الوسم: انطون جرجس
أوغسطينوس والترجمة الخاطئة لرومية ٥: ١٢ – د. أنطون جرجس
أوغسطينوس والترجمة الخاطئة لرومية ٥: ١٢ – د. أنطون جرجس
أوغسطينوس والترجمة الخاطئة لرومية ٥: ١٢
يتحدث البرفيسور جون تيوس أستاذ العهد الجديد بجامعة waterloo بكندا عن الترجمة الخاطئة لرومية ٥: ١٢ التي اعتمد عليها أمبروسياستير (أمبروسيوس المنحول) في صياغة عقيدة وراثة الخطية اﻷصلية، والذي اعتمد عليه أوغسطينوس في صياغة هذه العقيدة كالتالي:
“لعب تفسير أمبروسياستير (أي تفسير رسالة رومية) دورًا بارزًا في تعبير أوغسطينوس عن عقيدة الخطية اﻷصلية. قدم أمبروسياستير نصًا ثبوتيًا وتفسيرًا كتابيًا مصيريًا للاهوت اﻷوغسطيني، بالرغم من اعتماده على ترجمة خاطئة عن النص اليوناني.
حيث نجد ترجمة أمبروسياستير لنص رو٥: ١٢ هي كالتالي: ‘أخطأ الجميع فيه’. وهكذا يضيف (أي أمبروسياستير) في التعليق على العدد ١٢ أن ‘فيه’ هي ‘بصيغة المذكر’ in quo […] وهكذا تعتبر إشارته هي للجنس البشري كله […] وبالتالي يتضح أن الجميع قد أخطأوا في آدم كما لو في كتلة quasi in massa، فالجميع صاروا فاسدين بخطيته هو شخصيًا، وجميع أولئك الذين أصبح آدم أبًا لهم كانوا مولودين تحت الخطية. ولهذا السبب نحن جميعا خطأة، ﻷننا جميعًا منحدرون منه.
Ambrosister, Commentari Romans, V. 12 [my translation]. See Ambrosiaster, Commentaries 5. 12, 40; Bray, Romans, 136; and Williams, Ideas of the Fall, 308; For similar translations.
اقتبس أوغسطينوس والجميع هذه الفقرة سيئة الترجمة، وسيئة التفسير. تقريبًا جميع الشُراح البروتستانت وأغلب الشُراح الكاثوليك المعاصرين قد أشاروا إلى أن أمبروسياستير اعتمد على نسخة لاتينية جعلت εφ ώ على أنها in quo ‘فيه’ وليس ‘ﻷنه’ أو ‘بسبب’.
See, for example, Bryan, Preface to Romans, 128-29; Cranfield, Romans, Vol. 1, 274-81; Fitzmyer, Romans, 405-17; Cranfield, “The consecutive Meaning of εφ ώ in Romans 5: 12”, 321-39; Jewett, Romans, 375-76; Toews, Romans, 156-57, 399-400.
ويلاحظ براي Bray أن ‘أمبروسياستير ينتمي بوضوح إلى التقليد اللاتيني، وتأثر قليلاً بالتقليد اليوناني واليهودي والمصادر اﻷخرى’.
Ambrosiaster, “Translator’s Introduction”, Commentaries, XXI.
قد أشار الكثير من اللاهوتيين التاريخيين إلى أن أمبروسياستير سلم المسيحية الغربية اﻷساس الكتابي المفترض للاهوتها المميز و ‘القويم’ عن ‘الخطيئة اﻷصلية’ و ‘الذنب اﻷصلي’ بناءً على قراءة خاطئة لما كتبه بولس بالفعل.”
John Toews, The story of Original Sin, (USA: Pickwick publication. Eugene. Oregon, 2013), p. 125.
ويتحدث جون تيوس أيضًا عن اختفاء عقيدة وراثة الخطية اﻷصلية بحسب المفهوم اﻷوغسطيني خلال القرون اﻷربعة اﻷولى في قوانين اﻹيمان وفي المجامع المسكونية كالتالي:
“ولكنه من الجدير بالملاحظة أن الكُتاب المعروضين حتى اﻵن، وجميع اللاهوتيين اﻷساقفة والرعاة في الكنيسة اﻷولى خلال القرون اﻷربعة اﻷولى لم يؤكدوا على انتماء ‘عقيدة الخطيئة اﻷصلية’ إلى جوهر اﻹنجيل أو إلى ‘وديعة اﻹيمان’. لا يوجد أي ذكر لهذه العقيدة سواء في قوانين اﻹيمان، أو في قوانين اﻹيمان المحلية للمعمودية أثناء تلك الفترة، أو في المجامع المسكونية نيقية 325، ومجمع القسطنطينية اﻷول 381، ومجمع أفسس 431، ومجمع خلقيدونية 451 التي شكّلت اﻹيمان اللاهوتي اﻷساسي والراسخ في كنيسة ما بعد قسطنطين.
