السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

“إنها مطلوبة. إنك توقظ إيمانك بالفعل. ثم بعد ذلك كل شيء يقف ساكناً؛ معلقاً؛ أولئك الذين يظنون أنه عمل غير مشروع هذا الذي سأقوم به، دعهم يرحلون.”

شكسبير SHAKESPEARE, Winter’s Tale

 

“وأنا مغمور في عمق رحمتك دعني أموت الموت الذي تشتهيه كل نفس حية.”

كوبر COWPER out of Madame Guion

 

“فإني أحسب”، يقول القديس بولس، “أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا.” إن كان الأمر كذلك، فإن كتاباً عن الألم والمعاناة لا يقول أي شيء عن السماء، يترك تقريباً جانباً كاملاً من جانبي الرواية. في المعتاد يضع الكتاب المقدس والتقليد أفراح السماء في جانب مقابل للآلام الأرضية، ولا يوجد حل لمعضلة الألم لا يقوم بذلك يمكن أن نطلق عليه حلاً مسيحياً.

إلا أننا نشعر بالخجل الشديد في هذه الأيام حتى من مجرد ذكر السماء؛ فنحن نخشى من التهكم حول السعادة في السماء، وأن يقال لنا أننا نحاول “الهروب” من واجبنا في أن نصنع عالماً سعيداً هنا والآن عن طريق أحلام بعالم سعيد في مكان آخر. فإما أن تكون هناك سعادة في السماء أو لا تكون. لكن لو لم تكن هناك سعادة في السماء، إذاً المسيحية باطلة وزائفة، لأن هذه العقيدة منسوجة داخل نسيجها بأكمله. وإذا كانت هناك هذه السعادة، فإن هذه الحقيقة، مثلها مثل أية حقيقة أخرى، لا بد أن تتم مواجهتها، سواء كان هذا مفيداً في الاجتماعات السياسية أم لا.

مرة أخرى، إننا نخشى أن تكون السماء رشوة، وأننا إذا جعلناها هدفاً لنا فإننا لن نصبح نزيهين. لكن الأمر ليس بهذه الصورة. فلا تقدم السماء أي شيء يمكن للنفس المنتفعة أن ترغب فيه. فمن الآمن أن تخبر ذوي القلوب النقية أنهم سوف يرون الله، لأن أنقياء القلب وحدهم هم الذين يريدون ذلك. هناك مكافآت لا تلوث الدوافع. فمحبة رجل لامرأة ليس نفعية لأنه يريد أن يتزوجها، ولا تعتبر كذلك محبته للشعر نفعية لأنه يريد أن يقرأه، ولا محبته للتدريبات الرياضية أقل نزاهة لأنه يريد أن يجري ويقفز ويمشي. فالحب بحسب تعريفه، يسعى للاستمتاع بما أو بمن يحبه.

ربما تعتقد أن هناك سبباً آخر لصمتنا بشأن السماء، بمعنى، أننا لا نرغب فيها حقاً. لكن قد يكون هذا وهماً. إن ما سأقوله الآن هو مجرد رأي خاص بي بدون أدنى سلطة، لذلك فإني أخضعه لحكم مسيحيين أفضل ودارسين أفضل مني. في بعض الأحيان أفكر أننا لا نرغب في السماء؛ لكن في مرات أكثر أجد نفسي أتساءل ما إذا كنا، في أعماق قلبنا، قد رغبنا في أي شيء آخر على الإطلاق. ربما تكون قد لاحظت أن الكتب التي تحبها حقاً مرتبطة معاً بخيط خفي.

إنك تعرف جيداً ما هي السمة المشتركة التي تجعلك تحبها. رغم أنك لا تستطيع أن تصيغ ذلك في كلمات؛ لكن معظم أصدقائك لا يرون تلك السمة على الإطلاق، وكثيراً ما يتساءلون لماذا، إذ تحب هذا، يكون عليك أيضاً أن تحب ذلك. مرة أخرى، أنت تقف أمام بعض المناظر الطبيعية، التي تبدو وكأنها تجسد ما تبحث عنه طوال حياتك؛ ثم بعد ذلك نظرت إلى التصديق الذي يجلس إلى جانبك الذي يظهر أنه يرى ما رأيته انت، لكن عند الكلمات الأولى تجد هوة كبيرة تفصل بينكما، فتدرك أن هذا المنظر الطبيعي يعني شيئاً مختلفاً تماماً بالنسبة له، إنه يسعى إلى رؤية مغايرة ولا يهتم بالإيحاء الذي يفوق الوصف الذي أثارك.

حتى في هواياتك، ألم يكن هناك دائماً نوعاً من الجاذبية الخفية يجهلها الآخرون بصورة غريبة، شيئاً، لا يمكن تعريفك به، ولكنه يكون دائماً على وشك الظهور. في رائحة الخشب المقطوع في الورشة أو قرقعة المياه على جانب القارب؟

أليست كل الصداقات التي تستمر طوال الحياة تولد في اللحظة التي تلتقي فيها أخيراً بإنسان آخر يكون لديه نوع من المعرفة المحدودة (لكنها تكون ضعيفة وغير أكيدة حتى في أفضل صورها) لذلك الشيء الذي ولدت وأنت ترغب فيه، والذي يكون قابعاً تحت التغير المستمر للرغبات الأخرى، وفي كل أوقات الصمت اللحظي بين العواطف الأعلى صوتاً، ليلاً ونهاراً، وسنة بعد سنة، منذ الطفولية وحتى الشيخوخة، تبحث عنه، وتراقبه، وتصغير إليه؟ إنك لم تحصل عليه أبداً.

كل الأمور التي امتلكت نفسك بعمق من قبل كانت مجرد لمحات منه، ومضات مثيرة، وعود لم تتحقق تماماً، وأصداء تلاشت بمجرد أن لامست أذنيك. لكنه لو أصبح ظاهراً بالفعل، لو جاء صدى في أي وقت مضى ولم يتلاشى بل تضخم داخل الصوت نفسه فإنك ستعرفه. بلا أي احتمال للشك سوف تقول، “ها هو أخيراً الشيء الذي صنعت لأجله”. إننا لا نستطيع أن نخبر به بعضنا البعض.

إذ إنه السمة السرية المميزة لكل نفس، الرغبة التي لا يمكن التعبير عنها والتي لا يمكن إشباعها، الشيء الذي رغبنا فيه قبل أن نلتقي بزوجاتنا أو نكّون صداقاتنا أو نختار عملنا، والذي سنظل نرغب فيه على أسِرّة موتنا، عندما لا يعد العقل يعرف الزوجة او الصديق او العمل. فأثناء وجودنا يوجد هذا الشيء. وإذا فقدناه، نفقد كل شيء.

تلك السمة أو العلامة المميزة في كل نفس قد تكون نتيجة الوراثة والبيئة، لكن هذا يعني فقط أن الوراثة والبيئة هما من بين الأدوات التي بواسطتها يخلق الله النفس. إنني أتساءل ليس عن الكيفية، بل عن السبب الذي لأجله يصنع الله كل نفس مميزة ومتفردة. فإذا لم يكن له أي استخدام لكل هذه الاختلافات، فأنا لا أرى سبباً يجعله يخلق أكثر من نفس واحدة. لكن تأكيد أن مداخل ومخارج فرديتك لا تعد غامضة بالنسبة له؛ وفي يوم من الأيام لن تكون سراً غامضاً بالنسبة لك.

فالقالب الذي يصنع منه المفتاح سيكون شيئاً غريباً، لو أنك لم ترى مفتاحاً من قبل؛ والمفتاح نفسه سيكون غريباً بالنسبة لك لو لم تكن قد رأيت قفلاً. إن لنفسك شكلاً رائعاً ومختاراً بعناية لأنها تجويف صُنع لك يلائم بروزاً معنياً في المعالم اللامحدودة للجوهر الإلهي، أو مفتاحاً لفتح واحد من الأبواب في منزل به العديد من الشقق. لأنه ليست الإنسانية بصورة مجردة هي التي ستخلص، بل أنت، أنت القارئ كفرد، سواء كنت جون ستوبس أو جانيت سميث. أيها المخلوق المبارك السعيد.

إن عينيك أنت هي التي سوف تراه (الله) وليس عيناً آخر. كل ما أنت عليه، بدون خطية، من المقدر لك أن تحظى بالشبع المطلق، إذا تركت الله يأخذ طريقه الصالح في حياتك. نظرت ساحرة بروكين The Brocken specter “إلى كل رجل كأنه هو حبها الأول”، لأنها كان خدعة، لكن الله سوف ينظر إلى كل نفس وكأنها هي حبه الأول لأنه هو حبها الأول. سيبدو مكانك في السماء وكأنه صنع لأجلك، ولأجلك أنت وحدك، لأنك أنت صُنعت له، صُنعت له غرزة تلو الأخرى مثلما يصنع القفاز لليد.

من وجهة النظر هذه يمكننا أن نفهم الجحيم في جانبه الخاص بالحرمان. طوال حياتك كانت هناك نشوة غير قابلة للتحقيق تحلق أبعد من قبضة وعيك. لكن سيأتي اليوم الذي ستستيقظ فيه لتجد، فيما يتجاوز كل رجاء، إما أنك قد حصلت عليها، أو أنها كانت في متناول يدك لكنك قد فقدتها إلى الأبد.

قد تبدو هذه فكرة خاصة وذاتية خطيرة عن اللؤلؤة كثيرة الثمن، ولكنها ليس كذلك. فالشيء الذي أتكلم عنه ليس اختباراً. فقد اختبرت فقط الاحتياج إليه، لكن الشيء نفسه لم يتجسد فعلياً أبداً في أية فكرة، أو صورة، أو عاطفة. فقد يستدعيك دائماً خارج نفسك. وإذا لم تخرج خارج نفسك لكي تتبعه. إذا جلست لكي تتأمل في الرغبة وأنت تحاول أن تتعلق بها في ذهنك، فإن الرغبة نفسها سوف تهرب منك. “فالباب الذي يوصل إلى الحياة يفتح عامة خلفنا” و “الحكمة الوحيدة” لإنسان “يلازمه عبير الورود غير المرئية، هي العمل”[1].

هذه النار الخفية تخرج عند استخدام الخوار؛ قم بتغطيتها بما يبدو أنه الوقود البغيض للعقيدة والأخلاقيات (لكي تضمن استمرار اشتعالها ببطء)، أدر ظهرك لها، وباشر واجباتك، وعندها سوف تتقد وتتوهج. يشبه العالم صورة ذات خلفية ذهبية، ونحن الشخصيات الموجودة في تلك الصورة؛ فإلى أن تخطو خارج مسطح الصورة إلى الأبعاد الواسعة للموت، لا تستطيع أن ترى الذهب. لكن لدينا أشياء تذكرنا به. لك نغير استعارتنا التشبيهية، نقول إن التعتيم ليس كاملاً تماماً. فهناك شقوق يظهر منها النور. لكن في بعض الأحيان يبدو المشهد اليومي كبيراً لغموضه.

هذه هو رأيي؛ وقد يكون خاطئاً. ربما تكون هذه الرغبة الخفية أيضاً جزء من الإنسان القديم ولا بد من صلبها قبل النهاية. لكن هذا الرأي له خدعة غريبة لتجنب إنكار الذات. فهذه الرغبة – بل الأكثر كثيراً الرضا والشبع – يرفض دائماً أن يكون متواجداً بالكامل في أية خبرة. فمهما حاولت تحديدها والتعرف عليها، يتضح أنها ليست هي بل شيء آخر؛ بحيث أنه بالكاد يمكن لأية درجة من الصلب أو التغيير أن تذهب إلى أبعد مما تقودنا الرغبة نفسها أن نتوقعه. مرة أخرى، لو كان هذا الرأي غير صحيح، فإن شيئاً أفضل يكون صحيحاً. لكن “شيئاً أفضل” – ليس هذه الخبرة أو تلك، بل أبعد منها – هو في الأغلب تعريف الشيء الذي أحاول أن أصفه.

الشيء الذي تتوق إليه يستدعيك بعيداً عن الذات. بل حتى الرغبة في الشيء تحيا فقط إذا تركتها وتجاهلتها. هذا هو القانون المطلق – البذرة تموت لكي تحيا، والخبز لا بد أن يُلقى على وجه المياه، والشخص الذي يضيّع نفسه يخلصها. لكن حياة البذرة، والعثور على الخبز، واسترداد النفس، هي أمور حقيقية مثل التضحية الأولى. لذلك يقال حقاً عن السماء أنه، “لا توجد ملكية في السماء، فإذا تجرأ أي إنسان بأن يدعو شيئاً ما أنه ملكه، فإنه سوف يُطرح مباشرة إلى الجحيم ويصبح روحاً شريرة”[2].

لكنه يقال كذلك، “من يغلب فسأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ” (رؤيا 2: 17). ماذا يمكن أن يكون ملكاً للإنسان أكثر من اسمه الجديد الذي حتى في الأبدية يظل سراً خاصاً بينه وبين الله؟ وماذا يا ترى تعني هذه “الخصوصية”؟ بالتأكيد. إن كلاً من النفوس المفدية سوف تعرف وتمجد إلى الأبد خاصية ما معينة في الجمال الإلهي أفضل مما يمكن أن يقوم به أي كائن آخر، فلماذا غير ذلك إذاً تم خلق كل الأفراد، إلا لأن الله، حيث أنه يحب كل منهم إلى ما لا نهاية، يحب كل منهم بطريقة مختلفة؟ وهذا الاختلاف، أبعد كثيراً من أن يعوق، يفيض بالمعاني في حب كل الكائنات المباركة لبعضها البعض.

في شركة القديسين. فلو كان الجميع قد اختبروا الله بنفس الطريقة وقدموا لله عبادة متماثلة، لما كان لترنيمة الكنيسة المنتصرة أي تناغم، لكانت كما لو أن فرقة موسيقية تقوم فيها كل الآلات بعزف نفس النغمة الواحدة. يخبرنا أرسطو أن المدينة هي “وحدة المختلفين”، ويخبرنا القديس بولس أن الجسد هو وحدة بين أعضاء مختلفة والسماء مدينة، وجسد، لأن المباركين يظلون إلى الأبد مختلفين؛ يظلون مجتمعاً، لأن كل منهم لديه شيء يقوله للآخرين كلهم – فسيجد كل منهم في الله أخباراً جديدة ومتجددة دائماً عن “إلهي”، والذي سوف يسبحه الجميع باعتباره “إلهنا”.

لأنه بلا شك أن المحاولة الناجحة المتواصلة، لكن غير المكتملة على الإطلاق، التي تقوم بها كل نفس بتوصيل رؤيتها المتفردة لجميع الآخرين (وهذا بطرق يُعتبر الفن الأرضي والفلسفة مجرد محاكاة غير متقنة لها) هي أيضاً من بين الغايات التي خلق الفرد لأجلها (لمدح مجد نعمته).

هذا لأن الوحدة تتواجد فقط بين المختلفين؛ وربما من هذا الرأي، تلقي نظرة لحظية على معنى كل الأشياء. مبدأ وحدة الوجود Pantheism هو عقيدة ليست كاذبة تماماً بقدر ماهي وراء الزمن بصورة ميؤوس منها. ففي القدين، من قبل الخليقة، كان سيصبح صحيحاً أن نقول إن كل شيء كان هو الله. لكن الله خلق؛ وهكذا قد سبب وجود أشياء أخرى غير نفسه. ولكونها مختلفة، فيمكنها أن تتعلم أن تحبه. وأن تحقق الوحدة بدلاً من مجرد التماثل. وهكذا ألقى الله أيضاً خبزه على وجه المياه.

وحتى داخل الخليقة يمكننا أن نقول ان المادة غير الحية، التي ليست لديها إرادة، هي واحد مع الله بالمعنى الذي لا يكون فهي البشر كذلك. لكنه قصد الله أننا يجب أن نعود إلى تلك الهوية القديمة (كما قد يريدنا بعض الصوفيين الوثنيين أن نفعل) بل إننا يجب أن نواصل إلى الحد الأقصى للاختلاف هناك، لكي نتحد مرة أخرى معه بطريقة أسمى. حتى داخل الإله الواحد الأقدس نفسه، لا يكفي أن يكون الكلمة هو الله، بل لا بد أيضاً أن يكون الكلمة “عند” أو “مع” الله. فالآب يلد الابن أزلياً والروح القدس ينبثق؛ هذا الإله يقدم لنا الاختلاف والتمييز داخل ذاته نفسها حتى أن وحدة المحبة التبادلية تتسامى على مجرد الوحدة الحسابية أو الهوية الذاتية.

لكن التمييز والاختلاف لكل نفس – السر الذي يشكل الوحدة بين كل نفس والله، الجنس البشري في حد ذاته لن يلغي أبداً القانون الذي يمنع الملكية في السماء. أما بالنسبة إلى رفاقها من المخلوقات، فإننا نفترض أن كل نفس، سوف تشترك أبدياً في تقديم كل ما تتلقاه إلى الباقين كلهم. اما بالنسبة لله، لابد أن نتذكر أن النفس ما هي إلا تجويف يملأه الله. فوحدتها مع الله، تقريباً بحكم التعريف، هي إخلاء وتخل مستمر عن الذات – فتح، وكشف وتسليم للذات.

فالروح المباركة هي قالب مجوف ينتظر في أي وقت بصبر أكثر فأكثر أن ينسكب فيه المعدن المشع، جسد يتكشف دائماً بالكامل أكثر فأكثر لوهج شمس النهار الروحية. لا يجب أن نفترض أن ضرورة شيء مواز لإخضاع الذات سوف تنهي على الإطلاق، أو أن الحياة الأبدية لن تكون أيضاً إماتة أبدية (للذات). بهذا المعنى، كما أنه قد تكون هناك متع في الجحيم (ليقنا الله منها)، قد يكون هناك شيء ليس على العكس تماماً من الآلام في السماء (ليمنحنا الله سريعاً أن نتذوقها).

لأنه في إعطاء الذات، إذا كان في إي مكان آخر، نلمس إيقاعاً ليس فقط لكل الخليقة بل لكل الكيان. هذا لأن الكلمة الأزلي Eternal Word قدم نفسه أيضاً كذبيحة؛ وتلك لم تكن فقط على الجلجثة. لأنه عند صلب “فإنه فعل في الطقس العاصف لعوالمه النائية، ذلك الذي كان قد فعله قبلاً في بيته في المجد والسرور”[3]. فمن قبل تأسيس العالم يعود الإله المولود ويخضع للإله الوالد بالطاعة.

وكما أن الابن إنساناً عادياً، أعتقد أنه قيل بصدق أن، “الله يحب ليس نفسه كنفسه بل باعتبارها الصلاح او الخير؛ وإذا كان هناك شيء أفضل من الله، لكان قد أحبه ولم يحب نفسه”[4]. لذلك من الأسمى (الإله) إلى الأدنى (المخلوق)، تتواجد الذات ليك تُخلى، وبواسطة هذه الإخلاء، تصبح نفساً بأكثر صدق، وعندها تصبح أكثر اخلاء، وهكذا إلى الأبد. ليس هذه قانوناً سماوياً يمكننا أن نهرب منه بأن نظل أرضيين، ولا هو قانون أرضي يمكننا أن نهرب منه بأن نَخلص: لكن ما هو خارج نظام إعطاء وإخلاء الذات ليس أرضاً، ولا طبيعة، ولا “حياة عادية”.

بل هو فقط وببساطة الجحيم. ومع ذلك فحتى الجحيم يَشق من هذا القانون مثل هذا الواقع حيث أنه عنده. فهذا السجن القاسي في الذات هو مجرد وجه العملة الآخر لإعطاء الذات الذي هو واقع مطلق؛ إنه الشكل السلبي الذي تأخذه الظلمة الخارجية بواسطة توضيح وتعريف شكل الواقع؛ أو الذي يفرضه الواقع على الظلمة بأن يكون له شكل وطبيعة إيجابية خاصه به.

إن التفاحة الذهبية للطبيعة الذاتية، إذ ألقيت بين الآلهة الباطلة، أصبحت تفاحة الخلاف الشقاق لأنهم تزاحموا وتدافعوا عليها. إنهم لم يعرفوا القانون الأول للعبة المقدسة، وهي أن كل لاعب لابد بكل وسيلة ممكنة أن يلمس الكرة ثم يمررها بعد ذلك في الحال. فإذا وُجدت والكرة في يدك يكون هذا خطأ؛ وإذا تشبثت بها، هذا هو الموت. ولكنها عندما تطير للأمام وللخلف بين اللاعبين بسرعة شديدة بحيث لا يمكن للعين أن تتبعها، والمدرب العظيم نفسه هو الذي يقود اللعب، معطياً نفسه أزلياً لخليقته في الخلق، ثم راداً إياها لنفسه مرة أخرى بتضحية الذبيحة في الكلمة، عندها حقاً تجعل الرقصة الأبدية Eternal Dance “السماء تنعس مع التناغم”.

كل الآلام والمسرات التي نعرفها على الأرض هي تلقينات مبكرة لحركات تلك الرقصة؛ لكن الرقصة نفسها لا يمكن مضاهاتها على الإطلاق بآلام هذا الزمان الحالي. فإننا إذ نقترب من إيقاعها الأزلي، يغوص الألم والمتعة حتى يختفيا عن الأنظار تقريباً. هناك يتواجد الفرح في الرقصة، ولكن الرقصة لا تتواجد لأجل خاطر الفرح. بل أنها حتى لا تتواجد لأجل خاطر الخير، أو الحب، بل إنها هي الحب نفسه Love Himself، والخير نفسه Good Himself، وبالتالي فهي فرحة. إنها لا توجد لأجلنا، بل نحن الذين نوجد لأجلها.

إن حجم وفراغ الكون الذي أخافنا في بداية هذا الكتاب، لا يزال يجب أن يخيفنا، لأنه رغم أنها ليسا أكثر من منتج ثانوي ذاتي لخيالنا ثلاثي الأبعاد، إلا أنهما يرمزان إلى حق عظيم. فكما هي أرضنا بالنسبة لجميع النجوم، هكذا بلا شك نحن أيضاً البشر واهتماماتنا بالنسبة لكل الخليقة؛ وكما هي كل النجوم بالنسبة للفضاء نفسه، هكذا أيضاً كل المخلوقات، وكل العروش والقوى وأقدر الآلهة المخلوقة، بالنسبة إلى لانهائية ولامحدودية الكائن ذاتي الوجود Self Existing Being (الله)، الذي هي بالنسبة لنا آب وفادي ومعزي ساكن فينا.

إنه هو الكائن الذي لا يستطيع أي أنسان أو أي ملاك أن يقول أو يدرك ما هو في نفسه، أو ما هو العمل الذي يعمله “من البداية إلى النهاية”. لأن هؤلاء جميعهم مستمدون وغير جوهريين، لذلك فإن رؤيتهم تخذلهم وهم يغطون أعينهم من النور المفرط للحقيقة المطلقة، الذي كان والكائن والذي يأتي، الذي لم يكن من الممكن أبداً أن يكون غير ذلك، والذي ليس له ضد أو نقيض.

بعض الأحيان، تنتج تصميماً على إخفاء المعاناة، أما النساء اللواتي يعانين من التهاب المفاصل الروماتويدي Rheumatoid Arthritis فيظهرن مرحاً وهو الأمر المميز للغاية. حتى أنه يمكن مقارنته بأمل مرض السل Spes Phthisica؛ وربما يرجع هذا إلى تسمم طفيف للمريض من العدوى أكثر منه إلى زيادة في قوة الشخصية. بعض ضحايا الألم المزمن تتدهور حالتهم، فيصبحون خصاميين ولوامين ويستغلون مركزهم المميز كمرضى لممارسة الاستبداد المنزلي.

