الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس

الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس

الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس

الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس


(الإنسان بوجه عام ـ الجسد ـ النفس ـ الروح ـ القلب ـ العقل ـ الضمير ـ إنسان الخارج وإنسان الداخل)

 

” الإنسان ” بوجه عام[1]

 

استعملت كلمة ” إنسان ” فى العهد الجديد بالمعانى التالية:

1 ـ تشير إلى جنس الإنسان باعتباره متميزًا عن جنس الحيوان ” فالإنسان كم هو أفضل من الخروف ” (مت12:12)، وعن جنس الملائكة ” صرنا منظرًا للعالم للملائكة والناس” (1كو9:4)، وعن السيد المسيح باعتباره ليس مجرد إنسان ” لأنى لم أقبله ـ أى الإنجيل ـ من عند إنسان ولا عُلِّمته، بل بإعلان يسوع المسيح ” (غلا12:1)، وكذلك للتميز بين الله والبشر (مر30:11)، مع التأكيد أن الطبيعة البشرية طبيعة خاطئة، وهى خاضعة للضعف الطبيعى، مثل الآلام (يع17:5) والموت (عب27:9) والخطية (رو4:3، 12:5) ومملوءة من الشر (مت17:10). والمداهنة (لو26:6) ويخضع للخطأ (غلا1:1، 11 وما بعده).

وعبارة ” حسب الإنسان ” لا تعنى مجرد الإشارة إلى العلاقات البشرية أو إلى اعتبارات المنطق البشرى (غلا15:3، 1كو32:15) ولكنها تشير فى العهد الجديد أيضًا إلى الطبيعة المحدودة للتفكير والسلوك البشرى فى تعارضه مع الله والإعلان الإلهى. وهكذا، فإن الرسول بولس فى (رو5:3) يتحدث عن إثم الإنسان فى مقابل بر الله. وفى (1كو8:9)، فإن ما يقوله الإنسان يعتبره فى وضع مضاد لما يقوله الناموس. وفى (غلا11:1) فإن عبارة ” ليس حسب إنسان ” استُخدمت فى وضع مقابل لعبارة “بل بإعلان يسوع المسيح”. وفى (1كو3:3) هناك تأكيد على ضعف الإنسان ” يسلكون بحسب البشر “، “ألستم جسديين “. كذلك أيضًا فى (1بط6:4) ” لكى يُدانوا حسب الناس بالجسد، ولكن ليحيوا حسب الله بالروح “.

2 ـ تُستعمل كلمة ” إنسان” حسب الصياغة السامية، مع المضاف إليه لتعبر عن علاقة بشئ مجرد أو علاقة تملك. وهكذا فإن عبارة ” ¥nqrwpoi eÙdok…aj ” فى (لو14:2) تعنى “أُناس المسرة (الله) ” وتُستعمل لتشير إلى جماعة “المسيَّا” المخلص المختارة. وكذلك فإن عبارة “إنسان الخطية ” فى (2تس3:2) تُشير إلى علاقة الإنسان بالخطية ولهذا فهو يُسمى “ضد المسيح”، وعبارة ” إنسان الله ” فى (1تى11:6، 2تى17:3)، تُستخدم للتعبير عن الإنسان المسيحى الذى يضع نفسه فى خدمة الله.

واستُخدمت عبارة “إنسان الله” فى الترجمة السبعينية كوصف للنبى (1ملوك22:12، 1:13، 18:17، 24،…) وكذلك لموسى (تث1:33)، وبشكل عام فقد قيلت فيما بعد عن “مختار الله ” (مثل داود، كما فى 2أى14:8). كذلك وردت فى الكتابات اليهودية باللغة اليونانية لتعنى عابد الله الحقيقى (Ep. Ar. 140). وكذلك استعملها “فيلون” فى حديثه عن إبراهيم استنادًا إلى (تك1:17)، وكذلك عن الكهنة والأنبياء كنماذج روحية (Gig, 60-63)، وعن موسى كمثال للرجل الكامل استنادًا إلى (تث1:33) (Mut. Nom, 24ff., 125ff.)، وعن إيليا استنادًا إلى (3ملوك18:17) (Deus, Imm., 138f.)، وعن اللوغوس باعتباره الإنسان المثالى المخلوق حسب صورة الله (Conf. Ling., 41- 43). ومن الواضح ارتباط عبارة “إنسان الله” فى الكتابات اليهودية باللغة اليونانية بالترجمة السبعينية.

3 ـ وفى تعاليم القديس بولس الرسول عن الإنسان (الأنثروبولوجى)، استُعملت كلمة “إنسان ” مرتبطة بظرف مكان (خارج ـ داخل) معطيًا لهذا الاستخدام صفات كما سيأتى:

أ ـ إنسان الخارج (Ð œx ¥nqrwpoj) وإنسان الداخل (Ð œsw ¥nqrwpoj):

إنسان الخارج: وذلك بالنسبة لجانبه الطبيعى والمائت

إنسان الداخل: (أو إنسان القلب الخفى 1بط 4:3)، وقد استُخدمت لوصف الإنسان بوجه عام ” بحسب الإنسان الباطن ” (رو22:7) كما استُعملت عن عمل النعمة فى المؤمن ” لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى, فالداخل يتجدد يوما فيوما ” (2كو16:4), وفى (أف16:3) قيل ” لكى يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الإنسان الباطن ” (أف16:3)، وذلك بالنسبة للجانب غير المائت للإنسان[2].

ب ـ وهناك أيضًا الاختلاف بين الإنسان العتيق (palaiÕj ¥nqrwpoj) والإنسان الجديد (kainÕj (nšoj) ¥nqrwpoj). فى (رو6:6، وكو9:3، وأف22:4)، يشير الإنسان العتيق إلى الكيان الخاطئ للإنسان غير المتجدد، بينما الإنسان الجديد فى (أف15:2، 24:4، كو10:3)، يشير إلى الإنسان المتجدد الذى آمن بالمسيحية. وهذه العبارات (الإنسان العتيق والإنسان الجديد) استُعملت فى الحديث عن فاعلية المعمودية، فالإنسان العتيق يُصلب فى المعمودية (رو6:6). وانتقل هذا الاستعمال من مجال الأسرار المقدسة إلى مجال “الأخلاق”، فالمسيحى عليه أن ينزع عن نفسه الإنسان العتيق الذى تحدث عنه الرسول بولس فى رسالته إلى كولوسى حيث قال:

” فأميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذى هو عبادة الأوثان.. اطرحوا عنكم أنتم أيضًا الكل الغضب السخط الخبث التجديف الكلام القبيح من أفواهكم. لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه.. ” (كو5:3ـ10)، وانظر (أف22:4). واستُعملت نموذج ” الإنسان الجديد ” عن الكنيسة، فالمسيح وحّد الشعبين اليهودى والأممى فى إنسان واحد جديد ” لأنه هو سلامنا الذى جعل الاثنين واحد ونقض حائط السياج المتوسط، أى العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا فى فرائض لكى يخلق الاثنين فى نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا ” (أف15:2)، ” إلى أن ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح ” (أف13:4). وفى جميع هذه العبارات يُفترض أن السيد المسيح هو الإنسان الجديد (أنظر أغناطيوس إلى أهل أفسس 1:20).

ج ـ وهناك أيضًا التمييز بين الإنسان النفسانى (yucikÕj ¥nqrwpoj) والإنسان الروحى (pneumatikÕj ¥nqr.) ” الإنسان الطبيعى لا يقبل ما لروح الله.. أما الروحى فيحكم فى كل شئ.. ” (1كو14:2،15).

د ـ واستُعملت كلمة ” إنسان ” عن المسيا (أنظر رو15:5، 1كو21:15، 47، أف32:5، 1تى5:2، عب6:2).

هـ ـ كذلك تُشير كلمة “إنسان” إلى آدم الإنسان الأول، وإلى السيد المسيح آدم الأخير “هكذا مكتوب أيضًا. صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية وآدم الأخير روحًا محييًا ” (1كو45:15).

و ـ وقد ورد لفظ (¢nqrèpinoj) بمعنى: الإنسانى، البشرى. واستُعمل عن الإنسان كجزء من العالم المخلوق كما فى (يع7:3)، حيث استُعمل ليشير إلى الطبيعة البشرية متميزة عن الطبيعة الحيوانية ” كل طبع للوحوش.. تذلل للطبع البشرى” (يع7:3)، وفى (1بط13:2) يُشار به إلى ” الترتيب البشرى “.

وتستعمل الكلمة أيضًا للتمييز بين ما هو إنسانى وما هو إلهى (أع25:17)، “وبين عصيان الإنسان وطاعة المسيح ” (رو19:6) وبين الحكمة الإنسانية وما يعلمه الروح القدس (1كو13:2)، وبين “يوم البشر” (1كو3:4) ويوم المسيا للدينونة. وفى (1كو13:10) حديث عن التجربة البشرية التى تنتج عن الضعف البشرى.

 

1 ـ الاشتقاق اللغوى للكلمة ومعناها فى العهد القديم:

وبالنسبة للاشتقاق اللغوى للكلمة، فهو موضع جدال، وإن كان من الممكن أن يُقال إنها تتركب من جزئين: êy + ¢n¾r وتعنى وجه الرجل [3].

أما الكلمات العبرية التى تقابل كلمة (¥nqrwpoj)، فهى ādām، is، nos. وكلمة “ādām” تشير إلى طبيعة الإنسان فى وضع مختلف عن طبيعة الله، كما (1صم29:15) “وأيضًا نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم لأنه ليس إنسانًا ليندم”، وفى موضع مختلف عن الحيوانات فى تك26:1 ” فقال الرب نعمل الإنسان على صورتنا وكشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التى تدب على الأرض “. وفى استعمالها عن الجنس، فإنها تُستعمل للرجل والمرأة (أنظر تك7:2 وما بعده، 18 وما بعده). و”is ” يرد استعمالها فى (تك4:2) و nos تشير غالبًا إلى سمة الضعف والموت ” من هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله ” (مز5،4:8) [4].

وفى كلا الموضوعين اللذين وردا عن الخلق فى سفر التكوين (تك1:1 وما بعده، 4:2 وما بعده، فإن خلقة الإنسان هى الأمر الأسمى. فى تك ص1، فإن الإنسان هو ذروة الخليقة وتاجها. وفى تك ص2، فإن حياته تقطن فى نسمة الحياة التى نفخها الله فى أنفه، فصار نفسًا حية (تك7:2)، وأيضًا فى كونه خُلق على صورة الله (تك27:1). ولقد اعتبر مستحقًا أن يتكلم الله إليه وأن يكلفه بعمل (تك16:2 وما بعده، تك28:1). وفى عصيانه سقط وصار ضحية للموت. وارتبط آدم الإنسان بالأرض، ليس بعد بسبب خلقته ” وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض” (تك7:2) ولكن الآن بسبب تعديه لوصيته (تك19:3).

ولا يوجد فى العهد القديم هذا التقسيم للإنسان الذى نجده فى الفكر الفلسفى اليونانى، حيث يُقسم إلى عنصرين أو إلى ثلاثة عناصر: العقل، النفس، الجسد. فإن الكلمات: الجسد، النفس، الروح، القلب، الضمير و… هذه لا تمثل أجزاء فى الإنسان ولكنها تمثل اتجاهات مختلفة عند الإنسان مأخوذًا على الدوام فى كيانه ككل، ومنظورًا إليه من جهة وضعه ككل وليس كأجزاء. فالجسد فى العهد القديم (basar) ينظر إليه على أنه يشير إلى الإنسان كله وليس إلى هذا الجزء المادى الظاهرى منه، ويُستعمل غالبًا ليشير إلى فناء الإنسان “ذكر أنهم بشر، ريح تذهب ولا تعود ” (مز39:78)، والروح (ruah) تشير إلى الإنسان ككائن حى ” تخرج روحه فيعود إلى ترابه. فى ذلك اليوم نفسه تهلك أفكاره ” (مز4:146)، وكشخص (حز20،19:11) فإن الروح والقلب يُذكران ليشيران إلى الإنسان فى علاقته بالله “وأعطيهم قلبًا واحدًا وأجعل فى داخلهم روحًا جديدًا، وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكى يسلكوا فى فرائضى.. “، وكلمة ” نفس nepes ” تشير إلى الإنسان ككائن حى مرتبط بجسده ” إن كنت لا تنجو بنفسك هذه الليلة، فإنك تُقتل غدًا ” (1صم11:19)، وكفرد ” وإذا وُجد رجل قد سرق نفسًا من اخوته بنى إسرائيل، واسترقَّه وباعه يموت ذلك السارق فتنزع الشر من وسطك ” (تث7:24)، ” وقل هكذا قال السيد الرب. ويل للواتي يخطن وسائد لكل أوصال الأيدي ويصنعن مخدات لرأس كل قامة لاصطياد النفوس. أفتصطدن نفوس شعبي وتستحيين أنفسكن وتنجسنني عند شعبي لأجل حفنة شعير ولأجل فتات من الخبز لإماتة نفوس لا ينبغي أن تموت واستحياء نفوس لا ينبغي أن تحيا بكذبكن على شعبي السامعين للكذب ” (حز19،18:13).

إن النفس، فضلاً عن أنها لا توجد وجودًا سابقًا كما كان يزعم أفلاطون، فهى الإنسان كله (تك7:2). والقلب (leb) يمثل الإنسان الداخلى الجوهرى فى وضع مضاد لمظهره الخارجى (1صم7:16). ونظرًا للترجمة السبعينية للعهد القديم، فقد اختلط الفكر اليونانى بهذه المفاهيم وامتد أثرها إلى العهد الجديد.

 

2 ـ أنثروبولوجيا العهد الجديد:

إن العهد الجديد، شأنه شأن العهد القديم، لا يهتم بأن يقدم لنا أنثروبولوجيا منعزلة، فإن القضايا التى تختص بالإنسان هى على الدوام تُناقش من وجه نظر ثيولوجية. إنه على الدوام يتحدث عن الإنسان تجاه الله: فى خلقته، فى اختياره، فى سقطته، فى فدائه وخلاصه. الحديث عن وحدة الإنسانية والمساواة بين البشر، لا يُقدم فى فكر نظرى أو فى مفاهيم مجردة، ولكنها أمور تتحقق فى المجتمع المسيحى (غلا28:3). بالمسيح ومن خلاله يتحقق الإنسان الجديد (أف15:2). وكذلك، وفى نفس الوقت، فإن الاختلافات بين البشر تتحقق من خلال انتخاب الله ” هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين، لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون ” (مت16:20)، وأيضًا من خلال اختلاف هبات الروح القدس الخاصة فى الكنيسة (1كو12).

إن دعوة السيد المسيح العامة للبشر لكى يتوبوا عن خطاياهم، تفترض أن الجميع قد أخطأوا وأعوزهم مجد الله (مر15:1)، وفى نفس الوقت هناك من الآيات ما يشير إلى القيمة الكبرى التى وُضع الإنسان فيها من قبل الله ” ألستم أنتم بالحرى أفضل منها (من طيور السماء) ” (مت26:6). وحتى فى وضعه الخاطئ (لو15) فإن الله يدعو الإنسان لكى يحظى بالبنوة للآب ” أن يكون كاملاً مثله ” (مت45:5). وفى (لو14:2)، يتكلم فى صياغة سامية عن البشر الذين هم أُناس مسرة الله (™n ¢nqrèpoij eÙdok…aj) إن حالة المضاف إليه فى هذه العبارة يغير من علاقة الملكية، أى البشر باعتبارهم يمتلكون مسرة الله (أنظر لو22:3). فالمقصود بهذه العبارة الإشارة إلى شعب المسيا المختار للخلاص.

وعند الرسول بولس، فإن الإنسان ” العتيق ” هو إما يلتزم بالناموس (رو17:2، وما بعده) أو يثور على الحق الإلهى (رو18:1 وما بعده). لقد ضل الإنسان فى معرفته لله ولذلك تركه الله إلى ضلاله (رو21:1 وما بعده). والرسول يتحدث عن مسئولية الإنسان (رو1:2)، على أن الإنسان يعجز عن أن يفعل الخير بنفسه (رو18:7، وما بعده). وهذا التوتر الروحى الذى يعيشه الإنسان لا يمكن أن يتغلب عليه الإنسان إلاّ بقدرة الله من خلال الرب يسوع المسيح (فى13،12:2). إن الإنسان الجديد يحصل على حريته من خلال المسيح آدم الثانى (رو9:5، 1كو15) ويصير خليقة جديدة (2كو17:5). والمعمودية هى موت الإنسان العتيق (رو6:6). ومن خلال اتحاد الإنسان بالمسيح يولد الإنسان من جديد (أف22:4). ولكن هذا لا يتحقق من خلال قدرات الإنسان الشخصية ولكن فقط من خلال حياته الجديدة فى المسيح (رو1:8ـ17).

وهناك مفاهيم أنثروبولوجية مهمة فى ثيولوجية الرسول بولس (الجسد، النفس، الروح، العقل، الضمير، إنسان الداخل وإنسان الخارج، نفسانى وروحانى)، وهذه جميعها سوف نعالجها بالتفصيل فيما بعد.

 

3 ـ العهد الجديد والسيكولوجيا الحديثة:

سيكولوجيا العهد الجديد، هى سيكولوجيا عملية practical أكثر منها علميةscientific، وتُفهم فى مجالها الخاص. فحيث إن العاطفة القوية، غالبًا ما تؤثر على الأجزاء الأدنى للجسد، فإن الأحشاء (spl¦gcnon) (أع18:1) تستعمل كقاعدة الانفعالات، وهى ما يقابل القلب فى الاستعمال الحديث. ومن الأمثلة على ذلك:

” بأحشاء رحمة إلهنا التى بها افتقدنا المشرق من العلاء ” (لو78:1)، ” لستم متضيقين فينا، بل متضيقين فى أحشاءكم ” (2كو12:6)، ” وأحشاؤه هى نحوكم بالزيادة متذكرًا طاعة جميعكم ” (2كو15:7)، ” فإن الله شاهد لي كيف اشتاق إلى جميعكم في أحشاء يسوع المسيح” (فى8:1)، ” إن كانت أحشاء و رأفة فتمموا فرحي حتى تفتكروا فكرًا واحدًا ” (فى1:2)، “فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفًا وتواضعًا ووداعة وطول أناة محتملين بعضكم بعضًا ” (كو13،12:3)، ” لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ ” (فل7)، ” أرح أحشائي في الرب ” (فل20)، ” وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجا وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه ” (1يو17:3)، وفى فل12 نستعمل كلمة أحشائى بمعنى محبوبى ” فاقبله الذى هو أحشائى”، والفعل (splagcn…zomai) يعنى: يتحنن, يشفق (مت14:14, مر41:1، لو13:7).

وأما العقل (noàj) فكما جاء فى قاموس خنجريشن فيُستعمل بالمعانى التالية:

1 ـ ذهن، العقل كقوة للتفكير (لو45:24، 1كو14:14، فى 4:7 , رؤ17:13). استقرار ذهنى (2تس2:2)، العقل المفكر (رو25،23:7).

2ـ عقل , طريقة التفكير: (رو28:1 , 1كو10:1, أف17:4, كو18:2، تى15:1).

3ـ فكر: (رو34:11؛ 5:14, 1كو16:2) [5].

وأما القلب فيقف موقفا وسطًا بين العاطفة والعقل، لأنه فى بعض الأحيان يمثل العاطفة (ولكن فى درجة أقل من الأحشاء) وفى أحيان أخرى يمثل الحياة الداخلية بما فيها من معنى الإرادة والمشيئة.

وإليك بعض الأمثلة التى تعبر عن مفهوم القلب فى العهد الجديد:

قلب كمركز الحياة الطبيعية (أع17:14)، جوهريًا كمركز ومنبع الحياة الداخلية كلها (مت35:18، لو15:16، 2كو12:5، 1تس4:2، 1بط22:1). عن العواطف (يو6:16، رو24:1، عب22:10). عن الإرادة (أع23:11، رو5:2، 2بط14:2). ويمكن أن تُترجم هذه الكلمة أيضًا إلى فكر (لو25:24، أع23:7، رو21:1، 2كو7:9)، وقريبة من معنى الضمير فى (1يو20:3). وفى (مت40:12) استُعملت بمعنى: الداخل ـ المركز [6]. 

وسوف نناقش كل هذه الأمور فيما بعد بشئ من التفصيل، عندما نتحدث عن العناصر التى يتكون منها الكيان الإنسانى.

ويتفق علم النفس المبنى على كتاب العهد الجديد، مع اصطلاح علم النفس الحديث “السيكوسوماتيك psychosomatic” من حيث النظر إلى الإنسان كوحدة جسمية نفسية متكاملة. فقد حدثت فى السنوات الأخيرة حركة علمية جديدة ترمى إلى توجيه عناية الطبيب إلى المريض من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مجموعة أعضاء فحسب، وتُعرف هذه الحركة بالطب السيكوسوماتى، أى الطب الجسمى النفسى. ويقول الدكتور يوسف مراد: لقد أقيم الدليل نهائيًا على أن بعض الأمراض العضوية، وعلى الخصوص الأمراض المزمنة التى تعترى أجهزة الهضم والدورة الدموية والتنفس نشأ عن أسباب نفسية، كما أنه لا يمكن شفاء هذه الأمراض، أو على الأقل تخفيف أعراضها إلا بمعالجة المريض معالجة نفسية لا يمكن أن تجدى بدونها وسائل العلاج الطبى الأخرى. كما أنه قد أُتيح لبعضهم مشاهدة ما يعترى غشاء المعدة عندما يكون الشخص فى حالة توتر انفعالى ناشئ عن القلق أو الغضب أو الحرمان، فلوحظ ازدياد حركة جدران المعدة وإفراز السوائل الحمضية واحتقان النسيج المعدى وظهور بقع من النزيف والتقرح [7].

على أننا نأخذ فى اعتبارنا ما قال به Colin Brown:

إن العهد الجديد يمكن أن يتفق مع الاصطلاح الحديث سيكوسوماتيك(Psychosomatic)، ولكنه يحور الكلمة إلى بنفماتو سيكوماتيك(Pneumato Pschosomatic)[8], أى يدخل عامل الروح كعنصر أساسى فى تفسير الكيان الإنسانى.

وعلى العموم نقول: إنه من الخطأ أن نأخذ علم النفس الحديث ونجعله بشكل مطلق أساسًا لتفسير العهد الجديد. بلا شك هناك الكثير من نقاط التلاقى , ولكن أيضًا هناك الكثير من نقاط الاختلاف. والأمر المهم هو أننا يجب أن نفهم المبادئ الأساسية التى يقوم عليها التعليم المسيحى ولا نخضع هذه المبادئ لأية مبادئ أخرى سواء فى مجال علم النفس أو مجال الفلسفة , ولكنه مع ذلك يمكن أن نستفيد مما يكون هناك من معارف صحيحة سليمة فى هذين الميدانين كوسائل توضيحية لفهم التعاليم المسيحية.