See The Magisterial Study of the early creeds by Pelikan and Hotchkins, Creeds and Confessions, Vol. 1, 37-181.
فلا تظهر العقيدة في قانون إيمان الكنيسة حتى مجمع أورانج 529 وذلك بسبب تأثير أوغسطينوس.”
Ibid, p 130.
أوغسطينوس والترجمة الخاطئة لرومية ٥: ١٢ – د. أنطون جرجس
تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس
في حين يتحدث أوغسطينوس عن موت وخطية آدم كشرور موروثة، وكأن الخطية والموت صارا كشيئين أو كيانين يمكن أن يتم توراثهما بين البشر، وكأن الشر صار له كيان يورث بين البشر، حيث يقول:
“ثم يضيف الرسول أيضًا: من أجل ذلك كإنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع فيه… (رو٥: ١٢). ويتحدث هنا بقدر ما عن الإنسانين: الإنسان الأول آدم الذي بخطيته وبموته نحن نسله مقيدين بهما كشرور موروثة، والإنسان الآخر آدم الثاني الذي لم يكن إنسانًا فقط، بل وإلهًا أيضًا”.
(الثالوث ١٣: ١٦: ٢١)
بينما يؤكد ق. غريغوريوس النيسي على العكس من القديس أوغسطينوس أن الشر والخطية عدم وليس لهما كيان يمكن توراثه بالتناسل، بل الخطية فعل إرادي يمارسه الإنسان بإرادته، ولو لم يمارس الإنسان الخطية، لن يكون لها أي وجود، حيث يقول التالي:
“لذا بما أن الشر يعتبر كنقيض الخير، والفضيلة المطلقة هي الله، فلا بد أن الشر خارج الله، لأن طبيعته لا تُدرك في كونها شيئًا، بل في كونها عدم الخير، لأننا نعطي اسم ‘الشر’ لما هو مدرك خارج الخير. وبالتالي يعتبر الشر نقيض الخير، بالطريقة نفسها التي يتمايز فيها العدم عن الوجود.
لذلك عندما نبتعد عن الخير بحرية دوافعنا*، مثل أولئك الذين يغلقون أعينهم في وضح النهار، ويقال إنهم ‘يرون الظلام’ لأن رؤية الظلام هي نمط رؤية العدم – بالتالي تأخذ الطبيعة الوهمية للشر جوهرًا في الذين قد سقطوا بعيدًا عن الخير، وتمتلك وجودًا كلما كنا خارج الخير، فإن انتُزعت الحركة الحرة لإرادتنا مرة ثانية بعيدًا عن سلوكها نحو الوهم، وصارت متحدة مع ما هو كائن، فلأن تلك الطبيعة لم تعد قادرة على الوجود داخلي، فستعجز عن الوجود إطلاقًا – لأنه لا يوجد شر باقٍ في حد ذاته بعيدًا عن حرية إرادتنا- ولكنني إن ألصقت وربطت ذاتي بذاك الذي هو كائن بالحقيقة، فسأظل فيما هو كائن، فهو الذي كان دائمًا، وسيكون إلى الأبد، وهو كائن الآن”.
(العظات على سفر الجامعة ٧: ٢٦-٢٧)
وهذا ما يقوله أيضًا ق. كيرلس السكندرى بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:
“لقد خُلق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.
وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، واصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.
(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)
وهذا هو ما يقوله معلمنا ساويرس الأنطاكي رافضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية، واعتبر هذا التعليم هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي في رده على يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى كالتالي:
“ويترتب على كل هذا أن خطيئة أولئك الذين أنجبونا، أي خطيئة آدم وحواء ليست مختلطة بالطبيعة مع كياننا (جوهرنا)، كمثل الرأي المنحرف والفاسد لجماعة المصلين*، أو كقول غيرهم من المانيين*، ولكن لأنهما فقدا نعمة الخلود بسبب الخطية والتعدي، ومن ثم فإن الإدانة والأحكام قد بلغت إلينا، لذا فإنه وفقًا لقانون الطبيعة*، فإننا نولد مائتين باعتبار أننا ولدنا من آبائنا مائتين، ولسنا خطأة لآننا ولدنا من آباء خاطئين*. وذلك لأن الخطية ليس لها كيان، ولا تنتقل طبيعيًا بالتناسل من الآباء إلى أطفالهم*”.
