الألم الحيواني – سي إس لويس

الألم الحيواني – سي إس لويس

الألم الحيواني – سي إس لويس

الألم الحيواني – سي إس لويس

“وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها.”

تكوين 2: 19.

“لكي تكتشف ما هو طبيعي، لا بد أن ندرس عينات تحتفظ بطبيعتها وليس تلك التي فسدت.”

أرسطو ARISTOTLE. Politics, I. V, 5

 

يبعد الألم الحيواني كثيراً عن الألم الحيواني الإنساني؛ لكن طوال هذا الوقت هناك “شكوى من جرح بريء تخترق السماء”. معضلة معاناة الحيوانات مروعة؛ ليس لأن الحيوانات شديدة الكثرة (لأنه كما رأينا، لا يتم الشعور بمزيد من الألم الحيواني عندما يعاني مليوناً أكثر مما يكون عليه عندما يعاني واحد فقط) بل لأن التفسير المسيحي للألم البشري لا يمكن مد تطبيقه على الألم الحيواني. على قدر ما نعرف. فإن الحيوانات غير قادرة لا على ارتكاب الخطية ولا على عمل الفضيلة؛ لذلك فهي لا يمكن أن تستحق الألم الحيواني ولا أن تتحسن بواسطته.

في نفس الوقت يجب ألا نسمح على الإطلاق لمشكلة الألم الحيواني أن تصبح مركز معضلة الألم الحيواني، ليس لأنها غير مهمة – فكل ما يمثل أسساً معقولة للشك في صلاح الله يعتبر شديد الأهمية حقاً – بل لأنها خارج مدى معرفتنا، لقد أعطانا الله بيانات ومعلومات تمكننا، بدرجة ما، من فهم معاناتنا وآلامنا الشخصية كبشر؛ ولكنه لم يعطنا مثل هذه المعلومات عن الحيوانات. فنحن لا نعرف لماذا خلقت، ولا ماهيتها. وكل ما نقوله عنها يخضع للتخمين.

من عقيدة أن الله صالح قد نستنتج بثقة أن مظهر القسوة الإلهية اللامبالية في مملكة الحيوان هو مجرد وهم – وحقيقة أن الألم الحيواني الوحيد الذي نعرفه في المقام الأول (ألمنا الشخصي) يتضح أنه لا يعتبر قسوة، سيجعل من الأسهل بالنسبة لنا أن نصدق هذا. بعد ذلك، كل شيء يعتمد على التخمين.

قد نبدأ باستبعاد بعض الخداع التشاؤمي الذي عرضناه في الفصل الثاني. حقيقة أن النباتات تعيش “بافتراس” بعضها البعض وأنها في حالة من التنافس “القاسي” ليست لها أية أهمية أخلاقية على الإطلاق. “فالحياة” بالمعنى البيولوجي لا يكون لها علاقة بالخير والشر إلا عندما يظهر الشعور Sentience. مجرد كلمة “يفترس” و “قسوة” هي مجرد استعارات تشبيهية. كان الشاعر ووردزوورث Wordsworth يعتقد أن كل زهرة “تستمع بالهواء الذي تتنفسه”، لكن لا يوجد سبب لافتراض أنه كان على حق.

لا شك أن النباتات الحية تتفاعل مع الإصابات والجروح بطريقة مختلفة عن المادة العضوية؛ لكن الجسم الإنساني المخدر يتفاعل بطريقة أكثر اختلافاً ومثل هذه الاستجابات لا تثبت وجود الشعور. بالطبع، لدينا المبرر في أن نتحدث عن موت أو ذبول نبات كما لو كان مأساة، على شرط أن نعرف أننا نستخدم استعارة قد يكون واحداً من وظائف العالمين غير العضوي والنباتي هو استخدام رموز منها للخبرات الروحية؛ لكننا لا يجب أن نصيح ضحايا لاستعاراتنا.

فالغاية التي فيها تقوم نصف الأشجار بقتل النصف الآخر قد تكون غاية “جيدة” تماماً؛ وهذا لأن جودتها تتمثل في فائدتها وجمالها وهي لا تشعر. عندما نتحدث عن الحيوانات. تثار ثلاثة أسئلة. أولاً، هناك سؤال يتعلق بحقيقة ما الذي تعاني منه الحيوانات؟ وثانياً، هنا سؤال عن المنشأ؛ كيف دخل المرض والألم الحيواني إلى العالم الحيواني؟ ثالثاً، هناك سؤال يختص بالعدالة، كيف التوفيق بين الألم الحيواني وعدالة الله؟

أولاً؛ على المدى الطويل، الإجابة على السؤال الأول هي، إننا لا نعرف؛ لكن قد يكون من المفيد وضع بعض التكهنات. لا بد أن نبدأ أولاً بالتمييز بين الحيوانات؛ لأنه إذا كان القرد Ape يمكنه أن يفهمنا فإن سيأخذ الأمر محمل سيء للغاية لو أننا وضعناه في نفس الفئة مع محار الرخويات ودودة الأرض في تصنيف واحد باعتبارهم جميعاً “حيوانات” كمقابل للإنسان. من الواضح أنه في بعض النواحي، يشبه القرد الإنسان أكثر مما يشبه كلاهما دودة الأرض.

في الطرف الأدنى من عالم الحيوان لا يجب أن نفترض أي شيء يمكن أن نميزه باعتباره شعور، كما أن علماء الأحياء في تمييزهم للحيوان عن النبات لا يستخدمون الشعور أو الحركة أو غيرها من السمات كما يمكن للإنسان العادي بالطبع أن يركز عليها. لكن في نقطة ما، (رغم أننا لا نعرف أين) يكاد يكون من المؤكد أن الشعور يتواجد، لأن الحيوانات العليا لديها أنظمة عصبية تشبه الإنسان إلى حد كبير. لكن عند هذا المستوى لا يزال يتوجب علينا أن نميز الإحساس والشعور Sentience عن الوعي Consciousness.

لو كنت لم تسمع من قبل مطلقاً عن هذا الفارق، أخشى أنك ستجده أمراً مذهلاً، لكن له قوة اقناع عظمية وستجد أنه من غير الحكمة أن ترفضه بصورة قاطعة. افترض أن هناك ثلاثة أحاسيس يتبع أحدها الآخر، الأول “أ”، ثم الثاني “ب”، ثم الثالث “ج”. عندما يحدث ذلك معك فإنك تجتاز بعملية أ ب ج.

لكن، لاحظ ما يعنيه ذلك. إنه يعني أن هناك شيء فيك يقف خارج “أ” بما يكفي أن يجعله يلاحظ “أ” وهو يعبر، وخارج “ب” بما يكفي لأن يجعله يلاحظ “ب” الآن وهو يبدأ في الدخول لملء الفراغ الذي تركه “أ”؛ وشيء يدرك نفسه كما هو خلال الانتقال من “أ” إلى “ب”، من “ب” إلى “ج”، بحيث أنه يستطيع أن يقول، “إن لدي اختبار لـ “أ ب ج”.

هذا الشيء هو ما أطلق عليه الوعي Consciousness أو النفس Soul، والعملية التي وصفتها للتو هي واحدة من البراهين على أن النفس، رغم أنها تختبر الزمن، إلا أنها ليس في ذاتها “متزامنة (متواقتة) مع الزمن” بالكامل. إن أبسط اختبار للمشاعر “أ ب ج” كأحاسيس متتالية يتطلب نفساً ليس هي في حد ذاتها مجرد تتابع للحالات، بل بالأحرى قاعدة ثابتة تتدفق عبرها هذه الأجزاء المختلفة من تيار الشعور، والتي تدرك ذاتها كما هي دون تغيير عبر كل هذه المشاعر. أصبح من المؤكد الآن تقريباً أن الجهاز العصبي لواحد من الحيوانات العليا يقدم له سلسلة متتالية من الأحاسيس.

لكن هذا لا يتبعه أن لديه أي “نفس”، أي شيء يدرك ذاته باعتبار أنه قد شعر بـ “أ”، والآن يشعر بـ “ب”، وأنه يميز الآن كيف تنسحب “ب” بعيداً لكي تفسح مكاناً لـ “ج”، فإذا لم تكن له مثل هذه “النفس”، فإن ما نطلق عليه اختبار “أ ب ج” لن يحدث أبداً. بل سيكون هناك بتعبير فلسفي، “سلسلة متتالية من الإدراكات الحسية”؛ بمعنى، أن هذه الأحاسيس ستحدث في الواقع بذلك الترتيب، وسيعرف الله أنها تحدث هكذا، لكن الحيوان نفسه لن يعرف.

لن يكون هناك “إدراك للتتابع”. وهذا يعني أنك إذا أعطيت هذا المخلوق ضربتين بالسوط، سيكون هناك بالفعل، شعور بالألم الحيواني مرتين: لكن لن يكون هناك نفس تنسيقية يمكنها أن تدرك “لقد شعرت بالألم الحيواني مرتين”. حتى في الألم الحيواني المفرد، لن توجد هناك نفس لتقول “إنني أتألم” – لأنها إذا استطاعت أن تميز نفسها عن الشعور بالألم الحيواني – أي تميز القاعدة عن التيار – بما يكفي أن تقول “إنني أشعر بالألم الحيواني”، فإنها ستكون قادرة كذلك على أن تربط بين هذين الشعورين بالألم الحيواني باعتبارهما اختبارها.

الوصف الصحيح عندنا سيكون “الألم الحيواني يحدث الآن في هذا الحيوان”؛ وليس كما نقول بطريقة شائعة، “هذا الحيوان يشعر بالألم الحيواني”، لأن الكلمتين “هذا، و”يشعر”، يوحيان في الحقيقة بافتراض أن هذا الحيوان هو “ذات” Self أو “نفس” Soul أو “وعي” Consciousness يقف أعلى المشاعر ويرتبها في “اختبار” Experience كما نفعل نحن. إني أعترف بأننا لا نستطيع أن نتخيل مثل هذا الشعور بدون وعي؛ ليس لأنه لا يحدث فينا أبداً، بل لأنه عندما يحدث لنا فإننا نصف أنفسنا عندها بأننا “غائبون عن الوعي”.

وعلى نحو صحيح بالفعل؛ حقيقة أن الحيوانات يكون لها رد فعل للألم مثلنا، لا تثبت بالطبع أنها واعية؛ لأنه قد يكون لنا نحن أيضاً ردود أفعال بهذه الطريقة ونحن تحت تأثير مخدر الكلوروفورم، بل إننا حتى قد نجيب على أسئلة أثناء نومنا.

إلى أي مدى لأعلى يمكن أن يمتد مثل هذا الشعور غير الواعي، لا يمكنني حتى أن أخمن. من الصعب بالتأكيد أن أفترض أن القرود، والفيلة، والحيوانات العليا المستأنسة، ليس لها بدرجة ما، ذات أو نفس تقوم بربط الخبرات وتؤدي إلى فردية بدائية غير متطورة. لكن قدراً كبيراً على الأقل مما يبدو أنه معاناة للحيوان لا يلزم أن يكون معاناة بأي معنى حقيقي. ربما نحن الذين “اخترعنا” أنهم “متألمون” بواسطة “المغالطة المثيرة للشفقة” بأننا نسبنا تفسير تسارع نبضات الحيوان إلى وجود نفس، بينما لا يوجد أي دليل فعلي على ذلك.

ثانياً: كان يمكن نسب أصل المعاناة الحيوانية، بواسطة أجيال مبكرة، إلى سقوط الإنسان – فقد فسد العالم بأكمله بسبب تمرد آدم المدمر. لكن هذا الافتراض مستحيل الآن، لأن لدينا سبب وجيه لكي نؤمن أن الحيوانات كانت موجودة قبل الإنسان بفترة طويلة. فالحيوانات اللاحمة، بل ما يستتبعها، هي أقدم من البشرية.

لذلك فمن المستحيل الآن عند هذه النقطة ألا نتذكر قصة دينية معينة، رغم أنها لم تدخل في قوانين الإيمان، إلا أنه كان يتم الإيمان بها على مدى واسع في الكنيسة، ويبدو أنها كانت متضمنة في كثير من أقوال المسيح وبولس ويوحنا – أعني القصة التي تقول إن الإنسان لم يكون هو أول مخلوق يتمرد على الخالق، بل أن هناك مخلوق أقدم وأكثر قوة قد ارتد منذ فترة طويلة هو الآن سلطان الظلمة (والأمر المهم) ورئيس هذا العالم.

يود بعض الناس أن يرفضوا كل أمثال هذه العناصر من تعاليم ربنا؛ وربما يجادلون أنه عندما أخلى المسيح نفسه من مجده فإنه قد أخضع نفسه أيضاً لكي يشارك، كإنسان، في الخرافات التي كانت سائدة في عصره.

وإني اعتقد بالتأكيد أن المسيح، في الجسد، لم يكن كلي العلم والمعرفة – ربما فقط بسبب أن المخ البشري لم يكن يستطيع أن يكون الأداة الناقلة للوعي كلي العلم والمعرفة؛ وأن نقول إن تفكير ربنا لم يكن مشروطاً فعلياً بحجم وشكل مخه ربما يعني أننا ننكر التجسد الفعلي ونصبح من أتباع الدوسيتية Docetist (أي من أتباع الرأي الذي يربط بصفة خاصة بالغنوصية، القائل بأن يسوع لم يكن له جسد بشري وأنه “ظهر” فقط أنه مات على الصليب – The Free Dictionary – المترجم).

وهكذا إذا كان ربنا قد ألزم نفسه بأية عبارة علمية أو تاريخية نعرف أنها غير صحيحة، فهذا لن يربك أي إيمان لنا في ألوهيته. لكن عقيدة وجود ابليس والسقوط ليس من بين الأمور التي نعرف أنها غير صحيحة؛ فهي لا تناقض الحقائق التي اكتشفها العلماء، بل تناقض مجرد “أجواء رأي سائد” ملتبس تصادف أننا نعيش فيه. إلا أنن لا أضع اعتباراً “لأجواء الرأي السائدة”. فكل إنسان يعرف في موضوعه الدراسي الخاص أن كل الاكتشافات تتم، ولك الأخطاء تصحح، بواسطة أولئك الذين يتجاهلون “أجواء الرأي السائدة”.

لذلك يبدو لي افتراضاً معقولاً، أن هناك قوة مخلوقة قوية كانت تعمل بالفعل لإحداث الاضطراب والبلاء في الكون المادي، أو في النظام الشمسي، أو على الأقل على كوكب الأرض، قبل حتى أن يأتي الإنسان إلى المشهد؛ وأنه عندما سقط الإنسان، شخص ما بالفعل هو الذي جربه وأغواه. هذه الفرضية لا يتم عرضها “كتفسير عام للشر”، بل أنها تعطي فقط تطبيقاً أوسع للمبدأ القائل إن الشر يأتي من إساءة استخدام الإرادة الحرة.

فإذا كانت هناك مثل هذه القوة، كما أؤمن أنا شخصياً، فربما تكون بالفعل هي التي أفسدت الخليقة الحيوانية قبل ظهور الإنسان. يكمن الشر الجوهري لعالم الحيوان في حقيقة أن الحيوانات، أو بعض الحيوانات، تعيش عن طريق تدمير بعضها البعض.

لكن أن تقوم النباتات بعمل نفس الشيء، فلن أعترف بأن هذا شر. لذلك فإن الإفساد الشيطاني للحيوانات سيكون مشابهاً، من ناحية واحدة، للإفساد الشيطاني للإنسان. هذا لأن إحدى نتائج سقوط الإنسان كان أن حيوانيته تراجعت عن الإنسانية التي أخذت منها، ولم تعد إنسانيته تتمكن من التحكم في حيوانيته.

بنفس الطريقة، ربما تم تشجيع الحيوانية أن تنزلق للخلف إلى سلوك يتناسب مع النباتات. من الصحيح، بالطبع، أن معدل الوفيات الضخمة نجم عن حقيقة أن كثيراً من الحيوانات التي تعيش على افتراس الحيوانات الأخرى تتوازن، في الطبيعة، مع معدل مواليد هائل، وربما يبدو أنه لو كانت كل الحيوانات آكلة للعشب وبصحة سليمة، فإنها كانت في الأغلب ستموت جوعاً نتيجة لتكاثرها هي نفسها. لكن أعتبر الإخصاب ومعدل الوفيات ظاهرتان مرتبطتان ومتلازمتان.

فربما لم يكن هناك ضرورة لمثل هذا الإفراط في الدافع الجنسي، والذي فكر فيه إله هذا العالم كاستجابة للافتراس – وهي مكيدة ثنائية لضمان أكبر قدر ممكن من العذاب. فإذا كان يسيء أقل، يمكن أن تقول إن “قوة الحياة” فاسدة، حيث أقول أنا أن الكائنات الحية قد أُفسدت بفعل كائن ملائكي شرير. الاثنان هما نفس الشيء؛ لكني أجده من الأسهل أن أؤمن بأسطورة عن آلهة وشياطين عن أن أؤمن بواحدة من الأسماء المجردة التي ننسب لها وجود مادي أو نشخصها.

وعلى أية حال، ربما تكون أسطورتنا أكثر قرباً للحقيقة الموضوعية مما نفترض. ودعونا لا ننسى أن ربنا، في إحدى المناسبات، ينسب المرض البشري ليس إلى غضب الله، ولا إلى الطبيعة، بل بوضوح شديد إلى ابليس (لوقا 12: 16).

إذا كانت هذه الفرضية تستحق التفكير، فإن مما يستحق التفكير أيضاً ما إذا كان للإنسان بالفعل، في بداية دخوله إلى العالم، وظيفة فدائية لكي يقوم بها. فالإنسان، حتى الآن، يمكنه أن يفعل عجائب للحيوانات؛ فقطتي وكلبي يعيشان معاً في بيتي ويبدو أنهما يحبان هذا الأمر. فربما كانت واحدة من وظائف الإنسان أن يستعيد السلام لعالم الحيوان، ولو لم يكن الإنسان قد انضم إلى العدو، ربما كان قد نجح في فعل ذلك إلى حد يصعب تخيله الآن.

أخيراً، هناك قضية العدالة. لقد رأينا سبباً لكي نؤمن أنه ليست كل الحيوانات تعاني الآلام كما نعتقد؛ لكن بعضاً منها على الأقل، يبدو وكأن له نفس، فماذا سيُصنع لأجل هذه الكائنات البريئة؟ وقد رأينا أنه من الممكن أن نصدق أن الألم الحيواني ليس من صنع الله ولكنه بدأ بواسطة حق إبليس واستمر بواسطة ترك الإنسان لمركزه؛ ومع ذلك، لو لم يكن الله قد سبب هذا الألم الحيواني، فإن قد سمح به، مرة أخرى إذاً، ماذا سيُصنع مع هذه الكائنات البريئة؟ لقد حُذُرت لكيلا أثير حتى قضية خلود الحيوانات، لئلا أجد نفسي في “رفقة كل العذارى الشيخات”.

ومع ذلك، فليس لدي أي اعتراض على هذه الرفقة. إنني لا أعتقد أن أياً من البتولية أو الشيخوخة أمر مهين، وبعض من أذكى العقول التي التقيتها تسكن أجساد العذارى الشيخات. كما أنني لا أتأثر كثيراً بالأسئلة المازحة مثل “أين ستضع كل البعوض؟” (لو كان سيحظى بالخلود) – وهو سؤال يجب أن تتم الإجابة عليه على قدر مستواه بالإشارة إلى أنه، إذا جاء الأسوأ إلى الأسوأ، فإن سماء للبعوض وجحيماً للبشر يمكن أن يجتمعا معاً بصورة ملائمة تماماً.

لكن الصمت التام من الكتاب المقدس ومن التقليد المسيحي عن خـلود الحيوانـات هو اعتراض أكثر جدية؛ ولكنه سيكون مصـيرياً فقط إذا أظهر الإعلان المسـيحي أية علامـات أنه يقصـد بهذا الصـمت أن “نظـام الطبيعة” A Systeme De La Nature يجيب على كل الأسئلة. لكن ليس الأمر شيئاً من هذا القبيل؛ لقد انشق الحجاب عند نقطة واحدة، وعند نقطة واحدة فقط، لكي يكشف ضرورياتنا العملية المباشرة وليس لكي يُرضي فضولنا الفكري.

فالحقيقة أنه لو كانت الحيوانات خالدة، فمن غير المرجح، مما نفهمه من أسلوب الله في الإعلان (الوحي)، أنه كان سيعلن هذه الحقيقة. حتى خلودنا نحن الشخصي هو عقيدة جاءت متأخرة في تاريخ اليهودية. لذلك فالبرهان من منطلق الصمت هو ضعيف للغاية (يريد الكاتب أن يقول إن مجرد صمت الكتاب المقدس عن موضوع خلود الحيوانات ليس دليلاً لا على خلودها ولا على عدم خلودها إذ أن الله لم يكشف لنا كل شيء، بل كشف لنا فقط عن الضروريات – المترجم).

تكمن الصعوبة الحقيقية بشأن افتراض أن معظم الحيوانات ستكون خالدة، في أن الخلود ليس له معنى تقريباً بالنسبة لمخلوق ليس لديه “وعي” بالمعنى الذي شرحناه فيما سبق.

فإذا كانت حياة حيوان سمندل الماء مثلاً هي مجرد تتابع للإحساسات، فماذا يمكن أن نعني عندما نقول إن الله قد يستدعي للحياة حيوان السمندل الذي مات في هذا اليوم؟ إنه لن يدرك نفسه بأنه هو نفسه حيوان سمندل الماء الذي مات؛ فالإحساسات السعيدة لأي سمندل ماء آخر عاش بعد موته ستكون هي نفسها، بمثل الكثرة أو القلة، تعويضاً عن معاناته الأرضية (لو كانت له معاناة) مثل تلك التي تشعر بها (إذا كان يمكن أن أقول) “نفسه” المقامة.

لكن بيت القصيد هنا هو أنه ربما لا يوجد لحيوان السمندل “نفس”. لذلك فما نحاول أن نقوله في هذه الفرضية، لا يمكن حتى التصريح به (يقصد الكاتب أن حيواناً مثل سمندل الماء يماثل كل حيوانات سمندل الماء الأخرى لأنه ليس لديه في الأغلب “نفس” تميزه عن غيره من بين نوعه، فلا يوجد داع لخلود حيوانات سمندل الماء لأنها كلها تشبه بعضها البعض إذ أنها لا تتمتع بوعي يميز أحدها عن الآخر، وما عاناه واحد منها يمكن أن يعوضه حيوان سمندل آخر – المترجم).

لذلك أعتقد أنه لا توجد “قضية” تتطلب خلود الكائنات التي مجرد “تشعر” فقط. كما لا يتطلب العدل والرحمة أنه يجب أن توجد، لأن مثل هذه المخلوقات ليس لها خبرة مؤلمة. فنظامها العصبي يرسل كل حروف كلمة “معاناة” بالصورة التالية “م، ع، ا، ن، ا، ة” لكن حين أنها لا تستطيع أن تقراً، فإنها لا تركب أبداً كلمة “معاناة”. ربما تكون كل الحيوانات في تلك الحالة.

لكن إذا كان الاقتناع القوي الذي لدينا عن وجود “صفة ذاتية” رغم أنها بلا شك بدائية، في الحيوانات العليا، وخاصة في تلك الحيوانات التي نستأنسها، ليس وهماً، فإن مصيرها يتطلب تفكيراً أعمق نوعاً ما. لكن الخطأ الذي لا بد أن نتجنبه هو أن نفكر فيها في حد ذاتها. يجب أن يتم فهم الإنسان فقط في علاقته بالله. كذلك الحيوانات يجب أن يتم فهمها فقط في علاقتها بالإنسان، ومن خلال الإنسان، في علاقتها بالله.

دعونا هنا نأخذ حذرنا من واحدة من تلك الأمور الكثيرة التي لا تتغير عن طبيعتها في الفكر الإلحادي الذي يبقى كثيراً في أذهان المؤمنين المحدثين. ينظر الملحدون عادة إلى تعايش الإنسان مع الحيوانات الأخرى كمجرد نتيجة مشروطة للحقائق البيولوجية المتفاعلة؛ وينظرون إلى ترويض إنسان لحيوان باعتباره تدخل قسري خالص من إحدى الأنواع في نوع آخر. فبالنسبة لهم، الحيوان: “الحقيقي” أو “الطبيعي” هو الحيوان المتوحش، والحيوان المروض هو الشيء المصطنع أو غير الطبيعي.

لكن لا بد للمسيحي ألا يفكر هكذا. لقد أقام الله الإنسان لكي يكون له سلطان على الحيوانات، وكل شيء يفعله الإنسان لحيوان إما أن يكون ممارسة مشروعة، أو إساءة مدنسة، لسلطة مُنحت له بالحق الإلهي. لذلك الحيوان المروض، بأعمق معنى، هو الحيوان الوحيد “الطبيعي”، الحيوان الوحيد الذي نراه يشغل المكان الذي صنع لكي يشغله، وعلى هذا الحيوان المروض يجب أن نبني كل عقيدتنا عن الحيوانات.

سنرى الأن أنه بقدر ما يكون للحيوان المروض نفس حقيقية أو شخصية، فإنه يدين في ذلك بالكامل تقريباً لسيده. فإذا كان كلب الراعي يبدو “كإنسان تقريباً” فهذا لأن هناك راع صالح قد جعله هكذا. وقد أشرت بالفعل إلى القوة الغامضة لحرف الجر “في” إنني أنظر إلى كل معاني هذا الحرف في العهد الجديد باعتبارها متماثلة، بحيث يكون أن الإنسان “في” المسيح والمسيح “في” الله والروح القدس” في” الكنيسة وأيضاً “في” المؤمن الفرد، بنفس المعنى تماماً.

فربما كانت معاني متوافقة شعرياً أو متسقة، أكثر مما هي معنى واحد. سأفترض الآن – رغم أن على استعداد عظيم للتصحيح من لاهوتيين حقيقيين – أنه ربما كان هناك معنى يتفق، رغم أنه لا يتطابق، مع هذه المعاني، بحيث تكون هذه الحيوانات التي تحصل على نفس حقيقية هي “في” أسيادها. هذا معناه أنك يجب ألا تفكر في الحيوان في حد ذاته وتطلق عليه “شخصية” ثم تتساءل بعد ذلك ما إذا كان الله سوف يقيم ويبارك ذلك الحيوان.

لا بد لك أن تتعامل مع السياق بأكمله الذي يحصل فيه الحيوان على صفته الذاتية؛ أي “الزوج الصالح والزوجة الصالحة يحكمان أبناءهما وحيواناتهم في بيت الأسرة الصالح”. يمكن النظر إلى هذا السياق بأكمله باعتباره “جسد” بالمعنى البولسي (نسبة إلى بولس) Pauline (أو المتفرع من البولسي)؛ ومن يمكنه أن يتنبأ كلم من ذلك “الجسد” يمكن أن يقام مع الزوج الصالح والزوجة الصالحة؟ ربما الكثير جداً، كما هو ضروري ليس فقط لمجد الله ولتطويب هذين الزوجين، بل لأجل المجد الخاص وذلك التطويب الخاص الذي يصطبغ طوال الأبدية بهذا الاختبار الأرضي المميز.

وبهذه الطريقة يبدو من الممكن بالنسبة لي أن يكون لبعض الحيوانات المعينة خلود، ليس في حد ذاتها، بل في خلود أسيادها. إن الصعوبة الخاصة بالهوية الشخصية في مخلوق لا يكاد يكون شخصياً، تختفي عندما يتم تربية هذا المخلوق في تلك البيئية الملائمة.

فإذا سألت، بشأن حيوان تم تربيته بمثل هذه الطريقة كعضو في “الجسد” الكلي لبيت الأسرة، أين تكمن هويته الشخصية، سأجيبك، “حيث سكنت هويته دائماً حتى في الحياة الأرضية – في علاقته “بالجسد”، وخاصة، بالسيد الذي هو رأس ذلك الجسد”. بكلمات أخرى، “سيعرف الرجل كلبه”، والكلب سوف يعرف سيده، وفي معرفته له، سيكون الكلب “نفسه”. أن تسأل أنه يجب، بأية طريقة أخرى، أن يعرف الكلب نفسه، فقد يعني هذا أن تسأل عما ليس له أي معنى، فالحيوانات ليست كذلك، ولا تريد أن تكون كذلك.

إن الصورة التي ذكرتها عن كلب الراعي الصالح في بيت الأسرة الصالحة لا تغطي، بالطبع، الحيوانات المتوحشة ولا الحيوانات المنزلية التي يُساء معاملتها (وهو الأمر الأكثر إلحاحاً). لكن المقصود بها فقط مثال توضيحي مأخوذ من حالة متميزة واحدة – التي هي أيضاً بحسب رأيي، الحالة الوحيدة العادية وغير المنحرفة عن المبادئ العامة التي يجب مراعاتها في استنباط نظرية قيامة الحيوانات. لذلك أعتقد أن المسيحيين ريما يترددون عن حق في افتراض أن أي حيوان هو خالد؛ وذلك لسببين.

الأول، لأنهم يخشون، أنهم عندما ينسبون للحيوانات “نفساً” بالمعنى الكامل، أن يثيروا التشويش والارتباك الخاص بالاختلاف بين الحيوان والإنسان والذي بقدر ما هو اختلاف حاد في البعد الروحي بقدر ما هو ضبابي وإشكالي في البعد البيولوجي.

ثانياً، بسبب أن فكرة السعادة المستقبلية المرتبطة بحياة الحيوان الحالية، ببساطة كتعويض عن المعاناة – فهذا العدد الكبير جداً من آلاف السنين التي ستقضيها الحيوانات المقامة في المراعي السعيدة التي سيتم تسديدها كتعويض عن “أضرار” الكثير جداً من السنين التي قاموا فيها بسحب العربات – تبدو تأكيداً أخرقاً وغير ملائم للصلاح الإلهي.

