كتاب كيف أفكر؟ أفكارك دواء شاف أو سم زعاف PDF – كاسبر ماكلوود – ليندا لانج

كتاب كيف أفكر؟ أفكارك دواء شاف أو سم زعاف PDF – كاسبر ماكلوود – ليندا لانج

كتاب كيف أفكر؟ أفكارك دواء شام أو سم زعاف PDF – كاسبر ماكلوود – ليندا لانج

كتاب كيف أفكر؟ أفكارك دواء شاف أو سم زعاف PDF – كاسبر ماكلوود – ليندا لانج

 

محتويات الكتاب:

مقدمة الدار 

تنويه 

تمهيد 

مقدمة 

الفصل الاول: افكارنا و القلب 

الفصل الثاني: الفسيولوجي (علم وظائف الاعضاء) الخاص بنا

الفصل الثالث: تشريح لاحدى الافكار 

الفصل الرابع: كيف تصبح الافكار افكارا 

الفصل الخامس: فهم وظيفة المخ 

الفصل السادس: تحطيم لانماط التفكير 

الفصل السابع: دوافغ القلب 

الفصل الثامن: معرفة الحق تحررك 

 الفصل التاسع: كيف اتخيل؟

الفصل العاشر: الاستعداد للنصرة 

الفصل الحادي عشر: كيف يسبب القلب المنكسر امرض؟

الفصل الثاني عشر: رسالة الخلاص 

الفصل الثالث عشر: صلاة من اجل حياة فكرية متجددة 

المراجع

تحميل الكتاب PDF

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولي (1)

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولي (1)

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولي (1)

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولي (1)

 إقرأ أيضاً: صلوات السواعى في الثلاثة قرون الأولي (2)

اتفق علماء الليتورجيا على أن صلوات السواعي كانت موجودة في الكنيسة منذ أيامها الأولى بشكل ما، ولكن البنية الأساسيَّة لها والتي تأسَّس عليها الطقس كما نراه اليوم نشأت أصلاً في الأديرة الرهبانيَّة، وبالذات في مصر، وهو ما اصطُلح على تسميته حديثاً بين علماء الليتورجيا بالخدمة الدَّيريَّة Monastic Office.

القرنان الأول والثاني للميلاد

لنبدأ من القرن الأول المسيحي، لنرى كيف كانت الصلوات اليوميَّة في الكنيسة المسيحيَّة في هذا العصر المبكر.

فلدينا شهادتان عن شكل الصلوات اليوميَّة في القرن الأول: الأولى من الديداخي، والثانية من الرسالة الأولى للقدِّيس كليمندس الروماني إلى أهل كورنثوس.

الديداخي

يعتبر الفصل الثامن من كتاب الديداخي أول مصدر واضح عن نظام الصلوات اليوميَّة في الكنيسة الناشئة. فقد أورد نص الصلاة الربانيَّة كما ذكرها القديس متى البشير (متى 9:6- 13) خاتماً إياها بالذُكصا: ”لأن لك القوة والمجد إلى الآباد“. ثم أعقبها بتنبيه يقول: ”هكذا تصلُّون ثلاث مرَّات في اليوم“ (3:8). ويعتبر بعض علماء الليتورجيا أن هذه الصلاة قد حلَّت عن قصد محل ترديد ”الشماع – Shema “ وهي: «اسمع يا إسرائيل الرُّب إلهنا رب واحد … الخ»، والتي كانت تُردد في المجمع اليهودي ثلاث مرَّات في اليوم. وطبقاً لما يقوله العالم أوديه[1] Audet فإن الديداخي هي مؤلَّف أنطاكي يرجع تاريخه إلى ما بين سنة 50ـ70م، فهي بذلك ليست متأخرة كثيراً عن زمن تدوين رسائل القدِّيس بولس الرسول، ومتزامنة تقريباً مع زمن تسجيل الأناجيل الإزائيَّة (القديسون متى ومرقس ولوقا).

رسالة القدِّيس كليمندس الروماني إلى أهل كورنثوس

يعود تاريخ تدوين هذه الرسالة إلى العشر سنوات الأخيرة من القرن الأول الميلادي، فهي أقدم شهادة – بعد الديداخي – عن وجود أوقات محدَّدة لصلوات يومية (1:40:1-4). وإن كانت ساعات الصَّلاة لم تُحدَّد فيها بوضوح، إلاَّ أنها ذكرت في الفصل الأربعين منها، عبارة تكرَّرت غير مرة هي: ”في الأوقات المحدَّدة“. فتقول: ”لنعمل كل شئ بترتيب Taxei في الأوقات المحدَّدة كما أمرنا السيِّد أن نفعل، وهو أمر أن نكمِّل تقديم القرابين Prosphoras، والخدمات الليتورجيَّة Leitourgias ، ليس كيفما اتَّفق، وبأسلوب غير مرتَّب، ولكن في الأوقات المحدَّدة وفي الساعات …“.

والأمر هنا لا يختص بالحضّ على إتبَّاع نظام كنسي يتوازى مع نظام العهد القديم، ولكنه بالحري وصفٌ لما كانت تمارسه الكنيسة فعلاً في ذلك الوقت المبكِّر من تاريخها.

أما الفصل الرابع والعشرون (1:24-3) من نفس هذه الرسالة الأولى فيورد إشارة غير مباشرة عن أوقات محدَّدة للصلاة، في صباح ومساء كل يوم. فضلاً عن أنه أقدم نص مسيحي يشير إلى المعنى الرمزي أو القيمة الرمزيَّة لتحديد أوقات معيَّنة في اليوم للصَّلاة متخذاً من قيامة الرب محوراً رئيسياً للصَّلاة اليوميَّة فيقول: ”دعونا نعتبر أيها الأحباء كيف يُعلن لنا الرَّب دائماً مجئ القيامة … فنحن نرى أيها الأحباء أن القيامة قد تمت طبقاً للوقت (المحدَّد). فالنهار والليل يجعلانا قادرين على رؤية القيامة، ليلٌ يذهب إلى رقاد ليقوم نهار، ونهارٌ يرحل ليتبعه ليل“.

وهو ما سيتكرَّر مرة أخرى عند القدِّيس كبريانوس الشهيد (+ 285م) عن مفهوم النور والقيامة في صلاتي الصباح والمساء.

