الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4
الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4
فرضّت الظروف على المسيحيّين في القرنين الثاني والثالث أن يواجهوا حربًا على جبهتين، فقد كانت تواجه الدولة الرومانيّة التي أعدت جيوشها، وشحذّ فلاسفتها أقلامهم لمُحاربة المسيحيّة، ومن جهة أُخرى، كانت تُواجه اليهوديّة التي تغلغلت تعاليمها إلى بعض المسيحيّين الأوائل. وبين هذا وذاك، كانت الكنيسة تُجاهد للحفاظ على نقاوة وطهارة عقيدتها.
فالداخليّن الجُدّد إلى الإيمان المسيحيّ كانوا أمّا من خلفية يهوديّة، أو من بيئة فلسفيّة تنجذب للفكر أكثر من الإيمان. وجاء هؤلاء وأولئك مُحملين بأفكار قديمة، ترسخت معهم، ولم يستطيعوا التخلي عنها بسهولة حين دخلوا المسيحيّة. فحاول الفريق الأوّل أن يرتدّ بالمسيحيّة من النعمة إلى الناموسيّة، وهم الأبيونيون أو المتهودون. وحاول الفريق الآخر تحويل المسيحيّة إلى ديانة أفلاطونيّة بحتة، مثل الغنوصيّون بفرقهم المُختلفة.[1]
فكان لزامًا أن يظهر داخل الكنيسة، إنتاج أدبي من نوع جديد، وهو كتابات المُدافعون Apologists، وقد حاول هؤلاء المدافعين دفع التهم عن المسيحيّة، وفي نفس الوقت، ربح الحكومة والاِمبراطوريّة إلى جانب المسيحيّة، ودفع الأفكار الخاطئة التي كانت تُشاع عن المسيحيّين.
من هذه الاتهامات التي سجلها لنا التاريخ غير المسيحيّ، ما كتبه سويتونيوس المؤرخ الوثنيّ، واصفًا المسيحيّة بأنها:
”خرافة جديدة، سحرية ومؤذية، تُعلنها جماعة من الناس يدعون مسيحيّين“.[2]
فوصفها بالخرافة يعني أنها تشوّه الديانة الرومانيّة الرسمية، وتُعرّضها للخطر. بينما وصفها بالـ ”جديدة“ يعني أنها تُهدّد استقرار الدولة ونظامها.
صفات مُشابهة نجدها عند المؤرخ الرومانيّ الشهير ”تاسيتوس“، حيث يصف المسيحيّة هُنا كالتالي:
”بعد أن قُمِعت تلك الخرافة المشؤومة في مهدها، على يد الإمبراطور طيبآريوس، عادت فظهرت، لا في اليهوديّة وحسب، حيث نشأ الشر، بل في روما أيضًا، إلى حيث يفد كلّ ما هو قبيح ومُشين في العالم، ويجد اتباع كثيرين“.[3]
كما وُصِفت بالـ”ديانة ذات الطقوس الغامضة“، وذلك بسبب سرّيّة التعاليم المسيحيّة في مهدها، خوفًا من الاضطهاد من جهة، ومن جهة أُخرى حفاظًا على قدّسية التعاليم. جاء هذا الوصف في الأحكام الشرعية ليوليوس باولوس، كالتالي:
”هؤلاء من يُنادون بأديان جديدة، تُعلن طقوسًا غامضة وعادات غريبة، تشوش على عقول الناس، إن كانوا من أصحاب الطبقات العُليّا سوف يتمّ نفيهم، وإن كانوا من الطبقات الدُنيا، سوف يُعاقبون بالإعدام“.[4]
من الأمثلة الصارخة على التعنت والأحكام الجائرة ضد المسيحيّين، نجد في واحدة من رسائل بيليني، نجده يكتب:
”هذه هيَ القاعدة التي اتّبعتها في مُعاملة أولئك الذين أحيلوا على لأنهم مسيحيّون. لقد سألتهم إن كانوا مسيحيّين، والذين اعترفوا بذلك، سألتهم ثانية وثالثة مُهدّدًا إياهم بالتعذيب. والذين أصرّوا على جوابهم أعدمتهم. فأيًا كان معنى اعترافهم، كنت مُقتنعًا بأنه لابد من أن أُعاقب –على الأقل- ذلك العنادو التعنت. وهُناك آخرون مِن مَن يتمتعون بالمواطنية الرومانيّة، يتملكهم الجنون نفسه، فكتبت في حقهم كيما يتمّ إرسالهم إلى روما.
أمّا الذين أنكروا انهم مسيحيّون، وكانوا مسيحيّين قبلًا، فإنّ رفعوا الصلوات للألهة في الصيغة التي أُلقيها عليهم، وقربوا النبيذ والبخور أمام صورتك التي أُحضرها إليهم (الإمبراطور)، مع تماثيل الآلهة، وجدّفوا على المسيح، وهيَ أمور يُُقال إنّها لا يُمكن أن تصدر عن أي مسيحيّ حقّيقيّ، فقد رأيت من واجبي أن أُطلق سراحهم“.[5]
فكان عمل المُدافعين كالمُحامين، يُدافعون عن قضية المسيحيّين أمام بطش الدولة الغاشم والجائر بحقّهم. فنجد يوستينوس الشهيد يُشدّد على أنه لا يجب الحكم على الاسم، لكنّ على الأعمال، وإن كان المسيحيّون لا يسلكون طريق الجُرم، فيجب على الدولة أن ترفع الأحكام عنهم.[6] وترتليان كان يُطالب بألاّ يُحكم عليهم حكم مُسبق.[7] وإنّ ديانتنا لا يوجد بها تعاليم سرّيّة.[8]
ويوضح المُدافعون أيضًا للعالم الوثنيّ، أن الاعتراف بتفوق الله على الإمبراطور ليس ذنبًا،[9] وبأننا لا نهرّب من الحياة، ولا نرفضها، بل نرفض التسليات المُخلة،[10] وأن المسيحيّون إن كانوا مُلحدين، فهم مُلحدون من جهة آلهة روما الباطلة فقط.[11]
[1] إيريل كيرنز، المسيحيّة عبر العصور، ترجمة عاطف سامي (قبرص: نيقوسيا، 1992)، ص 119.
[2] حياة نيرون، 16: 2.
[3] الحوليات، 15: 44.
[4] Collected Sentences, V. 21; Origen, Against Celsus, VIII: 17, III: 14.
[5] الرسالة، 10: 96: 2- 5.
[6] الدفاع 1: 4؛ أثيناغوراس، الدفاع 1؛ ترتليان، الدفاع 1: 4، 5، 3: 1؛ ثيوفيلس، إلى أوتوليكس 1: 12.
[7] الدفاع 2: 10، 11؛ يوستينوس، الدفاع 1: 7.
[8] الرد على كلسوس، 1: 7.
[9] ترتليان، الدفاع 30: 1- 3؛ أثيناغوراس، الدفاع، 7، 13.
[10] ترتليان، الدفاع 42: 3؛ 38: 3- 4.
[11] يوستينوس، الدفاع 1: 6.
الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4
علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسفعلم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.
وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.
أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.
ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.
مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین
لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟
قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.
وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.
هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.
الحياة الليتورجية
لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.
التعاليم الكتابية
إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.
السلوكيات المسيحية
الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.
الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.
مقدمة الناشر
يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.
وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.
ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.
وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.
ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.
وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).
ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:
دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى
السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.
وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.
وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.
وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.
وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.
وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.
نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.
[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.
علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسفعلم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.
وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.
أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.
ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.
مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین
لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟
قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.
وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.
هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.
الحياة الليتورجية
لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.
التعاليم الكتابية
إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.
السلوكيات المسيحية
الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.
الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.
مقدمة الناشر
يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.
وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.
ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.
وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.
ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.
وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).
ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:
دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى
السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.
وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.
وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.
وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.
وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.
وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.
نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.
[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.
كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF
كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDFكتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF
كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF
يعرف ” هرماس ” عن نفسه بانه ولد عبدا وبيع في روما الي امرأة تدعي ” رودا ” Rhoda وكان لها الفضل في تحريره من العبودية ثم تزوج وأصبح أبا لعائلة كبيرة وعمل في التجارة وكانت حياته بعيدة كل البعد عن اتباع الحقيقة الامر الذي دفعه الي العيش في الخطيئة هو واولاده وامرأته التي كانت نمامة وشريرة في الوقت نفسه.
وبعد ان فرط بثروته الكبيرة عمل في حقل، في مدينة (كوماس) على طريق روما، لكي يعيل عائلته ويستمر العيش (الرؤيا الاولي، 1، 4، 2، 2، 4، 3، الرؤيا الثانية 2، 2، الرؤيا الثالثة، 1، 2، 6، 7، الرؤيا الرابعة 1، 2) وفي احد الايام، وهو في نزهة على ضفاف نهر ” التيبر ” راي ” رودا ” التي كان يعتبرها كأخت، وهي تستحم، فمد يده ليساعدها على الخروج من الماء وقال في قلبه ” لو كانت عندي امرأة لها هذا الجمال وهذا البهاء لكنت من المحظوظين جدا ” (الرؤيا الاولي 1، 2) لكنه تنبه الي افكاره الشريرة وهو رب عائلة وزوج لامرأة فعاد الي ذاته وابتدأ أعمال التوبة.
وبعد مدة وجيزة وهو في طريقه الي ” كوماس ” تراءى له روح الرب في مكان منعزل ثم راي ” رودا ” في السماء وهي تقول له: ” الله الذي يسكن السماء والذي خلق الكائنات من العدم وكثرها ونماها من اجل كنيسته غاضب منك لأنك أخطأت بحقي ” (الرؤيا الاولي 1، 6) فندم وراح يفكر بالوسيلة التي تهدئ غضب الرب وتؤمن خلاصه، وركع يصلي طالبا الغفران من الله على فعلته. واذ هو في هذه الحالة انتابه خوف شديد وألم عميق، وقال: ” كيف يمكنني ان اطلب مغفرة كل خطاياي من الله؟ بأية كلمات اطلب الرحمة منه؟ (الرؤيا الاولي 2، 1) ويزيد قائلا: ” وبينما كنت اسأل نفسي رأيت أمامي عرشا كبيرا من الصوف الابيض كالثلج وامرأة مسنة كانت ترتدي وشاحا براقا وتمسك في يدها كتابا وقد تقدمت وجلست وحيدة وحيتني قائلة، عم صباحا يا هرماس. فأجبتها والدمع يغمرني والحزن يملا قلبي: عمي صباحا يا سيدتي.
فقالت وهي تبتسم: ما هذه العبوسة التي تغمر محيال؟ لماذا أنتلا مقطب الجبين يا هرماس الصبور اللطيف الضاحك ابدا؟ لماذا حل التجهم محل البشر؟ فأجبتها: ان امرأة فائقة الصلاح قالت أنى اخطأت اليها. ان خدام الله لا يفعلون ذلك قط. قالت: لا شك أن فكرة ما مرت بخاطرك فأساءت اليها. سألتها: أمثل هذه النية خطيئة بالنسبة لخدام الله؟ نعم، انها خطيئة، أجابت. ان تفكيرا كهذا يمر بنفس صارمة مجربة هو تفكير شرير يبعث على الدهشة، خصوصا إذا اشتهي العمل الشرير انسان كهرماس العفيف، البعيد عن الشهوات، المليء بالبساطة المتناهية والبراءة العظيمة ” (الرؤيا الاولي 2، 2 _ 4)
ثم ينتقل بنا هرماس الي الرؤيا الثانية التي يري فيها المرأة المسنة من جديد وهي تتنزه وفي يدها كتاب صغير وهي تقرأه وقالت له: ” أستطيع ان تعلن هذا لمختاري الله؟ “. فقال ” أنى لا أستطيع ان اتذكر هذا القدر من الكلام، أعطني الكتيب لأنسخه. قالت خذه واعطتني اياه. فأخذت الكتيب وذهبت الي مكان ما في البرية ونسخته حرفيا لأني لم أكن أستطيع ان اميز بين المقاطع. وبعد ان انتهيت من نسخ الكتاب خطف يدي ” (الرؤيا الثانية 1، 3 _ 4) وفي النهاية تنكشف له حقيقة المرأة، وهي تمثل الكنيسة، وتأمره بأن يعطي الكتيب الي البابا ” إكليمنضوس ” والي ” غرابتا ” ( Grapta) وهي تقول: ” أكتب كتيبين، كتيب الي إكليمنضوس، وكتيب الي غرابتا. ويسمح لكليمنضوس ان يرسل ذلك الي المدن التي في الخارج، وعلي غرابتا ان تنصح الارامل والفقراء. اما أنت فعليك ان تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدمي الكنيسة ” الرؤيا الثانية 4، 3)
اما الرؤيا الثالثة والرؤيا الرابعة فهما شرح واف لكنيسة المسيح اذ تفسر له المرأة دور كل من اعضائها، من الرسل والاساقفة والمعلمين والشمامسة والرعاة، الي شعب الله والمؤمنين، الي كل الرموز التي تتميز بها الكنيسة المقدسة.
واما الرؤيا الخامسة فيقول فيها: ” بينما كنت أصلي في بيتي فوق سريري دخل رجل بهي الطلعة، له شكل راع، يلبس جلدا أبيض ويحمل فوق كتفه جرابا وفي يده عصي. فصافحني وصافحته. وجلس الي جانبي وقال لي: ارسلت من الملاك الكلي الكرامة لا سكن معك طوال ما تبقي لك من الحياة. اعتقدت اولا انه جاء ليسخر من فقلت له: من انت؟ قال لي: الا تعرفني؟ قلت: لا. قال: انا الراعي الذي أسلمت اليه. وبينما كان يتكلم تغيرت هيئته وعرفت انه الشخص الذي أوكل اليه أمري. فأضربت حالا وتملكني خوف وحطمني الالم لأني أجبته بخبث وبدون تروٍ.
