، فالخطية رفض للحب من قِبَل الانسان، وهي تضع حاجزاً بينه وبين الله، بحيث أن الله الكلي القداسة لا يستطيع أن يكون في شركة مع الإنسان: [ إن آثامكم فرقت بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم حجبت وجهه عنكم، فلا يسمع ] (أشعياء 59: 2 ) 

  • و نأتي لسؤال هام: ما الذي احدثته الخطية الأولي أو السقوط ؟

إن معاناتنا وآلامنا هي تجربة واقعيه مُعاشة نحياها، وليست مجرد مشكلة نظرية أو فكره فلسفية نتحدث عنها. إنها علي مستوي أعمق من الكلمات. فإن تكلمنا عن نتائج السقوط، فنحن لا نتكلم عن موضوع فكري أو نظري أو مجرد تاريخ مضى وفات، بل عن تجربة نحياها كل يوم، عن معاناة بدأت بها الدراما الإنسانية، وعانت منها البشرية كلها، وكل واحد فينا على المستوى الشخصي، حتى أنه لم يعد يشعر بالله ولا حضوره، بل والبعض لا يصدق وجوده من الأساس، لأن كل واحد فقد الحس بالله الذي خلقه على صورته كشبهه.

إن حقيقة الخلق علي صورة الثالوث القدوس، يدعونا للتقدم في المحبة، للتقدم من الصورة الإلهية إلي المثال الإلهي، لكن الانسان اختار لا طريقاً مؤدياً إلي الأعلى، بل طريقاً مؤدياً إلي الأسفل، طريق وهمي مُخادع، مثلما من يرى السراب في الصحراء وهو عطِش، فهو يسعى أن يصل إليه بكل طاقته لكي يروي ظمأه، ولكنه يسعى ويجتهد بكل معاناه وبذل الجهد، ولكنه لا يصل أبداً بكونه مخدوع، ومع ذلك السراب يجعله يستمر في السعي إليه بلا توقف، مع أنه يستمر في زيادة العطش الذي قد يصل به للموت لأنه لن يشرب أبداً .


لقد أنكر الإنسان العلاقة مع الله التي هي في عمق جوهره الحقيقي مزروعة فيه، وعِوضاً من أن يكون مركز موحد مع إخوته البشر والله، انتهي إلي سلسلة من الانقسامات: 
انقسام شخصي أو ذاتي (منقسم على نفسه)، انقسام بينه وبين الآخر، وانقسام بينه وبين عالم الطبيعة. وأخيراً إلي الانقسام الحاسم بينه وبين الله (الذي هو جوهر كل انقسام)، أي تم هدم علاقة الشركة بينه وبين الله الحياة فأدت طبيعياً إلى الفساد. لقد طعن عطية الحرية. وإذ كان حراً أصبح عبداً: [ أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية ] (يوحنا 8: 34)

ومشكلة الخطية أنها لم تقف عند حد، بل صارت إلى ما هو أخطر، لأن بسببها حاول الإنسان ان يُدين الله: فلقد حَمَّل آدم حواء كل المسئولية عما حدث: [ المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت ] (تكوين 3: 12)، وهو بذلك جعل الله هو السبب الجذري للخطية (وهذا ما يحدث في كل زمان)، إذ يتهم الإنسان الله بوجود الخطية في حياته وكأن الله هو السبب فيها، وبذلك عاش مختبراً الانفصال لا عن الله فقط، بل عن الإنسان أيضاً.

يقول فلاديمير من موسكو philaret of moscoo : [ لقد اغلق الانسان علي نفسه جداول النعمة الالهية ]، وذلك بالطبع عندما حمَّل آدم المسئولية لحواء، ففصل نفسه عن نفسها أولاً، وجعل كل واحد منها فرداً منفصلاً عن الآخر، في الحياة وفي المصير، يسعي للتحرر منه وتجاوزه كي ينمو هو، وذلك حينما ألقى عليها التهمه بدون أن يتحمل أي مسئولية لكي يتجنب ملامة ضميره ولكي يلقيها وحدها لتحمل المشكلة كلها.

عموماً الله في البدء خلق الإنسان الجامع ليكون رأس البشرية وبذلك حوي الانسان الأول في ذاته كل الطبيعة البشرية لأنه أصلها وأبيها. وكان شخصاً فريداً في كل شيء.
وكما يقول القديس النيصي: [ الإنسان المخلوق لا يملك اسماً خاصاً، ولكنه إنسان كوني. ولذلك فهذه التسمية العامة للطبيعة البشرية تعني لنا أن نفهم أن الله .. قد ضمَّن كل الإنسانية في الخليقة الأولي .. إذ إن الصورة ليست في جزء من الطبيعة] 


فالطبيعة البشرية أساسها وجذرها في آدم وحواء قبل السقوط. ولم تكن مجزأة بينهما. كان كل منهما شخصاً – علي صورة الثالوث القدوس – لهم كل الطبيعة الإنسانية، متحدين مع بعضهما في انسجام واتفاق مبدع في حرية إرادة ومشيئة منسجمه، ولكن الخطية أتت كعنصر غريب لتحوّل الاشخاص إلي أفراد، إلي كائنات تتنازع علي امتلاك الطبيعة، من هو السيد والرئيس والمرؤوس، فحولت الكل إلي كائنات يعتقد كل واحد منها أنه يملك الطبيعة لذاته وحده.

  • عموماً باختصار نستطيع أن نقول:

أن بسبب انفصالي عن الله وميلي الباطل لما هو غيره، أصبح كل شيء صار يستقطبني في هذا العالم ما عدا الله. لقد صارت ذاتي قطباً لي في جميع أفعالي وتصرفاتي. لقد تحوَّلت إلي مركز لي للتمركز حوله. لم أعد انظر إلي العالم وإلي الكائنات البشرية الباقية بطريقة إفخارستيا للشكر والمسرة، كسرّ للشركة مع الله.

لقد توقف كل شيء عن كونه عطية لي من الله. لقد صار كل شيء وسيلة لأُحقق به وفيه رغباتي الشخصية أو شهواتي الخاصة المُدمرة. وتناسيتُ أنها هبة من الخالق لأُعيد تقديمها إليه في شكر واعتراف حسن في المحبة. لقد بدأت باستعمال كل شيء كما لو كان ملكي أنا استهلكه وأُبدده وأُشوه منظره الطبيعي. ولم أعد أري الأشخاص والأشياء كما هي بحدًّ ذاتها وفي جمالها الطبيعي، وكما هي في الله. بل أصبحت أراها فقط كوسيلة للمتعة والإشباع (الأناني) اللذين لن ألبيَّهما أبداً بهذه الطريقة.


حتي جسدي صار مبيعاً تحت الخطية (رومية 7: 4)، صار أداة لي لشهواتي بدلاً من أن يكون هيكل مقدس طاهر لحلول الله، ولقد انطلقت به نحو العالم الغاش المادي الكامن فيه روح الشر والفساد بدلاً من أن انطلق به نحو الله، وأرفع العالم معي في سرّ التقوى وهبة القداسة: [ لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم ] (1يوحنا 2: 16)

لقد دخلتُ كإنسان خاطئ دائرة معينة من العطش والشهوة الخاصة، التي بمقدار ما تشبع أزداد جوعاً لتلبيتها، ولم يعد العالم ناقلاً لي جلال مجد الله وبهاءُه. ولم يعد نافذة أُعاين الله من خلالها. لقد صار ظليلاً، كامداً، باهتاً؛ لقد توقف عن أن يكون مانحاً للحياة، وصار موضوعاً وخاضعاً للفساد والموت كالإنسان [ من التراب أنت والي التراب تعود ] (تكوين 3: 19) 

هذه هي الحالة الحقيقية للإنسان الساقط، ولكل شيء مخلوق. فحالما يقطع نفسه عن مصدر الحياة الواحد يفقد الحياة؛ لقد سقط الانسان بعد الخطية، وإنهار جسدياً وأخلاقياً. 
لقد صار خاضعاً للألم والمرض والانحلال الجسدي؛ حتى أنه صار فرح المرأة بالولادة ممزوجاً بآلام المخاض (تكوين 3: 16)، وهذا كله لم يكن من خطة الله الأولية للبشرية. ولكن بسبب السقوط، صار الإنسان أسيراً لكل هذا وهو الذي تسبب وحده لنفسه بهذه الأوجاع؛ وفي النهاية صار خاضعاً للموت: [ لأنه بخطية واحدٍ مات الكثيرون ] (رومية 5: 15)، فسرى الموت في جميع البشر، والكل بدأ يموت، حتى الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم:
[ لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي ] (رومية 5: 14)


__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الخامس
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
4 – خطية آدم وآثارها فينا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الثاني أضغط هنــا. )
الجزء الثالث من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطيـــــــــــــــة والسقــــــوط

 

 




2 – الخطية والسقوط: يقول القديس باسيليوس الكبير: [ الله ليس مسبباً لعذابات الجحيم، بل نحن أنفسنا. لأن أصل الخطية وجذرها كائن في حُريتنا وإرادتنا ] 
فمنذ القديم وفي بدء الزمان، خلق الله السموات والأرض وكل ما فيها وما عليها في منتهى الإتقان والجمال الطبيعي الفائق، لا لأجلها في حد ذاتها ولكن لغرض وهدف وضحه الله بعد ذلك حينما خلق أجمل خلائقه وأعقلها؛ خلق الانسان – محبوبه الخاص – علي صورته ومثاله كشبهه.
 
