الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد

يُعد ق. يوستينوس أحد آباء الكنيسة المدافعين في القرن الثاني عن إيمان الكنيسة في مواجهة الفلاسفة الوثنيين، والغنوصيين الهراطقة، ولديه دفاعين عن المسيحية أرسلهما إلى للإمبراطور الروماني دفاعًا عن الإيمان المسيحي السليم، الذي كان يتم تشويهه عمدًا من قِبل الوثنيين.

سوف نفحص نصوص كتابات ق. يوستينوس الشهيد للوقوف على فكره بخصوص الخطية الجدية أي خطية آدم، وهل كان يؤمن بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما هي في المفهوم اﻷوغسطيني اللاحق، أم مثله مثل جميع الآباء اليونانيين يؤمن بوراثة نتائج الخطية فقط أي الفساد الموت.

يتحدث ق. يوستينوس عن أن الخطية هي فعل إرادي شخصي لا يُورث من الأب إلى الابن، ولا يهلك الأب عوضًا عن خطية الابن، والعكس صحيح، بل كل واحد يهلك أو يخلص بأعماله الصالحة أو الشريرة، كما يرفض سبق التعيين والاختيار من الله للبشر ليكونوا أبرارًا أو خطأةً، بل يؤكد على أن كل شخص بإرادته يصير بارًا أو خاطئًا كالتالي:

“ولما قال حزقيال إنه لو طلب نوح، أو دانيال، أو أيوب، أن يخلّصوا أبناء أو بنات لا يُعطى لهم، ولا يهلك أب عوضًا عن ابن، ولا الابن عن الأب، بل كل واحد بخطيته* يهلك أو بأعماله الصالحة يخلُص. ويقول إشعياء أيضًا: ‘يرون جثث العصاة، فإن دودهم لا يموت، ونارهم لا تُطفأ، ويكونون منظرًا لكل ذي جسد’ (إش٦٦: ٢٤)، ولما قال ربنا بحسب مشيئة الآب ورب الكل الذي أرسله: ‘إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب يتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، أما بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجية’ (مت٨: ١١-١٢)، وقد أوضحت لكم قبلاً أن الذين عرفهم الله بسابق علمه كخطأة سواء كانوا أناسًا أو ملائكةً فهم يصيرون هكذا ليس بسبب الله*، بل كُلّ بسبب خطيته*”.

القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: إصدار باناريون للتراث الآبائي، ٢٠١٢)، الحوار مع تريفون اليهودي، الفصل ١٤٠، ص ٣١٩.

 

ويؤكد ق. يوستينوس أيضًا على حرية إرادة الإنسان منذ خلقه الله في مقابل تعليم القدرية والجبرية عند الفلاسفة الرواقيين، وأن الخطية فعل إرادي محض يفعله الإنسان بحرية إرادته دون تدخل من الله، على الرغم من أن الله أراده أن يسير بحسب مشيئته الإلهية الصالحة، إلا أنه ترك له حرية الاختيار كالتالي:

“أود أن أقول إن الله على الرغم من أنه أراد للناس والملائكة أن يسيروا بحسب إرادته، إلا أنه سُر أن يخلقهم بإرادة حرة من ناحية ممارسة الفضيلة واستخدام العقل لكيما يعرفوا خالقهم – الذي به جاءوا من العدم إلى الوجود – والذي أعطاهم ناموسًا يُحاكمون به في حالة عمل أي شيء مناف للعقل. ولذا ما لم نتب سريعًا فإننا – سواء أناس أو ملائكة – سنُدان بسبب خطايانا.

وإذا كانت كلمة الله تنبئ بأن بعض الناس والملائكة ستقع عليهم عقوبةً، فذلك لأن الله يعلم مسبقًا بخطيتهم التي بلا توبة، وليس لأن الله خلقهم هكذا. ولذا فإن كل مَن يتوب بإرادته ينال رحمة من الله، ويُدعى مباركًا في الكتاب المقدس الذي يقول: ‘طوبى لمَّن لا يحسب الرب له خطية'”.

المرجع السابق، الفصل ١٤١، ص ٣١٩.

 

ويؤكد ق. يوستينوس أيضًا على أن الخطية فعل إرادي يفعله الإنسان بمحض إرادته وليست خطية موروثة كالتالي:

“وتعلمنا أيضًا أن الله في صلاحه خلق كل شيء في البدء من مادة غير مهيأة لأجل الإنسان. وإذا أثبت المرء بأعماله أنه جدير بخطة الله فسيكون مستحقًا لأن يسكن معه ويملك معه ويتحرر من كل فساد وألم. وكما أنه في البدء خلقنا إذ لم نكن، هكذا نحن نؤمن أيضًا أن مَن يختار إرضاء الله فبسبب هذا الاختيار سيكون مستحقًا للحياة الأبدية في حضرة الله. إنه لم يكن في مقدورنا أن نخلق ذواتنا، ولكننا نؤمن أننا نستطيع أن نعمل الأعمال المرضية أمامه باختيارنا بحسب ما وهبنا من قدرات عقلية. هذه هي قناعتنا وهذا هو ما يقودنا إلى الإيمان به”.

المرجع السابق، الدفاع الأول، الفصل العاشر، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويؤكد ق. يوستينوس في نفس السياق على حرية إرادة الإنسان في ارتكاب الفضيلة أو الرذيلة داحضًا التعليم بالإرادة المقيدة بالشر كالتالي:

“وعندما خلق الله الإنسان في البدء وهبه قوة الفهم، واختيار الحق، وعمل الصواب، ولذلك فإن كل الناس بلا عذر أمام الله، لأنهم وُلدوا قادرين على التفكير والتأمل*. وإذا كان أحد لا يؤمن أن الله يهتم بهذه الأمور، فكأنه يقول إما أن الله غير موجود، أو إنه موجود ولكنه يسعد بالشر*، أو إنه مثل الحجر [لا يتأثر] وعلى ذلك تكون أيضًا كل من الفضيلة والرذيلة أشياء غير حقيقية، بل إن الأمور تُعتبر فقط صالحة أو شريرة حسب وجهة نظر الناس*، وهذا هو أعظم الشرور وعدم التقوى”.

المرجع السابق، الفصل ٢٨، ص ٥٧.

 

ثم ينتقل ق. يوستينوس للحديث عن أسباب المعمودية وطقسها الذي يعود إلى الرسل. حيث يؤكد ق. يوستينوس على أن المعمودية باسم الثالوث القدوس هي تقليد رسولي من أجل الولادة الثانية من الماء والروح، ومن أجل استنارة العقول، ومن أجل غفران الخطايا السابقة للبالغين الذين أخطأوا قبل المعمودية، ولم يأت على ذكر أن المعمودية كانت لمغفرة الخطية الأصلية الموروثة من آدم بالتناسل، لأن هذا المفهوم بالنسبة للقديس يوستينوس هو مفهوم غنوصي حاربه ق. يوستينوس في جميع كتاباته بضراوة. حيث يقول التالي:

“ثم نقودهم إلى مكان به مياه فيُولدون من جديد* بنفس الطريقة التي قد وُلدنا بها ثانيةً* باسم الله أبي وسيد كل أحد ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس، ثم ينالون الاغتسال بالماء لأن المسيح قد قال: إن لم تُولدوا مرة ثانيةً فلن تدخلوا ملكوت السموات (يو٣: ٣) ، ومن الواضح للحميع أنه لا يمكن لأحد أن يدخل بطن أمه ويُولد ثانيةً […] وهذا هو السبب الذي علمنا إياه الرسل* لممارسة المعمودية بهذه الطريقة. فنحن لم ندرك ميلادنا الأول على الإطلاق، بل وُلدنا اضطرارًا من أصل سائل من خلال اتحاد أبوينا، ثم تمرسنا في عادات خاطئة وشريرة*.

ولكي لا نظل أبناءً للاضطرار والجهل، بل نصير ابناء الاختيار الحر والمعرفة* ولكي ننال مغفرة خطايانا السابقة*، ففي الماء يتم الدعاء باسم الله سيد وأبي الكل على الشخص الذي يريد أن يُولد من جديد*، وقد تاب عن خطاياه*، وهذه التسمية وحدها هي التي ينطق بها مَن يقود المعمد إلى جرن المعمودية، لأنه ليس لأحد أن يطلق أسماء على الله غير الموصوف، وإذا تجرأ أحد على ذلك فهو يُعتبر مختل العقل.

وهذا الاغتسال يُسمى استنارة* لأن الذين ينالون هذا السر تستنير عقولهم، وأيضًا الذي ينال الاستنارة* يعتمد باسم يسوع المسيح الذي صُلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي سبق وبشر من خلال الأنبياء عن كل الأمور الخاصة بيسوع”.

المرجع السابق، الفصل ٦١، ص ٨٨، ٨٩.