لكن الأمر الغريب هو أن الفاشلين يكونون قليلين للغاية والأبطال كثيرين جداً؛ يوجد تحدي في الألم البدني يمكن لمعظم الناس أن يدركوه ويستجيبوا له. من ناحية أخرى، فإن المرض الطويل، حتى دون ألم، يستنزف العقل كما يستنزف الجسد. فيتخلى المريض المزمن عن الصراع وينجرف بعجز وبوضوح إلى يأس الشفقة على الذات. حتى في هذه الحالة، بعض المرضى في حالات جسدية مماثلة، يحتفظون بهدوئهم وإيثارهم إلى النهاية. أن ترى ذلك، فتلك خبرة نادرة ولكنها مؤثرة.

أما الألم النفسي فأقل درامية من الألم الجسدي، ولكنه أكثر شيوعاً وأيضاً أكثر صعوبة في تحمله. المحاولات المتكررة لإخفاء الألم النفسي تزيد من العبء؛ فمن السهل أن تقول “أسناني تؤلمني” عن أن تقول “إن قلبي مكسور”. لكن إذا تم قبول السبب ومواجهته، فإن الصراع يقوي وينقي الشخصية وفي الوقت المناسب سوف يعبر الألم في المعتاد.

إلا أنه في بعض الأحيان، يستمر ويكون أثره مدمراً؛ فإذا لم يتم مواجهة السبب أو الاعتراف به. فإنه ينتج الحالة المحزنة للعصابية المزمنة. لكن البعض ببطولية يقومون بالتغلب حتى على الألم النفسي المزمن، وفي كثير من الأحيان ينتجون عملاً بارعاً، ويقوون، ويشددون ويشحذون شخصياتهم إلى أن يصبحوا مثل الصلب المقسى.

أما في الجنون الفعلي فتكون الصورة أعتم. في العالم الطبي بأكمله لا يوجد شيء أكثر شناعة يمكن أن نفكر فيه مثل إنسان يعاني من الكآبة او السوداوية المزمنة Chronic MeLancholia. لكن معظم مختلي العقل لا يكونون غير سعداء، او بالفعل، لا يكونون واعين بحالتهم. في كلتا الحالتين، إذا شفوا من هذا المرض، فإن ما يثير الدهشة هو أنهم لا يتغيرون إلا قليلاً. ففي معظم الأحيان، لا يتذكرون شيئاً عن مرضهم.

يقدم الألم فرصة للبطولة؛ وهذه الفرصة يتم اغتنامها بتكرار

مثير للدهشة.

[1] George Macdonald جورج ماكدونالد

[2] Theologica Germanica

[3] “Unspoken Sermons”, George Macdonald جورج ماكدونالد

[4] Theologica Germanica

السماء – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

“المحبة تستطيع أن تحتمل، والمحبة تستطيع أن تغفر… لكن المحبة لا تستطيع أبداً أن تتصالح مع شيء بغيض… لذلك لا يستطيع الله مطلقاً أن يتصالح مع خطيئتك، لأن الخطية نفسها غير قابلة للتغيير، ولكن الله يمكنه أن يتصالح معك كشخص، لأن الشخص يمكن استرداده وتجديده.”

تراهيرن

Traherne. Centuries of Meditation.

إن أي تفكير في صلاح الله ينذرنا على الفور بالمعضلة التالية. فمن ناحية، إذا كان الله أحكم منا فإن حكمه لا بد أن يختلف عن حكمنا في الكثير من الأمور، وليس بأقلها في الخير والشر. فما يبدو بالنسبة لنا خيراً قد لا يكون خيراً في عينيه، وما يبدو بالنسبة لنا شراً قد لا يكون شراً.

من الناحية الأخرى، إذا كان حكم الله الأدبي الأخلاقي يختلف عن حكمنا بحيث أن ما نعتبره “أسود” قد يكون بالنسبة لله “أبيض”، فليس هناك أي معنى أن ندعو الله صالحاً؛ لأننا عندما نقول إن “الله صالح”، بينما نؤكد أن صلاحه يختلف بالكامل عن صلاحنا، فهذا معناه الحقيقي فقط أن نقول، “إننا لا نعرف ماهية الله”. وصفة غير معروفة على الإطلاق في الله لا تستطيع أن تعطينا أسساً أخلاقية لكي نحبه ونطيعه. فإذا لم يكن الله (بحسب مفهومنا) “صالح” فإننا سنطيعه، إن كنا سنطيعه من الأساس، فقط من خلال الخوف – وعندها يجب أن نكون مستعدين بالمثل أن نطيع شيطاناً كلي القدرة. عندما نستنتج من عقيدة “الفساد الكلي” Total Depravity – أنه حيث أننا فاسدون كلية فإن فكرتنا عن الخير ببساطة لا تساوي شيئاً – فإن هذا قد يحول المسيحية بالتالي إلى شكل من أشكال عبادة الشيطان.

لذلك يعتمد الهروب من هذه المعضلة على ملاحظة ما يحدث في العلاقات الإنسانية، عندما يدخل إنسان ذو معايير أدبية أخلاقية دنيا إلى مجتمع يتكون من أولئك الذين هم أفضل وأحكم منه ويتعلم تدريجياً أن يقبل “معاييرهم”، وهي عمليه، إذ تحدث، يمكنني أن أصفها بدقة شديدة، حيث أنني قد اختبرتها بصفة شخصية، فعندما ذهبت أول مرة إلى الجامعة كنت تقريباً بدون ضمير أخلاقي هو نوع من النفور الضئيل من القسوة ومن الدناءة بشأن المال، أما العفة، والصدق، والتضحية بالنفس فقد كنت أفكر فيها مثلما يفكر قرد البابون في الموسيقا الكلاسيكية.

لكن برحمة الله وقعت بين مجموعة من الشباب (وبالمناسبة، ليس من بينهم مسيحيون) كانوا قريبين مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مباشرة، ولكنهم أيضاً عرفوا، وحاولوا أن يطيعوا، القانون الأخلاقي. وبالتالي فإن حكمهم على الخير والشر كان مختلفاً جداً عن حكمي.

ما يحدث في مثل هذه الحالة لا يشبه في أقل تقدير أن يتم سؤالك أن تعامل ما كان يطلق عليه حتى ذلك الحين “أسود”، باعتباره “أبيض”. فالأحكام الأخلاقية الجديدة لا تدخل العقل أبداً كمجرد انعكاسات Reversals للأحكام السابقة (رغم انها تقوم بالفعل بعكسها)، بل “كأسياد متوقعين بكل تأكيد”. فلا يمكن أن يكون لديك أدنى شك في الاتجاه الذي ستتحرك فهي؛ إذ ان هذه الأحكام الجديدة تشبه “الخير” أكثر من ذرات الخير التي كانت لديك بالفعل، ولكنها تكون من ناحية ما مستمرة معها (يعني الكاتب أن كل إنسان في داخله بعض الإدراك لما هو خير وصالح، وبداخله أيضاً بعض القدر من ذرات الصلاح، حتى وإن كانت أفعاله شريرة، وعندما يتعرف هذا الإنسان على الخير والصلاح فإنه يجد أن في داخله تعرف وإدراك مسبق لهذا الصلاح – المحرر).

لكن الاختبار العظيم هنا هو أن إدراك المعايير الجديدة يصحبه شعور بالخزي والذنب؛ إذ يعي الإنسان أنه قد أخطأ بفداحة داخل مجتمع هو غير مؤهل له. وهكذا، في ضوء مثل هذه الخبرات لا بد لنا أن نفكر في صلاح الله.

دون أدنى شك، فكرة الله عن “الصلاح” تختلف عن فكرتنا؛ لكنك لا تحتاج أن تخاف من أنك إذ تقترب من فكرته سيطلب منك ببساطة أن تعكس Reverse أو تناقض معاييرك الأخلاقية؛ فعندما يظهر لك الفارق المقصود بين الأخلاقيات الإلهية وأخلاقياتك الشخصية، لن يكون لديك في الحقيقة أدنى شك في أن التغيير المطلوب منك هو في الاتجاه الذي تستطيع بالفعل أن تدعوه “أفضل”.

يختلف “الصلاح” الإلهي عن صلاحنا، لكنه “لا يختلف جوهرياً” عنه؛ إنه لا يختلف عنه مثل اختلاف الأبيض عن الأسود، بل مثل اختلاف الدائرة الكاملة المتقنة عن أول محاولة يقوم بها طفل للاسم دائرة عجلة. لكن عندما يتعلم الطفل أن يرسم، سيعرف عندئذ أن الدائرة التي رسمها في النهاية هي ما كان يحاول أن يرسمه منذ البداية. (يقصد الكاتب أن صلاح الله لا يختلف عن صلاحنا في جوهره أي لا يناقضه بصورة مطلقة بل إنه يختلف عنه في جودته وكماله وإتقانه – المرجم.)

هذا التعليم مفترض مسبقاً في الكتاب المقدس. فالمسيح يدعو البشر إلى التوبة – وهي دعوة كانت ستصبح بلا معنى لو أن معايير الله تخلف جوهرياً عن المعايير التي عرفها البشر بالفعل وفشلوا في ممارستها. فالله يناشد حكمنا الأخلاقي الموجود بالفعل، إذ يقول، لماذا لا تحكمون في أنفسكم بما هو حق؟ (لوقا 12: 57) كان الله في العهد القديم يوبخ البشر على أساس مفاهيمهم الشخصية عن الامتنان والإخلاص والعدل؛ ويضع نفسه كما لو أنه في محاكمة مع مخلوقاته التي صنعها. “ماذا وجد فيّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عني؟” (إرميا 2: 5).

بعد هذه المقدمات، أرجو أن يكون من الآمن أن أفترض أن بعض المفاهيم الخاصة بالصلاح الإلهي التي تميل إلى أن تسود تفكيرنا، رغم أنه يندر التعبير عنها بكلمات كثيرة، هي الآن عرضة للنقد.

في أيامنا هذه نحن نقصد بصلاح لله حصرياً تقريباً، محبته؛ وقد نكون على حق في ذلك. في هذا السياق، معظمنا يعني بالحب، اللطف والحنان، أو الرغبة في رؤية الآخرين أكثر سعادة من النفس؛ ليس أن نراهم سعداء بهذه الطريقة أو تلك، بل فقط سعداء. فالذي يمكن أن يرضينا حقاً هو إله يقول على أي شيء نحب أن نفعله. “ماذا يهم، طالما أنهم راضون وقانعون؟” إننا في الحقيقة لا نريد “أباً” في السماء قد ما نريد “جداً” في السماء، شيخاً عجوزاً محسناً، الذي كما يقولون “يحب أن يرى الشباب يستمتعون”، والذي خطته لأجل الكون هي ببساطة أن يقال فعلياً في نهاية كل يوم، “لقد استمتع الجميع بوقت طيب”.

إنني أعترف أنه ليس كل الناس يقومون بصياغة لاهوت بمثل هذه المصطلحات بالتحديد؛ لكن هناك مفهوم لا يختلف كثيراً عن هذا يقبع في الخلفية الذهنية للكثيرين. أنا لا أزعم أنني استثناء، لذلك: كنت أرغب كثيراً في أن أعيش في عالم تحكمه مثل هذه الأفكار الخاطئة. لكن حيث أنه من الواضح بشدة أنني لا أستطيع ذلك، وحيث أن لدي سبب لكي أعتقد، رغم ذلك، أن الله محبة، فإنني أستنتج أن مفهومي عن الحب يحتاج إلى تصحيح.

ربما قد تعلمت بالفعل، حتى من الشعراء، أن الحب هو شيء أكثر صرامة وقوة وروعة من مجرد اللطف؛ وأن حتى الحب بين الجنسين، هو كما في دانتي Dante، “سيد ذو مظهر رهيب” ” A Lord of Terrible Aspect”. نعم هناك لطف في الحب؛ لكن الحب واللطف ليسا متزامنين ومتماثلين Coterminous، وعندما ينفصل اللطف (بحسب المعنى المقدم أعلاه) عن العناصر الأخرى من الحب، فإنه يتضمن نوعاً معيناً من اللامبالاة الجوهرية بالشيء موضوع اهتمامه، بل حتى ما يشبه احتقاره.

إذ يوافق اللطف بسهولة جداً على القضاء على الشيء موضوع اهتمامه، فقد التقينا جميعاً بأناس يقودهم لطفهم تجاه الحيوانات باستمرار إلى قتلها حتى لا تتألم. لذلك فاللطف، كمجرد لطف، لا يهتم ما إذا أصبح موضوع اهتمامه جيداً أو سيئاً، طالما أنه يهرب من الألم. لكن كما يشير الكتاب المقدس، النغول هم الذين يتركون دون تهذيب؛ أما الأبناء الشرعيون، الذين عليهم أن يحملوا ويواصلوا تقليد العائلة، فيتم تأديبهم.

فالناس الذين لا يعنينا شيء من أمرهم هم الذين نطلب لهم السعادة بأية شروط، أما أصدقائنا، وأحبائنا، وأبنائنا، فإننا نكون صارمين، ونفضل حتى أن نراهم يتألمون كثيراً عن أن يكونوا سعداء بطرق حقيرة وجافية. فإذا كان الله محبة، فإنه بحسب تعريف المحبة، يكون أكثر من مجرد لطف. ويبدو من كل السجلات، أنه على الرغم من أن الله يوبخنا كثيراً ويديننا، إلا أنه لا ينظر إلينا أبداً باحتقار وازدراء.

فقد أعطانا الله عطية الحب التي لا يمكن استيعابها أو التعبير عنها، وبرهم لنا هذا الحب بأعمق المعاني وبأكثر الطرق المأساوية التي لا تنسى (هذا التعبير هو تجسد الله في المسيح وموته الكفاري – المحرر).

بالطبع، العلاقة بين الخالق والمخلوق هي علاقة متفردة، ولا يمكن مقارنتها بأية علاقة أخرى بين مخلوق وغيره. فالله أسمى وأبعد عنا وفي نفس الوقت أقرب إلينا، من أي كائن آخر. فهو أبعد عنا لأن الفارق المطلق بين ذاك الذي يحمل في ذاته مبدأ وجوده وذلك المخلوق الذي يتواصل معه، يمكن مقارنته بالفارق بين رئيس الملائكة ودودة حقيرة.

فالله هو الذي يخلق، ونحن المخلوقون؛ هو الأصل، ونحن المشتقون منه. لكن في نفس الوقت، ولنفس السبب، فإن العلاقة الحميمة بين الله وبين حتى أدنى المخلوقات هي أقرب من أية علاقة يمكن الوصول إليها بين مخلوق وآخر.

إن حياتنا، في كل لحظة منها، مستمدة من الله؛ فالقوة المعجزية الضئيلة المتمثلة في إرادتنا الحرة تعمل فقط في أجساد تقوم طاقته المستمرة بحفظها في الوجود، بل أن مجرد قدرتنا نفسها على التفكير هي قدرته المنقولة إلينا، مثل هذه العلاقة الفريدة يمكن إدراكها فقط بواسطة التشبيهات؛ فمن خلال مختلف أنواع الحب المعروفة بين المخلوقات، نصل إلى مفهوم غير كاف، ولكنه مفيد، عن محبة الله للإنسان.

أدنى أنواع الحب، النوع الذي لا يُعتبر “حباً” على الإطلاق إلا فقط كامتداد للكلمة، هو الذي يشعر به الفنان تجاه عمل فني. تتم تصوير علاقة الله بالإنسان بهذه الطريقة في رؤية إرميا للفخاري والوعاء الذي كان يصنعه من الطين، أو عندما يتكلم القديس بطرس عن الكنيسة بأكملها باعتبارها بناء يعمل فيه الله، وعن الأعضاء الأفراد باعتبارهم حجارة. لكن تتمثل محدودية هذه التشبيه بالطبع في أنه في هذا الرمز لا يعتبر المتألم حياً، وأن هناك قضايا معينة تختص العدالة والرحمة تنشأ عندما تكون “الحجارة” بالفعل “حية”.

وبالتالي تظل هذه القضايا غير ممثلة في هذا التشبيه. لكنه تشبيه مهم على قدر ما يذهب إليه. فنحن، ليس مجازياً بل بالحقيقة، تحفة فنية إلهية، شيء يصنعه الله، وبالتالي لن يرضى إلا عندما يكون له شخصية وكفاءة معينة. هنا، مرة أخرى، نلتقي بما أطلق عليه “الثناء الذي لا يُعبر عنه” Intolerable Compliment (بمعنى ان اهتمام الله وتعلقه بالإنسان لا يمكن استيعابه او التعبير عنه. إنه نوع من الحب غير مدرك المعاني أو المفردات بالنسبة للإنسان الذي هو مثل الدودة الصغيرة الحقيرة – المحرر).

قد لا يشعر الفنان بانزعاج كبير بشأن لوحة قد رسمها دون اهتمام لإسعاد طفل؛ قد يرضى بأن يتركها كما هي رغم أنها قد لا تكون بالضبط كما قصدها أن تكون، لكنه بالنسبة للصورة العظيمة لحياته، العمل الذي يحبه، رغم أنه على نحو مختلف، في مثل القوة التي يحب بها رجل امرأة أو أم طفلها – سيتحمل مصاعب لا نهاية لها – وبالتالي سيعطي بلا شك اهتماماً لا حد له للصورة لو كانت حية. يمكن للإنسان أن يتخيل صورة حية، بعد أن يتم حكها وكشطها وإعادة رسمها للمرة العاشرة، تتمنى تلك الصورة لو أنها كانت فقط مجرد رسم مصغر يتم الانتهاء منه في دقيقة. نفس الطريقة، من الطبيعي بالنسبة لنا أن نتمنى لو أن الله كان قد صمم لنا مصيراً أقل مجداً وبالتالي أقل شقاءً؛ لكننا عندها نكون راغبين ليس في حب أكثر بل في حب أقل.

هناك نوع آخر من الحب وهو محبة إنسان لحيوان، وهي علاقة تستخدم باستمرار في الكتاب المقدس لكي ترمز إلى العلاقة بين الله والبشر؛ فنحن قطيعه، “شعبه وغنم مرعاه”. هذا من بعض النواحي تشبيه أفضل من السابق، لأن الطرف الأدنى كائن حي، ولكنه مع ذلك أدنى بلا أي شك من الطرف الآخر. لكن هذا المقياس لا يزال أقل من جيد، حيث أن الإنسان لم يخلق الحيوان ولا يفهمه بالكامل.

ومع ذلك تكمن القيمة العظيمة في التشبيه في حقيقة أن الرابط (يمكن أن نقول مثلاً) بين إنسان وكلب هي في الأساس لأجل خاطر الإنسان: فالإنسان يروض الكلب في الأساس لكي يحب الكلب، وليس لكي يحبه الكلب، ولكي يقوم الكلب بخدمته، وليس لكي يقوم الإنسان بخدمة الكلب. لكن في نفس الوقت، لا يتم التضحية باهتمامات الكلب لأجل اهتمامات الإنسان. فالغاية الواحدة (أن يحب الإنسان الكلب) لا يمكن الوصول إليها بالكامل إلا إذا قام الكلب أيضاً، بطريقته، بمحبة الإنسان، ولا يستطيع الكلب أن يخدم الإنسان إلا إذا قام الإنسان، بطريقة مختلفة، بخدمة الكلب.

فقط لأن الكلب بحسب المقاييس البشرية هو واحد من “أفضل” المخلوقات غير العاقلة، وموضوع مناسب لمحبة الإنسان – بالطبع بدرجة ونوع المحبة التي تناسب مثل هذا الكائن، وليس بدرجة المبالغات السخيفة بتشبيه الكلب بالإنسان – يتدخل الإنسان في حياة الكلب ولجعله محبوباً أكثر مما هو عليه في الطبيعة. ففي حالته كما هو بالطبيعة يكون للكلب رائحة منفرة، وعادات تحبط محبة الإنسان: لذلك يقوم الإنسان بغسل جسم كلبه، وتدريبه في البيت، وتعليمه ألا يسرق؛ وبذلك يستطيع الإنسان أن يحبه بالكامل. بالنسبة إلى الجرو، لو كان عالماً لاهوتياً، لكانت ستبدو له العملية كلها وكأنها تلقي بشكوك خطيرة على “صلاح” الإنسان؛ لكن الكلب كامل النضج وتام التدريب، والأكبر حجماً، والأكثر صحة، والذي يعيش حياة أطول من الكلب البري. والذي يمنح الدخول، كما لو كان بالنعمة، إلى عالم كامل من الميول والولاءات والاهتمامات ووسائل الراحة أبعد بكثير من مصيره الحيواني. لن تكون له مثل هذه الشكوك.

ستلاحظ أن الإنسان (إنني أتكلم خلال كل ذلك عن إنسان صالح) يتحمل كل هذه المشقات والآلام مع الكلب، ويسبب للكلب كل هذه الآلام، فقط لأنه حيوان في مستوى عال – لأنه محبوب بطريقة حميمة حتى أنه يستحق مشقة جعله محبوباً بالكامل. فالإنسان لا يقوم بتدريب حشرة “أبو مقص” في المنزل. أو يقوم بغسل جسم حشرة “أم أربعة وأربعين”. قد نرغب بالفعل لو كنا بمثل هذا الشأن الدنيء لدى الله حتى يتركنا لشأننا لكي نتبع دوافعنا الطبيعية – أن يتخلى عن محاولاته لتدريبنا على شيء يختلف كثيراً عن ذواتنا الطبيعية؛ لكن مرة أخرى، عندها لن نكون ساعين إلى مزيد من الحب، بل إلى القليل منه. (يريد الكاتب أن يقول إن محبه الله لنا تجعله يتحمل ألم تدريبنا وتشكيلنا وتجعلنا نجتاز في آلام مختلفة لأننا نمثل قيمة عظيمة بالنسبة له، لأننا لو كنا ذوي قيمة ضئيلة لما تحمل تلك التكلفة وهذه المشقة الباهظة. والمحبة الحقيقية الحميمة تستلزم التهذيب الذي يكون بلا شك مؤلماً – المترجم.)

هناك تشبه آخر أكثر نبلاً، والذي أقره الاتجاه المستمر لتعليم ربنا، وهو تشبيه محبة الله للإنسان بمحبة الأب لابنه. إلا أنه كلما يتم استخدام هذه التشبيه (أي كلما نصلي الصلاة الربية)، لا بد أن نتذكر أن المخلص استخدمه في وقت ومكان حيث كانت السلطة الأبوية تحتل مكانة أسمى بكثير مما هي عليها الآن في إنجلترا الحديثة. حين يكون الأب الآن نصف آسف لأنه أتى بابنه إلى العالم، خائفاً من كبحه لئلا ينشئ حواجز بينهما بل خائفاً حتى من تعليمه وإرشاده لئلا يتداخل في استقلالية فكره، وبالتالي يمثل ذلك رمزاً شديد التضليل للأبوة الإلهية.

إنني لا أناقش هنا ما إذا كانت سلطة الآباء، في حدودها القديمة، شيئاً جيداً أم سيئاً؛ بل إنني أشرح فقط ماذا كان يعني مفهوم الأبوة بالنسبة إلى أول من استمعوا إلى ربنا، وبالتأكيد لمن خلفوهم على مدى عدة قرون. سيصبح هذا أكثر وضوحاً إذا فكرنا كيف كان ربنا ينظر إلى بنوته الشخصية للآب، ويخضع إرادته بالكامل للإرادة الأبوية ولا يسمح حتى لنفسه بأن يدعى “صالحاً” لأن “الصالح” هو اسم الآب (رغم أن المسيح بحسب عقيدتنا، هو واحد مع أبيه وهو شريك سرمدي معه.

