كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

تحميل الكتاب PDF

السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

“إنها مطلوبة. إنك توقظ إيمانك بالفعل. ثم بعد ذلك كل شيء يقف ساكناً؛ معلقاً؛ أولئك الذين يظنون أنه عمل غير مشروع هذا الذي سأقوم به، دعهم يرحلون.”

شكسبير SHAKESPEARE, Winter’s Tale

 

“وأنا مغمور في عمق رحمتك دعني أموت الموت الذي تشتهيه كل نفس حية.”

كوبر COWPER out of Madame Guion

 

“فإني أحسب”، يقول القديس بولس، “أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا.” إن كان الأمر كذلك، فإن كتاباً عن الألم والمعاناة لا يقول أي شيء عن السماء، يترك تقريباً جانباً كاملاً من جانبي الرواية. في المعتاد يضع الكتاب المقدس والتقليد أفراح السماء في جانب مقابل للآلام الأرضية، ولا يوجد حل لمعضلة الألم لا يقوم بذلك يمكن أن نطلق عليه حلاً مسيحياً.

إلا أننا نشعر بالخجل الشديد في هذه الأيام حتى من مجرد ذكر السماء؛ فنحن نخشى من التهكم حول السعادة في السماء، وأن يقال لنا أننا نحاول “الهروب” من واجبنا في أن نصنع عالماً سعيداً هنا والآن عن طريق أحلام بعالم سعيد في مكان آخر. فإما أن تكون هناك سعادة في السماء أو لا تكون. لكن لو لم تكن هناك سعادة في السماء، إذاً المسيحية باطلة وزائفة، لأن هذه العقيدة منسوجة داخل نسيجها بأكمله. وإذا كانت هناك هذه السعادة، فإن هذه الحقيقة، مثلها مثل أية حقيقة أخرى، لا بد أن تتم مواجهتها، سواء كان هذا مفيداً في الاجتماعات السياسية أم لا.

مرة أخرى، إننا نخشى أن تكون السماء رشوة، وأننا إذا جعلناها هدفاً لنا فإننا لن نصبح نزيهين. لكن الأمر ليس بهذه الصورة. فلا تقدم السماء أي شيء يمكن للنفس المنتفعة أن ترغب فيه. فمن الآمن أن تخبر ذوي القلوب النقية أنهم سوف يرون الله، لأن أنقياء القلب وحدهم هم الذين يريدون ذلك. هناك مكافآت لا تلوث الدوافع. فمحبة رجل لامرأة ليس نفعية لأنه يريد أن يتزوجها، ولا تعتبر كذلك محبته للشعر نفعية لأنه يريد أن يقرأه، ولا محبته للتدريبات الرياضية أقل نزاهة لأنه يريد أن يجري ويقفز ويمشي. فالحب بحسب تعريفه، يسعى للاستمتاع بما أو بمن يحبه.

ربما تعتقد أن هناك سبباً آخر لصمتنا بشأن السماء، بمعنى، أننا لا نرغب فيها حقاً. لكن قد يكون هذا وهماً. إن ما سأقوله الآن هو مجرد رأي خاص بي بدون أدنى سلطة، لذلك فإني أخضعه لحكم مسيحيين أفضل ودارسين أفضل مني. في بعض الأحيان أفكر أننا لا نرغب في السماء؛ لكن في مرات أكثر أجد نفسي أتساءل ما إذا كنا، في أعماق قلبنا، قد رغبنا في أي شيء آخر على الإطلاق. ربما تكون قد لاحظت أن الكتب التي تحبها حقاً مرتبطة معاً بخيط خفي.

إنك تعرف جيداً ما هي السمة المشتركة التي تجعلك تحبها. رغم أنك لا تستطيع أن تصيغ ذلك في كلمات؛ لكن معظم أصدقائك لا يرون تلك السمة على الإطلاق، وكثيراً ما يتساءلون لماذا، إذ تحب هذا، يكون عليك أيضاً أن تحب ذلك. مرة أخرى، أنت تقف أمام بعض المناظر الطبيعية، التي تبدو وكأنها تجسد ما تبحث عنه طوال حياتك؛ ثم بعد ذلك نظرت إلى التصديق الذي يجلس إلى جانبك الذي يظهر أنه يرى ما رأيته انت، لكن عند الكلمات الأولى تجد هوة كبيرة تفصل بينكما، فتدرك أن هذا المنظر الطبيعي يعني شيئاً مختلفاً تماماً بالنسبة له، إنه يسعى إلى رؤية مغايرة ولا يهتم بالإيحاء الذي يفوق الوصف الذي أثارك.

حتى في هواياتك، ألم يكن هناك دائماً نوعاً من الجاذبية الخفية يجهلها الآخرون بصورة غريبة، شيئاً، لا يمكن تعريفك به، ولكنه يكون دائماً على وشك الظهور. في رائحة الخشب المقطوع في الورشة أو قرقعة المياه على جانب القارب؟

أليست كل الصداقات التي تستمر طوال الحياة تولد في اللحظة التي تلتقي فيها أخيراً بإنسان آخر يكون لديه نوع من المعرفة المحدودة (لكنها تكون ضعيفة وغير أكيدة حتى في أفضل صورها) لذلك الشيء الذي ولدت وأنت ترغب فيه، والذي يكون قابعاً تحت التغير المستمر للرغبات الأخرى، وفي كل أوقات الصمت اللحظي بين العواطف الأعلى صوتاً، ليلاً ونهاراً، وسنة بعد سنة، منذ الطفولية وحتى الشيخوخة، تبحث عنه، وتراقبه، وتصغير إليه؟ إنك لم تحصل عليه أبداً.

كل الأمور التي امتلكت نفسك بعمق من قبل كانت مجرد لمحات منه، ومضات مثيرة، وعود لم تتحقق تماماً، وأصداء تلاشت بمجرد أن لامست أذنيك. لكنه لو أصبح ظاهراً بالفعل، لو جاء صدى في أي وقت مضى ولم يتلاشى بل تضخم داخل الصوت نفسه فإنك ستعرفه. بلا أي احتمال للشك سوف تقول، “ها هو أخيراً الشيء الذي صنعت لأجله”. إننا لا نستطيع أن نخبر به بعضنا البعض.

إذ إنه السمة السرية المميزة لكل نفس، الرغبة التي لا يمكن التعبير عنها والتي لا يمكن إشباعها، الشيء الذي رغبنا فيه قبل أن نلتقي بزوجاتنا أو نكّون صداقاتنا أو نختار عملنا، والذي سنظل نرغب فيه على أسِرّة موتنا، عندما لا يعد العقل يعرف الزوجة او الصديق او العمل. فأثناء وجودنا يوجد هذا الشيء. وإذا فقدناه، نفقد كل شيء.

تلك السمة أو العلامة المميزة في كل نفس قد تكون نتيجة الوراثة والبيئة، لكن هذا يعني فقط أن الوراثة والبيئة هما من بين الأدوات التي بواسطتها يخلق الله النفس. إنني أتساءل ليس عن الكيفية، بل عن السبب الذي لأجله يصنع الله كل نفس مميزة ومتفردة. فإذا لم يكن له أي استخدام لكل هذه الاختلافات، فأنا لا أرى سبباً يجعله يخلق أكثر من نفس واحدة. لكن تأكيد أن مداخل ومخارج فرديتك لا تعد غامضة بالنسبة له؛ وفي يوم من الأيام لن تكون سراً غامضاً بالنسبة لك.

فالقالب الذي يصنع منه المفتاح سيكون شيئاً غريباً، لو أنك لم ترى مفتاحاً من قبل؛ والمفتاح نفسه سيكون غريباً بالنسبة لك لو لم تكن قد رأيت قفلاً. إن لنفسك شكلاً رائعاً ومختاراً بعناية لأنها تجويف صُنع لك يلائم بروزاً معنياً في المعالم اللامحدودة للجوهر الإلهي، أو مفتاحاً لفتح واحد من الأبواب في منزل به العديد من الشقق. لأنه ليست الإنسانية بصورة مجردة هي التي ستخلص، بل أنت، أنت القارئ كفرد، سواء كنت جون ستوبس أو جانيت سميث. أيها المخلوق المبارك السعيد.

إن عينيك أنت هي التي سوف تراه (الله) وليس عيناً آخر. كل ما أنت عليه، بدون خطية، من المقدر لك أن تحظى بالشبع المطلق، إذا تركت الله يأخذ طريقه الصالح في حياتك. نظرت ساحرة بروكين The Brocken specter “إلى كل رجل كأنه هو حبها الأول”، لأنها كان خدعة، لكن الله سوف ينظر إلى كل نفس وكأنها هي حبه الأول لأنه هو حبها الأول. سيبدو مكانك في السماء وكأنه صنع لأجلك، ولأجلك أنت وحدك، لأنك أنت صُنعت له، صُنعت له غرزة تلو الأخرى مثلما يصنع القفاز لليد.

من وجهة النظر هذه يمكننا أن نفهم الجحيم في جانبه الخاص بالحرمان. طوال حياتك كانت هناك نشوة غير قابلة للتحقيق تحلق أبعد من قبضة وعيك. لكن سيأتي اليوم الذي ستستيقظ فيه لتجد، فيما يتجاوز كل رجاء، إما أنك قد حصلت عليها، أو أنها كانت في متناول يدك لكنك قد فقدتها إلى الأبد.

قد تبدو هذه فكرة خاصة وذاتية خطيرة عن اللؤلؤة كثيرة الثمن، ولكنها ليس كذلك. فالشيء الذي أتكلم عنه ليس اختباراً. فقد اختبرت فقط الاحتياج إليه، لكن الشيء نفسه لم يتجسد فعلياً أبداً في أية فكرة، أو صورة، أو عاطفة. فقد يستدعيك دائماً خارج نفسك. وإذا لم تخرج خارج نفسك لكي تتبعه. إذا جلست لكي تتأمل في الرغبة وأنت تحاول أن تتعلق بها في ذهنك، فإن الرغبة نفسها سوف تهرب منك. “فالباب الذي يوصل إلى الحياة يفتح عامة خلفنا” و “الحكمة الوحيدة” لإنسان “يلازمه عبير الورود غير المرئية، هي العمل”[1].

هذه النار الخفية تخرج عند استخدام الخوار؛ قم بتغطيتها بما يبدو أنه الوقود البغيض للعقيدة والأخلاقيات (لكي تضمن استمرار اشتعالها ببطء)، أدر ظهرك لها، وباشر واجباتك، وعندها سوف تتقد وتتوهج. يشبه العالم صورة ذات خلفية ذهبية، ونحن الشخصيات الموجودة في تلك الصورة؛ فإلى أن تخطو خارج مسطح الصورة إلى الأبعاد الواسعة للموت، لا تستطيع أن ترى الذهب. لكن لدينا أشياء تذكرنا به. لك نغير استعارتنا التشبيهية، نقول إن التعتيم ليس كاملاً تماماً. فهناك شقوق يظهر منها النور. لكن في بعض الأحيان يبدو المشهد اليومي كبيراً لغموضه.

هذه هو رأيي؛ وقد يكون خاطئاً. ربما تكون هذه الرغبة الخفية أيضاً جزء من الإنسان القديم ولا بد من صلبها قبل النهاية. لكن هذا الرأي له خدعة غريبة لتجنب إنكار الذات. فهذه الرغبة – بل الأكثر كثيراً الرضا والشبع – يرفض دائماً أن يكون متواجداً بالكامل في أية خبرة. فمهما حاولت تحديدها والتعرف عليها، يتضح أنها ليست هي بل شيء آخر؛ بحيث أنه بالكاد يمكن لأية درجة من الصلب أو التغيير أن تذهب إلى أبعد مما تقودنا الرغبة نفسها أن نتوقعه. مرة أخرى، لو كان هذا الرأي غير صحيح، فإن شيئاً أفضل يكون صحيحاً. لكن “شيئاً أفضل” – ليس هذه الخبرة أو تلك، بل أبعد منها – هو في الأغلب تعريف الشيء الذي أحاول أن أصفه.

الشيء الذي تتوق إليه يستدعيك بعيداً عن الذات. بل حتى الرغبة في الشيء تحيا فقط إذا تركتها وتجاهلتها. هذا هو القانون المطلق – البذرة تموت لكي تحيا، والخبز لا بد أن يُلقى على وجه المياه، والشخص الذي يضيّع نفسه يخلصها. لكن حياة البذرة، والعثور على الخبز، واسترداد النفس، هي أمور حقيقية مثل التضحية الأولى. لذلك يقال حقاً عن السماء أنه، “لا توجد ملكية في السماء، فإذا تجرأ أي إنسان بأن يدعو شيئاً ما أنه ملكه، فإنه سوف يُطرح مباشرة إلى الجحيم ويصبح روحاً شريرة”[2].

لكنه يقال كذلك، “من يغلب فسأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ” (رؤيا 2: 17). ماذا يمكن أن يكون ملكاً للإنسان أكثر من اسمه الجديد الذي حتى في الأبدية يظل سراً خاصاً بينه وبين الله؟ وماذا يا ترى تعني هذه “الخصوصية”؟ بالتأكيد. إن كلاً من النفوس المفدية سوف تعرف وتمجد إلى الأبد خاصية ما معينة في الجمال الإلهي أفضل مما يمكن أن يقوم به أي كائن آخر، فلماذا غير ذلك إذاً تم خلق كل الأفراد، إلا لأن الله، حيث أنه يحب كل منهم إلى ما لا نهاية، يحب كل منهم بطريقة مختلفة؟ وهذا الاختلاف، أبعد كثيراً من أن يعوق، يفيض بالمعاني في حب كل الكائنات المباركة لبعضها البعض.

في شركة القديسين. فلو كان الجميع قد اختبروا الله بنفس الطريقة وقدموا لله عبادة متماثلة، لما كان لترنيمة الكنيسة المنتصرة أي تناغم، لكانت كما لو أن فرقة موسيقية تقوم فيها كل الآلات بعزف نفس النغمة الواحدة. يخبرنا أرسطو أن المدينة هي “وحدة المختلفين”، ويخبرنا القديس بولس أن الجسد هو وحدة بين أعضاء مختلفة والسماء مدينة، وجسد، لأن المباركين يظلون إلى الأبد مختلفين؛ يظلون مجتمعاً، لأن كل منهم لديه شيء يقوله للآخرين كلهم – فسيجد كل منهم في الله أخباراً جديدة ومتجددة دائماً عن “إلهي”، والذي سوف يسبحه الجميع باعتباره “إلهنا”.

لأنه بلا شك أن المحاولة الناجحة المتواصلة، لكن غير المكتملة على الإطلاق، التي تقوم بها كل نفس بتوصيل رؤيتها المتفردة لجميع الآخرين (وهذا بطرق يُعتبر الفن الأرضي والفلسفة مجرد محاكاة غير متقنة لها) هي أيضاً من بين الغايات التي خلق الفرد لأجلها (لمدح مجد نعمته).

هذا لأن الوحدة تتواجد فقط بين المختلفين؛ وربما من هذا الرأي، تلقي نظرة لحظية على معنى كل الأشياء. مبدأ وحدة الوجود Pantheism هو عقيدة ليست كاذبة تماماً بقدر ماهي وراء الزمن بصورة ميؤوس منها. ففي القدين، من قبل الخليقة، كان سيصبح صحيحاً أن نقول إن كل شيء كان هو الله. لكن الله خلق؛ وهكذا قد سبب وجود أشياء أخرى غير نفسه. ولكونها مختلفة، فيمكنها أن تتعلم أن تحبه. وأن تحقق الوحدة بدلاً من مجرد التماثل. وهكذا ألقى الله أيضاً خبزه على وجه المياه.

وحتى داخل الخليقة يمكننا أن نقول ان المادة غير الحية، التي ليست لديها إرادة، هي واحد مع الله بالمعنى الذي لا يكون فهي البشر كذلك. لكنه قصد الله أننا يجب أن نعود إلى تلك الهوية القديمة (كما قد يريدنا بعض الصوفيين الوثنيين أن نفعل) بل إننا يجب أن نواصل إلى الحد الأقصى للاختلاف هناك، لكي نتحد مرة أخرى معه بطريقة أسمى. حتى داخل الإله الواحد الأقدس نفسه، لا يكفي أن يكون الكلمة هو الله، بل لا بد أيضاً أن يكون الكلمة “عند” أو “مع” الله. فالآب يلد الابن أزلياً والروح القدس ينبثق؛ هذا الإله يقدم لنا الاختلاف والتمييز داخل ذاته نفسها حتى أن وحدة المحبة التبادلية تتسامى على مجرد الوحدة الحسابية أو الهوية الذاتية.

لكن التمييز والاختلاف لكل نفس – السر الذي يشكل الوحدة بين كل نفس والله، الجنس البشري في حد ذاته لن يلغي أبداً القانون الذي يمنع الملكية في السماء. أما بالنسبة إلى رفاقها من المخلوقات، فإننا نفترض أن كل نفس، سوف تشترك أبدياً في تقديم كل ما تتلقاه إلى الباقين كلهم. اما بالنسبة لله، لابد أن نتذكر أن النفس ما هي إلا تجويف يملأه الله. فوحدتها مع الله، تقريباً بحكم التعريف، هي إخلاء وتخل مستمر عن الذات – فتح، وكشف وتسليم للذات.

فالروح المباركة هي قالب مجوف ينتظر في أي وقت بصبر أكثر فأكثر أن ينسكب فيه المعدن المشع، جسد يتكشف دائماً بالكامل أكثر فأكثر لوهج شمس النهار الروحية. لا يجب أن نفترض أن ضرورة شيء مواز لإخضاع الذات سوف تنهي على الإطلاق، أو أن الحياة الأبدية لن تكون أيضاً إماتة أبدية (للذات). بهذا المعنى، كما أنه قد تكون هناك متع في الجحيم (ليقنا الله منها)، قد يكون هناك شيء ليس على العكس تماماً من الآلام في السماء (ليمنحنا الله سريعاً أن نتذوقها).

لأنه في إعطاء الذات، إذا كان في إي مكان آخر، نلمس إيقاعاً ليس فقط لكل الخليقة بل لكل الكيان. هذا لأن الكلمة الأزلي Eternal Word قدم نفسه أيضاً كذبيحة؛ وتلك لم تكن فقط على الجلجثة. لأنه عند صلب “فإنه فعل في الطقس العاصف لعوالمه النائية، ذلك الذي كان قد فعله قبلاً في بيته في المجد والسرور”[3]. فمن قبل تأسيس العالم يعود الإله المولود ويخضع للإله الوالد بالطاعة.

وكما أن الابن إنساناً عادياً، أعتقد أنه قيل بصدق أن، “الله يحب ليس نفسه كنفسه بل باعتبارها الصلاح او الخير؛ وإذا كان هناك شيء أفضل من الله، لكان قد أحبه ولم يحب نفسه”[4]. لذلك من الأسمى (الإله) إلى الأدنى (المخلوق)، تتواجد الذات ليك تُخلى، وبواسطة هذه الإخلاء، تصبح نفساً بأكثر صدق، وعندها تصبح أكثر اخلاء، وهكذا إلى الأبد. ليس هذه قانوناً سماوياً يمكننا أن نهرب منه بأن نظل أرضيين، ولا هو قانون أرضي يمكننا أن نهرب منه بأن نَخلص: لكن ما هو خارج نظام إعطاء وإخلاء الذات ليس أرضاً، ولا طبيعة، ولا “حياة عادية”.

بل هو فقط وببساطة الجحيم. ومع ذلك فحتى الجحيم يَشق من هذا القانون مثل هذا الواقع حيث أنه عنده. فهذا السجن القاسي في الذات هو مجرد وجه العملة الآخر لإعطاء الذات الذي هو واقع مطلق؛ إنه الشكل السلبي الذي تأخذه الظلمة الخارجية بواسطة توضيح وتعريف شكل الواقع؛ أو الذي يفرضه الواقع على الظلمة بأن يكون له شكل وطبيعة إيجابية خاصه به.

إن التفاحة الذهبية للطبيعة الذاتية، إذ ألقيت بين الآلهة الباطلة، أصبحت تفاحة الخلاف الشقاق لأنهم تزاحموا وتدافعوا عليها. إنهم لم يعرفوا القانون الأول للعبة المقدسة، وهي أن كل لاعب لابد بكل وسيلة ممكنة أن يلمس الكرة ثم يمررها بعد ذلك في الحال. فإذا وُجدت والكرة في يدك يكون هذا خطأ؛ وإذا تشبثت بها، هذا هو الموت. ولكنها عندما تطير للأمام وللخلف بين اللاعبين بسرعة شديدة بحيث لا يمكن للعين أن تتبعها، والمدرب العظيم نفسه هو الذي يقود اللعب، معطياً نفسه أزلياً لخليقته في الخلق، ثم راداً إياها لنفسه مرة أخرى بتضحية الذبيحة في الكلمة، عندها حقاً تجعل الرقصة الأبدية Eternal Dance “السماء تنعس مع التناغم”.

كل الآلام والمسرات التي نعرفها على الأرض هي تلقينات مبكرة لحركات تلك الرقصة؛ لكن الرقصة نفسها لا يمكن مضاهاتها على الإطلاق بآلام هذا الزمان الحالي. فإننا إذ نقترب من إيقاعها الأزلي، يغوص الألم والمتعة حتى يختفيا عن الأنظار تقريباً. هناك يتواجد الفرح في الرقصة، ولكن الرقصة لا تتواجد لأجل خاطر الفرح. بل أنها حتى لا تتواجد لأجل خاطر الخير، أو الحب، بل إنها هي الحب نفسه Love Himself، والخير نفسه Good Himself، وبالتالي فهي فرحة. إنها لا توجد لأجلنا، بل نحن الذين نوجد لأجلها.

إن حجم وفراغ الكون الذي أخافنا في بداية هذا الكتاب، لا يزال يجب أن يخيفنا، لأنه رغم أنها ليسا أكثر من منتج ثانوي ذاتي لخيالنا ثلاثي الأبعاد، إلا أنهما يرمزان إلى حق عظيم. فكما هي أرضنا بالنسبة لجميع النجوم، هكذا بلا شك نحن أيضاً البشر واهتماماتنا بالنسبة لكل الخليقة؛ وكما هي كل النجوم بالنسبة للفضاء نفسه، هكذا أيضاً كل المخلوقات، وكل العروش والقوى وأقدر الآلهة المخلوقة، بالنسبة إلى لانهائية ولامحدودية الكائن ذاتي الوجود Self Existing Being (الله)، الذي هي بالنسبة لنا آب وفادي ومعزي ساكن فينا.

إنه هو الكائن الذي لا يستطيع أي أنسان أو أي ملاك أن يقول أو يدرك ما هو في نفسه، أو ما هو العمل الذي يعمله “من البداية إلى النهاية”. لأن هؤلاء جميعهم مستمدون وغير جوهريين، لذلك فإن رؤيتهم تخذلهم وهم يغطون أعينهم من النور المفرط للحقيقة المطلقة، الذي كان والكائن والذي يأتي، الذي لم يكن من الممكن أبداً أن يكون غير ذلك، والذي ليس له ضد أو نقيض.

بعض الأحيان، تنتج تصميماً على إخفاء المعاناة، أما النساء اللواتي يعانين من التهاب المفاصل الروماتويدي Rheumatoid Arthritis فيظهرن مرحاً وهو الأمر المميز للغاية. حتى أنه يمكن مقارنته بأمل مرض السل Spes Phthisica؛ وربما يرجع هذا إلى تسمم طفيف للمريض من العدوى أكثر منه إلى زيادة في قوة الشخصية. بعض ضحايا الألم المزمن تتدهور حالتهم، فيصبحون خصاميين ولوامين ويستغلون مركزهم المميز كمرضى لممارسة الاستبداد المنزلي.

لكن الأمر الغريب هو أن الفاشلين يكونون قليلين للغاية والأبطال كثيرين جداً؛ يوجد تحدي في الألم البدني يمكن لمعظم الناس أن يدركوه ويستجيبوا له. من ناحية أخرى، فإن المرض الطويل، حتى دون ألم، يستنزف العقل كما يستنزف الجسد. فيتخلى المريض المزمن عن الصراع وينجرف بعجز وبوضوح إلى يأس الشفقة على الذات. حتى في هذه الحالة، بعض المرضى في حالات جسدية مماثلة، يحتفظون بهدوئهم وإيثارهم إلى النهاية. أن ترى ذلك، فتلك خبرة نادرة ولكنها مؤثرة.

أما الألم النفسي فأقل درامية من الألم الجسدي، ولكنه أكثر شيوعاً وأيضاً أكثر صعوبة في تحمله. المحاولات المتكررة لإخفاء الألم النفسي تزيد من العبء؛ فمن السهل أن تقول “أسناني تؤلمني” عن أن تقول “إن قلبي مكسور”. لكن إذا تم قبول السبب ومواجهته، فإن الصراع يقوي وينقي الشخصية وفي الوقت المناسب سوف يعبر الألم في المعتاد.

إلا أنه في بعض الأحيان، يستمر ويكون أثره مدمراً؛ فإذا لم يتم مواجهة السبب أو الاعتراف به. فإنه ينتج الحالة المحزنة للعصابية المزمنة. لكن البعض ببطولية يقومون بالتغلب حتى على الألم النفسي المزمن، وفي كثير من الأحيان ينتجون عملاً بارعاً، ويقوون، ويشددون ويشحذون شخصياتهم إلى أن يصبحوا مثل الصلب المقسى.

أما في الجنون الفعلي فتكون الصورة أعتم. في العالم الطبي بأكمله لا يوجد شيء أكثر شناعة يمكن أن نفكر فيه مثل إنسان يعاني من الكآبة او السوداوية المزمنة Chronic MeLancholia. لكن معظم مختلي العقل لا يكونون غير سعداء، او بالفعل، لا يكونون واعين بحالتهم. في كلتا الحالتين، إذا شفوا من هذا المرض، فإن ما يثير الدهشة هو أنهم لا يتغيرون إلا قليلاً. ففي معظم الأحيان، لا يتذكرون شيئاً عن مرضهم.

يقدم الألم فرصة للبطولة؛ وهذه الفرصة يتم اغتنامها بتكرار

مثير للدهشة.

[1] George Macdonald جورج ماكدونالد

[2] Theologica Germanica

[3] “Unspoken Sermons”, George Macdonald جورج ماكدونالد

[4] Theologica Germanica

السماء – سي إس لويس

الألم الحيواني – سي إس لويس

الألم الحيواني – سي إس لويس

الألم الحيواني – سي إس لويس

الألم الحيواني – سي إس لويس

“وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها.”

تكوين 2: 19.

“لكي تكتشف ما هو طبيعي، لا بد أن ندرس عينات تحتفظ بطبيعتها وليس تلك التي فسدت.”

أرسطو ARISTOTLE. Politics, I. V, 5

 

يبعد الألم الحيواني كثيراً عن الألم الحيواني الإنساني؛ لكن طوال هذا الوقت هناك “شكوى من جرح بريء تخترق السماء”. معضلة معاناة الحيوانات مروعة؛ ليس لأن الحيوانات شديدة الكثرة (لأنه كما رأينا، لا يتم الشعور بمزيد من الألم الحيواني عندما يعاني مليوناً أكثر مما يكون عليه عندما يعاني واحد فقط) بل لأن التفسير المسيحي للألم البشري لا يمكن مد تطبيقه على الألم الحيواني. على قدر ما نعرف. فإن الحيوانات غير قادرة لا على ارتكاب الخطية ولا على عمل الفضيلة؛ لذلك فهي لا يمكن أن تستحق الألم الحيواني ولا أن تتحسن بواسطته.

في نفس الوقت يجب ألا نسمح على الإطلاق لمشكلة الألم الحيواني أن تصبح مركز معضلة الألم الحيواني، ليس لأنها غير مهمة – فكل ما يمثل أسساً معقولة للشك في صلاح الله يعتبر شديد الأهمية حقاً – بل لأنها خارج مدى معرفتنا، لقد أعطانا الله بيانات ومعلومات تمكننا، بدرجة ما، من فهم معاناتنا وآلامنا الشخصية كبشر؛ ولكنه لم يعطنا مثل هذه المعلومات عن الحيوانات. فنحن لا نعرف لماذا خلقت، ولا ماهيتها. وكل ما نقوله عنها يخضع للتخمين.