 

ويدحض ق. يوستينوس مرة أخرى آراء الفلاسفة الرواقيين ومن ورائهم الغنوصيين بالقدرية والجبرية مؤكدًا على حرية إرادة الإنسان، وإنهم بقولهم ذلك إما يؤكدون على التحول والتغير الدائم لله أو وجود الله في كل خطية، فالتعليم بالشر الموروث أو الخطية الموروث، والإرادة المقيدة بالشر، وسبق تعيين الخطاة يرتد بالأساس على الله وهكذا يؤكد وجوده جزئيًا أو كليًا في كل خطية، حيث يقول التالي:

“فبقولهم إن أفعال البشر تخضع للقدر* هم يعترفون بأنه: إما أن الله ليس سوى تلك الأشياء التي تتحول وتتغير على الدوام*، وتذوب في العناصر ذاتها – ويبدو أنهم لا يدركون إلا الأمور الفانية – ويؤكدون أن الله ذاته جزئيًا أو كليًا يوجد في كل خطية*، وإنه لا يوجد ما يُسمى بالرذيلة والفضيلة على الإطلاق، وهذا ضد كل رأي، وعقل، ومنطق سليم”.

المرجع السابق، الدفاع الثاني، الفصل السابع، ص ١١٣.

 

ويؤكد ق. يوستينوس على أن البشر مثل آدم وحواء جلبوا على أنفسهم الموت بسبب تعديهم وصايا الله، ويؤكد على أن غاية الله من خلق الإنسان هو أن يمنحه التأله بالنعمة والتحرر من الألم والموت، حيث يقول التالي:

“ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت لكم أن الروح القدس يوبخ الناس الذين خُلقوا على صورة الله متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم*، فلكم أن تفسروا المزمور السابق كما شئتم. لقد بيّن لنا المزمور أنهم حُسبوا مستحقين أن يصيروا آلهةً*، ويكون لهم السلطان أن يصيروا أبناء العلي، إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كما حدث مع آدم وحواء”.

المرجع السابق، الحوار مع تريفون اليهودي، الفصل ١٢٤، ص ٢٩٩.

 

ويؤكد ق. يوستينوس على أن المسيح لم يكن محتاجًا للتنازل والميلاد والصلب، بل فعل ذلك فقط من أجل الإنسان الساقط تحت سلطان الموت وغواية الحية، مؤكدًا على أن الخطية لا تُورث، بل هي فعل إرادي شخصي خاص بكل واحد من البشر حسب حرية إرادته كالتالي:

“كذلك فإن المسيح لم يتنازل ويُولد ويُصلب، لأنه كان محتاجًا للميلاد أو الصلب، بل فعل هذا فقط لأجل الإنسان الذي منذ وقت آدم هو ساقط تحت سلطان الموت وغواية الحية، إذ كان لكل إنسان تعدياته وشروره الخاصة*. وإذ أراد الله أن يفعل الملائكة والناس ما أعطاهم القدرة على فعله، وهبهم حرية الإرادة والقدرة على الاختيار* حتى إنهم إذا اختاروا أن يفعلوا ما يرضيه يحفظهم للحياة الأبدية بلا دينونة، ولكن إذا فضّلوا أن يفعلوا الشر فهو يعاقب كل واحد كما يشاء”.

المرجع السابق، الفصل ٨٨، ص ٢٥٤.

 

ويحذر ق. يوستينوس تحذيرًا شديدًا من مزاعم أن الجسد هو أصل الخطية، وإنه الذي يدفع النفس لارتكاب الخطية، بل العكس صحيح يأتي التحفيز على فعل الخطية من الإرادة في النفس، وهكذا يخطئ الاثنان معًا، وهنا يدحض مزاعم الغنوصية بانتقال الخطية بالتناسل والتزواج عن طريق الجسد، وهكذا يدحض تعليم الخطية الأصلية الموروثة بالتناسل والتزاوج كالتالي:

“إنهم يدّعون في مزاعمهم أن الجسد هو أصل الخطية*، وهو الذي يدفع الروح إلى السقوط معه، وبالتالي يلقون عليه وحده مسئولية سقوط كل من الروح والجسد معًا. ولكن هل يمكن للجسد أن يخطئ وحده بدون أن تحفزه الروح أولاً على الخطية*؟ […] كما أنه إذا كان الجسد وحده هو مصدر الخطية. إذًا، فقد جاء المخلص من أجله فقط*، حيث يقول الكتاب: ‘لم آت لأدعو أبرارًا، بل خطأةً إلى التوبة’ (مر٢: ١٧)، وقد أثبتنا قبلاً أن الجسد البشري ثمين في عيني الله* وهو أثمن مخلوقاته، لذا فقد جاء يسوع المسيح ليخلصه من الخطية”.

المرجع السابق، عن القيامة، الفصل ٨، ص ٤١٨.

 

نستنتج من هنا أن ق. يوستينوس الشهيد لم يعلم بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج مثله مثل جميع الآباء اليونانيين قبله وبعده، ولم يأت أي ذكر لتعليم الخطية الموروثة، أو الإرادة المقيدة بالشر، أو سبق التعيين للأبرار والخطاة في كتاباته كما هي في المفهوم اﻷوغسطيني.

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس

الغنوسية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

الغنوسية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

الغنوسية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

 

الغنوسية ووراثة الخطية

سنبحر في هذا المقال معًا في عالم الغنوسية، ونرصد بدقة تعاليم الغنوسية عن وراثة الخطية الأصلية، وكيف أن التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم غير أرثوذكسي وتعليم غنوصي.

يتحدث “د. يوسف كرم بطرس” عن رفض المسيحيين للعقائد الغنوسية كالثنائية في الألوهة، والوجود السابق للنفس، ووراثة 

الأصلية المرتكبة في العالم العقلي السابق للنفس، ولقد تأثر بهذه الفكرة كل من العلامة السكندري أوريجينوس والعلامة السكندري ديديموس الضرير والأوريجانيون، حيث يقول د. يوسف التالي:

“وكان المسيحيون ينكرون كل ذلك أشد الإنكار، كما كانوا ينكرون القضايا الأساسية في الغنوسية، وهي أن للعالم صانعًا مغايرًا لله، وأن للنفس حياة سابقة على الحياة الأرضية، وأن الخطيئة الأصلية* ارتُكبت في العالم المعقول، وأن المادة رديئة بالذات، وأن الأجسام لا تُبعث (أي لا تقوم من الموت)”.

يوسف كرم (دكتور)، تاريخ الفلسفة اليونانية، (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، ٢٠١٨)، ص ٢٨٣.

 

ثم يؤكد كل من الأب ميشال أبرص وأنطوان عرب عقيدة وراثة الخطية الأصلية عن طريق الجسد عند الغنوسيين في سياق حديثهم عن عقيدة الخلاص عندهم، حيث يقولان التالي:

“جاء يسوع إذن لخلاص البشر وليزيل الحاجز الوحيد الذي يعيقه وهو خطيئة آدم المتوارثة* والملازمة للجسد*، فلما حل روح الله النازل من السماء عليه، يوم عماده في نهر الأردن، أهّله ليصعد على الصليب، بريئًا من كل خطيئة ليفتدي البشرية”.

ميشال أبرص وأنطوان عرب، المجمع المسكوني الأول بنيقيا ٣٢٥، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٩٧)، الفصل الأول، ص ٨٣.

 

ثم يتحدث هانس يوفاس عن عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج الشهواني في الديانة الغنوسية كالتالي:

“ولكن الثعبان (الحية) علمه (أي آدم) شهوة الإنجاب* التي تخدم مصلحة الأركون. وعندما أدرك يلداباؤوث أن آدم وحواء حين حصلا على المعرفة، قد أعرضا عنه، لعنهما وطردهما من الجنة إلى الظلمة الحالكة. ثم اشتعلت فيه الشهوة نحو العذراء حواء* فأغتصبها وانجب منها ولدين: يافي Javé أي وجه الرب، وإلويم Eloim أي وجه القط المعروفين بقايين وهابيل إلى يومنا هذا […] علاوة على ذلك زرع في آدم شهوة الانجاب (الديمورج هو الحية) فأنجب آدم من حواء شبث (تك٤: ٢٥) وهكذا بدأت سلسلة الانجاب […] فرد الأراكنة (الشياطين) على هذا الفعل بروحهم المزيفة Antimimon pneuma التي تدخل النفوس (أي نفوس البشر)، فتنمو وتتصلب وتغلبها وتثقل عليها، وتقودها للضلال لكي تفعل الشر، وتجعلها عاجزة عن المعرفة، ويتواصل من خلالها الإنجاب الشهواني*”.