Sever of antiochene, Contra Additiones Juliani, (CSCO 296), p. 39, 40.
وهنا ينسف معلمنا ق. ساويروس الأنطاكي متبعًا تعاليم آباء الشرق من قبله، وعلى العكس من تعليم أوغسطينوس المانوي بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل، التعليم بوراثة الخطية الأصلية وانتقالها بالتناسل والتزاوج طبيعيًا، معتبرًا هذا التعليم تعليم مانوي غير أرثوذكسي دخيل على الكنيسة، لأنه تعليم المانويين وجماعة المصلين الهرطوقية.
تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس ميثوديوس الأوليمبي الشهيد – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند القديس ميثوديوس الأوليمبي الشهيد – د. أنطون جرجس
يُعتبر ق. ميثوديوس أسقف أوليمبوس أحد آباء الشرق في القرن الثالث الميلادي، وكان له العديد من الكتابات اللاهوتية المناوئة لتعاليم العلامة أوريجينوس، لم يتبق منها سوى كتاب المائدة أو الوليمة، وكتاب عن القيامة، وكتاب آخر عن الإرادة الحرة. لقد كان ق. ميثوديوس أول أساقفة مدينة أوليمبوس، ثم صار أسقفًا فيما بعد على مدينة باترا بإقليم ليكية في آسيا الصغرى (تركيا حاليًا).
سوف نتناول تعاليمه بخصوص الخطية الجدية من خلال كتابه مائدة العشر عذارى أو وليمة العشر عذارى عن البتولية، وهو عبارة عن محاكاة لاهوتية مسيحية لمحاورة أفلاطون المُسمى بالوليمة أو المائدة. ويُعتبر هذا العمل الوحيد الذي وصل إلينا كاملاً في أصله اليوناني من أعمال ق. ميثوديوس. لقد تأثر الآباء الكبادوك بكتابات ق. ميثوديوس خاصةً ق. غريغوريوس النيسي الذي كان مُطلعًا على كتاباته، وكان يستشهد بها في كتاباته ذاكرًا إياه بالاسم.
يؤكد ق. ميثوديوس على أن بذرة الإنسان التي تؤدي إلى إنجاب الأطفال غير مذنبة، على العكس من مفهوم انتقال الخطية الأصلية بالوراثة عن طريق نظرية العلل البذرية عند أوغسطينوس، حيث يقول التالي:
“فالبذرة التي تشترك في قوة الخلق الإلهية، لا يجب أن نعتقد أنها مذنبة لبحثها عن عدم ضبط النفس والفجور. فالفن يستخدم الأدوات الخاضعة له، ولا شيء يُعتبر فاسدًا من ذاته، ولكنه يصبح كذلك بسبب مَن يستخدمه بهذه الطريقة. فإذا استُخدم بطريقة لائقة طاهرة، يصبح طاهرًا؛ والعكس صحيح إذا استُخدم بطريقة شائنة، يصبح كذلك”.
(ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، ٢٠٠٩)، ٢: ٥، ص ١٠٧)
ثم يتحدث ق. ميثوديوس عن خلقة الإنسان في عدم فساد مثل الملائكة، ولكنه عندما تعدى وصايا الله، عانى من السقوط الفظيع المدمر، ونزل إلى حالة الموت كالتالي:
“وقد حُسب الإنسان ضمن هذا الجمع؛ لأنه خُلق أيضًا في عدم فساد حتى يمجد الملك وصانع كل شيء مستجيبًا لصيحات الملائكة وتسبيحاتهم الآتية من السماء. وعندما تعد ذلك، وعصى وصايا الله؛ فكان عليه أن يعاني من سقوط فظيع ومدمر، ولذلك نزل إلى حالة الموت”.
المرجع السابق، ٣: ٦، ص ١١٧.
ثم يؤكد ق. ميثوديوس على خلقة الإنسان في حالة وسطية بين الفساد وعدم الفساد مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه كالقديسين ثيؤفيلوس الأنطاكي، وإيرينيؤس، ويوستينوس، وغيرهم، فلم يكن الإنسان خالدًا بالطبيعة. حيث يقول التالي:
“والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيّرًا أو شريرًا، لكنه وُضع في الوسط بين الفساد وعدم الفساد. وميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة التي وُضعت فيه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا، وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا خالدًا، فهو في مكان وسط بين شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر، والتي آكل من ثمرها فتغير إلى الطبيعة الأخيرة. فهو لم يكن من طبيعة شجرة الحياة، ولا من الفساد، ولكنه تغير إلى الطبيعة الفانية بعد ذلك، باشتراكه ووجوده في الفساد، وأيضًا كطاهر وخالد بارتباطه واشتراكه في الحياة”.