فأدرك قلقي وقال فورا: لا تنزعجن بل تقو في وصاياي التي سأوصيك بها. وقال: ارسلت لأريك كل ما رأيته سابقا، اي ما هو مفيد لك. اكتب اولا وصاياي وكلماتي، اما ما تبقي فستكتبه كما اقول لك. لذلك اوصيك ان تكتب الوصايا والامثال لتكون في متناول يدك لتقرأها وتحفظها. لقد كتبت الوصايا والامثال كما أمرني. فاذا سمعتموها ولم تتوبوا بل تزدادون غيا فأنكم تنالون من الرب عكس ما وعدكم به. هذا ما أمرني ملاك الرحمة ان اكتبه ” (الرؤيا الخامسة 1 _ 8)
هذه الرؤي الخمس اذن هي التي تكشف لنا عن شخصية هرماس وعن تسميته كتابه ” الراعي ” اذ ان كل ما جاء في الكتاب من توصيات وامثال هي من الراعي الذ ظهر له في الرؤيا الخامسة. وهذا ايضا ما نعرفه عن شخصه منذ ولادته وحتى مماته. فهو معاصر للبابا ” إكليمنضوس “، ورغم ان بعض المؤرخين يعتبرونه من حقبة لاحقة، ولقد أراد ان يكون كتابه تعليميا وتوجيهيا في مرحلة من اهم مراحل الكنيسة حيث كان الايمان بحاجة الي شهادة معاشة والى حث لاعتناق المبادئ الاساسية للمسيحية.
اذن كتاب ” الراعي ” لمؤلفه هرماس، قد كان له التأثير الكبير في القرون الاولي للكنيسة. فالقديس ” ايريناوس ” يبدأ كلامه عنه بهذه الجملة ” حسنا تقول الكتب ” عندما يستشهد بأحد مقاطعه (ضد الهرطقات، 4، 20، 2) والقديس ” كليمنضس الاسكندري ” يعتبره لا كتابا موحي به (ستروماتيس 1، 17، 29، 2، 1، 9، 12، 13، 6، 15). ولكن القديسين لم يؤكدا على ان هرماس كان معاصرا للبابا ” إكليمنضوس ” وللرسل. بينما ” أوريجينوس ” الذي كان يؤكد على ان الكتاب موحي به، كان يعتبره من تأليف هرماس الذي يذكره القديس بولس في رسالته الي الرومانيين. ولكن جميع الاباء.
رغم كون البعض منهم رفض طابع الوحي في كتاب ” الراعي ” فان جميعهم أجمعوا على انه كتاب ضروري نظرا لتعاليمه وتوجيهاته وقيمته الاخلاقية. وفي برداية القرن الرابع نري المؤرخ ” أوسابيوس القيصري ” يؤكد على ان الكتاب كان يقرأ في جميع الكنائس، خصوصا ككتاب تعليمي للذين يهيئون نفوسهم للعماد. كذلك القديس ” أثناسيوس “الذي ينفي عنه طابع الوحي، يفرض قراءته على الموعظين ويقول: ” انني مجبر على التأكيد ان هناك كتبا لا يمكننا ان نصنفها كتب وحي، ولكن يجب ان تقرأ على الذين يريدون تعلم أسس الايمان ” (قانون مجمع نيقيا، 18). ثم يعدد هذا الكتب ومنها كتاب ” الراعي ” لهرما س، رغم أنه استند اليه ليدحض اراء الاريوسيين الذين استعملوه لماربهم الخاصة. وهكذا، جميع الاباء اليونان، على مثال من ذكرنا، فرضوا قراءته في كنائسهم نظر للإفادة الكبيرة التي كان الموعوظون يحصلون عليها من مجرد قراءته.
واما الاباء اللاتين فلم يكونوا على الحماس نفسه الذي كان عليه الاباء اليونان. فكاتب قانون ” موراتوري ” ( Muratori) سنة 200 م، يخبرنا ان كاتب ” الراعي ” هو هرماس أخ بابا رومية ” بيوس ” الذي بقي بابا من سنة 140 _ 155 م (Pastorem … Hermas conscripsit sedente in cathedra Urbis Ecclesiae pio episcopo frater ejus)
وينفي عنه صفة الوحي. كذلك ” ترتليانوس “، الذي اعطاه صفة الوحي يوم كان كاثوليكيا، نفاه عنه يوم أصبح ” مونتانيًا ” واعتبره كتابا محرفا لأنه كان يوافق على مغفرة الخطايا للزناة، خصوصا وان البابا ” زفيرينوس ” (Zephirin) قد استند عليه (على كتاب الراعي) ليقبل بعودة الزناة وتوبتهم. وكثيرون اعتقدوا ان اعلان الاحتفال بعيد الفصح نهار الاحد يعود الي ما ورد على لسان الملاك الذي ظهر لهرماس، وهذا ما نقرأه في ” كتاب السيامات والطقوس الرومانية “:
(Sub hujus episcopatum , Hermis librum scripsit , in quo mandatum continent quod ei praecepit angelus Domini , cum venit ad eum in habitu pastoris , et praecpit ut pascha die dominico celebraetur).
ولكن، في الواقع، فان كتاب ” الراعي ” لا يذكر شيئا عن الاحتفال بعيد الفصح، وان عادة هذا الاحتفال كانت متبعة قبل البابا ” بيوس ” كما يذكر ذلك القديس ” ايريناوس ” و ” أوسابيوس القيصري ” في ” التاريخ الكنسي “، 5، 24. والقديس ” إيرونيموس “، بعد ان يذكر بما قاله ” أوريجينوس ” و ” أوسابيوس القيصري ” يؤكد على ان كتاب ” الراعي ” كان، الي حد ما، غير معروف عند الاباء اللاتين (الرجال العظام 10)، ثم يتهم هرماس بالجنون عندما يتكلم عن الملاك. وباختصار فان الاباء اللاتين كانوا منقسمين حول الكتاب. فمنهم من اعتبره كتاب وحي، ومنهم من نفي عنه الصفة. ولكن، دون شك، بقي الكتاب مرجعا روحيا طوال القرون الاولي للكنيسة، وحتى لغاية اليوم يصنف بين الكتب التي يجب ان يعود اليها كل مؤمن نظرا لما فيه من تعاليم وتوجيهات روحية تساعد على العودة الي الذات والتعبد لله والامتناع عن المحرمات التي تعيق خلاص الانسان.
وابتداء من القرن السادس عشر ولغاية القرن الثامن عشر بقي المؤرخون والنقاد على موقفهم واعتبروا ان هرماس كان معاصرا للرسل، وان كتابه ” الراعي ” قد وضع قبل تدمير هيكل اورشليم من الرومان او حوالي سنة 92 م. ولكن، عند اكتشاف بعض مقاطع من قانون ” موراتوري ” سنة 1740 م، فلقد تم الراي على ان هرماس عاش في القرن الثاني. وهذا الراي هو السائد لغاية اليوم بالإجماع.
وبهذا المعني يقول اللاهوتي ” باردنهيفر ” (Bardenhewer): ” ان كتاب الراعي يتناول مشكلة غفران الخطايا الكبرى (الجسيمة) ويشدد على ذلك بطريقة توضح لنا ان هرماس كان على اطلاع على الخطر الذي بشرت به البدعة المونتانية. وفي الواقع، فان الغنوصيين كانوا اذن الاعداء في نظره، وهذا ما يؤكد على قوله في كتابه (باردنهيفر: الاباء الرسوليون، باريس 1899، الجزء الاول، ص 91).
اذن، هرماس عاش وكتب في زمن كانت فيه الكنيسة تعيش ايام هدوء وسكينة، وذلك يعني في فترة حكم الامبراطور ” انطونيوس بيوس ” (Antonin le pieux)، ما بين سنة 138 و 161 مسيحية. من هنا ابتداء الفتور الروحي عند كثيرين من المؤمنين، الامر الذي دفعه لكتابة ” الراعي ” حيث يذكر ذلك في الرؤيا الثانية، العدد 2، 3. وفي الواقع فان عاصفة قد هزت المؤمنين قبل فترة الهدوء، والكنيسة وجدت في حالة من الاضراب النفسي والتساهل الاخلاقي، الامر الذي دفع بالمسؤولين للتشديد على العودة الي روح الاصول والي تعليم المسيح والرسل.
واذ كان هرماس قد ذكر البابا ” إكليمنضوس ” في كتابه، فهل يعني ذلك ان النقاد والمؤرخين الذين اعتبروا ظهوره في النصف الثاني من القرن الثاني كانوا على خطا؟ بالطبع لا. فان التلميح الي ذلك ليس سوي من قبيل الحث والتذكير. وإذا سلمنا جدلا بهذا الخطأ التاريخي، فالمهم في الامر ما جاء في الكتاب، والذي كان للكنيسة مثالا حيا وارشادا في وقته. وحتى من الناحية الرمزية، فان هرماس وعائلته يمثلون جروح الكنيسة، وهم مدعون الي التوبة. اما الشكل الرؤيوي الذي يعطيه لكتابه فقد ميزه أكثر حيث انه أثر بالمؤمنين جدا واعاد الخطاة منهم الي حضن الكنيسة. وبهذا المعني يقول المونسنيور ” فريبل ” (freppel): ” انني اميل الي الاعتقاد باننا في حضرة كتاب تعليمي، او ثلاثية اخلاقية، بشكل رؤيوي، دون التأكيد على صورة الوحي حصرا، وهو كناية عن سلسلة تأملات تصل الارض بالسماء ” (فربيل: الاباء الرسوليون، الطبعة الرابعة، باريس 1885، ص 269).
من جهة ثانية، فإننا نري هرماس يلمح في كتابه الي محبة الغني ويرفضها، وهذا امر امر يؤكد ايضا على ان الكنيسة كانت في فترة ازدهار وفي فترة راحة من الاضهاد. والبعض من المسيحيين الذين نجوا من الاضهاد قد صودرت أملاكهم وبيوتهم. حتى هرماس نفسه قد شكاه أبناؤه، ونشعر أنه كان فقد كل شئ يوم كانت أول رؤيا، وهو في عمر سبعين سنة، أعني أيام البابا ” بيوس ” والامبراطور ” انطونيوس بيوس “.
اذن كان يكتب في زمن كانت الغنوصية قد ابتدأت تعمل في الكنيسة دون ان تشكل خطرا كبيرا عليها. فهو، وهمه الاساسي ان يحارب تراخي المسيحيين دون التلميح الي خطر الاخطاء العقائدية، لم يكن يشعر بان الغنوصية كانت تشكل انئذ خطرا كبيرا. همه اذن تشديد الايمان والعودة الي حضن الكنيسة بالالتزام الكامل بتعليم المسيح والرسل. والمقطع الوحيد الذي يلمح فيه الي هذا الخطر هو ما ورد في الرؤيا الخامسة.
العدد السابع: ” قلت: اريد ان اعرف يا سيدي نتائج الغضب حتى اتحاشي هذا الهوي. قال: اذا لم تحترس منه انت واهل بيتك فانك خاسر لا شك كل املك. احترس منه وانا معك ومع الذين تابوا توبة قلبية والملاك الشريف يبررهم جميعا “. وهذا يعني ان الغنوصية لم تكن قد استفحلت، وان معتنقيها لم يكونوا قد خرجوا على تعليم الكنيسة بعد. واما في المقطع الثاني من الرؤيا التاسعة فهو واضح جدا، حيث يقول: ” لا تفكر هكذا بل عد الي الله واطلب منه بقلبك وفكرك ولا تتردد فتري انه لن يتركك برحمته وستعرف مدي هذه الرحمة وبين الذي اخطأوا كثيرون عادوا عن خطئهم وتابوا والتزموا بتعليم الكنيسة. فالتوبة ، في نظره، هي الوسيلة الوحيدة للخلاص، وهذا ما دفع بالمونتانيين لرفضه لانهم رفضوا التوبة.
تبقي نقطة اخيرة في هذا السياق وهي ان البعض اعتبر هرماس مونتانيين. فهل هذا صحيح؟ بالطبع لا، رغم ان بعض نقاط من تعاليمه تتلاقي والتعليم المونتاني. فالكنيسة، في نظره، هي كنيسة القديسين فيها الابرار والصدقين، وفيها الخطاة ايضا. وبينما المونتانيون يرفضون غفران الخطايا الجسيمة، فان هرماس يؤكد على هذا الغفران ولو لمرة واحدة بعد العماد. من هنا دحض اراء الذين اعتبروه مونتانين لان المونتانيين يرفضون غفران هذه الخطايا الجسيمة. كذلك بالنسبة الي الزواج، فهرماس يمتدح الزوج الذي يغفر لأمرأته الزانية إذا تابت وغفر لها. وكذلك يوافق على الزواج الثاني بعد موت أحد الزوجيين، الامر الذي يرفضه المونتانيون.
وباختصار، فإننا نجد ان التزمت المونتاني ليس موجود عند هرماس، بل تعليم الكنيسة الصافية والرحوم الذي يساعد على خلاص النفس دون الوقوع في مزايدات لا مبرر. لها وكل ما في الامر هو ان مؤلف ” الراعي ” كان من المسيحيين الذين التزموا شريعة المسيح وكنيسته وجهروا بها في زمن كانت المسيحية فيه تنعم بقليل من الراحة، وكان الفتور الروحي ابتدأ يؤثر على ضعاف النفوس الذين لم يتقيدوا كليا بالبشارة الجديدة. الي ذلك يبقي ايضا هرماس وجها نبويا في مرحلة من اهم مراحل تطور المسيحية في العالم وانتشارها في الامبراطورية الرومانية المترامية الاطراف.
مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى
مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى
مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى
المجامع في الكنيسة الأولى
إن مجال هذه المقال محدود، لأنها مجرَّد مقدمة. فدور المجامع في تاريخ الكنيسة ووظيفة التقليد بُحثاً عن السنوات الأخيرة. ولذلك كان الهدف من هذه المقالة تقديم بعض الاقتراحات التي قد تثبت فائدتها في تدقيقنا في الشواهد النصيّة وفي تقويمنا اللاهوتي وفي تفسيرنا لها. والواقع أن المشكلة كنسيّة، وأن المؤرخ الكنسي يجب أن يكون لاهوتياً أيضاً وأن يورد خياره الشخصي وموقفه.