هانس يوفاس، الديانة الغنوصية، ترجمة: د. صباح خليل الدهيس، (سوريا: تموز للطباعة والنشر، ٢٠١٧)، ص ٢٤٢.

 

ثم يتحدث أيضًا هانس يوفاس عن عقيدة السقوط في الغنوسية وكيف أن الدوافع المختلفة كالفضول، والغرور، والشهوة الجنسية هي المرادف الغنوصي للخطيئة الأصلية، حيث يقول التالي:

“أما كيف نشأ هذا السقوط وما هي المراحل التي بدأ منها، فهو موضوع أطروحات متباينة إلى حد كبير. وباستثناء الأنماط المانوية والإيرانية ذات الصلة، حيث بدأت العملية برمتها من قبل قوى الظلام، فهناك عنصر اختياري في انتقال الألوهة نحو الأسفل: رغبة آثمة للنفس* (ككينونة أسطورية) نحو العوالم السفلى، تصاحبها دوافع مختلفة مثل: الفضول، والغرور، والشهوة الجنسية، هي المرادف الغنوصي للخطيئة الأصلية*، وهذا هو السقوط قبل الكوني، ومن تبعاته العالم نفسه، والنتيجة الأخرى هي حالة ومصير الأنفس المفردة في العالم”.

المرجع السابق، ص ٨٦.

 

ثم يتحدث هانس يوفاس في موضع آخر عن عقيدة الخطية الأولى ونشأة المادة الشريرة منها كالتالي:

“لدينا هنا نموذج أولي لنشوء المادة من الخطيئة الأولى* في هيئتها الكاملة، نطالعها في العقيدة الفالنتينية حول أصل الجوهر المادي* والروحي الصادر عن عواطف صوفيا العقلية نفسها وليس مجرد نتيجة في إنجيل الحقيقة”.

المرجع السابق، ص ٣٥٥.

ثم يتحدث الأب يوسف توما مرقس عن عقيدة وراثة الخطية الأصلية في الغنوسية وانتقال الخطية عن طريق الجنس كالتالي:

“تتكون منذ هذه اللحظة خديعة هائلة، لا يفلت منها أي جزء من الحياة على الأرض. غايتها أن تغري الإنسان بسلاحها وهو الجنس*. فالجنس عند الغنوسيين يُعد نجاسة، وسوف يتحكم الجنس لا في الإنسان فحسب، بل في نظام الكون كله*. فالطبيعة* عبارة عن رحم يُخصبه الشياطين، ويشكل مسرحًا تدور فيه ماسأة الإنسانية – (هذا التعبير من كتاب أحاديث سام ٧: ١). فيقوي ظهور الجنس السلاسل الثقيلة التي تكبل آدم*.

كما أن حواء، رفيقة آدم، ستقع في إغواء الأركون الأول (الشيطان) أي الحية، التي علمت آدم وحواء أن يأكلا من ثمرة الإنجاب*، من ثمرة الشهوة المنحطة* (في كتاب الأسرار ليوحنا ٢: ١؛ ١: ٢٢، ١٢- ١٥). هكذا يبدأ نظام التكاثر البشري الذي يستعمل آدم*، فتخضع البشرية كلها لهذا المسلسل التاريخي*. ونقرأ في النص السابق عينه: حتى الآن كان الجنس مستمر انطلاقًا من الأركون الأول (الشيطان)*، لأنه زرع الإنجاب ورغبة الإنجاب في تلك التي كانت ملك آدم (حواء) بواسطة الجنس الذي خلقه، والنسل الذي يتشكل في الجسد*، ثم سلحه بالروح المشوهة*”.

يوسف توما مرقس (أب)، الغنوصية أو التيارات العرفانية في القرون المسيحية الأولى، (العراق: منشورات مجلة الفكر المسيحي، ٢٠٠٩)، ص ٦٧.

ونستنتج من هنا وجود عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج عن طريق الشهوة الآثمة، وانتقال الخطية بالإنجاب الشهواني في الغنوصية.

الغنوسية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

هناك مفهوم خاطئ سائد في بعض الكنائس عن الخطية الجدية أو الخطية الأولى أو الخطية الأصلية كما سماها أُغسطينوس وهذا المفهوم يتلخص في أن آدم أخطأ ونحن كنا فيه فورثنا معه خطيته وأصبحنا خاطئين فيه أو ورثنا ذنب خطيته وأصبحنا مدانين بهذا الذنب. والخطية الأصلية بهذا المفهوم يعرفها فقط اللاهوت اللاتيني متمثلاً في ترتليان وكبريانوس أسقف قرطاجنة وأوغسطينوس الذي أسهب في شرح هذا الأمر كثيراً بسبب رده على بدعة بلاجيوس ثم انتقل إلى لاهوتيي العصر الوسيط ومنهم مارتن لوثر وجون كالفن.

 

أما آباء الكنيسة الذين كتبوا باليونانية فرأوا أن خطيئة آدم كانت الخطية الأولى، وأنّ الجميع خطئوا بعد الإنسان الأول. فالخطية الأصلية مكوّنة إذاً، في نظرهم، ليس من خطيئة آدم وحسب، بل أيضاً من خطايا جميع الناس (إذ أخطأ الجميع: “من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” رومية 5: 12)

 

لذلك بينما ينظر أوغسطينوس وآباء الكنيسة اللاتينية إلى الخطية في أصلها التاريخي، فيتكلمون عن “خطيئة أصلية” اقترفها آدم وانتقلت منه بالوراثة إلى جميع البشر، ينظر آباء الكنيسة اليونانية إلى الخطية في واقعها الإنساني الشامل. وفي هذه النظرة تصبح مسؤولية الخطية مسؤولية شخصية يتحمّلها جميع الناس كما تحمّلها الإنسان الأول.

 

وهذا الاختلاف في النظرة إلى الخطية الأصلية يبدو واضحاً عندما يتكلّم الآباء عن معمودية الأطفال. فالنظرة الأولى ترى أن المعمودية ضرورية للأطفال لتنزع عنهم الخطية الأصلية التي ورثوها عن آدم؛ أما النظرة الثانية فتؤيّد معمودية الأطفال، لا لنزع الخطية عنهم، بل لإدخالهم في حياة النعمة. وبينما يتساءل ترتليانوس: لماذا نعمِّد الأطفال، إذا كانوا أبراراً وبلا خطيئة؟ يجيب القديس كبريانوس: ولِمَ لا نعمِّدهم؟ إنهم بلا خطيئة، لذلك تستطيع النعمة أن تعمل فيهم بدون عائق. وهذا أيضاً رأي القديس يوحنا الذهبي الفم: “وإن كان الأطفال بلا خطايا، فإننا نعمِّدهم ليزداد فيهم البرّ والقداسة ويصبحوا هياكل للروح القدس”. [1]

 

فيفهم الآباء الشرقيون نصوص مثل “كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة”(رومية 5: 19). لا بمصطلحات قضائية ولكن “طبية”. بمعنى أن الطبيعة البشرية أصبحت مريضة. ويفسر القديس كيرلس السكندري هكذا:” بعدما سقط آدم بالخطية وغرق في الفساد، فعلى الفور تدفقت اللذات النجسة وانفجر قانون الغابة في أعضائنا. وهكذا أصبحت الطبيعة مريضة بالخطية من خلال معصية الواحد الذي هو آدم.

 

وبعد ذلك صار الكثيرون خطاة لا كشركاء في المعصية مع آدم لأنهم لم يكونوا حتى موجودين ولكن لكونهم من نفس الطبيعة التي سقطت تحت ناموس الخطية. لقد أصبحت الطبيعة البشرية مريضة في آدم من خلال فساد المعصية وهكذا دخلت إليها الأهواء” [2].

 

ويستخدم نفس الأب في موضع آخر صورة الجذر. لقد أتى الموت لكل الجنس البشري بواسطة آدم تماماً مثلما يصاب جذر النبات فيتعين على كل البراعم الصغيرة التي تأتي منه أن تذبل” [3]. ويقول الأب متى المسكين: الخطية انتقلت وتفشت بطرق وأفعال لا حصر لها. نحن لم نرث الخطية كفعل، نحن ورثنا عنصر الخطية الفعال للموت وليس أنواع الخطية [4].

 

ويستفيض أكثر في شرح معني وراثة عنصر الخطية الفعال قائلاً: أخطر ما في خطية آدم هو استماعه لصوت الشيطان، لقد ورثنا منه الأُذن المفتوحة والعين المفتوحة، والفكر المفتوح على مشورة الشيطان لإفساد الذهن والحياة برمتها. هذا هو السم القاتل في الخطية الأصلية. وهو عنصر غريب علينا دخل في صميم ميراثنا الجسدي: (أخاف انه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد ذهنكم عن البساطة التي في المسيح.. 2 كورنثوس 11: 3).