فنحن حيث أننا عرضة للخطأ، كثيراً ما نؤذي طفلاً أو حيواناً عن غير عمد، وعندها أفضل شيء يمكننا أن نفعله هو أن “نعوضه عن ذلك” ببعض التربيت والملاطفة أو بقطعة من الحلوى. لكن لا يمكن أن يكون من الورع أن نتخيل أن يقوم العلم والمعرفة الكلية الإلهية بالتصرف بمثل هذه الطريقة، كما لو ان الله قد داس على ذيل حيوان في الظلام، ثم فعل بعد هذا أفضل ما يمكنه عمله بشأن ذلك!

في مثل هذه التسوية الفاشلة لا يمكنني أن أميز لمسة السيد والخبير؛ فأياً كان الحل، لا بد أن يكون شيئاً أفضل من هذا. النظرية التي أفترضها تحاول أن تتجنب كلا الاعتراضين. فهي تجعل الله هو محور الكون والإنسان هو المركز الثانوي التابع في الطبيعة الأرضية؛ ليست الحيوانات متساوية في الرتبة مع الإنسان.

لكنها أدنى منه وتابعة له، ومصيرها مرتبط بمصيره بكل معنى الكلمة. لذلك فالخلود الثانوي المفترض للحيوانات ليس مجرد “غرامة” أو تعويض: بل هو جزء لا يتجزأ من السماء الجديدة والأرض الجديدة، والمرتبط عضوياً بكل عملية الألم الحيواني المتمثلة في سقوط وفداء العالم.

بافتراض، كما فعلت، أن الهوية الذاتية Personality للحيوانات الأليفة هي إلى حد كبير هبة الإنسان – وأن مجرد شعور Sentience هذه الحيوانات يولد من جديد ليكون الصفة الذاتية Soul hood “فينا” حيث أن صفتنا نحن الذاتية ولدت من جديد للحياة الروحية في المسيح. فإنني أفترض بالطبع أن عدداً قليلاً جداً من الحيوانات بالفعل، في حالتها الوحشية، تحصل على “نفس” أو ذات.

لكن إذا كانت أي منها تحصل عليها، وإذا كان مرضياً لصلاح الله أن تعيش هذه الحيوانات مرة أخرى. فإن خلودها أيضاً سيكون مرتبطاً بالإنسان، ليس في هذه المرة، بأسياد أفراد؛ بل بالبشرية. هذا يعني أنه إذا كانت القيمة شبه الروحية والعاطفية التي ينسبها التقليد البشري للحيوان في حالة ما (مثل صفة “براءة” الحمل أو الشعار الملوكي للأسد) لها أساس حقيقي في طبيعة الحيوان؛ وليست مجرد شيء اعتباطي أو بالمصادفة، فإنه في مثل تلك الصفة، أو أساساً في تلك الصفة، يمكن أن نتوقع أن يحضر الحيوان في الإنسان المقام ويشكل جزء من “تسلسل أفكاره”.

أو إذا كانت تلك الصفة التقليدية خاطئة تماماً، فإن حياة الحيوان السماوية ستكون بفضل الأثر الحقيقي، لكن غير المعروف، الذي كان له على الإنسان فعلياً خلال تاريخه كله؛ لأنه إذا كان علم الكونيات Cosmology المسيحي صادق بأي معنى (لا أقول بمعنى حرفي)، فإن كل ما هو موجود على كوكبنا مرتبط بالإنسان، وحتى المخلوقات التي انقرضت قبل وجود الإنسان يُنظر إليها عندئذ في نورها الحقيقي عندما تُرى باعتبارها إرهاصات اللاوعي للإنسان.

عندما نتحدث عن مخلوقات بعيدة عنا للغاية مثل الحيوانات المتوحشة، ووحوش ما قبل التاريخ، فإننا بالكاد نعرف ما نتحدث عنه. قد يكون جيداً أنه لا أنفس لها ولا معاناة. بل ربما أن كل نوع منها له نفس مشتركة تشارك بها “طبيعة الأسد” وليس الأسود، في مخاض الخليقة، وأنها سوف تدخل ضمن استرداد كل شيء. وغذا كنا لا نستطيع أن نتخيل حتى حياتنا نحن الأبدية، فكي بالأقل يمكننا أن نتخيل الحياة التي يمكن أن تكون للحيوانات باعتبارها “أعضاءنا”.

لو كان الأسد الأرضي يستطيع أن يقرأ النبوة الخاصة بذلك اليوم الذي فيه سيأكل الأسد التبن مثل الثور، فإنه كان سيعتبرها وصفاً ليس للسماء، بل للجحيم. وإذا لم يكن هناك شيء في الأسد سوى عاطفة أكل اللحم، فإنه يكون غير واع و”بقاؤه” لن يكون له أي معنى.

لكن إذا كانت هناك نفس بدائية أسدية Rudimentary Leonine Self فإنه لتلك النفس أيضاً يستطيع الله أن يعطي “جسداً” كما يسره، جسداً لا يعيش بعد ذلك على افتراس الحمل، ولكنه نفس أسدية ثرية بمعنى أنها تعبر أيضاً عن كل طاقة وبهاء وقوة هائلة سكنت داخل الأسد المرئي على هذه الأرض. فأنا أعتقد، وأنا قابل للتصحيح، أن النبي استخدم مقارنة شرقية مبالغ فيها عندما تحدث عن أن الأسد والحمل يضطجعان معاً.

فهذا من شأنه أن يكون وقحاً بالنسبة للحمل. فأن يتعاشر الأسود والحملان بمثل هذه الطريقة (إلا في نوع نادر من الاضطراب السماوي في عيد الإله ساتورن Saturnalia وهو عيد روماني قديم كان يتميز بالاحتفالات الإباحية والعربدة – المرجم) يشبه هذا عدم الحصول لا على حملان ولا على أسود.

لكن أعتقد أن الأسد، عندما يتوقف عن أن يكون خطراً، سيظل رغم ذلك رهيباً؛ بالفعل، سنرى عندها لأول مرة ذلك الذي يعتبر ما هو موجود حالياً محاكاة، غير متقنة ومحرفة شيطانياً، لأنيابه ومخالبه. سيظل هناك شيء مثل انتفاض عرف ذهبي؛ وغالباُ سيقول الدوق الصالح، “دعه يزأر مرة أخرى”.

الألم الحيواني – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

“ما هو العالم، أيها الجنود؟

إنه أنا؛ أنا، هذه الثلوج المتواصلة، هذه السماء الشمالية؛ أيها الجنود، هذه العزلة التي نجتاز فيها هي أنا.”

دبليو دو لا مير W. DE LA MERE

نابليون Napoleon

“ريتشارد يحب ريتشارد؛ أي أنا أكون أنا.”

شكسبير Shakespeare

في فصل سابق تم الاعتراف بأن الألم الذي يستطيع وحده أن يوقظ الإنسان الشرير على معرفة أنه ليست كل الأمور على ما يرام، قد يقوده أيضاً إلى تمرد نهائي لا توبة فيه. كما تم إدراك من خلال ما سبق أن الإنسان لديه إرادة حرة لذلك فإن كل العطايا التي توهب له هي سلاح ذو حدين. يتبع هذه الافتراضات مباشرة أن المهمة الإلهية المضنية لفداء العالم لا يمكن أن يتم التيقن من نجاحها فيما يتعلق بنفس كل فرد. فالبعض لن يقبلوا الفداء. لا توجد عقيدة أرغب بشدة في إزالتها من المسيحية أكثر من هذه، لو كان الأمر في سلطتي.

لكن هذه العقيدة تحظى بكل التأييد في الكتاب المقدس، وعلى الأخص، في كلمات ربنا نفسه؛ ويتم اعتناقها دائماً بواسطة المسيحيين؛ كما أن المنطق يدعمها. فعند لعب أية مباراة رياضية، لا بد أن يكون هناك احتمال دائماً لخسارتها. هكذا إذا كانت سعادة مخلوق ما تكمن في إخضاع الذات، فلا يستطيع أحد أن يقوم بهذا الإخضاع إلا المخلوق نفسه (رغم أن الكثيرين يمكنهم أن يساعدوه في القيام بذلك) وهو قد يرفض. إنني أود أن أدفع أي ثمن لكي أتمكن من أن أقول بصدق، “الجميع سوف يخلصون”. لكن منطقي يرد بحسم، “بدون إرادتهم، أم بإرادتهم؟” فإذا قلت “بدون إرادتهم” فإني سأفهم في الحال أن هناك تناقض؛ فكيف يمكن لفعل إخضاع الذات الإرادي الفائق أن يكون غير إرادي؟ وإذا قلت “بإرادتهم”، فإن منطقي سيرد، “وكيف سيحدث هذا إذا لم يخضعوا؟” 

إن الأقوال الدومينيكانية Dominical (الخاصة بالرب يسوع المسيح) بشأن الجحيم، مثلها مثل جميع الأقوال الدومينيكانية الأخرى، يتم توجيهها إلى الضمير والإرادة، وليس إلى فضولنا الفكري. فعندما أيقظتنا هذه الأقوال لكي نقوم باتخاذ فعل ما إذا اقتنعنا باحتمالية رهيبة (الجحيم)، ربما فعلت هذه الأقوال كل ما كان يقصد لها أن تفعل. لكن إذا كان كل العالم عبارة عن مسيحيين مقتنعين بهذه الاحتمالية، لكان من الضروري أن نقول كلمة أخرى عن هذا الموضوع. إلا أنه بحسب طبيعة الأمور، هذه العقيدة هي واحدة من الأسباب الرئيسية التي تُهاجَم المسيحية على أساسها باعتبارها بربرية ووحشية، والتي يتم بها الطعن في صلاح الله.

فيقال إن هذه عقيدة بغيضة – وبالحقيقة، أنا أيضاً أكرهها من عمق قلبي – وأتذكر المآسي التي حدثت في حياة البشر من الإيمان بها. أما عن المآسي الأخرى التي تأتي من عدم الإيمان بها فإننا لم نُخبَر عنها إلا القليل. لأجل هذه الأسباب، وهذه وحدها، أصبح من الضروري أن نناقش الأمر.

لا تكمن المشكلة ببساطة في إله يرسل بعضاً من مخلوقاته إلى الهلاك الأبدي. كانت تلك ستكون هي المشكلة لو أننا كنا مسلمين Mahometans لكن المسيحية، كما هي دائماً، بدون أن تغير الواقع المعقد، تقدم لنا شيئاً أكير تعقيداً وأكثر غموضاً، تقد إلهاً غنياً في الرحمة يصبح إنساناً ويموت ميتة العذاب لكي يزيل ذلك الهلاك الأبدي عن خليقته، والذي رغم هذا، عندما يفشل ذلك العلاج البطولي النبيل، يبدو غير مستعد، أو حتى غير قادر، على إيقاف ذلك الهلاك بفعل قوة مجردة.

لقد قلت بدون تكلف منذ لحظات أنني أود لو أدفع “أي ثمن” لكي أزيل هذه العقيدة. لكني كذبت. فأنا لم يكن يمكنني أن أدفع واحداً على ألف من الثمن الذي دفعه الله بالفعل لكي يزيل تلك الواقع. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ غنى كثير في الرحمة، ومع ذلك لا يزال هناك جحيم.

لن أحاول أن أثبت أن هذه العقيدة يمكن احتمالها. دعونا لا نسيء الفهم؛ إنها لا يمكن احتمالها. لكن أعتقد أن هذه العقيدة يمكن أن تبرهم أنها أخلاقية، بواسطة نقد الاعتراضات التي تقام ضدها عادة، أو يتم الشعور بها، ضدها.

أولاً، هناك اعتراض، في كثير من الأذهان، على فكرة عقوبة القصاص بمثل هذه الطريقة. وقد تم التعامل بطريقة جزئية مع هذا الأمر في فصل سابق. فهناك تم الزعم بأن كل عقوبة تصبح غير عادلة إذا انتزعت منها فكرتا عدم الاستحقاق والجزاء؛ وتم اكتشاف جوهر صواب واستقامة داخل عاطفة الانتقام نفسها، متمثل في المطالبة بألا يشعر الإنسان الشرير أنه راض تماماً عن شره الذي ارتكبه. وأنه لا بد أن يظهر له ما يظهر عن حق للآخرين – أي الشر الذي ارتكبه. وقلت إن الألم يغرس راية الحق داخل قلعة المتمرد. كنا نناقش الألم الذي كان لا يزال في الإمكان أن يقود إلى التوبة. لكن ماذا إذا لم يقد إلى التوبة – إذا لم تحدث أية مكاسب أخرى على الإطلاق سوي غرس راية الحق؟

دعونا نحاول أن نكون أمناء مع أنفسنا. تصور معي إنساناً قد حصل على ثروة أو سلطة بواسطة أسلوب مستمر من الخداع والقسوة، باستغلاله لأعمال ضحاياه النبيلة لأجل الوصول إلى غايات أنانية بحتة، ساخراً من سذاجتهم؛ والذي بعد أن تحقق له النجاح، يستخدمه لإشباع الشهوة والكراهية، وأخيراً يتخلى عن آخر ميثاق شرف بين اللصوص بأن يخون المتواطئين معه بتهكمه عليهم في لحظاتهم الأخيرة من حيرتهم وإحباطهم.

بل افترض أكثر من ذلك، أنه يفعل كل هذا، ليس (كما نود أن نتخيل) معذباً بالشعور بالذنب أو حتى بالارتياب، ولكنه يأكل بنهم مثل صبي في المدرسة وينام في سلام مثل طفل صحيح الجسم – إنسان مرح، متورد الوجنتين، بدون هم في العالم، واثق بنفسه ثقة تامة لا تهتز حتى النهاية بأن هو وحده الذي وجد الحل للغز الحياة، وأن الله والناس حمقى قد استغلهم بأفضل طريقة ممكنة، وأن طريقة حياته ناجحة ومرضية ولا يمكن تعويضها، لا بد أن نكون حذرين عند هذه النقطة. إن أقل انغماس في شهوة الانتقام هو خطية مميتة للغاية.

لذلك تشير علينا المحبة المسيحية أن نبذل أقصى جهد لتجديد مثل هذا الإنسان؛ أن نفضل تجديده، حتى ولو بالمخاطرة بحياتنا الشخصية، ولو على حساب حرماننا نحن أنفسنا، عن أن يعاقب؛ أن نفضل ذلك بلا أي حدود. لكن ليس هذه هي المشكلة، لنفترض أنه لن يتجدد، ما المصير الذي يمكنك أن تعتبره ملائماً له في العالم الأبدي؟ هل يمكنك أن ترغب حقاً أن مثل هذا الإنسان، إذا ظل كما هو (ولا بد أنه قادر على فعل ذلك إذا كانت لديه إرادة حرة) يجب أن يكون مستقراً إلى الأبد في سعادته الحالية – هل يستمر، طوال الأبدية، مقتنعاً تماماً أنه هو الذي ضحك في النهاية؟

وإذا لم تكن تنظر إلى ذلك باعتباره مقبولاً، فهل مجرد شَرّك – الحقد فقط – هو الذي يمنعك من القيام بذلك؟ أم هل تجد أن الصراع بين العدل والرحمة، الذي يبدو لك في بعض الأحيان قطعة بالية من اللاهوت، يدور الآن فعلياً في فكرك الشخصي، وتشعر كثيراً كما لو أن هذه الفكر (القصاص) جاء إليك من فوق. وليس من أسفل؟ ليست الرغبة التي تحركك هي إيقاع الألم بمثل ذلك المخلوق التعس، بل مطلب أخلاقي حقيقي بأنه إن عاجلاً أم آجلاً، يجب توكيد ما هو صائب وتوكيد الراية التي غرست في تلك النفس شديدة التمرد، حتى لو لم يتبع ذلك كسب أشمل أو أفضل.

من ناحية ما، من الأفضل للمخلوق نفسه، حتى لو لم يصبح صالحاً أبداً، أن يعرف أنه فاشل، ومخطئ. حتى الرحمة بالكاد تستطيع أن تتمنى لمثل هذا الإنسان استمراره الأبدي برضى في مثل هذا الوهم الشنيع. قال توما الاكويني Thomas Aquinas عن الألم، مثلما قال أرسطو Aristotle قبله عن الشعور بالخزي، أنه ليس شيئاً جيداً في حد ذاته، بل شيئاً قد يكون له خير معين في ظروف محددة. هذا يعني أنه إذا كان الشر موجوداً، فإن الألم في إدراكه للشر، حيث أن هذا نوع من المعرفة، هو خير نسبياً؛ لأن البديل هو أن تكون النفس جاهلة بالشر، أو جاهلة بأن الشر مناقض لطبيعتها، وكما يقول الفيلسوف، “أي منهما سيء بشكل واضح”. وأنا أعتقد، أننا رغم أننا نقشعر من ذلك، إلا أننا نتفق معه.

إن المطالبة بأنه يجب على الله أن يغفر لمثل هذا الإنسان بينما يظل الإنسان كما هو، مبنية على خلط بين التغاضي والتستر على الشر وبين الغفران. “فالتغاضي عن الشر” يعني ببساطة تجاهله، ومعاملته كما لو كان خيراً. لكن “الغفران” لا بد أن يتم قبوله وبالمثل تقديمه لو كنا نريده أن يكون كاملاً: فالإنسان الذي لا يعترف بأي ذنب لا يمكنه أن يقبل أي غفران.

لقد بدأت بمفهوم الجحيم كعقوبة قصاصية إيجابية يوقعها الله لأن هذا هو الشكل الذي تلقى بسببه العقيدة أكثر النفور، وقد تمنيت أن أعالج أقوى اعتراض. لكن بالطبع، رغم أن ربنا تكلم كثيراً عن الجحيم باعتباره حكم يوقعه كرسي القضاء، فقد قال أيضاً في مكان آخر أن الدينونة تتمثل في نفس حقيقة أن البشر يفضلون الظلمة على النور، وأنه ليس هو، بل “كلمته”، هي التي تدين البشر (يو 3: 19؛ 12: 48). لذلك فإن لدينا الحرية – حيث أن المفهومين على المدى الطويل يعنيان نفس الشيء – أن نفكر في هلاك هذا الإنسان الشرير ليس كحكم مفروض عليه، بل لمجرد حقيقة كونه ما هو عليه.

إن سمعة النفوس الضالة هي “رفضهم كل ما هو ليس ببساطة ذواتهم”[1]. فالإنسان الأناني الذي تخيلناه منذ قليل يحاول أن يحول كل شيء يقابله إلى عالم للذات أو ملحق لها. الشعور “بالآخر”، أي القدرة نفسها على الاستمتاع بالخير، خامدة عنده إلا بقدر ما لا يزال جسده يجذبه إليه في نوع من الاتصال البدائي مع عالم خارجي. يُزيل الموت هذا الاتصال الأخير. فتتبقى لديه رغبته. أن يعيش بالكامل في الذات وأن يستغل ما يجده هناك بأفضل صورة ممكنة. وما سيجده هناك هو الجحيم.

هناك اعتراض آخر يوجه إلى عدم التناسب الواضح بين اللعنة الأبدية ووقتية الخطية. فإذا فكرنا في الأبدية باعتبارها مجرد وقت ممتد من الزمن، سنجد بالفعل عدم تناسب. لكن الكثيرين يرفضون هذه الفكرة عن الأبدية. فإذا فكرنا في الزمن باعتباره خط – وهو تشبيه جيد، لأن أجزاء الزمن متوالية ولا يمكن أن يتواجد اثنان منها معاً في نفس الوقت؛ في مركزه، إذ لا يوجد عرض Width في الزمن، بل طول Length فقط – ربما يكون علينا أن نفكر في الأبدية كسطح مستو أو حتى كمجسم. وهكذا فإن واقع الكائن البشري بأكمله سيكون ممثلاً في شكل مجسم. هذا المجسم سيكون أساساً هو عمل الله، عاملاً من خلال النعمة والطبيعة، لكن الإرادة البشرية الحرة ستكون هو المسهمة بالخط القاعدي الذي نطلق عليه الحياة الأرضية؛ فإذا رسمت خطك القاعدي أعوجاً، فإن المجسم كله سيكون في المكان الخطأ.

حقيقة أن الحياة قصيرة، أو، بحسب التشبيه، أننا نسهم فقط بضلع صغير واحد في المجسم المركب كله، يمكن أن ننظر إليها باعتبارها رحمة إلهية. لأنه إذا كان مجرد ترك رسم ذلك الخط الصغير إلى إرادتنا الحرة، يتم في بعض الأحيان بطريقة سيئة للغاية بحيث يُفسد الكل، فكم بالأحرى كان سيصيب المجسم من اعوجاج وفوضى لو كان قد أوكل إلينا المزيد منه؟ هناك نموذج أبسط من نفس هذا الاعتراض يقول إن الموت يجب ألا يكون هو الحد النهائي الفاصل، ويجب أن تكون هناك فرصة ثانية. لكني أعتقد أنه لو كان من المحتمل لمليون فرصة أن تفعل حسناً، فإنها كانت ستعطى. لكن المعلم في معظم الأحيان يعرف، في حين لا يعرف التلاميذ والوالدين أنه في الحقيقة لا نفع من إرسال التلميذ لاجتياز امتحان ما مرة أخرى. لابد أن تأتي النهاية في وقت ما، ولا يتطلب الأمر إيماناً قوياً للغاية لكي نصدق أن العلم والمعرفة الكلية الإلهية تعرف متى.

هناك اعتراض ثالث يثار بشأن حدة رعب آلام الجحيم كما يفترضها فن العصور الوسطى. وفي الحقيقة، كما تشير إليها أجزاء معينة من الكتاب المقدس. يحذرنا فون هوجل Von Hugel هنا بألا نخلط العقيدة نفسها مع التشبيهات imagery التي يمكن أن يتم تصويرها بها. يتكلم ربنا عن الجحيم بثلاثة رموز؛ الأول، خاص بالعذاب (“عذاب أبدي” متى 25: 46)؛ والثاني، يختص بالهلاك (“بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم”، متى 10: 28)؛ والثالث، يختص باللعنة والحرمان أو الإقصاء أو الطرد إلى “الظلمة الخارجية”، كما في مثل الإنسان الذي لم يكن يرتدي ثياب العرس أو مثل العذارى الحكيمات والجاهلات. التشبيه الشائع عن النار مهم لأنه يجمع بين فكرتي العذاب والهلاك.

الأمر الأكيد للغاية هو أن كل هذه التعبيرات يقصد بها افتراض شيء مريع ورهيب بصورة لا يمكن وصفها، وأي تفسير، لا يواجه هذه الحقيقة، أخشى أنه سيكون خارج الاعتبار منذ البداية. لكن ليس من الضروري أن نركز على تشبيهات العذاب بحيث نغفل تلك التشبيهات التي تفترض الهلاك والحرمان. مم يتكون هذا الشيء الذي يمكن لكل هذه التشبيهات الثلاثة أن تعبر عنه برموز مناسبة على قدم المساواة؟ يجب أن نفترض بالطبع أن الهلاك يعني الدمار أن انتهاء الشيء الذي يتم إهلاكه. يتحدث الناس كثيراً كما لو أن إفناء النفس هو أمر ممكن جوهرياً، إلا أننا في جميع خبراتنا، يعني تدمير شيء ما ظهور شيء آخر. فإذا أحرقت قطة حطب، سيتكون لديك غازات، وحرارة، ورماد. فكون أنه كان هناك حطب يعني الآن وجود هذه الأشياء الثلاثة.

فإذا كان يمكن تدمير النفس، ألا يجب أن تكون هناك حالة لكينونة مستمرة للنفس الإنسانية؟ ألا يمكن أن تكون هذه هي الحالة التي يتم وصفها بصورة جيدة باعتبارها العذاب، والهلاك، والحرمان؟ ربما تذكر أنه في المثل يذهب المُخلَّصون إلى مكان معد لهم، بينما يذهب المدانون إلى مكان لم يعد للبشر على الإطلاق (متى 25: 24-41). وهكذا أن تدخل السماء يعني أن تصبح أكثر آدمية مما قد نجحت في أن تكونه على الأرض في أي وقت مضى؛ أما دخول الجحيم فمعناه أن تحرم من الإنسانية. فما يلقى (أو يلقي بنفسه) إلى الجحيم ليس إنساناً؛ بل “بقايا” أو فضلات. فأن تكون إنساناً كاملاً يعني أن تجعل العواطف مطيعة للإرادة والإرادة مقدمة إلى الله؛ أما أن تكون إنساناً سابقاً أو “شبحاً ملعوناً مداناً” – فقد يعني هذا أن تكون لديك إرادة مرتكزة بالكامل في ذاتها وعواطف غير محكومة بالإرادة على الإطلاق.

من المستحيل بالطبع أن تتخيل ماذا سيكون عليه وعي مثل هذا المخلوق – الذي يكون بالفعل كومة مهلهلة من الخطايا المعادية أكثر منه خاطئ. لذلك ريما بكون هناك شيء من الحقيقة في القول بأن “الجحيم جحيم ليس من وجهة نظره هو، بل من وجهة نظر سماوية”. لا أعتقد أن هذا يناقض قسوة كلمات ربنا. بالنسبة للمدانين وحدهم، يمكن أن يبدو قدرهم أمراً أقل من أن يكون لا يطاق. ولا بد من الاعتراف بأننا إذ نفكر في الأبدية في هذه الفصول الأخيرة، فإن فئات الألم والسعادة، التي شغلتنا لفترة طويلة، تبداً في الانحسار، إذ يلوح في الأفق خيراً أو شراً أكثر ضخامة. فلا الألم ولا السعادة بمثل هذا الصورة (الأرضية) يكون له الكلمة الأخيرة. لأنه حتى لو كان يمكن ألا يحوي اختبار الضالين (إذا كان يمكن أن يطلق عليه اختبار) أي ألم بل الكثير من المتعة، لا تزال تلك المتعة السوداء سيكون من شأنها أن ترسل أي نفس، لم تتم إدانتها نهائياً بالفعل، طائرة إلى صلواتها برعب الكابوس؛ لأنه حتى لو كانت هنالك آلام في السماء، فإن كل من يفهمون سيرغبون فيها.

الاعتراض الرابع هو أنه لا يوجد إنسان محب يمكن أن يكون هو نفسه سعيداً في السماء بينما يعلم أن هناك حتى ولو نفس بشرية واحدة لا تزال في الجحيم؛ إن كان الأمر كذلك، فهل نكون نحن أكثر رحمة من الله؟ يقع في خلفية هذا الاعتراض صورة ذهنية للسماء والجحيم وهما يتواجدان معاً في نفس الوقت ويستمران بصورة متواصلة كما يتواجد معاً تاريخ كل من إنجلترا وأمريكا: بحيث أنه في كل دقيقة يمكن للمباركين أن يقولوا “عذابات الجحيم متواصلة الآن”. لكني ألاحظ أن ربنا بينما يؤكد على هول الجحيم بقسوة شديدة دون كلل فإن يؤكد عادة ليس على فكرة الاستمرارية بل الحسمية والنهائية.

فالإرسال إلى النار المهلكة عادة ما يتم التعامل معه باعتباره نهاية القصة – وليس بداية قصة جديدة. حيث أن النفس الضالة ستظل ثابتة أبدياً على موقفها الشيطاني الشرير فهذا ما لم يمكن الشك فيه؛ لكن ما إذا كان هذا الثبات الأبدي يتضمن استمرارية لا نهائية – أو استمرارية على الإطلاق – فهذا ما لا يمكننا أن نعرفه. توجد لدى د. إدوين بيفان Dr. Edwyn Bevan بعض التكهنات المثيرة حول هذه النقطة. إننا نعرف عن السماء أكثر جداً مما نعرف عن الجحيم، لأن السماء هي مسكن الإنسانية ولذلك فهي تحوي كل ما يُتضمن في الحياة الإنسانية الممجدة. لكن الجحيم لم يُصنع لأجل البشر. لذلك فهو لا يقارن بالسماء من أية ناحية؛ إنه “الظلمة الخارجية” الهوة الخارجية حيث يتلاشى الكائن في اللاوجود.

أخيراً، يثار الاعتراض بأن الهلاك النهائي لنفس واحدة يعنى انهزاماً للقدرة الكلية الإلهية. وهكذا هو الأمر. ففي خلق كائنات لديها إرادة حرة، تخضع القدرة الكلية الإلهية منذ البداية إلى احتمالية مثل هذه الهزيمة. لكن ما تسميه أنت هزيمة، أسميه أنا معجزة؛ لأنه أن يصنع (الله) كائنات ليس هي نفسه، وبالتالي أن يُصبح من إحدى النواحي، قادراً على أن يتحمل مقاومة عمل يديه، فهذا هو أغرب وأكثر الأشياء التي لا يمكن تخيلها في المآثر التي ننسبها إلى الإله. إنني أعتقد عن طيب خاطر، أن المدانين هم من ناحية ما، متمردون ناجحون حتى النهاية؛ وأن أبواب الجحيم مغلقة من الداخل. إنني لا أعني أن الأشباح قد لا ترغب في الخروج من الجحيم، بالطريقة المبهمة التي “يتمنى” بها الإنسان الحسود أن يكون سعيداً؛ بل لأنهم بالتأكيد لا يرغبون حتى في المراحل التمهيدية الأولية للتخلي عن الذات التي بها وحدها يمكن للنفس أن تصل إلى أي خبر. إنهم يتمتعون إلى الأبد بالحرية المريعة التي طلبوها، ولذلك فهم مستعبدون لذواتهم؛ تماماً كما يخضع المباركون للطاعة إلى الأبد، فيصبحون طوال أكثر فأكثر حرية.

على المدى الطويل إذاً سنجد أن الإجابة على كل الذين يعترضون على عقيدة الجحيم، هي نفسها سؤال: “ما الذي تطلب من الله أن يفعله؟” هل أن يزيل خطاياهم السالفة، بأي ثمن، أن يمنحهم بداية جديدة، مذللاً كل صعوبة ومقدماً كل معونة معجزية؟ ولكن الله فعل ذلك حقاً، على الجلجثة، هل أن يغفر لهم؟ أنهم لا يرغبون أن يغفر لهم. هل أن يتركهم بمفردهم؟ للأسف، أخشى أن هذا هو ما يفعله حقاً.

