الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

قلت إنه لا يمكن أن نقيم مجتمعاً مسيحياً أبداً إلا إذا صار معظمنا أفراداً مسيحيين بالحق. ولا يعني هذا بالطبع أنه يمكننا أن نؤجل القيام بأي تحرك بشأن المجتمع قبل تاريخ وهمي نحدده في المستقبل البعيد. إنما يعني أنه يجب أن نباشر عملين معاً في الحال: أولهما أن نتبين كيف تطبيق المبدأ “عامل كما تحب أن تعامل” مُفصلاً في المجتمع الحديث؛ وثانيهما صيرورتنا أُناساً من النوع الذي يُبادر إلى تطبيق هذا المبدأ إذا عرف كيف يفعل ذلك. وأود الآن أن أباشر النظر في ماهية الفكرة المسيحية بشأن الإنسان الصالح، أي التوصيف المسيحي للمكنة البشرية.

ولكن قبل الدخول في التفاصيل، أرغب في توضيح نقطتين أكثر عمومية. أولاً، بما أن الأخلاقيات المسيحية تقول بأنها سبيل عملي لإصلاح المكنة البشرية، أظن أنك تود أن تعرف كيف تتصل بتقنية أخرى يبدو أنها تقول بمثل ذلك، ألا وهي طريقة التحليل النفسي.

فالآن لا بد لك من أن تميّز بوضوح جليّ بين أمرين: بين النظريات والتقنية الطبية الفعلية التي يعتمدها المحللون النفسيون، وبين النظرة الفلسفية العامة للعالم التي مضى فرويد وآخرون غيره قُدماً ليُضيفوها إلى تلك. والأمر الثاني، أي فلسفة فرويد، مناقض مباشرة لآراء يونغ، عالم النفس الكبير الآخر. ثم أن فرويد، عندما يتكلم عن كيفية شفاء العصابيين، يتحدث حديث اختصاصي في موضوعه، ولكنه حين يمضي ليتكلم في الفلسفة العامة فهو إنما يتحدث حديث هاوٍ غير خبير. وعليه، فمن المنطقي تماماً أن نصغي إليه باحترام في الحالة الأولى وليس في الثانية، وذلك هو ما أفعله أنا.

وأجدني أكثر استعداداً لفعل ذلك لأني لمستُ أنه يتكلم في غير موضوعه، وفي موضوع أُلم به بعض الإلمام (اللغة تحديداً)، فهو جاهل جداً، غير أن التحليل النفسي بحد ذاته، بمعزل عن جميع الإضافات الت زادها عليه فرويد وآخرون، ليس مناقضاً للمسيحية أبداً. فإن تقنيته تتوافق مع الأخلاق المسيحية في بعض النقاط، وليس أمراً سيئاً أن يعرف المرء شيئاً عنها. غير أنها لا تسير معها طول الطريق. لأن كلنا التقنيتين تؤدي بالأحرى عملاً مختلفاً عن عمل الأخرى.

عندما يقوم المرء باعتماد خيار خُلقي، يشتمل ذلك على أمرين: أحدهما فعل الاختيار، والآخر هو مختلف المشاعر والحوافز ونحوها مما تمده به تركيبته السيكولوجية، والتي هي جميعاً المادة الخامة التي يتكون خياره منها. وهذه المادة الخام قد تكون على نوعين. فإما أن تكون ما يمكن أن ندعوها سوية، إذ قد تتكون من صنف المشاعر المشتركة بين جميع البشر؛ وإما أن تتكون من مشاعر غير سوية إلى حد بعيد من جراء أمور تعطلت أو فسدت فيما دون وعيه.

وعليه، فالخوف من الأشياء الخطرة حقاً يمكن أن يكون مثلاً على النوع الأول، والخوف غير المنطقي من القطط أو العناكب يمكن أن يكون مثلاً على النوع الثاني. ومن شأن اشتهاء الرجل للمرأة أن يكون من النوع الأول، فيما يكون اشتهاء الرجل للرجل شذوذاً، من النوع الثاني. فما يتولى المحللون النفسيون القيام به هو إزالة المشاعر غير السوية، أي تزويد الإنسان بمادة خام فُضلى لأفعال اختياره. أما الأخلاق فمعنية بأفعال الاختيار عينها.

ولنعبر عن ذلك بطريقة أخرى. تصور ثلاثة رجال يذهبون إلى حرب ما. أحدهم لديه الخوف الطبيعي المعتاد من الخطر، شأنه شأن أي إنسان آخر، ولكنه يقمع خوفه بمجهود خُلقي ويصير رجلاً شجاعاً. ولنفترض أنه لدي الآخرين، من جراء أمور معين فيما دون وعيهما، مخاوف غير منطقية مبالغاً فيها، لا يمكن لأي مقدار من المجهود الخلقي أن يفعل شيئاً بشأنها، ولنفترض الآن أن محللاً نفسياً يتدخل ويشفي هذه الرجلين، أي يردّهما كليهما إلى موقع الرجل الأول.

فعندئذ تماماً تنتهي المشكلة المتعلقة بالتحليل النفسي وتبدأ المشكلة الخُلقي: لأن هذه الرجلين، وقد شفيا الآن، قد يسلكان سبيلين متفاوتين. فقد يقول الأول: “الحمد لله على كوني قد تخلصت من جميع تلك الهواجس والوساوس! فالآن أخيراً أستطيع أن أقوم بما كنت أرغب دائماً بأن أقوم به واجبي تجاه وطني”. ولكن الآخر قد يقول: “حسناً، أنا مسرور جداً الآن لأنيي أشعر برباطة الجأش على نحو معتدل تحت النيران، ولكن ذلك بالطبع لا يُبدل شيئاً من حقيقة كوني ما زلت عاقد العزم تماماً على الاهتمام بالأمر الأهم، تاركاً الرجل الآخر يوجه الخطر كلما استطعت ذلك.

وبالحقيقة إن واحداً من الأمور الحسنة في الشعور بمقدار من الخوف أقل هو أنه يمكنني الآن أن أعتني بنفسي بطريقة أكثر فعالية للغاية، ويمكنني أن أكون أذكى بكثير في إخفاء الحقيقة عن الآخرين” ففي الواقع أن الفارق خُلقي محض، ولا يستطيع التحليل النفسي فعل شيء بشأنه. فمهما حسّنت كثيراً مادة الرجل الخام، يبقى لديك بعد شيء أخر: خيار الرجل الحقيقي، على أساس المادة المقدمة إليه، إما أن يضع مصلحته الشخصية أولاً، وإما أن يضعها أخيراً. وهذا الخيار الحر هو الأمر الوحيد الذي تُعنى به الأخلاق.

وليست المادة السيكولوجية السيئة خطية، بل هي مرض. فلا يحتاج المرء لأن يتوب عنها، بل يحتاج لأن يُشفى منها. وبالمناسبة، هذا أمر مهم جداً. فالبشر يدينون بعضهم بعضاً على أساس الأفعال الظاهرة. أما الله فيدينهم على أساس خياراتهم الخُلقية. فإذا أجبر عصابي لديه خوف مرضي من القطط نفسه على التقاط قطة لسبب جيد، فمن المحتمل تماماً أنه في نظر الله قد أبدى شجاعة أكثر من تلك التي أبداها شخص سليم فكوفئ بمنحه وسام تقدير رفيعاً.

وعندما يقوم رجل انحرف منذ حداثته، وتعلم أن القساوة هي الأمر الصائب، بمعروف بسيط، أو يُمسك عن قسوة كان يمكن أن يرتكبها، وربما يغامر في ذلك بالتعرض للهزء من قِبل رفقائه، فلعله في نظر الله يكون فاعلاً أكثر مما قد نفعله أنا وأنت إذا ضحينا بحياتنا ذاتها في سبيل صديق.

ويحسن بنا أن نعبر عن هذه الفكرة بالطريقة المعاكسة. ربما يكون بعض منا، ممن يبدون أناساً لطفاء جداً، قد استفادوا في الواقع استفادة ضئيلة للغاية من حالة وراثية جيدة وتربية صالحة، بحيث يكونون بالحقيقة أسوأ من أولئك الذين يحسبونهم أشراراً جداً. فهل يمكننا أن نكون على يقين تام من جهة كيفية تصرفنا الممكن لو أثقلت كواهلنا التركيبة السيكولوجية، ثم التربية السيئة، ثم السلطة المطلقة، تلك التي أثقلت كاهل طاغية من الطغاة؟ لذلك يُطلب من المسيحيين بالحق ألا يدينوا. فنحن لا نرى إلا النتائج التي تُطلعها خيارات الإنسان من مادته الخام.

غير أن الله لا يدينه على أساس المادة الخام أبداً، بل على أساس ما صنعه منها. وربما كان الجزء الأغلب في تركيبة الإنسان السيكولوجية عائداً إلى جسده: فعندما يموت جسده يسقط عنه ذلك كله، في حين أن الإنسان الجوهري الحقيقي (العنصر الذي قام بالاختيارات والذي استفاد من تلك المادة أحسن استفادة أو أسوأ استفادة) سيقوم مجرّداً.

فجميع الأمور الحسنة المتنوعة التي حسبناها ملكاً لنا، ولكنها كانت بالحقيقة نتيجة اهتضام جيد، ستسقط عن بعض منا؛ في حين أن جميع الأمور السيئة المتنوعة التي كانت نتيجة عُقد نفسية أو سوء صحة ستسقط عن الآخرين. وعندئذٍ سنرى، أول مرة، كل امرئ كما كان بالحقيقة. ولسوف تحث مفاجآت!

وهذا يفضي بي إلى نُقطتي الثانية. غالباً ما يفكر الناس في الأخلاقيات المسيحية كما لو كانت صفقة فيها يقول الله: “إذا راعيت كثيراً من القواعد فسأكافئك؛ وإلا فعلت العكس”. لكنني لا أعتقد أن هذه هي أفضل طريقة للنظر إلى المسألة. فأنا أُوثر بالأحرى أن أقول إنك كل مرة تقوم باختيار تكون مُحولاً الجزء الجوهري فيك (ذلك الجزء الذي يختار) إلى شيء مختلف قليلاً عما كان عليه قبلاً.

ولدى النظر في حياتك بمجملها، بجميع خياراتك التي لا تُحصى، يتبين أنك طوال حياتك تحول ببطء الجزء الجوهري إما إلى مخلوق سماوي وإما إلى مخلوق جهنمي: إما إلى مخلوق متناغم مع الله ومع الخلائق الآخرين ومع ذاته، وإما إلى مخلوق في حالة حرب وكره مع الله ومع الخلائق الآخرين ومع ذاته. وأن تكون مخلوقاً من النوع الأول لهو سماء أو نعيم؛ أي فرح وسلام ومعرفة وقوة. أما أن تكون من النوع الآخر فمعناه جنون وغباوة وسخط وعجز ووحشة أبدية. وكل واحد منا، كل لحظة، يتقدم إلى إحدى هاتين الحالتين أو إلى الأخرى.

هذا الواقع يُفسر أمراً طالما حيرني لدى الكتاب المسيحيين: أنهم يبدون متشددين جداً مرة، ومتحررين ومتساهلين جداً مرة أخرى. فهم يتحدثون عن خطايا الفكر المجردة كما لو كانت مهمة على نحو هائل، ثم يتحدثون عن أشنع أفعال القتل والخيانة كما لو أن عليك فقط أن تتوب فتُغفر لك جميعاً. غير أنني بت أدرك أنهم على حق. فما يُفكرون فيه دائماً هو السمة التي يُخلفها الفعل على تلك الذات الجوهرية اللطيفة التي لا يراها أحد في هذا الحياة ولكن سيكون على كل منا أن يُقاسيها، أو يتمتع بها، إلى الأبد.

فرُب إنسان يكون في وضع فيه يدفعه غضبه إلى سفك دماء الآلاف، وآخر يكون في وضع مهما غضب فيه فسيكون فقط غرضاً للضحك. غير أن السمة الصغيرة على النفس قد تكون لدى كليهما هي إياها إلى أبعد حد. فكلاهما قد فعل بنفسه شيئاً إن لم يتب يُصعب عليه أكثر أن ينأى عن الغضب تالي مرة يُجرب فيها، ويجعل الغضب أسوأ حين يسقط فيه فعلاً. وكلا هذين، إذا رجع إلى الله صادقاً، يمكن أن تُقوَّم له تلك “الانحراف” في الإنسان الجوهري ويُسوى مجدداً. كما أن كليهما، إن لم يرجع إلى الله حقاً، هالك في نهاية المطاف. أما كبر ذلك الشيء أو صغره، إذا نُظر إليه من الخارج، فليس هو ما يهم حقاً.

تبقى نقطة أخيرة: تذكر أن الاتجاه الصحيح، كما سبق أن قُلت، لا يؤدي فقط إلى السلام بل أيضاً إلى المعرفة. فعندما يكون امرؤ آخذاً في التحسن، يفهم أوضح فأوضح الشر الذي ما يزال فيه. ولكن حين يكون امرؤ آخذاً في التردي، يفهم رداءته أقل فأقل. كذلك يعلم الإنسان الرديء على نحو معتدل أنه ليس صالحاً جداً؛ أما الإنسان الرديء كلياً فيظن أنه في أحسن حال.

وهذا منطق سليم بالحقيقة. فأنت تقدر أن تفهم النوم حين تكون مستيقظاً، لا فيما تكون نائماً. وفي وسعك أن تلاحظ أغلاط الحساب حين يكون ذهنك عاملاً بنشاط ومتيقظاً. ولكن حين تكون في حالة ارتكاب أغلاط لا يمكنك أن تلاحظها. وفي مقدورك أن تفهم طبيعة السُكر عندما تكون صاحياً، لا عندما تكون سكران. فالصالحون يعرفون أحوال الخير والشر؛ أما الطالحون فلا يعرفون شيئاً عن كليهما.

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

الفضائل الأساسية – سي إس لويس

الفضائل الأساسية – سي إس لويس

الفضائل الأساسية – سي إس لويس

الفضائل الأساسية – سي إس لويس

أنشئ الجزء السابق أصلاً ليُقَدم كحديث إذاعي قصير. فإذا طُلب إليك أن تتحدث عشر دقائق فقط، يحسن بك إلى أبعد حد أن تُضحي بكل شيء تقريباً في سبيل الإيجاز. وقد كان أحد الأسباب الرئيسية التي من أجلها قسّمت الأخلاقيات إلى ثلاثة مجالات (بما في ذلك استعارتي للسفن المُبحرة في موكب) أن تلك بَدت أقصر طريقة للتعبير عن فحوى الموضوع. وسأورد هنا فكرة ما عن طريقة أُخرى بها فرّع الكتاب الأقدمون موضوع الأخلاق، وهي أطول من أن أتطرق إليها في حديثي الإذاعي، ولكنها طريقة جيدة جداً.

فبحسب هذه الترسيمة الطُولى، توجد سبع “فضائل”. أربع منها تدعى “فضائل أساسية”، فيما تُدعى الثلاث الباقية “فضائل لاهوتية”. أما الفضائل “الأساسي” فهي تلك التي تُراعيها جميع الشعوب المتحضرة؛ وأما “اللاهوتية” فهي تلك التي يعرفها المسيحيون وحدهم عادة. وسأتناول الفضائل اللاهوتية لاحقاً. أما الآن فأنظر في الفضائل الأساسية الأربع، تلك الفضائل المحورية أو المفصلية، وهي التعقل، الاعتدال، العدل، الثبات.

معنى التعقل هو الفطرة السليمة العملية: أن تكلف نفسك عناء التفكير فيما أنت فاعله وفيما يُرجح أن يُسفر عنه. ولا يكاد معظم الناس اليوم يفكرون في التعقل على أنه إحدى “الفضائل”. وبالحقيقة، لأن المسيح قال إننا لا نقدر أن ندخل عالمه إلا بصيرورتنا مثل الأطفال، داخلت رؤوس كثيرين من المسيحيين الفكرة القائلة بأنه لا يهم أن تكون مغفلاً ما دامت “طيباً”. لكن هذا سوء فهم. ففي المقام الأول، مُعظم الأولاد يُبدون كثيرً من “التعقل” في شأن قيامهم بالأمور التي تستهويهم حقاً، ويُفكرون فيها بمعقولية مقبولة.

وفي المقام الثاني، كما يُنوه الرسول بولس، لم يعن المسيح قط أنه ينبغي لنا أن نبقى أطفالاً في التفكير، ولكنه على العكس طلب منا أن نكون لا “بسطاء كالحمام” فقط بل “حكماء كالحيات” أيضاً. فهو يريد قلب طفل، لكن عقل راشد. إنه يريد لنا أن نكون بُسطاء، مخلصي، مُحبين، مستعدين للتعلم، شأننا شأن الأولاد الطيبين. ولكنه أيضاً يريد أن يكون كل جزء من فطنتنا متيقظاً في عمله، وعلى أُهبة الاستعداد تماماً. فحقيقة تبرُعك بمبلغ من المال لأجل عمل إحسان لا تعني أن ليس عليك أن تحاول التحقق من كون ذلك إحساناً فعلياً، لا عملية احتيال.