 

لذلك أصبح من المحتم خلع عنصر الفساد، هذا المميت والغريب على طبيعتنا والدخيل علينا، ونحصل بالمقابل على عنصر الشفاء كهبه فوق طبيعتنا: (ولكن ليس كالخطية هكذا أيضاً الهبه، لأنه إن كان بخطية الواحد مات الكثيرون فبالأولي كثيراً نعمة الله، العطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين.. رومية 5: 15) [5].

 

ويكمل شرحه أيضاً قائلاً: بخطيئة آدم قبلت الطبيعة البشرية عُنصر الموت الملازم للخطية، فأصبحت طبيعة الإنسان خاطئة أي واقعه تحت سلطان الخطية… نستطيع أن نقول إن عنصر الخطية كان هو فقدان النعمة والحرمان من برّ الله، وهذا ما وقع فيه آدم عندما أقترف العصيان والتعدي على وصية الله. فالذي أمات ادم هو فقدانه لنعمة الله وبره لما أخطأ. لأن نعمة الله هي قوة الحياة، وبرّ الله مُحيي. فنحن ورثنا من آدم ليس فعل خطيته بل الطبيعة التي فقدت نعمة الله وحُرِمَتْ من برّ الله، الطبيعة البشرية الخاطئة – أي المفتوحة على الخطية على الشيطان – وليس مجرد فعل الخطية التي اقترفها [6].

 

ويقول اللاهوتي الأرثوذكسي د. عدنان طرابلسي: بالنسبة للأرثوذكسية: الخطية ليست جريمة ضد العدالة الإلهية، لكنها مرض يتلف الإنسان. لم يأتِ المسيح لكي يشفي كرامه الله المجروحة، بل ليشفي الإنسان من مرضه. بسبب الخطية صار الإنسان أسير الموت والفساد. الله حياة، والإنسان قطع نفسه عن الله مصدر الحياة الأبدية. جاء المسيح ليُعيد هذه الحياة الضائعة للإنسان.

 

بسبب خطيئة آدم وحواء صارت الطبيعة البشرية فاسدة وأسيرة للموت. لم يرث الإنسان ذنب خطيئة آدم. هذا ذنب شخصي. بل ورث نتائج السقوط التي أصابت الطبيعة البشرية العامة ككل. أيضاً لم نرث طبيعة مائته فحسب، بل أيضاً طبيعة أصاب الفساد ملكتها. الإرادة البشرية صارت مشلولة بالخطية وتفضل الشرّ على الخير [7].

 

لكن السؤال الدائم الذي نتساءله هو: لماذا نعاقب على ذنب آدم؟

كما تبين لنا أننا لا نُعاقب على ذنب أحد، بل فقط ورثنا أو حملنا في طبيعتنا البشرية فساد ورغبه نحو فعل الشرّ ازدادت بخطايانا الشخصية لا بخطايا أحد آخر، ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: إنه حقاً قد دخلت العبودية بواسطة خطية الأولين بسبب عصيانهم، غير أنه بعد دخولها بواسطتهم قد تسيدت على اللاحقين بسبب خطاياهم الخاصة. لأنهم إن كانوا قد استطاعوا أن يحفظوا أنفسهم من أي خطية لأمكن اعتبار اعتراضهم على حق، ولكن إن كانوا هم أنفسهم مسئولين فإن كل تلك الحجج لا لزوم لها [8].

 

أما نتائج الخطية الأصلية المريرة التي حلَّت على طبيعة البشر جميعهم فقد تمثلت في:

 

أولاً: قام حاجز العداوة بين الله والإنسان

فيقول د/ موريس تواضروس: لقد أقامت الخطية حاجز عداوة بين الإنسان والله. فالخطية لم تبعدنا فقط عن الله، لكن بالإضافة إلى ذلك انتزعت السلام الذي كان قائماً بيننا وبين الله وأحلت بدله العداوة. إن الله في قداسته وكماله لا يُمكن أن يدخل في علاقة سلام مع الإنسان المذنب المُدان [9].

 

ثانياً: فقدنا نعمة الروح القدس وسكناه فينا

ومن أشهر الآباء الذين تحدثوا في هذا الأمر القديس كيرلس السكندري والذي اشتهر أيضاً بتفسيره لنص سفر التكوين (ونفخ في انفه نسمة حياة) إن هذه النسمة المعطية للحياة ليست شيء سوي الروح القدس [10] فيقول في هذا: بسبب تعدي آدم “ملكت الخطية على الكل “(رومية 5: 14). وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التي صارت مريضة في كل البشر [11].

 

ويكمل في موضع آخر: لأنه عندما انحرف الإنسان نحو العصيان وتجرب نتيجة محبته لشهوات جسده – بالخطية التي كانت غريبة عنه. فإنه أبعد عنه الروح الذي شكله على صورة الله والذي كان ساكناً فيه وبطريقة لا توصف وكأنه ختم، وهكذا صار واضحاً أنه قد جلب لنفسه الفساد والقُبح وكل ما هو غير شرعي [12].

 

ثالثاً: تشوهت جميع مفاهيم الإنسان

أصبحت معرفته بالله وبالأخرويات ضبابيه مشوهه، فيقول القديس يوحنا ذهبي الفم: إن أردتم أن تعرفوا أي نمط هذا الذي خلقه الله في البداية، فلنذهب إلى الفردوس، ونبحث في الإنسان الذي خُلق في البداية. فإن هذا الجسد لم يكن فاسداً ولا ميتاً، إنما كان أشبه بتمثالٍ من ذهبٍ خرج حالاً من الفرن، يشع بالبهاء، فكان هذا الجسد خالياً من كل فسادٍ. لم يكن التعب يضايقه ولا العرق. لم تكن الاهتمامات تحطمه، وليس شيء من هذا القبيل يحزنه [13].

 

سقوط الإنسان في الخطية أفسد طبيعته وشوّه مفاهيمه، فصار من الصعب، بل وأحيانًا من المستحيل أن يتصور الإنسان، حتى عظماء الفلاسفة المشهورين، أن يسترد الإنسان الحياة بعد الموت. هذا ما دفع بعض الفلاسفة أن ينادوا باللذة كمصدر السعادة، فيتمتع الإنسان بكل لذة جسدية في هذا العالم حتى يُسدل الستار على حياة الإنسان بلا عودة. بهذا صار الجسد بملذاته وشهواته مركز الحياة عند الكثيرين، الأمر الذي حجب عن الإنسان إمكانية تعرفه على حقيقة أعماقه.

 

هؤلاء دعاهم الكتاب المقدس وأيضًا آباء الكنيسة بالجسدانيين. لهذا اشتهى الرسول بولس أن يخلص من جسد هذا الموت أو الجسد المائت (رومية 7: 24)، لا بتدميره، بل بتقديسه بروح الله القدوس، فيخضع للنفس في المسيح يسوع ويسندها [14].

 

رابعاً: تشوهت داخلنا صورة الله التي خُلقنا عليها.

كما يقول القديس مقاريوس: هكذا حينما تعدى آدم وصية الله وأطاع الحيّة الخبيثة، صار مُباعاً أو باع نفسه للشيطان فاكتست النفس ـ تلك الخليقة الحسيّة التي صورّها الله على صورته الخاصة ـ اكتست بنفس الشرير مثل رداء. لذلك يقول الرسول: ” إذ جرّد الرياسات والسلاطين، ظفر بهم فى الصليب” (كولوسي 15:2)، وهذا هو الغرض الذي من أجله جاء الرب (إلى العالم)، لكي ما يطرحهم خارجًا ويسترجع بيته وهيكله، أي الإنسان [15].

 

ويكمل قائلاً: إن ملكوت الظلمة، أي الرئيس الشرير، لمّا أسر الإنسان في البدء، قد غمر النفس وكساها بقوة الظلمة كما يكسو الإنسان إنسانًا غيره “لكيما يجعلوه ملكًا، ويلبسونه الملابس الملوكية من رأسه إلى قدمه” [16]. وبنفس هذه الطريقة قد كسا الرئيس الشرير، النفس وكل جوهرها بالخطية. ولوثها بكليتها، وأخذها بكليتها أسيرة إلى ملكوته، ولم يدع عضواً واحداً منها حُراً منه، لا الأفكار، ولا القلب، ولا الجسد، بل كساها كلها بأرجوان الظلمة.

 

لأنه كما أن الجسد لا يتألم منه جزء أو عضو بمفرده، بل الجسد كله يتألم معًا، هكذا النفس بكليتها تألمت بأوجاع الشقاء والخطية. فالشرير كسا النفس كلها التي هي الجزء أو العضو الأساسي في الإنسان، كساها بشقائه الخاص، الذي هو الخطية، ولذلك أصبح الجسد قابلاً للألم والفساد (الاضمحلال) [17] .. لأنه بمعصية الإنسان الأول دخل فينا شيء غريب عن طبيعتنا، الذي هو كارثة الفساد والأهواء وقد اتخذ هذا الفساد مكانه كأنه جزء من طبيعتنا بطول العادة والميل [18].