فعلى اللاهوتيين بالمقابل أن يعُوا المنظور التاريخي الواسع الذي نوقشت فيه الأمور الإيمانية والعقيدية وفُهمت، وعليهم أن يتجنبوا المفارقات التاريخية في اللغة، لأن الواجب يقتضي أن يدرسوا كلّ عصر بلغته الخاصة.
ويجب على تلميذ الكنيسة القديمة أن يبدأ بدراسة مجامع معيَّنة وأن يتناولها في وضعها التاريخي المحدَّد من دون أن يحاول إعطاء تحديد مسبق بشكل كيفيّ. وهذا ما يفعله المؤرخون. ففي الكنيسة القديمة لم تكن هناك “نظرية مجمعية” ولا لاهوت محكم عن المجامع ولا نظم قانون محدَّدة، لأن مجامع الكنيسة، في القرون الثلاثة الأولى، التأمت عند الضرورة لأهداف خاصة وفي ظروف طارئة لبحث أمور معيِّنة تعمّ الجميع. فكانت أحداثاً أكثر منها مؤسسة. والأفضل أن نستعمل عبارة غريغوري ديكس التي تنص على أن المجامع كانت:
“قبل نيقية جهازاً اقتضائياً لا مكان محدَّد له في نظام الحكم الكنسي”.
وما سلَّم به الجميع ووافق عليه في تلك الفترة هو أن اجتماع وتشاور أساقفة يمثلون كنائسهم المحلية و”جماعاتهم”، وبالأحرى يجسِّدونها، كان نهجاً صحيحاً وطبيعياً لإظهار الوحدة وتحقيقه وللاتفاق في أمور الإيمان والتنظيم. فكان الشعور بوحدة الكنيسة قوياً في العصور الأولى، على الرغم من أن هذا الشعور لم يكن قد انعكس بعد على الصعيد التنظيمي.
“فمجمعية” الأساقفة كان أمراً مسلَّماً به مبدئياً، وكان مفهوم “الأسقفية الواحدة” قد ابتدأ بالنموّ، وكان أساقفة منطقة معيَّنة يجتمعون لاختيار الأساقفة الجدد ولوضع الأيدي عليهم، وكانت أسس المنهج المتروبوليتي في طور التثبيت. لكنَّ هذه الأمور حدثت بطريقة عفوية. وظهر أن “المجامع” برزت إلى حيِّز الوجود في آسيا الصغرى أولاً في أواخر القرن الثاني أثناء الدفاع القوي ضد انتشار “النبوَّة الجديدة” أي ضد الانفجار المونتاني العنيف. وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن تشدد الكنيسة على “التقليد الرسولي” الذي كان الأساقفة حرَّاساً له وشهوداً في رعاياهم.
وفي شمال أفريقيا تأسس نوع من النظام المجمعي في القرن الثالث، إذ وُجد أن المجامع هي الأداة المثلى للشهادة والإفصاح والإعلان عن الفكر المشترك في الكنيسة وعن الانسجام والتآلف بين الكنائس المحلِّية. لقد أصاب البروفسور جورج كريتسثمار (George Kretschmar) عندما قال في دراسته عن مجامع الكنيسة القديمة إن اهتمام المجامع الأولى الأساسي كان اهتماماً بوحدة الكنيسة: “فمنذ البدء وحتى الوقت الحاضر هناك موضوع واحد وهو الإعلان عن وحدة صحيحة وروحية في كنيسة الله”. أمَّا هذه الوحدة فكانت تقوم على وحدة التقليد وعلى الإجماع في الإيمان أكثر مما تقوم علي أي نموذج مؤسساتي.
المجمع المسكوني
بعد اهتداء الإمبراطور تغيرت الظروف. فمنذ أيام قسطنطين وبالأحرى منذ أيام ثيوذوسيوس اعترف المجمع بأن الكنيسة أصبحت تعايش الإمبراطورية المسكونية المتنصرة. إن “اهتداء الإمبراطورية” جعل مسكونية الكنيسة مرئية أكثر منها في أي وقت مضى. وهذا الاهتداء لم يضف شيئاً إلى المسكونية الأساسية والأصلية في الكنيسة المسيحية. لكن الظرف الجديد هيأ لها ظهوراً مرئياً. في هذا الظرف التاريخي التأم المجمع المسكوني الأول في نيقية وصار نموذجاً للمجامع اللاحقة.
“فوضع الكنيسة الجديد استلزم عملاً مسكونياً، لأن الحياة المسيحية لم تعد معاشة في عالم منظم على أسس إقليمية، بل في إمبراطورية شاملة… وبما أن الكنيسة خرجت إلى العالم فأصبح من واجب الكنائس المحلية أن تتعلم ألا تعيش كوحدات مستقلة (مثلما عاشت سابقاً عملياً لا نظرياً)، بل كجزء من سلطة روحية واسعة” (Eduard Schwartz).
إننا نقدر أن نصف المجامع العامة، كما دُشنت في نيقية، بأنها بمعنى من المعاني “مجامع إمبراطورية” (die Reichskonzile) وربما كان هذا الوصف المعنى الأول والأصلي للفظة “مسكوني” كما أطلقت على المجامع (Eduard Schwartz). ولا مجال هنا للبحث المطول في المشكلة الصعبة والشائكة المتعلقة بطبيعة وخاصية هذه البنية التي كانت “الكومنولث” (commonwealth) المسيحي الجديد و الجمهورية المسيحية الثيوقراطية (Res publica Christiana) التي صارت فيها الكنيسة مرتبطة بالإمبراطورية بشكل غريب، لأن هدفنا المباشر لا علاقة له بهذا الموضوع. كانت مجامع القرن الرابع ما تزال اجتماعات اقتضائية وأحداثاً فردية. وكان سطانها النهائي مستنداً إلى اتفاقها مع “التقليد الرسولي”.
فعدم وجود آية محاولة في القرن الرابع وفيما بعد لتوسيع نظرية قانونية عن “المجامع العامة” بكونها مركزاً للسلطان النهائي وبكونها ذات ونماذج معينة لإجراءات متعددة هو أمر ذو دلالة، رغم أن الكنيسة اعترفت بهذه المجامع في الواقع بأنها مكان مناسب لمعالجة مشاكل الإيمان والعقيدة ومرجع في هذه الأمور. لن نبالغ إذا قلنا أن المجامع لم تُعتبر أبداً مؤسسة قانونية، بل اعتُبرت أحداثاً اقتضائية تتجلى فيها المواهب الروحية.
فهي لم تُعتبر سلفاً بشرعية أي مجمع، بل إن الكنيسة رفضت عدداً منها، رغم قانونيتها الشكلية. يكفي أن نذكر المجمع اللصوصي الذي عُقد سنة 449. فالكنيسة اعترفت “بمسكونية” المجامع التي لها سلطة دامغة. إنها اعترفت بها فور وبعد زمن لا لأهليتها القانونية، بل لطابعها المواهبي، إذ شهدت بالروح القدس للحقيقة الموجودة في الكتاب المقدس كما سُلم في التقليد الرسولي.
لا مجال هنا لبحث “نظرية الاستلام”، لأن هذه النظرية لم تكن موجودة. فهناك رؤية إيمانية فقط. إن هانس كونغ (Hans Küng) في كتابه (Sturkturen der Kirche) “بنية الكنيسة” اقترح طريقة تساعد في فهم هذه المسألة. ورغم أن هذا المؤلف ليس مؤرخاً فإن المؤرخين يقدرون أن يطبقوا مخططه اللاهوتي على نحو مثمر. فاقترح كونغ أن يُنظر إلى الكنيسة “كمجمع” يدعوه الله نفسه إلى الانعقاد (“بدعوة إلهية”Aus göttlicher Berufung)، وإل المجامع التاريخية أي المسكونية والعامة كمجامع يدعوها الإنسان للانعقاد (“بدعوة إنسانية”Aus monschlicher Berufung)، لأنها تمثل الكنيسة بشكل حقيقي، لكنها لا تكون أكثر من ممثلة.
وتجدر الاشارة إلى أن المؤرخ الروسي بولوتوف (V.V.Bolotov) أورد منذ سنوات مفهوماً مشابها في “محاضراته عن تاريخ الكنيسة القديمة”، فقال إن الكنيسة اجتماع (ecclesia) لا ينفض أبداً. والسلطان السامي ومقدرة تمييز حقيقة الإيمان أودعا في الكنيسة التي هي “مؤسسة إلهية” بالمعنى الصحيح والدقيق للكلمة. ولكن لا يوجد مجمع و”مؤسسة مجمعية ذات حق إلهي” (de Jure Divino) إلاَّ بمقدار ما تكون صورة حقيقية وتجلياً للكنيسة. وقد نبقى في دائرة مفرغة إذا شددنا على ضمان شكلية في الأمور العقيدية، لأن هذه “الضمانات” غير موجودة ولا يمكن إبرازها مسبقاً. فبعض “المجامع” كان مخفقاً، لأنه لم يكن سوى اجتماع غير شرعي (Conciliabula) وقع في الخطأ.
ولذلك رُفضت هذه المجامع فيما بعد. إن تاريخ المجامع في القرن الرابع مفيد جداً في هذا المجال. وما أعلنته المجامع لم تقبله الكنيسة و ترفضه على أساس شكلي و”قانوني”. فحكم الكنيسة كان انتقائياً إلى أبعد الحدود. إذن، لم يكن المجمع فوق الكنيسة. فهو على وجه التحديد “تمثيل” لها. وهذا يُفسر سبب عدم احتكام الكنيسة القديمة إلى “السلطان المجمعي” بشكل مطلق (in abstracto) وعام، فهي احتكمت دائماً إلى مجامع خاصة وبالأحرى إلى “إيمان” هذه المجامع وشهادتها.
نشر الأب كونغار (Yves Congar) مقالة جيدة جداً عن “أولوية المجامع المسكونية الأربعة الأولى” أورد فيها شواهد مهمة. فأولوية نيقية وأفسس وخلقيدونية كانت في تحديداتها العقيدية، مما اعتبره الجميع تعبيراً صادقاً وكافياً عن حقيقة الإيمان الذي أودع سابقاً في الكنيسة. إن التشديد لم يكن هنا على السلطان “القانوني”، بل على الحقيقة. وهذا يقودنا إلى المسألة الحاسمة والمعقدة وهي ما هي أفض مقاييس الحقيقة المسيحية؟
المسيح مقياس للحق
إنه لا يوجد جواب سهل عن هذا السؤال. لكن، في الواقع، هناك جواب سهل جداً: المسيح هو الحق. فمصدر الحق المسيحي ومقياسه هو الإعلان الإلهي في بنيته المزدوجة وتدبيره المضاعف. مصدر الحق هو كلمة الله. هذا الجواب أعطي بسهولة وقُبل في الكنيسة القديمة بشكل عام، مثلما يُقبل في مسيحية هذا العصر المنقسمة. لكنَّ هذا الجواب لا يحلّ المشكلة.
والحق، أنه كان يُقوَّم ويُفسر بطرق مختلفة إلى حدّ التفاوت الجذري. وعنى فقط أن المشكلة انتقلت خطوة أخرى وبرز سؤال جديد وهو كيف يجب أن نفهم الإعلان؟ إن الكنيسة الأولى لم تشكّ في “كفاية” الكتاب ولم تحاول أن تتجاوزه، بل ادَّعت دوماً أنها لم تتجاوزه. لكن المسألة التفسيرية برزت ابتداء من العصر الرسولي بروزاً حادّاً. فما هو المبدأ التفسيري الصحيح الذي كان يُتبع؟ إننا لا نجد سوى جواب الاحتكام إلى “إيمان الكنيسة الذي هو إيمان الرسل وبشارتهم، أي إلى التقليد الرسولي. فالكتاب لا يُفهم إلاَّ في الكنيسة، كما أكَّد أوريجنس، وكما أكَّد القديس إيريناوس وترتليان قبله. كان الاحتكام إلى التقليد احتكاماً في فكر الكنيسة (phronrma)، وكان منهجاً لاكتشاف الإيمان المسلَّم به دائماً ومنذ البدء (semper creditum) وتثبيته.
كانت ديمومة الإيمان المسيحي إشارة واضحة إلى حقيقته وأمارة لها، حيث لا مجال للتجديد والأفكار المبتدعة. ويمكن أن تُبرهن على نحو ملائم ديمومة إيمان الكنيسة المقدسة من شهادات الماضي.
ولذلك يُستشهد عادة “بالقدماء” في المباحثات اللاهوتية. ولكن يجب أن تُستخدم “حجة القِدَم” بشيء من الحذر، لأن الرجوع الاتفاقي إلى الأزمنة القديمة والاستشهاد العرضي بمؤلفين قدماء قد يكونان غامضين ومضللين. وهذا الأمر فُهم فهماً تاماً أيام الجدل الكبير حول المعمودية في القرن الثالث، عندما أثيرت مسألة شرعية “العادات القديمة” وسلطانها. فترتليان أكد أن العادات (consuetudines) في الكنيسة يجب أن تُفحص تحت ضوء الحقيقة، لأن “سيدنا المسيح لم يظهر نفسه عادة وعرفاً، بل حقيقة” (في غطاء العذارى 1، 1).
والقديس كبريانوس استعمل هذه العبارة ومجمع قرطاجة الذي عُقد سنة256 تبناها. ولعلَّ “القدم” في ذاته يمكن أن يكون خطأ متأصلاً “لأن القِدَم بلا حقيقة خطأ قديم متأصل” كما قال القديس كبريانوس، (الرسالة 74، 9). وأوغسطين أيضاً استخدم العبارة نفسها فقال “يقول الرب في الإنجيل: أنا هو الحق، ولم يقل : أنا هو العادة” (في المعمودية 3، 6، 9).