وهذا ما لا يوجد بين أي ابن أرضي لأب أرضي). فالحب بين الآب والابن، في هذا الرمز، يعني في الأساس الحب السلطوي من جانب، والحب الطائع من الجانب الآخر. فالأب يستخدم سلطته لكي يجعل الابن في صورة الكيان البشري الذي، عن حق في حكمته الفائقة، يريده أن يكون. حتى في أيامنا هذه، مهما كان يمكن للإنسان أن يقول، فليس هناك أي معنى أن يقول، “إنني أحب ابني ولكني لا أعباً بمدى بشاعة بذاءته طالما أنه يقضي وقتاً ممتعاً.”

أخيراً نأتي إلى تشبيه مليء بالأخطار، وذي تطبيق أكثر محدودية، والذي يتصادف مع ذلك أن يكون أكثر التشبيهات المفيدة لهدفنا الخاص في تلك اللحظة، وأعني بذلك، القياس بين محبة الله للإنسان ومحبة رجل لامرأة. ويستخدم هذا القياس بحرية في الكتاب المقدس. فإسرائيل زوجة خائنة، ولكن زوجها السماوي لا يستطيع أن ينسى الأيام السعيدة التي قضاها معها: “قد ذكرت لك غير صباك محبة خطبتك ذهابك ورائي في البرية في أرض غير مزروعة” (إرميا 2: 2) إسرائيل هو العروس الفقيرة اللقيطة التي وجدها حبيبها مطروحة على قارعة الطريق، فألبسها وزينها وجعلها جميلة ومع ذلك خانته. يدعونا القديس يعقوب “زناة وزواني”، لأننا ابتعدنا عن الله واتجهنا إلى “محبة العالم”، بينما الله “الروح الذي حل فينا يشتاق إلى الحب”.

هكذا أيضاً الكنيسة هي عروس الرب التي يحبها كثيراً حتى أنه لا يطيق أن يوجد فيها أي عيب أو غضن. لذلك فإن الحق الذي يعمل هذا التشبيه على تأكيده هو أن الحب، بحسب طبيعته الخاصة، يتطلب تكميل المحبوب Love In Its Own Nature , Demands The Perfecting Of The Beloved؛ وأن مجرد “اللطف” الذي يحتمل أي شيء سوى الألم لأجل الشيء أو الشخص موضوع الاهتمام هو، من هذه الناحية، في القطب المضاد للحب. فعندما نقع في حب امرأة، هل نتوقف عن الاهتمام بما إذا كانت نظيفة أم قذرة، جميلة أم كريهة؟ بل ألسنا بالأحرى نبدأ في الاهتمام بها؟ هل تعتبر أية امرأة أنها علامة على الحب في الرجل أنه لا يعرف ولا يهتم كيف يبدو مظهرها؟ يكن للمحب، بالتأكيد، أن يحب محبوبته عندما تفقد جمالها؛ ولكن ليس لأنه فقد.

يمكن للمحب أن يفغر كل العيوب والنقائص ويظل يحب على الرغم من كل هذه؛ لكن المحب لا يمكن أن يتوقف عن الرغبة في إزالة هذه العيوب. الحب أكثر حساسية من الكراهية نفسها لك عيب في المحبوب: “فمشاعره أكثر رقة وحساسية من القرون الرقيقة لقوقع الكوكل البحري.” أنه يغفر أكثر من كل القوى؛ ولكنه أقلها في التغاضي عن الأخطاء؛ إنه يرضى بالقليل، ولكنه يطلب الكل.

لذلك عندما تقول المسيحية أن الله يحب الإنسان، فإنها تعني أن الله “يحب” الإنسان بالحقيقة؛ وليس أن لديه نوع من الاهتمام الفاتر بمصلحتنا، لأنه فعلياً غير مبال أو مهتم، بل أن الحقيقة المهيبة والمدهشة، هي أننا نحن موضوع محبة الله. لقد طلبت إلهاً محباً: وها أنت لديك هذا الإله. إن الروح العظيمة التي استحضرها باستخفاف شديد، “السيد ذو المظهر الرهيب” حاضرة: وهو ليس شيخاً خيّراً يرغب وهو في حالة النعاس في أن تكون سعيداً بطريقتك الخاصة، ولا يقدم إحساناً بارداً كما من حالم ذي ضمير متيقظ، ولا مجرد رعاية كالمضيف الذي يشعر بالمسؤولية عن راحة ضيوفه، ولكن الله يحب لكونه هو نفسه ناراً آكلة، الحب الذي خلق العوالم، حب ثابت مستمر مثل حب الفنان لعمله الفني، وملح مثل محبة الإنسان لكلبه، وحكيم بعيد النظر وجليل مثل حب الأب لابنه، وغيور، يتعذر تغييره وكثير المطالب مثل الحب بين الجنسين.

كيف يمكن أن يكون هذا، لا أعرف؛ إنه حب يتخطى العقل لكي يفسر لماذا يجب لأية مخلوقات، فما بالك مخلوقات مثلنا، أن يكون لها مثل هذه القيمة المدهشة للغاية في عيني خالقها. إنه بالتأكيد ثقل مجد ليس فقط أبعد من استحقاقنا بل أيضاً، فيما عدا لحظات نادرة من النعمة، أبعد من رغبتنا؛ فنحن نميل، مثل العذارى في المسرحية القديمة، إلى أن ننتقص من محبة زيوس Zeus. لكن هذه الحقيقة تبدو غير قابلة للشك.

فالله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يتكلم كما لو أنه يعاني من الحب والعشق، وذاك الذي يحوي في ذاته سبب سعادته وسعادة الجميع يتكلم كما لو أنه يمكن أن يكون في احتياج وشوق. “هل أفرايم ابن عزيز لدي أو ولد مُسر؟ لأني كلما تكلمت به أذكره بعد ذكراً. من أجل ذلك حنت أحشائي أليه” (إرميا 31: 20)، “كيف أتركك يا أفرايم؟ كيف أتخلى عنك يا إسرائيل… قد انقلب عليّ قلبي. اضطرمت مراحمي جميعاً” (هوشع 11: 8)، “يا أورشليم يا أورشليم، كم مرة أردت أن أجمعك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا” (متى 23: 37).

إن مشكلة التوفيق بين الألم البشري ووجود إله يحب، تصبح فقط غير قابلة للحل طالما أننا ننسب معنى تافهاً لكلمة “الحب”، وننظر إلى الأشياء كما لو أن الإنسان هو محورها. ليس الإنسان هو المركز. فالله لا يوجد لأجل الإنسان، كما أن الإنسان لا يوجد لأجل نفسه. “لأنك أنت (يا الله) خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخلقت.” (رؤيا 4: 11) فنحن لم نخلق أساساً لكي نحب الله (رغم أننا خلقنا لأجل ذلك أيضاً) بل لكي يحبنا الله، حتى نصبح موضوع محبته إذ “يُسر” الحب الإلهي بأن يستقر فينا.

لذلك أن نطلب أن محبة الله يحب أن ترضى بنا كما نحن، هذا معناه أننا نريد أن يتوقف الله عن أن يكون هو الله؛ فحيث أن الله هو كينونة وماهيته، فلا بد أن تٌعاق وتٌرفض محبته، بطبيعة الأمور، بواسطة موانع معينة في شخصياتنا الحالية. وحيث أنه بالفعل يحبنا فلا بد أن يجاهد ويتعب لكي يجعلنا محبوبين. إننا لا يمكن حتى أن نتخيل، في أفضل حالاتنا، أنه يمكن لله أن يصالح نفسه مع نجاساتنا الحالية. كما لم تستطع الفتاة المتسولة أن تتخيل أن يرضى الملك كوفيتوا King Cophetua يخرقها البالية وقذارتها، أو أن يتخيل كلب، بعد أن يكون قد تعلم أن يحب إنساناً، أن هذا الإنسان سوف يتحمل في بيته ذلك المخلوق القذر، الذي يعض وينهش، ويلوث المكان، في حالته البرية دون ترويض.

إن ما نطلق عليه هنا والآن “سعادتنا” ليس هو الغاية في الأساس في نظر الله. لكننا عندما نكون مثل ذلك الكيان الذي يستطيع الله أن يحبه بدون عوائق، عندئذ سنكون حقاً سعداء.

يمكنني أن أتوقع بوضوح أن مسار حجتي هذا قد يثير اعتراضاً. فقد وعدت أننا عندما نأتي إلى فهم الصلاح الإلهي يجب ألا يطلب منا قبول مجرد انعكاس Reversal لأخلاقنا الشخصية في الاتجاه المضاد. لكن قد يتم الاعتراض بأن هذا الانعكاس هو بالتحديد ما يطلب منا قبوله. ربما يٌقال إن نوع الحب الذي أنسبه إلى الله هو بالضبط النوع الذي نصنفه في البشر بأنه الحب “الأناني” Selfish أو “الاستحواذي” Possessive، وهو يتناقض بصورة غير مواتية مع نوع آخر يسعى أولاً إلى سعادة المحبوب وليس إلى رضا المحب.

لكني غير واثق من أن هذا هو بالضبط ما أشعر به حتى تجاه الحب البشري. فأنا لا أعتقد أنني يجب أن أعتبر محبة صديق ذات قيمة عظيمة إذا كان كل ما يهتم به فقط هو سعادتي، ولا يعترض إذا أصبحت مثلاً غير أمين. ومع ذلك، فالاعتراض هو موضع ترحيب، والإجابة عليه سوف تلتقي على الموضوع ضوءً جديداً، وتصحح ما كان ذو جانب واحد في نقاشنا.

الحقيقة هي أن هذا التناقض بين الحب الأناني Egoistic والحب الغيري Altruistic لا يمكن تطبيقـه بطريقة لا لبس فيها على محبـة الله لمخلوقاتـه. فتضارب الاهتمامات، وبالتـالي الفرص إما بسـبب الأنانية أو غير الأنانية، يحدث فقط بين الكائنات التي تسـكن عالماً مشتركاً A Common World؛ فلا يمكن لله أن يكون في منافسه مع مخلوق، كما لا يمكن لشكسبير Shakespeare أن يكون في منافسة مع آلة الكمان. وعندما صار الله إنساناً وعاش كمخلوق بين مخلوقاته في فلسطين، عندها بالحقيقة كان حياته حياة التضحية الفائقة بالنفس والتي أدت إلى الجلجثة.

قال أحد الفلاسفة الوجوديين المحدثين، “عندما يقع المطلق The Absolute داخل البحر فإنه يصبح سمكة”؛ بنفس الطريقة، يمكننا نحن المسيحيون أن نشير إلى التجسد Incarnation ونقول إنه عندما يُخلي الله نفسه من مجده ويخضع إلى تلك الظروف التي فيها فقط يكون للأنانية والغيرية معنى واضحاً، فإننا نراه غيرياً بالكامل. لكن الله في سموه – الله باعتباره الأساس غير المشروط لكل الظروف – لا يمكن بسهولة التفكير فيه بنفس الطريقة. إننا ندعو الحب البشري أنانياً عندما يُشبع احتياجاته الشخصية على حساب احتياجات الآخر موضوع المحبة – كما عندما يُبقي الأب أبناءه معه في المنزل، الذين يجب لأجل مصلحتهم الشخصية ان يخرجوا إلى العالم، لأنه لا يحتمل أن يتخلى عن رفقتهم له.

يتضمن هذا الموقف احتياجاً أو عاطفة من جانب المحب، واحتياجاً متضارباً من جانب المحبوب، وتجاهل المحب، أو جهله الملوم لاحتياج المحبوب. لكن لا توجد أي من هذه الحالات في علاقة الله بالإنسان. فالله ليس لديه احتياجات. الحب البشري، كما يعلمنا أفلاطون Plato، هو ابن الفقر، ابن الاحتياج او النقص؛ فسببه هو خير وصلاح حقيقي أو مفترض في محبوبه، والذي يحتاجه المحب ويرغب فيه. لكن محبة الله، إذ تبعد كثيراً عن أن تكون بسبب خير أو صلاح في الإنسان موضوع المحبة، هي التي تسبب كل خير وصلاح لدى ذلك الإنسان، فهي التي أحبته منذ البداية حتى أنها أتت به إلى الوجود ثم بعد ذلك جعلته يصبح جديراً حقاً بالحب، رغم أن تلك الجدارة مشتقة من الله.

فالله هو الخير والصلاح الخالص. يستطيع الله أن يعطي الخير، ولكنه لا يستطيع أن يحتاجه أو يحصل عليه. بهذا المعنى فإن كل حب الله، إذا جاز التعبير، غيري متفان إلى أقصى حد بحكم تعريفه الحقيقي؛ فالله لديه كل شيء لكي يعطيه، ولا شيء ليأخذه. من هنا، إذا كان الله في بعض الأحيان يتكلم كما لو أن الإله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يمكن أن يتألم من العاطفة. وكما لو أن الملء الأبدي يمكن أن يكون في احتياج إلى تلك الكائنات التي يغدق عليها كل شيء بدية من مجرد وجودها وحتى كل شيء آخر فصاعداً.

فإن هذا يمكن فقط أن يعني، إن كان يعني أي شيء مفهوم بالنسبة لنا، أن الله بمجرد معجزة قد جعل نفسه قادراً أن يجوع، وخلق في نفسه ذلك الشيء الذي يمكننا نحن أن نشبعه. لذلك فإذا كان الله يحتاجنا، فإن احتياجه ذلك هو باختياره الشخصي. وإذا كان القلب الثابت غير القابل للتغير يمكن أن يحزن بسبب دمى من صنعه الخاص، فإن هذا القلب هو الإله كلي القدرة؛ وليس غيره، والذي أخضع قلبه بهذه الطريقة، وبكامل حريته، وباتضاع يفوق الفهم. إذا كان العالم يوجد ليس أساساً لكي نحب نحن الله بل لكي يحبنا الله، فإن تلك الحقيقة نفسها، على مستوى أعمق، هي كذلك لأجلنا نحن، إذا كان الشخص الذي في ذاته لا يمكن أن يحتاج إلينا أحد.

إن قبل ووراء كل علاقات الله بالإنسان، كما نعرفها نحن الآن من المسيحية، يقبع منجم وخزان لا محدود من فعل إلهي للعطاء الخالص – والذي يتمثل في اختار الإنسان، من اللاوجود Nonentity، لكي يكون محبوب الله، وبالتالي (من ناحية ما) يحتاجه الله ويرغب فيه – الله الذي لا يحتاج أو يرغب في شيء سوى هذا الفعل، حيث أن لديه سرمدياً كل الخير والصلاح، بل أنه هو نفسه، كل الخير والصلاح. هذا الفعل هو لأجلنا نحن، فمن الخير لنا أن نعرف الحب؛ والأفضل لنا أن نعرف محبة من هو أفضل موضوع للحب، الله نفسه.

لكن إذا قلنا إننا نعرف هذا الحب كحب كنا نحن فيه المبادرين المتوددين بالحب في البداية والله هو المحبوب، الحب الذي فيه نحن الذي سعينا إلى الله وهو الذي وجد، والذي فيه يتوافق الله مع احتياجاتنا، ولسنا نحن الذين نتوافق مع احتياجاته، أي أن حبنا نحن هو الذي يأتي أولاً، فهذا معناه أننا نعرف الحب بصورة مزيفة لطبيعة الأشياء نفسها. فحيث أننا مجرد مخلوقات فقط؛ لا بد أني يكون دورنا دائماً هو دور التابع تجاه القوة، دور الأنثى تجاه الذكر، دور المرآة تجاه النور، دور الصدى تجاه الصوت.

أقصى نشاط لنا لا بد أن يكون هو الاستجابة، وليس المبادرة. لذلك عندما نختبر محبة الله بصورة حقيقية وليست خيالية وهمية، فهذا معناه أنا نختبرها كتسليم لمطلبه، واتفاق مع رغبته؛ لكن أن نختبرها بطريقة عكسية، إذا جاز التعبير، فهذا خطأ نحوي ضد قواعد لغة الوجود.

إنني لا أنكر، بالطبع، أنه على مستوى معين قد يحق لنا أن نتحدث عن بحث النفس عن الله، وعن الله كمتلقي لمحبة النفس؛ لكن على المدى الطويل، بحث النفس عن الله يمكن فقط أن يكون صيغة، أو مظهر (Erscheinung) لبحث الله عنها، حيث أن الكل يأتي من الله، وحيث أن إمكانية حبنا نفسها هي عطية منه لنا، وحيث أن حريتنا هي فقط حرية للاستجابة سواء للأفضل أو للأسوأ. ومن هنا اعتقد أنه لا يوجد شيء يميز التوحيد الوثني عن المسيحية بصورة حادة قدر مبدأ أرسطو Aristotle بأن الله يحرك الكون، لكنه هو نفسه غير متحرك، كما يحرك المحبوب المحب. اما بالنسبة للمسيحية، “هذه هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا” (1يو 4: 10).

الحالة الأولى إذاً لما يُسمى الحب الأناني بين البشر، منعدمة بالنسبة لله. فالله ليس لديه ضرورات طبيعة، ولا هوى أو شهوة، لكي تتنافس مع رغبته في خير المحبوب؛ أو إذا كان فيه شيء يجب أن نتخيله فيما يشبه الهوى، أو الاحتياج، فإنه فيه بحسب مشيئته الخاصة ولأجل صالحنا نحن. كما أن الحالة الثانية أيضاً منعدمة بالنسبة لله. قد تختلف المصالح الحقيقية لطفل ما عما تتطلبه عواطف الأب بالغريزة، لأن الطفل هو كائن منفصل عن أبيه ذو طبيعة لها احتياجاتها الخاصة والتي لا تتواجد فقط لأجل الأب كما أنها لا تجد اكتمالها التام في أن تشعر بالحب من جانبه. ولا الأب نفسه يفهمها فهماً كاملاً. لكن المخلوقات ليس منفصلة هكذا عن خالقها، ولا يستطيع الخالق أن يخطئ فهمها.

فالمكان الذي صممها لأجله في نظام الأشياء هو المكان المصنوعة لأجله. لذلك عندما تصل إليه تُشبع طبيعتها وتتحقق سعادتها: هناك عظام مكسورة في الكون قد تم جبرها. فانتهى الألم والمعاناة. لذلك عندما نريد أن نكون شيئاً غير الشيء الذي يريدنا الله أن نكون، فلا بد أننا نرغب فيما هو، في الحقيقة، لن يجعلنا سعداء. إن تلك المطالب الإلهية التي تبدو لآذاننا الطبيعية مثل مطالب حاكم مستبد أكثر منها مطالب محب، هي في الحقيقة ترشدنا إلى حيث يجب أن نرغب في الذهاب لو كنا نعرف ما نريد. يطلب الله عبادتنا، وطاعتنا، وسجودنا. فهل نفترض أن هذه الأمور يمكن أن تصنع لله أية فائدة.

أو أن يكون هناك خوف، مثلما تقول الجوقة في ميلتونMilton، من أن عدم المهابة البشرية يمكن أن يأتي “بنقصان لمجده”؟ كلا على الإطلاق؛ لا يمكن لأنسان أن ينقص من مجد الله برفضه لعبادته، كما لا يمكن لمجنون أن يطفئ الشمس بأن يخربش كلمة “ظلمة” على جدران غرفته. الله يريد خيرنا، وخيرنا هو أن نحبه (بتلك المحبة المستجيبة التي تتناسب مع مخلوقات) ولكي نحبه لا بد ان نعرفه؛ وإذا عرفناه، فإننا في الحقيقة سوف نسقط على وجوهنا رهبة.

فإذا لم نفعل، فهذا يُظهر فقط أن ما نحاول أن نحبه ليس هو الله بعد – رغم أنه قد يكون أقرب تقريب لله يمكن لفكرنا وخيالنا أن يصل إليه. إلا أن الدعوة ليست فقط لكي نسجد ونرتعب؛ بل إلى ما نعكس الحياة الإلهية، فتصبح مخلوقات مشاركة في الصفات الإلهية التي هي أبعد بما لا يقاس عن رغباتنا الحاضرة. إننا مدعوون إلى أن “نلبس المسيح”، وأن نصبح مثل الله، وهذا يعني، سواء أحببنا ذلك أم لا، أن الله ينوي أن يعطينا ما نحتاجه، وليس ما نعتقد الآن أننا نريده. ومرة أخرى، نشعر بالخجل بسبب “الثناء الذي لا يعبر عنه” Intolerable Compliment لله بنا. بسبب محبة الله الكثيرة للغاية، وليست الضئيلة للغاية.

ومع ذلك ربما حتى هذه النظرة تقصر عن الحقيقة. ليس الأمر ببساطة أن الله قد خلقنا بتعسف بحيث يكون هو فقط خيرنا الوحيد. بل أن الله هو الخير الوحيد لجميع المخلوقات؛ وبالضرورة، كل منها لا بد أن يجد خيره في ذلك النوع والدرجة من الشبع والاستمتاع بالله الذي يلائم طبيعته. قد يختلف النوع والدرجة بحسب طبيعة المخلوق؛ لكن إمكانية أن يكون هناك على الإطلاق أي خير آخر، هو حلم إلحادي. في مقطع لا أستطيع أن أبحث فيه الآن. يمثل جورج ماكدونالد George Macdonald الله وكأنه يقول للبشر: “لا بد أن تكونوا أقوياء بقوتي ومباركين بنعيمي Blessedness، لأنه ليس لدي شيء آخر أعطيه لكم.”

هذا هو ختام الأمر كله. الله يعطي ما لديه، لا ما ليس لديه؛ إنه يعطي السعادة الموجودة، ليس السعادة غير الموجودة. فإما أن تكون الله – أو أنت تكون مثل الله وتشاركه صلاحه باستجابة المخلوق – أو أن تكون شقياً بائساً. هذه هي البدائل الثلاث الوحيدة المتاحة. فإذا لم نتعلم أن نأكل الطعام الوحيد الذي ينبته الكون (ما لدى الله) – الطعام الوحيد الذي يمكن لأي كون ممكنPossible Universe أن يُنبته على الإطلاق – فإننا لابد أن نتضور جوعاً إلى الأبد.

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الجنود الدمى العنيدون – سي إس لويس

الجنود الدمى العنيدون – سي إس لويس

الجنود الدمى العنيدون – سي إس لويس

الجنود الدمى العنيدون

 

لقد صار ابن الله إنساناً كي يُمكّن الناس من أن يصيروا أبناء الله. ولسنا نعلم (على كل حال، أنا لا أعلم) كيف كانت الأمور ستسير لو أن الجنس البشري لم يعص الله قط وينضم إلى العدو. فربما كان من شأن كل إنسان أن يكون “في المسيح”، أي أن يشترك في حياة ابن الله. منذ ولادته. وربما كان من شأن الحياة الطبيعية (بيُوس) أن تنجذب إلى داخل الحياة غير المخلوقة (زُويي) فوراً وبطبيعة الحال. غير أن هذا حزرٌ وتخمين. فأنت وأنا مُعنيّان بالأمور كما هي سائرة الآن.

وإليك وصفاً لحالة الأمور الحاضرة. إن نوعي الحياة ليسا فقط مختلفين (فمن شأنهما أن يكونا كذلك دائماً) بل هما متعارضان فعلاً. فالحياة الطبيعية في كل واحد منا أمر مركزه الذات: أمر يريد أن يُدلل ويحظى بالإعجاب، ويستغل الحيوات الأخرى. ويُسخر الكون كله لمصلحته. وهي تُريد على الخصوص أن تُترك لذاتها: أن تظل بعيدة تماماً عن أي أمر أفضل منها أو أقوى أو أسمى… أي أمر قد يُشعرها بأنها صغيرة. فهي تخشى نور العالم الروحي وهواءه، تماماً كما يخشى الاستحمام من تربّوا في القذارة.