ونشير كمثال فى علم النفس إلى محاولة تفسير الإنسان كمجموعة من الأفعال المنعكسة الشرطية (Conditional reflexes). ويمكن شرح الفعل المنعكس على النحو التالى:

الشخص يقرن بين رؤية الحرف , والحركة اللازمة للكتابة. والبصر هنا شرط من شروط أداء الحركة، وتكون الحركة إذن مشروطة بالمنبه البصرى. فإذا ربطنا بين المنبه الحسى والحركة ربطًا آليًا نكون بصدد النظرية التى تقيم عملية التعلم على اكتساب الفعل المنعكس الشرطى. ولكن الواقع أن استجابة الشخص للمنبه الشرطى هى استجابة قائمة على عملية إدراكية، يدرك الشخص أثناءها دلالة المنبه الشرطى. وبموجب هذا الإدراك لدلالة المنبه الشرطى تتم الاستجابة. ومن هنا تختلف الاستجابة بين شخص وآخر حسب اختلاف ما يحمله المنبه له من دلالة. فليست عملية اكتساب الفعل المنعكس الشرطى آلية محضة، فإن أثر الإدراك ظاهر منها بجلاء، إذ ينتقل الموقف من حالة تعميم إلى حالة تخصيص [9]. ومن هنا فإن أعمال السيد المسيح المعجزية لم تُقابل بنوع واحد من الاستجابة من قِبل الذين شاهدوا هذه الأعمال. فلما شفى السيد المسيح اليد اليابسة كان من الممكن أن تكون الاستجابة لهذا الفعل هى الإيمان بالسيد المسيح على هذا العمل المعجزى. ولكن الذى حدث عكس ذلك. فإن الفريسيين خرجوا مع الهيرودسيين وتشاورا عليه لكى يهلكوه، ولذلك نظر السيد المسيح حوله إليهم بغضب حزينًا على غلاظة قلوبهم (مر1:3). ولذا يقول الرسول بولس فى رسالته إلى العبرانيين: ” بل عظوا أنفسكم كل يوم ما دام الوقت يُدعى اليوم لكى لا يقسى أحد منكم بغرور الخطية ” (عب13:3). وقد يحدث أن يكون رد الفعل لموقف من المواقف هو انعكاس للاهتمامات الشخصية، كما ظهر هذا فى تصرفات ديمتريوس الصائغ الذى كان يصنع هياكل فضة لأرطاميس وكان يكسب الصناع مكسبًا ليس بقليل، ولذلك أثار الشعب على بولس لأنه كان يقول إن التى تُصنع بالأيادى ليست آلهة (أع21:19ـ29). إن عمل المسيحية واضح فى تأثيرها على الاستجابات الشخصية التى تصدر عن الإنسان. إن تجديد الاستجابات الشخصية بعمل الروح القدس هو نوع من الشروط التى تحدد نوعية الاستجابة، وهذا يدفع الإنسان لأن يستجيب فى سرور وتعقل لإرادة الله، ولذا يقول الرسول بولس: “ولا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هى إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة ” (رو2:12). وفى كلمات أخرى، فإن الله جعل الإنسان قادرًا لأن يبنى نموذجًا للحياة يصبح بالنسبة له ـ كما نقول ـ طبيعة ثانية له [10].

أما بالنسبة لعلم النفس القديم نقول: إذا كان علم النفس القديم يضع الأهمية فى عنصر ما من عناصر التكوين الإنسانى، فليس الأمر كذلك بالنسبة لسيكولوجيا العهد الجديد. فمثلاً كان لأفلاطون نظرية فى النفس فحواها كالآتى: يرى أفلاطون أن قوى النفس ثلاث: الأولى قوة شريرة منحطة، والثانية قوة عالية نبيلة، ويتوسط بين القوتين، قوة ثالثة تجمع بين كلتا القوتين. أما القوة الأولى، وهى القوة الشريرة، فهو ما يسمى باسم القوة الشهوية. وهى التى تصدر عن الاحساسات والتى يسودها عنصر اللذة والألم بالمعنى الحسى الخالص، وهذه القوة موضعها البطن. وفوق هذه القوة، قوة الكبرياء أو توكيد النفس أو السيطرة أو محاولة السيادة على الآخرين، وهى ما يسمى باسم القوة الغضبية. وهذه القوة موضعها الصدر، أو القلب بعبارة أدق. وهذه القوة الثانية مرتبة فى خدمة قوة عليا هى أعلى هذه القوى الثلاث، وهى مصدر العلم، وهذه القوة (هى القوة العاقلة) وموضعها الدماغ. وما يقابل الإحساس وهو القوة الشهوية، فى أحط المراتب. وما يقابل العلم، وهو القوة العاقلة، فى أعلى المراتب. وما يقابل الشجاعة فى المرتبة الوسطى. والقوة العاقلة تمنع الشهوة من أن تتجاوز حدودها مستعينة فى ذلك بالشجاعة. ولهذا فالواجب أن تكون السيادة دائمًا للقوة العاقلة، وأن تكون الشجاعة فى خدمة القوة العاقلة، وأن تكون الشهوات عارفة لحدودها، خاصة للأوامر التى تصدر إليها من العقل. أما إذا ترتبت هذه القوة ترتيبًا عكسيًا فسينتج من ذلك فساد فى النفس. مظهرة فى الأخلاق الشر والرذيلة. فكان المثل الأعلى للنفس، هو إذن فى انسجام هذه القوى المختلفة. ومعنى هذا الانسجام أداء كل لوظيفته الخاصة [11].

أما أرسطو فقد قال فى النفس ما يلى: لو نظرنا إلى الإنسان فإننا نجد كائنًا مكونًا من جسم ونفس، وله وظائف جسمانية ووظائف عقلية. أما الوظائف الجسمانية فإنما يشترك فيها مع باقى أنواع الحيوان، بل يشترك مع بعض أنواع النبات بما له من نفس نباتية. وإنما يتميز الإنسان عن باقى الكائنات الحية بنفس ناطقة. وفى نشاط هذه النفس الناطقة يمكن تجديد فضيلته.

وهذه القوة الناطقة أو العاقلة تختلف عن باقى قوى النفس الأخرى لأنها غير مرتبطة بالجسم، فالعقل مفارق للبدن. والعقل هو الذى يدرك الماهيات المعقولة ويقوم بتجريد المعانى العقلية والماهيات الكلية. وفى العقل قوتان: قوة قابلة لتلقى جميع المعقولات، وبها المعقولات بالقوة، ولكنها لا تعقل هذه المعقولات بالفعل إلاّ بفضل القوة الأخرى التى هى قوة فعّالة، وتقوم بأخراج المعانى الكلية من الجزئيات كما يظهر ضوء الشمس الألوان ويحولها إلى الوجود بالفعل فى العين الإنسانية.

وهكذا، فإن أرسطو يقول بوجود عقلين فى النفس الإنسانية، عقل منفعل وعقل فعّال. والعقل الفعال خالد ومفارق وأزلى، إنه يأتى الإنسان من الخارج [12].

أما بالنسبة لنظرة المسيحية للإنسان، فنشير إلى ملاحظتين:

1 ـ إن آراء الفلاسفة اليونانيين تقسم الشخصية الإنسانية وتجزئها إلى قوى متحاربة ومتصارعة تحاول كل منها السيطرة على الأخرى. وبهذا الانقسام فى الشخصية يُنظر إلى الشهوات كما لو كانت كائنات مستقلة يمكنها أن تقاوم الذات الأخلاقية. فهل من الممكن أن نسلم بهذا الرأى، نأخذ بهذا الاعتقاد ؟ وهل من الممكن للشخصية الإنسانية الواحدة غير المتجزئة أن تُقسم إلى قوة سامية وقوة منحطة، وإلى قوة أخلاقية وقوة غير أخلاقية، وإلى قوة متحاربة تهدف إلى انتصار الخير أو إلى انتصار الشر ؟

إن مثل هذا الانقسام فى الشخصية لا نجده إلاّ عند هؤلاء الذين لا يتمتعون بالصحة النفسية.

إن كل شئ يصدر عن الإنسان، يصدر عن الذات كلها: الحكم، الإدراك، الأفكار، الشهوات، العواطف. إن الذات تفكر، الذات تدرك، الذات كلها تفعل الخير أو الشر. وعلى ذلك فإن الدوافع والشهوات لا تمثل ذاتًا أخرى هى ذات الشر تقاوم وتعارض الذات الخيرة، وإنما هى قوة فى خدمة الذات الواحدة تعمل تحت إرشادها وتوجيهها ولخدمة الأهداف والأغراض التى تسعى الذات فى تحقيقها [13].

2 ـ إذا كان كل من أفلاطون وأرسطو يضعان الشخصية فى القوة العاقلة، ولذلك يجب أن تكون السيادة دائمًا فى هذه القوة العاقلة، وعن طريق سيادتها على القوى الأخرى تتحقق الفضيلة للإنسان، فإن النظرة المسيحية يعبر عنها الرسول بولس فى رسالته إلى أفسس عندما يجعل السيد المسيح نفسه رأس الجسد وحاكمه، فيقول ” ننمو فى كل شئ إلى ذاك الذى هو الرأس المسيح الذى منه كل الجسد مركبًا معًا ومقترنًا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه فى المحبة ” (أف16،15:4).

 

4 ـ العهد القديم كتمهيد أساسى لتعليم العهد الجديد عن الإنسان:

لم يعرف العبرانيون، بحسب تعاليم العهد القديم، ثنائية النفس والجسد فى شخصية الإنسان، كما عرفها الفكر اليونانى. فبالنسبة للفكر العبرانى، فإن العناصر التى يتكون منها الكيان الإنسانى، لا تمثل عناصر متصارعة ولكنها تمثل اتجاهات متعددة للشخصية الإنسانية الواحدة. لقد نظر العبرانيون إلى النفس نظرة فيزيائية، ونظروا إلى العناصر الفيزيائية على اعتبار أن لها وظائف نفسية، حتى أن أى نشاط يقوم به الإنسان يرتبط بالنفس أو القلب أو الوجه أو اليد، فإنه يمثل الإنسان كله ويتضمن باقى العناصر أو الأعضاء. فالدم والشعر والعرق واللعاب وأثر القدم، كل هذه ترتبط بالقوى الحيوية للشخصية بأكملها، فلم يوجد فى الفكر العبرى هذا التمييز بين ما هو طبيعى وما هو ميتافيزيقى. إن السيكولوجية العبرية تبدأ بالإنسان ككل (بأجمعه ـ بأسره)، وهو ككل يفكر ويشعر ويعبر عن نفسه من خلال وسط جسمى وغير جسمى. وعلى ذلك فإن العناصر المتضمنة فى تكوينه ليس لها تحديد عضوى. بلا شك فإن لهذه الأعضاء المتميزة فى الجسد وضعها الخاص، ولكنها فى العمل تتجاوز ذاتها لتشير إلى الإنسان كله وتشمل كل الأعضاء الأخرى. إنه من السهل أن تتحدث عن العضو باعتباره متضمنًا للأعضاء الأخرى من أن تتحدث عن العضو لكى تحدده فاصلاً بينه وبين الأعضاء الأخرى. إن العقل العبرى لا يستحسن التقسيمات التأملية حيث نحاول أن نضع حدودًا بينما لا توجد حدود. إن الجسد والنَفَس الإلهى معًا هما اللذان يكونان الإنسان. فالإنسان ليس ذلك الجسد أو ذلك النَفَس الإلهى، بل هو كلاهما معًا. ولذلك فليس هناك اعتقاد فى الفكر العبرى بوجود سابق للنفس. إلى هذا الحد يرتبط الجسد بالنفس فى الفكر العبرى حتى أنه يتحدث عن النفس فيصفها بصفات جسدية لا تناسب غير الشيء المادى، مثل: ” يبست أنفسنا ” (عدد6:11)، ” أعيت أنفسهم فيهم ” (مز5:107). وفى سفر التثنية تتحد النفس مع الدم اتحادًا كاملاً ” احترز أن لا تأكل الدم، لأن الدم هو النفس، فلا تأكل النفس مع اللحم ” (تث23:12). لم يكن يُسمح بأكل الدم لأن الدم يحوى النفس. وهذه ملك لله. لقد اتسع مفهوم النفس عن مجرد مبدأ للحياة، لكى يشمل المشاعر والعواطف والإرادة وحتى الملكة العقلية عند الإنسان. فى (حز9:23) ترتبط النفس بالمشاعر ” لا تضايق الغريب، فإنكم عارفون نفس الغريب لأنكم كنتم غرباء فى أرض مصر ” (حز9:23)، ” وقالوا بعضهم لبعض، حقًا إننا مذنبون إلى أخينا الذى رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع ” (تك21:42)، ” رجال أنفسهم مُرة ” (قض25:18)، ” وهى مُرة النفس ” (1صم10:1). واستُعملت لتعبر عن الرغبة ” فتكون لك زوجة، وإن لم تُسرّ بها فأطلقها لنفسها ” (تث14:21). وترتبط النفس بالمعرفة ” كون النفس بلا معرفة ليس حسنًا ” (أم2:19)، ” كذلك معرفة الحكمة لنفسك، إذا وجدتها فلابد من ثواب ورجاؤك لا يخيب ” (أم14:24). وتعنى الضمير ” لأنه كما شعر فى نفسه هكذا هو ” (أم7:23)، والبصيرة الدينية ” عجيبة هى أعمالك ونفسى تعرف ذلك يقينًا ” (مز14:139).

وحيث إن النفس استُعملت لكى تغطى كل أوجه النشاط الإنسانى، فليس غريبًا أن تُستعمل كمرادفة للإنسان نفسه. لقد كان عدد الأسرات يُحسب باعتبار أن كل نفس تمثل فردًا ” فأخذ ابرآم ساراى امرأته ولوطًا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التى اقتنيا والنفوس التى امتلكا فى حاران.. ” (تك5:12)، ” وابنا يوسف اللذان وُلدا له فى مصر نفسان. جميع نفوس بيت يعقوب التى جاءت إلى مصر سبعون ” (تك27:26). وفى (لا25:7) يتحدث عن النفس التى تأكل لحم الذبيحة، كما لو أن النفس تعنى ” شخصًا ” فيقول ” إن كل من أكل شحمًا من البهائم التى يُقرب منها وقودًا للرب، تُقطع من شعبها النفس التى تأكل “، وكذلك فى (لا27:7) يقول ” كل نفس تأكل شيئًا من الدم تُقطع تلك النفس من شعبها “. وهذا الشمول فى المعنى، يرجع إلى أن الفكر العبرى لم يعزل بين الوظائف الجسمية والوظائف الميتافيزيقية، فالإنسان بأكمله يكون متضمنًا فى كل وظيفة. والوظائف فى مجموعها تكشف عن الإنسان فى توجهاته المتعددة.

لم يقتنع الفكر العبرى أن ينظر إلى الإنسان كمجموعة من الانفعالات، بل نظر إلى الانفعالات كلها، كما لو أنها متضمنة فى كل انفعال. إن الإنسان متعدد فى اتجاهاته ولكنه غير منقسم فى الطبيعة. إن الإنسان بأكمله ينفعل ويجوع ويفكر، لأن كلاً من هذه الوظائف يتطلب الشخصية الإنسانية بأكملها، ولا يحدث فصل بين ما هو جسمى أو عاطفى أو عقلى[14].

وهناك اصطلاح ثان فى العهد القديم ـ غير النفس ـ استُعمل للتعبير عن الحياة الروحية، وهو ” الروح “. وفى نبوة حزقيال تبدو وظيفة الروح واضحة، فهى التى أعطت الحياة للعظام اليابسة. ولكن كيف فُهمت الروح فى هذا النص ؟ جاء فى نص النبى حزقيال ما يلى:

” فتنبأت كما أُمرت. وبينما أنا أتنبأ كان صوت وإذا رعش فتقاربت العظام، كل عظم إلى عظمه. ونظرت وإذا بالعصب واللحم كساها وبُسط الجلد عليها من فوق وليس فيها روح. فقال لي تنبأ للروح. تنبأ يا ابن آدم وقل للروح هكذا قال السيد الرب هلم يا روح من الرياح الأربع وهب على هؤلاء القتلى ليحيوا. فتنبأت كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا ” (حز7:37ـ10). وعلى ذلك جاءت الروح من الرياح الأربع وملأت الجسد بالنفس أو بنسمة الهواء ومن ثم عادت الحياة. إن المعنى الأصلى لكلمة الروح ـ كما تبدو فى هذا النص، هو ” الهواء فى الحركة “.

واستُعملت الكلمة لكل أنواع الرياح. وفى سفر القضاة قيل أن شمشون شرب الماء فعادت روحه ” فشق الله الكفة التى فى لحى فخرج منها ماء فشرب فرجعت روحه فانتعش ” (قض19:15).

ولسنا هنا فى مجال المناقشة المفصلة للمقارنة بين مفهوم الروح ومفهوم النفس فى العهد القديم، ولكن من الملاحظ أنه حيث يُشار إلى العلاقة بين الإنسان والله تُستعمل كلمة “روح”، وحيث يُشار إلى العلاقة بين الإنسان والإنسان تُستعمل كلمة ” نفس”. أى أن كلمة ” روح ” تعبر عن الاتجاه الروحى للإنسان، وكلمة ” نفس ” تعبر عن الاتجاه النفسى، والمهم أنه فى كلتى الحالتين الروحية أو النفسية، فإن الحديث يتضمن الإشارة إلى الإنسان ككل، وأن الإنسان كله يكون متضمًا فى أى الاتجاهين. وكما قُلت سابقًا، فإن أى عنصر من العناصر التى يتكون منها الإنسان، فهو يشير إلى الإنسان كله.

وما قلناه عن النفس أو الروح، نقوله أيضًا عن الجسد، فإن كلمة الجسد فى العبرية “basas ” تُستعمل أيضًا كعنصر نفسى على الرغم من أنها تشير إلى اللحم. ومن خلال وظائف الأعضاء الجسدية، نمت السيكولوجية العبرية. ومن ناحية أخرى، فإن استعمالها فى العهد القديم يكشف عن أنها تشير إلى الإنسان كله وليس إلى جزء منه، كما يبدو من الآيات التالية:

” قلبى ولحمى يهتفان بالإله الحى ” (مز2:84) (فاللحم هنا يهتف لله الحى)، “يشتاق إليك جسدى فى أرض ناشفة ويابسة بلا ماء ” (مز1:63) (والجسد هنا يشتاق إلى الله)، ” جسدى أيضًا يسكن مطمئنًا ” (مز9:16) (والجسد هنا يثق فى الله ويتكل عليه).

وعندما قال إرميا النبى ” ليس سلام لأحد من البشر ” (إر12:12)، فإنه استعمل كلمة “اللحم ” فى معنى ” البشر “، أى أنه لم يستعمل كلمة اللحم ليشير إلى الجزء المادى من الإنسان، بل إلى الإنسان كله. وعلى ذلك فكلمة ” اللحم ” فى بعض معانيها تعنى: الإنسان كله.

والخلاصة ـ كما قلنا ـ فإن هذه العناصر المكونة للإنسان لا تشير إلى أعضاء متمايزة تُعامل كما لو أنها أعضاء ينفصل الواحد منها عن الآخر، وتخضع لدراسة تشريحية خاصة، بل إن هذه العناصر، تمثل اتجاهات متعددة فى حياة الإنسان.

 

5 ـ هل نجد فى الفكر اليونانى الفلسفى خلفية لمفهوم الإنسان فى العهد الجديد ؟:

إذا كنا وجدنا فى العهد القديم خلفية تصلح أساسًا لفهم الإنسان فى العهد الجديد، فهل يمكن أن نجد فى الفكر اليونانى الفلسفى مثل هذه الخلفية ؟

هناك من الباحثين من يتطرف فى تقدير قيمة الفلسفة اليونانى بالنسبة إلى الفكر المسيحى، وينظر إلى المسيحية كما لو أنها تستمد أصولها من الفكر اليونانى.

تقول الدكتور أميرة حلمى مطر:

لقد أثرت نظرية فيلون فى العقيدة المسيحية وظهرت آثارها فى إنجيل يوحنا، وهو الإنجيل الرابع الذى يُرجح أن يكون قد كُتب فى القرن الثانى الميلادى وتأثر كاتبه بفيلون.

وشبيه بهذا الزعم الخاطئ، ما نجده فى المقارنة التى أقامها الدكتور عثمان أمين، بين المسيحية والرواقية، حيث يقول:

إذا رجعنا إلى بعض آراء الباحثين المسيحيين ـ فيما يقول ـ وجدنا منهم من يرى فى المذاهب الرواقية ” تمهيدًا للإنجيل ” بل لقد ظهر باللغة الألمانية كتاب ذهب فيه صاحبه إلى أبعد من هذا، فقرر أن ” الرواقية أصل المسيحية ” وجعل هذه العبارة نفسها عنوان كتابه.

ويمضى الدكتور عثمان أمين فيقول:

من المشهور لدى الباحثين فى الإلهيات المسيحية أن رسائل ” بولس الرسول ” هى فى لهجتها ومضمونها قريبة الشبه برسائل ” سنكا ” ومقالات ” ابكتيتوس “. وتعليل ذلك ما هو معلوم من نشأة بولس الرسول ببلاد ” طرسوس ” فى وسط قد شاعت فيه الأفكار الرواقية. فبولس الرسول مثلاً يرى رأى الرواقيين فى عدم الاكتراث بما يحيط الإنسان من ظروف خارجية إذ لا دخل لها عنده فى نجاة الإنسان وسلامة روحه. ثم أن ” أبكتيتوس ” و ” بولس” كانا كلاهما ينشدان فى الثقة بالله مصدر قوتهما، وقد وجد كلاهما من نتائج هذه الثقة إيمانًا وهدوءًا فى كافة ظروف الحياة. ويمكن مقارنة صورة ” الحكيم ” التى رسمها ” أبكتيتوس ” بصورة ” الرسول ” الذى بعثه الله على الأرض. وإذا تأملنا استعمال ” بولس الرسول ” للفظ ” الجسم ” مثلاً وجدناه استعمالاً رواقيًا بحتًا. وكذلك طريقته فى تحليل الأجسام وأنواعها من أرضية وحيوانية وسماوية. وقس على ذلك تحليل بولس ” للطبيعة البشرية ” فنحن نرى ـ فيما يزعم الدكتور عثمان أمين ـ إنه بنى نظريته على أساس رواقى، إذ يرى أن الإنسان وحدة جوهرية، وموضوع هذه الوحدة أشياء ثلاثة: ” الروح والحياة الحيوانية والجسد “. فالنفس يشترك فيها الإنسان والحيوان. والروح يشترك فيها الله والإنسان. وبهذه النظرية يصبح الله والإنسان شريكين فى ناحية من نواحى العالم يخرج فيها الحيوان والنبات والجماد، وناحية المشاركة هى الطبيعة الروحية. ولقد قال الرواقيون بهذا.

ويزعم دكتور عثمان أمين أكثر من هذا بأن النظرية المسيحية التى تذهب إلى أن الله واحد ومتعدد فى وقت واحد، هى نظرة تمت إلى الفلسفة الرواقية بسبب وثيق، وأن أصولها مبسوط فيما كتبه ” سنكا ” فإن سنكا يدعو القوة العظمى التى أبدعت الكون تارة ” الله المسيطر ” وتارة ” الحكمة اللاجسمانية ” التى تخلق جليل الأعمال، وتارة أخرى يسميها “الروح الإلهية ” التى تجوس خلال الأشياء عظيمها وحقيرها ” [15].

كل هذه الادعاءات والمزاعم وغيرها مما لم نذكره هنا سوف يظهر بطلانها عندما نعالج بالتفصيل مفهوم الإنسان فى كتاب العهد الجديد. ويكفى أن نقول هنا ما قاله الدكتور يوسف كرم:

” وأما الرواقية فكان المسيحيون ينكرون منها قولها بوحدة الوجود، والمادية المطلقة، والضرورة العاتية، وفناء الشخصية بالموت، وجواز الانتحار. وكانوا يأخذون على أصحابها تناقضهم فى تقواهم وهم لا يعترفون لله بوجود مفارق وشخصية مستقلة.. ” [16].

(يتبع)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أنظر:

Kittel (G), Theological dictionry of the New Testament, vol.1, Eerdmans, Michigan, U.S.A.1981.