 

ويختم شرحه بخلاصة القول قائلاً: وإذا حدث أن ملكًا له خيرات وخدم تحت سلطانه يخدمونه، قد أخذه أعداؤه أسيرًا، فإنه حينما يُؤسر ويبعد عن مملكته، فإن خدامه وعبيده يتبعونه في أسره.. وهذا ما حدث لآدم، فإن الله خلقه نقيا لخدمته وعبادته، وكل هذه المخلوقات أعطيت له لخدمة احتياجاته، وجعله الله سيداً وملكاً على جميع المخلوقات.. ولكن حينما جاءته الكلمة الشريرة (كلمة إبليس) وتحدث معها، قابلها أولاً بالسمع الخارجي، ثم نفذت إلى داخل قلبه وملكت على كل كيانه..

 

وحينما أُسر وأُمسك هكذا، فإن الخليقة التي كانت تخدمه وتلازمه أُمسكت وأُسرت معه.. وعن طريق آدم ملك الموت على كل نفس، وطُمست الصورة الإنسانية الكاملة نتيجة العصيان، حتى أن جنس البشر تحولوا وصاروا يعبدون الشياطين [19]

 

خامساً: دخل الموت إلى العالم بكل ما تبعه من آثار حزينة قاتمه… وهو ما سنستفيض في شرحه قليلاً في موضوع آخر.

وهكذا، فقد اختار الإنسان بإرادته الحُرة التي خلقه الله بها طريق الخطية، هذا الطريق الكرب الذي ينتج عنه انجذاب نحو الشهوة وعدم الشبع منها فيزداد أكثر: من شهوة إلى شهوة، حتى تسيطر الخطية على عقله وإرادته ومشاعره فتنتج فيه موتاً وهو حي وموتاً جسدياً.

 

بعد أن تشبع كيان الإنسان بالانجذاب نحو الشرّ والعدم، قدم الله له الناموس كبداية بحسب التدبير الإلهي، فقد كان الإنسان وقتها كأعمى تائهاً يتلمس طريق الحق والنور، فجاء إليه الصوت الإلهي المرشد عن طريق الناموس، لكنه يأتي من بعيد، من بعيد جداً. فالناموس من وضع إلهي، وكان القصد منه أن يُقنن مسيرة الإنسان في الحق والبرّ والعدل والقداسة. ولكن الناموس وقف عاجزاً مشلولاً تماماً عن تأدية دوره بسبب طبيعة الإنسان المنجذبة للشرّ بصورة متواتره.

 

وبحسب القديس كيرلس الأورشليمي إن كل هذه الجراحات والنتائج التي حملتها الطبيعة البشرية صارت حديث الأنبياء وصراخهم بطول العهد القديم إلى الله ليخلصهم من هذا الفساد الذي تغلغل في الكيان البشري، ويعلق على ذلك القديس كيرلس الأورشليمي قائلاً: ما أعمق جرح الطبيعة البشرية “من القدم إلى الرأس. ليس فيه صحة، ليس من يقدر أن يستخدم دهناً أو زيتاً أو عصائب” (راجع إشعياء 1: 6).

 

لذلك ولول الأنبياء قائلين: “هل من صهيون خلاص إسرائيل؟!”… كما يتضرع أحد الأنبياء فيقول: “يا رب طأطئ سماواتك وانزل” (مزمور 144: 5). إن جروح الطبيعة البشرية لا تلتئم. “نقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك” (1ملوك 19: 10)، وصرنا عاجزين عن إصلاح الشرّ، محتاجين إليك لتصلحه [20]. ويعلق الأب تادرس يعقوب: هذه هي ثمار استقلال الإنسان بذاتيته، وانفصاله عن الله.

 

لقد غلظ قلبه، وتشوهت نظرته ومفاهيمه. “القلب أخدع من كل شيء، وهو نجيس من يعرفه” (إرميا 17: 9). وكما يقول المرتل: “زاغ الأشرار من الرحم، ضلوا من البطن، متكلمين كذبًا” (مزمور 58: 3)، ويؤكد الرسول بولس “إذ هم مظلمو الفكر، ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم” (أفسس 4: 18) [21].

[1]اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر. ج1. المطران كيرلس سليم بسترس. ص 114 ، 115. catechesesbabtismales , iii , 5 – 6 , dans sources chretiennes n . 50 , pp 153 , 154

[2]Commentary on Epistle to the Romans. PG 64, 788f

[3] Commentary on Epistle to the Romans. PG 64, 785f ، الطب النفسي الارثوذكسي .ايروثيئوسفلاخوس . ص 29 

[4] الأب متي المسكين . القديس بولس الرسول ، حياته . لاهوته . أعماله ، ص 234

[5] الأب متي المسكين . القديس بولس الرسول ، حياته . لاهوته . أعماله ، ص 235

[6] الأب متي المسكين . القديس بولس الرسول ، حياته . لاهوته . أعماله ، ص 234

[7] د/ عدنان أديب طرابلسي ومجموعه من العلماء واللاهوتيين الارثوذكس . سألتني فأجبتك الجزء الاول . ص 289

[8] القديس يوحنا ذهبي الفم. عظات علي سفر التكوين. ترجمة د/ جورج فرج ومراجعة د/ جورج عوض إبراهيم . ص 90

[9] الفكر اللاهوتي عند القديس بولس الرسول. ج1 . للدكتور موريس تاوضروس استاذ العهد الجديد واللغة اليونانية. ص 97

[10] أنظر السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة الثالثة، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.. وأيضاً جلافيرا تعليقات لامعه علي سفر التكوين ترجمة د / جورج عوض إبراهيم 

[11] تجسد الابن الوحيد. ترجمة د / جورج حبيب بباوي. إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. فقره 1

[12] حوار حول الثالوث. ترجمة د / جوزيف موريس فلتس.  ج 6 ح 7 ص 55

[13] Concerning the Statues, homily 11.

[14] الحب الالهي. الأب تادرس يعقوب مالطي . ص 127

[15] عظات القديس مقاريوس 1: 7 ، ترجمة د / نصحي عبد الشهيد ، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

[16] الاقتباس ـ لم يذكر مصدره ـ وهو ليس اقتباسًا من الكتاب المقدس، والقصد منه، على أية حال، هو إعطاء فكرة التغطية الكلّية بالملابس.

[17] عظات القديس مقاريوس 2: 1

[18] عظات القديس مقاريوس 4 : 8 

[19] عظات القديس مقاريوس 1 : 5

[20] القديس كيرلس الأورشليمي. حياته، مقالاته لطالبي العماد، الأسرار. تعريب الاب تادرس يعقوب مالطي إصدار كنيسة مارجرجس اسبورتينج. ص 169

[21] الحب الإلهي. الأب تادرس يعقوب.  ص 197

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

يوميات إرهابي هارب (12): عقوبة حواء كانت أن تتألم في الحمل والولادة، لكن أي إمراة يمكنها أن تنقض هذه العقوبة وتهرب منها فلا تتزوج أو لا تحبل أو تأخذ “بينج”، فكيف تكون هذه عقوبة إلهية التي يمكن الهروب منها؟

 كيف يمكن للمرأة ألا تحبل فتتخلص من عقوبة الرب لها في سفر التكوين؟

كيف يمكن للمرأة ألا تحبل فتتخلص من عقوبة الرب لها في سفر التكوين؟

كيف يمكن للمرأة ألا تحبل فتتخلص من عقوبة الرب لها في سفر التكوين؟

نعود إليكم أحبائنا متابعي فريق اللاهوت الدفاعي بطرح فكرة جديدة للمدعو “ميمو” في سلسلة “يوميات إرهابي هارب”، واليوم سيتحفنا ميمو بفكرة، وأتأسف لدعوتها “فِكرة”، أكثر من سابقتها دعوة للسخرية منها! وهى بإختصار، أن الرب وضع عقوبة حواء أنها تتألم عند الحمل والولادة، ولكن، لو أن إمراة لم تتزوج، او لم تنجب، أو أنها تم تخديرها لن تشعر بهذه الآلام، فكيف تكون هذه عقوبة إلهية التي يمكن الهروب منها وعدم إستطاعة الإله تحقيقها فينا؟

فمن المفترض أن العقوبة لو كانت إلهية لما إستطاع أحد أن يهرب منها، فكيف نرد على هذا الكلام؟، وللرد على هذا الشيء الذي أسميته آسفاً، “فكرة” أقول، عقاب آدم وحواء الرئيسي كان هو الطرد من جنة عدن، والبعد عن الله، مصدر السعادة، فهذا هو الشقاء الحقيقي، ولكن عقوبة آدم وحواء خصيصاً هو التفصيل الذي أتى بعد هذه العقوبة العامة، الموت، الإنفصال، فعقوبة حواء كإمرأة لها رَجُل كانت التعب والألم في الحمل (الحَبَل) والولادة لانها كانت امرأة آدم فعلاً، والمقصود هنا أنها معينته ونظيرة له.