وهي، بمعنى ما، على حق تماماً. إذ إنها تعلم أنه إذا استولت عليها الحياة الروحية فسوف تقضي على أنانيتها وإرادتها الذاتية، أو عنادها، وهي متأهبة للقتال بك ضراوة للحيلولة دون ذلك.

هل فكرت مرةً، لما كنت ولداً، أي مرح يكون لك لو أُتيح للدمى التي تلعب بها أن تدب فيها الحياة؟ حسناً، هبها قد صارت حية بالفعل. وتصور أن جندياً من قصدير تحول إلى رجل صغير حقيقي. فلا بد أن يشتمل ذلك على تحويل القصدير إلى جسد بشري. وافترض أن جندي القصدير لم يعجبه ذلك. فالجسد البشري لا يثير اهتمامه، إذ كل ما يراه هو أن القصدير قد فسد. فهو يحسب أنك تقتله، وسيبذل كل ما في وسعه ليحول دون ذلك. إنه يرفض أن يصير إنساناً إذا أمكنه ذلك.

لست أدري ما كان ممكناً أن تفعله بجندي القصدير ذلك. ولكن ما فعله الله لأجلنا هو هذا: إن ثاني أقنوم في اللاهوت، أي الابن، صار هو نفسه كائناً بشرياً. فقد وُلد في العالم إنساناً حقيقياً: ذا قامة معينة، وشعر من لون محدد، متكلماً لغة مخصوصة، ووزنه مقدار معني من الكيلوغرامات. إن الكائن الأزلي، العليم بكل شيء وخالق الكون كله، صار إنساناً بعد أن كان طفلاً، ومن قبلُ جنيناً في رحم امرأة. وإن شئت أن تدرك مغزى الأمر، ففكر كما يعجبك أن تصير نملة أو أرنباً!

وقد كانت نتيجة ذلك أن صار لدينا الآن إنساناً واحد هو بالحقيقة كل ما قُصد للبشر جميعاً أن يكونوه: إنسان واحد فيه استطاعت الحياة المخلوقة، المستمدة من أمه، أن تستحيل بالكمال والتمام إلى الحياة المولودة. فالكائن البشري الطبيعي فيه اتحد كلياً بالابن السماوي. وهكذا، ففي حالة واحدة بلغت البشرية غايتها، إن صح التعبير، إذ انتقلت إلى قلب حياة المسيح.

ولأن الصعوبة كلها بالنسبة إلينا هي أن الحياة الطبيعية، بمعنى ما، ينبغي أن “تُقتل”، فقد اختار سيرة أرضية تنطوي على قتل الرغائب البشرية عند كل منعطف: من فقر، وسوء فهم من قبل أسرته الخاصة، وخيانة أحد أصدقائه المقربين له، واستهزاء العسكر به ومعاملته بخشونة، وتعذيب وإعدام.

وبعد ذلك، فأن الكائن البشري فيه، بعد قتله هكذا وقتله كل يوم بمعنى ما، عاد حياً من جديد: لأنه كان متحداً بالابن الأزلي. فالإنسان في المسيح قام من بين الأموات، وليس الله فقط. تلك هي القضية كلها. فهذه أول مرة رأينا إنساناً حقيقياً تماماً. إن جندي قصدير واحداً، من قصدير حقيقي مثله مثل الباقين، قد دبت فيه الحياة بملئها وبهائها الكاملين.

إنما هنا بالطبع نصل إلى النقطة التي فيها ينهار إيضاحي المستعار من جندي القصدير. ففي حالة الجنود الدمى أو التماثيل الحقيقين، إذا انبعث واحدٌ منهم حياُ، فمن البديهي ألا يحدث ذلك أي فرق بالنسبة إلى الآخرين. إنهم جميعاً منفصلون بعضهم عن بعض. ولكن الخلائق البشريين ليسوا كذلك. فهم يبدون منفصلين لأنك تراهم يتنقلون منفردين. إلا أننا أيضاً مصنوعون بحيث لا يمكننا أن نرى سوى اللحظة الحاضرة. ولو تسنّى لنا أن نرى الماضي، لبدا الأمر عندئذ مختلفاً بالطبع.

فقد كان زمنٌ فيه كان كل إنسان جزءاً من أُمه، وكذلك أيضاً جزءاً من أبيه (في زمن أبكر بعد)؛ وزمن كان أبواه فيه جزءاً من أجداده. ولو قُدّر لك أن ترى البشر المنتشرين عبر الزمان، كما يراهم الله، لما بدا المنظر شبيهاً بعدد غفير من الكائنات المنفصلة منتشرة هنا وهناك. وإنما كان سيبدو شبيهاً بكائن واحد نام، بل بالحري أشبه بشجرة معقدة جداً.

وسيظهر كل فرد مرتبطاً بكل فرد آخر. وليس ذلك فقط، بل إن الأفراد ليسوا منفصلين بالحقيقة عن الله، كما أنهم ليسوا منفصلين أحدهم عن الآخر، فكل رجل وامرأة وطفل في جميع أنحاء العالم يحس ويتنفس هذه اللحظة، فقط لأن الله، إن جاز التعبير، “يبقيه حياً”.

وعليه، فعندما يصير المسيح إنساناً، لا يكون ذلك بالحقيقة كما لو أُتيح لك أن تصير أنت جندي قصدير معيّناً، بل إن ذلك يكون كما لو أن شيئاً مؤثراً دائماً قد حل في الكتلة البشرية بطريقة جديدة. ومن تلك النقطة ينتشر التأثير في كل البشرية كلها. يبدأ عند نقطة محددة بالتأثير في مُجمل الكتلة البشرية كلها. وسيحدث الأمر فرقاً بالنسبة إلى الناس الذين عاشوا قبل المسيح، وكذلك أيضاً بالنسبة إلى الناس الذين عاشوا بعده. كما أنه سيُحدث فرقاً بالنسبة إلى أولئك الذين لم يسمعوا بالمسيح قط.

فذلك أشبه بأن تُسقِط في كأنس ماء قطرة واحدة من مادة تُعطي مذاقاً جديداً أو تضفي لوناً جديداً على المحتوى كله. ولكن بالطبع يبقى كل تشبيه من هذا القبيل ناقصاً من بعض الأوجه. ففي نهاية المطاف، ليس الله أحداً سوى ذاته، وما يفعله لا يُشبه أي شيء آخر. وأنت لا تكاد تتوقع أن تكون الحال على غير هذا المنوال.

فما هو إذا الفرق الذي أحدثه المسيح بالنسبة إلى الكتلة البشرية بكاملها؟ هو هذا تماماً: أن مشروع صيرورة الإنسان ابناً لله، بتحوله من كيان مخلوق إلى كيان مولود، وانتقاله من الحياة البيولوجية الوقتية إلى الحياة “الروحية” الأبدية، قد أُنجز لنا. فالبشرية “مخلّصة” فعلاً من حيث المبدأ، وعلينا نحن الأفراد أن نستفيد شخصياً من هذا الخلاص. ولكن العمل الشاق حقاً، ذاك الذي لم يكن في وسعنا أن نعمله نحن أنفسنا، قد أُكمل لنا.

فليس علينا أن نحاول الارتقاء إلى الحياة الروحية بمجهوداتنا الشخصية، إذ إن تلك الحياة قد نزلت فعلاً إلى وسط الجنس البشري، وإن نحن فقط فتحنا باب أنفسنا لذلك الإنسان الفرد الذي فيه كانت تلك الحياة حاضرة حضوراً كليّاً، والذي هو، رغم كونه الله، إنسانٌ حقيقي أيضاًن فإن يفعل ذلك فينا ولنا. أتذكر ما قلته عن “العدوى الصالحة”؟ إن واحداً من بني جنسنا له هذه الحياة الجديدة، فإن التصقنا به نلتقطها منه.

طبعاً، يمكنك التعبير عن هذه الحقيقة بطرق شتى. فلك أن تقول إن المسيح مات من أجل خطايانا. لك أن تقول إن الآب قد غفر لنا لأن المسيح فعل لأجلنا ما كان ينبغي أن نفعله نحن وعجزنا عنه. ولك أن تقول إننا مغسولون بدم الحمل. ولك أن تقول إن المسيح قد قهر الموت. فهذه التعابير كلها صحيحة. وإن كان أي منها لا يروقك، فدعه وامض بالصيغة التي تروقك. إنما مهما فعلت، فلا تبدأ تجادل الآخرين لأنهم يستخدمون صيغة تختلف عن صيغتك.

الجنود الدمى العنيدون – سي إس لويس

لنتظاهر – سي إس لويس

لنتظاهر – سي إس لويس

لنتظاهر – سي إس لويس

لنتظاهر

هل لي أن أبداً بوضع صورتين، أو بالحري قصتين في أذهانكم؟ إحداهما هي القصة الذائعة الصيت “الحسناء والوحش”. ولعلكم تذكرون أن الفتاة الجميلة اضطرّت لسبب ما، أن تتزوج وحشاَ”. وإذ تزوّجت به، قبلّته كما لو كان إنساناً. وعندئذٍ تحول فعلاً إلى إنسان وسار كل شيء حسناً، الأمر الذي أفرجها وأبهجها. أما القصة الأُخرى فعن شخص اضطر إلى أن يضع على وجهه قناعاً: قناعاً جعله يبدو أجمل مما كان في الواقع. وكان عليه أن يلبس القناع عدّة سنوات.

ثم لما خلعه، تبين له أن وجهه صار على شاكلته. فإنه غدا أجمل فعلاً الآن. وما بدا تنكراً تحول فعلاً إلى واقع. وأعتقد أن هاتين القصتين كلتيهما قد تساعدانني (بطريقة خيالية طبعاً) على توضيح ما أود قوله في هذا الفصل. فحتى الآن، ما برحتُ أُحاول وصف حقيقتين: ما هو الله وماذا فعل. أما الآن فأريد أن أتكلم عن الممارسة: ماذا نفعل تالياً؟ أي فرق تُحدث هذه اللاهوتيات كلها؟ ومن الممكن أن تبدأ بإحداث فرق الليلة: فإذا كنت قد اهتممت كفاية حتى قرأت لحد الآن، فربما أنت معنى كفاية بأن نتأمل قليلاً في موضوع الصلاة: ومهما كان ما تقوله في صلاتك، فإنك على الأرجح ستتلو “الصلاة الربانية”.

إن أول كلمة في الصلاة هي “أبانا” فهل تعي الآن ما تعنيه هذه الكلمة؟ إنها تعني بمنتهى الصراحة أنك تضع نفسك في موضع ابن الله. وبتعبير أبسط، أنت تلبس المسيح. وإن شئت فقل إنك تتظاهر: لأنك بالطبع لحظة تدرك ما تعنيه الكلمة، تفهم أنك لست ابناً لله. فأنت لست كائناً مشابهاً لابن الله الوحيد الذي إرادته واهتماماته متوافقة تماماً مع إرادة أبيه واهتماماته، بل أنت حزمة من المخاوف الأنانية والآمال والمطامع وضروب الحسد والغيرة والغرور، محكوم عليها بالموت كلّياً. حتى إن ظهورك هكذا بمظهر المسيح لهو ضربٌ من الوقاحة الفاضحة. ولكن الأمر العجيب هو أنه هو أمرنا بذلك.

فلماذا؟ وأي خير في التظاهر بأنك ما لست إياه؟ حسناً، حتى على الصعيد البشري، ثمة نوعان من التظاهر كما تعلم. فهناك نوع رديء، حيث يكون التظاهر بديلاً من انعدام الشيء الحقيقي، كما يحصل حينما يتظاهر إنسان بأنه سيُساعدك، بدل أن يساعدك فعلاً. ولكن هنالك أيضاً ونوعاً جيداً، حيث يؤدي التظاهر إلى الشيء الحقيقي.

فحينما لا تكون شاعراً بالمودة على نحو مخصوص، ولكنك تعلم أنه ينبغي لك أن تكون كذلك، فأفضل شيء يمكنك أن تفعله في أغلب الأحيان هو أن “تلبس لباس” شخص ودود وتتصرف كما لو كنت شخصاً ألطف مما أنت في الواقع. وما أن تمضي بضع دقائق، كما لاحظنا جميعاً، حتى تُلفي نفسك بالحقيقة شاعراً بأنك ألطف مما أنت فعلاً.

وما أكثر ما تكون الطريقة الوحيدة لاكتساب مزية في الواقع هي أن تبدأ بالتصرف كما لو كانت لديك فعلاً! لهذا السبب تُعتبر ألعاب الأولاد مهمة جداً. فهم يتظاهرون دائماً بأنهم راشدون، كما حين يلعبون لعبة العسكر أو لعبة أصحاب الدكاكين. ولكنهم كل حين يُمرنون عضلاتهم ويشحذون ذكاءهم، بحيث يساعدهم تظاهرهم بأنهم راشدون على أن ينموا نمواً جدياً.

والآن، حالما تُدرك ما تعبر عنه بقولك: “هأنذا، لابس المسيح” يُرجح جداً أن ترى في الحال طريقة ما بها يمكن أن يُجعل التظاهر أقل تظاهراً وأكثر واقعية. فسوف تجد بضعة أمور جائلة في ذهنك ما كانت لتجول لو كنت حقاً ابناً لله، حسناً، أوقفها، وإلا فستجد أنه بدلاً من رفع صلاتك ينبغي لك أن تجلس إلى المكتب وتخط رسالة، أو تساعد زوجتك في غسل الأواني.

أتدري ما يجري؟ إن المسيح نفسه، ابن الله الذي هو إنسانٌ (مثلك تماماً) كما أنه الله (مثل أبيه تماماً) هو بالفعل إلى جانبك وقد بدأ في تلك اللحظة يحول تظاهرك إلى حقيقة واقعة. وليست هذه مجرد طريقة خيالية للقول إن ضميرك يقول لك ما ينبغي أن تفعله. فإن سألت ضميرك، تحصل على نتيجة معيّنة؛ وإن تذكرت أنك لابس المسيح، تحصل على نتيجة مختلفة.

فهناك أمور كثيرة ربما لا يدعوها ضميرك بشكل واضح ومحدد خاطئة (ولا سيما أمور في ذهنك)، ولكنك ستدرك في الحال أنك لا تقدر أن تستمر في فعلها إن كنت تحاول جاداً أن تتشبه بالمسيح، إذ لا تعود تُفكر بعد فقط بشأن الصواب والخطأ، بل تحاول أن تلتقط العدوى الصالحة من شخص مجيد. وذلك أشبه برسم صورة شخصية منه بإطاعة مجموعة قوانين. وأعجب شيء أنه وإن كان ذلك من ناحية أصعب بكثير من إطاعة القوانين فهو، من ناحية أخرى، أسهل منها بكثير.

إن ابن الله الحقيقي بجانبك. وهو يبدأ بتحويلك إلى المعدن الذي منه تمامً. إنه يبدأ، إن جاز التعبير، بأن “يحقن” في داخلك نوع حياته وفكره، أي تلك “الزويي” الخاصة به؛ يبدأ بتحويل جندي القصدير إلى إنسان حي حقاً. أما جزؤك الذي لا تروقه هذه العملية فهو الجزء الذي ما يزال من قصدير.

قد يشعر بعضٌ منكم أن هذا يختلف كثيراً عن اختبارهم. فلعلك تقول: “لم أحس قد بحصولي على المساعدة من قبل مسيح غير مرئي، ولكني غالباً ما تلقّيت المساعدة من خلائق بشريين آخرين”. فذلك أشبه بما قالته إحدى النساء في أثناء الحرب العالمية الأولى من أنها غير قلقة بشأن حصول نقص في الخبز لأنها هي وعائلتها يأكلون الخبز المحمص دائماً. ولكن حين ينقطع الخبز فسينقطع الخبز المحمص أيضاً.

ولولا معونة المسيح، ما كانت أي معونة من البشر الآخرين. فهو يتعامل معنا بطرق شتى، وليس فقط من خلال ما نحسبه “حياتنا الدينية”. إنه يعلم عبر الطبيعة، وعبر أجسادنا، وعبر الكتب، وأحياناً عبر اختبارات تبدو (في حينها) مضادة للمسيحية. فعندما يحدث أن شاباً اعتاد ارتياد الكنيسة بطريقة روتينية يدرك أنه لا يؤمن بالمسيحية وينقطع عن حضور الكنيسة (على أن يفعل من أجل الصدق والصراحة لا لإغاظة والدية فحسب) فقد يكون روح المسيح أقرب إليه مما كان قبلاً في أي يوم. ولكن المسيح يتعامل معنا بعضنا من خلال بعض أكثر من أية طريقة أخرى.

فالناس مرايا أو “ناقلون” للمسيح إلى غيرهم من الناس. وأحياناً يكونون نقلة بغير وعي منهم. وهذه “العدوى الصالحة” يمكن أن ينقلها أشخاص ليست لديهم في ذواتهم. فإن أشخاصاً لم يكونوا مسيحيين بالحق ساعدوني على الإقبال إلى المسيحية. ولكن أولئك الذين يعرفون المسيح هم عادة من يحملونه إلى الآخرين. من هنا الأهمية البالغة للكنيسة، كامل جماعة المسيحيين، إذ يُظهره بعضهم لبعض. ولك أن تقول إنه حين يتبع المسيح مسيحيان معاً لا يحصل فقط مقدار من المسيحية يكون ضعفي ما يحصل حين يتبعانه منفردين، بل بالحري ستة عشر ضعفاً.

إنما لا تنسى هذا: أنه من الطبيعي أولاً أن يتناول الطفل حليب أمه من دون أن يعرفها. وطبيعي بالمثل أن نرى نحن الإنسان الذي يساعدنا من دون أن نرى المسيح وراءه. إنما لا ينبغي أن نظل أطفالاً فعلينا أن نتقدم لنُميز المُعطي الحقيقي. ومن الجنون ألا نفعل هذا، لأننا إن لم نفعله، نكون متكلين على خلائق بشريين؛ الأمر الذي سيخذلنا حتماً. فأفضل البشر سيرتكبون أخطاءً؛ وجميعهم سوف يموتون. وفي حين ينبغي لنا أن نكون شاكرين لجميع الذين ساعدونا، إذ ينبغي أن نكرمهم ونحبهم، يجب عليك فعلاً ألا تُعلق كامل ثقتك أبداً بأي كائن بشري، حتى لو كان الأفضل والاحكم في الدنيا كلها. فهنالك كثير من الأشياء الحسنة التي يمكنك أن تصنعها بالرمل، ولكن لا تحاولنَّ أن تبني به بيتاً.

والآن يمكننا أن نبتدئ نرى عمّا يتكلم كتاب العهد الجديد دائماً. فهو يتكلم عن كون المسيحيين “مولودين ثانية”، وعن كونهم “لابسين المسيح”، وعن “تصور المسيح فيهم”، وعن كون “فكر المسيح فيهم”.

انزع من رأسك حالاً الفكرة القائلة بأن هذه التعابير ليست سوى طرق خيالية للقول إن من واجب المسيحيين أن يقرأوا ما قاله المسيح وأن يحاولوا تنفيذه، مثلما قد يقرأ امرؤ ما قاله أفلاطون أو ماركس ويحاول تطبيقه. فهي تعني شيئاً أكثر من ذلك بكثير. إنها تعني أن شخصاً حقيقياً هو المسيح، في المكان والزمان الحاليين، في ذلك بكثير. إنها تعني أن شخصاً حقيقياً هو المسيح، في المكان والزمان الحاليين، في ذلك المخدع الذي فيه ترفع صلاتك، يعمل أعماله لك وفيك. وليست المسألة أن إنساناً صالحاً مات منذ ألفي سنة وكفى.

إنها مسألة إنسان حيّ، ما زال إنساناً بمقدار كونك إنسان وما زال إلهاً بمقدار ما كان لما خلق الكون، يتقدم فعلاً ويتداخل في نفسك ذاتها، مُميتاً الذات الطبيعية القديمة فيكن ومستبدلاً بها ذاتاً من نوع ذاته؛ في البداية، لحظات فقط، وبعدئذ فترات أطول؛ وأخيراً، إذا سار كل شيء حسناً، يحوّلك بصورة دائمة إلى كائن من نوع مختلف، إلى مسيح صغير جديد، كائن بطريقته الصغيرة الخاصة له نوع حياة الله تماماً، وله نصيب في قدرته وفرحه ومعرفته وأبديته. ثم أننا سريعاً نكتشف اكتشافين آخرين.

(1) نبدأ نلاحظ، فضلاً عن أفعالنا الخاطئة الخاصة، طبيعتنا الخاطئة؛ إذ نبدأ نتنبه ليس فقط إلى ما نفعله، بل إلى ما نحن عليه. قد يبدو هذا الأمر صعباً بالأحرى، ولذلك سأحاول أن أوضحه من حياتي الخاصة. فعندما أصل إلى صلاتي المسائية، وأحاول حسبان خطايا يومي، أجد في تسع من عشر مرات أن أوضحها خطية ما بحق المحبة: فقد عبستُ أو خاشنتُ أو هزئتُ أو زجرتُ أو جافيتُ. وإذا بالعُذر الذي يتبادر إلى ذهني حالاً أن الاستفزاز كان مفاجئاً وغير متوقع، إذ أُخذتُ على غفلة منى، ولم يُتح لي الوقت أن أتمالك أو أتماسك.

والآن، قد يكون ذلك ظرفاً مخففاً فيما يتعلق بتلك الأفعال المخصوصة: إذ كان من شأنها أن تكون، بصورة بديهية، أسوأ لو كانت متعمدة أو مقصودة قصداً. هذا من ناحية؛ ومن الناحية الأخرى فإن ما يفعله الإنسان حين يؤخذ على حين غرة لهو يقيناً أفضل دليل على أي نوع من الناس هو. أو ليس ما يطلع فوراً قبل أن يُتاح للمرء وضع قناع هو الحقيقة؟ فإذا كان في قبو فئران، يُرجح جداً أن تراها إذا دخلت فجأة تماماً. ولكن الفجائية لا تُوجد الفئران، بل إنما تحول دون اختبائها فقط.

على هذا المنوال، لا تجعلني فجائية الاستفزاز إنساناً سيئ المزاج، بل إنما تُبين أي إنسان سيئ الطباع أنا. فالفئران موجودة دائماً في القبو، ولكن إذا دخلت صائحاً وضاجاً فإنها تختبئ قبل إشعالك الضوء. والبادي أن فئران الغيظ والحقد قابعة دائماً في قبو نفسن. وهذا القبو بعيد عن متناول إرادتي الواعية. وفي وسعي إلى حد ما أن أسيطر على أفعالي، إنما ليس سيطرة مباشرة على مزاجي.

وإذا كان ما نحن عليه (كما سبق أن قلت) أهم مما نفعله حقاً، وإذا كان ما نفعله يهم بالحقيقة كدليل على ما نحن عليه، فيصح بالضرورة أن التغيير الذي أحتاج إلى حصوله في أمس احتياج هو تغيير لا تستطيع جهودي الاختيارية المباشرة أن تُحدثه. وينطبق هذا على أفعالي الصالحة أيضاً. فكم واحداً منها قُمت به بدافع سليم؟ وكم واحداً فعلته خوفاً من الرأي العام أو رغبة بالتباهي؟ وكم واحداً بدافع نوع من العناد أو الإحساس بالتفوق كان يُمكن، في ظروف مختلفة، أن يؤدي على السواء إلى فعل طالح جداً؟ غير أنني لا أستطيع، بالجهد الخُلقي المباشر، أن أزود نفسي بدوافع جديدة.

فبعد خطواتنا القليلة الأولى في الحياة المسيحية، نُدرك أن كل ما ينبغي حقاً أن يجري في نفوسنا لا يمكن أن يُجريه إلا الله وحده. وهذا يوصلنا إلى أمر في كلامي طالما كان مضللاً جداً حتى الآن.