[2] وفى “الجهورية” لأفلاطون (IX, 589a) نجد التعبير “الإنسان الباطن” (Ð ™ntÕj ¥nqrwpoj)، وكذلك فإننا نجد التعبير, “tÕ logistikÕn tÁj yucÁj ” أنظر(IV, 439d)، ويقصد به ” ملكة التفكير” فى توجهها المسكونى. وفيما بعد يسمى أفلاطون “العقل” (noàj): ” الإنسان الذى فينا المتجه نحو الحقيقة ” (Plant, 42), أو “الإنسان فى الإنسان” (Ð ¥nqrwpo ™n ¢nqrèpw) (Congr., 97). وفى موضع آخر , يحدد قوة الإدراك العقلية (logik¾ di£noia) بأنها ” الإنسان المتجه نحو الحق ” (Ð prÕj ¢l»qeian ¥nqr.). وفي الـHermatica هناك تمييز بين الجسد الأرضى للإنسان الأول وبين إنسانه الباطن (Ð œsw aÙtoà ¥nqrwpoj) الروحانى (Ð pneumatikÒj)، ويعتبر الإنسان الخارج (Ð œxw ¥nqrwpoj) كالسجن بالنسبة للإنسان الباطن. والخلاصة أن كل إنسان يحمل فى نفسه كائنا إلهيًا, وهو الإنسان الجوهرى(Ð oÙsièdhj ¥nqropwj) أو الإنسان الأساسى (Corp. Herm., 1, 15).

ويُلاحظ أن هذه العبارات التى تشبه عبارات الرسول بولس، قد وُجدت بشكل متسع فى الفلسفة اليونانية، كما وُجدت عند الغنوسية اليونانية، وفى التصوف المعاصر له، وكذلك عُرفت فى اليهودية الهلينستية. ولكن المهم هو أن الرسول بولس، كما سنوضح ذلك فيما بعد، لم يستعمل هذه العبارات بنفس الاستعمال الثنائى أو الغنوسى، بل لقد أكسب هذه العبارات مضمونًا مسيحيًا.

[3] Thayer’s Greek English Lexicon of the New Testament, Zandervon 1976.

[4] Brown (C.), Dictionary of New Testament Theology, Zandervon, vol. 2. p.564-569.

5 معجم العهد الجديد اليونانى المصغر لمؤلفه ف. ولبر جنجريشن، شيكاغو 1957، ترجمة رابطة الدراسات اللاهوتية فى الشرق الأوسط، بيروت.

6 المرجع السابق.

7 يوسف مراد: مبادئ علم النفس العام ـ دار المعارف بمصر 1954 ص130ـ133.

[8] Brown (C.), ibid, p. 565.

9 يوسف مراد: مبادئ علم النفس العام ـ الطبعة الثانية ـ دار المعارف بمصر 1954 ص 191ـ194.

[10] Brown (C.), ibid, p. 568.

11 عبد الرحمن بدوى: أفلاطون ـ مكتبة النهضة المصرية 1944 ص 205 ـ 207.

12 أميرة حلمى: الفلسفة عند اليونان ـ دار مطابع الشعب ـ 1965 ص 231، 226.

13 أنظر كتابنا: فى الديانة المسيحية ـ مطبعة الناسخ الحديث ص 27، 28.

[14] Stacey (W.D.), The Pauline View of Man, Macmillan, London, 1956, p. 85-87.

15 دكتور عثمان أمين: الفلسفة الرواقية ـ الطبعة الثانية ـ مكتبة النهضة المصرية 1958 ـ الباب الرابع ” الرواقية والمسيحية ” ص 286 ـ 293.

16 يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ـ دار القلم ـ بيروت ـ لبنان ص 254.

الإنسان – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد – د.موريس تاوضروس

هل بشر العهد القديم بيسوع؟ ردا على احمد سبيع

هل بشر العهد القديم بيسوع؟ ردا على احمد سبيع

هل بشر العهد القديم بيسوع؟ ردا على احمد سبيع

هل بشر العهد القديم بيسوع؟ ردا على احمد سبيع

 

فى مناظرة ما مع صديقنا، عرضت عليه نص أشعياء:- لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا.

فإعترض وقال إن هذا النص لا ينطبق على يسوع!

ولكن إن كان النص لا ينطبق على يسوع فهو ينكر مسيانيته الذى أيدها كتابه (القرآن) الذى أقر بمسيانية يسوع “عيسى”.
لأن اليهود ذات أنفسهم يؤمنون بمسيانية النص وإنه ينطبق على المسيح كما ورد فى ترجوم يوناثان :-

The prophet announced to the house of David that: “A boy has been born unto us, a son has been given unto us, who has taken the Torah upon himself to guard it; and his name has been called by the One who gives wonderful counsel, the Mighty God, He who lives forever: ‘Messiah,’ in whose day peace shall abound for us”.

وفى مدارش رباه يقول:

I have yet to raise up the Messiah,’ of whom it is written, For a child is born unto us (Isa. IX, 5).

ثانياً.. يعترض ويقول أن يسوع لم يُدعى عجيب ومشير!
وأضيف أنا من عندى انه ولم يدعى ايضا اله قدير.

لان هناك فرق بين اللقب الوصفى واسم يسمى به شخص.
فرسولك كان إسمه “محمد” وكان له ألقاب وصفية فأسميتوه بالمُصطفى والحبيب …. وجميعها ألقاب وصفية.

كما يقول ادوارد يونجان الطفل يستحق ان يحمل هذة الاسماء وانها اوصاف دقيقة لهويته وشخصيته:

The thought is that the Child is worthy to bear these names, and that they are accurate descriptions and designations of His being and character 

Young, E. (1965). The Book of Isaiah: Volume 1, Chapters 1-18 (331). Grand Rapids, MI: Wm. B.

Eerdmans Publishing Co.

 

ويكمل ويقول:

When, therefore, it is stated that He shall be called, we are to understand that the following names are descriptive of the Child and deserve to be borne by Him.

هذة الاسماء وصفية للطفل.

وفى تفسير كينث جونز:

does not necessarily mean that this is the personal name that will be given to Him, but it is a striking way of describing His character.

وفى تفسير سبنس جونز:

 

Isaiah does not really mean that the “Child” should bear as a name, or names, any of the expressions, but only that they should be truly applicable to him

The Pulpit Commentary: Isaiah Vol. I. 2004 (H. D. M. Spence-Jones, Ed.) (166). Bellingham, WA: Logos Research Systems, Inc.

 

نبدأ اسم اسم..

هل يسوع يستحق ان يوصف بانه عجيب ؟
كل الاسماء التى وردت فى النبوة وصفية لهذا الشخص المولود فدعونا نعرف ما معنى ” عجيب ” فى ضوء الكتاب المقدس

يقول المرنم فى المزمور ” قدام ابائهم صنع اعجوبة في ارض مصر بلاد صوعن

فنفس جذر الكلمة استخدم لوصف الايات والمعجزات والعجائب التى صنعها الله مع شعبه ولو بحثت فى حياة يسوع “ المسيا ” يتجد ان حياته عبارة عن اعجوبة من اول ميلاده العذراوى لتحديه الموت وانتصاره عليه وخروجه من براثن الموت الى الحياة الى ان يده كانت على كل مريض وابرص وميت لتعلن الشفاء والحياة فهل هذا الشخص لا يستحق لقب ” عجيب “؟

 

فى سفر القضاة نقرا

 

قال له ملاك الرب لماذا تسال عن اسمي و هو عجيب

وفى الحقيقة ان الشخصية هنا هو الله نفسه لان منوح بعدما رائ المنظر الالهى قال ” فقال منوح لامراته نموت موتا لاننا قد راينا الله ” فما معنى ان الله اسمه ” عجيب ” يشرح سفر القضاة ذلك ويقول ” فاخذ منوح جدي المعزى و التقدمة و اصعدهما على الصخرة للرب فعمل عملا عجيبا و منوح و امراته ينظران “

 

فاشارة اشعياء للمسيا على ان اسمه ” عجيب ” اشاره لانه هو الله بنفسه لانه لم يسمى احدا بهذا الاسم ” عجيب ” سوى الرب

 

كما يقول ادوارد يونج

The Old Testament usage of this word compels us to the conclusion that it here designates the Messiah not merely as someone extraordinary, but as One who in His very person and being is a Wonder; He is that which surpasses human thought and power; He is God Himself. To designate the Child with the word peleʾ is to make the clearest attestation of His deity.

 

وفى التفسير السابق نقرا ان وصف عجيب يوصف به الله فقط لا يوصف به انسان ولا عمل انسان

The Hebrew word translated Wonderful is never used of man or man’s works, but only of God and His works, or of heavenly beings (Judg. 13:18)

الاعتراض الثانى رئيس السلام:

قال مُعترضاً (يسوع ليس هو رئيس السلام) لإن بعده بـ 40 عام دُمِر الهيكل، فأين السلام؟

يا عزيزى، طوال الـ 20 قرن “من بعد مجئ المسيح” قامت حروب وحدثت كوارث مات فيها ملايين البشر. فالمقصود بالسلام هنا ليس هو منع الحروب، ولكنه السلام بين الله والإنسان بعد ان فقد بالخطية وليس سلام سياسى بين امبراطوريات و دول ستظل فى صراع إلى نهاية الزمان.
بولس فى رسالة رومية قال ” فاذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” ففى المسيح اصبح لنا سلام مع الله اعطى لنا المسيح سلامه ” سلامى انا اعطيكم ” فاصبح السلام هو نتيجة طبيعية للايمان والاتحاد بالمسيح وليس سلام سياسى أو اتفاقيات وقف العنف تسليم السلاح لكنه سلام يقوم به الله نفسه ليقضى على الاضراب الذى بداخل كل انسان بسبب الخطية والفساد و هذا هو السلام الحقيقى والمقصود كما فى ترنيمة الملائكة فى مولد المسيا ” على الارض السلام وبالناس المسرة

When that sin has been removed, then there can be peace, as the Apostle says, “Therefore being justified by faith, we have peace with God through our Lord Jesus Christ” (Rom. 5:1). The Prince of Peace is One who is the very embodiment of peace. He is the Prince who has procured that peace. He procured it by removing the handwriting of ordinances that was against us and nailing it to His cross. He has satisfied the’ claims of absolute justice so that God in perfect justice can declare that the sinner stands in a right relationship with Himself. Being at peace with the sinner, God could pardon that sinner, and give to him the peace which is a divine gift. From the peace of God which passeth all understanding there flow the blessings which find their origin in such a peace. When the peace of God is in the human heart, then there will be manifest in the world peace among men.

 

True peace comes to us because a Child was born. That Child, and He alone, is the Prince of Peace. Would we have peace, it is to Him that we must go.

Young, E. (1965). The Book of Isaiah: Volume 1, Chapters 1-18 (340). Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing Co.

كل الالقاب اللى وردت عن المسيا فى النبوة لا تنطبق سوى على الله

عجيب ولم يسمى احدا بانه عجيب سوى يهوه

الله القدير وهو لقب الوهى بامتياز

رئيس السلام

النبوة حسب التعليم اليهودى فى الترجوم والمدراش النبوة تنطبق على المسيا

وان لم يكن تنطبق على يسوع لا يصبح هو المسيا

لم ياتى احد للبشرية اخذ لقب المسيا وامنا بانه اللوغوس الالهى وانه الله سوى يسوع

المسيا هو الله فى سفر اشعياء وقد تم فى يسوع الناصرى كلمة الله

واتحدى اى شخص انه يجد شخص غير يسوع الناصرى تنطبق عليه هذة الاوصاف المسيانية الالهية !

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

شهادة أعداء المسيحية

شهادة أعداء المسيحية

شهادة أعداءِ المسيحيْة

إنهُ لأمرٌ مُتميّز أن تكون لدينا شهادات عن يسوع بواسطة كُتّابٍ غير مسيحيين,فقد كانَ يسوع على الأقل نجاراً يهودياً قضى معظم وقتهِ على سواحل بحر الجليل , وفي بعض المناسبات كانَ يسافر إلى أورشليم مع تلاميذه.الأكثر من ذلك ,أنّ الكُتّابَ في الإمبراطورية الرّومانية كانوا رجالاً من الطبقة العُليا ,الذين كانوا ينظرون للأديانِ الشّرقية نظرة دونية ويحملقونَ بفخر ٍفي ماضي روما الشّهير .فلماذا كانَ عليهم أن يهتموا بناصري قام بتأسيس ديانة اعتنقتها الطّبقات الّدنيا من المُجتمع ؟ ببساطة, لأنه لم يكن من الممكن تجاهُل المسيح,فنشأةُ ديانة تحملُ اسم المسيح تميزت بكونها سريعة ,وممتدة ومنتشرة في كثير من الأنحاء ,علاوة على أنها ثورية في تغيير حياةِ الأفراد والمجتمعات ,كما أنها قلبت الإمبراطورية الرّومانية رأساً على عقب .ورغمَ أنه قد لا تكون لدينا مصادر غير مسيحية كثيرة عن يسوع ,إلا أنّ بعضَ الكُتّاب قد أدركوا أن المسيحيين الأوائلِ كانوا يعاملون يسوع كإله ,ونتيجة لذلك فقد كانوا يهددون الثقافة الوثنية.

 

من البديهي أن يقوم المتشككون بالاستهزاء كلما انحنى المسيحيون أمام المسيح, وما هو حقيقي في وقتنا الرّاهن الألفية الثانية كانَ حقيقياً حتى في القرن الثاني الميلادي . خذ مثلاً لوشين الساموساتي , وهو من الكُتّاب الهجائيين اليونانيين الذي في كتاباته حوالي عام 170,قام بالتبجح على المسيحيين بسبب عبادتهم ليسوع ,”الذين لا يزالون يعبدونه ,هذا الرّجل الذي صُلِبَ في فلسطين لأنه أدخل طائفته الجديدة إلى العالم”[1].استخدمَ لوشين قلمه للسخرية من أتباعِ المسيح ,”السحرة المساكين” الذين أظهروا سذاجتهم “بإنكار الآلهة اليونانية وعبادتهم ذلك المتصوف المصلوب نفسه”[2]

وبالإضافة إلى تأكيده للحقائق الأساسية عن حياة يسوع وتأثيره ,فإن كتابات لوشين أمدتنا بشيء آخر يهمنا في هذا المقام:وهو شهادة غير مسيحية على أن يسوع كانَ يُعامَل على أنهُ إله قبل انعقاد مجمع نيقية بزمنٍ طويلٍ.

لكن على الرّغم من السّخرية اللاذعة ,رفض المسيحيون بإصرار أن يتوقفوا عن عبادتهم ليسوع, وحوالي عام 177,كتبَ الفيلسوف الروماني سيلسس مقالة أظهرت كُلاً من جهله بالعقيدة المسيحية القديمة وبشدة عمق التكريس المسيحي القديم .فقد هزأ سيلسس من المسيحيين الذي كانوا يعبدون انساناً على أنه الله ,قائلاً:إن كانَ المسيحيون يعبدونَ إلهاً واحداً فقط ,ربما كانَ المنطقُ جانبهم , ولكن الحقيقة أنهم يعبدون إنساناً ظهرَ حديثاً .إنهُم لا يعتبرون ما يفعلونه خرقاً للتوحيد ؛بل يعتقدون أنّ عبادتهم للإله العظيم تتفق تماماً مع عبادتهم لعبده على أنهُ الله .إنّ عبادتهم ليسوع هذا هي أمرٌ فاحش لأنهم يرفضون الاستماع إلى أي حديث عن الله ,أبي الكل, إلا إذا تضمن نوعاُ من الإشارة إلى يسوع :فإن أخبرتهم ان يسوع ,مؤسس العصيان المسيحي ,لم يكن ابن الله, لن يستمعوا إليك.وعندما يدعونه ابن الله ,فإنهم في الحقيقة لا يقدمون التكريم لله ,بل على العكس فهم يحاولون أن يرفعوا مكانة يسوع لأقصى الحدود.[3]

إن سيلسس الذي كان هو نفسه مؤمناً بالتوحيد ,لم يفهم كيف استطاع المسيحيون أن يوقروا يسوع ويهابوه على أنه الله بدون الانحدار إلى تعددية الآلهة . الأكثر من ذلك, لقد وجد أنه من السّخف أن نتخيل أن الله قد نزل إلى الأرض ,حيث أنّ ذلك ,بحسب فكر سيلسس يتطلب تغييراً في طبيعة الله[4] .بالطبع ,لم يكن المسيحيون الاوائل يعتقدون أنّ الله قد تغير إلى هيئة بشر ؛بل كانوا يؤمنون أنه قد أضاف صفة الأنسانية إلى طبيعته الإلهية .ومع ذلك فقد حفّزت شكاوى واعتراضات سيلسس قادة الكنيسة لا ستنباط تعبيرات أوضح عن العقيدة ,كما أمدتنا بمزيد من الشّهادات غير المسيحية عن الاعتقاد المُبكر بألوهيّة يسوع.وكما أشار سيلسس من قبل ,كانَ هذا الإعتقادُ ثابتاً ومتأصلاً.

 

لقد رفض المسيحيون الأوائلُ أن يتخلّوا عن تكريسهم وعبادتهم ليسوع الإله ,حتى عندما وضعهم هذا الأمر على طريق الاستشهاد .وقد وقف حُكّام مثل بليني ويانجر متشوقين ليشيروا لهم على طريق الاستشهادِ هذا .بليني هذا, حاكمُ بيثينية (وهي مقاطعة رومانية مُنعزلة في آسيا الصّغرى ,أو تركيا حالياً) منذ حوالي عام 111-113,لم يهتم إلاّ بالتأثير الذي كانَ للمسيحية على العملِ في المعابدِ الوثنيّة .فقد كانَ الطّلبُ على الذّبائح الحيوانية يتناقصُ ,والعطلاتُ المُقدسة كانت تُلغى ,وكانتِ المُقدسات تُهمل .فإن كانَ للصناعةِ الدينية أن تعيشَ,كانَ لا بُدّ للمسيحينَ أن يموتوا .لكن على أيّ أساسٍ.

 

اعترفَ بليني أن المسيحيين كانوا يعيشون حياةً تقيّة وطاهرة ,فلم يكُن يستطيع أن يُلفّق لهم أيّة تُهمة جناية عظمى .لذلك فقد لجأ إلى زاوية مُبتكرة وجعلِ الإمبراطور هو الذي يديرها .وفي خطابٍ لهُ حوالي عام 112 ,أخبرَ بليني الإمبراطور تراجان بِتعامُلاته مع “الطّائِفة البائسة” من المسيحيين :بالنسبة للوقتِ الحاليّ ,هذا هو المنهج الذي اتخذتهُ في التّعامُل مع كل الأشخاص الذين يحضرونَ أمامي بتهمة كونهم مسيحيين .كنتُ أسألهُم شخصياً إن كانوا مسيحيين أم لا ,إن اعترفوا بذلك ,أكرر عليهم السّؤال مرة أخرى ومرة ثالثة , مع تحذيرهم بالعقاب الذي ينتظرهم .فإن أصرّوا ,أمرتُ بأن يقادوا للإعدام ؛لأنه مهما كانتَ طبيعة اعترافهم ,فإني مقتنع أن عنادهم وإصرارهم الذي لا يهتز يجب ألا يذهب بلا عقاب[5] .لكن بليني كانَ مُتساهلاً بالنسبة لمن كانوا ينكرون ويتركونَ إيمانُهم :

من بينِ هؤلاء ,فكرتُ في أنني يجب أن أعفو عن أيّ شخص ينكر أنه كانَ مسيحيّاً عندما يُردد ورائي صيغة استرحامِ للآلهة ويقومُ بأداء تقدمة من الخمرِ والبخور أمام تمثالكَ …وأكثرُ من ذلك يقومُ بلعن اسم المسيح ,فأي من هذه الأمورِ ,على قدرِ فهمي ,لا يمكن لأي مسيحي حقيقي أن يجبر على القيامِ بها[6].وفي النهاية كشف بليني عن الجريمة المُحددة التي كانت تُنسب للمسيحيين :”كانوا يلتقون بانتظامِ قبلَ الفجرِ في يومٍ مُحدد لكي يرددوا الهُتافَ بآياتٍ مُعينة بالتناوب بينهَم وبين بعض تكريماً للمسيح كما لو كانَت لإله”[7] بكلماتٍ أُخرى كان الشّهداءُ المسيحيون مذنبون بعبادتِهم ليسوع .وهكذا تظهر كتابات لوشين وسيلسس وبليني ان مُعتقدات المسيحيين الأوائل عن يسوع لا يمكن تقليلها لتكونَ مُجرد ذكرياتٍ عن رجلٍ عظيم ,بل أن الاعتقاد بألوهية يسوع كانَ هو قلب اعتراف إيمانِ المسيحيين الأوائِل .فبالنسبة للمؤمنين مثل هؤلاء الذين كانوا في بيثينية ,كانَ هذا الاعترافُ هو مسألةُ حياةٍ أو موت[8] .وهكذا فإن افتراض أن ألوهية يسوع كانت نتاج لمجمع في القرن الرّابع ,يفعلُ ما هو أكثر من تشويه للتاريخ ؛إنّهُ يُلطخ قبورَ الشّهداءِ –شهداء القرنِ الثاني أو غيرهم- الذينَ ضحّوا بحياتهم لأجل اقتناعهم بأنّ يسوع هو الله .
_______________________________________

المراجع كما وردت في الكتاب (المرجع: أيعيدون اختراع شخصية يسوع -جي اد كومزوسكي,ام جيمس سوير,دانيال بي والاس -ترجمة سامي رشدي مورجان(2010)-صـ177-179)

[1] كتاب لوسيان , The Passing of Peregrinus,ترجمة إيه إم هارمون ,Loeb Classical Library (Cambridge,MA :Harvard University Press ,1936)11(13,5)

[2] نفس المرجع ,13(5,15)

[3] كتاب سيلسس, On the True Doctrine :A Discourse Against Christians,ترجمة آر جوزيف هوفمان (Oxford:Oxford University Press) ,116

[4] نفس المرجع,77-78

[5] كتاب بليني ,Letters and Panegyricus,ترجمة بيتي راديس, Leol Classical Library (Cambridge,MA:Harvard University Press,1969)96,10(287,2)

[6] نفس المرجع 2,288-89

[7] نفس المرجع 2,289

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودناالتجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله

(للعودة للجزء الأول أضغط هنا. )

الجزء الثاني من الموضوع 
ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

أولاً: آدم وأبناء آدم
1 – معني الكلمات: علي نقيض ما قد توحي به ترجمات الكتاب المقدس, فان كلمة (آدم) لفظ شائع جداً, يدل علي مجموعة كبيرة من المعاني؛ ويرد هذا اللفظ في العهد القديم في العبرية حوالي 500 مرة للتعبير عن الإنسان أو الجنس البشري .
و الاسم يحتمل معني : 
1 – خليقة 2 – احمر 3 – مولود الارض 
و قد يعني 4 – شهي ( للنظر ) 5 – اجتماعـــــــي 

وعندما كان أحد اليهود ينطق بهذه الكلمة, فانه لم يكن يفكر قط في الإنسان الأول؛ فإذا استثنينا قصة (الخلق) حيث تلتبس دلالة اللفظ, فأن كلمة آدم لا تدل دلالة أكيدة علي الإنسان الأول إلا في خمسة مواضيع: 

1 – [ وعرف آدم امرأته أيضاً فولدت ابناً … ] (تكوين 4: 25)
[ هذا كتاب مواليد آدم …. وعاش آدم مئة وثلثين سنة وولد ولداً علي شبهه كصورته ودعا اسمه شيثاً وكانت أيام آدم بعدما ولد شيثاً: ثماني مئة سنة، وولد بنين وبنات فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسع مئة ثلاثين سنة ومات ] (تكوين 5: 1, 3: 5) 
[ آدم شيث انوش ] (أيام 1: 1) 

2 – ويُعبِّر بهذا اللفظ عادةً وبحق, عن الانسان عامة: [ الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعباً ] (أيوب 14: 1)

3 – أو عن الناس عموماً: [ ويبعد الرب الإنسان אָדָם ويكون الخراب في وسط الارض ] (إشعياء 6: 12)

4 – أو عن شخص ما: [ لأنه من يعرف ما هو خير للإنسان في الحياة مدة أيام حياة باطلة التي قضيها كالظل لأنه من يُخبر الانسان بما يكون بعده تحت الشمس ] (جامعة 6: 12)
[ بل يقول لستُ أنا نبياً. أنا إنسان فالح الأرض لأن إنساناً اقتناني من صباي ] (زكريا 13: 5)

5 – أو عن أحدهم: [ إذا أخطأ إليك. لأنه ليس إنسان لا يُخطئ. وغضبت عليهم ودفعتهم أمام العدو وسباهم سابوهم إلي أرض العدو بعيدة أو قريبة ] (1 ملوك 8: 46) 
[ فلم يدع انساناً يظلمهم. بل وبخ ملوكا من أجلهم ] (مزمور 105: 14)

6 – أو عن الذات البشرية: [ كنت اجذبهم بحبال البشر بِرُبط المحبة ] (هوشع 11: 4) 
[ الرب يعرف أفكار الإنسان أنها باطلة ] (مزمور 94: 11) 
والمعني الجماعي هنا هو الغالب بشكل واضح.