أما عن القرن الثاني فلا نعرف عنه شيئاً فيما يختص بصلوات السَّواعي في الكنيسة المسيحيَّة. وكل ما نعرفه منذ أواخر هذا القرن جاءنا عن طريق العلامة كليمندس الإسكندري (150-215م) الذي امتدح عادة صلاة المساء. ولكن لا يستطيع أحد أن يحدِّد إن كان يقصد بذلك صلاة فرديَّة خاصة، أو خدمة عامة يوميَّة يجتمع فيها الشَّعب بأكمله في الكنيسة.

القرن الثالث الميلادي[2]

(1) العلاَّمة كليمندس الإسكندري (150ـ215م)

نتعرَّف في بداية القرن الثالث الميلادي على أوقات محدَّدة للصَّلاة في مصر في ساعات الثالثة والسادسة والتاسعة، كما في ساعة الاستيقاظ من النوم، وأيضاً قبل الإيواء إلى الفراش في الليل، وكذلك أثناء الليل.

فيؤكد العلاَّمة كليمندس الإسكندري أن المسيحي الحقيقي ينبغي أن يصلي دائماً. ولكن يتَّضح من كلامه أن هناك ساعات محدَّدة للصلاة استقرت فعلاً كعادة في بعض المناطق، فيقول:

[والآن إن كان البعض يحدِّد ساعات محدَّدة للصَّلاة مثل الثالثة والسادسة والتاسعة، فالغنوسي (الحقيقي)[3] من جهة أخرى يصلّي خلال كل أيام حياته[4]].

وفي موضع آخر يذكر صلاة تُقال عند الاستيقاظ من النوم، وأخرى قبل النوم، وثالثة في غضون الليل، ورابعة قبل وأثناء الأكل[5]. ولكن يبدو أن أوقات الصَّلاة هذه لم تُعط إلاَّ كأمثلة لما هي عليه الصلاة الدائمة التي يمارسها الغنوسيون الحقيقيون أكثر من كونها أوقات صلوات متميزة ومحدَّدة.

ويشهد العلاَّمة كليمندس الإسكندري (150-215م) في كتابه ”المتنوعات“ (6:43:7-7) للعادة المسيحيَّة القديمة في الاتجاه ناحية الشَّرق أثناء الصَّلاة اعتماداً على أن المسيح له المجد هو نور العالم، وشمس البر، وهي ما ترمز إليه الشَّمس عند شروقها من ناحية الشَّرق. ولقد صار الاتجاه للشَّرق في الصَّلاة تقليداً مسيحياً في العالم المسيحي كله بدءًا من القرن الثالث الميلادي. وكانت مصر هي الموطن التي انتقل منه هذا التقليد القديم إلى كل أرجاء الكنيسة الجامعة شرقاً وغرباً.

ويُعتبر العلاَّمة كليمندس الإسكندري أيضاً هو أول شاهد للسِّمة الاسخاتولوجية[6] للصلاة المسيحيَّة في الليل، وهو ما سيصبح الميزة الأساسيَّة لصلوات السَّهَر الليلي Vigils فيما بعد في الكنيسة المسيحيَّة، فيقول في كتابه ”المربي“ (9:2):

[ينبغي أن نستيقظ من نومنا بسهولة لأنه قيل «لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة، وأنتم مثل أناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العرس، حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت، طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين» (لوقا 35:12- 37). لأن الإنسان النائم هو مثل الميت، لذلك ينبغي أن نقوم دائماً في الليل ونبارك الله، لأنه طوبى لأولئك الذين ينتظرونه ساهرين متشبهين بالملائكة الذين ندعوهم ”الساهرين“، لأن الذي ينام لا يستحق شيئاً، إذ أنه كمن لا حياة له، لكن من له نور اليقظة، ولا تغلبه الظلمة، ولا النوم، فليس فيه ظلمة.

فكل من يسعى نحو الله يستنير ويحيا، لأنه «فيه كانت الحياة» (يوحنا 3:1- 5). وكما تقول الحكمة: «طوبى للإنسان الذي يسمع لي حافظاً طرقي، ساهراً كل يوم عند أبوابي، منتظراً عند أبواب دخولي» (أمثال 34:8 سبعينية). «فلا ننم إذاً كالباقين، بل لنسهر ونصح لأن الذين ينامون فبالليل ينامون، والذين يسكرون فبالليل يسكرون (أي ليل الجهل) وأما نحن الذين من نهار فلنصح» (1 تسالونيكي 6:5-8). «لأنكم كلكم أبناء النور وأبناء النهار، لسنا من ليل أو من ظلمة» (1 تسالونيكي 5:5)].

وجدير بالذكر أن كلمة ”الساهرين – Vigils “ هي اصطلاح عام يُطلق على الملائكة لاسيَّما في التقليد السِّرياني. أما عن مفهوم أن الرهبان والراهبات هم الذين يحفظون السَّهر الليلي بينما كل الناس نيام، وهم في ذلك يشبهون الملائكة الذين لا ينامون، ولا تنقطع ألحان تسابيحهم، فهو ما سيصبح مفهوماً شائعاً في الكنيسة في تقليدها المتأخِّر. فالحياة الروحيَّة تصبح حياةً ملائكيَّة ليس فقط بسبب حفظ العفَّة حفظاً مطلقاً، لكن أيضاً بسبب الصَّلوات التي لا تنقطع.

(2) العلاَّمة أوريجانوس (185- 254م)

في مقال للعلاَّمة المصري أوريجانوس عن الصَّلاة، أشار إلى عادة الاتجاه للشَّرق في الصَّلاة، فيقول:

[ننظر حيث يشرق النور الحقيقي (الصلاة: 32)].

وفي الفصل (2:12) من نفس هذا المقال يتحدَّث عن أربعة أوقات للصَّلاة كل يوم، في الصَّباح والظهر والمساء والليل. ونفس هذا المقال هو أوَّل شاهد على استخدام المزمور 140 في صلاة المساء، وهو المزمور الذي صار فيما بعد النواة الأولى لصلاة الغروب في الخدمة الكاتدرائيَّة في كل العالم المسيحي، فيقول:

[من يصلي بلا انقطاع هو من يجمع بين صلاته وأعماله الأساسيَّة، وأنشطته الملائمة مع صلواته، لأن أعماله المستقيمة أو تتميمه للأوامر تؤخذ على اعتبار أنها جزء من صلاته، وبهذا الأسلوب فقط نستطيع أن نعتبر ما قيل «صلوا بلا انقطاع» (1 تسالونيكي 17:5) أنه أمر ممكن إذا استطعنا أن نقول أن كل حياة القدِّيس هي صلاة واحدة متَّصلة، وجزء من هذه الصَّلاة المتَّصلة هو ما يُسمى ”الصَّلاة“ والتي يجب ألاَّ تقل عن ثلاث مرَّات في اليوم.