(2) ما برحت أتكلم كما لو كنا نحن من يقوم بكل شيء. إنما الله طبعاً هو من يفعل كل شيء. أما نحن، فأقصى ما نستطيعه هو أن نسمح بحدوث ذلك لنا. فبمعنى ما، يمكنك أيضاً أن تقول إن الله هو من يقوم بالتظاهر. ذلك أن الله الثالوثي الأقانيم، إن جاز التعبير، يرى أمامه بالحقيقة “حيواناً” بشرياً أنانياً جشعاً مُتذمراً عاصياً. غير أنه تعالى يقول: “لنتظاهر بأن هذا ليس مجرد مخلوق، بل هو ابننا. فهو مثل المسيح بقدر ما هو أنسان، لأن المسيح صار إنساناً.

ولنتظاهر أيضاً بأنه مثل المسيح في الروح. لنعامله كما لو أنه كان ما ليس هو في الواقع. لنتظاهر بُغية أن نجعل التظاهر حقيقة”. ذلك أن الله ينظر إليك كما لو كنت مسيحاً صغيراً؛ والمسيح يقف بجانبك كل يحولك إلى شخص كهذا. وأحسب أن هذه الفكرة بشأن نوع من التظاهر الإلهي تبدو بالحري غريبة أول الأمر. ولكن، أهي غريبة حقاً؟ أليس بهذه الطريقة يرفع الأعلى الأدنى دائماً؟ فالأم تُعلم طفلها التكلم بأن تتكلم إليه كما لو كان يفهم، قبل زمن طويل من مباشرته الفهم حقاً. ونحن نعامل حيواناتنا الأليفة كما لو كانت “عاقلة تقريباً”؛ ولذلك تصير بالحقيقة كأنها “عاقلة تقريباً” في نهاية المطاف.

لنتظاهر – سي إس لويس

العدوى الصالحة – سي إس لويس

العدوى الصالحة – سي إس لويس

العدوى الصالحة – سي إس لويس

العدوى الصالحة

 

أستهل هذا الفصل بأن أطلب منك تصور صورة واضحة في ذهنك. تصور كتابين موضوعين على طاولة، أحدهما فوق الآخر. فمن البديهي أن الكتاب السفلي يُبقي الكتاب الآخر في الأعلى، إذ يدعمه. فبسبب الكتاب السفلي، يستقر العلوي على ارتفاع يُقارب خمسة سنتمترات عن سطح الطاولة، بدل أن يُلامسها. ولندع الكتاب السفلي “أ” والعلوي “ب”. فوضعية “أ” تُسبب وضعية “ب”. أهذا واضح؟ والآن لنتصور أن ذينك الكتابين ما زالا على تلك الوضعية منذ الأزل (طبعاً، هذا لا يمكن حدوثه فعلاً، ولكننا نفترضه افتراضاً للتوضيح).

ففي تلك الحالة، تكون وضعية “ب” ناتجة كل حين من وضعية “أ”. ولكن رغم ذلك، ما كانت وضعية “أ” لتنوجد قبل وضعية “ب”. وبكلمة أخرى، فإن النتيجة لا تأتي بعد السبب. من غير ريب أن النتائج دائماً تلي الأسباب: فأنت تأكل الخيار ثم يُصيبك سوء الهضم في أعقاب ذلك. ولكن ليست هذه حال جميع الأسباب والنتائج. وسوف ترى بعد لحظة لماذا أعتبر هذا مهماً.

ذكرت قبل صفحات قليلة أن الله كائن يشتمل على ثلاث شخصيات (أقانيم) فيما يظل كائناً واحداً، مثلما يتكون المكعب من ستة مربعات فيم يبقى مجسماً واحداً. ولكن ما إن أبدأ بمحاولة شرح الكيفية التي بها تترابط هذه الأقانيم، حتى أضطر إلى استخدام كلمات تجعل الأمر يبدو كما لو أن واحداً منها كان موجوداً قبل الآخرين. فالأقنوم الأول يُدعى الآب، والثاني الابن، ونحن نقول أن الأول ولد الثاني أو أنتجه أزلاً، وهذا مدلول التعبير “مولود غير مخلوق”، لأن الناتج هو من ذات طبيعة المُنتج.

ومن هذه الناحية، تكون كلمة “الآب” هي الكلمة الوحيدة الممكن استخدامها. ولكن المؤسف أن هذا الكلمة توحي أنه موجود في الأول، مثلما يكون الأب البشري موجوداً قبل ابنه تماماً. ولكن الحقيقة غير ذلك، فليس الأول والثاني هنا بمعنى السابق واللاحق. لذلك أحسبه أمراً مهماً أن أوضح كيف يمكن أن يكون شيء ما مصدراً أو سبباً أو أصلاً لآخر بغير أن ينوجد قبله. فالابن موجود لأن الآب موجود، ولم يكن قط أي زمان سبق “ولادة” الآب للابن.

ولربما كانت أفضل طريقة للتفكير بهذا الأمر هي هذه. لقد طلبت منك قبل قليل أن تتصور ذينك الكتابين، ولعلك فعلت ذلك. أعني أنك قمت بفعل تصور ونتيجة لذلك تكونت لديك صورة ذهنية. فمن الواضح تماماً أن فعلك التصوري كان السبب، وأن الصورة الذهنية كانت النتيجة. ولكن هذا لا يعني أنك قمت أولاً بالتصور ثم حصلت على الصورة. فلحظة قيامك بالتصور، حصل الصورة. وكانت إرادتك حافظة للصورة أمامك كل حين.

إلا أن فعل الإرادة ذاك والصورة بدءا في اللحظة عينها تماماً وانتهيا في اللحظة عينها أيضاً. فإذا كان هناك كائن ما يزال موجوداً كل حين، وكان دائماً يتصور أمراً واحداً، فإن فعله هذا لابد أن يكون مُنتجاُ كل حين لصورة ذهنية، ولكن الصورة لابد أن تكون أزلية، مثلها مثل فعل التصور تماماً.

بهذه الطريقة، إذا جاز التعبير، علينا أن نفكر في الابن كل حين منبعثاً من الآب انبعاث النور من المصباح، أو الحرارة من النار، أو الأفكار من الذهن. إنه التعبير الذاتي عن الآب: ما يريد الآب أن يقوله. وما كان قط زمانٌ فيه لم يكن قائلاً له. إنما هل لاحظت ما هو حاصل؟ إن هذه الصور كلها، عن النور أو الحرارة، تجعل الأمر يبدو كما لو أن الآب والابن كانا شيئين، لا شخصين. وعليه، ففي نهاية المطاف تبدو صورة العهد الجديد عن الآب وابنه أدق بكثير جداً من أي شيء نحاول أن نستبدله بها.

وذلك هو ما يحصل دائماً حين تبتعد بعيداً عن كلمات الكتاب المقدس. لا بأس في الابتعاد عنها هنيهة لتوضيح نقطة ما. ولكن ينبغي لك دائماً أن تعود إليها. فبطبيعة الحال أن الله يعرف كيف يصف نفسه أفضل بكثير مما نعرف نحن أن نصفه. فهو يعرف أن علاقة الآب والابن أكثر شبهاً بالعلاقة بين الأقنومين الأولين من أي شيء آخر يمكننا أن نفكر فيه. وأهم أمر على الأرجح ينبغي أن نعرفه هو أنها علاقة محبة. فالآب يبتهج بابنه، والابن يرنو إلى أبيه.

إنما قبل المُضي قُدماً، لاحظ الأهمية العملية لهذه الحقيقة. فمختلف أنواع الناس يروقهم جداً تكرار العبارة المسيحة القائلة إن “الله محبة”. ولكن يبدو أنهم لا يلاحظون أن الكلمتين “الله محبة” لا تعنيان أي معنى حقيقي إلا إذا اشتملت الذات الإلهية على شخصين أو أقنومين، على الأقل. فالمحبة أمر يكنُّه شخص لشخص آخر. ولو كان الله شخصاً مُفرداً، لما كان محبة قبل خلق العالم. فطبعاً ما يعنيه هؤلاء القوم حين يقولون إن الله محبة غالباً ما يكون أمراً مختلفاً تماماً، إذ يعنون بالحقيقة أن “المحبة هي الله”.

إنهم يعنون بالحقيقة أن مشاعر المحية لدينا، كيفما وأينما ثارت، وهما كان النتائج التي تُسفر عنها، يجب أن تُعامل باحترام كبير. وربما كان الأمر كذلك، غير أنه أمر مختلف تماماً عما يعنيه المسيحيون بالعبارة: “الله محبة”. فإنهم يؤمنون أن نشاط المحبة الحي الفعال ما زال جارياً في الله منذ الأزل، وهو قد خلق كل شيء آخر.

وبالمناسبة، ربما كان ذلك هو أهم فرق بين المسيحية وباقي الأديان: أن الله في المسيحية ليس شيئاً، ولا حتى شخصاً، جامداً بل هو نشاط فعال نابض: حياة أو حتى دراما من نوع ما. وأكاد أقول، إن كنت لن تحسبني عديم التوقير، إنه نوع من الحركة بين اثنين على إيقاع. ثم إن الاتحاد بين الآب والابن هو أمر حي حقيقي وملموس بحيث إن هذا الاتحاد عينه هو أيضاً شخص أو أقنوم.

في علمي أن هذا مستحيل إدراكه تقريباً، ولكن انظر إليه على هذا النحو: أنت تعلم أنه بين الكائنات البشرية، حين يتحد الناس في عائلة، أو ناد أو نقابة، يتحدثون عن “روح” تلك العائلة أو ذلك النادي أو تلك النقابة. وهم يتحدثون عن “روح” تلك الكيانات لأن الأعضاء الأفراد، حين يكونون معاً، يكتسبون بالفعل طرائق معينة في التكلم والتصرف ما كانت لتكون لهم لو كانوا متفرقين.

(وهذا التصرف الجماعي يمكن بالطبع أن يكون إما أحسن من التصرف الفردي وإما أسوأ منه). فكأنما شخصية مشتركة برزت إلى الوجود. طبعاًن ليس هذه شخصاً حقيقياً، ولكنها بالأحرى تشبه شخصاً فحسب. إلا أن ذلك هو مجرد واحد من الفروق بين الله وبيننا. فالذي يطلع من الحية المشتركة بين الآب والابن هو شخص (أقنوم) حقيقي، بل هو بالحقيقة ثالث أقنوم من الأقانيم الثلاثة التي هي الله.

هذا الشخص الثالث يُدعى، في اللغة التقنية: الروح القدس، أو “روح” الله. فلا تقلق ولا تفاجأ إذا وجدته بالحري أكثر غموضاً أو إبهاماً في ذهنك من الآخرين. وأظن أن ثمة سبباً لوجوب كون الحال كما هو عليه. ففي المسيحية، لا تكون في العادة ناظراً إليه، بل إنه دائماً عامل بك. وإذا فكرت في الآب كشخص موجود “هناك في الخارج” أمامك، وفي الابن كمَن هو واقف بجانبك، مساعداً إياك على الصلاة، وساعياً إلى تحويلك ابناً آخر، فعليك عندئذ أن تُفكر في الأقنوم الثالث كشخص ساكن في داخلك، أو واقف وراءك.

وربما وجد بعضهم أسهل عليهم أن يبدأوا بالأقنوم الثالث ثم يعودوا بأفكارهم إلى الوراء. فإن الله محبة، وهذه المحبة تعمل من خلال البشر، ولا سيما من خلال جماعة المسيحيين بكاملها. غير أن روح المحبة هذا هو، منذ الأزل، محبة جارية بين الآب والابن.

والآن، ما أهمية الأمر كله؟ إنه أمر أهم من كل ما في الدنيا. فإن كامل حركة إيقاع هذه الحياة الثلاثة الأشخاص، أو الدراما أو النموذج المتعلقين بها، يجب أن تُمثل فعلاً في كل واحد منا؛ أو (إن شئنا التعبير بطريقة معاكسة) ينبغي لك منا أن يدخل ذلك النموذج شاغلاً مكانه في الحركة الإيقاعية. وليس من سبيل آخر إلى السعادة التي لأجلها قد صُنعنا. وكما تعلم، فإن الأمور الصالحة، شأنها شأن الطالحة، تُكتسب بنوع من العدوى.

فإن أردت أن تدفأ، ينبغي أن تقف بقرب النار؛ وإن أردت أن تتبلل، ينبغي أن تدخل الماء، وإن أردت الفرح والقوة والسلام والحياة الأبدية، فينبغي أن تقترب، بل أن تدخل أيضاً، إلى حيث تجد هذه الأمور جميعاً. فهي ليس نوعاً من الجائزة التي يستطيع الله، إذا شاء، أن يقدمها إلى أي إنسان. إنها نبع عظيم من الطاقة والبهاء يتدفق من قلب الحقيقة بالذات. فإذا كنت على مقربة منه، يبللك رذاذه؛ وإلا بقيت جافاً. وإذا ما اتحد الإنسان بالله، فكيف لا يسعه أن يحيا إلى الأبد؟ أما إذا كان منفصلاً عن الله، فماذا يسعه أن يفعل سوى الذبول والموت؟

ولكن كيف له أن يتحد بالله؟ كيف يمكننا أن ننجذب إلى قلب حياة الأقانيم الثلاثة؟

لعلك تذكر ما قلته في الفصل الأول من هذا الباب عن “الولادة” والصنع”. فنحن غير مولودين من الله، بل مصنوعون بيده فقط: ففي حالتنا الطبيعية، نحن لسنا أبناء الله، بل مجرد تماثيل (إن صح التعبير). وليس لدينا “زُويي” أو الحياة الروحية، بل فقط “بِيُوس” أو الحياة البيولوجية التي سوف تتوقف وتموت عما قريب. فالآن، هذا هو كامل العرض الذي تقدمه المسيحية: أن في إمكاننا، إذا سمحنا لله بأن يعمل عمله، أن نُقبل إلى الاشتراك في حياة المسيح.

فإذا فعلنا ذلك، فسنكون حينئذٍ مشتركي في حياة “مولودة”، غير مصنوعة، طالما وُجدت كل حيت وستبقى موجودة دائماً أبداً. إن المسيح هو ابن الله. فإن صارت لنا شركة في نوع هذه الحياة، فنحن أيضاً سنصير أبناء الله. وسنحب الآب كما يحبه المسيح، ويمكث الروح القدس ويفيض فينا. فقد جاء المسيح إلى هذا العالم وصار إنساناً لكي يمد الناس الآخرين بنوع الحياة الذي له… بما أدعوه “العدوى الصالحة”. وعلى كل مسيحي أن يصير مسيحاً صغيراً. فليس كامل الغرض من صيرورة المرء مسيحياً بالحق أي شيء آخر سوى هذا!

العدوى الصالحة – سي إس لويس

الزمان وما وراء الزمان – سي إس لويس

الزمان وما وراء الزمان – سي إس لويس

الزمان وما وراء الزمان – سي إس لويس

الزمان وما وراء الزمان

فكرة سخيفة جداً أنه يجب عليك عند قراءة كتاب ما ألا “تتخطى” أي فقرة. فجميع العاقلين يتخطون بحرية فصلاً يَصِلون إليه إذا تبين لهم أنه لن يكون مفيداً لهم. وفي هذا الفصل سأتكلم عن موضوع قد يكون مفيداً لبعض القراء، إلا أنه قد يبدو في نظر آخرين مجرد “تعقيد” لا داعي له. فإذا كنت من صنف القراء الثاني، أنصحك بألا تكلف نفسك عناء قراءة هذا الفصل إطلاقاً، بل تخطَّه إلى التالي.

كان عليَّ في الفصل السابق أن أتطرق إلى موضوع الصلاة. وبينما لا يزال هذا الموضوع حاضراً في ذهنك وذهني، أود التطرق إلى صعوبة يلقاها بعض الناس بشأن فكرة الصلاة بكاملها. وقد عبّر عنها أحدهم إذ قال لي: “يمكنني أن أُومن بالله جيّداً، ولكن ما لا أقدر أن أهتضمه هو فكرة إصغائه إلى بضع ملايين من البشر فيما يخاطبونه في وقت واحد”. وتبين لي أن عدداً لا بأس به من الناس يرون هذا الرأي.

والآن، فأول أمر تنبغي ملاحظته هو أن العقدة الكأداء تكمن في الكلمات “في وقت واحد”. فمعظمنا يمكن أن يتصوروا الله مصغياً إلى أي عدد من المصلّين إن هم فقط قصدوا إليه واحداً فواحداً وكان لديه وقت غير محدود لفعل ذلك. وعليه، فما يكمن وراء هذه الصعوبة حقاً هو فكرة اضطرار الله إلى حشر عدّة أمور في لحظة واحدة من الوقت.

أجل، إن ذلك بالطبع هو ما يحدث لنا نحن. فحياتنا تأتينا لحظة فلحظة. إذ تتلاشى لحظة قبل أن تأتي التالية، ولا يتسع المجال في كل لحظة إلا للقليل جداً. هكذا هو الوقت فعلاً. وبالطبع، نميل أنا وأنت إلى التسليم بديهياً بأن تتالي الزمان هذا – أي نسق الماضي الحاضر المستقبل – ليس هو فقط طريقة إقبال الحياة إلينا بل أيضاً طريقة وجود كل شيء حقاً. فنحن نميل لأن نفترض أن الكون كله والله ذاته يتحركان كل حين قُدماً من الماضي إلى المستقبل كحالنا نحن.

غير أن كثيرين من المثقفين لا يوافقوننا في الرأي. وقد كان اللاهوتيون أول من أطلقوا فكرة وجود بعض الأشياء خارج إطار الزمان كلياً، وفيما بعد تلقّف الفلاسفة الفكرة منهم، والآن يحذو بعض العلماء حذوهم.

فالله، بكل تأكيد، ليس داخل إطار الزمان. إذ إن حياته لا تتكون من لحظات تلي إحداها الأخرى. فإن كان ملايين الأشخاص يُصلون إليه في الساعة العاشرة والنصف هذه الليلة، فلا وجوب لأن يُصغي إليهم في تلك اللُحَيظة التي ندعوها العاشرة والنصف. ذلك أن العاشرة والنصف، وكل لحظة أخرى من بدء العالم، هي الحاضر عنده دائماً، وإذا شئت عبّرنا عن هذا بقولنا إن لديه الأزلية كلها ليُصغي فيها إلى تلك الصلاة التي لا تدون سوى كسر من الثانية والتي يرفعها إليه طيّار فيما تتحطم طائرته وتشتعل.

أعرف أن هذا صعب. فلأحاول إعطاء شيء يشبهه قليلاً، وإن لم يكن تماماً. هبّني أكتب رواية، وأخط هذا الجملة: “ألقت مريم شغلها من يداها، وفي اللحظة التالية سمعت قرعاً على الباب!” فبالنسبة إلى مريم المضطرة أن تعيش في زمن قصتي الخيالي، ليس من فترة فاصلة بين إلقائها الشغل وسماعها القرع. ولكني أنا، صانع مريم، لا أعيش في ذلك الزمن الخيالي أبداً. فبين كتابة أول نصف من الجملة والثاني، قد أجلس ثلاث ساعات وأفكر في مريم بثبات.

وفي وسعي أن أفكر في مريم كما لو كانت الشخصية الوحيدة في الكتاب، وطوال الوقت الذي أشاؤه. ثم أن الساعات التي أقضيها في ذلك لا تظهر أبداً في زمان مريم، أي الزمان الذي تنطوي عليه الرواية.

ليس هذا بالطبع توضيحاً كاملاً. إلا أنه يمكن أن يُعطي ولو لمحة على ما أعتقد أنه الحق. فإن الله ليس مستعجلاً على طول مجرى الزمن الخاص بهذا العالم، كما أن الروائي ليس مستعجلاً على طول الزمن الخيالي في روايته. فلديه انتباه غير محدود يوفره لكل واحد منا. وليس مضطراً لأن يتعامل معنا ونحن وسط حشد. فأنت وحدك في حضرة الله تماماً كما لو كنت الكائن الوحيد الذي خلقه على الإطلاق، ولمّا مات المسيح، فقد مات لأجلك شخصياً كما لو كنت الإنسان الوحيد في العالم.

ولكن الناحية التي فيها ينهار توضيحي هي هذه. ففيه يخرج المؤلف من تتال زمني معين (ذاك الذي في الرواية) فقط بانتقاله إلى داخل تتال زمني آخر (هو التتالي الواقعي). غير أن الله، حسبما أعتقد، لا يحيا في إطار أي تتال زمني أبداً. فليست حياته مُتقطّرة لحظة فلحظة مثل حياتنا: فما زال الزمان لديه، إذا جاز التعبير، سنة 1920 وقد أصبح فعلاً 1960. إذ أن حياته هي ذاته.

فإذا تصورنا زمننا كخط مستقيم علينا أن نرحل على طوله، ينبغي لك عندئذ أن تتصور الله كما لو كان كامل الصفحة التي رُسم عليها ذلك الخط. ونحن نبلغ أجزاء الخط واحداً فواحداً: فعلينا أن نغادر النقطة “أ” قبل أن نصل إلى النقطة “ب”، ولا يمكننا أن نصل إلى “ج” إلا بعد مغادرتنا “ب” غير أن الله، من فوق أو من خارج أو من كل جهة حوالينا، يحتوي الخط بكامله ويراه بُمجمله.

هذا الفكرة جديرة بالاستيعاب، لأنها تُبدد شيئاً من الصعوبات الماثلة في المسيحية. فقبل أن صرت مسيحياً حقيقياً، كان أحد اعتراضاتي هو التالي. قال المسيحيون إن الله الأزلي الحاضر في كل مكان، والمحرك والضابط للكون كله، صار ذات مرة كائناً بشرياً.

فقلت: حسناً إذاً، فكيف ظلّ الكون كله سائراً حين كان طفلاً أو فيما هو نائم؟ كيف يُعقل أن يكون هو في الوقت عينه الله العليم بكل شيء وأيضاً إنساناً يسأل تلاميذه: “مَن لمسني؟” ولا بد أن تلاحظ أن العقدة تكمن في الكلمات المتعلقة بالزمن: “حين كان طفلاً… فما هو نائم…. كيف يُعقل… في الوقت عينه؟”

بعبارة أخرى، كنتُ أفترض أن حياة أن حياة المسيح من حيث كونه الله كانت في الزمان، وأن حياته من حيث كونه يسوع الإنسان في فلسطين كانت فترة زمنية أقصر اقتُطعت من ذلك الزمان، تمامً كما كانت خدمتى في الجيش أقصر اقتطعت من حياتي كلها. وبهذه الطريقة ربما مال معظمنا إلى التفكير في الأمر. فنحن نتصور الله حياً طوال فترة من الزمان فيها كانت حياته البشرية ما تزال طي المستقبل، ثم منتقلاً إلى فترة صارت فيها تلك الحياة حاضراً، ثم متقدماً إلى فترة فيها باتت أمراً من الماضي يمكنه أن يلقي عليه نظرة إلى الوراء.

ولكن هذه الأشياء كلها ربما لا توازي شيئاً من الحقائق الفعلية. فليس في وسعك أن تضع حياة المسيح على الأرض في فلسطين داخل إطار أية علاقات زمنية بحياته بصفته الله ما وراء المكان والزمان كلياً. إنها في الواقع، كما أرى، لحقيقة سرمدية عن الله أن الطبيعة البشرية، والاختبار البشري المتعلق بالضعف والنوم وقلة المعرفة، مشمولان على نحو ما في حياته الإلهية بمُجملها.