من عقيدة أن الله صالح قد نستنتج بثقة أن مظهر القسوة الإلهية اللامبالية في مملكة الحيوان هو مجرد وهم – وحقيقة أن الألم الحيواني الوحيد الذي نعرفه في المقام الأول (ألمنا الشخصي) يتضح أنه لا يعتبر قسوة، سيجعل من الأسهل بالنسبة لنا أن نصدق هذا. بعد ذلك، كل شيء يعتمد على التخمين.

قد نبدأ باستبعاد بعض الخداع التشاؤمي الذي عرضناه في الفصل الثاني. حقيقة أن النباتات تعيش “بافتراس” بعضها البعض وأنها في حالة من التنافس “القاسي” ليست لها أية أهمية أخلاقية على الإطلاق. “فالحياة” بالمعنى البيولوجي لا يكون لها علاقة بالخير والشر إلا عندما يظهر الشعور Sentience. مجرد كلمة “يفترس” و “قسوة” هي مجرد استعارات تشبيهية. كان الشاعر ووردزوورث Wordsworth يعتقد أن كل زهرة “تستمع بالهواء الذي تتنفسه”، لكن لا يوجد سبب لافتراض أنه كان على حق.

لا شك أن النباتات الحية تتفاعل مع الإصابات والجروح بطريقة مختلفة عن المادة العضوية؛ لكن الجسم الإنساني المخدر يتفاعل بطريقة أكثر اختلافاً ومثل هذه الاستجابات لا تثبت وجود الشعور. بالطبع، لدينا المبرر في أن نتحدث عن موت أو ذبول نبات كما لو كان مأساة، على شرط أن نعرف أننا نستخدم استعارة قد يكون واحداً من وظائف العالمين غير العضوي والنباتي هو استخدام رموز منها للخبرات الروحية؛ لكننا لا يجب أن نصيح ضحايا لاستعاراتنا.

فالغاية التي فيها تقوم نصف الأشجار بقتل النصف الآخر قد تكون غاية “جيدة” تماماً؛ وهذا لأن جودتها تتمثل في فائدتها وجمالها وهي لا تشعر. عندما نتحدث عن الحيوانات. تثار ثلاثة أسئلة. أولاً، هناك سؤال يتعلق بحقيقة ما الذي تعاني منه الحيوانات؟ وثانياً، هنا سؤال عن المنشأ؛ كيف دخل المرض والألم الحيواني إلى العالم الحيواني؟ ثالثاً، هناك سؤال يختص بالعدالة، كيف التوفيق بين الألم الحيواني وعدالة الله؟

أولاً؛ على المدى الطويل، الإجابة على السؤال الأول هي، إننا لا نعرف؛ لكن قد يكون من المفيد وضع بعض التكهنات. لا بد أن نبدأ أولاً بالتمييز بين الحيوانات؛ لأنه إذا كان القرد Ape يمكنه أن يفهمنا فإن سيأخذ الأمر محمل سيء للغاية لو أننا وضعناه في نفس الفئة مع محار الرخويات ودودة الأرض في تصنيف واحد باعتبارهم جميعاً “حيوانات” كمقابل للإنسان. من الواضح أنه في بعض النواحي، يشبه القرد الإنسان أكثر مما يشبه كلاهما دودة الأرض.

في الطرف الأدنى من عالم الحيوان لا يجب أن نفترض أي شيء يمكن أن نميزه باعتباره شعور، كما أن علماء الأحياء في تمييزهم للحيوان عن النبات لا يستخدمون الشعور أو الحركة أو غيرها من السمات كما يمكن للإنسان العادي بالطبع أن يركز عليها. لكن في نقطة ما، (رغم أننا لا نعرف أين) يكاد يكون من المؤكد أن الشعور يتواجد، لأن الحيوانات العليا لديها أنظمة عصبية تشبه الإنسان إلى حد كبير. لكن عند هذا المستوى لا يزال يتوجب علينا أن نميز الإحساس والشعور Sentience عن الوعي Consciousness.

لو كنت لم تسمع من قبل مطلقاً عن هذا الفارق، أخشى أنك ستجده أمراً مذهلاً، لكن له قوة اقناع عظمية وستجد أنه من غير الحكمة أن ترفضه بصورة قاطعة. افترض أن هناك ثلاثة أحاسيس يتبع أحدها الآخر، الأول “أ”، ثم الثاني “ب”، ثم الثالث “ج”. عندما يحدث ذلك معك فإنك تجتاز بعملية أ ب ج.

لكن، لاحظ ما يعنيه ذلك. إنه يعني أن هناك شيء فيك يقف خارج “أ” بما يكفي أن يجعله يلاحظ “أ” وهو يعبر، وخارج “ب” بما يكفي لأن يجعله يلاحظ “ب” الآن وهو يبدأ في الدخول لملء الفراغ الذي تركه “أ”؛ وشيء يدرك نفسه كما هو خلال الانتقال من “أ” إلى “ب”، من “ب” إلى “ج”، بحيث أنه يستطيع أن يقول، “إن لدي اختبار لـ “أ ب ج”.

هذا الشيء هو ما أطلق عليه الوعي Consciousness أو النفس Soul، والعملية التي وصفتها للتو هي واحدة من البراهين على أن النفس، رغم أنها تختبر الزمن، إلا أنها ليس في ذاتها “متزامنة (متواقتة) مع الزمن” بالكامل. إن أبسط اختبار للمشاعر “أ ب ج” كأحاسيس متتالية يتطلب نفساً ليس هي في حد ذاتها مجرد تتابع للحالات، بل بالأحرى قاعدة ثابتة تتدفق عبرها هذه الأجزاء المختلفة من تيار الشعور، والتي تدرك ذاتها كما هي دون تغيير عبر كل هذه المشاعر. أصبح من المؤكد الآن تقريباً أن الجهاز العصبي لواحد من الحيوانات العليا يقدم له سلسلة متتالية من الأحاسيس.

لكن هذا لا يتبعه أن لديه أي “نفس”، أي شيء يدرك ذاته باعتبار أنه قد شعر بـ “أ”، والآن يشعر بـ “ب”، وأنه يميز الآن كيف تنسحب “ب” بعيداً لكي تفسح مكاناً لـ “ج”، فإذا لم تكن له مثل هذه “النفس”، فإن ما نطلق عليه اختبار “أ ب ج” لن يحدث أبداً. بل سيكون هناك بتعبير فلسفي، “سلسلة متتالية من الإدراكات الحسية”؛ بمعنى، أن هذه الأحاسيس ستحدث في الواقع بذلك الترتيب، وسيعرف الله أنها تحدث هكذا، لكن الحيوان نفسه لن يعرف.

لن يكون هناك “إدراك للتتابع”. وهذا يعني أنك إذا أعطيت هذا المخلوق ضربتين بالسوط، سيكون هناك بالفعل، شعور بالألم الحيواني مرتين: لكن لن يكون هناك نفس تنسيقية يمكنها أن تدرك “لقد شعرت بالألم الحيواني مرتين”. حتى في الألم الحيواني المفرد، لن توجد هناك نفس لتقول “إنني أتألم” – لأنها إذا استطاعت أن تميز نفسها عن الشعور بالألم الحيواني – أي تميز القاعدة عن التيار – بما يكفي أن تقول “إنني أشعر بالألم الحيواني”، فإنها ستكون قادرة كذلك على أن تربط بين هذين الشعورين بالألم الحيواني باعتبارهما اختبارها.

الوصف الصحيح عندنا سيكون “الألم الحيواني يحدث الآن في هذا الحيوان”؛ وليس كما نقول بطريقة شائعة، “هذا الحيوان يشعر بالألم الحيواني”، لأن الكلمتين “هذا، و”يشعر”، يوحيان في الحقيقة بافتراض أن هذا الحيوان هو “ذات” Self أو “نفس” Soul أو “وعي” Consciousness يقف أعلى المشاعر ويرتبها في “اختبار” Experience كما نفعل نحن. إني أعترف بأننا لا نستطيع أن نتخيل مثل هذا الشعور بدون وعي؛ ليس لأنه لا يحدث فينا أبداً، بل لأنه عندما يحدث لنا فإننا نصف أنفسنا عندها بأننا “غائبون عن الوعي”.

وعلى نحو صحيح بالفعل؛ حقيقة أن الحيوانات يكون لها رد فعل للألم مثلنا، لا تثبت بالطبع أنها واعية؛ لأنه قد يكون لنا نحن أيضاً ردود أفعال بهذه الطريقة ونحن تحت تأثير مخدر الكلوروفورم، بل إننا حتى قد نجيب على أسئلة أثناء نومنا.

إلى أي مدى لأعلى يمكن أن يمتد مثل هذا الشعور غير الواعي، لا يمكنني حتى أن أخمن. من الصعب بالتأكيد أن أفترض أن القرود، والفيلة، والحيوانات العليا المستأنسة، ليس لها بدرجة ما، ذات أو نفس تقوم بربط الخبرات وتؤدي إلى فردية بدائية غير متطورة. لكن قدراً كبيراً على الأقل مما يبدو أنه معاناة للحيوان لا يلزم أن يكون معاناة بأي معنى حقيقي. ربما نحن الذين “اخترعنا” أنهم “متألمون” بواسطة “المغالطة المثيرة للشفقة” بأننا نسبنا تفسير تسارع نبضات الحيوان إلى وجود نفس، بينما لا يوجد أي دليل فعلي على ذلك.

ثانياً: كان يمكن نسب أصل المعاناة الحيوانية، بواسطة أجيال مبكرة، إلى سقوط الإنسان – فقد فسد العالم بأكمله بسبب تمرد آدم المدمر. لكن هذا الافتراض مستحيل الآن، لأن لدينا سبب وجيه لكي نؤمن أن الحيوانات كانت موجودة قبل الإنسان بفترة طويلة. فالحيوانات اللاحمة، بل ما يستتبعها، هي أقدم من البشرية.

لذلك فمن المستحيل الآن عند هذه النقطة ألا نتذكر قصة دينية معينة، رغم أنها لم تدخل في قوانين الإيمان، إلا أنه كان يتم الإيمان بها على مدى واسع في الكنيسة، ويبدو أنها كانت متضمنة في كثير من أقوال المسيح وبولس ويوحنا – أعني القصة التي تقول إن الإنسان لم يكون هو أول مخلوق يتمرد على الخالق، بل أن هناك مخلوق أقدم وأكثر قوة قد ارتد منذ فترة طويلة هو الآن سلطان الظلمة (والأمر المهم) ورئيس هذا العالم.

يود بعض الناس أن يرفضوا كل أمثال هذه العناصر من تعاليم ربنا؛ وربما يجادلون أنه عندما أخلى المسيح نفسه من مجده فإنه قد أخضع نفسه أيضاً لكي يشارك، كإنسان، في الخرافات التي كانت سائدة في عصره.

وإني اعتقد بالتأكيد أن المسيح، في الجسد، لم يكن كلي العلم والمعرفة – ربما فقط بسبب أن المخ البشري لم يكن يستطيع أن يكون الأداة الناقلة للوعي كلي العلم والمعرفة؛ وأن نقول إن تفكير ربنا لم يكن مشروطاً فعلياً بحجم وشكل مخه ربما يعني أننا ننكر التجسد الفعلي ونصبح من أتباع الدوسيتية Docetist (أي من أتباع الرأي الذي يربط بصفة خاصة بالغنوصية، القائل بأن يسوع لم يكن له جسد بشري وأنه “ظهر” فقط أنه مات على الصليب – The Free Dictionary – المترجم).

وهكذا إذا كان ربنا قد ألزم نفسه بأية عبارة علمية أو تاريخية نعرف أنها غير صحيحة، فهذا لن يربك أي إيمان لنا في ألوهيته. لكن عقيدة وجود ابليس والسقوط ليس من بين الأمور التي نعرف أنها غير صحيحة؛ فهي لا تناقض الحقائق التي اكتشفها العلماء، بل تناقض مجرد “أجواء رأي سائد” ملتبس تصادف أننا نعيش فيه. إلا أنن لا أضع اعتباراً “لأجواء الرأي السائدة”. فكل إنسان يعرف في موضوعه الدراسي الخاص أن كل الاكتشافات تتم، ولك الأخطاء تصحح، بواسطة أولئك الذين يتجاهلون “أجواء الرأي السائدة”.

لذلك يبدو لي افتراضاً معقولاً، أن هناك قوة مخلوقة قوية كانت تعمل بالفعل لإحداث الاضطراب والبلاء في الكون المادي، أو في النظام الشمسي، أو على الأقل على كوكب الأرض، قبل حتى أن يأتي الإنسان إلى المشهد؛ وأنه عندما سقط الإنسان، شخص ما بالفعل هو الذي جربه وأغواه. هذه الفرضية لا يتم عرضها “كتفسير عام للشر”، بل أنها تعطي فقط تطبيقاً أوسع للمبدأ القائل إن الشر يأتي من إساءة استخدام الإرادة الحرة.

فإذا كانت هناك مثل هذه القوة، كما أؤمن أنا شخصياً، فربما تكون بالفعل هي التي أفسدت الخليقة الحيوانية قبل ظهور الإنسان. يكمن الشر الجوهري لعالم الحيوان في حقيقة أن الحيوانات، أو بعض الحيوانات، تعيش عن طريق تدمير بعضها البعض.

لكن أن تقوم النباتات بعمل نفس الشيء، فلن أعترف بأن هذا شر. لذلك فإن الإفساد الشيطاني للحيوانات سيكون مشابهاً، من ناحية واحدة، للإفساد الشيطاني للإنسان. هذا لأن إحدى نتائج سقوط الإنسان كان أن حيوانيته تراجعت عن الإنسانية التي أخذت منها، ولم تعد إنسانيته تتمكن من التحكم في حيوانيته.

بنفس الطريقة، ربما تم تشجيع الحيوانية أن تنزلق للخلف إلى سلوك يتناسب مع النباتات. من الصحيح، بالطبع، أن معدل الوفيات الضخمة نجم عن حقيقة أن كثيراً من الحيوانات التي تعيش على افتراس الحيوانات الأخرى تتوازن، في الطبيعة، مع معدل مواليد هائل، وربما يبدو أنه لو كانت كل الحيوانات آكلة للعشب وبصحة سليمة، فإنها كانت في الأغلب ستموت جوعاً نتيجة لتكاثرها هي نفسها. لكن أعتبر الإخصاب ومعدل الوفيات ظاهرتان مرتبطتان ومتلازمتان.

فربما لم يكن هناك ضرورة لمثل هذا الإفراط في الدافع الجنسي، والذي فكر فيه إله هذا العالم كاستجابة للافتراس – وهي مكيدة ثنائية لضمان أكبر قدر ممكن من العذاب. فإذا كان يسيء أقل، يمكن أن تقول إن “قوة الحياة” فاسدة، حيث أقول أنا أن الكائنات الحية قد أُفسدت بفعل كائن ملائكي شرير. الاثنان هما نفس الشيء؛ لكني أجده من الأسهل أن أؤمن بأسطورة عن آلهة وشياطين عن أن أؤمن بواحدة من الأسماء المجردة التي ننسب لها وجود مادي أو نشخصها.

وعلى أية حال، ربما تكون أسطورتنا أكثر قرباً للحقيقة الموضوعية مما نفترض. ودعونا لا ننسى أن ربنا، في إحدى المناسبات، ينسب المرض البشري ليس إلى غضب الله، ولا إلى الطبيعة، بل بوضوح شديد إلى ابليس (لوقا 12: 16).

إذا كانت هذه الفرضية تستحق التفكير، فإن مما يستحق التفكير أيضاً ما إذا كان للإنسان بالفعل، في بداية دخوله إلى العالم، وظيفة فدائية لكي يقوم بها. فالإنسان، حتى الآن، يمكنه أن يفعل عجائب للحيوانات؛ فقطتي وكلبي يعيشان معاً في بيتي ويبدو أنهما يحبان هذا الأمر. فربما كانت واحدة من وظائف الإنسان أن يستعيد السلام لعالم الحيوان، ولو لم يكن الإنسان قد انضم إلى العدو، ربما كان قد نجح في فعل ذلك إلى حد يصعب تخيله الآن.

أخيراً، هناك قضية العدالة. لقد رأينا سبباً لكي نؤمن أنه ليست كل الحيوانات تعاني الآلام كما نعتقد؛ لكن بعضاً منها على الأقل، يبدو وكأن له نفس، فماذا سيُصنع لأجل هذه الكائنات البريئة؟ وقد رأينا أنه من الممكن أن نصدق أن الألم الحيواني ليس من صنع الله ولكنه بدأ بواسطة حق إبليس واستمر بواسطة ترك الإنسان لمركزه؛ ومع ذلك، لو لم يكن الله قد سبب هذا الألم الحيواني، فإن قد سمح به، مرة أخرى إذاً، ماذا سيُصنع مع هذه الكائنات البريئة؟ لقد حُذُرت لكيلا أثير حتى قضية خلود الحيوانات، لئلا أجد نفسي في “رفقة كل العذارى الشيخات”.

ومع ذلك، فليس لدي أي اعتراض على هذه الرفقة. إنني لا أعتقد أن أياً من البتولية أو الشيخوخة أمر مهين، وبعض من أذكى العقول التي التقيتها تسكن أجساد العذارى الشيخات. كما أنني لا أتأثر كثيراً بالأسئلة المازحة مثل “أين ستضع كل البعوض؟” (لو كان سيحظى بالخلود) – وهو سؤال يجب أن تتم الإجابة عليه على قدر مستواه بالإشارة إلى أنه، إذا جاء الأسوأ إلى الأسوأ، فإن سماء للبعوض وجحيماً للبشر يمكن أن يجتمعا معاً بصورة ملائمة تماماً.

لكن الصمت التام من الكتاب المقدس ومن التقليد المسيحي عن خـلود الحيوانـات هو اعتراض أكثر جدية؛ ولكنه سيكون مصـيرياً فقط إذا أظهر الإعلان المسـيحي أية علامـات أنه يقصـد بهذا الصـمت أن “نظـام الطبيعة” A Systeme De La Nature يجيب على كل الأسئلة. لكن ليس الأمر شيئاً من هذا القبيل؛ لقد انشق الحجاب عند نقطة واحدة، وعند نقطة واحدة فقط، لكي يكشف ضرورياتنا العملية المباشرة وليس لكي يُرضي فضولنا الفكري.

فالحقيقة أنه لو كانت الحيوانات خالدة، فمن غير المرجح، مما نفهمه من أسلوب الله في الإعلان (الوحي)، أنه كان سيعلن هذه الحقيقة. حتى خلودنا نحن الشخصي هو عقيدة جاءت متأخرة في تاريخ اليهودية. لذلك فالبرهان من منطلق الصمت هو ضعيف للغاية (يريد الكاتب أن يقول إن مجرد صمت الكتاب المقدس عن موضوع خلود الحيوانات ليس دليلاً لا على خلودها ولا على عدم خلودها إذ أن الله لم يكشف لنا كل شيء، بل كشف لنا فقط عن الضروريات – المترجم).

تكمن الصعوبة الحقيقية بشأن افتراض أن معظم الحيوانات ستكون خالدة، في أن الخلود ليس له معنى تقريباً بالنسبة لمخلوق ليس لديه “وعي” بالمعنى الذي شرحناه فيما سبق.

فإذا كانت حياة حيوان سمندل الماء مثلاً هي مجرد تتابع للإحساسات، فماذا يمكن أن نعني عندما نقول إن الله قد يستدعي للحياة حيوان السمندل الذي مات في هذا اليوم؟ إنه لن يدرك نفسه بأنه هو نفسه حيوان سمندل الماء الذي مات؛ فالإحساسات السعيدة لأي سمندل ماء آخر عاش بعد موته ستكون هي نفسها، بمثل الكثرة أو القلة، تعويضاً عن معاناته الأرضية (لو كانت له معاناة) مثل تلك التي تشعر بها (إذا كان يمكن أن أقول) “نفسه” المقامة.

لكن بيت القصيد هنا هو أنه ربما لا يوجد لحيوان السمندل “نفس”. لذلك فما نحاول أن نقوله في هذه الفرضية، لا يمكن حتى التصريح به (يقصد الكاتب أن حيواناً مثل سمندل الماء يماثل كل حيوانات سمندل الماء الأخرى لأنه ليس لديه في الأغلب “نفس” تميزه عن غيره من بين نوعه، فلا يوجد داع لخلود حيوانات سمندل الماء لأنها كلها تشبه بعضها البعض إذ أنها لا تتمتع بوعي يميز أحدها عن الآخر، وما عاناه واحد منها يمكن أن يعوضه حيوان سمندل آخر – المترجم).

لذلك أعتقد أنه لا توجد “قضية” تتطلب خلود الكائنات التي مجرد “تشعر” فقط. كما لا يتطلب العدل والرحمة أنه يجب أن توجد، لأن مثل هذه المخلوقات ليس لها خبرة مؤلمة. فنظامها العصبي يرسل كل حروف كلمة “معاناة” بالصورة التالية “م، ع، ا، ن، ا، ة” لكن حين أنها لا تستطيع أن تقراً، فإنها لا تركب أبداً كلمة “معاناة”. ربما تكون كل الحيوانات في تلك الحالة.

لكن إذا كان الاقتناع القوي الذي لدينا عن وجود “صفة ذاتية” رغم أنها بلا شك بدائية، في الحيوانات العليا، وخاصة في تلك الحيوانات التي نستأنسها، ليس وهماً، فإن مصيرها يتطلب تفكيراً أعمق نوعاً ما. لكن الخطأ الذي لا بد أن نتجنبه هو أن نفكر فيها في حد ذاتها. يجب أن يتم فهم الإنسان فقط في علاقته بالله. كذلك الحيوانات يجب أن يتم فهمها فقط في علاقتها بالإنسان، ومن خلال الإنسان، في علاقتها بالله.

دعونا هنا نأخذ حذرنا من واحدة من تلك الأمور الكثيرة التي لا تتغير عن طبيعتها في الفكر الإلحادي الذي يبقى كثيراً في أذهان المؤمنين المحدثين. ينظر الملحدون عادة إلى تعايش الإنسان مع الحيوانات الأخرى كمجرد نتيجة مشروطة للحقائق البيولوجية المتفاعلة؛ وينظرون إلى ترويض إنسان لحيوان باعتباره تدخل قسري خالص من إحدى الأنواع في نوع آخر. فبالنسبة لهم، الحيوان: “الحقيقي” أو “الطبيعي” هو الحيوان المتوحش، والحيوان المروض هو الشيء المصطنع أو غير الطبيعي.

لكن لا بد للمسيحي ألا يفكر هكذا. لقد أقام الله الإنسان لكي يكون له سلطان على الحيوانات، وكل شيء يفعله الإنسان لحيوان إما أن يكون ممارسة مشروعة، أو إساءة مدنسة، لسلطة مُنحت له بالحق الإلهي. لذلك الحيوان المروض، بأعمق معنى، هو الحيوان الوحيد “الطبيعي”، الحيوان الوحيد الذي نراه يشغل المكان الذي صنع لكي يشغله، وعلى هذا الحيوان المروض يجب أن نبني كل عقيدتنا عن الحيوانات.

سنرى الأن أنه بقدر ما يكون للحيوان المروض نفس حقيقية أو شخصية، فإنه يدين في ذلك بالكامل تقريباً لسيده. فإذا كان كلب الراعي يبدو “كإنسان تقريباً” فهذا لأن هناك راع صالح قد جعله هكذا. وقد أشرت بالفعل إلى القوة الغامضة لحرف الجر “في” إنني أنظر إلى كل معاني هذا الحرف في العهد الجديد باعتبارها متماثلة، بحيث يكون أن الإنسان “في” المسيح والمسيح “في” الله والروح القدس” في” الكنيسة وأيضاً “في” المؤمن الفرد، بنفس المعنى تماماً.

فربما كانت معاني متوافقة شعرياً أو متسقة، أكثر مما هي معنى واحد. سأفترض الآن – رغم أن على استعداد عظيم للتصحيح من لاهوتيين حقيقيين – أنه ربما كان هناك معنى يتفق، رغم أنه لا يتطابق، مع هذه المعاني، بحيث تكون هذه الحيوانات التي تحصل على نفس حقيقية هي “في” أسيادها. هذا معناه أنك يجب ألا تفكر في الحيوان في حد ذاته وتطلق عليه “شخصية” ثم تتساءل بعد ذلك ما إذا كان الله سوف يقيم ويبارك ذلك الحيوان.

لا بد لك أن تتعامل مع السياق بأكمله الذي يحصل فيه الحيوان على صفته الذاتية؛ أي “الزوج الصالح والزوجة الصالحة يحكمان أبناءهما وحيواناتهم في بيت الأسرة الصالح”. يمكن النظر إلى هذا السياق بأكمله باعتباره “جسد” بالمعنى البولسي (نسبة إلى بولس) Pauline (أو المتفرع من البولسي)؛ ومن يمكنه أن يتنبأ كلم من ذلك “الجسد” يمكن أن يقام مع الزوج الصالح والزوجة الصالحة؟ ربما الكثير جداً، كما هو ضروري ليس فقط لمجد الله ولتطويب هذين الزوجين، بل لأجل المجد الخاص وذلك التطويب الخاص الذي يصطبغ طوال الأبدية بهذا الاختبار الأرضي المميز.

وبهذه الطريقة يبدو من الممكن بالنسبة لي أن يكون لبعض الحيوانات المعينة خلود، ليس في حد ذاتها، بل في خلود أسيادها. إن الصعوبة الخاصة بالهوية الشخصية في مخلوق لا يكاد يكون شخصياً، تختفي عندما يتم تربية هذا المخلوق في تلك البيئية الملائمة.

فإذا سألت، بشأن حيوان تم تربيته بمثل هذه الطريقة كعضو في “الجسد” الكلي لبيت الأسرة، أين تكمن هويته الشخصية، سأجيبك، “حيث سكنت هويته دائماً حتى في الحياة الأرضية – في علاقته “بالجسد”، وخاصة، بالسيد الذي هو رأس ذلك الجسد”. بكلمات أخرى، “سيعرف الرجل كلبه”، والكلب سوف يعرف سيده، وفي معرفته له، سيكون الكلب “نفسه”. أن تسأل أنه يجب، بأية طريقة أخرى، أن يعرف الكلب نفسه، فقد يعني هذا أن تسأل عما ليس له أي معنى، فالحيوانات ليست كذلك، ولا تريد أن تكون كذلك.

إن الصورة التي ذكرتها عن كلب الراعي الصالح في بيت الأسرة الصالحة لا تغطي، بالطبع، الحيوانات المتوحشة ولا الحيوانات المنزلية التي يُساء معاملتها (وهو الأمر الأكثر إلحاحاً). لكن المقصود بها فقط مثال توضيحي مأخوذ من حالة متميزة واحدة – التي هي أيضاً بحسب رأيي، الحالة الوحيدة العادية وغير المنحرفة عن المبادئ العامة التي يجب مراعاتها في استنباط نظرية قيامة الحيوانات. لذلك أعتقد أن المسيحيين ريما يترددون عن حق في افتراض أن أي حيوان هو خالد؛ وذلك لسببين.

الأول، لأنهم يخشون، أنهم عندما ينسبون للحيوانات “نفساً” بالمعنى الكامل، أن يثيروا التشويش والارتباك الخاص بالاختلاف بين الحيوان والإنسان والذي بقدر ما هو اختلاف حاد في البعد الروحي بقدر ما هو ضبابي وإشكالي في البعد البيولوجي.

ثانياً، بسبب أن فكرة السعادة المستقبلية المرتبطة بحياة الحيوان الحالية، ببساطة كتعويض عن المعاناة – فهذا العدد الكبير جداً من آلاف السنين التي ستقضيها الحيوانات المقامة في المراعي السعيدة التي سيتم تسديدها كتعويض عن “أضرار” الكثير جداً من السنين التي قاموا فيها بسحب العربات – تبدو تأكيداً أخرقاً وغير ملائم للصلاح الإلهي.

