[عندما أكل آدم من ثمر الشجرة رأى نفسه عاريا وانفتحت عيناه وصُرَّت أسنانه، فقال لها (لحواء): ما هذا الذي أعطيتني لآكل؟ لأن عينيا انفتحت وأسناني قد صُرَّت. مثلما صُرَّت اسناني هكذا تُصَّر أسنان كل الأجيال][1]
مدراش رباه للتثنية (9: 8)
[قال الرابي ليفي: بماذا يشبه (هذا) الأمر؟ – يشبه امرأة أخطأت فحُبِست في السجن وولدت هناك ابناً. كبر الطفل، (وعندما) مرّ الملك أمام السجن فبدأ هذا الطفل يبكي (قائلاً): يا سيدي الملك، لماذا انا محبوس في السجن؟ فقال له الملك: بسبب خطية أمك أنت موضوعاً ههنا. قال موسى: يا سيد العالم هناك 36 خطية إن تعدى انساناً على واحدةً منهم فهذا يستوجب أن يموت. فهل تعديت (أنا) على واحدةً منهم!؟ فلماذا تحكم عليَّ بالموت؟ – قال له: أنت ستموت بسبب خطية آدم (الانسان) الأول والذي جلب الموت للعالم][2]
الزوهار (1: 113 بـ)
[بكى الرابي شمعون وقال: الويل للعالم الذي أُمسِك بعد هذا، لأنه من هذا اليوم الذي فيه اغرت الحية الشريرة آدم، تسلطت (الحية) على آدم وعلى بني العالم. هي (الحية) قامت لتقاوم العالم، والعالم لا يستطيع أن يخرج من مزلتها حتى يأتي الملك المسيح. ويُقيم القدوس المبارك النائمين في التراب كما هو مكتوب “يبلع الموت إلى الأبد” (اش 25: 8) ومكتوب “أزيل.. الروح النجس من الأرض” (زك 13: 2)، و(لكن) إلى هذا الحين، هي (الحية) قائمة لتسحق أرواح كل بني البشر][3] (ترجمة بتصرف)
في طقس عيد الكفارة تقدم المرأة الحُبلى ذبيحتان. واحدة عن نفسها وواحدة عن جنينها
كيتسور شولحان عروخ
[من المُعتاد أن تُصنع ذبائح الكفارة في مساء يوم الكفارة في هزيع الصبح. لأنه حينئذ تتعاظم الرحمة. يأخذون ديكاً ليس مخصياً للذكر، وفرخة للأنثى، وللمرأة الحُبلى ديكاً وفرخة][4]
تسلط تصور الشر على الإنسان منذ ولادته (وراثة الطبيعة الفاسدة – الموت)
تسلط تصور الشر في التلمود البابلي (سنهدرين – 91 بـ)
[قال انطونينوس للرابي: منذ متى يتسلط تصور الشر على الانسان؟ من ساعة تكوينه أم من ساعة خروجه (من الرحم)؟ – قال له: منذ تكوينه، قال له: لو كان الأمر كذلك لقاوم وهو في بطن أمه وخرج، إنما (يتسلط عليه) من ساعة خروجه. قال رابي أن هذا هو الأمر الذي علمني إياه أنطونينوس ويعضده المقرآ[5] كما قيل “فعند الباب خطية رابضة” (تك 4: 7)][6]
تجد نفس هذا التفسير في مدراش رباه للتكوين (34: 10)
تسلط تصور الشر في التلمود الأورشليمي (برخوث – 27 بـ)
[مكتوب “لأن تصور قلب الانسان شرير منذ حداثته -מנעריו-” (تك 8: 21)، قال الرابي يودن: مكتوب (מנעריו) أي من ساعة أن يتحرك (נער) ويخرج الى العالم][7]
تسلط تصور الشر في آفوث درابي ناثان (16)
[بخصوص تصور الشر.. من بطن الأم (تكون) في الانسان، تكبر وتكون معه][8]
تسلط تصور الشر في تفسير راشي (تك 8: 21)
[“منذ حداثته –מנעריו–” (تك 8: 21)، مكتوب (מנעריו) أي منذ أن يتحرك ليخرج من بطن أمه يُوضع فيه تصور الشر][9]
* رداك أيد نفس هذا التفسير
تصور الشر لا ينتهي إلا بمجئ المسيح – مدراش رباه للخروج (46: 4)
[قال اسرائيل: يا سيد العالم، أنت كتبت عنا “هوذا كالطين بيد الفخاري أنتم هكذا بيدي يا بيت اسرائيل” (ار 18: 6) بالرغم من أننا خطائين ومُغيظين أمامك لا تبتعد عنا لأننا كالطين وأنت مصورنا. تعال وانظر، لو أن الفخاري صنع وعاءاً ويضع فيه صُرة فعندما يخرجه من الآتون لو وضع فيه انسان سائلاً فإنه سيُسكب من مكان الصُرة ويضيع السائل الذي فيه ..كذلك قال اسرائيل أمام القدوس مُباركٌ هو:
يا سيد العالم لقد خلقت بنا تصور الشر منذ حداثتنا كما قيل “لأن تصور قلب الانسان شرير منذ حداثته -מנעריו-” (تك 8: 21) وهذا يجعلنا نخطأ أمامك ولم تنزع عنا (من يدفعنا لـ) الخطية، فرجاءاً انزعها عنا حتى بذلك نقدر أن نصنع مشيئتك، فقال لهم: إني أفعل ذلك في العالم الآتي (عصر المسيح) كما قيل “في ذلك اليوم يقول الرب أجمع الظالعة وأضم المطرودة والتي أضررت -הרעתי- بها” (مي 4: 6) ما هي “הרעתי”؟ – هي تصور الشر كما قيل “لأن تصور قلب الانسان شرير -רע- منذ حداثته” (تك 8: 21)][10]
[1] פרקי דרבי אליעזר – פרק יג [כיון שאכל אדם מפירות האילן ראה את עצמו ערום ונפקחו עיניו וקהו שיניו, אמ’ לה מהו שהאכלתני שעיני נפקחו וקהו שיני עלי, כשם שקהו שיני כן יקהו שיני כל הדורות]
[2] מדרש רבה דברים פרשה ט פסקה ח [א”ר לוי למה הדבר דומה לאשה עוברה שנחבשה בבית האסורין ילדה שם בן גדל אותו הילד עבר המלך לפני בית האסורים התחיל אותו הילד לצווח אדוני המלך למה אני חבוש בבית האסורים א”ל המלך בחטייא של אמך את נתון כאן כך אמר משה רבש”ע ל”ו כריתות הן שאם יעבור אדם על אחד מהן חייב מיתה שמא עברתי על אחת מהן למה אתה גוזר עלי מיתה א”ל בחטייא של אדם הראשון אתה מת שהביא מיתה לעולם]
[3] [בכה רבי שמעון ואמר, ווי לעלמא דאתמשך בתר דא דהא מן ההוא יומא דההוא חויא בישא דאתפתה ביה אדם, שליט על אדם, ושליט על בני עלמא, איהו קאים למסטי עלמא, ועלמא לא יכיל לנפקא מעונשיה עד דייתי מלכא משיחא, ויוקים קב”ה לדמיכי עפרא, דכתיב (ישעיה כה ח) בלע המות לנצח וגו’, וכתיב (זכריה יג ב) ואת רוח הטומאה אעביר מן הארץ, ואיהו קאים על עלמא דא למיטל נשמתין דכל בני נשא]
[4] ספר קצור שו”ע – סימן קלא – דיני ערב יום כפור: [נוהגין לעשות כפרות בערב יום כפורים באשמרת הבקר, שאז הרחמים גוברין. לוקחין תרנגול שאינו מסרס, לזכר, ותרנגלת לנקבה. ולאשה מעברת, תרנגול ותרנגלת]
[6] תלמוד בבלי מסכת סנהדרין דף צא/ב [אמר לו אנטונינוס לרבי מאימתי יצר הרע שולט באדם משעת יצירה או משעת יציאה אמר לו משעת יצירה אמר לו אם כן בועט במעי אמו ויוצא אלא משעת יציאה אמר רבי דבר זה למדני אנטונינוס ומקרא מסייעו שנאמר לפתח חטאת רובץ]
[7] תלמוד ירושלמי מסכת ברכות דף כז/ב [כתיב כי יצר לב האדם רע מנעוריו א”ר יודן מנעריו כתיב משעה שהוא ננער ויוצא לעולם]
[8] אבות דרבי נתן פרק ששה עשר [יצר הרע כיצד.. ממעי אמו של אדם היה גדל ובא עמו]
[9] רש”י על בראשית פרק ח פסוק כא [מנעריו – מנעריו כתיב משננער לצאת ממעי אמו נתן בו יצר הרע]
[10] מדרש רבה שמות פרשה מו פסקה ד [אמרו ישראל רבון העולם אתה הכתבת לנו (ירמיה יח) הנה כחומר ביד היוצר כן אתם בידי בית ישראל לכך אע”פ שאנו חוטאים ומכעיסים לפניך אל תסתלק מעלינו למה שאנחנו החומר ואתה יוצרנו בא וראה היוצר הזה אם יעשה חבית ויניח בה צרור כיון שיוצאה מן הכבשן אם יתן אדם בה משקה מנטפת היא ממקום הצרור ומאבדת את המשקה שבתוכה ..
כך אמרו ישראל לפני הקב”ה רבון העולם בראת בנו יצר הרע מנעורינו שנאמר (בראשית ח) כי יצר לב האדם רע מנעוריו והוא גורם לחטוא לפניך ואין אתה מסלק ממנו את החטייא אלא בבקשה ממך העבירהו ממנו כדי שנהא עושים רצונך אמר להם כך אני עושה לע”ל שנאמר (מיכה ד) ביום ההוא נאם ה’ אוספה הצולעה והנדחה אקבצה ואשר הרעותי מהו אשר הרעותי זה יצר הרע שנאמר כי יצר לב האדם רע מנעוריו]
لقد صار ابن الله إنساناً كي يُمكّن الناس من أن يصيروا أبناء الله. ولسنا نعلم (على كل حال، أنا لا أعلم) كيف كانت الأمور ستسير لو أن الجنس البشري لم يعص الله قط وينضم إلى العدو. فربما كان من شأن كل إنسان أن يكون “في المسيح”، أي أن يشترك في حياة ابن الله. منذ ولادته. وربما كان من شأن الحياة الطبيعية (بيُوس) أن تنجذب إلى داخل الحياة غير المخلوقة (زُويي) فوراً وبطبيعة الحال. غير أن هذا حزرٌ وتخمين. فأنت وأنا مُعنيّان بالأمور كما هي سائرة الآن.
وإليك وصفاً لحالة الأمور الحاضرة. إن نوعي الحياة ليسا فقط مختلفين (فمن شأنهما أن يكونا كذلك دائماً) بل هما متعارضان فعلاً. فالحياة الطبيعية في كل واحد منا أمر مركزه الذات: أمر يريد أن يُدلل ويحظى بالإعجاب، ويستغل الحيوات الأخرى. ويُسخر الكون كله لمصلحته. وهي تُريد على الخصوص أن تُترك لذاتها: أن تظل بعيدة تماماً عن أي أمر أفضل منها أو أقوى أو أسمى… أي أمر قد يُشعرها بأنها صغيرة. فهي تخشى نور العالم الروحي وهواءه، تماماً كما يخشى الاستحمام من تربّوا في القذارة.
وهي، بمعنى ما، على حق تماماً. إذ إنها تعلم أنه إذا استولت عليها الحياة الروحية فسوف تقضي على أنانيتها وإرادتها الذاتية، أو عنادها، وهي متأهبة للقتال بك ضراوة للحيلولة دون ذلك.
هل فكرت مرةً، لما كنت ولداً، أي مرح يكون لك لو أُتيح للدمى التي تلعب بها أن تدب فيها الحياة؟ حسناً، هبها قد صارت حية بالفعل. وتصور أن جندياً من قصدير تحول إلى رجل صغير حقيقي. فلا بد أن يشتمل ذلك على تحويل القصدير إلى جسد بشري. وافترض أن جندي القصدير لم يعجبه ذلك. فالجسد البشري لا يثير اهتمامه، إذ كل ما يراه هو أن القصدير قد فسد. فهو يحسب أنك تقتله، وسيبذل كل ما في وسعه ليحول دون ذلك. إنه يرفض أن يصير إنساناً إذا أمكنه ذلك.
لست أدري ما كان ممكناً أن تفعله بجندي القصدير ذلك. ولكن ما فعله الله لأجلنا هو هذا: إن ثاني أقنوم في اللاهوت، أي الابن، صار هو نفسه كائناً بشرياً. فقد وُلد في العالم إنساناً حقيقياً: ذا قامة معينة، وشعر من لون محدد، متكلماً لغة مخصوصة، ووزنه مقدار معني من الكيلوغرامات. إن الكائن الأزلي، العليم بكل شيء وخالق الكون كله، صار إنساناً بعد أن كان طفلاً، ومن قبلُ جنيناً في رحم امرأة. وإن شئت أن تدرك مغزى الأمر، ففكر كما يعجبك أن تصير نملة أو أرنباً!
وقد كانت نتيجة ذلك أن صار لدينا الآن إنساناً واحد هو بالحقيقة كل ما قُصد للبشر جميعاً أن يكونوه: إنسان واحد فيه استطاعت الحياة المخلوقة، المستمدة من أمه، أن تستحيل بالكمال والتمام إلى الحياة المولودة. فالكائن البشري الطبيعي فيه اتحد كلياً بالابن السماوي. وهكذا، ففي حالة واحدة بلغت البشرية غايتها، إن صح التعبير، إذ انتقلت إلى قلب حياة المسيح.
ولأن الصعوبة كلها بالنسبة إلينا هي أن الحياة الطبيعية، بمعنى ما، ينبغي أن “تُقتل”، فقد اختار سيرة أرضية تنطوي على قتل الرغائب البشرية عند كل منعطف: من فقر، وسوء فهم من قبل أسرته الخاصة، وخيانة أحد أصدقائه المقربين له، واستهزاء العسكر به ومعاملته بخشونة، وتعذيب وإعدام.
وبعد ذلك، فأن الكائن البشري فيه، بعد قتله هكذا وقتله كل يوم بمعنى ما، عاد حياً من جديد: لأنه كان متحداً بالابن الأزلي. فالإنسان في المسيح قام من بين الأموات، وليس الله فقط. تلك هي القضية كلها. فهذه أول مرة رأينا إنساناً حقيقياً تماماً. إن جندي قصدير واحداً، من قصدير حقيقي مثله مثل الباقين، قد دبت فيه الحياة بملئها وبهائها الكاملين.
إنما هنا بالطبع نصل إلى النقطة التي فيها ينهار إيضاحي المستعار من جندي القصدير. ففي حالة الجنود الدمى أو التماثيل الحقيقين، إذا انبعث واحدٌ منهم حياُ، فمن البديهي ألا يحدث ذلك أي فرق بالنسبة إلى الآخرين. إنهم جميعاً منفصلون بعضهم عن بعض. ولكن الخلائق البشريين ليسوا كذلك. فهم يبدون منفصلين لأنك تراهم يتنقلون منفردين. إلا أننا أيضاً مصنوعون بحيث لا يمكننا أن نرى سوى اللحظة الحاضرة. ولو تسنّى لنا أن نرى الماضي، لبدا الأمر عندئذ مختلفاً بالطبع.
فقد كان زمنٌ فيه كان كل إنسان جزءاً من أُمه، وكذلك أيضاً جزءاً من أبيه (في زمن أبكر بعد)؛ وزمن كان أبواه فيه جزءاً من أجداده. ولو قُدّر لك أن ترى البشر المنتشرين عبر الزمان، كما يراهم الله، لما بدا المنظر شبيهاً بعدد غفير من الكائنات المنفصلة منتشرة هنا وهناك. وإنما كان سيبدو شبيهاً بكائن واحد نام، بل بالحري أشبه بشجرة معقدة جداً.
وسيظهر كل فرد مرتبطاً بكل فرد آخر. وليس ذلك فقط، بل إن الأفراد ليسوا منفصلين بالحقيقة عن الله، كما أنهم ليسوا منفصلين أحدهم عن الآخر، فكل رجل وامرأة وطفل في جميع أنحاء العالم يحس ويتنفس هذه اللحظة، فقط لأن الله، إن جاز التعبير، “يبقيه حياً”.
وعليه، فعندما يصير المسيح إنساناً، لا يكون ذلك بالحقيقة كما لو أُتيح لك أن تصير أنت جندي قصدير معيّناً، بل إن ذلك يكون كما لو أن شيئاً مؤثراً دائماً قد حل في الكتلة البشرية بطريقة جديدة. ومن تلك النقطة ينتشر التأثير في كل البشرية كلها. يبدأ عند نقطة محددة بالتأثير في مُجمل الكتلة البشرية كلها. وسيحدث الأمر فرقاً بالنسبة إلى الناس الذين عاشوا قبل المسيح، وكذلك أيضاً بالنسبة إلى الناس الذين عاشوا بعده. كما أنه سيُحدث فرقاً بالنسبة إلى أولئك الذين لم يسمعوا بالمسيح قط.
فذلك أشبه بأن تُسقِط في كأنس ماء قطرة واحدة من مادة تُعطي مذاقاً جديداً أو تضفي لوناً جديداً على المحتوى كله. ولكن بالطبع يبقى كل تشبيه من هذا القبيل ناقصاً من بعض الأوجه. ففي نهاية المطاف، ليس الله أحداً سوى ذاته، وما يفعله لا يُشبه أي شيء آخر. وأنت لا تكاد تتوقع أن تكون الحال على غير هذا المنوال.
فما هو إذا الفرق الذي أحدثه المسيح بالنسبة إلى الكتلة البشرية بكاملها؟ هو هذا تماماً: أن مشروع صيرورة الإنسان ابناً لله، بتحوله من كيان مخلوق إلى كيان مولود، وانتقاله من الحياة البيولوجية الوقتية إلى الحياة “الروحية” الأبدية، قد أُنجز لنا. فالبشرية “مخلّصة” فعلاً من حيث المبدأ، وعلينا نحن الأفراد أن نستفيد شخصياً من هذا الخلاص. ولكن العمل الشاق حقاً، ذاك الذي لم يكن في وسعنا أن نعمله نحن أنفسنا، قد أُكمل لنا.
فليس علينا أن نحاول الارتقاء إلى الحياة الروحية بمجهوداتنا الشخصية، إذ إن تلك الحياة قد نزلت فعلاً إلى وسط الجنس البشري، وإن نحن فقط فتحنا باب أنفسنا لذلك الإنسان الفرد الذي فيه كانت تلك الحياة حاضرة حضوراً كليّاً، والذي هو، رغم كونه الله، إنسانٌ حقيقي أيضاًن فإن يفعل ذلك فينا ولنا. أتذكر ما قلته عن “العدوى الصالحة”؟ إن واحداً من بني جنسنا له هذه الحياة الجديدة، فإن التصقنا به نلتقطها منه.