وحقيقة كون الله هو ما تُفكر فيه (كما عند الصلاة مثلاً) لا تعني أنه يمكنك أن تقنع بمثل تلك الأفكار الصبيانية التي كانت لك لما كنت ابن خمس سنين. صحيح بالطبع أن الله ما كان ليُحبك أقل قطعاًن أو يستخدمك استخداماً أقل، إذا صدف أنك وُلدت بعقل رديء جداً. فإن لديه متّسعاً لذوي الإدراك المحدود جداً، ولكنه يريد من كل إنسان أن يستخدم الإدراك الذي لديه. وهكذا يكون الشعار المعقول ليس: “كوني صالحة، يا مليحة، ودعي مَن يقدر يكن ذكياً” بل: “كوني صالحة، يا مليحة، ولا تنسي أن هذا يعني أيضاً أن تكوني أذكى ما يُمكنك”.

فالله لا يعجبه المتهاونين في التفكير أكثر من سواهم من المُتهاونين. وإذا كنت تُفكر في أن تصير مسيحياً بالحق، فإني أُنبهك إلى أنك تباشر أمراً يحتاج إلى مُجمل كيانك، إلى عقلك وكل ما فيك سواه، ولكن من الخير أن العملية تجري بطريقة معاكسة. فأي شخص يحاول صادقاً أن يكون مسيحياً بالحق لا يلبث أن يجد أن ذكاءه بدأ يتوقد. وأحد أسباب عدم الاحتياج إلى تعليم خاص كي يصير المرء مسيحياً حقيقياً هو أن المسيحية هي تعليم بحد ذاتها. ولذلك السبب استطاع مؤمن غير متعلم مثل جان بَنيان أن يكتب كتاباً أذهل العالم (كتاب “سياحة المسيحي”).

أما الاعتدال فمن المؤسف أن تغييراً لحق بمعناه. إذ بات يعني عند بعضهم عادة “الامتناع التام عن المسكرات”. ولكن أيام دُعيت الفضيلة الأساسية الثانية “الاعتدال” لم تكن تعني شيئاً من ذلك النوع. فإن نطاق الاعتدال لم يكن يقتصر على المُسكرات، بل كان يشمل جميع الملذات. لم يكن الامتناع الكلي، بل الاكتفاء بالمقدار السليم وعدم تخطيه. فم الخطأ اعتبار المسيحية ديناً يطالب بالامتناع الكلي، وكأنها طريقة نُسكية تقشفية.

طبعً، قد يكون من واجب مسيحي معين، أو أي مسيحي آخر، في وقت معين أن يمتنع عن أي مشروب كحولي، إما لكونه من الأشخاص الذين لا يقدرون أن يشربوا أبداً بغير أن يفرطوا في الشرب، وإما لوجوده في محيط يكثر فيه الميّالون إلى السكر ووجوب عدم تشجيعه لهم بتناول الشراب شخصياً. ولكن بيت القصيد أنه يمتنع لسبب وجيه، عن شيء لا يدين غيره على تناوله في حدود المعقول. ومن العلامات التي تميّز نوعاً معيناً من الأردياء أن يعجز المرء عن التخلي عن شيء بعينه دون أن يريد من كل شخص سواه أن يتخلى عن ذلك الشيء. فليس هذا سبيل المسيحي.

فرُبّ مسيحي فرد قد يستحسن التخلي عن أمور شتى، كالزواج أو اللحم أو البيرة أو السينما، ولكن لحظة يبدأ يقول إن هذا الأمور سيئة في ذاتها، أو ينظر بازدراء إلى سواه ممن يستعملونها، يكون قد انحرف عن سواء السبيل.

ولقد نتج أذى كبير من تقليد كلمة “الاعتدال” في مسألة المُسكرات. فهذا الواقع يُسهم في إنساء الناس أنهم يمكن ألا يكونوا معتدلين في كثير من الأمور الأخرى. فالرجل الذي يجعل كرة القدم أو درجاته النارية مركز حياته، أو المرأة تصرف كل أفكارها نحو الثياب أو لعب الورق أو كلبها الأليف، هما غير “معتدلين” تماماً مثل الشخص الذي يسكر كل ليلة. إنما بالطبع لا يظهر ذلك بسهولة في العَلَن: فهوس لعب الورف أو كرة القدم لا يجعلك تترنح وتسقط على قارعة الطريق. ولكن الله لا تغشه المظاهر!

أما العدل فيعني أكثر بكثير من الأمور التي تجري في المحاكم. إنه يشمل الإنصاف حُسن المعاملة والاستقامة والسوية والصدق والوفاء بالوعد، وكامل نطاق الحية هذا.

وأما الثبات فيشتمل على كلا نوعي الشجاعة: ذاك الذي يواجه الخطر، وذاك الذي يُعنين المرء على الجلد والتماسك وسط معاناة الألم. وستلاحظ بالطبع أنك لا تستطيع أن تمارس اية واحدة من الفضائل الأخر وقتاً وطويلاً بغير أن تُطلق يد هذا الفضيلة بالذات.

تبقى نقطة أخرى بشأن الفضائل تنبغي ملاحظتها: أن بين القيام بفعل معين يتسم بالعدل، أو الاعتدال، وكون المرء إنساناً عادلاً، او معتدلاً، فرقاً بديهياً. فالشخص الذي ليس لاعبت تنس بارعاً قد يضرب ضربة موفقة بين حين وآخر. وما نعنيه باللاعب البارع أنه أمرؤ قد تدربت عضلاته وأعصابه جيداً من جراء تأديتها ضربات جيدة لا حصر لها بحث بات يمكنه أن يركن إليها.

فإن عضلاته تتميز بنشاط كامن أو ميزة ثابتة تبقى حاضرة حتى لو لم يكن اللاعب يلعب، كما يكون عقل عالم الرياضيات متميزاً بعادة واستشراف حاضرين دائماً حتى لو من يكن قائماً بالعمليات الرياضية. على هذا المنوال، يكتسب الإنسان الذي يواظب على القيام بأفعال العدل والإنصاف مزيّة خُلقية خاصة في نهاية المطاف. فهذه المزيّة، لا الأفعال ذاتها، هي ما نعنيه حين نتحدث عن “الفضيلة”.

وهذا التمييز مهم للسبب التالي: إذا فكرنا فقط في الأفعال ذاتها، فقد نعمل على ترويج ثلاثة أفكار خاطئة.

  1. قد نحسب أنه ما دمنا نفعل الأمر الصائب فلا يهم كيف أو لماذا نفعله: باختيارنا فعلنا أم مكرهين، أبفتور أم بسرور، أخوفاً من الرأي العام أم إرضاءً له. ولكن الحقيقة تؤكد أن الأفعال الصحيحة إذا ما فُعلت بدافع سيء لا تُسهم في تعزيز المزية أو الميزة الداخلية المدعوة “فضيلة”، وهذه المزية أو الميزة هي ما يهم حقاً. (إذا ضرب لاعب التنس ضربة قوية جداً، ليس لأنه يدرك أن الحاجة لضربة قوية جداً، بل أنه خرج عن طوره، فلربما أسعفته ضربته تلك بالصدفة على الفوز في تلك المباراة عينها؛ غير أنها لن تكون مُسعفه له على الصيرورة لاعباً بارعاً).

  2. قد نحسب أن الله لا يريد سوى إطاعة مجموعة من القوانين، فيما الحقيقة هي أنه يطلب ناساً من صنف معين.

  3. قد نحسب أن “الفضائل” ضرورية فقط لهذه الحياة، وأنه في العالم الآخر يمكننا أن نكف عن ممارسة العدل لأن ليس هناك ما نتنازع عليه، ونكف عن ممارسة الثبات لأن ليس هناك ما يهدد سلامتنا.

    فلئن كان صحيحاً تمامً أنه لن تسنح في العالم الآتي فرصة لإتيان الأفعال التي تتسم بالعدل أو الشجاعة، فلسوف تتوافر كل فرصة لأن نكون ذلك الصنف من الناس الذي لا يمكن أن نصيره إلا من جراء قيامنا بمثل تلك الأفعال في هذه الدنيا. وليس بيت القصيد أن الله سيرفض استقبالك في ملكوته الأبدي، إذا لم تكن لديك مزايا خُلقية من صنف معين، بل بيت القصيد أنه إذا لم يملك الناس على الأقل بدايات تلك المزايا في داخلهم، فعندئذ لا يمكن لأية ظروف خارجية محتملة أن تكون “سماء” أو نعيماً لهم، أي أن تجعلهم سُعداء تلك السعادة الثابتة الغامرة الفائقة التي يشاؤها لها الله.

الفضائل الأساسية – سي إس لويس

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

تُحكى قصة عن تلميذ صغير سُئل عن فكرته بشأن الله. فأجاب بأن الله، حسبما يستطيع أن يُخمنه، “يشبه شخصاً يجول متطفلاً ليرى أن كان أي شخص يتمتع بالسرور فيُحاول أن يُوقفه عن ذلك”. وأخشى ان يكون ذلك شبيهاً بالفكرة التي تُثيرها كلمة “الأخلاق” في أذهان عدد كبير من الناس: شيء ما يتدخل في شؤونك، شيء يكفُّك عن التمتع والابتهاج. وفي الواقع أن القواعد الأخلاقية هي تعليمات تتناول تشغيل المكنة البشرية.

فكل قاعدة خلقية إنما كانت لمنع حصول عطل أو إجهاد أو احتكال في تشغيل تلك المكنة. ولذلك تبدو هذه القواعد أول وهلة متدخلة دائماً في ميولنا الطبيعية. فحين تُعلم كيف تستعمل أي مكنة، يظل الموجّه يقول: “لا، لا تقم بالأمر بهذه الطريقة”، لأن هناك بالطبع أموراً شتى تظهر صحيحة وتبدو لك على أنها الطريقة الطبيعية لمعاملة المكنة، غير أنها لا تنفع فعلاً.

يؤثر بعضهم الحديث عن “مُثل عُليا” أخلاقية، بدلاً من القواعد الخُلقية، وعن “مثالية” خُلقية بدلاً من الطاعة الخُلقية. فالآن، صحيح تماماً بالطبع أن الكمال الخلقي “مثال أعلى” (أو “مثالي”) بمعنى أننا عاجزون عن بلوغه. وبهذا المعنى، يكون كل نوع من الكمال مثالاً أعلى بالنسبة إلينا نحن البشر. فلا يمكننا مثلاً أن ننجح في أن نكون سُواق سيارات كاملين، أو لاعبي تنس كاملين، أو راسمي خطوط مستقيمة استقامة كاملة باليد المجردة. ولكن هناك معنى آخر فيه يكون أمراً مضللاً للغاية أن ندعو الكمال الخُلقي مثلاً أعلى.

فعندما يقول رجل ما إن امرأة، أو بيتاً أو سفينة أو حديقة معينة، هي “مثالية” في نظره، فهو لا يعني أن كل امرئ سواه ينبغي أن يكون له هذا المثال الأعلى بعينه (إلا إذا كان مغفلاً بالحقيقة). ففي شؤون كهذه، يحق لنا أن نحوز أذواقاً مختلفة، وتالياً: مثلاً عليا مختلفة. ولكنه أمرُ خطر أن نصف شخصاً يبذل أقصى جهد لالتزام القانون الأخلاقي بأنه “صاحب مُثل عليا”، لأن ذلك قد يحملك على حسبان الكمال الخلقي ذوقاً خاصاً لديه، والظن بأنن نحن الآخرين لسنا مدعوين للمشاركة في ذلك. فمن شأن هذه أن تكون غلطة كارثية.

وربما كان السلوك الكامل مُتعذر البلوغ مثل تغيير السرعات بطريقة كاملة في أثناء قيادة السيّارة. غير أن ذلك السلوك مثال أعلى ضروري تُمليه على جميع البشر طبيعة المَكنة البشرية ذاتها، تماماً كما أن تغيير السرعات المثالي مثال أعلى تمليه على جميع السُواق طبيعة السيارات ذاتها. وسيكون أخطر بعد أن يحسب المرء نفسه “صاحب مُثل عليا” لأنه يحاول ألا يكذب أبداً (بدلاً من مجرد الكذب قليلاً جداً) أو ألا يرتكب الزنى البتة (بدلاً من ارتكابه نادراً فقط)، أو ألا يكون مُستأسداً أو متنمراً قطعاً (بدلاً من كونه مجرد مُستأسد أو مُتنمر معتدل).

فقد يُفضي بك ذلك لأن تكون متزمتاً وتعتقد أنك بالحري شخص مميز يستحق أن يُهنأ على “مثاليته”. وبالحقيقة أنك قد تتوقع أيضاً أن تُهناً لأنك حين تقوم بعملية جمع حسابية تحاول أن تحصل على المجموع الصحيح تماماً. يقيناً أن الحساب الصحيح “مثال أعلى” ومثالي، غير أنك سترتكب حتماً بعض الأغلاط في بعض العمليات الحسابية. ولكن ليس من أمر رائع جداً في محاولتك أن تكون دقيقاً للغاية في كل خطوة من خُطوات كل عملية حسابية. سيكون من الغباوة ألا تحاول ذلك، لأن كل غلطة ستكلفك عناء فيما بعد.

على هذا المنوال، لا بد أن يُلحِق كل إخفاق أخلاقي الضرر، ربما بالآخرين، إنما حتماً بك أنت. فبالتكلم عن القوانين والطاعة، بدلاً من “المثل العليا” و “المثالية”، نُساعد على تذكير أنفسنا بهذه الحقائق.

والآن، لِنخط خطوة أخرى بعد. ثمة طريقتان تتعطل بهما المكنة البشرية. إحداهما عندما يتباعد الأفراد البشريون بعضهم عن بعض، أو يتصادمون بعضهم ببعض، فيؤذي أحدهم الآخر بالخداع والإستئساد. والطريقة الأخرى عندما تفسد الأمور داخل الفرد نفسه: عندما يحدث أن مختلف أجزائه) مختلف قدراته ورغباته ونحوها) إما تنحرف وتتباعد، وإما تتداخل بعضها في بعض.

ويمكنك أن تحصل على فكرة واضحة عن هذا الأمر إذا فكرت فينا نحن البشر كما لو كنا أسطول سُفن في تشكيل متناسق، فإن الرحلة لن تُحرز النجاح إلا إذا لم تتصادم السفن أولاً ولم تعترض بعضها في طريق بعض؛ وثانياً إذا كانت كل سفينة صالحة للإبحار ومحركاتها في حال جيدة. وفي الحقيقة أنك لا تستطيع أن تحوز أياً من هذين الأمرين دون الآخر.

فإذا طلت السفن تتصادم فلن تظل صالحة للإبحار طويلاً. ومن الناحية الأخرى، إذا كانت أجهزة التوجيه في السفن خربة، فإنها لن تتمكن من تجنب الاصطدام. أو إذا شئت ففكر في البشرية كما لو كانت فرقة موسيقية تعزف لحناً. فلكي تحصل على نتيجة جيدة، تحتاج إلى أمرين: ينبغي أن تكون آلة كل عازف في حالة جيدة، كما ينبغي أن يُباشر كل عازف عزفه في اللحظة المؤاتية بحيث يتآلف مع سائر النغمات.

إلا أن ثمة أمراً لم نأخذه في حسباننا. فنحن لم نسأل إلى أين يحاول الأسطول أن يصل، ولا أية مقطوعة موسيقية تحاول الفرقة أن تعزف. فقد تكون الآلات كلها مُدوزنة، وقد تُعزف كل واحدة منها في اللحظة الصحيحة، ومع ذلك لا يُحرز الأداء نجاحاً إذا شغلت الآلات لإصدار لحن رقص، غير أنها لم تعزف إلا نشيد الموت. ثم مهما كان إبحار الأسطول حسناً، فإن رحلته ستُمنى بالفشل إذا كان مقرراً أن يصل إلى نيويورك ولكنه وصل إلى كالكتا.

  يبدو إذاً أنا المفهوم الخلقي معني بثلاثة أمور. أولاً، بحُسن التعامل والتناغم بين الأفراد. وثانياً، بما يمكن أن ندعوه ترتيب الأمور وإقامة التناغُم بينها داخل كل فرد. وثالثاً، بالغاية العامة للحياة الإنسانية ككل: ما صُنع الإنسان لأجله، في أي خط ينبغي أن يسير الأسطول كله، أي لحن يريد قائد الفرقة أن تعزفه الفرقة.

ولعلك لاحظت أن أهل عصرنا يكادون دائماً يفكرون في اول هذه الأمور، وينسون الباقيين. فعندما يقول الناس في الصحف إننا نكافح لأجل معاير خُلقية مسيحية، يعنون عادة أننا نكافح في سبيل المودة والإنصاف بين الأمم والطبقات والأفراد، أي أنهم يفكرون فقط في الأمر الأول. وعندما يقول إنسان عن شيء يريد أن يفعله: “لا يمكن أن يكون خطأ لأنه لا يسبب الأذى لأي شخص آخر”، فهو إنما يفكر في الأمر الأول فقط. إنه يفكر بأن حالة سفينته من الداخل لا تهم ما دام لا يصطدم بالسفينة الأخرى.

ومن الطبيعي تماماً، عندما نباشر التفكير في الأخلاقيات، أن نبدأ بالأمر الأول، أي بالعلائق الاجتماعية. وذلك لسبب وجيه: أن عواقب سوء الأخلاق في هذه الدائرة بديهية جداً وتشد الخناق كل يوم، من حرب وفقر وابتزاز وكذب وأعمال دنيئة. كما أنه، ما دمنا متوقفين عند الأمر الأول، لا يحصل إلا خلاف ضئيل جداً حول المفهوم الخُلقي. فجميع الناس تقريباً في كل زمان اتفقوا نظرياً على أن البشر يجب أن يكونوا مستقيمين لطفاء ومُعاونين بعضهم لبعض.