فنحن حيث أننا عرضة للخطأ، كثيراً ما نؤذي طفلاً أو حيواناً عن غير عمد، وعندها أفضل شيء يمكننا أن نفعله هو أن “نعوضه عن ذلك” ببعض التربيت والملاطفة أو بقطعة من الحلوى. لكن لا يمكن أن يكون من الورع أن نتخيل أن يقوم العلم والمعرفة الكلية الإلهية بالتصرف بمثل هذه الطريقة، كما لو ان الله قد داس على ذيل حيوان في الظلام، ثم فعل بعد هذا أفضل ما يمكنه عمله بشأن ذلك!

في مثل هذه التسوية الفاشلة لا يمكنني أن أميز لمسة السيد والخبير؛ فأياً كان الحل، لا بد أن يكون شيئاً أفضل من هذا. النظرية التي أفترضها تحاول أن تتجنب كلا الاعتراضين. فهي تجعل الله هو محور الكون والإنسان هو المركز الثانوي التابع في الطبيعة الأرضية؛ ليست الحيوانات متساوية في الرتبة مع الإنسان.

لكنها أدنى منه وتابعة له، ومصيرها مرتبط بمصيره بكل معنى الكلمة. لذلك فالخلود الثانوي المفترض للحيوانات ليس مجرد “غرامة” أو تعويض: بل هو جزء لا يتجزأ من السماء الجديدة والأرض الجديدة، والمرتبط عضوياً بكل عملية الألم الحيواني المتمثلة في سقوط وفداء العالم.

بافتراض، كما فعلت، أن الهوية الذاتية Personality للحيوانات الأليفة هي إلى حد كبير هبة الإنسان – وأن مجرد شعور Sentience هذه الحيوانات يولد من جديد ليكون الصفة الذاتية Soul hood “فينا” حيث أن صفتنا نحن الذاتية ولدت من جديد للحياة الروحية في المسيح. فإنني أفترض بالطبع أن عدداً قليلاً جداً من الحيوانات بالفعل، في حالتها الوحشية، تحصل على “نفس” أو ذات.

لكن إذا كانت أي منها تحصل عليها، وإذا كان مرضياً لصلاح الله أن تعيش هذه الحيوانات مرة أخرى. فإن خلودها أيضاً سيكون مرتبطاً بالإنسان، ليس في هذه المرة، بأسياد أفراد؛ بل بالبشرية. هذا يعني أنه إذا كانت القيمة شبه الروحية والعاطفية التي ينسبها التقليد البشري للحيوان في حالة ما (مثل صفة “براءة” الحمل أو الشعار الملوكي للأسد) لها أساس حقيقي في طبيعة الحيوان؛ وليست مجرد شيء اعتباطي أو بالمصادفة، فإنه في مثل تلك الصفة، أو أساساً في تلك الصفة، يمكن أن نتوقع أن يحضر الحيوان في الإنسان المقام ويشكل جزء من “تسلسل أفكاره”.

أو إذا كانت تلك الصفة التقليدية خاطئة تماماً، فإن حياة الحيوان السماوية ستكون بفضل الأثر الحقيقي، لكن غير المعروف، الذي كان له على الإنسان فعلياً خلال تاريخه كله؛ لأنه إذا كان علم الكونيات Cosmology المسيحي صادق بأي معنى (لا أقول بمعنى حرفي)، فإن كل ما هو موجود على كوكبنا مرتبط بالإنسان، وحتى المخلوقات التي انقرضت قبل وجود الإنسان يُنظر إليها عندئذ في نورها الحقيقي عندما تُرى باعتبارها إرهاصات اللاوعي للإنسان.

عندما نتحدث عن مخلوقات بعيدة عنا للغاية مثل الحيوانات المتوحشة، ووحوش ما قبل التاريخ، فإننا بالكاد نعرف ما نتحدث عنه. قد يكون جيداً أنه لا أنفس لها ولا معاناة. بل ربما أن كل نوع منها له نفس مشتركة تشارك بها “طبيعة الأسد” وليس الأسود، في مخاض الخليقة، وأنها سوف تدخل ضمن استرداد كل شيء. وغذا كنا لا نستطيع أن نتخيل حتى حياتنا نحن الأبدية، فكي بالأقل يمكننا أن نتخيل الحياة التي يمكن أن تكون للحيوانات باعتبارها “أعضاءنا”.

لو كان الأسد الأرضي يستطيع أن يقرأ النبوة الخاصة بذلك اليوم الذي فيه سيأكل الأسد التبن مثل الثور، فإنه كان سيعتبرها وصفاً ليس للسماء، بل للجحيم. وإذا لم يكن هناك شيء في الأسد سوى عاطفة أكل اللحم، فإنه يكون غير واع و”بقاؤه” لن يكون له أي معنى.

لكن إذا كانت هناك نفس بدائية أسدية Rudimentary Leonine Self فإنه لتلك النفس أيضاً يستطيع الله أن يعطي “جسداً” كما يسره، جسداً لا يعيش بعد ذلك على افتراس الحمل، ولكنه نفس أسدية ثرية بمعنى أنها تعبر أيضاً عن كل طاقة وبهاء وقوة هائلة سكنت داخل الأسد المرئي على هذه الأرض. فأنا أعتقد، وأنا قابل للتصحيح، أن النبي استخدم مقارنة شرقية مبالغ فيها عندما تحدث عن أن الأسد والحمل يضطجعان معاً.

فهذا من شأنه أن يكون وقحاً بالنسبة للحمل. فأن يتعاشر الأسود والحملان بمثل هذه الطريقة (إلا في نوع نادر من الاضطراب السماوي في عيد الإله ساتورن Saturnalia وهو عيد روماني قديم كان يتميز بالاحتفالات الإباحية والعربدة – المرجم) يشبه هذا عدم الحصول لا على حملان ولا على أسود.

لكن أعتقد أن الأسد، عندما يتوقف عن أن يكون خطراً، سيظل رغم ذلك رهيباً؛ بالفعل، سنرى عندها لأول مرة ذلك الذي يعتبر ما هو موجود حالياً محاكاة، غير متقنة ومحرفة شيطانياً، لأنيابه ومخالبه. سيظل هناك شيء مثل انتفاض عرف ذهبي؛ وغالباُ سيقول الدوق الصالح، “دعه يزأر مرة أخرى”.

الألم الحيواني – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

“ما هو العالم، أيها الجنود؟

إنه أنا؛ أنا، هذه الثلوج المتواصلة، هذه السماء الشمالية؛ أيها الجنود، هذه العزلة التي نجتاز فيها هي أنا.”

دبليو دو لا مير W. DE LA MERE

نابليون Napoleon

“ريتشارد يحب ريتشارد؛ أي أنا أكون أنا.”

شكسبير Shakespeare

في فصل سابق تم الاعتراف بأن الألم الذي يستطيع وحده أن يوقظ الإنسان الشرير على معرفة أنه ليست كل الأمور على ما يرام، قد يقوده أيضاً إلى تمرد نهائي لا توبة فيه. كما تم إدراك من خلال ما سبق أن الإنسان لديه إرادة حرة لذلك فإن كل العطايا التي توهب له هي سلاح ذو حدين. يتبع هذه الافتراضات مباشرة أن المهمة الإلهية المضنية لفداء العالم لا يمكن أن يتم التيقن من نجاحها فيما يتعلق بنفس كل فرد. فالبعض لن يقبلوا الفداء. لا توجد عقيدة أرغب بشدة في إزالتها من المسيحية أكثر من هذه، لو كان الأمر في سلطتي.

لكن هذه العقيدة تحظى بكل التأييد في الكتاب المقدس، وعلى الأخص، في كلمات ربنا نفسه؛ ويتم اعتناقها دائماً بواسطة المسيحيين؛ كما أن المنطق يدعمها. فعند لعب أية مباراة رياضية، لا بد أن يكون هناك احتمال دائماً لخسارتها. هكذا إذا كانت سعادة مخلوق ما تكمن في إخضاع الذات، فلا يستطيع أحد أن يقوم بهذا الإخضاع إلا المخلوق نفسه (رغم أن الكثيرين يمكنهم أن يساعدوه في القيام بذلك) وهو قد يرفض. إنني أود أن أدفع أي ثمن لكي أتمكن من أن أقول بصدق، “الجميع سوف يخلصون”. لكن منطقي يرد بحسم، “بدون إرادتهم، أم بإرادتهم؟” فإذا قلت “بدون إرادتهم” فإني سأفهم في الحال أن هناك تناقض؛ فكيف يمكن لفعل إخضاع الذات الإرادي الفائق أن يكون غير إرادي؟ وإذا قلت “بإرادتهم”، فإن منطقي سيرد، “وكيف سيحدث هذا إذا لم يخضعوا؟” 

إن الأقوال الدومينيكانية Dominical (الخاصة بالرب يسوع المسيح) بشأن الجحيم، مثلها مثل جميع الأقوال الدومينيكانية الأخرى، يتم توجيهها إلى الضمير والإرادة، وليس إلى فضولنا الفكري. فعندما أيقظتنا هذه الأقوال لكي نقوم باتخاذ فعل ما إذا اقتنعنا باحتمالية رهيبة (الجحيم)، ربما فعلت هذه الأقوال كل ما كان يقصد لها أن تفعل. لكن إذا كان كل العالم عبارة عن مسيحيين مقتنعين بهذه الاحتمالية، لكان من الضروري أن نقول كلمة أخرى عن هذا الموضوع. إلا أنه بحسب طبيعة الأمور، هذه العقيدة هي واحدة من الأسباب الرئيسية التي تُهاجَم المسيحية على أساسها باعتبارها بربرية ووحشية، والتي يتم بها الطعن في صلاح الله.

فيقال إن هذه عقيدة بغيضة – وبالحقيقة، أنا أيضاً أكرهها من عمق قلبي – وأتذكر المآسي التي حدثت في حياة البشر من الإيمان بها. أما عن المآسي الأخرى التي تأتي من عدم الإيمان بها فإننا لم نُخبَر عنها إلا القليل. لأجل هذه الأسباب، وهذه وحدها، أصبح من الضروري أن نناقش الأمر.

لا تكمن المشكلة ببساطة في إله يرسل بعضاً من مخلوقاته إلى الهلاك الأبدي. كانت تلك ستكون هي المشكلة لو أننا كنا مسلمين Mahometans لكن المسيحية، كما هي دائماً، بدون أن تغير الواقع المعقد، تقدم لنا شيئاً أكير تعقيداً وأكثر غموضاً، تقد إلهاً غنياً في الرحمة يصبح إنساناً ويموت ميتة العذاب لكي يزيل ذلك الهلاك الأبدي عن خليقته، والذي رغم هذا، عندما يفشل ذلك العلاج البطولي النبيل، يبدو غير مستعد، أو حتى غير قادر، على إيقاف ذلك الهلاك بفعل قوة مجردة.

لقد قلت بدون تكلف منذ لحظات أنني أود لو أدفع “أي ثمن” لكي أزيل هذه العقيدة. لكني كذبت. فأنا لم يكن يمكنني أن أدفع واحداً على ألف من الثمن الذي دفعه الله بالفعل لكي يزيل تلك الواقع. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ غنى كثير في الرحمة، ومع ذلك لا يزال هناك جحيم.

لن أحاول أن أثبت أن هذه العقيدة يمكن احتمالها. دعونا لا نسيء الفهم؛ إنها لا يمكن احتمالها. لكن أعتقد أن هذه العقيدة يمكن أن تبرهم أنها أخلاقية، بواسطة نقد الاعتراضات التي تقام ضدها عادة، أو يتم الشعور بها، ضدها.

أولاً، هناك اعتراض، في كثير من الأذهان، على فكرة عقوبة القصاص بمثل هذه الطريقة. وقد تم التعامل بطريقة جزئية مع هذا الأمر في فصل سابق. فهناك تم الزعم بأن كل عقوبة تصبح غير عادلة إذا انتزعت منها فكرتا عدم الاستحقاق والجزاء؛ وتم اكتشاف جوهر صواب واستقامة داخل عاطفة الانتقام نفسها، متمثل في المطالبة بألا يشعر الإنسان الشرير أنه راض تماماً عن شره الذي ارتكبه. وأنه لا بد أن يظهر له ما يظهر عن حق للآخرين – أي الشر الذي ارتكبه. وقلت إن الألم يغرس راية الحق داخل قلعة المتمرد. كنا نناقش الألم الذي كان لا يزال في الإمكان أن يقود إلى التوبة. لكن ماذا إذا لم يقد إلى التوبة – إذا لم تحدث أية مكاسب أخرى على الإطلاق سوي غرس راية الحق؟

دعونا نحاول أن نكون أمناء مع أنفسنا. تصور معي إنساناً قد حصل على ثروة أو سلطة بواسطة أسلوب مستمر من الخداع والقسوة، باستغلاله لأعمال ضحاياه النبيلة لأجل الوصول إلى غايات أنانية بحتة، ساخراً من سذاجتهم؛ والذي بعد أن تحقق له النجاح، يستخدمه لإشباع الشهوة والكراهية، وأخيراً يتخلى عن آخر ميثاق شرف بين اللصوص بأن يخون المتواطئين معه بتهكمه عليهم في لحظاتهم الأخيرة من حيرتهم وإحباطهم.

بل افترض أكثر من ذلك، أنه يفعل كل هذا، ليس (كما نود أن نتخيل) معذباً بالشعور بالذنب أو حتى بالارتياب، ولكنه يأكل بنهم مثل صبي في المدرسة وينام في سلام مثل طفل صحيح الجسم – إنسان مرح، متورد الوجنتين، بدون هم في العالم، واثق بنفسه ثقة تامة لا تهتز حتى النهاية بأن هو وحده الذي وجد الحل للغز الحياة، وأن الله والناس حمقى قد استغلهم بأفضل طريقة ممكنة، وأن طريقة حياته ناجحة ومرضية ولا يمكن تعويضها، لا بد أن نكون حذرين عند هذه النقطة. إن أقل انغماس في شهوة الانتقام هو خطية مميتة للغاية.

لذلك تشير علينا المحبة المسيحية أن نبذل أقصى جهد لتجديد مثل هذا الإنسان؛ أن نفضل تجديده، حتى ولو بالمخاطرة بحياتنا الشخصية، ولو على حساب حرماننا نحن أنفسنا، عن أن يعاقب؛ أن نفضل ذلك بلا أي حدود. لكن ليس هذه هي المشكلة، لنفترض أنه لن يتجدد، ما المصير الذي يمكنك أن تعتبره ملائماً له في العالم الأبدي؟ هل يمكنك أن ترغب حقاً أن مثل هذا الإنسان، إذا ظل كما هو (ولا بد أنه قادر على فعل ذلك إذا كانت لديه إرادة حرة) يجب أن يكون مستقراً إلى الأبد في سعادته الحالية – هل يستمر، طوال الأبدية، مقتنعاً تماماً أنه هو الذي ضحك في النهاية؟

وإذا لم تكن تنظر إلى ذلك باعتباره مقبولاً، فهل مجرد شَرّك – الحقد فقط – هو الذي يمنعك من القيام بذلك؟ أم هل تجد أن الصراع بين العدل والرحمة، الذي يبدو لك في بعض الأحيان قطعة بالية من اللاهوت، يدور الآن فعلياً في فكرك الشخصي، وتشعر كثيراً كما لو أن هذه الفكر (القصاص) جاء إليك من فوق. وليس من أسفل؟ ليست الرغبة التي تحركك هي إيقاع الألم بمثل ذلك المخلوق التعس، بل مطلب أخلاقي حقيقي بأنه إن عاجلاً أم آجلاً، يجب توكيد ما هو صائب وتوكيد الراية التي غرست في تلك النفس شديدة التمرد، حتى لو لم يتبع ذلك كسب أشمل أو أفضل.

من ناحية ما، من الأفضل للمخلوق نفسه، حتى لو لم يصبح صالحاً أبداً، أن يعرف أنه فاشل، ومخطئ. حتى الرحمة بالكاد تستطيع أن تتمنى لمثل هذا الإنسان استمراره الأبدي برضى في مثل هذا الوهم الشنيع. قال توما الاكويني Thomas Aquinas عن الألم، مثلما قال أرسطو Aristotle قبله عن الشعور بالخزي، أنه ليس شيئاً جيداً في حد ذاته، بل شيئاً قد يكون له خير معين في ظروف محددة. هذا يعني أنه إذا كان الشر موجوداً، فإن الألم في إدراكه للشر، حيث أن هذا نوع من المعرفة، هو خير نسبياً؛ لأن البديل هو أن تكون النفس جاهلة بالشر، أو جاهلة بأن الشر مناقض لطبيعتها، وكما يقول الفيلسوف، “أي منهما سيء بشكل واضح”. وأنا أعتقد، أننا رغم أننا نقشعر من ذلك، إلا أننا نتفق معه.

إن المطالبة بأنه يجب على الله أن يغفر لمثل هذا الإنسان بينما يظل الإنسان كما هو، مبنية على خلط بين التغاضي والتستر على الشر وبين الغفران. “فالتغاضي عن الشر” يعني ببساطة تجاهله، ومعاملته كما لو كان خيراً. لكن “الغفران” لا بد أن يتم قبوله وبالمثل تقديمه لو كنا نريده أن يكون كاملاً: فالإنسان الذي لا يعترف بأي ذنب لا يمكنه أن يقبل أي غفران.

لقد بدأت بمفهوم الجحيم كعقوبة قصاصية إيجابية يوقعها الله لأن هذا هو الشكل الذي تلقى بسببه العقيدة أكثر النفور، وقد تمنيت أن أعالج أقوى اعتراض. لكن بالطبع، رغم أن ربنا تكلم كثيراً عن الجحيم باعتباره حكم يوقعه كرسي القضاء، فقد قال أيضاً في مكان آخر أن الدينونة تتمثل في نفس حقيقة أن البشر يفضلون الظلمة على النور، وأنه ليس هو، بل “كلمته”، هي التي تدين البشر (يو 3: 19؛ 12: 48). لذلك فإن لدينا الحرية – حيث أن المفهومين على المدى الطويل يعنيان نفس الشيء – أن نفكر في هلاك هذا الإنسان الشرير ليس كحكم مفروض عليه، بل لمجرد حقيقة كونه ما هو عليه.

إن سمعة النفوس الضالة هي “رفضهم كل ما هو ليس ببساطة ذواتهم”[1]. فالإنسان الأناني الذي تخيلناه منذ قليل يحاول أن يحول كل شيء يقابله إلى عالم للذات أو ملحق لها. الشعور “بالآخر”، أي القدرة نفسها على الاستمتاع بالخير، خامدة عنده إلا بقدر ما لا يزال جسده يجذبه إليه في نوع من الاتصال البدائي مع عالم خارجي. يُزيل الموت هذا الاتصال الأخير. فتتبقى لديه رغبته. أن يعيش بالكامل في الذات وأن يستغل ما يجده هناك بأفضل صورة ممكنة. وما سيجده هناك هو الجحيم.

هناك اعتراض آخر يوجه إلى عدم التناسب الواضح بين اللعنة الأبدية ووقتية الخطية. فإذا فكرنا في الأبدية باعتبارها مجرد وقت ممتد من الزمن، سنجد بالفعل عدم تناسب. لكن الكثيرين يرفضون هذه الفكرة عن الأبدية. فإذا فكرنا في الزمن باعتباره خط – وهو تشبيه جيد، لأن أجزاء الزمن متوالية ولا يمكن أن يتواجد اثنان منها معاً في نفس الوقت؛ في مركزه، إذ لا يوجد عرض Width في الزمن، بل طول Length فقط – ربما يكون علينا أن نفكر في الأبدية كسطح مستو أو حتى كمجسم. وهكذا فإن واقع الكائن البشري بأكمله سيكون ممثلاً في شكل مجسم. هذا المجسم سيكون أساساً هو عمل الله، عاملاً من خلال النعمة والطبيعة، لكن الإرادة البشرية الحرة ستكون هو المسهمة بالخط القاعدي الذي نطلق عليه الحياة الأرضية؛ فإذا رسمت خطك القاعدي أعوجاً، فإن المجسم كله سيكون في المكان الخطأ.

حقيقة أن الحياة قصيرة، أو، بحسب التشبيه، أننا نسهم فقط بضلع صغير واحد في المجسم المركب كله، يمكن أن ننظر إليها باعتبارها رحمة إلهية. لأنه إذا كان مجرد ترك رسم ذلك الخط الصغير إلى إرادتنا الحرة، يتم في بعض الأحيان بطريقة سيئة للغاية بحيث يُفسد الكل، فكم بالأحرى كان سيصيب المجسم من اعوجاج وفوضى لو كان قد أوكل إلينا المزيد منه؟ هناك نموذج أبسط من نفس هذا الاعتراض يقول إن الموت يجب ألا يكون هو الحد النهائي الفاصل، ويجب أن تكون هناك فرصة ثانية. لكني أعتقد أنه لو كان من المحتمل لمليون فرصة أن تفعل حسناً، فإنها كانت ستعطى. لكن المعلم في معظم الأحيان يعرف، في حين لا يعرف التلاميذ والوالدين أنه في الحقيقة لا نفع من إرسال التلميذ لاجتياز امتحان ما مرة أخرى. لابد أن تأتي النهاية في وقت ما، ولا يتطلب الأمر إيماناً قوياً للغاية لكي نصدق أن العلم والمعرفة الكلية الإلهية تعرف متى.

هناك اعتراض ثالث يثار بشأن حدة رعب آلام الجحيم كما يفترضها فن العصور الوسطى. وفي الحقيقة، كما تشير إليها أجزاء معينة من الكتاب المقدس. يحذرنا فون هوجل Von Hugel هنا بألا نخلط العقيدة نفسها مع التشبيهات imagery التي يمكن أن يتم تصويرها بها. يتكلم ربنا عن الجحيم بثلاثة رموز؛ الأول، خاص بالعذاب (“عذاب أبدي” متى 25: 46)؛ والثاني، يختص بالهلاك (“بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم”، متى 10: 28)؛ والثالث، يختص باللعنة والحرمان أو الإقصاء أو الطرد إلى “الظلمة الخارجية”، كما في مثل الإنسان الذي لم يكن يرتدي ثياب العرس أو مثل العذارى الحكيمات والجاهلات. التشبيه الشائع عن النار مهم لأنه يجمع بين فكرتي العذاب والهلاك.

الأمر الأكيد للغاية هو أن كل هذه التعبيرات يقصد بها افتراض شيء مريع ورهيب بصورة لا يمكن وصفها، وأي تفسير، لا يواجه هذه الحقيقة، أخشى أنه سيكون خارج الاعتبار منذ البداية. لكن ليس من الضروري أن نركز على تشبيهات العذاب بحيث نغفل تلك التشبيهات التي تفترض الهلاك والحرمان. مم يتكون هذا الشيء الذي يمكن لكل هذه التشبيهات الثلاثة أن تعبر عنه برموز مناسبة على قدم المساواة؟ يجب أن نفترض بالطبع أن الهلاك يعني الدمار أن انتهاء الشيء الذي يتم إهلاكه. يتحدث الناس كثيراً كما لو أن إفناء النفس هو أمر ممكن جوهرياً، إلا أننا في جميع خبراتنا، يعني تدمير شيء ما ظهور شيء آخر. فإذا أحرقت قطة حطب، سيتكون لديك غازات، وحرارة، ورماد. فكون أنه كان هناك حطب يعني الآن وجود هذه الأشياء الثلاثة.

فإذا كان يمكن تدمير النفس، ألا يجب أن تكون هناك حالة لكينونة مستمرة للنفس الإنسانية؟ ألا يمكن أن تكون هذه هي الحالة التي يتم وصفها بصورة جيدة باعتبارها العذاب، والهلاك، والحرمان؟ ربما تذكر أنه في المثل يذهب المُخلَّصون إلى مكان معد لهم، بينما يذهب المدانون إلى مكان لم يعد للبشر على الإطلاق (متى 25: 24-41). وهكذا أن تدخل السماء يعني أن تصبح أكثر آدمية مما قد نجحت في أن تكونه على الأرض في أي وقت مضى؛ أما دخول الجحيم فمعناه أن تحرم من الإنسانية. فما يلقى (أو يلقي بنفسه) إلى الجحيم ليس إنساناً؛ بل “بقايا” أو فضلات. فأن تكون إنساناً كاملاً يعني أن تجعل العواطف مطيعة للإرادة والإرادة مقدمة إلى الله؛ أما أن تكون إنساناً سابقاً أو “شبحاً ملعوناً مداناً” – فقد يعني هذا أن تكون لديك إرادة مرتكزة بالكامل في ذاتها وعواطف غير محكومة بالإرادة على الإطلاق.

من المستحيل بالطبع أن تتخيل ماذا سيكون عليه وعي مثل هذا المخلوق – الذي يكون بالفعل كومة مهلهلة من الخطايا المعادية أكثر منه خاطئ. لذلك ريما بكون هناك شيء من الحقيقة في القول بأن “الجحيم جحيم ليس من وجهة نظره هو، بل من وجهة نظر سماوية”. لا أعتقد أن هذا يناقض قسوة كلمات ربنا. بالنسبة للمدانين وحدهم، يمكن أن يبدو قدرهم أمراً أقل من أن يكون لا يطاق. ولا بد من الاعتراف بأننا إذ نفكر في الأبدية في هذه الفصول الأخيرة، فإن فئات الألم والسعادة، التي شغلتنا لفترة طويلة، تبداً في الانحسار، إذ يلوح في الأفق خيراً أو شراً أكثر ضخامة. فلا الألم ولا السعادة بمثل هذا الصورة (الأرضية) يكون له الكلمة الأخيرة. لأنه حتى لو كان يمكن ألا يحوي اختبار الضالين (إذا كان يمكن أن يطلق عليه اختبار) أي ألم بل الكثير من المتعة، لا تزال تلك المتعة السوداء سيكون من شأنها أن ترسل أي نفس، لم تتم إدانتها نهائياً بالفعل، طائرة إلى صلواتها برعب الكابوس؛ لأنه حتى لو كانت هنالك آلام في السماء، فإن كل من يفهمون سيرغبون فيها.

الاعتراض الرابع هو أنه لا يوجد إنسان محب يمكن أن يكون هو نفسه سعيداً في السماء بينما يعلم أن هناك حتى ولو نفس بشرية واحدة لا تزال في الجحيم؛ إن كان الأمر كذلك، فهل نكون نحن أكثر رحمة من الله؟ يقع في خلفية هذا الاعتراض صورة ذهنية للسماء والجحيم وهما يتواجدان معاً في نفس الوقت ويستمران بصورة متواصلة كما يتواجد معاً تاريخ كل من إنجلترا وأمريكا: بحيث أنه في كل دقيقة يمكن للمباركين أن يقولوا “عذابات الجحيم متواصلة الآن”. لكني ألاحظ أن ربنا بينما يؤكد على هول الجحيم بقسوة شديدة دون كلل فإن يؤكد عادة ليس على فكرة الاستمرارية بل الحسمية والنهائية.

فالإرسال إلى النار المهلكة عادة ما يتم التعامل معه باعتباره نهاية القصة – وليس بداية قصة جديدة. حيث أن النفس الضالة ستظل ثابتة أبدياً على موقفها الشيطاني الشرير فهذا ما لم يمكن الشك فيه؛ لكن ما إذا كان هذا الثبات الأبدي يتضمن استمرارية لا نهائية – أو استمرارية على الإطلاق – فهذا ما لا يمكننا أن نعرفه. توجد لدى د. إدوين بيفان Dr. Edwyn Bevan بعض التكهنات المثيرة حول هذه النقطة. إننا نعرف عن السماء أكثر جداً مما نعرف عن الجحيم، لأن السماء هي مسكن الإنسانية ولذلك فهي تحوي كل ما يُتضمن في الحياة الإنسانية الممجدة. لكن الجحيم لم يُصنع لأجل البشر. لذلك فهو لا يقارن بالسماء من أية ناحية؛ إنه “الظلمة الخارجية” الهوة الخارجية حيث يتلاشى الكائن في اللاوجود.