تحذير أخير، وأكون قد انتهيت. لكي أوقظ العقول العصرية لفهم هذه القضايا، قمت بمغامرة بأن أقدم في هذا الفصل صورة لنوع من الإنسان الشرير الذي يمكننا أن ندرك بأكثر سهولة أنه شرير حقاً. لكن بعد أن أدت هذه الصورة دورها، كلما تم نسيانها كلما كان ذلك أفضل. فإننا في كل النقاشات الخاصة بالجحيم يجب أن نحتفظ باستمرار أمام أعيننا بمشهد تلك الدينونة المحتملة، لي لأعدائنا ولا لأصدقائنا (حيث أن كلاً من هذه يفسد المنطق)، بل لأنفسنا. فهذا الفصل لا يتحدث عن زوجتك أو ابنك، وليس عن نيرون Nero أو يهوذا الاسخريوطي؛ إنه يتحدث عني وعنك.

[1] Von Hugel “Essays & Addresses”

الجحيم – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

كل الأشياء التي توجد كما يجب أن تكون تتفق مع هذا القانون الثاني الأبدي؛ وحتى تلك الأمـور التي لا تتفق مع هذا القانـون الأبـدي هي على الرغم من ذلك، من ناحية ما، مُرتبة بواسطة القانون الأبدي الأول”.

Hooker “Laws of Eccles” Pol., I, iii, 1.

في هذا الفصل سوف أتقدم بستة افتراضات أساسية لاستكمال بحثنا في الألم البشري، وهي افتراضات لا تنشأ عن أحدها الآخر ولذلك فلا بد أن تُعطى ترتيباً بحسب التفضيل الشخصي.

الافتراض الأول: هناك مفارقة بشأن المعاناة في المسيحية، طوبى للمساكين، لكن بواسطة الحكم (أي العدالة الاجتماعية) والتبرعات الخيرية يجب علينا أن نزيل الفقر حيثما أمكن. طوبى لنا إذا عُيرنا، لكننا يمكن أن نتجنب الاضطهاد بالهرب من مدينة إلى مدينة. ويمكن أن نصلي لكي نكون بمنأى عنه، كما صلى ربنا في جثسيماني. لكن إذا كان الألم جيداً، أليس من المفترض أن نسعى إليه بدلاً من أن نتجنبه؟ لكني أجيب بأن الألم ليس جيداً في حد ذاته. فالأمر الجيد في أية تجربة مؤلمة، بالنسبة للمتألم، هو خضوعه لإرادة الله، وبالنسبة لمن يشاهدونها، التعاطف الذي ينشأ عن ذلك وأعمال الرحمة التي تقود إليها.

في الكون الساقط والمفدي جزئياً يمكننا أن نميز (1) الخير البسيط الذي ينزل إلينا من عند الله. (2) الشر البسيط الناتج من المخلوقات المتمردة، و(3) استغلال ذلك الشر بواسطة الله لأجل غرضه الفدائي، مما ينتج (4) الخير المركب الذي يسهم في قبول الألم والتوبة عن الخطية. حقيقة أن الله يمكنه أن يصنع خيراً مركباً من الشر البسيط لا تبرر – رغم أنها بالرحمة يمكن أن تخلص – أولئك الذين يصنعون الشر البسيط، هذا التمييز محوري، لا بد أن تأتي العثرات، لكن ويل لمن تأتي بواسطتهم العثرة. نعم، الخطايا تجعل النعمة تكثر جداً، لكننا يجب ألا نجعل ذلك عذراً ومبرراً للاستمرار في الخطية، الصلب نفسه هو أفضل، وبالمثل أسوأ، كل الأحداث التاريخية، لكن يظل دور يهوذا هو ببساطة شر.

يمكننا أن نطبق هذا أولاً على مشكلة آلام الآخرين. الإنسان الرحيم يهدف إلى خير أخيه وهكذا أيضاً تهدف “إرادة الله”، وبذلك فإنه يتعاون عن وعي مع “الخير البسيط”. الإنسان القاسي يظلم أخيه، وهكذا يفعل الشر البسيط. لكن بفعل هذا الشر، فإن هذا الإنسان يُستخدم بواسطة الله، بدون معرفته أو موافقته، لكي ينتج الخير المركب، بحيث يخدم الإنسان الأول الله كابن له، بينما يخدمه الثاني كأداة.

لأنك بالتأكيد ستحقق غرض الله، بأية طريقة تتصرف بها، لكن الاختلاف يكمن بالنسبة لك فيما إذا كنت تخدمه مثل يهوذا أم مثل يوحنا. يمكننا أن نقول إن النظام كله معد للصدام بين البشر الصالحين والبشر الأشرار، وأن الثمار الجيدة للجلد والاحتمال والصبر والشفقة والغفران. التي لأجلها سُمح للإنسان القاسي أن يكون قاسياً، تفترض مسبقاً أن الإنسان الصالح يستمر بطريقة عادية في السعي نحو الخير البسيط.

إنني أقول “عادية” لأن الإنسان في بعض الأحيان يُبيح لنفسه أن يؤذي (أو حتى، بحسب رأيي الشخصي، أن يقتل) أخيه، لكن هذا يحدث فقط عندما تكون الضرورة مُلحة والخير الذي سيحصل عليه واضحاً، وعادة (رغم انه ليس دائماً) عندما يكون لدى الشخص الذي يوقع الألم سلطة معينة للقيام بذلك، مثل سُلطة أحد الوالدين المشتقة من الطبيعة، أو سلطة الحاكم أو الجندي المستقاة من المجتمع المدني، أو سلطة الجراح المأخوذة، في معظم الأحيان، من المريض. لكن أن يحول هذه السلطة إلى امتياز عام لإيلام البشرية “لأن الألم أمر جيد بالنسبة لهم” (كما تفاخر تمبرلين Tamberlaine المجنون في رواية مارلو Marlowe بنفسه باعتباره “سوط الله”)، فهذا في الحقيقة ليس لتدمير المخطط الإلهي بل للتطوع لمركز إبليس داخل هذه المخطط. لأنك إذا قمت بعمل إبليس، فلا بد أن تكون مستعداً لأجرة إبليس وجزائه.

المشكلة الخاصة بتجنب ألمنا الشخصي تسمح بحل مشابه، يستخدم بعض الزاهدين أسلوب تعذيب النفس. كعلماني، أنا لا أقدم أي رأي حول حكمة وتعقل هذا الأسلوب؛ ولكني أصر على أنه، مهما كانت مزاياه، فإن تعذيب النفس هو أمر يختلف اختلافاً تاماً عن الآلام التي يرسلها الله. كلنا نعرف أن الصوم هو تجربة مختلفة عن إغفالك لتناول العشاء عن طريق المصادفة أو بسبب الفقر. الصوم “يدعم” الإرادة ضد شهوة الطعام – حيث المكافأة هي أن يكون لديك سيطرة على النفس، والخطورة أن يكون لديك كبرياء؛ الجوع الإلزامي يخضع الرغبات والإرادة معاً إلى الإرادة الإلهية، فيهيئ فرصة للخضوع كما يعرضنا لخطر التمرد.

لكن الأثر الفدائي للألم يكمن أساساً في ميله لإضعاف إرادة المتمرد. ممارسات الزاهد، التي في حد ذاتها تقوي الإرادة، تكون مفيدة فقط من ناحية أنها حتى تلك اللحظة تقوي الإرادة لكي تنظم بيتها الخاص (العواطف)، كإعداد لتقديم الإنسان بأكمله إلى الله. إنها ضرورية كوسيلة؛ لكنها ستكون مكروهة كفاية، لأنه باستبدال الشهوة والعواطف بالإرادة والتوقف عند هذه النقطة، تصبح هذه الممارسات مجرد تبديل للنفس الحيوانية بالنفس الشيطانية. لذلك قد قيل عن حق أن “الله وحده هو الذي يستطيع أن يميت الجسد ويكبح الشهوات”.

تقوم الضيقات بعلمها في عالم حيث يسعى البشر بصورة عادية، بوسائل مشروعة، لتجنب شرورهم الطبيعية الخاصة ولتحقيق خيرهم الطبيعي، ويفترضون مسبقاً مثل هذا العالم. لكي نقوم بإخضاع الإرادة إلى الله. لا بد أن تكون لدينا إرادة وتلك الإرادة لا بد أن يكون لديها غايات. لذلك فإن إنكار الذات المسيحي لا يعني “عدم الاكتراث واللامبالاة بالمشاعر” مثل أتباع المذهب الرواقي Stoic، بل استعداد لتفضيل الله على غايات ثانوية هي في حد ذاتها غايات مشروعة. من هنا قدم الإنسان الكامل (المسيح) إلى جثسيماني إرادة، وإرادة قوية، للهروب من الألم والموت لو كان مثل هذا الهروب يتفق مع إرادة الآب، يصحبها استعداد تام لطاعة تلك الإرادة لو لم يكن يتفق معها.

يوصي بعض القديسين “بإنكار الذات الكامل” في بداية تلمذتنا؛ ولكني أعتقد أن هذا يمكن فقط أن يعني الاستعداد الكامل لكل نكران ذات في أمر محدد يمكن أن يُطلب من الإنسان، لأنه لن يكون من الممكن أن نعيش من لحظة إلى أخرى لا نرغب في أي شيء سوى الخضوع لله بتلك الطريقة[1]. فماذا ستكون مادة هذا الخضوع؟ سيبدو الأمر كما لو أنه تناقض ذاتي لو قلنا “ما أريده هو أن أُخضع ما أريده لإرادة الله”، لأنه عندها تكون “ما أريده” الثانية ليس بها محتوى. بلا شك أننا نعطي جميعنا الكثير جداً من الاهتمام لتجنب ألمنا الشخصي؛ لكن النية الثانوية الواجبة لتجنبه، باستخدام وسائل مشروعة، هي أمر يتفق مع “الطبيعة”، أي مع نظام العمل في الحياة المخلوقة بأكمله المقصود به العمل الفدائي للضيقات والألم.

إلا أنه سيكون من الزائف تماماً أن نفترض ان النظرة المسيحية للألم لا تتفق مع التأكيد الأقوى على واجبنا في أن نترك العالم، حتى ولو بمعنى وقتي، “أفضل” مما وجدناه. في أشمل صورة قدمها المسيح، فيما يشبه الأمثال، عن الدينونة، يبدو أن ربنا يختزل كل الفضيلة في الإحسان والعمل الخيري الفعال؛ ورغم أنه قد يكون مضللاً أن نأخذ هذه الصورة الواحدة بمعزل عن الإنجيل ككل، إلا أنها تكفي لكي تضع فيما لا يدع مجالاً للشك المبادئ الأساسية للأخلاقيات الاجتماعية للمسيحية (متى 25: 35).

الافتراض الثاني: إذا كان الألم عنصراً ضرورياً في الفداء، لا بد أن نتوقع انه لن يتوقف أبداً إلا عندما يرى الله العالم إما مفدياً أو لا يمكن فداؤه بعد. لذلك، لا يستطيع المسيحي أن يصدق أي من أولئك الذين يعدون أنه فقط، إذا حدث نوع من الإصلاح في نظامنا الاقتصادي أو السياسي أو الصحي، سيتبع ذلك نزول السماء على الأرض.

قد يبدو أن لهذا أثر محبط على الأخصائي الاجتماعي، لكن قد وُجد عملياً أن هذا الأمر غير محبط بالنسبة له. على العكس من ذلك، إن الإحساس القوي بمعاناتنا المشتركة، ببساطة كبشر، هو على الأقل حافز جيد لإزالة كل المآسي التي نستطيع إزالتها، في مثل جودة أي من تلك الآمال الجامحة التي تغري البشر للسعي نحو تحقيقها بكسر الناموس الأخلاقي والتي يثبت بعد تحقيقها أنها غبار ورماد. فإذا طبقنا عقيدة – أن ما يشبه هبوط السماء على الأرض ضروري للمحاولات القوية لإزالة الشر الحالي – على الحياة الفردية، فإنه سيثبت في الحال عبثها وسخافتها. فالجائعون يطلبون الطعام والمرضى يطلبون الشفاء ومع ذلك، فهم يعرفون أنهم بعد أن يأكلوا وجبتهم أو يشفوا من أمراضهم لا تزال تنتظرهم أفراح وانتكاسات الحياة العادية. إنني لا أناقش بالطبع ما إذا كانت التغيرات الجذرية للغاية في نظامنا الاجتماعي مرغوب فيها أم لا؛ بل فقط أذكّر القارئ بأن دواء معيناً يجب ألا يُساء فهمه باعتباره إكسير الحياة.

الافتراض الثالث: حيث أن القضايا السياسية قد اعترضت طريقنا هنا، فلا بد أن أوضح أن العقيدة المسيحية الخاص بإخضاع الذات والطاعة، هي عقيدة لاهوتية بحتة، وليست بأي حال من الأحوال مبدأ سياسياً، لذلك ليس لدي أي شيء أقوله فيما يخص أشكال الحكومات، أو السلطة المدنية والطاعة المدنية، إن نوع ودرجة الطاعة التي يدين بها المخلوق إلى خالقه هي أمر متفرد لأن العلاقة بين المخلوق والخالق فريدة ومتميزة عن أي علاقة أخرى؛ لذلك لا يمكن القيام بأي استدلال منها على أية مسألة سياسية مهما كانت.

الافتراض الرابع: أعتقد أن العقيدة المسيحية الخاصة بالألم تفسر حقيقة هامة جداً بشأن العالم الذي نعيش فيه. إن استقرار وثبات السعادة والأمان الذي نرغب فيه جميعاً، يحجبه الله عنا بواسطة نفس طبيعة هذا العالم؛ لكن الفرح والمتعة والسعادة، ينشرها في كل الجهات. إننا لا نكون في أمان أبداً لكن لدينا الكثير من المتعة، وبعض الإثارة. ليس من الصعب أن نعرف لماذا. فهذا الأمان الذي نتوق إليه يعلمنا أن نربح قلوبنا في هذا العالم ويشكل عقبة في طريق عودتنا إلى الله؛ لكن لحظات قليلة من الحب المفرح، منظر طبيعي خلاب، مقطوعة موسيقية رائعة، لقاء سعيد مع أصدقائنا، الاغتسال، أو مشاهدة مباراة لكرة القدم، لا يكون لهم مثل هذا الاتجاه. ينعشنا أبونا السماوي في رحلتنا ببعض الفنادق المبهجة، ولكنه لن يشجعنا على أن نخطئ فهمها باعتبارها هي بيتنا.

الافتراض الخامس: يجب ألا نجعل معضلة الألم أسوأ مما هي عليه بواسطة الأحاديث الغامضة عن “الكم الذي لا يمكن تخيله من البؤس والشقاء البشري”. افترض مثلاً أن لدي وجعاً في الأسنان بدرجة حدة “X”؛ وافترض أنك أنت، الذي تجلس بجإنبي، تبدأ أيضاً في الشعور بوجع في الأسنان بدجة الحدة “X”. يمكنك، إذا اخترت، أن تقول إن إجمالي كمية الألم الموجود في الغرفة هو 2X.

لكنك لا بد أن تتذكر أنه لا أحد يتألم بدرجة 2X؛ ابحث طوال الوقت وفي كل مكان ولن تجد ذلك الألم المركب في وعي أي إنسان. فلا يوجد شيء اسمه إجمالي كلم الألم، لأنه لا أحد يتألم به. فإننا عندما نصل إلى أقصى حد يمكن لفرد واحد أن يتألم به، نكون بلا شك قد وصلنا إلى شيء مريع للغاية، لكننا عندها نكون قد وصلنا إلى كل الألم والمعاناة التي يمكن أن تكون في الكون في أي وقت مضى. لذلك فإضافة مليون شخص آخر متألم لن يضيف المزيد من الألم.

الافتراض السادس: من بين كل الشرور، الألم فقط هو الشر الوحيد المعقم أو المطهر. الشر الفكري، أو الخطأ، قد يحدث لأن سبب أول زلل (مثل الإرهاق أو خط اليد السيء) يستمر في العمل؛ لكن بعيداً عن ذلك تماماً، الخطأ في حد ذاته يلد الخطأ، فإذا كانت الخطوة الأولى في الجدل خاطئة، كل شيء آخر يتبعها سيكون خاطئاً. الخطية قد تتكرر لأن التجربة الأصلية تستمر؛ لكن بعيداً عن ذلك تماماً، الخطية بحسب طبيعتها نفسها تلد خطية عن طريق تقوية العادة الخاطئة وإضعاف الضمير.

الألم، مثل بقية الشرور الأخرى، قد يتكرر بالطبع لأن سبب الألم الأول (المرض، أو عدو ما) لا يزال يعمل؛ لكن الألم ليس له ميول، في حد ذاته، للتكاثر والتوالد، فعندما ينتهي الألم، ينتهي فعلياً، ويتبعه في الطبيعة فرح. يمكن التعبير عن هذا الفارق المميز بشكل عكسي. بعد خطأ ما أنت تحتاج ليس فقط أن تزيل أسباب الخطأ (الإرهاق أو خط اليد السيء) بل أيضاً أن تصحح الخطأ نفسه؛ وبعد ارتكاب خطية ما، لا بد ليس فقط، إن أمكن، أن تزيل الغواية، بل لا بد لك أيضاً أن تعود وتتوب عن الخطية نفسها.

في كل حالة نجد أن “التراجع عن الفعل” هو أمر مطلوب. لكن الألم لا يتطلب هذا “التراجع عن الفعل”. فقد تحتاج أن تشفي المرض الذي سبب الألم، لكن الألم، بمجرد أن ينتهي، يكون معقماً، بينما كل خطأ لم يتم تصحيحه وكل خطية لم تتم التوبة عنها، هي في حد ذاتها. ينبوع من الخطأ الجديد والخطية الجديدة الذي يتدفق إلى نهاية الزمان. مرة أخرى، عندما أخطئ، فإن خطئي يصيب كل إنسان يصدقني. وعندما أخطئ في العلن، فإن كل من يشاهدني، إما أن يتغاضى عن خطيتي وبذلك يشاركني الذنب، أو أن يدينها مما يشكل خطراً داهماً على محبته واتضاعه.

لكن المعاناة والألم لا تنتج عادة فيمن يشاهدونها (إلا لو كانوا فاسدين بصورة غير اعتيادية) أي أثر شرير، بل أثر جيد، وهو الشفقة والحزن. وهكذا فإن ذلك الشر الذي يستخدمه الله أساساً لإنتاج “الخير المركب” هو شر معقم بطريقة ملحوظة للغاية، أو خال من ذلك “الميل التوالدي” الذي هو أسوأ صفة في الشر بشكل عام.

[1] Brother Lawrence “Practice of The Presence of God”. 1667

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – الجزء الأول – سي إس لويس

“حيث أن حياة المسيح من كل جهة هي الأكثر مرارة وألماً “للطبيعة البشرية، “للذات” و “للأنا” (لأنه في الحياة الحقيقية للمسيح، لا بد أن يتم ترك وإنكار وإماتة الذات والأنا والطبيعة بالكامل)، لذلك فإنه في كل منا، يكون لدى الطبيعة البشرية رعب من هذا الألم.”

Theologia Germanica, XX.

لقد حاولت أن أوضح في فصل سابق أن احتمالية الألم هي شيء موروث في الوجود الحقيقي لعالم يمكن فيه للنفوس أن تتلاقى. عندما تصبح النفوس شريرة فإنها بالتأكيد ستستخدم هذه الإمكانية لكي تؤذي أحداها الأخرى؛ وربما يكون هذا هو السبب في أربعة أخماس الآم البشر. فالبشر وليس الله هم الذين يصنعون المخلعة (أداة تعذيب)، والسياط، والسجون، والرق، والبنادق، والحراب، والقنابل؛ ونتيجة الجشع أو الحمق البشري، وليس بسبب قسوة الطبيعة، أصبح لدينا الفقر والإعياء من كثرة العمل. لكن يظل هناك، رغم هذا، يوجد الكثير من الألم الذي لا يمكن أن نعزيه إلى أنفسنا. حتى لو كانت كل الآلام من صنع البشر، فإننا نود أن نعرف سبب إجازة إله الهائلة لأسوأ البشر بتعذيب رفاقهم الآخرين في الإنسانية[1]. فإن نقول، كما قلنا في الفصل السابق، أن الخير بالنسبة لبشر مثلنا الآن، يعني في الأساس خيراً تصحيحياً أو علاجياُ، هذه إجابة غير كاملة. ليس كل العقاقير الطبية طعمها كريه؛ أو إذا كان طعمها كذلك، فهذه في حد ذاتها واحدة من الحقائق المزعجة التي نود أن نعرف سبباً لها.

قبل أن نواصل لا بد أن أرجع مرة أخرى إلى نقطة قد أثرتها في الفصل الثاني. فقد قلت هناك أن الألم، تحت مستوى معين من الشدة، ليس مزعجاً بل أنه قد يكون محبباً. قد ترغب عندها أن تجيب “في تلك الحالة لا يجب عليّ أن أطلق عليه ألم”، وربما كنت على حق. لكن الحقيقة هي أن كلمة “ألم” لها معنيان يجب تحديدهما الآن.

  • الألم هو نوع معين من الشعور، ربما يتم نقله بواسطة ألياف عصبية خاصة، ويتم إدراكه بواسطة المتألم باعتباره هذا النوع من الإحساس، سواء كان يزعجه أم لا (مثلاً، الألم الضعيف في أطرافي سيتم إدراكه باعتباره ألم حتى لو لم أعترض عليه).
  • الألم هو أية خبرة سواء جسدية أو فكرية، يكرهها المتألم.

 سنلاحظ أن كل الآلام بحسب المعنى (أ) تصبح آلاماً بحسب المعنى (ب) إذا ارتفعت فوق مسـتوى معين من الحـدة، لكن تلك الآلام بحسب المعنى (ب) لا يلزم أن تكون آلاماً بحسب المعنى (أ). الألم بحسب المعنى (ب) في الحقيقة هو مرادف “للمعاناة”، أو “العذاب”، أو “المحنة”، أو “المصيبة”، أو “الضيق”، وبسبب الألم بحسب هذه المفهوم تنشأ معضلة الألم. في بقية هذه الكتاب سوف نستخدم الألم بحسب المعنى (ب)، وسوف يشمل كل أنواع المعاناة: أما بالنسبة للألم بحسب المعنى (أ)، فليس لنا أي شأن آخر به.

يمكن أن نقول الآن أن الخير الحقيقي لكائن ما من المخلوقات هو أن يخضع نفسه لخالقه. أن يحدث فكرياً، وإرادياً، وعاطفياً تلك العلاقة المعطاة في مجرد حقيقة وجوده كمخلوق. عندما يفعل ذلك، يكون في خير وسعادة. ولئلا نعتقد أن هذه معاناة، هذا النوع من الخير يبدأ على مستوى أعلى بكثير من المخلوقات، لأن الله نفسه، باعتباره الابن، يقدم طوال الأبدية لله الآب بالطاعة البنوية، الكيان الذي يلده الآب بالمحبة الأبوية سرمدياً في الابن. هذا هو النموذج الذي صنع الإنسان لكي يحاكيه – والذي حاكاه بالفعل إنسان الجنة – وأينما يقوم المخلوق برد الإرادة الممنوحة له من الخالق بتلك الطريقة الكاملة في طاعة وسعادة الابتهاج إلى الخالق مرة أخرى، فهناك بلا أي شك توجد السماء، وهناك يعمل الروح القدس ويكمل. تكمن المشكلة في العالم كما نعرفه الآن، في كيفية استعادة هذه الخضوع الذاتي. إننا لسنا مجرد كائنات غير كاملة لا بد من تحسينها؛ بل كما يقول نيومان Newman، إننا متمردون لا بد أن نُلقي بأسلحتنا نستسلم. الإجابة الأولى إذاً على السؤال، لماذا يجب أن يكون علاجنا مؤلماً، هي أنه لكي نرد لله الإرادة التي زعمنا لمدة طويلة للغاية أنها ملكاً لنا، فهذا في حد ذاته بأية طريقة يتم بها، هو الم شديد. حتى في الجنة أفترض أن أقل تمسك بالذات كان يجب التغلب عليه، رغم أن هذا التغلب، والتسليم، كان سيصيح مُفرحاً هناك. لكن أن نسلم إرادة ذاتية ثائرة ومنتفخة بفعل سنين من اغتصاب سلطتها، فهذا نوع من الموت. جميعنا نتذكر هذه الإرادة الذاتية كما كانت في الطفولة، الهياج المرير والمستديم لك إحباط وخيبة أمل. واندفاع الدموع الملتهبة، والرغبة الشيطانية السوداء في أن نقتل أحداً أو أن نموت عن أن نستسلم. من هنا كان النموذج الأقدم للمربية أو الوالد على حق تماماً في الاعتقاد بأن أول خطوة في التهذيب هي “أن تكسر إرادة الطفل”. لقد كنت وسائلهم في ذلك في الأغلب خاطئة؛ لكن أعتقد أن عدم رؤيتنا لضرورة ذلك معناه أن نعزل أنفسنا عن كل فهم للقوانين الروحية. والآن وقد كبرنا، إذا لم نكن نصرخ ونضرب بأقدامنا على الأرض كثيراً، فهذا يرجع جزئياً إلى أن آباءنا الذين ربونا قد بدأوا عملية كسر أو قتل الإرادة الذاتية ونحن في مرحلة الحضانة، ويرجع من ناحية أخرى إلى أن نفس العواطف الآن تأخذ أشكالاً أكثر مكراً إذ كبرت وأصبحت ماهرة في تجنب الموت بواسطة مختلف الأساليب “التعويضية”. من هنا تأتي ضرورة أن نموت يومياً؛ إذ مهما ظننا كثيراً أننا قد كسرنا الذات المتمردة فإننا سنجدها لا تزال حية. كون ان هذه العملية لا يمكن أن تتم بدون ألم فهذا مشهود له بما يكفي بواسطة نفس تاريخ كلمة “إماتة الجسد “Mortification.

لكن هذا الألم أو الموت الفعلي، في إماتة الذات المغتصبة، ليس هو القصة كلها. فللمفارقة، رغم أن “إماتة الجسد” في حد ذاتها مؤلمة، إلا أنها تصبح أسهل بوجود الألم في سياقها. أعتقد أن هذا يحدث أساساً بثلاث طرق؛ لن تبدأ الروح البشرية حتى في محاولة إخضاع وتسليم الإرادية الذاتية طالما أن الأمور كلها تبدو على ما يرام معها. إلا أن الخطأ والخطية كلاهما لديه هذه الخاصية، أنه كلما كان أكثر عمقاً كلما قل شك الضحية في وجوده؛ فهما شرور مقنعة. لكن الألم غير مقنع، وهو شر واضح لا لبس فيه. كل إنسان يعرف أن هناك شيء ما خطأ عندما يتعرض للأذى. المستألم أو الماسوشي Masochist (المنحرف جنسياً، أي الذي يتلقى اللذة – الجنسية غالباً – من خلال تلقي الألم – المترجم) ليس استثناء حقيقياً لذلك. تقوم كل من السادية Sadism (الحصول على متعة جنسية عن طريق إيقاع الألم بشخص آخر – المرجم) والماسوشية Masochism على التوالي بعزل ثم تضخيم “لحظة” أو “جانب” ما في الشهوة الجنسية الطبيعية. تضخم السادية جانب الاستيلاء أو السيطرة إلى النقطة التي تصبح فيها فقط إساءة معاملة المحبوب هي التي تشبع الشخص المنحرف – كما لو أنه يقول، “إنني شديد السيطرة حتى أنني أؤلمك أيضاً.” أما الماسوشية فتضخم الجانب المُكمل والمضاد لذلك، فتقول، “إنني مأسور ومُستعبد لك بالكامل حتى إنني أرحب حتى بالألم على يديك”. فإذا لم يتم الشعور بالألم باعتباره شر – إساءة عنيفة تؤكد على السيطرة الكاملة على الطرف الآخر – فإنه سيتوقف، بالنسبة للماسوشي، عن أن يكون محفزاً شهوانياً. الألم لا يتم فقط الشعور به في الحال باعتباره شر معترف به، بل شر من المستحيل تجاهله. يمكننا أن نستريح برضا في خطايانا وفي حماقاتنا؛ وأي إنسان يراقب إنساناً آخراً شرهاً وهو يلتهم أفخر الأطعمة لكا لو كان لا يعرف ما الذي يأكله، سوف يعترف أننا نستطيع أن نتجاهل حتى المتعة.

لكن الألم يصر على أن يتم الإصغاء إليه. يهمس الله لنا في مسراتنا، ويتحدث إلينا في ضميرنا، ولكنه يصرخ في آلامنا. فالألم هو بوق الله الذي ييقظ به العالم الأصم.

الإنسان الشرير، سعيد، لأنه هو الشخص الذي لا يكون لديه أقل شك في أن أفعاله لا “تجيب” (على ما يصرخ به الله)، وأنها لا تتفق مع قوانين الكون.