“فالقِدَم” في حدّ ذاته لا يكون حقاً بالضرورة مع أن الحق المسيحي كان فعلياً حقاً “قديماً”، ولذلك قاومت الكنيسة كلّ البدع. أمَّا الهراطقة وعلى الأخص العرفانيون فكانو ومن استخدم البرهان المرتكز على التقليد. وهذا ما دفع القديس إيريناوس إلى إحكام مفهومه الخاص عن “التقليد” الذي يقاوم “التقاليد” الخاطئة التي أوردها الهراطقة والتي كانت غريبة عن فكر الكنيسة. فكان لا بد للاحتكام إلى “القدم” أو “التقليد” أن يكون انتقائياً وتميزياً، لأن بعض “التقاليد” التي تعلل بها الهراطقة كانت خاطئة.
فيجب على المرء أن يبحث بدقة عن “التقليد الحقيقي”، الذي قدر أن يرجعه إلى سلطان الرسل والذي يثبته ويؤكده إجماع (consesio) الكنائس. لكن لا يكتشف هذا الإجماع بسهولة، لذلك بقيت بعض الأسئلة مطروحة. أما مقياس القديس إيريناوس فكان سليماً وصحيحاً: التقليد هو التقليد الرسولي الجامع. وأوريجنس حاول في مقدمة كتابه “المبادئ” أن يضف غاية “الاتفاق” القائم الذي كان ضرورياً وإلزامياً بالنسبة إليه، فأورد مجموعة من النقاط المهمة التي تحتاج إلى مزيد من الدرس.
فكانت هناك تقاليد محلية تختلف في اللغة والنظام حتى ضمن الشركة الدائمة في الإيمان و”القدسات” (in sacris). يكفي أن نذكر الخلاف الفصحي بين روما والشرق، حين برزت مشكلة سلطة العادات القديمة. ويجب أيضاً أن نذكر الصراع الذي دار بين قرطاجة وروما والصراع الذي دار بين الإسكندرية وإنطاكية الذي بلغ قمته المأساوية وطريقه المسدود في القرن الخامس. ففي هذا العصر من الصراع اللاهوتي الحاد احتكمت جميع الأطراف إلى التقليد و “القدم”. ولذلك تراكمت على كل الجوانب “سلاسل” من الشهادات القديمة.
فكان يجب أن تُفحص بدقة هذه الشهادات على أسس تتجاوز مبدأ “القدم” وحده. فبعض التقاليد المحلية الليتورجية واللاهوتية طرحها جانباً ونبذها سلطان الإجماع (consensus) “المسكوني”. ففي مجمع أفسس وقعت مجابهة حادة بين التقاليد اللاهوتية المختلفة، فانشطر إلى اثنين – مجمع القديس كيرلس وكنيسة روما (المسكوني) ومجمع الشرق. وقد تمت المصالحة لكن التوتر بقي قائماً. وكان أمر الفصول الثلاثة الحالة الأكثر إثارة في شجب تقليد لاهوتي قديم ومعتبر، وإن كان محلياً. فأثير آنذاك سؤال مبدئي وهو إلى أي حد كان إنكار إيمان الذين رقدوا بسلام واتحاد بالكنيسة شرعياً؟ قام جدل عنيف حول هذه القضية، وخاصة في الغرب، وأعطيت براهين قوية ضد العودة إلى الأحداث الماضية وضد إعطاء حكم فيها.
معنى الاحتكام إلى الآباء
لوحظ أن الاحتكام إلى القدم تتغير وظيفته وخاصيته مع مرور الزمن. ففي أيام القديس إيريناوس أو ترتليان كان الماضي الرسولي قريباً وحاضراً في الذاكرة البشرية. والقديس إيريناوس سمع في شبابه تعاليم القديس بوليكربوس الذي كان تلميذ مباشراً ليوحنا اللاهوتي. وهذا الجيل كان الجيل الثالث بعد المسيح. فذكرى العصر الرسولي كان لا يزال نضراً، ومجال التاريخ المسيحي كان لا يزال قصيراً ومحدوداً. في ذلك العصر المبكر دار الاهتمام حول الأسس الرسولية وحول الإعلان الأول للبشارة (Kerygma).
وهكذا عنى التقليد آنذاك “النقل” أو “الإبداع”. وكانت مسألة النقل الدقيق بسيطة نسبياً في فترة تزيد على قرن كامل وخاصة في الكنائس التي أسسها الرسل أنفسهم. فاتجه الانتباه إلى لوائح التعاقب الرسولي (كما عند القديس ايريناوس وايسيبيس) التي كان جمعها سهلاً. لكن مسألة “التعاقب” ظهرت أكثر تعقيداً في الأجيال اللاحقة الأكثر بعداً عن العصر الرسولي.
وفي هذه الظروف الجديدة صار انتقال التشديد من مسألة “الرسولية” الأصلية إلى مسألة حفظ “الوديعة” الإيمانية طبيعياً. وصار التقليد يعني “انتقالاً” أكثر منه تسليماً. وصارت مسألة “التعاقب” بمعناها الواسع والشامل ملحّة جداً. فبرزت مسألة الشهادات الصادقة. في هذا الظرف أُثير ولأول مرة سلطان الآباء بشكل رسمي: هم كانوا شهوداً لديمومة البشارة (Kerygma) وأصالتها كما انتقلت من جيل إلى جيل. ولفظتا الرسل والآباء تقارنتا بشكل عام عند استخدام حجة التقليد في القرنين الثالث والرابع. وكان الرجوع المزدوج إلى الأصل وإلى الحفاظ المستمر والثابت عليه ضامناً لأصالة الإيمان. أما الكتاب فاعتُرِف به رسمياً أساساً للإيمان بكونه كلمة الله وكتاب الروح. لكن بقيت مشكلة تفسيره الصحيح. ولذلك استُشهد بالآباء والكتاب معاً أي بالبشارة (Kerygma) والتفسير (exegesis).
كانت عبارة الرجوع “إلى الآباء” أو الاحتكام إليهم علامة مميزة وبارزة في البحث اللاهوتي زمن المجامع المسكونية ابتداء من مجمع نيقية. لكن اللفظة لم تُحدد بشكل رسمي، مع أن بعض الكتّاب الكنسيين الأوائل استخدموها أحياناً بشكل متفرق. فكانت تشير غالباً إلى معلّمي الحقبات السابقة وقادتها المسيحيين. ومن ثم أصبحت تدريجياً لقباً للأساقفة، لأنهم يُقَامون معلِّمين للإيمان وشهوداً له. بعد ذلك أُطلقت بشكل خاص على الأساقفة الأعضاء في المجامع. ما يجمع كلّ هذه الحالات كان المهمة التعليمية.
“فالآباء” هم اللذين نقلوا ونشروا العقيدة القويمة وتعليم الرسل، فكانوا قادة في التعليم المسيحي والتوجيه. بهذا المعنى أُطلقت بقوة على الكتّاب المسيحيين الكبار. ويجب أن نتذكر أن الكتيِّب الرئيسي، ولعله الكتيِّب الأوحد، في الكنيسة القديمة عن الإيمان والعقيدة كان تحديداً الكتاب المقدس. ولذلك اعتبر المفسِّرون المشاهير للكتاب المقدس “آباء” بالمعنى البارز. كان “الآباء” معلِّمين بالدرجة الأولى (didascali، doctores)، بل كانوا معلِّمين بمقدار ما كانوا شهوداً (testes). لكن يجب أن نميِّز بين هاتين الوظيفتين، رغم أن كل وظيفة منسوجة مع الأخرى. “فالتعليم” كان مهمة رسولية: “علِّموا جميع الأمم”. وفي هذا الالتزام يتأصل “سلطانهم”: فهو في الواقع سلطان حمل الشهادة. هنا يجب أن نشير إلى نقطتين مهمتين:
أولاً: إلى أن عبارة “آباء الكنيسة” توكيداً واضحاً فيه شيء من الحصرية، لأنهم لم يتصرفوا كأفراد فقط، بل كرجال كنسيين (viri ecclesiastice على حد تعبير أوريجنس المفضّل)، بالنيابة عن الكنيسة وباسمها. فهم الناطقون باسم الكنيسة ومفسِّرو إيمانها وحافظوا تقليدها وشهود حقيقتها وإيمانها ومعلِّمون بارزون (magistri probabiles على حد تعبير القديس فكنديوس) وعلى هذا الأساس يقوم سلطانهم. وهو يرجعنا إلى مفهوم “عرض” الإيمان. أشار G.L.Prestig بحق إلى “أن دساتير الكنيسة الإيمانية انبثقت من تعليمها. وأن تأثير الهراطقة هو الذي جعل الدساتير القديمة موثوقة أكثر مما كانت سبباً في خلق دساتير جديدة.
وهكذا كان الدستور النيقاوي الشهير -والذي أصبح أهم دساتير الإيمان- نسخة جديدة عن اعتراف إيمان كان يستعمل في فلسطين. وهناك حدث أكثر أهمية يجب أن نتذكره دائماً وهو أن العمل العقلي الأصيل والفكر التفسيري الحي لم تقدمه المجامع التي أصدرت دساتير الإيمان، بل المعلِّمون اللاهوتيون الذين قدَّموا وفسرَّروا الصيغ الإيمانية التي تبنتها المجامع. فتعليم نيقية، الذي صار موضوع احترام وثقة، يمثِّل أفكار المفكِّرين العمالقة الذين جاهدوا طوال مئة سنة قبل هذا المجمع وطوال خمسين سنة بعده”.
كان الآباء الملهمين الحقيقين للمجامع في حضورهم وغيابهم (in absentia)، وحتى بعد انتقالهم إلى الراحة الأبدية. لذلك أكَّدت المجامع أنها “تابعة للآباء القديسين”، كما قال مجمع خلقيدونية.
ثانياً: كان إجماع الآباء (consensus patrum) يعوّل عليه إذ لم يعوّل على آرائهم الخاصة التي يجب مع ذلك ألا ننبذها بسرعة وتهور-وهذا الإجماع كان أكثر من اتفاق عملي بين الأفراد. فالإجماع (consensus) الحقيقي والموثوق به عَكَسَ فكر الكنيسة الجامعة. وهذا النوع من “الإجماع” رجع إليه القديس ايريناوس عندما أكّد أن قدرة قادة الكنائس في التعبير وعجزهم عنه لا يقدران أن يؤثرا في تماثل شهادتهم، لأن “قوة التقليد” (traditionis virtus) كانت دائماً وفي كلّ مكان هي نفسها (ضد الهراطقة 1، 10، 2).
فبشارة الكنيسة تبقى هي هي “مستمرة وثابتة ومتماثلة” (Constans et aepualiter perseverans) (المراجع نفسه 3، 24، 1). إن “الإجماع” الحقيقي يظهر ويعلن عن التماثل الدائم في إيمان الكنيسة (aepualiter perseverans) (*).
تقوم السلطة التعليمية في المجامع المسكونية على عصمة الكنيسة، لأن السلطة العليا منوطة بالكنيسة التي هي عمود الحق وأساسه. وهذه السلطة ليست قانونية بالمعنى الدقيق للفظة، مع أن الأحكام القانونية والتشريعات يمكن إلحاقها بالقرارات المجمعية التي تتعلق بالإيمان. فهي سلطة مواهبية تقوم على مؤازرة الروح القدس: “فظهرت حسنة للروح القدس ولنا”.
________________________________________
(*) “تنطلق الروح التي تحافظ على تقليد الكنيسة مباشرة من موقفها الأساسي المتمحور حول المسيح. ومن هذا الموقف خرجت الكنيسة لتقاوم طغيان الشخصيات القيادية وطغيان المدارس والاتجاهات، لأن الوعي المسيحي والبشارة المنقولة من المسيح يظهران من خلال هذه المدارس مضطربين ومهدّدين. والكنيسة لم تتردّد في أن تتخطّى بنفسها أولادها الكبار أمثال أوريجنس وأوغسطين وحتى توما الأكويني نفسه. فلا التقليد ولا التشبّث بأرض التاريخ ولا المعطيات المسيحية الأولى ولا الجماعة الحيّة الدائمة هي التي يجب أن تحمل رسالة المسيح، بل التفكير الخاص والخبرة الصغيرة والأنا الوضيعة عند الناس في كلّ مكان. ولذلك عبّرت الكنيسة عن إبسالها… فما تاريخ البشارة سوى ثبات أمام شخص المسيح وتنفيذ ملحّ لوصيته. ليكن المسيح وحده معلّمكم”.
في الواقع إن هذا المقطع المحزن هو إعادة صياغة للفصل الأول من كتاب “Commonitorium” للقديس فكنديوس الذي يميّز فيه بين فكر الكنيسة المشترك وبين الآراء الخاصة عند الأفراد:
“Vero, quamquis ille sanctus et doctus, quamvis episcopus, quamvis contessor et martyr, praeter omnes aut etiam contra omnes senserit”.
أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس
أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس
أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس [1]
1 ـ التوجه الروحى في التفسير:
إن التعاليم اللاهوتية الخاصة بسر المسيح مع الأمانة في التفسير هى التي تحدد مبادئ وطريقة التفسير. لقد كان القديس كيرلس ـ بصفته أحد آباء كنيسة الأسكندرية العظماء متحمس للتفسير الروحى للكتاب المقدس. غير أن نجاحه الفائق في تطبيقه لمنهج التفسير الروحى للكتاب كان يعتمد في الأساس على التعاليم الخرستولوجية التي آمنت بها وعلّمت كنيسة الأسكندرية.
وكما سبق الذكر، فإن التفسير الروحى عند القديس كيرلس يُفهم من خلال تدبير التجسد الإلهى. فكما أن ناسوت السيد المسيح يقودنا إلى ألوهيته ويعطى مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد، هكذا أيضًا فإن الحرف أو الأحداث التاريخية التي وردت في النصوص، تشير إلى ذلك “الشئ” الروحى الذى يُعلن بواسطتها.