و ينطبق نفس الشيء علي عبارة (بن آدم) التي لا تشير إلي شخص من نسل آدم كفرد, ولكنها توازي لفظ إنسان:
[ فكم بالحري الإنسان .. ابن ادم .. ] (أيوب 25: 6) 
[ فمن هو الإنسان حتي تذكره وابن الإنسان حتي تفتقده ] (مزمور 8: 4)

وقد تُشير إلي شخص أو (أي إنسان كشخص):
[ كانقلاب سدوم وعمورة ومجاورتها يقول الرب لا يسكن هناك إنسان إلي الأبد، لا يسكن هناك إنسان ولا يتغرب فيها ابن آدم ] (إرميا 49: 18, 33)
[ فقال لي يا ابن آدم قم علي قدميك فأتكلم معك .. وقال يا ابن آدم أنا أُرسلك إلي بني إسرائيل .. أما انت يا ابن آدم فلا تخف منهم… وانت يا ابن آدم فاسمع ما انا مكلمك به ] (حزقيال 2: 1, 3, 6، 8)
أو تشير الي جماعة : 
[ فرحة في مسكونة أرضه ولذاتي مع بني آدم ] (أمثال 8: 31) 
سليمان يخاطب الله قائلاً [ فاسمع انت من السماء مكان سكناك واغفر واعمل واعطِ كل إنسان حسب كل طرقه كما تعرف قلبه. لأنك وحدك قد عرفت قلوب كل بني البشر ] (1ملوك 8: 39)
وعندما تأتي عبارة (ابن آدم) في تضاد مع (الله) فهي تبرز, مثل كلمة (جسد), حالة الإنسانية الضعيفة والفانية:

  • [ من السموات نظر الرب. رأى جميع بني البشر ] (مزمور 33: 13)
  • [ فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما ] (تكوين 11: 5)
  • [ ما أكرم رحمتك يا الله فبنو البشر في ظلّ جناحيك يحتمون ] (مزمور 36 : 7)

عموما فإن (أبناء آدم) هم إذن البشر في حالتهم الأرضية. وهذا ما يوصي به أيضاً التفسير العام لأصل كلمة: (آدم؛ إذ تُعتبر مشتقة من אֲדָמְָה adamah أي الأرض earth)؛ فآدم هو إذن الكائن الأرضي المجبول من تراب الأرض.
وهذا الواقع التفسيري له انعكاس لاهوتي, فلا يكفي أن نري في آدم الأول فرداً مثل باقي الأفراد. وهذا ما يستنتج من الانتقال المدهش من صيغة المفرد إلي صيغة الجمع في كلام الله الخالق: [ لنصنع الانسان علي صورتنا كمثالنا .. وليتسلطوا ] (تكوين 1: 26)، فالله خلق آدم كراس للبشرية وكل ما وهبه له هو موهوب بالتالي للبشرية كلها لذلك نرى في هذا النص العميق أنه تكلم عن الإنسان بشكل شامل، وهذا ما يمثله آدم [ الإنسانية كلها ].

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثالث
تابع المقدمة:

 آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
2 – الخطية والسقوط

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج2 – أساس شركتنا مع الله – آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الثاني: العهد القديم أولاً: الله المتكلم.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
1 – العهد القديم: [أولاًالله المتكلم
(للعودة للجزء الأول: أضغط هنا. )

أن موضوع الكلمة الإلهية في العهد القديم، ليس موضوع نظري، كما هو الحال في التيارات الفكرية المختلفة، أو مثل الفلسفة اليونانية، أو مقولة الكُتَّاب الشهيرة [ في البدء كانت الكلمة ]، إذ يعتبرون أن أول شيء ظهر في التاريخ هو الكلمة، ومعنى [ في البدء كانت الكلمة ] هُنا بحسب راي الكتاب والمفكرين والفلاسفة تختلف اختلاف جذري عن ما قاله القديس يوحنا الرسول في الإنجيل، فلا يصح ان نخلط الأمرين معاً، أو نظن أن الكلمة عند يوحنا الرسول مثل باقي الفلاسفة اليونان أو الكُتَّاب عموماً…
ولكن الكلمة الإلهية على مستوى العهد القديم لم تكن مجرد كلمة مكتوبة أو منطوقه، إنما هي تُعبِّر قبل كل شيء عن حادث شخصي اختباري في واقع الحياة المُعاشة: أن الله يُكلم – مباشرة – أشخاصاً مُختارين، وبواسطتهم يُكلم شعبه وسائر البشر والناس، ولكن لا يتكلم جزافاً بل مع الكلام يُعطي نبوات تتحقق وبعض الآيات والمعجزات التي تُرى في الواقع الإنساني والتاريخي. [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء ] (عبرانيين 1).

1– تعتبر الحركة النبوية إحدى الركائز الأساسية في العهد القديم لإظهار كلمة الله: ففي كل عصر من العصور، يُكلم الله أشخاصاً مُختارين موكلاً لهم مهمة تبليغ كلمته، وهؤلاء البشر الذي يختارهم ويُعينهم الله هم أنبياء، بالمعنى المتسع للكلمة (أنبياء)، وقد يُخاطبهم الله بطرق متنوعة كثيرة، فيُكلم البعض عن طريق:

+ رؤى وأحلام: [ في جبعون تراءى الرب لسليمان في حلم ليلاً وقال الله أسأل ماذا أُعطيك ] (1ملوك 3: 5)
[ لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان. في حلم في رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس في النعاس على المضجع. حينئذ يكشف آذان الناس ويختم على تأديبهم. ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل. ليمنع نفسه عن الحفرة وحياته من الزوال بحربة الموت ] (أيوب 33: 14 – 18)

[ النبي الذي معه حلم فليقص حلماً والذي معه كلمتي فليتكلم بكلمتي بالحق ما للتبن مع الحنطة يقول الرب ] (أرميا 23: 28)

+ ويُكلم البعض الآخر خلال إلهام داخلي يصعُب وصفه: [ (أليشع يقول) والآن فأتوني بعوادٍ. ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب ] (2ملوك 3: 15)

+ أو يكلم وجهاً لوجه كما كلم الرب موسى: [ فنزل الرب في عمود سحاب ووقف في باب الخيمة ودعا هرون ومريم فخرجا كلاهما. فقال اسمعا كلامي أن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا اُستعلن له في الحلم أُكلمه. وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل بيتي. فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز وشبه الرب يُعاين (نركز على أن موسى لم يرى الله في كمال جوهره أو بهاء مجده بل شبه فقط، غير باقي الأنبياء) فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى ] (عدد 12: 5 – 8).

+ بل وأحياناً نجد أن الكتاب المقدس لا يوضح طريقة تبليغ كلمة الله للناس: [ وقال الرب لإبرام: أذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك ] (تكوين 12: 1)


ولكن عموماً ليس هذا هو جوهر الأمر، أي طريقة الكلام نفسه، فجميع الأنبياء عندهم إدراك شخصي واعي واضح بيقين أن الله القدوس الحي هو الذي يُكلمهم بنفسه، وهذا نجده واضحاً أن تتبعنا الأمر منذ البداية بتدقيق، ونجد أن كلمته تغمرهم وتملك عليهم مُلكاً خاصاً على نحوٍ ما، إلى حد الشعور بقوة شديدة تملك عليهم وتقودهم ليتمموا مقاصد الله التي قصدها:

  • [ فأخذني الرب من وراء الضأن وقال لي الرب: أذهب تنبأ لشعب إسرائيل ] (عاموس 7: 15)
  • [ الأسد قد زمجر فمن لا يخاف. السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ ] (عاموس 3: 8)
  • [ قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت عليَّ فغلبت. صرت للضحك كل النهار، كل واحد استهزأ بي لأني كلما تكلمت صرخت. ناديت: ظلم واغتصاب، لأن كلمة الرب صارت لي للعار وللسُخرة كل النهار، فقلتُ لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار مُحرقة محصورة في عظامي فمللتُ من الإمساك ولم أستطع ] (أرميا 20: 7 – 9)


فبالنسبة للأنبياء تُعتبر كلمة الله الحادث الأول الذي يرسم لهم معنى حياتهم الشخصية ووسط المجتمع أيضاً، فتتدفق كلمة الله من خلالهم بطريقة عجيبة ذات سلطان، تجعلهم يعزون مصدرها إلى عمل روح الله، ولا يستطيعوا إمساكها أو عدم النطق بها أو الهروب منها مهما ما كانت المشقات والآلام التي يحتملونها، لأن عادة كلمة الله يقاومها الأشرار بشدة قد تصل للعنف وقتل الأنبياء أنفسهم لكي لا يسمعوا صوت الرب…

ويوجد بالطبع حالات أخرى لتوصيل كلمة الله للأنبياء والقديسين ورجال الله عموماً، بواسطة طرق لا تلفت النظر، أقرب في ظاهرها إلى الوسائل العادية التي يستخدمها البشر في علاقتهم المتبادلة، وهي الطريقة التي تستعين بها الحكمة الإلهية لمخاطبة قلوب البشرّ: 

  • [ ألعل الحكمة لا تُنادي والفهم ألا يُعطي صوته. عند رؤوس الشواهق عند الطريق بين المسالك تقف. بجانب الأبواب عند ثغر المدينة عند مدخل الأبواب تصرح. لكم أيها الناس أُنادي وصوتي إلى بني ادم. أيها الحمقى تعلموا ذكاء ويا جُهال تعلموا فهماً. اسمعوا فإني أتكلم بأمور شريفة وافتتاح شفتي استقامة. لأن حنكي يلهج بالصدق ومكرهة شفتي الكذب. كل كلمات فمي بالحق ليس فيها عوج ولا التواء. كلها واضحة لدى الفهيم ومستقيمة لدى الذين يجدون المعرفة…. فالآن أيها البنون اسمعوا لي فطوبى للذين يحفظون طرقي. اسمعوا التعليم وكونوا حكماء ولا ترفضوه. طوبى للإنسان الذي يسمع لي ساهراً كل يوم عند مصاريعي حافظاً قوائم أبوابي. لأنه من يجدني يجد الحياة و ينال رضى من الرب. ومن يُخطئ عني يضر نفسه، كل مبغضي يحبون الموت ] (أمثال: 8: 1 – 9؛ 31 – 36)
  • [ وقد وهبني الله أن أبدي عما في نفسي وأن أجري في خاطري ما يليق بمواهبه فأنه هو المرشد إلى الحكمة ومثقف الحكماء ] (حكمة 7: 15)


وكلمة الله هي الحكمة التي تعمل في القلوب بقصد الإرشاد في تدبير شئونهم أو في كشف الأسرار الإلهية: [ (الملكة الوثنية تتحدث إلى الملك) يوجد في مملكتك رجُل فيه روح الآلهة القدوسين وفي أيام أبيك وُجدت فيه غيرة وفطنة وحكمة كحكمة الآلهة، والملك نبوخذ نصر أبوك جعلهُ كبير المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين… من حيث أن روحاً فاضلة ومعرفة فطنة وتعبير الأحلام وتبين ألغاز وحلَّ عُقد وُجِدَت في دانيال هذا الذي سماه الملك بلطشاصَّر. فليُدعَ الآن دانيال فيُبين التفسير ] (دانيال 5: 11 – 12)
[ فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجُلاً فيه روح الله. ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك ] (تكوين 41: 38 – 39)

عموماً وعلى كل حال لسنا هُنا أمام كلمة بشر عُرضة للتقلب أو الخطأ، فالأنبياء وكتبة الحكمة على اتصال مباشر مع الله الحي بطريقة ما يُكلمهم بها الله ويلهمهم حسب مقاصده ورأيه .

– كلمة الله، أي الكلمة الإلهية، لم تُلقى على بعض الناس المختارين من الله بصفتها تعليم سري، يتحتم عليهم أن يخفوه عن عامة الناس، بل هي رسالة يجب تبليغها في ميعادها الذي حدده الله، وتُقدم لا إلى دائرة صغيرة من الناس، وإنما إلى الشعب الإسرائيلي بأجمعه بلا استثناء، لأن الله يُريد أن تصل كلمته إلى شعبه بواسطة حاملي رسالته أي كلمته.
وعليه، فأن اختبار كلمة الله ليست وقفاً على عدد صغير من الناس أو المتصوفين، أو حتى القديسين عابدي الله بالأمانة، بل أن شعب إسرائيل كله مدعو إلى أن يعترف بأن الله يُخاطبه بواسطة من يرسلهم إليه. حتى وأن صادفت كلمة الله – في البداية – اعتراضاً أو احتقاراً من الناس [ أنظر أرميا 36 للضرورة ]، إلا أنها ستتجلى أخيراً بكل جلالها بفضل علامات لا تقبل الجدل تُظهر أنها من الله لتُحقق مقاصده وتعلن رأيه وكما هو مكتوب بإعلان إلهي كلنا تحققنا منه يقيناً: 

  • [ أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تُحطم الصخر ] (أرميا 23: 29)
  • [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة، بل تعمل ما سُررت به وتنجح فيما أرسلتها له ] (أشعياء 55: 11)
__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد القديم: [ثانياً] اعتبارات مختلفة للكلمة

 

 

تابع دراسة في الذبائح (11) ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12

[ الجزء 11 ]
4 – ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم
للرجوع للجزء العاشر أضغط هنا.

أولاً: مقدمــــــــــــــــة

سنقوم في هذا الجزء بتوضيح عمل ذبيحة المسيح !!!

وينبغي أن نعلم أنهُ لم يكن ممكناً بأي حال من الأحوال أن يوفي العهد القديم أو يُغطي ويوضح عمل ذبيحة المسيح يسوع بنوعٍ واحد من الذبائح، أو في طقس واحد من الطقوس المتعددة التي نراها فيه، وعلى الأخص في سفر اللاويين !

فذبيحة الصليب، ذبيحة فريدة من نوعها، وفي إمكانيتها، لأنها متسعة جداً، لأن الذبيح هو ابن الله القدوس الحي، فكيف ممكن أن يُحد في ذبيحة أو طقس !!!



عموماً نرى في سفر اللاويين 5 أنواع من الذبائح والتقْدِمات، كل منها يُعلن عن جانب أو جوانب معينة من جوانب الصليب ويشرحها بدقة، ومع هذا يُمكننا أن نقول بأن هذه الأنواع جميعها بطقوسها الطويلة والدقيقة والمتباينة، قد عجزت عن كشف كل أسرار الصليب لنا بكل أعماقه وأبعاده المتسعة جداً…

وقد قدم لنا العهد القديم – بترتيب وتنظيم إلهي فائق – رموزاً وتشبيهات وأحداث كثيرة جداُ عَبّر الأجيال، لعلها تدخل بنا إلى أعماق جديدة لهذا السر العظيم والفائق لمداركنا، وهو سرّ الصليب المُحيي.

ويقول القديس أفرام السرياني: [ السرّ الذي كان الخلاص مزمعاً به ( أي يدل عليه )، وهو هرق دم الإله المتجسد الذي هو وحده إنسان بلا عيب، بلا خطية، سبق بذلك عليه وأُشار إليه برموز وأمثال، حتى إذا جاء الخلاص الحقيقي بالذبيحة التي تقدر على خلاص الخطاة، يعلم كل من يؤمن أن إليها كانت الإشارة والرموز ] ( عن تفسير سفر الأحبار ( اللاويين ) منسوب إلى القديس أفرام السرياني في المخطوطين : الماروني هونت 112 في مكتبة أكسفورد، والسرياني اليعقوبي 7/1 في مكتبة الشرفة )

عموماً الذبائح والتقدمات المذكورة في سفر اللاويين فهي :

1 – ذبيحة المحرقة [ إصحاح 1 ]
2 – تقدمة القربان [ إصحاح 2 ]
3 – ذبيحة السلامة [ إصحاح 3 ]
4 – ذبيحة الخطية [ إصحاح 4، إصحاح 5: 1 – 13 ]
5 – ذبيحة الإثم [ إصحاح 5 : 14 إلى إصحاح 6 : 7 ]

ولابد من أن ننتبه لبعض الأشياء قبل أن نتحدث في أنواع الذبيحة ونربطها بصليب ربنا يسوع لنفهم ونستوعب سر عمل الله المتسع، أي نفهم سر خلاصنا وندخل إليه لنعيشه ونحياه كخبرة في حياتنا اليومية المُعاشة، لأنه ينبغي أن ننتبه لهذا الموضوع جداً، لأن حينما شرعت في كتابته لم أقصد أن أكتب معلومات لمحبي المعرفة بالشيء أو مجرد بحث جديد، ولكني كتبت الترتيب الإلهي لأكشف عن مقاصد الله المُعلنة في كلمته التي تعلمنا طريق الخلاص لنسير فيه، ويبدأ السير الحقيقي في طريق خلاصنا بمعرفته بدقة حسب التعليم الإلهي، وحينما نعرفه ونفهم مقاصد الله نبدأ السير فيه ونعي ما صنع ربنا يسوع لنا فنستفيد من ذبيحته ولاتكون لنا معلومة إنما قوة حياة نحياها، فنفرح بالخلاص العظيم الذي صنعه لنا ليكون لنا شركة معه وحياة أبدية لا تزول …

[أ] – الذبيحة كهبة :

أولاً لابد أن ندرك أن الذبيحة، هي هبة لا رجعة فيها، وذلك لأنها تُذبح كما قلنا سابقاً [ وهذا يتضح لمن تابع الموضوع منذ بدايته ]، فهي تُقدم لله بكمال الوعي والإدراك، بحرية واختيار، بكمال الإرادة الحرة، بمعنى أن حينما تُقدم الذبيحة فمقدمها له الحرية أن يقدم أو لا يُقدم، إنما بفرح محبة الله يقدم – بحرية إرادته واختياره – ذبيحة صحيحة، كاملة بلا عيب، كهبة مستحيل أن يفكر أن يردها أو يتراجع عن تقديمها، بل يقدمها لتُذبح فلا تُرد، وهي فيها إجلال وشكر مع طاعة واضحة، طاعة واعية جداً لمشيئة الله، وتعرف مسرته …

وهذه الهبة حينما تُقدم بهذا المعنى، تُنشئ مسرة داخلية في النفس، لذلك كانت ذبيحة المحرقة حينما تقدم تُذبح وتحرق بالتمام، فيشتمها الله للرضا والمسرة …



وحينما نبحث عن ما يَسُرَّ الله، نجد أن كل سروره في سماع صوته أي الطاعة، لذلك تعتبر أول ذبيحة تُقدم لله هي المحرقة، التي تدل على الطاعة الكاملة لله ( كما سوف نرى في شرح ذبيحة المحرقة بكل تفاصيلها وبدقة ): ” بذبيحة و تقدمة لم تسر أذني فتحت محرقة و ذبيحة خطية لم تطلب، حينئذ قلت هانذا جئت بدرج الكتاب مكتوب عني: أن افعل مشيئتك يا الهي سررت وشريعتك في وسط أحشائي ” ( مز40: 6 – 8 )



ولننتبه للكلام هنا بدقة شديدة لأنه في منتهى الأهمية القصوى، فآدم لم يسقط سقوطاً عادياً في مجرد فعل خطية كما يظن الكثيرين فيركزون على ارتكاب الخطية كفعل، بل أنه في الحقيقة سقط بالعصيان، وذلك حينما خالف وصية الله ولم يستمع لصوت الرب الذي نبهه لطريق الموت، وطلب منه أن يختار الحياة، فلم يسمع آدم وخالف الوصية فدخل في الموت من بعد أن كان حياً وهذا ما أخذناه بالتالي من آدم أي الموت وليس فعل الخطية في ذاته، وهكذا من بعده ظل الإنسان يعصى الله ولا يتمم مشيئته ولا إرادته إذ قد تعرى من النعمة التي كانت تحفظه في انسجام مع الله بالحب والإيمان الحي أي الثقة الشديدة فيه، وإلي اليوم – رغم أننا في العهد الجديد – لا زال الإنسان لا يسمع صوت الله ويطيع وصاياه أو حتى على الأقل يعلن احتياجه الروحي إليه، ويطلب مشيئته، ويرجع للرب ويتوب توبة حقيقية : [ ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إما للخطية للموت أو للطاعة للبر (رو 6 : 16) ]، وهنا نلاحظ أن الرسول لم يتكلم عن نوع الخطية، بل مشكلة أثر الخطية وهو الموت، وهذا هو فعل الخطية في الإنسان على مر التاريخ كله إذ اجتاز الموت لجميع الناس حتى الذين لو لم يُخطئوا على شبه تعدي آدم، لأن المشكلة ليست في عمل خطية محددة بل الموت، لأن الإنسان اصبح عبد لمن يُطيعه…



وبكون الإنسان أصبح غير قادر أن يُرضي الله لأن أذنه لم تُفتح – بسبب قساوة القلب نتيجة العصيان الدائم – فلم يتعرف على صوت الله ولا مشيئته، لذلك لم يعد بقادر أن يقدم طاعة؛ لذلك أتى رب المجد يسوع لابساً جسم بشريتنا ليعطي لنا قوة الطاعة بتقديم ذاته ذبيحة محرقة، فتنسم أبوه الصالح عند المساء [ وقت صلبه وموته ] رائحة سرور ورضا: [ لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا أيضاً بإطاعةالواحد سيجعل الكثيرون أبراراً (رو5: 19) ]



ومن هنا نقدر أن نفهم كل كلام الرب يسوع الذي قاله – وتعثر فيه الكثيرين – في جثسيماني، وعن أنه ينبغي أن يتمم مشيئة الآب ويتمم عمله، وأن يشرب الكأس، وبخاصة الكلام الذي يظنه الناس أنه كان صراعاً مع الآب في قبول الكأس أو رفضها، مع أنه يكشف حال البشرية ويفضح عدم طاعتها، ويظهر طاعته الكاملة لمشيئة الآب وتتميم عمله بوضوح، وذلك ليكون ظاهر لنا، ويكون هذا هو لسان حالنا فيه، حينما نستفيد من ذبيحته وندخل في سر تجسده باتحادنا به كما أعطانا، فتُقبل تقدمة أنفسنا فيه وتظهر طاعتنا به لمشيئة الآب، فنصير فيه رائحة مسرة في ذبيحته الخاصة لأجلنا [ كما سوف نرى بأكثر دقة ووضوح ]

[ب] ترتيب الذبائح وارتباطها معاً:

جاء ترتيب الذبائح والتقدمات عجيباً ودقيقاً جداً في ترتيبه، فقد بدأ بذبيحة المحرقة، وانتهى بذبيحة الإثم، الأمر اللائق من جهة نظرة الآب للذبيحة، وليس من جهة نظرة الإنسان.