يكمن إدراك هذا الحق في خلفية المشاعر الإنسانية العامة بأن الأشرار لا بد أن يتألموا. لا فائدة من إقحام أنوفنا في تلك المشاعر، كما لو كانت دنيئة بالكامل. لأنها في أكثر مستوياتها اعتدالاً تناشد شعور كل إنسان بالعدالة. في مرة من المرات، عندما كنا أنا وأخي صبية صغاراً، أثناء قيامنا برسم صور معاً على نفس المنضدة، هززت مرفقه مما جعله يرسم خطاً غير مستو في منتصف عمله الفني؛ فقمت بطريقة ودية بتصفية الأمر معه إذ سمحت له بأن يرسم بالمثل خطاً بنفس الطول في منتصف عمل الفني. وهذا معناه أنني “كنت أضع نفس مكانه”، مما جعلني أرى اهمالي من وجهة نظره هو. على مستوى أكثر صرامة، تظهر نفس الفكرة باعتبارها “عقوبة القصاص”، أو “إعطاء الإنسان ما يستحقه”. بعض المستنيرين يرغبون في إزالة كل مفاهيم القصاص أو الاستحقاق من نظريتهم العقابية ويضعون مدلولها بالكامل في ردع الآخرين أو في إصلاح المجرم نفسه. لكنهم لا يرون أنهم يفعلون ذلك يجعلون كل العقوبات غير عادلة. فماذا يمكن أن يكون أكثر لا أخلاقية من أن أوقع الألم على نفسي لأجل ردع الآخرين إذا لم أكن “أستحق” ذلك؟ بل فوق ذلك، على مستوى ثالث، نحصل على “شهوة الانتقام”، والتعطش للثأر والانتقام. هذا بالطبع شر ومحظور بوضوح بالنسبة للمسيحيين. لكن ربما ظهر بالفعل من نقاشنا حول السادية والماسوشية أن أبشع الأمور في الطبيعية البشرية هي تشويه وإفساد الأمور الصالحة أو البريئة. الأمور الصالحة التي تكون شهوة الانتقام تشويه لها تأتي بوضوح مذهل في تعريف هوبز Hobbes للانتقام Revengefulness؛ بأن الانتقام هو “الرغبة، عن طريق إيقاع الأذى بشخص آخر، في جعله يدين واقعة معينة قام بها”. يفقد الانتقام رؤية الغاية التي يرغب في الوصول إليها من خلال الوسيلة، لكن غايته ليس شريرة بالكامل – إذ أنه يريد من إيقاع الأذى بالإنسان الشرير أن يكون الشر بالنسبة له كما هو بالنسبة لكل إنسان آخر. هذا الأمر مُثبت من حقيقة أن المنتقم يريد الطرف المذنب ليس فقط أن يتألم، بل أن يتألم على يديه، وأن يعرف أنه يتألم، ويعرف سبب تألمه. من هنا يأتي الدافع للتهكم على الشخص المذنب وجريمته في لحظة تلقيه لجزائه، من هنا أيضاً تأتي مثل هذه التعبيرات الطبيعة مثل، “إنني أتساءل كيف كان سيشعر لو أن نفس هذه الفعل وقع له” أو “سوف ألقنه درساً”. لنفس هذا السبب عندما نأتي لكي نوقع الألم بشخص ما عن طريق الكلام فإننا نقول إننا “سوف نجعله يعرف كيف نفكر بشأنه”.

عندما أشار أسلافنا إلى الآلام والأحزان باعتبارها “انتقام” الله من الخطية لم يكونوا بالضرورة ينسبون شهوات أو عواطف شريرة لله؛ لكنهم ربما قد أدركوا العنصر الجيد في فكرة القصاص. فإنه إلى أن يجد الرجل الشرير الشر موجوداً بصورة لا لبس فيها في حياته، في صورة ألم، فإنه يكون محاطاً بالوهم. لكن بمجرد أن يوقظه الألم، فإنه يعرف أنه بطريقة او بأخرى “قد تصرف ضد” الكون الحقيقي؛ فهو إما أن يتمرد (مع إمكانية أن يتضح له الأمر أكثر ويقوم بتوبة أعمق في مرحلة ما لاحقة) أو أن يقوم بمحاولة ما للتكيف مع ذلك الوضع، الأمر الذي إذا اتبعه، سوف يقوده إلى الدين، إلا أنه من الصحيح انه لا هذا التأثير ولا ذاك شديد التأكيد الآن كما كان الأمر في الأزمنة التي كان فيها وجود الله (أو حتى الآلهة) معروفاً أكثر على نطاق واسع، لكن حتى في أيامنا هذه نراه يؤثر. فحتى الملحدين يتمردون ويعبرون، مثل هاردي Hardy وهاوسمان Housman، عن ثورتهم ضد الله رغم (أو بسبب) أن الله غير موجود، بحسب رأيهم. وهناك ملحدون آخرون مثل هكسلي Mr. Huxley، يدفعهم الألم أن يثيروا قضية الوجود بأكملها وأن يجدوا طريقة ما للتوافق مع ذلك الشيء الذي، إن لم يكن مسيحياً، فهو متفوق إلى ما لانهاية تقريباً على الرضا السخيف بالحياة الوثنية الدنسة.

لا شك أن الألم باعتباره بوق الله هو أداة مريعة؛ إذ أنه قد يؤدي إلى تمرد نهائي لا توبة عنه. ولكنه يقدم الفرصة الوحيدة التي يمكن للإنسان الشرير أن يحصل عليها للتغير والإصلاح. إنه يزيل البرقع؛ ويغرس راية الحق داخل حصن النفس المتمردة.

إن كان أول وأقل تطبيق للألم يبدد الوهم بأن كل شيء على ما يرام، فإن التطبيق الثاني له يبدد الوهم بأن لدينا، سواء كان جيداً أم سيئاً في حد ذاته، هو ملك لنا وكاف بالنسبة لنا. كل إنسان يلاحظ كم هو صعب أن يوجّه أفكاره إلى الله عندما يكون كل شيء يسير معنا بطريقة جيدة. فعبارة “إن لدينا كل ما نريد” هي عبارة مزعجة عندما تكون “كل” هذه لا تشمل الله. فنجد أن الله عبارة عن عائق. كما يقول القديس أوغسطينوس St. Augustine في إحدى المواضع، “يريد الله أن يعطينا شيئاً ما، ولكنه لا يستطيع، لأن أيدينا ملآنة، فلا يوجد مكان له لكي يضع فيه هذا الشيء. أو كما قال أحد أصدقائي، “إننا ننظر إلى الله كما ينظر الطيار إلى الباراشوت؛ إنه موجود للطوارئ ولكنه يتمنى ألا يضطر إلى استخدامه.”

لكن الله الذي صنعنا، يعرف من نحن ويعرف أن سعادتنا تكمن فيه. ومع ذلك فإننا لن نبحث عن تلك السعادة في الله طالما أنه يترك لنا أي ملجأ آخر حيث يمكن حتى ظاهرياً أن نبحث عن السعادة فيه.

فطالما يظل ما نطلق عليه “حياتنا الخاصة” مريحة ومقبولة فإننا لن نُخضعها ونسلمها له. ماذا يمكن لله إذاً أن يصنع لصالحنا إلا أن يجعل “حياتنا الخاصة” أقل راحة بالنسبة لنا، ويأخذ منها المصادرة الظاهرية للسعادة الزائفة؟ هنا فقط، عندما تبدو عناية الله في البداية أنها شديدة القسوة، فإن “الاتضاع الإلهي”، تنازل الله العلي، يكون أكثر ما يستحق الثناء. إننا نصاب بالارتباك عندما نرى المصائب تقع على اللطفاء، والمسالمين، والأفاضل، على الأمهات الأكفاء والمجتهدات أو على الأشخاص المثابرين والمقتصدين ذوي الأعمال الصغيرة، على أولئك الذين يعملون بجد شديد، وبأمانة عظيمة. بسبب نصيبهم المتواضع من السعادة، إذ نعتقد أنهم سيدخلون الآن إلى الاستمتاع بتلك السعادة عن حق تماماً. كيف يمكنني أن أقول برقة كافية ما يجب أن يقال هنا؟ لا يقلقني أن أعرف أنني لا بد أن أصبح، في عيني كل قارئ، عدوانياً كما لو أنني مسؤول شخصياً عن كل الآلام التي أحاول أن أفسرها – كما يحدث، حتى يومنا هذا، عندما يتكلم الجميع عن القديس أوغسطينوس كما لو أنه كان “يريد” أن يذهب الرُضع غير المتعمدين إلى الجحيم. لكن الأمر المقلق بشكل هائل هو ما إذا كنت أنفر أي إنسان من الحق. دعوني أناشد القارئ أن يحاول تصديق، حتى ولو للوقت الحالي فقط، أن الله، الذي خلق هؤلاء الأشخاص الأفاضل، قد يكون فعلاً على حق عندما يعتقد أن نجاحهم المتواضع وسعادة أبنائهم ليست كافية كي تجعلهم مطوبين؛ وأن كل هذه الأمور لا بد أن تسقط عنهم في النهاية، وأنهم لو لم يكونوا قد تعلموا أن يعرفوا الله فإنهم سيكونون بؤساء وأشقياء. ولذلك فإنه يزعجهم، ويحذرهم مقدماً من عدم الكفاية والنقص الذي سوف يكتشفونه في يوم من الأيام. إن الحياة لأجل أنفسهم ولأجل أسرهم تحول بينهم وبين إدراك احتياجهم لله؛ ولذلك يجعل الله تلك الحياة أقل جمالاً بالنسبة لهم. إنني أدعو هذا “الاتضاع الإلهي” لأنه شيء سيء أن نلجأ إلى الله عندما تغرق السفينة تحتنا؛ أمر سيء أن نأتي له باعتباره الملجأ الأخير، وأن نقدم “ما نمتلكه وما هو خاص بنا” عندما لا بعد الاحتفاظ به ذو قيمة تُذكر. لو كان الله متكبراً، لكان بالكاد يمتلكنا بمثل هذه الشروط؛ ولكنه ليس متكبراً، بل أنه ينحني لكي يمتلكنا، فهو يريد ان يمتلكنا رغم أننا نفضل أي شيء آخر عليه، ورغم أننا نأتي إليه لأنه لا يوجد “شيء أفضل” الآن يمكن الحصول عليه. يظهر نفس هذا الاتضاع بواسطة كل المحاولات الإلهية لإثارة مخاوفنا، المحاولات التي تزعج قراء الكتاب المقدس ذوي المبادئ السامية. يشق على نفس الله كثيراً أن يكون علينا أن نختاره كبديل للجحيم؛ ورغم ذلك فإن يقبل حتى هذا الاختيار إن توهم المخلوق بشأن اكتفائه بنفسه، لا بد لأجل خاطر المخلوق نفسه، أن يتبدد؛ وعن طريق الضيق أو الخوف من الضيق على الأرض، بواسطة الخوف القاسي من النار الأبدية، يبدد الله هذا الوهم “دون أن يهتم (الله) بنقصان مجده”. أولئك الذين يحبون أن يكون إله الكتاب المقدس أكثر التزاماً بالمعايير الأخلاقية البحتة، لا يعلمون ما يطلبونه. لو كان الله أحد أتباع الفيلسوف “كنت” Kantian، لا يمتلكنا إلا إذا جئنا ساعي إليه وبأفضل الدوافع، من كان يمكنه أن يخلص؟ مع العلم بأن هذا الوهم بالكفاية الذاتية ربما يكون في أقوى صوره في أكثر الناس أمانة ولطفاً وأكثرهم اعتدالاً وقناعة، ولذلك، لا بد أن تقع المصائب على مثل هؤلاء الناس.

تفسر مخاطر الكفاية الذاتية الواضحة السبب الذي لأجله ينظر ربنا إلى رذائل الضعفاء والفجار الفاسقين بتساهل أكثر بكثير من الرذائل التي تقود إلى النجاح العالمي. هذا لأن الفاجرات لسن في خطر أن يجدن حياتهن الحالية مُرضية للغاية بحيث لا يتمكن من العودة إلى الله؛ أما المتكبر والجشع، وصاحب البر الذاتي، فهم في ذلك الخطر.

أما التطبيق الثالث للألم فهو أصعب في فهمه قليلاً. يعترف الجميع بأن الاختيار أمر واع في الأساس؛ فإن تختار يتضمن ذلك معرفة أنك تختار. كان إنسان الجنة يختار دائماً أن يتبع مشيئة الله. وفي اتباعها أشبع أيضاً رغبته الخاصة، وهذا لأن كل الأفعال التي كانت مطلوبة منه كانت، في الحقيقة، مقبولة لميوله البريئة، وأيضاً لأن خدمة الله كانت هي نفسها أقوى متعة له، فكل الأفراح والمسرات كانت ستصبح بلا طعم بالنسبة له لو لم تكن تلك الخدمة هي حدودها القاطعة. السؤال الذي يقول، “هل أفعل ذلك لأجل الله أم فقط لأنه تصادف أنني أحب هذا الأمر؟” لم يكن يثار عندئذ، حيث أن فعل الأمور لأجل الله كان هو في الأساس “ما تصادف أنه يحبه”. إن إرادته التي كانت موجهة لله قادت سعادته بعيداً، كما في سفينة تسابق تياراً سريعاً منحدراً. كانت المتعة عندئذ (في الجنة) تقدمة مقبولة لله لأن التقدمة نفسها كانت متعة. لكننا نرث نظاماً كاملاً من الرغبات الذي ليس بالضرورة يتعارض مع إرادة الله. ولكنه بعد قرون من الحكم الذاتي المغتصب، يتجاهل تلك الإرادة باستمرار. فالحقيقة أنه إذا كان الشيء الذي نحب أن نفعله هو الشيء الذي يريدنا الله أن نقوم به، ومع ذلك ليس هذا هو مبررنا لفعله؛ تظل هذه مجرد مصادفة سعيدة. فلا نستطيع عندها أن نعرف أننا نؤدي دوراً أو خدمة على الإطلاق، أو أننا نقوم بذلك أساساً لأجل الله، ما لم تكن مادة الفعل مناقضة لميولنا، أو (بمعنى آخر) مؤلمة، والشيء الذي لا نستطيع أن نعرف أننا نختار، لا يمكننا اختياره. فالإظهار الكامل لإخضاع الذات لله إذاً يتطلب ألماً؛ وهذا الفعل لكي يكون كاملاً، لا بد أن يتم القيام به من منطلق الإرادة الخالصة للطاعة في غياب، أو على الرغم من ميولنا. كم هو أمر مستحيل إذاً أن نقوم بعلم إخضاع الذات بواسطة فعل ما نحبه، أنا أعرف ذلك جيداً من خبرتي الشخصية في الوقت الحالي. فعندما شرعت في كتابة هذا الكتاب، تمنيت لو أن الرغبة في طاعة ما يمكن أن يكون “قيادة إلهية” كان لها على الأقل مكان ما في دوافعي. لكن الآن حيث أنني منغمس في كتابة بعمق، أصبح ما أقوم به إغراء أكثر منه واجب. ربما لا أزال أتمنى أن تكون كتابة هذا الكتاب، تتفق فعلياً مع إرادة الله لكن أن أؤكد بأنني أتعلم أن أخضع نفسي بأن أفعل شيئاً شديد الجاذبية بالنسبة لي، سيكون هذا أمراً سخيفاً ومنافياً للعقل.

إننا نطأ الآن أرضاً شديدة الصعوبة. اعتقد الفيلسوف “كنت” Kant أنه لا يوجد فعل ذو قيمة أخلاقية إلا إذا تم فعله من منطلق الاحترام الخالص للقانون الأخلاقي، بمعنى، بدون ميل أو رغبة فيه، وقد تم اتهامه بأن لديه “إطار عقلي مَرَضي وغير سليم” إذ أنه يقيس قيمة فعل ما على أساس كونه غير سار أو بغيض للنفس. إلا أن الرأي العام كله هو في الحقيقة إلى جانب “كنت”. فالناس لا يُعجبون أبداً بإنسان لأنه يقوم بعمل شيء يحبه؛ إن نفس كلمات “لكنه يحبه” تعني ضمنياً النتيجة الطبيعية، “وبالتالي فليس له أية قيمة”. لكن كلما أصبح الإنسان أكثر تقوى، كلما استمتع أكثر بالأفعال الفاضلة. ما الذي يجب على الملحد أن يفعله بشأن هذه الصراع بين أخلاقيات الواجب وأخلاقيات الفضيلة، هذا ما لا أعرفه؛ لكنني كمسيحي أفترض الحل التالي.

في بعض الأحيان يتم طرح السؤال ما إذا كان الله يأمر بأشياء معينة لأنها صحيحة، أو ما إذا كانت هناك أشياء معينة صحيحة لأن الله يأمر بها. إلى جانب “هوكر” Hooker، وضد د. جونسون Dr. Johnson، إنني أعتنق بشكل قاطع البديل الأول. البديل الثاني قد يقود إلى النتيجة البغيضة (التي توصل إليها، كما أعتقد، “بالي” Paley) بأن الفضيلة جيدة فقط لأن الله أمر بها قسراً – وأنه يمكن بالمثل أن يأمرنا بأن نكرهه ونكره بعضنا البعض وعندها ستكون تلك الكراهية صحيحة. لكن أؤمن، على العكس من ذلك، “أنه يخطئ من يعتقد هكذا في إرادة الله؛ لأنه لا يوجد سبب آخر لكي نعمل هذا أو ذاك إلا إرادته”. إن إرادة الله تحددها حكمته التي تدرك دائماً، وصلاحه الذي يتبنى دائماً، ما هو خير جوهرياً. لكننا عندما نقول إن الله يأمر بأشياء فقط لأنها صالحة، لا بد أن نضيف أن واحداً من الأشياء الصالحة جوهرياً هو أن المخلوقات العاقلة يجب أن تُخضع أنفسها بحرية لخالقها في طاعة. أما محتوى طاعتنا – أي الشيء الذي يأمرنا الله أن نفعله – فسوف يكون دائماً شيئاً صالحاً جوهرياً، شيئاً يجب علينا أن نفعله حتى (بواسطة افتراض مستحيل) لو لم يكن الله قد أمر به. لكن بالإضافة إلى محتوى الطاعة، مجرد الطاعة نفسها هي أمر صالح أيضاً جوهرياً، لأنه بالطاعة، يؤدي المخلوق العاقل عن وعي دوره كمخلوق، ويناقض الفعل الذي بواسطته نسقط، ويؤدي رقصة آدم إلى الخلف، ويعود إلى الله.

لذلك نحن نتفق مع أرسطو في أن ما هو صحيح جوهرياً قد يكون مقبولاً بصورة جيدة، وأنه كلما كان الإنسان أفضل كلما أحب أكثر ما هو صحيح. لكننا نتفق مع “كنت” حتى الآن في القول بأن هناك فعل واحد صحيح – وهو فعل إخضاع الذات – الذي لا يمكن للمخلوقات الساقطة أن تريده إلى أقصى درجة إلا إذا كان بغيضاً. ولا بد أن نضيف أن هذا الفعل الواحد الصحيح يشمل كل بر وصلاح آخر، وأن الإزالة الفائقة لسقوط آدم، حركة “العودة إلى الخلف بأقصى سرعة” التي بها نرجع من حيث أتينا في رحلتنا الطويلة من الجنة، ونفك العقدة القديمة، الصعبة، لا بد أن تحدث عندما يقوم المخلوق، بدون رغبة في معونة، بالتجرد الكامل للرغبة الخالصة في الطاعة، فيتبنى ما هو مضاد لطبيعته، ويفعل الشيء الذي لأجله يوجد دافع واحد فقط ممكن. يمكن وصف مثل هذا الفعل بأنه “امتحان” لعودة المخلوق إلى الله؛ من هنا قال آباؤنا أن المتاعب “قد أرسلت لكي تمتحننا”. من الأمثلة المألوفة على ذلك هو “امتحان” إبراهيم عندما أمره الله بأن يقدم إسحاق ابنه ذبيحة. لا تعنيني الآن الصفة التاريخية أو الأخلاقية لتلك القصة، بل السؤال الواضح، “إذا كان الله كل العلم والمعرفة فلا بد أنه كان يعرف ما سوف يفعله إبراهيم، بدون أي امتحان، فلماذا إذاً هذا العذاب دون داعٍ؟” لكن كما يشير القديس أوغسطينوس، مهما كان ما عرفه الله، فإن إبراهيم على أية حال لم يكن يعلم أن طاعته كان يمكنها احتمال مثل هذا الأمر إلى أن علمه هذا الحدث ذلك؛ والطاعة التي لم يكن يعلم أنه سيختارها، لم يكن يستطيع أن يقول إنه سيختارها.

كانت حقيقة طاعة إبراهيم هي الفعل نفسه؛ وما عرفه الله عندما عرف أن إبراهيم “سوف يطيع” كان طاعة إبراهيم الفعلية على قمة ذلك الجبل في تلك اللحظة. لذلك أن نقول إن الله “لم يكن يحتاج أن يقوم بهذا الامتحان” فهذا معناه أن نقول، حيث أن الله يعرف، فإن الشيء الذي يعرفه الله لا يحتاج أن يوجد.

إذا كان الألم في بعض الأحيان يبدد الكفاية الذاتية الباطلة لدى المخلوق إلا أنه في “الامتحان” الفائق أو في “ذبيحة التضحية” يعلمه الكفاية الذاتية التي يجب بالفعل أن تكون لديه، أي “القوة، التي إذا منحتها السماء، يمكن أن يطلق عليها أنها ملك له”؛ لأنه عندها، في غياب مجرد الدوافع والمساندات الطبيعية كلها، يتصرف المخلوق بتلك القوة، وبتلك القوة وحدها، التي يهبها له الله من خلال إرادته المخضعة لله.

فالإرادة البشرية تصبح خلاقة حقاً وتصبح ملكنا بالفعل عندما تكون بالكامل ملكاً لله، وهذا واحد من المعاني الكثيرة التي يكون بها الإنسان الذي يضيع نفسه يجدها.

في كل الأفعال الأخرى تتغذى إرادتنا من خلال الطبيعة، أي من خلال الأشياء المخلوقة بخلاف الذات من خلال الرغبات التي تمدنا بها أعضاؤنا الجسدية وما ورثناه من صفات. عندما نتصرف من أنفسنا وحدها – أي من خلال الله الساكن فينا – فإننا نكون مشاركين في، أو دعامات حية، للخليقة؛ وهذا هو السبب في أن مثل هذا الفعل يُبطل “دمدمات الشكوى العكسية للقوة التي فصلتنا عن الله”، اللعنة الهدامة التي ألقاها آدم على جنسه. من هنا كما أن الانتحار هو التعبير النموذجي عن الروح اللامبالية بأية مشاعر Stoic، والموت في الحرب هو التحدي الحقيقي لكل جندي، يظل الاستشهاد دائماً هو التمثيل والكمال الفائق للمسيحية. هذا الفعل العظيم تتم المبادرة به لأجلنا، ويُصنع نيابة عنا، كمثال نحتذي به، ويتم نقله بصورة لا تصدق إلى جميع المؤمنين، بواسطة المسيح على الجلجثة. هناك تصل درجة الموت المقبول إلى أقصى حدود لما يكن تخيله وربما تتخطاها؛ تتخطى ليس فقط كل المساندات الطبيعية، بل تتخطى وجود الآب نفسه الذي تُقدم له الذبيحة وهو يتخلى عن الضحية، ومع ذلك لا يتداعى المسيح لله رغم أن الله “يتركه”.

عقيدة الموت التي أصفها هنا ليست مقصورة فقط على المسيحية. بل أن الطبيعة نفسها تكتبها بصورة كبيرة عبر العالم في الدراما المتكررة للبذرة المدفونة والحبوب التي تنمو من جديد. ربما تعلمتها أقدم المجتمعات الزراعية، من الطبيعة، ومن خلال الذبائح الحيوانية أو البشرية، أظهرت هذه المجتمعات على مدى قرون حقيقية أنه “بدو سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب 9: 22)؛ ورغم انه في البداية كانت هذه المفاهيم تختص فقط بمحاصيل وتقدمات العشيرة، فإنها جاءت فيما بعد، في الأسرار The Mysteries هو نسخة من مسرحيات العصور الوسطى الإنجليزية تتحدث عن الأسرار، والتي كانت تعرض عام 1977. وهي عبارة عن دورة من ثلاث مسرحيات تحكي قصة الكتاب المقدس منذ الخلق وحتى الدينونة الأخيرة The Free Dictionary by Farlex – المترجم). الهندي الزاهد Ascetic، إذ يميت جسده على سرير من المسامير، يعظ نفس الدرس؛ ويخبرنا الفيلسوف اليوناني Plato ان حياة الحكمة هي “ممارسة الموت”. يفسر الوثني الحساس والنبيل في الأزمنة الحديثة، هكسلي Mr. Huxley، الذي يجعل آلهته التخيلية “تموت لكي تحيا”، “عدم ارتباط” هذه العقيدة بالمسيحية. وهكذا لا يمكننا أن نهرب من تلك العقيدة حتى إذا توقفنا عن أن نكون مسيحيين. فهذه “بشارة أبدية” “Eternal Gospel” معلنة للبشر في أي مكان يبحث فيه البشر عن الحق أو يحتملونه: إنها عصب الفداء نفسه، الذي تكشفه الحكمة المنيرة في كل الأزمنة وفي كل الأماكن؛ المعرفة التي لا يمكن الهروب مها، التي ينقشها النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان في عقول كل من يتساءل بجدية عن ماهية الكون، لا يتمثل تميز الإيمان المسيحي في أنه يعلم هذه العقيدة بل في أنه يجعلها، بطرق متنوعة، أكثر احتمالاً. فالمسيحية تعلمنا أن المهمة المريعة، من ناحية ما قد تم إنجازها لأجلنا – أن هناك يداً خبيرة تمسك بأيدينا إذ نحاول أن نتتبع الأحرف الصعبة، وأن المخطوطة التي لدينا تحتاج فقط أن تكون “صورة منسوخة” Copy، وليس “أصلاً” Original. مرة أخرى، حيث تُعَرِّض الأنظمة الأخرى طبيعتنا بأكملها إلى الموت (كما في عملية النبذ والإنكار في البوذية Buddhist Renunciation) تتطلب المسيحية فقط أن نُصحح “التوجيه الخاطئ” Misdirection لطبيعتنا؛ وليس لدى المسيحية نزاع، مثل أفلاطون Plato، مع الجسد بهذا المفهوم، ولا مع العناصر المادية في تكويننا الجسدي. كما أن التضحية في إدراكها الفائق ليس منتزعة ومغتصبة من كل ذلك. فالمجاهرون بإيمانهم مثلهم مثل الشهداء، مخلّصون، وبعض العجائز اللذين لا نشك في وضعهم في النعمة يبدو انهم يجتازون أعوامهم السبعين بسهولة تثير الدهشة. وهكذا تتكرر ذبيحة المسيح، أو يتردد صداها مرة أخرى، بين أتباعه بدرجات متنوعة للغاية، انتهاء من أقسى ميتات الاستشهاد وحتى إخضاع الذات المتعمد، الذي لا تميزه العلامات الخارجية عن الثمار العادية لضبط النفس و”الاعتدال الجميل”. إنني لا أعرف أسباب هذا التصنيف؛ لكن من وجهة نظرنا الحالية يجب أن يكون واضحاً أن المشكلة الحقيقية ليس في السبب الذي لأجله يتألم بعض المؤمنين المتضعين، والأتقياء، بل في سبب عدم تألم البعض منهم. يجب أن نتذكر أن ربنا نفسه فسر خلاص أولئك المطوبين في هذا العالم فقط بالإشارة إلى قدرة الله الكلية التي لا تُستقصى (مرقص 10: 27).

كل المجادلات الخاصة بتبرير الألم تثير استياء مريراً تجاه كاتبها. فأنت تود أن تعرف كيف أتصرف عندما أختبر الألم، وليس أن أكتب كتباً عن ذلك. لكنك لا تحتاج أن تخمن، لأني سأخبرك؛ إنني جبان جداً. لكن ما علاقة هذا الغرض الذي أتحدث بشأنه؟ عندما أفكر في الألم – في القلق الذي يلتهم مثل النيران وفي الوحدة التي تمتد وتنتشر مثل البيداء، وفي روتين التعاسة الممل الذي يكسر القلب، أو مرة أخرى في الأوجاع الكئيبة التي تظلم الأفق بأكمله أو في الآلام المفاجئة المثيرة للغثيان التي تُسقط قلب الإنسان بضربة واحة، في الآلام التي تبدو بالفعل غير محتملة ثم تتزايد فجأة بعد ذلك، عندما أفكر في الآلام المثيرة للحنق التي تشبه قرصة العقرب والتي تباغت الإنسان في حركة جنونية، الإنسان الذي كان يبدو بالفعل نصف ميت من عذاباته السابقة – فإن هذا “يرعب روحي تماماً”. لو كنت أعرف أية طريقة للهرب كنت سأزحف عبر البالوعات لكي أجدها. لكن ما جدوى إخبارك عن مشاعري؟ إنك تعرفها بالفعل؛ إنها نفس مشاعرك. إنني لا أجادل أن الألم غير مؤلم. الألم موجع. فهذا هو ما تعنيه الكلمة. لكني أحاول فقط أن أوضح لك أن العقيدة المسيحية القديمة “بتكميل الإنسان من خلال الألم” (عب 2: 10) ليست غير قابلة للتصديق. لكن أن أثبت أنه يمكن قبولها فهذا يتخطى قصدي.