ولكن رغم كون البدء بذلك كله أمراً طبيعياً، فلو توقف تفكيرنا في الأخلاقيات عند هذا الحد فلربما يمكنك أن تجعل الناس صالحين بالقانون، وبغير ناس صالحين لا يمكنك أن تحصل على مجتمع صالح. ولهذا السبب ينبغي أن نتقدم للتفكير في الأمر الثاني، أي المفهوم الأخلاقي داخل الفرد.

ولكنني لا أعتقد أن في وسعنا التوقف هناك أيضاً. فها نحن الآن على وشك الوصول إلى النقطة التي فيها تؤدي المعتقدات المختلفة بشأن الكون إلى سلوك مختلف. ولا بد أن يبدو، أول وهلة، أن من المنطقي جداً أن نتوقف قبل بلوغ تلك النقطة ونكتفي بأن نستمر في مراعاة عناصر الأخلاقيات التي يتفق عليه ذوو العقول جميعاً. ولكن هل نستطيع ذلك؟ تذكر أن الدين يشتمل على سلسلة من التصريحات بشأن الحقائق، يجب أن تكون هذه التصريحات إما صحيحة وإما باطلة.

فإذا كانت صحيحة، فستترتب عليها مجموعة من الاستنتاجات بشأن إبحار الأسطول البشري إبحاراً صحيحاً؛ وإذا كانت باطلة، تترتب عليها مجموعة أخرى مختلف تماماً. لنرجع مثلاً إلى ذلك الإنسان الذي يقول إن أمراً من الأمور لا يمكن أن غلطاً إلا إذا آذى كائناً بشرياً آخر. فذلك الإنسان يعي تماماً أن عليه ألا يُعطل السُفن الأخرى في الموكب، غير أنه يعقد صادقاً أن ما يفعله بسفينته الخاصة هو شأنه الشخصي فحسب.

لكن إلا ينجم فرق كبير عن كون سفينته ملكاً خاصاً له أو عدم كونها كذلك؟ ألا يحدث فرق كبير من كوني، إذا جاز التعبير، مالك عقلي وجسمي أو كوني مجرد وكيل مسؤول عنهما أمام الملك الحقيقي؟ إذا كان شخص آخر قد صنعني، لأجل مقاصده الخاصة، فسيكون لدي كثير من الواجبات التي ما كانت لتكون لدي لو كنت ملك نفسه فحسب.

ثم أن المسيحية تؤكد أن كل كائن بشري فرد سوف يحيا إلى الأبد، ولابد أن يكون هذا إما صحيحاً وإما زائفاً. فالآن، هناك مقدر كبير جداً من الأمور لا يكون مستحقاً القلق بشأنه لو كنتُ سأعيش سبعين سنة فقط، ولكن سيكون أفضل لي أن أُعنى عناية جدية إذا كنت سأعيش إلى الأبد. فربما يكون سوء طبعي أو غيرتي آخذين في التحول نحو الأردأ بصورة تدريجية، بحيث لن تكون زيادة الرداءة ممكنة الملاحظة كثيراً. ولكن الحال ستغدو جحيماً مطلقاً في غضون مليون سنة.

وبالحقيقة أن جهنم، إذا صدقت المسيحية، هي اللفظة التقنية الدقيقة التي تصف تلك الحالة الرهيبة. ثم أن الخلود يُحدث هذا الفرق الآخر الذي له، بالمناسبة، ارتباط بالفرق بين الاستبداد والديمقراطية: إذا كان الأفراد يعيشون فقط سبعين سنة، فإن دولة أو أمة أو حضارة، وهي قد تعيش ألف سنة، تكون أهم من أي فرد. ولكن صدقت المسيحية، فلا يكون الفرد أكثر أهمية فقط بل يكون أكثر أهمية بما لا يقارن، لأنه باق إلى الأبد، وما حياة الدولة أو الحضارة سوى لحظة واحدة إذا قورنت بالأبدية.

يبدو إذاً أنه إذا كان لنا أن نفكر في الخلود فينبغي أن نفكر في المجالات الثلاثة كلها: العلائق بين الإنسان والإنسان؛ الأحوال في داخل كل إنسان؛ العلائق بين الإنسان والقدرة التي خلقته. وفي وسعنا جميعاً أن نتفاعل ونتعاون معاً في المجال الأول. إنما تبدأ التعارضات في المجال الثاني، ثم تصير أدهى وأخطر في الثالث. وفيما يتعلق بالمجال الثالث، تبرز الفوارق الرئيسية بين الأخلاقيات المسيحية والأخلاقيات غير المسيحية. ففيما تبقى من هذا الكتاب، سأعتمد وجهة النظر المسيحية وأنظر إلى الصورة بكاملها كما تكون عليه إن صدقت المسيحية.

أبعاد الأخلاقيات الثلاثة – سي إس لويس

الاستنتاج العملي – سي إس لويس

الاستنتاج العملي – سي إس لويس 

الاستنتاج العملي – سي إس لويس

الاستنتاج العملي – سي إس لويس

لقد عانى المسيح كمال الخضوع والتذلل: أما الكمال فلأنه الله، وأما الخضوع والتذلل فلأنه إنسان. وفحوى الاعتقاد المسيحي الآن أننا إن شاركنا المسيح بطريقة ما في اتضاعه ومعاناته فسنشاركه أيضاً في انتصاره على الموت وننال وحياة جديدة بعد اجتيازنا الموت بها نصير خلائق كاملين وكاملي السعادة.

وهذا يعني ما يتعدى بكثير جداً محاولة اتّباع تعليمه. وغالباً ما يسأل الناس متى ستحدث الخطوة التالية في عملية التطور، خطوة صيرورة الإنسان شيئاً أكثر من الإنسان. غير أن هذا الخطوة، من وجهة النظر المسيحية، قد حصلت فعلاً. ففي المسيح ظهر إنسان جديد من نوع ما؛ والحياة الجديدة النوع التي بدأت فيه لابد أن تُنقل إلينا.

ولكن، كيف ينبغي أن يتم ذلك لنتذكر الآن كيف اكتسبنا الحياة القديمة المعتادة. لقد استمددناها من سوانا، من آبائنا وأُمهاتنا وجميع أسلافنا، وبغير إذننا؛ وبعملية غريبة جداً تنطوي على متعة وألم وخطر: عملية ما كنا لنخمنها على الإطلاق. ويقضي معظمنا مقدراً لا بأس به من السنين في الصغر محاولين تخمينها.

كما أن بعض الأولاد، حين يُطلعون عليها أول مرة، لا يصدقونها… ولست على يقين بأنني ألومهم، لأنها غريبة جداً. والآن نقول إن الإله الذي رتب هذه العملية هو نفسه الإله الذي يُرتب كيف ينبغي أن تسري الحياة الجديدة النوع، أي الحياة المسيحية. ويجب أن نستعد لكونها هي أيضاً غريبة. فالله لم يستشرنا حين ابتكر الجنس، ولا استشارنا أيضاً لا ابتكر هذا الأمر.

يتم سريان حياة المسيح الجديدة إلينا من طريق ثلاث وسائط: المعمودية والإيمان وتلك الممارسة التي يكتنفها سرٌّ ما والتي يُسميها المسيحيون تسميات شتى: مائدة الرب، عشاء الرب، كسر الخبز، القداس. على الأقل، هذه هي الطرائق الثلاث المعتادة. فلا أقول إنها لا تسري بغير واحدة أو أكثر من هذه الطرائق، في حالات مخصوصة. إنما لا يتسع لي الوقت كي أخوض في الحالات الخاصة، كما إن معرفتي في هذا المجال غير كافية. فإذا كنت تحاول أن تقول لرجل كيف يصل إلى مدينة أدنبره فلا بد أن تذكر له خطوط القطار.

في وسعه حقاً أن يصل إلى هناك بالسفينة أو الطائرة، ولكنك لا تكاد تأتي على ذكر ذلك. ثم إنني لا أقول شيئاً عن أي هذه الأشياء الثلاثة هو الأكثر جوهرية. فمن شأن صديقي الميثودي أن يريد مني قول المزيد عن الإيمان، وأقل من ذلك (نسبياً) عن العنصرين الآخرين. إنما أي من يقول أنه يُعلمك العقيدة المسيحية سيقول لك في الواقع إنه ينبغي لك أن تستخدم الثلاثة جميعاًن وهذا يفي بغرضنا الحالي.

لا أستطيع شخصياً أن أدرك لماذا ينبغي أن تكون هذه العناصر الثلاثة هي ناقلات هذا النوع الجديد من الحياة. ولكن إذا حدث أن أحداً لا يعرف، لم يكن ينبغي لنا أن نلمس أي ترابط بين متعة جسدية مُعينة وظهور كائن بشري جديد في العالم. فعلينا أن نقبل الحقيقة كما تأتينا، وليس ثمة كلام سريع جيد حول ما ينبغي أن تكون الحقية عليه أو ما كان ينبغي لنا أن نتوقع لها أن تكون. ولكن رغم عدم قدرتي على إدراك الأسباب الموجبة لهذه الحقيقة، يمكنني أن أقول لكم لماذا أومن بأن الحال على هذا المنوال. لقد شرحت لماذا ينبغي لي أن أومن بأن المسيح كان وسيبقى هو الله.

ويبدو واضحاً، من حيث التاريخ، أنه علّم أتباعه أن الحياة الجديدة يتم إيصالها على النحو المذكور. بكلمة أُخرى، أنا أومن بهذا بناء على سلطان المسيح. ولا تهولنّك الكلمة “سلطان”. فالإيمان بالأمور بناء على سلطان يرتبط بها إنما يعني الإيمان بها لأنك سمعتها من شخص تحسبه جديراً بالثقة. وتسعة وتسعون في المئة من الأمور الت تؤمن بها إنما تؤمن بها بناءً على سلطان أو مرجعية ما. فأنا أصدق وجود مكان اسمه نيويورك، مع أنن لم أره شخصياً. لا يمكنني أن أبرهن بالتعليل المجرد حتمية وجود مكان كهذا. ولكنن أومن بذلك لأن أشخاصاً أهلاً للثقة أخبروني به.

والإنسان العادي يُصدق وجود النظام الشمسي والذرات ونمو الكائنات والدورة الدموية بناء على مرجعية ذات سلطان، أي لأن العلماء يقولون بذلك، وكل واقعة تاريخية في العالم يصدقها الناس على أساس السلطان. فلا أحد منا عاين الغزو النورماندي، أو هزيمة أُسطول الأرمادا الاسباني.

ولا أحد منا يستطيع أن يبرهنهما بالمنطق المحض، كما نبرهن أمراً في الحساب أو الرياضيات، بل إنما نصدق حصولهما لأن أشخاصاً عاينوهما فعلاً خلفوا لنا آثاراً مكتوبة تخبرنا عنها، أي، في الحقيقة، بناءً على سلطان ما. والإنسان الذي تنتابه وساوس السلطان في سائر أمور الحياة، كما يحصل لبعضهم فيما يتعلق بالدين، سيكون عليه أن يقنه بألاّ يعرف أي شيء طوال عمره.

لا تظن أنن أنصب المعمودية والإيمان وعشاء الرب عل أنها أمور تفي بالغرض بدلاً من تسليم أمرك للمسيح والتشبه به عملياً. فإن حياتك الطبيعية مُستمدة من أبويك، ولكن ذلك لا يعني أنها ستبقى قائمة إذا لم تقم بأي شيء في شأنها. ومن الممكن أن تفقدها من جراء الإهمال، أو من الممكن أن تُبددها وتطردها بالانتحار. فعليك أن تُغذيها وتعتني بها، إنما تذكر دائماً أنك لست صانعها، فما أنت سوى صائن لحياة نلتها من شخص آخر. بالطريقة نفسها كان يمكن للمرء (لولا نعمة الله!) أن يُبدد حياة المسيح التي بُثت فيه، وينبغي له أن يصونها ويتعهدها باذلاً كل جهد.

ولكن حتى أفضل مسيحي أتى على وجه الأرض لا يقوم بذلك بطاقته الشخصية. فهو إنما يُغدي أو يصون حياة لم يكن ممكناً قط أن يكتسبها بمجهوداته الشخصية. وتترتب على ذلك عواقب عملية طبعاً. فما دامت الحياة الطبيعة في جسدك، فهي ستقوم بالكثير في نطاق إصلاح ذلك الجسد وتجديده. وإذا جرحت جسدك، فإنه سيُشفى إلى حد ما، كما لا يُشفى جسد ميت أبداً.

ليس الجسد الحي جسداُ لا يُصيبه الأذى البتة، بل هو جسد يمكن إلى حد معين أن يُصلح ويُرمم ذاته. على هذا المنوال، ليس المسيحي الحقيقي إنساناً لا يقع في الخطأ أبداً، بل هو إنسان وُهب القدرة على أن يتوب ويقوم ويستأنف مسيرته بعد كل تعثر، وذلك لأن حياة المسيح موجودة في داخله مُجددة إياه كل حين، مزودة إياه بالقدرة على أن يُعيد (إلى حد ما) مثل ذلك الموت الطوعي الذي نفذه المسيح نفسه.

لذلك السبب نجد المسيحي المؤمن في موقع يختلف عن مواقع الأشخاص الآخرين الذين يحاولون أن يكونوا صالحين. فأولئك يأملون، بكونهم صالحين، أن يُرضوا الله إذا كان موجوداً؛ وإذا كانوا يحسبون أن ليس من إله فعلي الأقل يأملون أن يستحقوا الاستحسان من قبل القوم الصالحين. غير أن المسيحي يعتقد أن أي خير يقوم به إنما يصدر من حياة المسيح السارية فيه. وهو لا يعتقد أن الله سيحبنا لكوننا صالحين، بل أنه سيجعلنا صالحين لكونه يحبنا؛ تمامً كما أن دفيئة الزرع الزجاجية لا تجتذب الشمس لأنها متألقة بالضياء، بل هي تصير متألقة لأن الشمس تشعّ عليها.

ولأوضح تماماً أنه عندما يقول المسيحيون المؤمنون أن حياة المسيح فيهم فهم لا يقصدون مجرد أمر عقلي أو خُلقي. فحين يتحدثون عن كونهم “في المسيح”، أو عن كون المسيح “فيهم”، لا يكون ذلك مجرد طريقة للقول إنهم يفكرون في المسيح أو يقتدون به. إنما يقصدون أن المسيح عالم بهم فعلاً: أن جماعة المؤمنين بالمسيح كلها هي الكائن العضوي الطبيعي الذي بواسطته يعمل المسيح، أننا نحن أصابعه وعضلاته وخلايا جسمه. ولعل هذا يوضح أمراً أو أمرين. فهو يوضح لماذا تسري هذه الحياة الجديدة ليس فقط بأفعال عقلية صرف كالإيمان أو التصديق، بل أيضاً بأفعال ملموسة كالمعمودية وعشاء الرب.

وليس ذلك مجرد انتشار فكرة، بل هو أشبه بعملية النمو الطبيعية، إذا أنه حقيقة بيولوجية أو “فوقبيولوجية” (فوق علم الأحياء). فلا خير في محاولة المرء أن يكون أكثر روحانية من الله. ولم يقصد الله قط للإنسان أن يكون كائناً روحياً محضاً. لذلك يستخدم عناصر مادية كالخبز والخمر لإحياء الحياة الجديدة فينا. قد نسحب ذلك جافياً أو غير روحي بالأحرى. غير أن الله لا يرى ذلك، فهو من ابتكر الأكل، وهو يحب المادة وهو خالقها.

وهاك أمراً آخر طالما حيرني في الماضي: أليس من الجَور المروّع أن تكون هذه الحياة الجديدة مقتصرة على الذين سمعوا بالمسيح وتمكنوا من الإيمان به؟ ولكن الحقيقة هي أن الله لم يُطلعنا على ماهية ترتيباته بالنسبة إلى الأقوام الآخرين. فنحن نعلم أنه لا يمكن أن يخلص أحد إلا بالمسيح. ولكن لا نعلم أن الذين يعرفونه فقط هم الذين يمكنهم أن يخلصوا به. إنما في هذا الأثناء، إذا كنت قلقاً بشأن الذين هم في الخارج، يكون أول أمر غير معقول قد تفعله هو أن تبقى خارج نفسك. فالمسيحيون المؤمنون هم جسد المسيح: الكائن العضوي الذي به يعمل المسيح عمله.

وكل إضافة إلى هذا الجسد تمكنه من مضاعفة العمل. فإذا أردت أن تساعد أولئك الذين في الخارج، يجب عليك أن تضم خليتك الخاصة الصغيرة إلى جسد المسيح القادر وحده على مساعدتهم. إذ أن قطع أصابع امرئ سيكون طريقة غريبة لحمله على القيام بمزيد من العمل!

وها هنا اعتراض آخر ممكن: لماذا يهبط الله إلى هذا العالم الذي يحتله العدو، متنكراً ومنشئاً ما يُشبه الحركة السرية لتقويض سُلطة إبليس؟ لماذا لا يهبط بقوة مجتاحاً العالم اجتياحاً؟ أليس له من القوة ما يكفي؟ أجل، يؤمن المسيحيون بأنه سيهبط بقوة آخر الأمر، ولا ندري متى. إنما يمكننا أن نحزر لماذا يتأنى، فهو يريد أن يتيح لنا فرصة الانضمام إلى صفه بملء حريتنا. ولا أحسب أننا، أنا وأنتم، كنا نقدر كثيراً رجلاً فرنسياً ينتظر بدء زحف الحلفاء إلى داخل ألمانيا حتى يُصرح عندئذ بأنه في صفنا. حقاً إن الله سوف يجتاح هذا العالم.