خلقه كائنا فريداً في خلقه، فريداً في حياته، وفريداً في مصيره. ووضعه في مكان فريد أعده له خصيصاً ليكون مكان راحته وفرحه كإنسان فريد لا يوجد له نظير آخر في الخليقة كلها، بل ومتميزاً عنها في كل شيء لأنه يعتبر رأسها وراعيها. وقد كان كل شيء متوفراً لديه، كل شيء موضوع لخدمة ذلك الكائن الذي خُلِقَ ليصير ملكاً وسيداً ورئيساً علي الكون وكل الخليقة التي فيه.

وبالرغم من كل شيء، أرادا الله من الإنسان أن يبقي حراً، غير مقيد أو مربوط بإرادة آخر، فلقد خلقه كائنا علي صورته. الله حُرّ والانسان حُرّ. فالله أراده حُراً دائماً، يستعمل إرادته الحرة في كل أعماله ومواقفه وقراراته وأقواله وتصرفاته. لذلك جعله قادراً علي الاختيار الحُر بدون ضغط ولا إكراه. والله يحترم الانسان ويحترم – بالتالي – حُريته، فهو يحترم صورة ذاته في الانسان الكائن الذي خلقه علي صورته ومثاله كشبهه من جهة الحرية في طهارة ونقاوة طبيعته الإنسانية، لأن الله هو من خلقها بالطهارة الأصيلة التي فيها، فزاده جمالاً على جمال بالحرية التي توجه بها.

وإرادة الله منذ البدء أن يشاركه الإنسان حياته الإلهية، لذلك أراده ان يصير علي مثاله كشبهه، لذلك صار النموذج والمثال أمام الخليقة كلها، ينمو نحو خالقه، ينمو ويزداد في ما أعطاه من قداسة وطهارة ونقاوة في صميم جوهر طبيعته الإنسانية، فيتعمق ويتأصل في معرفة الله الخالق ويأخذ من مجده ونوره ويتوشح به، إذ أراده الله إلهاً بالنعمة، أي كائناً خلاقاً مبتكراً ومبدعاً على شبه من خلقه (طبعاً لا يفهم أحد من الكلام أن الإنسان يتساوى مع الله أو يصير إله بالمعنى الحرفي للكلمة، فهذا مستحيل على وجه الإطلاق، ولكن المعنى أن تتحقق فيه الصورة الإلهية حسب القصد المبارك الذي أعطاه الله للإنسان) …

فمنذ البدء تأسست علاقة شركة محبة مع الله: [ وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار ] (تكوين 3: 8)؛ والمحبة تُمارس في جو الشركة بين طرفين، الله والإنسان، والمحبة – حسب طبيعتها – لا تحيا الا في جو من الحرية، فهي تتغذي من هذه الحرية. فلا إكراه أو غصب في المحبة وإلا صارت عبودية.
والله أراد من الإنسان أن يحبه بكل جوارحه وكيانه من داخله، أن يحيا لأجله، و ينمو في الشركة معه باختياره، بملء إرادته وحريته. فإن شاء الانسان نما في هذه الشركة، وإن شاء قطعها مباشرة مع الله ليحيا لنفسه.

عموماً في الاصحاح الثالث من سفر التكوين، وفي صميم وضع الانسان في علاقته مع الله والخليقة، فجأة يدخل عنصر غريب يزلزل كيان الإنسان على مستوى الداخل، وكأنما كان لابد أن يدخل هذا العنصر الغريب لتكتمل صورة الإنسان، وخاصةً فيما يتعلق بعلاقته بالله التي قامت منذ البدء علي حرية الإرادة المشروطة، فالإنسان لم يأخذ حرية إرادة مطلقة أو خضوعا مطلقاً لأوامر الله؛ إنما تظهر الحرية المشروطة بقول الله له: [ وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ] (تكوين 2: 17)

وهكذا يظهر منذ البدء أن الطاعة للوصية بالمحبة الصادقة الحرة لله هي الشرط الدائم اللازم لبقاء الانسان حُراً في إرادته الشخصية، يختار ما يختاره الله له بمنتهي الانسجام والتوافق التام، لأن هذا هو مفهوم خلقة الانسان علي صورة الله كشبهه، لأن الصورة إذا اتبعت أصلها، فمن ذا يستطيع أن ينتقص من حريتها وقدرتها علي الحركة نحو الله حبيبها الشخصي، ولكن أن عصت الصورة أصلها فكيف تظل صورة تُشابه من كونها؟ 


لأن المرآه أن كانت نظيفة ومصقولة صقلاً جيداً فأنها تعكس الصورة كما هي بدون تشويش، أما أن أصابها خلل أو شرخ أو كسر أو التصقت بها الأوساخ الصعبة فكيف تعكس الصورة نقية واضحة !!!

حيث أن العصيان يمثل استقلال الإنسان عن الله، وهُنا يكمن خطر الموت، لأن الله هو مصدر الحياة الدائمة للإنسان، وعلي أقل تقدير نقول أن نفخة الله في الإنسان تتوقف عند استمرارها أو تتعطل !!

عموماً، نجد أن حواء تعرضت لإغراء مُضلل، ولكنها كانت حُرة لترفض هذا التضليل وتنفر منه. لكنها نسيت (أو تناست) الكلام الإلهي وسمعت الإغراء الشيطاني؛ وصار ما صار وحدثت المأساة البشرية، إذ أغوت رجلها أيضاً الذي بدوره لم يردها ويذكرها بالوصية لأنه هو من تلقى الوصية أولاً. ومنذ ذاك الحين لازال الإنسان يؤخذ بالخدعة أكثر منه بالصدق.

فخطية آدم وحواء تتألف من عصيان واعٍ للفعل المرتكب، مع رفض متعمد للمحبة الإلهية إذ تزعزعت الثقة في وصية الله. وبذلك صارت الخطية اختيار حُر جعل الإنسان يتحوّل من الله إلي الذات (أنظر تكوين 3: 22, 23) ؛ لقد طمعا في أن يصيرا إلهين مستقلين ونسيا المحبة والشركة مع الله الحي، فقد طمعا في أن يصيرا إلهين بقدرتهم ولحساب ذاتهم ولمصلحتهم الشخصية بدون الله. فاستفاد الشيطان من سذاجتهما ونجح في تشويه طبعهم المقدس، فشوه صورة الله فيهما وانطمست.

ونأتي لسؤال هام وضروري: لماذا سمح الله للإنسان – والملائكة قبله – بالخطية ؟ لماذا يسمح بالشر والتألم ؟
الجواب : أولاً الله لا يسمح بالشر ولا يأذن به، لأن السماح معناها أن أتى واحد يسأل والآخر جاوب، أو استجاب لهُ، فالله لم يستجيب لأحد ولا أحد استأذنه ليرتكب شرّ فسمح له، لكن السؤال الأدق كيف سقطت الملائكة والإنسان والله لم يمنعهما، أليس هو بقادر أن يمنع اي شر يُرتكب أو أية جريمة تُقام !!!

طبعاً بكونه إله المحبة، والمحبة تعني المشاركة، والمحبة تعني أيضاً بالضرورة: [ الحرية ]. وكثالوث المحبة رغب الله أن تُشاركه حياته أشخاص مخلوقة علي صورته الثالوثية، قادرة علي الدخول معه – بحرية إرادة – في شركة محبة. فحيثما توجد حرية توجد محبة، فالإكراه لا يتواجد مع المحبة، لأن لو وجد إكراه إذن تتلاشى المحبة وتُصبح الطاعة عبودية قهرية كالأغلال والقيود التي يستثقلها الإنسان، مثلما يوجد عبد في البيت، فمهما ما كان محبوباً عند أهل البيت فهو يشعر أنه لازال عبداً تحت طاعة أمر ونهي صاحبه، لأنه مملوك لأحدهما لا يستطيع ان ينفك من هذا القيد وهذه التبعية !!!

وبالطبع لا يستطيع السيد معرفة محبة عبدهُ لهُ إلا إذا اعطاه حريته الكاملة وتكه لاختياره الحُر. والإنسان خُلق حراً والحُرية هي من صفات الصورة الإلهية فيه. والله – كما يقول بول افديموكوف: [ يستطيع أن يفعل أي شيء ما عدا إكراهنا علي محبته ]، فلذلك لم يخلق الله آلات تطيعه آلياً بتلقائية السميع المجيب، بل خلق ملائكة وكائنات بشرية قادرة علي الاختيار الحُر الواعي وذلك لرغبته في أن تشاركه محبته الفائقة من أعماق كيانها من الداخل.

فبدون الحرية لا يكون الإنسان إنساناً، وكائن عاقل مفكر بلا حرية لم يوجد بعد. فنحن نعرف أن الحرية هي قدّر الإنسان الذي لا يخضع لقدّر محتوم، فليس للحيوانات مصير سوي الرعي والذبح والموت. أما الإنسان فهو صاحب مصير خاص، وهو ينسج بيديه مصيره، متراوحاً بين أعلي درجات القداسة وأدني درجات الوحشية.
فبدون الحرية لا توجد خطية.