في تقييم مدى مصداقية هذه العقيدة، يجب مراعاة مبدأين، في المقام الأول، لا بد أن نتذكر أن اللحظة الفعلية للألم الحالي هي فقط مركز ما يمكن أن يطلق عليه نظام المعاناة الكلي الذي يمدد نفسه بواسطة الخوف والحزن. مهما كان الآثار الجيدة لهذه الخبرات فهذا يعتمد على المركز؛ بحيث أنه حتى لو كان الألم نفسه ليست له قيمة روحية، إلا أنه إذا كان للخوف والحزن هذه القيمة الروحية، سيكون على الألم أن يتواجد لكي يكون هناك شيء يجب الخوف منه والحزن لأجله. ويجب ألا نشك في أن الخوف والحزن يساعداننا في عودتنا إلى الطاعة وعمل الخير. جميعنا اختبرنا أثر الحزن إذ ييسر لنا محبة من هو غير محبوب – بمعنى أن نحب الناس ليس لأنهم مقبولين لدينا بأية طريقة طبيعية بل لأنه إخوتنا. كما أن معظمنا قد تعلم فعل الخير وقت الخوف خلال فترة “الأزمات” والتي قادتنا إلى الحرب الحالية. تشبه خبرتي الشخصية شيئاً من هذا. فأنا أتقدم عبر طريق الحياة بحالتي العادية الراضية الساقطة غير الباردة. منغمس في لقاءات سعيدة مع أصدقائي لليوم التالي أو في قليل من العمل الذي يداعب غروري اليوم، في عطلة أو كتاب جديد، عندما أشعر فجأة بضربات ألم في عمودي الفقري تهدد بمرض خطير، أو بعنوان في الصحيفة يهددنا جميعاً بالهلاك، مما يجعل كل هذه الحزمة من البرامج تنهار. في البداية سأشعر بالارتباك، وكل الأشياء الصغيرة التي تسبب لي السعادة ستبدو مثل اللعب المكسورة. ثم بعد ذلك، ببطء وامتعاض، رويداً رويداً، أحاول أن آتي بنفسي إلى الإطار الفكري الذي يجب أن أكون عليه في كل الأوقات. فأذكر نفسي بأن كل هذه اللعب لم يكن من المفترض لها مطلقاً أن تمتلك قلبي، أن خيري الحقيقي هو في عالم آخر وأن كنزي الوحيد الحقيقي هو المسيح. وربما بنعمة الله، أنجح، ولمدة يوم أو اثنين، أصبح مخلوقاً معتمداً عن وعي على الله ويستمد قوته من المصادر الصحيحة. لكن في اللحظة التي يتوارى فيها التهديد، تعود طبيعتي بأكملها للقفز مرة أخرى نحو اللعب؛ بل أشعر حتى بالتلهف، وليسامحني الله، أن أزيل من عقلي الشيء الوحيد الذي ساندني وقت التهديد لأنه الآن مرتبط بتعاسة تلك الأيام القليلة. وهكذا تتضح تماماً الآن الضرورة الشديدة للألم والمعاناة. لقد امتلكني الله لمدة ثمان وأربعين ساعة فقط، وقد حدث ذلك عندئذ فقط بفضل انتزاع كل شيء أخر مني. دع الله فقط يضع ذلك السيف في غمده للحظة وعندها سأتصرف مثل الجرو الصغير عندما ينتهي فرض الاغتسال البغيض، أهز نفسي حتى أجف قد الإمكان وأتسابق ليك أعيد الحصول على نجاستي المريحة، إن لم يكن في أقرب تل من الروث، على الأقل في أقرب مشتل أزهار. وهذا هو السبب في أن المعاناة والضيقات لا يمكنها أن تنتهي إلا عندما يرى الله إما أننا قد تشكلنا من جديد أو أن إعادة تشكلينا قد أصبح الآن ميؤوساً منه.

ثانياً، عندما نعتبر أن الألم نفسه هو مركز نظام المعاناة كله لا بد أن نكون على حذر لكي نصغي إلى ما نعرف وليس إلى ما نتخيل. هذا هو واحد من الأسباب التي لأجلها يكرس الجزء المركزي من هذا الكتاب بأكمله إلى الألم البشري، بينما يتم إنزال الألم الحيواني إلى مرتبة ثانية في فصل خاص. فنحن نعرف عن الألم البشري، لكننا نتكهن فقط بشأن الألم الحيواني (انظر الملحق في آخر الكتاب). لكن حتى داخل الجنس البشري، لا بد لنا من أن نستخلص أدلتنا عن الألم من المرات التي وقعت تحت ملاحظتنا الشخصية. اتجاه هذا الروائي أو ذاك الشاعر قد يعرض المعاناة باعتبارها سيئة بالكامل في آثارها. باعتبار أنها تنتج أو تبرر كل أنواع الحق والوحشية في المتألم. وبالطبع، فإن الألم، مثل المتعة، يمكن قبوله بهذه الطريقة؛ إذ أن كل ما يُعطى إلى مخلوق ذي إرادة حرة لا بد أن يكون سلاحاً ذي حدين. ليس بواسطة طبيعة المعطي أو طبيعة العطية، بل بواسطة طبيعة مُتلقي العطية. ومرة أخرى، النتائج الشريرة للألم يمكن أن تتضاعف إذا تعلم المتألمون باستمرار بواسطة من يشاهدونهم أن مثل هذه النتائج هي الأنسب وهي النتائج الرجولية التي يجب عليهم إظهارها. إن السخط والاستياء بسبب آلام الآخرين، رغم أنه عاطفة كريمة، إلا أنها تحتاج إلى السيطرة عليها جيداً لئلا تسلب الصبر والاتضاع من أولئك الذين يتألمون، وتزرع فيهم بدلاً من ذلك الغضب والتهكم. لكني غير مقتنع أن الألم إذا خلا من مثل هذه السخط المتصلف بالإنابة، يكون له أي اتجاه طبيعي لإنتاج مثل هذه الشرور. فأنا لم أجد المتجندين في خنادق الخط الأمامي أو C. C. S. أكثر امتلاءً بالكراهية والأنانية والتمرد وخيانة الأمانة، ممن هم في أي مكان آخر. بل إنني رأيت جمالاً عظيماً في الروح في بعض من أكثر الناس الذين كانوا يعانون بدرجة رهيبة. لقد رأيت رجالاً، في معظم الأحوال، يصيرون أفضل وليس أسوأ مع تقدم السنين، كما رأيت المرض الأخير وهو ينتج فيهم كنوزاً من الاحتمال والوادعة النابعة من أكثر الأمور إثارة لليأس والإحباط. إنني أرى في شخصيات تاريخية محبوبة ومهابة، مثل جونسون Johnson وكوبر Cowper، سمات ربما كان بالكاد يتم احتمالها لو كان هؤلاء الرجال أكثر سعادة. إذا كان العالم بالحقيقة “واد لصنع النفوس”، فيبدو في الإجمال أنه يقوم بعمله. أما الفقر – وهو المصيبة التي تحوي فعلياً أو احتمالياً كل المصائب الأخرى – فأنا لا أجرؤ أن أتكلم عنه كما من نفسي؛ وأولئك الذين يرفضون المسيحية لن يتأثروا بعبارة المسيح أن الفقر مُطوب. لكن هنا تأتي إلى إعانتي حقيقة أخرى جديرة بالملاحظة. إن أكثر الذين ينبذون المسيحية بازدراء باعتبارها مجرد “أفيون للشعوب” لديهم احتقار للأغنياء، بمعنى، لكل البشر فيما عدا الفقراء. فهم ينظرون إلى الفقراء باعتبارهم البشر الوحيدون الذين يستحقون النجاة من “التصفية الجسدية” (القتل)، ويضعون فيهم الأمل الوحيد للجنس البشري. لكن هذا لا يتفق مع الاعتقاد بأن آثار الفقر على أولئك الذين يتألمون منه شريرة بالكامل؛ بل إنه يشير ضمنياً إلى أنها آثار جيدة. لذلك يجد تابع الماركسية Marxist نفسه في اتفاق حقيقي مع المسيحي في هذين المعتقدين اللذين، بشكل متناقض، تتطلبهما المسيحية، أن الفقر مُطوب ومع ذلك يجب القضاء عليه.

[1] ولابد من القول “أسوأ البشر”، ربما أفضل القول “المخلوقات البشرية الأخرى”. أنا لا أرفض على الإطلاق الرأي الذي يقول أن أحد أسباب أمراض الإنسان قد يكون “مخلوق” آخر (الشيطان. انظر الفصل التاسع). الكتاب المقدس يعلن أن الشيطان هو سبب الأمراض في أيوب، في لوقا 13: 16، 1كورنثوس 5: 5، وربما أيضاً 1تيموثاوس 1: 20، ولكن في هذا السياق من حوارنا، لا يهمنا إذا كانت كل المخلوقات التي يمنحها الله إمكانية إحداث آلام في الآخرين هي مخلوقات بشرية أم لا (شيطانية).

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

“الطاعة هي الواجب اللائق بالنفس الرشيدة العاقلة.”

Montaigne II, xii

“الإجابة المسيحية” على السؤال المطروح في الفصل السابق متضمنة في “عقيدة السقوط” The Doctrine of The Fall فحسب تلك العقيدة، أصبح الإنسان مصدر اشمئزاز لله ولنفسه، وكائناً سيئ التكيف مع الكون، ليس لأن الله صنعه كذلك بل لأنه هو الذي جعل نفسه هكذا بإساءة استخدامه لإرادته الحرة. بحسب رأيي هذه هي الوظيفة الوحيدة لتلك العقيدة.

فهي توجد لكي تحمينا من نظرتين متفرعتين من المسيحية عن أصل الشر: النظرية الوحدوية Monism، والتي بموجبها الله نفسه، لكونه “أسمى من الخير والشر”، ينتج بحيادية التأثيرات التي نطلق عليها هذه الاسمين (الخير والشر)، والنظرية الثنائية Dualism، التي بموجبها ينتج الله الخير، بينما قوة أخرى معادلة له ومستقلة عنه تنتج الشر.

ضد كل من هاتين النظريتين، تؤكد المسيحية أن الله صالح؛ وأنه صنع كل شيء حسناً لأجل كل الأشياء؛ وأن واحدة من الأشياء الجيدة التي صنعها، أي الإرادة الحرة للمخلوقات العاقلة. بحكم طبيعتها نفسها، كانت تتضمن إمكانية الشر؛ وأن المخلوقات، إذ استغلت هذه الإمكانية للشر، أصبحت شريرة. إلا أن هذه الوظيفة – التي هي الوظيفة الوحيدة التي اعترف بها لعقيدة السقوط – لا بد أن يتم تمييزها عن وظيفتين أخريين، ربما يتم عرض هذه العقيدة في بعض الأحيان بأنها تؤديهما، وهو الأمر الذي أرفضه.

أولى هاتين الوظيفتين المفترضتين: لا أعتقد أن هذه العقيدة تجيب على السؤال، “هل كان من الأفضل لله أن يخلق عن ألا يخلق؟” فهذا سؤال قد رفضته بالفعل. لكن حيث أنني أؤمن أن الله صالح، فإني متأكدي أنه إذا كان لهذا السؤال معنى، فإن الإجابة عليه لا بد أن تكون “نعم”.

لكني أشك ما إذا كان لهذا السؤال أي معنى: وحتى لو كان له معنى، فأنا متأكد أنه لا يمكن الحصول على إجابة عليه بطريقة الأحكام التقييمية التي يمكن للبشر أن يصدروها بشكل كبير. أما الوظيفة الثانية؛ لا أعتقد أن عقيدة السقوط يمكن استخدامها لإظهار أنه أمر “عادل”، فيما يتعلق بالعدالة الجزائية، أن يتم عقاب الأفراد بسبب ذنوب أسلافهم البعيدين.

بعض صيغ العقيدة يبدو أنها تتضمن ذلك؛ ولكني أشك إذا كان أي منها، كما يتم فهمه بواسطة مفسريه، يعني ذلك حقاً. ربما يقول الآباء في بعض الأحيان أننا نعاقب بسبب خطية آدم: ولكن يقولون في مرات أكثر كثيراً أننا قد أخطأنا “في آدم”. قد يكون من المستحيل أن نكتشف ما كانوا يعنونه بذلك، أو قد نقرر أن ما كانوا يعنونه خاطئاً.

ولكني لا أعتقد أننا يمكن أن نرفض أو نستبعد طريقتهم في الكلام باعتبارها مجرد “مصطلح”. فسواء بحكمة أو بجهل، لقد آمنوا أننا “فعلياً” وليس ببساطة بمجرد تخيل مشروع – كنا متورطين في الفعل الذي قام به آدم. بالمعنى المادي الجسدي – حيث كان آدم هو المركبة الأولى لنقل “المادة الوراثية الخالدة Immortal Germ Plasm” – قد يكون أمراً غير مقبول؛ ولكنه بالطبع، سؤال إضافي ما إذا كان الاعتقاد نفسه هو مجرد التباس أم أنه فهم حقيقي للحقائق الروحية يتخطى إدراكنا الطبيعي. إلا أنه في الوقت الحالي، لا مجال لإثارة هذا السؤال؛ كما قلت، لأنه ليست لدي نية للجدل بأن نسب عجز الإنسان إلى ما جلبه عليه أجداده القدماء هو نموذج للعدالة الجزائية.

بالنسبة لي يعد هذه بالأكثر نموذجاً لتلك الأشياء المشاركة بالضرورة في خلق عالم مستقر، وهو الأمر الذي ذكرناه في الفصل الأول. فبلا شك، كان من الممكن بالنسبة لله أن يزيل بمعجزة نتائج أول خطية ارتكبها أي إنسان في أي وقت مضى؛ لكن هذا لم يكن سيصيح جيداً كثيراً إلا إذا كان الله مستعداً أن يزيل نتائج الخطية الثانية، والثالثة، وهكذا إلى الأبد.

إذا كانت المعجزات قد توقفت، فربما كنا سنصل عاجلاً أو آجلاً إلى موقفنا الحالي الذي يرثى له: أما إذا لم تكن قد توقفت، فإن عالماً مدعوماً ومصححاً هكذا باستمرار بواسطة التدخل الإلهي، كان سيصيح عالماً لا شيء مهم فيه يعتمد إطلاقاً على الاختيار البشري، والذي فيه الاختيار نفسه كان سيتوقف سريعاً نتيجة التيقن أن واحدة من البدائل الظاهرة أمامك لن تقود إلى أية نتائج، وبالتالي فهي ليست في الحقيقة بديلاً. كما رأينا، إن حرية لاعب الشطرنج في أن يلعب الشطرنج تعتمد على صلابة وثبات القوانين والتحركات.

حيث أنني حددت ما أعتقد أنه المضمون الحقيقي لعقيدة أن الإنسان ساقط، دعونا الآن نفكر في العقيدة في حد ذاتها. القصة الموجودة في سفر التكوين هي قصة (مليئة بأعمق الإيحاءات) عن تفاحة سحرية للمعرفة؛ لكن في العقيدة المطورة، اختفى عن الأنظار تماماً السحر الملازم للتفاحة، وأصبحت القصة ببساطة هي قصة عصيان.

إن لدي أعمق احترام حتى للأساطير الوثنية، بل واحترام أعمق حتى للأساطير الوثنية، بل واحترام أعمق للأساطير في الكتاب المقدس. ولذلك فإني لا أشك في أن رواية القصة التي تؤكد على التفاحة السحرية، وتجمع معاً شجرتي الحياة ومعرفة الخير والشر، تحوي حقاً كتابياً أعمق وأبرع من رواية القصة التي تجعل التفاحة، ببساطة مجرد تعهد بالطاعة.

لكني أفترض أن الروح القدس لم يكن سيسمح للرواية الأخيرة بأن تنمو في الكنيسة وتكسب تأييد دكاترة عظام ما لم تكن هي أيضاً حقيقية ومفيدة على قدر ما ذهبت إليه. هذه الرواية للقصة إذاً هي التي سوف أناقشها، لأنه على الرغم من أنني أعتقد أن الرواية الأولية أكثر عمقاً بكثير، إلا أني أعرف، على أية حال، أنني لا أستطيع أن أتغلل إلى أعماقها. لذلك سيكون عليّ ليس أن أقدم لقرائي الأفضل على الإطلاق لكن أفضل ما لدي.

في العقيدة المطورة إذاً، يزعم أن الإنسان، كما صنعه الله، كان صالحاً بالكامل وسعيداً بالكامل، لكنه عصى الله فأصبح ما نراه الآن. يعتقد كثيرون من الناس أن هذا الافتراض قد ثبت بطلانه بواسطة العلم الحديث. فيقال، “إننا نعرف الآن أنه أبعد كثيراً عن كون البشر قد سقطوا من حالة الفضيلة والسعادة البدائية، فإنه قد ارتفعوا ببطء من حالة الوحشية والهمجية.” لكن يبدو لي أن هناك لبس تام هنا.

فكلمة “وحشي” و “همجي” تنتمي كلاهما إلى تلك الفئة التعيسة من الكلمات التي تستخدم في بعض الأحيان بطريقة بلاغية، باعتبارها تعبيرات توبيخية، وفي بعض الأحيان بطريقة علمية، كتعبيرات للوصف؛ والحجة الزائفة ضد السقوط تعتمد على خلط في الاستخدامات. فإذا كان بالقول إن الإنسان قد ارتفع من الوحشية أنت تعني ببساطة أن الإنسان ينحدر جسدياً من الحيوانات، فليس عندي أي اعتراض على ذلك.

لكن هذا لا يتبعه أننا كلما عدنا إلى الوراء كلما وجدنا الإنسان أكثر وحشية، بمعنى أكثر شراً أو بؤساً. لا يوجد لدى أي حيوان فضيلة أخلاقية؛ لكنه ليس صحيحاً أن كل السلوك الحيواني هو من النوع الذي يمكن للمرء أن يطلق عليه “شرير” لو أن البشر مارسوه. على العكس من ذلك، ليست كل الحيوانات تعامل المخلوقات من نفس سلالتها بمثل الشر الذي يعامل به البشر بعضهم البعض.

ليس كل الحيوانات في مثل الشراهة أو الفسق الذي لدينا كبشر، كما أنه لا يوجد حيوان طموح. بالمثل، إذا قلت إن البشر الأوائل كانوا “همجين”، وأنت تعني بذلك أن مصنوعاتهم اليدوية كانت قليلة وغير متقنة مثل مصنوعات “الهمجيين” المحدثين، فقد تكون على حق، لكنك إذا كنت تعني أنهم “همجيون” بمعنى أنهم بذيؤون وشرسون وقساة وخائنون، ستكون قد ذهبت إلى ما هو أبعد من برهانك، وهذا لسببين.

السبب الأول، أن علماء الأنثروبولوجيا المحدثين والمرسلين هم أقل ميلاً من آبائهم للمصادفة على صورتك السلبية غير المرغوب فيها حتى عن الهمجي الحديث. السبب الثاني هو أنك لا تستطيع أن تجادل من خلال المصنوعات اليدوية للبشر الأوائل بأنهم كانوا في كل النواحي مثل الشعوب المعاصرة الذين يصنعون مصنوعات يدوية مماثلة، لا بد أن نأخذ حذرنا هنا ضد الوهم الذي يبدو أن دراسة إنسان ما قبل التاريخ تنتجه على نحو طبيعي.

إنسان ما قبل التاريخ، حيث أنه كان قبل التاريخ، هو معروف لنا فقط بواسطة الأشياء المادية التي صنعها – أو بالأكثر بواسطة اختيار تصادفي من بين أشياء أكثر دواماً قام بصنعها. ليس خطأ علماء الآثار أنه ليس لديهم دلائل أفضل من ذلك؛ لكن هذه الندرة في الدلائل تشكل غواية مستمرة لاستنتاج أكثر مما لدينا أي حق في استنتاجه، بحيث نفترض أن المجتمع الذي صنع المصنوعات اليدوية المتفوقة كان متفوقاً من كل النواحي.

كل إنسان يستطيع أن يرى أن هذه الافتراض باطل؛ إذ أن من شأنه أن يقود إلى النتيجة القائلة بأن الطبقات المرفهة في زمننا الحالي كانت من كل النواحي متفوقة على تلك التي كانت في العصر الفيكتوري Victorian Age. من الواضح أن البشر ما قبل التاريخ الذين صنعوا أسوأ أواني فخارية ربما كانوا قد نظموا أفضل الأشعار ولكننا لن نعرف ذلك أبداً.

بل أن هذا الافتراض يصبح حتى أكثر سخفاً عندما نقارن البشر ما قبل التاريخ بالهمجيين المحدثين. فإن التماثل في خامية وبدائية المصنوعات اليدوية هنا لا يخبرنا شيئاً عن ذكاء أو فضيلة واستقامة صانعيها. فما نتعلمه بواسطة التجربة والخطأ لا بد أن يبدأ بصورة بسيطة خامية، مهما كان شخصية المبتدئ. كما أن نفس الإناء الفخاري الذي يمكن أن يثبت أن صانعه كان عبقرياً، لو كان هو أول إناء تم صنعه في العالم، سيثبت أن صانعه غبي لو أن هذا الإناء جاء بعد آلاف السنين من صناعة الأواني الفخارية.

لذلك يستند التقدير الحديث كله للإنسان البدائي على وثنية تلك المصنوعات اليدوية التي هي خطية جماعية عظيمة لحضارتنا الخاصة. فقد نسينا أن أجدادنا ما قبل التاريخ هم الذين قاموا بأكثر الاكتشافات المفيدة التي تم صنعها على الإطلاق، فيما عدا الكلوروفورم. فنحن ندين لهم باللغة، ونظام الأسرة، والملابس، واستخدام النار، واستئناس الحيوانات، والعجلات، والسفن، والشعر، والزراعة.

العلم إذاً، ليس له ما يقوله إما لصالح أو ضد عقيدة السقوط. إلا أنه تمت إثارة صعوبة فلسفية أكثر بواسطة اللاهوتي الحديث الذي يدين له بالكثير كل الطلبة في هذا الموضوع. يشير هذا الكاتب إلى أن فكرة الخطية تفترض مسبقاً وجود قانون يتم الخطأ ضده وتعديه؛ وحيث أنه يمكن أن يستغرق الأمر قروناً من “غريزة القطيع” لكي تتبلور في عُرف. وللعرُف أن يُصبّ في صورة قانون، فإن الإنسان الأول – إذا كان هناك على الإطلاق مخلوق يمكن أن نصفه هكذا – لم يكن يمكنه ارتكاب الخطية الأولى.

يفترض هذا الجدل أن الفضيلة وغريزة القطيع قد تزامنا بطريقة مشتركة، وأن “الخطية الأولى” كانت في الأساس خطية “اجتماعية”. لكن العقيدة التقليدية تشير إلى خطية ضد الله، إلى فعل عصيان، وليس إلى خطية ضد أخ في الإنسانية. وبالتأكيد، إذا كنا سنعتنق عقيدة السقوط بمعنى حقيقي، لا بد أن نبحث في تلك الخطية الضخمة على مستوى أعمق وأكثر خلوداً، أكثر منه على مستوى الأخلاق الاجتماعية.

لقد تم وصف هذه الخطية بواسطة القديس أوغسطينوس Saint Augustine باعتبارها نتيجة الكبرياء، إنها النزعة التي يحاول فيه مخلوق ما أن يقف مستقلاً بنفسه، وأن يوجد لأجل نفسه (حيث هذا المخلوق هو كائن تابع في الأساس، إذ يكمن مبدأ وجوده ليس في ذاته بل في شخص آخر). مثل هذه الخطية لا تتطلب ظروفاً اجتماعية مركبة، ولا خبرة ممتدة، ولا تطور فكري عظيم.

فمنذ اللحظة التي يصبح فيها المخلوق مدركاً لله كإله ولنفسه كذات، فإن البديل المزعج بأن يختار الله أو الذات ليكون في المركز، يصبح متاحاً له. يتم ارتكاب هذه الخطية يومياً بواسطة الصغار والفلاحين الجهلاء كما يرتكبها بالمثل الأشخاص المثقفون؛ يرتكبها الانعزاليون ليس بأقل مما يرتكبها أولئك الذين يعيشون في المجتمع؛ إنه السقوط في حياة كل فرد، وفي كل يوم من حياة كل فرد، إنها الخطية الأساسية خلق كل خطايا معينة أخرى. الآن، في نفس هذه اللحظة نقوم أنا وأنت إما بارتكابها، أو نوشك على ارتكابها، أو نتوب عنها.

إننا نحاول، عندما نستيقظ من النوع، أن نضع اليوم الجديد عند قدمي الله؛ لكننا قبل أن ننتهي من الحلاقة، يصبح اليوم ملكنا ونشعر أن دور الله فيه مثل ضريبة لا بد لنا من أن ندفعها من “جيبنا الخاص”، اقتطاع من الوقت الذي، كما نشعر، يجب أن يكون “ملكاً لنا”. يبدأ الإنسان وظيفة جديدة ولديه شعور بالدعوة المهنية، وربما للأسبوع الأول يظل محتفظاً بورقة الاستقالة من الوظيفة كحد زمني أقصى له، متقبلاً السعادة والألم من يد الله، إذ يأتيان، باعتبارهما “مصادفات”.

لكن في الأسبوع الثاني يبدأ في “الاطلاع على الأمور”؛ وبحلول الأسبوع الثالث، يكون قد استخرج من الوظيفة الكلية خطته الخاص لدوره هو الشخصي في تلك الوظيفة، وعندما يتمكن من الوصول إلى ذلك يشعر أنه لا يحصل على أكثر من حقوقه، وعندما لا يتمكن من ذلك، يشعر بأنه يتم اعتراض طريقه والتصادم معه.

والمحب، في رضوخ لدافع غير محسوب، والذي قد يكون مليئاً بالنيات الحسنة وأيضاً بالرغبة والاحتياج ألا يكون ناسياً لله، يحتضن حبيبته، وبعد ذلك، بمنتهى البراءة، يختبر إثارة للمتعة الجنسية؛ لكنه في الحضن التاي قد يضع تلك المتعة في الاعتبار، وقد تكون وسيلة لغاية، وربما تكون الخطوة الأولى المنحدرة نحو حالة اعتبار رفيقته الإنسانة “شيء” أو “أداة” يتم استغلالها لأجل متعته. عندئذ تزال زهرة البراءة، عنصر الطاعة والاستعداد لتحمل المسؤولية. من كل نشاط نقوم به.

فالأفكار التي يتم القيام بها لأجل الله – مثل تلك التي نحن منغمسون فيها في تلك اللحظة – تستمر كما لو كانت غاية في حد ذاتها. وبعد ذلك كما لو أن متعتنا في التفكير هي الغاية، وأخيراً كما لو أن كبرياءنا أو شهرتنا هي الغاية. وهكذا طوال اليوم، وكل أيام حياتنا، ننحدر، وننزلق، ونسقط، كما لو أن الله، بالنسبة لوعينا الحالي، هو مجرد طائرة تميل على نحو سلس لا يوجد على متنها راحة.

بالحقيقة نحن لدينا لآن تلك الطبيعة التي لابد لها أن تنزلق، والخطية، حيث أنه لا يمكن تجنبها، قد نعتبرها عرضية ويمكن اغتفارها. لكن لا يمكن أن يكون الله قد صنعها هكذا. إن الانجذاب بعيداً عن الله، “الارتحال نحو الوطن نحو الذات المعتادة”، كما نعتقد، لا بد أن تكون نتيجة للسقوط. إننا لا نعرف تماماً ماذا حدث للإنسان عندما سقط؛ لكن إذا كان من المشروع أن نخمن، فإني أقدم الصورة التالية، “أسطورة” بالمعنى السقراطي Socratic قصة ليس بعيدة الاحتمال.

على مدى قرون طويلة أتقن الله صورة الطبيعة الجسدية (الحيوانية) التي كانت ستصبح مركبة الانتقال إلى البشرية وصورة الله نفسه، فأعطاه يدين كان يمكن لإبهاميهما أن ينطبقا على كل الأصابع الأخرى، وفكين وأسنان وحلق قادرين على الكلام، وعقل مقعد ومركب بما يكفي لتنفيذ كل التحركات المادية ووفقاً لذلك تتجسد الفكرة المعقولة.

ربما كان هذا المخلوق موجوداً على مدى عصور بهذه الحالة قبل أن يصبح إنساناً؛ بل ربما كان ماهراً بما يكفي بحيث يصنع أشياء يقبلها علماء الآثار المحدثين كدليل على إنسانيته. ولكنه كان فقط مجرد طبيعة جسدية (حيوان) لأن كل عملياته الجسدية والنفسية كانت موجهة بطريقة خالصة نحو غايات مادية وطبيعية.

ثم، في ملء الزمان، جعل الله أن ينزل على هذا الكائن الحي، على كل من نفسيته Psychology ووظائف أعضائه Physiology، نوعاً جديداً من الوعي الذي استطاع أن يقول “أنا” و “لي”، والذي استطاع أن ينظر إلى نفسه “كذات”، والذي عرف الله، واستطاع أن يصدر أحكاماً تختص بالحق، والجمال، والخير، والذي كان حتى ذلك الوقت فوق الزمن حتى أنه استطاع أن يدرك أن الوقت يمضي بسرعة.

هذا الوعي الجديد حكم وأنار هذا الكائن الحي بأكمله، غامراً كل جزء فيه بالنور، ولم يكن، مثل وعينا، محدوداً بمجموعة مختارة من التحركات التي تذهب في جزء واحد من الكائن الحي؛ أي العقل. كان الإنسان عندها في ملء الوعي. يزعم أتباع اليوجا Yogi الحديثة – سواء عن كذب أو عن حق – أنهم يتحكمون في تلك الوظائف التي هي بالنسبة لنا في الأغلب جزء من العالم الخارجي، مثل الهضم والدورة الدموية. لكن تلك القوة كانت لدي الإنسان الأول بطريقة بارزة. وقد أطاعت عملياته العضوية قانون إرادته الشخصية، وليس قانون الطبيعة.

أرسلت أجهزة جسمه الشهوات إلى كرسيي حكم إرادته، ليس لأنه كان يجب عليها ذلك، بل لأنه هو اختار ذلك. كان النوم يعني له ليس السبات الذي نجتاز فيه، بل راحة مرغوبة وواعية – فظل متيقظاً لكي يستمتع بلذة وفريضة النوم. وحيث أن عمليات الاضمحلال والإصلاح في أنسجته كانت بالمثل واعية ومطيعة، ربما ليس من الخيال أن نفترض أن طول فترة حياته كان إلى حد كبير بناء على تقديره الخاص.

وحيث أنه كان متحكماً في ذاته، فإنه كان متحكماً في كل الحيوات الأدنى منه التي كان يتعامل معها. بل أننا نحن حتى الآن نلتقي بأفراد نادرين لديهم قدرة غامضة على ترويض الوحوش. هذه القدرة تمتع بها إنسان الجنة بتفوق. لذلك فالصورة القديمة للحيوانات وهم يلعبون أمام آدم ويتملقونه قد لا تكون رمزية بالكامل.

فحتى الآن هناك حيوانات أكثر مما يمكنك أن تتوقع مستعدة أن تعشق الإنسان لو أنه أتيحت لها الفرصة المناسبة؛ لأن الإنسان قد صُنع لكي يكون الكاهن، بل وبإحدى المعاني، المسيح، بالنسبة للحيوانات، أي الوسيط الذي من خلاله يفهمون الكثير جداً من البهاء والروعة الإلهية بقدر ما تسمح لهم بذلك طبيعتهم غير العاقلة. ولم يكن الله بالنسبة لذلك الإنسان طائرة منزلقة مائلة.