ولكنني أُسائل نفس بشأن أولئك الذين يطلبون إلى الله أن يتدخل علانية ومباشرة في عالمنا: هل يدركون تماماً كيف ستكون الأحوال عندما يتدخل فعلاً؟ عندما يحدث ذلك، تكون نهاية العالم! فحين يمشي مؤلف المسرحية على المسرح، تكون المسرحية قد انتهت.

صحيح أن الله سيجتاح هذا العالم، ولكن أي خير في قولك آنذاك إنك في صفه، بعد أن ترى الكون الطبيعي كله يتلاشى كحلم وشيئاً آخر ينقض ساحقاً ماحقاً، شيئاً ما خطر في بالك يوماً أن تتصوره شيئاً رائعاً للغاية بالنسبة إلى بعض منا ومُروعاً جداً للآخرين، بحيث لا يبقى بيد أي منا أي خيار؟ فتلك المرة سيكون الله ظاهراً بغير قناع، وهذا أمر غامرٌ للغاية بحيث يبعث إما محبة لا تُقاوم وإما رعباً لا يُقاوم في قلب كل مخلوق. وسيكون أوان اختيارك للصف الذي تقف فيه قد فات فلا خير في قولك إنك تختار أن تتمدد أرضاً حين بات يستحيل عليك أن تقف على قدميك.

ولن يكون ذلك وقت اختيار، بل سيكون وقت اكتشافك أي صف وقفت فيه فعلاً، سواء علمت ذلك قبلاً أم لم تعلمه. فالآن، اليوم، هذا اللحظة، فرصتُنا لاختيار الصف الصحيح. والله إنما يتأنى كي يُوفر لنا هذه الفرصة. وهي لن تدوم إلى ما لا نهاية. فإما نغتنمها، وإما تفوتنا.

الاستنتاج العملي – سي إس لويس

التائب المثالي – سي إس لويس

التائب المثالي – سي إس لويس

التائب المثالي – سي إس لويس

التائب المثالي – سي إس لويس

هكذا نجد أمامنا هذا الخيار المروّع: إن هذا الرجل الذي نتحدث عنه إما كان وسيبقى ما قاله إنه هو تماماً، وإما مخبول، أو أي شيء آخر أسوأ. والآن يبدو لي واضحاً أنه لم يكن مخبولاً ولا خبيثاً. وتالياً، فمهما بدا الأمر غريباً أو مروعاً أو غير محتمل، ينبغي لي أن أقبل الرأي القائل بأنه كان وسيبقى هو الله. لقد هبط الله إلى هذا العالم الذي يحتله العدو، في صورة إنسان.

والآن، ماذا كان القصد من الأمر كلّه؟ ماذا جاء ليفعل؟ طبعاً كي يُعلم. ولكن ما إن تنظر في كتاب العهد الجديد أو أي مؤلف مسيحي صحيح آخر، حتى تجد هناك حديثاً ثابتاً عن أمر مختلف: عن موته وقيامته حياً من جديد! وبديهي أن المسيحيين يعتقدون أن النقطة الجوهرية في القضية تكمن ها هنا. فهم يرون أن الغرض الأساسي الذي جاء إلى الأرض كي يفعله إنما كان أن يتألم ويُقتل.

إنما قبل أن صرت مسيحياً حقيقياً كان يسيطر عليّ الانطباع بأن أول أمر ينبغي للمسيحيين أن يؤمنوا به هو نظرية بعينها بشأن الغرض من موته. فحسب تلك النظرية أن الله أراد أن يعاقب الإنسان على التحول عنه والانضمام إلى العاصي الطاغي المهلك، ولكن المسيح تطوع لتحمل القصاص عنا، فأطلق الله سراحنا. والآن أعترف بأن هذه النظرية لا تبدو لي بالغة اللاأخلاقية والسخف كما كانت حالها عندي فيما مضى. ولكن ليست هذه هي النقطة التي أود توضيحها والتأكيد عليها. فالذي تبين لي حقاً فيما بعد هو أنه لا هذه النظرية ولا سواها هي المسيحية.

فالعقيدة المسيحية المركزية هي أن موت المسيح أصلح حالنا أمام الله ومعه ويسّر لنا بداءة جديدة، بطريقة من الطرق. أما النظريات التي تعلل كيف تم ذلك فمسألة أخرى. ولطالما اعتقد الناس مقدارً لا بأس به من النظريات المختلفة في كيفية حصول الأمر. أما ما يتفق عليه جميع المسيحيين فهو أنه حصل فعلاً ويؤدي غرضه حقاً. وها أنا أقول لكم ما أعتقده بشأن ذلك. إن جميع الناس العاقلين يعرفون أنه إن كنت تعباً وجائعاً فإن وجبة طعام تنفعك. غير أن نظرية التغذية الحديثة (كل ما يعلق بالفيتامينات والبروتينات) هي أمر مختلف.

ولطالما تناول الناس الطعام وشعروا بحُسن الحال قبل زمان طويل من سماع أحد بنظرية الفيتامينات فعلاً. وإذا تم التخلي يوماً عن نظرية الفيتامينات: فإنهم سيظلون يأكلون طعامهم على المنوال عينه تماماً. فالنظريات المتعلقة بموت المسيح ليست هي المسيحية، بل مجرد تفسيرات لكيفية وفاء ذلك الموت بغرضه. ولن يتفق المسيحيون كلهم على مدى أهمية تلك النظريات. والكنيسة التي إليها أنتمي (كنيسة إنكلترا) لا تٌقر أية واحدة منهن على أنها النظرية الصحيحة. أما بعض الكنائس الأخرى فتُجاوز هذا الحد قليلاً. ولكني أعتقد أن الكنائس كلها تتفق على أن الحدث نفسه أهم بما لا يُقدر من أي تعليلات طلع بها اللاهوتيون.

وأعتقد أن الجميع يُحتمل أن يعترفوا بأن أي تعليل لن يُحيط بالحقيقة كلها أبداً. ولكن كما قلت في تمهيد هذا الكتاب، ما أنا إلا مؤمن من العامة، وعند هذا الحد نخوض مياهاً غامرة. إنما يمكنني أن أطلعك على كيفية رؤيتي إلى الأمر شخصياً، نظراً لكونها رؤية ذات قيمة، كما أحسب.

في رأيي أن النظريات ليست في ذاتها ما هو مطلوب منكم قبوله. ولربما قرأ بعضكم مؤلفات العالمين جيمس جينز وآرثر أدينغتنون فما يفعله هذان عندما يريدان تفسير الذرّة، أو أي شيء من هذا القبيل، هو أن يقدما لك وصفاً يمكنك على أساسه أن تُنشئ صورة ذهنية. إلا أنهم لا يلبثان أن يُنبهاك إلى أن تلك الصورة ليست هي ما يعتقده العلماء فعلاً. فما يعتقده العلماء إنما هو صيغة رياضية أو حسابية. وليست الصور إلا لمساعدتك على فهم الصيغة. وليست الصور في الواقع صحيحة على غرار صحة الصيغة، إذ لا تزودك بالمادة الحقيقية بل بمجرد شيء يشابهها على وجه التقريب.

فالمقصود من وراء الصور أن تكون مساعدة، وإذا لم تكن كذلك يمكنك نبذها. أما الشيء نفسه فلا يمكن تصويره، بل يمكن فقط التعبير عنه رياضياً. وكلنا هنا في الصف نفسه. فنحن نؤمن بأن المسيح في سياق التاريخ هو تمامً تلك النقطة التي فيها ظهر في عالمنا هذا أمرٌ فائقٌ للتصور كلياً مصدره خارج هذا العالم. وإذا كنا نعجز حتى عن تصور الذرات التي منها يتكون عالمنا بالذات، فمن غير ريب أننا لن نتمكن من تصور هذا الأمر الفائق.

وبالحقيقة أنه لو تبين لنا أننا قادرون على فهم الأمر تماماً، فإن هذا الواقع عينه يُبين أنه ليس ذلك الأمر الذي يزعم أنه هو، أي الحق غير القابل للتصور والأزلي والآتي مما وراء الطبيعة مخترقاً الطبيعة كالبرق. وربما تسأل: أي نفع لنا فيه ما دمنا لا نفهمه؟ غير أن الجواب عن هذا سهل. ففي وسع المرء أن يتناول غداءه بغير أن يفهم تماماً كيف يُغذيّه الطعام. وفي وسعه أيضاً أن يقبل ما عمله المسيح بغير أن يفهم كيف يؤدي غرضه. وبالحقيقة أنه لن يعرف يقيناً كيف يفعل فعله إلا متى قبله.

يُقال لنا أن المسيح مات لأجلنا، وأن موته غسلنا من خطايانا، وإنه بموته أبطل فاعلية الموت بعينه. تلك هي الصيغة. تلك هي المسيحية. ذلك هو ما ينبغي ان نؤمن به. أما النظريات التي ننشئها بشأن كيفية إتمام موت المسيح لكامل أبعاده، فهي في رأيي أمر ثانوي تماماً، إذ هي مجرد ترسيمات أو تصاميم ينبغي نبذها إن كانت لا تساعدنا، وإذا ساعدتنا فعلاً فينبغي عدم الخلط بينها وبين الأمر الحقيقي بعينه. ومع ذلك، فإن بعض هذه النظريات تستحق أن نُلقي نظرة عليها.

إن النظرية التي سمع بها معظم الناس هي تلك التي ذكرتها سابقاً والقائلة بأنه قد أطلق سراحنا لأن المسيح تطوع أن يتحمل القصاص عوضاً عنا. فالآن، تبدو هذه النظرية في ظاهرها سخيفة جداً، إذا كان الله على استعداد للعفو عنا، فماذا لم يفعل ذلك ما تُرى؟ وأي داع معقول لمعاقبة شخص بريء بدلاً منا؟ ليس ثمة داعٍ معقول يمكنني أن أراه حقاً إن كنتَ تُفكر في العقاب بلغة محكمة الجُنح. أما إذا فكرت في دَينٍ ما، فثمة معنى وافٍ في أن يدفع شخص ميسور ديناً بالنيابة عن شخص معسور.

أو إذا نظرت إلى “تأدية العقوبة” لا بمعنى تحمّل القصاص، بل بالمعنى الأعم الذي يخص “تحمل النفقات” أو “دفع الفاتورة” (أي تسوية الحساب)، فعندئذ بالطبع يُبين لنا الاختبار العام أنه حين يتورط إنسان في مأزق ما، فإن عناء إخراجه منه يقع عادة على عاتق صديق مُحب.

والآن، ما نوع “المأزق” الذي تردّى الإنسان فيه؟ لقد أراد أن يستقل بنفسه، متصرفاً كأنه يخص نفسه. بكلمة أخرى: ليس الإنسان الساقط مجرد مخلوق ناقص يحتاج إلى تحسين، بل هو عاص متمرد يجب أن يُلقي سلاحه. فإلقاؤك سلاحك، واستسلامك، وتعبيرك عن ندامتك وأسفك، وإدراكك أنك سالك سبيل الضلال، واستعدادك لبدء الحياة مجدداً من نقطة الصفر…. تلك هي الطريقة الوحيدة للخروج من مأزقنا. وعملية الخضوع هذه، التي تشبه حركة دوران سريعة إلى الوراء، هي ما يسميه المسيحيون “التوبة”. وليست التوبة أمراً ممتعاً أبداً.

فهي شيءٌ أصعب بكثير من مجرد تناول وجبة وضيعة. إنها تعني إطراح كل ما دربنا أنفسنا على حيازته طوال آلاف السنين من عُجب وافتخار كاذب وعناد. إنها تعني قتل جزئ من ذاتك أو معاناة نوع من الموت. وبالواقع أن التوبة تستلزم إنساناً صالحاً. وها هنا الورطة المربكة: فالإنسان الطالح وحده ينبغي أن يتوب، إنما الإنسان الصالح وحده يقدر أن يتوب توبة كاملة. وكلما ازددت فساداً تضاعف احتياجك إلى التوبة، وقَلّت قدرتك على القيام بها. فالشخص الوحيد القادر على أن يتوب توبة كاملة ينبغي أن يكون شخصاً كاملاً، وهذا لا يكون محتاجاً إلى التوبة.

إنما تذكر أن هذه التوبة، أي هذا الخضوع الطوعي للخزي ولما يُشبه الموت، ليست أمراً يطلبه منك الله قبل أن يقبلك من جديد، ويمكن أن يُعفيك منه إذا شاء، بل إنها بصريح العبارة وصف لما يُمثله الرجوع إليه. فإن طلبت إلى الله أن يقبلك من جديد يغير توبة، تكون بالحقيقة طالباً إليه أن يسمع لك بالرجوع إليه بغير أن ترجع. وهذا أم يستحيل حدوثه. حسن جداً إذاً، علينا أن نُنجزها! غير أن الفساد الذي يجعلنا بحاجة إليها هو نفسه يجعلنا عاجزين عن القيام بها. فهل نقدر أن نقوم بها إذا ساعدنا الله؟ نعم، ولكن ماذا نعني بذكرنا مساعدة الله لنا؟ نعني وضع الله فينا جزءاً من ذاته، إذا جاز التعبير.

إنه يمنحنا شيئاً من قدراته التفكيرية، وبهذه الكيفية نُفكر؛ ويبث فينا قليلاً من محببته، وبهذه الكيفية نحب بعضنا بعضاً. وعندما تُعلّم ولداً الكتابة، تمسك بيده وهو يرسم الأحرف. ذلك أنه يُصور الأحرف لأنك أنت تُصورها. فنحن نُحب ونفكر لأن الله يحب ويفكر ويمسك بأيدينا فيما نفعل ذلك. ولو لم نسقط، لكان ذلك كله سَفَراً سعيداً. ولكننا الآن، للأسف! نحتاج إلى مساعدة الله كي نفعل شيئاً لا يفعله الله أبداً في ذات طبيعته: كي نستسلم ونتألم، ونخضع، ونموت.

فلا شيء في طبيعة الله يتوافق مع هذه العملية إطلاقاً. عليه، فإن الدرب الوحيد الذي فيه نحتاج الآن إلى هداية الله أكثر الكل هو درب لم يسلكه الله قط، في ذات طبيعته. وفي مقدور الله أن يمدنا بما لدينا. إنما هذا الأمر بعينه ليس لديه في ذات طبيعته.

ولكن هب الله صار إنساناً، هب طبيعتنا البشرية التي يمكن أن تتألم وتموت اندمجت بطبيعة الله في شخص واحد، فعندئذ يكون في مقدور ذلك الشخص أن يساعدنا. وفي وسعه إذ ذاك أن يُخضع إرادته ويتألم ويموت، لأنه إنسان؛ كما أن في وسعه أن يفعل ذلك على نحو كامل تماماً؛ لأنه الله. ولا يمكننا، أنا وأنت، أن نجتاز هذه العملية إلا إذا عملها الله فينا. ولكن الله لا يمكن أن يعملها إلا إذا صار إنساناً.

ولن تنجح محاولاتنا في إطار عملية الموت هذه إلا إذا شاركنا نحن البشر في اختبار الله الموت، تماماً كما أن تفكيرنا لا يمكن أن ينجح إلا لكونه نقطة من بحر تفكيره وعقله. إنما لا يمكننا أن نُشارك في اختبار الله للموت ما لم يمت الله فعلاً، ولا يمكن أن يموت تعالى بغير أن يكون إنساناً. بهذا المعنى يفي الله دَيننا ويُعاني عوضاً عنا ما لا يحتاج هو نفسه لأن يُعانيه أبداً.

وقد سمعت بعضاً يتشكون قائلين: “إن كان المسيح هو الله كما هو إنسان أيضاً، فعندئذ تفقد آلامه وموته كل قيمة في نظرنا، لأنه لابد أن ذلك كان سهلاً جداً عليه.” إلا أن آخرين قد يشجبون (على نحو صحيح جداً) ما ينطوي عليه هذا الاعتراض من نكران جميل وفظاظة. ولكن ما يذهلني أنا هو ما ينم عنه هذا الموقف الثاني من سوء فهم. فبمعنى ما طبعاً، مُقدمو هذا الاعتراض على حق. بل إنهم قصّروا في دعم قضيتهم الخاصة. فالخضوع الكامل، ومعاناة الآلام الكاملة، والموت الكامل، لم تكُن فقط أسهل على المسيح لأنه هو الله، بل إنها كانت ممكنة فقط لأنه هو الله.

ولكن أليس هذا سبباً غريباً جداً لعدم قبولها؟ إن المعلم قادر على رسم الحروف للولد لأن المعلم راشد ويعرف كيفية الكتابة. ولا ريب في أن كونه راشداً يجعل الأمر أسهل على المعلم؛ وفقط لأنه أسهل عليه فإنه يستطيع أن يساعد الولد. فإذا رفض الولد المعلم، لأن الكتابة “سهلة على الراشدين”، وانتظر أن يتعلم الكتابة من ولد آخر لا يقدر هو نفسه أن يكتب (وتالياً لا تكون له أفضلية “مجحفة”)، فإنه لن يتقدم في تعلماه بسرعة زائدة.