ولكن بدون الحرية لا يغدو الانسان علي صورة الله: وبدون الحرية لن يصبح الإنسان قادراً علي الدخول في شركة مع الله في شركة محبة؛ بل ونقدر أن نقول أيضاً بدون الحرية لا توجد طهارة ولا برّ ولا حتى عقل للتفكير، وبالتالي لا خيار بل إجبار، وفي النهاية سيبقى الإنسان ليس إنساناً بل ربما جماد أو إنسان آلي !!!

الانسان أخطأ بحرية. ولكن ما الذي يؤلف الخطية الأصلية ؟
الإنسان تلقي الوصية الالهية في روح المحبة، وكان عليه أن يستجيب لإرادة الله بثقة تامة، وبالتالي كان عليه أن يفصل نفسه – بكل رغبته – ليس فقط عن الثمرة، ولكن عن كل شيء خارجي لكي يحيا لله فقط، ليسعي للاتحاد به.

وصية الله تظهر للإنسان الطريق المؤدية للارتفاع للمستوى الإلهي، أي إلي الانفصال عن كل ما هو غير إلهي؛ لكن الارادة البشرية اختارت الطريق المضادة، وانفصلت – بحريتها – عن الله، وخضعت بكليتها للشيطان وصارت عبدة لأهواء ذاتها خاضعة للشر الذي يعمل في أبنا المعصية.

القديسان غريغوريوس النيسي ومكسيموس المعترف يضعان نبرة خاصة عن المفهوم الطبيعي للخطية. فبدلاً من توجه الروح البشرية نحو الله خالقها وميلها الطبيعي له، توجهت نحو العالم الخارجي وانحدرت لأسفل. وبدلاً من طهارة الجسد وترويضه والارتقاء به وحفظ ملكاته الخاصة، دخلت الروح نفسها إلي تيار الحياة الحيوانية والحّسية، وصارت خاضعة للظروف المادية.

لقد دخل الشيطان إلي العالم عبّر الارادة. فالشر ليس طبيعة Φύσης physis، ولكنه حالة (حالة اعتيادية – استعداد ردئ – حالة السوء) 
و يقول ذياذوخوس فوتيك: [ إن طبيعة الخير أقوي من عادة الشر، لأن الخير يوجد (له مصدر – الله)، والشر لا يوجد (حالة سلبية ليس لها قوام)، أو بالأحرى يوجد فقط في اللحظة التي يُصنع فيها ( وقتي وضعيف جداً لأنه زائل) ]

فالخطية هي مرض الإرادة المخدوعة، ولهذا السبب، فبمجرد الرغبة بتذوق ثمرة معرفة الخير والشر كان بحد ذاته خطية. إذ تبعاً للقديس غريغوريوس النيصي: المعرفة تفترض نزعة معينة – رغبة – تجاه الشيء الذي يُريد المرء أن يعرفه، والشر لكونه في ذاته غير موجود ولا كيان لهُ، يجب ألا يُعرف.

لقد صار الشرّ واقع فقط بسبب الإرادة وحدها، وبها فقط استمر ليكتمل. إنها الإرادة البشرية التي تعطي للشرّ كياناً معيناً يتحسسه الإنسان. فالإنسان كان ميالاً – بالطبيعة – الي معرفة الله ومحبته، واستطاع بسبب إرادته واختياره الانحراف نحو الخير غير الموجود، أي نحو الشر، أي انه اتجه نحو هدف خادع؛ وهذا تم بتأثير خارجي وإغراء وحث الإرادة الإنسانية لتقبلهُ.

الله بعلمه السابق للأمور كان يعرف ما سيجري للإنسان، وكان بإمكانه التدخل لمنعه من الذلل والسقوط بالقوة. فلماذا إذاً لم يتدخل ؟ سؤال يطرحه كثيرون في كل جيل: ولكن هذا السؤال – كما قلنا سابقاً – مناقض لمفهوم الحرية..

الله خلق الإنسان حراً، و لفرط صلاحهُ يريدني أن اختارهُ بكل حرية كما خلقني بحريته ووضع فيَّ صورته وجعلني حراً وفي إمكاني اشوهها أو أحفظها. فلقد أعطاني الحرية لا بأن أرفضه فقط، بل بأن أنكر وجوده أيضاً. ومع ذلك يستمر هو في محبته لي، محبة لا حدود لها، غير متغيرة قط، بدون قيد أو شرط، ودائماً ما يحاول أن يُناديني ليردني إليه لأنه يُريد نجاتي لا إهلاكي ..

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الرابع
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها 

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج3 – أساس شركتنا مع الله – الخطية والسقوط

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودناالتجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الأول أضغط هنا. )

الجزء الثاني من الموضوع 
ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

أولاً: آدم وأبناء آدم
1 – معني الكلمات: علي نقيض ما قد توحي به ترجمات الكتاب المقدس, فان كلمة (آدم) لفظ شائع جداً, يدل علي مجموعة كبيرة من المعاني؛ ويرد هذا اللفظ في العهد القديم في العبرية حوالي 500 مرة للتعبير عن الإنسان أو الجنس البشري .
و الاسم يحتمل معني : 
1 – خليقة 2 – احمر 3 – مولود الارض 
و قد يعني 4 – شهي ( للنظر ) 5 – اجتماعـــــــي 

وعندما كان أحد اليهود ينطق بهذه الكلمة, فانه لم يكن يفكر قط في الإنسان الأول؛ فإذا استثنينا قصة (الخلق) حيث تلتبس دلالة اللفظ, فأن كلمة آدم لا تدل دلالة أكيدة علي الإنسان الأول إلا في خمسة مواضيع: 

1 – [ وعرف آدم امرأته أيضاً فولدت ابناً … ] (تكوين 4: 25)
[ هذا كتاب مواليد آدم …. وعاش آدم مئة وثلثين سنة وولد ولداً علي شبهه كصورته ودعا اسمه شيثاً وكانت أيام آدم بعدما ولد شيثاً: ثماني مئة سنة، وولد بنين وبنات فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسع مئة ثلاثين سنة ومات ] (تكوين 5: 1, 3: 5) 
[ آدم شيث انوش ] (أيام 1: 1) 

2 – ويُعبِّر بهذا اللفظ عادةً وبحق, عن الانسان عامة: [ الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعباً ] (أيوب 14: 1)

3 – أو عن الناس عموماً: [ ويبعد الرب الإنسان אָדָם ويكون الخراب في وسط الارض ] (إشعياء 6: 12)

4 – أو عن شخص ما: [ لأنه من يعرف ما هو خير للإنسان في الحياة مدة أيام حياة باطلة التي قضيها كالظل لأنه من يُخبر الانسان بما يكون بعده تحت الشمس ] (جامعة 6: 12)
[ بل يقول لستُ أنا نبياً. أنا إنسان فالح الأرض لأن إنساناً اقتناني من صباي ] (زكريا 13: 5)

5 – أو عن أحدهم: [ إذا أخطأ إليك. لأنه ليس إنسان لا يُخطئ. وغضبت عليهم ودفعتهم أمام العدو وسباهم سابوهم إلي أرض العدو بعيدة أو قريبة ] (1 ملوك 8: 46) 
[ فلم يدع انساناً يظلمهم. بل وبخ ملوكا من أجلهم ] (مزمور 105: 14)

6 – أو عن الذات البشرية: [ كنت اجذبهم بحبال البشر بِرُبط المحبة ] (هوشع 11: 4) 
[ الرب يعرف أفكار الإنسان أنها باطلة ] (مزمور 94: 11) 
والمعني الجماعي هنا هو الغالب بشكل واضح.

و ينطبق نفس الشيء علي عبارة (بن آدم) التي لا تشير إلي شخص من نسل آدم كفرد, ولكنها توازي لفظ إنسان:
[ فكم بالحري الإنسان .. ابن ادم .. ] (أيوب 25: 6) 
[ فمن هو الإنسان حتي تذكره وابن الإنسان حتي تفتقده ] (مزمور 8: 4)

وقد تُشير إلي شخص أو (أي إنسان كشخص):
[ كانقلاب سدوم وعمورة ومجاورتها يقول الرب لا يسكن هناك إنسان إلي الأبد، لا يسكن هناك إنسان ولا يتغرب فيها ابن آدم ] (إرميا 49: 18, 33)
[ فقال لي يا ابن آدم قم علي قدميك فأتكلم معك .. وقال يا ابن آدم أنا أُرسلك إلي بني إسرائيل .. أما انت يا ابن آدم فلا تخف منهم… وانت يا ابن آدم فاسمع ما انا مكلمك به ] (حزقيال 2: 1, 3, 6، 8)
أو تشير الي جماعة : 
[ فرحة في مسكونة أرضه ولذاتي مع بني آدم ] (أمثال 8: 31) 
سليمان يخاطب الله قائلاً [ فاسمع انت من السماء مكان سكناك واغفر واعمل واعطِ كل إنسان حسب كل طرقه كما تعرف قلبه. لأنك وحدك قد عرفت قلوب كل بني البشر ] (1ملوك 8: 39)
وعندما تأتي عبارة (ابن آدم) في تضاد مع (الله) فهي تبرز, مثل كلمة (جسد), حالة الإنسانية الضعيفة والفانية:

  • [ من السموات نظر الرب. رأى جميع بني البشر ] (مزمور 33: 13)
  • [ فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما ] (تكوين 11: 5)
  • [ ما أكرم رحمتك يا الله فبنو البشر في ظلّ جناحيك يحتمون ] (مزمور 36 : 7)

عموما فإن (أبناء آدم) هم إذن البشر في حالتهم الأرضية. وهذا ما يوصي به أيضاً التفسير العام لأصل كلمة: (آدم؛ إذ تُعتبر مشتقة من אֲדָמְָה adamah أي الأرض earth)؛ فآدم هو إذن الكائن الأرضي المجبول من تراب الأرض.
وهذا الواقع التفسيري له انعكاس لاهوتي, فلا يكفي أن نري في آدم الأول فرداً مثل باقي الأفراد. وهذا ما يستنتج من الانتقال المدهش من صيغة المفرد إلي صيغة الجمع في كلام الله الخالق: [ لنصنع الانسان علي صورتنا كمثالنا .. وليتسلطوا ] (تكوين 1: 26)، فالله خلق آدم كراس للبشرية وكل ما وهبه له هو موهوب بالتالي للبشرية كلها لذلك نرى في هذا النص العميق أنه تكلم عن الإنسان بشكل شامل، وهذا ما يمثله آدم [ الإنسانية كلها ].

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثالث
تابع المقدمة:

 آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله
 
 
التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
الجزء الأول من الموضوع
أولاً: تمهيـــــــــــــــــــــــــد

 


في الواقع المسيحي الاختباري لا نستطيع أن نتعرف على الله الثالوث القدوس بدون أن ندخل في شركة معه على المستوى الإعلاني، لأنه هو من يعلن لنا عن ذاته وكينونته [ أنا هوَّ ]، وحتي الاعتراف الصحيح بأن الله واحد يصبح بلا معني في اللاهوت المسيحي ما لم يكن هذا التوحيد هو توحيد شركة وحياة، أي توحيد قائم علي الثالوث القدوس. 

حتى وجودنا الإنساني الحقيقي هو في الشركة، لأن يستحيل الوجود بدون شركة. فمن هنا ندرك أن الشركة هي أساس الوجود والقاعدة التي يرتكز عليها الاتحاد الإنساني كله، وأن أي كيان حقيقي لا يُمكن معرفته بدون الشركة، وهذا ما انجزه آباء الكنيسة الذين اعتمدوا على رسالة الإنجيل الحي الظاهرة في تجسد الكلمة، الذي أعلن لنا سرّ الشركة بإظهار وحدته مع الآب التي أعلنها لنا بالإنجيل [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30)، والتي شعها فينا بالروح القدس روح الوحدة والاتحاد في المسيح يسوع.

وإذا كان الوجود قائم على شركة، فأننا لا نفهم الوجود بل لا نستطيع أن نفهمه الا من خلال علاقة، وبالتالي لا يُمكننا ان نفهم الوجود كوجود في حد ذاته، وذلك لأن كل كائن لا يوجد في حالة عزلة عن الآخر ولا يحيا كفرد منفرد بذاته منعزلاً عن الآخر.
ولا يوجد كائن قائم بذاته يمكن فهمه كما هو في ذاته، وهذا ما انكره الآباء علي الفلاسفة الذين يطلبون فهم الوجود وكيان كل الموجودات كما هي مجردة وليس كما هي في علاقة وشركة مع غيرها.


ومن هنا نفهم سرّ الخلق وارتباط البشر ببعضهم البعض، بل وحاجتهم المستمرة لأن يقيموا علاقة بينهم، فالله الخالق بصلاحه ارتضي بدافع فائق من محبته أن يخلق من يُحسن إليهم ويفيض عليهم نعمته ويشركهم بصلاحه، فأخرج الكل من العدم إلي الوجود وخلق ما يُري وما لا يُري، جاعلاً الإنسان مُركباً من منظور وغير منظور بحسب قول القديس يوحنا الدمشقي. بل وجعل البشر كلهم من رأس واحد وهو آدم…

ومن سفر التكوين الذي جعله البعض مجرد صورة رمزية، لأنهم لا يصدقون أن للبشرية رأس واحد ويقولون أن هذا مستحيل، طبعاً مستحيل بسبب السقوط وتفتت الإنسان واستقلاله وهدم البناء الواحد (كما سوف نرى حينما نشرح موضوع الخطية)، عموماً يُمكننا أن نقول أن العالم كله سمع لأول مرة في تاريخه أن الشركة هي التي تجعل اي كائن كائن فعلا وأن الكينونة والوجود لا تقوم الا بالشركة حتي في الله نفسه، وذلك من خلال سرّ التجسد الفائق والوحدة التي تمت بين الله وإنسانيتنا، وايضاً من خلال صلاة الرب في جسثيماني على أساس أنه راس البشرية الجديدة الذي فيه يكون الجميع واحد 

  • [ أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحداً كما نحن ] (يوحنا 17: 11)
  • [ ليكون الجميع واحداً كما انك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم انك أرسلتني، وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما اننا نحن واحد، أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم انك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني ] (يوحنا 17: 21 – 23)

لننتبه لهذه الآية يا إخوتي، لأن فيها إعلان إيمان حي في المسيح، لأن الإيمان الحقيقي يوحد في كيان حي اسمه كنيسة واحدة لراعٍ واحد، أعضاء لبعضنا البعض ورأسنا الواحد هو المسيح الرب: [ ولي خراف أُخرّ ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد ] (يوحنا 10: 16)

وطبعا اذا كان الوجود شركة، فأن الشركة هي جوهر الوجود. وطبعا قد نتصور الشركة علي أنها علاقة ترضي طرفين، أو إنها هي بحد ذاتها هدف، ولكن ذلك يجعل الوجود نفسه غامض، فالوجود من أجل الشركة أو مجرد علاقة فأنه يحوَّل الوجود والشركة الي قضية وجودية فلسفية مثل تلك القضية الوجودية التي طرحها ماركن بوبر ( buber ) (فيلسوف ألماني من أصل يهودي له مؤلفات عن الفلسفة و يبدو أنه اعتنق المسيحية)، حيث اعتبر أن (( أنا )) هي الوجود وأن (( انت )) أي الآخر هو غاية الوجود، وأصبح الوجود عبارة عن بناء قائم علي (( أنا وانت )) أي (( أنا والآخر )) .

هذا الفكر الفلسفي الذي يطرح علينا الوجود بشكل فلسفي مُغلق (بين انا وانت بدون رأس يجمعنا في المحبة المتدفقة لنكون واحد) تصبح فيه غاية الوجود هي الوجود نفسه ( بحد ذاته ) وقد تجاوز الآباء هذا الفكر الضيق المحصور في دائرة (أنا وأنت) عندما عادوا الي الكتاب المقدس والتقليد الكنسي الذي أبرزه رعاة الكنيسة مثل أثناسيوس الرسولي وغيره من الآباء المختبرين للحياة المسيحية في شركة أعضاء المسيح..

فأعلنوا بروح الكتاب المقدس في صراحة الحق، بأن الله ليس موجود بالمعنى الفلسفي الفكري المحصور والضيق، بل هو كائن بذاته، وجوهره ليس غامضاً يتمتع بصفة الوجود من أجل الوجود ذاته، بل من الواضح أن علة أو سبب الكينونة ليس مبدأ أو علاقة غامضة أو فكرة مجردة وإنما هو شخص وأقنوم الآب.

وهذا يعني أن الله نفسه غير خاضع لبناء فلسفي يُفرض عليه وإنما جوهره وكيانه متأقنم يجعله فوق كل القياس العقلي النظري والفكري الفلسفي، فوجود الله ليس قضية فلسفية ولا الله واجب الوجود من أجل الوجود كما يقال، وإنما هو الكائن المطلق الفريد بذاته كأب فيه البنوة الأزلية والحياة متدفقة.

ولذلك علينا أن ندرك تمام الإدراك أن الكيان الالهي فوق الفهم النظري والكلام الفلسفي وكل الشروحات العقلية، لأن الأبوة تعرف في البنوة، وأبوة الله حياة متدفقة بالبنوة، اي أنها حياة شركة أبوة بالبنوة بتيار حياة الحب المتبادل والمتدفق، والبنوة لا تُعرف إلا بالأبوة بتيار حياة الحب المتبادل أيضاً، لذلك قد أصبح من الضروري أن نستوعب أن الله لا يُعرف الا من خلال التذوق بالرؤيا الداخلية بانفتاح الذهن والدخول في سرّ حياة البنوة أي الدخول في سرّ الشركة: 

  • [ ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب طوبى للرجل المتوكل عليه ] (مزمور 34: 8)
  • [ هذا وجد أولاً أخاه سمعان فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح ] (يوحنا 1: 41)
  • [ انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله، من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه ] (1يوحنا 3: 1)
  • [ أمين هو الله الذي به دُعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا ] (1كورنثوس 1: 9)
  • [ الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ] (1يوحنا 1: 3)

اذاً يا إخوتي جوهر الله ليس غامضاً وفكرة مجردة، بل كيان أبوة يُنشئ شركة في وحدة، وليس مجرد بناء وجودي نتأمله من الخارج ولا نقترب منه لأنه موجود من أجل التمتع بالوجود، بل جوهر الله هو كينونة وجوهر في أقانيم الثالوث، حيث الآب نفسه هو علة وسبب كينونة أقنومي الابن والروح القدس، وهكذا خلق الانسان علي صورة ذاته، ليكون في حالة شركة مع بعضه البعض مع الله أصل وعلة وجوده وخلقته.