فالتفسير الروحى يشير إلى الطبيعة الإلهية، بينما الحرف والتاريخ إلى الطبيعة البشرية للكلمة المتجسد، وكل منهما يعملان بغير اختلاط ولا انفصال وكليهما يشير إلى الأخرى. وبالتالى فطريقة التفسير الروحى تتخذ من الحرف ـ التاريخ أساسًا لها، إذ هى تتعرّف من خلال التاريخ على سر المسيح ” سر التدبير الإلهى” بمعنى أن التجسد يعلن “هدف” التدبير الإلهى، ونحن نكتشفه فقط عندما نعيش وفق ما يتفق وسر التدبير الإلهى هذا[2]. فهناك حد لا يمكن أن تعبره عملية التفسير وهو محاولة المفسّر أن يفحص في أعماق سر تدبير التجسد وطريقة حدوثه[3].
فأول شئ يميّز الكلام الكتابى هو حقيقة أنه يتكلّم عن كلمة الله (عن الله) بطريقة بشرّية، وبطريقة تتفق مع المقاييس البشرية، غير أن هذه الأقوال لابد وأن نفهم على أنها أقوال تليق بالله[4].
إن التفسير الروحى ـ حسب منهج القديس كيرلس ـ يستلزم التمييز الواضح وأيضًا الوحدة غير الممتزجة بين عالمين: المحسوس والمادى، الروحى والذهنى، مثلما صار الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح الواحد بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير أو انفصال. وبناء عليه فعند استخدام التفسير الروحى يكون الهدف هو تجلى العنصر التاريخى الإنسانى (الحرفى) إلى العنصر الإلهى الروحى والذي هو متحد معه بغير امتزاج ولا انفصال. ومن هنا جاء تأكيد القديس كيرلس على المبادئ الآتية:
1 ـ اللاهوت “السلبى” يصف الله بأنه غير جسدى، غير مادى، غير منظور، إذ هو خارج نطاق أى شكل أو مقياس أو وصف[5]. وبالتالى لا يمكن أن نكوّن فكرة جسدية عن الله. ومع ذلك فإن هذا اللاهوت السلبى لا يؤمن بالأفكار الغنوسية التي أنكرت المادة ورأت أن الجسد شر لأن الكتاب المقدس يتكلّم عن الله بطريقة بشرّية[6]. لأنه لا يمكن أن يتكلّم الله أو يعلن عن نفسه إلاّ بطريقة بشرية قريبة ومفهومة لدى الإنسان[7]. لكن هذه الطريقة لا تقلل إطلاقًا من المجد الإلهى، لكن على العكس فإن عجز العقل البشرى واللغة البشرّية هى السبب الذي جعل الكتاب يتكلّم بطريقة بشرّية عن الله.
وهكذا فالكلام عن الله يتماشى مع حاجة الكلام البشرى ومقاييسه. إذًا لكى نعرف سمو المجد الإلهى يجب علينا أن نفهم ـ وبطريقة خاصة ـ الشواهد التاريخية والإنسانية أى ما تليق بالطبيعة البشرية، المدونة في الكتاب المقدس، عن الله. وخاصةً لأن الإنسان له جسم كثيف وبالتالى فهو محكوم بقوانين بيولوجية، فلهذا لا يجب عليه أن يتعامل مع التعبيرات والمعانى اللاهوتية بطرق تاريخية أو لغوية نحوية أو أن يفهمها حسب رغبته البشرية[8]
لكن حسب ما يليق بالطبيعة الإلهية الفائقة سيظل الكلام البشرى قاصر وغير كافٍ لوصف الإلهيات، لأن ما يعبر عنه ـ نسبيًا ـ ينحصر في نطاق اللغة والنموذج والعلاقة والمثال، وبواسطة الكلام البشرى نستطيع أن نفهم جانبًا ما مما هو خاص بالطبيعة الإلهية الفائقة. فالكلمة الكتابية لا تدل على ما هو لله بالضبط، بل هى ببساطة تشير إليه “[9].
والذي يحدد معنى كل كلمة في الكتاب ليس هو التحليل اللغوى لها أو المعنى التاريخى الذي تحمله، بل أنه ذلك الشئ “المخفى فيها” في العمق وسرائريًا وحسب التدبير[10].
إذًا فالتفسير الكتابى ليس هو شأن لغوى ينحصر في الفهم الحرفي ـ التاريخى للكلمة ولكن هدف التفسير هو “المعرفة الإلهية”. بمعنى أنه بينما يستخدم الفكر البشرى والإمكانيات اللغوية في التفسير إلاّ أنه لا يجب أن تبقى العملية التفسيرية منحصرة في الحدود الحرفية للكلمات بل أن تشير دائمًا إلى ما هو إلهى. وما يرمى إليه التفسير الكتابى هو المعرفة الخلاصية لعمل التدبير الإلهى، وهو بهذا يكشف حدود المعرفة الإلهية الحقيقية.
بهذا لا يمكن أن نظل محصورين في الحرف أى في الكلمات، لأن الغرض منها هو الصعود نحو الأسمى من المحسوس إلى الروحى فالحرف يخدم سر التدبير الإلهى والمحسوسات البشرية تتجلى بفضل التجسد، نحو الحالة الإلهية، في المسيح يسوع.
وفيما يختص بطبيعة وخاصية وشكل وعمل الكلام الكتابى، فإن القديس كيرلس يفرّق بين الكلام الكتابى وكلام الفلسفة اليونانية بقوله إن كلام الفلسفة اليونانية هو بغير جسد أما الكلام الكتابى فهو متجسد. بمعنى أن الكلام الكتابى هو ـ بطريقة ما ـ يحمّل بقوة السر الإلهى، فهو المثال والنموذج للروحيات والمعانى، وهو يرفع العقل من الماديات إلى الروحيات[11].
2 ـ نقطة أخرى يشدّد عليها القديس كيرلس خاصة بالتفسير الروحى وهى أن العنصر التاريخى واللغوى والحسى في الكلام الكتابى هو البداية والأساس والمحتوى للتفسير الروحى. فالقيام بتفسير الكتاب المقدس روحيًا يُلزمنا أن نفهم جيدًا البعد التاريخى والمصطلحات اللغوية للنص الكتابى وهنا فقط يكتشف المفسر قوة النص وسوف يقودنا النص من ذاته إلى نعم روحية هائلة.
وهذه القاعدة تنطبق ليس على العهد القديم فقط بل على العهد الجديد أيضًا. فالقديس كيرلس يؤمن بأنه لا توجد أية أحداث تمت بالمصادفة في الكتاب المقدس كله[12]. وإيمانه هذا يدل على إيمانه بوحى الكتاب المقدس، هذا الوحى لا ينسحب بالطبع على الحرف الكتابى بل على تسجيل أحداث التدبير الإلهى في نص الكتاب. هذه الأحداث الإلهية هى محمّلة بقوة سرائرية[13].
بمعنى أنه ليس الحروف في حد ذاتها أو التعبيرات اللغوية في حد ذاتها هى التي تكشف الحقيقة اللائقة بالله، لكنها الأحداث الإلهية عينها. غير أننا نتعرف على سر التدبير الإلهى بمساعدة التاريخ والكلام، لأنه هكذا فقط نستطيع أن نقترب ـ وطبقًا لمعاييرنا البشرية ـ من السر الإلهى كما رأينا سابقًا.
وبالتالى فتفسير القديس كيرلس الروحى هو في الواقع تفسير للأحداث وشرح “لجوهر” ما حدث، يعبُر عناصر التاريخ واللغة والحرف. وبالتالى فإن الدقة في التفسير اللغوى والتاريخى والصدق فيهما، هو أمر مهم وضرورى في التفسير الكتابى طالما أنه عن طريق الشرح التاريخى واللغوى يتم توضيح المعنى وفهم الأمر أو الحدث الذي يعبر عنه والذي يجب في النهاية أن نصل إليه. لهذا فإن تشدّيد القديس كيرلس على أهمية التفسير التاريخى يرجع للأسباب الآتية:
أنه يُعتبر هو الظل الذي يقود إلى عمق الروحيات[14].
أنه يشهد بصدق الكلام الإلهى، لأن ما هو تاريخى هو نموذج وظلال لما هو روحى.
له هدف تربوى وتعليمى وأخلاقي لأن حياة مختارى الله سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد هم نماذج وقدوة للحياة المسيحية الحقيقية.
وأخيرًا لابد وأن ننوّه إلى أنه بالرغم من حدوث تطرفات كثيرة من البعض في استخدامهم لمنهج التفسير الروحى إلاّ أن القديس كيرلس كان واعيًا جدًا لأبعاد هذا الأمر. لقد كانت قناعته الأساسية أن الكلمة المكتوبة لها طبيعتان أو وجهان وبالتالى فلها مفهومان: تاريخى ومفهوم روحى ولابد أن نعمل على أن نصل إلى هذين المفهومين. والقديس كيرلس لا ينحاز إلى أى من التفسيرين التاريخى أو الروحى فلكل منهما قيمته ولابد من استخدامهما بحذر[15].
والعلاقة بين التفسيرين التاريخى والروحى تشابه ـ بحسب القديس كيرلس ـ العلاقة بين الإيمان والمعرفة. فلابد أن يوجدا معًا في حياة المؤمن وإن كان الإيمان لابد وأن يسبق المعرفة (انظر إشعياء 9:7) وبالحرى فالإيمان يصل بالمرء إلى المعرفة الكاملة[16]. وغير ذلك فإن الإيمان هو في الواقع المعرفة الحقيقية عن الله[17]. كما أن المعرفة الحقيقية عن الله هى مزدوجة: عقيدية وسلوكية. بمعنى المعرفة القوية بالله وبناء عليها تكون الحياة في الفضيلة[18].
إن إتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية في شخص المسيح الواحد قد أعاد للعالم الروحى والعالم الحسى وحدتهما. قد أعاد وحدة عمل كل أعضاء الإنسان معًا كما أعاد وحدة الحياة الروحية والجسدية معًا. وأخيرًا يتضح لنا أنه لكى نصل إلى المعنى السرى والعميق للكلمة الكتابية هناك احتياج دائم إلى تطبيق الهدف العام له، بمعنى أن نتعرّف داخل الشخصيات والأحداث والروايات التاريخية والأخرى الكتابية على أفعال التدبير الإلهى وبالتحديد نتعرّف على سر المسيح.
هذه الطريقة تمنع وجود مسافة فاصلة أو اختلاط بين العهدين القديم والجديد أو تفسير كل منهما بمعزل عن الآخر. فالعهد القديم والعهد الجديد بينهما علاقة لا تنقطع. هذه العلاقة تفرضها طبيعة وهدف الأحداث عينها (أى أحداث التدبير الإلهى) والتي يصفها ويسجلها كل من العهدين القديم والجديد.
ولقد كان القديس كيرلس أحد آباء التقليد الأسكندرى الذي دافع عن هذه العلاقة بين العهدين واعتمد على ما جاء في (2كو6:3)، (عب1:10) موضحًا أن العهد القديم هو نص نبوى له شكل الظل والمثال والنموذج فهو يتنبأ عن سر المسيح وهذا يسرى على أسفار موسى الخمسة وأيضًا على كل الكتب النبوية[19]. والعهد القديم يستعلن كظل للعهد الجديد، وهذا يمكن فهمه فقط في حالة تفسيره تفسيرًا روحيًا.
3 ـ التوجه الكنسى في التفسير:
يقول القديس كيرلس “إنه من الصعب جدًا أن نشرح الأسرار الإلهية”[20]. هذه الصعوبة تكمن في حقيقة أن الأسرار الإلهية تنتمى إلى العالم الروحى والذهنى، حيث لا يوجد للإنسان تدخل مباشر فيه، فما نعرفه عن هذا العالم هو ظلال وقشور، فالطبيعة الإنسانية الفاسدة والذهن المريض لا يسمحان بمعاينة المجد الإلهى معاينة كاملة”[21]، وبالتالى فعلى المفسر أن يعرف أن عمله سيكون دائمًا غير كامل[22]. ومع ذلك فعلى المرء أن يفسر الكتب المقدسة حتى ولو كان قد سبقه آخرون[23].
ويجب على المفسر أن يكون لديه وعى بما سيقابله من صعوبات في التفسير الكتابى وأن يبحث عن الأساسيات التي ستساعده وخصوصًا فيما يتعلق بفهم الأسرار الإلهية. هذه الأساسيات تتعلق بإيمان الكنيسة وتخص حياتها.ولقد عمل القديس كيرلس دائمًا على البحث عن التعاليم والخبرات الكنسية وقد رأى فيها دليلاً ومرشدًا له في تفسيره الكتابى وكان ما فعله القديس كيرلس متوافقًا مع التقليد الكنسى أو التسليم الذي عاشت به كنيسة الأسكندرية وكنيسة أنطاكية.
1 ـ تعتبر مسألة الوحى الكتابى أساسًا مشتركًا في تعاليم كل الآباء الذين سبقوا القديس كيرلس. وهو نفسه يؤكد ذلك معتمدًا على ما جاء في رسالة تيموثاوس الثانية (16:3) ” وكل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم“[24]. وعندما يتعرّض للطريقة التي قَبِلَ وكَتَبَ بها الكتّاب المقدسين كلام الله فإنه يواصل التقليد الأسكندرى الذي يعلّم بأن الكتّاب قد قَبِلوا الكلمة الإلهية بإعلان مباشر من فم الرب وسجلوه وسلّموه بإلهام مباشر من الروح القدس”[25].
ووساطة الروح القدس في اعلان الحكمة الإلهية يرجع إلى حقيقة أن الروح القدس هو الذي يعرف ويفحص أعماق الله (1كو10:2) والروح القدس يمنح الأنبياء الآذان الروحية ليسمعوا كلام الله[26]. وفي هذه الحالة لا يفقد النبى قوته ووعيه الذهنى ولا يصير كأداة ميكانيكية للروح ـ على العكس فبطريقة واعية وتفكير في الأشياء المعلنة[27] يسجلون الإعلان الإلهى سواء عن طريق السمع أو الرؤى وهو على ذلك ناقص وليس كاملاً. لأنه يتجاوب ويتمشى مع محدودية الطبيعة البشرية. فالكلمة الإلهية المكتوبة في علاقتها بجوهر الشئ الذي تريد أن تعلن عنه، هى نموذج ومثال ولغز وسر وتحتاج لحضور الروح القدس لكى يُعلن المفهوم الروحى العميق المستتر وراء الكلمة.