أخيراً، يثار الاعتراض بأن الهلاك النهائي لنفس واحدة يعنى انهزاماً للقدرة الكلية الإلهية. وهكذا هو الأمر. ففي خلق كائنات لديها إرادة حرة، تخضع القدرة الكلية الإلهية منذ البداية إلى احتمالية مثل هذه الهزيمة. لكن ما تسميه أنت هزيمة، أسميه أنا معجزة؛ لأنه أن يصنع (الله) كائنات ليس هي نفسه، وبالتالي أن يُصبح من إحدى النواحي، قادراً على أن يتحمل مقاومة عمل يديه، فهذا هو أغرب وأكثر الأشياء التي لا يمكن تخيلها في المآثر التي ننسبها إلى الإله. إنني أعتقد عن طيب خاطر، أن المدانين هم من ناحية ما، متمردون ناجحون حتى النهاية؛ وأن أبواب الجحيم مغلقة من الداخل. إنني لا أعني أن الأشباح قد لا ترغب في الخروج من الجحيم، بالطريقة المبهمة التي “يتمنى” بها الإنسان الحسود أن يكون سعيداً؛ بل لأنهم بالتأكيد لا يرغبون حتى في المراحل التمهيدية الأولية للتخلي عن الذات التي بها وحدها يمكن للنفس أن تصل إلى أي خبر. إنهم يتمتعون إلى الأبد بالحرية المريعة التي طلبوها، ولذلك فهم مستعبدون لذواتهم؛ تماماً كما يخضع المباركون للطاعة إلى الأبد، فيصبحون طوال أكثر فأكثر حرية.

على المدى الطويل إذاً سنجد أن الإجابة على كل الذين يعترضون على عقيدة الجحيم، هي نفسها سؤال: “ما الذي تطلب من الله أن يفعله؟” هل أن يزيل خطاياهم السالفة، بأي ثمن، أن يمنحهم بداية جديدة، مذللاً كل صعوبة ومقدماً كل معونة معجزية؟ ولكن الله فعل ذلك حقاً، على الجلجثة، هل أن يغفر لهم؟ أنهم لا يرغبون أن يغفر لهم. هل أن يتركهم بمفردهم؟ للأسف، أخشى أن هذا هو ما يفعله حقاً.

تحذير أخير، وأكون قد انتهيت. لكي أوقظ العقول العصرية لفهم هذه القضايا، قمت بمغامرة بأن أقدم في هذا الفصل صورة لنوع من الإنسان الشرير الذي يمكننا أن ندرك بأكثر سهولة أنه شرير حقاً. لكن بعد أن أدت هذه الصورة دورها، كلما تم نسيانها كلما كان ذلك أفضل. فإننا في كل النقاشات الخاصة بالجحيم يجب أن نحتفظ باستمرار أمام أعيننا بمشهد تلك الدينونة المحتملة، لي لأعدائنا ولا لأصدقائنا (حيث أن كلاً من هذه يفسد المنطق)، بل لأنفسنا. فهذا الفصل لا يتحدث عن زوجتك أو ابنك، وليس عن نيرون Nero أو يهوذا الاسخريوطي؛ إنه يتحدث عني وعنك.

[1] Von Hugel “Essays & Addresses”

الجحيم – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

كل الأشياء التي توجد كما يجب أن تكون تتفق مع هذا القانون الثاني الأبدي؛ وحتى تلك الأمـور التي لا تتفق مع هذا القانـون الأبـدي هي على الرغم من ذلك، من ناحية ما، مُرتبة بواسطة القانون الأبدي الأول”.

Hooker “Laws of Eccles” Pol., I, iii, 1.

في هذا الفصل سوف أتقدم بستة افتراضات أساسية لاستكمال بحثنا في الألم البشري، وهي افتراضات لا تنشأ عن أحدها الآخر ولذلك فلا بد أن تُعطى ترتيباً بحسب التفضيل الشخصي.

الافتراض الأول: هناك مفارقة بشأن المعاناة في المسيحية، طوبى للمساكين، لكن بواسطة الحكم (أي العدالة الاجتماعية) والتبرعات الخيرية يجب علينا أن نزيل الفقر حيثما أمكن. طوبى لنا إذا عُيرنا، لكننا يمكن أن نتجنب الاضطهاد بالهرب من مدينة إلى مدينة. ويمكن أن نصلي لكي نكون بمنأى عنه، كما صلى ربنا في جثسيماني. لكن إذا كان الألم جيداً، أليس من المفترض أن نسعى إليه بدلاً من أن نتجنبه؟ لكني أجيب بأن الألم ليس جيداً في حد ذاته. فالأمر الجيد في أية تجربة مؤلمة، بالنسبة للمتألم، هو خضوعه لإرادة الله، وبالنسبة لمن يشاهدونها، التعاطف الذي ينشأ عن ذلك وأعمال الرحمة التي تقود إليها.

في الكون الساقط والمفدي جزئياً يمكننا أن نميز (1) الخير البسيط الذي ينزل إلينا من عند الله. (2) الشر البسيط الناتج من المخلوقات المتمردة، و(3) استغلال ذلك الشر بواسطة الله لأجل غرضه الفدائي، مما ينتج (4) الخير المركب الذي يسهم في قبول الألم والتوبة عن الخطية. حقيقة أن الله يمكنه أن يصنع خيراً مركباً من الشر البسيط لا تبرر – رغم أنها بالرحمة يمكن أن تخلص – أولئك الذين يصنعون الشر البسيط، هذا التمييز محوري، لا بد أن تأتي العثرات، لكن ويل لمن تأتي بواسطتهم العثرة. نعم، الخطايا تجعل النعمة تكثر جداً، لكننا يجب ألا نجعل ذلك عذراً ومبرراً للاستمرار في الخطية، الصلب نفسه هو أفضل، وبالمثل أسوأ، كل الأحداث التاريخية، لكن يظل دور يهوذا هو ببساطة شر.

يمكننا أن نطبق هذا أولاً على مشكلة آلام الآخرين. الإنسان الرحيم يهدف إلى خير أخيه وهكذا أيضاً تهدف “إرادة الله”، وبذلك فإنه يتعاون عن وعي مع “الخير البسيط”. الإنسان القاسي يظلم أخيه، وهكذا يفعل الشر البسيط. لكن بفعل هذا الشر، فإن هذا الإنسان يُستخدم بواسطة الله، بدون معرفته أو موافقته، لكي ينتج الخير المركب، بحيث يخدم الإنسان الأول الله كابن له، بينما يخدمه الثاني كأداة.

لأنك بالتأكيد ستحقق غرض الله، بأية طريقة تتصرف بها، لكن الاختلاف يكمن بالنسبة لك فيما إذا كنت تخدمه مثل يهوذا أم مثل يوحنا. يمكننا أن نقول إن النظام كله معد للصدام بين البشر الصالحين والبشر الأشرار، وأن الثمار الجيدة للجلد والاحتمال والصبر والشفقة والغفران. التي لأجلها سُمح للإنسان القاسي أن يكون قاسياً، تفترض مسبقاً أن الإنسان الصالح يستمر بطريقة عادية في السعي نحو الخير البسيط.

إنني أقول “عادية” لأن الإنسان في بعض الأحيان يُبيح لنفسه أن يؤذي (أو حتى، بحسب رأيي الشخصي، أن يقتل) أخيه، لكن هذا يحدث فقط عندما تكون الضرورة مُلحة والخير الذي سيحصل عليه واضحاً، وعادة (رغم انه ليس دائماً) عندما يكون لدى الشخص الذي يوقع الألم سلطة معينة للقيام بذلك، مثل سُلطة أحد الوالدين المشتقة من الطبيعة، أو سلطة الحاكم أو الجندي المستقاة من المجتمع المدني، أو سلطة الجراح المأخوذة، في معظم الأحيان، من المريض. لكن أن يحول هذه السلطة إلى امتياز عام لإيلام البشرية “لأن الألم أمر جيد بالنسبة لهم” (كما تفاخر تمبرلين Tamberlaine المجنون في رواية مارلو Marlowe بنفسه باعتباره “سوط الله”)، فهذا في الحقيقة ليس لتدمير المخطط الإلهي بل للتطوع لمركز إبليس داخل هذه المخطط. لأنك إذا قمت بعمل إبليس، فلا بد أن تكون مستعداً لأجرة إبليس وجزائه.

المشكلة الخاصة بتجنب ألمنا الشخصي تسمح بحل مشابه، يستخدم بعض الزاهدين أسلوب تعذيب النفس. كعلماني، أنا لا أقدم أي رأي حول حكمة وتعقل هذا الأسلوب؛ ولكني أصر على أنه، مهما كانت مزاياه، فإن تعذيب النفس هو أمر يختلف اختلافاً تاماً عن الآلام التي يرسلها الله. كلنا نعرف أن الصوم هو تجربة مختلفة عن إغفالك لتناول العشاء عن طريق المصادفة أو بسبب الفقر. الصوم “يدعم” الإرادة ضد شهوة الطعام – حيث المكافأة هي أن يكون لديك سيطرة على النفس، والخطورة أن يكون لديك كبرياء؛ الجوع الإلزامي يخضع الرغبات والإرادة معاً إلى الإرادة الإلهية، فيهيئ فرصة للخضوع كما يعرضنا لخطر التمرد.

لكن الأثر الفدائي للألم يكمن أساساً في ميله لإضعاف إرادة المتمرد. ممارسات الزاهد، التي في حد ذاتها تقوي الإرادة، تكون مفيدة فقط من ناحية أنها حتى تلك اللحظة تقوي الإرادة لكي تنظم بيتها الخاص (العواطف)، كإعداد لتقديم الإنسان بأكمله إلى الله. إنها ضرورية كوسيلة؛ لكنها ستكون مكروهة كفاية، لأنه باستبدال الشهوة والعواطف بالإرادة والتوقف عند هذه النقطة، تصبح هذه الممارسات مجرد تبديل للنفس الحيوانية بالنفس الشيطانية. لذلك قد قيل عن حق أن “الله وحده هو الذي يستطيع أن يميت الجسد ويكبح الشهوات”.

تقوم الضيقات بعلمها في عالم حيث يسعى البشر بصورة عادية، بوسائل مشروعة، لتجنب شرورهم الطبيعية الخاصة ولتحقيق خيرهم الطبيعي، ويفترضون مسبقاً مثل هذا العالم. لكي نقوم بإخضاع الإرادة إلى الله. لا بد أن تكون لدينا إرادة وتلك الإرادة لا بد أن يكون لديها غايات. لذلك فإن إنكار الذات المسيحي لا يعني “عدم الاكتراث واللامبالاة بالمشاعر” مثل أتباع المذهب الرواقي Stoic، بل استعداد لتفضيل الله على غايات ثانوية هي في حد ذاتها غايات مشروعة. من هنا قدم الإنسان الكامل (المسيح) إلى جثسيماني إرادة، وإرادة قوية، للهروب من الألم والموت لو كان مثل هذا الهروب يتفق مع إرادة الآب، يصحبها استعداد تام لطاعة تلك الإرادة لو لم يكن يتفق معها.

يوصي بعض القديسين “بإنكار الذات الكامل” في بداية تلمذتنا؛ ولكني أعتقد أن هذا يمكن فقط أن يعني الاستعداد الكامل لكل نكران ذات في أمر محدد يمكن أن يُطلب من الإنسان، لأنه لن يكون من الممكن أن نعيش من لحظة إلى أخرى لا نرغب في أي شيء سوى الخضوع لله بتلك الطريقة[1]. فماذا ستكون مادة هذا الخضوع؟ سيبدو الأمر كما لو أنه تناقض ذاتي لو قلنا “ما أريده هو أن أُخضع ما أريده لإرادة الله”، لأنه عندها تكون “ما أريده” الثانية ليس بها محتوى. بلا شك أننا نعطي جميعنا الكثير جداً من الاهتمام لتجنب ألمنا الشخصي؛ لكن النية الثانوية الواجبة لتجنبه، باستخدام وسائل مشروعة، هي أمر يتفق مع “الطبيعة”، أي مع نظام العمل في الحياة المخلوقة بأكمله المقصود به العمل الفدائي للضيقات والألم.

إلا أنه سيكون من الزائف تماماً أن نفترض ان النظرة المسيحية للألم لا تتفق مع التأكيد الأقوى على واجبنا في أن نترك العالم، حتى ولو بمعنى وقتي، “أفضل” مما وجدناه. في أشمل صورة قدمها المسيح، فيما يشبه الأمثال، عن الدينونة، يبدو أن ربنا يختزل كل الفضيلة في الإحسان والعمل الخيري الفعال؛ ورغم أنه قد يكون مضللاً أن نأخذ هذه الصورة الواحدة بمعزل عن الإنجيل ككل، إلا أنها تكفي لكي تضع فيما لا يدع مجالاً للشك المبادئ الأساسية للأخلاقيات الاجتماعية للمسيحية (متى 25: 35).

الافتراض الثاني: إذا كان الألم عنصراً ضرورياً في الفداء، لا بد أن نتوقع انه لن يتوقف أبداً إلا عندما يرى الله العالم إما مفدياً أو لا يمكن فداؤه بعد. لذلك، لا يستطيع المسيحي أن يصدق أي من أولئك الذين يعدون أنه فقط، إذا حدث نوع من الإصلاح في نظامنا الاقتصادي أو السياسي أو الصحي، سيتبع ذلك نزول السماء على الأرض.

قد يبدو أن لهذا أثر محبط على الأخصائي الاجتماعي، لكن قد وُجد عملياً أن هذا الأمر غير محبط بالنسبة له. على العكس من ذلك، إن الإحساس القوي بمعاناتنا المشتركة، ببساطة كبشر، هو على الأقل حافز جيد لإزالة كل المآسي التي نستطيع إزالتها، في مثل جودة أي من تلك الآمال الجامحة التي تغري البشر للسعي نحو تحقيقها بكسر الناموس الأخلاقي والتي يثبت بعد تحقيقها أنها غبار ورماد. فإذا طبقنا عقيدة – أن ما يشبه هبوط السماء على الأرض ضروري للمحاولات القوية لإزالة الشر الحالي – على الحياة الفردية، فإنه سيثبت في الحال عبثها وسخافتها. فالجائعون يطلبون الطعام والمرضى يطلبون الشفاء ومع ذلك، فهم يعرفون أنهم بعد أن يأكلوا وجبتهم أو يشفوا من أمراضهم لا تزال تنتظرهم أفراح وانتكاسات الحياة العادية. إنني لا أناقش بالطبع ما إذا كانت التغيرات الجذرية للغاية في نظامنا الاجتماعي مرغوب فيها أم لا؛ بل فقط أذكّر القارئ بأن دواء معيناً يجب ألا يُساء فهمه باعتباره إكسير الحياة.

الافتراض الثالث: حيث أن القضايا السياسية قد اعترضت طريقنا هنا، فلا بد أن أوضح أن العقيدة المسيحية الخاص بإخضاع الذات والطاعة، هي عقيدة لاهوتية بحتة، وليست بأي حال من الأحوال مبدأ سياسياً، لذلك ليس لدي أي شيء أقوله فيما يخص أشكال الحكومات، أو السلطة المدنية والطاعة المدنية، إن نوع ودرجة الطاعة التي يدين بها المخلوق إلى خالقه هي أمر متفرد لأن العلاقة بين المخلوق والخالق فريدة ومتميزة عن أي علاقة أخرى؛ لذلك لا يمكن القيام بأي استدلال منها على أية مسألة سياسية مهما كانت.

الافتراض الرابع: أعتقد أن العقيدة المسيحية الخاصة بالألم تفسر حقيقة هامة جداً بشأن العالم الذي نعيش فيه. إن استقرار وثبات السعادة والأمان الذي نرغب فيه جميعاً، يحجبه الله عنا بواسطة نفس طبيعة هذا العالم؛ لكن الفرح والمتعة والسعادة، ينشرها في كل الجهات. إننا لا نكون في أمان أبداً لكن لدينا الكثير من المتعة، وبعض الإثارة. ليس من الصعب أن نعرف لماذا. فهذا الأمان الذي نتوق إليه يعلمنا أن نربح قلوبنا في هذا العالم ويشكل عقبة في طريق عودتنا إلى الله؛ لكن لحظات قليلة من الحب المفرح، منظر طبيعي خلاب، مقطوعة موسيقية رائعة، لقاء سعيد مع أصدقائنا، الاغتسال، أو مشاهدة مباراة لكرة القدم، لا يكون لهم مثل هذا الاتجاه. ينعشنا أبونا السماوي في رحلتنا ببعض الفنادق المبهجة، ولكنه لن يشجعنا على أن نخطئ فهمها باعتبارها هي بيتنا.

الافتراض الخامس: يجب ألا نجعل معضلة الألم أسوأ مما هي عليه بواسطة الأحاديث الغامضة عن “الكم الذي لا يمكن تخيله من البؤس والشقاء البشري”. افترض مثلاً أن لدي وجعاً في الأسنان بدرجة حدة “X”؛ وافترض أنك أنت، الذي تجلس بجإنبي، تبدأ أيضاً في الشعور بوجع في الأسنان بدجة الحدة “X”. يمكنك، إذا اخترت، أن تقول إن إجمالي كمية الألم الموجود في الغرفة هو 2X.

لكنك لا بد أن تتذكر أنه لا أحد يتألم بدرجة 2X؛ ابحث طوال الوقت وفي كل مكان ولن تجد ذلك الألم المركب في وعي أي إنسان. فلا يوجد شيء اسمه إجمالي كلم الألم، لأنه لا أحد يتألم به. فإننا عندما نصل إلى أقصى حد يمكن لفرد واحد أن يتألم به، نكون بلا شك قد وصلنا إلى شيء مريع للغاية، لكننا عندها نكون قد وصلنا إلى كل الألم والمعاناة التي يمكن أن تكون في الكون في أي وقت مضى. لذلك فإضافة مليون شخص آخر متألم لن يضيف المزيد من الألم.

الافتراض السادس: من بين كل الشرور، الألم فقط هو الشر الوحيد المعقم أو المطهر. الشر الفكري، أو الخطأ، قد يحدث لأن سبب أول زلل (مثل الإرهاق أو خط اليد السيء) يستمر في العمل؛ لكن بعيداً عن ذلك تماماً، الخطأ في حد ذاته يلد الخطأ، فإذا كانت الخطوة الأولى في الجدل خاطئة، كل شيء آخر يتبعها سيكون خاطئاً. الخطية قد تتكرر لأن التجربة الأصلية تستمر؛ لكن بعيداً عن ذلك تماماً، الخطية بحسب طبيعتها نفسها تلد خطية عن طريق تقوية العادة الخاطئة وإضعاف الضمير.

الألم، مثل بقية الشرور الأخرى، قد يتكرر بالطبع لأن سبب الألم الأول (المرض، أو عدو ما) لا يزال يعمل؛ لكن الألم ليس له ميول، في حد ذاته، للتكاثر والتوالد، فعندما ينتهي الألم، ينتهي فعلياً، ويتبعه في الطبيعة فرح. يمكن التعبير عن هذا الفارق المميز بشكل عكسي. بعد خطأ ما أنت تحتاج ليس فقط أن تزيل أسباب الخطأ (الإرهاق أو خط اليد السيء) بل أيضاً أن تصحح الخطأ نفسه؛ وبعد ارتكاب خطية ما، لا بد ليس فقط، إن أمكن، أن تزيل الغواية، بل لا بد لك أيضاً أن تعود وتتوب عن الخطية نفسها.

في كل حالة نجد أن “التراجع عن الفعل” هو أمر مطلوب. لكن الألم لا يتطلب هذا “التراجع عن الفعل”. فقد تحتاج أن تشفي المرض الذي سبب الألم، لكن الألم، بمجرد أن ينتهي، يكون معقماً، بينما كل خطأ لم يتم تصحيحه وكل خطية لم تتم التوبة عنها، هي في حد ذاتها. ينبوع من الخطأ الجديد والخطية الجديدة الذي يتدفق إلى نهاية الزمان. مرة أخرى، عندما أخطئ، فإن خطئي يصيب كل إنسان يصدقني. وعندما أخطئ في العلن، فإن كل من يشاهدني، إما أن يتغاضى عن خطيتي وبذلك يشاركني الذنب، أو أن يدينها مما يشكل خطراً داهماً على محبته واتضاعه.

لكن المعاناة والألم لا تنتج عادة فيمن يشاهدونها (إلا لو كانوا فاسدين بصورة غير اعتيادية) أي أثر شرير، بل أثر جيد، وهو الشفقة والحزن. وهكذا فإن ذلك الشر الذي يستخدمه الله أساساً لإنتاج “الخير المركب” هو شر معقم بطريقة ملحوظة للغاية، أو خال من ذلك “الميل التوالدي” الذي هو أسوأ صفة في الشر بشكل عام.

[1] Brother Lawrence “Practice of The Presence of God”. 1667

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – الجزء الأول – سي إس لويس

“حيث أن حياة المسيح من كل جهة هي الأكثر مرارة وألماً “للطبيعة البشرية، “للذات” و “للأنا” (لأنه في الحياة الحقيقية للمسيح، لا بد أن يتم ترك وإنكار وإماتة الذات والأنا والطبيعة بالكامل)، لذلك فإنه في كل منا، يكون لدى الطبيعة البشرية رعب من هذا الألم.”

Theologia Germanica, XX.

لقد حاولت أن أوضح في فصل سابق أن احتمالية الألم هي شيء موروث في الوجود الحقيقي لعالم يمكن فيه للنفوس أن تتلاقى. عندما تصبح النفوس شريرة فإنها بالتأكيد ستستخدم هذه الإمكانية لكي تؤذي أحداها الأخرى؛ وربما يكون هذا هو السبب في أربعة أخماس الآم البشر. فالبشر وليس الله هم الذين يصنعون المخلعة (أداة تعذيب)، والسياط، والسجون، والرق، والبنادق، والحراب، والقنابل؛ ونتيجة الجشع أو الحمق البشري، وليس بسبب قسوة الطبيعة، أصبح لدينا الفقر والإعياء من كثرة العمل. لكن يظل هناك، رغم هذا، يوجد الكثير من الألم الذي لا يمكن أن نعزيه إلى أنفسنا. حتى لو كانت كل الآلام من صنع البشر، فإننا نود أن نعرف سبب إجازة إله الهائلة لأسوأ البشر بتعذيب رفاقهم الآخرين في الإنسانية[1]. فإن نقول، كما قلنا في الفصل السابق، أن الخير بالنسبة لبشر مثلنا الآن، يعني في الأساس خيراً تصحيحياً أو علاجياُ، هذه إجابة غير كاملة. ليس كل العقاقير الطبية طعمها كريه؛ أو إذا كان طعمها كذلك، فهذه في حد ذاتها واحدة من الحقائق المزعجة التي نود أن نعرف سبباً لها.

قبل أن نواصل لا بد أن أرجع مرة أخرى إلى نقطة قد أثرتها في الفصل الثاني. فقد قلت هناك أن الألم، تحت مستوى معين من الشدة، ليس مزعجاً بل أنه قد يكون محبباً. قد ترغب عندها أن تجيب “في تلك الحالة لا يجب عليّ أن أطلق عليه ألم”، وربما كنت على حق. لكن الحقيقة هي أن كلمة “ألم” لها معنيان يجب تحديدهما الآن.

  • الألم هو نوع معين من الشعور، ربما يتم نقله بواسطة ألياف عصبية خاصة، ويتم إدراكه بواسطة المتألم باعتباره هذا النوع من الإحساس، سواء كان يزعجه أم لا (مثلاً، الألم الضعيف في أطرافي سيتم إدراكه باعتباره ألم حتى لو لم أعترض عليه).
  • الألم هو أية خبرة سواء جسدية أو فكرية، يكرهها المتألم.

 سنلاحظ أن كل الآلام بحسب المعنى (أ) تصبح آلاماً بحسب المعنى (ب) إذا ارتفعت فوق مسـتوى معين من الحـدة، لكن تلك الآلام بحسب المعنى (ب) لا يلزم أن تكون آلاماً بحسب المعنى (أ). الألم بحسب المعنى (ب) في الحقيقة هو مرادف “للمعاناة”، أو “العذاب”، أو “المحنة”، أو “المصيبة”، أو “الضيق”، وبسبب الألم بحسب هذه المفهوم تنشأ معضلة الألم. في بقية هذه الكتاب سوف نستخدم الألم بحسب المعنى (ب)، وسوف يشمل كل أنواع المعاناة: أما بالنسبة للألم بحسب المعنى (أ)، فليس لنا أي شأن آخر به.

يمكن أن نقول الآن أن الخير الحقيقي لكائن ما من المخلوقات هو أن يخضع نفسه لخالقه. أن يحدث فكرياً، وإرادياً، وعاطفياً تلك العلاقة المعطاة في مجرد حقيقة وجوده كمخلوق. عندما يفعل ذلك، يكون في خير وسعادة. ولئلا نعتقد أن هذه معاناة، هذا النوع من الخير يبدأ على مستوى أعلى بكثير من المخلوقات، لأن الله نفسه، باعتباره الابن، يقدم طوال الأبدية لله الآب بالطاعة البنوية، الكيان الذي يلده الآب بالمحبة الأبوية سرمدياً في الابن. هذا هو النموذج الذي صنع الإنسان لكي يحاكيه – والذي حاكاه بالفعل إنسان الجنة – وأينما يقوم المخلوق برد الإرادة الممنوحة له من الخالق بتلك الطريقة الكاملة في طاعة وسعادة الابتهاج إلى الخالق مرة أخرى، فهناك بلا أي شك توجد السماء، وهناك يعمل الروح القدس ويكمل. تكمن المشكلة في العالم كما نعرفه الآن، في كيفية استعادة هذه الخضوع الذاتي. إننا لسنا مجرد كائنات غير كاملة لا بد من تحسينها؛ بل كما يقول نيومان Newman، إننا متمردون لا بد أن نُلقي بأسلحتنا نستسلم. الإجابة الأولى إذاً على السؤال، لماذا يجب أن يكون علاجنا مؤلماً، هي أنه لكي نرد لله الإرادة التي زعمنا لمدة طويلة للغاية أنها ملكاً لنا، فهذا في حد ذاته بأية طريقة يتم بها، هو الم شديد. حتى في الجنة أفترض أن أقل تمسك بالذات كان يجب التغلب عليه، رغم أن هذا التغلب، والتسليم، كان سيصيح مُفرحاً هناك. لكن أن نسلم إرادة ذاتية ثائرة ومنتفخة بفعل سنين من اغتصاب سلطتها، فهذا نوع من الموت. جميعنا نتذكر هذه الإرادة الذاتية كما كانت في الطفولة، الهياج المرير والمستديم لك إحباط وخيبة أمل. واندفاع الدموع الملتهبة، والرغبة الشيطانية السوداء في أن نقتل أحداً أو أن نموت عن أن نستسلم. من هنا كان النموذج الأقدم للمربية أو الوالد على حق تماماً في الاعتقاد بأن أول خطوة في التهذيب هي “أن تكسر إرادة الطفل”. لقد كنت وسائلهم في ذلك في الأغلب خاطئة؛ لكن أعتقد أن عدم رؤيتنا لضرورة ذلك معناه أن نعزل أنفسنا عن كل فهم للقوانين الروحية. والآن وقد كبرنا، إذا لم نكن نصرخ ونضرب بأقدامنا على الأرض كثيراً، فهذا يرجع جزئياً إلى أن آباءنا الذين ربونا قد بدأوا عملية كسر أو قتل الإرادة الذاتية ونحن في مرحلة الحضانة، ويرجع من ناحية أخرى إلى أن نفس العواطف الآن تأخذ أشكالاً أكثر مكراً إذ كبرت وأصبحت ماهرة في تجنب الموت بواسطة مختلف الأساليب “التعويضية”. من هنا تأتي ضرورة أن نموت يومياً؛ إذ مهما ظننا كثيراً أننا قد كسرنا الذات المتمردة فإننا سنجدها لا تزال حية. كون ان هذه العملية لا يمكن أن تتم بدون ألم فهذا مشهود له بما يكفي بواسطة نفس تاريخ كلمة “إماتة الجسد “Mortification.