وإذا كنتُ أغرق في نهر جارف، فقد يُناولني رجل ما زالت إحدى رجليه على الضفة يداً تُنقذ حياتي. أفينبغي لي أرد صارخاً (بين لهاثي): “لا، هذا مُجحف! أنت صاحب أفضلية! إنك تُبقي إحدى قدميك على الضفة!”؟ أنما تلك الأفضلية (سـمّها إجحافاً إذا شئت) هي السـبب الوحيد لقدرة الرجل على إسداء أي خير إليّ. فإلى أي مصـدر تتطلع طلبـاً للعـون إن كنت لا تتطلع إلى ذاك الذي هو أقوى منك؟

هذه هي طريقتي في النظر إلى ما يدعوه المسيحيون “الكفارة”. إنما تذكر أن ما أوردته هو صورة أخرى ليس غير. فلا تغلط بحسبانها الشيء الحقيقي بذاته. إن لم تجد فيها أي عون لك، فاتركها ضارباً عنها صفحاً!

 

التائب المثالي – سي إس لويس 

الخيار المذهل – سي إس لويس

الخيار المذهل – سي إس لويس 

الخيار المذهل – سي إس لويس

الخيار المذهل – سي إس لويس

يعتقد المسيحيون إذاُ أن سلطاناً شريراً جعل نفسه في الزمان الراهن رئيس هذا العالم. وهذا بالطبع يُثير بضع مسائل. أتوافق حالة الأمور هذه مشيئة الله، أم لا؟ فإذا كان نعم، فستقول لي إنه إله غريب. وإذا كان لا، فكيف يمكن أن يحدث أي شيء على نقيض مشيئة كائن ذي قدرة مطلقة؟

ولكن أي شخص حائز سلطة ما يعرف كيف يمكن أن يكون أمر من الأمور موافقاً لإرادتك من جهة معينة وليس من جهة أخرى. فقد يكون معقولاً جداً ان تقول أم لأولادها: “لن أذهب إلى غرفة درسكم كل ليلة لأُرتبها. عليكم أن تتعلموا المحافظة على ترتيبها بأنفسكم.” ثم تذهب ذات ليلة إلى تلك الغرفة فتجد الدب الدمية ودواة الحبر وكتاب قواعد اللغة مرمية على شعرية الموقد. إن ذلك مخالف لإرادتها. وهي تؤثر أن يكون الأولاد حراصاً على الترتيب. ولكن من الجهة الأخرى، هو إرادتها التي تركت للأولاد الحرية في أن يكونوا غير مُرتبين.

والأمر عينه يحصل في أي فوج عسكري أو نقابة عمال أو مدرسة. فإنك تُخير الناس في أمر ما، وإذا بنصفهم لا يعملونه. وليس ذلك ما أردته أنت، ولكن إرادتك جعلته ممكناً.

ومن المحتمل أن الأمر عينه حصل في الكون. فقد خلق الله كائنات لها حرية الإرادة، أي خلائق يمكنها إما فعل الصواب وإما فعل الخطأ. ويحسب بعض الناس أنهم يستطيعون تصور مخلوق حر الإرادة إنما ليست لديه إمكانية إساءة التصرف. أما أنا فلا أستطيع ذلك. فإن كان كائن ما حراً في أن يكون صالحاً، فهو أيضاً حر في أن يكون طالحاً. وحرية الإرادة هو الأمر الذي جعل الشر ممكناً. فلماذا إذاً وهب الله البشر حرية الإرادة؟ ذلك لأن حرية الإرادة، وإن جعلت الشر ممكناً، هي أيضاً الأمر الوحيد الذي يجعل ممكناً أي حب أو صلاح أو خير أو فرح مما تجدر حيازته.

فإن عالماً آلي الحركة (فيه خلائق يشتغلون كالآلات) لا يكاد يستحق أن يُخلق. والسعادة التي يُصمّمها الله لخلائقه الأسمى هي سعادة كونهم، بملء حريتهم واختيارهم، مُتحدين به وبعضهم ببعض في نشوة محبة وابتهاج إذا قورن بها أي حب خلاب بين رجل وامرأة على هذه الأرض كان مجرد وهم أو سراب ولأجل ذلك ينبغي أن يكون البشر أحراراً.

لا ريب أن الله بما سيجري إذا استعمل البشر حريتهم الاستعمال الخطأ، ويظهر أنه عد ذلك أمراً يستحق المغامرة! ولربما نشعر بميل إلى عدم موافقته بالنسبة إلى ذلك. ولكن في عدم موافقتنا لله صعوبة بديهية. فهو المصدر الذي منه يأتي كل قدرة لك على التفكير والتعليل: ولا يمكنك أن تكون على حق فيما يكون هو على باطل كما لا يُعقل أن يرتفع النهر أعلى من منبعه! وحين تُجادله فإنك إنما تجادل القدرة التي تمكنك من المجادلة بعينها: وهذا يُشبه قطعك لغصن أنت جالس عليه.

وما دام الله يحسب حالة الحرب هذه القائمة في الكون ثمناً يستحق أن يُدفع مقابل حرية الإرادة (أعني نظير صنع عالم تستطيع الخلائق فيه أن تعمل خيراً أو شراً حقيقيين، ويمكن أن يحدث شيء ذو أهمية حقيقية، بدلاً من عالم دُمية يتحرك فقط حين يُحرك تعالى خيوطه) فلنا عندئذ أن نتقبل ذلك الثمن لأنه يستحق أن يُدفع.

ومتى فهمنا حقيقة حرية الإرادة، يتبين لنا كم هو سخيف أن نسأل، كما سألني أحدهم مرة: “لماذا صنع الله مخلوقاً من مادة فاسدة كهذه حتى انحرف وأخطأ وفسد؟” كلما كانت المادة التي صنع منها المخلوق أفضل (أي أكثر ذكاء وقوة وحرية) تكون حاله أفضل إذا سلك سبيل الصواب، ولكن أيضاً تكون حاله أسوأ إذا سلك سبيل الخطأ. فالبقرة لا يمكنها أن تكون صالحة جداً أو سيئة جداً، والكلب يمكن أن يكون إما أحسن وإما أسوأ، والولد أيضاً إما أحسن وإما أسوأ، والإنسان العادي كذلك أيضاً على نحو أزيد، والعبقري أزيد منه بعد. أما الروح الفائق للبشر، فيمكن أن يكون أحسن الكل، أو أسوأ الكل.

كيف فسد سلطان الظلمة؟ هنا، بلا شك، نطرح سؤالاً لا يستطيع البشر أن يجيبوا عنه إجابة قاطعة. على أن من الممكن تقديم تخمين معقول (وتقليدي)، على أساس اختباراتنا الخاصة للإخفاق أو ضلال السبيل. فما إن تكون لك نفس، حتى يقوم احتمال بأن تضع نفسك في المرتبة الأولى. مُبتغياً أن تكون أنت المركز، بل أن تكون الإله بالحقيقة. تلك كان خطية الشيطان، وتلك كانت الخطية التي علمها للجنس البشري. ويعتقد بعض الناس أن سقوط الإنسان كانت له علاقة ما بالجنس؛ غير أن هذا الاعتقاد خاطئ. (وما جاء في سفر التكوين يُشير بالأحرى إلى أن فسادً ما في طبيعتنا الجنسية تبع السقوط وكان نتيجة له، لا سبباً).

فما وسوس به الشيطان في رأسي أبوينا الأولين كان فكرة أنهما يمكن أن “يصيرا كالله”، يمكن أن يستقلا بأنفسهما كما لو كانا هما قد خلقا أنفسهما، أن يكونا سيّدي ذاتهما، أن يخترعا لأنفسهما سعادة من نوع ما بمعزل عن الله أو خارج نطاقه. ومن تلك المحاولة اليائسة جاء تقريباً كل ما ندعوه “التاريخ البشري”، المال والفقر والطموح والحرب والبغاء والطبقية والإمبراطوريات والعبودية، تلك القصة المروعة الطويلة التي تصف محاولات الإنسان أن يجد شيئاً غير الله يُبهجه ويُسعده.

أما السبب في عدم إمكان نجاح الإنسان في ذلك فهو هذا: أن الله قد صنعنا، أو اخترعنا كما يخترع المرء محركاً. والسيارة مصنوعة لتسير بالبترول، فلا يمكن أن تسير على نحو سوي بأية مادة أخرى. وقد صمّم الله المكنة البشرية بحيث تسير به فهو نفسه الوقود الذي صُمّمت أرواحنا لإحراقه، أو الغذاء الذي صُممت أرواحنا لتقتات به. وليس من وقود أو غذاء سوى ذلك. ولهذا السبب فلا فائدة أبداً في أن نطلب من الله أن يجعلنا سعداء بطريقتنا الخاصة، بغير أن يعنينا أمر الدين. فلا يمكن أن يعطينا الله سعادة وسلاماً بمعزل عنه، لأنهما ليسا حيث هو غير موجود، وليس من شيء كهذا.

ذلك هو مفتاح التاريخ. طاقات هائلة تُبذل، حضارات تُنشأ، مؤسسات ممتازة تُبتكر؛ ولكن كل مرة يخرب شيء أو يفسد. فإن عيباً مهلكاً من نوع ما يُوصل دائماً إلى القمة الأشخاص الأنانيين والعتاة، وإذا بكل شيء يرتد إلى الشقاء والخراب. وفي الواقع ان المكنة تُفرقع وتقرقع. يبدو أنها تنطلق انطلاقة حسنة، ثم تسير بضعة أمتار، ثم تتوقف. وهم يحاولون أن يُسيروها بالوقود الخطأ. ذلك هو ما فعله الشيطان بنا نحن البشر!

وماذا فعل الله؟ أولاً، وضع فينا الضمير، حس الصواب والخطأ؛ وعلى مر التاريخ دأب أناس في محاولة إراحة الضمير (حيث بذل بعضهم أقصى جهدهم). ولكن أياً منهم لم ينجح نجاحاً كاملاً قط.

ثانياً، بعث إلى الجنس البشري بما أدعوه “أحلاماً طيبة” أعني تلك القصص الغريبة المتفرقة في ثنايا الديانات الوثنية كلها عن إله يموت ثم يبعث من الموت حياً، وبموته قد أعطى الناس حياةً جديدة على نحو ما.

ثالثاً، اختار شعباً معيّناً، وطوى بضعة قرون محاولاً مراراً وتكراراً أن يُرسخ في أذهانهم أي إله هو: أنه واحد فقط ويعنيه السلوك الصائب تماماً. ومعلوم أن هذا الشعب هو اليهود القدامى، وكتاب العهد القديم يحكي خبر محاولات ترسيخ الحق المتكررة.

ثم تحصل الصدمة العجيبة: من بين أولئك اليهود، يبرز فجأة إنسانٌ يجول متكلماً وكأنه الله ذاته! فهو يصرح بأنه يغفر الخطايا. ويقول إنه استمر موجوداً دائماً. ويقول إنه سيأتي كي يدين العالم في آخر الزمان. فلنوضح الآن هذا جلياً. بين القائلين بوحدة الوجود، مثل الهندوس، يمكن لأي إنسان أن يقول إنه جزء من الله، أو إنه هو والله واحد.

ولا يكون في ذلك غرابة زائدة. ولكن هذا الرجل، لكونه يهودياً، لم يكن ممكناً أن يعني هذا النوع من الإله. فاللهن في لغتهم يعنى الكائن الموجود خارج نطاق العالم، والذي صنع العالم والمختلف اختلافاً غير محدود عن أي شيء آخر. حتى إذا أدركت ذلك، فلا بد أن تعي أن ما قاله ذلك الرجل كان، بكل بساطة، التصريح الأكثر إذهالاً بين كل ما نطقت به أفواه البشر على الإطلاق!

وينطوي ذلك التصريح، في جزء منه، على أمر يسهل أن يفوت ملاحظتنا له، لأننا طالما سمعناه كثيراً حتى لم نعد ندرك أبعاده الحقيقة. أعني دعوى ذلك الرجل بأنه يغفر الخطايا، أية خطايا! فما لم يكن المتكلم هو الله، تكن هذا الدعوة بالحقيقة مُحالة جداً بحيث تُثير السخرية. ونحن جميعاً نفهم كيف يقدر امرؤ أن يغفر إساءات تُرتكب بحقه هو: كأن تدوس إبهام قدمي فأسامحك، أو تسرق مال فأصفح عنك.

ولكن ما قولنا في إنسان لم يتعرض شخصياً للسّلب أو الدّوس، ويُعلن أنه يغفر لك دوسك إبهام إنسان آخر أو سرقتك أموال الآخرين؟ إن ألطف وصف نُطلقه على هذا التصرف هو أنه حماقة بلهاء! غير أن ذلك هو ما فعله يسوع المسيح: لقد قال للناس إن خطاياهم مغفورة لهم، ولم يتمهّل قط ليستشير الآخرين الذين، من غير ريب، آذتهم تلك الخطايا. إنما تصرف بلا تردد كما لو كان هو الفريق المعني أساساً والشخص المُساء إليه جوهرياً في جميع الإساءات والمعاصي.

يكون لهذا معنى معقول فقط إذا كان هو بالحقيقة الله الذي خُولفت قوانينه أو شرائعه والذي تجرح كل خطيئة محبته. أما في فم أي متكلم ليس هو الله، فهذا الكلام إنما ينطوي فقط على ما لا يمكنني أن أعده إلا سخفاً وغروراً لا يُجاريه فيهما أي شخص آخر في التاريخ.

غير أنه (وهذا هو الأمر العجيب الغني الدلالة) حتى أعداؤه، حينما يقرأون الأناجيل الأربعة، لا يتكون لديهم عادة أي انطباع بالسخف والغرور؛ ويكون هذا الانطباع أقل أيضاً عند القراء غير المنحازين ثم أن المسيح يقول إنه “وديع ومتواضع القلب” ونحن نصدقه، دون أن نلاحظ أنه لو كان مجرد إنسان لكان الوداعة والتواضع آخر صفتين يمكننا أن نصف بعض أقواله بهما.

إنني أسعى هنا إلى منع أي شخص أن يقول القول الغبي حقاً والذي غالباً ما يقوله الناس بالنسبة إلى المسيح: “أنا مستعد لقبول المسيح على أنه معلم أخلاقي عظيم، ولكنني لا أقبل دعواه بأنه الله”. ذلك القول هو الأمر الوحيد الذي يجب ألا نقوله. إذ أن إنساناً يكون مجرد إنسان ويقول مثل تلك الادعاءات التي قالها يسوع لن يكون معلماً “أخلاقياً” عظيماً.

إنه لا بد أن يكون إما مخبولاً، على مستوى واحد مع من يقول إنه بيضة مسلوقة، وإما إبليس الجحيم! إذاً لابد من أن تحسم خيارك: إما أن هذا الشخص هو ابن الله، وإما أنه مجنون، أو أسوأ من ذلك. ولك إما أن تُسكته حاسباً إياه أبله، وتحتقره وتقتله كما لو أنه شيطانٌ، وإما أن تجثو عند قدميه وتدعوه رباً وإلهاً. إنما لا نطلعنّ بأي فكرة استعلائية لا قيمة لها، عن كونه معلماً من البشر عظيماً. فهو لم يترك هذا متاحاً لنا، ولا قصد أن يجعله متاحاً!

الخيار المذهل – سي إس لويس

الاجتياح – سي إس لويس

الاجتياح – سي إس لويس 

الاجتياح – سي إس لويس

الاجتياح – سي إس لويس

 

حقاً أن الإلحاد ساذج جداً. وسأطلعكم أيضاً على رأي آخر هو ساذج جداً كذلك، ألا وهو الرأي الذي أدعوه “المسيحية الهيّنة” – ذلك الرأي الذي يقول بكل بساطة إن في السماء إلهاً طيباً وإن كل شيء بخير، تاركاً جميع العقائد الصعبة والرهيبة المتعلقة بالخطية وجهنم وإبليس، وعن الفداء. فهاتان كلتاهما من الفلسفات الصبيانية.

ليس من خير في طلب ديانة بسيطة. وبعد إمعان النظر، ليست الأشياء الحقيقية بسيطة. إنها تبدو بسيطة، ولكنها ليس كذلك. فالطاولة التي أنا جالس إليها تبدو بسيطة. ولكن اسأل عالماً أن يُبين لك مما هي مصنوعة فعلاً (كل ما يتعلق بالذرات وكيف ترتد عنها الأمواج الضوئية وتقع في عيني، وما تفعله بالعصب البصري، وما يفعله ذلك بدماغي) فتجد بالطبع أن ما ندعوه “رؤية طاولة” يُدخلك في ألغاز وتعقيدات لا تكاد تبلغ آخرها. قول طفولي الادعاء بأن صلاة الولد تبدو بسيطة، وإذا قنعت بالتوقف هنا، فخيرٌ وحسن.

أما إذا لم تقنع بذلك، والعالم الحديث لا يقنع عادة، وإذا أردت أن تمضي قُدماً وتسأل عما يحدث فعلاً، فعليك عندئذ أن تكون على استعداد لمواجهة أمر صعب. وإن طلبنا شيئاً يتعدى البساطة، يكون من السخف إذا ذاك أن نتشكى من كون ذلك الشيء غير بسيط.