المرجع السابق، ٣: ٧، ص ١١٨، ١١٩.
ثم يؤكد ق. ميثوديوس على وراثة الفساد وليس الخطية كالتالي:
“ومن أجل ذلك: قهر السيد الرب – العديم الفساد- الموت حتى يقيم الجسد، ولا يعاني مرةً أخرى من وراثة الفساد”.
المرجع السابق، ص ١١٩.
كما يؤكد ق. ميثوديوس على أن المعمودية هي لتطهيرنا من الفساد، وليس الخطية الموروثة كالتالي:
“والآن تعبير وفوقها على القمر يشير في رأييّ إلى إيمان أولئك الذين تطهروا من الفساد بغسيل الميلاد الثاني (تي٣: ٥)”.
المرجع السابق، ٨: ٦، ص ١٧٤.
ويشير ق. ميثوديوس أيضًا إلى أن المعمودية هي ميلاد جديد واستنارة بنور جديد كالتالي:
“لأن الميلاد الجديد يسطع بتجديد شعاع جديد، أي نور جديد، وبتعبير أكثر وصفًا: تُدعى الاستنارة الجديدة؛ فالقمر الذي يظهر لهم دائمًا ومجددًا هو القمر الروحي المكتمل (البدر)، أي عهد وتذكار الحب؛ حتى يسطع المجد والنور الكامل لليوم العظيم”.
المرجع السابق، ص ١٧٥.
ويرفض ق. ميثوديوس فكرة القدرية، والجبرية، والإرادة المقيدة بالشر التي علم بها أوغسطينوس، حيث يقول التالي:
“والآن أولئك الذين يعتقدون، أنه ليس للإنسان إرادة حرة، ويؤكدون أنه مسيّر بواسطة ضرورات القدر التي لا مفر منها، وأوامرها المكتوبة؛ هم بالإلحاد مذنبون إلى الله نفسه، لأنهم استبعدوا أن يكون الله هو سبب وخالق شرور الإنسان. لأنه إذا كان الله بتناغم ينظم الحركة الدائرية بأكملها للنجوم، بحكمة يعجز الإنسان عن وصفها، أو فهمها، مديرًا لنظام الكون؛ والنجوم تثمر خصائص الفضيلة والرذيلة في حياة الإنسان، جاذبةً إياه إلى هذه الأشياء بسلاسل الضرورة؛ إذًا، فإنهم يعلنون أن الله هو السبب والمعطي للشرور. لكن الله ليس هو السبب في جراح أحد (يع١: ١٣)، وبالتالي القدر ليس هو السبب لكل هذه الأشياء”.
المرجع السابق، ٨: ١٦، ص ١٩٠، ١٩١.
ثم يؤكد ق. ميثوديوس على أن الله ليس هو علة الشر كالتالي:
“فأي إنسان لديه ولو قدر قليل من الذكاء، سوف يعترف أن الله خيّر، وقدوس، وحكيم، وصادق، ومعين، وليس هو السبب في الشرور؛ وخالي من الشهوة، وأي شيء من هذا القبيل. وإذا كان البار أفضل من الشرير، والشر ممقوت بالنسبة له؛ فالله لكونه بار يستمتع بالبر، والشر مكروه بالنسبة له، لكون الشر هو ضد وعدو البر، لذلك فإن الله ليس هو صاحب الشرور”.
المرجع السابق، ص ١٩١.
ثم يؤكد ق. ميثوديوس على نقطة في غاية الأهمية وهي أن ميلادنا ليس هو السبب في الشرور، فيدحض بذلك التعليم بوراثة الخطية كالتالي:
“إذا كان ما يفيد هو خير، وضبط النفس هو مفيد لبيت الإنسان وحياته وأصدقائه؛ إذًا، فضبط النفس هو خير. وإذا كان ضبط النفس بطبيعته خير، والشهوة هي ضد ضبط النفس، وكل ما هو ضد الخير هو شر؛ إذًا، فالشهوة شر. وإذا كانت الشهوة شر بطبيعتها، ومن الشهوة تخرج الدعارة، والسرقة، والمخاصمات، والقتل؛ إذًا، فالحياة الشهوانية هي في طبيعتها شريرة. لكن الوجود الإلهي ليس بطبيعته متورطًا في الشرور؛ إذًا، فإن ميلادنا ليس هو سبب تلك الأشياء”.