وهذا واضح مما فعله دانيال الذي حينما داهمه خطر كبير صلّى ثلاث مرَّات في اليوم (دانيال 10:6). وبطرس صعد على السَّطح ليصلي نحو الساعة السادسة، وفي هذا الوقت أيضاً رأى إناءً نازلاً من السماء ممسوكاً بأربعة أطراف (أعمال 9:10، 11) معطياً مثالاً للصَّلاة في منتصف هذه الأوقات الثلاثة التي تكلم داود عنها من قبل «باكراً تسمع صوتي (صلاتي) بالغداة أقف أمامك وتراني» (مزمور 3:5).

والساعة الأخيرة في هذه الثلاث ساعات تتَّضح لنا من الكلمات «ليكن رفع يدىَّ كذبيحة مسائيَّة» (مزمور 2:140). ولكن وقت الليل أيضاً ينبغي ألاَّ يمر دون أن نردِّد مثل هذه الصَّلاة، لأن داود يقول «في نصف الليل نهضت لأسبِّحك على أحكام عدلك» (مزمور 62:118). وكما جاء أيضاً في سفر أعمال الرسل فإن بولس صلى وسبح الله في نصف الليل مع سيلا في فيلبي حتى أن المسجونين سمعوهما (أعمال 25:16)].

وبهذه الثلاث صلوات على مدى اليوم في القرن الثالث في مصر، نرى أنفسنا أمام تأثيرات وعوائد يهوديَّة لازالت تجد لها صدى في الكنيسة المسيحيَّة. فالعلاَّمة أوريجانوس ذكر دانيال، كشاهد على الصلاة ثلاث مرَّات في اليوم. كما أن أوريجانوس أيضاً ومعه كليمندس الإسكندري استشهدا في كتاباتهما بنص أبوكريفي ليهودي هلليني (أي ذي أصل يوناني) فيقول: ”إنه صالح أن تذهب صباحاً وظهراً ومساءً إلى مسكن الرَّب لتمجد خالقك“. وينبغي ألاَّ ننسى أن المسيحيَّة المبكِّرة التي ظهرت في الإسكندريَّة كانت على صلة وثيقة بالجماعات اليهوديَّة الهللينيَّة التي تمركزت في الإسكندريَّة قبل العصيان الذي أبداه اليهود، والمذبحة التي أعقبته في فترة حكم الإمبراطور تراجان (66- 70م). ثم تكرَّر ذات الأمر إبان فترة حكم الإمبراطور هدريان (117- 138م) مما دفع المسيحيين لأن ينفصلوا عن ماضيهم اليهودي.

ومع ذلك، يعتبر العالم الليتورجي الأب برادشو Bradshow أن النموذج Pattern الإسكندري لصلوات السَّواعي في وضعه الأوَّلي أو الأصلي يعرف أربعة أوقات للصلاة في اليوم هي الصباح والظهر والمساء والليل. معتبراً أن هذا هو النموذج الأول للصلوات اليوميَّة، وهو النموذج الذي نتقابل معه في هذه الفترة المبكِّرة. بل إنه نموذج يعود إلى أصل رسولي Apostolic Origin .

وفي ذات الوقت يرفض الأب برادشو التفسير الذي ينسب ما عُرف فيما بعد باسم الصَّلوات الصغرى، وهي ساعات الثالثة والسادسة والتاسعة، إلى المصادر الإسكندريَّة القديمة متمثِّلة في كتابات العلاَّمة كليمندس الإسكندري (150-215م) والعلاَّمة أوريجانوس (185-254م)، ومعهما الديداخي، ويوافقه في ذلك الرأي الأب روبرت تافت Robert Taft ، لكنه يضيف أنه غير متأكِّد ما إذا كان هذا النموذج المصري الأولي يُعتبر حقيقة صلوات سواعي ثابتة على مدى اليوم، أو أنه أسلوب آخر للتعبير عن معنى الصلاة الدائمة مثل قولنا: ”صلوا دائماً الصبح والظهر والليل“ أي في كل وقت[7].

وهنا نؤكد مرة أخرى على قول الأب برادشو، أن أصل صلوات الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة ليس إسكندرياً، وهو ما سيتكرَّر الحديث عنه فيما بعد.

(3) العلامة ترتليان (160- 225م)

يعرف العلاَّمة ترتليان أيضاً عادة الاتجاه للشَّرق في الصلاة[8]، كما ذكر بعض الملاحظات الأخرى rubrics مثل: متى تقف ومتى تركع[9]؟. وهذا يُظهر نمواً أو تطوراً في تقنين الصلاة المسيحيَّة.

أما ما يهمنا في دراستنا فهو ما نجده في كتابات ترتليان كأول وصف لنظام الصَّلوات اليوميَّة، وهو ما سيصبح في نهاية القرن الرابع الميلادي النظام التقليدي للصلوات المسيحيَّة اليوميَّة: صلاة إلزاميَّة في بداية اليوم، وأخرى في نهايته، مع صلوات موصى بها في الثالثة والسادسة والتاسعة والليل. فالفصل الـ 25 من مقاله ”عن الصَّلاة“ والذي كتبه بين سنة 198- 204م، يشرح هذه الصلوات اليومية هكذا:

[بخصوص وقت الصلاة فإن النظرة السطحيَّة لساعات محدَّدة للصَّلاة تصبح غير ذات فائدة. وأنا أقصد الساعات العادية التي تحدِّد فترات اليوم، الثالثة والسادسة والتاسعة، والتي هي بحسب الكتب المقدَّسة ذات تقديس أكثر.

ففي الساعة الثالثة، حلَّ الروح القدس أولاً على التلاميذ المجتمعين (أعمال 15:2). وبطرس في اليوم الذي رأى فيه كل ما جمعه هذا الوعاء الصغير كان قد صعد على السطح ليصلي في الساعة السادسة (أعمال 9:10). ونفس الشئ (أي طلب الصلاة) حدث في الهيكل مع يوحنا في الساعة التاسعة عندما شفى المقعد (أعمال 1:3).