فالمؤمن في لقاءه مع المسيح المصلوب، يراه أولاً كذبيحة أثم وذبيحة خطية، إذ يرى فيه: كلمة الله المتجسد وقد حمل أوجاعه وآثامه، ليدخل في شركة مع الله المحب الذي رُفض وطُرح أمام الله بسبب خطاياه التي فصلته عن نبع الحب الحقيقي وصار له شدة وضيق واحتمال كأس غضب قد امتلأ بسبب آثامه وتعدية على وصية المحب الذي وهبه الحياة: [ شدة و ضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولاً ثم اليوناني ] (رو2: 9)



ومن خلال هذه النظرة – أي رؤية الصليب غطى كل آثامه وخطاياه – يتلمس في الصليب ذبيحة سلامة وشكر، فيقدم حياته في المسيح يسوع المصلوب، حياة شاكرة عوض طبيعته الجاحدة التي صارت بسبب السقوط وحب الشهوة والانحصار في الذات عوض الله الحي..

كما أنه يرى أيضاً [ في الصليب ] تقدمة قربان فيه ينعم بحياة الشركة في المسيح يسوع المصلوب، وأخيراً يُدرك الصليب كذبيحة محرقة، إذ يكتشف فيه طاعة الابن الوحيد للآب حتى الموت، موت الصليب، مقدماً هو أيضاً حياته ذبيحة طاعة ومحرقة حب لله في ابنه الوحيد ..



وهذا هو ترتيب الذبائح والتقدمات من خلال انتفاعنا كمؤمنين، أما الآب فيتطلع إلى الصليب – أن صح التعبير – أولاً: كمحرقة طاعة، يشتم فيه رائحة ابنه الحبيب كرائحة مسرة، إذ قد صار محرقة حب كامل في طاعة منقطعة النظير حتى الموت [ وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (في2: 8)، وينتهي بالنظر إليه كحامل لخطايانا وآثامنا، ليعبر بنا إلى الآب ويرفع عنا كل شدة وضيق وإحساس الغضب من جزاء خطايانا التي صارت فاصل بيننا وبين الله: [ بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] إش59: 2) & [ خطاياكم منعت الخير عنكم ] (أر5: 25)

_____ملحوظة مهمة للغاية_____

بالطبع، ليس معنى الكلام أننا نُميز بين جانب أو آخر في نظر الله الآب، أو حتى المؤمن، إذ هي جوانب متكاملة غير منفصلة عن بعضها البعض، لأن ربنا يسوع قدم ذاته ذبيحة واحدة غير منقسمة قط، بل قدمها مرة واحدة كامله متكاملة…



ولكن كل ما نريد أن نوضحه، أن الصليب يُعلن – في نظر الآب – بأكثر بهاء، لا في انتزاع آثامنا وخطايانا، بقدر ما نحمل في أنفسنا طبيعة المصلوب (أرجو التدقيق في العبارات والمعاني وان لا يظن أحد اني أتكلم عن مماثلة طبيعته – كعادة من يحور كلماتي لمعاني أخرى لا توجد فيه)، فنصير فيه محرقة طاعة وحب، نصير لهيب نار لا ينقطع، بحملنا ما للابن من طاعة حتى الموت، بحب بلا نهاية، لذلك يقول الرسول: [ فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً، الذي إذ كان في صورة الله ( أي الصورة الظاهرة التي تكشف وتستعلن الله في كماله، أو كيان الله نفسه ) لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه ( أفرغ نفسه من مجده، تجرد من مجده البهي ) آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس، وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع ( صار يطيع ) حتى الموت، موت الصليب ( كذبيحة محرقة للطاعة ) ] ( في2: 5 – 8 )

وباختصار شديد يُمكننا أن نقول بأن الله الآب يشتم رائحة المسيح فينا خلال الصليب هكذا:

1 – محرقة الحب الكامل والطاعة له في ابنه الحبيب [ ذبيحة محرقة ]

2 – شركة الحياة معه في ابنه الوحيد الجنس [ تقدمة القربان ]

3 – حياة السلام الداخلي والشكر الدائم [ ذبيحة السلامة ]

4 – التمتع بالغسل المستمر من خطايانا اليومية العامة وضعفاتنا الخاصة التي لا تنتهي [ ذبيحة الخطية ]

5 – الخلاص من كل إثم نرتكبه في المقدسات أو ما يخص الله [ ذبيحة الإثم ]

وسوف نشرح بالطبع كل هذا بدقة شديدة وعلى قدر الطاقة وعلى قدر ما يكشف الله لنا من سر عمله العظيم، وذلك في الأجزاء القادمة…

 

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
[جـ] الذبائح الدموية والتقْدِمَات الطعامية
ومعنى الدم ومعنى كل المصطلحات التي تدل عليه في العهدين

 

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 7) تابع المقدمة (ب) العهد القديم، ثالثاً: من الطقوس إلى الذبيحة الروحية.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
تابع/ ب – العهــــــــــــدالقديـــــــم
ثالثاً: من الطقوس إلى الذبيحة الروحية
للرجوع الى الجزء السادس أضغط هنـــــا.
ثالثاً: من الطقوس إلى الذبيحة الروحية
  • (1) الطقوس كعلامة للذبيحة الروحية:

الله في الكتاب المقدس لا يستفيد شيئاً على الإطلاق من ذبائح الإنسان المقدمة إليه، ولا يأخذ منها شيئاً ليحتفظ به لنفسه، فالله غير مدين للإنسان بشيء، بل الإنسان هو المدين لله بكل شيء، والإنسان هو الذي يحتاج لله بشدة، لأنه هو حياته ومصدر وجوده الحقيقي.
والطقس – في العهد القديم بكل اتساعه وشموله – يظهر بعض المشاعر الباطنية ويجعلها مرئية بالممارسة اليومية: كالسجود والطاعة ( محرقة ) والاهتمام بالوحدة الحميمة مع الله ( شيلميم = سلامة )، والاعتراف بالخطايا والتماس الغفران ( طقوس تكفيرية ).
وتدخل الذبيحة في الاحتفالات بالعهد مع المعبود الإلهي العظيم والمتعجب منه بالمجد: ” وبنى نوح مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح فتنسم الرب رائحة الرضا وقال الرب ( عهد ) في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان، لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ولا أعود أيضاً أُميت كل حي كما فعلت مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد وبرد وحر وصيف، وشتاء ونهار وليل لا تَزَال ” ( تكوين 8: 20 – 22 )
ولاسيما في سيناء: ” وأرسل فتيان بني إسرائيل فاصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب من الثيران فأخذ موسى نصف الدم ووضعه في الطسوس ونصف الدم رشه على المذبح وأخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب، فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع لهُ، وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال ” ( خروج 24: 5 – 8 )

عموما مفهوم الذبيحة عن الإسرائيليين الأتقياء، هو أنها تُقدس الحياة القومية والأُسرية والفردية، وتُعمَل خصوصاً بمناسبة مزارات الحج والأعياد: ” وكان هذا الرجل ( أَلفانه ) يصعد من مدينته من سنة إلى سنة ليسجد ويذبح لرب الجنود في شيلوه … ” ( 1صموئيل 1: 3 )
” وإذا افتقدني أبوك فقل قد طلب داود مني طلبة أن يركض إلى بيت لحم مدينته لأن هناك ذبيحة سنوية لكل العشيرة ” ( 1 صموئيل 20: 6 )
” وأمر الملك آحاذ أوريا الكاهن قائلاً: على المذبح العظيم أوقد محرقة الصباح وتقدمة المساء ومحرقة الملك وتقدمته مع محرقة كل شعب الأرض وتقدمتهم وسكائبهم ورش عليه كل دم محرقة وكل دم ذبيحة ومذبح النُحاس يكون لي للسؤال ” ( 2 ملوك 16: 15 ) 

وعموما فأن الحوار والخبر بعمل الله، والاعتراف بالإيمان، والاعتراف بالخطايا، وتلاوة المزامير، تبرز أحياناً وبشكل متسع المعنى الروحي ضمن الحركة المادية في تقديم الذبائح..

+ الحوار والخبر بعمل الله :

” ويكون حين يقول لكم أولادكم: ما هذه الخدمة لكم ” ( خروج 12: 26 )
” وتخبر ابنك في ذلك اليوم قائلاً: من أجل ما صنع إليَّ الرب حين أخرجني من مصر ” ( خروج 13: 8 ) [ وللأهمية أنظر خروج 24: 3 – 8 ]

+ الاعتراف بالإيمان :

” ثم تصرح وتقول أمام الرب إلهك. آرامياً كان أبي فانحدر إلى مصر وتغرب هناك في نفر قليل فصار هناك أمه كبيرة وعظيمة وكثيرة، فأساء إلينا المصريون وثقلوا علينا وجعلوا علينا عبودية قاسية، فلما صرخنا إلى الرب إله آباءنا سمع الرب صوتنا ورأى مشقتنا وتعبنا وضيقتنا فأخرجنا الرب من مصر بيدٍ شديدة وذراع رفيعة ومخاوف عظيمة وآيات وعجائب وأدخلنا هذا المكان وأعطانا هذه الأرض أرضاً تفيض لبناً وعسلاً. فلآن هأنذا قد أتيت بأول ثمر الأرض التي أعطيتني يا رب ثم تضعه أمام الرب إلهك وتسجد أمام الرب إلهك وتفرح بجميع الخير الذي أعطاه الرب إلهك لك ولبيتك أنت واللاوي والغريب الذي في وسطك ” ( تثنية 26: 5 – 11 )

+ والاعتراف بالخطايا:

” فاجتمعوا إلى المصفاة واستقوا ماء وسكبوه أمام الرب وصاموا في ذلك اليوم، وقالوا هُناك: قد أخطأنا إلى الرب… ” ( 1 صموئيل 7: 6 )
” فإن كان يُذنب في شيء من هذه يُقرّ بما قد أخطأ به ويأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه عن خطيته التي أخطأ بها… ” ( لاويين 5: 5 – 6 )

+ وتلاوة المزامير :

” يا خائفي الرب سبحوه. مجدوه يا معشر ذُرية يعقوب. واخشوه يا زرع إسرائيل جميعاً، لأنهُ لم يحتقر ولم يُرذل مسكنه المسكين ولم يحجب وجهه عنه بل عند صراخه إليه استمع من قِبَلك، تسبيحي في الجماعة العظيمة أوفي نذوري قُدام خائفيه، يأكل الودعاء ويشبعون، يُسبح الرب طالبوه، تحيا قلوبكم إلى الأبد، تذكر وترجع إلى الرب كل أقاصي الأرض، وتسجد قدامك كل قبائل الأمم، لأن للرب الملك وهو متسلط على الأمم ” ( مزمور 22: 23 – 27 )
” والآن يرتفع رأسي على أعدائي حولي، فأذبح في خيمته ذبائح الهُتاف. أُغني وأُرنم للرب ” ( مزمور 27: 6 )
” أذبح لك منتدباً ( الذي دُعيَّ للقيام بعمل ما ولبى طوعاً واختياراً ). أحمد أسمك يا رب لأنه صالح ” ( مز 54: 6 )
وطبقاً لتكوين 22، ولعله بمثابة الميثاق بالنسبة لذبائح الهيكل، يرفض الله الضحايا البشرية ويتقبل الذبائح الحيوانية. إلا أنه لا يُسرّ بهذه العطايا، إلا إذا قدمها الإنسان بقلب أهل للتضحية والبذل، بتوبة وفي إيمان حقيقي، وبمحبة بعطاء أغلى ما عنده، على مثال أب الآباء إبراهيم.

  • (2) أولوية الديانة الباطنية:

حينما أندمج الشعب في حرفية الطقوس، وعلى الأخص الكهنة، إذ تعلَّقوا بالرتبة الطقسية مع إهمال العلامة المتعلَّقة بها. ومن هنا أتت تحذيرات الأنبياء الذي أعلنوا صوت الله وتوبيخه بسبب ذلك الانحراف !!!
وقد نُخطئ أحياناً في تبين نية الأنبياء ونظن أنهم يلغون الطقس بتبكيتهم للكهنة المتمسكين بحرفية الطقس دون الله الحي، ولكن في الحقيقة، إنهم لا يشجبون الذبيحة في ذاتها ولا العمل الطقسي، ولكن ينددون بالانحرافات الطارئه عليها، وعلى وجه الخصوص الممارسات الكنعانية الدخيلة: 
” شعب يسأل خشبة، وعصاه تخبره لأن روح الزنى قد أضلَّهم، فزنوا من تحت إلههم، يذبحون على رؤوس الجبال ويبخرون على التلال تحت البلوط واللُبْنى والبطم ( شجرة برية صغيره الورق صمغها قوي الرائحة ) لأن ظلها حسن، لذلك تزني بناتكم وتفسق كناتكم ” ( هوشع 4: 12 – 13 )

فكثرة الطقوس وتشعبها ليست في حد ذاتها تمجيداً لله، بل إن هذا التعدد لم يوجد في السابق: ” هل قدمتم لي ذبائح وتقدمات في البرية أربعين سنة يا بيت إسرائيل ” ( عاموس 5: 25 )؛ ” لم تحضر لي شاة محرقتك، وبذبائحك لم تُكرمني ( تُمجدني ). لم أستخدمك ( ألزمتك ) بتقدمه، ولا أتعبتك بلبان ( لبان البخور ). لم تشترِ لي بفضة قصباً وبشحم ذبائحك لم تروني ( أرويتني )، لكن استخدمتني ( ألزمتني ) بخطاياك وأتعبتني بآثامك ” ( إشعياء 43: 23 – 24 )
” لأني لم أكلم آبائكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة، بل إنما أوصيتهم ( أمرتهم ) بهذا الأمر قائلاً: اسمعوا صوتي فأكون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً وسيروا في كل الطريق الذي أوصيكم به ليحسُن إليكم ( يطيب إليكم )، فلم يسمعوا ولم يميلوا أُذنهم، بل ساروا في مشورات وعناد قلبهم الشرير وأعطوا القفا لا الوجه ( أداروا لي ظهورهم لا الوجه ) ” ( إرميا7: 22 – 24 ) 

فالطقس وعلى الأخص الذبيحة، إذا تجردت من استعدادات القلب، تنقلب عملاً باطلاً ورياء، إذ تتحول للشكل والصورة، فضلاً على أنها تُغضب الله إذا صاحبها مشاعر كلها شرّ، وأفكار ملوثة بالخطية وسلوك منافي لوصية الله !!!
” هلم إلى بيت إيل ( اذهبوا إلى بيت إيل ) وأذنبوا إلى الجلجال وأكثروا الذنوب [ تعالوا إلى بيت إيل وارتكبوا المعاصي، وفي الجلجال أكثروا من ارتكابها ] واحضروا كل صباح ذبائحكم وكل ثلاثة أيام عشوركم وأوقدوا من الخمير تقدمة شكر ونادوا بنوافل ( تبرعات ) وسَمِعوُا [ نادوا بتقدمات وأذيعوها ]… ” ( عاموس4: 4و5 )
” لماذا لي ( ما فائدتي – ماذا استفيد من ) كثرة ذبائحكم يقول الرب. أتخمت ( شبعت ) من محرقات كباش وشحم مسمنات، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أُسرّ ( لا يرضيني ) حينما تأتون لتظهروا أمامي ( تعبدوني )، من طلب هذا من ايديكم أن تدوسوا دُوري ( دياري – بيتي ). لا تعودوا تأتون ( إليَّ ) بتقدمة باطلة، البخور ( الرجس ) هو مكرهة لي، رأس الشهر والسبت ونداء المحفل، لست أطيق الإثم والاعتكاف، رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي وصارت عليَّ ثقلاً مللت حملها، فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم، وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع، أيديكم ملآنة دماً، اغتسلوا تنقوا ( تزكوا )، اعزلوا ( أزيلوا ) شر أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشرّ ” ( إشعياء 1: 11 – 16 )

ويُركز الأنبياء بشدة، بحسب بلاغتهم في اللغة، على أولوية النفس في علاقة طاعة تنعكس على سلوكها اليومي، فتستقيم الحياة وتنشأ علاقة حية سوية مع الله: ” وليجر الحق كالمياه والبرّ كنهرٍ دائم ” ( عاموس5: 24)
” إني أُريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات ” ( هوشع6: 6 )
” قد أُخبرك أيها الإنسان ما هو الصالح، وماذا يطلبه منك الرب؛ إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك ” ( ميخا6: 8 )

ولنا أن نعرف أن الأنبياء لا يضيفون شيئاً جديداً أو يشرحوا أصول العبادة بطريقة جديدة، لأن تعليمهم ليس إلا امتداد لنفس التعليم الذي خُطْ في عهد سيناء:
” فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون ليس خاصة من بين جميع الشعوب. فأن لي كل الأرض ” ( خروج19: 5 )
” وأخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب: فقالوا كل ما أتكلم به الرب نفعل ونسمع له، وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال ” ( خروج 24: 7 – 8 )

وهذا التعليم تقليد ثابت لا يتغير ومحفوظ لكل زمان:
” فقال صموئيل: هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب (الطاعة)، هوذا الاستماع (الطاعة) أفضل من الذبيحة، والإصغاء أفضل من شحم الكباش ” ( 1صموئيل 15: 22 )
” وقد علمت يا إلهي أنك أنت تمتحن القلوب وتُسرّ بالاستقامة. أنا باستقامة قلبي انتدبت ( تبرعت ) بكل هذه، والآن شعبك الموجود هنا رأيته بفرح ينتدب ( يتبرع ) لك ” ( 1أيام 29: 17 )
” ذبيحة الأشرار مكرهة الرب وصلاة المستقيمين مرضاته ” ( أمثال 15: 8 ) 
” فعل العدل والحق أفضل عند الرب من الذبيحة.. ذبيحة الشرير مكرهة فكم بالحري حين يقدمها بغش ” ( أمثال 21: 3 و 27 )
” بذبيحة و تقدمة لم تسر – أُذني فتحت – محرقة و ذبيحة خطية لم تطلبحينئذٍ قلت هنذا جئت [ ها أنا آتٍ ] بدرج الكتاب مكتوب عني أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت [ في هذه مسرتي ]. وشريعتك في وسط أحشائي [ في صميم قلبي شريعتك ] بشرت ببر في جماعة عظيمة. هوذا شفتاي لم أمنعهما أنت يا رب عَلِمْتَ ” ( مزمور 40: 7 – 9 )
” وللشرير قال الله: ما لك تُحدث ( وتروي ) بفرائضي وتحمل عهدي على فمك وأنت قد أبغضت التأديب وألقيت كلامي خلفك ( ورائك – أهملت أن تعيش بها )، إذا رأيت سارقاً وافقته، ومع الزناة نصيبك [ إذا رأيت سارقاً صاحبته، ولا تُعاشر إلا الزناة ]، أطلقت فمك بالشرّ ولسانك يخترع غشاً ( يختلق مكراً )، تجلس وتتكلم على أخيك، لابن أمك تضع معثرة [ وتفتري على ابن أُمك ]، هذه صنعت وسكت [ فعلت هذا وأنا ساكت عنك ]، ظننت إني مثلك، أوبخك [ لكني الآن أُوبخك ]، وأصف [ أُعدد ] خطاياك أمام عينيك، أفهموا هذا يا أيها الناسين الله لئلا يفترسكم [ أمزقكم ] ولا منقذ، ذابح الحمد يُمجدني والمقوم طريقه أريه خلاص الله [ الحمد هو الذبيحة التي تُمجدني، ومن قَوَّم طريقه أريه خلاصي ] ” ( مزمور 50: 16 – 23 )
” أُسبح اسم الله بتسبيح وأُعظمه بحمد فيُستطاب عند الرب أكثر من ثور بقر ذي قرون وأظلاف، يرى ذلك الودعاء فيفرحون وتحيا قلوبكم يا طالبي الله ” ( مزمور 69 : 30 – 32 )
” الذابح من كسب الظلم يُستهزأ بتقدمته، واستهزاءات الأثماء ليست بمرضية، الرب وحده للذين ينتظرونه في طريق الحق والعدل، ليست مرضاة العلي بتقادم المنافقين ولا بكثرة ذبائحكم يغفر خطاياهم، من قدم ذبيحة من مال المساكين فهو كمن يذبح الابن أمام أبيه… واحد صلى والآخر لعن فإيهما يستجيب الرب لصلاته، من اغتسل من لمس ميت ثم لمسه فماذا نفعه غسله، كذلك الإنسان الذي يصوم عن خطاياه ثم يعود يفعلها من يستجيب لصلاته وماذا نفعه اتضاعه ” ( سيراخ 34: 21 – 31 )

وفي الواقع أن تقديم الذبيحة الباطنية أي من دخل القلب قبل الخارج، ليست بديلاً عن تقدمة العبادة الخارجية، بل هي الجوهر والأساس: ” لأنك لا تُسر بذبيحة وألا فكنت أُقدمها. بمحرقة لا تَرضَى. ذبائح الله هي روح منكسرة، القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره. أحسن برضاك إلى صهيون، ابن أسوار أورشليم، حينئذٍ تُسرّ بذبائح البرّ محرقة وتقدمة تامة حينئذٍ يصعدون على مذابحك عجولاً ” ( مزمور51: 16 – 19 )

وهذه الذبيحة الباطنية هي جوهر الطقس الحقيقي: ” من حفظ الشريعة فقد قدم ذبائح كثيرة، من رعى الوصايا فقد ذبح ذبيحة الخلاص، ومن أقلع عن الإثم فقد ذبح ذبيحة الخطية وكفر ذنوبه، من قدم السميذ فقد وفى بالشكر، ومن تصدق فقد ذبح ذبيحة الحمد، مرضاة الرب الإقلاع عن الشرّ، وتكفير الذنوب الرجوع عن الإثم، لا تحضر أمام الرب فارغاً فأن هذه كلها تُجري طاعة للوصية، تقدمة الصديق تُدَسمُ المذبح ورائحتها طيبة أمام العلي، ذبيحة الرجل الصديق مرضية وذكرها لا يُنسى، مجد الرب عن قُرَّة عين ولا تُنقص من بواكير يديك ” ( سيراخ 35: 1 – 10 )

وهذا التيار الروحي الأصيل يشجب التقوى السطحية القائمة على المصلحة التي تقوم على كبرياء القلب وطلب مديح الناس، أو مخالفة الوصية التي هي حياة النفس، وقد أثار في النهاية هذا المنهج الروحي الأصيل، جدلاً حول الطقوس ذاتها التي أدت لمقاومة الأنبياء ورفض صوت الله على أفواههم، لأن الكثيرين فضلوا الشكل عن الجوهر لأجل كبرياء القلب ومديح الناس، وكان الأنبياء في هذا كله بمثابة الممهدين للعهد الجديد بشأن جوهر الذبيحة وفعلها الحقيقي وليس الشكلي في مجرد طقس مقدم في عبادة شكلية…

وبالطبع كل هذا موجه لنا اليوم لأنه بالرغم من أننا في العهد الجديد، لا يمنع إطلاقاً أن تتحول العبادة عندنا لشكل روتيني حرفي ونتمسك بالطقس وحرفه ونخرج خارج الروح، كما هو الحادث عند الكثيرين في التمسك الحرفي المتشدد بتعصب، ناسين الله تماماً وأصبحوا مثل شعب إسرائيل في هذه الحالة التي نتكلم عنها تماماً !!!