لكن هذا الألم أو الموت الفعلي، في إماتة الذات المغتصبة، ليس هو القصة كلها. فللمفارقة، رغم أن “إماتة الجسد” في حد ذاتها مؤلمة، إلا أنها تصبح أسهل بوجود الألم في سياقها. أعتقد أن هذا يحدث أساساً بثلاث طرق؛ لن تبدأ الروح البشرية حتى في محاولة إخضاع وتسليم الإرادية الذاتية طالما أن الأمور كلها تبدو على ما يرام معها. إلا أن الخطأ والخطية كلاهما لديه هذه الخاصية، أنه كلما كان أكثر عمقاً كلما قل شك الضحية في وجوده؛ فهما شرور مقنعة. لكن الألم غير مقنع، وهو شر واضح لا لبس فيه. كل إنسان يعرف أن هناك شيء ما خطأ عندما يتعرض للأذى. المستألم أو الماسوشي Masochist (المنحرف جنسياً، أي الذي يتلقى اللذة – الجنسية غالباً – من خلال تلقي الألم – المترجم) ليس استثناء حقيقياً لذلك. تقوم كل من السادية Sadism (الحصول على متعة جنسية عن طريق إيقاع الألم بشخص آخر – المرجم) والماسوشية Masochism على التوالي بعزل ثم تضخيم “لحظة” أو “جانب” ما في الشهوة الجنسية الطبيعية. تضخم السادية جانب الاستيلاء أو السيطرة إلى النقطة التي تصبح فيها فقط إساءة معاملة المحبوب هي التي تشبع الشخص المنحرف – كما لو أنه يقول، “إنني شديد السيطرة حتى أنني أؤلمك أيضاً.” أما الماسوشية فتضخم الجانب المُكمل والمضاد لذلك، فتقول، “إنني مأسور ومُستعبد لك بالكامل حتى إنني أرحب حتى بالألم على يديك”. فإذا لم يتم الشعور بالألم باعتباره شر – إساءة عنيفة تؤكد على السيطرة الكاملة على الطرف الآخر – فإنه سيتوقف، بالنسبة للماسوشي، عن أن يكون محفزاً شهوانياً. الألم لا يتم فقط الشعور به في الحال باعتباره شر معترف به، بل شر من المستحيل تجاهله. يمكننا أن نستريح برضا في خطايانا وفي حماقاتنا؛ وأي إنسان يراقب إنساناً آخراً شرهاً وهو يلتهم أفخر الأطعمة لكا لو كان لا يعرف ما الذي يأكله، سوف يعترف أننا نستطيع أن نتجاهل حتى المتعة.

لكن الألم يصر على أن يتم الإصغاء إليه. يهمس الله لنا في مسراتنا، ويتحدث إلينا في ضميرنا، ولكنه يصرخ في آلامنا. فالألم هو بوق الله الذي ييقظ به العالم الأصم.

الإنسان الشرير، سعيد، لأنه هو الشخص الذي لا يكون لديه أقل شك في أن أفعاله لا “تجيب” (على ما يصرخ به الله)، وأنها لا تتفق مع قوانين الكون.

يكمن إدراك هذا الحق في خلفية المشاعر الإنسانية العامة بأن الأشرار لا بد أن يتألموا. لا فائدة من إقحام أنوفنا في تلك المشاعر، كما لو كانت دنيئة بالكامل. لأنها في أكثر مستوياتها اعتدالاً تناشد شعور كل إنسان بالعدالة. في مرة من المرات، عندما كنا أنا وأخي صبية صغاراً، أثناء قيامنا برسم صور معاً على نفس المنضدة، هززت مرفقه مما جعله يرسم خطاً غير مستو في منتصف عمله الفني؛ فقمت بطريقة ودية بتصفية الأمر معه إذ سمحت له بأن يرسم بالمثل خطاً بنفس الطول في منتصف عمل الفني. وهذا معناه أنني “كنت أضع نفس مكانه”، مما جعلني أرى اهمالي من وجهة نظره هو. على مستوى أكثر صرامة، تظهر نفس الفكرة باعتبارها “عقوبة القصاص”، أو “إعطاء الإنسان ما يستحقه”. بعض المستنيرين يرغبون في إزالة كل مفاهيم القصاص أو الاستحقاق من نظريتهم العقابية ويضعون مدلولها بالكامل في ردع الآخرين أو في إصلاح المجرم نفسه. لكنهم لا يرون أنهم يفعلون ذلك يجعلون كل العقوبات غير عادلة. فماذا يمكن أن يكون أكثر لا أخلاقية من أن أوقع الألم على نفسي لأجل ردع الآخرين إذا لم أكن “أستحق” ذلك؟ بل فوق ذلك، على مستوى ثالث، نحصل على “شهوة الانتقام”، والتعطش للثأر والانتقام. هذا بالطبع شر ومحظور بوضوح بالنسبة للمسيحيين. لكن ربما ظهر بالفعل من نقاشنا حول السادية والماسوشية أن أبشع الأمور في الطبيعية البشرية هي تشويه وإفساد الأمور الصالحة أو البريئة. الأمور الصالحة التي تكون شهوة الانتقام تشويه لها تأتي بوضوح مذهل في تعريف هوبز Hobbes للانتقام Revengefulness؛ بأن الانتقام هو “الرغبة، عن طريق إيقاع الأذى بشخص آخر، في جعله يدين واقعة معينة قام بها”. يفقد الانتقام رؤية الغاية التي يرغب في الوصول إليها من خلال الوسيلة، لكن غايته ليس شريرة بالكامل – إذ أنه يريد من إيقاع الأذى بالإنسان الشرير أن يكون الشر بالنسبة له كما هو بالنسبة لكل إنسان آخر. هذا الأمر مُثبت من حقيقة أن المنتقم يريد الطرف المذنب ليس فقط أن يتألم، بل أن يتألم على يديه، وأن يعرف أنه يتألم، ويعرف سبب تألمه. من هنا يأتي الدافع للتهكم على الشخص المذنب وجريمته في لحظة تلقيه لجزائه، من هنا أيضاً تأتي مثل هذه التعبيرات الطبيعة مثل، “إنني أتساءل كيف كان سيشعر لو أن نفس هذه الفعل وقع له” أو “سوف ألقنه درساً”. لنفس هذا السبب عندما نأتي لكي نوقع الألم بشخص ما عن طريق الكلام فإننا نقول إننا “سوف نجعله يعرف كيف نفكر بشأنه”.

عندما أشار أسلافنا إلى الآلام والأحزان باعتبارها “انتقام” الله من الخطية لم يكونوا بالضرورة ينسبون شهوات أو عواطف شريرة لله؛ لكنهم ربما قد أدركوا العنصر الجيد في فكرة القصاص. فإنه إلى أن يجد الرجل الشرير الشر موجوداً بصورة لا لبس فيها في حياته، في صورة ألم، فإنه يكون محاطاً بالوهم. لكن بمجرد أن يوقظه الألم، فإنه يعرف أنه بطريقة او بأخرى “قد تصرف ضد” الكون الحقيقي؛ فهو إما أن يتمرد (مع إمكانية أن يتضح له الأمر أكثر ويقوم بتوبة أعمق في مرحلة ما لاحقة) أو أن يقوم بمحاولة ما للتكيف مع ذلك الوضع، الأمر الذي إذا اتبعه، سوف يقوده إلى الدين، إلا أنه من الصحيح انه لا هذا التأثير ولا ذاك شديد التأكيد الآن كما كان الأمر في الأزمنة التي كان فيها وجود الله (أو حتى الآلهة) معروفاً أكثر على نطاق واسع، لكن حتى في أيامنا هذه نراه يؤثر. فحتى الملحدين يتمردون ويعبرون، مثل هاردي Hardy وهاوسمان Housman، عن ثورتهم ضد الله رغم (أو بسبب) أن الله غير موجود، بحسب رأيهم. وهناك ملحدون آخرون مثل هكسلي Mr. Huxley، يدفعهم الألم أن يثيروا قضية الوجود بأكملها وأن يجدوا طريقة ما للتوافق مع ذلك الشيء الذي، إن لم يكن مسيحياً، فهو متفوق إلى ما لانهاية تقريباً على الرضا السخيف بالحياة الوثنية الدنسة.

لا شك أن الألم باعتباره بوق الله هو أداة مريعة؛ إذ أنه قد يؤدي إلى تمرد نهائي لا توبة عنه. ولكنه يقدم الفرصة الوحيدة التي يمكن للإنسان الشرير أن يحصل عليها للتغير والإصلاح. إنه يزيل البرقع؛ ويغرس راية الحق داخل حصن النفس المتمردة.

إن كان أول وأقل تطبيق للألم يبدد الوهم بأن كل شيء على ما يرام، فإن التطبيق الثاني له يبدد الوهم بأن لدينا، سواء كان جيداً أم سيئاً في حد ذاته، هو ملك لنا وكاف بالنسبة لنا. كل إنسان يلاحظ كم هو صعب أن يوجّه أفكاره إلى الله عندما يكون كل شيء يسير معنا بطريقة جيدة. فعبارة “إن لدينا كل ما نريد” هي عبارة مزعجة عندما تكون “كل” هذه لا تشمل الله. فنجد أن الله عبارة عن عائق. كما يقول القديس أوغسطينوس St. Augustine في إحدى المواضع، “يريد الله أن يعطينا شيئاً ما، ولكنه لا يستطيع، لأن أيدينا ملآنة، فلا يوجد مكان له لكي يضع فيه هذا الشيء. أو كما قال أحد أصدقائي، “إننا ننظر إلى الله كما ينظر الطيار إلى الباراشوت؛ إنه موجود للطوارئ ولكنه يتمنى ألا يضطر إلى استخدامه.”

لكن الله الذي صنعنا، يعرف من نحن ويعرف أن سعادتنا تكمن فيه. ومع ذلك فإننا لن نبحث عن تلك السعادة في الله طالما أنه يترك لنا أي ملجأ آخر حيث يمكن حتى ظاهرياً أن نبحث عن السعادة فيه.

فطالما يظل ما نطلق عليه “حياتنا الخاصة” مريحة ومقبولة فإننا لن نُخضعها ونسلمها له. ماذا يمكن لله إذاً أن يصنع لصالحنا إلا أن يجعل “حياتنا الخاصة” أقل راحة بالنسبة لنا، ويأخذ منها المصادرة الظاهرية للسعادة الزائفة؟ هنا فقط، عندما تبدو عناية الله في البداية أنها شديدة القسوة، فإن “الاتضاع الإلهي”، تنازل الله العلي، يكون أكثر ما يستحق الثناء. إننا نصاب بالارتباك عندما نرى المصائب تقع على اللطفاء، والمسالمين، والأفاضل، على الأمهات الأكفاء والمجتهدات أو على الأشخاص المثابرين والمقتصدين ذوي الأعمال الصغيرة، على أولئك الذين يعملون بجد شديد، وبأمانة عظيمة. بسبب نصيبهم المتواضع من السعادة، إذ نعتقد أنهم سيدخلون الآن إلى الاستمتاع بتلك السعادة عن حق تماماً. كيف يمكنني أن أقول برقة كافية ما يجب أن يقال هنا؟ لا يقلقني أن أعرف أنني لا بد أن أصبح، في عيني كل قارئ، عدوانياً كما لو أنني مسؤول شخصياً عن كل الآلام التي أحاول أن أفسرها – كما يحدث، حتى يومنا هذا، عندما يتكلم الجميع عن القديس أوغسطينوس كما لو أنه كان “يريد” أن يذهب الرُضع غير المتعمدين إلى الجحيم. لكن الأمر المقلق بشكل هائل هو ما إذا كنت أنفر أي إنسان من الحق. دعوني أناشد القارئ أن يحاول تصديق، حتى ولو للوقت الحالي فقط، أن الله، الذي خلق هؤلاء الأشخاص الأفاضل، قد يكون فعلاً على حق عندما يعتقد أن نجاحهم المتواضع وسعادة أبنائهم ليست كافية كي تجعلهم مطوبين؛ وأن كل هذه الأمور لا بد أن تسقط عنهم في النهاية، وأنهم لو لم يكونوا قد تعلموا أن يعرفوا الله فإنهم سيكونون بؤساء وأشقياء. ولذلك فإنه يزعجهم، ويحذرهم مقدماً من عدم الكفاية والنقص الذي سوف يكتشفونه في يوم من الأيام. إن الحياة لأجل أنفسهم ولأجل أسرهم تحول بينهم وبين إدراك احتياجهم لله؛ ولذلك يجعل الله تلك الحياة أقل جمالاً بالنسبة لهم. إنني أدعو هذا “الاتضاع الإلهي” لأنه شيء سيء أن نلجأ إلى الله عندما تغرق السفينة تحتنا؛ أمر سيء أن نأتي له باعتباره الملجأ الأخير، وأن نقدم “ما نمتلكه وما هو خاص بنا” عندما لا بعد الاحتفاظ به ذو قيمة تُذكر. لو كان الله متكبراً، لكان بالكاد يمتلكنا بمثل هذه الشروط؛ ولكنه ليس متكبراً، بل أنه ينحني لكي يمتلكنا، فهو يريد ان يمتلكنا رغم أننا نفضل أي شيء آخر عليه، ورغم أننا نأتي إليه لأنه لا يوجد “شيء أفضل” الآن يمكن الحصول عليه. يظهر نفس هذا الاتضاع بواسطة كل المحاولات الإلهية لإثارة مخاوفنا، المحاولات التي تزعج قراء الكتاب المقدس ذوي المبادئ السامية. يشق على نفس الله كثيراً أن يكون علينا أن نختاره كبديل للجحيم؛ ورغم ذلك فإن يقبل حتى هذا الاختيار إن توهم المخلوق بشأن اكتفائه بنفسه، لا بد لأجل خاطر المخلوق نفسه، أن يتبدد؛ وعن طريق الضيق أو الخوف من الضيق على الأرض، بواسطة الخوف القاسي من النار الأبدية، يبدد الله هذا الوهم “دون أن يهتم (الله) بنقصان مجده”. أولئك الذين يحبون أن يكون إله الكتاب المقدس أكثر التزاماً بالمعايير الأخلاقية البحتة، لا يعلمون ما يطلبونه. لو كان الله أحد أتباع الفيلسوف “كنت” Kantian، لا يمتلكنا إلا إذا جئنا ساعي إليه وبأفضل الدوافع، من كان يمكنه أن يخلص؟ مع العلم بأن هذا الوهم بالكفاية الذاتية ربما يكون في أقوى صوره في أكثر الناس أمانة ولطفاً وأكثرهم اعتدالاً وقناعة، ولذلك، لا بد أن تقع المصائب على مثل هؤلاء الناس.

تفسر مخاطر الكفاية الذاتية الواضحة السبب الذي لأجله ينظر ربنا إلى رذائل الضعفاء والفجار الفاسقين بتساهل أكثر بكثير من الرذائل التي تقود إلى النجاح العالمي. هذا لأن الفاجرات لسن في خطر أن يجدن حياتهن الحالية مُرضية للغاية بحيث لا يتمكن من العودة إلى الله؛ أما المتكبر والجشع، وصاحب البر الذاتي، فهم في ذلك الخطر.

أما التطبيق الثالث للألم فهو أصعب في فهمه قليلاً. يعترف الجميع بأن الاختيار أمر واع في الأساس؛ فإن تختار يتضمن ذلك معرفة أنك تختار. كان إنسان الجنة يختار دائماً أن يتبع مشيئة الله. وفي اتباعها أشبع أيضاً رغبته الخاصة، وهذا لأن كل الأفعال التي كانت مطلوبة منه كانت، في الحقيقة، مقبولة لميوله البريئة، وأيضاً لأن خدمة الله كانت هي نفسها أقوى متعة له، فكل الأفراح والمسرات كانت ستصبح بلا طعم بالنسبة له لو لم تكن تلك الخدمة هي حدودها القاطعة. السؤال الذي يقول، “هل أفعل ذلك لأجل الله أم فقط لأنه تصادف أنني أحب هذا الأمر؟” لم يكن يثار عندئذ، حيث أن فعل الأمور لأجل الله كان هو في الأساس “ما تصادف أنه يحبه”. إن إرادته التي كانت موجهة لله قادت سعادته بعيداً، كما في سفينة تسابق تياراً سريعاً منحدراً. كانت المتعة عندئذ (في الجنة) تقدمة مقبولة لله لأن التقدمة نفسها كانت متعة. لكننا نرث نظاماً كاملاً من الرغبات الذي ليس بالضرورة يتعارض مع إرادة الله. ولكنه بعد قرون من الحكم الذاتي المغتصب، يتجاهل تلك الإرادة باستمرار. فالحقيقة أنه إذا كان الشيء الذي نحب أن نفعله هو الشيء الذي يريدنا الله أن نقوم به، ومع ذلك ليس هذا هو مبررنا لفعله؛ تظل هذه مجرد مصادفة سعيدة. فلا نستطيع عندها أن نعرف أننا نؤدي دوراً أو خدمة على الإطلاق، أو أننا نقوم بذلك أساساً لأجل الله، ما لم تكن مادة الفعل مناقضة لميولنا، أو (بمعنى آخر) مؤلمة، والشيء الذي لا نستطيع أن نعرف أننا نختار، لا يمكننا اختياره. فالإظهار الكامل لإخضاع الذات لله إذاً يتطلب ألماً؛ وهذا الفعل لكي يكون كاملاً، لا بد أن يتم القيام به من منطلق الإرادة الخالصة للطاعة في غياب، أو على الرغم من ميولنا. كم هو أمر مستحيل إذاً أن نقوم بعلم إخضاع الذات بواسطة فعل ما نحبه، أنا أعرف ذلك جيداً من خبرتي الشخصية في الوقت الحالي. فعندما شرعت في كتابة هذا الكتاب، تمنيت لو أن الرغبة في طاعة ما يمكن أن يكون “قيادة إلهية” كان لها على الأقل مكان ما في دوافعي. لكن الآن حيث أنني منغمس في كتابة بعمق، أصبح ما أقوم به إغراء أكثر منه واجب. ربما لا أزال أتمنى أن تكون كتابة هذا الكتاب، تتفق فعلياً مع إرادة الله لكن أن أؤكد بأنني أتعلم أن أخضع نفسي بأن أفعل شيئاً شديد الجاذبية بالنسبة لي، سيكون هذا أمراً سخيفاً ومنافياً للعقل.

إننا نطأ الآن أرضاً شديدة الصعوبة. اعتقد الفيلسوف “كنت” Kant أنه لا يوجد فعل ذو قيمة أخلاقية إلا إذا تم فعله من منطلق الاحترام الخالص للقانون الأخلاقي، بمعنى، بدون ميل أو رغبة فيه، وقد تم اتهامه بأن لديه “إطار عقلي مَرَضي وغير سليم” إذ أنه يقيس قيمة فعل ما على أساس كونه غير سار أو بغيض للنفس. إلا أن الرأي العام كله هو في الحقيقة إلى جانب “كنت”. فالناس لا يُعجبون أبداً بإنسان لأنه يقوم بعمل شيء يحبه؛ إن نفس كلمات “لكنه يحبه” تعني ضمنياً النتيجة الطبيعية، “وبالتالي فليس له أية قيمة”. لكن كلما أصبح الإنسان أكثر تقوى، كلما استمتع أكثر بالأفعال الفاضلة. ما الذي يجب على الملحد أن يفعله بشأن هذه الصراع بين أخلاقيات الواجب وأخلاقيات الفضيلة، هذا ما لا أعرفه؛ لكنني كمسيحي أفترض الحل التالي.

في بعض الأحيان يتم طرح السؤال ما إذا كان الله يأمر بأشياء معينة لأنها صحيحة، أو ما إذا كانت هناك أشياء معينة صحيحة لأن الله يأمر بها. إلى جانب “هوكر” Hooker، وضد د. جونسون Dr. Johnson، إنني أعتنق بشكل قاطع البديل الأول. البديل الثاني قد يقود إلى النتيجة البغيضة (التي توصل إليها، كما أعتقد، “بالي” Paley) بأن الفضيلة جيدة فقط لأن الله أمر بها قسراً – وأنه يمكن بالمثل أن يأمرنا بأن نكرهه ونكره بعضنا البعض وعندها ستكون تلك الكراهية صحيحة. لكن أؤمن، على العكس من ذلك، “أنه يخطئ من يعتقد هكذا في إرادة الله؛ لأنه لا يوجد سبب آخر لكي نعمل هذا أو ذاك إلا إرادته”. إن إرادة الله تحددها حكمته التي تدرك دائماً، وصلاحه الذي يتبنى دائماً، ما هو خير جوهرياً. لكننا عندما نقول إن الله يأمر بأشياء فقط لأنها صالحة، لا بد أن نضيف أن واحداً من الأشياء الصالحة جوهرياً هو أن المخلوقات العاقلة يجب أن تُخضع أنفسها بحرية لخالقها في طاعة. أما محتوى طاعتنا – أي الشيء الذي يأمرنا الله أن نفعله – فسوف يكون دائماً شيئاً صالحاً جوهرياً، شيئاً يجب علينا أن نفعله حتى (بواسطة افتراض مستحيل) لو لم يكن الله قد أمر به. لكن بالإضافة إلى محتوى الطاعة، مجرد الطاعة نفسها هي أمر صالح أيضاً جوهرياً، لأنه بالطاعة، يؤدي المخلوق العاقل عن وعي دوره كمخلوق، ويناقض الفعل الذي بواسطته نسقط، ويؤدي رقصة آدم إلى الخلف، ويعود إلى الله.

لذلك نحن نتفق مع أرسطو في أن ما هو صحيح جوهرياً قد يكون مقبولاً بصورة جيدة، وأنه كلما كان الإنسان أفضل كلما أحب أكثر ما هو صحيح. لكننا نتفق مع “كنت” حتى الآن في القول بأن هناك فعل واحد صحيح – وهو فعل إخضاع الذات – الذي لا يمكن للمخلوقات الساقطة أن تريده إلى أقصى درجة إلا إذا كان بغيضاً. ولا بد أن نضيف أن هذا الفعل الواحد الصحيح يشمل كل بر وصلاح آخر، وأن الإزالة الفائقة لسقوط آدم، حركة “العودة إلى الخلف بأقصى سرعة” التي بها نرجع من حيث أتينا في رحلتنا الطويلة من الجنة، ونفك العقدة القديمة، الصعبة، لا بد أن تحدث عندما يقوم المخلوق، بدون رغبة في معونة، بالتجرد الكامل للرغبة الخالصة في الطاعة، فيتبنى ما هو مضاد لطبيعته، ويفعل الشيء الذي لأجله يوجد دافع واحد فقط ممكن. يمكن وصف مثل هذا الفعل بأنه “امتحان” لعودة المخلوق إلى الله؛ من هنا قال آباؤنا أن المتاعب “قد أرسلت لكي تمتحننا”. من الأمثلة المألوفة على ذلك هو “امتحان” إبراهيم عندما أمره الله بأن يقدم إسحاق ابنه ذبيحة. لا تعنيني الآن الصفة التاريخية أو الأخلاقية لتلك القصة، بل السؤال الواضح، “إذا كان الله كل العلم والمعرفة فلا بد أنه كان يعرف ما سوف يفعله إبراهيم، بدون أي امتحان، فلماذا إذاً هذا العذاب دون داعٍ؟” لكن كما يشير القديس أوغسطينوس، مهما كان ما عرفه الله، فإن إبراهيم على أية حال لم يكن يعلم أن طاعته كان يمكنها احتمال مثل هذا الأمر إلى أن علمه هذا الحدث ذلك؛ والطاعة التي لم يكن يعلم أنه سيختارها، لم يكن يستطيع أن يقول إنه سيختارها.

كانت حقيقة طاعة إبراهيم هي الفعل نفسه؛ وما عرفه الله عندما عرف أن إبراهيم “سوف يطيع” كان طاعة إبراهيم الفعلية على قمة ذلك الجبل في تلك اللحظة. لذلك أن نقول إن الله “لم يكن يحتاج أن يقوم بهذا الامتحان” فهذا معناه أن نقول، حيث أن الله يعرف، فإن الشيء الذي يعرفه الله لا يحتاج أن يوجد.

إذا كان الألم في بعض الأحيان يبدد الكفاية الذاتية الباطلة لدى المخلوق إلا أنه في “الامتحان” الفائق أو في “ذبيحة التضحية” يعلمه الكفاية الذاتية التي يجب بالفعل أن تكون لديه، أي “القوة، التي إذا منحتها السماء، يمكن أن يطلق عليها أنها ملك له”؛ لأنه عندها، في غياب مجرد الدوافع والمساندات الطبيعية كلها، يتصرف المخلوق بتلك القوة، وبتلك القوة وحدها، التي يهبها له الله من خلال إرادته المخضعة لله.

فالإرادة البشرية تصبح خلاقة حقاً وتصبح ملكنا بالفعل عندما تكون بالكامل ملكاً لله، وهذا واحد من المعاني الكثيرة التي يكون بها الإنسان الذي يضيع نفسه يجدها.

في كل الأفعال الأخرى تتغذى إرادتنا من خلال الطبيعة، أي من خلال الأشياء المخلوقة بخلاف الذات من خلال الرغبات التي تمدنا بها أعضاؤنا الجسدية وما ورثناه من صفات. عندما نتصرف من أنفسنا وحدها – أي من خلال الله الساكن فينا – فإننا نكون مشاركين في، أو دعامات حية، للخليقة؛ وهذا هو السبب في أن مثل هذا الفعل يُبطل “دمدمات الشكوى العكسية للقوة التي فصلتنا عن الله”، اللعنة الهدامة التي ألقاها آدم على جنسه. من هنا كما أن الانتحار هو التعبير النموذجي عن الروح اللامبالية بأية مشاعر Stoic، والموت في الحرب هو التحدي الحقيقي لكل جندي، يظل الاستشهاد دائماً هو التمثيل والكمال الفائق للمسيحية. هذا الفعل العظيم تتم المبادرة به لأجلنا، ويُصنع نيابة عنا، كمثال نحتذي به، ويتم نقله بصورة لا تصدق إلى جميع المؤمنين، بواسطة المسيح على الجلجثة. هناك تصل درجة الموت المقبول إلى أقصى حدود لما يكن تخيله وربما تتخطاها؛ تتخطى ليس فقط كل المساندات الطبيعية، بل تتخطى وجود الآب نفسه الذي تُقدم له الذبيحة وهو يتخلى عن الضحية، ومع ذلك لا يتداعى المسيح لله رغم أن الله “يتركه”.

عقيدة الموت التي أصفها هنا ليست مقصورة فقط على المسيحية. بل أن الطبيعة نفسها تكتبها بصورة كبيرة عبر العالم في الدراما المتكررة للبذرة المدفونة والحبوب التي تنمو من جديد. ربما تعلمتها أقدم المجتمعات الزراعية، من الطبيعة، ومن خلال الذبائح الحيوانية أو البشرية، أظهرت هذه المجتمعات على مدى قرون حقيقية أنه “بدو سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب 9: 22)؛ ورغم انه في البداية كانت هذه المفاهيم تختص فقط بمحاصيل وتقدمات العشيرة، فإنها جاءت فيما بعد، في الأسرار The Mysteries هو نسخة من مسرحيات العصور الوسطى الإنجليزية تتحدث عن الأسرار، والتي كانت تعرض عام 1977. وهي عبارة عن دورة من ثلاث مسرحيات تحكي قصة الكتاب المقدس منذ الخلق وحتى الدينونة الأخيرة The Free Dictionary by Farlex – المترجم). الهندي الزاهد Ascetic، إذ يميت جسده على سرير من المسامير، يعظ نفس الدرس؛ ويخبرنا الفيلسوف اليوناني Plato ان حياة الحكمة هي “ممارسة الموت”. يفسر الوثني الحساس والنبيل في الأزمنة الحديثة، هكسلي Mr. Huxley، الذي يجعل آلهته التخيلية “تموت لكي تحيا”، “عدم ارتباط” هذه العقيدة بالمسيحية. وهكذا لا يمكننا أن نهرب من تلك العقيدة حتى إذا توقفنا عن أن نكون مسيحيين. فهذه “بشارة أبدية” “Eternal Gospel” معلنة للبشر في أي مكان يبحث فيه البشر عن الحق أو يحتملونه: إنها عصب الفداء نفسه، الذي تكشفه الحكمة المنيرة في كل الأزمنة وفي كل الأماكن؛ المعرفة التي لا يمكن الهروب مها، التي ينقشها النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان في عقول كل من يتساءل بجدية عن ماهية الكون، لا يتمثل تميز الإيمان المسيحي في أنه يعلم هذه العقيدة بل في أنه يجعلها، بطرق متنوعة، أكثر احتمالاً. فالمسيحية تعلمنا أن المهمة المريعة، من ناحية ما قد تم إنجازها لأجلنا – أن هناك يداً خبيرة تمسك بأيدينا إذ نحاول أن نتتبع الأحرف الصعبة، وأن المخطوطة التي لدينا تحتاج فقط أن تكون “صورة منسوخة” Copy، وليس “أصلاً” Original. مرة أخرى، حيث تُعَرِّض الأنظمة الأخرى طبيعتنا بأكملها إلى الموت (كما في عملية النبذ والإنكار في البوذية Buddhist Renunciation) تتطلب المسيحية فقط أن نُصحح “التوجيه الخاطئ” Misdirection لطبيعتنا؛ وليس لدى المسيحية نزاع، مثل أفلاطون Plato، مع الجسد بهذا المفهوم، ولا مع العناصر المادية في تكويننا الجسدي. كما أن التضحية في إدراكها الفائق ليس منتزعة ومغتصبة من كل ذلك. فالمجاهرون بإيمانهم مثلهم مثل الشهداء، مخلّصون، وبعض العجائز اللذين لا نشك في وضعهم في النعمة يبدو انهم يجتازون أعوامهم السبعين بسهولة تثير الدهشة. وهكذا تتكرر ذبيحة المسيح، أو يتردد صداها مرة أخرى، بين أتباعه بدرجات متنوعة للغاية، انتهاء من أقسى ميتات الاستشهاد وحتى إخضاع الذات المتعمد، الذي لا تميزه العلامات الخارجية عن الثمار العادية لضبط النفس و”الاعتدال الجميل”. إنني لا أعرف أسباب هذا التصنيف؛ لكن من وجهة نظرنا الحالية يجب أن يكون واضحاً أن المشكلة الحقيقية ليس في السبب الذي لأجله يتألم بعض المؤمنين المتضعين، والأتقياء، بل في سبب عدم تألم البعض منهم. يجب أن نتذكر أن ربنا نفسه فسر خلاص أولئك المطوبين في هذا العالم فقط بالإشارة إلى قدرة الله الكلية التي لا تُستقصى (مرقص 10: 27).