وبناء على ذلك فالكتاب المقدس يُفهم فقط داخل الكنيسة وذلك بواسطة الروح القدس الحاضر في الكنيسة. وبالتالى فالطبيعة البشرية بمفردها لا تستطيع أن تكشف الأسرار الإلهية[28]. فقط الروح القدس هو القادر على أن يكمّل ما ينقص وهو يهب الكلمة الإلهية، إن كانت تتعلق بما سيأتى أو إن كانت تتعلق بمعرفة الأسرار الإلهية[29].
الروح القدس بالتالى هو العامل الأساسى في معرفة وفهم ما هو مخفى ومستتر وراء النص اللغوى ولهذا فهو يمثل عاملاً أساسيًا في عملية التفسير الكتابى[30].
إن معرفة سر الله هى عطية إلهية للإنسان ويصل الإنسان إلى هذه المعرفة بغنى النعمة الإلهية فقط[31]. هذا العمل يتمّمه الروح القدس، الذي يهب للطبيعة البشرية الصلاح، أى معرفة الأسرار الإلهية. وهذه المعرفة تنير القلب والعقل. وبالتالى فمن البديهى أن الفهم القويم للكلمة الكتابية يتطّلب صلاة لله حتى يرسل نعمته لتضئ العقل وتنيره[32].
إذًا فالتفسير القويم للكتاب المقدس والذي يفضى إلى الرؤية الروحية، وإلى جمال وروعة الحق الإلهى هو عطية المسيح والروح القدس[33]. الكتاب المقدس ـ عند القديس كيرلس ـ له الأولوية المطلقة فيما يتعلّق بالموضوعات الإيمانية والعقائدية والسلوكية[34]. والذي يجب أن يلتف إليه القارئ للكتاب المقدس، أول كل شئ هو أن يطبق الهدف العام للكتاب[35]. ولقد استلم القديس كيرلس من القديس أثناسيوس المحتوى اللاهوتى لـ “هدف” الكتاب المقدس[36].
والذي يتطابق ـ كما رأينا ـ مع سر المسيح أى مع حدث التجسد الإلهى. ولكنه امتد بهذا الهدف ليشمل كل سر التدبير الإلهى[37]، أو الوحدة الجوهرية بين الآب والابن[38]، أو في الأساس للحديث عن الثالوث الأقدس[39]. وبالتالى “فهدف” الكتاب المقدس يتطابق مع الإيمان القويم فيما يتعلّق بعمل التدبير الإلهى للثالوث. هذا الإيمان يسميه القديس كيرلس “المعرفة الكاملة” والتي تتوافق مع دقة العقيدة، ويتجاوب مع الهدف الداخلى للكتاب والتي نحصل عليها باستنارة الروح القدس[40].
إن استقامة الإيمان أو المعرفة الكاملة ليست هى الهدف الداخلى للكتاب فقط لكنها ترتبط أيضًا بتوافق فكر الآباء[41]. إن توافق فكر الآباء هو المفهوم القويم للكتب الإلهية إذ هى في فكر وقلب القديسين الذين أدخلهم الروح القدس إلى بحار معرفة المسيح غير المحدودة[42]. فنحن إذًا بصدد تقليد حيّ مُلهِم للآباء، بفعل استنارة الروح القدس لهم، قد صاغوه في اعترافات إيمانية[43]. هذا التقليد يمثل معيار وعلامة محورية للتفسير الكتابى ولذلك فمن الضرورى أن نقتفى آثار “هدف” هذه الحكمة الآبائية.
3 ـ إن هدف الكتاب المقدس حسب ما ذكرنا من قبل، يحيا ويعمل في الحياة الليتورجية في الكنيسة. فالكنيسة ترتبط مباشرةً بتدبير التجسد وتبعًا لذلك فهى تربط مباشرةً بهدف الكتاب. لذلك فإن القديس كيرلس كان يعطى دائمًا للتعبيرات “جبل صهيون، جبل، الجليل، أورشليم، الخ .. معنى الكنيسة ناسبًا دائمًا لها معنى روحيًا[44].
ويرى القديس كيرلس أن سر التدبير الإلهى يُتمم بطريقة سرّية في الكنيسة لذلك فهى “البيت المقدس للمخلّص وكل من يتجاهل هذا البيت وكل من يكتفى بالتفسير الجسدى (الحرفي) للكتاب ليس لديهم إمكانية للخلاص. وعندما يأتى أحد لهذا البيت فقط، وبإيمانه ويشترك في الأسرار فإن له إمكانية للخلاص”[45]. وهكذا فإن حياة الإيمان المعاش والمشاركة في الحياة الليتورجية الكنسيّة واختيار حياة الفضيلة اليومية، هى أمور ضرورية وأساسية للتفسير الصحيح للكتاب المقدس.
[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بمؤتمر تثبيت العقيدة السابع بالفيوم، عام 2004.
[2] PG 76.1373C عن الإيمان المستقيم: 3
[3] PG 75.393B الكنز في الثالوث 24
[4] PG 73. 132C. شرح يو9:1
[5] PG 70, 1084A تفسير إشعياء 4:4
انظر أيضًا القداس الغريغورى في وصفه للابن.
[6] PG 69. 689Bعن سفر الملوك
[7] PG 69. 792.تفسير المزامير
[8] PG 74.28B.شرح إنجيل يوحنا
[9] PG 76.33C.ضد نسطور 3:1
[10] PG 70, 565C.تفسير إشعياء
[11] الدفاع ضد يوليانوس فصل 7 PG 76. 852
[12] PG 68. 663C. العبادة بالروح والحق 10
ويكرر هذا في مواضع كثيرة في كتاباته.
[13] PG 73 964A شرح إنجيل يوحنا
[14] PG. 68. 540B العبادة بالروح والحق 3
[15] PG 70. 192 Bتفسير إشعياء 4:1
[16] PG 73. 576D. 628D شرح إنجيل يوحنا 2:4
[17] PG. 74. 485C شرح إنجيل يوحنا 11
[18] PG. 74. 565D شرح إنجيل يوحنا 12
[19] PG. 68, 440Aالسجود والعبادة بالروح والحق 6
[20] PG 73. 16A. شرح إنجيل يوحنا
[21] PG. 74. 646AB شرح إنجيل يوحنا 11
[22] PG 74. 537B.شرح إنجيل يوحنا 11
[23] PG. 71. 12A. تفسير إشعياء
[24] PG 77. 204C رسالة 41 .
[25] PG 71. 945A. تفسير سفر الحكمة
[26] PG. 70, 349D تفسير إشعياء 2:2
[27] PG. 70, 489A المرجع السابق
[28] PG 74. 464B شرح إنجيل يوحنا 11
[29] PG 73, 193B المرجع السابق
[30] PG. 73, 557A تفسير يوحنا 1:4
[31] PG 73, 552A المرجع السابق
[32] PG 73, 665D تفسير يوحنا 3:4
[33] PG 73. 412D شرح يوحنا 3:2 PG. 70. 800B تفسير إشعياء 4:3
[37] كان القديس أثناسيوس قد سبق واستخدم هذا التعبير من قبل معطيًا إياه أهمية كبيرة في فهم الكتاب المقدس. انظر: د. جوزيف موريس فلتس: المواجهة العملية للتيارات النقدية المعاصرة بمؤتمر تثبيت العقيدة بالفيوم 2003. نُشر في: دورية دراسات آبائية ولاهوتية، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. العدد الثالث عشر. يناير 2004، ص79.
[38] PG 74. 509…شرح إنجيل يوحنا 11
[39] PG 74, 23A-460C. شرح إنجيل يوحنا 9، 11
[40] المرجع السابق.
[41] PG. 74. 216C. شرح يوحنا 9
[42] PG 75, 1413A. عن التجسد
[43] PG. 77. 109Dرسالة 7:17
[44] PG. 76, 68D تفسير إشعياء 2:1
[45] PG. 73. 217AB. شرح يوحنا 1:2
أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس
إن المُتابع للأحداث الكنسيّة والسياسية في القرنين الرابع والخامس بصفة خاصة، يستطيع أن يدرك مدى الحس الوطني الذي كان يتمتع به آباء الكنيسة في تلك الفترة. والحقيقة أن الكنيسة القبطية قد لعبت دورًا أساسيًا في إعادة إحياء الضمير القومي و الانتماء وتحديد الهوية الوطنية والتأكيد عليها في ظروف قاسية جدًا اتسمت بالاضطرابات والقلاقل والاضطهادات الكثيرة والمتنوعة على المستوى العقيدي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي على حد سواء. إلاّ أن الاضطهاد العقيدي بطبيعة الحال كان هو الأكثر قسوة ووحشية من أى اضطهاد آخر، والذي وصل إلى قمته في عصر دقلديانوس، إذ أنه قد تجاوز كل الحدود من عذابات، وقتل، ونفي وهدم للكنائس، وحرق للكتب المقدسة ومصادرة الممتلكات، الأمر الذي ترك في نفوس المسيحيين، فى الإمبراطورية الرومانية بصفة عامة والمصريين منهم بشكل خاص، جروحًا عميقة امتد أثرها لقرون طويلة. وبسبب ضراوة ووحشية الاضطهادات التي تعرضت لها الكنيسة في القرون الأولى فقد جعلت الكنيسة القبطية يوم 29 أغسطس سنة 284، بداية لتقويمها السنوي، وهو التاريخ الذي تولى فيه دقلديانوس مقاليد الحكم واعتلى العرش الإمبراطوري[1]، تكريمًا منها لدماء شهدائها واعترافًا لهذه الدماء في حفظ الإيمان. هذه المصاعب الكثيرة التي لاقاها المصريون على كل الأصعدة، خلقت نوعًا من ردود الأفعال الغاضبة على المستوى العام، رغبة منهم في التغيير الذي ترجوه طويلاً. في ظل هذا المناخ المتردي برز دور الكنيسة كمعبرة عن هذه الإرادة الشعبية التي كانت تتوق إلى رؤية قيادة وطنية تحمل همومها وترعى طموحاتها وتطلعاتها. والواقع أن هذه الرغبة في التغيير لم تكن رغبة وقتية تهدف إلى رفع المظالم الاجتماعية أو التخلص من الاضطهادات المتكررة، بل هى ذاكرة الأمة التي حفظت كل هذه الأحداث الكثيرة والأليمة منذ بداية الاحتلال الروماني لمصر وحتى قيام الكنيسة بشكل محسوس بدورها في التأكيد على هوية هذا الوطن، وأن هذا الوطن هو لأبنائه وليس للمحتل.
ويؤكد الباحثون على أن فترة الاضطهاد هذه قد قوّت إلى حد يعيد الروح الوطنية المصرية[2]. فمازال الضمير القومي يحمل في أعماقه بصمات التمييز العنصري التي رسّخها هذا الاحتلال من تقسيم المجتمع إلى طبقات متباينة فيما بينها، فكانت غالبية المصريين لا تتمتع بأى حقوق سياسية، وفرضت عليهم ضريبة الرأس، وكان سكان القرى يدفعون هذه الضريبة كاملة. فقد قُسم مجتمع الأسكندرية إلى عدة طبقات كالآتي:
1 ـ طبقة المواطنين الكاملين، وهؤلاء لهم كل حقوق المواطنة كاملة من ملكية للأراضي إلى حقوق سياسية، ومزايا دينية، وإعفاء من الضرائب ومن السخرة، ومن هذه الطبقة يُختار الموظفين والكهنة.
2 ـ طبقة المكدونيين وكانت لهم مزايا خاصة في البلاط الإمبراطوري والجيش.
3 ـ طبقة اليهود، وهؤلاء كان لهم نظام خاص بهم، لكن لم يكن لهم حقوق المواطنة.
4 ـ وأخيرًا طبقة المصريين الذين سكنوا منطقة راكوتيس، وكانوا يعتبرون عنصرًا أجنبيًا في المدينة،ولم يكن لهم أى حقوق.
ويستطيع المرء أن يلحظ أن جميع الطبقات الاجتماعية كانت تتمتع بمزايا خاصة تتحدد بحسب أهمية ومكانة هذه الطبقة، عدا طبقة المصريين أصحاب البلاد الأصليين، الذين اعتبروا عنصرًا “أجنبيًا” في وطنهم. وقد ثبّت النظام الروماني فكرة أن الرعية هم عبيد لدى الإمبراطور وأن ممتلكاتهم هى للدولة. هذه العوامل كافة قد ساهمت في خلق مناخ رافض لكل ما هو أجنبي، ورغبة شعبية جارفة في بزوغ قيادة وطنية تكون قادرة على إنقاذ البلاد من هذه الحالة المأسوية التي وصلت إليها. في هذا الإطار، شكّلت الكنيسة عنصرًا حيويًا ومهمًا في مقاومة هذه المظالم الكثيرة وتعهدت بالقيام بمسئوليتها كما ينبغي ليس فقط على المستوى الروحي، بل وعلى المستوى القومي أيضًا، أى أن مسئوليتها تجاه هذا الوطن لم تكن أقل من مسئوليتها الروحية تجاه أبناء هذا الوطن. ولم تكن دعوة آباء الكنيسة إلى التطّلع نحو الوطن السمائي بديلاً عن الاهتمام بالوطن الأرضي. وما دعوتهم إلى التكافل الاجتماعي وحث الأغنياء على البر بالفقراء، إلاّ تأكيدًا على رغبتهم القوية في استقرار المجتمع بكل فئاته. وهذا ما تحثنا عليه الكنيسة في صلواتها الليتورجية ” بارك اكليل السنة بصلاحك من أجل فقراء شعبك من أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف ومن أجلنا نحن الذين نرجوك ونطلب اسمك القدوس”.