(3) قمة الديانة الباطنية:

إلى جانب التصور الجامع الشرعي الوارد في سفر اللاويين، يُقدم الكتاب المقدس تصوراً جامعاً آخر، يتميز بالقوة الفعالة لأنه متجسد في شخص. فأن عبد الله بحسب إشعياء 53، سيجعل من موته تقدمة لذبيحة تكفير أبدي، وأن التصريح النبوي يُسجل تقدماً ملحوظاً بالنسبة للمفاهيم الواردة في لاويين 16.

وكبش الفداء في يوم التكفير العظيم الذي يُقدم بيد مقدمه وليس باختياره لأنه غير عاقل، كان يحمل وزر خطايا الشعب. إلا أنه بالرغم من رتبة وضع الأيدي، أي وضع يد الخطاة عليه، لم يكن قادر أن يجعل المقدم والذبيحة واحد، فالتعليم بالإنابة في القصاص لم يكن على صله بهذه الليتورجيا: ” لأنه إن كان دم ثيران و تيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد ” (عب 9 : 13)، ” لأنه لا يمكن أن دم ثيران و تيوس يرفع خطايا ” (عب10: 4)،وأما العبد (( الله الكلمة الظاهر في الجسد كعبد )) بالعكس، فأنه يُسلَّم نفسه طواعية باختياره الحرّ، لأجل الخطاة. وتقدمته الخالية من أي عيب تعود بالفائدة على ” كثيرين ” بحسب تدبير الله وخطته الموضوعة للخلاص الأبدي. وهنا تلتقي أقصى الباطنية مع أقصى العطاء وأقصى الفاعلية: [ من الضغطة ومن الدينونة أُخذ وفي جيله من كان يظن أنه قُطِعَ من أرض الأحياء، أنه ضُرب من أجل ذنب شعبي… من تعب نفسه يرى ويشبع وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه وأحصي مع آثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين ]

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
العهد الجديد، يسوع يقدم نفسه ذبيحة

 


دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 6) تابع المقدمة (ب) العهد القديم تطور طقوس الذبائح، جوانب الذبيحة المختلفة.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίαςσΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12

 

تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
ب – العهــــــــــــدالقديـــــــم
أولاً: تطور طقوس الذبائح؛ ثانياً: جوانب الذبيحة المختلفة
للرجوع للجزء الخامس أضغط هنـا.
أولاً : تطور طقوس الذبائح
1 – من البساطة الأصلية: 
في حقبة بعيدة القدم، يُشير إليها تاريخ الكتاب المقدس، تتميز مجموعة الطقوس بالبساطة البدائية التي تناسب عادات البدو الرُحَّل، أو نصف الرُحَّل وهي تتسم بإقامة مذابح بسيط، ورفع الدعاء للاسم الإلهي ببساطة شديدة، وتقدم حيوانات أو محاصيل الأرض: ” وحدث من بعد أيام أن قايين قدَّم من أثمار الأرض قرباناً للرب…؛ وظهر الرب لإبرام وقال لنسلك أُعطي هذه الأرض فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر لهُ ثم نقل من هُناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق، فبنى هناك مذبحاً للرب ودعا باسم الرب ثم ارتحل إبرام ارتحالاً متوالياً نحو الجنوب ” ( تكوين 4: 3 ؛ 12: 7 – 9 )

ونلاحظ أنه لا يوجد أماكن ثابتة لتقديم الذبائح بل عادة تُقدم في المكان الذي يظهر الله فيه، والمذبح الترابي البدائي والبسيط جداً في مظهره، والخيام التي تفك وتُبسط، يشهدان بطريقتهما الخاصة على الطابع غير الثابت والمؤقت لأماكن العبادة القديمة: ” مذبحاً من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقات وذبائح سلامتك، غنمك وبقرك في كل الأماكن التي فيها أصنع لاسمي ذكراً آتي إليك وأُباركك ” ( خروج20: 24 )، ” تحفظ عيد الفطير، تأكل فطيراً سبعة أيام كما أمرتك في وقت شهر أبيب لأنهُ فيه خرجت من مصر ولا يظهروا أمامي فارغين ( ذكورك ) ” ( خروج 23: 15 )
وكذلك نلاحظ أنه لم يكن هناك خدام مخصصون لبناء المذبح أو تقديم الذبيحة أو العطايا لله، فرب الأسرة أو رئيس القبيلة، والملك في العهد الملكي، هم الذين يقدمون الذبائح. إلا منذ زمن مبكر، أخذ بعض الرجال المختارين خصيصاً ليقومون بهذه الخدمة والوظيفة الخاصة: ” وللاوي قال ( موسى ) تُميمُك وأُريمُك لرجلك الصديق الذي جربته في مسه وخاصمته عند مريبة، الذي قال عن أبيه وأمه لم أَرَهما وبإخوته لم يعترف وأولاده لم يعرف، بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك يُعلمون يعقوب أحكامك وإسرائيل ناموسك، يضعون بخوراً في أنفك على مذبحك ” ( تثنية 33: 8 – 10 ) 
فكما أن الهيكل على عهد يوشيا سيصبح المركز الوحيد لكل نشاط خاص بالذبائح، كذلك الكهنة سيجعلون إقامة الذبائح وقفاً على أنفسهم، حسب أمر الله بالطبع.

2 – إلى تشعب الطقوس:

نلاحظ أن بعد ذلك أن الطقوس تشعبت بشكل كبير ومتسع جداً، وقد نجم هذا بسبب ما أتى به التاريخ من تجديدات متوالية وتطور العلاقة بين الشعب والله. ونلمس – في الواقع – تطوراً في الاتجاه نحو الكثرة والتنوع والتخصص في الذبائح، وهناك أسباب كثيرة توضح هذا التطور الذي حدث بعد البساطة التي كانت تقدم بها العبادة والذبائح:
فالانتقال من الحياة البدوية والرعوية وكثرة الترحال في خيام من مكان لآخر إلى حياة الاستقرار والزراعة، والتأثير الكنعاني وخطورة الكهنوت المتزايدة، فشعب إسرائيل نجده كثيراً ما يقتبس عناصر كثيرة من جيرانه المحيطين به والشعوب الذي اختلط بها: فهو ينقيها ويُصححها ويروحنها حسب وصية الله، ليقدم العبادة لله كبكر وسط الشعوب …

وبالرغم من التمادي في تقديم العبادة لله بتدقيق، إلى أن وصل لحد المبالغة المفرطة والخروج عن الوصية الإلهية، نجد أن إسرائيل قد وقع – عن عدم وعي – في خطر العبادة الباطلة والتي لا تُرضي الله، والذي أخذ تحذير بشأنها لكي لا يُشابه الشعوب الذي طردها الرب من أمامه:
” هل يُسرّ الرب بألوف الكباش، بربوات أنهار زيت، هل أُعطي بكري عن معصيتي ثمرة جسدي عن خطية نفسي ” ( ميخا 6: 7 )
” ونزر يفتاح نذراً للرب قائلاً: إن دفعت بني عمون ليدي فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند بني عمون يكون للرب وأصعده محرقة ” ( قضاة 11: 30 – 31 )
ويرفض إسرائيل حسب تحذير الرب أن يقدم ذبائح بشرية، فهو جرم عظيم، ولا يعتبر عبادة بل هو حرم وإيقاع شر أمام عيني الرب:
” لا تعمل هكذا للرب إلهك لأنهم قد عملوا لآلهتهم كل رجس لدى الرب، مما يكرهه، إذ أحرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم ” ( تثنية 12: 31 )
” لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار، ولا من يعرف عرافة ولا عائف ( ممارس سحر ) ولا متفائل، ولا ساحر، ولا من يرقي رقيه، ولا من يسأل جاناً أو تابعة ( امرأة تعمل في السحر )، ولا من يسأل يستشير الموتى، لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب. وبسبب هذه الأرجاس الرب إلهك طاردهم من أمامك ” ( تثنية 18: 10 – 12 )

عموماً، قد اغتنى شعب إسرائيل بالاقتباس من تُراث الشعوب الأخرى في العبادات، ممارساً بذلك وظيفته كوسيط، موجهاً من جديد نحو الإله الحق بعض ممارسات طرأ عليها تحريف المفاهيم الوثنية. فهو نقاها حسب أمر الله ووصيته، وبذلك أخذت الطقوس الأولية البسيطة في التكامل والتشعب، مع الأخذ في الاعتبار تحذيرات الله للخلط ما بين وصيته وما بين المبالغة إلى الحد الذي فيه يتم مشابهة الشعوب الأخرى التي لم تتقي الله ولم تخافه وتهابه. 

ثانياً : جوانب الذبيحة المختلفة
(1) أنواع مختلفة تظهر في التاريخ :
شهد الكتاب المقدس – منذ البداية – بوجود أنواع مختلفة من الذبائح. فالمحرقة ( عُوْلَه עֹלָה ) وهي تظهر في التقاليد القديمة، وفي عهد القضاة:
” وبنى نوح مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح ” ( تكوين 8: 20 )
” فدخل جدعون وعمل جدي معزى وإيفة ( 45 لتر ) دقيق فطيراً.. فقال لهُ ملاك الله خذ اللحم والفطير وضعهما على تلك الصخرة … ففعل ذلك. فمد ملاك الرب طرفي العُكاز الذي بيده ومس اللحم والفطير فصعدت نار من الصخرة وأكلت اللحم والفطير… ” ( قضاة 6: 19و20و21 )
” فأخذ منوح جدي المعزى والتقدمة وأصعدهما على الصخرة للرب. فعمل عملاً عجيباً ( ملاك الرب ) ومنوح وامرأته ينظران فكان صعود اللهيب عن المذبح نحو السماء أن ملاك الرب صعد في لهيب المذبح.. ” ( قضاة 13: 19 – 20 )
فكانت الذبيحة تُحرق بجملتها [[ ( ثور، خروف، جدي، طائر ) وذلك – كما رأينا في المقدمة – تعبيراً عن الهبة الكاملة التي لا رجعة فيها ]]

وهناك نوع آخر من الذبائح كثير الانتشار عند الساميين، كان يقوم أساساً على مأدبة مقدسة، ذبيحة سلامة ( ذَبحْ شيلميم – זֽבָחשׁלָמִים)، أو ذبيحة شركة، فيأكل المؤمن ويشرب ” أمام الرب “: ” بل أمام الرب إلهك تأكلها في المكان الذي يختاره الرب إلهك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأَمَتك واللاوي الذي في أبوابك وتفرح أمام الرب… ” ( تثنية 12: 18 )
” وانفق الفضة في كل ما تشتهي نفسك في البقر والغنم والخمر والمسكر وكُل ما تطلب منك نفسك وكُل هناك أمام الرب إلهك وافرح أنت وبيتك ” ( تثنية 14: 26 )
وقد خُتم عهد سيناء بذبيحة من هذا النوع: ” فكتب موسى جميع أقوال الرب وبكَّر في الصباح وبنى مذبحاً في أسفل الجبل واثني عشر عموداً لأسباط إسرائيل الأثني عشر، وأرسل فتيان بني إسرائيل فاصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب ” ( أنظر خروج 24: 4 – 8 )

ومن المؤكد أن كل مأدبة مقدسة لا تفرض – بالضرورة – وجود ذبيحة، إلا أنه في الواقع، ولائم الشركة هذه، في العهد القديم، كانت تشتمل على ذبيحة، فجزء من الذبيحة ( سواء كانت حيوان صغير أم كبير )، كان يُصبح من حق الله – سيد الحياة – كدمٍ مراق والدهن ( بحرقه على المذبح )، في حين كان يُستخدم اللحم كطعام للمدعوين ( وهنا بالطبع تتضح روح الشركة بين الله والإنسان، والإنسان مع أخيه في محضر الرب )، ونرى ذلك مشروح في الطقس بكل دقة في لاويين 3، فيقول الطقس: يضع المقدم ( مقدم الذبيحة ) على رأس الحيوان ويذبحه. يرش الكاهن الدم على المذبح وحوله. تُنزع الأحشاء ويُحرق الدهن كرائحة رضا ليهوه…

وأيضاً هناك طقوس تكفيرية ( ذبائح كفارية – כַּפֵּר ): ” ولذلك أقسمت لبيت عالي إنه لا يُكفر عن شر بيت عالي بذبيحة أو بتقدمة إلى الأبد ” ( 1صموئيل 3: 14 )

وأيضاً توجد ذبيحة أساسية ورئيسية منذ القديم، وهي ذبيحة المحرقة: ” وبنى نوح مذبحاً للرب… وأصعد محرقات … فتنسم الرب رائحة – רֵיחַ– الرضا، وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لأن تصورات قلب الإنسان شرير منذ حداثته، ولا أعود أيضاً أُميت كل حي كما فعلت ” ( تكوين 8: 20 – 21 )
وقد اعتبرت هذه الذبيحة: رائحة سرور، إذ أنها تُمثل الطاعة القلبية لله 
” وأما أحشاؤه وأكارعهُ فيغسلها بماء ويوقد الكاهن الجميع على المذبح محرقة وقود رائحة سرور للرب ” ( لاويين 1: 9 )
” ويوقدهن الكاهن على المذبح طعام وقود لرائحة سرور ( راحة )، كل الشحم للرب ” ( لاويين 3: 16 )

(2) نحو صورة جامعة في سفر اللاويين:
سفر اللاويين يعرض بأسلوب فني وصور نظامية العطايا المقدمة لله: أنظر من لاويين 1 إلى لاويين 7 
” وكلم الرب موسى قائلاً: كلم هارون وبنية وجميع بني إسرائيل وقُل لهم: كل إنسان من بيت إسرائيل ومن الغرباء في إسرائيل قرب قربانه من جميع نذورهم وجميع نوافلهم [ تبرعاتهم ( أي تقدمة غير مفروضة على الإنسان ) ] التي يقربونها للرب محرقة للرضا عنكم يكون ذكراً صحيحاً من البقر والغنم أو الماعز، كل ما كان فيه عيب لا تقربوه لأنه لا يكون للرضا عنكم ( لا يرضى به منكم ).
وإذا قرب إنسان ذبيحة سلامة وفاء لنذر أو نافلة ( تبرع ) من البقر أو الأغنام، تكون صحيحة للرضا ( ليرضى به الرب )، كل عيب لا يكون فيها، الأعمى والمكسور والمجروح والبثير ( ليس به بثور أو خُرَّاج ) والأجرب والأكلف ( من له بقع مختلفة في جسمه – مرض جلدي أو بقع لونية مختلفة عن طبيعة جلدة الطبيعي )، هذه لا تقربوها للرب، ولا تجعلوا منها وقوداً على المذبح للرب. وأما الثور أو الشاه ( غنم أو ماعز ) الزوائدي أو القزم فنافلة ( تبرعاً ) ( لـ ) تعمله، ولكن لنذر لا يرضى به، ومرضوض الخصية ومسحوقها ومقطوعها لا تقربوا للرب، وفي أرضكم لا تعملوها ومن يد ابن الغريب لا تُقربوها خُبز إلهكم من جميع هذه، لأن فيها فسادها. فيها عيب لا يُرضى بها عنكم ( لا يُرضى به منكم ).
وكلم الرب موسى قائلاً: متى وُلِدَ بقر أو غنم أو معزى يكون سبعة أيام تحت أمه، ثم من اليوم الثامن فصاعداً يُرضى به قُرباناً وقود للرب، وأما البقرة أو الشاه فلا تذبحوها وابنها في يومٍ واحد، ومتى ذبحتم ذبيحة شكر للرب فللرضا عنكم تذبحونها، في ذلك اليوم تؤكل، لا تبقوا منها إلى الغد. أنا الرب ” ( لاويين 22: 17 – 30 )

ومن الواضح أن سفر اللاويين يختص بتنظيم العطايا المقدمة لله: الدموية والغير دموية، وجميع أنواع العطايا بلا استثناء …
ونلاحظ دقة السفر في سرد العطايا وتقديمها بدقة بدون أن يطغي طقس التقديم على روح الطقس نفسه الذي تُقدم به العطايا لله، لأن الحركات الدقيقة في الطقس تحمل معنى مقدساً يعمل سراً في قلب الإنسان مقدمالعطية أو الذبيحة، مثل رفع الشكر لله القدوس، والرغبة في التكفير عن نفسه ليقدر أن يتقرب من الله ويتصالح معه ويُنشأ معه علاقة، وذلك يظهر في تقديم المحرقة: ” ويضع يده على رأس المحرقة فيُرضى عليه للتكفير عنه ” ( لاويين 1: 4 )
” وكان لما دارت أيام الوليمة أن أيوب أرسل ( أبناؤه ) فقدسهم، وبكر في الغد وأصعد محرقات على عددهم كلهم. لأن أيوب قال: ربما أخطأ بَنيَّ وجدفوا على الله في قلوبهم، هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام ” ( أيوب 1: 5 )

وفي خلفية بعض الاصطلاحات، يُكشف شعور عميق بقداسة الله، مع خوف ملازم من الخطية ( التي تُدمر حياة الإنسان وتضعه في خصومة مع الله )، وحاجة داخلية مُلَّحه للتطهير والتنقية.

إن مفهوم الذبيحة في هذه المجموعة الطقسية – التي تظهر في سفر اللاويين – يتجه إلى التركيز حول فكرةالتكفير، والدم في ذلك يلعب دوراً هاماً، إلا أن فاعليته تتعلَّق في النهاية بالمشيئة الإلهية، وتفرض توفر مشاعر التوبة الصادقة من القلب:
[ التكفير عن النفس بالدم ] ” لأن نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياهُ على المذبح للتكفير ( Cover -כַּפֵּר ) عن نفوسكم. لأن الدم يُكفَّر عن النفس ” ( لاويين 17: 11 )
[ المشيئة الإلهية ] ” أنا أنا هوَّ الماحي ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكُرها ” ( إشعياء 43: 25 ) 

والتعويض عن النجاسات الطقسية والأخطاء غير المقصودة كان يدفع المؤمنين عملياً نحو تطهير قلوبهم، كما أن الشرائع الخاصة بالطاهر والنجس كانت توحي للنفوس بالابتعاد عن الشرّ واقتلاعه من جذوره. 
ووليمة الشيلميم ( السلامة ) تُتَرجَّمْ وتُحَقَق في الفرح والابتهاج الروحي وحدة الشركة بين المدعوين لهذه الوليمة، بعضهم مع بعض ومع الله، لأن الجميع يشتركون بالفرح والشكر في الذبيحة عينها ( كما سوف نرى أثناء شرحنا لذبيحة السلامة ).

_______________
 
وفي الجزء القادم سنتكلم عن
ثالثاً: من الطقوس إلى الذبيحة الروحية


حقيقة ما يسمى بالأنجيل القديم – الدكتور أسعد صوما أسعد

حقيقة ما يسمى بالأنجيل القديم – الدكتور أسعد صوما أسعد (متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم)

حقيقة ما يسمى بالأنجيل القديم – الدكتور أسعد صوما أسعد

مقالة : الدكتور أسعد صوما أسعد

باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم
ستوكهولم / السويد
 

تردد مؤخراً بين الاوساط المهتمة بالشأن الثقافي السرياني حديث عن اكتشاف “انجيل” سرياني قديم جداً يبلغعمره اكثر من 1500 سنة. وقد شغل هذا “الخبر المفرح” الكثير من الناس وتحمس “كتّابنا الاعزاء” للكتابة عنه ونشرتْ بعض المواقع الالكترونية “خبر اكتشافه الهام” لتزف البشرى للجميع فخلقوا ضجيجاً صاخباً فتذكرت القول الانكليزي Much ado about nothing ،

لان هذا الكتاب الذي روّج له البعض وسمّوه “انجيل” هو كتاب “مزيّف” ولمعرفة الحقيقة تابع قراءة هذا المقال.

قصتي مع هذا الكتاب:

 

قبل عدة سنوات اتصل بي كاهن فاضل ليعلمني ويستشيرني بموضوع هام للغاية بان السفارة الفاتيكانية في ستوكهولم مقبلة على شراء انجيل سرياني قديم جداً، وطلبوا مني ان افحص هذا الانجيل السرياني قبل عملية الشراء لكوني “خبيراً” في اللغة السريانية وآدابها. وعلمتُ بان الاشخاص الذين يريدون ان يبيعوا هذا “الانجيل” هم من العراق، ويدعون بانهم اكتشفوه ضمن وعاء معدني قديم جداً في خرائب احدى القرى المهجورة في شمال العراق.

فطلبتُ من مندوب السفارة ان يجلب لي هذا “الانجيل” لاقوم بفحصه. فكان الجواب بان هذا غير ممكن.فطلبتُ ان احصل على صورة لبعض صفحات هذا الكتاب تؤخذ من مقدمته وبعضها من منتصفه وبعضها من نهايته. وبالفعل حصلتُ على صور حوالي عشر صفحات منه ارسلت بالطريقة الالكترونية.

وبالاعتماد على خبرتي الواسعة في مجال اللغة السريانية وتراثها، ومعرفتي بنشأة الكتاب المقدس السرياني بعهديه وبترجماته السريانية المختلفة وبمخطوطاته السريانية القديمة، وبعد دراسة عميقة لمضمون الصفحات المرسلة وتحليل لغتها السريانية حرفاً حرفاً، توصلت الى نتيجة وهي “ان هذا الكتاب ليس انجيلاً”. وللحال أخبرتُ السفارة الفاتيكانية عن نتيجية تحليلي للكتاب المذكور فرفعتْ السفارة يدها عنه وصرفتْ اصحابه بعد ان كانت قد قطعت معهم عدة اشواط والاتفاق على سعر الشراء الذي كان مبلغاً كبيراً جداً.

بعد كشف حقيقة “المخطوطة” ورفض السفارة شراء الكتاب انتهى امره عند هذا الحد ولم نسمع عنه شيئاً حينها.

 

لكن ما هو هذا الكتاب ان لم يكن انجيلاً؟

 

بالاستناد الى الصفحات التي قمتُ بتحليلها اقول ان الكتاب الذي نحن بصدده مدون باحرف سريانية لكن لا مضمون له. ان الذين صنعوه ليس لهم معرفة جيدة باللغة السريانية، ولا بخطوطها ولا بنظام التنقيطالمستعمل في المخطوطات السريانية القديمة للكتاب المقدس. وليس في هذا الكتاب جملة مفيدة صحيحة. لان كل جملة أو كلمة فيه تقريباَ لا علاقة لها بالكلمة التي بعدها. ان الذين كتبوه خلطوا الخط السرياني الشرقي مع شيء من الخط السرياني الغربي (السرطو) لكن بطريقة سيئة تكشف بانهم نقلوا كلاماته السريانية من كتبٍ اخرى قلدوها دون ان يتوفقوا في تقليدهم. اعتقد ان الذين كتبوا محتوى هذا الكتاب هم سريان مشارقة لان فيه اجزاء جمل من السريانية الشرقية (الفصحى) بالخط السرياني الشرقي الذي يستعمله السريان المشارقة من نساطرة وكلدان، مختلطة مع اجزاء جمل والفاظ من الارامية المحكية في العراق والمعروفة بالسورث. كما ان النظام الارثوغرافي المتبع فيه يميل الى الشرقي لكنه سيء يكشف عن ضعف ثقافة الكاتب بالنصوص والخطوط السريانية، أو انه تعمّد ان يكتب هكذا ليشوّش القارىء.

ان هذا الكتاب ليس لا “انجيل” ولا اي “كتاب آخر” وليس له مضمون خاص به. أما جمله فمتقطعة وفيه بعض الالفاظ الانجيلية لكن فيه عبارات على شكل طلاسم سحرية نراها في النقوش السريانية السحرية المتوفرة في الطاسات السحرية والتي نسميها بالانكليزية Bowls. ويبدو ان مؤلف الكتاب لا يتقن اللغةالسريانية (الفصحى) كما يجب فخلطها مع الارامية المحكية التي ربما تكون لغته المحكية الأم.