فهذه الحياة البشرية في الله، من زاوية نظرنا نحن، هي فترة زمنية محددة في تاريخ عالمنا (من السنة الأولى للميلاد حتى الصلب). ومن ثم نتصور أنها أيضاً فترة في تاريخ وجود الله بالذات. غير أن الله ليس له تاريخ. فهو حقيقي تماماً وكلياً بحيث لا يُعوزه تاريخ. ذلك أن حيازة المرء لتاريخ ما يعني بالطبع فقدانه جزءاً من حقيقته (إذ قد انساب فعلاً إلى داخل الماضي) وعدم حيازته بعدُ جزءاً آخر (لأنه ما زال طيّ المستقبل)، وفي الواقع عدم حيازته لشيء سوى الحاضر الضئيل اليسير الذي يكون قد مضى قبل تمكنك من التكلم عنه. فحاشا لنا أن نُفكر في الله على أنه هكذا! حتى نحن أنفسنا نرجو ألا نُحدد دائماً على هذا النحو.

هذا، وتواجهنا صعوبة أخرى إذا تصورنا أن الله يحده الزمان. فإن كل من يؤمن بالله أصلاً يؤمن بأنه تعالى يعرف ما سنفعله أنا وأنت غداً. ولكن ما دام يعلم أنني سأفعل كذا وكذا، فكيف يمكن أن أكون حُراً لأفعل غير ذلك؟ حسناً، هنا أيضاً تأتي الصعوبة من ظننا أن الله يتقدم مثلنا على طول خط الزمان، إنما الفرق الوحيد أنه يقدر أن يرى ما سيكون فيما لا نقدر نحن. فأقول إنه لو صح ذلك، أي لو سبق الله فرأى أفعالنا، لكان صعباً علينا جداً أ، نفهم كيف يُعقل أن نكون أحراراً في ألاّ نفعلها.

ولكن لنفترض أن الله هو خارج خط الزمان وفوقه. ففي هذا الحالة، يكون ما ندعوه نحن “غداً” مرئياً لديه تماماً مثل ما ندعوه “اليوم”. إذ إن جميع الأيام هي “الآن” لديه. فهو لا يتذكر قيامك بالأمور أمس، بل إنما يراك قائماً بها، لأنه وأن كنت أنت قد فقدت يوم أمس فهو لم يفقده.

وهو لا “يرى مُسبقاً” قيامك بالأمور غداً، بل إنما يراك قائماً بها، لأنه وإن لم يكن الغد في حوزتك بعد فهو ماثل أمامه فعلاً. وأنت لم تحسب قط أن أفعالك في هذه اللحظة كانت أقل حرية لأن الله يعلم ما أنت فاعل. وهو أيضاً يعلم أفعال غدك بالطريقة عينها تماماً: لأنه موجود أصلاً في الغد ويستطيع أن يراقبك بكل يُسر. فبمعنى ما، هو لا يعرف فعلك حتى تكون قد فعلته، ولكن عندئذ تكون اللحظة التي فيها قمت به هي “الآن” بالنسبة له.

هذه الفكرة ساعدتني كثيراً. فإن كانت لا تساعدك، فدعك منها. إنها “فكرة مسيحية” بمعنى أن مسيحيين كباراً وحكماء قالوا بها، وليس فيها ما يُناقض المسيحية في شيء. غير أنها ليس مذكورة بصراحة في الكتاب المقدس، ولا في أي من قوانين الإيمان. ففي وسعك أن تكون مسيحياً صالحاً تماماً بغير أن تقبل الفكرة، أو في الحقيقة بغير أن تفكر في المسألة إطلاقاً.

الزمان وما وراء الزمان – سي إس لويس

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

 

عُني الفصل السابق بالفرق بي الولادة والصُنع. فالإنسان يلد ولداً، ولكنّه يصنع تمثالاً. ولهذا عبرّنا عن بُنوّة المسيح الأزلية بصورة الولادة، في حين نقول إن الله صنع الإنسان صُنعاً. ولكنني بذلك أوضحت نقطة واحدة عن الله، ألا وهي أن المولود من الله الآب هو الله أيضاً، أي أن له طبيعة الله بالذات. وهكذا، اعتُمدت حقيقة ولادة الأب البشري لابن بشري صورة تقريبية، إلا أنه ليست كاملة. وعليه، فلا بد أن أحاول تقديم مزيد من التوضيح.

يقول كثيرون من الناس اليوم: “أن أومن بإله، ولكن ليس بإله ذي شخصية”. إذ يشعرون بأن ذلك الكائن الغامض الموجود وراء كل كائن آخر لا بد أن يكون أسمى من شخص فحسب. وعلى هذا يوافق المسيحيون إلى أبعد حد. غير أن المسيحيين هم وحدهم مَن يقدمون فكرة ما عن ماهية الكائن الذي هو أسمى من الشخصية.

فالآخرون جميعاً، رغم قولهم إن الله أسمى من الشخصية يُفكرون فيه بالحقيقة كما لو كان كائناً غير شخصي، أي كائناً أدنى من كونه شخصاً. وإن كنتَ تبحث عن كائن فائق للشخصي، أي كائن أسمى من الشخصية، فلا خيار لك بين المسيحية وسواها من المفاهيم، إذ إن المفهوم المسيحي بهذا الشأن هو وحده المطروح في الميدان.

أيضاً يعتقد بعض الناس أنه بعد هذه الحياة، أو ربما بعد بضع حيوات، سوف “تذوب” النفوس البشرية. ولكن عندما يحاولون أن يشرحوا ما يقصدونه، يبدو أنهم يتحدثون عن ذوبان النفوس في الله كما تذوب مادة في أخرى. إذ يقولون إن ذلك يُشبه انسياب قطرة ماء إلى البحر. ولكن هذا بالطبع يُنهي قطرة الماء أو يُلاشيها. فإذا كان ذلك هو ما سيحدث لنا، فالذوبان عندئذ هو الكف عن الوجود بعينه. إنما المسيحيون وحدهم لديهم فكرة ما عن كيفية انتقال نفوس البشر إلى قلب حياة الله وبقائها مع ذلك كما هي، بل الحقيقة صيرورتها على حقيقتها أكثر بكثير مما كانت قبلاً.

لقد نبّهتُكم إلى أن علم اللاهوت أمر عملي. فإن جُل القصد من وجودنا هو أن نؤخذ هكذا إلى داخل حياة الله. ومن شأن الأفكار الخاطئة عن ماهية تلك الحياة أن تجعل علم اللاهوت أصعب. فالآن، لابد من أن أطلب إليكم أن تُعيروني انتباهاً أكثر، على مدى بضع دقائق.

تعلمون أنكم في الفضاء (أو الفراغ) تستطيعون أن تتحركوا في ثلاثة اتجاهات: إلى اليسار أو اليمين، إلى الوراء أو الأمام، إلى فوق أو إلى تحت. وكل اتجاه فهو إما واحدُ من هذا الثلاثة، وإما منزلة وسط بينها. وتُدعى هذه الاتجاهات “الأبعاد الثلاثة”. فلاحظ ما يلي الآن. إذا كنت تستخدم بُعداً واحداً فقط، يمكنك أن ترسم فقط خطاً مستقيماً. وإذا كنت تستخدم بُعدين، يمكنك أن ترسم شكلاً مُسطّحاً، كالمربع مثلاً.

والمربع يتكون من أربعة خطوط مستقيمة. ولنخط الآن خطوة أخرى إلى الأمام. إذا كان لديك ثلاثة أبعاد، ففي وسعك عندئذ أن تبني ما ندعوه شكلاً مجسّماً، كالمكعب مثلاً: شيئاً يُشبه النرد (زهر الطاولة) أو مكعب السُكر. ومعلوم أن المكعب يتكون من ستة مربعات.

هل فهمت المقصود؟ إن عالماً ذا بعد واحد من شأنه أن يكون خطاً مستقيماً. وفي عالم ذي بُعدين، ما تزال تحصل على خطوط مستقيمة، ولكن بضعة خطوط تكون شكلاً ما. أما في عالم ثلاثي الأبعاد، فإنك ما تزال تحصل على أشكال، ولكن بضعة أشكال تكوّن مجسّماً واحداً. وبكلمة أخرى: إذا تقدمت إلى مستويات أكثر واقعية وأكثر تعقيداً، فأنت لا تتخلى عن الأشياء التي وجدتها على المستويات الأبسط، بل ما تزال تلك لديك إنما متشكلة بطرق جديدة… بطرق ما كنت لتتصورها لو لم تعرف سوى المستويات الأبسط.

والآن، فالفكرة المسيحية عن الله تنطوي على المبدأ عينه تماماً. ذلك أن المستوى البشري مستوى بسيط وفارغ بالأحرى. فعلى المستوى البشري، الشخص الواحد كائن واحد، وأي شخصين هما كائنان منفصلان، تماماً كما أنه في بُعدين (على ورقة مُسطحة مثلاً) يكون المربع الواحد شكلاً واحداً، وأي مُربعين اثنين يكونان شكلين منفصلين. أما على المستوى الإلهي، فما تزال تجد شخصيات، غير أنك هنالك تجدها متحدة بطرق جديدة لا يمكننا، نحن الذين لا نعيش على ذلك المستوى، أن نتصورها.

ففي البعد الإلهي، إذا جاز التعبير، تجد كائناً ذا ثلاث شخصيات (أقانيم) فيما يبقى كائناً واحداً، كما أن المكعب هو ستة مربعات فيما يبقى مكعباً واحداً. طبعاً ليس في وسعنا أن نتصور تماماً كائناً كهذا: تماما لما لو أننا كنا مخلوقين على نحو لا يمكننا من إدراك سوى بُعدين فقط في الفضاء، أو الفراغ، لما كان في وسعنا أبداً أن نتخيل مكعباً بالطريقة الصحيحة. إنما يمكننا أن نكون عنه نوعاً من الفكرة الواهية.

حتى إذا فعلن ذلك، نكون عندئذٍ، أول مرة في حياتنا، مُكونين فكرة إيجابية، مهما كانت واهية، عن كائن فائق للشخصية، كائن يعدو كونه شخصاً. وهذا أمرٌ ما كان يمكننا أن نحزره قطعاً، ومع ذلك فما إن يقال لنا حتّى يشعر المرء بأنه كان ينبغي له أن يحزره، لأنه يتناسب جيداً مع جميع الأمور التي نعرفها فعلاً.

ولعلك تسأل: “ما دمنا لا نستطيع أن نتصور كائناً ثُلاثي الشخصيات (ثالوث الأقانيم)، فأي خير في التكلم عنه؟ حسناً، لا خير البتة في التكلم عنه. إنما الأمر المهم حقاً هو أن ننجذب فعلاً إلى تلك الحيات ذات الشخصيات الثلاث. ومن الممكن أن تباشر هذا في أي وقت، بل الآن إذا شئت!

وهاك ما أعنيه. ان المسيحي المؤمن البسيط يجثو لكي يصلي وهو يحاول أن يتواصل مع الله. وإن كان مؤمناً فهو يعلم، إن ما يحثه على الصلاة أيضاً هو الله: الله الساكن في داخله، إن جاز التعبير. إلا أنه يعلم أيضاً أم معرفته الحقيقية لله تأتي كلها عبر المسيح، الإنسان الذي كان الله، كما يعلم ذلك أن المسيح واقف بجانبه، مساعداً إياه على الصلاة، ومصليّاً لأجله، أترى ما هو حاصل؟ إن الله هو الكائن الذي إليه يُصلي المؤمن: أي الهدف الذي يَنشد بلوغه. ثم أن الله هو أيضاً الكائن الذي في داخله والذي يحثُه: أي القدرة الحافزة.

كما أن الله أيضاً هو الطريق أو الجسر الذي عليه يُحث المؤمن لنشدان ذلك الهدف. وعليه، فإن كامل الحياة الثلاثية للكائن الثلاثي الشخصيات (أو الأقانيم) ناشطة فعلاً في ذلك المخدع البسيط حيث يرفع إنسان عادي بسيط صلاته. ذلك أن هذا الإنسان منجذب إلى نوع الحياة الأسمى: الحياة الروحية التي سميّتها “زُويي”، حيث يجذبه الله إلى رحاب حياة الله، فيما يبقى هو نفسه.

هكذا بدأ علم اللاهوت. فقد كان الناس يعرفون عن الله بطريقة غامضة. ثم جاء إنسان صرح بأنه هو الله. إلا أنه لم يكن إنساناً من النوع الذي يمكنك أن تصرفه باعتباره مجنوناً. فقد جعل قوماً يؤمنون به مُصدقين. ثم قابلوه من جديد بعد أن شاهدوه يُقتل. ومن ثم، بعدما شُكلوا جماعة صغيرة أو مجتمعاً صغيراً، وجدوا الله على نحو ما في داخلهم أيضاً، مُرشداً لهم ومُقدراً إياهم على القيام بأمور لم يكونوا يستطيعون فعلها من قبل. لما تدبروا الأمر، تبين لهم أنهم قد أدركوا التعريف المسيحي لله الثلاثي الشخصيات أو الأقانيم.

وليس هذا التعريف شيئاً اختلقناه اختلاقاً، فعلم اللاهوت، بمعنى من المعاني، علم اختباري. والديانات البسيطة هي تلك المخُتلقة. وحين أقول إنه علم اختاري “بمعنى من المعاني”، أعني أنه مثل العلوم الاختبارية الأخرى من بعض النواحي، لا من كل ناحية. فإن كنت جيولوجياً تدرس الصخور، ينبغي لك أن تمضي وتجد الصخور. إذ إنها لن تأتي هي إليك.

وإذا ذهبت إليها، فلا يمكنها أن تهرب منك. فالمبادرة هي بيدك كلياً. والصخور لا تقدر أن تُعينك ولا أن تعيقك.  إنما افترض أنك عالم بالحيوان وتريد أن تلتقط صوراً للحيوانات البرية في مآويها الأصلية. فهذا يختلف قليلاً عن دراسة الصخور. ذلك أن الحيوانات البرية لن تأتي إليك. بل يمكن أن تهرب منك. وما لم تظل هادئاً جداً، فإنها تهرب حتماً. وعدم هربها هو بحد ذاته شيء يُعتبر مبادرة منها.

والآن نرتقي درجة أعلى: افترض أنك تريد أن تتعرف بشخص بشري. فإن كان عازماً على ألا يسمح لك، فلن تبلغ إلى معرفته أبداً. عليك أن تكسب ثقته. وفي هذه الحالة تتوزع المبادرة بالتساوي؛ والصداقة تستوجب وجود شخصين.

وعندما نصل إلى التعرف بالله، فالمبادرة في يده هو. فإن كان لا يُظهر ذاته. فلا شيء تقدر أن تفعله يُمكنك من أن تجده. وهو بالحقيقة يُظهر من ذاته لبعض الناس أكثر بكثير مما يُظهر للآخرين. ليس لأنه يُحابي أناساً، بل لأن من المستحيل أن يُظهر ذاته لإنسان ذهنه وخلقه منصرفان كلياً في الاتجاه الخطأ: تماماً كما لا يمكن لنور الشمس، رُغم عدم محاباته، أن ينعكس في مرآة مغبّرة بمثل الوضوح الذي به ينعكس في مرآة نظيفة.

ومن الممكن أن نعبر عن الأمر بطريقة أخرى، بقولنا إن الأدوات التي تستخدمها في العلوم الأخرى هي أشياء خارجية بالنسبة إلى ذاتك (كالميكروسكوب والتليسكوب ونحوهما)، أما الأداة التي بواسطتها ترى الله فهي نفسك بكاملها. وإذا كانت نفس الإنسان لا تُحفظ نظيفة ونيّرة، فإن رؤيته لله ستكون مضطربة… كما لو كنت تُعاين القمر بواسطة تليسكوب متُسخ. لذلك كانت للأمم الرهيبة أديان رهيبة: فلطالما كانت تنظر إلى الله عبر عدسة قذرة.

فلا يمكن أن يُظهر الله ذاته على حقيقته إلا لأناس حقيقيين. وهذا لا يعني فحسب لأناس صالحين فردياً، بل لأناس متحدين معاً في كيان واحد، مُحبين بعضهم بعضاً، مساعدين أحدهم الآخر، مُظهرين الله بعضهم لبعض. فعلى هذا الصورة قصد الله للبشرية أن تكون: كالعازفين في فرقة واحدة، أو الأعضاء في جسد واحد.

وعليه، فإن الأداة الوحيدة الوافية تماماً للتعلم عن الله هي الجماعة المسيحية بكاملها، التي تنتظره معاً. فالأخوّة المسيحية، إذا جاز التعبير، هي العدة التقنية لهذا العلم؛ أو معدات مُختبره. ولهذا السبب، فإن أولئك الذين يطلعون كل بضع سنوات بديانة مُبسطة من اختراعهم الخاص كبديل من المسيحية الأصلية المتوارثة إنما يُضيّعون وقتهم عبثاً. كأن رجلاً ليس ليه من أداة سوى منظار حربي عتيق، ينطلق لكي يُصحح آراء جميع علماء الفلك الحقيقيين؛ فقد يكون رجلاً ذكياً، بل ربما كان أذكى من بعض علماء الفلك الحقيقيين، غير أنه لا يعطي لنفسه فرصة.

ثم تر سنتان، فإذا بالجميع ينسون أمره، إلا أن العلم الصحيح ما يزال ماضياً إلى الأمام.

فلو كانت المسيحية شيئاً من صُنعنا نحن، لكنا جعلناها أسهل بالطبع. غير أنها ليست كذلك. وليس في وسعنا أن نتنافس، في البساطة، مع أولئك الذين يبتدعون أدياناً. أنى يكون لنا ذلك؟ فنحن إنما نتناول الحقيقة وطبعاً، في وسع أي أمرئ أن يُبدي البساطة إذا لم تكن لديه حقائق يُعنى بها!

الله الثالوثي الأقانيم – سي إس لويس

الخلق يختلف عن الولادة – سي إس لويس

الخلق يختلف عن الولادة – سي إس لويس

الخلق يختلف عن الولادة – سي إس لويس

الخلق يختلف عن الولادة – سي إس لويس

حذرني كثيرون من أن أقول لكم ما سأقوله في هذا الباب الأخير. وقد قالوا كلهم: “إن القارئ العادي لا يريد لاهوتيّات؛ فأعطه ديانة عملة واضحة”. إلا أنن لم أعمل بنصيحتهم. فلا أحسب القارئ العادي مُغفلاً إلى حدّ رهيب. ذلك أن علم اللاهوت يعني علم الإلهيات أو الأمور المتعلقة بالله. وأعتقد أن أي إنسان يريد أن يفكر في الله أصلاً يود أن يحوز أوضح الأفكار وأدقها عنه تعالى مما هو متوفر. إنكم لستم أولاداً صغاراً، فلماذا تُعاملون كما لو كنتم أولاداً؟

وبطريقة ما، أفهم تماماً لماذا يصدّ علم اللاهوت بعض الناس. وأنا أذكر مرة، لما كنت ألقي كلمة على أفراد سلاح الجو الملكي، أن ضابطاً كبير السن قاسي الملامح وقف وقال: “لا نفع لي بهذا الكلام كله. إنما لا تنسى أنني رجل متديّن أيضاً. فأنا أعرف أن الله موجود. وقد شعرت به، خارجاً وحدي في الصحراء ليلاً، ويا له من سر هائل! ولهذا السبب عينه لا أومن بما تقوله عنه من معتقدات وصيَغ ضئيل منمّقة. فبالنسبة إلى أي شخص قابل الحقّ بذاته، تبدو هذه كلها تافهة ومُتكلّفة وغير واقعية”.

والآن، من ناحية ما، أتّفق تماماً مع هذا الرجل. فأعتقد أنه ربما اختبر الله اختباراً حقيقياً في الصحراء. ولما تحّول عن ذلك الاختبار إلى قوانين الإيمان المسيحية، أعتقد أنه بالحقيقة كان يتحول عن شيء حقيقي إلى شيء أقل حقيقية.

فعلى المنوال عينه، إذا كان رجل قد نظر إلى المحيط الأطلسي من على شاطئ، ثم ذهب ونظر خريطة للأطلسي، يكون هو أيضاً متحولاً عن أمر حقيقي إلى أمر أقل حقيقية، إذ يتحول عن الأمواج الفعلية إلى قطعة ورق ملونة. إنما هنا بيت القصيد: صحيح أن الخريطة مجرد ورقة ملونة، ولكن يجب أن تتذكر بشأنها أمرين. فأولاً، هي مؤسسة على ما اكتشفه مئات وألوف من الناس بالإبحار في الأطلسي الحقيقي.

ومن هذه الناحية تكمن وراءها كميّات وافرة من الاختبار حقيقية تماماً مثل الذي كان لك وأنت واقف على الشاطئ؛ إنما في حين كان اختبارك نظرة منفردة، رتبت الخريطة تلك الاختبارات المتفرقة كلها معاً. وثانياً، إذا أردت أن تبحر إلى أي مكان، فالخريطة ضرورية ضرورة مطلقة. وما دمت قانعاً بالتمشي على الشاطئ، تكون نظراتك أكثر ابهاجاً لك من التطلع في الخريطة. غير أن الخريطة ستكون أكثر فائدة لك من التمشي على الشاطئ إذا شئت أن تسافر إلى أميركا.

والآن، علم اللاهوت يشبه الخريطة. فمجرد التعلم والتفكير في العقائد المسيحية، إن أنت توفقت هناك، أقل حقيقة ومتعة من مثل ذلك الاختبار الذي حصل لصاحبنا في الصحراء. فالعقائد ليس هي الله، بل هي أشبه بالخريطة فحسب. غير أن الخريطة مبنية على اختبار مئات الأشخاص الذين كانوا بالحقيقة على اتصال بالله، وهي اختبارات إذا قورنت بها أية ارتعاشات سرور أو مشاعر ورع قد نحصل عليها أنا وأنت بأنفسنا كان أولية جداً ومشوشة كثيراً.

ثم إنك إذا شئت أن تتقد أبعد من ذلك، ينبغي لك أن تستخدم الخريطة. ترى إذاً أن ما حصل لذلك الرجل في الصحراء ربما كان حقيقياً، وقد كان مشوقاً ومُبهجاً حتماً، ولكن لا يطلع منه شيء. فهو لا يؤدي إلى أي مكان. وليس من شيء تفعله بشأنه وبالحقيقة أن هذا هو السبب في كون الديانة الغامضة (كل ما يتعلق بتلمس الله في الطبيعة وما إلى ذلك) جذابة جداً.

فهي كلها ارتعاشات طرب، وليس فيها أي عمل: شأنها شأن مشاهدة الأمواج من على الشاطئ. ولكنك لن تصل إلى شاطئ الأطلسي الآخر بدراستك للمحيط بهذه الطريقة. ولن تنال الحياة الأبدية بمجرد شعورك بحضور الله في الأزهار أو الموسيقى. كما لن تصل إلى أي مكان بالنظر إلى الخرائط دون ركوب البحر، ولن تكون أيضاً آمناً جداً إذا ركبت البحر بلا خريطة.

وبعبارة أخرى، فإن علم اللاهوت عمليّ، ولا سيّما الآن. ففي الأيام القديمة، لما كانت الثقافة والبحث أقل، ربما كان ممكناً المضي قدماً بأفكار عن الله بسيطة وقليلة جداً. لكن الأحوال الآن تغيرت. فكل امرئ يقرأ، ويسمع أموراً تُناقش. وعليه. فإذا كنت لا تُصغي إلى اللاهوتيات، فلن يعني ذلك ألا تحوز أية أفكار عن الله، بل سيعني أن تحوز كثيراً من الأفكار الخاطئة، أفكاراً مشوشة فاسدة بالية.