وبالرغم من أن هذه الساعات وُجدت ببساطة دون أي حض من الكتب المقدَّسة على التمثُّل بها، إلاَّ أنه يبقى من المفيد – اقتداءً بها – أن نؤكِّد الإنذار بالصلاة مجتذبين أنفسنا بعيداً عن اهتماماتنا لنكمل هذا الواجب كما كان قد وُضع لنا بقانون. فنصلي على الأقل ثلاث مرَّات في اليوم كما فعل دانيال طبقاً لشريعته الإسرائيليَّة. وبالطبع فإن هذا هو أيضاً بالإضافة إلى السَّاعات الإلزاميَّة الثابتة التي استقرَّت في بداية اليوم، وبداية الليل].

وشرح ترتليان أيضاً ما يجب على المسيحيين أن يقدِّموه من صلوات في غير هذه الأوقات، إذ يجب أن يصلوا قبل الأكل وقبل الذهاب إلى الحمَّام، وعندما يكونون مع ضيوفهم (فصل 26)، وأوضح أن ترتيل المزامير هو جانب عادي لصلوات المسيحيين هذه (فصل 27) فيقول:

[والأكثر مثابرة في الصَّلاة اعتاد أن يضيف على الصلوات المرد ”هلليلويا“ إضافة إلى المزامير التي تنتهي بهذا المرد[10] ليرد به المجتمعون معاً في نهاية المزمور … الخ].

وفي موضع آخر يذكر ترتليان أيضاً عادة الاستيقاظ للصَّلاة في الليل[11]، وأشار أيضًا إلى اجتماعات ليلية للصلاة[12]. وكتب نحو سنة 197م[13]، ما يُعتبر وثيقة عن عشاء الأغابي[14] مع إشارة عابرة عن إيقاد مصابيح المساء، وهو ما عُرف فيما بعد بـ ”طقس إيقاد المصابيح“ في صلاة الغروب الكاتدرائية، فيقول:

[وبعد غسل الأيدي يُشار إلى واحد بالوقوف في الوسط ويرتِّل لحناً لله من الكتب المقدَّسة، أو من تأليفه الخاص … ونختم الاحتفال أيضاً بصلاة].

ولم يشرح لنا العلاَّمة ترتليان لماذا جعل من صلاتي الصباح والمساء صلوات قانونيَّة إلزامية، بينما في باقي أوقات الصلاة نجدها عنده غير إلزاميَّة، إلاَّ أننا نستطيع أن نتبيَّن ذلك من تتبعنا لما قدَّمه من شرح يفسر ذبيحتى الصباح والمساء في الهيكل كما جاءت في سفر الخروج[15].

ولقد نهج كل من القديس يوحنا ذهبي الفم (347-407م)، ويوحنا كاسيان نفس الأسلوب في تفسير صلاتي الصباح والمساء طبقاً لشريعة العهد القديم.

[1] J. P. Audet, La Didaché, Instructions des Apôtres (Etudes bibliques), Paris, 1958, p. 219.

[2] Robert Taft, S. J., The Liturgy of the Hours in East and West, U.S.A., 1986, p. 14ff.

[3] الغنوسي هنا معناها الإنسان الروحي، أو المجاهد الذي يسعى من أجل التعرّف على الله، وليس الغنوسي كهرطوقي.

[4] Stromata VII, 7, 40: 3 وهو كتاب ”المتنوعات“ أحد أشهر كتبه.

[5] Pedagogue II, 9-10 & Stromata VII, 7, 49: 3-4 وهو كتاب ”المربي“.

[6] أي السِّمة التي تأخذ من انتظار المجئ الثاني للرب، محوراً لصلاة السهر الليلي.

[7] Robert Taft, op. cit., p. 17.

[8] Apology 16, Ad nations 1: 13.

[9] On Prayer 23 ; On Fasting 14.

[10] يعني بذلك المزامير ذات المرد الختامي ”هلليلويا“ كمثال لذلك المزامير 110، 118، 145- 150. (في السبعينية).

[11] To his Wife (ca, 203) II, 5: 2 & Apology 39: 18

[12] Ibid., ii, 4: 2

[13] Ibid., Apology 39: 18.

[14] يقول ترتليان في دفاعه (Apologeticum: 39) [ينبغي على المسيحيين أن يأكلوا باعتدال في مائدة الأغابي حتى لا تكون صلاة الليل بمعاناة]. مما يتَّضح معه أن الاستيقاظ من النوم للصلاة في نصف الليل عادة يمارسها أي مسيحي.

[15] خروج 38:29- 41، 7:30- 8، عدد 3:28- 8.

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولي (1)

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولى (2)

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولى (2)

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولى (2)

صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولى (2)

إقرأ أيضاً: صلوات السواعي في الثلاثة قرون الأولي (1)

(4) القديس كبريانوس الشهيد (+ 285م)

في مقالة القديس كبريانوس عن ”الصلاة الربانيَّة“ (الفصول 34- 36)، كُتِبَ حوالي سنة 250ميلادية، يؤكِّد شهادة ترتليان بخصوص نظام الصلاة في كنيسة شمال أفريقيا في القرن الثالث الميلادي:

[والآن ففي الاحتفال بالصَّلاة نجد أن الثلاثة فتية مع دانيال، هؤلاء الأقوياء في الإيمان والمنتصرين في الأسرار كانوا يراعون الصَّلاة في أوقات الثالثة والسادسة والتاسعة([1]) رمزاً لسر الثالوث … وإذ قد تحدَّدت هذه السَّاعات بمفهوم روحي منذ زمن بعيد فقد مارسها الأتقياء عابدو الرب كساعات أساسيَّة وإلزاميَّة. فالروح القدس حلَّ على التلاميذ في الساعة الثالثة (أعمال 15:2) … وكذلك بطرس صعد إلى السطح في الساعة السادسة، وتعلَّم برؤيا وسمع أيضاً صوت الله (أعمال9:10) … والرَّب أيضاً صُلب من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة …

ولكن لنا نحن أيها الإخوة الأحباء قد زيدت أوقات الصَّلاة فيما بين ساعات الصَّلاة التي روعيت في القديم، وكذلك الأسرار. فالإنسان يجب أن يصلي في الصَّباح لأن قيامة الرب ينبغي أن يُحتفل بها في صلاة الصباح… وكذلك عندما تغيب الشَّمس ويميل النهار يجب أن نصلي…

ونحن الذين في المسيح دائماً أي في النور لا نوقف عمل الصَّلاة حتى في الليل، هذا هو معنى ما كانت تفعله حنة التي كانت دائماً تصلي وتحفظ سهر الليل…].