غير أنه غالباً ما ينتهج هذا النهج الساذج أشخاصٌ غير سذج، ولكنهم، بوعي أو بلا وعي، يريدون تدمير المسيحية. هؤلاء القوم يقدمون صورة من المسيحية تناسب ابن ست سنين، ويجعلون تلك الصورة المصطنعة غرضاً لهجومهم. فإذا حاولت أن تُفسر العقيدة المسيحية كما يعتنقها راشد مُتنور، يتذمرون عندئذ من كونك تُدوخ رؤوسهم ومن كون الموضوع بجملته معقداً جداً، زاعمين أنه إن كان الله موجوداً فهم متيقنون بأنه لا بد أن يجعل “الدين” بسيطاً، لأن البساطة جميلة، إلخ.

إنما عليك أن تكون محترساً من هؤلاء القوم لأنهم سيُبدلون مواقعهم كل دقيقة ويضيعون وقتك فحسب. وتنبه أيضاً إلى فكرتهم القائلة بأن لا بد لله أن يجعل الدين بسيطاً، كما لو كان الدين شيئاً اخترعه الله، وليس إعلاناً منه لنا لحقائق معينة راسخة تتعلق بطبيعته تعالى.

لكن الحقيقة، فضلاً عن كونها معقدة، تبدو في العادة غريبة، حسب خبرتي. فهي ليست مصقولة، ولا بديهية، ولا هي ما تتوقعه أنت. مثلاً، لما أدركت أن الأرض والكواكب الأخرى تدور كلها حول الشمس، كان ينبغي لك على نحو طبيعي أن تتوقع أن جميع الكواكب صُنعت بحيث تكون متماثلة: كأن تكون كلها على مسافات متساوية فيما بينها، أو على مسافات تتزايد باطراد، أو تكون كلها ذات حجم واحد، وإلا فهي تكبر أو تصغر كلما ابتعدت عن الشمس.

ولكنك بالحقيقة لا تجد نسقاً أو منطقاً (يمكننا أن نراه) فيما يتعلق بحجم الكواكب او المسافات بينها. ثم إن لبعضها قمراً واحداً، ولأحدها أربعة أقمار، ولآخر قمران، وليس لبعضها أي قمر، ولواحد منها حلقة حواليه.

ففي الواقع ان الحقيقة شيء ما كان ممكناً أن تحرزه. وهنا سبب من الأسباب التي تدفعني إلى الإيمان بالمسيحية. فهي ديانة لم يكن ممكناً أن تحزرها. ولو أنها قدمت إلينا تماماً ذل الكون الذي طالما توقعنا نوعه، لانبغى لي أن أشعر بأنها من اختراعنا.

ولكنها بالحقيقة ليست ذلك الشيء الذي كان من شأن أي أمرئ أن يخترع مثله. إنها تمتلك تماماً تلك الأطوار الغريبة التي تتميز بها الأمور الحقيقية. فلنتخل إذاً عن تلك الفلسفات الصبيانية كلها، تلك الأجوبة ذات التبسيط المفرط. إذا أن المسألة ليس سهلة، والإجابة لن تكون بسيطة أيضاً.

وما هي المسألة؟ إنها عالم يحتوي على كثير مما هو رديء بشكل واضح وعديم المعنى ظاهرياً، ولكنه يحتوي على مخلوقات نظيرنا تعرف أنه رديء وعديم المعنى. وثمة فقط وجهتا نظر تواجهان الحقائق كلها. إحداهما وجهة النظر المسيحية القائلة بأن هذا عالم قد فسد، إلا أنه ما يزال محتفظاً بذكرى ما كان ينبغي أن يكونه. أم الأخرى، فهي وجهة النظر المعروفة بالثنائية (Dualism).

وتعني الثنائية اعتقاد وجود قوتين متساويتين ومستقلتين وراء كل شيء، إحداهما خيرة والأخرى شريرة، وكون هذا العالم ساحة المعركة التي فيها تخوضان حرباً لا نهاية لها. وأعتقد شخصياً أن الثنائية، بعد المسيحية، هي أشرف العقائد وأكثرها معقولية بين كل ما هو قيد التداول. غير أن فيها شركاً.

من المفترض أن تكون القوتان، أو الروحان أو الإلهان (الخير والشر) مستقلين تماماً. وكلتاهما موجودتان منذ الأزل. ولم تصنع أية واحدة منهما الأخرى، وليس لأية واحدة منهما حقٌ يفوق حق الأخرى في أن تدعو ذاتها الله. ويُفترض أن كلتيهما تحسب أنها صالحة فيما تحسب أن الأخرى طالحة. وإحداهما تحب البغضاء والقساوة، فيما تحب الأخرى المحبة والرحمة، وكلتاهما تدعم رأيها الخاص.

فالآن، ماذا نعني حين ندعو إحداهما القوة الصالحة، والأخرى القوة السيئة؟ إن كل ما تقوله هو إنه يصدف أن نُفضل الواحدة على الأخرى، كتفضيل البيرة على العصير، أو إنه مهما كان رأي القوتين في الأمر، وأية منها يصدف أن نحب نحن البشر الآن، فإحداهما طالحة، بل على خطأ بالفعل، في حسبان ذاتها صالحة. أما إن كان كل ما نعنيه هو أنه يتفق أن نُفضل الأولى، فعندئذٍ يجب أن نكف عن التحدث عن الصلاح والطلاح تماماً. وذلك لأن صفة الصلاح تعني ما ينبغي لك أن تٌفضله بصرف النظر عما يصدف أن تحبه في أي وقت محدد.

فإذا كان معنى كون الشيء صالحاً أن تقف في الصف الذي يصدف أنك تميل إليه، لغير سبب وجيه، فإن الصالح عندئذ لن يستحق أن يُدعى صالحاً. وعليه، يجب أن نعني أن إحدى القوتين خاطئة فعلاً وأن الأخرى صائبة حقاً.

ولكنك لحظة تقول ذلك، تُدخل إلى الكون شيئاً ثالثاً، فضلاً عن القوتين المذكورتين: قانوناً أو معياراً أو وقاعدة للصواب تؤيدها إحدى القوتين فيما تتنافى وتتنافر الأخرى معها. ولكن بما أن القوتين خاضعتان لحكم ذلك المعيار، فإن هذا المعيار أو الكائن الذي صنع هذا المعيار، أبعد وأسمى بكثير من كلتا القوتين، وسيكون هو الإله الحقيقي. وبالحقيقة أن ما عنيناه بدعوة إحداهما صالحة والأخرى طالحة يتبين أنه يُفيد أن إحداهما على علاقة صحيحة بالإله الأسمى الحقيقي، أما الأخرى فعلى علاقة خاطئة به.

هذا، ويمكننا إيضاح النقطة عينها بطريقة أخرى. إذا كانت الثنائية صحيحة، فلا بد أن تكون القوة الطالحة كائناً يحب الطلاح لأجل ذاته. ولكن ليس لدينا في الواقع أي اختبار لأي شخص يحب الطلاح لأجل الطلاح فحسب. وأقرب ما يمكننا أن نصل إليه هنا هو في مجال القساوة. غير أن الناس، في واقع الحياة، يكونون قُساة لواحد من سببين: إما لأنهم ساديون (أي لأن لديهم انحرافاً جنسياً معيناً يجعل القساوة باعثاً للمتعة الجنسية الشهوانية عندهم)، وإما من أجل شيء سيجنونه منها: كالمال أو السلطة أو السلامة. غير أن المتعة والمال والسلطة والسلامة، في ذاتها، كلها أمور صالحة.

إنما يكمن الطلاح في نشدانها بالأسلوب الخطأ، أو في الطريق الباطل، أو بإفراط وإسراف. ولست أعني بالطبع أن الذين يفعلون ذلك ليسوا أشراراً جداً، إنما أعني أن الشر، عندما تتفحصه، يتبين إنه نشدان خير ما بالطريقة الخاطئة. ففي وسعك أن تكون خيّراً لأجل الخير المحض. إنما ليس في وسعك أن تكون شريراً لأجل الشر المحض. إذ يمكنك أن تؤدي فعل لطف حينما لا تكون ميالاً إلى اللطف، وحينما لا يؤتيك أية متعة، لمجرد كون اللطف صالحاً. ولكن أحداً لم يرتكب قط فعل قساوة، فقط لأن القساوة طالحة، بل فقط لأن القساوة كان ممتعة أو نافعة له.

بعبارة أخرى، لا يمكن أن ينجح الطلاح، ولو في كون طالحاً، بالطريقة نفسها التي بها يكون الصلاح صالحاً. فالصلاح، إذا جاز التعبير، هو ذاته، أما الطلاح فهو صلاح مُفسَد. ولابد أن يكون هنالك شيء صالح أولاً قبل أن يمكن إفساده. فنحن دعونا السادية انحرافاً جنسياً، ولكن لا بد أولاً من حيازتك لمفهوم السلوك الجنسي السوي قبل أن تتمكن من التحدث عن كونه منحرفاً. وفي وسعك أن ترى أي سلوك هو الانحراف لأنك تستطيع أن تفسر المنحرف على أساس السوي، ولا يمكنك أن تُفسر السوي على أساس المنحرف.

ويترتب على ذلك أن هذا القوة الطالحة، المفترض أنها على قدم المساواة مع القوة الصالحة وأنها تحب الطلاح مثلما تحب القوة الصالحة الصلاح، وهي مجرد بعبع. ولكي تكون هذه القوة طالحة، ينبغي أن يكون لديها أمور صالحة تريدها ثم تنشدها بالطريقة الخاطئة: ينبغي أن تكون لديها حوافز كانت في الأصل صالحة كي تتمكن من جعلها منحرفة.

ولكن إذا كانت القوة طالحة، فلا يمكنها أن تزود ذاتها بأمور صالحة ترغب فيها، ولا بحوافز صالحة تجعلها منحرفة. فلا بد لهذه القوة من أن تستمد كِلا النوعين من القوة الصالحة. وإن كانت الحال على هذا المنوال، فهي ليست مستقلة، بل هي جزء من عالم القوة الصالحة: وقد صنعتها إما القوة الصالـحة وإما قوة ما فوقهما كلتيهما.

ولنعبر عن هذا المفهوم بطريقة أبسط بعد. لكي تكون تلك القوة طالحة، ينبغي أن تنوجد ويكون لها عقل وإرادة. ولكن التواجد والعقل والإرادة هي أمور صالحة في ذاتها. ولذلك ينبغي لها أن تستمدهن من القوة الصالحة: حتى إنها لكي تكون طالحة يجب أن تقترض أو تسرق من مُناوئتها.

هل بدأت الآن تدرك لماذا قالت المسيحية دائماً أن إبليس ملاك ساقط؟ فليست هذه مجرد قصة من القصص المكتوبة للصغار بل اعتراف حقيقي بحقيقة كون الشر طُفيليّاً، لا شيئاً أصلياً. فالقوى التي تمكن الشر من الاستمرار هي قوة حصل عليها من الخير وجميع الصفات التي تمكن الإنسان الطالح من أن يكون رديئاً على نحو فعال هي بحد ذاتها أمور صالحة: العزم، والذكاء، وحسن المنظر، والوجود بذاته. لهذا السبب لا تقوم الثُنائية، بمعنى دقيق.

ولكنني لا أجد حرجاً في الاعتراف بأن المسيحية الحقيقية (بوصفها متمايزة عن المسيحية الهيّنة) تصل إلى الثنائية أقرب مما يظن الناس. فمن الأمور التي فاجأتني عند قرأت كتاب العهد الجديد أول مرة بجدية أنه يتكلم كثيراً جداً عن قوة مُظلمة في الكون: روح شرير مقتدر يُعتقد أنه القوة الكامنة وراء الموت والمرض والخطية.

أما الفرق فهو أن المسيحية تعتقد أن هذه القوة المظلمة خلقاها الله، وأنها كانت صالحة لما خلقها، ثم فسدت. وتتفق المسيحية مع الثنائية على أن هذا الكون يخوض حرباً. إلا أن المسيحية لا تقول بأنها حرب بين قوتين مستقلتين، بل ترى أنها حرب أهلية، أو عصيان، وأننا نعيش في جزء من الكون يحتله العاصي المتمرد.

أرض يحتلها العدو: تلك هي حالة هذا العالم. وتحكي لنا المسيحية كيف أن الملك الشرعي قد هبط إليها (ولك أن تقول إنه هبط متنكراً)، وهو يدعونا للإسهام في حملة تعويق إحباط كبيرة لعملية التمرد. فعندما تذهب إلى الكنيسة، فأنت بالحقيقة تتنصت إلى اللاسلكي السري الذي بعثه إلينا أصدقاؤنا، ولذلك يتلهف العدو إلى منعنا من الذهاب.

وهو يعمد إلى ذلك باستغلال غرورنا وكسلنا وتصلفنا العقلاني الاستعلائي. وفي علمي أن سائلاً قد يسألني: “أتقصد حقاً، في هذا الوقت من النهار، أن تُعرف إلينا من جديد صديقنا القديم إبليس، بحافريه وقرنيه وكل ما لديه؟” حسناً، لست أدري ما دخل وقت النهار بهذا، ولست بمتوقف عند ذكر الحافرين والقرنين! ولكن، فيما عدا ذلك، جوابي هو: “نعم، أقصد ذلك!” ولست أزعم أنني أعرف أي شيء عن مظهره الشخصي. فإذا أراد أحد حقاً أن يعرفه على نحو أفضل، فأود أن أقول لذلك الشخص: “لا تقلق! إذا أردت ذلك حقاً، فسيكون لك ما تريد. أما هل يعجبك المنظر حين تراه، فتلك مسألة أخرى!”.

الاجتياح – سي إس لويس

المفاهيم المتزاحمة عن الله – سي إس لويس

المفاهيم المتزاحمة عن الله – سي إس لويس

المفاهيم المتزاحمة عن الله – سي إس لويس

المفاهيم المتزاحمة عن الله – سي إس لويس

لقد طُلب إليّ أن أخبركم بما يؤمن به المسيحيون. وسأبدأ بأن أُخبركم بأمر لا ينبغي للمسيحيين أن يؤمنوا به: إذا كنت مسيحياً حقيقياً فلسب مضطراً لأن تؤمن بأن جميع الديانات الأخرى هي على خطأ في كل شيء. أما إذا كنت ملحداً، فينبغي لك فعلاً أن تؤمن بأن النقطة الجوهرية في جميع ديانات العالم قاطبة هي مجرد غلطة كُبرى.

إذا كنت مسيحياً بالحق. فلك أن كنتُ ملحداً، كان عليّ أن أحاول إقناع نفسي بأن معظم الجنس البشري طالما كانوا على خطأ في المسألة التي تعنيهم أكثر من سواها. ولكن لما صرت مسيحياً حقيقياً، تمكنت من اعتناق رأي أكثر تحرراً. غير أن كون المرء مسيحياً بالطبع، يعني فعلاً الظن بأنه حيث تختلف المسيحية عن الديانات الأخرى تكون هي على حق والآخر على خطأ. وكما في علم الحساب، فإن كل حاصل جواباً صحيحاً واحداً فقط، أما جميع الأجوبة فهي خطأ؛ ولكن بعضاً من الأجوبة الخاطئة أقرب بكثير من سواها إلى الصواب.

إن أول انقسام كبير في البشرية هو توزعها بين أكثرية يؤمنون بإله أو آلهة عن نوع ما وأقلية لا يؤمنون. من هذه الناحية، تقف المسيحية في صف الأكثرية، حيث اليونانيون والرومانيون القدامى والبدائيون العصريون والرواقيون، والأفلاطونيون والهندوس وغيرهم، على طرف نقض من المادية الأوروبية الغربية الحديثة.

والآن أنتقل إلى ثاني انقسام كبير. فأولئك الذين يؤمنون بالله يمكن أن يُقسموا تبعاً لنوع الإله الذي يؤمنون به. وفي هذا الموضوع فكرتان مختلفتان جداً. إحداهما هي الفكرة القائلة بأن الله خارج نطاق الخير والشر. فنحن البشر ندعو شيئاً خيراً وشيئاً آخر شراً. ولكن بعض الناس يذهبون إلى أن هذه ما هي إلا وجهة نظرنا البشرية. ومن شأن هؤلاء أن يقولو إنك كلما صرت أكثر حكمة قل نزوعك إلى تسمية شيء ما خيراً أو شراً، وازددت إدراكاً أن كل شيء هو صالح بطريقة ما ورديء بطريقة أخرى، وأن لا شيء يمكن أن يكون مختلفاً.

وبناء على ذلك، يعتقد هؤلاء أنه قبل أن تصل إلى أية نقطة قريبة من وجهة النظر الإلهية يكون التمييز قد تلاشى كلياً. فنحن نصف سرطاناً بأنه رديء، كما يقولون، لأنه يقتل إنساناً؛ ولكن لعلك أيضاً تصف جرّاحاً بارعاً بأنه رديء، لأنه “يقتل” السرطان! إن الأمر بمجمله يتوقف على وجهة النظر. أما الفكرة الأخرى والمعاكسة فهي أن الله “صالح” و”بار” بكل تأكيد، إله له مواقف محددة، يحب المحبة ويكره الكراهية، ويريد منا أن نتصرف بطريقة معينة وليس بطريقة أخرى. وأولى هاتين الفكرتين (تلك التي تقول بأن الله خارج نطاق الخير والشر) تدعى “وحدة الوجود” (Pantheism). وقد اعتنقها الفيلسوف البروسي الكبير هيغل، والهندوس على حد فهمي لهم. أما الفكرة الأخرى فيعتنقها اليهود والمسيحيون والمسلمون.