كل المجادلات الخاصة بتبرير الألم تثير استياء مريراً تجاه كاتبها. فأنت تود أن تعرف كيف أتصرف عندما أختبر الألم، وليس أن أكتب كتباً عن ذلك. لكنك لا تحتاج أن تخمن، لأني سأخبرك؛ إنني جبان جداً. لكن ما علاقة هذا الغرض الذي أتحدث بشأنه؟ عندما أفكر في الألم – في القلق الذي يلتهم مثل النيران وفي الوحدة التي تمتد وتنتشر مثل البيداء، وفي روتين التعاسة الممل الذي يكسر القلب، أو مرة أخرى في الأوجاع الكئيبة التي تظلم الأفق بأكمله أو في الآلام المفاجئة المثيرة للغثيان التي تُسقط قلب الإنسان بضربة واحة، في الآلام التي تبدو بالفعل غير محتملة ثم تتزايد فجأة بعد ذلك، عندما أفكر في الآلام المثيرة للحنق التي تشبه قرصة العقرب والتي تباغت الإنسان في حركة جنونية، الإنسان الذي كان يبدو بالفعل نصف ميت من عذاباته السابقة – فإن هذا “يرعب روحي تماماً”. لو كنت أعرف أية طريقة للهرب كنت سأزحف عبر البالوعات لكي أجدها. لكن ما جدوى إخبارك عن مشاعري؟ إنك تعرفها بالفعل؛ إنها نفس مشاعرك. إنني لا أجادل أن الألم غير مؤلم. الألم موجع. فهذا هو ما تعنيه الكلمة. لكني أحاول فقط أن أوضح لك أن العقيدة المسيحية القديمة “بتكميل الإنسان من خلال الألم” (عب 2: 10) ليست غير قابلة للتصديق. لكن أن أثبت أنه يمكن قبولها فهذا يتخطى قصدي.

في تقييم مدى مصداقية هذه العقيدة، يجب مراعاة مبدأين، في المقام الأول، لا بد أن نتذكر أن اللحظة الفعلية للألم الحالي هي فقط مركز ما يمكن أن يطلق عليه نظام المعاناة الكلي الذي يمدد نفسه بواسطة الخوف والحزن. مهما كان الآثار الجيدة لهذه الخبرات فهذا يعتمد على المركز؛ بحيث أنه حتى لو كان الألم نفسه ليست له قيمة روحية، إلا أنه إذا كان للخوف والحزن هذه القيمة الروحية، سيكون على الألم أن يتواجد لكي يكون هناك شيء يجب الخوف منه والحزن لأجله. ويجب ألا نشك في أن الخوف والحزن يساعداننا في عودتنا إلى الطاعة وعمل الخير. جميعنا اختبرنا أثر الحزن إذ ييسر لنا محبة من هو غير محبوب – بمعنى أن نحب الناس ليس لأنهم مقبولين لدينا بأية طريقة طبيعية بل لأنه إخوتنا. كما أن معظمنا قد تعلم فعل الخير وقت الخوف خلال فترة “الأزمات” والتي قادتنا إلى الحرب الحالية. تشبه خبرتي الشخصية شيئاً من هذا. فأنا أتقدم عبر طريق الحياة بحالتي العادية الراضية الساقطة غير الباردة. منغمس في لقاءات سعيدة مع أصدقائي لليوم التالي أو في قليل من العمل الذي يداعب غروري اليوم، في عطلة أو كتاب جديد، عندما أشعر فجأة بضربات ألم في عمودي الفقري تهدد بمرض خطير، أو بعنوان في الصحيفة يهددنا جميعاً بالهلاك، مما يجعل كل هذه الحزمة من البرامج تنهار. في البداية سأشعر بالارتباك، وكل الأشياء الصغيرة التي تسبب لي السعادة ستبدو مثل اللعب المكسورة. ثم بعد ذلك، ببطء وامتعاض، رويداً رويداً، أحاول أن آتي بنفسي إلى الإطار الفكري الذي يجب أن أكون عليه في كل الأوقات. فأذكر نفسي بأن كل هذه اللعب لم يكن من المفترض لها مطلقاً أن تمتلك قلبي، أن خيري الحقيقي هو في عالم آخر وأن كنزي الوحيد الحقيقي هو المسيح. وربما بنعمة الله، أنجح، ولمدة يوم أو اثنين، أصبح مخلوقاً معتمداً عن وعي على الله ويستمد قوته من المصادر الصحيحة. لكن في اللحظة التي يتوارى فيها التهديد، تعود طبيعتي بأكملها للقفز مرة أخرى نحو اللعب؛ بل أشعر حتى بالتلهف، وليسامحني الله، أن أزيل من عقلي الشيء الوحيد الذي ساندني وقت التهديد لأنه الآن مرتبط بتعاسة تلك الأيام القليلة. وهكذا تتضح تماماً الآن الضرورة الشديدة للألم والمعاناة. لقد امتلكني الله لمدة ثمان وأربعين ساعة فقط، وقد حدث ذلك عندئذ فقط بفضل انتزاع كل شيء أخر مني. دع الله فقط يضع ذلك السيف في غمده للحظة وعندها سأتصرف مثل الجرو الصغير عندما ينتهي فرض الاغتسال البغيض، أهز نفسي حتى أجف قد الإمكان وأتسابق ليك أعيد الحصول على نجاستي المريحة، إن لم يكن في أقرب تل من الروث، على الأقل في أقرب مشتل أزهار. وهذا هو السبب في أن المعاناة والضيقات لا يمكنها أن تنتهي إلا عندما يرى الله إما أننا قد تشكلنا من جديد أو أن إعادة تشكلينا قد أصبح الآن ميؤوساً منه.

ثانياً، عندما نعتبر أن الألم نفسه هو مركز نظام المعاناة كله لا بد أن نكون على حذر لكي نصغي إلى ما نعرف وليس إلى ما نتخيل. هذا هو واحد من الأسباب التي لأجلها يكرس الجزء المركزي من هذا الكتاب بأكمله إلى الألم البشري، بينما يتم إنزال الألم الحيواني إلى مرتبة ثانية في فصل خاص. فنحن نعرف عن الألم البشري، لكننا نتكهن فقط بشأن الألم الحيواني (انظر الملحق في آخر الكتاب). لكن حتى داخل الجنس البشري، لا بد لنا من أن نستخلص أدلتنا عن الألم من المرات التي وقعت تحت ملاحظتنا الشخصية. اتجاه هذا الروائي أو ذاك الشاعر قد يعرض المعاناة باعتبارها سيئة بالكامل في آثارها. باعتبار أنها تنتج أو تبرر كل أنواع الحق والوحشية في المتألم. وبالطبع، فإن الألم، مثل المتعة، يمكن قبوله بهذه الطريقة؛ إذ أن كل ما يُعطى إلى مخلوق ذي إرادة حرة لا بد أن يكون سلاحاً ذي حدين. ليس بواسطة طبيعة المعطي أو طبيعة العطية، بل بواسطة طبيعة مُتلقي العطية. ومرة أخرى، النتائج الشريرة للألم يمكن أن تتضاعف إذا تعلم المتألمون باستمرار بواسطة من يشاهدونهم أن مثل هذه النتائج هي الأنسب وهي النتائج الرجولية التي يجب عليهم إظهارها. إن السخط والاستياء بسبب آلام الآخرين، رغم أنه عاطفة كريمة، إلا أنها تحتاج إلى السيطرة عليها جيداً لئلا تسلب الصبر والاتضاع من أولئك الذين يتألمون، وتزرع فيهم بدلاً من ذلك الغضب والتهكم. لكني غير مقتنع أن الألم إذا خلا من مثل هذه السخط المتصلف بالإنابة، يكون له أي اتجاه طبيعي لإنتاج مثل هذه الشرور. فأنا لم أجد المتجندين في خنادق الخط الأمامي أو C. C. S. أكثر امتلاءً بالكراهية والأنانية والتمرد وخيانة الأمانة، ممن هم في أي مكان آخر. بل إنني رأيت جمالاً عظيماً في الروح في بعض من أكثر الناس الذين كانوا يعانون بدرجة رهيبة. لقد رأيت رجالاً، في معظم الأحوال، يصيرون أفضل وليس أسوأ مع تقدم السنين، كما رأيت المرض الأخير وهو ينتج فيهم كنوزاً من الاحتمال والوادعة النابعة من أكثر الأمور إثارة لليأس والإحباط. إنني أرى في شخصيات تاريخية محبوبة ومهابة، مثل جونسون Johnson وكوبر Cowper، سمات ربما كان بالكاد يتم احتمالها لو كان هؤلاء الرجال أكثر سعادة. إذا كان العالم بالحقيقة “واد لصنع النفوس”، فيبدو في الإجمال أنه يقوم بعمله. أما الفقر – وهو المصيبة التي تحوي فعلياً أو احتمالياً كل المصائب الأخرى – فأنا لا أجرؤ أن أتكلم عنه كما من نفسي؛ وأولئك الذين يرفضون المسيحية لن يتأثروا بعبارة المسيح أن الفقر مُطوب. لكن هنا تأتي إلى إعانتي حقيقة أخرى جديرة بالملاحظة. إن أكثر الذين ينبذون المسيحية بازدراء باعتبارها مجرد “أفيون للشعوب” لديهم احتقار للأغنياء، بمعنى، لكل البشر فيما عدا الفقراء. فهم ينظرون إلى الفقراء باعتبارهم البشر الوحيدون الذين يستحقون النجاة من “التصفية الجسدية” (القتل)، ويضعون فيهم الأمل الوحيد للجنس البشري. لكن هذا لا يتفق مع الاعتقاد بأن آثار الفقر على أولئك الذين يتألمون منه شريرة بالكامل؛ بل إنه يشير ضمنياً إلى أنها آثار جيدة. لذلك يجد تابع الماركسية Marxist نفسه في اتفاق حقيقي مع المسيحي في هذين المعتقدين اللذين، بشكل متناقض، تتطلبهما المسيحية، أن الفقر مُطوب ومع ذلك يجب القضاء عليه.

[1] ولابد من القول “أسوأ البشر”، ربما أفضل القول “المخلوقات البشرية الأخرى”. أنا لا أرفض على الإطلاق الرأي الذي يقول أن أحد أسباب أمراض الإنسان قد يكون “مخلوق” آخر (الشيطان. انظر الفصل التاسع). الكتاب المقدس يعلن أن الشيطان هو سبب الأمراض في أيوب، في لوقا 13: 16، 1كورنثوس 5: 5، وربما أيضاً 1تيموثاوس 1: 20، ولكن في هذا السياق من حوارنا، لا يهمنا إذا كانت كل المخلوقات التي يمنحها الله إمكانية إحداث آلام في الآخرين هي مخلوقات بشرية أم لا (شيطانية).

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

“الطاعة هي الواجب اللائق بالنفس الرشيدة العاقلة.”

Montaigne II, xii

“الإجابة المسيحية” على السؤال المطروح في الفصل السابق متضمنة في “عقيدة السقوط” The Doctrine of The Fall فحسب تلك العقيدة، أصبح الإنسان مصدر اشمئزاز لله ولنفسه، وكائناً سيئ التكيف مع الكون، ليس لأن الله صنعه كذلك بل لأنه هو الذي جعل نفسه هكذا بإساءة استخدامه لإرادته الحرة. بحسب رأيي هذه هي الوظيفة الوحيدة لتلك العقيدة.

فهي توجد لكي تحمينا من نظرتين متفرعتين من المسيحية عن أصل الشر: النظرية الوحدوية Monism، والتي بموجبها الله نفسه، لكونه “أسمى من الخير والشر”، ينتج بحيادية التأثيرات التي نطلق عليها هذه الاسمين (الخير والشر)، والنظرية الثنائية Dualism، التي بموجبها ينتج الله الخير، بينما قوة أخرى معادلة له ومستقلة عنه تنتج الشر.

ضد كل من هاتين النظريتين، تؤكد المسيحية أن الله صالح؛ وأنه صنع كل شيء حسناً لأجل كل الأشياء؛ وأن واحدة من الأشياء الجيدة التي صنعها، أي الإرادة الحرة للمخلوقات العاقلة. بحكم طبيعتها نفسها، كانت تتضمن إمكانية الشر؛ وأن المخلوقات، إذ استغلت هذه الإمكانية للشر، أصبحت شريرة. إلا أن هذه الوظيفة – التي هي الوظيفة الوحيدة التي اعترف بها لعقيدة السقوط – لا بد أن يتم تمييزها عن وظيفتين أخريين، ربما يتم عرض هذه العقيدة في بعض الأحيان بأنها تؤديهما، وهو الأمر الذي أرفضه.

أولى هاتين الوظيفتين المفترضتين: لا أعتقد أن هذه العقيدة تجيب على السؤال، “هل كان من الأفضل لله أن يخلق عن ألا يخلق؟” فهذا سؤال قد رفضته بالفعل. لكن حيث أنني أؤمن أن الله صالح، فإني متأكدي أنه إذا كان لهذا السؤال معنى، فإن الإجابة عليه لا بد أن تكون “نعم”.

لكني أشك ما إذا كان لهذا السؤال أي معنى: وحتى لو كان له معنى، فأنا متأكد أنه لا يمكن الحصول على إجابة عليه بطريقة الأحكام التقييمية التي يمكن للبشر أن يصدروها بشكل كبير. أما الوظيفة الثانية؛ لا أعتقد أن عقيدة السقوط يمكن استخدامها لإظهار أنه أمر “عادل”، فيما يتعلق بالعدالة الجزائية، أن يتم عقاب الأفراد بسبب ذنوب أسلافهم البعيدين.

بعض صيغ العقيدة يبدو أنها تتضمن ذلك؛ ولكني أشك إذا كان أي منها، كما يتم فهمه بواسطة مفسريه، يعني ذلك حقاً. ربما يقول الآباء في بعض الأحيان أننا نعاقب بسبب خطية آدم: ولكن يقولون في مرات أكثر كثيراً أننا قد أخطأنا “في آدم”. قد يكون من المستحيل أن نكتشف ما كانوا يعنونه بذلك، أو قد نقرر أن ما كانوا يعنونه خاطئاً.

ولكني لا أعتقد أننا يمكن أن نرفض أو نستبعد طريقتهم في الكلام باعتبارها مجرد “مصطلح”. فسواء بحكمة أو بجهل، لقد آمنوا أننا “فعلياً” وليس ببساطة بمجرد تخيل مشروع – كنا متورطين في الفعل الذي قام به آدم. بالمعنى المادي الجسدي – حيث كان آدم هو المركبة الأولى لنقل “المادة الوراثية الخالدة Immortal Germ Plasm” – قد يكون أمراً غير مقبول؛ ولكنه بالطبع، سؤال إضافي ما إذا كان الاعتقاد نفسه هو مجرد التباس أم أنه فهم حقيقي للحقائق الروحية يتخطى إدراكنا الطبيعي. إلا أنه في الوقت الحالي، لا مجال لإثارة هذا السؤال؛ كما قلت، لأنه ليست لدي نية للجدل بأن نسب عجز الإنسان إلى ما جلبه عليه أجداده القدماء هو نموذج للعدالة الجزائية.

بالنسبة لي يعد هذه بالأكثر نموذجاً لتلك الأشياء المشاركة بالضرورة في خلق عالم مستقر، وهو الأمر الذي ذكرناه في الفصل الأول. فبلا شك، كان من الممكن بالنسبة لله أن يزيل بمعجزة نتائج أول خطية ارتكبها أي إنسان في أي وقت مضى؛ لكن هذا لم يكن سيصيح جيداً كثيراً إلا إذا كان الله مستعداً أن يزيل نتائج الخطية الثانية، والثالثة، وهكذا إلى الأبد.

إذا كانت المعجزات قد توقفت، فربما كنا سنصل عاجلاً أو آجلاً إلى موقفنا الحالي الذي يرثى له: أما إذا لم تكن قد توقفت، فإن عالماً مدعوماً ومصححاً هكذا باستمرار بواسطة التدخل الإلهي، كان سيصيح عالماً لا شيء مهم فيه يعتمد إطلاقاً على الاختيار البشري، والذي فيه الاختيار نفسه كان سيتوقف سريعاً نتيجة التيقن أن واحدة من البدائل الظاهرة أمامك لن تقود إلى أية نتائج، وبالتالي فهي ليست في الحقيقة بديلاً. كما رأينا، إن حرية لاعب الشطرنج في أن يلعب الشطرنج تعتمد على صلابة وثبات القوانين والتحركات.

حيث أنني حددت ما أعتقد أنه المضمون الحقيقي لعقيدة أن الإنسان ساقط، دعونا الآن نفكر في العقيدة في حد ذاتها. القصة الموجودة في سفر التكوين هي قصة (مليئة بأعمق الإيحاءات) عن تفاحة سحرية للمعرفة؛ لكن في العقيدة المطورة، اختفى عن الأنظار تماماً السحر الملازم للتفاحة، وأصبحت القصة ببساطة هي قصة عصيان.

إن لدي أعمق احترام حتى للأساطير الوثنية، بل واحترام أعمق حتى للأساطير الوثنية، بل واحترام أعمق للأساطير في الكتاب المقدس. ولذلك فإني لا أشك في أن رواية القصة التي تؤكد على التفاحة السحرية، وتجمع معاً شجرتي الحياة ومعرفة الخير والشر، تحوي حقاً كتابياً أعمق وأبرع من رواية القصة التي تجعل التفاحة، ببساطة مجرد تعهد بالطاعة.

لكني أفترض أن الروح القدس لم يكن سيسمح للرواية الأخيرة بأن تنمو في الكنيسة وتكسب تأييد دكاترة عظام ما لم تكن هي أيضاً حقيقية ومفيدة على قدر ما ذهبت إليه. هذه الرواية للقصة إذاً هي التي سوف أناقشها، لأنه على الرغم من أنني أعتقد أن الرواية الأولية أكثر عمقاً بكثير، إلا أني أعرف، على أية حال، أنني لا أستطيع أن أتغلل إلى أعماقها. لذلك سيكون عليّ ليس أن أقدم لقرائي الأفضل على الإطلاق لكن أفضل ما لدي.

في العقيدة المطورة إذاً، يزعم أن الإنسان، كما صنعه الله، كان صالحاً بالكامل وسعيداً بالكامل، لكنه عصى الله فأصبح ما نراه الآن. يعتقد كثيرون من الناس أن هذا الافتراض قد ثبت بطلانه بواسطة العلم الحديث. فيقال، “إننا نعرف الآن أنه أبعد كثيراً عن كون البشر قد سقطوا من حالة الفضيلة والسعادة البدائية، فإنه قد ارتفعوا ببطء من حالة الوحشية والهمجية.” لكن يبدو لي أن هناك لبس تام هنا.

فكلمة “وحشي” و “همجي” تنتمي كلاهما إلى تلك الفئة التعيسة من الكلمات التي تستخدم في بعض الأحيان بطريقة بلاغية، باعتبارها تعبيرات توبيخية، وفي بعض الأحيان بطريقة علمية، كتعبيرات للوصف؛ والحجة الزائفة ضد السقوط تعتمد على خلط في الاستخدامات. فإذا كان بالقول إن الإنسان قد ارتفع من الوحشية أنت تعني ببساطة أن الإنسان ينحدر جسدياً من الحيوانات، فليس عندي أي اعتراض على ذلك.

لكن هذا لا يتبعه أننا كلما عدنا إلى الوراء كلما وجدنا الإنسان أكثر وحشية، بمعنى أكثر شراً أو بؤساً. لا يوجد لدى أي حيوان فضيلة أخلاقية؛ لكنه ليس صحيحاً أن كل السلوك الحيواني هو من النوع الذي يمكن للمرء أن يطلق عليه “شرير” لو أن البشر مارسوه. على العكس من ذلك، ليست كل الحيوانات تعامل المخلوقات من نفس سلالتها بمثل الشر الذي يعامل به البشر بعضهم البعض.

ليس كل الحيوانات في مثل الشراهة أو الفسق الذي لدينا كبشر، كما أنه لا يوجد حيوان طموح. بالمثل، إذا قلت إن البشر الأوائل كانوا “همجين”، وأنت تعني بذلك أن مصنوعاتهم اليدوية كانت قليلة وغير متقنة مثل مصنوعات “الهمجيين” المحدثين، فقد تكون على حق، لكنك إذا كنت تعني أنهم “همجيون” بمعنى أنهم بذيؤون وشرسون وقساة وخائنون، ستكون قد ذهبت إلى ما هو أبعد من برهانك، وهذا لسببين.

السبب الأول، أن علماء الأنثروبولوجيا المحدثين والمرسلين هم أقل ميلاً من آبائهم للمصادفة على صورتك السلبية غير المرغوب فيها حتى عن الهمجي الحديث. السبب الثاني هو أنك لا تستطيع أن تجادل من خلال المصنوعات اليدوية للبشر الأوائل بأنهم كانوا في كل النواحي مثل الشعوب المعاصرة الذين يصنعون مصنوعات يدوية مماثلة، لا بد أن نأخذ حذرنا هنا ضد الوهم الذي يبدو أن دراسة إنسان ما قبل التاريخ تنتجه على نحو طبيعي.

إنسان ما قبل التاريخ، حيث أنه كان قبل التاريخ، هو معروف لنا فقط بواسطة الأشياء المادية التي صنعها – أو بالأكثر بواسطة اختيار تصادفي من بين أشياء أكثر دواماً قام بصنعها. ليس خطأ علماء الآثار أنه ليس لديهم دلائل أفضل من ذلك؛ لكن هذه الندرة في الدلائل تشكل غواية مستمرة لاستنتاج أكثر مما لدينا أي حق في استنتاجه، بحيث نفترض أن المجتمع الذي صنع المصنوعات اليدوية المتفوقة كان متفوقاً من كل النواحي.

كل إنسان يستطيع أن يرى أن هذه الافتراض باطل؛ إذ أن من شأنه أن يقود إلى النتيجة القائلة بأن الطبقات المرفهة في زمننا الحالي كانت من كل النواحي متفوقة على تلك التي كانت في العصر الفيكتوري Victorian Age. من الواضح أن البشر ما قبل التاريخ الذين صنعوا أسوأ أواني فخارية ربما كانوا قد نظموا أفضل الأشعار ولكننا لن نعرف ذلك أبداً.

بل أن هذا الافتراض يصبح حتى أكثر سخفاً عندما نقارن البشر ما قبل التاريخ بالهمجيين المحدثين. فإن التماثل في خامية وبدائية المصنوعات اليدوية هنا لا يخبرنا شيئاً عن ذكاء أو فضيلة واستقامة صانعيها. فما نتعلمه بواسطة التجربة والخطأ لا بد أن يبدأ بصورة بسيطة خامية، مهما كان شخصية المبتدئ. كما أن نفس الإناء الفخاري الذي يمكن أن يثبت أن صانعه كان عبقرياً، لو كان هو أول إناء تم صنعه في العالم، سيثبت أن صانعه غبي لو أن هذا الإناء جاء بعد آلاف السنين من صناعة الأواني الفخارية.

لذلك يستند التقدير الحديث كله للإنسان البدائي على وثنية تلك المصنوعات اليدوية التي هي خطية جماعية عظيمة لحضارتنا الخاصة. فقد نسينا أن أجدادنا ما قبل التاريخ هم الذين قاموا بأكثر الاكتشافات المفيدة التي تم صنعها على الإطلاق، فيما عدا الكلوروفورم. فنحن ندين لهم باللغة، ونظام الأسرة، والملابس، واستخدام النار، واستئناس الحيوانات، والعجلات، والسفن، والشعر، والزراعة.

العلم إذاً، ليس له ما يقوله إما لصالح أو ضد عقيدة السقوط. إلا أنه تمت إثارة صعوبة فلسفية أكثر بواسطة اللاهوتي الحديث الذي يدين له بالكثير كل الطلبة في هذا الموضوع. يشير هذا الكاتب إلى أن فكرة الخطية تفترض مسبقاً وجود قانون يتم الخطأ ضده وتعديه؛ وحيث أنه يمكن أن يستغرق الأمر قروناً من “غريزة القطيع” لكي تتبلور في عُرف. وللعرُف أن يُصبّ في صورة قانون، فإن الإنسان الأول – إذا كان هناك على الإطلاق مخلوق يمكن أن نصفه هكذا – لم يكن يمكنه ارتكاب الخطية الأولى.

يفترض هذا الجدل أن الفضيلة وغريزة القطيع قد تزامنا بطريقة مشتركة، وأن “الخطية الأولى” كانت في الأساس خطية “اجتماعية”. لكن العقيدة التقليدية تشير إلى خطية ضد الله، إلى فعل عصيان، وليس إلى خطية ضد أخ في الإنسانية. وبالتأكيد، إذا كنا سنعتنق عقيدة السقوط بمعنى حقيقي، لا بد أن نبحث في تلك الخطية الضخمة على مستوى أعمق وأكثر خلوداً، أكثر منه على مستوى الأخلاق الاجتماعية.

لقد تم وصف هذه الخطية بواسطة القديس أوغسطينوس Saint Augustine باعتبارها نتيجة الكبرياء، إنها النزعة التي يحاول فيه مخلوق ما أن يقف مستقلاً بنفسه، وأن يوجد لأجل نفسه (حيث هذا المخلوق هو كائن تابع في الأساس، إذ يكمن مبدأ وجوده ليس في ذاته بل في شخص آخر). مثل هذه الخطية لا تتطلب ظروفاً اجتماعية مركبة، ولا خبرة ممتدة، ولا تطور فكري عظيم.

فمنذ اللحظة التي يصبح فيها المخلوق مدركاً لله كإله ولنفسه كذات، فإن البديل المزعج بأن يختار الله أو الذات ليكون في المركز، يصبح متاحاً له. يتم ارتكاب هذه الخطية يومياً بواسطة الصغار والفلاحين الجهلاء كما يرتكبها بالمثل الأشخاص المثقفون؛ يرتكبها الانعزاليون ليس بأقل مما يرتكبها أولئك الذين يعيشون في المجتمع؛ إنه السقوط في حياة كل فرد، وفي كل يوم من حياة كل فرد، إنها الخطية الأساسية خلق كل خطايا معينة أخرى. الآن، في نفس هذه اللحظة نقوم أنا وأنت إما بارتكابها، أو نوشك على ارتكابها، أو نتوب عنها.