وهكذا استخدم القديس كبريانوس – مثلما فعل العلاَّمة ترتليان – ما مارسه دانيال النبي، مع نصوص أخرى من العهد القديم، بالإضافة إلى النصوص التقليديَّة في سفر الأعمال، ليثبت عادة الصَّلاة في السَّاعات الثالثة والسادسة والتاسعة تشبّهاً بالثالوث.

أما في السَّاعتين السَّادسة والتاسعة على وجه الخصوص فقد أضاف لمعناهما آلام السيِّد المسيح، وهو ما ذكره أيضاً ترتليان، ولكن بطريقة غير مباشرة في الفصل العاشر في مقاله عن الصوم.

إن المفهوم الأهم هو الشعور الداخلي العميق لمعنى النور والقيامة في صلاتي الصباح والمساء. ففي كنيسة شمال أفريقيا في بداية القرن الثالث لم يكن هناك سهر ليلي Vigil أو صلاة ليليَّة Nocturn فيما عدا ليلة عيد الفصح.

ولكن عندما يأتي منتصف القرن الثالث الميلادي تقابلنا أول إشارة عن خدمة ليليَّة جماعيَّة. فالقديس كبريانوس يشير في الفصل 29 في مقالة له بعنوان ” Dominica Oratione “ إلى الصَّلاة الليليَّة، ويتَّضح من الفصل 36 أنها صلاة مشتركة يصليها المؤمنون معاً في الكنيسة.

ونقرأ في القصة التي كتبها الشمَّاس بونتيوس Pontius عن استشهاد القدِّيس كبريانوس، أن مؤمني قرطاجنة اجتمعوا معاً طوال الليل في الليلة التي سبقت تذكار يوم استشهاده ليحتفلوا معاً بعيد استشهاد أسقفهم. ولم تصبح الخدمة الليليَّة خدمة كنسيَّة ثابتة في كل الشَّرق إلاَّ في غضون القرن السَّادس، لأن القديس يوحنا ذهبي الفم (347- 407م) كان يحث الشعب على المجئ إلى الكنيسة للاشتراك في صلاة الليل فقوبل بمعارضة من الإكليروس في ذلك الأمر.

ولكن في سنة 528م أصدر الإمبراطور جستنيان الأول قراراً يُلزم كل الإكليروس في الشَّرق بإدخال خدمة صلاة الليل إلى جانب خدمتي الصباح والمساء، وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك سهر ليلي في الكنائس في الشَّرق قبل ذلك الوقت، لكنه كان سهر غير يومي قاصر على الاحتفال بالأعياد الكبرى وأعياد الشهداء والقدِّيسين.

أما في كنيسة مصر، فتُظهر لنا بعض المصادر المصريَّة المبكِّرة – ولاسيَّما عند العلاَّمة أوريجانوس المصري – وجود أربعة أوقات للصَّلاة في الصباح والظهر والمساء والليل. في حين أن مصادر شمال أفريقيا تشير إلى ساعات صلاة في الصباح والثالثة والسادسة والتاسعة والأغابي والمساء والليل. ويضيف التقليد الرسولي إلى تقليد شمال أفريقيا ساعة صلاة أخرى تكون عند صياح الديك.

ويمكننا أن نوجز ما ذكرناه في أنه باستثناء السَّهر الليلي الذي أشار إليه العلاَّمة ترتليان في بعض المناسبات، فإن ساعتي الصَّلاة التي كان يجتمع فيهما المسيحيون بانتظام على مدار أيام الأسبوع كانتا صلاة الصَّباح وما يصاحبها من تعليم في الكتب المقدَّسة، وصلاة المساء وما يصاحبها من أغابي أو عشاء محبة.

 

(5) التقليد الرسولي (كُتب قبل سنة 235م)

يُعتبر كتاب ”التقليد الرسولي“ أهم مصدر ليتورجي في القرن الثالث الميلادي، كتبه هيبوليتس حوالي سنة 215م. ويعالج الفصل (1:31، 2) والفصل (1:35- 14) موضوع الصلاة عند الاستيقاظ من النوم، وتعليم الموعوظين في الصباح الباكر في الكنيسة.

فعن الصلاة عند الاستيقاظ من النوم نقرأ في التَّقليد الرسولي:

”عندما يستيقظ المؤمنون وينهضون، فمن قبل أن يشتغلوا بأي عمل يغسلون أيديهم ويصلّون للرب، وبعد ذلك يلتفتون لأعمالهم“ (1:31).

وفي الفصل (1:35) يقول أيضاً:

”كل مؤمن ومؤمنة حين قيامهم من النوم باكراً، من قبل أن يباشروا أي عمل، فليغسلوا أيديهم ويصلّوا لله، وهكذا يمضون إلى أعمالهم“.

ثم يتحدَّث التقليد الرسولي بعد ذلك في الفصل (1:36- 14) عن ساعات الصلاة الأخرى على مدى اليوم فيقول:

”1- وإذا كنتَ في بيتك، فصلِّ في الساعة الثالثة وسبِّح الله. وإن كنت في موضع آخر ويحضر ذلك الوقت، فصلِّ في قلبك إلى الله.

2- لأن في تلك الساعة نُظِر المسيح وهو يسمَّر على الخشبة. ولأجل هذا، ففي العتيقة يأمر الناموس أن يُقدَّم خبز التَّقدمة دائماً في الساعة الثالثة مثالاً لجسد ودم المسيح. وذُبِحَ الخروف الصامت الذي هو مثال الخروف الكامل، لأن المسيح هو الراعي، وهو أيضاً الخبز الذي نزل من السماء.

3- صلِّ أيضاً كذلك في السَّاعة السَّادسة، لأنه في تلك السَّاعة لماَّ عُلِّق المسيح على خشبة الصليب، انقسم ذلك اليوم، وحدثت ظلمة عظيمة. فليصلَّ إذاً في تلك الساعة صلاة قوية، متشبهين فيها بصوت من صلّى، وصيّر كل الخليقة مظلمة لليهود غير المؤمنين.