  • نستطيع مما فات أن نعرف ونفهم من جهة إعلان مجد الله في ملء الزمان بتجسد الكلمة، أن لنا علاقة كيانية بالمسيح كلمة الله المتجسد، فمنذ البداية شدد الآباء متذوقي الحياة المسيحية على مستوى الخبرة، خبرة الإيمان الحي، علي حقيقة هامه وهي: أن الإنسان قادر علي أن يقترب من الله من خلال الابن في الروح القدس فقط دون أي أسلوب أو وسيلة أُخري.

والقديس بولس الرسول أول من تكلم عن علاقة المسيح الكيانية بكل واحد منا بصفته آدم الثاني (أو بمعنى أدق الأخير) أصل الجنس البشري الجديد. فكما أن البشرية كلها كانت في آدم الأول حينما استقبل الموت بسبب الخطية، حتي انطبق علينا جميعا حكم الطرد والموت حسب أفعالنا الشخصية المسئولين عنها نحن بإرادتنا:

[ فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة، لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة (لأنهم مرتبطين به كيانياً كبشر وهو رأسهم الواحد الذي تدفق عليهم بالموت) هكذا أيضاً بإطاعة الواحد (الجديد الرب من السماء رأس الخليقة الجديدة) سيجعل الكثيرون أبراراً ] (رومية 5: 18)

وقد اهتم آباء الإسكندرية علي الخصوص بإبراز هذه العلاقة الكيانية التي تربطنا بالمسيح حتي جعلوها أساساً لكل تعاليمهم الروحية عن الخلاص والتجسد، لأنهم أكدوا على أنها علاقة شركة حقيقية، على مستوى الواقع الاختباري.

فمثلا نسمع القديس أثناسيوس الرسولي يقول: [ انه لما اغتسل الرب في الأردن كإنسان كنا نحن فيه ومعه الذين نغتسل، وحينما اقتبل الروح نحن الذين كنا معه مقتبلين هذا الروح ] (عظة: الرسالة إلي تيطس )
وكما يقول أيضا بخصوص الصعود أن المسيح لم يصعد لأجل نفسه بل [ من اجلنا نحن الذين كان يحملنا في جسده ] (تجسد الكلمة 25: 6)
و بالإجمال يصيغ هذه الحقيقة في صيغة قانون لاهوتي عام قائلاً: [ أن كل ما كُتب فيما يختص بناسوت مخلصنا ينبغي ان يعتبر لكل جنس البشرية ] 

عموماً يا إخوتي أن الأساس اللاهوتي لوجودنا الكياني في المسيح هو يرتكز أساساً في سر التجسد، أي سرّ الاتحاد الأقنومي الفائق بين لاهوت المسيح وناسوته، ذلك الاتحاد الفائق هو الذي يعتبر بحق ينبوع جميع الخيرات التي تنسكب علينا في المسيح وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [ لأن جميع الخيرات إنما بواسطته تتدفق نحونا ] (تفسير يوحنا 7: 39)

 

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثاني
مقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج1 – أساس شركتنا مع الله

القداس الإلهي سر ملكوت الله وخبرة تذوق الحياة الجديدة.

القداس الإلهي سر ملكوت الله وخبرة تذوق الحياة الجديدة.

الجزء الأول أضغط هنــــا.
الجزء الثانى أضغط هنــــا.

القداس الإلهي سر ملكوت الله وخبرة تذوق الحياة الجديدة

 

رحلة صعودنا للكنيسة ورحلة نزولنا إلى العالم

+ القداس الإلهي، سر ملكوت الله، وهو حضور خاص شخصي سري لله وسط الكنيسة، لأننا نعيش الملكوت متجسداً في القداس الإلهي ملتفين حول حمل الله رافع خطية العالم نور النفس واستعلان معرفة مجد الله [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كو4: 6).

لذلك كل من يدخل الكنيسة بهذا الإيمان الواعي منسحقاً متضعاً بقلبه قارعاً باب مراحم الله ينال قوة غفران وغسيل قلبه من خطاياه، لأنه يعترف أمام رب الجنود الكامل محب العشارين والخطاة، لذلك حينما يدخل قارعاً صدره بروحه وقلبه أمام الله معترفاً بخطاياه وعن احتياج يطلب قوة غفران وتجديد لقلبه يخرج حتماً مبرراً بعدما ينال سر الإفخارستيا الذي هو سر الأسرار في الكنيسة، وحينما نتناول منه فأن دم يسوع يطهرنا من أي خطية لندخل في قوة أسمها الشركة [ ان اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهرنا من كل إثم ] (1يو1: 9) وكما نسمع في القداس الإلهي [ يُعطى لنا خلاصاً وغفراناً للخطايا وحياة أبدية لكل من يتناول منه ]…



+ فسرّ الإفخارستيا هو نفسه سرّ المسيح الرب والكنيسة، لأنه سرّ حضور المسيح الشخصي والدائم في الكنيسة، وبالطبع هو سر حضور الآب والروح القدس، لأنه حيث المسيح الرب فهناك الآب والروح القدس حتماً وبالضرورة، إذ أنهم جوهر واحد وحضور واحد، وحينما نأخذ جسد الرب والدم ندخل إلى داخل الله الوحد فنحيا بالشركة بسر الاتحاد بالكلمة شخص المسيح الرب الحي الذي به نحيا: [ كما أرسلني الآب الحيوأنا حي بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي ] (يوحنا6: 57).



+ وقبولنا للمسيح الرب في هذا السر العظيم الذي للتقوى، هو كشف لمحبة الآب لنا. لأن سرّ الإفخارستيا هو الينبوع الحي والمُحيي لأنه هو عينه سرّ وصولنا إلى الله وشركة الثالوث القدوس الإله الواحد …



+ وفي الشركة ندخل في معرفة الثالوث ليس على مستوى الفكر بمعرفة مجردة كمعرفة الكتب، بل معرفة الخبرة والتذوق من جهة أننا نستنير بنور الله ونفرح بقوة الغفران وتطهير القلب، فندخل في خبرة الوحدة مع الله في المسيح الرب فتسري في كياننا الحياة الأبدية: [ وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (والواو ليس واو الإضافة أو الفصل بين الآب والابن بل هي إظهار المعرفة بخبرة الاتحاد بالكلمة وعن طريقه لأن الاب والابن واحد في الجوهر) ] (يو17: 3)، ومعرفة مسيح الله لندخل في شركة مع الثالوث لابد ان تكون على مستوى [ لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه مُتشبهاً بموته ] (فيلبي3: 10).
لذلك يقول القديس بولس من جهة الخبرة وإعلان حياة المسيحي بالتناول من الإفخارستيا حسب كلام الرب بشخصه: [ فانكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم (هذه) الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء ] (1كو11: 26)، لذلك الكنيسة الواعية بالروح تقول في ممارسة هذا السر العظيم، اي في القداس الإلهي: [ آمين آمين آمين بموتك يا رب نبشر وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السماء نعترف نسبحك نباركك نشكرك يا رب ونتضرع إليك يا إلهنا ]، لذلك يا أخوتي فلنكن واعين لهذا السر العظيم الذي للخبرة والحياة بسر موت الرب وقوة قيامته.




+ عموماً يا إخوتي، كلنا بنقوم برحلة إيمان حي، حينما نصعد إلى الكنيسة، وانا سميتها صعود، لأن ذهابنا للقداس الإلهي هو عبارة عن خبرة خروج من العالم (أقصد عالم الشر والفساد ولا أقصد العالم بالمعنى العام)، وهي خبرة الموت عن عالم الشر والفساد الموضوع في الشرير والصعود للعلو الحلو الذي يسكنه القديسين حول الله القدوس وهي خبرة تذوق قوة الحياة والاستنارة في كل رحلة نقطعها للصعود للقداس الإلهي أي الدخول في سر ملكوت الله، لذلك من الضروري أن نذكر القديسين في القداس الإلهي لأننا معهم التففنا حول عرش الرحمة وهم معنا حاضرين لأننا كنيسة واحدة من لحم وعظم المسيح الرب لأننا جسده الخاص لذلك في التقليد الكنسي الصحيح يقال عن الكنيسة (المنظورة وغير المنظورة) وهي كنيسة واحدة لراعٍ واحد لا تنفصل قط أو تتفرق…
لذلك يا إخوتي وبكون هذا السر عظيم، فينبغي ويتحتم علينا دائماً أن نكون في حالة استعداد مقدس واعي مدرك لما نصنع كما يقول القديس بولس الرسول: [ ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس ] (1كو11: 28)، فلنمتحن أنفسنا كما هو مكتوب: [ جربوا أنفسكم هل أنتم في الإيمان، امتحنوا أنفسكم، أم لستم تعرفون أنفسكم ان يسوع المسيح هو فيكم أن لم تكونوا مرفوضين ] (2كو13: 5).