فقد صُنع له الوعي الجديد لكي يطمئن ويستريح في خالقه، وقد استراح فيه بالفعل. مهما تنوعت وأثريت خبرة الإنسان برفاقه (أو رفيقه) من البشر. بالإحسان والمحبة والصداقة والحب الجنسي، أو بالوحوش، أو بالعالم المحيط به الذي أدرك عندها لأول مرة أنه جميل ورهيب، كان الله يأتي أولاً في محبته وفي فكره، وقد حدث هذا دون جهد مؤلم.

بحركة دائرية متقنة، نزلت الكينونة، والقوة والفرح من الله إلى الإنسان في صورة عطية وهدية وعادت من الإنسان إلى الله في صورة محبة طائعة وعبادة منتشية؛ وبهذا المعنى، لكن ليس بكل المعاني، كان الإنسان عندها بالحقيقة ابن الله، نموذجاً للمسيح، يمثل بصورة متقنة كاملة وبفرح ويُسر كل الملكات وكل الحواس التي تخضعها الذات البنوية التي مثلها ربنا في آلام الصليب.

لكن، حيث تم الحكم عليه عن طريق مصنوعاته اليدوية، أو ربما حتى عن طريق لغته، كان هذا المخلوق المبارك السعيد، بلا شك، همجياً. فكل ما يمكن للخبرة وللممارسة أن تعلمه كان عليه أن يتعلمه؛ لو كان يكسر الأحجار، فهو بلا شك كان يكسرها بطريقة خرقاء بما يكفي. وربما كان غير قادر على الإطلاق على التعبير في شكل مفاهيمي عن خبرته في الجنة. لكن كل ذلك غير ذي صلة بالموضوع على الإطلاق.

فمن خلال طفولتنا نحن أنفسنا نتذكر أنه قبل أن يعتقد الكبار المسؤولون عنا أننا قادرون على “فهم” أي شيء، كانت لدينا بالفعل خبرات روحية في مثل نقاء وأهمية أية خبرات أخرى اختبرناها منذ ذلك الحين، رغم أنها ليست بالطبع في مثل ثرائها في السياق الواقعي. من المسيحية نفسها نعرف أن هناك مستوى – على المدى الطويل هو المستوى الوحيد من الأهمية – الذي لا يكون فيه لدى المتعلمين والبالغين أية أفضلية على الإطلاق على البسطاء والأطفال.

إنني لا أشك أنه لو استطاع إنسان الجنة الآن أن يظهر بيننا، فإننا سوف ننظر إليه باعتباره همجياً تماماً، مخلوق يجب استغلاله، أو في أفضل الحالات، حمايته. فقط واحد أو اثنان، وأولئك الذين هم أكثرنا قداسة، سينظرون مرة أخرى إلى ذلك المخلوق العاري، أشعث اللحية، بطيء الكلام؛ ولكنهم، بعد دقائق، سوف يسقطون عند قدميه.

إننا لا نعرف كم خلق الله من هذه الكائنات، ولا كم من الزمن قضوا في حالة الجنة هذه. ولكنهم في النهاية سقطوا. شخص ما أو شيء ما همس في آذانهم أنهم يستطيعون أن يصيروا مثل آلهة – أنهم يستطيعون أن يتوقفوا عن توجيه حياتهم نحو خالقهم وأن يعتبروا كل متعهم ومسراتهم كمراحم غير مرتبطة بعهد، باعتبارها “مصادفات عرضية” (بالمعنى المنطقي) التي تنشأ في مسار حياة موجهة ليست إلى تلك المسرات بل إلى حب الله وعبادته.

وكما يريد شاب بدلاً مالياً منتظماً من أبيه يستطيع أن يعتمد عليه باعتباره ملكاً له، والذي في إطاره يقوم بخططه الخاصة (وهذا عن حق، إذ أن أباه على أية حال هو مخلوق مثله) هكذا قررت هذه الكائنات أن تكون مستقلة بنفسها، وأن تخطط للمتعة وللأمان، وأن يكون لها حياتها الخاصة التي منها، دون شك، كانت ستدفع نوعاً من الضريبة المعقولة لله من ناحية الوقت، والاهتمام، والمحبة، غير أن حياتها ستكون في النهاية ملكاً لها وليست ملكاً لله.

لقد أرادت، كما نقول، أن “تنادي بنفوسها ملكاً لها”. لكن هذا كان يعني أن تعيش كذبة، لأن نفوسنا، في الحقيقة، ليست ملكاً لنا. لقد أرادوا ما يشبه ركناً خاصاً لهم في الكون يمكنهم فيه أن يقولوا لله، “هذا شأننا، وليس شأنك”. لكن لا يوجد مثل هذا الركن. لقد أرادوا أن يكونوا “أسماء” Nouns (أو كيانات مستقلة)، ولكنهم كانوا، ولابد أن يكونوا إلى الأبد، مجرد “صفات” Adjectives (أي تابعين).

ليست لدينا أية فكرة في أي فعل محدد، أو سلسلة من الأفعال، وَجدت تلك الرغبة المستحيلة المناقضة للذات، تعبيراً عن نفسها. لأن كل ما يمكنني أن أراه، ربما كان يخص الأكل الحرفي من الثمرة، لكن هذه المسألة، على أية حال، ليس لها أي تأثير.

هذا الفعل للإرادة الذاتية من ناحية المخلوق، الذي يمثل تزييفاً تاماً لوضعه الحقيقي كمخلوق، هو الخطية الوحيدة التي يمكن فهمها باعتبارها هي السقوط. هذا لأن الصعوبة المتعلقة بالخطية الأولى هي أنها لا بد أن تكون شديدة الشناعة، وإلا لما كانت نتائجها بمثل هذه البشاعة، ومع ذلك لا بد أنها كانت شيئاً يمكن أن نتصور أن يقوم بارتكابه كائن متحرر من تجارب الإنسان الساقط.

وهكذا فإن التحول من الله إلى الذات يحقق كلا الشرطين. فهي خطية ممكنة حتى لأنسان الجنة، لأن مجرد وجود ذات – مجرد حقيقة أننا نطلق عليها “أنا” – تشمل من البداية. خطر عبادة صنم الذات. فحيث أني موجود، لا بد أن أتخذ فعل إخضاع الذات، مهما كان صغيراً أو سهلاً، في أن أحيا لله بدلاً من ذاتي. هذه هي، إن كنت تحب أن تقول، “نقطة الضعف” في طبيعة الخليقة نفسها، المخاطرة التي من الواضح أن الله كان يعتقد أنها تستحق أن تؤخذ.

لكن الخطية كانت شديدة البشاعة، لأن الذات التي كان على إنسان الجنة أن يُخضعها لم تكن تحوي تمرداً طبيعياً على إخضاعها. فقد كانت “بياناته” كما يمكن أن نقول، هي أنه كائن حي نفسي، بدني يخضع بالكامل للإرادة. ولإرادة ممنهجة تماماً، رغم أنها ليست مجبرة، على اللجوء إلى الله.

فإخضاع الذات الذي مارسه قبل السقوط لم يكن يتضمن صراعاً بل فقط يتضمن تغلباً لذيذاً على تمسك متناهي الصغر بالذات والذي كان يفرح بأنه يتم إخضاعه، والذي نرى تشبيهاً باهتاً له في الإخضاع المفرح المتبادل للذات بين المحبين حتى الآن.

لذلك لم يكن يمثل له تجربة أو “غواية” (بالمعنى الذي نعرفه) أن يختار الذات، كما لم تكن لديه رغبة أو هوى يميل بعناد إلى ذلك الطريق – لا شيء سوى الحقيقة المجردة بأن تلك الذات هي ذاته.

حتى تلك اللحظة كان الروح الإنسانية في تحكم كامل في الكائن الإنساني. وكانت تتوقع بلا شك أنها سوف تحتفظ بهذا التحكم عندما توقفت عن طاعة الله. لكن سلطتها على الكيان الإنساني كان سلطة مفوضة، لذلك فقدت تلك السلطة عندما توقفت عن أن تكون نائبة ممثلة لله. وحيث أنها فصلت نفسها، قدر استطاعتها، عن مصدر كينونتها، فإنها قد فصلت نفسها عن مصدر السلطة.

لأننا عندما نقول عن الأشياء المخلوقة أن “أ” يحكم “ب” فلا بد أن هذا يعني أن الله يحكم “ب” من خلال “أ”. إنني أشك ما إذا كان من الممكن جوهرياً لله أن يستمر في حكم الكائن البشري من خلال الروح البشرية عندما كانت الروح البشرية في تمرد ضده. على أية حال هو لم يفعل ذلك. فقد بدأ الله يحكم الكائن الإنساني بطريقة خارجية أكثر، ليس بواسطة قوانين الروح، بل بواسطة قوانين الطبيعة.

وهكذا فإن الأعضاء، إذ لم تعد محكومة بواسطة إرادة الإنسان، سقطت تحت سيطرة القوانين البيوكيميائية العادية وتألمت من كل التطبيقات المشتركة التي يمكن أن تحدثها تلك القوانين في طريق الألم، والشيخوخة، والموت.

وبدأت الرغبات في الظهور داخل عقل الإنسان، ليس كما اختار عقله، بل فقط كما سببتها الحقائق البيوكيمائية والبيئية. العقل نفسه وقع تحت سطوة القوانين النفسية الجمعية وما أشبه والتي صنعها الله لكي تحكم نفسية شبيه الإنسان الأعلى Anthropoids. تلك الإرادة، إذ وقعت في الموجة العامة من الطبيعة الخالصة، لم يعد لديها مورد آخر إلا أن تجبر بعضاً من الأفكار والرغبات الجديدة على العودة مرة أخرى بواسطة عنصر القوة الرئيسي، وهذه الأفكار المتمردة غير المستقرة أصبحت هي العقل الباطن كما نطلق عليه الآن.

إنني أعتقد أن هذه العملية لا يمكن مقارنتها بمجرد التدهور الذي قد يحدث الآن في الفرد البشري؛ بل أنها كانت فقداً لمكانة الجنس البشري نفسه Species. فما فقده الإنسان بالسقوط كان طبيعته المحددة الأصلية.

“لأنك تراب وإلى تراب تعود”. هذا الكائن الحي بأكمله الذي كان ممتلكاً ومستغرقاً داخل حياته الروحية سُمح له بالتراجع إلى مجرد الحالة الطبيعية التي نشأ منها، عند خلقه، في البداية المبكرة لقصة الخليقة – تماماً كما أنشأ الله الحياة النباتية لكي تصبح بيئة للطبيعة الحيوانية، والعملية الكيميائية لكي تكون وسطاً للحياة النباتية، والعملية المادية ليك تكون وسطاً للكيميائية.

هكذا الروح البشرية من كونها سيدة الطبيعة البشرية أصبحت مجرد نزيل في بيتها الخاص، بل حتى سجيناً؛ وأصبح الوعي العقلاني كما هو عليه الآن – بقعة ضوء متقطع تستقر على جزء صغير من الإشارات الدماغية. لكن هذه المحدودية لقوى الروح كانت شراً أقل من فساد الروح نفسها. فقد تراجعت الروح عن الله وأصبحت صنماً لنفسها، بحيث أنه رغم أنها كانت لا تزال تستطيع أن تعود إلى الله مرة أخرى، كان في استطاعتها أن تفعل ذلك فقط بواسطة جهد مؤلم، وكان ميلها تجاه الذات.

من هنا أصبح الكبرياء والطموح، والرغبة في أن تكون جميلة في عيني نفسها، وأن تحبط وتهين كل منافسيها، أصبح الحسد، والبحث المحموم عن المزيد، وأكثر من ذلك بكثير، الرغبة في حماية نفسها، هي الآن الاتجاهات التي تأتي إلى الروح بصورة أسهل. فهي لم تصبح فقط مَلِكاً ضعيفاً على طبيعتها الخاصة، بل مَلِكاً سيئاً؛ إذ أرسلت إلى أسفل الكائن البدني – النفسي رغبات أسوء كثيراً من تلك التي أرسلها إليها إلى أعلى ذلك الكائن الحي.

تم نقل هذه الحالة بواسطة الوراثة إلى كل الأجيال التالية، لأنها لم تكن ببساطة ما يطلق عليه علماء البيولوجيا تغير مكتسب Acquired Variation؛ بل كانت ظهوراً لنوع جديد من الإنسان – جنس بشري جديد، لم يخلقه الله، جاء إلى الوجود نتيجة الخطية. هذا التغير الذي اجتاز فيه الإنسان لم يكن مشابهاً لتطور عضو جديد أو عادلة جديدة؛ بل كان تغيراً جذرياً في بنية جسمه، اضطراباً في العلاقة بين أجزاء مكوناته، وفساد وانحراف داخلي لواحد منها.

ربما كان يمكن لله أن يوقف هذه العملية بمعجزة؛ لكن هذا – لكي نتحدث بتشبيه فظ إلى حد ما – كان من شأنه أن يقلل المشكلة التي وضعها الله نفسه عندما خلق العالم، مشكلة التعبير عن صلاحه من خلال دراما شاملة لعالم يحوي نواباً أحراراً له، على الرغم من وبواسطة تمردهم عليه. الرمز في الدراما، أو المقطوعة الموسيقية، أو الرقصة، مفيد هنا لتصحيح عبثية معينة قد تنشأ إذا كنا نتحدث أكثر من اللازم عن أن الله يخطط ويخلق العملية العالمية لأجل الخير، وأن هذا الخير قد تم إحباطه بواسطة الإرادة الحرة للمخلوقات.

قد يثير هذا الفكرة السخيفة بأن السقوط قد فاجأ الله وأفسد خطته، أو – الأكثر سخفاً – أن الله قد خطط الأمر كله لأجل ظروف كان يعرف جيداً أنه لن يتم تحقيقها أبداً. لكن الحقيقة، بالطبع، هي أن الله رأى الصلب Crucifixion في فعل خلق أول سديم. فالعالم عبارة عن رقصة يتم فيها إفساد الخير، الذي ينزل من عند الله، بواسطة الشر الذي ينشأ من المخلوقات، والصراع الناتج عن ذلك يتم حسمه بواسطة افتراض الله نفسه للطبيعة المتألمة التي ينتجها الشر.

تؤكد عقيدة السقوط الحر على أن الشر الذي يمثل الوقود أو المادة الخام للنوع الثاني والأكثر تعقيداً للخير ليس هو إسهام الله بل إسهام الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه لو كان الإنسان قد ظل في حالة البراءة لم يكن الله سيتمكن من تأليف سيمفونية رائعة متكاملة بالمثل – بافتراض أننا نصر على طرح مثل هذه الأسئلة.

لكن لا بد أن نتذكر دائماً أننا عندما نتكلم عم كان يمكن أن يحدث، عن احتمالات خارج الواقع كلية، فإننا لا نعرف في الحقيقة ما نتحدث عنه. إذ أنه لا توجد أزمنة أو أماكن خارج الكون الموجود، الذي فيه “أمكن أن يحدث” أو “كان يمكن أن يحدث” كل هذا. أعتقد أن أهم طريقة يمكن نوضح بها الحرية الحقيقية للإنسان هي أن نقول إنه إذا كانت هناك أنواع كائنات عاقلة أخرى غير الإنسان، موجودة في جزء ما آخر من الكون الفعلي، إذاً فليس من الضروري أن نفترض أنها هي أيضاً قد سقطت.

يتم تفسير حالتنا الحاضرة إذاً، بحقيقة أننا أعضاء في جنس بشري فاسد. إنني لا أقصد أن آلامنا هي عقاب على كوننا ما لا يسعنا أن نكون غيره الآن. ولا أننا مسؤولون أخلاقياً على عصيان سلف بعيد. فإذا كنت، رغم ذلك، أدعو حالتنا الحاضرة هي حالة الخطية الأصلية، وليست فقط مجرد حالة بَلِيّة أصلية، فهذا لأن خبرتنا الدينية الفعلية لا تسمح لنا بأن ننظر إليها بأية طريقة أخرى.

نظرياً، أعتقد أننا يمكن أن نقول، “نعم؛ إننا نتصرف مثل الحشرات الطفيلية، لكن هذا بسبب أننا حشرات طفيلية، أبعد كثيراً عن الشعور بأنها مبرر، هي خزي وألم أعظم بالنسبة لنا من أي من الأفعال المعينة التي تقودنا لارتكابها. وهكذا فالموقف على نحو وثيق ليس من الصعب جداً فهمه كما يبرهن على ذلك بعض الناس. ينشأ هذا الموقف بين البشر كلما يتم تقديم صبي سيء التربية جداً إلى عائلة كريمة.

فإنهم يقومون عن حق بتذكير أنفسهم أنه “ليس خطأه الشخصي” أنه مشاكس وجبان وناشر للفضائح والإشاعات وكاذب. لكن مع ذلك، شخصيته الحالية مكروهة ومنفرة. إنهم لا يكرهونها فقط، بل يجب عليهم أن يكرهوها. إنهم لا يستطيعون أن يحبوه بسبب ما هو عليه، ولكن يمكنهم فقط أن يحاولوا تغييره إلى ما ليس هو عليه.

في الوقت الحالي، رغم أن الصبي سيء الحظ للغاية لكونه قد نشأ بتلك الطريقة، لا تستطيع تماماً أن تطلق عله شخصيته أنها “سيئة الحظ” أو تعيسة كما لو أنه هو شيء وشخصيته شيء آخر. ولكنه هو، هو نفسه الذي يتشاجر ويُرهب ويسرق ويحب القيام بذلك. وإذا بدأ في التغير والإصلاح فإنه حتماً سيشعر بالخزي والذنب بسبب ما يبدأ في التوقف عن أن يكونه.

بهذا أكون قد قلت كل ما يمكن قوله على المستوى الذي أشعر أنه يمكنني فقط التعامل به مع موضوع السقوط. ولكني أحذر قرائي مرة أخرى، أن هذا المستوى هو مستوى ضحل. فنحن لم نقل شيئاً عن شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر اللذين بلا شك يخفيان سراً عظيماً؛ ولم نقل شيئاً عن عبارة بولس أن “كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع”.

لكن هذا المقطع هو الذي يكمن خلق عقيدة الآباء عن وجودنا المادي في صلب آدم وعقيدة أنسيلم Anselm عن اشتراكنا، بواسطة صورة تخيلية مشروعة، في آلام المسيح. ربما تكون هذه النظريات قد عملت حسناً في زمنها ولكنها لا تفيدني بأي شيء جيد، ولن أقوم باختراع غيرها.

فقط أخبرنا العلماء مؤخراً انه ليس لنا أي حق في أن نتوقع أن يكون الكون الفعلي قابلاً للتصوير Picturable، وأننا إذا صنعنا صوراً فكرية لتوضيح فيزياء الكم فإننا نتحرك أبعد بعيداً عن الواقع، وليس أقرب إليه، بل من الواضح أنه لدينا حتى حق أقل في أن نطالب بأن تكون أسمى الحقائق الروحية قابلة للتصوير، أو حتى قابلة للتفسير في مجال فكرنا المجرد.

إنني ألاحظ أن صعوبة صيغة بولس تثار بواسطة حرف الجر “في” In، وأن هذا الحرف، يستخدم في العهد الجديد مرات ومرات، بمعاني لا نستطيع فهمها بالكامل. أن نستطيع أن نموت “في” آدم ونحيا “في” المسيح، يبدو لي أنه يعني ضمنياً أن الإنسان، كما هو في الحقيقة، يختلف بقدر كبير عن الإنسان كما تمثله تصنيفات تفكيرنا وكما تمثله تخيلاتنا ثلاثية الأبعاد؛ وأن الانفصال – المعدل فقط بواسطة علاقات سببية – الذي نميزه بين الأفراد، متوازن، في الواقع المطلق، بواسطة نوع من “الضخ المشترك للحياة” Inter-inanimation الذي ليس لدينا فهم له على الإطلاق.

ربما أن أفعال وآلام النماذج الأصلية لشخصيات الكتاب المقدس العظيمة مثل آدم والمسيح هي أفعالنا وآلامنا، ليس على سبيل الخيال المشروع، أو الاستعارة، أو السببية، كلن بطريقة أعمق بكثير. لا يوجد شك بالطبع في أن هناك أفراد يذوبون في نوع من التواصل الروحي مثلما تؤمن الأنظمة الوجودية Pantheistic Systems (هذه الفلسفة تؤمن بأن الخليقة هي من مادة واحدة مع الله الخالق – المحرر)؛ التي تم استبعادها بواسطة المضمون الكامل لإيماننا.

لكن قد يكون هناك توترات بين مبدأ الفردية ومبدأ ما آخر. فنحن نؤمن أن الروح القدس يستطيع أن يكون موجوداً بالفعل وعاملاً في الروح البشرية، ولكننا، على عكس الوجودية، لا نفهم هذا باعتبار أننا “أجزاء” Parts أو “تحولات” Modifications أو “ظهورات” Appearances لله. ربما يكون علينا أن نفترض، على المدى الطويل، أن شيئاً من نفس هذا النوع صحيح، بدرجته الملائمة، حتى بالنسبة للأرواح المخلوقة، وأن كلاً منها، رغم أنها مميزة، موجودة حقاً في الجميع، أو في بعض منهم، في أرواح أخرى – تماماً كما قد يكون علينا أن نعترف “بالتأثير عن بعد” Action at A Distance في مفهومنا للمادة.

لا بد أن الجميع يلاحظون كيف يبدو أن العهد القديم في بعض الأحيان يتجاهل إدراكنا للفرد. عندما وعد الله يعقوب “أنا أنزل معك إلى مصر وأنا أصعدك أيضاً”، فإن هذا قد تحقق إما بدفن جسد يعقوب في فلسطين أو بخروج نسل يعقوب من مصر. من الصحيح تماماً أن نربط هذه الفكرة بالنظام الاجتماعي للمجتمعات المبكرة التي كان يتم فيها باستمرار التغاضي عن الفرد لصالح القبيلة أو العائلة؛ لكننا يجب أن نعبر عن هذه الرابطة بواسطة افتراضين ذوي أهمية متساوية.

الأول، هو أن خبرة القدماء الاجتماعية قد أعمتهم عن بعض الحقائق التي نفهمها، والثاني، هي أنها جعلتهم حساسين لبعض الحقائق التي نعمى نحن عنها. فالخيال المشروع، وتبني، ونقل أو عزو الاستحقاق والذنب. ما كان يمكن أبداً أن يلعبوا الدور الذي لعبوه في اللاهوت لو كان يتم الشعور دائماً بأنهم مصطنعون للغاية كما نشعر أنهم كذلك الآن.

لقد اعتقدت أنه من الصواب أن أعترف بهذه النظرة الواحدة لما هو بالنسبة لي ستار لا يمكن اختراقه، لكنها كما قلت، لا تمثل جزء من جدلي الحالي. من الواضح أنه سيكون من العبث أن أحاول حل معضلة الألم بإنشاء معضلة أخرى. إلا أن فرضية هذا الفصل هي ببساطة أن الإنسان، كجنس بشري، قد أفسد نفسه، وأن الخير، بالنسبة لنا في حالتنا الحاضرة لا بد إذاً أن يعني أساساً خيراً علاجياً أو تصحيحياً. ما الدور الذي يلعبه الألم فعلياً في هذا العلاج أو التصحيح، هذا هو الأمر الذي يجب أن نفكر فيه الآن.

سقوط الإنسان – سي إس لويس

الجنود الدمى العنيدون – سي إس لويس

الجنود الدمى العنيدون – سي إس لويس

الجنود الدمى العنيدون – سي إس لويس

الجنود الدمى العنيدون

 

لقد صار ابن الله إنساناً كي يُمكّن الناس من أن يصيروا أبناء الله. ولسنا نعلم (على كل حال، أنا لا أعلم) كيف كانت الأمور ستسير لو أن الجنس البشري لم يعص الله قط وينضم إلى العدو. فربما كان من شأن كل إنسان أن يكون “في المسيح”، أي أن يشترك في حياة ابن الله. منذ ولادته. وربما كان من شأن الحياة الطبيعية (بيُوس) أن تنجذب إلى داخل الحياة غير المخلوقة (زُويي) فوراً وبطبيعة الحال. غير أن هذا حزرٌ وتخمين. فأنت وأنا مُعنيّان بالأمور كما هي سائرة الآن.

وإليك وصفاً لحالة الأمور الحاضرة. إن نوعي الحياة ليسا فقط مختلفين (فمن شأنهما أن يكونا كذلك دائماً) بل هما متعارضان فعلاً. فالحياة الطبيعية في كل واحد منا أمر مركزه الذات: أمر يريد أن يُدلل ويحظى بالإعجاب، ويستغل الحيوات الأخرى. ويُسخر الكون كله لمصلحته. وهي تُريد على الخصوص أن تُترك لذاتها: أن تظل بعيدة تماماً عن أي أمر أفضل منها أو أقوى أو أسمى… أي أمر قد يُشعرها بأنها صغيرة. فهي تخشى نور العالم الروحي وهواءه، تماماً كما يخشى الاستحمام من تربّوا في القذارة.

وهي، بمعنى ما، على حق تماماً. إذ إنها تعلم أنه إذا استولت عليها الحياة الروحية فسوف تقضي على أنانيتها وإرادتها الذاتية، أو عنادها، وهي متأهبة للقتال بك ضراوة للحيلولة دون ذلك.

هل فكرت مرةً، لما كنت ولداً، أي مرح يكون لك لو أُتيح للدمى التي تلعب بها أن تدب فيها الحياة؟ حسناً، هبها قد صارت حية بالفعل. وتصور أن جندياً من قصدير تحول إلى رجل صغير حقيقي. فلا بد أن يشتمل ذلك على تحويل القصدير إلى جسد بشري. وافترض أن جندي القصدير لم يعجبه ذلك. فالجسد البشري لا يثير اهتمامه، إذ كل ما يراه هو أن القصدير قد فسد. فهو يحسب أنك تقتله، وسيبذل كل ما في وسعه ليحول دون ذلك. إنه يرفض أن يصير إنساناً إذا أمكنه ذلك.

لست أدري ما كان ممكناً أن تفعله بجندي القصدير ذلك. ولكن ما فعله الله لأجلنا هو هذا: إن ثاني أقنوم في اللاهوت، أي الابن، صار هو نفسه كائناً بشرياً. فقد وُلد في العالم إنساناً حقيقياً: ذا قامة معينة، وشعر من لون محدد، متكلماً لغة مخصوصة، ووزنه مقدار معني من الكيلوغرامات. إن الكائن الأزلي، العليم بكل شيء وخالق الكون كله، صار إنساناً بعد أن كان طفلاً، ومن قبلُ جنيناً في رحم امرأة. وإن شئت أن تدرك مغزى الأمر، ففكر كما يعجبك أن تصير نملة أو أرنباً!

وقد كانت نتيجة ذلك أن صار لدينا الآن إنساناً واحد هو بالحقيقة كل ما قُصد للبشر جميعاً أن يكونوه: إنسان واحد فيه استطاعت الحياة المخلوقة، المستمدة من أمه، أن تستحيل بالكمال والتمام إلى الحياة المولودة. فالكائن البشري الطبيعي فيه اتحد كلياً بالابن السماوي. وهكذا، ففي حالة واحدة بلغت البشرية غايتها، إن صح التعبير، إذ انتقلت إلى قلب حياة المسيح.

ولأن الصعوبة كلها بالنسبة إلينا هي أن الحياة الطبيعية، بمعنى ما، ينبغي أن “تُقتل”، فقد اختار سيرة أرضية تنطوي على قتل الرغائب البشرية عند كل منعطف: من فقر، وسوء فهم من قبل أسرته الخاصة، وخيانة أحد أصدقائه المقربين له، واستهزاء العسكر به ومعاملته بخشونة، وتعذيب وإعدام.

وبعد ذلك، فأن الكائن البشري فيه، بعد قتله هكذا وقتله كل يوم بمعنى ما، عاد حياً من جديد: لأنه كان متحداً بالابن الأزلي. فالإنسان في المسيح قام من بين الأموات، وليس الله فقط. تلك هي القضية كلها. فهذه أول مرة رأينا إنساناً حقيقياً تماماً. إن جندي قصدير واحداً، من قصدير حقيقي مثله مثل الباقين، قد دبت فيه الحياة بملئها وبهائها الكاملين.

إنما هنا بالطبع نصل إلى النقطة التي فيها ينهار إيضاحي المستعار من جندي القصدير. ففي حالة الجنود الدمى أو التماثيل الحقيقين، إذا انبعث واحدٌ منهم حياُ، فمن البديهي ألا يحدث ذلك أي فرق بالنسبة إلى الآخرين. إنهم جميعاً منفصلون بعضهم عن بعض. ولكن الخلائق البشريين ليسوا كذلك. فهم يبدون منفصلين لأنك تراهم يتنقلون منفردين. إلا أننا أيضاً مصنوعون بحيث لا يمكننا أن نرى سوى اللحظة الحاضرة. ولو تسنّى لنا أن نرى الماضي، لبدا الأمر عندئذ مختلفاً بالطبع.

فقد كان زمنٌ فيه كان كل إنسان جزءاً من أُمه، وكذلك أيضاً جزءاً من أبيه (في زمن أبكر بعد)؛ وزمن كان أبواه فيه جزءاً من أجداده. ولو قُدّر لك أن ترى البشر المنتشرين عبر الزمان، كما يراهم الله، لما بدا المنظر شبيهاً بعدد غفير من الكائنات المنفصلة منتشرة هنا وهناك. وإنما كان سيبدو شبيهاً بكائن واحد نام، بل بالحري أشبه بشجرة معقدة جداً.

وسيظهر كل فرد مرتبطاً بكل فرد آخر. وليس ذلك فقط، بل إن الأفراد ليسوا منفصلين بالحقيقة عن الله، كما أنهم ليسوا منفصلين أحدهم عن الآخر، فكل رجل وامرأة وطفل في جميع أنحاء العالم يحس ويتنفس هذه اللحظة، فقط لأن الله، إن جاز التعبير، “يبقيه حياً”.