ويتضمن الكتاب الكثير من الصور والرموز منها كنسية ومنها لا علاقة لها بالرموز المسيحية.

 

اما الجلد المستعمل في المخطوطة فيبدو انه قديم، أو ان الذين صنعوه ربما صنعوه بهذه الطريقة ليعطوه سِمة العتق والقدم. لكن ان كان الجلد قديماً وكتبوا عليه فهذا يعني بان هناك طبقة من الكتابة تحت الكتابة الحاليةمُسحتْ، لكن بامكان العلماء وبوسائلهم العلمية قراءة تلك الطبقة التحتية الممحية إن وجدتْ.

كما ان الصندوق المعدني الذي يضم الكتاب يبدو بانه قديم ايضاً، لكن بامكان اصحاب الاختصاص ان يفحصوه ويكشفوا حقيقته ايضاً.

هذا ما اتذكره عن الكتاب حسبما تسعفني ذاكرتي بعد هذه السنوات التي مضت على تحليل حوالي عشر صفحات منه. واكيد اني نسيت اشياء كثيرة عنه.

وعلى العموم ان الخطوط السريانية الشرقية والغربية ليست قديمة جداً ولم تكن موجودة لتُستعمل في القرون الاولى من ازدهار الكنيسة في تدوين الكتب المقدسة. إذ حتى بعد انقسام السريان الى مشارقة ومغاربة بعدة قرون وظهور كل من الخط الشرقي والغربي، استمر الفريقان السريانيان يخطون الاناجيل بالخط السرياني القديم أي الاسطرنجيلي. وان كل المخطوطات السريانية التي يتراوح عمرها بين 1200-1500 سنة مدونة بالخط السرياني القديم المعروف بالاسطرنجلي Estrangelo. فاذا كان عمر هذا الكتاب 1500 سنة حسب ما يروج له في المواقع فكان ينبغي ان يكون بالخط السرياني الاسطرنجيلي، وهذا غير متوفر في الكتاب.

أما اللغة الآرامية المحكية في العراق والتي تسمى “سورث” Surath/Sureth فكان هناك محاولات أولية بسيطة لكتابتها منذ حوالي 500 سنة تقريبا، لكن ترجمة الكتاب المقدس الى هذه اللهجة الآرامية عام 1836 على يد الارسالية الامريكة في منطقة “أورميا” اعطاها قوة لتتحول تدريجياً الى لغة كتابية لدى البعض من السريان المشارقة في المئة سنة الأخيرة.

ولو افترضنا ان هذا الكتاب الذي نحن بصدده مدون بالآرامية المحكية “سورث” بشكل فاسد، أو دون فيها مع تخريب متعمد للغة والكتابة لإبعادها عن صيغتها المعروفة ولمنحها سمة مبهمة غريبة، فان عمر هذه المخطوطة في الحالتين لن يكون حينها اقدم من عمر تلك المحاولات الاولية التي جرت في القرون القليلة الماضية لتدوين هذه اللهجة الارامية.

ان اقدم مخطوطة سريانة للعهد القديم من الكتاب المقدس نعرفها تعود لعام 459 ميلادي وتتضمن سفر اشعيا ناقصاً، واخرى تعود لعام 463 الميلادي تتضمن سفر التكوين وسفر الخروج، وهي بالخط السرياني الاسطرنجيلي وموجودة في المكتبة البريطانية. وحتى مخطوطة العهد الجديد السريانية المعروفة باسم بوكنانفي جامعة كامبريدج، والعائدة للقرن الثاني عشر مدونة بالخط الاسطرنجيلي.

كما يوجد عدد كبير من المخطوطات السريانية القديمة التي تتضن بعض الاسفار من العهد القديم منها 27 مخطوطة سريانية تعود الى القرن السادس الميلادي وكذلك 32 مخطوطة من القرن السابع، وحوالي عشر مخطوطات من القرن الثامن الميلادي، و 12 مخطوطة من القرن التاسع، و 23 مخطوطة من القرن العاشر، الخ. ومعظمها في مكتبة الفاتيكان وفي المكتبة البريطانية.

لكن هناك مجموعة كبيرة جداً من المخطوطات السريانية للعهد الجديد بمختلف ترجماته السريانية. أما اقدم المخطوطات السريانية للعهد الجديد حسب ترجمته المعروفة “بالبسيطة” والتي هي النص الرسمي للكتاب المقدس المتدوال بين جميع الطوائف السريانية، فتعود الى القرن الخامس الميلادي، كما هناك مجموعة اخرى من مخطوطات العهد الجديد تعود الى بداية القرن السادس الميلادي منها مخطوطة “رابولا” الشهيرة والتي كتبت عام 586 ميلادي والمحفوظة في مكتبة فلورنسا، وتشتهر باحتوائها على العديد من الصور والنقوش تزين نص الكتاب المقدس.

وفي القرون المتأخرة برزت بلدة “القوش” في العراق كمركز ثقافي سرياني هام لتدوين المخطوطات السريانية، وبرز فيها عدد من كتاب المخطوطات السريانية منهم افراد عائلة اسرائيل الالقوشي الذين زاولوا هذا الفن ضمن العائلة لعدة قرون وكتبوا العديد من المخطوطات السريانية منذ القرن السادس عشر؛ ومنهم ايضاً عيسى بر اشعيا بر قرياقوس الالقوشي في القرن التاسع عشر الذي دوّن ايضاً عددا كبيراً من المخطوطات السريانية، وكذلك كبرئيل برحذبشابا الالقوشي الذي نسخ العديد من المخطوطات بين اعوام 1803-1829، وكذلك كيوركيس بر ياقو يوحنا الالقوشي في نهاية القرن الثامن عشر. وقد اطلعنا شخصياً على العديد من هذه المخطوطات السريانية التي دُونت في القوش.

الا ان “ملك” الخط السرياني الاسطرنجيلي الجميل كان صديقنا المرحوم الملفونو اسمر الخوري (1916-1992) حيث كتبَ بخطه الجميل عدداً كبيراً جداً من المخطوطات السريانية منها اناجيل ومنها كتب طقسيةموجودة في الكنائس السريانية. وكان قبل وفاته قد كتبَ مخطوطة سريانية من الكتاب المقدس مزوقة بالنقوش والتصاوير الجميلة حيث تعد آية في الجمال Masterpiece طُبعت بعد وفاته وهي متداولة في الكنائس وفي متناول الجميع.

الكتاب يظهر من جديد:

بعدما كشفنا امر الكتاب الذي نحن بصدده وتراجع سفارة الفاتيكان عن شرائه، اختفى بعدها امره ولم نسمع عنه شيئاً حينها. 

لكن بعد ذلك بحوالي سنتين واذ بي اقرأ خبراً عن “اكتشاف انجيل سرياني قديم في جزيرة قبرس”، وهو من اقدم الاناجيل. وعندما شاهدتُ صورته في المواقع علمتُ للحال بانه نفس الكتاب الذي نحن بصدده. ويبدو ان اصحابه لم يتوفقوا ببيعه حتى في قبرس.

واليوم نقرأ من جديد خبر ظهور هذا الكتاب مجدداً في تركيا وانه موضوع في متحف في اسطنبول. الغريب في امر الاتراك بانهم في منتهى البساطة لانهم صدقوا امر الكتاب. يبدو ان المسؤلين الاتراك الذين اخذواالكتاب للمتحف لا يهمهم ان كان صحيحاً او مزوراً فهو بالنسبه لهم حدث هام يجلب السواح لزيارة المتحف.

ان بعض المواقع ومنها موقع عنكاوا كتبت عن هذا الكتاب ووضعته على صفحاتها الرئيسية ليتعرف عليه الجميع فانتشر الخبر بين كل القراء. انظر الرابط:

 

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,562571.0.html

 

 

 

 

كما قرأنا في موقع العربية خبراً بمنتهى الجهل نُشر في 26 فبراير/شباط عنوانه “العثور على إنجيل يحوي نبوءة عيسى بالنبي محمد تعود إلى ما قبل 1500 عام وتم إخفاؤها 12 عاماً وطلب بابا الفاتيكان معاينتها”. وهم يقصدون نفس المخطوطة، فضحكت من جهل الكاتب الذي لا يعلم شيئاً عن الكتاب. الخبر موجود على الرابط:

 

http://www.alarabiya.net/articles/2012/02/26/197120.html

 

 

 

 

وقد اطلق بعض الكتاب والمعلقين في موقع ايلاف العنان لخيالهم مدعين بان هذا الكتاب هو ما يسمى “انجيل برنابا” دون ان يشاهدوه او يعلموا شيئاً عن محتوياته، ولا نعلم من اين اتوا بهذا الكلام الذي لا علاقة له بالموضوع. لكن اذا كان اصحاب هذا الكتاب هم الذين اتوا بهذا الادعاء اي ان الكتاب هو “انجيل برنابا” فهدفهم بالتأكيد هو ان يتمكنوا من بيعه لبعض المسلمين الذين يصدقون هذه الخرافة. وهذا يعني انهم بعد انفشلوا في بيعه لأشخاص أو مؤسسات مسيحية خلقوا قصة سيصدقها البعض من المسلمين حالاً لانها “عزيزة على قلوبهم” وهي بان هذا الكتاب هو “انجيل برنابا” ليستطيعوا بيع الكتاب لهم وربما بمبلغ كبير. 

نطلب من المسؤلين في مواقع عنكاوا والعربية وايلاف وغيرها من المواقع التي كتبت عنه سحب هذا الخبر لانها تضلل القرّاء.

 

للاسف ان الضجيج الذي اثير حول هذا “الكتاب” يشبه ضجيج المطحنة الفارغة من الطحين، حيث يدور دولابها ويولد صخباً عالياً يُسمع عن بعد، لكن دون انيطحن شيئاً.

 

حقيقة ما يسمى بالأنجيل القديم – الدكتور أسعد صوما أسعد (متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم)

هل المسيح أتى لأجل خطية آدم وذبائح العهد القديم كانت تكفي لغفران الخطايا ؟

سؤال أثاره البعض: هل بسبب آدم وحده اتى المسيح ليخلص الناس من خطيته التي توارثوها، وعلى ذلك كانت الخطية في العهد القديم تُغفر بالذبائح لأن الله قال أن كل واحد يكفر عن خطيته بالذبيحة الحيوانية !!! أي أن الخطايا التي ارتكبها الإنسان في العهد القديم غُفرت على أساس سفك دم الذبيحة ولكن عُلق الغفران التام والمصالحة مع الله بسبب آدم وحده، فجاء المسيح ربنا لكي يخلصنا من خطية آدم وترك لنا خطايانا الشخصية لكي يتم الغفران بالتوبة وحدها !!! وقدم غفران تام لكل من قدم الذبائح قديماً !!! وإذا كان الموضوع موضوع خطية آدم وحده أليس من العدل أن الله كان حاسب آدم وحده أو اتصرف وأتى بإنسان آخر !!!

الإجابة: أولاً، المشكلة كلها تتلخص في مفهوم الخطية المشوه عند البعض وعدم فهم الأسفار الإلهية فهماً سليماً صحيحاً، والتعلق بالاستنتاج الفكري العقلي، والاقتطاع من فقرات الكتاب المقدس والآيات وعدم أخذها كاملة مترابطة مع بعضها البعض في سرّ الإعلان الإلهي، وانحصار الفكر في الفلسفة وليس في المفهوم الصحيح حسب إعلان الله في الكتاب المقدس وخبرة الإنسان على مر العصور ومعاملات الله على مر تاريخ الخلاص كله ليشرح ويفهم الإنسان عملياً وليس فكرياً، لأن الله ليس إله الجدل ولا الفلسفة إنما إله إعلان ووعد يخلص الإنسان ويشفيه من الموت الذي تسلط عليه هو شخصياً، لأن كل واحد مسئول عن خطيئته ولا يحمل وزر غيره، لئلا يكون الله غير عادل ويحمل كل واحد بخطيئة أبيه ….

ولكننا سنضع بعض الآيات بدون تعليق كثير للرد على السؤال بإيجاز شديد: 
ولنلاحظ وندقق في كلام القديس بولس الرسول الذي قال اننا أخطأنا نحن بأنفسنا وحريتنا وصرنا تحت حكم الموت بسبب خطايانا وليس بسبب خطايا آدم وحده (مع أن البعض يحور الترجمة لمعنى آخر ليُثبت وجهة نظرة)، لأننا حملنا منه الموت وليس فعل الخطية ذاته وبعد ذلك استمرينا نحن شخصياً نُخطأ، وكل واحد فينا صار يحمل الموت في داخله لأن طبيعة الخطية وأجرتها = موت، لذلك ملك علينا الموت وتسلط من ابتداء آدم واستمر في سلطانة يقوى يوماً بعد يوم، لأننا ابتدئنا نخترع الشر ونزداد خطية على خطية حتى أن رائحتها فاحت وصارت رائحة فساد بلا قدرة على الشفاء، لأن ما فسد لا يُمكن إصلاحه إلا لو صار جديداً، لذلك قد زيد الناموس بسبب التعديات وطقوسة للتأديب، وأُعطي لكي يُعري ويكشف ويفضح قلب الإنسان ليعرف الإنسان إلى أي مدى وصل فساده وكم فيه من موت قد تسلط على كيانه الذي فسد عن أصل الطبيعة النقية التي خُلق عليها، وقد أعطى الله الذبائح للتكفير عن الخطية ليُظهر للإنسان كم كانت الخطية خاطئة جداً، وأن كل ما يفعله الإنسان لن ينفع بسبب تعدياته لأنه أصبح فاسد لا يستطيع أن يخلص ولا يصلح ولا لمزبلة لأنه ميت بالخطايا والذنوب، لذلك لم تشفيه الذبائح بل صار يقدمها مراراً وتكراراً ولم يستطع ان يريح ضميره المتعب قط ولم تجعله بقادر أن يفلت من سلطان الموت ويخرج عن حالة الفساد التي تفوح منه، ولم يستطع أن يثبت في أحكام الناموس ويحيا بالوصية فاستحق اللعنة، لأن الناموس بكل أحكامة وفرائضة كشف الخطية وأظهر الإنسان في مرآة الوصية كم هو مشوه وغير صالح إلا أن يموت بسبب سلطان الموت الذي ملك عليه والفساد الذي يفوح منه مثل الجيفة التي لحيوان ميت وقد بدأ في التحلل ولم يُعرف له شكل أو منظر، فهو يسير في ظلمة الموت والظلمة أعمت عينيه عن الله الحي فصار من ضلال لضلال أردأ، ومن موت لفساد حتى أنه لم يستطع أن يتعرف على الله تعرف حقيقي من نفسه، وهذا ظهر في تيه الإنسان عن الله على مر عصور طويلة، وحتى لما تعامل الله مع الإنسان واتخذ شعب مثالاً ليكون قائد الشعوب في معرفة الله، هو نفسه الذي سُميَّ شعب الله المختار، ضل عنه وعصى وصياه وتركه وعبد آلهة أخرى ولم يطع الوصية التي أخذها من الله والتي فيها حياة تطرد قوة الموت فظهر فيه الموت أكثر وفاحت رائحة الفساد منه أكثر قوة، ولم يعرف الله كنور وحق وحياة، بل ضل عنه أيضاً بصورة ملفتة للنظر وشديدة الجرأة، وهذا يُظهر كيف أن الإنسان عموماً لم يستطع أن يثبت في وصية الله لأنه ضال ومظلم داخلياً وبسهولة ينقاد للخير الغير موجود ويطيع الشر أسهل مما يطيع الله، بل ويسير للموت أسهل من أن يسير للحياة، لأنه لا يرى ولا يبصر هيئة الله ولا يستطيع أن يتعرف عليه ويعرفه، لأن عنصر الموت يعمل في داخله مبدداً صورة الله التي خُلِقَ عليها …

+[ كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضاً الخطية هي التعدي ] (1يو3: 4) 
+[ من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ لأجل هذا أُظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس ] (1يو3: 8) 
+[ نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات. الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا ] (رو4: 24، 25)

+[ لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار…. ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. فبالأولى كثيراً ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب. لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيراً ونحن مصالحون نخلص بحياته. ] (رو5: 6 – 10)

+[ من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع (وليس آدم وحده لأن الخطية سادت على الكل بالموت والجميع أخطأ ولم يثبت في جميع أحكام الناموس ولا الوصايا، وكل واحد مسئول عن خطيئته). فأنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم (قبل الناموس كانت الخطية موجوده في العالم ولكنها غير ظاهرة، أي أن الإنسان ميت ولا يدرك، مثل إنسان ملابسة متسخة جداً ولا يدري لأنه لا يملك مرآة يرى فيها نفسه) على أن الخطية لا تحسب إن لم يكن ناموس (لأنه كشفها وأظهرها وبينها ودانها في قلب الإنسان). لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذينلم يخطئوا على شبه تعدي آدم (لم يخطئوا مثل آدم ولم يأكلوا من شجرة معرفة الخير والشرّ) الذي هو مثال الآتي. ولكن ليس كالخطية هكذا أيضاً الهبة لأنه ان كان بخطية الواحد مات الكثيرون (بسبب انحراف آدم دخل الموت ومات الكثيرين، أي ملك عليهم سلطان الموت) فبالأولى كثيراً نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد أزدادت للكثيرين. وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية لأن الحكم من واحد للدينونة (كمثال للبشر) وأما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة (وليست خطية آدم وحده فقط لأن آدم لم يرتكب خطايا كثيرة وغير مسئول عن خطايا البشر لأن كل واحد مسئول عن خطية نفسه) للتبرير. فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس (لأنهم ساروا على مبدأ العصيان، اي أنهم هم أنفسهم وتحت مسئوليتهم أحبوا الظلمه) للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة. لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة (أي ساروا وراء نفس ذات الداء وهو العصيان على الله ورفض الوصيه وحب حياة الظلمة) هكذا أيضاً بإطاعة الواحد (المسيح) سيجعل الكثيرون أبراراً. وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية (أي تظهر وتبان في داخلي لأن الناموس أظهرها لأنه حينما قال لا تشتهي فانا اكتشفت بذلك كم أنا شهواني لحد الجنون ولم أستطع أن أتخلص من شهوتي وانحرافي عن الوصية) ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدا. حتى كما ملكت الخطية في الموت (وهذه نتيجة الخطية أنها ملكت للموت وكل واحد أخطأ بنفسه وسرى الموت فيه وملكت الخطية فيه) هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا ] (أنظر رومية5)

+[ فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة. لأنه أن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق (إنسان الخطية وقانون الموت الذي تسلط عليَّ) قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضاً للخطية(لأننا بواسطته تحررنا من سلطان الخطية والموت، إذن المشكلة في عبوديتنا للخطية وخضوعنا لسلطانها علينا بالموت والانفصال الدائم عن الله). لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية (الخطية وسلطان الموت وليس فعل آدم وحده لأن المسيح مات لأجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا) ] (رو 6: 4 – 7)

+[ لأنكم لما كنتم عبيد الخطية كنتم أحراراً من البر. فأي ثمر كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن لأن نهاية تلك الأمور هي الموت. وأما الآن إذ أُعتقتم من الخطية وصرتم عبيداً لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة أبدية. لأن أجرة الخطية هي موت (ثمرتها الطبيعية ونتيجتها والموت ملك على جميع الناس بسبب خطاياهم وليس بسبب آدم وحده ) وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا ] (رو6: 20 – 23)

إذن المشكلة كلها أننا عبيد الخطية ولو كان الله علَّق توبة الناس بسبب آدم وحده لكان غير عادل لأنه هو الذي قال انه لن يفتقد ذنب الآباء في الأبناء، فأن كان أبي قد أخطأ فما ذنبي أنا لأُلقى في الجحيم وتعلق غفراني بسبب خطية من ولدني، ولكن أن كنت أنا نفسي أخطأت ومش نافع وصرت أنا نفسي وبشخصي تحت سلطان الخطية والموت فأنا استحق الموت عن عدل لأني أنا نفسي تم الحكم فيَّ: أني تحت الخطية وسلطانها المُدمرّ للنفس، بالرغم من إني لم أتعدى على الله بشكل خطية آدم ولا شبهها ولكن بعد سقوط آدم انغلقت الأذن على الله وابتدأ الناس يخترعون الشر – كما قال القديس أثناسيوس الرسولي – وصار الكل مدان وأُغلق على الجميع في العصيان تحت حكم الدينونة لأن الكل مدان يحتاج لمخلص مهما ما قدم من توبة وذبائح لأن ذبائح العهد القديم كله لم تُصلح الضمير والناموس قد زيد بسبب التعديات وإظهار شرور الإنسان: 
[ فلماذا الناموس؟ قد زيد بسبب التعديات، إلى أن يأتي النسل الذي قد وعد له مرتباً بملائكة في يد وسيط، فهل الناموس ضد مواعيد الله حاشا لأنه لو أُعطي ناموس قادر أن يُحيي لكان بالحقيقة البرّ بالناموس. لكن الكتاب أغلق على الكل تحت (سلطان) الخطية ليعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون. ولكن قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقاً علينا إلى الإيمان العتيد أن يُعلن. إذاً قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان. ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب. لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (اعتمدتم في المسيح) قد لبستم المسيح ] (غل3: 19 – 27)، [ لست أُبطل نعمة الله لأنه إن كان بالناموس برّ فالمسيح إذاً مات بلا سبب ] (غل 2: 21).
عموماً لم يستطع أن يثبت الإنسان في أحكام الناموس رغم كل ما رآه من معجزات ومن قوات متنوعة فالكل يصرخ ويحتاج لوسيط ليُصالحه مع الله …

[ ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني (حررني) من ناموس الخطية والموت. لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه في ما كان ضعيفا بالجسد (أي الإنسان العتيق إنسان الخطية) فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد (جسده الذي اتخذه بالتجسد من طبعنا). لكي يتم حكم الناموس فينا (أي حكم الموت) نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ] (رو8: 2 – 4)
لذلك قال الرسول أيضاً [ فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا (نحن جميعاً وليس آدم وحده فقط) حسب الكتب ] (1كو15: 3)، [ الذي أسلم من أجل خطايانا (كلنا معاً) وأُقيم لأجل تبريرنا ] (رو4: 25)
يقول القديس أثناسيوس الرسولي :

[ 1- فالله لم يكتفِ بأن يخلقنا من العدم، ولكنه وهبنا أيضاً بنعمة الكلمة إمكانية أن نعيش حسب الله، ولكن البشر حَوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحولوا إلى أعمال الفساد الطبيعي وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقاً – بالطبيعة فاسدين لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعي لو أنهم بقوا صالحين.

2- وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يَمَسَّهم كما يقول سفر الحكمة: ” الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله على صورة أزليته لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم ” ( حك 2: 23 – 24 ) وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون، هذا من جهة ومن جهة أخرى فمن ذلك الوقت فصاعداً بدأ الفساد يسود عليهم بل صار له سيادة على كل البشر أقوى من سيادته الطبيعية، وذلك لأنه حدث نتيجة عصيان الوصية التي حذرهم أن لا يخالفوها.

3- فالبشر لم يقفوا عند حد معين في خطاياهم بل تمادوا في الشرّ حتى أنهم شيئاً فشيئاً تجاوزوا كل الحدود، وصاروا يخترعون الشرّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد، ثم توغلوا في الظلم والمخالفة ولم يتوقفوا عند شرّ واحد، بل كان كل الشرّ يقودهم لشرّ جديد حتى أصبحوا نهمين في فعل الشرّ ( لا يشبعون من فعل الشرّ ).