طبعاً، يمكنك التعبير عن هذه الحقيقة بطرق شتى. فلك أن تقول إن المسيح مات من أجل خطايانا. لك أن تقول إن الآب قد غفر لنا لأن المسيح فعل لأجلنا ما كان ينبغي أن نفعله نحن وعجزنا عنه. ولك أن تقول إننا مغسولون بدم الحمل. ولك أن تقول إن المسيح قد قهر الموت. فهذه التعابير كلها صحيحة. وإن كان أي منها لا يروقك، فدعه وامض بالصيغة التي تروقك. إنما مهما فعلت، فلا تبدأ تجادل الآخرين لأنهم يستخدمون صيغة تختلف عن صيغتك.
هل لي أن أبداً بوضع صورتين، أو بالحري قصتين في أذهانكم؟ إحداهما هي القصة الذائعة الصيت “الحسناء والوحش”. ولعلكم تذكرون أن الفتاة الجميلة اضطرّت لسبب ما، أن تتزوج وحشاَ”. وإذ تزوّجت به، قبلّته كما لو كان إنساناً. وعندئذٍ تحول فعلاً إلى إنسان وسار كل شيء حسناً، الأمر الذي أفرجها وأبهجها. أما القصة الأُخرى فعن شخص اضطر إلى أن يضع على وجهه قناعاً: قناعاً جعله يبدو أجمل مما كان في الواقع. وكان عليه أن يلبس القناع عدّة سنوات.
ثم لما خلعه، تبين له أن وجهه صار على شاكلته. فإنه غدا أجمل فعلاً الآن. وما بدا تنكراً تحول فعلاً إلى واقع. وأعتقد أن هاتين القصتين كلتيهما قد تساعدانني (بطريقة خيالية طبعاً) على توضيح ما أود قوله في هذا الفصل. فحتى الآن، ما برحتُ أُحاول وصف حقيقتين: ما هو الله وماذا فعل. أما الآن فأريد أن أتكلم عن الممارسة: ماذا نفعل تالياً؟ أي فرق تُحدث هذه اللاهوتيات كلها؟ ومن الممكن أن تبدأ بإحداث فرق الليلة: فإذا كنت قد اهتممت كفاية حتى قرأت لحد الآن، فربما أنت معنى كفاية بأن نتأمل قليلاً في موضوع الصلاة: ومهما كان ما تقوله في صلاتك، فإنك على الأرجح ستتلو “الصلاة الربانية”.
إن أول كلمة في الصلاة هي “أبانا” فهل تعي الآن ما تعنيه هذه الكلمة؟ إنها تعني بمنتهى الصراحة أنك تضع نفسك في موضع ابن الله. وبتعبير أبسط، أنت تلبس المسيح. وإن شئت فقل إنك تتظاهر: لأنك بالطبع لحظة تدرك ما تعنيه الكلمة، تفهم أنك لست ابناً لله. فأنت لست كائناً مشابهاً لابن الله الوحيد الذي إرادته واهتماماته متوافقة تماماً مع إرادة أبيه واهتماماته، بل أنت حزمة من المخاوف الأنانية والآمال والمطامع وضروب الحسد والغيرة والغرور، محكوم عليها بالموت كلّياً. حتى إن ظهورك هكذا بمظهر المسيح لهو ضربٌ من الوقاحة الفاضحة. ولكن الأمر العجيب هو أنه هو أمرنا بذلك.
فلماذا؟ وأي خير في التظاهر بأنك ما لست إياه؟ حسناً، حتى على الصعيد البشري، ثمة نوعان من التظاهر كما تعلم. فهناك نوع رديء، حيث يكون التظاهر بديلاً من انعدام الشيء الحقيقي، كما يحصل حينما يتظاهر إنسان بأنه سيُساعدك، بدل أن يساعدك فعلاً. ولكن هنالك أيضاً ونوعاً جيداً، حيث يؤدي التظاهر إلى الشيء الحقيقي.
فحينما لا تكون شاعراً بالمودة على نحو مخصوص، ولكنك تعلم أنه ينبغي لك أن تكون كذلك، فأفضل شيء يمكنك أن تفعله في أغلب الأحيان هو أن “تلبس لباس” شخص ودود وتتصرف كما لو كنت شخصاً ألطف مما أنت في الواقع. وما أن تمضي بضع دقائق، كما لاحظنا جميعاً، حتى تُلفي نفسك بالحقيقة شاعراً بأنك ألطف مما أنت فعلاً.
وما أكثر ما تكون الطريقة الوحيدة لاكتساب مزية في الواقع هي أن تبدأ بالتصرف كما لو كانت لديك فعلاً! لهذا السبب تُعتبر ألعاب الأولاد مهمة جداً. فهم يتظاهرون دائماً بأنهم راشدون، كما حين يلعبون لعبة العسكر أو لعبة أصحاب الدكاكين. ولكنهم كل حين يُمرنون عضلاتهم ويشحذون ذكاءهم، بحيث يساعدهم تظاهرهم بأنهم راشدون على أن ينموا نمواً جدياً.
والآن، حالما تُدرك ما تعبر عنه بقولك: “هأنذا، لابس المسيح” يُرجح جداً أن ترى في الحال طريقة ما بها يمكن أن يُجعل التظاهر أقل تظاهراً وأكثر واقعية. فسوف تجد بضعة أمور جائلة في ذهنك ما كانت لتجول لو كنت حقاً ابناً لله، حسناً، أوقفها، وإلا فستجد أنه بدلاً من رفع صلاتك ينبغي لك أن تجلس إلى المكتب وتخط رسالة، أو تساعد زوجتك في غسل الأواني.
أتدري ما يجري؟ إن المسيح نفسه، ابن الله الذي هو إنسانٌ (مثلك تماماً) كما أنه الله (مثل أبيه تماماً) هو بالفعل إلى جانبك وقد بدأ في تلك اللحظة يحول تظاهرك إلى حقيقة واقعة. وليست هذه مجرد طريقة خيالية للقول إن ضميرك يقول لك ما ينبغي أن تفعله. فإن سألت ضميرك، تحصل على نتيجة معيّنة؛ وإن تذكرت أنك لابس المسيح، تحصل على نتيجة مختلفة.
فهناك أمور كثيرة ربما لا يدعوها ضميرك بشكل واضح ومحدد خاطئة (ولا سيما أمور في ذهنك)، ولكنك ستدرك في الحال أنك لا تقدر أن تستمر في فعلها إن كنت تحاول جاداً أن تتشبه بالمسيح، إذ لا تعود تُفكر بعد فقط بشأن الصواب والخطأ، بل تحاول أن تلتقط العدوى الصالحة من شخص مجيد. وذلك أشبه برسم صورة شخصية منه بإطاعة مجموعة قوانين. وأعجب شيء أنه وإن كان ذلك من ناحية أصعب بكثير من إطاعة القوانين فهو، من ناحية أخرى، أسهل منها بكثير.
إن ابن الله الحقيقي بجانبك. وهو يبدأ بتحويلك إلى المعدن الذي منه تمامً. إنه يبدأ، إن جاز التعبير، بأن “يحقن” في داخلك نوع حياته وفكره، أي تلك “الزويي” الخاصة به؛ يبدأ بتحويل جندي القصدير إلى إنسان حي حقاً. أما جزؤك الذي لا تروقه هذه العملية فهو الجزء الذي ما يزال من قصدير.
قد يشعر بعضٌ منكم أن هذا يختلف كثيراً عن اختبارهم. فلعلك تقول: “لم أحس قد بحصولي على المساعدة من قبل مسيح غير مرئي، ولكني غالباً ما تلقّيت المساعدة من خلائق بشريين آخرين”. فذلك أشبه بما قالته إحدى النساء في أثناء الحرب العالمية الأولى من أنها غير قلقة بشأن حصول نقص في الخبز لأنها هي وعائلتها يأكلون الخبز المحمص دائماً. ولكن حين ينقطع الخبز فسينقطع الخبز المحمص أيضاً.
ولولا معونة المسيح، ما كانت أي معونة من البشر الآخرين. فهو يتعامل معنا بطرق شتى، وليس فقط من خلال ما نحسبه “حياتنا الدينية”. إنه يعلم عبر الطبيعة، وعبر أجسادنا، وعبر الكتب، وأحياناً عبر اختبارات تبدو (في حينها) مضادة للمسيحية. فعندما يحدث أن شاباً اعتاد ارتياد الكنيسة بطريقة روتينية يدرك أنه لا يؤمن بالمسيحية وينقطع عن حضور الكنيسة (على أن يفعل من أجل الصدق والصراحة لا لإغاظة والدية فحسب) فقد يكون روح المسيح أقرب إليه مما كان قبلاً في أي يوم. ولكن المسيح يتعامل معنا بعضنا من خلال بعض أكثر من أية طريقة أخرى.
فالناس مرايا أو “ناقلون” للمسيح إلى غيرهم من الناس. وأحياناً يكونون نقلة بغير وعي منهم. وهذه “العدوى الصالحة” يمكن أن ينقلها أشخاص ليست لديهم في ذواتهم. فإن أشخاصاً لم يكونوا مسيحيين بالحق ساعدوني على الإقبال إلى المسيحية. ولكن أولئك الذين يعرفون المسيح هم عادة من يحملونه إلى الآخرين. من هنا الأهمية البالغة للكنيسة، كامل جماعة المسيحيين، إذ يُظهره بعضهم لبعض. ولك أن تقول إنه حين يتبع المسيح مسيحيان معاً لا يحصل فقط مقدار من المسيحية يكون ضعفي ما يحصل حين يتبعانه منفردين، بل بالحري ستة عشر ضعفاً.
إنما لا تنسى هذا: أنه من الطبيعي أولاً أن يتناول الطفل حليب أمه من دون أن يعرفها. وطبيعي بالمثل أن نرى نحن الإنسان الذي يساعدنا من دون أن نرى المسيح وراءه. إنما لا ينبغي أن نظل أطفالاً فعلينا أن نتقدم لنُميز المُعطي الحقيقي. ومن الجنون ألا نفعل هذا، لأننا إن لم نفعله، نكون متكلين على خلائق بشريين؛ الأمر الذي سيخذلنا حتماً. فأفضل البشر سيرتكبون أخطاءً؛ وجميعهم سوف يموتون. وفي حين ينبغي لنا أن نكون شاكرين لجميع الذين ساعدونا، إذ ينبغي أن نكرمهم ونحبهم، يجب عليك فعلاً ألا تُعلق كامل ثقتك أبداً بأي كائن بشري، حتى لو كان الأفضل والاحكم في الدنيا كلها. فهنالك كثير من الأشياء الحسنة التي يمكنك أن تصنعها بالرمل، ولكن لا تحاولنَّ أن تبني به بيتاً.
والآن يمكننا أن نبتدئ نرى عمّا يتكلم كتاب العهد الجديد دائماً. فهو يتكلم عن كون المسيحيين “مولودين ثانية”، وعن كونهم “لابسين المسيح”، وعن “تصور المسيح فيهم”، وعن كون “فكر المسيح فيهم”.
انزع من رأسك حالاً الفكرة القائلة بأن هذه التعابير ليست سوى طرق خيالية للقول إن من واجب المسيحيين أن يقرأوا ما قاله المسيح وأن يحاولوا تنفيذه، مثلما قد يقرأ امرؤ ما قاله أفلاطون أو ماركس ويحاول تطبيقه. فهي تعني شيئاً أكثر من ذلك بكثير. إنها تعني أن شخصاً حقيقياً هو المسيح، في المكان والزمان الحاليين، في ذلك بكثير. إنها تعني أن شخصاً حقيقياً هو المسيح، في المكان والزمان الحاليين، في ذلك المخدع الذي فيه ترفع صلاتك، يعمل أعماله لك وفيك. وليست المسألة أن إنساناً صالحاً مات منذ ألفي سنة وكفى.
إنها مسألة إنسان حيّ، ما زال إنساناً بمقدار كونك إنسان وما زال إلهاً بمقدار ما كان لما خلق الكون، يتقدم فعلاً ويتداخل في نفسك ذاتها، مُميتاً الذات الطبيعية القديمة فيكن ومستبدلاً بها ذاتاً من نوع ذاته؛ في البداية، لحظات فقط، وبعدئذ فترات أطول؛ وأخيراً، إذا سار كل شيء حسناً، يحوّلك بصورة دائمة إلى كائن من نوع مختلف، إلى مسيح صغير جديد، كائن بطريقته الصغيرة الخاصة له نوع حياة الله تماماً، وله نصيب في قدرته وفرحه ومعرفته وأبديته. ثم أننا سريعاً نكتشف اكتشافين آخرين.
(1) نبدأ نلاحظ، فضلاً عن أفعالنا الخاطئة الخاصة، طبيعتنا الخاطئة؛ إذ نبدأ نتنبه ليس فقط إلى ما نفعله، بل إلى ما نحن عليه. قد يبدو هذا الأمر صعباً بالأحرى، ولذلك سأحاول أن أوضحه من حياتي الخاصة. فعندما أصل إلى صلاتي المسائية، وأحاول حسبان خطايا يومي، أجد في تسع من عشر مرات أن أوضحها خطية ما بحق المحبة: فقد عبستُ أو خاشنتُ أو هزئتُ أو زجرتُ أو جافيتُ. وإذا بالعُذر الذي يتبادر إلى ذهني حالاً أن الاستفزاز كان مفاجئاً وغير متوقع، إذ أُخذتُ على غفلة منى، ولم يُتح لي الوقت أن أتمالك أو أتماسك.
والآن، قد يكون ذلك ظرفاً مخففاً فيما يتعلق بتلك الأفعال المخصوصة: إذ كان من شأنها أن تكون، بصورة بديهية، أسوأ لو كانت متعمدة أو مقصودة قصداً. هذا من ناحية؛ ومن الناحية الأخرى فإن ما يفعله الإنسان حين يؤخذ على حين غرة لهو يقيناً أفضل دليل على أي نوع من الناس هو. أو ليس ما يطلع فوراً قبل أن يُتاح للمرء وضع قناع هو الحقيقة؟ فإذا كان في قبو فئران، يُرجح جداً أن تراها إذا دخلت فجأة تماماً. ولكن الفجائية لا تُوجد الفئران، بل إنما تحول دون اختبائها فقط.
على هذا المنوال، لا تجعلني فجائية الاستفزاز إنساناً سيئ المزاج، بل إنما تُبين أي إنسان سيئ الطباع أنا. فالفئران موجودة دائماً في القبو، ولكن إذا دخلت صائحاً وضاجاً فإنها تختبئ قبل إشعالك الضوء. والبادي أن فئران الغيظ والحقد قابعة دائماً في قبو نفسن. وهذا القبو بعيد عن متناول إرادتي الواعية. وفي وسعي إلى حد ما أن أسيطر على أفعالي، إنما ليس سيطرة مباشرة على مزاجي.
وإذا كان ما نحن عليه (كما سبق أن قلت) أهم مما نفعله حقاً، وإذا كان ما نفعله يهم بالحقيقة كدليل على ما نحن عليه، فيصح بالضرورة أن التغيير الذي أحتاج إلى حصوله في أمس احتياج هو تغيير لا تستطيع جهودي الاختيارية المباشرة أن تُحدثه. وينطبق هذا على أفعالي الصالحة أيضاً. فكم واحداً منها قُمت به بدافع سليم؟ وكم واحداً فعلته خوفاً من الرأي العام أو رغبة بالتباهي؟ وكم واحداً بدافع نوع من العناد أو الإحساس بالتفوق كان يُمكن، في ظروف مختلفة، أن يؤدي على السواء إلى فعل طالح جداً؟ غير أنني لا أستطيع، بالجهد الخُلقي المباشر، أن أزود نفسي بدوافع جديدة.
فبعد خطواتنا القليلة الأولى في الحياة المسيحية، نُدرك أن كل ما ينبغي حقاً أن يجري في نفوسنا لا يمكن أن يُجريه إلا الله وحده. وهذا يوصلنا إلى أمر في كلامي طالما كان مضللاً جداً حتى الآن.
(2) ما برحت أتكلم كما لو كنا نحن من يقوم بكل شيء. إنما الله طبعاً هو من يفعل كل شيء. أما نحن، فأقصى ما نستطيعه هو أن نسمح بحدوث ذلك لنا. فبمعنى ما، يمكنك أيضاً أن تقول إن الله هو من يقوم بالتظاهر. ذلك أن الله الثالوثي الأقانيم، إن جاز التعبير، يرى أمامه بالحقيقة “حيواناً” بشرياً أنانياً جشعاً مُتذمراً عاصياً. غير أنه تعالى يقول: “لنتظاهر بأن هذا ليس مجرد مخلوق، بل هو ابننا. فهو مثل المسيح بقدر ما هو أنسان، لأن المسيح صار إنساناً.
ولنتظاهر أيضاً بأنه مثل المسيح في الروح. لنعامله كما لو أنه كان ما ليس هو في الواقع. لنتظاهر بُغية أن نجعل التظاهر حقيقة”. ذلك أن الله ينظر إليك كما لو كنت مسيحاً صغيراً؛ والمسيح يقف بجانبك كل يحولك إلى شخص كهذا. وأحسب أن هذه الفكرة بشأن نوع من التظاهر الإلهي تبدو بالحري غريبة أول الأمر. ولكن، أهي غريبة حقاً؟ أليس بهذه الطريقة يرفع الأعلى الأدنى دائماً؟ فالأم تُعلم طفلها التكلم بأن تتكلم إليه كما لو كان يفهم، قبل زمن طويل من مباشرته الفهم حقاً. ونحن نعامل حيواناتنا الأليفة كما لو كانت “عاقلة تقريباً”؛ ولذلك تصير بالحقيقة كأنها “عاقلة تقريباً” في نهاية المطاف.
أستهل هذا الفصل بأن أطلب منك تصور صورة واضحة في ذهنك. تصور كتابين موضوعين على طاولة، أحدهما فوق الآخر. فمن البديهي أن الكتاب السفلي يُبقي الكتاب الآخر في الأعلى، إذ يدعمه. فبسبب الكتاب السفلي، يستقر العلوي على ارتفاع يُقارب خمسة سنتمترات عن سطح الطاولة، بدل أن يُلامسها. ولندع الكتاب السفلي “أ” والعلوي “ب”. فوضعية “أ” تُسبب وضعية “ب”. أهذا واضح؟ والآن لنتصور أن ذينك الكتابين ما زالا على تلك الوضعية منذ الأزل (طبعاً، هذا لا يمكن حدوثه فعلاً، ولكننا نفترضه افتراضاً للتوضيح).