فإن كثيراً من الأفكار التي يتم تداولها اليوم بشأن الله على أنها من الطرائف ليست في الواقع سوى تلك التي امتحنها اللاهوتيون قبل قرون عديدة ورفضوها. وهكذا يكون الإيمان بالديانة الشعبية الشائعة في إنكلترا الحديثة تقهقراً وتراجعاً، مثل الاعتقاد أن الأرض مُسطحة.

فإذا نظرت في حقيقة الأمر، أفلا تجد أن الفكرة الشعبية عن المسيحية هي هذه فحسب: أن يسوع المسيح كان معلم أخلاق عظيماً، وأننا لو قبلنا نصائحه فقط لربما تمكنا من إقامة نظام اجتماعي أفضل وتجنبنا حرباً أخرى؟ طبعاً، هذا صحيح تماماً. غير أنه يقول لك أقل بكثير جداً من الحقيقة الكاملة عن المسيحية، وليست له أهمية عملية على الإطلاق.

صحيح تماماً أننا لو عملنا بنصائح المسيح لكنّا سريعاً نعيش في عالم أسعد. حتى إنك لست بحاجة لأن تصل إلى المسيح. فلو عملنا بكل ما قاله لنا أفلاطون أو أرسطو أو كنفوشيوس لتحسنت أحوالنا عما هي عليه الآن بمقدار كبير جداً. فماذا إذا؟ إننا لم نعمل قط بنصائح المعلمين الكبار. فلماذا يُرجح أن نبدأ ذلك الآن؟ ولماذا يُرجح أننا سنتبع المسيح أكثر من أي واحد من الآخرين: ألأنه أفضل معلم أخلاقي؟ ولكن هذا يقلل كثيراً بالأحرى من احتمالية اتباعنا له.

فإذا عجزنا عن استيعاب الدروس الابتدائية، أفيرجح أننا سنقدر على تلقي الدروس الأعلى؟ ولو كانت المسيحية تعني فقط قسطاً إضافياً من النصائح الصالحة، لما كانت ذات أهمية على الإطلاق. فما كانت تعوزنا النصائح الصالحة على مدى آخر أربعة آلاف سنة. وقسطٌ آخر من النصائح لا يُقدم ولا يؤخر!

ولكن ما أن تطّلع على أية كتابات مسيحية حقيقية، حتى يتبين لك أنها تتكلم عن شيء مختلف تماماً عن هذه الديانة الشائعة. فهي تقول إن المسيح هو ابن الله (مهما كان معنى ذلك). وتقول إن أولئك الذين يضعون ثقتهم فيه يمكن أن يصيروا أيضاً أبناء الله (مهما كان معنى ذلك). وتقول إن موته خلّصنا من خطايانا (مهما كان معنى ذلك).

لا نفع في التشكّي من كون هذه التصريحات صعبة. فالمسيحية تصرح بأنها تخبرنا عن عالم آخر، عن أمور وراء هذا العالم الذي يمكن أن نلمسه ونسمعه ونراه. وقد تحسب هذا التصريح باطلاً؛ ولكن إذا كان صحيحاً فإن ما يقوله لنا صعبٌ لا محالة، أو على الأقل صعب صعوبة الفيزياء الحديثة، وللسبب عينه.

والآن، فإن النقطة التي تسبّب لنا أكبر صدمة، بين نقاط المسيحية هي التصريح بأننا إذ نرتبط بالمسيح يمكننا أن “نصير أبناء الله”. ورُبَّ سائل: “ألسنا أبناء الله أصلاً؟ لا شك أن أبوة الله هي إحدى الأفكار المسيحية الجوهرية؟ “حسناً، بمعنى ما، ليس من شك في أننا أبناء الله فعلاً. أعني أن الله أوجدنا ويحبنا ويعتني بنا، وهو من هذا القبيل بمثابة أب لنا. لكن حين يتكلم الكتاب المقدي عن “صيرورتنا” أبناء لله، فمن البديهي أنه ينبغي أن يعني شيئاً آخر مختلفاً. وذلك يضعنا في مواجهة لب اللاهوت وجوهره.

يقول أحد القوانين إن المسيح هو ابن الله “مولود غير مخلوق”، ثم يضيف: “مولود من الآب قبل كل الدهور”. أرجو أن يتوضح لديك جلياً أن ليس لهذا أية علاقة بحقيقة أن المسيح لما ولد على الأرض إنساناً قد كان ذلك الإنسان ابن عذراء! فنحن لسنا الآن بصدد الحديث عن الولادة من عذراء، بل إننا نُفكر في أمر أزلي حاصل قبل خلق الطبيعة، وقبل بدء الزمان. فما معنى القول إن المسيح مولود، لا مخلوق، “قبل الدهور”؟

معلوم أن معنى الولادة أن يكون المرء أباً، أما الخلق فهو الصُنع. وهاك الفرق: عندما تلد، فأنت تلد كائناً من نوعك بعينه. فالإنسان يلد أطفالاً آدميين، والسمور يلد سمامير صغاراً، الطير ينتج بيضاً يتحول فراخاً. ولكنك عندما تصنع، فأنت تصنع شيئاً مختلفاً عنك في نوعه. فالطير يصنع عشاً، السمور يبني سداً، والإنسان يصنع جهاز لاسلكي؛ أو قد يصنع شيئاً أشبه به، كالتمثال مثلاً.

وإذا كان نحاتاً بارعاً جداً، فقد يصنع تمثالاً يُشبه الإنسان كثيراً. غير أن التمثال بالطبع ليس إنساناً حقيقياً، بل إنما يبدو شبيهاً به فحسب، ولا يقدر أن يتنفس أو يفكر، وهو ليس حياً.

فالآن، هذا هو أول أمر ينبغي فهمه بوضوح: أن الذي هو مولود من الله فهو الله، تماماً كما أن الذي يلده الإنسان يكون إنساناً. أما ما يخلقه الله فليس إلهاً، تماماً كما أن ما يصنعه الإنسان ليس إنساناً. ولذلك فليس البشر أبناء لله بمعنى كون المسيح ابنه. قد يكونون مثل الله من نواح معينة، غير أنهم ليس كائنات من الصنف ذاته. فهم أشبه بتماثيل أو صور لله. إن صح التعبير.

إن التمثال له شكل إنسان، ولكن ليس حياً. على هذا الغرار للإنسان “شكلُ” الله أو شبهه (بمعنى سوف أفسره)، ولكن ليس له نوع الحياة الذي لله. ولنتناول أولاً النقطة الأولى (مشابهة الإنسان لله). إن لكل ما صنعه الله بعض الشبه به. فالفضاء يُشبهه في ضخامته: ليس أن عظمة الفضاء هي من نوع عظمة الله بالذات، بل إنها نوع من الرمز إليها، أو تعبير عنها في عبارات غير روحية.

والمادة تشبه الله في كونها ذات طاقة: مع أن الطاقة الطبيعية أيضاً وطبعاً مختلفة عن قدرة الله في نوعها. والعالم النباتي يُشبه الله لأنه عالم حي، والله هو “الإله الحي”. غير أن الحياة بمعناها البيولوجي ليست بعينها من نوع الحياة الكائنة في الله، بل هي مجرد نوع من الرمز أو الظل لها. وعندما نصل إلى الحيوانات، نجد أنواعاً أخرى من المشابهة فضلاً عن الحياة البيولوجية.

فنشاط الحشرات وخصوبتها الوافران، مثلاً، هما مشابهة أولى باهتة لنشاط الله الدائم وإبداعه السرمدي. ولدى الثدييات العليا نجد بدايات العاطفة الغريزية. فليست هذه من نوع المحبة الكائنة في الله، ولكنها تشبهها: بالحري على الطريقة التي بها يمكن للصورة المرسومة على ورقة مسطحة أن تكون رغم ذلك “مشابهة” لمنظر طبيعي.

حتى إذا وصلنا إلى الإنسان، فإننا نجد أكمل مشابهة لله نعرفها. (ربما تكون في عوالم أخرى خلائق أكثر من الإنسان شبهاً بالله، ولكننا لا نعرف من أمرها شيئاً). فالإنسان لا يحيا فحسب، بل يحب ويفكر أيضاً: وفيه تبلغ الحياة البيولوجية أسمى مستوى معروف لها.

 ولكن ما ليس عند الإنسان، في حالته الطبيعية، هو الحياة الروحية: الحياة الأعلى والمختلفة نوعاً والموجودة في الله. ونحن نستخدم كلمة “الحياة” عينها لكلتيهما. ولكن إذا ظننت أنه لكونهما تستخدمان الكلمة “حياة” ذاتها يجب أن تكونا من النوع نفسه، فإن ذلك يكون مثل حسبان “عظمة” الفضاء و”عظمة” الله نوعاً واحداً من العظمة.

وبالحقيقة أن الفرق بين الحياة البيولوجية والحياة الروحية مهم جداً، حتى إنني سأطلق عليهما تسميتين مختلفتين. فنوع الحياة البيولوجيّ الذي يأتينا من خلال الطبيعة والذي يميل دائماً (شأنه شأن كل ما في الطبيعة غيره) إلى الانحلال والفساد، بحيث لا يمكن الحفاظ عليه إلا بإمدادات من الطبيعة لا تنقطع على شكل الهواء والماء إلخ، هو “بِيُوس” (الحياة الطبيعية).

أما الحياة الروحية الكائنة في الله منذ الأزل، والتي صنعت الكون الطبيعي كله. فهي “زُويي” (الحياة الأزليّة). ويقيناً أن “بِيُوس” تنطوي على مُشابهة رمزية أو ظليلة لـ “زُويي”، ولكنها لا تعدو كونها من نوع المشابهة القائمة بين صورة ومكان، أو بين تمثال وإنسان. والإنسان الذي يغيّر من حيازته “بِيُوس” إلى حيازته “زُويي” يكون قد اجتاز تغييراً هائلاً جداً كالتغيير الذي يجتازه صخر منحوت كي يصير إنساناً حقيقياً.

وذلك تماماً هو ما تُعنى به المسيحية أساساً. فهذا العالم معرضُ نحاتٍ كبير، ونحن التماثيل. وفي أرجاء المعرض تسري شائعة بأن بعضاً منا ستدب فيهم الحياة ذات يوم.

اللخق يختلف عن الولادة

حساب النفقة – سي إس لويس

حساب النفقة – سي إس لويس

حساب النفقة – سي إس لويس

حساب النفقة

تبين لي أن كثيرين قد أزعجهم ما قلته في الفصل السابق عن قول ربنا يسوع: “كونوا كاملين”. ويبدو أن بعضهم حسبوا ان ذلك يعني: “ما لم تكونوا كاملين، فلن أساعدكم”؛ وبما أنه لا يمكننا أن نكون كاملين، فإذا كان المسيح قد قصد ذلك، يكون وضعنا عندئذ معدوم الرجاء. غير أنني لا أعتقد أن المسيح قصد ذلك، بل أعتقد أنه قصد هذا: “المساعدة الوحيدة التي سأُقدمها لكم، هي مساعدتكم على أن تكونوا كاملين. ربما تطلبون شيئاً أقل، غير أن لن أعطيكم أقل من هذا”.

وإليك الشرح. لما كنت ولداً، كان يُصيبني وجع الأسنان كثيراً، وقد علمتُ أنه إن ذهبت إلى أمي تعطيني شيئاً يسكن الألم ويجعلني أنام تلك الليلة. غير أنني لم أكن أذهب إلى أمي، على الأقل، حتى يشتد الألم كثيراً. أما سبب عدم ذهابي فهو هذا: لم أكن أشك في أنها ستعطيني الأسبيرين، ولكني كنت أعلم أنها ستفعل أيضاً أمراً آخر…. كنت أعلم أنها ستصطحبني إلى طبيب الأسنان صباح اليوم التالي.

فما كان في وسعي أن أحصل على ما أريده منها بغير الحصول على شيء إضافي ما كنت أريده. كنت أريد أن أستريح مباشرة من الألم، ولكن لم يكن يسعني الحصول على ذلك بغير إصلاح ضرسي بصورة دائمة. وقد عرفت أولئك الأطباء الذين يعالجون الأسنان: عرفت أنهم يبدأون يعبثون بجميع الأسنان الأخرى التي لم يبتدئ الوجع فيها بعد. إنهم يُقلقون راحة من يُريد أن يستريح، وإذا أعطيتهم بوصة أخذوا منك ذراعاً.

والآن، إذا جاز لي التعبير على هذا النحو، فإن ربنا يُشبه طبيب الأسنان. فإذا أعطيته بوصة، يأخذ منك ذراعاً. وعشرات من الناس يقصدون إليه كي يشفيهم من خطية معينة يخجلون بها (كالعادة السرية أو الجبانة الطبيعية)، أو تُفسد حياتهم اليومية على نحو واضح (كحدة الطبع أو السكر). وفي الواقع أنه سيشفيهم من تلك العلة حقاً، غير أنه لن يقف عند الحد. فربما كان ذلك كل ما طلبته؛ ولكن ما أن تدعوه إلى دخول حياتك حتى يعالجك العلاج الكامل.

لذلك نبَّه ربُّنا الناس إلى وجوب إجراء “حساب النفقة” قبل صيرورتهم مسيحيين حقاً. وهاك فحوى قوله: “كن على ثقة بأني سأجعلك كاملاً إن سمحت لي. فلحظة تضع نفسك بين يدي، تخطو أول خطوة في هذه المسيرة، ولا شيء أقل من ذلك أو غيره، لديك حرية الإرادة، وإذا شئت يمكنك أن تدفعني بعيداً.

ولكن إذا لم تدفعني بعيداً، فاعلم أنني سأعنى بإنجاز هذا العمل إلى التمام. فمهما كلفك ذلك من معاناة في حياتك الأرضية، ومهما كلفك ذلك من تطهير وتنقية بعد موتك معي، ومهما كلفني الأمر، فلن أستريح، ولن أدعك تستريح، حتى تصير كاملاً حقاً: حتى يتيسّر لأبي أن يقول بلا تحفظ إنه راضٍ عليك كل الرضى، مثلما قال إنه قد سُرَّ بي كل السرور. هذا أستطيعه، ولسوف أفعله. غير أنني لن أفعل أي شيء أقل منه”.

وعلى الرغم من ذلك (وهذا هو الجانب الآخر والمهم على السواء في الأمر) فإن هذا المعين الذي لن يكتفي، في نهاية المطاف، بأي شيء أقل من الكمال المطلق سوف يسرّه أول مجهود واه متعثر تبذله غداً لأداء أبسط واجب. وعلى حد ما أشار إليه كاتب مسيحي كبير (وهو جورج مكدونلد)، فإن كل أب تسرُّه المحاولة الأولى التي يبذلها الطفل للمشي، ولكن ما من أب يُرضيه من ابنه الراشد أي شيء أقل من المشية الرجولية القوية الثابتة. وبالطريقة عينها، كما قال، “من السهل أن نسر الله، ولكن من الصعب أن نُرضيه إلى التمام”.

أما الفحوى العملية فهي هذه. من ناحية، لا داعي لأن يُثبط عزيمتك ولو قليلاً مطلب الله بشأن الكمال، في مساعيك الراهنة لأن تكون صالحاً، ولا حتى في اخفاقاتك الحالية. فكلما سقطت يأخذ بيدك حتماً ويُقيمك وهو يعلم تمام العلم أن مجهوداتك الخاصة لن تُوصلك البتة إلى أي موضع قريب من الكمال. ومن ناحية أخرى، عليك أن تدرك من البداية أن الهدف الذي نحوه قد بدأ يوجهك هو الكمال المطلق؛ وليس في الكون كله، ما عداك أنت نفسك، أية قوة تقدر أن تمنعه من أخذك إلى ذلك الهدف. فلأجل ذلك الهدف أنت منطلق. ومن المهم جداً أن ندرك هذه الحقيقة.

وإلا، فمن المرجح جداً أن نبدأ بالتراجع وبمقاومة الرب بعد نقطة ما. وأظن أن كثيرين منّا، بعد أن يعطينا المسيح القدرة على دخر خطية أو خطيتين كانتا حماقة بلهاء، ميالون لأن يشعروا بأنهم الآن صالحون كفاية (وإن كانوا لا يعبرون عن ذلك بالكلام). فهو قد فعل كل ما أردناه منه، ونكون شاكرين إذا تركنا الآن وشأننا. وكما تقول: “لم أتوقع قط أن أصير قديساً، بل أردت فقط أن أغدو إنساناً عادياً شريفاً”. ونحن نتصور أننا متواضعون إذ نقول ذلك.

ولكن هذه هي الغلطة الفاتكة. فبالطبع، نحن لم نُرد قط، ولا طلبنا قطعاً، أن نصير من نوع الخلائق الذي سيُحولنا إليه. ولكن المسألة ليست ما قصدنا نحن لأنفسنا أن نكون، بل هي ما قصده هو لنا أن نكون لما صنعنا. فهو المخترع، وما نحن إلا المكنة. وهو الرسام، وما نحن إلى الصورة. وكيف عسانا أن نعرف ما يقصد لنا أن نكونه؟ أنت ترى أنه سبق أن صنعنا شيئاً مختلفاً جداً عما كنا عليه.

فمنذ زمن طويل، قبل ولادتنا، لما كنا في أرحام أمهاتنا، اجتزنا مراحل شتى. وقد كنا حيناً أشبه بالخضار أو السمك، وما كنا لنرغب في أن نُجعل أطفالاً. ولكن الله كان عليماً كل حين بخطته لنا، وعاقداً العزم على تنفيذها. والآن يحدث لنا شيء شبيه بهذا كثيراً على مستوى أعلى. ربما كما راضين بأن نبقى ما ندعوه “أناساً عاديين”؛ غير أنه هو مصمم على تنفيذ خُطة أخرى مختلفة تماماً. فأن ننكمش نافرين من تلك الخطة ليس تواضعاً، بل هو كسل وجبن. أما الخضوع لها فليس غروراً ولا جنون عظمة، بل هو طاعة.

وإليك طريقة أخرى للتعبير عن ناحيتي الحق. فمن جهة، علينا ألا نتصور البتة أن مجهوداتنا الخاصة من دون مساعدة يمكن أن يُركن إليها لتحملنا ولو عبر الأربع والعشرين ساعة التالية بوصفنا أناساً “شرفاء”. ولولا معونة الرب لنا، ما كان أي واحد منا بمنأى من السقوط في خطية من الخطايا الفاضحة. ومن الجهة الأخرى، ما من درجة ممكنة من القداسة أو البطولة سُجلت يوماً لأعظم القديسين هي خارج نطاق ما هو مُصمم أن يُنتجه في كل واحد منا في نهاية المطاف. ولن يُنجز العمل في هذه الحياة، غير أن الله يقصد أن يوصلنا إلى أبعد حد ممكن قبل الوفاة.

لذلك يجب ألا نُفاجأ إذا اجتزنا وقتاً عصيباً. فعندما يتوب شخص ما إلى المسيح ويبدو أنه على ما يرام (بمعنى أن بعضاً من عاداته السيئة قد قُومت الآن)، يشعر في الغالب أنه سيكون من الطبيعي الآن ان تسير الأمور على أهون ما يكون. وعندما تُقبل الضيقات، من مرض وعسر مادي وتجارب من أنواع جديدة، يخيب ويخور.

فقد يرى أن مثل هذه الأمور ربما كانت ضرورية لحثه وحمله على التوبة في أيامه السيئة الماضية؛ ولكن لماذا تحصل الآن؟ ذلك لأن الله يدفعه إلى الأمام، أو إلى فوق، نحو مستوى أعلى: واضعاً إياه في ظروف يُضطر فيها لأن يكون أشجع بكثير، أو أكثر صبراً أو محبة، مما حلم به يوماً من ذي قبل. إنما يبدو ذلك كله في نظرنا غير ضروري. ولكن سبب ذلك هو أن ليس لدينا بعد أدنى فكرة عن الصورة البهية التي ينوي أن يجعلنا عليها.

وأرى أن عليَّ أن أستعير مثلاً آخر بعد من جورج مكدونلد. تصور نفسك كما لو كنت بيتاً حياً، وأن الله يتدخل كي يُعيد بناء هذا البيت. فربما تفهم في أول الأمر ما هو فاعل. إذ أنه يُصلح مصارف الماء ويوقف الارتشاح في السقف، وما إلى ذلك؛ فأنت على علم بأن هذه الأعمال ينبغي أن تُعمل، ولذلك لا تُفاجأ. ولكنه لا يلبث أن يباشر الطرق والدق في أنحاء البيت بطريقة مؤذية على نحو بغيض ولا تبدو ذات معنى معقول.

تُرى، أي شيء يرمي البنّاء إليه؟ إن تفسير ذلك أنه يبني بيتاً مختلفاً تماماً عن ذاك الذي فكرت فيه… ناشراً هنا جناحاً جديداً، ومُنشئاً هناك طابقاً إضافياً، ومُعمراً أبراجاً، وباسطاً ساحات. وقد كنت تحسب أنه سيصنع منك كوخاً صغيراً لائقاً؛ غير أنه يعكف على بناء قصر. وهو ينوي أن يأتي بنفسه ويقيم فيه.

إن الوصية “كونوا كاملين” ليست وهماً مثالياً. كما أنها ليست أمراً بأن نفعل المستحيل. فالرب سوف يُحولنا إلى خلائق قادرين على إطاعة تلك الوصية. وقد قال في الكتاب المقدس إننا “آلهة”، ولسوف يُثبت صحة كلامه.

فإن سمحنا له (إذ يمكننا أن نمنعه إذا شئنا) فسيجعل أضعفنا وأقذرنا “إلهاً” أو “إلاهة”، مخلوقاً خالداً مُذهلاً باهراً، نابضاً في مجمله بطاقة وفرح وحكمة ومحبة ما كنا لنتصورها كلها، مرآة مصقولة نقية تعكس لله على نحو كامل (وإن كان بالطبع على نطاق أصغر) قدرته ومسرته وصلاحه الخاصة غير المحدودة. وستكون العملية طويلة، ومؤلمة جداً في بعض أجزائها، غير أننا لأجل ذاك الهدف نُخضَع لهذه كلها، وليس لأجل أي هدف آخر أقل منه. وقد عنى الرب حقاً ما قاله.

حساب النفقة – سي إس لويس

ناس طيبون أو أناس جدد – سي إس لويس

ناس طيبون أو أناس جدد – سي إس لويس

ناس طيبون أو أناس جدد – سي إس لويس

ناس طيبون أو أناس جدد

نعم، لقد عنى الرب حقاً ما قاله. فإن أولئك الذين يضعون أنفسهم في يديه سيصيرون كاملين، كما أنه هو كامل… كامل في المحبة والحكمة والفرح والجمال والخلود. ولن يكتمل التغيير في هذا الحياة، لأن الموت جزء مهم من العلاج. أما المدى الذي سيكون التغيير قد بلغة قبل الوفاة في أي مسيحي بعينه فأمر غير مؤكد.

واعتقد ان اللحظة الحاضرة مُناسبة تماماً للنظر في سؤال غالباً ما يُطرح: إذا كانت المسيحية صحيحة فلماذا ليس جميع المسيحيين، كما هو واضح، أحسن خُلقاً من غير المسيحيين أجمعين؟ فما يكمن وراء هذا السؤال منطقي جداً في جزء منه، وغير منطقي البتة في الجزء الآخر. أما الجزء المنطقي فهو هذا: إذا كان الاهتداء إلى المسيحية لا يُحدث أي تحسين في أفعال الإنسان الخارجية (إذا ظلّ متصلفاً أو حاقداً أو حاسداً أو جشعاً كما كان من قبل) فأعتقد ان علينا أن نشك في حقيقة “اهتدائه” باعتبار كونه وهمياً إلى أبعد حد.