وعليه، فعندما يصير المسيح إنساناً، لا يكون ذلك بالحقيقة كما لو أُتيح لك أن تصير أنت جندي قصدير معيّناً، بل إن ذلك يكون كما لو أن شيئاً مؤثراً دائماً قد حل في الكتلة البشرية بطريقة جديدة. ومن تلك النقطة ينتشر التأثير في كل البشرية كلها. يبدأ عند نقطة محددة بالتأثير في مُجمل الكتلة البشرية كلها. وسيحدث الأمر فرقاً بالنسبة إلى الناس الذين عاشوا قبل المسيح، وكذلك أيضاً بالنسبة إلى الناس الذين عاشوا بعده. كما أنه سيُحدث فرقاً بالنسبة إلى أولئك الذين لم يسمعوا بالمسيح قط.

فذلك أشبه بأن تُسقِط في كأنس ماء قطرة واحدة من مادة تُعطي مذاقاً جديداً أو تضفي لوناً جديداً على المحتوى كله. ولكن بالطبع يبقى كل تشبيه من هذا القبيل ناقصاً من بعض الأوجه. ففي نهاية المطاف، ليس الله أحداً سوى ذاته، وما يفعله لا يُشبه أي شيء آخر. وأنت لا تكاد تتوقع أن تكون الحال على غير هذا المنوال.

فما هو إذا الفرق الذي أحدثه المسيح بالنسبة إلى الكتلة البشرية بكاملها؟ هو هذا تماماً: أن مشروع صيرورة الإنسان ابناً لله، بتحوله من كيان مخلوق إلى كيان مولود، وانتقاله من الحياة البيولوجية الوقتية إلى الحياة “الروحية” الأبدية، قد أُنجز لنا. فالبشرية “مخلّصة” فعلاً من حيث المبدأ، وعلينا نحن الأفراد أن نستفيد شخصياً من هذا الخلاص. ولكن العمل الشاق حقاً، ذاك الذي لم يكن في وسعنا أن نعمله نحن أنفسنا، قد أُكمل لنا.

فليس علينا أن نحاول الارتقاء إلى الحياة الروحية بمجهوداتنا الشخصية، إذ إن تلك الحياة قد نزلت فعلاً إلى وسط الجنس البشري، وإن نحن فقط فتحنا باب أنفسنا لذلك الإنسان الفرد الذي فيه كانت تلك الحياة حاضرة حضوراً كليّاً، والذي هو، رغم كونه الله، إنسانٌ حقيقي أيضاًن فإن يفعل ذلك فينا ولنا. أتذكر ما قلته عن “العدوى الصالحة”؟ إن واحداً من بني جنسنا له هذه الحياة الجديدة، فإن التصقنا به نلتقطها منه.

طبعاً، يمكنك التعبير عن هذه الحقيقة بطرق شتى. فلك أن تقول إن المسيح مات من أجل خطايانا. لك أن تقول إن الآب قد غفر لنا لأن المسيح فعل لأجلنا ما كان ينبغي أن نفعله نحن وعجزنا عنه. ولك أن تقول إننا مغسولون بدم الحمل. ولك أن تقول إن المسيح قد قهر الموت. فهذه التعابير كلها صحيحة. وإن كان أي منها لا يروقك، فدعه وامض بالصيغة التي تروقك. إنما مهما فعلت، فلا تبدأ تجادل الآخرين لأنهم يستخدمون صيغة تختلف عن صيغتك.

الجنود الدمى العنيدون – سي إس لويس

لنتظاهر – سي إس لويس

لنتظاهر – سي إس لويس

لنتظاهر – سي إس لويس

لنتظاهر

هل لي أن أبداً بوضع صورتين، أو بالحري قصتين في أذهانكم؟ إحداهما هي القصة الذائعة الصيت “الحسناء والوحش”. ولعلكم تذكرون أن الفتاة الجميلة اضطرّت لسبب ما، أن تتزوج وحشاَ”. وإذ تزوّجت به، قبلّته كما لو كان إنساناً. وعندئذٍ تحول فعلاً إلى إنسان وسار كل شيء حسناً، الأمر الذي أفرجها وأبهجها. أما القصة الأُخرى فعن شخص اضطر إلى أن يضع على وجهه قناعاً: قناعاً جعله يبدو أجمل مما كان في الواقع. وكان عليه أن يلبس القناع عدّة سنوات.

ثم لما خلعه، تبين له أن وجهه صار على شاكلته. فإنه غدا أجمل فعلاً الآن. وما بدا تنكراً تحول فعلاً إلى واقع. وأعتقد أن هاتين القصتين كلتيهما قد تساعدانني (بطريقة خيالية طبعاً) على توضيح ما أود قوله في هذا الفصل. فحتى الآن، ما برحتُ أُحاول وصف حقيقتين: ما هو الله وماذا فعل. أما الآن فأريد أن أتكلم عن الممارسة: ماذا نفعل تالياً؟ أي فرق تُحدث هذه اللاهوتيات كلها؟ ومن الممكن أن تبدأ بإحداث فرق الليلة: فإذا كنت قد اهتممت كفاية حتى قرأت لحد الآن، فربما أنت معنى كفاية بأن نتأمل قليلاً في موضوع الصلاة: ومهما كان ما تقوله في صلاتك، فإنك على الأرجح ستتلو “الصلاة الربانية”.

إن أول كلمة في الصلاة هي “أبانا” فهل تعي الآن ما تعنيه هذه الكلمة؟ إنها تعني بمنتهى الصراحة أنك تضع نفسك في موضع ابن الله. وبتعبير أبسط، أنت تلبس المسيح. وإن شئت فقل إنك تتظاهر: لأنك بالطبع لحظة تدرك ما تعنيه الكلمة، تفهم أنك لست ابناً لله. فأنت لست كائناً مشابهاً لابن الله الوحيد الذي إرادته واهتماماته متوافقة تماماً مع إرادة أبيه واهتماماته، بل أنت حزمة من المخاوف الأنانية والآمال والمطامع وضروب الحسد والغيرة والغرور، محكوم عليها بالموت كلّياً. حتى إن ظهورك هكذا بمظهر المسيح لهو ضربٌ من الوقاحة الفاضحة. ولكن الأمر العجيب هو أنه هو أمرنا بذلك.

فلماذا؟ وأي خير في التظاهر بأنك ما لست إياه؟ حسناً، حتى على الصعيد البشري، ثمة نوعان من التظاهر كما تعلم. فهناك نوع رديء، حيث يكون التظاهر بديلاً من انعدام الشيء الحقيقي، كما يحصل حينما يتظاهر إنسان بأنه سيُساعدك، بدل أن يساعدك فعلاً. ولكن هنالك أيضاً ونوعاً جيداً، حيث يؤدي التظاهر إلى الشيء الحقيقي.

فحينما لا تكون شاعراً بالمودة على نحو مخصوص، ولكنك تعلم أنه ينبغي لك أن تكون كذلك، فأفضل شيء يمكنك أن تفعله في أغلب الأحيان هو أن “تلبس لباس” شخص ودود وتتصرف كما لو كنت شخصاً ألطف مما أنت في الواقع. وما أن تمضي بضع دقائق، كما لاحظنا جميعاً، حتى تُلفي نفسك بالحقيقة شاعراً بأنك ألطف مما أنت فعلاً.

وما أكثر ما تكون الطريقة الوحيدة لاكتساب مزية في الواقع هي أن تبدأ بالتصرف كما لو كانت لديك فعلاً! لهذا السبب تُعتبر ألعاب الأولاد مهمة جداً. فهم يتظاهرون دائماً بأنهم راشدون، كما حين يلعبون لعبة العسكر أو لعبة أصحاب الدكاكين. ولكنهم كل حين يُمرنون عضلاتهم ويشحذون ذكاءهم، بحيث يساعدهم تظاهرهم بأنهم راشدون على أن ينموا نمواً جدياً.

والآن، حالما تُدرك ما تعبر عنه بقولك: “هأنذا، لابس المسيح” يُرجح جداً أن ترى في الحال طريقة ما بها يمكن أن يُجعل التظاهر أقل تظاهراً وأكثر واقعية. فسوف تجد بضعة أمور جائلة في ذهنك ما كانت لتجول لو كنت حقاً ابناً لله، حسناً، أوقفها، وإلا فستجد أنه بدلاً من رفع صلاتك ينبغي لك أن تجلس إلى المكتب وتخط رسالة، أو تساعد زوجتك في غسل الأواني.

أتدري ما يجري؟ إن المسيح نفسه، ابن الله الذي هو إنسانٌ (مثلك تماماً) كما أنه الله (مثل أبيه تماماً) هو بالفعل إلى جانبك وقد بدأ في تلك اللحظة يحول تظاهرك إلى حقيقة واقعة. وليست هذه مجرد طريقة خيالية للقول إن ضميرك يقول لك ما ينبغي أن تفعله. فإن سألت ضميرك، تحصل على نتيجة معيّنة؛ وإن تذكرت أنك لابس المسيح، تحصل على نتيجة مختلفة.

فهناك أمور كثيرة ربما لا يدعوها ضميرك بشكل واضح ومحدد خاطئة (ولا سيما أمور في ذهنك)، ولكنك ستدرك في الحال أنك لا تقدر أن تستمر في فعلها إن كنت تحاول جاداً أن تتشبه بالمسيح، إذ لا تعود تُفكر بعد فقط بشأن الصواب والخطأ، بل تحاول أن تلتقط العدوى الصالحة من شخص مجيد. وذلك أشبه برسم صورة شخصية منه بإطاعة مجموعة قوانين. وأعجب شيء أنه وإن كان ذلك من ناحية أصعب بكثير من إطاعة القوانين فهو، من ناحية أخرى، أسهل منها بكثير.

إن ابن الله الحقيقي بجانبك. وهو يبدأ بتحويلك إلى المعدن الذي منه تمامً. إنه يبدأ، إن جاز التعبير، بأن “يحقن” في داخلك نوع حياته وفكره، أي تلك “الزويي” الخاصة به؛ يبدأ بتحويل جندي القصدير إلى إنسان حي حقاً. أما جزؤك الذي لا تروقه هذه العملية فهو الجزء الذي ما يزال من قصدير.

قد يشعر بعضٌ منكم أن هذا يختلف كثيراً عن اختبارهم. فلعلك تقول: “لم أحس قد بحصولي على المساعدة من قبل مسيح غير مرئي، ولكني غالباً ما تلقّيت المساعدة من خلائق بشريين آخرين”. فذلك أشبه بما قالته إحدى النساء في أثناء الحرب العالمية الأولى من أنها غير قلقة بشأن حصول نقص في الخبز لأنها هي وعائلتها يأكلون الخبز المحمص دائماً. ولكن حين ينقطع الخبز فسينقطع الخبز المحمص أيضاً.

ولولا معونة المسيح، ما كانت أي معونة من البشر الآخرين. فهو يتعامل معنا بطرق شتى، وليس فقط من خلال ما نحسبه “حياتنا الدينية”. إنه يعلم عبر الطبيعة، وعبر أجسادنا، وعبر الكتب، وأحياناً عبر اختبارات تبدو (في حينها) مضادة للمسيحية. فعندما يحدث أن شاباً اعتاد ارتياد الكنيسة بطريقة روتينية يدرك أنه لا يؤمن بالمسيحية وينقطع عن حضور الكنيسة (على أن يفعل من أجل الصدق والصراحة لا لإغاظة والدية فحسب) فقد يكون روح المسيح أقرب إليه مما كان قبلاً في أي يوم. ولكن المسيح يتعامل معنا بعضنا من خلال بعض أكثر من أية طريقة أخرى.

فالناس مرايا أو “ناقلون” للمسيح إلى غيرهم من الناس. وأحياناً يكونون نقلة بغير وعي منهم. وهذه “العدوى الصالحة” يمكن أن ينقلها أشخاص ليست لديهم في ذواتهم. فإن أشخاصاً لم يكونوا مسيحيين بالحق ساعدوني على الإقبال إلى المسيحية. ولكن أولئك الذين يعرفون المسيح هم عادة من يحملونه إلى الآخرين. من هنا الأهمية البالغة للكنيسة، كامل جماعة المسيحيين، إذ يُظهره بعضهم لبعض. ولك أن تقول إنه حين يتبع المسيح مسيحيان معاً لا يحصل فقط مقدار من المسيحية يكون ضعفي ما يحصل حين يتبعانه منفردين، بل بالحري ستة عشر ضعفاً.

إنما لا تنسى هذا: أنه من الطبيعي أولاً أن يتناول الطفل حليب أمه من دون أن يعرفها. وطبيعي بالمثل أن نرى نحن الإنسان الذي يساعدنا من دون أن نرى المسيح وراءه. إنما لا ينبغي أن نظل أطفالاً فعلينا أن نتقدم لنُميز المُعطي الحقيقي. ومن الجنون ألا نفعل هذا، لأننا إن لم نفعله، نكون متكلين على خلائق بشريين؛ الأمر الذي سيخذلنا حتماً. فأفضل البشر سيرتكبون أخطاءً؛ وجميعهم سوف يموتون. وفي حين ينبغي لنا أن نكون شاكرين لجميع الذين ساعدونا، إذ ينبغي أن نكرمهم ونحبهم، يجب عليك فعلاً ألا تُعلق كامل ثقتك أبداً بأي كائن بشري، حتى لو كان الأفضل والاحكم في الدنيا كلها. فهنالك كثير من الأشياء الحسنة التي يمكنك أن تصنعها بالرمل، ولكن لا تحاولنَّ أن تبني به بيتاً.

والآن يمكننا أن نبتدئ نرى عمّا يتكلم كتاب العهد الجديد دائماً. فهو يتكلم عن كون المسيحيين “مولودين ثانية”، وعن كونهم “لابسين المسيح”، وعن “تصور المسيح فيهم”، وعن كون “فكر المسيح فيهم”.

انزع من رأسك حالاً الفكرة القائلة بأن هذه التعابير ليست سوى طرق خيالية للقول إن من واجب المسيحيين أن يقرأوا ما قاله المسيح وأن يحاولوا تنفيذه، مثلما قد يقرأ امرؤ ما قاله أفلاطون أو ماركس ويحاول تطبيقه. فهي تعني شيئاً أكثر من ذلك بكثير. إنها تعني أن شخصاً حقيقياً هو المسيح، في المكان والزمان الحاليين، في ذلك بكثير. إنها تعني أن شخصاً حقيقياً هو المسيح، في المكان والزمان الحاليين، في ذلك المخدع الذي فيه ترفع صلاتك، يعمل أعماله لك وفيك. وليست المسألة أن إنساناً صالحاً مات منذ ألفي سنة وكفى.

إنها مسألة إنسان حيّ، ما زال إنساناً بمقدار كونك إنسان وما زال إلهاً بمقدار ما كان لما خلق الكون، يتقدم فعلاً ويتداخل في نفسك ذاتها، مُميتاً الذات الطبيعية القديمة فيكن ومستبدلاً بها ذاتاً من نوع ذاته؛ في البداية، لحظات فقط، وبعدئذ فترات أطول؛ وأخيراً، إذا سار كل شيء حسناً، يحوّلك بصورة دائمة إلى كائن من نوع مختلف، إلى مسيح صغير جديد، كائن بطريقته الصغيرة الخاصة له نوع حياة الله تماماً، وله نصيب في قدرته وفرحه ومعرفته وأبديته. ثم أننا سريعاً نكتشف اكتشافين آخرين.

(1) نبدأ نلاحظ، فضلاً عن أفعالنا الخاطئة الخاصة، طبيعتنا الخاطئة؛ إذ نبدأ نتنبه ليس فقط إلى ما نفعله، بل إلى ما نحن عليه. قد يبدو هذا الأمر صعباً بالأحرى، ولذلك سأحاول أن أوضحه من حياتي الخاصة. فعندما أصل إلى صلاتي المسائية، وأحاول حسبان خطايا يومي، أجد في تسع من عشر مرات أن أوضحها خطية ما بحق المحبة: فقد عبستُ أو خاشنتُ أو هزئتُ أو زجرتُ أو جافيتُ. وإذا بالعُذر الذي يتبادر إلى ذهني حالاً أن الاستفزاز كان مفاجئاً وغير متوقع، إذ أُخذتُ على غفلة منى، ولم يُتح لي الوقت أن أتمالك أو أتماسك.

والآن، قد يكون ذلك ظرفاً مخففاً فيما يتعلق بتلك الأفعال المخصوصة: إذ كان من شأنها أن تكون، بصورة بديهية، أسوأ لو كانت متعمدة أو مقصودة قصداً. هذا من ناحية؛ ومن الناحية الأخرى فإن ما يفعله الإنسان حين يؤخذ على حين غرة لهو يقيناً أفضل دليل على أي نوع من الناس هو. أو ليس ما يطلع فوراً قبل أن يُتاح للمرء وضع قناع هو الحقيقة؟ فإذا كان في قبو فئران، يُرجح جداً أن تراها إذا دخلت فجأة تماماً. ولكن الفجائية لا تُوجد الفئران، بل إنما تحول دون اختبائها فقط.

على هذا المنوال، لا تجعلني فجائية الاستفزاز إنساناً سيئ المزاج، بل إنما تُبين أي إنسان سيئ الطباع أنا. فالفئران موجودة دائماً في القبو، ولكن إذا دخلت صائحاً وضاجاً فإنها تختبئ قبل إشعالك الضوء. والبادي أن فئران الغيظ والحقد قابعة دائماً في قبو نفسن. وهذا القبو بعيد عن متناول إرادتي الواعية. وفي وسعي إلى حد ما أن أسيطر على أفعالي، إنما ليس سيطرة مباشرة على مزاجي.

وإذا كان ما نحن عليه (كما سبق أن قلت) أهم مما نفعله حقاً، وإذا كان ما نفعله يهم بالحقيقة كدليل على ما نحن عليه، فيصح بالضرورة أن التغيير الذي أحتاج إلى حصوله في أمس احتياج هو تغيير لا تستطيع جهودي الاختيارية المباشرة أن تُحدثه. وينطبق هذا على أفعالي الصالحة أيضاً. فكم واحداً منها قُمت به بدافع سليم؟ وكم واحداً فعلته خوفاً من الرأي العام أو رغبة بالتباهي؟ وكم واحداً بدافع نوع من العناد أو الإحساس بالتفوق كان يُمكن، في ظروف مختلفة، أن يؤدي على السواء إلى فعل طالح جداً؟ غير أنني لا أستطيع، بالجهد الخُلقي المباشر، أن أزود نفسي بدوافع جديدة.

فبعد خطواتنا القليلة الأولى في الحياة المسيحية، نُدرك أن كل ما ينبغي حقاً أن يجري في نفوسنا لا يمكن أن يُجريه إلا الله وحده. وهذا يوصلنا إلى أمر في كلامي طالما كان مضللاً جداً حتى الآن.

(2) ما برحت أتكلم كما لو كنا نحن من يقوم بكل شيء. إنما الله طبعاً هو من يفعل كل شيء. أما نحن، فأقصى ما نستطيعه هو أن نسمح بحدوث ذلك لنا. فبمعنى ما، يمكنك أيضاً أن تقول إن الله هو من يقوم بالتظاهر. ذلك أن الله الثالوثي الأقانيم، إن جاز التعبير، يرى أمامه بالحقيقة “حيواناً” بشرياً أنانياً جشعاً مُتذمراً عاصياً. غير أنه تعالى يقول: “لنتظاهر بأن هذا ليس مجرد مخلوق، بل هو ابننا. فهو مثل المسيح بقدر ما هو أنسان، لأن المسيح صار إنساناً.

ولنتظاهر أيضاً بأنه مثل المسيح في الروح. لنعامله كما لو أنه كان ما ليس هو في الواقع. لنتظاهر بُغية أن نجعل التظاهر حقيقة”. ذلك أن الله ينظر إليك كما لو كنت مسيحاً صغيراً؛ والمسيح يقف بجانبك كل يحولك إلى شخص كهذا. وأحسب أن هذه الفكرة بشأن نوع من التظاهر الإلهي تبدو بالحري غريبة أول الأمر. ولكن، أهي غريبة حقاً؟ أليس بهذه الطريقة يرفع الأعلى الأدنى دائماً؟ فالأم تُعلم طفلها التكلم بأن تتكلم إليه كما لو كان يفهم، قبل زمن طويل من مباشرته الفهم حقاً. ونحن نعامل حيواناتنا الأليفة كما لو كانت “عاقلة تقريباً”؛ ولذلك تصير بالحقيقة كأنها “عاقلة تقريباً” في نهاية المطاف.

لنتظاهر – سي إس لويس

العدوى الصالحة – سي إس لويس

العدوى الصالحة – سي إس لويس

العدوى الصالحة – سي إس لويس

العدوى الصالحة

 

أستهل هذا الفصل بأن أطلب منك تصور صورة واضحة في ذهنك. تصور كتابين موضوعين على طاولة، أحدهما فوق الآخر. فمن البديهي أن الكتاب السفلي يُبقي الكتاب الآخر في الأعلى، إذ يدعمه. فبسبب الكتاب السفلي، يستقر العلوي على ارتفاع يُقارب خمسة سنتمترات عن سطح الطاولة، بدل أن يُلامسها. ولندع الكتاب السفلي “أ” والعلوي “ب”. فوضعية “أ” تُسبب وضعية “ب”. أهذا واضح؟ والآن لنتصور أن ذينك الكتابين ما زالا على تلك الوضعية منذ الأزل (طبعاً، هذا لا يمكن حدوثه فعلاً، ولكننا نفترضه افتراضاً للتوضيح).

ففي تلك الحالة، تكون وضعية “ب” ناتجة كل حين من وضعية “أ”. ولكن رغم ذلك، ما كانت وضعية “أ” لتنوجد قبل وضعية “ب”. وبكلمة أخرى، فإن النتيجة لا تأتي بعد السبب. من غير ريب أن النتائج دائماً تلي الأسباب: فأنت تأكل الخيار ثم يُصيبك سوء الهضم في أعقاب ذلك. ولكن ليست هذه حال جميع الأسباب والنتائج. وسوف ترى بعد لحظة لماذا أعتبر هذا مهماً.

ذكرت قبل صفحات قليلة أن الله كائن يشتمل على ثلاث شخصيات (أقانيم) فيما يظل كائناً واحداً، مثلما يتكون المكعب من ستة مربعات فيم يبقى مجسماً واحداً. ولكن ما إن أبدأ بمحاولة شرح الكيفية التي بها تترابط هذه الأقانيم، حتى أضطر إلى استخدام كلمات تجعل الأمر يبدو كما لو أن واحداً منها كان موجوداً قبل الآخرين. فالأقنوم الأول يُدعى الآب، والثاني الابن، ونحن نقول أن الأول ولد الثاني أو أنتجه أزلاً، وهذا مدلول التعبير “مولود غير مخلوق”، لأن الناتج هو من ذات طبيعة المُنتج.

ومن هذه الناحية، تكون كلمة “الآب” هي الكلمة الوحيدة الممكن استخدامها. ولكن المؤسف أن هذا الكلمة توحي أنه موجود في الأول، مثلما يكون الأب البشري موجوداً قبل ابنه تماماً. ولكن الحقيقة غير ذلك، فليس الأول والثاني هنا بمعنى السابق واللاحق. لذلك أحسبه أمراً مهماً أن أوضح كيف يمكن أن يكون شيء ما مصدراً أو سبباً أو أصلاً لآخر بغير أن ينوجد قبله. فالابن موجود لأن الآب موجود، ولم يكن قط أي زمان سبق “ولادة” الآب للابن.

ولربما كانت أفضل طريقة للتفكير بهذا الأمر هي هذه. لقد طلبت منك قبل قليل أن تتصور ذينك الكتابين، ولعلك فعلت ذلك. أعني أنك قمت بفعل تصور ونتيجة لذلك تكونت لديك صورة ذهنية. فمن الواضح تماماً أن فعلك التصوري كان السبب، وأن الصورة الذهنية كانت النتيجة. ولكن هذا لا يعني أنك قمت أولاً بالتصور ثم حصلت على الصورة. فلحظة قيامك بالتصور، حصل الصورة. وكانت إرادتك حافظة للصورة أمامك كل حين.

إلا أن فعل الإرادة ذاك والصورة بدءا في اللحظة عينها تماماً وانتهيا في اللحظة عينها أيضاً. فإذا كان هناك كائن ما يزال موجوداً كل حين، وكان دائماً يتصور أمراً واحداً، فإن فعله هذا لابد أن يكون مُنتجاُ كل حين لصورة ذهنية، ولكن الصورة لابد أن تكون أزلية، مثلها مثل فعل التصور تماماً.

بهذه الطريقة، إذا جاز التعبير، علينا أن نفكر في الابن كل حين منبعثاً من الآب انبعاث النور من المصباح، أو الحرارة من النار، أو الأفكار من الذهن. إنه التعبير الذاتي عن الآب: ما يريد الآب أن يقوله. وما كان قط زمانٌ فيه لم يكن قائلاً له. إنما هل لاحظت ما هو حاصل؟ إن هذه الصور كلها، عن النور أو الحرارة، تجعل الأمر يبدو كما لو أن الآب والابن كانا شيئين، لا شخصين. وعليه، ففي نهاية المطاف تبدو صورة العهد الجديد عن الآب وابنه أدق بكثير جداً من أي شيء نحاول أن نستبدله بها.

وذلك هو ما يحصل دائماً حين تبتعد بعيداً عن كلمات الكتاب المقدس. لا بأس في الابتعاد عنها هنيهة لتوضيح نقطة ما. ولكن ينبغي لك دائماً أن تعود إليها. فبطبيعة الحال أن الله يعرف كيف يصف نفسه أفضل بكثير مما نعرف نحن أن نصفه. فهو يعرف أن علاقة الآب والابن أكثر شبهاً بالعلاقة بين الأقنومين الأولين من أي شيء آخر يمكننا أن نفكر فيه. وأهم أمر على الأرجح ينبغي أن نعرفه هو أنها علاقة محبة. فالآب يبتهج بابنه، والابن يرنو إلى أبيه.

إنما قبل المُضي قُدماً، لاحظ الأهمية العملية لهذه الحقيقة. فمختلف أنواع الناس يروقهم جداً تكرار العبارة المسيحة القائلة إن “الله محبة”. ولكن يبدو أنهم لا يلاحظون أن الكلمتين “الله محبة” لا تعنيان أي معنى حقيقي إلا إذا اشتملت الذات الإلهية على شخصين أو أقنومين، على الأقل. فالمحبة أمر يكنُّه شخص لشخص آخر. ولو كان الله شخصاً مُفرداً، لما كان محبة قبل خلق العالم. فطبعاً ما يعنيه هؤلاء القوم حين يقولون إن الله محبة غالباً ما يكون أمراً مختلفاً تماماً، إذ يعنون بالحقيقة أن “المحبة هي الله”.

إنهم يعنون بالحقيقة أن مشاعر المحية لدينا، كيفما وأينما ثارت، وهما كان النتائج التي تُسفر عنها، يجب أن تُعامل باحترام كبير. وربما كان الأمر كذلك، غير أنه أمر مختلف تماماً عما يعنيه المسيحيون بالعبارة: “الله محبة”. فإنهم يؤمنون أن نشاط المحبة الحي الفعال ما زال جارياً في الله منذ الأزل، وهو قد خلق كل شيء آخر.

وبالمناسبة، ربما كان ذلك هو أهم فرق بين المسيحية وباقي الأديان: أن الله في المسيحية ليس شيئاً، ولا حتى شخصاً، جامداً بل هو نشاط فعال نابض: حياة أو حتى دراما من نوع ما. وأكاد أقول، إن كنت لن تحسبني عديم التوقير، إنه نوع من الحركة بين اثنين على إيقاع. ثم إن الاتحاد بين الآب والابن هو أمر حي حقيقي وملموس بحيث إن هذا الاتحاد عينه هو أيضاً شخص أو أقنوم.

في علمي أن هذا مستحيل إدراكه تقريباً، ولكن انظر إليه على هذا النحو: أنت تعلم أنه بين الكائنات البشرية، حين يتحد الناس في عائلة، أو ناد أو نقابة، يتحدثون عن “روح” تلك العائلة أو ذلك النادي أو تلك النقابة. وهم يتحدثون عن “روح” تلك الكيانات لأن الأعضاء الأفراد، حين يكونون معاً، يكتسبون بالفعل طرائق معينة في التكلم والتصرف ما كانت لتكون لهم لو كانوا متفرقين.

(وهذا التصرف الجماعي يمكن بالطبع أن يكون إما أحسن من التصرف الفردي وإما أسوأ منه). فكأنما شخصية مشتركة برزت إلى الوجود. طبعاًن ليس هذه شخصاً حقيقياً، ولكنها بالأحرى تشبه شخصاً فحسب. إلا أن ذلك هو مجرد واحد من الفروق بين الله وبيننا. فالذي يطلع من الحية المشتركة بين الآب والابن هو شخص (أقنوم) حقيقي، بل هو بالحقيقة ثالث أقنوم من الأقانيم الثلاثة التي هي الله.

هذا الشخص الثالث يُدعى، في اللغة التقنية: الروح القدس، أو “روح” الله. فلا تقلق ولا تفاجأ إذا وجدته بالحري أكثر غموضاً أو إبهاماً في ذهنك من الآخرين. وأظن أن ثمة سبباً لوجوب كون الحال كما هو عليه. ففي المسيحية، لا تكون في العادة ناظراً إليه، بل إنه دائماً عامل بك. وإذا فكرت في الآب كشخص موجود “هناك في الخارج” أمامك، وفي الابن كمَن هو واقف بجانبك، مساعداً إياك على الصلاة، وساعياً إلى تحويلك ابناً آخر، فعليك عندئذ أن تُفكر في الأقنوم الثالث كشخص ساكن في داخلك، أو واقف وراءك.