ففي تلك الحالة، تكون وضعية “ب” ناتجة كل حين من وضعية “أ”. ولكن رغم ذلك، ما كانت وضعية “أ” لتنوجد قبل وضعية “ب”. وبكلمة أخرى، فإن النتيجة لا تأتي بعد السبب. من غير ريب أن النتائج دائماً تلي الأسباب: فأنت تأكل الخيار ثم يُصيبك سوء الهضم في أعقاب ذلك. ولكن ليست هذه حال جميع الأسباب والنتائج. وسوف ترى بعد لحظة لماذا أعتبر هذا مهماً.
ذكرت قبل صفحات قليلة أن الله كائن يشتمل على ثلاث شخصيات (أقانيم) فيما يظل كائناً واحداً، مثلما يتكون المكعب من ستة مربعات فيم يبقى مجسماً واحداً. ولكن ما إن أبدأ بمحاولة شرح الكيفية التي بها تترابط هذه الأقانيم، حتى أضطر إلى استخدام كلمات تجعل الأمر يبدو كما لو أن واحداً منها كان موجوداً قبل الآخرين. فالأقنوم الأول يُدعى الآب، والثاني الابن، ونحن نقول أن الأول ولد الثاني أو أنتجه أزلاً، وهذا مدلول التعبير “مولود غير مخلوق”، لأن الناتج هو من ذات طبيعة المُنتج.
ومن هذه الناحية، تكون كلمة “الآب” هي الكلمة الوحيدة الممكن استخدامها. ولكن المؤسف أن هذا الكلمة توحي أنه موجود في الأول، مثلما يكون الأب البشري موجوداً قبل ابنه تماماً. ولكن الحقيقة غير ذلك، فليس الأول والثاني هنا بمعنى السابق واللاحق. لذلك أحسبه أمراً مهماً أن أوضح كيف يمكن أن يكون شيء ما مصدراً أو سبباً أو أصلاً لآخر بغير أن ينوجد قبله. فالابن موجود لأن الآب موجود، ولم يكن قط أي زمان سبق “ولادة” الآب للابن.
ولربما كانت أفضل طريقة للتفكير بهذا الأمر هي هذه. لقد طلبت منك قبل قليل أن تتصور ذينك الكتابين، ولعلك فعلت ذلك. أعني أنك قمت بفعل تصور ونتيجة لذلك تكونت لديك صورة ذهنية. فمن الواضح تماماً أن فعلك التصوري كان السبب، وأن الصورة الذهنية كانت النتيجة. ولكن هذا لا يعني أنك قمت أولاً بالتصور ثم حصلت على الصورة. فلحظة قيامك بالتصور، حصل الصورة. وكانت إرادتك حافظة للصورة أمامك كل حين.
إلا أن فعل الإرادة ذاك والصورة بدءا في اللحظة عينها تماماً وانتهيا في اللحظة عينها أيضاً. فإذا كان هناك كائن ما يزال موجوداً كل حين، وكان دائماً يتصور أمراً واحداً، فإن فعله هذا لابد أن يكون مُنتجاُ كل حين لصورة ذهنية، ولكن الصورة لابد أن تكون أزلية، مثلها مثل فعل التصور تماماً.
بهذه الطريقة، إذا جاز التعبير، علينا أن نفكر في الابن كل حين منبعثاً من الآب انبعاث النور من المصباح، أو الحرارة من النار، أو الأفكار من الذهن. إنه التعبير الذاتي عن الآب: ما يريد الآب أن يقوله. وما كان قط زمانٌ فيه لم يكن قائلاً له. إنما هل لاحظت ما هو حاصل؟ إن هذه الصور كلها، عن النور أو الحرارة، تجعل الأمر يبدو كما لو أن الآب والابن كانا شيئين، لا شخصين. وعليه، ففي نهاية المطاف تبدو صورة العهد الجديد عن الآب وابنه أدق بكثير جداً من أي شيء نحاول أن نستبدله بها.
وذلك هو ما يحصل دائماً حين تبتعد بعيداً عن كلمات الكتاب المقدس. لا بأس في الابتعاد عنها هنيهة لتوضيح نقطة ما. ولكن ينبغي لك دائماً أن تعود إليها. فبطبيعة الحال أن الله يعرف كيف يصف نفسه أفضل بكثير مما نعرف نحن أن نصفه. فهو يعرف أن علاقة الآب والابن أكثر شبهاً بالعلاقة بين الأقنومين الأولين من أي شيء آخر يمكننا أن نفكر فيه. وأهم أمر على الأرجح ينبغي أن نعرفه هو أنها علاقة محبة. فالآب يبتهج بابنه، والابن يرنو إلى أبيه.
إنما قبل المُضي قُدماً، لاحظ الأهمية العملية لهذه الحقيقة. فمختلف أنواع الناس يروقهم جداً تكرار العبارة المسيحة القائلة إن “الله محبة”. ولكن يبدو أنهم لا يلاحظون أن الكلمتين “الله محبة” لا تعنيان أي معنى حقيقي إلا إذا اشتملت الذات الإلهية على شخصين أو أقنومين، على الأقل. فالمحبة أمر يكنُّه شخص لشخص آخر. ولو كان الله شخصاً مُفرداً، لما كان محبة قبل خلق العالم. فطبعاً ما يعنيه هؤلاء القوم حين يقولون إن الله محبة غالباً ما يكون أمراً مختلفاً تماماً، إذ يعنون بالحقيقة أن “المحبة هي الله”.
إنهم يعنون بالحقيقة أن مشاعر المحية لدينا، كيفما وأينما ثارت، وهما كان النتائج التي تُسفر عنها، يجب أن تُعامل باحترام كبير. وربما كان الأمر كذلك، غير أنه أمر مختلف تماماً عما يعنيه المسيحيون بالعبارة: “الله محبة”. فإنهم يؤمنون أن نشاط المحبة الحي الفعال ما زال جارياً في الله منذ الأزل، وهو قد خلق كل شيء آخر.
وبالمناسبة، ربما كان ذلك هو أهم فرق بين المسيحية وباقي الأديان: أن الله في المسيحية ليس شيئاً، ولا حتى شخصاً، جامداً بل هو نشاط فعال نابض: حياة أو حتى دراما من نوع ما. وأكاد أقول، إن كنت لن تحسبني عديم التوقير، إنه نوع من الحركة بين اثنين على إيقاع. ثم إن الاتحاد بين الآب والابن هو أمر حي حقيقي وملموس بحيث إن هذا الاتحاد عينه هو أيضاً شخص أو أقنوم.
في علمي أن هذا مستحيل إدراكه تقريباً، ولكن انظر إليه على هذا النحو: أنت تعلم أنه بين الكائنات البشرية، حين يتحد الناس في عائلة، أو ناد أو نقابة، يتحدثون عن “روح” تلك العائلة أو ذلك النادي أو تلك النقابة. وهم يتحدثون عن “روح” تلك الكيانات لأن الأعضاء الأفراد، حين يكونون معاً، يكتسبون بالفعل طرائق معينة في التكلم والتصرف ما كانت لتكون لهم لو كانوا متفرقين.
(وهذا التصرف الجماعي يمكن بالطبع أن يكون إما أحسن من التصرف الفردي وإما أسوأ منه). فكأنما شخصية مشتركة برزت إلى الوجود. طبعاًن ليس هذه شخصاً حقيقياً، ولكنها بالأحرى تشبه شخصاً فحسب. إلا أن ذلك هو مجرد واحد من الفروق بين الله وبيننا. فالذي يطلع من الحية المشتركة بين الآب والابن هو شخص (أقنوم) حقيقي، بل هو بالحقيقة ثالث أقنوم من الأقانيم الثلاثة التي هي الله.
هذا الشخص الثالث يُدعى، في اللغة التقنية: الروح القدس، أو “روح” الله. فلا تقلق ولا تفاجأ إذا وجدته بالحري أكثر غموضاً أو إبهاماً في ذهنك من الآخرين. وأظن أن ثمة سبباً لوجوب كون الحال كما هو عليه. ففي المسيحية، لا تكون في العادة ناظراً إليه، بل إنه دائماً عامل بك. وإذا فكرت في الآب كشخص موجود “هناك في الخارج” أمامك، وفي الابن كمَن هو واقف بجانبك، مساعداً إياك على الصلاة، وساعياً إلى تحويلك ابناً آخر، فعليك عندئذ أن تُفكر في الأقنوم الثالث كشخص ساكن في داخلك، أو واقف وراءك.
وربما وجد بعضهم أسهل عليهم أن يبدأوا بالأقنوم الثالث ثم يعودوا بأفكارهم إلى الوراء. فإن الله محبة، وهذه المحبة تعمل من خلال البشر، ولا سيما من خلال جماعة المسيحيين بكاملها. غير أن روح المحبة هذا هو، منذ الأزل، محبة جارية بين الآب والابن.
والآن، ما أهمية الأمر كله؟ إنه أمر أهم من كل ما في الدنيا. فإن كامل حركة إيقاع هذه الحياة الثلاثة الأشخاص، أو الدراما أو النموذج المتعلقين بها، يجب أن تُمثل فعلاً في كل واحد منا؛ أو (إن شئنا التعبير بطريقة معاكسة) ينبغي لك منا أن يدخل ذلك النموذج شاغلاً مكانه في الحركة الإيقاعية. وليس من سبيل آخر إلى السعادة التي لأجلها قد صُنعنا. وكما تعلم، فإن الأمور الصالحة، شأنها شأن الطالحة، تُكتسب بنوع من العدوى.
فإن أردت أن تدفأ، ينبغي أن تقف بقرب النار؛ وإن أردت أن تتبلل، ينبغي أن تدخل الماء، وإن أردت الفرح والقوة والسلام والحياة الأبدية، فينبغي أن تقترب، بل أن تدخل أيضاً، إلى حيث تجد هذه الأمور جميعاً. فهي ليس نوعاً من الجائزة التي يستطيع الله، إذا شاء، أن يقدمها إلى أي إنسان. إنها نبع عظيم من الطاقة والبهاء يتدفق من قلب الحقيقة بالذات. فإذا كنت على مقربة منه، يبللك رذاذه؛ وإلا بقيت جافاً. وإذا ما اتحد الإنسان بالله، فكيف لا يسعه أن يحيا إلى الأبد؟ أما إذا كان منفصلاً عن الله، فماذا يسعه أن يفعل سوى الذبول والموت؟
ولكن كيف له أن يتحد بالله؟ كيف يمكننا أن ننجذب إلى قلب حياة الأقانيم الثلاثة؟
لعلك تذكر ما قلته في الفصل الأول من هذا الباب عن “الولادة” والصنع”. فنحن غير مولودين من الله، بل مصنوعون بيده فقط: ففي حالتنا الطبيعية، نحن لسنا أبناء الله، بل مجرد تماثيل (إن صح التعبير). وليس لدينا “زُويي” أو الحياة الروحية، بل فقط “بِيُوس” أو الحياة البيولوجية التي سوف تتوقف وتموت عما قريب. فالآن، هذا هو كامل العرض الذي تقدمه المسيحية: أن في إمكاننا، إذا سمحنا لله بأن يعمل عمله، أن نُقبل إلى الاشتراك في حياة المسيح.
فإذا فعلنا ذلك، فسنكون حينئذٍ مشتركي في حياة “مولودة”، غير مصنوعة، طالما وُجدت كل حيت وستبقى موجودة دائماً أبداً. إن المسيح هو ابن الله. فإن صارت لنا شركة في نوع هذه الحياة، فنحن أيضاً سنصير أبناء الله. وسنحب الآب كما يحبه المسيح، ويمكث الروح القدس ويفيض فينا. فقد جاء المسيح إلى هذا العالم وصار إنساناً لكي يمد الناس الآخرين بنوع الحياة الذي له… بما أدعوه “العدوى الصالحة”. وعلى كل مسيحي أن يصير مسيحاً صغيراً. فليس كامل الغرض من صيرورة المرء مسيحياً بالحق أي شيء آخر سوى هذا!
فكرة سخيفة جداً أنه يجب عليك عند قراءة كتاب ما ألا “تتخطى” أي فقرة. فجميع العاقلين يتخطون بحرية فصلاً يَصِلون إليه إذا تبين لهم أنه لن يكون مفيداً لهم. وفي هذا الفصل سأتكلم عن موضوع قد يكون مفيداً لبعض القراء، إلا أنه قد يبدو في نظر آخرين مجرد “تعقيد” لا داعي له. فإذا كنت من صنف القراء الثاني، أنصحك بألا تكلف نفسك عناء قراءة هذا الفصل إطلاقاً، بل تخطَّه إلى التالي.
كان عليَّ في الفصل السابق أن أتطرق إلى موضوع الصلاة. وبينما لا يزال هذا الموضوع حاضراً في ذهنك وذهني، أود التطرق إلى صعوبة يلقاها بعض الناس بشأن فكرة الصلاة بكاملها. وقد عبّر عنها أحدهم إذ قال لي: “يمكنني أن أُومن بالله جيّداً، ولكن ما لا أقدر أن أهتضمه هو فكرة إصغائه إلى بضع ملايين من البشر فيما يخاطبونه في وقت واحد”. وتبين لي أن عدداً لا بأس به من الناس يرون هذا الرأي.
والآن، فأول أمر تنبغي ملاحظته هو أن العقدة الكأداء تكمن في الكلمات “في وقت واحد”. فمعظمنا يمكن أن يتصوروا الله مصغياً إلى أي عدد من المصلّين إن هم فقط قصدوا إليه واحداً فواحداً وكان لديه وقت غير محدود لفعل ذلك. وعليه، فما يكمن وراء هذه الصعوبة حقاً هو فكرة اضطرار الله إلى حشر عدّة أمور في لحظة واحدة من الوقت.
أجل، إن ذلك بالطبع هو ما يحدث لنا نحن. فحياتنا تأتينا لحظة فلحظة. إذ تتلاشى لحظة قبل أن تأتي التالية، ولا يتسع المجال في كل لحظة إلا للقليل جداً. هكذا هو الوقت فعلاً. وبالطبع، نميل أنا وأنت إلى التسليم بديهياً بأن تتالي الزمان هذا – أي نسق الماضي الحاضر المستقبل – ليس هو فقط طريقة إقبال الحياة إلينا بل أيضاً طريقة وجود كل شيء حقاً. فنحن نميل لأن نفترض أن الكون كله والله ذاته يتحركان كل حين قُدماً من الماضي إلى المستقبل كحالنا نحن.
غير أن كثيرين من المثقفين لا يوافقوننا في الرأي. وقد كان اللاهوتيون أول من أطلقوا فكرة وجود بعض الأشياء خارج إطار الزمان كلياً، وفيما بعد تلقّف الفلاسفة الفكرة منهم، والآن يحذو بعض العلماء حذوهم.
فالله، بكل تأكيد، ليس داخل إطار الزمان. إذ إن حياته لا تتكون من لحظات تلي إحداها الأخرى. فإن كان ملايين الأشخاص يُصلون إليه في الساعة العاشرة والنصف هذه الليلة، فلا وجوب لأن يُصغي إليهم في تلك اللُحَيظة التي ندعوها العاشرة والنصف. ذلك أن العاشرة والنصف، وكل لحظة أخرى من بدء العالم، هي الحاضر عنده دائماً، وإذا شئت عبّرنا عن هذا بقولنا إن لديه الأزلية كلها ليُصغي فيها إلى تلك الصلاة التي لا تدون سوى كسر من الثانية والتي يرفعها إليه طيّار فيما تتحطم طائرته وتشتعل.
أعرف أن هذا صعب. فلأحاول إعطاء شيء يشبهه قليلاً، وإن لم يكن تماماً. هبّني أكتب رواية، وأخط هذا الجملة: “ألقت مريم شغلها من يداها، وفي اللحظة التالية سمعت قرعاً على الباب!” فبالنسبة إلى مريم المضطرة أن تعيش في زمن قصتي الخيالي، ليس من فترة فاصلة بين إلقائها الشغل وسماعها القرع. ولكني أنا، صانع مريم، لا أعيش في ذلك الزمن الخيالي أبداً. فبين كتابة أول نصف من الجملة والثاني، قد أجلس ثلاث ساعات وأفكر في مريم بثبات.
وفي وسعي أن أفكر في مريم كما لو كانت الشخصية الوحيدة في الكتاب، وطوال الوقت الذي أشاؤه. ثم أن الساعات التي أقضيها في ذلك لا تظهر أبداً في زمان مريم، أي الزمان الذي تنطوي عليه الرواية.
ليس هذا بالطبع توضيحاً كاملاً. إلا أنه يمكن أن يُعطي ولو لمحة على ما أعتقد أنه الحق. فإن الله ليس مستعجلاً على طول مجرى الزمن الخاص بهذا العالم، كما أن الروائي ليس مستعجلاً على طول الزمن الخيالي في روايته. فلديه انتباه غير محدود يوفره لكل واحد منا. وليس مضطراً لأن يتعامل معنا ونحن وسط حشد. فأنت وحدك في حضرة الله تماماً كما لو كنت الكائن الوحيد الذي خلقه على الإطلاق، ولمّا مات المسيح، فقد مات لأجلك شخصياً كما لو كنت الإنسان الوحيد في العالم.
ولكن الناحية التي فيها ينهار توضيحي هي هذه. ففيه يخرج المؤلف من تتال زمني معين (ذاك الذي في الرواية) فقط بانتقاله إلى داخل تتال زمني آخر (هو التتالي الواقعي). غير أن الله، حسبما أعتقد، لا يحيا في إطار أي تتال زمني أبداً. فليست حياته مُتقطّرة لحظة فلحظة مثل حياتنا: فما زال الزمان لديه، إذا جاز التعبير، سنة 1920 وقد أصبح فعلاً 1960. إذ أن حياته هي ذاته.
فإذا تصورنا زمننا كخط مستقيم علينا أن نرحل على طوله، ينبغي لك عندئذ أن تتصور الله كما لو كان كامل الصفحة التي رُسم عليها ذلك الخط. ونحن نبلغ أجزاء الخط واحداً فواحداً: فعلينا أن نغادر النقطة “أ” قبل أن نصل إلى النقطة “ب”، ولا يمكننا أن نصل إلى “ج” إلا بعد مغادرتنا “ب” غير أن الله، من فوق أو من خارج أو من كل جهة حوالينا، يحتوي الخط بكامله ويراه بُمجمله.
هذا الفكرة جديرة بالاستيعاب، لأنها تُبدد شيئاً من الصعوبات الماثلة في المسيحية. فقبل أن صرت مسيحياً حقيقياً، كان أحد اعتراضاتي هو التالي. قال المسيحيون إن الله الأزلي الحاضر في كل مكان، والمحرك والضابط للكون كله، صار ذات مرة كائناً بشرياً.