إننا نحاول، عندما نستيقظ من النوع، أن نضع اليوم الجديد عند قدمي الله؛ لكننا قبل أن ننتهي من الحلاقة، يصبح اليوم ملكنا ونشعر أن دور الله فيه مثل ضريبة لا بد لنا من أن ندفعها من “جيبنا الخاص”، اقتطاع من الوقت الذي، كما نشعر، يجب أن يكون “ملكاً لنا”. يبدأ الإنسان وظيفة جديدة ولديه شعور بالدعوة المهنية، وربما للأسبوع الأول يظل محتفظاً بورقة الاستقالة من الوظيفة كحد زمني أقصى له، متقبلاً السعادة والألم من يد الله، إذ يأتيان، باعتبارهما “مصادفات”.

لكن في الأسبوع الثاني يبدأ في “الاطلاع على الأمور”؛ وبحلول الأسبوع الثالث، يكون قد استخرج من الوظيفة الكلية خطته الخاص لدوره هو الشخصي في تلك الوظيفة، وعندما يتمكن من الوصول إلى ذلك يشعر أنه لا يحصل على أكثر من حقوقه، وعندما لا يتمكن من ذلك، يشعر بأنه يتم اعتراض طريقه والتصادم معه.

والمحب، في رضوخ لدافع غير محسوب، والذي قد يكون مليئاً بالنيات الحسنة وأيضاً بالرغبة والاحتياج ألا يكون ناسياً لله، يحتضن حبيبته، وبعد ذلك، بمنتهى البراءة، يختبر إثارة للمتعة الجنسية؛ لكنه في الحضن التاي قد يضع تلك المتعة في الاعتبار، وقد تكون وسيلة لغاية، وربما تكون الخطوة الأولى المنحدرة نحو حالة اعتبار رفيقته الإنسانة “شيء” أو “أداة” يتم استغلالها لأجل متعته. عندئذ تزال زهرة البراءة، عنصر الطاعة والاستعداد لتحمل المسؤولية. من كل نشاط نقوم به.

فالأفكار التي يتم القيام بها لأجل الله – مثل تلك التي نحن منغمسون فيها في تلك اللحظة – تستمر كما لو كانت غاية في حد ذاتها. وبعد ذلك كما لو أن متعتنا في التفكير هي الغاية، وأخيراً كما لو أن كبرياءنا أو شهرتنا هي الغاية. وهكذا طوال اليوم، وكل أيام حياتنا، ننحدر، وننزلق، ونسقط، كما لو أن الله، بالنسبة لوعينا الحالي، هو مجرد طائرة تميل على نحو سلس لا يوجد على متنها راحة.

بالحقيقة نحن لدينا لآن تلك الطبيعة التي لابد لها أن تنزلق، والخطية، حيث أنه لا يمكن تجنبها، قد نعتبرها عرضية ويمكن اغتفارها. لكن لا يمكن أن يكون الله قد صنعها هكذا. إن الانجذاب بعيداً عن الله، “الارتحال نحو الوطن نحو الذات المعتادة”، كما نعتقد، لا بد أن تكون نتيجة للسقوط. إننا لا نعرف تماماً ماذا حدث للإنسان عندما سقط؛ لكن إذا كان من المشروع أن نخمن، فإني أقدم الصورة التالية، “أسطورة” بالمعنى السقراطي Socratic قصة ليس بعيدة الاحتمال.

على مدى قرون طويلة أتقن الله صورة الطبيعة الجسدية (الحيوانية) التي كانت ستصبح مركبة الانتقال إلى البشرية وصورة الله نفسه، فأعطاه يدين كان يمكن لإبهاميهما أن ينطبقا على كل الأصابع الأخرى، وفكين وأسنان وحلق قادرين على الكلام، وعقل مقعد ومركب بما يكفي لتنفيذ كل التحركات المادية ووفقاً لذلك تتجسد الفكرة المعقولة.

ربما كان هذا المخلوق موجوداً على مدى عصور بهذه الحالة قبل أن يصبح إنساناً؛ بل ربما كان ماهراً بما يكفي بحيث يصنع أشياء يقبلها علماء الآثار المحدثين كدليل على إنسانيته. ولكنه كان فقط مجرد طبيعة جسدية (حيوان) لأن كل عملياته الجسدية والنفسية كانت موجهة بطريقة خالصة نحو غايات مادية وطبيعية.

ثم، في ملء الزمان، جعل الله أن ينزل على هذا الكائن الحي، على كل من نفسيته Psychology ووظائف أعضائه Physiology، نوعاً جديداً من الوعي الذي استطاع أن يقول “أنا” و “لي”، والذي استطاع أن ينظر إلى نفسه “كذات”، والذي عرف الله، واستطاع أن يصدر أحكاماً تختص بالحق، والجمال، والخير، والذي كان حتى ذلك الوقت فوق الزمن حتى أنه استطاع أن يدرك أن الوقت يمضي بسرعة.

هذا الوعي الجديد حكم وأنار هذا الكائن الحي بأكمله، غامراً كل جزء فيه بالنور، ولم يكن، مثل وعينا، محدوداً بمجموعة مختارة من التحركات التي تذهب في جزء واحد من الكائن الحي؛ أي العقل. كان الإنسان عندها في ملء الوعي. يزعم أتباع اليوجا Yogi الحديثة – سواء عن كذب أو عن حق – أنهم يتحكمون في تلك الوظائف التي هي بالنسبة لنا في الأغلب جزء من العالم الخارجي، مثل الهضم والدورة الدموية. لكن تلك القوة كانت لدي الإنسان الأول بطريقة بارزة. وقد أطاعت عملياته العضوية قانون إرادته الشخصية، وليس قانون الطبيعة.

أرسلت أجهزة جسمه الشهوات إلى كرسيي حكم إرادته، ليس لأنه كان يجب عليها ذلك، بل لأنه هو اختار ذلك. كان النوم يعني له ليس السبات الذي نجتاز فيه، بل راحة مرغوبة وواعية – فظل متيقظاً لكي يستمتع بلذة وفريضة النوم. وحيث أن عمليات الاضمحلال والإصلاح في أنسجته كانت بالمثل واعية ومطيعة، ربما ليس من الخيال أن نفترض أن طول فترة حياته كان إلى حد كبير بناء على تقديره الخاص.

وحيث أنه كان متحكماً في ذاته، فإنه كان متحكماً في كل الحيوات الأدنى منه التي كان يتعامل معها. بل أننا نحن حتى الآن نلتقي بأفراد نادرين لديهم قدرة غامضة على ترويض الوحوش. هذه القدرة تمتع بها إنسان الجنة بتفوق. لذلك فالصورة القديمة للحيوانات وهم يلعبون أمام آدم ويتملقونه قد لا تكون رمزية بالكامل.

فحتى الآن هناك حيوانات أكثر مما يمكنك أن تتوقع مستعدة أن تعشق الإنسان لو أنه أتيحت لها الفرصة المناسبة؛ لأن الإنسان قد صُنع لكي يكون الكاهن، بل وبإحدى المعاني، المسيح، بالنسبة للحيوانات، أي الوسيط الذي من خلاله يفهمون الكثير جداً من البهاء والروعة الإلهية بقدر ما تسمح لهم بذلك طبيعتهم غير العاقلة. ولم يكن الله بالنسبة لذلك الإنسان طائرة منزلقة مائلة.

فقد صُنع له الوعي الجديد لكي يطمئن ويستريح في خالقه، وقد استراح فيه بالفعل. مهما تنوعت وأثريت خبرة الإنسان برفاقه (أو رفيقه) من البشر. بالإحسان والمحبة والصداقة والحب الجنسي، أو بالوحوش، أو بالعالم المحيط به الذي أدرك عندها لأول مرة أنه جميل ورهيب، كان الله يأتي أولاً في محبته وفي فكره، وقد حدث هذا دون جهد مؤلم.

بحركة دائرية متقنة، نزلت الكينونة، والقوة والفرح من الله إلى الإنسان في صورة عطية وهدية وعادت من الإنسان إلى الله في صورة محبة طائعة وعبادة منتشية؛ وبهذا المعنى، لكن ليس بكل المعاني، كان الإنسان عندها بالحقيقة ابن الله، نموذجاً للمسيح، يمثل بصورة متقنة كاملة وبفرح ويُسر كل الملكات وكل الحواس التي تخضعها الذات البنوية التي مثلها ربنا في آلام الصليب.

لكن، حيث تم الحكم عليه عن طريق مصنوعاته اليدوية، أو ربما حتى عن طريق لغته، كان هذا المخلوق المبارك السعيد، بلا شك، همجياً. فكل ما يمكن للخبرة وللممارسة أن تعلمه كان عليه أن يتعلمه؛ لو كان يكسر الأحجار، فهو بلا شك كان يكسرها بطريقة خرقاء بما يكفي. وربما كان غير قادر على الإطلاق على التعبير في شكل مفاهيمي عن خبرته في الجنة. لكن كل ذلك غير ذي صلة بالموضوع على الإطلاق.

فمن خلال طفولتنا نحن أنفسنا نتذكر أنه قبل أن يعتقد الكبار المسؤولون عنا أننا قادرون على “فهم” أي شيء، كانت لدينا بالفعل خبرات روحية في مثل نقاء وأهمية أية خبرات أخرى اختبرناها منذ ذلك الحين، رغم أنها ليست بالطبع في مثل ثرائها في السياق الواقعي. من المسيحية نفسها نعرف أن هناك مستوى – على المدى الطويل هو المستوى الوحيد من الأهمية – الذي لا يكون فيه لدى المتعلمين والبالغين أية أفضلية على الإطلاق على البسطاء والأطفال.

إنني لا أشك أنه لو استطاع إنسان الجنة الآن أن يظهر بيننا، فإننا سوف ننظر إليه باعتباره همجياً تماماً، مخلوق يجب استغلاله، أو في أفضل الحالات، حمايته. فقط واحد أو اثنان، وأولئك الذين هم أكثرنا قداسة، سينظرون مرة أخرى إلى ذلك المخلوق العاري، أشعث اللحية، بطيء الكلام؛ ولكنهم، بعد دقائق، سوف يسقطون عند قدميه.

إننا لا نعرف كم خلق الله من هذه الكائنات، ولا كم من الزمن قضوا في حالة الجنة هذه. ولكنهم في النهاية سقطوا. شخص ما أو شيء ما همس في آذانهم أنهم يستطيعون أن يصيروا مثل آلهة – أنهم يستطيعون أن يتوقفوا عن توجيه حياتهم نحو خالقهم وأن يعتبروا كل متعهم ومسراتهم كمراحم غير مرتبطة بعهد، باعتبارها “مصادفات عرضية” (بالمعنى المنطقي) التي تنشأ في مسار حياة موجهة ليست إلى تلك المسرات بل إلى حب الله وعبادته.

وكما يريد شاب بدلاً مالياً منتظماً من أبيه يستطيع أن يعتمد عليه باعتباره ملكاً له، والذي في إطاره يقوم بخططه الخاصة (وهذا عن حق، إذ أن أباه على أية حال هو مخلوق مثله) هكذا قررت هذه الكائنات أن تكون مستقلة بنفسها، وأن تخطط للمتعة وللأمان، وأن يكون لها حياتها الخاصة التي منها، دون شك، كانت ستدفع نوعاً من الضريبة المعقولة لله من ناحية الوقت، والاهتمام، والمحبة، غير أن حياتها ستكون في النهاية ملكاً لها وليست ملكاً لله.

لقد أرادت، كما نقول، أن “تنادي بنفوسها ملكاً لها”. لكن هذا كان يعني أن تعيش كذبة، لأن نفوسنا، في الحقيقة، ليست ملكاً لنا. لقد أرادوا ما يشبه ركناً خاصاً لهم في الكون يمكنهم فيه أن يقولوا لله، “هذا شأننا، وليس شأنك”. لكن لا يوجد مثل هذا الركن. لقد أرادوا أن يكونوا “أسماء” Nouns (أو كيانات مستقلة)، ولكنهم كانوا، ولابد أن يكونوا إلى الأبد، مجرد “صفات” Adjectives (أي تابعين).

ليست لدينا أية فكرة في أي فعل محدد، أو سلسلة من الأفعال، وَجدت تلك الرغبة المستحيلة المناقضة للذات، تعبيراً عن نفسها. لأن كل ما يمكنني أن أراه، ربما كان يخص الأكل الحرفي من الثمرة، لكن هذه المسألة، على أية حال، ليس لها أي تأثير.

هذا الفعل للإرادة الذاتية من ناحية المخلوق، الذي يمثل تزييفاً تاماً لوضعه الحقيقي كمخلوق، هو الخطية الوحيدة التي يمكن فهمها باعتبارها هي السقوط. هذا لأن الصعوبة المتعلقة بالخطية الأولى هي أنها لا بد أن تكون شديدة الشناعة، وإلا لما كانت نتائجها بمثل هذه البشاعة، ومع ذلك لا بد أنها كانت شيئاً يمكن أن نتصور أن يقوم بارتكابه كائن متحرر من تجارب الإنسان الساقط.

وهكذا فإن التحول من الله إلى الذات يحقق كلا الشرطين. فهي خطية ممكنة حتى لأنسان الجنة، لأن مجرد وجود ذات – مجرد حقيقة أننا نطلق عليها “أنا” – تشمل من البداية. خطر عبادة صنم الذات. فحيث أني موجود، لا بد أن أتخذ فعل إخضاع الذات، مهما كان صغيراً أو سهلاً، في أن أحيا لله بدلاً من ذاتي. هذه هي، إن كنت تحب أن تقول، “نقطة الضعف” في طبيعة الخليقة نفسها، المخاطرة التي من الواضح أن الله كان يعتقد أنها تستحق أن تؤخذ.

لكن الخطية كانت شديدة البشاعة، لأن الذات التي كان على إنسان الجنة أن يُخضعها لم تكن تحوي تمرداً طبيعياً على إخضاعها. فقد كانت “بياناته” كما يمكن أن نقول، هي أنه كائن حي نفسي، بدني يخضع بالكامل للإرادة. ولإرادة ممنهجة تماماً، رغم أنها ليست مجبرة، على اللجوء إلى الله.

فإخضاع الذات الذي مارسه قبل السقوط لم يكن يتضمن صراعاً بل فقط يتضمن تغلباً لذيذاً على تمسك متناهي الصغر بالذات والذي كان يفرح بأنه يتم إخضاعه، والذي نرى تشبيهاً باهتاً له في الإخضاع المفرح المتبادل للذات بين المحبين حتى الآن.

لذلك لم يكن يمثل له تجربة أو “غواية” (بالمعنى الذي نعرفه) أن يختار الذات، كما لم تكن لديه رغبة أو هوى يميل بعناد إلى ذلك الطريق – لا شيء سوى الحقيقة المجردة بأن تلك الذات هي ذاته.

حتى تلك اللحظة كان الروح الإنسانية في تحكم كامل في الكائن الإنساني. وكانت تتوقع بلا شك أنها سوف تحتفظ بهذا التحكم عندما توقفت عن طاعة الله. لكن سلطتها على الكيان الإنساني كان سلطة مفوضة، لذلك فقدت تلك السلطة عندما توقفت عن أن تكون نائبة ممثلة لله. وحيث أنها فصلت نفسها، قدر استطاعتها، عن مصدر كينونتها، فإنها قد فصلت نفسها عن مصدر السلطة.

لأننا عندما نقول عن الأشياء المخلوقة أن “أ” يحكم “ب” فلا بد أن هذا يعني أن الله يحكم “ب” من خلال “أ”. إنني أشك ما إذا كان من الممكن جوهرياً لله أن يستمر في حكم الكائن البشري من خلال الروح البشرية عندما كانت الروح البشرية في تمرد ضده. على أية حال هو لم يفعل ذلك. فقد بدأ الله يحكم الكائن الإنساني بطريقة خارجية أكثر، ليس بواسطة قوانين الروح، بل بواسطة قوانين الطبيعة.

وهكذا فإن الأعضاء، إذ لم تعد محكومة بواسطة إرادة الإنسان، سقطت تحت سيطرة القوانين البيوكيميائية العادية وتألمت من كل التطبيقات المشتركة التي يمكن أن تحدثها تلك القوانين في طريق الألم، والشيخوخة، والموت.

وبدأت الرغبات في الظهور داخل عقل الإنسان، ليس كما اختار عقله، بل فقط كما سببتها الحقائق البيوكيمائية والبيئية. العقل نفسه وقع تحت سطوة القوانين النفسية الجمعية وما أشبه والتي صنعها الله لكي تحكم نفسية شبيه الإنسان الأعلى Anthropoids. تلك الإرادة، إذ وقعت في الموجة العامة من الطبيعة الخالصة، لم يعد لديها مورد آخر إلا أن تجبر بعضاً من الأفكار والرغبات الجديدة على العودة مرة أخرى بواسطة عنصر القوة الرئيسي، وهذه الأفكار المتمردة غير المستقرة أصبحت هي العقل الباطن كما نطلق عليه الآن.

إنني أعتقد أن هذه العملية لا يمكن مقارنتها بمجرد التدهور الذي قد يحدث الآن في الفرد البشري؛ بل أنها كانت فقداً لمكانة الجنس البشري نفسه Species. فما فقده الإنسان بالسقوط كان طبيعته المحددة الأصلية.

“لأنك تراب وإلى تراب تعود”. هذا الكائن الحي بأكمله الذي كان ممتلكاً ومستغرقاً داخل حياته الروحية سُمح له بالتراجع إلى مجرد الحالة الطبيعية التي نشأ منها، عند خلقه، في البداية المبكرة لقصة الخليقة – تماماً كما أنشأ الله الحياة النباتية لكي تصبح بيئة للطبيعة الحيوانية، والعملية الكيميائية لكي تكون وسطاً للحياة النباتية، والعملية المادية ليك تكون وسطاً للكيميائية.

هكذا الروح البشرية من كونها سيدة الطبيعة البشرية أصبحت مجرد نزيل في بيتها الخاص، بل حتى سجيناً؛ وأصبح الوعي العقلاني كما هو عليه الآن – بقعة ضوء متقطع تستقر على جزء صغير من الإشارات الدماغية. لكن هذه المحدودية لقوى الروح كانت شراً أقل من فساد الروح نفسها. فقد تراجعت الروح عن الله وأصبحت صنماً لنفسها، بحيث أنه رغم أنها كانت لا تزال تستطيع أن تعود إلى الله مرة أخرى، كان في استطاعتها أن تفعل ذلك فقط بواسطة جهد مؤلم، وكان ميلها تجاه الذات.

من هنا أصبح الكبرياء والطموح، والرغبة في أن تكون جميلة في عيني نفسها، وأن تحبط وتهين كل منافسيها، أصبح الحسد، والبحث المحموم عن المزيد، وأكثر من ذلك بكثير، الرغبة في حماية نفسها، هي الآن الاتجاهات التي تأتي إلى الروح بصورة أسهل. فهي لم تصبح فقط مَلِكاً ضعيفاً على طبيعتها الخاصة، بل مَلِكاً سيئاً؛ إذ أرسلت إلى أسفل الكائن البدني – النفسي رغبات أسوء كثيراً من تلك التي أرسلها إليها إلى أعلى ذلك الكائن الحي.

تم نقل هذه الحالة بواسطة الوراثة إلى كل الأجيال التالية، لأنها لم تكن ببساطة ما يطلق عليه علماء البيولوجيا تغير مكتسب Acquired Variation؛ بل كانت ظهوراً لنوع جديد من الإنسان – جنس بشري جديد، لم يخلقه الله، جاء إلى الوجود نتيجة الخطية. هذا التغير الذي اجتاز فيه الإنسان لم يكن مشابهاً لتطور عضو جديد أو عادلة جديدة؛ بل كان تغيراً جذرياً في بنية جسمه، اضطراباً في العلاقة بين أجزاء مكوناته، وفساد وانحراف داخلي لواحد منها.

ربما كان يمكن لله أن يوقف هذه العملية بمعجزة؛ لكن هذا – لكي نتحدث بتشبيه فظ إلى حد ما – كان من شأنه أن يقلل المشكلة التي وضعها الله نفسه عندما خلق العالم، مشكلة التعبير عن صلاحه من خلال دراما شاملة لعالم يحوي نواباً أحراراً له، على الرغم من وبواسطة تمردهم عليه. الرمز في الدراما، أو المقطوعة الموسيقية، أو الرقصة، مفيد هنا لتصحيح عبثية معينة قد تنشأ إذا كنا نتحدث أكثر من اللازم عن أن الله يخطط ويخلق العملية العالمية لأجل الخير، وأن هذا الخير قد تم إحباطه بواسطة الإرادة الحرة للمخلوقات.

قد يثير هذا الفكرة السخيفة بأن السقوط قد فاجأ الله وأفسد خطته، أو – الأكثر سخفاً – أن الله قد خطط الأمر كله لأجل ظروف كان يعرف جيداً أنه لن يتم تحقيقها أبداً. لكن الحقيقة، بالطبع، هي أن الله رأى الصلب Crucifixion في فعل خلق أول سديم. فالعالم عبارة عن رقصة يتم فيها إفساد الخير، الذي ينزل من عند الله، بواسطة الشر الذي ينشأ من المخلوقات، والصراع الناتج عن ذلك يتم حسمه بواسطة افتراض الله نفسه للطبيعة المتألمة التي ينتجها الشر.

تؤكد عقيدة السقوط الحر على أن الشر الذي يمثل الوقود أو المادة الخام للنوع الثاني والأكثر تعقيداً للخير ليس هو إسهام الله بل إسهام الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه لو كان الإنسان قد ظل في حالة البراءة لم يكن الله سيتمكن من تأليف سيمفونية رائعة متكاملة بالمثل – بافتراض أننا نصر على طرح مثل هذه الأسئلة.

لكن لا بد أن نتذكر دائماً أننا عندما نتكلم عم كان يمكن أن يحدث، عن احتمالات خارج الواقع كلية، فإننا لا نعرف في الحقيقة ما نتحدث عنه. إذ أنه لا توجد أزمنة أو أماكن خارج الكون الموجود، الذي فيه “أمكن أن يحدث” أو “كان يمكن أن يحدث” كل هذا. أعتقد أن أهم طريقة يمكن نوضح بها الحرية الحقيقية للإنسان هي أن نقول إنه إذا كانت هناك أنواع كائنات عاقلة أخرى غير الإنسان، موجودة في جزء ما آخر من الكون الفعلي، إذاً فليس من الضروري أن نفترض أنها هي أيضاً قد سقطت.

يتم تفسير حالتنا الحاضرة إذاً، بحقيقة أننا أعضاء في جنس بشري فاسد. إنني لا أقصد أن آلامنا هي عقاب على كوننا ما لا يسعنا أن نكون غيره الآن. ولا أننا مسؤولون أخلاقياً على عصيان سلف بعيد. فإذا كنت، رغم ذلك، أدعو حالتنا الحاضرة هي حالة الخطية الأصلية، وليست فقط مجرد حالة بَلِيّة أصلية، فهذا لأن خبرتنا الدينية الفعلية لا تسمح لنا بأن ننظر إليها بأية طريقة أخرى.

نظرياً، أعتقد أننا يمكن أن نقول، “نعم؛ إننا نتصرف مثل الحشرات الطفيلية، لكن هذا بسبب أننا حشرات طفيلية، أبعد كثيراً عن الشعور بأنها مبرر، هي خزي وألم أعظم بالنسبة لنا من أي من الأفعال المعينة التي تقودنا لارتكابها. وهكذا فالموقف على نحو وثيق ليس من الصعب جداً فهمه كما يبرهن على ذلك بعض الناس. ينشأ هذا الموقف بين البشر كلما يتم تقديم صبي سيء التربية جداً إلى عائلة كريمة.

فإنهم يقومون عن حق بتذكير أنفسهم أنه “ليس خطأه الشخصي” أنه مشاكس وجبان وناشر للفضائح والإشاعات وكاذب. لكن مع ذلك، شخصيته الحالية مكروهة ومنفرة. إنهم لا يكرهونها فقط، بل يجب عليهم أن يكرهوها. إنهم لا يستطيعون أن يحبوه بسبب ما هو عليه، ولكن يمكنهم فقط أن يحاولوا تغييره إلى ما ليس هو عليه.

في الوقت الحالي، رغم أن الصبي سيء الحظ للغاية لكونه قد نشأ بتلك الطريقة، لا تستطيع تماماً أن تطلق عله شخصيته أنها “سيئة الحظ” أو تعيسة كما لو أنه هو شيء وشخصيته شيء آخر. ولكنه هو، هو نفسه الذي يتشاجر ويُرهب ويسرق ويحب القيام بذلك. وإذا بدأ في التغير والإصلاح فإنه حتماً سيشعر بالخزي والذنب بسبب ما يبدأ في التوقف عن أن يكونه.

بهذا أكون قد قلت كل ما يمكن قوله على المستوى الذي أشعر أنه يمكنني فقط التعامل به مع موضوع السقوط. ولكني أحذر قرائي مرة أخرى، أن هذا المستوى هو مستوى ضحل. فنحن لم نقل شيئاً عن شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر اللذين بلا شك يخفيان سراً عظيماً؛ ولم نقل شيئاً عن عبارة بولس أن “كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع”.

لكن هذا المقطع هو الذي يكمن خلق عقيدة الآباء عن وجودنا المادي في صلب آدم وعقيدة أنسيلم Anselm عن اشتراكنا، بواسطة صورة تخيلية مشروعة، في آلام المسيح. ربما تكون هذه النظريات قد عملت حسناً في زمنها ولكنها لا تفيدني بأي شيء جيد، ولن أقوم باختراع غيرها.

فقط أخبرنا العلماء مؤخراً انه ليس لنا أي حق في أن نتوقع أن يكون الكون الفعلي قابلاً للتصوير Picturable، وأننا إذا صنعنا صوراً فكرية لتوضيح فيزياء الكم فإننا نتحرك أبعد بعيداً عن الواقع، وليس أقرب إليه، بل من الواضح أنه لدينا حتى حق أقل في أن نطالب بأن تكون أسمى الحقائق الروحية قابلة للتصوير، أو حتى قابلة للتفسير في مجال فكرنا المجرد.

إنني ألاحظ أن صعوبة صيغة بولس تثار بواسطة حرف الجر “في” In، وأن هذا الحرف، يستخدم في العهد الجديد مرات ومرات، بمعاني لا نستطيع فهمها بالكامل. أن نستطيع أن نموت “في” آدم ونحيا “في” المسيح، يبدو لي أنه يعني ضمنياً أن الإنسان، كما هو في الحقيقة، يختلف بقدر كبير عن الإنسان كما تمثله تصنيفات تفكيرنا وكما تمثله تخيلاتنا ثلاثية الأبعاد؛ وأن الانفصال – المعدل فقط بواسطة علاقات سببية – الذي نميزه بين الأفراد، متوازن، في الواقع المطلق، بواسطة نوع من “الضخ المشترك للحياة” Inter-inanimation الذي ليس لدينا فهم له على الإطلاق.

ربما أن أفعال وآلام النماذج الأصلية لشخصيات الكتاب المقدس العظيمة مثل آدم والمسيح هي أفعالنا وآلامنا، ليس على سبيل الخيال المشروع، أو الاستعارة، أو السببية، كلن بطريقة أعمق بكثير. لا يوجد شك بالطبع في أن هناك أفراد يذوبون في نوع من التواصل الروحي مثلما تؤمن الأنظمة الوجودية Pantheistic Systems (هذه الفلسفة تؤمن بأن الخليقة هي من مادة واحدة مع الله الخالق – المحرر)؛ التي تم استبعادها بواسطة المضمون الكامل لإيماننا.

لكن قد يكون هناك توترات بين مبدأ الفردية ومبدأ ما آخر. فنحن نؤمن أن الروح القدس يستطيع أن يكون موجوداً بالفعل وعاملاً في الروح البشرية، ولكننا، على عكس الوجودية، لا نفهم هذا باعتبار أننا “أجزاء” Parts أو “تحولات” Modifications أو “ظهورات” Appearances لله. ربما يكون علينا أن نفترض، على المدى الطويل، أن شيئاً من نفس هذا النوع صحيح، بدرجته الملائمة، حتى بالنسبة للأرواح المخلوقة، وأن كلاً منها، رغم أنها مميزة، موجودة حقاً في الجميع، أو في بعض منهم، في أرواح أخرى – تماماً كما قد يكون علينا أن نعترف “بالتأثير عن بعد” Action at A Distance في مفهومنا للمادة.