وعندما وقعا في الخطية، عرفا الإستخدام الطبيعي للأعضاء التناسلية وخجلا، ثم عرف آدم حواء إمرأته فحبلت وأنجبت، فالعقوبة لم يضعها الرب على من لن تتزوج أو من لن تحبل، بل على من تزوجت وحبلت، وبالمثل كان عقاب آدم، حيث كان يتطلب العمل اليدوي الشاق، فهذا العقاب كان عقاب خاص بآدم في هذا الوقت، هذا بالإضافة إلى أننا لو إعتبرنا أن تعب حواء في الحبل والولادة هو لكل إمراة متزوجة وستنجب، لكن من لن تتزوج أو لن تنجب فلن يطبق الله عليها العقوبة من الأساس، وليس أنه طبقها وإستطاعت المرأة الهروب منها، هذه كانت النقطة الأولى، أما الثانية الخاصة بالمرأة التي تتهرب من هذه العقوبة بالمخدر (البينج)، حسب فكر ميمو، فهي أن الحبل والولادة ليس المقصود بهما ساعات الولادة الأخيرة، أي بعد الأشهر السبع/التسع، بل المقصود بها طوال فترة الحبل، وما من إمراة إلا وتتألم بألم ما طوال فترة حبلها!!.

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شرًا وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شرًا وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟ 

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

نعود إليكم أحبائنا متابعي فريق اللاهوت الدفاعي بطرح فكرة جديدة للمدعو “ميمو” في سلسلة “يوميات إرهابي هارب” وفكرته اليوم كالعادة ساذجة جداً، وهى بإختصار، الشجرة التي مُنعَ آدم أن يأكل منها إسمها “شجرة معرفة الخير والشر” وبالتالي، فإن قبل أن يأكل منها آدم  لم يكن يعرف الخير والشر، وبالتالي، طالما لا يعرف الخير والشر، فلا يمكن أن نحتسب عليه الأكل من الشجرة أنها شر، ولا أنها خطية، ومن هنا فلا يوجد خطية على آدم وحواء ولا هناك سقوط لآدم وحواء وتكون قصة الفداء كلها مجرد قصة غير صحيحة!

 

وللحقيقة ربما تبدو هذه الفكرة ذات وجاهة في باديء الأمر، لكن عند تفحصها لاهوتيا سيظْهَر مدى سذاجتها، حيث أنه لا يلزم آدم معرفة الخير من الشر كمعرفة مسبقة لكي تُحسب عليه خطية، لأن الخطية هنا هي عدم طاعة الله، فبغض النظر عن معرفته بالخير والشر، فهو عارف بالوصية التي قالها له الله بألا يأكل هو حواء من شجرة معرفة الخير والشر، فهذه هي الوصية، ويعرف أيضاً أن عدم تنفيذ الوصية جزاؤه عقاب معين وهو “موتاً تموت”، فالعقاب هنا ليس عن معرفته بشرٍ في ذاته في خبرته، بل عن مخالفة أمر إلهي يعرفه آدم جيداً بل وحواء أيضاً.

فالمشكلة ليست هي الأكل من الشجرة في ذاتها، فلا خطية في الأكل ذاته، بل الخطية في عدم طاعة الله والإستماع لحواء في مقابل رفض كلام الرب، ولنضرب مثلاً لكي نقرب لعقل محمود داود هذا الكلام، المثل: لو أن والد أحدكم قال له، إن وقفت على قديمك سأُخرجك من منزلي، فهنا الوصية كوصية هي الأمر المطلوب تنفيذه، وعدم تنفيذه في حد ذاته يعرضه للعقاب، على الرغم من أن الوقوف على القدم ليس شيئاً خاطئاً في ذاته، ولكن العقاب هو لعدم التنفيذ، فأن كان آدم لا يعلم الخير من الشر، فهو يعلم بالوصية، ولهذا فالعقاب كان على كسر الوصية، وهذا الكسر توصيفه “شر” أي “خطية”، لذا فلا حاجة لآدم وحواء أن يكونا عارفين بخبرة سابقة في الخطية لكي يميزوا أن هذه شر أو خير.

هذا الرد هو بحسب فكر ميمو البسيط عن “شجرة معرفة الخير والشر” و”الخطية الأصلية” و”العقاب” و”فساد الطبيعة” لكن، الأمر في اللاهوت المسيحي أعمق وأصح من هذا الذي يعرفه محمود داود بكثير جداً، لكنا آثرنا الرد على ما قاله محمود حتى وإن كان غير صحيح في المسيحية.

الخطيئة الأصلية – مفهومها ونتاجئها أ/ أمجد بشارة

الخطيئة الأصلية – مفهومها ونتاجئها أ/ أمجد بشارة

الخطيئة الأصلية – مفهومها ونتاجئها أ/ أمجد بشارة

الخطيئة الأصلية – مفهومها ونتاجئها أ/ أمجد بشارة 

هناك مفهوم خاطئ سائد في بعض الكنائس عن الخطية الأولي أو الخطية الأصلية كما سماها أُغسطينوس وهذا المفهوم يتلخص في أن آدم أخطأ ونحن كنا فيه فورثنا معه خطيته وأصبحنا خاطئين فيه أو ورثنا ذنب خطيته وأصبحنا مدانين بهذا الذنب. والخطية الأولي بهذا المفهوم يعرفها فقط اللاهوت اللاتيني متمثلاً في ترتليان وكبريانوس أسقف قرطاجنه وأغسطينوس الذي أسهب في شرح هذا الأمر كثيراً بسبب رده على بدعة بلاجيوس ثم انتقل إلى لاهوتيي العصر الوسيط ومنهم مارتن لوثر وجون كالفن.

أما آباء الكنيسة الذين كتبوا باليونانية فرأوا أن خطيئة آدم كانت الخطيئة الأولى، وأنّ الجميع خطئوا بعد الإنسان الأول. فالخطيئة الأصلية مكوّنة إذاً، في نظرهم، ليس من خطيئة آدم وحسب، بل أيضاً من خطايا جميع الناس (إذ أخطأ الجميع: “من أجل ذلك كإنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” رومية 5: 12).

لذلك بينما ينظر أوغسطينوس وآباء الكنيسة اللاتينية إلى الخطيئة في أصلها التاريخي، فيتكلمون عن “خطيئة أصلية” اقترفها آدم وانتقلت منه بالوراثة إلى جميع البشر، ينظر آباء الكنيسة اليونانية إلى الخطيئة في واقعها الانساني الشامل. وفي هذه النظرة تصبح مسؤولية الخطيئة مسؤولية شخصية يتحمّلها جميع الناس كما تحمّلها الانسان الأول.

وهذا الاختلاف في النظرة إلى الخطيئة الأصلية يبدو واضحاً عندما يتكلّم الآباء عن معمودية الأطفال. فالنظرة الأولى ترى أن المعمودية ضرورية للأطفال لتنزع عنهم الخطيئة الأصلية التي ورثوها عن آدم؛ أما النظرة الثانية فتؤيّد معمودية الأطفال، لا لنزع الخطيئة عنهم، بل لإدخالهم في حياة النعمة. وبينما يتساءل ترتوليانوس:لماذا نعمِّد الأطفال، إذا كانوا أبراراً وبلا خطيئة؟ يجيب القديس كبريانوس: ولِمَ لا نعمِّدهم؟ إنهم بلا خطيئة، لذلك تستطيع النعمة أن تعمل فيهم بدون عائق. وهذا أيضاً رأي القديس يوحنا الذهبي الفم: “وإن كان الأطفال بلا خطايا، فإننا نعمِّدهم ليزداد فيهم البرّ والقداسة ويصبحوا هياكل للروح القدس”.[1]

فيفهم الآباء الشرقيون نصوص مثل “كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة“(رومية 5: 19). لا بمصطلحات قضائية ولكن “طبية”. بمعنى أن الطبيعة البشرية أصبحت مريضة. ويفسر القديس كيرلس السكندري هكذا:” بعدما سقط آدم بالخطية وغرق في الفساد، فعلى الفور تدفقت اللذات النجسة وانفجر قانون الغابة في أعضائنا. وهكذا أصبحت الطبيعة مريضة بالخطية من خلال معصية الواحد الذي هو آدم. وبعد ذلك صارالكثيرون خطاة لا كشركاء في المعصية مع آدم لأنهم لم يكونوا حتى موجودين ولكن لكونهم من نفس الطبيعة التي سقطت تحت ناموس الخطية. لقد أصبحت الطبيعة البشرية مريضة في آدم من خلال فساد المعصية وهكذا دخلت إليها الأهواء”[2].