فقلت: حسناً إذاً، فكيف ظلّ الكون كله سائراً حين كان طفلاً أو فيما هو نائم؟ كيف يُعقل أن يكون هو في الوقت عينه الله العليم بكل شيء وأيضاً إنساناً يسأل تلاميذه: “مَن لمسني؟” ولا بد أن تلاحظ أن العقدة تكمن في الكلمات المتعلقة بالزمن: “حين كان طفلاً… فما هو نائم…. كيف يُعقل… في الوقت عينه؟”
بعبارة أخرى، كنتُ أفترض أن حياة أن حياة المسيح من حيث كونه الله كانت في الزمان، وأن حياته من حيث كونه يسوع الإنسان في فلسطين كانت فترة زمنية أقصر اقتُطعت من ذلك الزمان، تمامً كما كانت خدمتى في الجيش أقصر اقتطعت من حياتي كلها. وبهذه الطريقة ربما مال معظمنا إلى التفكير في الأمر. فنحن نتصور الله حياً طوال فترة من الزمان فيها كانت حياته البشرية ما تزال طي المستقبل، ثم منتقلاً إلى فترة صارت فيها تلك الحياة حاضراً، ثم متقدماً إلى فترة فيها باتت أمراً من الماضي يمكنه أن يلقي عليه نظرة إلى الوراء.
ولكن هذه الأشياء كلها ربما لا توازي شيئاً من الحقائق الفعلية. فليس في وسعك أن تضع حياة المسيح على الأرض في فلسطين داخل إطار أية علاقات زمنية بحياته بصفته الله ما وراء المكان والزمان كلياً. إنها في الواقع، كما أرى، لحقيقة سرمدية عن الله أن الطبيعة البشرية، والاختبار البشري المتعلق بالضعف والنوم وقلة المعرفة، مشمولان على نحو ما في حياته الإلهية بمُجملها.
فهذه الحياة البشرية في الله، من زاوية نظرنا نحن، هي فترة زمنية محددة في تاريخ عالمنا (من السنة الأولى للميلاد حتى الصلب). ومن ثم نتصور أنها أيضاً فترة في تاريخ وجود الله بالذات. غير أن الله ليس له تاريخ. فهو حقيقي تماماً وكلياً بحيث لا يُعوزه تاريخ. ذلك أن حيازة المرء لتاريخ ما يعني بالطبع فقدانه جزءاً من حقيقته (إذ قد انساب فعلاً إلى داخل الماضي) وعدم حيازته بعدُ جزءاً آخر (لأنه ما زال طيّ المستقبل)، وفي الواقع عدم حيازته لشيء سوى الحاضر الضئيل اليسير الذي يكون قد مضى قبل تمكنك من التكلم عنه. فحاشا لنا أن نُفكر في الله على أنه هكذا! حتى نحن أنفسنا نرجو ألا نُحدد دائماً على هذا النحو.
هذا، وتواجهنا صعوبة أخرى إذا تصورنا أن الله يحده الزمان. فإن كل من يؤمن بالله أصلاً يؤمن بأنه تعالى يعرف ما سنفعله أنا وأنت غداً. ولكن ما دام يعلم أنني سأفعل كذا وكذا، فكيف يمكن أن أكون حُراً لأفعل غير ذلك؟ حسناً، هنا أيضاً تأتي الصعوبة من ظننا أن الله يتقدم مثلنا على طول خط الزمان، إنما الفرق الوحيد أنه يقدر أن يرى ما سيكون فيما لا نقدر نحن. فأقول إنه لو صح ذلك، أي لو سبق الله فرأى أفعالنا، لكان صعباً علينا جداً أ، نفهم كيف يُعقل أن نكون أحراراً في ألاّ نفعلها.
ولكن لنفترض أن الله هو خارج خط الزمان وفوقه. ففي هذا الحالة، يكون ما ندعوه نحن “غداً” مرئياً لديه تماماً مثل ما ندعوه “اليوم”. إذ إن جميع الأيام هي “الآن” لديه. فهو لا يتذكر قيامك بالأمور أمس، بل إنما يراك قائماً بها، لأنه وأن كنت أنت قد فقدت يوم أمس فهو لم يفقده.
وهو لا “يرى مُسبقاً” قيامك بالأمور غداً، بل إنما يراك قائماً بها، لأنه وإن لم يكن الغد في حوزتك بعد فهو ماثل أمامه فعلاً. وأنت لم تحسب قط أن أفعالك في هذه اللحظة كانت أقل حرية لأن الله يعلم ما أنت فاعل. وهو أيضاً يعلم أفعال غدك بالطريقة عينها تماماً: لأنه موجود أصلاً في الغد ويستطيع أن يراقبك بكل يُسر. فبمعنى ما، هو لا يعرف فعلك حتى تكون قد فعلته، ولكن عندئذ تكون اللحظة التي فيها قمت به هي “الآن” بالنسبة له.
هذه الفكرة ساعدتني كثيراً. فإن كانت لا تساعدك، فدعك منها. إنها “فكرة مسيحية” بمعنى أن مسيحيين كباراً وحكماء قالوا بها، وليس فيها ما يُناقض المسيحية في شيء. غير أنها ليس مذكورة بصراحة في الكتاب المقدس، ولا في أي من قوانين الإيمان. ففي وسعك أن تكون مسيحياً صالحاً تماماً بغير أن تقبل الفكرة، أو في الحقيقة بغير أن تفكر في المسألة إطلاقاً.
عُني الفصل السابق بالفرق بي الولادة والصُنع. فالإنسان يلد ولداً، ولكنّه يصنع تمثالاً. ولهذا عبرّنا عن بُنوّة المسيح الأزلية بصورة الولادة، في حين نقول إن الله صنع الإنسان صُنعاً. ولكنني بذلك أوضحت نقطة واحدة عن الله، ألا وهي أن المولود من الله الآب هو الله أيضاً، أي أن له طبيعة الله بالذات. وهكذا، اعتُمدت حقيقة ولادة الأب البشري لابن بشري صورة تقريبية، إلا أنه ليست كاملة. وعليه، فلا بد أن أحاول تقديم مزيد من التوضيح.
يقول كثيرون من الناس اليوم: “أن أومن بإله، ولكن ليس بإله ذي شخصية”. إذ يشعرون بأن ذلك الكائن الغامض الموجود وراء كل كائن آخر لا بد أن يكون أسمى من شخص فحسب. وعلى هذا يوافق المسيحيون إلى أبعد حد. غير أن المسيحيين هم وحدهم مَن يقدمون فكرة ما عن ماهية الكائن الذي هو أسمى من الشخصية.
فالآخرون جميعاً، رغم قولهم إن الله أسمى من الشخصية يُفكرون فيه بالحقيقة كما لو كان كائناً غير شخصي، أي كائناً أدنى من كونه شخصاً. وإن كنتَ تبحث عن كائن فائق للشخصي، أي كائن أسمى من الشخصية، فلا خيار لك بين المسيحية وسواها من المفاهيم، إذ إن المفهوم المسيحي بهذا الشأن هو وحده المطروح في الميدان.
أيضاً يعتقد بعض الناس أنه بعد هذه الحياة، أو ربما بعد بضع حيوات، سوف “تذوب” النفوس البشرية. ولكن عندما يحاولون أن يشرحوا ما يقصدونه، يبدو أنهم يتحدثون عن ذوبان النفوس في الله كما تذوب مادة في أخرى. إذ يقولون إن ذلك يُشبه انسياب قطرة ماء إلى البحر. ولكن هذا بالطبع يُنهي قطرة الماء أو يُلاشيها. فإذا كان ذلك هو ما سيحدث لنا، فالذوبان عندئذ هو الكف عن الوجود بعينه. إنما المسيحيون وحدهم لديهم فكرة ما عن كيفية انتقال نفوس البشر إلى قلب حياة الله وبقائها مع ذلك كما هي، بل الحقيقة صيرورتها على حقيقتها أكثر بكثير مما كانت قبلاً.
لقد نبّهتُكم إلى أن علم اللاهوت أمر عملي. فإن جُل القصد من وجودنا هو أن نؤخذ هكذا إلى داخل حياة الله. ومن شأن الأفكار الخاطئة عن ماهية تلك الحياة أن تجعل علم اللاهوت أصعب. فالآن، لابد من أن أطلب إليكم أن تُعيروني انتباهاً أكثر، على مدى بضع دقائق.
تعلمون أنكم في الفضاء (أو الفراغ) تستطيعون أن تتحركوا في ثلاثة اتجاهات: إلى اليسار أو اليمين، إلى الوراء أو الأمام، إلى فوق أو إلى تحت. وكل اتجاه فهو إما واحدُ من هذا الثلاثة، وإما منزلة وسط بينها. وتُدعى هذه الاتجاهات “الأبعاد الثلاثة”. فلاحظ ما يلي الآن. إذا كنت تستخدم بُعداً واحداً فقط، يمكنك أن ترسم فقط خطاً مستقيماً. وإذا كنت تستخدم بُعدين، يمكنك أن ترسم شكلاً مُسطّحاً، كالمربع مثلاً.
والمربع يتكون من أربعة خطوط مستقيمة. ولنخط الآن خطوة أخرى إلى الأمام. إذا كان لديك ثلاثة أبعاد، ففي وسعك عندئذ أن تبني ما ندعوه شكلاً مجسّماً، كالمكعب مثلاً: شيئاً يُشبه النرد (زهر الطاولة) أو مكعب السُكر. ومعلوم أن المكعب يتكون من ستة مربعات.
هل فهمت المقصود؟ إن عالماً ذا بعد واحد من شأنه أن يكون خطاً مستقيماً. وفي عالم ذي بُعدين، ما تزال تحصل على خطوط مستقيمة، ولكن بضعة خطوط تكون شكلاً ما. أما في عالم ثلاثي الأبعاد، فإنك ما تزال تحصل على أشكال، ولكن بضعة أشكال تكوّن مجسّماً واحداً. وبكلمة أخرى: إذا تقدمت إلى مستويات أكثر واقعية وأكثر تعقيداً، فأنت لا تتخلى عن الأشياء التي وجدتها على المستويات الأبسط، بل ما تزال تلك لديك إنما متشكلة بطرق جديدة… بطرق ما كنت لتتصورها لو لم تعرف سوى المستويات الأبسط.
والآن، فالفكرة المسيحية عن الله تنطوي على المبدأ عينه تماماً. ذلك أن المستوى البشري مستوى بسيط وفارغ بالأحرى. فعلى المستوى البشري، الشخص الواحد كائن واحد، وأي شخصين هما كائنان منفصلان، تماماً كما أنه في بُعدين (على ورقة مُسطحة مثلاً) يكون المربع الواحد شكلاً واحداً، وأي مُربعين اثنين يكونان شكلين منفصلين. أما على المستوى الإلهي، فما تزال تجد شخصيات، غير أنك هنالك تجدها متحدة بطرق جديدة لا يمكننا، نحن الذين لا نعيش على ذلك المستوى، أن نتصورها.
ففي البعد الإلهي، إذا جاز التعبير، تجد كائناً ذا ثلاث شخصيات (أقانيم) فيما يبقى كائناً واحداً، كما أن المكعب هو ستة مربعات فيما يبقى مكعباً واحداً. طبعاً ليس في وسعنا أن نتصور تماماً كائناً كهذا: تماما لما لو أننا كنا مخلوقين على نحو لا يمكننا من إدراك سوى بُعدين فقط في الفضاء، أو الفراغ، لما كان في وسعنا أبداً أن نتخيل مكعباً بالطريقة الصحيحة. إنما يمكننا أن نكون عنه نوعاً من الفكرة الواهية.
حتى إذا فعلن ذلك، نكون عندئذٍ، أول مرة في حياتنا، مُكونين فكرة إيجابية، مهما كانت واهية، عن كائن فائق للشخصية، كائن يعدو كونه شخصاً. وهذا أمرٌ ما كان يمكننا أن نحزره قطعاً، ومع ذلك فما إن يقال لنا حتّى يشعر المرء بأنه كان ينبغي له أن يحزره، لأنه يتناسب جيداً مع جميع الأمور التي نعرفها فعلاً.
ولعلك تسأل: “ما دمنا لا نستطيع أن نتصور كائناً ثُلاثي الشخصيات (ثالوث الأقانيم)، فأي خير في التكلم عنه؟ حسناً، لا خير البتة في التكلم عنه. إنما الأمر المهم حقاً هو أن ننجذب فعلاً إلى تلك الحيات ذات الشخصيات الثلاث. ومن الممكن أن تباشر هذا في أي وقت، بل الآن إذا شئت!
وهاك ما أعنيه. ان المسيحي المؤمن البسيط يجثو لكي يصلي وهو يحاول أن يتواصل مع الله. وإن كان مؤمناً فهو يعلم، إن ما يحثه على الصلاة أيضاً هو الله: الله الساكن في داخله، إن جاز التعبير. إلا أنه يعلم أيضاً أم معرفته الحقيقية لله تأتي كلها عبر المسيح، الإنسان الذي كان الله، كما يعلم ذلك أن المسيح واقف بجانبه، مساعداً إياه على الصلاة، ومصليّاً لأجله، أترى ما هو حاصل؟ إن الله هو الكائن الذي إليه يُصلي المؤمن: أي الهدف الذي يَنشد بلوغه. ثم أن الله هو أيضاً الكائن الذي في داخله والذي يحثُه: أي القدرة الحافزة.
كما أن الله أيضاً هو الطريق أو الجسر الذي عليه يُحث المؤمن لنشدان ذلك الهدف. وعليه، فإن كامل الحياة الثلاثية للكائن الثلاثي الشخصيات (أو الأقانيم) ناشطة فعلاً في ذلك المخدع البسيط حيث يرفع إنسان عادي بسيط صلاته. ذلك أن هذا الإنسان منجذب إلى نوع الحياة الأسمى: الحياة الروحية التي سميّتها “زُويي”، حيث يجذبه الله إلى رحاب حياة الله، فيما يبقى هو نفسه.
هكذا بدأ علم اللاهوت. فقد كان الناس يعرفون عن الله بطريقة غامضة. ثم جاء إنسان صرح بأنه هو الله. إلا أنه لم يكن إنساناً من النوع الذي يمكنك أن تصرفه باعتباره مجنوناً. فقد جعل قوماً يؤمنون به مُصدقين. ثم قابلوه من جديد بعد أن شاهدوه يُقتل. ومن ثم، بعدما شُكلوا جماعة صغيرة أو مجتمعاً صغيراً، وجدوا الله على نحو ما في داخلهم أيضاً، مُرشداً لهم ومُقدراً إياهم على القيام بأمور لم يكونوا يستطيعون فعلها من قبل. لما تدبروا الأمر، تبين لهم أنهم قد أدركوا التعريف المسيحي لله الثلاثي الشخصيات أو الأقانيم.
وليس هذا التعريف شيئاً اختلقناه اختلاقاً، فعلم اللاهوت، بمعنى من المعاني، علم اختباري. والديانات البسيطة هي تلك المخُتلقة. وحين أقول إنه علم اختاري “بمعنى من المعاني”، أعني أنه مثل العلوم الاختبارية الأخرى من بعض النواحي، لا من كل ناحية. فإن كنت جيولوجياً تدرس الصخور، ينبغي لك أن تمضي وتجد الصخور. إذ إنها لن تأتي هي إليك.
وإذا ذهبت إليها، فلا يمكنها أن تهرب منك. فالمبادرة هي بيدك كلياً. والصخور لا تقدر أن تُعينك ولا أن تعيقك. إنما افترض أنك عالم بالحيوان وتريد أن تلتقط صوراً للحيوانات البرية في مآويها الأصلية. فهذا يختلف قليلاً عن دراسة الصخور. ذلك أن الحيوانات البرية لن تأتي إليك. بل يمكن أن تهرب منك. وما لم تظل هادئاً جداً، فإنها تهرب حتماً. وعدم هربها هو بحد ذاته شيء يُعتبر مبادرة منها.
والآن نرتقي درجة أعلى: افترض أنك تريد أن تتعرف بشخص بشري. فإن كان عازماً على ألا يسمح لك، فلن تبلغ إلى معرفته أبداً. عليك أن تكسب ثقته. وفي هذه الحالة تتوزع المبادرة بالتساوي؛ والصداقة تستوجب وجود شخصين.
وعندما نصل إلى التعرف بالله، فالمبادرة في يده هو. فإن كان لا يُظهر ذاته. فلا شيء تقدر أن تفعله يُمكنك من أن تجده. وهو بالحقيقة يُظهر من ذاته لبعض الناس أكثر بكثير مما يُظهر للآخرين. ليس لأنه يُحابي أناساً، بل لأن من المستحيل أن يُظهر ذاته لإنسان ذهنه وخلقه منصرفان كلياً في الاتجاه الخطأ: تماماً كما لا يمكن لنور الشمس، رُغم عدم محاباته، أن ينعكس في مرآة مغبّرة بمثل الوضوح الذي به ينعكس في مرآة نظيفة.
ومن الممكن أن نعبر عن الأمر بطريقة أخرى، بقولنا إن الأدوات التي تستخدمها في العلوم الأخرى هي أشياء خارجية بالنسبة إلى ذاتك (كالميكروسكوب والتليسكوب ونحوهما)، أما الأداة التي بواسطتها ترى الله فهي نفسك بكاملها. وإذا كانت نفس الإنسان لا تُحفظ نظيفة ونيّرة، فإن رؤيته لله ستكون مضطربة… كما لو كنت تُعاين القمر بواسطة تليسكوب متُسخ. لذلك كانت للأمم الرهيبة أديان رهيبة: فلطالما كانت تنظر إلى الله عبر عدسة قذرة.
فلا يمكن أن يُظهر الله ذاته على حقيقته إلا لأناس حقيقيين. وهذا لا يعني فحسب لأناس صالحين فردياً، بل لأناس متحدين معاً في كيان واحد، مُحبين بعضهم بعضاً، مساعدين أحدهم الآخر، مُظهرين الله بعضهم لبعض. فعلى هذا الصورة قصد الله للبشرية أن تكون: كالعازفين في فرقة واحدة، أو الأعضاء في جسد واحد.
وعليه، فإن الأداة الوحيدة الوافية تماماً للتعلم عن الله هي الجماعة المسيحية بكاملها، التي تنتظره معاً. فالأخوّة المسيحية، إذا جاز التعبير، هي العدة التقنية لهذا العلم؛ أو معدات مُختبره. ولهذا السبب، فإن أولئك الذين يطلعون كل بضع سنوات بديانة مُبسطة من اختراعهم الخاص كبديل من المسيحية الأصلية المتوارثة إنما يُضيّعون وقتهم عبثاً. كأن رجلاً ليس ليه من أداة سوى منظار حربي عتيق، ينطلق لكي يُصحح آراء جميع علماء الفلك الحقيقيين؛ فقد يكون رجلاً ذكياً، بل ربما كان أذكى من بعض علماء الفلك الحقيقيين، غير أنه لا يعطي لنفسه فرصة.
ثم تر سنتان، فإذا بالجميع ينسون أمره، إلا أن العلم الصحيح ما يزال ماضياً إلى الأمام.