4- ليصنعوا أيضاً صلاة عظيمة وتسبحة عظيمة في السَّاعة التاسعة، لتعرف أنت أن نفوس الأبرار يباركون الرب الإله الحق، هذا الذي ذَكَرَ قديسيه، وأرسل لهم ابنه الذي هو كلمته لينير عليهم.

5- لأنه في تلك الساعة طُعن المسيح في جنبه بحربة، فخرج دم وماء. وأنار بقية ذلك اليوم إلى المساء. لأجل هذا عندما بدأ أن ينام، ابتدأ يوم آخر، فأعطى بذلك مثال القيامة.

6- صلّ أيضاً قبل أن تريح  جسدك بمضجعك.

7- وفي نصف الليل انهض، اغسل يديك بماء، وصلِّ وإن كانت لك زوجة فصلّيا معاً.

8- وإن كانت لم تصر بعد مؤمنة، فانفرد وصلِّ وحدك، وارجع إلى موضعك مرة أخرى.

9- أنت المرتبط بالزيجة لا تكسل عن الصلاة، فإنكما لستما نجسيَن. لأن الذين قد اصطبغوا، لا يحتاجون أن يستحمّوا مرة أخرى لأنهم أطهار.

10- فإذا نفخت في يديك وترشم ذاتك باللّعاب الذي يخرج من فمك، فإنك تكون كلك طاهراً إلى رجليك، لأن هذه هي عطيَّة الروح القدس. وقطرات ماء المعموديَّة التي تصعد من الينبوع الذي هو قلب المؤمن تطهِّر الذي يؤمن.

11- فمن الضروري أن يُصلىَّ في تلك السَّاعة، لأن الشيوخ الذين سلَّموا إلينا التقليد، علَّمونا هكذا: إنه في تلك السَّاعة، كل خليقة تهدأ لتسبِّح الرب، النجوم والكواكب تقف، والمياه تقف في تلك اللحظة، كل قوات الملائكة تخدم الله وتسبحه مع نفوس الأبرار.

12- فلأجل هذا يجب على المؤمنين أن يصلّوا في تلك السَّاعة. وللشهادة على هذا، أن الرَّب أيضاً قال: هوذا صراخ صار في نصف الليل، ها هوذا العريس قد جاء، اخرجوا للقائه. وكرر قائلاً: احترزوا إذاً لأنكم لا تعرفون في أية ساعة يأتي ابن الإنسان.

13- وإذا صاح الديك، قم وصلِّ كذلك، لأنه في تلك الساعة عند صياح الديك، جحد أولاد إسرائيل المسيح، هذا الذي قد عرفناه نحن بالإيمان، مترقبين يومياً على رجاء؛ ظهور النور الأبدي  في قيامة الموتى.

14- كل هذا، إذا فعلتموه يا كل المؤمنين وتذكرتموه، وعلّمتموه لبعضكم البعض، وتعلِّمون الموعوظين أن يفعلوه، فإنكم لا تُجرّبون، ولا تسقطون أبداً إذ تذكرون المسيح كل حين “.

يتَّضح من نص ”التقليد الرسولي“ السابق ذكره مباشرة، أن صلوات السواعي اليومية تحوي سبع ساعات هي:

– عند الاستيقاظ.

– الثالثة والسادسة والتاسعة.

– قبل الإيواء إلى الفراش.

– في منتصف الليل.

– عند صياح الديك.

وجدير بالملاحظة أنه إذا كانت الترجمة القبطيَّة الصعيديَّة للتَّقليد الرسولي هي التَّرجمة التي نقلت مباشرة عن النص اليوناني الذي يعود إلى القرن الثالث الميلادي، فإنها تُعتبر بذلك أقدم مصدر لدينا يشرح صلوات السواعي طبقاً لرواية الآلام التي ذكرها القديس مرقس البشير Markan passion account وهذا يُظهر لنا كيف حاز كتاب ”التقليد الرسولي“ مكانة رفيعة في كنيسة مصر حتى تسمى باسم ”الترتيب الكنسي المصري“. في حين أننا نجد في أقدم ترجمة لاتينيَّة للتقليد الرسولي في وثائق مكتبة فيرونا Verona أن السَّاعة التاسعة تُفسَّر على أنها ساعة موت يسوع، وهي في ذلك لا تعتمد على تسلسل الأحداث كما ذكرها القدِّيس مرقس البشير([2])، حيث تكون بذلك قد أغفلت ما صاحب ساعتي الثالثة والسادسة من آلام. إلاَّ أن النص اللاتيني يحوي تفسيراً فصحياً لساعتي المساء والصباح، فغروب الشَّمس وشروقها تمثل موت الرَّب يسوع وقيامته. وساعات الليل تحوي نظرة اسخاتولوجية (أخروية) في انتظار المجئ الثاني وقيامة الأموات.

من كل ما سبق نخلص إلى أن صلوات السَّواعي في مصر بحسب الطقس القديم جداً هي: الصباح والظهر والمساء والليل، ولكنها عند العلاَّمة ترتليان كما في كتاب التقليد الرسولي هي: الصباح والثالثة والسادسة والتاسعة والمساء والليل. أي أن صلاة الظهر في الطَّقس المصري المبكِّر قد أصبحت هي صلوات الثالثة والسادسة والتاسعة.

بالإضافة إلى ظهور بداية تقليد الاجتماعات العامة في الكنيسة في الصَّباح لتعليم الموعوظين وفي المساء لإقامة الأغابي.

 

فعن الاجتماعات العامة في الصباح للتعليم

نقرأ في الفصل (2:31) من كتاب التَّقليد الرسولي:

”وإن كان ثَمَّ كلام وعظ فليختاروه لهم، ويمضوا يسمعون كلام الله الذي يثبّت النفس، ويسرعون بالذهاب إلى الكنيسة الموضع الذي فيه يزهر الروح“.

وفي الفصل (2:35- 4) نقرأ:

”2- لكن إن كان هناك تعليم عن كلمة الله، فليختر كل واحد لنفسه أن يمضي إليه، حاسباً هذا في قلبه، أن الذي يسمعه هو الله يتكلَّم بفم الذي يعلِّم.  لأنه بعد أن يصلّي في الكنيسة يكون قادراً أن يبتعد  عن كل شرور ذلك اليوم. ليحسب التقي أنها خسارة عظيمة إذا لم يمض إلى الموضع الذي يعلّمون فيه، ولاسيما إن كان يعرف أن يقرأ.