+ وبعدما نقوم برحلة الصعود للعلو الحلو الذي للقديسين لندخل في هذا السر العظيم الذي للتقوى نعود وننزل وسط العالم الذي أحبه الله لنُعلن خبرتنا الجديدة التي تذوقناها في صعودنا لهذا العلو الفائق، فنحن ننزل من الكنيسة للعالم بمحبة الله مُحملين برسالة نبوة حية لنكرز بملكوت الله وبشارة الله المفرحة بشارة الخلاص وتجديد القلب قائلين: [ قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ] (مر1: 15) 



+ هذه رسالتنا وسط هذا العالم، ورسالتنا ليست رسالة كلام بل شهادة حياة، فنحن أول من يُطبق رسالة الإنجيل في خبرة توبة احترفناها بقلب متقد بمحبة الله، وسلوك ظاهراً أنه سلوك إلهي فائق، الذي هو ثمر الروح فينا، الذي هو ظاهر في محبتنا للجميع وعلى الأخص الأعداء، لأن هذا الدليل الواضح على حمل بشارة إنجيل المسيح فتفيح منا رائحة المسيح الزكية في عالم تفوح منه رائحة نتانة الموت والكراهية والبغضة والاستهانة بالآخر والاستخفاف به، فنحن رسالة الله المقروءة من الجميع، وعلى قدر ما نكون في استنارة، يستطيع الناس أن تقرأ فينا رسالة الله، رسالة الحياة.

  • [ أن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضاً وبالروح القدس وبيقين شديد كما تعرفون أي رجال كنا بينكم من أجلكم ] (1تسالونيكي1: 5)
  • [ فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح حتى إذا جئت ورأيتكم أو كنت غائبا أسمع أموركم إنكمتثبتون في روح واحد مجاهدين معاً بنفس واحدة لإيمان الإنجيل ] (في1: 27)
  • [ أنتم رسالتنا مكتوبة في قلوبنا معروفة ومقروءة من جميع الناس ] (2كو3: 2)

+ هذه رحلتنا وهذه حياتنا الحقيقية التي ينبغي أن نعيشها، فلنسكن وسط هذا العالم بروح وداعة يسوع المسيح، نزرع سلام ونقدم محبة باذلة حتى الموت، ولا نحيا بروح التحيز ولا من يملك أرض أو وطن ونتصارع عليها وكأننا من أرض الموت واهمين أنفسنا أن لنا هُنا مدينة باقية :

  • [ لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة ] (عب13: 14)
  • [ فأن سيرتنا نحن هي في السماوات التي منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح ] (فيلبي3: 20)
  • [ ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البرّ ] (2بط3: 13)
  • لذلك نقول في قانون الإيمان بشوق المحبين لله، مُعلنين اننا في زمان الانتظار وكرازة الحياة الجديدة: [ وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي آمين ]

القداس الإلهي سر ملكوت الله وخبرة تذوق الحياة الجديدة.

أعيادنا الحية – الأسرار (الجزء الثاني) القداس الإلهي

أعيادنا الحية – الأسرار (الجزء الثاني) القداس الإلهي

أعيادنا الحية – الأسرار (الجزء الثاني) القداس الإلهي

للرجوع للجزء الأول أضغط هنا.

 

أعيادنا الحية – الأسرار
الجزء الثاني – تابع تمهيد
(2) القداس الإلهي
 
هو عشاء الرب وفيه يُقدم لنا ذاته طعاماً للحياة: [ أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، أن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم ] (يوحنا 6: 51). وهذه هي المحبة في عمق معناها عند الله، وهو أن يعطينا ذاته لكي نحيا به، فالمحبة تستدعي الاتحاد للشركة، وأكمل صورة مادية لهذا الاتحاد هي اتحاد الأطعمة بالجسم البشري، إذ تتحوَّل في من يتناول منها إلى لحمه ودمه وعِظامه، لأن الأطعمة هي التي تبني الجسد وتقويه…لذلك إذ شاء الرب يسوع لعظمة محبته الفائقة التي لا تُحدّ، أن يتحد بنا اتحاداً سرياً في أكمل صورة ممكنة، فأعطانا ذاته بشكل طعام في سرّ الشكر، ولكن الفرق بين الطعام الإلهي والطعام الاعتيادي لاحتياج الجسد وتكوينه، هو أن الأخير – الطعام الجسدي – يتحول إلينا حينما نتناوله، أي يدخل في تركيب الجسد الفاني ويندفع إلى المخرج ما تفضل منه خارج احتياج الجسم، بينما الأول – أي الطعام السماوي الذي هو خبز الحياة – عندما نتناوله، فنحن من نتغير إليه وليس هو الذي يتحوَّل إلينا، وهذا التغيير هو تغيير سري، أي أن صورة الله تنطبع فينا وهو بنفسه يُغيرنا إليه، وتسري حياته الشخصية فينا، فنُردد مع الرسول بإيمان رائي الذي حدث سراً بالروح كنتيجة فينا: [ أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ ] (غلاطية 2: 19)
 
فالمسيح الرب في سرّ الإفخارستيا لا يتحوَّل فينا ويتغير إلينا ليُصبح فاني مع الجسد، بل نحن من نتغير إليه ونتشكل بشكله ونتطبع بطبعه، فتقول صلاة القسمة المقدسة: [ اشفِ ايها الرؤوف نفوسنا الشقية بمراهم أسرارك المُحيية… عند استحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك تتحول نفوسنا إلى مشاركة مجدك، وتتحد نفوسنا بألوهيتك… لكي بذوق لحمك نؤهل لذوق نعمتك، وبشرب دمك نؤهل لحلاوة محبتك. وهبت لنا أن نأكل لحمك علانية، أهلنا للاتحاد بك خفية. وهبت لنا أن نشرب كأس دمك ظاهراً، أهلنا أن نمتزج بطهارتك سراً. وكما أنك واحد في أبيك وروحك القدوس نتحد بك وأنت فينا.. ]، وبذلك نتشكل ونتطبع بطبعه الإلهي من جهة طهارة النفس والنمو في القداسة، فنمتلئ من نعمة الله في كل مرة نتناول من هذا السرّ العظيم الذي للتقوى، وهذا هو المعنى العملي للاتحاد بالله الذي يُسمى التألُّه عند آباء الكنيسة، اي أننا نتحد مع الله حتى أنه هو الذي يحيا فينا، فنموت عن أنفسنا ليحيا الله فينا، لكي به نحيا ونتحرك ونوجد، لذلك كثيرين فهموا التأله عند الآباء خطأ وتصارعوا على المعاني وكل واحد حرم الآخر لأنه لا يتفق معه في المفاهيم، والبعض شرحه على أساس أننا نتحول فنصير آلهة، أي نخلق ونوجد في كل مكان.. الخ، وهذا عيب خطير في الفهم والشرح، لأن المقصود هو أن يحيا المسيح فينا، لأن النظرة الروحية الآبائية العميقة من جهة الخبرة، تنطلق من لفظة هامة وهي [ الاتحاد بالله سراً ]، أو الشركة والتشرب من [ طهارة الابن الوحيد ]…
وبسبب الشرح الحرفي المادي الخارج الإيمان وخبرة الحياة بإنسان جديد روحاني لبسناه في المعمودية، أتى المفهوم المغلوط المشوه للإيمان الحي، بأن الذي يتناول واصابه خدش أو جرح يجعل دم المسيح الرب ينزل مع دمه وبذلك يفقد ما ناله، وكأن الرب فينا يتحول إلينا وينطبق عليه كل ما هو من الجسد حسب قوانين الطبيعة، مع أنه أعطانا جسده سراً في شكل خبزٍ وخمر، ولم تنطبق عليه قط كل القوانين التي للفيزياء أو الكيمياء، أو أي قوانين بشرية، لأن من المستحيل أن المسيح الرب القائم من الأموات يتحول فينا نحن الترابيون إلى عنصر ترابي أو أرضي قابلاً للفساد أو الانحلال، فيسيل منا إذا جُرحنا أو حينما تمس افواهنا أكواب المياه أو يخرج مع اي شيء يخرج من أفواهنا !!! ولو كان هذا صحيحاً فكيف قُطع رؤوس الشهداء بعد التناول، هل ممكن أن نتصور أن دم المسيح انسكب منهم على الرض عند شهادتهم وفقدوا ما تناوله في سرّ الإفخارستيا !!!
فلننتبه يا إخوتي، لأن الرب يسوع قهر الفساد وأبطل سلطان الموت، حتى أنه لم يرى فساداً ولا جسده تحلل في القبر، فالحقيقة الأرثوذكسية (أي المستقيمة، ولا أتكلم عن الكلمة من جهة طائفية) هي التي عبَّرَ عنها القديس بولس الرسول، بأن المائت يُبتلَع بالحياة: [ حتى تبتلع ما هو زائل – حتى يُبتلع المائت بالحياة ] (2كورنثوس 5: 4)، فدم المسيح [ يُطهر ضمائرنا من الأعمال الميتة ] (أنظر عبرانيين 9: 13 – 14)
فالرب بنفسه قال عن كل من يتناول من هذا السرّ العظيم [ من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أُقيمه في اليوم الأخير ] (يوحنا 6: 54)، فالإفخارستيا تعمل في داخلنا للحياة الأبدية حسب عمل استطاعته [ الذي سيُغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته ] (فيلبي 3: 21)؛ ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [ هذا الخبز المقدس الذي يوزع لغذاء النفس. هذا الخبز لا ينزل إلى الجوف، ولا يُدفع إلى المخرج (متى 15: 17). ولكنه يتوزع على كل بنيتك لفائدة النفس والجسد ] (عظة 23: 15).