المرجع السابق، ص ١٩١، ١٩٢.
ثم يدحض ق. ميثوديوس تعليم القدرية والجبرية، وفكرة خطية الطبيعة، أو الذنب الطبيعي الموروث، أو الشر الطبيعي، أو الإرادة المقيدة بالشر، كما علم بتلك التعاليم أوغسطينوس في سياق شرحه لتعليم وراثة الخطية الأصلية كالتالي:
“وإذا كان القدر يجعل الإنسان يؤذي الآخرين، فما الحاجة إلى وجود قوانين، ولكن إذا كانت القوانين قد وُضعت لاختبار الخاطئ، والله يعتني بمَّن يُصاب، فإنه من الأفضل أن الشر لا يكون بحسب القدر أكثر منه بحسب الوضع الصحيح بعد اداء الفعل. لكن الله خيّر، وحكيم، ويفعل ما هو أفضل، لذلك ليس هناك قدر ثابت. فأسباب الخطية إما نتيجة التعليم، أو العادات، أو نتيجة شهوات الروح؛ أو تلك الرغبات التي تثور خلال الجسد. فأيًا كان السبب، فالله ليس هو أحد هذه الأسباب.
فإذا كان من الأفضل أن يكون الإنسان بارًا أكثر من كونه شرير، فلماذا لا يكون الإنسان هكذا منذ لحظة ميلاده؟ لكن فيما بعد، إذا أصبح الإنسان ضابطًا لنفسه بواسطة التعليمات والقوانين؛ فهو بذلك يصير أفضل لامتلاكه إرادة حرة، ولكن ليس لامتلاكه طبيعة الشر. فإذا كان الشرير شريرًا بحسب القدر، فبحسب شرائع العناية الإلهية، لا لوم عليه، ولا يستحق العقاب بواسطة القوانين؛ حيث أنه يعيش بحسب طبيعته، وهو غير قادر على التغيير. ومرة أخرى، إذا كان الإنسان الخيّر يحيا بحسب طبيعته، فليس له المدح، حيث أن قدره الفطري هو سبب الخير الذي فيه.
والشرير الذي يحيا بحسب طبيعته، لا لوم عليه في عيني القاضي البار، لأنه إذا تحدثنا بصراحة: مَن يعيش بحسب الطبيعة التي تنتمي له لا يخطئ، لأنه لم يجعل نفسه كذلك، بل القدر الذي يعيش هو بحسب خطواته مدفوعًا بضرورة لا مفر منها. إذًا، لا يوجد إنسان سيء، لكن البعض سيئين، والرذيلة لها اللوم، وهي عدو الله كما يبين العقل. لكن الفضيلة محببة ولها المدح، وقد عيّن الله قانونًا لمعاقبة الشرير، ولذلك لا يوجد قدر”.
المرجع السابق، ص ١٩٤.
ثم يشدد ق. ميثوديوس على أن الموت كان لصالح الإنسان ليضع الله نهايةً للخطية بالموت، وليمنع فناء الإنسان الأبدي، وحتى لا يصير الشر أبديًا والخطية بلا نهاية كالتالي:
“والآن: كانت خيمتنا في الأول مزودةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحولت بواسطة التعدي وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهايةً للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون معرضًا للعنة الأبدية”.
المرجع السابق، ٩: ٢، ص ٢٠١.
ونستنتج من هنا أن ق. ميثوديوس الأوليمبي مثله مثل آباء الشرق آنذاك السابقين عليه كان يحارب فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل عامةً، وخاصةً عند العلامة أوريجينوس الذي كان يعلم بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب الخطية الأصلية وانحباسها في أجسادها عقابًا لها على هذه الخطية الأصلية الموروثة. كما حارب أيضًا التعليم بالقدرية والجبرية وخطية الطبيعة التي تجعل من الإنسان مسيرًا نحو الشر دون إرادته بسبب طبيعته الشريرة المقيدة بالشر من الأساس. ويؤكد ق.
ميثوديوس على أن الشر والخطية ليسا من صُنع الله، ولم يكن الله علة الشرور، بل الشر والخطية هي أفعال حرية الإرادة في الإنسان الذي يميل بإرادته نحو الخير أو الشر، وليس بواسطة القدر المحتوم. ويؤكد على أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يفنى بسبب ارتكابه للخطية، لذا وضع الله حدًا للخطية بالموت، فلا يصير الشر أبديًا، ولا الخطية بلا نهاية، وهكذا يحمي الإنسان من اللعنة الأبدية والموت الأبدي بسبب الخطية.