ويستخدم نفس الأب في موضع آخر صورة الجذر. لقد أتى الموت لكل الجنس البشري بواسطة آدم تماماً مثلما يصاب جذر النبات فيتعين على كل البراعم الصغيرة التي تأتي منه أن تذبل”[3].

ويقول الاب متى المسكين: الخطيه انتقلت وتفشت بطرق وأفعال لا حصر لها. نحن لم نرث الخطية كفعل، نحن ورثنا عنصر الخطية الفعال للموت و ليس انواع الخطية[4].

ويستفيض أكثر في شرح معني وراثة عنصر الخطية الفعال قائلاً: أخطر ما في خطية آدم هو استماعه لصوت الشيطان، لقد ورثنا منه الأُذن المفتوحة والعين المفتوحة،والفكر المفتوح على مشورة الشيطان لإفساد الذهن والحياة برمتها. هذا هو السم القاتل في الخطية الأصلية. وهو عنصر غريب علينا دخل في صميم ميراثنا الجسدي : (أخاف انه كما خدعت الحيه حواء بمكرها هكذا تفسد ذهنكم عن البساطة التي في المسيح.. 2 كورنثوس 11: 3). لذلك أصبح من المحتم خلع عنصر الفساد، هذا المميت والغريب على طبيعتنا والدخيل علينا، ونحصل بالمقابل على عنصر الشفاء كهبه فوق طبيعتنا: (ولكن ليس كالخطية هكذا أيضاً الهبه، لأنه إن كان بخطية الواحد مات الكثيرون فبالأولي كثيراً نعمة الله، العطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين.. رومية 5: 15) [5].

ويكمل شرحه أيضاً قائلاً: بخطيئة آدم قبلت الطبيعة البشرية عُنصر الموت الملازم للخطية، فأصبحت طبيعة الإنسان خاطئة أي واقعه تحت سلطان الخطية… نستطيع أن نقول أن عنصر الخطية كان هو فقدان النعمة والحرمان من برّ الله، وهذا ما وقع فيه آدم عندما أقترف العصيان والتعدي على وصية الله. فالذي أمات ادم هو فقدانه لنعمة الله وبره لما أخطأ. لأن نعمة الله هي قوة الحياة، وبرّ الله مُحيي. فنحن ورثنا من آدم ليس فعل خطيته بل الطبيعة التي فقدت نعمة الله وحُرِمَتْ من برّ الله، الطبيعة البشرية الخاطئة – أي المفتوحة على الخطية على الشيطان – وليس مجرد فعل الخطية التي اقترفها[6].

ويقول اللاهوتي الأرثوذكسي د/ عدنان طرابلسي: بالنسبة للأرثوذكسية: الخطية ليست جريمة ضد العدالة الإلهية، لكنها مرض يتلف الإنسان. لم يأتِ المسيح لكي يشفي كرامه الله المجروحة، بل ليشفي الإنسان من مرضه. بسبب الخطية صار الإنسان أسير الموت والفساد. الله حياة، والإنسان قطع نفسه عن الله مصدر الحياة الأبدية. جاء المسيح ليُعيد هذه الحياه الضائعة للإنسان.

بسبب خطيئة آدم وحواء صارت الطبيعة البشريةفاسدة وأسيرة للموت. لم يرث الإنسان ذنب خطيئة آدم. هذا ذنب شخصي. بل ورث نتائج السقوط التي اصابت الطبيعة البشرية العامة ككل. أيضاً لم نرث طبيعة مائته فحسب، بل أيضاً طبيعة أصاب الفساد ملكتها. الإرادة البشرية صارت مشلولة بالخطية وتفضل الشرّ على الخير[7].

لكن السؤال الدائم الذي نتساءله هو: لماذا نعاقب على ذنب آدم؟ كما تبين لنا اننا لا نُعاقب على ذنب أحد، بل فقط ورثنا أو حملنا في طبيعتنا البشرية فساد ورغبه نحو فعل الشرّ ازدادت بخطايانا الشخصية لا بخطايا أحد آخر، ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: إنه حقاً قد دخلت العبودية بواسطة خطية الأولين بسبب عصيانهم، غير أنه بعد دخولها بواسطتهم قد تسيدت على اللاحقين بسبب خطاياهم الخاصة. لأنهم ان كانوا قد استطاعوا أن يحفظوا أنفسهم من أي خطية لأمكن اعتبار اعتراضهم على حق، ولكن إن كانوا هم أنفسهم مسئولين فإن كل تلك الحجج لا لزوم لها[8].

 

أما نتائج الخطية الأولي المريرة التي حلَّت على طبيعة البشر جميعهم فقد تمثلت في:

أولاً: قام حاجز العداوة بين الله والإنسان فيقول د/ موريس تاوضروس: لقد أقامت الخطية حاجز عداوة بين الإنسان والله. فالخطية لم تبعدنا فقط عن الله، لكن بالإضافة إلى ذلك انتزعت السلام الذي كان قائماً بيننا وبين الله وأحلت بدله العداوة. إن الله في قداسته وكماله لا يُمكن أن يدخل في علاقة سلام مع الإنسان المذنب المُدان[9].

ثانياً: فقدنا نعمة الروح القدس وسكناه فينا، ومن أشهر الآباء الذين تحدثوا في هذا الأمر القديس كيرلس السكندري والذي اشتهر أيضاً بتفسيره لنص سفر التكوين (ونفخ في انفه نسمة حياة) إن هذه النسمة المعطيةللحياة ليست شيء سوي الروح القدس [10]

فيقول في هذا: بسبب تعدي آدم “ملكت الخطية على الكل “(رومية 5: 14). وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التي صارت مريضة في كل البشر[11].

 

ويكمل في موضع آخر: لأنه عندما انحرف الانسان نحو العصيان وتجرب نتيجة محبته لشهوات جسده – بالخطية التي كانت غريبة عنه. فإنه أبعد عنه الروح الذي شكله على صورة الله والذي كان ساكناً فيه وبطريقة لا توصف وكأنه ختم، وهكذا صار واضحاً أنه قد جلب لنفسه الفساد والقُبح وكل ما هو غير شرعي[12].

ثالثاً: تشوهت جميع مفاهيم الإنسان أصبحت معرفته بالله وبالأخرويات ضبابيه مشوهه، فيقول القديس يوحنا ذهبي الفم: إن أردتم أن تعرفوا أي نمط هذا الذي خلقه الله في البداية، فلنذهب إلى الفردوس، ونبحث في الإنسان الذي خُلق في البداية. فإن هذا الجسد لم يكن فاسداً ولا ميتاً، إنما كان أشبه بتمثالٍ من ذهبٍ خرج حالاً من الفرن، يشع بالبهاء، فكان هذا الجسد خالياً من كل فسادٍ. لم يكن التعب يضايقه ولا العرق. لم تكن الاهتمامات تحطمه، وليس شيء من هذا القبيل يحزنه[13].

سقوط الإنسان في الخطية أفسد طبيعته وشوّه مفاهيمه، فصار من الصعب، بل وأحيانًا من المستحيل أن يتصور الإنسان، حتى عظماء الفلاسفة المشهورين، أن يسترد الإنسان الحياة بعد الموت. هذا ما دفع بعض الفلاسفة أن ينادوا باللذة كمصدر السعادة، فيتمتع الإنسان بكل لذة جسدية في هذا العالم حتى يُسدل الستار على حياة الإنسان بلا عودة. بهذا صار الجسد بملذاته وشهواته مركز الحياة عند الكثيرين، الأمر الذي حجب عن الإنسان إمكانية تعرفه على حقيقة أعماقه. هؤلاء دعاهم الكتاب المقدس وأيضًا آباء الكنيسة بالجسدانيين. لهذا اشتهى الرسول بولس أن يخلص من جسد هذا الموت أو الجسد المائت (رومية 7: 24)، لا بتدميره، بل بتقديسه بروح الله القدوس، فيخضع للنفس في المسيح يسوع ويسندها[14].

 

رابعاً:تشوهت داخلنا صورة الله التي خُلقنا عليها

كما يقول القديس مقاريوس: هكذا حينما تعدى آدم وصية الله وأطاع الحيّة الخبيثة، صار مُباعاً أو باع نفسه للشيطان فاكتست النفس ـ تلك الخليقة الحسيّة التي صورّها الله على صورته الخاصة ـ اكتست بنفس الشرير مثل رداء. لذلك يقول الرسول: ” إذ جرّد الرياسات والسلاطين، ظفر بهم فى الصليب” (كولوسي 15:2)، وهذا هو الغرض الذى من أجله جاء الرب (إلى العالم)، لكيما يطرحهم خارجًا ويسترجع بيته وهيكله، أي الإنسان[15].