فالجذر هو الدخول إلى شركة الطبيعة الإلهية، أي الدخول في برّ المسيح الرب وطهارته ووداعته، أي هي لبس المسيح الرب بمعنى أدق، والاتحاد به اتحاداً سرياً حقيقياً بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، وهو دخول سري على مستوى عمل الروح القدس الذي يُغيرنا إليه، ويجعلنا هيكل خاص لحلوله فينا، وبذلك يجعلنا نرتديه ونتشح به، ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [ وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تُصبح جسداً واحداً ودماً واحداً مع المسيح. وهكذا نُصبح نحن حاملي المسيح، بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضاءنا. وبهذه الكيفية نُصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” (2بطرس 1: 4) ] (من عظات القديس كيرلس الأورشليمي)

 
فبالإفخارستيا يا إخوتي نُصبح حقاً أبناء القيامة حسب ما أعلن لنا الرب وسلمنا أباء الكنيسة وحسب شهادة القداسات نفسها في الصلوات، فالرب اتحد بجسدنا اتحاداً كاملاً حقيقياً، وأخذ الترابي الذي لنا لكي يُعطينا الذي له، أي يُلبسنا ذاته ويعطينا الروح القدس روح القيامة (أنظر رومية 8)، وتقول التسبحة الكنسية وثيئوطوكية الجمعة: [ أخذ الذي لنا وأعطانا الذي لهُ ]؛ [ هو أخذ جسدنا وأعطانا روحه القدوس وجعلنا واحداً معهُ من قِبَلْ صلاحه ]، أي باختصار شديد، دخلنا في سرّ الوحدة معه لنتطبع بطبعه هو، فأصبحنا نتحوَّل لعدم الفساد وصرنا سماويين، رعية مع القديسين وأهل بيته فعلاً بالتناول من جسده ودمه.
 
يا إخوتي الإفخارستيا لم ولن تكون ذبيحة الصليب فقط، بل هي مرتبطة ارتباط وثيق بالقيامة، لأن الرب يسوع لم يعطينا جسده المصلوب، بل جسده القائم من الأموات، لأنه لا يعطي ذاته لنا ميتاً لنظن أنه يتحول لجسدنا المائت، والطقس الكنسي بارع في الشرح لأنه يؤكد تمام التأكيد بإيمان حي لا يلين أن الجسد هو [ الجسد المُحيي ]، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:
[ إننا لا نشترك في جسد إنسان بل نتناول جسد الكلمة نفسه ] (رسالة 2: 1)
[ يا أحبائي إننا لا نقترب من عيد أرضي بل عيد سماوي وأبدي. ولا نرى شيئاً من الظلال بل الحقيقة… أما نحن فإننا من الآن نأكل من الكلمة الذي من الآب، وتُدهن أعتاب قلوبنا وتُختَم بدم العهد الجديد ] (رسالة 4: 3)
[ أننا نأكل طعام الحياة، ونعطش دائماً لكي تمتلئ نفوسنا بالشبع من ينبوع دمه الكريم ] (رسالة 5: 1)
[ لنستعد لكي نقترب من الحمل الإلهي، ولكي نلمس الطعام السماوي ] (رسالة 5: 5)
ويقول القديس إيرينيئوس: [ عندما ينال الكأس الممزوج والخبز المصنوع، كلمة الله، تصير الإفخارستيا جسد ودم المسيح، ومنها يتغذى ويحيا جسدنا وينمو. كيف إذن يؤكدون (الهراطقة) أن الجسد غير قابل على تقبل عطية الله التي هي الحياة الأبدية، وهو الذي تغذى من جسد ودم الرب، والذي هو دمه ونال نمواً من الخبز الذي هو جسده ]
ويقول أيضاً: [ والآن كيف يقولون أن الجسد يمضي إلى الفساد ولا يتشارك في الحياة، وهو الذي تغذى بجسد الرب ودمه، إما أن يُغيروا رأيهم أو يكفوا عن تقديم التقدمات… الإفخارستيا تؤكد رأينا، ونحن نُقدم لهُ مما لهُ مُعلنين شركتنا ووحدتنا، معترفين بقيامة الجسد والروح، لأنه كما أن الخبز الذي من الأرض، بعد أن ينال استدعاء الله، لا يعود بعد خبزاً عادياً، بل يصير إفخارستيا مكونة من عُنصرين، أرضي وسماوي، كذلك أيضاً أجسادنا، باشتراكها في الإفخارستيا لا تعود قابلة للفساد Corruptible بعد أن نالت رجاء القيامة الأبدية]

إننا باقترابنا من المائدة الإلهية – ليس فقط نتحد بالله – بل نتحد بعضنا ببعض، فعندما يُريد البشر التعبير عن اتحادهم أو توطيد علاقتهم، يجتمعون حول مائدة واحدة لتناول الطعام سوياً، هكذا المؤمنون – مع الفارق – يتحدون بعضهم ببعض ويصبحون جسداً واحداً عندما يتناولون كلهم من المائدة الإلهية الواحدة: [ فإننا نحن الكثيرين خُبزٌ واحد، جسد واحد، لأننا جميعُنا نشترك في الخبز الواحد ]، لذلك يا إخوتي لأن هناك خُبز واحد حي نازل من السماء للحياة، ونحن بالرغم من إننا كثيرين نصير جسد واحد، وذلك لأننا جميعاً نشترك في هذا الخبز الواحد، لأن بالاتحاد بشخص الكلمة المتجسد ربنا يسوع المسيح، نصير واحداً فيه على المستوى العملي والفعلي في حياتنا: [ أما هؤلاء فهم في العالم وأنا آتي إليك، أيها الآب القدوس أحفظهم في اسمك، الذين اعطيتني، ليكونوا واحداً كما نحن ] (يوحنا 17: 11)، [ وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد ] (يوحنا 17: 22)، [ أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم إنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني ] (يوحنا 17: 23)، [ وعرفتهم اسمك وسأُعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم ] (يوحنا 17: 26).

وعلينا أن نحذر من أن نفهم اتحادنا ببعضنا البعض بسبب الإفخارستيا وإننا جسد المسيح السري ككنيسة، أن هناك انقساماً بين جسد المسيح الشخصي وجسده على المذبح ووجوده في السماء عن يمين الآب، ونحن كأعضاء فيه من لحمه وعظامه، ونقسم المسيح الرب الواحد لعدة أجساد، معنوية ومادية وروحية.. الخ، واحد في السماء يختلف عن ما هو على المذبح أو يختلف عن الكنيسة، لأن ليس للمسيح الرب جسدان وليس له تعدديه، لأن هذا يخضع للفكر البشري الضعيف، وفي نفس ذات الوقت ليس بكوننا جسد المسيح السري معناها إننا ناكل بعضنا البعض على المذبح، لأن الأساس هو أن جسد الرب الذي على المذبح هو الذي يجعلنا كنيسة وليس العكس، لأننا لسنا نحن من يصنع للمسيح جسد، بل هو الذي يجمعنا ويوحدنا به، لأنه يسكن في كل واحد فينا ويجمعنا إلى واحد في شخصه الحي، وحينما ندخل في إطار الشرح العقلي ونخضع السرّ للعقل نتعثر ونقسم المسيح الرب الواحد بعدة أجساد ونضعه تحت نظريات وأفكار كثيرة ومنقسمة، فنخرج خارج السرّ الإلهي وندخل في المباحثات السخيفة التي تجلب خصومات وانشقاقات لا حصر لها، ونُقسم جسد المسيح الواحد بسبب رأي وفكر كل واحد …

وتقول الديداكي [ كما أن هذا الخبز المكسور، كان مرة مبعثراً على التلال، وقد جُمع ليصير (خبزاً) واحداً، كذلك أجمع كنيستك من أقاصي الأرض في ملكوتك. لك المجد والسلطان بيسوع المسيح أبد الدهور ]
ويقول الأسقف سرابيون في الخولاجي: [ وكما أن عناصر هذا الخبز، كانت فيما مضى، قد بُعثرت مرة على الجبال، قد جُمعت معاً وصارت واحداً، كذلك ابنِ كنيستك المقدسة من كل أمة ومدينة وبلد وقرية وبيت، أجعل منها كنيسة واحدة حية جامعة ]
وفي خولاجي دير بلوزة بأسيوط يقول: [ وكما أنتثر هذا الخبز على الجبال والتلال وفي الوديان (بصورة زرع – القمح ) وجُمِعَ ليصير جسداً واحداً. وكذلك هذا الخبز نبع من كرامة داود المقدسة، وهذا الماء ينبع عن الحمل الذي بلا دنس، ممتزجين وصائرين سراً واحداً، هكذا أجمع كنيسة يسوع المسيح الجامعة ]

وهنا نرى بوضح أن الوحدة التي تتم بين المؤمنين بالمناولة المقدسة، ترمز إليها مادة السرّ نفسها، فالخبز الذي تحوَّل إلى جسد المسيح، مؤلف من حبوب كثيرة من الحنطة أو القمح، اندمجت كلها لتؤلف وحدة واحدة، وكذلك الخمر التي تتحول إلى دمه بالسرّ، عُصارة حبات كثيرة وعديدة من العنب.