وربما وجد بعضهم أسهل عليهم أن يبدأوا بالأقنوم الثالث ثم يعودوا بأفكارهم إلى الوراء. فإن الله محبة، وهذه المحبة تعمل من خلال البشر، ولا سيما من خلال جماعة المسيحيين بكاملها. غير أن روح المحبة هذا هو، منذ الأزل، محبة جارية بين الآب والابن.

والآن، ما أهمية الأمر كله؟ إنه أمر أهم من كل ما في الدنيا. فإن كامل حركة إيقاع هذه الحياة الثلاثة الأشخاص، أو الدراما أو النموذج المتعلقين بها، يجب أن تُمثل فعلاً في كل واحد منا؛ أو (إن شئنا التعبير بطريقة معاكسة) ينبغي لك منا أن يدخل ذلك النموذج شاغلاً مكانه في الحركة الإيقاعية. وليس من سبيل آخر إلى السعادة التي لأجلها قد صُنعنا. وكما تعلم، فإن الأمور الصالحة، شأنها شأن الطالحة، تُكتسب بنوع من العدوى.

فإن أردت أن تدفأ، ينبغي أن تقف بقرب النار؛ وإن أردت أن تتبلل، ينبغي أن تدخل الماء، وإن أردت الفرح والقوة والسلام والحياة الأبدية، فينبغي أن تقترب، بل أن تدخل أيضاً، إلى حيث تجد هذه الأمور جميعاً. فهي ليس نوعاً من الجائزة التي يستطيع الله، إذا شاء، أن يقدمها إلى أي إنسان. إنها نبع عظيم من الطاقة والبهاء يتدفق من قلب الحقيقة بالذات. فإذا كنت على مقربة منه، يبللك رذاذه؛ وإلا بقيت جافاً. وإذا ما اتحد الإنسان بالله، فكيف لا يسعه أن يحيا إلى الأبد؟ أما إذا كان منفصلاً عن الله، فماذا يسعه أن يفعل سوى الذبول والموت؟

ولكن كيف له أن يتحد بالله؟ كيف يمكننا أن ننجذب إلى قلب حياة الأقانيم الثلاثة؟

لعلك تذكر ما قلته في الفصل الأول من هذا الباب عن “الولادة” والصنع”. فنحن غير مولودين من الله، بل مصنوعون بيده فقط: ففي حالتنا الطبيعية، نحن لسنا أبناء الله، بل مجرد تماثيل (إن صح التعبير). وليس لدينا “زُويي” أو الحياة الروحية، بل فقط “بِيُوس” أو الحياة البيولوجية التي سوف تتوقف وتموت عما قريب. فالآن، هذا هو كامل العرض الذي تقدمه المسيحية: أن في إمكاننا، إذا سمحنا لله بأن يعمل عمله، أن نُقبل إلى الاشتراك في حياة المسيح.

فإذا فعلنا ذلك، فسنكون حينئذٍ مشتركي في حياة “مولودة”، غير مصنوعة، طالما وُجدت كل حيت وستبقى موجودة دائماً أبداً. إن المسيح هو ابن الله. فإن صارت لنا شركة في نوع هذه الحياة، فنحن أيضاً سنصير أبناء الله. وسنحب الآب كما يحبه المسيح، ويمكث الروح القدس ويفيض فينا. فقد جاء المسيح إلى هذا العالم وصار إنساناً لكي يمد الناس الآخرين بنوع الحياة الذي له… بما أدعوه “العدوى الصالحة”. وعلى كل مسيحي أن يصير مسيحاً صغيراً. فليس كامل الغرض من صيرورة المرء مسيحياً بالحق أي شيء آخر سوى هذا!

العدوى الصالحة – سي إس لويس

الزمان وما وراء الزمان – سي إس لويس

الزمان وما وراء الزمان – سي إس لويس

الزمان وما وراء الزمان – سي إس لويس

الزمان وما وراء الزمان

فكرة سخيفة جداً أنه يجب عليك عند قراءة كتاب ما ألا “تتخطى” أي فقرة. فجميع العاقلين يتخطون بحرية فصلاً يَصِلون إليه إذا تبين لهم أنه لن يكون مفيداً لهم. وفي هذا الفصل سأتكلم عن موضوع قد يكون مفيداً لبعض القراء، إلا أنه قد يبدو في نظر آخرين مجرد “تعقيد” لا داعي له. فإذا كنت من صنف القراء الثاني، أنصحك بألا تكلف نفسك عناء قراءة هذا الفصل إطلاقاً، بل تخطَّه إلى التالي.

كان عليَّ في الفصل السابق أن أتطرق إلى موضوع الصلاة. وبينما لا يزال هذا الموضوع حاضراً في ذهنك وذهني، أود التطرق إلى صعوبة يلقاها بعض الناس بشأن فكرة الصلاة بكاملها. وقد عبّر عنها أحدهم إذ قال لي: “يمكنني أن أُومن بالله جيّداً، ولكن ما لا أقدر أن أهتضمه هو فكرة إصغائه إلى بضع ملايين من البشر فيما يخاطبونه في وقت واحد”. وتبين لي أن عدداً لا بأس به من الناس يرون هذا الرأي.

والآن، فأول أمر تنبغي ملاحظته هو أن العقدة الكأداء تكمن في الكلمات “في وقت واحد”. فمعظمنا يمكن أن يتصوروا الله مصغياً إلى أي عدد من المصلّين إن هم فقط قصدوا إليه واحداً فواحداً وكان لديه وقت غير محدود لفعل ذلك. وعليه، فما يكمن وراء هذه الصعوبة حقاً هو فكرة اضطرار الله إلى حشر عدّة أمور في لحظة واحدة من الوقت.

أجل، إن ذلك بالطبع هو ما يحدث لنا نحن. فحياتنا تأتينا لحظة فلحظة. إذ تتلاشى لحظة قبل أن تأتي التالية، ولا يتسع المجال في كل لحظة إلا للقليل جداً. هكذا هو الوقت فعلاً. وبالطبع، نميل أنا وأنت إلى التسليم بديهياً بأن تتالي الزمان هذا – أي نسق الماضي الحاضر المستقبل – ليس هو فقط طريقة إقبال الحياة إلينا بل أيضاً طريقة وجود كل شيء حقاً. فنحن نميل لأن نفترض أن الكون كله والله ذاته يتحركان كل حين قُدماً من الماضي إلى المستقبل كحالنا نحن.

غير أن كثيرين من المثقفين لا يوافقوننا في الرأي. وقد كان اللاهوتيون أول من أطلقوا فكرة وجود بعض الأشياء خارج إطار الزمان كلياً، وفيما بعد تلقّف الفلاسفة الفكرة منهم، والآن يحذو بعض العلماء حذوهم.

فالله، بكل تأكيد، ليس داخل إطار الزمان. إذ إن حياته لا تتكون من لحظات تلي إحداها الأخرى. فإن كان ملايين الأشخاص يُصلون إليه في الساعة العاشرة والنصف هذه الليلة، فلا وجوب لأن يُصغي إليهم في تلك اللُحَيظة التي ندعوها العاشرة والنصف. ذلك أن العاشرة والنصف، وكل لحظة أخرى من بدء العالم، هي الحاضر عنده دائماً، وإذا شئت عبّرنا عن هذا بقولنا إن لديه الأزلية كلها ليُصغي فيها إلى تلك الصلاة التي لا تدون سوى كسر من الثانية والتي يرفعها إليه طيّار فيما تتحطم طائرته وتشتعل.

أعرف أن هذا صعب. فلأحاول إعطاء شيء يشبهه قليلاً، وإن لم يكن تماماً. هبّني أكتب رواية، وأخط هذا الجملة: “ألقت مريم شغلها من يداها، وفي اللحظة التالية سمعت قرعاً على الباب!” فبالنسبة إلى مريم المضطرة أن تعيش في زمن قصتي الخيالي، ليس من فترة فاصلة بين إلقائها الشغل وسماعها القرع. ولكني أنا، صانع مريم، لا أعيش في ذلك الزمن الخيالي أبداً. فبين كتابة أول نصف من الجملة والثاني، قد أجلس ثلاث ساعات وأفكر في مريم بثبات.

وفي وسعي أن أفكر في مريم كما لو كانت الشخصية الوحيدة في الكتاب، وطوال الوقت الذي أشاؤه. ثم أن الساعات التي أقضيها في ذلك لا تظهر أبداً في زمان مريم، أي الزمان الذي تنطوي عليه الرواية.

ليس هذا بالطبع توضيحاً كاملاً. إلا أنه يمكن أن يُعطي ولو لمحة على ما أعتقد أنه الحق. فإن الله ليس مستعجلاً على طول مجرى الزمن الخاص بهذا العالم، كما أن الروائي ليس مستعجلاً على طول الزمن الخيالي في روايته. فلديه انتباه غير محدود يوفره لكل واحد منا. وليس مضطراً لأن يتعامل معنا ونحن وسط حشد. فأنت وحدك في حضرة الله تماماً كما لو كنت الكائن الوحيد الذي خلقه على الإطلاق، ولمّا مات المسيح، فقد مات لأجلك شخصياً كما لو كنت الإنسان الوحيد في العالم.

ولكن الناحية التي فيها ينهار توضيحي هي هذه. ففيه يخرج المؤلف من تتال زمني معين (ذاك الذي في الرواية) فقط بانتقاله إلى داخل تتال زمني آخر (هو التتالي الواقعي). غير أن الله، حسبما أعتقد، لا يحيا في إطار أي تتال زمني أبداً. فليست حياته مُتقطّرة لحظة فلحظة مثل حياتنا: فما زال الزمان لديه، إذا جاز التعبير، سنة 1920 وقد أصبح فعلاً 1960. إذ أن حياته هي ذاته.

فإذا تصورنا زمننا كخط مستقيم علينا أن نرحل على طوله، ينبغي لك عندئذ أن تتصور الله كما لو كان كامل الصفحة التي رُسم عليها ذلك الخط. ونحن نبلغ أجزاء الخط واحداً فواحداً: فعلينا أن نغادر النقطة “أ” قبل أن نصل إلى النقطة “ب”، ولا يمكننا أن نصل إلى “ج” إلا بعد مغادرتنا “ب” غير أن الله، من فوق أو من خارج أو من كل جهة حوالينا، يحتوي الخط بكامله ويراه بُمجمله.

هذا الفكرة جديرة بالاستيعاب، لأنها تُبدد شيئاً من الصعوبات الماثلة في المسيحية. فقبل أن صرت مسيحياً حقيقياً، كان أحد اعتراضاتي هو التالي. قال المسيحيون إن الله الأزلي الحاضر في كل مكان، والمحرك والضابط للكون كله، صار ذات مرة كائناً بشرياً.

فقلت: حسناً إذاً، فكيف ظلّ الكون كله سائراً حين كان طفلاً أو فيما هو نائم؟ كيف يُعقل أن يكون هو في الوقت عينه الله العليم بكل شيء وأيضاً إنساناً يسأل تلاميذه: “مَن لمسني؟” ولا بد أن تلاحظ أن العقدة تكمن في الكلمات المتعلقة بالزمن: “حين كان طفلاً… فما هو نائم…. كيف يُعقل… في الوقت عينه؟”

بعبارة أخرى، كنتُ أفترض أن حياة أن حياة المسيح من حيث كونه الله كانت في الزمان، وأن حياته من حيث كونه يسوع الإنسان في فلسطين كانت فترة زمنية أقصر اقتُطعت من ذلك الزمان، تمامً كما كانت خدمتى في الجيش أقصر اقتطعت من حياتي كلها. وبهذه الطريقة ربما مال معظمنا إلى التفكير في الأمر. فنحن نتصور الله حياً طوال فترة من الزمان فيها كانت حياته البشرية ما تزال طي المستقبل، ثم منتقلاً إلى فترة صارت فيها تلك الحياة حاضراً، ثم متقدماً إلى فترة فيها باتت أمراً من الماضي يمكنه أن يلقي عليه نظرة إلى الوراء.

ولكن هذه الأشياء كلها ربما لا توازي شيئاً من الحقائق الفعلية. فليس في وسعك أن تضع حياة المسيح على الأرض في فلسطين داخل إطار أية علاقات زمنية بحياته بصفته الله ما وراء المكان والزمان كلياً. إنها في الواقع، كما أرى، لحقيقة سرمدية عن الله أن الطبيعة البشرية، والاختبار البشري المتعلق بالضعف والنوم وقلة المعرفة، مشمولان على نحو ما في حياته الإلهية بمُجملها.

فهذه الحياة البشرية في الله، من زاوية نظرنا نحن، هي فترة زمنية محددة في تاريخ عالمنا (من السنة الأولى للميلاد حتى الصلب). ومن ثم نتصور أنها أيضاً فترة في تاريخ وجود الله بالذات. غير أن الله ليس له تاريخ. فهو حقيقي تماماً وكلياً بحيث لا يُعوزه تاريخ. ذلك أن حيازة المرء لتاريخ ما يعني بالطبع فقدانه جزءاً من حقيقته (إذ قد انساب فعلاً إلى داخل الماضي) وعدم حيازته بعدُ جزءاً آخر (لأنه ما زال طيّ المستقبل)، وفي الواقع عدم حيازته لشيء سوى الحاضر الضئيل اليسير الذي يكون قد مضى قبل تمكنك من التكلم عنه. فحاشا لنا أن نُفكر في الله على أنه هكذا! حتى نحن أنفسنا نرجو ألا نُحدد دائماً على هذا النحو.

هذا، وتواجهنا صعوبة أخرى إذا تصورنا أن الله يحده الزمان. فإن كل من يؤمن بالله أصلاً يؤمن بأنه تعالى يعرف ما سنفعله أنا وأنت غداً. ولكن ما دام يعلم أنني سأفعل كذا وكذا، فكيف يمكن أن أكون حُراً لأفعل غير ذلك؟ حسناً، هنا أيضاً تأتي الصعوبة من ظننا أن الله يتقدم مثلنا على طول خط الزمان، إنما الفرق الوحيد أنه يقدر أن يرى ما سيكون فيما لا نقدر نحن. فأقول إنه لو صح ذلك، أي لو سبق الله فرأى أفعالنا، لكان صعباً علينا جداً أ، نفهم كيف يُعقل أن نكون أحراراً في ألاّ نفعلها.

ولكن لنفترض أن الله هو خارج خط الزمان وفوقه. ففي هذا الحالة، يكون ما ندعوه نحن “غداً” مرئياً لديه تماماً مثل ما ندعوه “اليوم”. إذ إن جميع الأيام هي “الآن” لديه. فهو لا يتذكر قيامك بالأمور أمس، بل إنما يراك قائماً بها، لأنه وأن كنت أنت قد فقدت يوم أمس فهو لم يفقده.

وهو لا “يرى مُسبقاً” قيامك بالأمور غداً، بل إنما يراك قائماً بها، لأنه وإن لم يكن الغد في حوزتك بعد فهو ماثل أمامه فعلاً. وأنت لم تحسب قط أن أفعالك في هذه اللحظة كانت أقل حرية لأن الله يعلم ما أنت فاعل. وهو أيضاً يعلم أفعال غدك بالطريقة عينها تماماً: لأنه موجود أصلاً في الغد ويستطيع أن يراقبك بكل يُسر. فبمعنى ما، هو لا يعرف فعلك حتى تكون قد فعلته، ولكن عندئذ تكون اللحظة التي فيها قمت به هي “الآن” بالنسبة له.

هذه الفكرة ساعدتني كثيراً. فإن كانت لا تساعدك، فدعك منها. إنها “فكرة مسيحية” بمعنى أن مسيحيين كباراً وحكماء قالوا بها، وليس فيها ما يُناقض المسيحية في شيء. غير أنها ليس مذكورة بصراحة في الكتاب المقدس، ولا في أي من قوانين الإيمان. ففي وسعك أن تكون مسيحياً صالحاً تماماً بغير أن تقبل الفكرة، أو في الحقيقة بغير أن تفكر في المسألة إطلاقاً.

الزمان وما وراء الزمان – سي إس لويس

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

 

عُني الفصل السابق بالفرق بي الولادة والصُنع. فالإنسان يلد ولداً، ولكنّه يصنع تمثالاً. ولهذا عبرّنا عن بُنوّة المسيح الأزلية بصورة الولادة، في حين نقول إن الله صنع الإنسان صُنعاً. ولكنني بذلك أوضحت نقطة واحدة عن الله، ألا وهي أن المولود من الله الآب هو الله أيضاً، أي أن له طبيعة الله بالذات. وهكذا، اعتُمدت حقيقة ولادة الأب البشري لابن بشري صورة تقريبية، إلا أنه ليست كاملة. وعليه، فلا بد أن أحاول تقديم مزيد من التوضيح.

يقول كثيرون من الناس اليوم: “أن أومن بإله، ولكن ليس بإله ذي شخصية”. إذ يشعرون بأن ذلك الكائن الغامض الموجود وراء كل كائن آخر لا بد أن يكون أسمى من شخص فحسب. وعلى هذا يوافق المسيحيون إلى أبعد حد. غير أن المسيحيين هم وحدهم مَن يقدمون فكرة ما عن ماهية الكائن الذي هو أسمى من الشخصية.

فالآخرون جميعاً، رغم قولهم إن الله أسمى من الشخصية يُفكرون فيه بالحقيقة كما لو كان كائناً غير شخصي، أي كائناً أدنى من كونه شخصاً. وإن كنتَ تبحث عن كائن فائق للشخصي، أي كائن أسمى من الشخصية، فلا خيار لك بين المسيحية وسواها من المفاهيم، إذ إن المفهوم المسيحي بهذا الشأن هو وحده المطروح في الميدان.

أيضاً يعتقد بعض الناس أنه بعد هذه الحياة، أو ربما بعد بضع حيوات، سوف “تذوب” النفوس البشرية. ولكن عندما يحاولون أن يشرحوا ما يقصدونه، يبدو أنهم يتحدثون عن ذوبان النفوس في الله كما تذوب مادة في أخرى. إذ يقولون إن ذلك يُشبه انسياب قطرة ماء إلى البحر. ولكن هذا بالطبع يُنهي قطرة الماء أو يُلاشيها. فإذا كان ذلك هو ما سيحدث لنا، فالذوبان عندئذ هو الكف عن الوجود بعينه. إنما المسيحيون وحدهم لديهم فكرة ما عن كيفية انتقال نفوس البشر إلى قلب حياة الله وبقائها مع ذلك كما هي، بل الحقيقة صيرورتها على حقيقتها أكثر بكثير مما كانت قبلاً.

لقد نبّهتُكم إلى أن علم اللاهوت أمر عملي. فإن جُل القصد من وجودنا هو أن نؤخذ هكذا إلى داخل حياة الله. ومن شأن الأفكار الخاطئة عن ماهية تلك الحياة أن تجعل علم اللاهوت أصعب. فالآن، لابد من أن أطلب إليكم أن تُعيروني انتباهاً أكثر، على مدى بضع دقائق.

تعلمون أنكم في الفضاء (أو الفراغ) تستطيعون أن تتحركوا في ثلاثة اتجاهات: إلى اليسار أو اليمين، إلى الوراء أو الأمام، إلى فوق أو إلى تحت. وكل اتجاه فهو إما واحدُ من هذا الثلاثة، وإما منزلة وسط بينها. وتُدعى هذه الاتجاهات “الأبعاد الثلاثة”. فلاحظ ما يلي الآن. إذا كنت تستخدم بُعداً واحداً فقط، يمكنك أن ترسم فقط خطاً مستقيماً. وإذا كنت تستخدم بُعدين، يمكنك أن ترسم شكلاً مُسطّحاً، كالمربع مثلاً.

والمربع يتكون من أربعة خطوط مستقيمة. ولنخط الآن خطوة أخرى إلى الأمام. إذا كان لديك ثلاثة أبعاد، ففي وسعك عندئذ أن تبني ما ندعوه شكلاً مجسّماً، كالمكعب مثلاً: شيئاً يُشبه النرد (زهر الطاولة) أو مكعب السُكر. ومعلوم أن المكعب يتكون من ستة مربعات.

هل فهمت المقصود؟ إن عالماً ذا بعد واحد من شأنه أن يكون خطاً مستقيماً. وفي عالم ذي بُعدين، ما تزال تحصل على خطوط مستقيمة، ولكن بضعة خطوط تكون شكلاً ما. أما في عالم ثلاثي الأبعاد، فإنك ما تزال تحصل على أشكال، ولكن بضعة أشكال تكوّن مجسّماً واحداً. وبكلمة أخرى: إذا تقدمت إلى مستويات أكثر واقعية وأكثر تعقيداً، فأنت لا تتخلى عن الأشياء التي وجدتها على المستويات الأبسط، بل ما تزال تلك لديك إنما متشكلة بطرق جديدة… بطرق ما كنت لتتصورها لو لم تعرف سوى المستويات الأبسط.

والآن، فالفكرة المسيحية عن الله تنطوي على المبدأ عينه تماماً. ذلك أن المستوى البشري مستوى بسيط وفارغ بالأحرى. فعلى المستوى البشري، الشخص الواحد كائن واحد، وأي شخصين هما كائنان منفصلان، تماماً كما أنه في بُعدين (على ورقة مُسطحة مثلاً) يكون المربع الواحد شكلاً واحداً، وأي مُربعين اثنين يكونان شكلين منفصلين. أما على المستوى الإلهي، فما تزال تجد شخصيات، غير أنك هنالك تجدها متحدة بطرق جديدة لا يمكننا، نحن الذين لا نعيش على ذلك المستوى، أن نتصورها.

ففي البعد الإلهي، إذا جاز التعبير، تجد كائناً ذا ثلاث شخصيات (أقانيم) فيما يبقى كائناً واحداً، كما أن المكعب هو ستة مربعات فيما يبقى مكعباً واحداً. طبعاً ليس في وسعنا أن نتصور تماماً كائناً كهذا: تماما لما لو أننا كنا مخلوقين على نحو لا يمكننا من إدراك سوى بُعدين فقط في الفضاء، أو الفراغ، لما كان في وسعنا أبداً أن نتخيل مكعباً بالطريقة الصحيحة. إنما يمكننا أن نكون عنه نوعاً من الفكرة الواهية.

حتى إذا فعلن ذلك، نكون عندئذٍ، أول مرة في حياتنا، مُكونين فكرة إيجابية، مهما كانت واهية، عن كائن فائق للشخصية، كائن يعدو كونه شخصاً. وهذا أمرٌ ما كان يمكننا أن نحزره قطعاً، ومع ذلك فما إن يقال لنا حتّى يشعر المرء بأنه كان ينبغي له أن يحزره، لأنه يتناسب جيداً مع جميع الأمور التي نعرفها فعلاً.

ولعلك تسأل: “ما دمنا لا نستطيع أن نتصور كائناً ثُلاثي الشخصيات (ثالوث الأقانيم)، فأي خير في التكلم عنه؟ حسناً، لا خير البتة في التكلم عنه. إنما الأمر المهم حقاً هو أن ننجذب فعلاً إلى تلك الحيات ذات الشخصيات الثلاث. ومن الممكن أن تباشر هذا في أي وقت، بل الآن إذا شئت!

وهاك ما أعنيه. ان المسيحي المؤمن البسيط يجثو لكي يصلي وهو يحاول أن يتواصل مع الله. وإن كان مؤمناً فهو يعلم، إن ما يحثه على الصلاة أيضاً هو الله: الله الساكن في داخله، إن جاز التعبير. إلا أنه يعلم أيضاً أم معرفته الحقيقية لله تأتي كلها عبر المسيح، الإنسان الذي كان الله، كما يعلم ذلك أن المسيح واقف بجانبه، مساعداً إياه على الصلاة، ومصليّاً لأجله، أترى ما هو حاصل؟ إن الله هو الكائن الذي إليه يُصلي المؤمن: أي الهدف الذي يَنشد بلوغه. ثم أن الله هو أيضاً الكائن الذي في داخله والذي يحثُه: أي القدرة الحافزة.

كما أن الله أيضاً هو الطريق أو الجسر الذي عليه يُحث المؤمن لنشدان ذلك الهدف. وعليه، فإن كامل الحياة الثلاثية للكائن الثلاثي الشخصيات (أو الأقانيم) ناشطة فعلاً في ذلك المخدع البسيط حيث يرفع إنسان عادي بسيط صلاته. ذلك أن هذا الإنسان منجذب إلى نوع الحياة الأسمى: الحياة الروحية التي سميّتها “زُويي”، حيث يجذبه الله إلى رحاب حياة الله، فيما يبقى هو نفسه.

هكذا بدأ علم اللاهوت. فقد كان الناس يعرفون عن الله بطريقة غامضة. ثم جاء إنسان صرح بأنه هو الله. إلا أنه لم يكن إنساناً من النوع الذي يمكنك أن تصرفه باعتباره مجنوناً. فقد جعل قوماً يؤمنون به مُصدقين. ثم قابلوه من جديد بعد أن شاهدوه يُقتل. ومن ثم، بعدما شُكلوا جماعة صغيرة أو مجتمعاً صغيراً، وجدوا الله على نحو ما في داخلهم أيضاً، مُرشداً لهم ومُقدراً إياهم على القيام بأمور لم يكونوا يستطيعون فعلها من قبل. لما تدبروا الأمر، تبين لهم أنهم قد أدركوا التعريف المسيحي لله الثلاثي الشخصيات أو الأقانيم.

وليس هذا التعريف شيئاً اختلقناه اختلاقاً، فعلم اللاهوت، بمعنى من المعاني، علم اختباري. والديانات البسيطة هي تلك المخُتلقة. وحين أقول إنه علم اختاري “بمعنى من المعاني”، أعني أنه مثل العلوم الاختبارية الأخرى من بعض النواحي، لا من كل ناحية. فإن كنت جيولوجياً تدرس الصخور، ينبغي لك أن تمضي وتجد الصخور. إذ إنها لن تأتي هي إليك.

وإذا ذهبت إليها، فلا يمكنها أن تهرب منك. فالمبادرة هي بيدك كلياً. والصخور لا تقدر أن تُعينك ولا أن تعيقك.  إنما افترض أنك عالم بالحيوان وتريد أن تلتقط صوراً للحيوانات البرية في مآويها الأصلية. فهذا يختلف قليلاً عن دراسة الصخور. ذلك أن الحيوانات البرية لن تأتي إليك. بل يمكن أن تهرب منك. وما لم تظل هادئاً جداً، فإنها تهرب حتماً. وعدم هربها هو بحد ذاته شيء يُعتبر مبادرة منها.

والآن نرتقي درجة أعلى: افترض أنك تريد أن تتعرف بشخص بشري. فإن كان عازماً على ألا يسمح لك، فلن تبلغ إلى معرفته أبداً. عليك أن تكسب ثقته. وفي هذه الحالة تتوزع المبادرة بالتساوي؛ والصداقة تستوجب وجود شخصين.

وعندما نصل إلى التعرف بالله، فالمبادرة في يده هو. فإن كان لا يُظهر ذاته. فلا شيء تقدر أن تفعله يُمكنك من أن تجده. وهو بالحقيقة يُظهر من ذاته لبعض الناس أكثر بكثير مما يُظهر للآخرين. ليس لأنه يُحابي أناساً، بل لأن من المستحيل أن يُظهر ذاته لإنسان ذهنه وخلقه منصرفان كلياً في الاتجاه الخطأ: تماماً كما لا يمكن لنور الشمس، رُغم عدم محاباته، أن ينعكس في مرآة مغبّرة بمثل الوضوح الذي به ينعكس في مرآة نظيفة.

ومن الممكن أن نعبر عن الأمر بطريقة أخرى، بقولنا إن الأدوات التي تستخدمها في العلوم الأخرى هي أشياء خارجية بالنسبة إلى ذاتك (كالميكروسكوب والتليسكوب ونحوهما)، أما الأداة التي بواسطتها ترى الله فهي نفسك بكاملها. وإذا كانت نفس الإنسان لا تُحفظ نظيفة ونيّرة، فإن رؤيته لله ستكون مضطربة… كما لو كنت تُعاين القمر بواسطة تليسكوب متُسخ. لذلك كانت للأمم الرهيبة أديان رهيبة: فلطالما كانت تنظر إلى الله عبر عدسة قذرة.

فلا يمكن أن يُظهر الله ذاته على حقيقته إلا لأناس حقيقيين. وهذا لا يعني فحسب لأناس صالحين فردياً، بل لأناس متحدين معاً في كيان واحد، مُحبين بعضهم بعضاً، مساعدين أحدهم الآخر، مُظهرين الله بعضهم لبعض. فعلى هذا الصورة قصد الله للبشرية أن تكون: كالعازفين في فرقة واحدة، أو الأعضاء في جسد واحد.

وعليه، فإن الأداة الوحيدة الوافية تماماً للتعلم عن الله هي الجماعة المسيحية بكاملها، التي تنتظره معاً. فالأخوّة المسيحية، إذا جاز التعبير، هي العدة التقنية لهذا العلم؛ أو معدات مُختبره. ولهذا السبب، فإن أولئك الذين يطلعون كل بضع سنوات بديانة مُبسطة من اختراعهم الخاص كبديل من المسيحية الأصلية المتوارثة إنما يُضيّعون وقتهم عبثاً. كأن رجلاً ليس ليه من أداة سوى منظار حربي عتيق، ينطلق لكي يُصحح آراء جميع علماء الفلك الحقيقيين؛ فقد يكون رجلاً ذكياً، بل ربما كان أذكى من بعض علماء الفلك الحقيقيين، غير أنه لا يعطي لنفسه فرصة.

ثم تر سنتان، فإذا بالجميع ينسون أمره، إلا أن العلم الصحيح ما يزال ماضياً إلى الأمام.

فلو كانت المسيحية شيئاً من صُنعنا نحن، لكنا جعلناها أسهل بالطبع. غير أنها ليست كذلك. وليس في وسعنا أن نتنافس، في البساطة، مع أولئك الذين يبتدعون أدياناً. أنى يكون لنا ذلك؟ فنحن إنما نتناول الحقيقة وطبعاً، في وسع أي أمرئ أن يُبدي البساطة إذا لم تكن لديه حقائق يُعنى بها!

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

Exit mobile version