مبدأ الانتماء للوطن:
وتأتي بعض المبادئ التي تحدث عنها القديس يوحنا ذهبي الفم خير مثال على ذلك فيقول: ” إن الأغنياء يدخلون ملكوت الله بأيدي الفقراء “، وهو بهذا يربط الدخول إلى ملكوت الله، بموضوع البر بالفقراء. وهذا يعني أن الآباء وإن كانوا يؤكدون على ضرورة الاهتمام الكامل بالحياة الأبدية، إلاّ أنهم في نفس الوقت قد اهتموا بشكل واضح بتحقيق التوازن بين جميع طبقات المجتمع الواحد حتى يتحقق للجميع حياة مريحة وهادئة ومستقرة. وقد اهتموا بصفة خاصة بالفئات المهمشة والمقهورة، لأنهم وجدوا فيها فرصة لتحقيق القيّم الأصيلة للمجتمع. وهذا يعني أن صورة المجتمع الحقيقية لا تتضح ولا تكتمل إلاّ من خلال الاهتمام بهذه الفئات، لأن مجرد وجودهم يحث الجانب الأقوى في المجتمع على ممارسة المحبة. وبناء على ذلك يصير مبدأ الانتماء للوطن حقيقة واقعية. فحين يتحقق التكافل الاجتماعي ويصير حقيقة ملموسة من الجميع يصبح الانتماء للوطن موضع فخر لدى كل أعضائه، ويصير لكل عضو في هذا المجتمع الحق في أن يتمتع بالحياة كما ينبغي. بيد أن هذه القيّم قد صارت مرفوضة من المحتل الدينى صوّب هدفه الوحيد نحو استنزاف موارد الوطن الذى يحتله لمصلحة سلطة الاحتلال. وهو ما جعل آباء الكنيسة يتصدون للسلطة السياسية الأجنبية التي صادرت حق أبناء الوطن الأصليين في الحياة الكريمة، وسعوا جاهدين لتحريرهم من كل القيود سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، وهذا ما جعل الشعب يلتف حول قادته الكنسيين. ورغم قسوة السلطة السياسية في العصور الأولى للمسيحية وإمكاناتها الضخمة، إلاّ أنها لم تستطع أن تفرض على الشعب القبطي بطريركًا من اختبارها، فكلما كانت تحاول أن تفعل ذلك، كانت تلاقي رفضًا جارفًا، حتى مع ممارسة أقسى أنواع الاضطهادات، ولذلك استند الآباء إلى إرادة الشعب حين قرروا أن يحملوا المسئولية في الدفاع عن العقيدة والوطن. وقد كانت دعوة القديس أثناسيوس لتهيئة الطريق نحو الإيمان المستقيم، تُشكّل في نفس الوقت بداية جديدة لإحياء الضمير القومي الذي كان قد اختفى منذ سنوات طويلة كما يقول الباحث H.I.Bell خاصةً وأن الضغوط النفسية القوية الناتجة عن التمييز العنصري المتعمد، وفرض الضرائب، والاضطهادات المتكررة لفترات زمنية طويلة، قد ساهمت في تغرّب الشعب القبطي عن السلطة السياسية[3]. وهكذا أظهر الشعب رفضه ومقاومته لكل هذه الأوضاع البغيضة التي فرضها عليه المحتل الأجنبي، بوقوفه بشجاعة خلف بطريركه الذي حمل أمانة الدفاع عنه بكل مثابرة وإخلاص وقام بواجبه على أكمل وجه. ما يؤكد ذلك هو النفي المتكرر للقديس أثناسيوس (5 مرات) إذ كان يمثل نوعًا من رد الفعل السياسي على مواقفه الثابتة والحاسمة، والتي وإن كانت مواقف كنسية مُعلنة ولها علاقة مباشرة باستقامة العقيدة، إلاّ أنها تمثل ـ فى نفس الوقت ـ مقاومة للسلطة السياسية التي كانت تدعم آريوس والآريوسيين في ذلك الوقت.
الوطن الأرضي والوطن السمائي الإنتماء إلى مَنْ؟:
وخلال الفترة ما بين بداية تعاليمه اللاهوتية، وانتقاله إلى ملكوت الله والتى امتدت لحوالى 50سنة لعب الأباطرة أدوارًا عديدة، ولجأوا لكل الحيل السياسية وغير السياسية للتأثير على القديس أثناسيوس، حتى يضعف ويُغيّر من مواقفه، إلاّ أنه كان مثل الصخرة التي تحطمت عليها كل هذه المحاولات، وقد كان رد فعله واضحًا حين قيل له “العالم كله ضدك يا أثناسيوس” قال “وأنا ضد العالم” وهذا يُعلن عن ثباته على مواقفه مهما كلّفه هذا من معاناة من أجل إيمانه ووطنه، قال عنه البروفيسور M. Dhmits£j: ” رغم كل الآلام التي عاناها أثناسيوس، إلاّ أنه بقى كالصخر وسط أمواج البحر، وكمنار يُظهر طريق الحقيقة لكل المؤمنين”[4]. لقد قاوم أباطرة، وهراطقة، ووثنيين، ويهود، وهؤلاء اليهود على وجه الخصوص كانوا مُسلحين بالمال والخطط ضد المسيحيين، وصار بينهم وبين الآريوسيين نوعًا من التوافق تمثل في رؤيتهم المشتركة في رفض الإيمان بألوهية المسيح. كل هذه التيارات العديدة بتوجهاتها المختلفة أفرزت فوضى وارتباك في الفكر، وولّدت حيرة في نفوس البسطاء بسبب هذا الشطط في التعاليم العقيدية، وخلّفت ضغوطًا نفسية قوية بسبب التمييز العنصري بين فئات الشعب.
وقد عانى القديس أثناسيوس متاعب تفوق احتمال البشر لأجل المحافظة على استقامة العقيدة ونقاوة الإيمان وحرية الانتماء للوطن.
إن جميع هذه الأحداث تظهر كما يقول البروفيسورHardy ” إن القديس أثناسيوس كان يحمل في أعماقه حبًا شديدًا لوطنين، مصر والكنيسة، فمصر كانت وطنه الأرضي الذي أحبه وكان يخشى عليه من الأزمات، والكنيسة كانت الوطن السمائي على الأرض، الذي أحبه أيضًا وكان يخشى عليه من الانشقاق والتصدع. وهكذا فإن هذين الوطنين كان يمثلان بالنسبة له القيمة الكبرى التي وضحت في جهاده ضد كل هذه التيارات”[5].
وهذا ما أشار إليه أيضًا الباحث J. Griffiths بقوله ” إن القديس أثناسيوس قد وعى تمامًا مكانته على المستوى القومي. وهذا ما يظهر في رسائله الفصحية، مُشيرًا إلى الباحث الفرنسى Lefort الذي قال إنه كان على حق حين قال ” إن القديس أثناسيوس لم يكن فقط بطل الأرثوذكسية في أعين الكنيسة المسكونية، بل أنه كان أيضًا، وربما أكثر من كل شئ، القائد العظيم للكنيسة المصرية “[6].
أيضًا أكد G .wiet على أن النفي المتكرر والمتاعب الكثيرة في حياة الأسقف الأسكندرى العظيم، لم يكن سببها الوحيد هو التصادم العقيدي والصراع مع الآريوسيين، بل أنه في مرات عديدة كان سببها يتمثل في سياسة الأباطرة اللاحقين لقسطنطين الكبير، الذين سعوا للتقليل من تأثير كنيسة الأسكندرية ودورها الهام في الحياة الكنسية وخاصةً في الشرق، لمصلحة كنيسة العاصمة الجديدة (القسطنطينية) لأنهم أرادوا أن يركزوا كل السلطات الكنسية في الموضع الذي تتواجد فيه الحكومة البيزنطية[7]. ولذلك فقد أكد الدارسون لتلك الحقبة بأن كل المحاولات التي جرت وما صاحبها من إجراءات سواء على المستوى السياسي أو العقيدي، كانت تستهدف في الحقيقة كسر شوكة بطاركة الأسكندرية الذين برزوا كزعماء دينيين من جهة وزعماء للشعب المصري من جهة أخرى[8].
وكان موقف القديس كيرلس أيضًا في تمسكه بالحق ودفاعه عن العقيدة، وعن حرية أبناء وطنه، موقفًا ثابتًا لا يتزعزع تحت أى تأثيرات، وكان انتصاره في مجمع أفسس سنة 431، ومحاكمة نسطور وإدانته وهو الذي كان مدعومًا من الإمبراطور، يمثل انتصارًا آخرًا أُضيف إلى انتصارات كنيسة الأسكندرية على حساب أسقف القسطنطينية التى كانت عاصمة الإمبراطورية الشرقية، ونجح في توسيع صلاحياته على حساب المندوبين السياسيين الممثلين للإمبراطور في مصر
آباء البرية ومواقفهم الوطنية وانتمائهم للوطن:
في هذا السياق أيضًا كان لآباء البرية إسهاماتهم الواضحة ودورهم الهام في التأكيد على هوية هذا الوطن والدفاع عن أبنائه. ولم ينعزلوا قط عن أحداث أمتهم وكنيستهم. بل أنهم قدّموا الكثير للمجتمع، وتاريخ الرهبنة القبطية، يشهد على أن ” آباء البرية لم يهملوا قط الاهتمام بالفقراء ورعايتهم، وكانوا يرسلون القمح والملابس لفقراء الأسكندرية بصفة مستمرة ويؤكد تاريخ الرهبنة أيضًا على أنه نادرًا ما كان يوجد فقيرًا يعيش إلى جوار الأديرة”. هكذا فإن الأنبا شنودة رئيس المتوحدين كان في توجهه نحو خدمة المجتمع يُعبّر عن إيمانه بأن هذا العمل يعكس الوصية الإنجيلية الخاصة بمحبة القريب. ويؤكد الدارسون لحياته وكتاباته بأنه كان وطنيًا من الدرجة الأولى من ناحية الانتماء للوطن، بل أنهم يؤرخون لاستعلان الضمير القومي من بداية عصره، فقد هاجم كل أشكال الظلم التي كانت تقع على أبناء وطنه.
هذا الحس الوطني المتميز عند الأنبا شنودة رئيس المتوحدين الذي يدل على الانتماء القوي قد استعلن في كثير من المواقف التي أظهرت بوضوح هذا التوجه القومي. بداية من رفضه استخدام اللغة اليونانية في أديرته، رغم إجادته لها بشهادة الكثير من الباحثين، واستخدامه للغة القبطية ليس فقط في الكتابة، بل وفي الحديث أيضًا. وظهر وعيه الوطني أيضًا في الاحتجاجات التي كان يُثيرها ضد الممارسات العنيفة التي كانت تقوم بها السلطة السياسية ضد أبناء وطنه، وذهابه للمحاكم للدفاع عن المظلومين. وفتح أبواب أديرته أمام كل المحتاجين، وكل المضطهدين. وكان لنشاطه الاجتماعي بعدًا قوميًا، وأيضًا كان لتوجهاته القومية نتائج اجتماعية واضحة، تمثلت في التفاف الشعب حوله، لأنهم رأوا في شخصه القائد المنقذ من كل ما عانوه من متاعب وأزمات واضطهادات. ولم يكن الأنبا شنودة يبحث عن هوية لهذا الشعب، بقدر ما أراد أن يؤكد على هوية الشعب نفسها، تلك التي أراد البعض لها أن تختفي وتزول، إما بإرساء ثقافات أخرى مغايرة لثقافة هذا الشعب وتقاليده التي استقر عليها منذ زمن طويل، وإما بممارسة ضغوط واضطهادات، مستخدمين في ذلك كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بغية تحقيق هذا الهدف[9].
وقد نجح الأنبا شنودة رئيس المتوحدين بالفعل في إحياء الضمير القومي القبطي و الانتماء للوطن في ظل ظروف شديدة التعقيد على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والكنسيّة، وكان من نتائج ذلك أن قام الرهبان بمقاومة القرار الخاص بتجنيدهم الاجباري في الجيش الروماني، وفضّل الكثيرين من هؤلاء أن يجوزوا الموت، على أن ينخرطوا في هذا الجيش الأجنبي الغريب. وقد حاولت السلطة السياسية الرومانية بكل الطرق أن تحد من موجة الانضمام إلى الأديرة. فقد حاولت طبقًا لبنود القانون المدني، أن تمنع القادرين من أن يصيروا رهبانًا حتى لا يتهربوا من واجباتهم تجاه الإدارة المحلية، خاصةً وأن القانون رقم 31 لسنة 313، كان يسمح للإكليروس التحرر من الخدمات الإلزامية[10]. هذا التوجه القومي للرهبنة القبطية، أكد عليه كثير من الباحثين، إذ يذكر المؤرخ الفرنسي دوشين وفقًا للإشارة التي أوردتها له إيريس حبيب المصري، في كتابها تاريخ الكنيسة بأن “الرهبان لكونهم المدافعين الملتهبين عن كنيستهم الوطنية فقد اشتركوا في المنازعات السياسية والدينية، فظلوا على مدى قرون عديدة خطرًا كبيرًا يهدد الإمبراطورية”[11].
ويشدد المؤرخ O’Leary على تلك العلاقة الوثيقة التي ربطت بين الكنيسة المصرية والرهبان المصريين بقوله ” كان الرهبان المصريون على عهد أثناسيوس حلفاء مُخلصين للأسقف الأسكندرى، وكان رهبان وادي النطرون أكثر من غيرهم ارتباطًا به، وكثيرًا ما وجدت فيهم السلطات البيزنطية في الأسكندرية مصدرًا للمتاعب[12]. وتعليقًا على ذلك يقول أحد الباحثين ” وإذا كان هذا هو حال الرهبان مع الأسقف الأسكندرى أثناسيوس، باعتباره الرجل الذي وضع اللبنة الأولى في العلاقات الوطيدة بين الكنيسة المصرية وهذا المجتمع الرهباني عبر صحراوات مصر على امتدادها،وباعتباره أيضًا الرمز الذي جسد آلامهم وأمالهم ضد تعسف واضطهاد السلطة البيزنطية، فإن الرهبان ظلوا يمارسون الدور نفسه مع كل أساقفة كنيسة الأسكندرية تحديًا للسلطة البيزنطية المقيتة إلى نفوسهم[13].