عموماً، يأتي المؤمنون إلى كنيسة الله وهم متفرقين، ينتمون إلى بيئات مختلفة ومتعددة، ولكن عندما يتحدون بالمسيح الرب الواحد الذي تجسد وصُلب [ ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد ] (يوحنا 11: 52)، يتحدون معاً عندئذٍ ويصيرون كنيسة واحدة لراعٍ واحد، إذ أنهم لا يصيروا أفراداً مستقلين كل واحد يحيا مبتوراً عن الآخر ووحدته معه صورية شكلية معنوية، بل يصيروا في شركة حقيقية في جسد واحد غير منقسم او منفصل، أي يصيرون شعباً لله واحداً في هيكل الرب الجديد الذي هو جسد المسيح يسوع الذي سيجمع كل الشعوب: [ ويرفع راية للأمم، ويجمع منفيَّي إسرائيل، ويضُم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض ] (أشعياء 11: 12)

_____يتبع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن خلاصة ما تكلمنا فيه عن القداس الإلهي

 

أعيادنا الحية – الأسرار (الجزء الثاني) القداس الإلهي

التجسد الإلهي عيد فرح البشرية المتعبة – أفرحوا أيها الأموات بالذنوب والخطايا.

التجسد الإلهي عيد فرح البشرية المتعبة
أفرحوا أيها الأموات بالذنوب والخطايا
لأن الكلمة صار جسداً وأعطانا حيــاة

 

لقد عجزت إنسانيتنا أن تحتفظ بالمجد الأول الذي كان لها بالخلق على صورة الله ومثاله، ولم يستطع أحد قط أن يحفظ الوصية المقدسة ويثبت فيها، والكل أصبح تحت سلطان الموت الذي بدأ يعمل منذ السقوط في كل واحد، فصرنا كلنا منطرحين بعيداً عن الله ولا نستطيع أن نقترب منه قط، أو نراه ونتعرف إليه، بل حينما نطلب رؤيته نسمع صوته يقول [ لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش ] (خروج 33: 20)، فحُرِمَت إنسانيتنا أن تتطلع لوجه النور، لأننا اصبحنا ظلمة، ولو حاولنا أن ننظر للنور نتبدد ونهلك، لأن طبعنا مختلف عن طبعه، وهيئتنا اصبحت مظلمة ومعتمه، لذلك حتى وصية النور لم يعد لها أصل أو مكان فينا، ولذلك مكتوب: [ الجميع زاغوا وفسدوا معاً، ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد ] (رومية 3: 12).

لأن كيف للفاسد أن يفعل ما للصالح، حتى لو صنع أعمال شكلها جيد، لأن السارقون والزناة والقتلة يحبون بعضهم البعض ويفعلون الخير لبعضهم، مع أنهم شركاء في الشرّ، وكل واحد يحب صديقه وحبيبه الشخصي وقريبه أو أخيه، بل وكل من يشترك معه في أعماله أو يتفق مع تفكيره، إذن ليس كل صلاح هو صلاح مقدس، ولا كل ما هو نافع ينبع من الحياة، لأن الظلمة يسير فيها الكثيرين الذين لا يعرفون أنفسهم ولا يروا حقيقتها، لذلك كل من يسير في الظلام يتخبط وقد يظن أنه صالح ومقبول عند الله لأنه يفعل الصلاح الذي يراه، مع انه في الواقع لا يدرك مدى الوسخ المتعلق به، ومدى المرض المتفشي من حوله، لأن لو لم يرفعنا الصلاح الذي نفعله إلى أن نرى وجه النور الحقيقي فهو صلاح إذن باطل لا يجعلنا نرى الله، لذلك يعتبر ظلمة، لأن النور يُعاين النور، والظلمة لا تستطيع أن تقترب من النور قط؛ ومن هُنا ندرك لماذا لا يستطيع أحد أن يحب الصلاة أو بها يرتفع ليُشاهد النور السماوي، أو يقدر أن يحفظ وصية الله في قلبه ويحيا بها ويثبت في توبته ويتغير باستمرار ويسير في النور…

ولأجل هذه الظلمة الحالكة والحرمان من النور الذي عشنا فيه، ولأجل الموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس، وانحازت إليه بشريتنا مكتوب: [ يُعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل ] (إشعياء 7: 14)
فالرب القدوس اتى من السماء ملتحفاً ومتحداً بجسم بشريتنا، لكي بإشراقة نوره نستطيع أن نرى النور الذي حُرمنا منه زمان هذا مقداره، وهذا هو سرّ التجسد، سرّ لقاء البشرية مع الله وجهاً لوجه في المسيح يسوع، بعد ما كانت لا تستطيع أو تقدر أن تراه: فـ [ الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خَبَّر ] (يوحنا 1: 18)

  • وهذا هو السرّ [ عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد ] (1تيموثاوس 3: 16)

فهذا السرّ هو في الواقع إعلان إلهي، لأن سرّ شخص الله أُعلن في التجسد، وهو يعكس اهتمام الله البالغ بمصير الإنسان، ليهب للبشرية [ الحياة الأبدية التي كانت عند الآب ] (انظر 1يوحنا 1: 1 – 4)، لأن الرب أتى متجسداً متحداً بنا لنكون المصب الذي يسكب فيه حياته الخاصة، فيكون بذلك خلاصنا مضموناً، وبذلك يكون لنا علاقة وحياة شركة مع الله حياتنا، ويظل دائماً يشرق علينا (ونحن في هذا الجسد) بنوره المبدد لظلمتنا الداخلية، حتى يتحقق فينا ما هو مكتوب: [ جميعكم أبناء نور وأبناء نهار، لسنا من ليل ولا ظلمة ] (1تسالونيكي 5: 5)
فلم يعد بعد الآن وجه الله محتجب على إنسانيتنا المتعبة، بل مشرق دائماً [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6).

فافرحوا يا إخوتي لأن [ اتخذ الكلمة جسداً قابلاً للموت، حتى عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة يُصبح قادراً أن يبقى في عدم فساد رافعاً الموت فوراً عن جميع نظرائه البشر ] (تجسد الكلمة – اثناسيوس الرسولي)

  • [ قريب هو الرب من المنكسري القلوب ويخلِّص المنسحقي الروح ] (مزمور 34: 18)
  • [ يشفي المنكسري القلوب ويجبر كسرهم ] (مزمور 147: 3)
  • [ روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأُبشر المساكين، أرسلني لأُشفي المنكسري القلوب، لأُنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعمي بالبصر، وأُرسل المنسحقين في الحرية ] (لوقا 4: 18)

لذلك قال الرب في ختام حديثه مع مرثا قبل أن يُقيم لِعازر من الموت: [ أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد؛ أتؤمنين بهذا. قالت له نعم يا سيد أنا قد آمنت انك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم ] (يوحنا 11: 25 – 27)

لذلك فكل خاطي ميت، يؤمن بالمسيح الرب على مستوى أنه هو القيامة والحياة يقوم فوراً من الموت لأن حياة الله ستسري فيه من خلال شخص الكلمة المتجسد، لأنه أتى في نفس ذات الجسد عينه، حتى أن كل ذو جسد يقترب إليه ينال حياته عينها في جسده هذا ليكون إناء مقدس ومخصص لله الحي وسكناه: [ أما تعلمون إنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم ] (1كورنثوس 3: 16)

لذلك يا إخوتي علينا أن نأتي ونقترب بفرح وإيمان من حمل الله رافع خطية العالم: [ لأنكم لم تأتوا الى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة، وهتاف بوق، وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزداد لهم كلمة، لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وأن مُست الجبل بهيمة تُرجم أو تُرمى بسهم. وكان المنظر هكذا مُخيفاً حتى قال موسى: أنا مرتعب ومرتعد. 
بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية، وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السماوات، وإلى الله ديان الجميع، وإلى أرواح أبرار مُكملين، وإلى وسيط العهد الجديد يسوع، وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل ] (عبرانيين 12: 18 – 24)

فلنا أن نفرح الآن، بل وكل أيام عمرنا، لأن بشارة العهد الجديد بدأت بظهور الملائكة بالهتاف والأغاني والأناشيد لأول مرة بعد حزن طال امده قائلين: [ المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ] (لوقا 2: 14)، وهذا الهتاف هو نشيد فرح المكتوب: [ والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا (فينا) ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ] (يوحنا 1: 14)

 

Exit mobile version