فلو كانت المسيحية شيئاً من صُنعنا نحن، لكنا جعلناها أسهل بالطبع. غير أنها ليست كذلك. وليس في وسعنا أن نتنافس، في البساطة، مع أولئك الذين يبتدعون أدياناً. أنى يكون لنا ذلك؟ فنحن إنما نتناول الحقيقة وطبعاً، في وسع أي أمرئ أن يُبدي البساطة إذا لم تكن لديه حقائق يُعنى بها!
حذرني كثيرون من أن أقول لكم ما سأقوله في هذا الباب الأخير. وقد قالوا كلهم: “إن القارئ العادي لا يريد لاهوتيّات؛ فأعطه ديانة عملة واضحة”. إلا أنن لم أعمل بنصيحتهم. فلا أحسب القارئ العادي مُغفلاً إلى حدّ رهيب. ذلك أن علم اللاهوت يعني علم الإلهيات أو الأمور المتعلقة بالله. وأعتقد أن أي إنسان يريد أن يفكر في الله أصلاً يود أن يحوز أوضح الأفكار وأدقها عنه تعالى مما هو متوفر. إنكم لستم أولاداً صغاراً، فلماذا تُعاملون كما لو كنتم أولاداً؟
وبطريقة ما، أفهم تماماً لماذا يصدّ علم اللاهوت بعض الناس. وأنا أذكر مرة، لما كنت ألقي كلمة على أفراد سلاح الجو الملكي، أن ضابطاً كبير السن قاسي الملامح وقف وقال: “لا نفع لي بهذا الكلام كله. إنما لا تنسى أنني رجل متديّن أيضاً. فأنا أعرف أن الله موجود. وقد شعرت به، خارجاً وحدي في الصحراء ليلاً، ويا له من سر هائل! ولهذا السبب عينه لا أومن بما تقوله عنه من معتقدات وصيَغ ضئيل منمّقة. فبالنسبة إلى أي شخص قابل الحقّ بذاته، تبدو هذه كلها تافهة ومُتكلّفة وغير واقعية”.
والآن، من ناحية ما، أتّفق تماماً مع هذا الرجل. فأعتقد أنه ربما اختبر الله اختباراً حقيقياً في الصحراء. ولما تحّول عن ذلك الاختبار إلى قوانين الإيمان المسيحية، أعتقد أنه بالحقيقة كان يتحول عن شيء حقيقي إلى شيء أقل حقيقية.
فعلى المنوال عينه، إذا كان رجل قد نظر إلى المحيط الأطلسي من على شاطئ، ثم ذهب ونظر خريطة للأطلسي، يكون هو أيضاً متحولاً عن أمر حقيقي إلى أمر أقل حقيقية، إذ يتحول عن الأمواج الفعلية إلى قطعة ورق ملونة. إنما هنا بيت القصيد: صحيح أن الخريطة مجرد ورقة ملونة، ولكن يجب أن تتذكر بشأنها أمرين. فأولاً، هي مؤسسة على ما اكتشفه مئات وألوف من الناس بالإبحار في الأطلسي الحقيقي.
ومن هذه الناحية تكمن وراءها كميّات وافرة من الاختبار حقيقية تماماً مثل الذي كان لك وأنت واقف على الشاطئ؛ إنما في حين كان اختبارك نظرة منفردة، رتبت الخريطة تلك الاختبارات المتفرقة كلها معاً. وثانياً، إذا أردت أن تبحر إلى أي مكان، فالخريطة ضرورية ضرورة مطلقة. وما دمت قانعاً بالتمشي على الشاطئ، تكون نظراتك أكثر ابهاجاً لك من التطلع في الخريطة. غير أن الخريطة ستكون أكثر فائدة لك من التمشي على الشاطئ إذا شئت أن تسافر إلى أميركا.
والآن، علم اللاهوت يشبه الخريطة. فمجرد التعلم والتفكير في العقائد المسيحية، إن أنت توفقت هناك، أقل حقيقة ومتعة من مثل ذلك الاختبار الذي حصل لصاحبنا في الصحراء. فالعقائد ليس هي الله، بل هي أشبه بالخريطة فحسب. غير أن الخريطة مبنية على اختبار مئات الأشخاص الذين كانوا بالحقيقة على اتصال بالله، وهي اختبارات إذا قورنت بها أية ارتعاشات سرور أو مشاعر ورع قد نحصل عليها أنا وأنت بأنفسنا كان أولية جداً ومشوشة كثيراً.
ثم إنك إذا شئت أن تتقد أبعد من ذلك، ينبغي لك أن تستخدم الخريطة. ترى إذاً أن ما حصل لذلك الرجل في الصحراء ربما كان حقيقياً، وقد كان مشوقاً ومُبهجاً حتماً، ولكن لا يطلع منه شيء. فهو لا يؤدي إلى أي مكان. وليس من شيء تفعله بشأنه وبالحقيقة أن هذا هو السبب في كون الديانة الغامضة (كل ما يتعلق بتلمس الله في الطبيعة وما إلى ذلك) جذابة جداً.
فهي كلها ارتعاشات طرب، وليس فيها أي عمل: شأنها شأن مشاهدة الأمواج من على الشاطئ. ولكنك لن تصل إلى شاطئ الأطلسي الآخر بدراستك للمحيط بهذه الطريقة. ولن تنال الحياة الأبدية بمجرد شعورك بحضور الله في الأزهار أو الموسيقى. كما لن تصل إلى أي مكان بالنظر إلى الخرائط دون ركوب البحر، ولن تكون أيضاً آمناً جداً إذا ركبت البحر بلا خريطة.
وبعبارة أخرى، فإن علم اللاهوت عمليّ، ولا سيّما الآن. ففي الأيام القديمة، لما كانت الثقافة والبحث أقل، ربما كان ممكناً المضي قدماً بأفكار عن الله بسيطة وقليلة جداً. لكن الأحوال الآن تغيرت. فكل امرئ يقرأ، ويسمع أموراً تُناقش. وعليه. فإذا كنت لا تُصغي إلى اللاهوتيات، فلن يعني ذلك ألا تحوز أية أفكار عن الله، بل سيعني أن تحوز كثيراً من الأفكار الخاطئة، أفكاراً مشوشة فاسدة بالية.
فإن كثيراً من الأفكار التي يتم تداولها اليوم بشأن الله على أنها من الطرائف ليست في الواقع سوى تلك التي امتحنها اللاهوتيون قبل قرون عديدة ورفضوها. وهكذا يكون الإيمان بالديانة الشعبية الشائعة في إنكلترا الحديثة تقهقراً وتراجعاً، مثل الاعتقاد أن الأرض مُسطحة.
فإذا نظرت في حقيقة الأمر، أفلا تجد أن الفكرة الشعبية عن المسيحية هي هذه فحسب: أن يسوع المسيح كان معلم أخلاق عظيماً، وأننا لو قبلنا نصائحه فقط لربما تمكنا من إقامة نظام اجتماعي أفضل وتجنبنا حرباً أخرى؟ طبعاً، هذا صحيح تماماً. غير أنه يقول لك أقل بكثير جداً من الحقيقة الكاملة عن المسيحية، وليست له أهمية عملية على الإطلاق.
صحيح تماماً أننا لو عملنا بنصائح المسيح لكنّا سريعاً نعيش في عالم أسعد. حتى إنك لست بحاجة لأن تصل إلى المسيح. فلو عملنا بكل ما قاله لنا أفلاطون أو أرسطو أو كنفوشيوس لتحسنت أحوالنا عما هي عليه الآن بمقدار كبير جداً. فماذا إذا؟ إننا لم نعمل قط بنصائح المعلمين الكبار. فلماذا يُرجح أن نبدأ ذلك الآن؟ ولماذا يُرجح أننا سنتبع المسيح أكثر من أي واحد من الآخرين: ألأنه أفضل معلم أخلاقي؟ ولكن هذا يقلل كثيراً بالأحرى من احتمالية اتباعنا له.
فإذا عجزنا عن استيعاب الدروس الابتدائية، أفيرجح أننا سنقدر على تلقي الدروس الأعلى؟ ولو كانت المسيحية تعني فقط قسطاً إضافياً من النصائح الصالحة، لما كانت ذات أهمية على الإطلاق. فما كانت تعوزنا النصائح الصالحة على مدى آخر أربعة آلاف سنة. وقسطٌ آخر من النصائح لا يُقدم ولا يؤخر!
ولكن ما أن تطّلع على أية كتابات مسيحية حقيقية، حتى يتبين لك أنها تتكلم عن شيء مختلف تماماً عن هذه الديانة الشائعة. فهي تقول إن المسيح هو ابن الله (مهما كان معنى ذلك). وتقول إن أولئك الذين يضعون ثقتهم فيه يمكن أن يصيروا أيضاً أبناء الله (مهما كان معنى ذلك). وتقول إن موته خلّصنا من خطايانا (مهما كان معنى ذلك).
لا نفع في التشكّي من كون هذه التصريحات صعبة. فالمسيحية تصرح بأنها تخبرنا عن عالم آخر، عن أمور وراء هذا العالم الذي يمكن أن نلمسه ونسمعه ونراه. وقد تحسب هذا التصريح باطلاً؛ ولكن إذا كان صحيحاً فإن ما يقوله لنا صعبٌ لا محالة، أو على الأقل صعب صعوبة الفيزياء الحديثة، وللسبب عينه.
والآن، فإن النقطة التي تسبّب لنا أكبر صدمة، بين نقاط المسيحية هي التصريح بأننا إذ نرتبط بالمسيح يمكننا أن “نصير أبناء الله”. ورُبَّ سائل: “ألسنا أبناء الله أصلاً؟ لا شك أن أبوة الله هي إحدى الأفكار المسيحية الجوهرية؟ “حسناً، بمعنى ما، ليس من شك في أننا أبناء الله فعلاً. أعني أن الله أوجدنا ويحبنا ويعتني بنا، وهو من هذا القبيل بمثابة أب لنا. لكن حين يتكلم الكتاب المقدي عن “صيرورتنا” أبناء لله، فمن البديهي أنه ينبغي أن يعني شيئاً آخر مختلفاً. وذلك يضعنا في مواجهة لب اللاهوت وجوهره.
يقول أحد القوانين إن المسيح هو ابن الله “مولود غير مخلوق”، ثم يضيف: “مولود من الآب قبل كل الدهور”. أرجو أن يتوضح لديك جلياً أن ليس لهذا أية علاقة بحقيقة أن المسيح لما ولد على الأرض إنساناً قد كان ذلك الإنسان ابن عذراء! فنحن لسنا الآن بصدد الحديث عن الولادة من عذراء، بل إننا نُفكر في أمر أزلي حاصل قبل خلق الطبيعة، وقبل بدء الزمان. فما معنى القول إن المسيح مولود، لا مخلوق، “قبل الدهور”؟
معلوم أن معنى الولادة أن يكون المرء أباً، أما الخلق فهو الصُنع. وهاك الفرق: عندما تلد، فأنت تلد كائناً من نوعك بعينه. فالإنسان يلد أطفالاً آدميين، والسمور يلد سمامير صغاراً، الطير ينتج بيضاً يتحول فراخاً. ولكنك عندما تصنع، فأنت تصنع شيئاً مختلفاً عنك في نوعه. فالطير يصنع عشاً، السمور يبني سداً، والإنسان يصنع جهاز لاسلكي؛ أو قد يصنع شيئاً أشبه به، كالتمثال مثلاً.
وإذا كان نحاتاً بارعاً جداً، فقد يصنع تمثالاً يُشبه الإنسان كثيراً. غير أن التمثال بالطبع ليس إنساناً حقيقياً، بل إنما يبدو شبيهاً به فحسب، ولا يقدر أن يتنفس أو يفكر، وهو ليس حياً.
فالآن، هذا هو أول أمر ينبغي فهمه بوضوح: أن الذي هو مولود من الله فهو الله، تماماً كما أن الذي يلده الإنسان يكون إنساناً. أما ما يخلقه الله فليس إلهاً، تماماً كما أن ما يصنعه الإنسان ليس إنساناً. ولذلك فليس البشر أبناء لله بمعنى كون المسيح ابنه. قد يكونون مثل الله من نواح معينة، غير أنهم ليس كائنات من الصنف ذاته. فهم أشبه بتماثيل أو صور لله. إن صح التعبير.
إن التمثال له شكل إنسان، ولكن ليس حياً. على هذا الغرار للإنسان “شكلُ” الله أو شبهه (بمعنى سوف أفسره)، ولكن ليس له نوع الحياة الذي لله. ولنتناول أولاً النقطة الأولى (مشابهة الإنسان لله). إن لكل ما صنعه الله بعض الشبه به. فالفضاء يُشبهه في ضخامته: ليس أن عظمة الفضاء هي من نوع عظمة الله بالذات، بل إنها نوع من الرمز إليها، أو تعبير عنها في عبارات غير روحية.
والمادة تشبه الله في كونها ذات طاقة: مع أن الطاقة الطبيعية أيضاً وطبعاً مختلفة عن قدرة الله في نوعها. والعالم النباتي يُشبه الله لأنه عالم حي، والله هو “الإله الحي”. غير أن الحياة بمعناها البيولوجي ليست بعينها من نوع الحياة الكائنة في الله، بل هي مجرد نوع من الرمز أو الظل لها. وعندما نصل إلى الحيوانات، نجد أنواعاً أخرى من المشابهة فضلاً عن الحياة البيولوجية.
فنشاط الحشرات وخصوبتها الوافران، مثلاً، هما مشابهة أولى باهتة لنشاط الله الدائم وإبداعه السرمدي. ولدى الثدييات العليا نجد بدايات العاطفة الغريزية. فليست هذه من نوع المحبة الكائنة في الله، ولكنها تشبهها: بالحري على الطريقة التي بها يمكن للصورة المرسومة على ورقة مسطحة أن تكون رغم ذلك “مشابهة” لمنظر طبيعي.
حتى إذا وصلنا إلى الإنسان، فإننا نجد أكمل مشابهة لله نعرفها. (ربما تكون في عوالم أخرى خلائق أكثر من الإنسان شبهاً بالله، ولكننا لا نعرف من أمرها شيئاً). فالإنسان لا يحيا فحسب، بل يحب ويفكر أيضاً: وفيه تبلغ الحياة البيولوجية أسمى مستوى معروف لها.
ولكن ما ليس عند الإنسان، في حالته الطبيعية، هو الحياة الروحية: الحياة الأعلى والمختلفة نوعاً والموجودة في الله. ونحن نستخدم كلمة “الحياة” عينها لكلتيهما. ولكن إذا ظننت أنه لكونهما تستخدمان الكلمة “حياة” ذاتها يجب أن تكونا من النوع نفسه، فإن ذلك يكون مثل حسبان “عظمة” الفضاء و”عظمة” الله نوعاً واحداً من العظمة.
وبالحقيقة أن الفرق بين الحياة البيولوجية والحياة الروحية مهم جداً، حتى إنني سأطلق عليهما تسميتين مختلفتين. فنوع الحياة البيولوجيّ الذي يأتينا من خلال الطبيعة والذي يميل دائماً (شأنه شأن كل ما في الطبيعة غيره) إلى الانحلال والفساد، بحيث لا يمكن الحفاظ عليه إلا بإمدادات من الطبيعة لا تنقطع على شكل الهواء والماء إلخ، هو “بِيُوس” (الحياة الطبيعية).
أما الحياة الروحية الكائنة في الله منذ الأزل، والتي صنعت الكون الطبيعي كله. فهي “زُويي” (الحياة الأزليّة). ويقيناً أن “بِيُوس” تنطوي على مُشابهة رمزية أو ظليلة لـ “زُويي”، ولكنها لا تعدو كونها من نوع المشابهة القائمة بين صورة ومكان، أو بين تمثال وإنسان. والإنسان الذي يغيّر من حيازته “بِيُوس” إلى حيازته “زُويي” يكون قد اجتاز تغييراً هائلاً جداً كالتغيير الذي يجتازه صخر منحوت كي يصير إنساناً حقيقياً.
وذلك تماماً هو ما تُعنى به المسيحية أساساً. فهذا العالم معرضُ نحاتٍ كبير، ونحن التماثيل. وفي أرجاء المعرض تسري شائعة بأن بعضاً منا ستدب فيهم الحياة ذات يوم.
تبين لي أن كثيرين قد أزعجهم ما قلته في الفصل السابق عن قول ربنا يسوع: “كونوا كاملين”. ويبدو أن بعضهم حسبوا ان ذلك يعني: “ما لم تكونوا كاملين، فلن أساعدكم”؛ وبما أنه لا يمكننا أن نكون كاملين، فإذا كان المسيح قد قصد ذلك، يكون وضعنا عندئذ معدوم الرجاء. غير أنني لا أعتقد أن المسيح قصد ذلك، بل أعتقد أنه قصد هذا: “المساعدة الوحيدة التي سأُقدمها لكم، هي مساعدتكم على أن تكونوا كاملين. ربما تطلبون شيئاً أقل، غير أن لن أعطيكم أقل من هذا”.
وإليك الشرح. لما كنت ولداً، كان يُصيبني وجع الأسنان كثيراً، وقد علمتُ أنه إن ذهبت إلى أمي تعطيني شيئاً يسكن الألم ويجعلني أنام تلك الليلة. غير أنني لم أكن أذهب إلى أمي، على الأقل، حتى يشتد الألم كثيراً. أما سبب عدم ذهابي فهو هذا: لم أكن أشك في أنها ستعطيني الأسبيرين، ولكني كنت أعلم أنها ستفعل أيضاً أمراً آخر…. كنت أعلم أنها ستصطحبني إلى طبيب الأسنان صباح اليوم التالي.
فما كان في وسعي أن أحصل على ما أريده منها بغير الحصول على شيء إضافي ما كنت أريده. كنت أريد أن أستريح مباشرة من الألم، ولكن لم يكن يسعني الحصول على ذلك بغير إصلاح ضرسي بصورة دائمة. وقد عرفت أولئك الأطباء الذين يعالجون الأسنان: عرفت أنهم يبدأون يعبثون بجميع الأسنان الأخرى التي لم يبتدئ الوجع فيها بعد. إنهم يُقلقون راحة من يُريد أن يستريح، وإذا أعطيتهم بوصة أخذوا منك ذراعاً.
والآن، إذا جاز لي التعبير على هذا النحو، فإن ربنا يُشبه طبيب الأسنان. فإذا أعطيته بوصة، يأخذ منك ذراعاً. وعشرات من الناس يقصدون إليه كي يشفيهم من خطية معينة يخجلون بها (كالعادة السرية أو الجبانة الطبيعية)، أو تُفسد حياتهم اليومية على نحو واضح (كحدة الطبع أو السكر). وفي الواقع أنه سيشفيهم من تلك العلة حقاً، غير أنه لن يقف عند الحد. فربما كان ذلك كل ما طلبته؛ ولكن ما أن تدعوه إلى دخول حياتك حتى يعالجك العلاج الكامل.