وإلى جانب هذا الفارق الكبير بين وحدة الوجود والفكرة المسيحية عن الله، يسير عادة فارق آخر. فالقائلون بوحدة الوجود يعتقدون عادة أن الله، إذا جاز التعبير، يُحي الكون كما تُحي أنت جسدك: إن الكون هو الله تقريباً، بحيث إنه إذا لم يوجد الأول فلن يوجد الثاني، ولك ما نجده في الكون هو جزء من الله. أما فكرة الإيمان المسيحي فمختلفة تماماً. فالمسيحيون يعتقدون أن الله أبدع الكون وصنعه، مثلما يرسم الإنسان لوحة أو يؤلف لحناً والرسام ليس اللوحة، ولا يموت إذا أُتلفت لوحته. لك أن تقول إنه “وضع فيها كثيراً من ذاته”، لكنك إنما تعني أن كل ما فيها من جمال وفائدة قد نبع من رأسه.

وليست مهارته في اللوحة تمامً مثلما هي في رأسه، ولا حتى في يديه. ورجائي أنك ترى كيف أن الفارق بين القائلين بوحدة الوجود والمسيحيين يترابط مع الفارق الآخر. فإن لم تنظر إلى الفرق والتفريق بين الخير والشر بمنتهى الجدية، فعندئذٍ يسهل القول إن أي شيء تجده في هذا العالم يكون جزءاً من الله. ولكن بالطبع إذا كنت تحسب أن بعض الأشياء سيئة فعلاً، وأن الله صالح حقاً، فعندئذ لا يمكنك أن تقول مثل ذلك القول. ويجب عليك أن تؤمن بأن الله منفصل عن العالم وأن بعض الأمور التي نراها فيه مُناقضة لمشيئته.

فإذ يواجه القائل بوحدة الوجود سرطاناً أو فقرأ مدقعاً، يمكنه أن يقول: “لو تسنى لك فقط أن ترى ذلك من وجهة النظر الإلهية، لأدركت أن هذا أيضاً الله” أما المسيحي فيُجيبه: “لا تتكلم بهراء سخيف يجعلك عرضة لدينونة الله.” وذلك لأن المسيحية ديانة كفاح. فهي ترى أن الله صنع العالم، وأن المكان والزمان، والحر والبرد، وجميع الألوان والطعوم، وكل حيوان ونبات، هي أمور “أبدعها الله من عقله” مثلما يؤلف المرء قصة من القصص. ولكن المسيحية تعتقد أيضاً أن أموراً عديدة كثيرة مما صنعه الله في العالم قد فسدت، وأن الله يُصر إصراراً مؤكداً مشدداً على أن نضع تلك الأمور في نصابها من جديد.

ثم أن ذلك يثير سؤالاً كبيراً جداً: إذا كان اله صالح قد صنع العالم، فلماذا فسد هذا العالم؟ ومرت سنون كثيرة وأنا بكل بساطة أرفض الإصغاء إلى أجوبة المسيحيين عن هذا السؤال، لأنني طالما أصررت على الشعور بهذا: “مهما كان ما تقولونه، ومهما كانت حججكم بارعة، أفليس أبسط وأسهل بكثير أن نقول أن العالم لم تصنعه قوة عاقلة من أي نوع؟ أو ليست جميع حججكم مجرد محاولة معقدة لتفادي ما ليس بحاجة إلى برهان؟” غير أن ذلك أوقعني من جديد في صعوبة أخرى!

وقد كانت حجتي ضد الله أن العالم بدا في منتهى القساوة والظلم ولكن كيف حصلت على مفهوم الظلم والعدل هذا؟ إن المرء لا يصف خطاً بأنه غير مستقيم إلا إذا كانت لديه فكرة ما عن ماهية الخط المستقيم. فبماذا كنت أقارن هذا العالم لما دعوته غير عادل؟ وإذا كان العرض كله سيئاً وتافهاً من الألف إلى الياء، إذا جاز التعبير، فلماذا ألفيت أنا نفسي في ردة فعل عنيفة هكذا تجاهه، مع أن من المفترض أن أكون جزءاً من العرض؟ إن الأنسان يشعر بالبلل عندما يسقط في الماء، لأنه ليس حيواناً مائياً؛ أما السمكة فما كانت لتشعر بالبلل.

وكان من شأني طبعاً أن أتخلى عن مفهومي للعدل بمجمله بقولي إنه ليس شيئاً سوى فكرة خاصة من بنات أفكاري. ولكن لو فعلت ذلك، لانهارت أيضاً حجتي ضد الله، لأن ركن تلك الحجة كان القول بأن العالم غير عادل فعلاً، وليس فقط أنه لم يصدف أن يُرضي ميولي. وهكذا، ففي محاولتي إثبات عدم وجود الله تبين لي في ذلك الفعل ذاته حقيقة وجوده.

لأن الإنسان بإنكاره وجود العدل، في فعل ما، يُرغم على التسليم بوجود مفهوم العدالة. وبناء على ذلك يتبين أن الإلحاد ساذج جداً. ولو كان الكون كله عديم المعنى، لما كان قد تبين لنا إطلاقاً أنه عديم المعنى. فالوضع شبيه تماماً بهذا: لو لم يكُن في العالم نور، ولم تكن في العالم مخلوقات لها أعين، لما كنا نعرف قطعاً أن الظلمة مسيطرة، ولكانت الظلمة كلمة عديمة المعنى!

المفاهيم المتزاحمة عن الله – سي إس لويس

بضعة اعتراضات – سي إس لويس

بضعة اعتراضات – سي إس لويس

بضعة اعتراضات – سي إس لويس

بضعة اعتراضات – سي إس لويس

هذه المقالة هي جزء من كتاب “المسيحية المجردة” لسي أس لويس، ولقراءة كل مقالات الكتاب مفرغة على موقع فريق اللاهوت الدفاعي فإضغط هنا:http://goo.gl/hy23Rm ولقراءة المقالة السابقة إضغط هنا: http://www.difa3iat.com/31113.html/

ما دامت تلك الحقيقتان هما الأساس، فخيرٌ لي أن أتمهل قليلاً لترسيخ هذا الأساس قبل متابعة الموضوع. فإن بعض الرسائل التي تلقيتُها تبين أن عدداً كبيراً من الناس يستصعبون فهم ماهية قانون الطبيعة البشرية هذا، أو القانون الخُلقي، أو قانون السلوك اللائق، فهماً صحيحاً.

مثلاً، كتب بعضُهم إليّ قائلين: “أليس ما تدعوه القانون الخلقي هو الغريزة التي تدعونا للانخراط في جماعة ما؟ أو لم تتطور غريزتنا هذه كغيرها من غرائزنا الأخرى تماما؟” إنني لا أنكر أنه قد تكون لدينا غريزة اجتماعية. ولكنها ليس ما أقصده القانون الخلقي. فنحن جميعاً نعرف حقيقة الشعور بحفز الغريزة: محبة الأم، أو الغريزة الجنسية، أو غريزة طلب الطعام. فمعنى ذلك أننا نشعر برغبة أو ميل شديدين للتصرف بطريقة معينة. وبالطبع أننا نشعر أحيانً شعوراً قوياً بذلك النوع من الرغبة في مساعدة شخص آخر؛ وما من شك في أن تلك الرغبة ناشئة من الغريزة الاجتماعية.

غير أن الشعور برغبة في المساعدة يختلف عن الشعور بوجوب المساعدة، سواءً أردت أم لم تُرد. افترض أنك سمعت استغاثة من انسان في خطر. فمن المحتمل أن تشعر برغبتين: أحداهما الرغبة في المساعدة (بدافع من الغريزة الاجتماعية)، والأخرى رغبة في الابتعاد عن الخطر (بدافع من غريزة حماية الذات). إلاّ أنك ستجد في داخلك، فضلاً عن هذين الحافزين، شيئاً ثالثاً يقول لك إن عليك تلبية الرغبة في المساعدة وتنحية الرغبة في التهرب. فهذا الشيء الذي يحكم بين غريزتين والذي يقرر أيهما يجب أن يُشجع، لا يمكن هو ذاته أن يكون أيّاً منهما.

وفي وسعك أيضاً أن تقول إنّ ورقة اللحن التي تقول لك في لحظة محدّدة أن تعزف نغمة معينة على البيانو دون غيرها هي نفسها إحدى النغمات على لوحة المفاتيح. فالقانون الخلقي يقول لنا أي نغم تعزف. أما غرائزنا فلا تعدو كونها المفاتيح.

وهناك طريقة أخرى للتيقُن بأن القانون الخُلقي ليس مجرد واحدة من غرائزنا. إذا تضاربت غريزتان، ولم يكن في ذهن المخلوق أيُّ شيء سوى هاتين الغريزتين، فبديهي أن الغريزة الأقوى بين الاثنتين يجب أن تسود. ولكن في تلك اللحظات التي فيها نكون أكثر وعياً للقانون الخلقي، يبدو عادة أنه يُملي علينا مسايرة أضعف الحافزين. فمن المحتمل أنك ترغب في السلامة أكثر بكثير من الرغبة في مساعد من يغرق، إلاّ أن القانون الخُلقي يقول لك إن عليك أن تساعده رغم ذلك.

ومن المؤكد أنه غالباً ما يقول لنا ان نحاول جعل الحافز الصحيح أقوى مما هو بطبيعة الحال! أعني أننا غالباً ما نشعر بأن من واجبنا حفز الغريزة الاجتماعية، بإيقاظ تخيلاتنا وحثّ إشفاقنا وما إلى ذلك، بحيث يكون لدينا وقود كاف للقيام بالأمر الصائب. ولكن من الواضح أننا لا نتصرف بدافع الغريزة حين نُصمم أن نجعل غريزة ما أقوى مما هي فعلاً. فالشيء الذي يقول لك: “إن غريزتك الاجتماعية في سُبات، فأيقظها!” لا يمكن أن يكون هو بعينه الغريزة الاجتماعية. كما أن الشيء الذي يقول لك أيّ نغم في البيانو يجب أن يُعزف أعلى لا يمكن أن يكون هو نفسه ذلك النغم.

وإليك طريقة ثالثة لإدراك الأمر. لو كان القانون الخُلقي واحدة من غرائزنا، لكان ينبغي لنا أن نكون قادرين على الإشارة إلى حافز ما في داخلنا يبقى دائماً ما ندعوه “الخير” أو “الصواب” متناغماً كل حين مع قاعدة السلوك السويّ. ولكننا غير قادرين على ذلك. فليس بين غرائزنا واحدة لا يمكن للقانون الخُلقي أحياناً أن يطلب منا قمعها، ولا واحدة لا يمكن له أحياناً أن يطلب منا تنشيطها. وإنها لغلطة أن نعتقد أن بعضاً من حوافزنا، كمحبة الأم أو حُب الوطن مثلاً، صالحة بعضاً منها، كغريزة الجنس أو الدفاع عن النفس، سيئة.

فكل ما نعنيه هو أن المناسبات التي فيها ينبغي كبح غريزة الدفاع الداعية إل كبح محبة الأم أو حب الوطن. غير أن هناك أوضاعاً يكون فيها من واجب الرجل المتزوج أن ينشط حافزة الجنسي ومن واجب الجندي أن يحفز غريزته القتالية. وهناك أيضاً مناسبات فيه ينبغي كبح محبة الأم لأولادها، أو محبة الإنسان لوطنه، وإلاّ أدّتا إلى الإجحاف بحق أولاد الآخرين أو أوطانهم. فبالمعنى الحصريّ، ليس هناك حوافز صالحة أو سيئة بصورة ثابته.

ولنفكر مرة أخرى في البيانو، فليس فيه نوعان من النغمات، “صالحة” و”سيئة”، بل إن كلّ نغمة بمفردها تكون صائبة مرة وخاطئة مرة أخرى. وليس القانون الخُلقي غريزة واحدة أو مجموعة غرائز بل هو شيء يُوجد نوعاً من النغم (النغم الذي ندعوه الخير أو السلوك السليم) بواسطة توجيه الغرائز توجيهاً صحيحاً.

وعلى فكرة، هذه النقطة ذات نتائج عمليّة عظيمة. فأخطر شيء قد تفعله هو أن تأخذ أي حافز من حوافز طبيعتك الخاصة وتُقيمه على أنه الأمر الذي ينبغي أن تخضع له وتتبعه مهما كان الثمن. فليس بين غرائزنا أيّة غريزة واحدة لن تُحيلنا شياطين إذا نصّبناها على أنها مرشدتنا المطلقة. ولعلك تحسب أن حب الإنسانية مأمون على وجه العموم، غير أنه ليس كذلك. فإذا اسقطت العدل والإنصاف، فستُلفي نفسك حتماً ناقضاً للاتفاقيات ومزوراً للبينات في المُحاكمات “حُبّاً بالإنسانية”، وتصير في نهاية المطاف إنساناً قاسياً وغادراً.

وقد كتب إليّ آخرون يقولون: “أليس ما تدعوه القانون الخُلقي مجرد عُرف اجتماعي، شيئاً نكتسبه من طريق التربية؟” فأظن أن ها هنا سوء فهم. إذ إن أولئك الذين يطرحون هذا السؤال يُسلمون بداهة في العادة بأنه إذا تعلّمنا أمراً من أهلنا ومعلُمينا فلا بد إذاً أن يكون ذلك الأمر مجرد اختراع بسري. إلاّ أن واقع الحال هو خلاف هذا طبعاً. فجميعنا تعلّمنا جدول الضرب في المدارس. والولد الذي نشأ وحده في جزيرة مقفرة لن يعرفه.

ولكن المؤكد أنه لا يترتب على ذلك أن جدول الضرب مجرد عرف بشري، شيء اصطنعه البشر لأنفسهم وكان يمكن أن يجعلوه مختلفاً لو شاءوا! فأنا أوافق تمامً على أننا نتعلم قواعد السلوك السوي من الوالدين والمعلمين، والأصدقاء والكتب، مثلما نتعلم أيّ أمر آخر. ولكن بعض الأمور التي نتعلمها هي مجرد أعراف أو اصطلاحات كان يمكن أن تكون مختلفة (فكثيرون مثلاً يتعلّمون التزام الجهة اليُمنى من الطريق، ولكن كان يمكن أيضاً أن تكون القاعدة التزام الجهة اليسرى كما في بعض البلدان) في حين أن بعض الأمور الأخرى التي نتعلمها، كالحساب أو الرياضيات، هي حقائق. إنما المسألة هي: إلى أية فئة ينتمي قانون الطبيعة الإنسانية؟

لدينا سببان للقول إنه ينتمي إلى الفئة التي تنتمي إليها الرياضيات. أما أول السببين، كما قلت في الفصل الأول، فهو وجود اختلافات بين المفاهيم الأخلاقية في زمان ما وبلد ما وتلك التي في زمان وبلد آخرين، إنما الفوارق ليست كبيرة بالحقيقة (أو على الأقل ليست كبيرة كما يتصور معظم الناس)، ويمكنك أن تُميّز القانون عينه سارياً بينها جميعاً؛ في حين أن الأعراف أو الاصطلاحات المجردة، كقانون السّير وصنف الثياب التي يلبسها الناس، قد تختلف إلى أي حد.

وأما السبب الثاني، فهو هذا: عندما تفكّر في هذه الاختلافات بين أخلاقيات شعب وأخلاقيات شعب آخر، فهل تحسب أن أخلاقيات شعب بعينه أفضل أو أسوأ من أخلاقيات شعب آخر؟ أو لم يكن أي من التغييرات تحسيناً؟ إن كان لا، فلا يمكن عندئذ طبعاً حصول أي تَرق خُلقي. فالترقي لا يعني مجرد التغيير، بل التغيير نحو الأفضل. ولو لم تكن مجموعة من المفاهيم الخُلقية أصح أو أحسن من أية مجموعة سواها، ما كان معنى لتفضيل أخلاقيات التمدن على أخلاقيات التوحش، أو الأخلاقيات المسيحية على الأخلاقيات النازية.

وفي الحقيقة طبعاً أننا جميعاً نؤمن أن بعض الأخلاقيات أفضل من غيرها. ونحن نعتقد حقاً أن بعض الأشخاص الذين حاولوا تغيير المفاهيم الخُلقية في عصرهم كانوا ما يمكن أن ندعوه مُصلحين أو روّاداً، أشخاصاً فهموا النظام الخُلقي بشكل أفضل مما فهمه معاصروهم. حسن جداً إذاً، فحالما تقول إن مجموعة من المفاهيم الخُلقية يمكن أن تكون أفضل من أخرى، تكون في الواقع مُخضعاً كلتيهما لمعيار ما، وقائلاً إن احداهما توافق ذلك المعيار على نحو أقرب مما توافقه الأخرى. غير أن المعيار الذي به يُقاس شيئان هو شيء مختلف عن كلتا المجموعتين.