3-  إذا جاء المعلِّم، فلا يتأخر واحد منكم عن المضيِّ إلى الكنيسة، الموضع الذي فيه التعليم، حينئذ سيعطىَ المتكلم أن يقول ما هو ربح لكل واحد، وتسمع ما لم تكن تظنه، وتربح بما يعطيه لك الروح القدس بواسطة الذي يعلِّم. وهكذا يكون إيمانك ثابتاً بما تسمعه، ويُقال لك أيضاً هناك ما يجب عليك أن تفعله في بيتك. لأجل هذا فليسرع كل واحد في الذهاب إلى الكنيسة، الموضع الذي يفيض فيه الروح.

4- وإن كان يوماً ليس فيه تعليم، فليأخذ كل واحد كتاباً مقدساً في بيته، ويقرأ فيه كفاف ما يظن أنه نافع له“.

وواضح هنا أن اجتماع الصَّباح هو اجتماع تعليمي وليس خدمة صلاة باكر matin.

أما عن إقامة الأغابي في المساء

فيشير إليها التقليد الرسولي (الترتيب الكنسي المصري) في الفصلين (25، 26) حيث كانت تحوي طقس إيقاد سراج المساء. وهو ما أشار إليه العلاَّمة ترتليان إشارة بعيدة حينما ألمح إلى صلاة  تقال لتبريك مصباح المساء([3]). فطقس إقامة الأغابي هو طقس شرقي قديم غاب في التقليد الغربي. فالفصل الخامس والعشرون لا وجود له في الوثائق اللاتينية Verona Latin fragments لكتاب ”التقليد الرسولي“، في حين أنه وُجد في التَّرجمة الإثيوبية له، وهي التَّرجمة التي اعتمدت على ترجمة عربيَّة سابقة لها تعود إلى حوالي سنة 1295م. مما يوضِّح أن تقليد إقامة الأغابي في المساء هو تقليد قديم ظل معمولاً به في كنيسة مصر قرون طويلة.

فعن هذه الأغابي يقول الفصل (3:35، 4) من التقليد الرسولي:

”3- لأنه يحدث أن واحداً يريد أن يُحضر تقدمة إلى الكنيسة ولا يقدر الأسقف أن يرفض، فإذا كسر الخبز فإنه يذوق منه في كل مرة، ويأكل مع المؤمنين الآخرين الذين معه.

4- ويتناولون من يد الأسقف جزءًا من الخبز من قبل أن يكسر كل واحد الذي قدَّامه، لأن هذا هو خبز بركة وليس إفخارستيَّا مثال جسد الرب“.

ويشرح الفصل السادس والعشرون من كتاب ”التَّقليد الرسولي“ نظام هذه الأغابي المسائيَّة، وآداب حضورها، وكيفية تتميمها بوقار وتأدب، وتوزيع الأنصبة على الفقراء والأرامل … الخ. ثم يتحدَّث نفس الفصل (16:26- 32) عن طقس إيقاد سراج المساء بحضور الأسقف فيقول في ذلك:

”16- عندما يأتي المساء، يكون الأسقف هناك، وليحضر الشماس السراج.

17- ويقف الأسقف في وسط المؤمنين، وقبل أن يشكر يقول: الرب معكم.

18- ويقول الشعب أيضاً: ومع روحك.

19- ويقول الأسقف: فلنشكر الرب.

20- ويقول الشعب: مستحق ومستوجب، له العظمة والرفعة مع المجد.

21- وهو لا يقول: ارفعوا قلوبكم، لأنها تقال في القربان.

22- ويصلي هكذا قائلاً: نشكرك يا الله بابنك يسوع المسيح ربنا، لأنك أنرتنا بإظهار النور الذي لا يفنى.

23- قد أنهينا طول النهار وأتينا إلى بداية الليل. وقد شبعنا بنور النهار الذي خلقته لمرضاتنا. والآن إذ نحن لا نفتقر بنعمتك نوراً مسائياً، نقدسك ونمجدك.

24- بابنك الوحيد ربنا يسوع المسيح، الذي به لك معه المجد والقدرة والكرامة مع الروح القدس، الآن وكل أوان وإلى أبد الدهور.

25- ويقولون كلهم: آمين.

26- وعندما ينهضون بعد العشاء، يصلي الأطفال والعذارى، ويرتلون المزامير.

27- وبعد ذلك يمسك الشماس كأس التقدمة الممزوج، ويقول مزموراً من مزامير التهليل.

28- وبعد ذلك يقول القسيس واحداً من مثل هذه المزامير. ثم يقدم الأسقف الكأس ويقول مزمور هلليلويا مناسباً للكأس.

29- وعندما يرتل المزامير، يقولون كلهم: هلليلويا أى نسبح الله العلي نمجد ونسبِّح ذاك الذي أسَّس العالم بكلمة واحدة.

30- وهكذا عندما يكتمل المزمور يشكر الأسقف على الخبز، ويعطي منه كسرة لجميع المؤمنين“.

 

الخلاصة

نخلص إلى أن وثائق الثلاثة قرون الأولى للمسيحيَّة متباينة فيما بينها فيما يختص بصلوات السَّواعي، مما يجعل من الصعب محاولة التوفيق بينها، ووضعها كلها تحت نظام واحد. فعند المصريين نجد النظام الرباعي لصلوات السَّواعي، في الصباح والظهر والمساء والليل، وهو النظام الوثيق الصلة بالتقليد اليهودي، وممارسة الأسينيين. بالإضافة إلى أن المصادر المصريَّة تشير أيضاً إلى صلاة تُقال قبل الأكل، وتركِّز عموماً على ضرورة الصلاة الدائمة، حتى يمكننا القول أن أوقات الصلوات التي ذُكرت ربما كانت طريقة أخرى للتعبير عن هذه الصلاة الدائمة كقول العامة من المسيحيين أن نصلي الصبح والظهر والليل، أو بمعنى آخر أن نصلي دائماً.

أما في شمال أفريقيا، وكذلك في ”التقليد الرسولي“ الذي نال مكانة واضحة بين المصريين، نجد أنفسنا قريبين لساعات متتابعة مكتملة صارت فيما بعد هي ممارسة القرن الرابع الميلادي.

ويمكننا هنا أن نجمل النظام اليومي للصلاة في الكنيسة في القرن الثالث الميلادي على النحو التالي:

– صلاة بعد الاستيقاظ من النوم مباشرة.