1- لأجل هذا إذن ساد الموت أكثر وعم الفساد على البشر، وبالتالي كان الجنس البشري سائراً نحو الهلاك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان الإنسان العاقل المخلوق على صورة الله آخذاً في التلاشي، وكانت خليقة الله آخذةً في الانحلال. ] ( القديس أثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة ف 4: 1و 2و 3 + ف 5 : 1 )

_________________
يقول القديس كيرلس الكبير، موضحاً موقف الرب يسوع من خطيتنا ويظهر أننا لم نُخطأ فقط في آدم وحده بل أننا أيضاً دسنا الوصية المقدسة بإرادتنا وحريتنا (لذلك نقول في القداس الإلهي: أنا الذي اختطفت لي قضية الموت، ولم يقل آدم اختطف قضية الموت وحده) ولنصغي لكلمات هذا القديس الحلو وندقق فيها جداً :

[ أننا أخطأنا في آدم أولاً (لأن آدم مثال للبشرية)، ثم دسنا (نحن بأنفسنا) بعد ذلك الوصية المقدسة. ولكن المسيح يُهان لأجل خطايانا، لأنه حمل خطايانا في ذاته، كما يقول النبي، وتألم عوضاً عنا. وصار سبب خلاصنا من الموت بتقديم جسده للموت.
ولذلك كانت الضربة التي تقبلها المسيح هي أتمام للعار الذي حمله، ولكنها كانت تحمل خلاصنا من عبئ تعدي آدم أبينا وخطيتة (التي اشتركنا فيها إذ سرنا في نفس ذات الطريق عينه لا كمرغمين بل بإرادتنا وحريتنا)، ورغم أنه واحد إلا أنه الذبيحة الكاملة عن كل البشر وهو وحده الذي حمل عارنا ] ( عن شرح يوحنا 18 : 22 للقديس كيرلس الكبير )

_________________
طبيعة الخطية :
[ أن الخطية والموت والشيطان معاً طبيعة واحدة، لأنهم يشتركون في التعدي. الأول والثاني أي الخطية والموت، لا يمكن فصلهما عن بعضهما، والثالث هو المصدر ( أي الشيطان ).
الأولى ( الخطية ) لا وجود لها إلا في الخطاة. والثاني ( الموت ) هو النتيجة. والثالث ( الشيطان ) هو مصدر الغواية لترك الحق، أي الحدود التي تخص الطبيعة.

وقد جاء الرب يسوع المسيح، فأباد الخطية والموت معاً؛ لأنه عندما أباد الموت، فصل الموت عن الخطية، وجرد الشيطان الذي به سلطان الموت من سلطانه ( كولوسي2 : 15 )

وهناك فرق بين من يشرح الخطية كتعدًّ، ومن يشرح الخطية في نور إنجيل ابن الله، لأن المسيح يسوع ربنا كشف لنا عن طبيعة الخطية, وعندما نتكلم عن الخطية، فإن الموت والشيطان معاً هما مصدر الظلمة والفساد والتعدَّي والموت.

… هل تريد أن تعرف جذور الخطية ؟ 

تأمل حب الرئاسة. هو من الشيطان الذي أراد أن يكون مثل الله، وأغرى آدم لكي يسلك في ذات الطريق، فوقع في فخ الموت الروحي الذي أدى إلى موته الجسداني بعد ذلك؛ لأنه لم يمت بعد السقوط، بل عاش كل حياته خارج الفردوس. ولأن بذرة الموت في الروح الإنسانية، لذلك زرع الرب بذرة الحياة في القلب لكي تنمو بمياه روح الحياة الذي أقام ربنا يسوع من الأموات.

* هل مات الرب يسوع المسيح على الصليب بنفس موت آدم ؟
لقد مات لأنه أخذ ” الحكم ” الذي كان يخصنا، ولكنه مزق ” الصك ” ورفعه من الوسط، أي أزاله من علاقة الشركة بين الله والإنسان، فقد مزقه بالصليب عندما سمره في الصليب. هذا حدث لأجلنا. فهو، إذن، لم يمت موت آدم. ولذلك السبب يقول الرسول بطرس في يوم العنصرة إن الموت عجز عن أن ” يمسكه ” ( أع2: 24 ) …

ومات الرب يسوع فعلاً لأن نفسه انفصلت عن جسده، وهو ذات موت آدم، ولكن له سلطان الحياة، فموته ليس كموت آدم، ولكن لأن الرب له سلطان الحياة، فموته ليس كموت آدم فقط، لأننا لا يجب أن ننسى أن الرب نزل إلى الجحيم، ليس كميت تحت سلطان الموت أي الشيطان ( عب2: 14 )، بل نزل وشتت قوات الظلمة، وأباد قوات الجحيم، وكسر شوكة الموت، ومزق الصك، لأن له سلطان الحياة .

… آدم خَلُصَ بموت الرب وتواضعه. والصليب وحده هو الذي يكشف عن ضعف القوة وعجزها، فهو ميزان القوة الحقيقية، أي قوة المحبة والتواضع التي أعلنها الرب .] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس : 1 و 2 و3 و 4 )


________________________
الموت الروحي :
[ الموت الروحي والجحيم هما وجهان لعملة واحدة، لأن الجحيم هو الحياة المحصورة التي لا نمو فيها والتي فقدت الهدف أو غاية الوجود؛ لأن الإنسان إذ خُلق على صورة الله فهو بدون الله يصبح صورة لنفسه، وبذلك يحدد وجوده ويحصره في الوجود غير النامي والمحدود، بصورة الإنسان التي خلقها لنفسه، ولذلك يعجز الإنسان عن أن يرتفع إلى ما هو أعلى من صورته الإنسانية، لأن محاربة صورة الله فينا تجعلنا غرباء عن وجودنا الحقيقي، وأسرى وجودنا الكاذب الذي صنعناه لأنفسنا.

وعندما قال الرسول عن ربنا له المجد أنه ” أدان الخطية في الجسد ” ( رو8: 3 )، فقد قَبِلَ موت الجسد الذي يشتهي الخلود، ويسعى للبقاء بقوة الحياة الداخلية بدون الله، أي بدون نعمة الله المصدر الحقيقي للحياة. 
أما الرب يسوع فقد أخذ جسدنا وردَّه إلى الحياة التي لا تموت بالشركة في أُقنومه الإلهي ( سرّ التجسد )، وهي شركة في الآب والابن والروح القدس . 

وعندما ذاق الرب الموت بالجسد على الصليب، حكم على فساد الخطية كأسلوب ( أو وسيلة ) للحياة، فقد رفض الحياة التي لا تعرف الله ولا تقبله بعكس آدم.

فعندما ذاق الموت، وضع نهاية لاغتراب الجسد عن الله وعن الحياة الداخلية؛ لأن الجسد يغترب عن الروح الإنسانية عندما يصبح وسيلة وأداة للخطية، فيترك الحياة الطبيعية ويتشكل بكل صور الخطية ويقع أسيراً للموت؛ لأن موت الخطية نابع من الخطية التي يصفها الرسول بأنها ” أعمال الجسد الميتة “، أي تلك التي لا حياة فيها، والتي تجعلنا غرباء عن أنفسنا، وعن أجسادنا، وعن مصدر الحياة. ] ( رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس : 5) 
وبالنسبة لموضوع ذبائح العهد القديم وهل هي بقادرة على التكفير عن الخطية والغفران هذا كله شرحه القديس بولس الرسول في رسالة العبرانيين وفي عبارة واحدة موجزة ومركزة قال : [ وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية ] (عبرانيين10: 11 )، وأكتب شرح القديس يوحنا ذهبي الفم على الفقرات التي توضح أن الذبائح لم تكن سوى رمز ومجرد ظلال وغير قادرة على فعل الغفران …

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم في شرح عبرانيين 10: 2 – 7، العظة السابعة عشر:

لماذا كانت الحاجة إلى ذبائح كثيرة، طالما أن ذبيحة واحدة كانت كافية؟ 
لأنه من خلال الذبائح الكثيرة وتقديمها المستمر، يُظهر أن هؤلاء لم يتطهروا أبداً. لأنه تماماً مثل الدواء، عندما يكون قوياً وقادراً على استرداد صحة المريض فأنه يستطيع أن يقضي على المرض كلية ويتمم الشفاء الكامل إذا استُخدم مرة واحدة، وبذلك يكون قد حقق النتيجة المرجوة وأُظهر فاعليته، وبذلك لا يكون هُناك حاجة لتناوله مرة أخرى. أما إذ استُخدم باستمرار، فأن هذا يُعد دليل على ضعفه في أن يمنح الشفاء، لأن سمة الدواء أن يُستخدم مرة واحدة، وليس مرات عديدة، هكذا هُنا أيضاً (فيما يتعلق بالذبيحة). بمعنى أنه لماذا كانوا يحرصون دائماً على تقديم الذبائح؟ 

لأنه إذا كانوا قد تخلصوا بالفعل من كل الخطايا بالذبائح، ما كانوا ليقدموها كل يوم. كذلك كان هُناك بعض الذبائح التي كانت تُقدم كل يوم عن كل الشعب، في المساء وفي الصباح. إذاً فما كان يحدث، هو بمثابة اعتراف بوجود الخطايا وليس بمحوها، كان اعترافاً بالضعف، وليس دليل قوة. لأن الذبيحة الأولى لم يكن لها حقيقة أي قوة. لهذا قُدمت الذبيحة الثانية (ذبيحة المسيح)، ولأن الذبيحة الأولى لم تنفع مطلقاً، فقد تبعتها ذبيحة أخرى، إلا أن كثرة هذه الذبائح كان يُعد دليلاً على وجود الخطايا. بينما تقدماتها بشكل مستمر كان دليل ضعفها ] (القديس يوحنا ذهبي الفم عظة 17على شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى العبرانيين مترجم عن اليونانية طبعة 2010 صفحة255 – 256)

ويقول أيضاً القديس يوحنا ذهبي الفم في شرح عبرانيين 10: 8 – 13، العظة الثامنة عشر :
[ لقد أظهر بالكلام السابق أن الذبائح كانت بلا فائدة من حيث تحقيق النقاوة الكاملة، وأنها ضعيفة جداً. بل أن الواحدة قد أتت ضد الأخرى، فإن كانت هذه الذبائح أمثلة وظلال، فكيف، بعد ما أتت الحقيقة، لم تتوقف ولا تراجعت، بل كانت تُمارس؟ هذا بالضبط ما يظهره هنا، أنها لم تعد تُقدم بعد، ولا حتى كمثال، لأن الله لا يقبلها. وهذا أيضاً يبرهن عليه ليس من العهد الجديد، بل من الأنبياء، مُقدماً منذ البداية أقوى شهادة، أن الذبائح القديمة قد أُنقضت وانتهت، وانه ليس من المقبول القول بأنها تصنع كل شيء، فهي تأتي باستمرار في تعارض مع الروح القدس. ويُظهر بكل وضوح أن هذه الذبائح لم تتوقف اليوم فقط، بل منذ ظهور المسيح، بل الأفضل أن نقول، بل وقبل ظهوره، وأن المسيح لم يُبطلها مؤخراً، بل توقفت قوتها أولاً ثم أتى بعد ذلك، فقط أُبطلت سابقاً وحينئذٍ أتى المسيح. إذاً لكي لا يقولوا أنه بدون هذه الذبيحة (أي المسيح)، كان يُمكن أن نُرضي الله، فقد أنتظر هؤلاء أن يزدروا بأنفسهم، وحينئذٍ ياتي المسيح، لأنه يقول “ذبيحة وقرباناً لم ترد” (مزمور51: 16) .

لقد نقض كل شيء بهذا الكلام، وبعدما تكلم بشكل عام، نجده يتكلم بشكل خاص يقول لم تُسّر بالمحرقات التي كانوا يقدمونها، من أجل غفران الخطايا … كانت تُقدم (الذبائح) مراراً كثيرة؟ لم يتضح، أنها كانت ضعيفة وانها لم تفد ابداً، من حيث أنها كانت تُقدم مراراً كثيرة فقط، بل ومن حيث إن الله لا يقبلها، لأنها زائدة، وبلا فائدة. هذا تحديداً هو ما يعلن عنه في موضع آخر فيقول: ” لا تُسر بذبيحة وإلا فكنت أقدمها ” (مزمور51: 16). إذاً بحسب هذا الكلام هو لا يُريد ذبيحة. فالذبائح ليست هي بحسب إرادة الله. بل هو يُريد إبطالها، وبناء على ذلك، فهي تُقدم بحسب إرادة الذين يقدمونها. ] (القديس يوحنا ذهبي الفم عظة 18على شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى العبرانيين مترجم عن اليونانية طبعة 2010 صفحة262، 263)
عموماً وباختصار بالنسبة لما ذُكر في رومية واستنتاج وراثة الخطية في الطبيعة البشرية وأن الرب يسوع أتى لأجل خطية آدم فقط، وأن خطيانا الشخصية تغفر فقط بالتوبة والجهاد الروحي بعد المعمودية ولا علاقة لها بكفارة المسيح، فالقديس بولس الرسول يقول:
من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع ] (رو5: 12)، بمعنى أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، واجتاز الموت إلى جميع الناس لأن الكل أخطأ، فنحن حملنا الموت من آدم ( أي نقدر نقول ورثنا الموت وليس فعل الخطية نفسها ) ولكننا كلنا أخطأنا فتسلط الموت وملك على الجميع إلى أن فسدنا كلنا وأتى الرب يسوع ليجدد طبعنا ويرفع الموت ومن ثم الخطية التي تسببت فيه، فيجدد طبيعة الإنسان لذلك قال أحد الآباء بالنص الواحد الآتي:
ولكن الله لم يُرسل المسيح ليُصلح ما أفسده آدم بل ليحمل طبيعة الإنسان، ليرتقي بها إلى فوق الإنسان، فغرس فيها النعمة عوض الخطية، ووهبها روح الحياة الأبدية والقداسة لتقوى على سلطان الموت وتدوسه. وهكذا صار الربح الذي نالته طبيعة الإنسان بالمسيح أعظم بما لا يُقاس من الخسارة التي خسرها آدم. وتاريخ الإنسان الذي كان ينحدر بسرعة نحو الفناء، انقلب صعوداً ليؤرخ للخلاص والحياة الأبدية “فأن سيرتنا نحن هي في السماوات” (في3: 20) 

+ وبالنسبة لموضوع “إذ أخطأ الجميع” بحسب ما شرحه الآباء وجمهرة كبيرة من اللاهوتيين على مر العصور:

فهذه الآية انقسم فيها الشراح المحدثين فمن يقول أن الناس تعدوا في حياتهم الخاصة والفردية، ومن يقول أن الكل تعدوا لما أخطأ آدم أو في خطية آدم نفسها، ولكن في الحقيقة أن كلا القولين والشرحين ناقص، والفكر الصحيح حسب آباء الكنيسة هو كما قاله القديس بولس الرسول نفسه [ إذ أخطأ الجميع] أي فعلوا بأنفسهم الخطية. فالخطية دخلت إلى العالم ليس كعنصر طبيعي موروث في الطبيعة بل كعنصر طياع يُمكن التحكم فيه على حد ما، ولكن لو الخطية كانت موروثه في جينات الإنسان، فلا يستطيع أن يختار الناس بين أن يُخطأ ولا يُخطأ، فلو كان عندي جين اسمه الخطية فانا مقيد بالخطية لا محاله، فلو أبي زاني مثلاً، فسأرث منه حتماً الزنا وأصبح مثله تماماً ولست حُرّ في أن أفعل ولا أفعل لأني مقيد بما ورثته من أبي، ونلاحظ أن الحرية في عدم الخطية موجود مثلاً عند البوذيين فهم لا يشتمون ولا يكذبون … الخ… ويفعلون الأفعال الإنسانية العظيمة والمبادئ القوية التي يحترمونها جداً بل ويفوق كل عملهم نسك الرهبان والراهبات على مر العصور كلها….
كذلك الموت دخل إلى العالم وساد بسيادة الخطية ولكن سيادة الموت ليست حتمية (جسدياً وروحياً)، بدليل مَنْ أُخِذوا إلى السماء بدون أن يجوزوا الموت (الجسدي) كأخنوخ وإيليا، وبدليل من بررهم الله كإبراهيم وإسحق ويعقوب فلم يُعتبروا أمواتاً روحياً، لأن قيل عن إبراهيم أب الآباء أنه تبرر بالإيمان. والله قال أنه إله أحياء وليس إله أموات ، بل قال أنه إله أحياء إله ابراهيم واسحق ويعقوب !!!

عموماً الجميع أخطأوا لأنهم لم يستطيعوا أن لا يخطئوا، وليس لأنهم حتماً كانوا لابد من أن يخطئوا لأن فيهم خطية آدم وورثوها كجينات، وإلا كيف يدانون عن خطايا وُضع عليهم حتمية صنعها لأنهم ورثوها ؟(ولنلاحظ أن تعبير وراثة الخطية ليس بتعبير حرفي عند من يتحدثوا عنه)، لأن لو أنا ورثت خطيئة آدم إذن انا بريء أمام الله بكوني أفعل الخطية بعدم إرادة مني، بل مرغم عليها، وبذلك لماذا يُحاكمني وأنا لم أُخطأ، بل هو يحكم على آدم فيَّ أنا وبذلك أنا أُدان على فعل لم أرتكبه باختياري، وفي المحاكم المدنية على مستوى القانون الإنساني يستحيل أن يصدر حكم على إنسان بسبب إحدى والديه، لأن من يفعل الخطأ وحده هو الذي يحتمله ويُعاقب عليه، فأن كان الإنسان على مستوى القضاء الإنساني يحكم بالعدل، أليس الله مصدر العدل كله وهو الذي لا يقبل ظلم !!!

عموماً هُنا عدل الله لا يجد له مقراً ويُلام قضاء الله، لأن أن كان آدم أخطأ فلماذا أُحاكم أنا على خطيئته، أو لماذا يتحتم عليا أن يتعلق خلاصي وقبول الله لي بسبب آدم بدون مسئولية شخصية واضحة وظاهرة أمام ضميري وقلبي ناتجة مني أنا شخصياً، وحاشا بالطبع أن يُلام قضاء الله العادل لأني انا بنفسي وبشخصي أخطأت بحريتي وعشت في حالة فساد على مستوايا الشخصي عملياً في حياتي الواقعية، لأن الخطية شوهت طبعي واحتجت أنا – على المستوى الشخصي – لطبع جديد لينقذني من جسد هذا الموت (أي الإنسان العتيق المتسلطة عليه الخطية ومنها الموت ومن بعده الفساد، فلم أعد أصلح ولا لمزبلة). فمستحيل أن يُدين الله إنساناً أخطأ بدون إرادته. فالكل أخطأ بإرادته، ولهذا يحق لله ان يُدين…

ونعود نُأكد بكل وضوح تام مع الحرص على أن كثيرين يتكلموا عن وراثة الخطية ليس حرفياً ولكن كتأمل ولكنه غير دقيق وغير وافي لشرح السقوط وخطيئتنا، وعموماً باختصار شديد نقدر أن نقول:
[ الخطية ليست عنصر موروث في الطبيعة البشرية التي سلمها آدم لأولاده، ولكنه سلم طبيعة انفتحت على الشيطان وأصبحت مستهدفة لكل حيلة ومؤثراته بالفكر أولاً ثم الحواس جميعاً. فهنا احتمال الخطية واردولكنه ليس حتمياً
كذلك آدم لم يُسلم الخطية لأولاده كفعل من الأفعال يمارسونه هو بعينه عن حتمية واضطرار ولكنه سلم طبيعة عارفة بالخير والشر، ومعرفتها للشر هي التي تجرها لارتكابه وليس لديها القدرة لمقاومته، لأن مقاومة الخطية هي قوة نعمة الله التي فقدها آدم حينما طُرد من أمام وجهه. فآدم نستطيع ان نقول أنه ورَّث لنا طبيعة فاقدة للنعمة مُستهدفة لإغراء الخطية
ومن هُنا استعبد كل أولاد آدم للخطية والشر، ولا عذر لإنسان بالطبع، لأنه بإرادته ومعرفته واختياره يُخطئ، ولا لوم على الله بالطبع، لأن النعمة ليست حقاً من حقوق طبيعة الإنسان، والإنسان – آدم – فقدها بإرادته !!! من هنا فالأطفال ليست لهم طبيعة شريرة وارثة للخطية، ولكن لهم طبيعة فاقدة النعمة، عريانه من النعمة (من أعلمك أنك عريان هل أكلت من الشجرة !!! ) وهنا قال الآباء أن آدم اتعرى من النعمة فرأى أنه عُريان وابتدأ يخجل من جسده لأنه قَبِلَ فيه الموت ودخله عنصر غريب عنه وأصبح غريب عن الله النور والحياة، لذلك أصبحت طبيعتنا قابلة للموت ونحتاج أن يظهر المخلص الذي يرفع الموت وسلطان الخطية التي ملكت بالموت … ]

وماذا عن خطايانا الشخصية التي نفعلها :
أولاً: لابد أن نعلم اننا بالمعمودية لبسنا المسيح [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ] (غل3: 27)، وأخذنا إنسان جديد مولود من الله لا يُخطأ ويحفظ نفسه في الرب ثابت [ نعلم أن كل من ولد من الله لا يُخطئ بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه ] (1يو5: 18)، إنما خطايانا ناتجه عن تلبية رغبات الإنسان العتيق الباقي فينا الذي ينبغي أن نخلعه كل يوم ونلبس الجديد [ الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه ] (كو3: 10)، أي نرفض كل أعمال الإنسان العتيق [ أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور ] (اف4: 22)، لأن فينا قوة الله ونعمته الساكنة بالإنسان الجديد وحضور الروح القدس الذي به نغلب وننتصر بقوة الله، ولكن أن تعثرنا وسقطنا يقول الرسول: [ يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا وأن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً ] (1يو2: 1 – 2)، فالمسيح ليس كفارة عن خطية آدم وحده بل عن كل خطايا العالم كله وحتى كل خطايانا الشخصية، وهذه هي التوبة أولاً الرجوع لقوة الله وعمله فينا، وثانياً الإيمان بكفارة المسيح الرب الذي فيه غفراننا الأبدي عن كل خطية [ أن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم ] (1يو1: 9)، إذن التطهير لا دخل فيه لإنسان بل هو عمل الله وحده وتجديد الروح القدس: [ لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ] (تي3: 5)…
فجهدنا الروحي كله هو خضوعنا لعمل الله والثبات فيه بالإيمان والمحبة: [ أثبتوا في وأنا فيكم، كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم أيضاً أن لم تثبتوا في ] (يو15: 4)، فنحن من ذواتنا ومهما ما كان جهدنا وتوبتنا من غير قوة الله وعمله وتنقية القلب بكلمته لن نقدر أن نأتي بثمر من ذاتنا إطلاقاً إن لم نثبت في المسيح الرب …
[ كما أحبني الآب كذلك أحببتكم أنا إثبتوا في محبتي ] (يو15: 9) 
[ (هذا هو جهدنا ايضاً وثباتنا في المسيح عملياً) أسهروا اثبتوا في الإيمان كونوا رجالاً تقووا ] (1كو16: 13) 
[ والآن أيها الأولاد إثبتوا فيه حتى إذا أُظهر يكون لنا ثقة ولا نخجل منه في مجيئه ] (1يو2: 28) 
ولنتيقن اننا بدون المسيح الرب في داخلنا لن نستطيع ان نفعل شيئاً إطلاقاً، وأي شيء نفعله خارجاً عنه فهو لا يُقبل لأن كل ما يقبل هو حسب عطية الله وعمله فينا وليس حسب أعمال برنا ولا شطارتنا ولا قوتنا ولا أي شيء آخر من مثل هذا القبيل حتى لو كان صحيح جداً وصالح، فالرب بنفسه يقول: [ أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت في وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا ] (يو15: 5)، والرسول يقول: [ أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني ] (في4: 13)

Exit mobile version