فأنت إنما تقارن المجموعتين كلتيهما في الواقع بنظام خلقي حقيقي مُقراً بأن هنالك ما هو صواب حقيقي بصرف النظر عمّا يعتقده الناس، وأن بعضاً من مفاهيم الناس أقرب من سواها إلى ذلك الصواب الحقيقي. أو لنُعبر عن ذلك بهذه الطريقة: إذا كان ممكناً أن تكون مفاهيمك الخُلقية أصح، ومفاهيم النازيين الخلقية أقل صحة، فلابد من وجود شيء ما، نظام خُلقي من نوع ما، حتى تُقارن صحتهما به. فالسبب الذي من أجله يمكن أن تكون فكرتك عن نيويورك أصح أو أقل صحة من فكرت عنها إنما هو وجود نيويورك في مكان فعليّ، قائمة بمعزل عما يفكر فيه كلانا تماماً.

وإذا كان ما يعنيه كلانا حين يقول “نيويورك” مجرد “المدينة التي أتصورها في ذهني الخاص”، فكيف يُعقل أن يكون واحدٌ منا حائزاً أفكاراً أصح من أفكار الآخر؟ عندئذ لا تقوم أبداً مسألة الحق أو الباطل. وعلى المنوال عينه، إذا كان القانون السلوك السليم يعني ببساطة “أي أمر يصدف أن تقره كل أمة”، فلا يكون أيّ معنى للقول إن أمة بعينها كانت أقرب إلى الصحة فيما تٌقره من أية أمة أخرى، ولا يكون كذلك أيضاً أي معنى للقول إنه يمكن للعالم على الإطلاق أن يصير أفضل أو أسوأ على الصعيد الأخلاقي.

وهكذا أخلص إلى القول إنه وإن كان الاختلاف بين مفاهيم الناس فيما يتعلق بالسلوك اللائق يحملك غالباً على الظن بعدم وجود قانون سلوك طبيعي حقيقي إطلاقاً، فإن الأمور التي لا بد لنا من التفكير فيها من جهة تلك الفروقات تُثبت العكس تماماً رغم كل شيء. إنما أقول كلمة واحدة قبل الختام. لقد قابلت أشخاصاً يُضخمون الفروقات، لأنهم لم يميزوا بين فوارق الأخلاقيات وفوارق الاعتقادات بشأن الحقائق.

فإن رجلاً قال لي، مثلاً: “قبل ثلاث مئة سنة كان الناس في إنكلترا يُعدمون الساحرات، فهل كان ذلك ما تدعوه قانون الطبيعة الإنسانية أو السلوك السويّ؟” ولكن المؤكد أن سبب عدم إعدامنا نحن للساحرات هو كوننا لا نعتقد وجود ساحرات فعلاً. ولو كنا نعتقد ذلك، لو كنا حقاً نحسب أن هنالك قوماً طوّافين قد باعوا أنفسهم لإبليس فآتاهم قوات خارقة مقابل ذلك فمضوا يقتلون جيرانهم أو يدفعونهم إلى الجنون أو يتسببون بسوء الأحوال الجوية، لاتفقنا كلنا حتماً على أن أولئك الدجالين الأردياء يستحقون عقوبة الإعدام، إن كان ثمة من يستحقها! وليس ها هنا اختلاف في المبدأ الخلقي، بل إنما الاختلاف هو حول واقع الحال.

ولربما كان في عدم تصديق وجود الساحرات تقدم عظيم في مجال المعرفة. إنما ليس من تقدم خُلقي في عدم إعدامهن عندما تعتقد فعلاً أنهن موجودات. فأنت لا تدعو إنساناً “رقيق القلب” لأنه كف عن نصب أفخاخ للفئران إذا كان قد فعل ذلك لأنه كان يعتقد جازماً أن ليس في بيته فئران!

وإلى المقال التالي: حقيقة القانون – سي إس لويس

بضعة اعتراضات – سي إس لويس

قانون الطبيعة الإنسانية – سي إس لويس

قانون الطبيعة الإنسانية – سي إس لويس 

قانون الطبيعة الإنسانية – سي إس لويس

قانون الطبيعة الإنسانية – سي إس لويس

هذه المقالة هي جزء من كتاب “المسيحية المجردة” لسي أس لويس، ولقراءة كل مقالات الكتاب مفرغة على موقع فريق اللاهوت الدفاعي فإضغط هنا:http://goo.gl/hy23Rm وللإنتقال للمقالة التالية، إضغط هناhttp://www.difa3iat.com/31115.html

لا شك أنّنا كلنا سمعنا ناساً يتخاصمون. وأحيانً يبدو ذلك سخيفاً، وفي أحيان أُخرى مُزعجاً جداً. ولكن كيفما بدا الأمر، أعتقد أننا نتعلّم شيئاً بالغ الأهمية من الإصغاء إلى الأمور التي يقولونها. فهم يقولون أقوالاً كهذه: “ماذا يكون وقع الأمر عليك لو عاملك أي إنسان بالمثل؟” “دعه وشأنه، إنه لا يسبّب لك أيّ أذى!”  “ماذا ينبغي لك أن تندفع للجلوس قبل غيرك؟” “أعطني جزءاً من برتقالتك، فأنا أعطيتك جزءاً من برتقالتي!” “هيّا، فأنت وعدتَ بهذا!” إن الناس يقولون أقوالاً كهذه كل يوم، سواء كانوا متعلّمين أو أُميّين، كباراً أو صغاراً.

ولكن ما يعنيني بشأن هذه الأقوال هو أنّ الشخص الذي يقولها لا يعني فقط أنّ تصرف الشخص الآخر لا يرضيه فعلاً، بل ينطلق أيضاً من معيار للسلوك يتوقّع من الآخر أن يعلم به. ثمّ إن الشخص الآخر نادراً جداً ما يجيب: “تباً لمعيارك!” بل إنه في كل حين تقريباً يحاول أن يُبين أن ما كان يفعله لا يخالف المعيار حقاً، أو إذا خالفه فلعذر خاص.

فهو يزعم أنّ في هذه الحالة المعينة سبباً خاصاً يضطر من احتل المقد أولاً إلى التخلي عنه، أو أنّ الأمور كانت مختلفة تماماً لما أُعطي جزءاً من البرتقالة، أو أنّ أمراً طارئاً يحول دون وفائه بوعده. وبالحقيقة، يبدو على أكثر ترجيح كما لو كان في ذهن كلا الطرفين قانون ما، أو قاعدة إنصافٍ أو سلوك لائق أو مفهوم أخلاقي، أو ما شئت أن تسميه، توافقا عليه فعلاً. وهما توافقا بالفعل، ولو كان غير ذلك، لتقاتلا كالوحوش، إنّما لم يكن في إمكانهما أن يتخاصما، بالمعنى البشري للكلمة. فالخصام معناه محاولة إثباتك أن الشخص الآخر على خطأ.

ولن يكون لذلك أيً معنى إلا إذا كنتما، أنت وهو، على توافقٍ ما بشأن ماهيّة الصواب والخطأ؛ تماماً كما لا يكون أيُّ معنى لقولك إن لاعب كرة قدم قد ارتكب خطأ، إلاّ إذا تواجد توافق ما على قواعد لعبة كرة القدم.

وقد درج الناس على تسمية ذلك القانون أو تلك القاعدة بشأن الصواب والخطأ “قانون الطبيعة”. أما اليوم، فعندما نتكلّم عن “قوانين الطبيعة” نعني عادة أموراً مثل الجاذبية أو الوراثة أو قوانين الكيمياء. ولكن لما دعا المفكّرون الأقدمون الصواب والخطأ “قانون الطبيعة”، فإنما قصدوا في الحقيقة قانون الطبيعة الإنسانية. 

وكانت الفكرة أنه كما يتحكّم قانون الجاذبية بجميع الأجسام، والقوانين البيولوجية بالكائنات الحية، فكذلك تماماً للمخلوق المسمى إنساناً قانونه الخاصّ؛ ما عدا هذا الفرق الأساسي: أنّ الجسم لا يستطيع أن يختار خضوعه لقانون الجاذبية أو عدم خضوعه له، ولكن الإنسان يستطيع أن يختار إما الخضوع لقانون الطبيعة الإنسانية وإما عدم الخضوع له.

وفي وسعنا التعبير عن ذلك بطريقة أخرى. إن كل إنسان، في كلّ لحظة، مُخضع لبضعة قوانين مختلفة، ولكن بين هذه القوانين واحداً فقط له الحرية بألا يخضع له. فمن حيث كونه جسماً، هو مُخضع للجاذبية ولا يستطيع ألا يخضع لها: فإن تركته بلا سند في قلب الهواء، لا يكون له أيُّ خيار في أمر السقوط، مَثَله مَثَلُ الحجر تماماً. ومن حيث كونُه كائناً حيّاً، هو مُخضَعٌ لقوانين بيولوجيّة شتّى لا يمكنه ألاّ يخضع لها، مَثلُه مثل الحيوان تماماً. ذلك أنّ القانون المقتصر على طبيعته الإنسانية، القانون الذي لا يتشارك فيه مع الحيوان أو النبات أو الأشياء غير العُضوية، هو القانون الذي يستطيع عدم الخضوع له إذا أراد.

وقد دُعي ذلك القانون “قانون الطبيعة” لأنّ الناس اعتقدوا أنّ كل امرئ يعرفه بالطبيعة ولا داعي لتعليمه إياه. وهم لم يقصدوا بالطبع أنّه لا يمكن أن تجد فرداً غريباً هنا أو هناك لا يعرف ذلك القانون، تماماً كما تجد قلّة من الناس مصابين بعمى الألوان أو غير قادرين على التمييز بين الألحان. ولكن بالنظر إلى الجنس البشري عموماً، اعتقدوا أن الفكرة البشرية بشأن السلوك اللائق بديهية لدى الجميع. وفي يقيني أنهم كانوا على حق.

ولو لم يكون، فعندئذٍ يكون كلُّ ما قلناه عن الحرب عديم المعنى. فأي معنى يكون للقول إنّ العدو على خطأ إلا إذا كان الصواب أمراً حقيقياً يعرفه النازيون جوهرياً كما نعرفه نحن البريطانيين تماماً، وكان ينبغي أن يعملوا به؟ ولم لم يكن لديهم أدنى فكرة عما نعنيه نحن بالصواب لما كنّا نلومهم على سلوكهم أكثر من لومنا لهم على لون شعرهم، مع أنن ربما اضطُررنا لمحاربتهم على كل حال.

في علمي أن بعض الناس يقولون إنّ فكرة قانون الطبيعة أو السلوك اللائق، تلك المعروفة عند جميع البشر، ليست سليمة. وذلك لأن الحضارات المختلفة والعصور المختلفة كانت لديهم نُظم أخلاقية مختلفة.

ولكن ذلك غير صحيح. فلطالما وجدت اختلافات بين أخلاقيات البشر، ولكنّها لم تبلغ حدّ الاختلاف الكلي قط. فإذا تكلف امرؤ مشقة المقارنة بين التعاليم الأخلاقية، مثلاً، عند قُدامى المصريين والبابليين والهندوسيين والصينيين واليونانيين والرومانيين، فإن ما يستوقفه حقاً هو كيفية مشابهة تلك الأخلاقيات بعضها لبعض ولأخلاقياتنا نحن.

وقد أشرت في ملحق كتاب آخر عنوانه “إبطال الإنسان” (The Abolition of Man) إلى جملة من البيّنات المؤكدة لهذا الواقع، إلاّ أنني هنا اكتفي بأن أطلب من القارئ التفكير بما قد يعنيه نظام أخلاقي مختلف كلياً: فكر في بلد يُمتدح فيه الناس لفرارهم من ساحة المعركة، أو يشعر المرء فيه بالفخر والخيلاء لخيانة جميع الذين عاملوه ألطف معاملة. ولك كذلك أيضاً أن تُفكر في بلد يكون فيه حاصل جمع اثنين مع اثنين خمسة. فقد اختلف الناس في تحديد مَن ينبغي لك أن تعاملهم معاملة غير أنانيّة: عائلتك الخاصة أو إخوانك المواطنون أو الناس أجمعون.

غير أنهم توافقوا دائماً على أنه ينبغي لك ألاّ تضع نفسك في المقام الأول. فالأنانية لم تُمتدح يوماً. وكذلك اختلف الناس فيما يخصُ كم زوجة ينبغي أن يتزوّج الرجل، واحدة أو أكثر، غير أنهم توافقوا دائماً على أنه لا ينبغي للمرء أن يحوز أيّة امرأة جذبه إليها هواه.

غير أنّ الأمر اللافت للنظر حقاً هو هذا: كلّما وجدت إنساناً يقول إنه لا يؤمن بصواب وخطأ حقيقيين، فستجد ذلك الإنسان نفسه يتراجع عن هذا بعد هُنيهة. فهو قد ينقض وعده لك، ولكنّ إذا حاولت نقض وعدٍ وعدتُه به فإنه سيشتكي قائلاً: “ليس هذا من العدل والإنصاف!” قبل أن يُتاح لك قول كلمة واحدة. قد يقول أهل بلدٍ ما إن المعاهدات لا تهمّ، إنما لا تكاد تمضي دقيقتان حتّى يُفسدوا دعواهم وحديثهم بقولهم إنّ المعاهدة المعنّية التي يريدون نقضها معاهدة غير عادلة.

ولكن إذا كانت المعاهدات لا تهم، وإذا لم يكُن من شيء مثل الصواب والخطأ، وبعبارة أُخرى: إذا كان قانون الطبيعة غير موجود، فما الفرق بين معاهدة عادلة وأخرى غير عادلة؟ ألم يكشفوا حقيقة أمرهم ويُثبتوا أنهم مهما قالو فهم يعرفون قانون الطبيعة، مَثلُهم مَثل غيرهم تماماً؟

يبدو إذاً أننا مُرغمون على الإيمان بوجود معيار حقيقي للصواب والخطأ. وقد يكون الناس أحياناً مخطئين بشأنهما تماماً كما يغلط بعضهم في حساب الجمع. غير أنهما ليسا مجرد مسألة ذوق ورأي، مثلهما مثل جدول الضرب.

وإن كنا قد اتفقنا على هذه النقطة، أنتقل الآن إلى النقطة التالية، وهي هذه: ليس أحد منا يعمل حقاً بقانون الطبيعة. فإذا كان بينكم أيّةُ استثناءات، فإنني أعتذر إليهم. وخير لهم أن يقرأوا أيّ كتاب آخر، لأن أيّ شيء ممّا سأقوله لا يعنيهم. فها أنا الآن أتوجّه إلى الكائنات البشرية العادية أي إلى الباقين جميعاً:

أرجو ألاّ تُسيئوا فهم ما سأقوله. إنني لست أعظ، ويشهد الله أنني لا أتظاهر بكوني أفضل من أي شخص غيري فأنا إنما أحاول لفت أنظاركم إلى حقيقة واقعة، وهي أننا، هذه السنة أو هذا الشهر أو على الأرجح هذا اليوم، قد أخفقنا نحن أنفسنا في ممارسة نوع السلوك الذي نطلبه من غيرنا. وربما يتوافر لدينا كل نوع من الأعذار، ففي تلك المرة التي فيها قسوتِ على أولادكِ كنت مرهقة ومنهكة. وتلك العملية شبه المشبوهة التي أجريتها في مجال العمل والمال، تلك التي كدت تنساها، حصلت حين كنتَ في ضائقة مالية خانقة.

وما وعدت بأن تفعله للعجوز الفلاني ولكنك لم تفعله قط، ما كنت لِتَعد به قطعاً لو علمتَ كم سيكون انشغالك رهيباً. أما تصرفك مع زوجتك (أو تصرفك مع زوجك) أو أختك (أو أخيك)، فما كنت لأعجب منه لو علمت أي درجة من الاستفزاز قد يبلغون، وعلى كل حال، مَن أنا يا تُرى؟ أليس مثلي مثلكم تماماً؟ أعني أنني لا أنجح إلى التمام في مراعاة قانون الطبيعة. وحالما يقول لي أحد إنني لا أراعيه، يجول في ذهني خيطٌ من الأعذار بطول ذراع! والسؤال حالياً ليس عن كونها أعذاراً جيدة، بل بيت القصيد أنها برهان آخر على مدى العمق الذي به نؤمن بقانون الطبيعة، أحببنا ذلك أم كرهناه.

فإذا لم نكن نؤمن بالسلوك اللائق، فلماذا نهتم كثيراً بتقديم الأعذار عن سوء تصرفنا؟ إنما الحق أننا نؤمن بالاستقامة كثيراً، ونحسُّ حُكم القانون يلحُّ علينا كثيراً، حتى لا نُطيق مواجهة حقيقة كوننا مخالفين له، فنحاول تالياً إزاحة المسؤولية بعيداً عنا. فأنتم تلاحظون أننا من أجل سلوكنا السيئ وحده نقدم تلك التفسيرات كلها. وطبعنا السيئ فقط هو ما نسوّعه ونبرره بكوننا متعبين أو قلقين أو جائعين؛ أما طبعنا الحسن فنبقيه لأنفسنا.

هاكم إذاً النقطتين اللتين أردت تأكيدهما. الأولى أن لدى الكائنات البشرية، في أنحاء الأرض كلها، تلك الفكرة الفريدة بأن عليهم أن يتصرفوا بطريقة معنية، وليس في وسعهم حقاً التخلص من هذه الفكرة. والثانية أنهم بالحقيقة لا يتصرفون بتلك الطريقة. فهم يعرفون قانون الطبيعة، ويخالفونه. هاتان الحقيقتان هما أساس كل تفكير جليّ واضح في أنفسنا وفي العالم الذي نعيش فيه.

وإلى المقال التالي: بضعة اعتراضات

قانون الطبيعة الإنسانية – سي إس لويس

Exit mobile version