ويكمل قائلاً: إن ملكوت الظلمة، أى الرئيس الشرير، لمّا أسر الإنسان في البدء، قد غمر النفس وكساها بقوة الظلمة كما يكسو الإنسان إنسانًا غيره “لكيما يجعلوه ملكًا، ويلبسونه الملابس الملوكية من رأسه إلى قدمه”[16].

وبنفس هذه الطريقة قد كسا الرئيس الشرير، النفس وكل جوهرها بالخطيئة. ولوثها بكليتها، وأخذها بكليتها أسيرة إلى ملكوته، ولم يدع عضواً واحداً منها حُراً منه، لا الأفكار، ولا القلب، ولا الجسد، بل كساها كلها بأرجوان الظلمة.لأنه كما أن الجسد لا يتألم منه جزء أو عضو بمفرده، بل الجسد كله يتألم معًا، هكذا النفس بكليتها تألمت بأوجاع الشقاء والخطيئة. فالشرير كسا النفس كلها التي هي الجزء أو العضو الأساسي في الإنسان، كساها بشقائه الخاص، الذى هو الخطيئة، ولذلك أصبح الجسد قابلاً للألم والفساد (الاضمحلال)[17].

لأنه بمعصية الإنسان الأول دخل فينا شيء غريب عن طبيعتنا، الذى هو كارثة الفساد والأهواء وقد اتخذ هذا الفساد مكانه كأنه جزء من طبيعتنا بطول العادة والميل[18].

ويختم شرحه بخلاصة القول قائلاً: وإذا حدث أن ملكًا له خيرات وخدم تحت سلطانه يخدمونه، قد أخذه أعداؤه أسيرًا، فإنه حينما يُؤسر ويبعد عن مملكته، فإن خدامه وعبيده يتبعونه في أسره.. وهذا ما حدث لآدم، فإن الله خلقه نقيا لخدمته وعبادته، وكل هذه المخلوقات أعطيت له لخدمة احتياجاته، وجعله الله سيداً وملكاً على جميع المخلوقات.. ولكن حينما جاءته الكلمة الشريرة (كلمة إبليس) وتحدث معها، قابلها أولاً بالسمع الخارجي، ثم نفذت إلى داخل قلبه وملكت على كل كيانه.. وحينما أُسر وأُمسك هكذا، فإن الخليقة التي كانت تخدمه وتلازمه أُمسكت وأُسرت معه.. وعن طريق آدم ملك الموت على كل نفس، وطُمست الصورة الإنسانية الكاملة نتيجة العصيان، حتى أن جنس البشر تحولوا وصاروا يعبدون الشياطين[19]

خامساً: دخل الموت إلى العالم بكل ما تبعه من آثار حزينة قاتمه… وهو ما سنستفيض في شرحه قليلاً في موضوع آخر.

وهكذا، فقد اختار الإنسان بإرادته الحُرة التي خلقه الله بها طريق الخطية، هذا الطريق الكرب الذي ينتج عنه انجذاب نحو الشهوة وعدم الشبع منها فيزداد أكثر: من شهوة الي شهوة، حتي تسيطر الخطية على عقله وإرادته ومشاعره فتنتج فيه موتاً وهو حي وموتاً جسدياً. بعد أن تشبع كيان الإنسان بالانجذاب نحو الشرّ والعدم، قدم الله له الناموس كبداية بحسب التدبير الالهي، فقد كان الإنسان وقتها كأعمي تائهاً يتلمس طريق الحق والنور، فجاء إليه الصوت الإلهي المرشد عن طريق الناموس، لكنه يأتي من بعيد، من بعيد جداً. فالناموس من وضع الهي، وكان القصد منه أن يُقنن مسيرة الإنسان في الحق والبرّ والعدل والقداسة. ولكن الناموس وقف عاجزاً مشلولاً تماماً عن تأدية دوره بسبب طبيعة الإنسان المنجذبة للشرّ بصورة متواتره.

وبحسب ق. كيرلس الأورشليمي إن كل هذه الجراحات والنتائج التي حملتها الطبيعة البشرية صارت حديث الأنبياء وصراخهم بطول العهد القديم إلى الله ليخلصهم من هذا الفساد الذي تغلغل في الكيان البشري، ويعلق على ذلك القديس كيرلس الأورشليمي قائلاً: ما أعمق جرح الطبيعة البشرية “من القدم إلى الرأس. ليس فيه صحة، ليس من يقدر أن يستخدم دهناً أو زيتاً أو عصائب” (راجع إشعياء 1: 6). لذلك ولول الأنبياء قائلين: “هل من صهيون خلاص إسرائيل؟!”… كما يتضرع أحد الأنبياء فيقول: “يا رب طأطئ سماواتك وانزل” (مزمور 144: 5). إن جروح الطبيعة البشرية لا تلتئم. “نقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك” (1ملوك 19: 10)، وصرنا عاجزين عن إصلاح الشرّ، محتاجين إليك لتصلحه[20].

 

ويعلق الأب تادرس يعقوب: هذه هي ثمار استقلال الإنسان بذاتيته، وانفصاله عن الله. لقد غلظ قلبه، وتشوهت نظرته ومفاهيمه. “القلب أخدع من كل شيء، وهو نجيس من يعرفه” (إرميا 17: 9). وكما يقول المرتل: “زاغ الأشرار من الرحم، ضلوا من البطن، متكلمين كذبًا” (مزمور 58: 3)، ويؤكد الرسول بولس “إذ هم مظلمو الفكر، ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم” (أفسس 4: 18)[21].

 

[1] اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر. ج1. المطران كيرلس سليم بسترس. ص 114 ، 115. catechesesbabtismales , iii , 5 – 6 , dans sources chretiennes n. 50 , pp 153 , 154

[2]Commentary on Epistle to the Romans. PG 64, 788f

[3]Commentary on Epistle to the Romans. PG 64, 785f ، الطب النفسي الارثوذكسي.ايروثيئوسفلاخوس. ص 29 

[4] الأب متى المسكين. القديس بولس الرسول ، حياته. لاهوته. أعماله ، ص 234

[5] الأب متى المسكين. القديس بولس الرسول ، حياته. لاهوته. أعماله ، ص 235

[6] الأب متى المسكين. القديس بولس الرسول ، حياته. لاهوته. أعماله ، ص 234

[7] د/ عدنان أديب طرابلسي ومجموعه من العلماء واللاهوتيين الارثوذكس. سألتني فأجبتك الجزء الاول. ص 289

[8] القديس يوحنا ذهبي الفم. عظات على سفر التكوين. ترجمة د/ جورج فرج ومراجعة د/ جورج عوض إبراهيم. ص 90

[9] الفكر اللاهوتي عند القديس بولس الرسول. ج1. للدكتور موريس تاوضروس استاذ العهد الجديد واللغة اليونانية. ص 97

[10] أنظر السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة الثالثة، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.. وأيضاً جلافيرا تعليقات لامعه على سفر التكوين ترجمة د / جورج عوض إبراهيم

[11] تجسد الابن الوحيد. ترجمة د / جورج حبيب بباوي. إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. فقره 1

[12] حوار حول الثالوث. ترجمة د / جوزيف موريس فلتس. ج 6 ح 7 ص 55

[13]Concerning the Statues, homily 11.

[14] الحب الالهي. الأب تادرس يعقوب مالطي. ص 127

[15] عظات القديس مقاريوس 1: 7 ، ترجمة د / نصحي عبد الشهيد ، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

[16] الاقتباس ـ لم يذكر مصدره ـ وهو ليس اقتباسًا من الكتاب المقدس، والقصد منه، على أية حال، هو إعطاء فكرة التغطية الكلّية بالملابس.

[17] عظات القديس مقاريوس 2: 1

[18] عظات القديس مقاريوس 4 : 8 

[19] عظات القديس مقاريوس 1 : 5

[20] القديس كيرلس الأورشليمي. حياته، مقالاته لطالبي العماد، الأسرار. تعريب الاب تادرس يعقوب مالطي إصدار كنيسة مارجرجس اسبورتينج. ص 169

[21] الحب الإلهي. الأب تادرس يعقوب. ص 197

 

الخطيئة الأصلية – مفهومها ونتاجئها أ/ أمجد بشارة

الخطية الأصلية وعلاقتها بالفداء – أمجد بشارة – إجتماع النور (الزيتون)

الخطية الأصلية وعلاقتها بالفداء – أمجد بشارة – إجتماع النور (الزيتون)

الخطية الأصلية وعلاقتها بالفداء – أمجد بشارة – إجتماع النور

الخطية الأصلية وعلاقتها بالفداء – أمجد بشارة – إجتماع النور 

 

 

Exit mobile version