– تعليم صباحي في الكنيسة من الكتب المقدَّسة.

– صلوات الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة.

– أغابي مسائيَّة.

– صلاة قبل الإيواء إلى الفراش للنوم.

– صلاة في منتصف الليل.

– صلاة عند صياح الديك.

ولا يوجد مصدر واحد يقدِّم لنا فقط صلاتي الصباح والمساء كساعات للصلاة في الكنيسة في عصرها المبكر، ولذلك لا ينبغي الاهتمام كثيراً بتسمية ترتليان لها ”ساعات إلزامية – Legitimae “.

فما هي إذاً محتويات هذه الصلوات؟ ومن أي نوع هي؟ وما هو شكلها وبنيتها؟ وما هي عناصرها؟ وماذا كانوا يفعلون في اجتماعات الصلاة؟ الواقع أننا لا نعرف الإجابة على هذه التساؤلات على وجه الدِّقة، ولكن التاريخ لا يبخل علينا ببعض الإشارات.

فيوسابيوس القيصري (260- 340م) في مؤلفه ”تاريخ الكنيسة (10:30:7)“ يحكي لنا عن المشاكل التي نشأت في الكنيسة في القرن الثالث الميلادي بسبب تأليف الهراطقة لألحان شعبية. ونحن نعلم أن هذا الأمر قد أثار رد فعل مقابل عند المؤمنين فقاموا بتأليف ألحان خاصة ليست كتابية أو مختصة بالمزامير، وذلك لأنه من المعروف أنه في خلال القرنين الثاني والثالث للميلاد كانت الألحان مستخدمة في الليتورجيا على نطاق واسع، ولكن كألحان مرتبطة بترتيل المزامير الكتابية والتسابيح الكتابية فقط.

وترتليان يخبرنا أن الصلوات المسيحيَّة اليوميَّة كانت تُرتل إما على انفراد أو في شركة مع الآخرين، وكانت تُستخدم فيها ألحان ومزامير كتابيَّة.

وكتاب ”التقليد الرسولي“ يوضِّح بالاتفاق مع العلاَّمة ترتليان أن المزامير كانت تُرتل أحياناً بطريقة الأداء الفردي مع المرد الجماعي responsorially . هذا بالإضافة إلى وصفهما للأغابي المسائيَّة التي حوت طقس إيقاد سراج المساء، وكانت تُرتل فيها الأبصلموديَّة (أي المزامير) إلى جانب مجموعة صلوات أخرى. أما الصَّلاة الصباحيَّة في الكنيسة كما أوردها التقليد الرسولي فهي من أجل دراسة الكتب المقدَّسة والتعليم.

هذا هو ما صار فيما بعد شرحاً مسيحياً لأسلوب ونظام الصلوات ومعناها العقيدي أو الإيماني، على الأقل في الاستخدام الكاتدرائي. فخدمة المساء والصباح كرقاد ونهوض تذكِّر الكنيسة بقيامة يسوع وعبوره من الموت إلى الحياة، وممارسة الاتجاه للشرق في الصلاة حسب شهادة العلاَّمة كليمندس الإسكندري (150- 215م)، والعلاَّمة أوريجانوس المصري (185- 254م) والعلاَّمة ترتليان (160- 225م)، كانت أيضاً رمزاً للمسيح شمس البر ونور العالم، جنباً إلى جنب مع انتظار المجئ الثاني للرب، لأنه كما أن النور يأتي من الشَّرق ويضئ إلى أقصى الغرب هكذا يكون مجئ ابن الإنسان (متى 27:24). ونور سراج المساء في صلاة المساء يرمز إلى المسيح نور العالم، وصلوات السَّواعي هي تذكار لآلام الرب حسب رواية البشير القديس مرقس.

أما صلاة الليل فهي ذات سمة اسخاتولوجيَّة كسهر العذارى انتظاراً لقدوم العريس، وتسبيح الملائكة الذي لا ينقطع، والذي سيكون نصيبنا نحن أيضاً.

والسؤال الآن: هل كان المسيحيون يمارسون هذه الصلوات على إنفراد أم في اجتماعات عامة أو شئ بين الاثنين؟ لا نستطيع الإجابة بوضوح، لاسيَّما في هذه الفترة المبكِّرة من تاريخ الكنيسة، ولكننا نعلم أن المسيحيين كانوا يصلون، وكانوا يهتمون بالصلاة، لا في شكلها ولكن في جوهرها، وما كانت تعنيه. أما العمل الجماعي فهو الأغابي أو وليمة المحبة التي كانت تعقب الإفخارستيَّا. إذاً فالإفخارستيَّا والأغابي هما العملان الجماعيَّان الأساسيان والواضحان في حياة الكنيسة الأولى([4]).

[1] إن تقسيم ساعات النهار إلى اثنتي عشرة ساعة هو تقسيم مألوف، كما نقرأ عنه في الأناجيل المقدسة في مثل الفعلة والكرم (متى 3:20- 5)، وكذلك في النصوص الآبائية. وإن تقسيم الليل إلى أربعة أهزعة نظام يعرفه العالم القديم (انظر: مرقس 48:6، 35:13).

فمن الطبيعي أن تُقسَّم ساعات النهار الاثنتي عشرة إلى ثلاثة أوقات هي الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة لينقسم اليوم إلى أربعة أقسام، ويقول دوجمور Dugmore إن هذه السَّاعات أصبحت هي ساعات الصَّلاة في المسيحيَّة ببساطة، لأنها تقسيم عادي للنهار استُخدم كتذكار دائم للوصية التي تدعونا أن نصلي كل حين صباحاً وظهراً ومساءً كما نقول في أحاديثنا العادية حتى اليوم.

 Cf. Dugmore, The Influence of the Synagogue, p. 66.

[2] انظر أيضاً: متى 45:27- 46، لوقا 44:23.

[3] In his Apology 39.

[4] Robert Taft, op. cit., p. 24- 29

حياة الروح من صلوات الاباء – الانبا مينا مطران جرجا

حياة الروح من صلوات الاباء – الانبا مينا مطران جرجا

حياة الروح من صلوات الاباء – الانبا مينا مطران جرجا

 

 

حياة الروح من صلوات الاباء

نسخ الانبا مينا مطران جرجا المتنيح

للتحميل اضغط هنا

حياة الروح من صلوات الاباء – الانبا مينا مطران جرجا

Exit mobile version