إن قراءة التاريخ بكل ما فيه من أحداث، كثيرًا ما يُعطينا دروس نافعة وهامة، من أجل التطلّع إلى مستقبل تسوده قيم المواطنة و الانتماء الحرية والعدالة والسلام والمساواة.
لذلك ينبغي علينا أن نرصد المواقف الوطنية لآبائنا القديسين ومدى الانتماء للوطن، ونتعرّف عليها، حتى يستنير الذهن بكل هذه المعاني القيّمة، الرافضة لكل الأفكار الحزبية والطائفية الضيقة. فالذي يُحقق للوطن نموه، وتقدمه، ورفاهيته، هو أن تتحقق فيه قيم المواطنة قولاً وفعلاً.
[1] هذا التقويم جرى استخدامه في القرن الـ6، لكن الكنيسة القبطية لم تتبناه إلاّ في القرن الـ8. أما دعوة هذا التقويم (بتقويم الشهداء) فلم يبدأ إلاّ في القرن الـ11. DELACY OLEARY “the saints of Egypt” New York, 1937. p.34.
بعد ان عبرنا مع المسيح في مر اسبوع الآلام و حزن الآلام الصليب اتينا معه إلي مجد القيامه , تكملة عمل الفداء و غايته . فقد كان هدف المُخلص ان يمحي الآثر المميت الذي نتج عن خطية ابوينا الاوليين أي الموت الذي ساد علي جنس البشر و الفساد الذي انجذب البشر نحوه بعيداً عن صلاح الله المُحب كما يقول اثناسيوس الرسولي : [ فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد، الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تُبيد النار القش. ] (1)
و لهذا قد تجسد الرب لكي يكون له جسد بشري قابل للموت هو جسده الخاص , و لاجل الحياة الالهيه التي في ذلك الجسد يموت الموت بهذه الحياه إذ لم يكن ممكناً ان يمسك الموت الحياه ( اع 2 : 24 ) و لا ان تدرك الظلمه النور ( يو 1 : 5 ) و يعلق علي ذلك القديس غريغوريوس النيسي قائلاً : [ المُحتقر صار ممجداً , و الجسد القابل للفساد و الموت قام ممجداً منتصراً علي الموت …
الآن لم يستطع الموت ان يمسك ذاك الذي يمسك كل شئ بكلمته ] (2) و كما يقول اثناسيوس : [ فإن كلمة الله الذي بدون جسد قد لبس الجسد لكى لا يعود الموت والفساد يُرهب الجسد لأنه قد لبس الحياة ثوبا وهكذا أبيد منه الفساد الذي كان فيه. ] (3) و يقول في موضع اخر : [ لذا فإن كلمة الله المحب للبشر لبس ـ بمشيئة الآب ـ الجسد المخلوق لكى يُحيّى بدم نفسه هذا الجسد الذى أماته الإنسان الأول بسبب تعدّيه، كما قال الرسول:” وكرّس لنا طريقًا حيًا حديثًا بالحجاب أى جسده”.
وهو ما شار إليه فى موضع آخر حينما قال: ” إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكلّ قد صار جديدًا” . فإن كان كلّ شئ قد صار خليقة جديدة فمن الضرورى أن يكون هناك شخص هو بكر هذه الخليقة. ولا يمكن أن يكون هو الإنسان الضعيف الترابى .. ] (4)
و في هذا ايضاً يقول كيرلس عمود الدين : [ إن كلمة الله حي إلي الابد , و بحسب طبيعته هو الحياه ذاتها , و لكنه عندما اخلي ذاته , و وضع نفسه ليصير مثلنا , فإنه ذاق الموت , و لكنه برهن علي موت الموت , لإنه قام من الموت ليصير هو الطريق الذي به ليس هو فقط بل نحن ايضاً نعود إلي عدم الفساد . ليت لا احد يبحث عن – هذا الحي إلي الأبد – بين الاموات . ] (5) و يقول ايضاً : [فالموت قد قُهر و الطبيعه البشريه قد خلعت عنها الفساد في شخصه كباكوره ] (6)
فأصبح الله الكلمه بتجسده بكر وسط الخليقه او بحسب تعبير كتابي آخر هو آدم الجديد و المقصود من كلا التعبيريين انه اصبح رأس جديد للخليقه فقد زرع ادم في الخليقه التوجه نحو الفساد و الشر و معرفة طريق البعد عن الله و الإنجذاب نحوه
بينما جاء المسيح كرأس آخر او بدايه جديده لجنس البشر به نبتعد عن الفساد و لو جزئياً بقبول عمل و سُكني الروح و المسيح فينا كهيكل إلهي و كأبناء الله نشتاق إليه و ننظر نحوه فلا نري غيره و لا يشبعنا بعد اي شهوة في الخطيه بل يشبعنا فقط الملء من روحه و سكناه داخلنا , هذه العطيه التي كان المفتاح لها هو مجد القيامه و مدخلها الصعود العظيم و تحققت في علية اورشليم و انسكبت من خلالها بالمعموديه المقدسه إلي باقي الجنس البشري .
و لقب الإبن البكر لا يشير إلي ان الابن مخلوق بل قد قيل كما قلنا لاجل انه تجسد ليصبح رأساً جديداً لجنس البشر بدل الرأس الاول آدم و في ذلك يقول القديس اثناسيوس الرسولي : [ أما لفظ “البكر” فيشير إلى التنازل إلى الخليقة، لأنه بسببها سُمى بكرًا… لأنه لو كان “بكرًا” لما كان “وحيدًا” لأنه غير ممكن أن يكون هو نفسه “وحيدًا” و “بكرًا” إلا إذا كان يشير إلى أمرين مختلفين. فهو “الابن الوحيد ” بسبب الولادة من الآب، ولكنه يسمى “بكرًا” لسبب التنازل إلى الخليقة وجعله الكثيرين أخوة له. ..
إذن فهو لم يُدعَ “بكرًا” بسبب كونه من الآب، بل بسبب أن الخليقة قد صارت به. وكما كان الابن نفسه كائنًا قبل الخليقة وهو الذى به قد صارت الخليقة، هكذا أيضًا فإنه قبل أن يُسمى “بكر كل الخليقة” كان هو الكلمة ذاته عند الله. ] (7)
و قد حدثت القيامه بقدرة ابن الله الالهيه لانه هو الله الغير محدود و الغير محوي اتحد بجسده الخاص منذ اللحظه الاولي للميلاد البتولي و منذ ذلك الوقت لم ينفصل الله الكلمه عن هذا الجسد البشري ( الإنسان ) المكون من نفس و جسد , حتي في وقت موت المسيح بالجسد فقد ظل الله لانه غير محدود ( لا يخلو منه مكان ) و قادرعلي كل شئ متصلاً بالجسد الراقد في القبر و النفس التي نزلت بمشيئة الله الي الجحيم لتبشر الذين رقدوا علي رجاء مجئ المُخلص .
و لان انفصالاً بين الجسد و النفس عن الله لم يحدث فقد أعاد الله النفس إلي الجسد مرةَ اُخري بدون صلاه و لا دعاء و لا شفاعة من آخر كما قام كل الآخرين الذين ذكرهم الكتاب في العهدين . ذلك كما يُعلمنا القديس غريغوريوس النيسي قائلاً : [ بعدما أعاد الله بقوته صياغة الإنسان كله في شخصه، وجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، لم ينفصل في وقت الآلام بحسب التدبير عن هذا العنصر الآخر (أى الجسد) الذي اتحد به مرة واحدة، لأن هبات الله ودعوته هى بلا ندامة (رو29:11).
فإن كانت الألوهية بإرادتها فصلت النفس عن الجسد، إلاّ أنها أوضحت أنها هى ذاتها بقيت في النفس والجسد. في الجسد الذي يعتريه الفساد بالموت كما جاء بالمزمور ” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادًا” (أع27:2)، وهكذا أبطل ذاك الذي له سلطان الموت (عب14:1)؛ بينما بالنفس فتح الطريق للص للدخول إلى الفردوس.
وهذا الأمران تحققا في آن واحد. أى أن الألوهية تُحقق الصلاح للاثنين، فقد تحقق بطلان الموت بعدم فساد الجسد، وبعودة النفس إلى موضعها، يُفتح الطريق لعودة البشر مرة اخرى إلى الفردوس. ] (8) و يقول القديس يوحنا الدمشقي : [ و إذا كانت النفس قد انفصلت عن الجسد إنفصالاً مكانياً , فقد ظلت مُتحدة به إتحاداً إقنومياً بواسطة الكلمه ] (9)
و هكذا فكل ما عمله و علمه الرب منذ ان اتخذ جسداً حسب التدبير الالهي هو لاجلنا نحن فتجسده وميلاده و عماده و صلبه و موته و قيامته و صعوده جميعها لاجل ان نأخذ نحن العتق من الفساد و يحيا فينا المسيح و يسكن فينا الروح و نأخذ برهان القيامه و الصعود الي يمين الآب و التمتع بإشراق و مجد اللاهوت الذي لا تشبع منه النفس .
و يقول القديس مقاريوس [ لأن مجئ الرب كان كله لأجل الإنسان ـ الإنسان الذى كان مطروحًا ميتًا فى قبر الظلمة والخطية والروح النجس والقوات الشريرة ـ لكى يقيم الإنسان ويحييه فى هذه الحياة الحاضرة ويطهره من كل سواد وظلمة، وينيره بنوره الخاص، ويُلبسه ثوبه الخاص، أى الثوب السماوى الذى هو ثوب اللاهوت. ] (10)
فبالمسيح كبكر مقام لاجلنا من الاموات ينكشف لنا ايضاً سر احد الاعياد اليهوديه و هو عيد الباكورات و يقام هذا العيد في السادس عشر من شهر نيسان , اي بعد عيدي الفصح و الفطير (11) . و هذا العيد جاء ذكره في العهد القديم كرمز لقيامة المسيح كالأتي :
و المعني انه يقدم كل شخص باكورة او اول ما يحصده من غلة و يقدمه للرب و طالما قبله الرب فهذا ضمان له ان بقية حصاده سيأتي ببركة و مضمون ايضاً , و هذا ما حدث في قيامة المسيح إذ هو كباكورة قام من الاموات و قبل الله ان يقام جسده البشري الخاص فاعطانا ضماناً بأننا ايضاً كمثل الباكورة سيقبلنا الرب لنقوم مثله .
و هذه هي القيامه التي بها آخذنا القدره و البرهان علي قيامتنا في المسيح في اليوم الاخير لحياة جديده معه كما يقول القديس مقاريوس : [ فهكذا ستتمجد أجساد القديسين وتضىء مثل البرق. فالمجد الذى كان فى داخل المسيح فاض على جسده وأضاء، وبنفس هذه الطريقة ما يحدث فى القديسين، فإن قوة المسيح التى فى داخلهم ستنسكب فى ذلك اليوم على أجسادهم من الخارج. فإنهم منذ الآن يشتركون فى جوهره وطبيعته فى عقولهم، لأنه مكتوب ” الذى يقدس والذين يتقدسون جميعهم من واحد” (عب11:2).
وأيضا ” وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى” (يو22:17). وكما أن مصابيحًا كثيرة توقد من نار واحدة هكذا أجساد القديسين إذ هى أعضاء المسيح فإنها بالضرورة تصير مثل المسيح نفسه وليس شيئًا آخر. ] (12) .
و يقول اثناسيوس : [ والآن إذ قد مات مخلّص الجميع نيابة عنا فإننا نحن الذين نؤمن بالمسيح لن نموت (بحكم) الموت الذى كان سابقًا حسب وعيد الناموس لأن هذا الحكم قد أُبطل؛ وبما أن الفساد قد بَطُل وأُبيدَ بنعمة القيامة فإننا من ذلك الوقت وبحسب طبيعة أجسادنا المائتة ننحل فى الوقت الذى حدده الله لكل واحد، حتى يمكن أن ننال قيامة أفضل . ] (13) و يقول ايضاً : [ وهناك اعتبارات أخرى تجعل المرء يدرك لماذا كان يليق بجسد الرب أن يتمّم هذه الغاية.
لأن الرب كان مهتمًا بصفة خاصة بقيامة الجسد التى كان مزمعًا أن يتممها، إذ أنها دليل أمام الجميع على انتصاره على الموت، ولكى يؤكد للكل أنه أزال الفساد، وأنه منح أجسادهم عدم الفساد من ذلك الحين فصاعدًا. وكضمان وبرهان على القيامة المُعَدّة للجميع فقد حفظ جسده بغير فساد. ] (14)
كل هذا المجد قد صنعه لنا المُخلص و اعده من أجلنا , فلنستمع إذا لوصية القديس مقاريوس : [ فلنطلب إذن من الله ونتوسل إليه أن يلبسنا لباس الخلاص وهو الرب يسوع المسيح، النور الفائق الوصف الذى إذا لبسته النفوس لا تخلعه قط، بل تتمجد أجسادهم أيضا فى القيامة بمجد ذلك النور الذى تلبسه النفوس الأمينة الفاضلة منذ الآن حسب قول الرسول ” إن ذلك الذى أقام المسيح من بين الأموات سيحيى أجسادهم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم” (رو11:8). فالمجد لمراحمه المتعطفة ولرأفته التى تفوق كل وصف وكل تعبير. ] (15)
11 – و هو الوقت الذي قام فيه المسيح من الاموات حيث قدم نفسه في الفصح و كان جسده في القبر في عيد الفطير و قام من الاموات في عيد الباكورات , بل ان كل الاعياد التي اعطاها الرب فريضة لبني إسرائيل هي إشاره لمجئ المسيح و عمله الخلاصي و قبول الروح القدس في حياة الكنيسه . لقراءة المزيد في هذا الامر راجع المسيح في الاعياد اليهوديه للراهب القمص رافائيل البرموسي 12 – عظات القديس مقاريوس .. عظه 15 : 38 , ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد . ص 158