لذلك نبَّه ربُّنا الناس إلى وجوب إجراء “حساب النفقة” قبل صيرورتهم مسيحيين حقاً. وهاك فحوى قوله: “كن على ثقة بأني سأجعلك كاملاً إن سمحت لي. فلحظة تضع نفسك بين يدي، تخطو أول خطوة في هذه المسيرة، ولا شيء أقل من ذلك أو غيره، لديك حرية الإرادة، وإذا شئت يمكنك أن تدفعني بعيداً.
ولكن إذا لم تدفعني بعيداً، فاعلم أنني سأعنى بإنجاز هذا العمل إلى التمام. فمهما كلفك ذلك من معاناة في حياتك الأرضية، ومهما كلفك ذلك من تطهير وتنقية بعد موتك معي، ومهما كلفني الأمر، فلن أستريح، ولن أدعك تستريح، حتى تصير كاملاً حقاً: حتى يتيسّر لأبي أن يقول بلا تحفظ إنه راضٍ عليك كل الرضى، مثلما قال إنه قد سُرَّ بي كل السرور. هذا أستطيعه، ولسوف أفعله. غير أنني لن أفعل أي شيء أقل منه”.
وعلى الرغم من ذلك (وهذا هو الجانب الآخر والمهم على السواء في الأمر) فإن هذا المعين الذي لن يكتفي، في نهاية المطاف، بأي شيء أقل من الكمال المطلق سوف يسرّه أول مجهود واه متعثر تبذله غداً لأداء أبسط واجب. وعلى حد ما أشار إليه كاتب مسيحي كبير (وهو جورج مكدونلد)، فإن كل أب تسرُّه المحاولة الأولى التي يبذلها الطفل للمشي، ولكن ما من أب يُرضيه من ابنه الراشد أي شيء أقل من المشية الرجولية القوية الثابتة. وبالطريقة عينها، كما قال، “من السهل أن نسر الله، ولكن من الصعب أن نُرضيه إلى التمام”.
أما الفحوى العملية فهي هذه. من ناحية، لا داعي لأن يُثبط عزيمتك ولو قليلاً مطلب الله بشأن الكمال، في مساعيك الراهنة لأن تكون صالحاً، ولا حتى في اخفاقاتك الحالية. فكلما سقطت يأخذ بيدك حتماً ويُقيمك وهو يعلم تمام العلم أن مجهوداتك الخاصة لن تُوصلك البتة إلى أي موضع قريب من الكمال. ومن ناحية أخرى، عليك أن تدرك من البداية أن الهدف الذي نحوه قد بدأ يوجهك هو الكمال المطلق؛ وليس في الكون كله، ما عداك أنت نفسك، أية قوة تقدر أن تمنعه من أخذك إلى ذلك الهدف. فلأجل ذلك الهدف أنت منطلق. ومن المهم جداً أن ندرك هذه الحقيقة.
وإلا، فمن المرجح جداً أن نبدأ بالتراجع وبمقاومة الرب بعد نقطة ما. وأظن أن كثيرين منّا، بعد أن يعطينا المسيح القدرة على دخر خطية أو خطيتين كانتا حماقة بلهاء، ميالون لأن يشعروا بأنهم الآن صالحون كفاية (وإن كانوا لا يعبرون عن ذلك بالكلام). فهو قد فعل كل ما أردناه منه، ونكون شاكرين إذا تركنا الآن وشأننا. وكما تقول: “لم أتوقع قط أن أصير قديساً، بل أردت فقط أن أغدو إنساناً عادياً شريفاً”. ونحن نتصور أننا متواضعون إذ نقول ذلك.
ولكن هذه هي الغلطة الفاتكة. فبالطبع، نحن لم نُرد قط، ولا طلبنا قطعاً، أن نصير من نوع الخلائق الذي سيُحولنا إليه. ولكن المسألة ليست ما قصدنا نحن لأنفسنا أن نكون، بل هي ما قصده هو لنا أن نكون لما صنعنا. فهو المخترع، وما نحن إلا المكنة. وهو الرسام، وما نحن إلى الصورة. وكيف عسانا أن نعرف ما يقصد لنا أن نكونه؟ أنت ترى أنه سبق أن صنعنا شيئاً مختلفاً جداً عما كنا عليه.
فمنذ زمن طويل، قبل ولادتنا، لما كنا في أرحام أمهاتنا، اجتزنا مراحل شتى. وقد كنا حيناً أشبه بالخضار أو السمك، وما كنا لنرغب في أن نُجعل أطفالاً. ولكن الله كان عليماً كل حين بخطته لنا، وعاقداً العزم على تنفيذها. والآن يحدث لنا شيء شبيه بهذا كثيراً على مستوى أعلى. ربما كما راضين بأن نبقى ما ندعوه “أناساً عاديين”؛ غير أنه هو مصمم على تنفيذ خُطة أخرى مختلفة تماماً. فأن ننكمش نافرين من تلك الخطة ليس تواضعاً، بل هو كسل وجبن. أما الخضوع لها فليس غروراً ولا جنون عظمة، بل هو طاعة.
وإليك طريقة أخرى للتعبير عن ناحيتي الحق. فمن جهة، علينا ألا نتصور البتة أن مجهوداتنا الخاصة من دون مساعدة يمكن أن يُركن إليها لتحملنا ولو عبر الأربع والعشرين ساعة التالية بوصفنا أناساً “شرفاء”. ولولا معونة الرب لنا، ما كان أي واحد منا بمنأى من السقوط في خطية من الخطايا الفاضحة. ومن الجهة الأخرى، ما من درجة ممكنة من القداسة أو البطولة سُجلت يوماً لأعظم القديسين هي خارج نطاق ما هو مُصمم أن يُنتجه في كل واحد منا في نهاية المطاف. ولن يُنجز العمل في هذه الحياة، غير أن الله يقصد أن يوصلنا إلى أبعد حد ممكن قبل الوفاة.
لذلك يجب ألا نُفاجأ إذا اجتزنا وقتاً عصيباً. فعندما يتوب شخص ما إلى المسيح ويبدو أنه على ما يرام (بمعنى أن بعضاً من عاداته السيئة قد قُومت الآن)، يشعر في الغالب أنه سيكون من الطبيعي الآن ان تسير الأمور على أهون ما يكون. وعندما تُقبل الضيقات، من مرض وعسر مادي وتجارب من أنواع جديدة، يخيب ويخور.
فقد يرى أن مثل هذه الأمور ربما كانت ضرورية لحثه وحمله على التوبة في أيامه السيئة الماضية؛ ولكن لماذا تحصل الآن؟ ذلك لأن الله يدفعه إلى الأمام، أو إلى فوق، نحو مستوى أعلى: واضعاً إياه في ظروف يُضطر فيها لأن يكون أشجع بكثير، أو أكثر صبراً أو محبة، مما حلم به يوماً من ذي قبل. إنما يبدو ذلك كله في نظرنا غير ضروري. ولكن سبب ذلك هو أن ليس لدينا بعد أدنى فكرة عن الصورة البهية التي ينوي أن يجعلنا عليها.
وأرى أن عليَّ أن أستعير مثلاً آخر بعد من جورج مكدونلد. تصور نفسك كما لو كنت بيتاً حياً، وأن الله يتدخل كي يُعيد بناء هذا البيت. فربما تفهم في أول الأمر ما هو فاعل. إذ أنه يُصلح مصارف الماء ويوقف الارتشاح في السقف، وما إلى ذلك؛ فأنت على علم بأن هذه الأعمال ينبغي أن تُعمل، ولذلك لا تُفاجأ. ولكنه لا يلبث أن يباشر الطرق والدق في أنحاء البيت بطريقة مؤذية على نحو بغيض ولا تبدو ذات معنى معقول.
تُرى، أي شيء يرمي البنّاء إليه؟ إن تفسير ذلك أنه يبني بيتاً مختلفاً تماماً عن ذاك الذي فكرت فيه… ناشراً هنا جناحاً جديداً، ومُنشئاً هناك طابقاً إضافياً، ومُعمراً أبراجاً، وباسطاً ساحات. وقد كنت تحسب أنه سيصنع منك كوخاً صغيراً لائقاً؛ غير أنه يعكف على بناء قصر. وهو ينوي أن يأتي بنفسه ويقيم فيه.
إن الوصية “كونوا كاملين” ليست وهماً مثالياً. كما أنها ليست أمراً بأن نفعل المستحيل. فالرب سوف يُحولنا إلى خلائق قادرين على إطاعة تلك الوصية. وقد قال في الكتاب المقدس إننا “آلهة”، ولسوف يُثبت صحة كلامه.
فإن سمحنا له (إذ يمكننا أن نمنعه إذا شئنا) فسيجعل أضعفنا وأقذرنا “إلهاً” أو “إلاهة”، مخلوقاً خالداً مُذهلاً باهراً، نابضاً في مجمله بطاقة وفرح وحكمة ومحبة ما كنا لنتصورها كلها، مرآة مصقولة نقية تعكس لله على نحو كامل (وإن كان بالطبع على نطاق أصغر) قدرته ومسرته وصلاحه الخاصة غير المحدودة. وستكون العملية طويلة، ومؤلمة جداً في بعض أجزائها، غير أننا لأجل ذاك الهدف نُخضَع لهذه كلها، وليس لأجل أي هدف آخر أقل منه. وقد عنى الرب حقاً ما قاله.
نعم، لقد عنى الرب حقاً ما قاله. فإن أولئك الذين يضعون أنفسهم في يديه سيصيرون كاملين، كما أنه هو كامل… كامل في المحبة والحكمة والفرح والجمال والخلود. ولن يكتمل التغيير في هذا الحياة، لأن الموت جزء مهم من العلاج. أما المدى الذي سيكون التغيير قد بلغة قبل الوفاة في أي مسيحي بعينه فأمر غير مؤكد.
واعتقد ان اللحظة الحاضرة مُناسبة تماماً للنظر في سؤال غالباً ما يُطرح: إذا كانت المسيحية صحيحة فلماذا ليس جميع المسيحيين، كما هو واضح، أحسن خُلقاً من غير المسيحيين أجمعين؟ فما يكمن وراء هذا السؤال منطقي جداً في جزء منه، وغير منطقي البتة في الجزء الآخر. أما الجزء المنطقي فهو هذا: إذا كان الاهتداء إلى المسيحية لا يُحدث أي تحسين في أفعال الإنسان الخارجية (إذا ظلّ متصلفاً أو حاقداً أو حاسداً أو جشعاً كما كان من قبل) فأعتقد ان علينا أن نشك في حقيقة “اهتدائه” باعتبار كونه وهمياً إلى أبعد حد.
وبعد اهتداء المرء اهتداءً أصيلاً، فكلما حسب أنه أحرز تقدماً ما، يكون هذا هو المحك الذي ينبغي استخدامه. ذلك أن المشاعر الرقيقة والتبصرات الجديدة والاهتمام الزائد بأمور “الدين” لا تعني شيئاً ما لم تجعل سلوكنا الفعلي أفضل، تماماً كما أن “الشعور بالتحسن” في حال المرض لا يكون دليلاً خير إذا أشار ميزان الحرارة إلى أن حرارة المرء آخذه في الارتفاع. وعلى هذا النحو، فالعالم الخارجي على حق تماماً في الحكم على المسيحية بنتائجها. وقد علّمنا المسيح أن نحكم بحسب النتائج. فالشجرة تُعرف من ثمرها؛ أو كما نقول: “التجربة أكبر برهان”.
وعندما نُسيء نحن المسيحيين التصرف، أو نُخفق في أن نُحسن التصرف، نجعل المسيحية تبدو أمراً لا يُصدق في نظر العالم الخارجي. لقد ظهرت في زمن الحرب ملصقات كُتب عليها: “الكلام الطائش يُكلفك حياتك”. وكذلك صحيح بالمثل أن الحياة الطائشة تُكلف كلام انتقاد. ذلك أن عيشنا حياة طائشة يُطلق للعالم الخارجي عنان الكلام؛ ونحن نوفر لأهل العالم أساساً للتكلم بطريقة تُلقي الشك على حقيقة المسيحية عينها.
غير أن هناك طريقة أخرى في تطلب النتائج قد يكون العالم الخارجي غير منطقي فيها إلى أبعد حدّ. فربما لا يكتفون بأن يطلبوا وجوب تحسن حياة كل إنسان إذا صار مسيحياً، بل قد يطلبون أيضاً قبل أن يؤمنوا بالمسيحية أن يروا العالم مقسوماً بوضوح إلى معسكرين، مسيحي وغير مسيحي، وإن يكون جميع أهل المعسكر الأول في أية لحظة من اللحظات أشرف وألطف بكل جلاء من أهل المعسكر الثاني أجمعين. غير أن هذا غير عقلاني على أساس بضعة أسباب.
(1) في المقام الأول، الوضع في العالم الواقعي أكثر تعقيداً من ذلك. فليس في العالم من هم مسيحيون مئة بالمئة، ومن هم غير مسيحيين مئة بالمئة. فهناك أناس (وما أكثرهم) يكفون تدريجياً عن أن يكونوا مسيحيين ولكنهم ما يزالون يدعون أنفسهم بهذا الاسم، وبعضهم رجال دين. وهنالك آخرون يصيرون مسيحيين بالتدريج مع أنهم لا يدعون أنفسهم بهذا الاسم.
وهنالك أناس لا يقبلون كامل التعليم المسيحي عن المسيح، إلا أنهم منجذبون إليه بشكل قوي جداً بحيث يُعتبرون من خاصته بمعنى أعمق مما يفهمونه هم أنفسهم. وبين أتباع الأديان الأخرى أناس يرشدهم تأثير الله السري إلى التركيز على ما يوافق المسيحية في أديانهم، وهكذا ينتمون إلى المسيح على غير علم منهم. فإن بوذياً حسن النية مثلاً قد يُرشد إلى التركيز أكثر فأكثر على التعليم البوذي المتعلق بالرحمة، وإلى إبقاء التعاليم البوذية بشأن أمور أخرى في الناحية الخلفية (رغم أنه قد يقول إنه ما زال يؤمن بها).
وربما كان كثيرون من الوثنيين قبل ولادة المسيح بزمن طويل في هذا الموقع عينه. وثمة بالطبع في كل حين ناس كثيرون مُشوشو الذهن ولديهم كثير من المعتقدات المتضاربة مختلطة بعضها ببعض. وعليه، فليس من نفع كثير في محاولة إصدار أحكام على المسيحيين بصورة تعميمية. ثمة بعض النفع في مقارنة الخيل والجمال، أو حتى الرجال والنساء، على وجه الإجمال، لأنه في ذلك المجال يعرف المرء هؤلاء الواحد من الآخر بشكل واضح ومحدد. ثم إن حيواناً ما لا يتحول (لا تدريجياً ولا فجأة) من جمل إلى حصان.
ولكن حين نقارن المسيحيين عموماً بغير المسيحيين عموماً، لا نكون في العادة مفكرين أبداً في أناس حقيقيين نعرفهم، بل فقط في فكرتين غامضتين استمددناهما من الروايات والصحف. فإذا شئت أن تقارن بين المسيحي الرديء والملحد الصالح، يجب عليك أن تفكر في عينتين حقيقيتين قابلتهما فعلاً. فما لم ننزل إلى ساحة الحقائق الواقعية على هذا النحو، نكن كل ما نعمله هو إضاعة وقتنا سدىً.
(2) هَبنا نزلنا إلى ساحة الواقع ونحن لا نتحدث الآن عن مسيحي خيالي وغير مسيحي خيالي، بل عن شخصين حقيقيين في جوارنا. ففي هذه الحالة أيضاً ينبغي لنا أن نحرص على طرح السؤال الصحيح. إذ نقول: إذا كانت المسيحية صحيحة، فعندئذٍ لا بد أن يترتب على ذلك:
(أ) أن كل مسيحي سيكون ألطف وأشـرف مما كان من شأنه أن يكون لو كان غير مسيحي؛
(ب) أن أي إنسان يصير مسيحياً سيكون أحسن خلقاً مما كان قبلاً.
وعلى المنوال نفسه تماماً: إذا كانت دعايات معجون الأسنان المُبيض صحيحة، فعندئذ يترتب على ذلك حتماً:
(أ) أن أي شخص يستعمل هذا المعجون ستكون له أسنان أحسن مما كان ممكناً أن يكون له لم يستعمله؛
(ب) أن أي شخص يبدأ باستعماله ستتحسن أسنانه.
ولكن إشارتي إلى أنني أنا الذي أستعمل مُبيض الدعاية بعينه (وقد ورثث أيضاً رداءة الأسنان من والديّ كليهما) ليس لي مجموعة أسنان جيدة كالتي يملكها زنجي شاب قوي الصحة لم يستعمل قط أي معجون أسنان، إشارتي تلك في حد ذاتها لا تبرهن أن الدعايات باطلة: فالآنسة ليلي المسيحية المؤمنة قد يكون لديها لسان أسلط من لسان رضوان راضي غير المؤمن وذلك في ذاته لا يبين لنا هل تفعل المسيحية فعلها.
فالسؤال هو: كيف سيكون لسان الآنسة ليلى لو لم تكن مسيحية، وكيف سيكون لسان رضوان إذا صار مسيحياً بالحق. ذلك أن الآنسة ليلى ورضوان، من جراء أسباب طبيعية وتنشئة باكرة خاصة، لديهما مزاجان معيّنان: وتُصرح المسيحية بأنها تضع كلا المزاجين تحت إدارة جديدة، إذا سمح لها صاحباهما بأن تفعل ذلك. فما يجوز لك أن تسأله بحق هو هذا: هل تُحسن تلك الإدارة الحالة المعنية إذا سُمح لها باستلام الزمام؟ يعلم الجميع أن الإدارة قد قامت في حالة رضوان راضي بعمل “أفضل” مما قامت في حالة الآنسة ليلى. إنما ليس هذا بيت القصيد.
فلكي تحكم على إدارة مصنع ما، يجب عليك أن تأخذ في الحسبان لا الإنتاج وحده بل المُنشآت أيضاً. فبالنظر إلى مُنشآت المصنع “أ” قد يكون من العجيب أن يُنتج أي شيء على الإطلاق. وبالنظر إلى التجهيزات الممتازة في المصنع “ب”، قد يكون إنتاجه، ولو عالياً، أدنى بكثير مما كان ينبغي أن يكون. ولا ريب أن المدير الصالح في المصنع “أ” سيُركب مكنات جديدة بأسرع ما يمكن، ولكن ذلك يستغرق وقتاً. وفي أثناء ذلك، لا يبرهن الإنتاج المتدني أن صاحبه فاشل.