وبعد اهتداء المرء اهتداءً أصيلاً، فكلما حسب أنه أحرز تقدماً ما، يكون هذا هو المحك الذي ينبغي استخدامه. ذلك أن المشاعر الرقيقة والتبصرات الجديدة والاهتمام الزائد بأمور “الدين” لا تعني شيئاً ما لم تجعل سلوكنا الفعلي أفضل، تماماً كما أن “الشعور بالتحسن” في حال المرض لا يكون دليلاً خير إذا أشار ميزان الحرارة إلى أن حرارة المرء آخذه في الارتفاع. وعلى هذا النحو، فالعالم الخارجي على حق تماماً في الحكم على المسيحية بنتائجها. وقد علّمنا المسيح أن نحكم بحسب النتائج. فالشجرة تُعرف من ثمرها؛ أو كما نقول: “التجربة أكبر برهان”.

وعندما نُسيء نحن المسيحيين التصرف، أو نُخفق في أن نُحسن التصرف، نجعل المسيحية تبدو أمراً لا يُصدق في نظر العالم الخارجي. لقد ظهرت في زمن الحرب ملصقات كُتب عليها: “الكلام الطائش يُكلفك حياتك”. وكذلك صحيح بالمثل أن الحياة الطائشة تُكلف كلام انتقاد. ذلك أن عيشنا حياة طائشة يُطلق للعالم الخارجي عنان الكلام؛ ونحن نوفر لأهل العالم أساساً للتكلم بطريقة تُلقي الشك على حقيقة المسيحية عينها.

غير أن هناك طريقة أخرى في تطلب النتائج قد يكون العالم الخارجي غير منطقي فيها إلى أبعد حدّ. فربما لا يكتفون بأن يطلبوا وجوب تحسن حياة كل إنسان إذا صار مسيحياً، بل قد يطلبون أيضاً قبل أن يؤمنوا بالمسيحية أن يروا العالم مقسوماً بوضوح إلى معسكرين، مسيحي وغير مسيحي، وإن يكون جميع أهل المعسكر الأول في أية لحظة من اللحظات أشرف وألطف بكل جلاء من أهل المعسكر الثاني أجمعين. غير أن هذا غير عقلاني على أساس بضعة أسباب.

(1) في المقام الأول، الوضع في العالم الواقعي أكثر تعقيداً من ذلك. فليس في العالم من هم مسيحيون مئة بالمئة، ومن هم غير مسيحيين مئة بالمئة. فهناك أناس (وما أكثرهم) يكفون تدريجياً عن أن يكونوا مسيحيين ولكنهم ما يزالون يدعون أنفسهم بهذا الاسم، وبعضهم رجال دين. وهنالك آخرون يصيرون مسيحيين بالتدريج مع أنهم لا يدعون أنفسهم بهذا الاسم.

وهنالك أناس لا يقبلون كامل التعليم المسيحي عن المسيح، إلا أنهم منجذبون إليه بشكل قوي جداً بحيث يُعتبرون من خاصته بمعنى أعمق مما يفهمونه هم أنفسهم. وبين أتباع الأديان الأخرى أناس يرشدهم تأثير الله السري إلى التركيز على ما يوافق المسيحية في أديانهم، وهكذا ينتمون إلى المسيح على غير علم منهم. فإن بوذياً حسن النية مثلاً قد يُرشد إلى التركيز أكثر فأكثر على التعليم البوذي المتعلق بالرحمة، وإلى إبقاء التعاليم البوذية بشأن أمور أخرى في الناحية الخلفية (رغم أنه قد يقول إنه ما زال يؤمن بها).

وربما كان كثيرون من الوثنيين قبل ولادة المسيح بزمن طويل في هذا الموقع عينه. وثمة بالطبع في كل حين ناس كثيرون مُشوشو الذهن ولديهم كثير من المعتقدات المتضاربة مختلطة بعضها ببعض. وعليه، فليس من نفع كثير في محاولة إصدار أحكام على المسيحيين بصورة تعميمية. ثمة بعض النفع في مقارنة الخيل والجمال، أو حتى الرجال والنساء، على وجه الإجمال، لأنه في ذلك المجال يعرف المرء هؤلاء الواحد من الآخر بشكل واضح ومحدد. ثم إن حيواناً ما لا يتحول (لا تدريجياً ولا فجأة) من جمل إلى حصان.

ولكن حين نقارن المسيحيين عموماً بغير المسيحيين عموماً، لا نكون في العادة مفكرين أبداً في أناس حقيقيين نعرفهم، بل فقط في فكرتين غامضتين استمددناهما من الروايات والصحف. فإذا شئت أن تقارن بين المسيحي الرديء والملحد الصالح، يجب عليك أن تفكر في عينتين حقيقيتين قابلتهما فعلاً. فما لم ننزل إلى ساحة الحقائق الواقعية على هذا النحو، نكن كل ما نعمله هو إضاعة وقتنا سدىً. 

(2) هَبنا نزلنا إلى ساحة الواقع ونحن لا نتحدث الآن عن مسيحي خيالي وغير مسيحي خيالي، بل عن شخصين حقيقيين في جوارنا. ففي هذه الحالة أيضاً ينبغي لنا أن نحرص على طرح السؤال الصحيح. إذ نقول: إذا كانت المسيحية صحيحة، فعندئذٍ لا بد أن يترتب على ذلك:

(أ) أن كل مسيحي سيكون ألطف وأشـرف مما كان من شأنه أن يكون لو كان غير مسيحي؛

(ب) أن أي إنسان يصير مسيحياً سيكون أحسن خلقاً مما كان قبلاً.

وعلى المنوال نفسه تماماً: إذا كانت دعايات معجون الأسنان المُبيض صحيحة، فعندئذ يترتب على ذلك حتماً:

(أ) أن أي شخص يستعمل هذا المعجون ستكون له أسنان أحسن مما كان ممكناً أن يكون له لم يستعمله؛

(ب) أن أي شخص يبدأ باستعماله ستتحسن أسنانه.

ولكن إشارتي إلى أنني أنا الذي أستعمل مُبيض الدعاية بعينه (وقد ورثث أيضاً رداءة الأسنان من والديّ كليهما) ليس لي مجموعة أسنان جيدة كالتي يملكها زنجي شاب قوي الصحة لم يستعمل قط أي معجون أسنان، إشارتي تلك في حد ذاتها لا تبرهن أن الدعايات باطلة: فالآنسة ليلي المسيحية المؤمنة قد يكون لديها لسان أسلط من لسان رضوان راضي غير المؤمن وذلك في ذاته لا يبين لنا هل تفعل المسيحية فعلها.

فالسؤال هو: كيف سيكون لسان الآنسة ليلى لو لم تكن مسيحية، وكيف سيكون لسان رضوان إذا صار مسيحياً بالحق. ذلك أن الآنسة ليلى ورضوان، من جراء أسباب طبيعية وتنشئة باكرة خاصة، لديهما مزاجان معيّنان: وتُصرح المسيحية بأنها تضع كلا المزاجين تحت إدارة جديدة، إذا سمح لها صاحباهما بأن تفعل ذلك. فما يجوز لك أن تسأله بحق هو هذا: هل تُحسن تلك الإدارة الحالة المعنية إذا سُمح لها باستلام الزمام؟ يعلم الجميع أن الإدارة قد قامت في حالة رضوان راضي بعمل “أفضل” مما قامت في حالة الآنسة ليلى. إنما ليس هذا بيت القصيد.

فلكي تحكم على إدارة مصنع ما، يجب عليك أن تأخذ في الحسبان لا الإنتاج وحده بل المُنشآت أيضاً. فبالنظر إلى مُنشآت المصنع “أ” قد يكون من العجيب أن يُنتج أي شيء على الإطلاق. وبالنظر إلى التجهيزات الممتازة في المصنع “ب”، قد يكون إنتاجه، ولو عالياً، أدنى بكثير مما كان ينبغي أن يكون. ولا ريب أن المدير الصالح في المصنع “أ” سيُركب مكنات جديدة بأسرع ما يمكن، ولكن ذلك يستغرق وقتاً. وفي أثناء ذلك، لا يبرهن الإنتاج المتدني أن صاحبه فاشل.

(3) والآن، لنبعد قليلاً إلى العمق. إن المدير سيُركب مكنات جديدة: فقبل أن يُنهي المسيح عمله في الآنسة ليلى، ستكون “فاضلة” حقاً. ولكن لو تركنا الأمر عند هذا الحد، لبدا كأن هدف المسيح الوحيد هو أن يدفع الآنسة ليلى صُعداً إلى المستوى نفسه الذي طالما كان رضوان على أحسن ما يُرام، وكما لو كانت المسيحية شيئاً يحتاج إليه الأردياء فيما يستطيع الطيبون أن يستغنوا عنه، وكما لو كانت دماثة الخُلق هي كل ما يطلبه الله.

ولكن هذه غلطة من شأنها ان تكون فاتكة. فالحق أن رضوان راضين في نظر الله، يحتاج إلى الخلاص كاحتياج الآنسة ليلى إليه تماماً. وبمعنى ما (سأشرح بعد قليل بأي معنى) لا تكاد دماثة الخُلق تتعلق بهذه المسألة.

لا يمكنك أن تتوقع من الله أن ينظر إلى طبع رضوان الهادئ ومزاجه الودود كما ننظر إليهما نحن تماماً. فهما ناتجان من أسباب طبيعية يخلقها الله نفسه. ولكونهما مزاجيين فقط، فإنهما يتلاشيان إذا أصيب رضوان بعسر هضم. ففي الواقع أن الدماثة هي عطية الله لرضوان، لا عطية رضوان لله.

وبالطريقة عينها، سمح الله لأسباب طبيعية، تعمل في عالم أفسدته قرون الخطية، بأن تُنتج لدى الآنسة ليلى ضيق خلق وتوتر الأعصاب اللذين إليهما يعُزى معظم رداءتها.  وهو ينوي، في حينه، أن يُقوم حال ذلك الجانب. غير أن ذلك، في نظر الله، ليس الجانب الحاسم في القضية. فإنه لا يُثير أية صعوبات، وليس هو ما يهتم به الله بشدة. ذلك أن ما يترقبه ويتوقعه ويعمل لأجله هو أمر ليس سهلاً حتى عليه، لأنه بسبب طبيعة الحال حتى هو لا يُمكن أن يُنتجه بمجرد فعل من أفعال قدرته.

إنه يترقبه ويتوقعه لدى الآنسة ليلى ورضوان راضي كليهما. وهو أمر يمكن أن يُعطياه إياه بملء حريتهما، أو يرفضا أن يعطياه إياه بملء حريتهما، أو يرفضا أن يعطياه إياه بملء حريتهما: أيلتفتان راجعين إليه، وبذلك يتممان القصد الوحيد الذي لأجله قد خُلقا، أم لا يفعلان ذلك؟ إن حرية الإرادة تتذبذب في داخلهما كإبرة البوصلة. ولكن إبرتهما تستطيع أن تختار. يمكنها أن تدل إلى جهة شمالها الحقيقية؛ ولكن لا داعي لأن تفعل ذلك. فهل تترجح الإبرة دائرياً، ثم تستقر وتُشير إلى الله؟

إن الله قادر على مساعدة الإبرة للقيام بذلك، غير أنه لا يقدر أن يرغمها. إنه لا يقدر، إن صح التعبير، أن يمد يده ويُركز الإبرة على الوضع الصحيح، لأنه إذ ذاك تتعطل حرية الإرادة تماماً. فهل تُشير إلى الشمال؟ على هذا السؤال يتوقف كل شيء. هل يُقدم الآنسة ليلى ورضوان طبيعتها إلى الله؟ أما مسألة كون الطبيعتين اللتين يُقدمانهما، أو يتمسّكان بهما، حسنتين أو سيئتين في تلك اللحظة، فأمر ثانوي الأهمية. وفي وسع الله أن يُعنى بهذه المسألة.

لا تُسئ فهم ما أقول. فلا ريب أن لله يعد الطبع الرديء أمراً سيئاً يُرثى له. ولا ريب أنه يعد الطبع اللطيف أمراً صالحاً، صالحاً كالخُبز أو ضوء الشمس أو الماء. غير أن هذه هي الأمور الصالحة التي يسخو هو بها ونتلقاها نحن. فهو خلق أعصاب رضوان المتينة وهضمه السويّ، وما وراءهما من أسباب أو علل كثيرة. ولا يُكلف الله شيئاً، حسب علمنا، أن يخلق أشياء حسنة: ولكن تطويع الإرادات العاصية كلفه أن يُصلب. ولأنها إرادات، ففي وسعها، لدى الطيبين والخبثاء على السواء، أن ترفض طلبه. ثم أن الطيبة لدى رضوان، لأنها كانت مجرد جزء من طبيعته، ستتبدد تماماً في النهاية.

فالطبيعة نفسها سوف تمضي وتزول كلياً. والأسباب الطبيعية تتضافر معاً لدى رضوان لتُنتج نموذجاً سيكولوجياً حسناً، تماماً كما تتآلف معاً عند الغروب لتُنتج نموذج ألوان جميلاً. وعما قريب (لأنه هكذا تعمل الطبيعة أصلاً) سوف تتفرق ثانية ويضمحل النموذج في كلتا الحالين. وقد أُتيحت لرضوان الفرصة كي يُحول (أو بالحري كي يُسمح لله بأن يُحول) ذلك النموذج الوقتي إلى بهاء روح أبدي، غير أنه لم ينتهزها.

وهنا نقع على تناقض ظاهري. فما دام رضوان لا يرجع إلى الله، فهو يظن أن دماثته ملك له؛ وما دام يظن ذلك فهي ليست ملكه. ولكن عندما يدرك أن دماثته ليست من نتاجه بل هي عطية من عند الله، وعندما يُعيدها إلى الله، فعندئذ تماماً تبدأ بأن تصير بالحقيقة ملكاً له. وذلك لأن رضوان يبدأ الآن بأن يكون له نصيب في خلقه شخصياً من جديد. والأشياء الوحيدة التي يمكننا أن نصونها هي تلك الأشياء التي نقدمها لله بملء الحرية. وما نحاول أن نُبقيه لأنفسنا فمن المؤكد أننا سنخسره هو بذاته.

وعليه، فلا ينبغي أن نُفاجاً إذا وجدنا بين المسيحيين بالحق أشخاصاً ما زالوا خُبثاء. حتى إن هنالك سبباً (إذا فكرت في الأمر مليّاً) يحملنا على ترجيح رجوع الأشخاص الخُبثاء إلى المسيح بأعداد تفوق الطيبين إليه. وقد كان ذلك هو ما اعترض عليه الناس بشأن المسيح في أثناء حياته على الأرض: أنه على ما بدا يجتذب إليه “أناساً بالغي الرداءة”. وعلى هذا ما زال الناس يعترضون، وسيظلون دائماً يعترضون.

أفلا ترى السبب؟ لقد قال المسيح: “طوبى للمساكين (أي الفقراء)” وأيضاً “ما أصعب دخول الأغنياء إلى ملكوت الله!” ولا شك أنه عنى بالدرجة الأولى الفقراء مادياً والأغنياء ماديً.

ولكن إلا يصحُّ كلامه أيضاً على نوع آخر من الغنى والفقر؟ إن واحداً من أخطار امتلاك كثير من المال هو أنك قد تكتفي إلى أبعد الحدود بأنواع السعادة التي يمكن أن يوفرها لك المال، وهكذا يفوتك أن تدرك احتياجك لله. فإذا بدا أن كل شيء يأتيك بمجرد توقيع الشيكات، يمكن أن تنسى أنك في كل لحظة تعتمد على الله كليّاً. وواضح تماماً أن الهبات الطبيعية يصحبها خطر مماثل. فإن كانت لك أعصاب متينة وذكاء وصحة وشعبية ونشأة صالحة، يُرجح أن تكتفي إلى أبعد حد بخُلقك الذي أنت عليه. ولعلك تسأل: “لماذا آتي بالله إلى المسألة؟” إذ إن مستوى معيناً من السلوك الحسن يتأتى لك بسهولة معقولة.

فأنت لست واحداً من أولئك الخلائق التُعساء الذين يعقون دائماً في أحابيل الجنس، أو الإدمان على الكحول، أو الهياج العصبي، أو حدة الطبع. والجميع يقولون إنك إنسان طيب، وأنت توافقهم (بيني وبينك!).

فمن المرجح جداً أن تحسب أن هذه الطيبة كلها هي من صُنع يديك، ولعلك بسهولة لا تشعر باحتياجك إلى أي نوع من الصلاح أفضل. وغالباً ما يتعذر الإتيان بأولئك الأشخاص، الذين يملكون جميع هذه الأنواع الطبيعية من الصلاح، إلى إدراك احتياجهم إلى المسيح أصلاً، حتى يأتي يوم فيه يخذلهم صلاحهم الطبيعي وتتزعزع أركان اكتفائهم الذاتي. بعبارة أخرى: صعبُ على من كانوا “أغنياء” بهذا المعنى أن يدخلوا ملكوت الله.

إنما الحال تختلف كثيراً بالنسبة إلى الأشخاص الخُبثاء: الصغار، الأدنياء، الجبناء، المعوجين، قليلي الحياء، المعتزلين، أو ذوي الأهواء الجامحة، الشهوانيين، غير المتزنين. فإذا قام هؤلاء بأية محاولة لإتيان الصلاح أصلاً، يعلمون على وجه السرعة بأنهم يحتاجون إلى معونة.

فإما أن يتلقوا المعونة من المسيح، وإما لا ينفعهم أي شيء. إما يحملون الصليب ويتبعون المسيح، وإما يستولي عليهم اليأس المطبق. هؤلاء هم الخراف الضالة؛ وهو قد جاء خصوصاً كي يجدهم ويردهم. هؤلاء هم “المساكين”، أو الفقراء (بمعنى حقيقي ورهيب جداً): وهو قد طوّبهم، أو باركهم. إنهم “التشكيلة الرهيبة” التي يعاشرها المسيح المُحب، وما زال الفريسيون بالطبع يقولون، كما قالوا منذ البداية: “إن كان في المسيحية شيء ما، فهؤلاء الأشخاص لا يمكن أن يكونوا مسيحيين حقاً”.

ولكل واحد منا ها هنا إما تحذير وإما تشجيع. فإذا كنت إنساناً طيباً، إذا وافتك الفضيلة بسهولة، فحذار! إن مَن أعطي الكثير يُطلب منه كثير. فإن توهمت أن ما كان بالحقيقة هبات الله من خلال الطبيعة هو فضائل أو حسنات شخصية فيك، وإن كنت مكتفياً بمجرد كونك لطيفاً وشريفاً، فأنت ما زلت متمرداً عاصياً: وجميع هذه الهبات لن تؤول إلا إلى جعل سقوطك أرهب، وفسادك أدهى، وقدوتك السيئة أكثر هولاً. ولقد كان إبليس فيما مضى ملاكاً رئيساً، وكانت هباته الطبيعية أسمى بكثير من هباتك، كسُمو هباتك على هبات الشمبانزي!

وكلن إذا كنت مخلوقاً بئساً، سمَّمتك تربية سيئة في بيت من البيوت حافل بالمحاسدات المبتذلة والمخاصمات التافهة، مُبتلى على رُغمك بشذوذ جنسي مقيت، تقض مضجعك يوماً بعد يوم عقدة نقص تجعلك خشناً مع أفضل أصدقائك وتسخط عليهم، فلا تيأسّ! إن الله عليم بحالك تماماً.

وأنت واحد من المساكين (الفقراء) الذين طوبهم أو باركهم. وهو يعلم أي مكنة رديئة تحاول أن تُشغلها. فواظب على ما تحاوله، وابذل ما في وسعك. إنه ذات يوم (ربما في العالم الآتي، ولكن ربما أقرب من ذلك بكثير) سوف يرمي بتلك المكنة في كومة النفايات ويعُطيك مكنة جديدة. وعندئذ سوف تُذهلنا جميعاً، إذ لن تكون أنت نفسك بأدنى حد، ما دمت قد تعلمت تشغيل المكنة في مدرسة قاسية (بعض الآخرين سيكونون أولين؛ وبعض الأولين سيكونون آخرين!)

إن “الطيبة” أو الدماثة (أي الشخصية السليمة الكاملة) هي أمرُ ممتاز. وعلينا أن نسعى بكل وسيلة في طاقتنا، طبية وتربوية واقتصادية وسياسية، لإنتاج عالم ينشأ فيه أكبر عدد ممكن من الناس “الطيبين”، مثلما ينبغي أن نحاول إنتاج عالم فيه يتوفر للجميع ما يأكلونه. ولكن يجب ألا نفترض أنه حتى لو نجحنا في جعل كل امرئ طيباً نكون قد خلّصنا نفوس الجميع. فإن عالماً من الناس الطيبين، الراضين بطبيعتهم الذاتية، غير الناظرين إلى أبعد من ذلك، المبتعدين عن الله بعيداً، سيكون في أمس الحاجة إلى الخلاص مثله مثل عالم تعس، بل إن خلاصة قد يكون أصعب بكثير.

ذلك أن مجرد التحسين ليس فداءً، مع أن الفداء دائماً يُحسن الناس في الزمان والمكان الحاليين، وسوف يحسنهم في النهاية إلى درجة لا يمكننا تصورها بعد. فقد صار الله إنساناً ليحول الخلائق أبناءً: ليس فقط كي يُنتج أناساً من النوع القديم أفضل، بل ليُنتج إنساناً من نوع جديد. ولا يُشبه ذلك تعليم حصان أن يثب أفضل ثم أفضل، بل يشبه تحويل الحصان إلى كائن مُجنح.

وبالطبع، ما أن يصير له جناحان، حتى يُحلق حتماً فوق حواجز ما كان ممكناً قط أن يقفز فوقها، وبذلك يتغلب على الحصان الطبيعي في رياضته الخاصة. ولكن قد تمر فترة زمنية، فيما الجناحان ما يزالان في أول عهدهما بالنمو، لا يستطيع فيها الحصان أن يفعل ذلك: وفي تلك المرحلة قد يبدو منظر الحصان غريباً جداً لوجود ذينك النتوءين على كتفيه، ولا سيما لأن أحد لن يقدر أن يُنبئ عند النظر إليهما بأنهما سيكونان جناحين.

ولكن ربما نكون فعلاً قد استفضنا كثيراً في هذا النقطة. فإذا كان ما تريده حجة ضد المسيحية (وأنا أذكر جيداً كيف التمست بشوق حججاً من هذا النوع لما بدأت أخشى ان تكون المسيحية صحيحة) يمكنك بسهولة أن تعثر على مسيحي غرّ وغير مُرض فتقول: “هو ذا إنسانكم الجديد الذي تتباهون به! أعطوني واحدا ً من النوع القديم”.

ولكنك إن كنت قد بدأت ترى المسيحية معقولة على أسس أخرى، فستعرف في قلبك أن قولك هذا لا يعدو كونه هروباً من المسألة. فماذا يمكنك أن تعرف على الإطلاق عن نفوس الآخرين، عن تجاربهم وفُرصهم وصراعاتهم؟ ثمّة في الكون كله نفس واحدة تعرفها حقاً، ألا وهي النفس الوحيدة التي مصيرها بيدك. وإذا كان الله موجوداً فأنت، بمعنى ما، وحدك في حضرته.

وليس في وسعك أن تدفعه بعيداً عنك بتحزراتك عن جارك المُجاور أو بذكرياتك عما قرأته في الكتب. فأية قيمة لتلك الثرثرة والإشاعات (أو يمكنك حتى تذكرها؟) عندما تضمحل تلك الغمامة المخدرة التي نسميها “الطبيعة” أو “العالم الطبيعي”، وتغدو الحضرة التي ما برحت واقفاً فيها كل حين ملموسة ومباشرة ووقعاً لا سبيل إلى اجتنابه؟

ناس طيبون أو أناس جدد – سي إس لويس

Exit mobile version