(3) والآن، لنبعد قليلاً إلى العمق. إن المدير سيُركب مكنات جديدة: فقبل أن يُنهي المسيح عمله في الآنسة ليلى، ستكون “فاضلة” حقاً. ولكن لو تركنا الأمر عند هذا الحد، لبدا كأن هدف المسيح الوحيد هو أن يدفع الآنسة ليلى صُعداً إلى المستوى نفسه الذي طالما كان رضوان على أحسن ما يُرام، وكما لو كانت المسيحية شيئاً يحتاج إليه الأردياء فيما يستطيع الطيبون أن يستغنوا عنه، وكما لو كانت دماثة الخُلق هي كل ما يطلبه الله.
ولكن هذه غلطة من شأنها ان تكون فاتكة. فالحق أن رضوان راضين في نظر الله، يحتاج إلى الخلاص كاحتياج الآنسة ليلى إليه تماماً. وبمعنى ما (سأشرح بعد قليل بأي معنى) لا تكاد دماثة الخُلق تتعلق بهذه المسألة.
لا يمكنك أن تتوقع من الله أن ينظر إلى طبع رضوان الهادئ ومزاجه الودود كما ننظر إليهما نحن تماماً. فهما ناتجان من أسباب طبيعية يخلقها الله نفسه. ولكونهما مزاجيين فقط، فإنهما يتلاشيان إذا أصيب رضوان بعسر هضم. ففي الواقع أن الدماثة هي عطية الله لرضوان، لا عطية رضوان لله.
وبالطريقة عينها، سمح الله لأسباب طبيعية، تعمل في عالم أفسدته قرون الخطية، بأن تُنتج لدى الآنسة ليلى ضيق خلق وتوتر الأعصاب اللذين إليهما يعُزى معظم رداءتها. وهو ينوي، في حينه، أن يُقوم حال ذلك الجانب. غير أن ذلك، في نظر الله، ليس الجانب الحاسم في القضية. فإنه لا يُثير أية صعوبات، وليس هو ما يهتم به الله بشدة. ذلك أن ما يترقبه ويتوقعه ويعمل لأجله هو أمر ليس سهلاً حتى عليه، لأنه بسبب طبيعة الحال حتى هو لا يُمكن أن يُنتجه بمجرد فعل من أفعال قدرته.
إنه يترقبه ويتوقعه لدى الآنسة ليلى ورضوان راضي كليهما. وهو أمر يمكن أن يُعطياه إياه بملء حريتهما، أو يرفضا أن يعطياه إياه بملء حريتهما، أو يرفضا أن يعطياه إياه بملء حريتهما: أيلتفتان راجعين إليه، وبذلك يتممان القصد الوحيد الذي لأجله قد خُلقا، أم لا يفعلان ذلك؟ إن حرية الإرادة تتذبذب في داخلهما كإبرة البوصلة. ولكن إبرتهما تستطيع أن تختار. يمكنها أن تدل إلى جهة شمالها الحقيقية؛ ولكن لا داعي لأن تفعل ذلك. فهل تترجح الإبرة دائرياً، ثم تستقر وتُشير إلى الله؟
إن الله قادر على مساعدة الإبرة للقيام بذلك، غير أنه لا يقدر أن يرغمها. إنه لا يقدر، إن صح التعبير، أن يمد يده ويُركز الإبرة على الوضع الصحيح، لأنه إذ ذاك تتعطل حرية الإرادة تماماً. فهل تُشير إلى الشمال؟ على هذا السؤال يتوقف كل شيء. هل يُقدم الآنسة ليلى ورضوان طبيعتها إلى الله؟ أما مسألة كون الطبيعتين اللتين يُقدمانهما، أو يتمسّكان بهما، حسنتين أو سيئتين في تلك اللحظة، فأمر ثانوي الأهمية. وفي وسع الله أن يُعنى بهذه المسألة.
لا تُسئ فهم ما أقول. فلا ريب أن لله يعد الطبع الرديء أمراً سيئاً يُرثى له. ولا ريب أنه يعد الطبع اللطيف أمراً صالحاً، صالحاً كالخُبز أو ضوء الشمس أو الماء. غير أن هذه هي الأمور الصالحة التي يسخو هو بها ونتلقاها نحن. فهو خلق أعصاب رضوان المتينة وهضمه السويّ، وما وراءهما من أسباب أو علل كثيرة. ولا يُكلف الله شيئاً، حسب علمنا، أن يخلق أشياء حسنة: ولكن تطويع الإرادات العاصية كلفه أن يُصلب. ولأنها إرادات، ففي وسعها، لدى الطيبين والخبثاء على السواء، أن ترفض طلبه. ثم أن الطيبة لدى رضوان، لأنها كانت مجرد جزء من طبيعته، ستتبدد تماماً في النهاية.
فالطبيعة نفسها سوف تمضي وتزول كلياً. والأسباب الطبيعية تتضافر معاً لدى رضوان لتُنتج نموذجاً سيكولوجياً حسناً، تماماً كما تتآلف معاً عند الغروب لتُنتج نموذج ألوان جميلاً. وعما قريب (لأنه هكذا تعمل الطبيعة أصلاً) سوف تتفرق ثانية ويضمحل النموذج في كلتا الحالين. وقد أُتيحت لرضوان الفرصة كي يُحول (أو بالحري كي يُسمح لله بأن يُحول) ذلك النموذج الوقتي إلى بهاء روح أبدي، غير أنه لم ينتهزها.
وهنا نقع على تناقض ظاهري. فما دام رضوان لا يرجع إلى الله، فهو يظن أن دماثته ملك له؛ وما دام يظن ذلك فهي ليست ملكه. ولكن عندما يدرك أن دماثته ليست من نتاجه بل هي عطية من عند الله، وعندما يُعيدها إلى الله، فعندئذ تماماً تبدأ بأن تصير بالحقيقة ملكاً له. وذلك لأن رضوان يبدأ الآن بأن يكون له نصيب في خلقه شخصياً من جديد. والأشياء الوحيدة التي يمكننا أن نصونها هي تلك الأشياء التي نقدمها لله بملء الحرية. وما نحاول أن نُبقيه لأنفسنا فمن المؤكد أننا سنخسره هو بذاته.
وعليه، فلا ينبغي أن نُفاجاً إذا وجدنا بين المسيحيين بالحق أشخاصاً ما زالوا خُبثاء. حتى إن هنالك سبباً (إذا فكرت في الأمر مليّاً) يحملنا على ترجيح رجوع الأشخاص الخُبثاء إلى المسيح بأعداد تفوق الطيبين إليه. وقد كان ذلك هو ما اعترض عليه الناس بشأن المسيح في أثناء حياته على الأرض: أنه على ما بدا يجتذب إليه “أناساً بالغي الرداءة”. وعلى هذا ما زال الناس يعترضون، وسيظلون دائماً يعترضون.
أفلا ترى السبب؟ لقد قال المسيح: “طوبى للمساكين (أي الفقراء)” وأيضاً “ما أصعب دخول الأغنياء إلى ملكوت الله!” ولا شك أنه عنى بالدرجة الأولى الفقراء مادياً والأغنياء ماديً.
ولكن إلا يصحُّ كلامه أيضاً على نوع آخر من الغنى والفقر؟ إن واحداً من أخطار امتلاك كثير من المال هو أنك قد تكتفي إلى أبعد الحدود بأنواع السعادة التي يمكن أن يوفرها لك المال، وهكذا يفوتك أن تدرك احتياجك لله. فإذا بدا أن كل شيء يأتيك بمجرد توقيع الشيكات، يمكن أن تنسى أنك في كل لحظة تعتمد على الله كليّاً. وواضح تماماً أن الهبات الطبيعية يصحبها خطر مماثل. فإن كانت لك أعصاب متينة وذكاء وصحة وشعبية ونشأة صالحة، يُرجح أن تكتفي إلى أبعد حد بخُلقك الذي أنت عليه. ولعلك تسأل: “لماذا آتي بالله إلى المسألة؟” إذ إن مستوى معيناً من السلوك الحسن يتأتى لك بسهولة معقولة.
فأنت لست واحداً من أولئك الخلائق التُعساء الذين يعقون دائماً في أحابيل الجنس، أو الإدمان على الكحول، أو الهياج العصبي، أو حدة الطبع. والجميع يقولون إنك إنسان طيب، وأنت توافقهم (بيني وبينك!).
فمن المرجح جداً أن تحسب أن هذه الطيبة كلها هي من صُنع يديك، ولعلك بسهولة لا تشعر باحتياجك إلى أي نوع من الصلاح أفضل. وغالباً ما يتعذر الإتيان بأولئك الأشخاص، الذين يملكون جميع هذه الأنواع الطبيعية من الصلاح، إلى إدراك احتياجهم إلى المسيح أصلاً، حتى يأتي يوم فيه يخذلهم صلاحهم الطبيعي وتتزعزع أركان اكتفائهم الذاتي. بعبارة أخرى: صعبُ على من كانوا “أغنياء” بهذا المعنى أن يدخلوا ملكوت الله.
إنما الحال تختلف كثيراً بالنسبة إلى الأشخاص الخُبثاء: الصغار، الأدنياء، الجبناء، المعوجين، قليلي الحياء، المعتزلين، أو ذوي الأهواء الجامحة، الشهوانيين، غير المتزنين. فإذا قام هؤلاء بأية محاولة لإتيان الصلاح أصلاً، يعلمون على وجه السرعة بأنهم يحتاجون إلى معونة.
فإما أن يتلقوا المعونة من المسيح، وإما لا ينفعهم أي شيء. إما يحملون الصليب ويتبعون المسيح، وإما يستولي عليهم اليأس المطبق. هؤلاء هم الخراف الضالة؛ وهو قد جاء خصوصاً كي يجدهم ويردهم. هؤلاء هم “المساكين”، أو الفقراء (بمعنى حقيقي ورهيب جداً): وهو قد طوّبهم، أو باركهم. إنهم “التشكيلة الرهيبة” التي يعاشرها المسيح المُحب، وما زال الفريسيون بالطبع يقولون، كما قالوا منذ البداية: “إن كان في المسيحية شيء ما، فهؤلاء الأشخاص لا يمكن أن يكونوا مسيحيين حقاً”.
ولكل واحد منا ها هنا إما تحذير وإما تشجيع. فإذا كنت إنساناً طيباً، إذا وافتك الفضيلة بسهولة، فحذار! إن مَن أعطي الكثير يُطلب منه كثير. فإن توهمت أن ما كان بالحقيقة هبات الله من خلال الطبيعة هو فضائل أو حسنات شخصية فيك، وإن كنت مكتفياً بمجرد كونك لطيفاً وشريفاً، فأنت ما زلت متمرداً عاصياً: وجميع هذه الهبات لن تؤول إلا إلى جعل سقوطك أرهب، وفسادك أدهى، وقدوتك السيئة أكثر هولاً. ولقد كان إبليس فيما مضى ملاكاً رئيساً، وكانت هباته الطبيعية أسمى بكثير من هباتك، كسُمو هباتك على هبات الشمبانزي!
وكلن إذا كنت مخلوقاً بئساً، سمَّمتك تربية سيئة في بيت من البيوت حافل بالمحاسدات المبتذلة والمخاصمات التافهة، مُبتلى على رُغمك بشذوذ جنسي مقيت، تقض مضجعك يوماً بعد يوم عقدة نقص تجعلك خشناً مع أفضل أصدقائك وتسخط عليهم، فلا تيأسّ! إن الله عليم بحالك تماماً.
وأنت واحد من المساكين (الفقراء) الذين طوبهم أو باركهم. وهو يعلم أي مكنة رديئة تحاول أن تُشغلها. فواظب على ما تحاوله، وابذل ما في وسعك. إنه ذات يوم (ربما في العالم الآتي، ولكن ربما أقرب من ذلك بكثير) سوف يرمي بتلك المكنة في كومة النفايات ويعُطيك مكنة جديدة. وعندئذ سوف تُذهلنا جميعاً، إذ لن تكون أنت نفسك بأدنى حد، ما دمت قد تعلمت تشغيل المكنة في مدرسة قاسية (بعض الآخرين سيكونون أولين؛ وبعض الأولين سيكونون آخرين!)
إن “الطيبة” أو الدماثة (أي الشخصية السليمة الكاملة) هي أمرُ ممتاز. وعلينا أن نسعى بكل وسيلة في طاقتنا، طبية وتربوية واقتصادية وسياسية، لإنتاج عالم ينشأ فيه أكبر عدد ممكن من الناس “الطيبين”، مثلما ينبغي أن نحاول إنتاج عالم فيه يتوفر للجميع ما يأكلونه. ولكن يجب ألا نفترض أنه حتى لو نجحنا في جعل كل امرئ طيباً نكون قد خلّصنا نفوس الجميع. فإن عالماً من الناس الطيبين، الراضين بطبيعتهم الذاتية، غير الناظرين إلى أبعد من ذلك، المبتعدين عن الله بعيداً، سيكون في أمس الحاجة إلى الخلاص مثله مثل عالم تعس، بل إن خلاصة قد يكون أصعب بكثير.
ذلك أن مجرد التحسين ليس فداءً، مع أن الفداء دائماً يُحسن الناس في الزمان والمكان الحاليين، وسوف يحسنهم في النهاية إلى درجة لا يمكننا تصورها بعد. فقد صار الله إنساناً ليحول الخلائق أبناءً: ليس فقط كي يُنتج أناساً من النوع القديم أفضل، بل ليُنتج إنساناً من نوع جديد. ولا يُشبه ذلك تعليم حصان أن يثب أفضل ثم أفضل، بل يشبه تحويل الحصان إلى كائن مُجنح.
وبالطبع، ما أن يصير له جناحان، حتى يُحلق حتماً فوق حواجز ما كان ممكناً قط أن يقفز فوقها، وبذلك يتغلب على الحصان الطبيعي في رياضته الخاصة. ولكن قد تمر فترة زمنية، فيما الجناحان ما يزالان في أول عهدهما بالنمو، لا يستطيع فيها الحصان أن يفعل ذلك: وفي تلك المرحلة قد يبدو منظر الحصان غريباً جداً لوجود ذينك النتوءين على كتفيه، ولا سيما لأن أحد لن يقدر أن يُنبئ عند النظر إليهما بأنهما سيكونان جناحين.
ولكن ربما نكون فعلاً قد استفضنا كثيراً في هذا النقطة. فإذا كان ما تريده حجة ضد المسيحية (وأنا أذكر جيداً كيف التمست بشوق حججاً من هذا النوع لما بدأت أخشى ان تكون المسيحية صحيحة) يمكنك بسهولة أن تعثر على مسيحي غرّ وغير مُرض فتقول: “هو ذا إنسانكم الجديد الذي تتباهون به! أعطوني واحدا ً من النوع القديم”.
ولكنك إن كنت قد بدأت ترى المسيحية معقولة على أسس أخرى، فستعرف في قلبك أن قولك هذا لا يعدو كونه هروباً من المسألة. فماذا يمكنك أن تعرف على الإطلاق عن نفوس الآخرين، عن تجاربهم وفُرصهم وصراعاتهم؟ ثمّة في الكون كله نفس واحدة تعرفها حقاً، ألا وهي النفس الوحيدة التي مصيرها بيدك. وإذا كان الله موجوداً فأنت، بمعنى ما، وحدك في حضرته.
وليس في وسعك أن تدفعه بعيداً عنك بتحزراتك عن جارك المُجاور أو بذكرياتك عما قرأته في الكتب. فأية قيمة لتلك الثرثرة والإشاعات (أو يمكنك حتى تذكرها؟) عندما تضمحل تلك الغمامة المخدرة التي نسميها “الطبيعة” أو “العالم الطبيعي”، وتغدو الحضرة التي ما برحت واقفاً فيها كل حين ملموسة ومباشرة ووقعاً لا سبيل إلى اجتنابه؟
شبّهت في الفصل السابق عمل المسيح في خلق أناس جُدد بعملية تحويل حصان إلى كائن مُجنح. وقد استخدمت هذا الإيضاح الذي فيه شيء من التطرف بُغية التشديد على كون الأمر ليس مجرد تحسين بل تغييراً جذرياً. فأقرب موازٍ له في عالم الطبيعة نجده في التحويلات الرائعة التي يمكننا إحداثها في الحشرات بتسليط أشعة معينة عليها. ويعتقد بعضُهم أن التطور حصل بهذه الطريقة. فتحولات الكائنات التي يتعلق كله بها ربما نتجت من جراء أشعة ترامت عليها من الفضاء الخارجي. (وطبعاً، ما إن تنوجد التحولات، حتى يسري فيها عمل ما يسمونه “الانتقاء الطبيعي”، أي أن التحولات النافعة تدوم وتزول الأخرى).
ولربما كان في وسع الإنسان العصري أن يفهم الفكرة المسيحية فهماً أفضل إذا نظر إليها في إطار التطور المفترض. والجميع الآن يعرفون عن التطور (مع أن بعض المثقفين طبعاً لا يؤمنون به)، إذ يُقال للجميع إن الإنسان تطور من أنواع حياة أدنى. وعليه، فغالباً ما يتساءل قوم: “ماهي الخطوة التالية؟ متى سيظهر الكائن الأرقى من الإنسان؟” ويحاول كتاب واسعو المخيلة أحياناً أن يتصوروا هذه الخطوة التالية (“السوبرمان” أو الإنسان المتفوق كما يسمونه)؛ غير انهم عادة لا ينجحون إلا في تصور كائن أبغض إلى حدّ بعيد من الإنسان كما نعرفه، ثم يحاولون التعويض عن ذلك بأن يُضيفوا إليه مزيداً من الأرجل أو الأذرع.
ولكن ماذا لو أن الخطوة التالية ستكون شيئاً أكثر اختلافاً بعد عن المراحل الأولى مما حلموا به يوماً؟ أو ليس من الأرجح أن يحصل ذلك؟ فقبل آلاف القرون، تطورت مخلوقات ضخمة مدّرعة على نحو ثقيل للغاية.
ولو كان امرؤ آنذاك يراقب مجرى التطور لربما توقع على الأرجح أن يستمر قُدماً إلى تدريع أثقل فأثقل. ولكن لو توقع ذلك، لثبت أنه على خطأ. فقد كان المستقبل يُخفي أمراً ما كان أي شيء آنذاك ليدل المُراقب عليه. إذ كان عتيداً أن يُطلع له “حيوانات” صغيرة عارية غير مدرعة ذات أدمغة أفضل، وبهذه الأدمغة كانوا عتيدين أن يسيطروا على الكوكب بكامله.
ولم يكونوا فقط عتيدين أن يحوزوا قدرة تفوق تلك التي كانت لأولئك المسوخ الذين ظهروا قبل التاريخ، وبل كانوا مُزمعين أن يحوزوا قدرة من نوع جديد. فلم تكن الخطوة التالية عتيدة أن تكون مختلفة فحسب، بل مختلفة بنوع جديد من الاختلاف. إذ لم يكن مجرى التطور مزمعاً أن يظل يتدفق في الاتجاه الذي رآه المُراقب جارياً فيه، بل كان في الواقع عتيداً أن ينعطف انعطافاً حاداً.
والآن، يبدو لي أن معظم التحزرات الشائعة بشأن الخطوة التالية تقع في مثل هذه الغلطة بعينها. إذ يرى قومٌ (أو على الأقل يحسبون أنهم يرون) بشراً تتطور لديهم أدمغة عظيمة ويكتسبون سيطرة على الطبيعة أعظم. ولأنهم يحسبون أن المجرى يتدفق في ذلك الاتجاه، يتصورون أنه سيظل يتدفق فيه تماماً. ولكن لا يسعني إلا أن أفكر بأن الخطوة التالية ستكون جديدة بالحقيقة؛ إنها ستنطلق في اتجاه ما كان يمكنك أن تحلم به. ولا تكاد تستحق أن تُدعى خطوة جديدة إلا إذا فعلت ذلك. فينبغي لي أن أتوقع لا مجرد اختلاف، بل اختلافاً جديد النوع.
وينبغي لي أن أتوقع لا مجرد تغيير، بل أسلوباً جديداً لإحداث التغيير. أو بتعبير طريف: ينبغي أن أتوقع أن التطور نفسه من حيث كونه اسلوباً لإحداث التغيير سيُبطل. وأخيراً، لا ينبغي أن أفاجاً إذا كانت قلة قليلة من الناس، عند حدوث التغيير، لاحظت أنه كان يحدث.
والآن، إذا راقك التحدث بمصطلحات من هذا القبيل، فالرأي المسيحي هو على وجه الدقة أن الخطوة التالية قد ظهرت فعلاً. وهي بالحقيقة جديدة. فهي ليست تغييراً من إنسان ذكي إلى إنسان أذكى، يل هي تغيير يجري كلياً في اتجاه مختلف تماماً: تغيير من كون الإنسان خليقة من خلائق الله إلى كونه ابناً من أبناء الله. وقد وقعت “الحادثة الأولى” في فلسطين منذ ألفي سنة. وبمعنى ما، ليس التغيير “تطوراً” على الإطلاق، لأنه ليس شيئاً ناجماً عن تتالي الأحداث الطبيعي، بل هو شيء دخل الطبيعة من الخارج. ولكن هذا هو ما كان ينبغي أن أتوقعه.
وقد توصل بعضهم إلى الفكرة القائلة “بالتطور” من دراسة الماضي. فإذا كانت مستحدثات فعلية طي المستقبل. فإن هذه الفكرة بالطبع، هي مؤسسة على الماضي، لن تشمل تلك المستحدثات حقاً. وبالحقيقة أن هذه الخطوة الجديدة تختلف عن جميع سابقاتها، ليس فقط في إتيانها من الخارج، بل أيضاً من بضعة أوجه أخرى.
(1) إنها لم تحصل بالتناسل الطبيعي. وهل من داع لأن يُفاجئنا هذا؟ فقد كان زمان، قبل ظهور الجنس، فيه كان التكاثر يحصل بأساليب مختلفة. وعليه، كان ممكنناً أن نتوقع أنه سيأتي زمن يتلاشى فيه الجنس، وإلا (الأمر الحاصل فعلاً) فزمنٌ فيه يكف الجنس، رغم استمرار وجوده، عن أن يكون سبيل النمو الرئيسي.
(2) في المراحل الأبكر، كان للكائنات العضوية الحية إما لا خيار البتة وإما خيار ضئيل جداً بشأن الخضوع للخطوة التالية. وقد كان الارتقاء، بصورة رئيسية، شيئاً حدث لها، لا شيئاً فعلته هي. غير أن الخطوة الجديدة، خطوة الانتقال من كون الناس خلائق إلى كونهم أبناء، هي طوعية، أو على الأقل طوعية بمعنىً معين. فهي ليست طوعية بمعنى أننا، من ذواتنا، كان يمكن أن نختار القيام بها، أو كان يمكننا حتى تصورها تصوراً؛ بل هي طوعية بمعنى أنه عندما تُقدَّم لنا يمكننا أن نرفضها. ففي وسعنا، إن شئنا، أن ننكمش ونتراجع؛ وفي وسعنا أن نغرز أقدامنا في الأرض وندع البشرية الجديدة تمضي في سبيلها من دوننا.
(3) لقد أشرت إلى تجسد المسيح بوصفه “الحادثة الأولى” في بروز الإنسان الجديد. ولكنه بالطبع أمرُ أكثر من ذلك بكثير. فليس المسيح إنساناً جديداً فحسب، أي عينة من النوع، بل هو الإنسان الجديد بالذات. إنه أصل جميع الناس الجدد ومركزهم وحياتهم. لقد جاء إلى العالم المخلوق، بمحض إرادته، آتياً بالحياة الجديدة، “الزويي”. (أعني أنها جديدة بالنسبة إلينا طبعاً، فمن حيث طبيعتها هي موجودة أزلاً). هو ينقلها لا بالوراثة، بل بما دعوته “العدوى الصالحة”. فكل من يحصل عليها ينالها من طريق الاحتكاك الشخصي بالمسيح. إذ إن الناس الآخرين يصيرون “جدداً” بكونهم به.
(4) تتم هذا الخطوة بسرعة تختلف عن سابقاتها. فمقارنة بنمو الإنسان على هذا الكوكب، يبدو أن انتشار المسيحية على الجنس البشري يحصل بمثل ومضة برق: لأن ألفي سنة لا تكاد تُساوي شيئاً في تاريخ الكون. (لا تنسى أبداً أننا ما نزال “المسيحيين الأولين”. فالانقسامات المقيتة والمهلكة بيننا. كما نرجو، ليست سوى مرض من أمراض الطفولة، إذ أننا ما نزال في مرحلة ظهور الأسنان.
ولا ريب أن العالم الخارجي يحسب عكس هذا تماماً: فهو يحسب أننا نموت من الشيخوخة. ولكنه ما أكثر ما حسب ذلك من قبل. فقد حسب مراراً وتكرارً أن المسيحية مائتة…. مائتة بفعل الاضطهادات من الخارج وضروب الفساد من الداخل، بفعل قيام كثير من الحركات الكبرى المناهضة لها، بما فيها نشوء العلوم الطبيعية والحركات الأخرى المضادة. ولكن فأل العالم خاب كل مرة. وقد حصلت أول خيبة بشأن الصلب. فإن الإنسان بُعث حياً من جديد.
وبمعنى ما، ما زال الانبعاث جارياً منذئذٍ، وأنا أدرك تماماً إلى أي مدى لابد أن يبدو ذلك ظلماً في نظر المُناهضين! فإن هؤلاء يدأبون في قتل ما قد انطلق، وفي كل مرّة، بينما هم يمهدون التربة فوق قبره، يسمعون فجأة أنه ما يزال على قيد الحياة، بل أيضاً قد برز إلى الوجود في مكان جديد. فلا عجب إن كانوا يكرهوننا).
(5) إنما الآمال أسمى فعلاً. فبالتعثر في الخطوات الأبكر، فقدَ المخلوق، في أسوأ الأحوال، سني حياته القليلة على هذه الأرض: وما أكثر ما لم يفقد حتى هذه! ولكننا بالتعثر في هذه الخطوة نخسر جائزة هي (بالمعنى الأضيق للكلمة) لا نهائية. ذلك أن اللحظة الحاسمة قد حلت الآن. فقرنا بعد قرن، اقتاد الله الطبيعة إلى نقطة إنتاج خلائق في وسعهم (إذا شاءوا) أن يؤخذوا رأساً إلى خارج الطبيعة، بصيرورتهم “آلهة”. أفيسمحون لأنفسهم بأن يؤخذوا؟ وهذا شبيه، من ناحية، بأزمة الولادة. فإلى أن نقوم ونتبع المسيح.
نظر أجزاء من الطبيعة، إذ ما نزال في رحم أمنا العظيمة. ولقد كان حملها طويلاً وأليماً ومحفوفاً بالترقب والقلق، إلا أنه قد بلغ ذُروته. فها قد حلت اللحظة الحاسمة، وكل شيء جاهز، وطبيب التوليد قد جاء. فهل تتم الولادة بخير؟ غير أنها بالطبع تختلف عن الولادة العادية في جانب مهم جداً. ففي الولادة العادية لا يكون للطفل خيار كثير: أما هنا فلديه. وإني لأتساءل ماذا يفعل الطفل العادي لو كان له الخيار. فقد يؤثر البقاء في ظلمة الرحم ودفئها وأمانها. ومن شأن ذلك أن يكون موضع خطأه الأخرى: لأنه إذا بقي هناك يموت.
فبناء على هذه النظرة، حدث الأمر فعلاً؛ إذ إن الخطوة الجديدة قد تمت وتتم. فالناس الجدد فعلاً منتشرون هنا وهناك على وجه الأرض كلها. والمرء يقابلهم بين حين وآخر. حتى أصواتهم ووجوههم مختلفة عن أصواتنا ووجوهنا: فهي أقوى وأهدأ وأسعد وأبهى. وهم يبتدئون حيث نتوقف نحن. وأعتقد أن تمييزهم ممكن؛ إنا ينبغي لك أن تعرف عما تبحث.
فإنهم لن يكونوا تماماً على صورة “المتدينين” التي كونتها من قراءاتك معهم، في حين يكونون هم بالحقيقة لطفاء معك. وهم يحبونك أكثر مما يحبك سائر الناس، غير أنهم يحتاجون إليك أقل. (علينا أن نتغلب على الرغبة في أن نكون مطلوبين: فهذه هي التجربة الأصعب مقاومتها بين جميع التجارب لدى بعض مُتكلفي الصلاح، ولا سيما من النساء).
وسيبدو دائماً أن لديهم متسعاً من الوقت، حتى لتعجب من أين يأتيهم. وعندما تُميّز واحداً منهم، فسيكون تمييز التالي أسهل عليك بكثير. وأغلب الظن عندي (إنما كيف لي أن أتيقن؟) أنهم يميزون بعضهم بعضاً في الحال وبلا التباس، عبر كل حاجز من لون أو جنس أو فئة أو عمر، بل عبر قوانين الإيمان أيضاً. على هذا المنوال، تكون صيرورة المرء قديساً أشبه بالانضمام إلى جمعية سرية. وبتعبير يقتصر على الحج الأدنى، لا بد أن ينطوي ذلك على متعة عظيمة.
ولكن لا ينبغي أن تتصور ان الناس الجُدد، بمعنى الكلمة المألوفة، متشابهون كلهم. ولربما جملك مقدار كبير مما دأبت في قوله في صفحات الباب الأخير هذا على الظن بأن الواقع لا بد أن يكون على تلك الحال. فأن نصير أناساً جُدداً يعنى أن نفقد ما ندعوه الآن “ذواتنا”. إذ ينبغي لنا أن نخرج إلى خارج أنفسنا كي ندخل المسيح. ينبغي أن تصير إرادته إرادتنا، وأن نفكر أفكاره: “أن يكون لنا فكر المسيح”، كما يقول الكتاب المقدس. وما دام المسيح واحداً، وينبغي هكذا أن يكون “فينا” جميعاً، أفلا نكون متشابهين تماماً؟ يقيناً أن الأمر يبدو على هذه الصورة، ولكنه ليس كذلك في الواقع.
من الصعب هنا أن أقدم إيضاحاً وافياً: لأنه بالطبع لا يرتبط شيئان آخران أحدهما بالآخر تماماً كما يرتبط الخالق بواحد من خلائقه. غير أنني سأجرب إيضاحين غير كاملين للغاية لكنّهما قد يلقيان ضوءً على الحق. تصور مجموعة من الناس عاشوا دائماً في الظلام. ثم تأتي وتحاول أن تصف لهم حقيقة النور. فقد تقول لهم إنه إذا أقبلوا إلى النور فإن ذلك النور عينه سيسقط عليهم جميعاً، وأنهم جميعاً سيعكسونه، وبذلك يصيرون مرئيين كما نقول.
أفليس من الممكن تماماً أن يتصوروا أنهم ما داموا كلهم يتلقون النور ذاته وكلهم يستجيبون له بالطريقة نفسها (أي يعكسونه) فسيكونون متشابهين كلهم؟ في حين أننا، أنا وأنت، نعلم أن النور بالحقيقة سوف يُبرز، أو يُظهر، إلى أي مدى هم مُتباينون. أو أيضاً هب شخصاً لا يعرف عن الملح شيئاً. فإنك تُعطيه مقدارً ضئيلاً من الملح حتى يتذوقه، فيحسُّ طعماً قوياً حاداً معيّناً.
ثم تقول له إن الناس في بلدك يستخدمون الملح في جميع مآكلهم. أفلا يمكن أن يُجيب: “في هذه الحالة أعتقد أن جميع مأكولاتكم لها الطعم نفسه تماماً: لأن طعم هذه المادة التي أعطيتني إيّاها للتو قوي جداً بحيث يقتل طعم أي شيء آخر”؟ غير أن ما أعلمه وتعلمه هو أن تأثير الملح الحقيقي عكس ذلك تماماً.
فأبعد بكثير عن قتل الملح لطعم البيض أو المحشو أو الملفوف، نعلم أنه بالفعل يُبرز طعم هذه المأكولات. ذلك أن هذه المآكل لا تُبدي طعمها الحقيقي إلا متى أضفت إليها الملح. (كما سبق أن نبهتك طبعاً، ليس هذا إيضاحاً وافياً جداً، لأنك في نهاية المطاف قد تقتل الطعوم الأخرى بإضافة كثير من الملح، في حين لا يمكنك أن تقتل طعم الشخصية البشرية بإضافة مقدار زائد من المسيح… غير أني بذلت قصارى جهدي!)
إن حالنا مع المسيح تُشبه شيئاً من هذا القبيل. فكلما أزحنا من الطريق ما ندعوه الآن “ذواتنا” وسمحنا للمسيح بأن يتولى أمرنا، نصير “أنفسنا” حقاً على نحو أوفى. وثمة مقدار كبير جداً من المسيح سيكون ملايين الملايين من “المسحاء الصغار” أقل جداً من أن يعبّروا عنه أكمل تعبير وبعضهم مختلفون عن بعض. وهو قد صنعهم أجمعين. فهو اخترع، كما يخترع الروائي أشخاص روايته، جميع الناس المختلفين الذي قُصد لنا، أنتم وأنا، أن نكونهم. وبهذا المعنى، فإن ذواتنا الحقيقية كلها تنتظرنا فيه. فلا خير في سعيي إلى “أن أكون ذاتي” بمعزل عنه. وكلما قاومته وحاولت أن أعيش حياتي الخاصة، سيطرت عليّ وراثتي ونشأتي وبيئتي ورغباتي الطبيعية.
وبالحقيقة أن ما أدعوه “نفسي” بكل فخر يصير مجرد مُلتقى سلاسل من الأحداث التي لم أطلقها قط والتي لا يمكنني وقفها. وما أدعوه “رغباتي” يصير مجرد الميول التي يلقيها عليّ كياني العضوي الطبيعي، أو تضخًّها في داخلي أفكار الناس الآخرين، أو توسوس لي بها الشياطين أيضاً. فإن أكل البيض وشرب الكحول وقضاء ليلة هانئة ستكون الأصول الحقيقية لما أطري نفس بحسبانه تصميمي الشخصي جداً والمدروس بحكمة على إقامة وصال جنسي مع الشابة الجالسة مقابلي في عربة القطار.
وسيكون الترويج الدعائي هو الأصل الحقيقي لما أعده أفكاري السياسية الشخصية. فأنا، في حالتي الطبيعية، لست تقريباً ذلك الشخص الذي أود أن أحسب نفسي إياه: فمعظم ما أدعوه “أنا” يمكن تعليله بكل سهولة. وعندما ألتفت راجعاً إلى المسيح، عندما أُسلم نفسي لشخصيته، عندئذ أبدأ أحوز الشخصية الحقيقية الخاصة بي.
قلت في البداية إن في الله شخصيات، أو أقانيم. وسأتقدم قليلاً الآن، فأقول إنه لا توجد أية شخصيات حقيقة في أي مكان آخر. فما لم تُسلم ذاتك لله، لا تكن لك ذات حقيقية. إن التماثل يتواجد أكثر الكل بين الناس الذين يتصفون أكثر من سواهم بأنهم “طبيعيون” وليس بين أولئك الذين يخضعون للمسيح. فكم كان جميع الطغاة والغزاة العظام متماثلين على نحو رتيب، وكم كان جميع القديسين متمايزين على نحو مجيد!
إنما ينبغي أن يحصل تخل حقيقي عن الذات. فيجب أن تطوحها بعيداً “على العمياني”، إن جاز التعبير. وسيُعطيك المسيح بالحقيقة شخصية حقيقية، إنما لا ينبغي أن تذهب إليه طلباً لهذا الأمر بعينه. فما دامت شخصيتك الخاصة هي ما يعنيك ويقلقك، فإنك لن تذهب إليه أبداً. وأول خطوة بالذات هي أن تحاول نسيان أمر ذاتك كلياً. فإن ذاتك الحقيقية، أي الجديدة (التي هي للمسيح ولك أيضاً، وهي لك تماماً لأنها للمسيح)، لن تأتيك ما دمت تطلبها. إنها ستأتيك فيما تطلب المسيح نفسه.
أيبدو هذا غريباً؟ إن المبدأ عينه يصح، كما تعلم، بالنسبة إلى كثير من الشؤون اليومية. حتى أنك، في الحياة الاجتماعية، لن تُخلف لدى سواك من الناس أي انطباع حسن قبل أن تكف عن التفكير في أي نوع من الانطباع انت محدثه. وفي الآداب والفنون أيضاً، لن يكون أصيلاً البتة أي شخص تعنيه الأصالة وتقلقه: في حين أنك إذا حاولت قول الحق فحسب (بغير أن يهمك بتاتاً كم مرة سبق أن قيل) فلا بد أن تصير أصيلاً، دون أن تلاحظ ذلك أبداً، تسع مرات من كل عشر. فهذا المبدأ يتخلل الحياة كلها من القمة إلى الحضيض: تخل عن ذاتك، فتجد ذاتك الحقيقية؛ اخسر حياتك، فتُنقذها.
اخضع للموت، موت مطامحك ورغباتك كل يوم موت جسدك بكامله في النهاية، اخضع له بكل عرق وعصب في كيانك، فتجد حياة أبدية، لا تتمسك بأي شيء. فلا شيء مما لم تتخل عنه سيكون لك حقاً.
ولا شيء فيك مما لم يمت سيُقام من الموت. ابحث عن ذاتك، فلن تجد في نهاية المطاف إلا البغض والوحشة واليأس والسخط والخراب والفساد. ولكن ابحث عن المسيح، فتجده حتماً، وتجد معه كل شيء آخر علاوة عليه.