لا بد أن الجميع يلاحظون كيف يبدو أن العهد القديم في بعض الأحيان يتجاهل إدراكنا للفرد. عندما وعد الله يعقوب “أنا أنزل معك إلى مصر وأنا أصعدك أيضاً”، فإن هذا قد تحقق إما بدفن جسد يعقوب في فلسطين أو بخروج نسل يعقوب من مصر. من الصحيح تماماً أن نربط هذه الفكرة بالنظام الاجتماعي للمجتمعات المبكرة التي كان يتم فيها باستمرار التغاضي عن الفرد لصالح القبيلة أو العائلة؛ لكننا يجب أن نعبر عن هذه الرابطة بواسطة افتراضين ذوي أهمية متساوية.

الأول، هو أن خبرة القدماء الاجتماعية قد أعمتهم عن بعض الحقائق التي نفهمها، والثاني، هي أنها جعلتهم حساسين لبعض الحقائق التي نعمى نحن عنها. فالخيال المشروع، وتبني، ونقل أو عزو الاستحقاق والذنب. ما كان يمكن أبداً أن يلعبوا الدور الذي لعبوه في اللاهوت لو كان يتم الشعور دائماً بأنهم مصطنعون للغاية كما نشعر أنهم كذلك الآن.

لقد اعتقدت أنه من الصواب أن أعترف بهذه النظرة الواحدة لما هو بالنسبة لي ستار لا يمكن اختراقه، لكنها كما قلت، لا تمثل جزء من جدلي الحالي. من الواضح أنه سيكون من العبث أن أحاول حل معضلة الألم بإنشاء معضلة أخرى. إلا أن فرضية هذا الفصل هي ببساطة أن الإنسان، كجنس بشري، قد أفسد نفسه، وأن الخير، بالنسبة لنا في حالتنا الحاضرة لا بد إذاً أن يعني أساساً خيراً علاجياً أو تصحيحياً. ما الدور الذي يلعبه الألم فعلياً في هذا العلاج أو التصحيح، هذا هو الأمر الذي يجب أن نفكر فيه الآن.

سقوط الإنسان – سي إس لويس

الشر البشري – شر البشر – سي إس لويس

الشر البشري – شر البشر – سي إس لويس

الشر البشري – شر البشر – سي إس لويس

الشر البشري – شر البشر – سي إس لويس

“لا يمكن أن تكون لديك علامة أعظم على الكبرياء المؤكدة من أن تعتقد أنك متواضع بما يكفي.”

Law. Serious Call, Cap. XVI

إن الأمثلة التي عرضناها في الفصل السابق قد قامت بتوضيح أن الحب قد يسبب الألم للمحبوب موضوع المحبة، لكن هذا فقط بافتراض أن المحبوب يحتاج إلى تغيير لكي يصبح محبوباً بالكامل. فلماذا نحتاج نحن البشر إلى مثل هذا التغيير الكثير؟ الإجابة المسيحية، أننا قد استخدمنا إرادتنا الحرة لكي نصبح أشراراً للغاية، هي إجابة معروفة تماماً حتى أننا لا نحتاج أن نذكرها.

لكن أن نأتي بهذه العقيدة إلى الحياة الواقعية في عقول البشر المعاصرين، بل وحتى في عقول المسيحيين المعاصرين، فهذا أمر صعب للغاية. عندما كان الرسل يبشرون استطاعوا أن يفترضوا حتى لدى سامعيهم من الوثنيين وعياً حقيقياً باستحقاقهم للغضب الإلهي. فقد زعمت الأسرار الوثنية الغامضة التي كانت موجودة لتسكين هذا الوعي، والفلسفة الأبيقورية Epicurean Philosophy أنهما يخلصان البشر من الخوف من العقاب الأبدي. مقابل هذه الخلفية ظهر الإنجيل باعتباره أخباراً سارة. فقد جاء بأخبار إمكانية الشفاء للبشر الذين عرفوا أنهم أشرار على نحو مميت. لكن كل هذا قد تغير. فالمسيحية الآن يجب عليها أن تعلم عن تشخيص الداء – وهذه في حد ذاتها أخبار سيئة للغاية – قبل أن تحظى بالإدلاء بشهادتها عن العلاج.

هناك سببان أساسيان لذلك، السبب الأول هو حقيقة أنه على مدى حوالي مائة عام قد ركزنا كثيراً على واحدة فقط من الفضائل – أي “اللطف” أو “الرحمة” – حتى أن معظمنا لا يشعر بأي شيء سوى الرحمة لكي يكون صالحاً حقاً، أو أي شيء سوى القسوة لكي يكون شريراً حقاً. مثل هذه التطورات الأخلاقية غير المتوازنة ليست غير شائعة، كما أنه كانت هناك عصور أخرى لديها فضائلها المحببة وعدم وعيها المؤذي.

وإذا كان لا بد أن تكون هناك فضيلة ما يتم غرسها على حساب بقية الفضائل الأخرى كلها، فلا يوجد ما يستحق ذلك أكثر من الرحمة، لأن كل مسيحي لابد أن يرفض باحتقار تلك الدعاية المقنعة للقسوة التي تحاول أن تنزع الرحمة من العالم بدعوتها بأسماء مثل “النزعة الإنسانية” Humanitarianism و”النزعة العاطفية” Sentimentality. لكن المشكلة الحقيقية هي أن “الرحمة” صفة من السهل حتمياً أن ننسبها إلى أنفسنا على أسس غير سليمة على الإطلاق. فكل إنسان يشعر أنه خير إذا لم يحدث ما يضايقه في تلك اللحظة. وهكذا يقوم الإنسان بسهولة بتعزية نفسه عن كل رذائله الأخرى بواسطة اقتناعه بأن “قلبه أبيض”، وأنه “لا يؤذي ذبابة”، رغم انه في الحقيقة لم يقم بأقل تضحية لمخلوق زميل له. إننا نعتقد أننا صالحون عندما نكون فقط سعداء؛ إلا أنه ليس بهذه السهولة، على نفس تلك الأسس، أن يتخيل المرء نفسه معتدلاً، أو متعففاً، أو متواضعاً.

أما السبب الثاني فهو تأثير التحليل النفسي Psycho-Analysis على الرأي العام، وبالتحديد، مبدأ الكبت والمنع Repressions and Inhibitions. إلا أنه بغض النظر عما تعنيه حقاً هذه المبادئ، فإن الانطباع الذي تتركه بالفعل على معظم الناس هو أن الشعور الخزي Sense of Shame هو أمر خطير ومؤذي. وهكذا جاهدنا لكي نتغلب على ذلك الشعور بالخوف أو الخجل، وتلك الرغبة في التخفي، التي ربطتها إما الطبيعة نفسها أو التقليد عند معظم البشر تقريباً بالجبن وعم التعفف والكذب والحسد. وقد قيل لنا (بحسب مبدأ الكبت والمنع) أن “نأتي بالأمور إلى العلن”.

ليس لأجل إذلال النفس، بل على أساس أن هذه “الأمور” طبيعية جداً ولا تحتاج أن نخجل منها. لكن ما لم تكن المسيحية باطلة بالكامل، فإن إدراكنا لأنفسنا الذي يكونن لدينا في لحظات الخزي والخجل لا بد أن يكون هو الشعور الوحيد الحقيقي؛ بل إنه حتى المجتمع الوثني يدرك عادة ان “المجون” أو الوقاحة Shamelessness هي أحط درجات النفس. وهكذا في محاولتنا لاستئصال الشعور بالخزي قد هدمنا واحداً من الأسوار الواقية للروح البشرية، وتهللنا بجنون بهذا العمل كما تهلل أبناء طروادة Trojans عندما هدموا أسوارهم وجذبوا الحصان داخل طروادة Troy. إنني لا أعرف أي شيء يمكن فعله سوى أن نشرع في إعادة البناء بأسرع ما يمكننا. إنه عمل أخرق أن نزيل الرياء بواسطة إزالة إغراء الرياء: “فالصراحة” من أناس غارقين تحت الخزي والعار هي صراحة رخيصة للغاية.

إن استرداد الشعور القديم بالخطية هو أمر أساسي بالنسبة للمسيحية. فقد اعتبره المسيح أمراً مسلماً به أن البشر أشرار. لذلك ما لم نشعر حقاً بأن افراضه هذا حقيقي، رغم أننا جزء من العالم الذي جاء لكي يخلصه، فإننا لن نصبح جزء من سامعيه الذين يوجه كلماته إليهم. إذ إننا نفتقر إلى الشرط الأول لفهم ما يتحدث عنه. وعندما يحاول البشر أن يكونوا مسيحيين بدون هذا الوعي المسبق بالخطية، تميل النتيجة غالباً إلى أن يكون هناك نوعاً من الاستياء تجاه الله باعتباره الشخص الذي يقوم دائماً بمطالب مستحيلة ويكون دائماً غاضباً لسبب غير مفهوم.

معظمنا يشعر في بعض الأحيان بتعاطف خفي مع المزارع المحتضر الذي رد على رسالة الكاهن الخاصة بالتوبة بأن سأله “ما الأذى الذي فعلته به (بالله) في أي وقت مضى؟” هذه هي المشكلة الحقيقية. إن أسوأ شيء نفعله لله هو أن نتركه بمفرده. لماذا لا يستطيع الله أن يرد الفعل بالمثل؟! (بمعنى: لماذا لا يتركنا الله وشأننا؟! – المحرر) لماذا لا يعيش ويترك غيره يعيشون؟ ما الذي يدعوه، من بين كل الكائنات، أن يكون “غاضباً”؟ من السهل على الله أن يكون صالحاً!

أما في تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بذنب حقيقي – وهي لحظات نادرة جداً في حياتنا – فتختفي كل هذه التجاديف. قد نشعر أن هناك الكثير مما يمكن تبريره بالضعفات البشرية: لكن ليس هذه الفعل (الذي شعرنا بسببه بالذنب) – فهذا الفعل وضيع وقبيح بشكل لا يصدق، بحيث أنه لا يمكن لأي من أصدقائنا أن يفعله، حتى أن شخصاً مغالياً في السوء مثل X كان ليشعر بالخجل منه، لذلك فنحن لن نسمح أبداً بأن ينشر هذا الفعل في العلن.

في مثل تلك اللحظة نعرف بالفعل أن شخصيتنا، كما انكشفت من خلال هذا الفعل، بغيضة ويجب أن تكون مكروهة بالنسبة لك الأناس الصالحين، وإذا كانت هناك قوة فوق الإنسان، يجب أن تكون مكروهة لهم أيضاً. فالإله الذي لا ينظر إلى هذا الفعل بنفور غير قابل للاسترضاء لا يكون كائناً صالحاً. بل أننا لا يمكن حتى أن نرغب في مثل هذا الإله – يشبه هذا أن نرغب في أن تزول كل أنف في الوجود، وألا تُسعد رائحة الحشيش أو عبير الورود أو البحر أي كائن فيما بعد، لأن أنفاسنا نفسها ثبت أنها عفنة.

عندما نقول بكل بساطة (فقط بكلمات سطحية – المحرر) أننا مجرد أشرار، يبدو عندها “غضب الله” وكأنه مبدأ همجي؛ لكن ما أن ندرك ونعي شرنا، يبدو حتمياً، أن هذا الغضب هو مجرد نتيجة حتمية لصلاح الله. وهكذا أن نحتفظ أمامنا دائماً بالرؤية المستقاة من مثل هذه اللحظة كما كنت أصفها، وأن نتعلم أن نكتشف نفس هذا الفساد الحقيقي الذي يتعذر تبريره، خلف المزيد والمزيد من سبل تخفيه المعقدة، فهذا أمر لا يمكن الاستغناء عنه للحصول على فهم حقيقي للإيمان المسيحي. هذه بالطبع ليس عقيدة جديدة، فأنا لا أحاول عرض شيء مبهر للغاية في هذا الفصل. إنني فقط أحاول أن أخرج قرائي (بل والأكثر من ذلك، نفسي أيضاً) من جنة الحمقى Pans Asinorum ومن الوهم المطلق. لكن هذا الوهم ينمو ويزداد في الأزمنة الحديثة، بقوة شديدة، حتى أنني لا بد أن أضيف القليل من الاعتبارات التي تميل إلى أن تجعل الواقع أقل إذهالاً.

أولاً: إننا ننخدع بالنظر إلى الأمور من خارجها. فنحن نفترض في أنفسنا أننا لسنا أكثر سوءً تقريباً من Y، الذي يعرف الجميع عنه أنه شخص لطيف ومهذب، وبالتأكيد (رغم أننا لا يجب أن نزعم ذلك في العلن) أننا أفضل من X، ذلك الشخص البغيض المكروه. حتى على المستوى الظاهري، ربما ننخدع بشأن ذلك. فلا تكن شديد اليقين من أن أصدقاءك يعتقدون أنك في مثل صلاح Y. فمجرد حقيقة أنك قد اخترته لعقد هذه المقارنة يعد مثار للشك؛ فربما يكون هو أفضل منك ومن دائرة معارفك. لكن دعونها نفترض أن Y وأنت كلاكما تبدوان “غير سيئين”. إلى أي مدى يبدو مظهر Y مخادعاً، هذا أمر بين Y وبين الله.

فمظهره قد لا يكون مخادعاً؛ لكنك تعرف أن مظهرك أنت مخادع. هل تبدو هذه بالنسبة لك مجرد خدعة، لأن أستطيع أن أقول نفس الشيء إلى Y وهكذا إلى كل فرد بدوره؟ هذا هو بيت القصيد. كل إنسان، ليس شديد القداسة أو شديد الكبرياء، يجب أن “يرقى إلى مستوى” المظهر الخارجي للأشخاص الآخرين، فهو يعرف انه يوجد داخله ما يهبط أدنى كثيراً من أكثر سلوكياته العلنية استهتاراً، وحتى أكثر أحاديثه مجوناً. ففي لحظة من الزمن – بينما يتردد صديقك في قول كلمة ما – ما الأمور التي تدور في ذهنك؟ إننا لا نقول أبداً الحقيقة كاملة.

قد نعترف بحقائق قبيحة – بأكثر الأمور خساسة وحقارة وأكثرها جبناً، أو بأردأ النجاسات وأكثرها ابتذالاً – لكن النبرة أو الأسلوب يكون زائفاً. إن فعل الاعتراف نفسه، مع لمحة نفاق متناهية الصغر، مع حركة دعابة خفية، فكل هذا يوجد وسيلة لفصل وإبعاد الحقائق عن ذاتك الحقيقية. لا يستطيع أحد أن يخمن كم كانت هذه الأمور مألوفة، من ناحية ما، ومتجانسة روحاً وطبعاً مع نفسك، وكم هي نموذج لبقية ما في داخلك كله؛ فهناك في دفء الأعماق الداخلية الحالم، لم تلقى هذه الأمور تنافراً، ولم تكن غريبة للغاية ومنفصلة عن بقية ذاتك، كما تبدو عندما تتحول إلى كلمات. إننا نفترض ضمنياً، وكثيراً ما نؤمن، بأن الرذائل المعتادة هي أعمال فردية استثنائية، ونقوم بالخطأ العكسي بشأن تقييم فضائلنا، مثل لاعب التنس السيء الذي يدعو مستواه الطبيعي هو “أيامه السيئة” ويخطئ تقدير نجاحاته النادرة باعتبارها هي الوضع الطبيعي بالنسبة له. إنني لا أعتقد أنه خطؤنا أننا لا نستطيع أن نقول الحقيقة الواقعية بشأن أنفسنا؛ فالتذمر الداخلي المستمر طوال الحياة من الحقد، والغيرة، والاهتمام المحموم بالجنس، والطمع، والرضا عن الذات، ببساطة لن تعبر عنه الكلمات. لكن الأمر المهم هو أننا يجب ألا نخطئ باعتبار أن كلماتنا المحدودة هي بالضرورة تقرير كامل عن أسوأ ما بداخلنا.

ثانياً: هناك رد فعل، الذي هو في حد ذاته مفيد، يسري الآن ضد المفاهيم الخاصة البحتة أو المحلية للأخلاق، وهو إعادة الصحوة للضمير الاجتماعي. إننا نشعر في أنفسنا أننا متورطون في نظام اجتماعي شرير وجائر وأننا نشارك في ذنب جماعي. هذا صحيح جداً. لكن العدو يمكنه أن يستغل حتى الحقائق لخداعنا. لذلك احذر لئلا تقوم باستغلال فكرة الذنب الجماعي لكي تصرف انتباهك عن تلك الذنوب المضجرة ذات الموضة القديمة الخاصة بك التي ليس لها علاقة “بالنظام” والتي يمكن التعامل معها بدون انتظار الألفية التالية. لأن الذنب الجماعي ربما لا يمكن، كما أنه بالتأكيد، لا يتم الشعور به بنفس قوة الذنب الشخصي. بالنسبة لمعظمنا، كما نقول الآن، هذا المفهوم هو مجرد عذر لتجنب المشكلة الحقيقة. لكن عندما نتعلم حقاً أن نعرف فسادنا الشخصي، عندها بالحقيقة نستطيع أن نواصل لكي نفكر في الذنب الجماعي ولا نقدر أن نفكر فيه أكثر من اللازم، إذ أننا لا بد أن نتعلم المشي قبل أن نتمكن من الجري.

ثالثاً: إن لدينا وهم غريب وهو أن مجرد الزمن يلغي الخطية ويزيلها. لقد سمعت آخرين، وسمعت نفس، نحكي بل وحتى نضحك، من أشكال القسوة والكذب التي ارتكبناها في صبانا كما أن لا علاقة لها بالشخص الذي يتحدث في الوقت الحاضر. لكن مجرد الزمن لا يفعل شيئاً سواء بالنسبة إلى حقيقية الخطية أو إلى اثم خطية ما. الذنب لا يغسل بمرور الزمن، بل بالتوبة وبدم المسيح؛ فإذا كنا قد تبنا عن هذه الخطايا المبكرة في حياتنا يجب أن نتذكر ثمن غفران خطايانا ونتضع. أما بالنسبة لحقيقة الخطية، فهل من الممكن لأي شيء أن يزيلها؟ كل الأزمنة هي حاضرة سرمدياً أمام الله؛ أليس من الممكن على الأقل أنه عبر خط واحد في أبديته متعددة الأبعاد أن يراك الله إلى الأبد وأنت تتملق، وتكذب وتشتهي كصبي في المدرسة، يراك إلى الأبد في تلك اللحظة التي تعبر فيها عن الجبن أو الوقاحة والعجرفة بدرجة وضيعة؟

ربما يرجع الأمر إلى أن الخلاص لا يتألف من إزالة هذه اللحظات الأبدية بل يتألف من الاتضاع الكامل الذي يحمل الخزي على الأبد، ويفرح بالفرصة التي هيأتها رحمة الله ويسعد أنها يجب أن تكون معروفة بطريقة عامة للكون بأكمله. ربما في تلك اللحظة الأبدية يقوم القديس بطرس – وسوف يغفر لي إذا كنت على خطأ – بإنكار سيده إلى الأبد. إن كان الأمر كذلك، سيكون صحيحاً بالفعل أن أفراح السماء هي بالنسبة لمعظمنا، في حالتنا الحاضرة، “خاصية مكتسبة” – وأن طرقاً معينة من الحياة قد تجعل هذه الخاصية يستحيل اكتسابها. وربما الضالون هم أولئك الذي لا يجرؤون على الذهاب إلى مثل هذا المكان العام. بالطبع أنا لا أعرف إن كان هذا صحيح أم لا؛ ولكن أعتقد أن احتماليته يجدر أن توضع في الاعتبار.

رابعاً: يجب أن نحذر من الشعور بأن هناك “أمان في الجماعة” أو في الأعداد الكبيرة. فمن الطبيعي أن نشعر أنه إذا كان كل البشر هم بمثل الشر الذي يتحدث عنه المسيحيون إذاً لا بد أن يكون الشر مبرراً للغاية. فإذا رسب كل التلاميذ في الامتحان، فلا بد بالتأكيد أن الامتحان كان شديد الصعوبة. وهكذا يشعر أيضاً المدرسون في تلك المدرسة إلى أن يعلموا أن هناك مدارس أخرى بلغت نسبة النجاح فيها تسعون في المائة لنفس الامتحان. عندها يبدأون في الشك في أن الخطأ لا يكمن فمن يضعون الامتحان.

مرة أخرى، كثيرون منا كانت لديهم خبرة العيش في قطاع محلي ضيق من المجتمع البشري – في مدرسة أو كلية أو نظام أو مهنة معنية حيث كانت البيئة سيئة وفاسدة. وداخل ذلك القطاع كانت هناك أفعال معينة يتم اعتبارها مجرد طبيعية (كل الناس يفعلون ذلك) وأعمال أخرى معينة يتم اعتبارها فاضلة ومثالية بطريقة خيالية غير عملية. لكننا عندما خرجنا من ذلك المجتمع السيء اكتشفنا شيئاً مريعاً وهو أنه في العالم الخارجي كان “الطبيعية” بالنسبة لنا هو شيء لا يحلم أي إنسان مهذب بالقيام به أبداً، وما كان يعتبر بالنسبة لنا “مثالي” كان أمراً مسلماً به باعتباره هو المعيار الأدنى للأخلاق. وما كان يبدو لنا رهيباً وخيالياً بينما كنا نعيش في “هذا القطاع الضيق” قد اتضح الآن أنه هو اللحظات الوحيدة من العقل التي استمتعنا بها ونحن هناك.

لذلك من الحكمة أن نواجه احتمالية أن الجنس البشري كله (لكونه شيئاً صغيراً في الكون الواسع) وهو في الحقيقة، مجرد هذا القطاع المحلي الضيق من الشر – مدرسة فاسدة منعزلة او نظام يُنظر داخله إلى الحد الأدنى من الأخلاق باعتباره فضيلة بطولية ضخمة، وإلى الفساد الكامل باعتباره خلل يمكن الصفح عنه. لكن، هل هناك أي دليل – باستثناء العقيدة المسيحية نفسها، على أن هذا الأمر كذلك؟ أخشى أن هذا الدليل موجود فعلاً.

في المقام الأول، يوجد بيننا أولئك البشر غريبي الأطوار (المؤمنين الحقيقين) الذين لا يقبلون المعيار المحلي، والذين يظهرون الحقيقة المزعجة بأن ممارسة سلوك مختلف تماماً، هو في الحقيقة أمر ممكن.

ثانياً: إلا أن الأسوأ من ذلك هو حقيقة أن هؤلاء البشر، حتى عندما ينفصلون كثيراً عن بعضهم البعض في المكان والزمان، تكون لديهم قدرة خاصة مريبة على الاتفاق مع أحدهم الآخر في الأمور الأساسية – كما لو كانوا على اتصال مع رأي عام أوسع خارج هذا القطاع الضيق. الأمر المشترك بين زرادشت Zarathustra، وإرميا، وسقراط Socrates، وجوتاما Gotama، والمسيح، وماركوس أوريليوس Marcus Aurelius، هو أمر شديد الجوهرية (ملاحظة: إنني أذكر المسيح، الإله المتجسد، بين المعلمين البشريين لكي أوكد على حقيقة أن الاختلاف الأساسي بينه وبينهم لا يكمن في التعليم الأخلاقي – الذي يعنيني هنا – بل في الشخص والمكانة).

ثالثاً، إننا نجد في أنفسنا حتى في هذه اللحظة تأييد نظري لهذا السلوك الذي لا يمارسه أحد. فحتى داخل القطاع الضيق لا نقول إن العدل، والرحمة، والشجاعة والجَلَد، والاعتدال، هي أمور ليست ذات قيمة، بل نقول فقط أن النظام المحلي هو بالمثل عادل وشجاع ومعتدل ورحيم كما يمكن أن يتوقع بشكل معقول. وهكذا يبدو الأمر وكأن القواعد المدرسية التي يتم تجاهلها حتى داخل هذه المدرسة الفاسدة كانت مرتبطة بعالم أوسع – وأنه عندما ينتهي الفصل الدراسي قد نجد أنفسنا نواجه الرأي العام لذلك العالم الأوسع.

لكن أسوأ ما في الأمر هو هذا: أنه لا يسعنا إلا أن نرى أن الدرجة الوحيدة للفضيلة التي ننظر إليها الآن باعتبارها غير عملية يمكنها أن تنقذ جنسنا من كارثة حقيقية على هذا الكوكب. فالمقياس الذي يبدو أنه قد جاء من الخارج إلى “القطاع الضيق”، يتضح أنه مرتبط بصورة رهيبة بالظروف الموجودة داخل القطاع الضيق – بل أنه شديد الارتباط بها حتى أن الممارسة المستمرة للفضيلة بواسطة الجنس البشري حتى ولو لمدة عشر سنوات، يمكن أن تملأ الأرض من القطب إلى القطب بالأمن والسلام، والوفرة، والصحة، والسعادة، والسلام الفكري، حيث لا يوجد شيء آخر يمكنه أن يفعل ذلك.

قد تكون العادة، ههنا، هي أن نعامل القواعد الأخلاقية المنضبطة كأمور حرفية ميتة أو كنصح بالكمال؛ لكن حتى في هذه الحالة، فإن أي إنسان يتوقف لكي يفكر يستطيع أن يرى أننا نلتقي مع العدو فإن تجاهلنا لهذه القواعد سوف يكلف كل إنسان منا حياته. عندها سوف نحسد ذلك الشخص “الكئيب”، أو “المدقق” أو “المتحمس” الذي علم بالحقيقة رفاقه أن ينمو ويتجذروا ويدخروا قوارير مياههم.

خامساً: المجتمع الأوسع الذي أقارن بينه وبين “القطاع الضيق” من البشر قد لا يتواجد بحسب رأي بعض الناس، وعلى أية حال ليست لدينا خبرة به. فنحن لا نلتقي بملائكة، أو بأجناس غير ساقطة. ولكننا يمكن أن نحصل على نوع من المعرفة المحدودة عن الحقيقة حتى داخل جنسنا البشري. يمكننا النظر إلى مختلف العصور والثقافات باعتبارها “قطاعات ضيقة” بالنسبة لبعضها البعض. لقد قلت منذ عدة صفحات مضت، أن العصور المختلفة قد تفوقت في فضائل متنوعة. فلو كنت قد تعرضت من قبل لغواية أن تفكر أننا نحن المعاصرون في أوروبا الغربية لا يمكننا فعلياً أن نكون بمثل هذا الشر لأننا، أتحدث نسبياً، نؤمن بالمبادئ الإنسانية Humane – بكلمات أخرى، إذا كنت تعتبر أن الله يمكن أن يكون مسروراُ بنا على هذا الأساس – اسأل نفسك ما إذا كنت تعتبر أن الله يمكن أن يكون مسروراً بقسوة العصور القاسية لأنهم تفرقوا في الشجاعة أو الطهارة. سترى في الحال أن هذه استحالة. بواسطة اعتبار كيف تبدو قسوة أسلافنا بالنسبة إلينا، قد تحصل على نوع من المعرفة المحدودة عن كيف كانت ستبدو رخاوتنا، وروحنا العالمية، وجيننا بالنسبة لهم، ومن هنا كيف لا بد أن يبدو الاثنان بالنسبة لله.

سادساً: ربما ترديدي لكلمة “رحمة” قد أثار بالفعل اعتراضاً في عقول بعض القراء. فهل نحن حقاً لسنا عصراً قاسياً على نحو متزايد؟ ربما نكون كذلك؛ لكني أعتقد أننا قد أصبحنا كذلك بسبب محاولتنا لاختزال كل الفضائل في الرحمة. لأن أفلاطون Plato قد علم عن حق أن الفضيلة هي واحدة. فلا يمكنك أن تكون رحيماً إلى إذا كانت لديك كل الفضائل الأخرى. إذاً، لكونك جباناً، ومخادعاً، وكسولاً، لم تصنع بعد أذى عظيماً لأخيك الإنسان، فهذا لأن مصلحة قريبك لم يحدث بعد أنها تعارضت مع سلامتك، أو تأييدك لذاتك. أو راحتك. إلا أن كل رذيلة تقود إلى القسوة. حتى المشاعر الطيبة، والشفقة، إذا لم يتم السيطرة عليها بواسطة الإحسان والعدل، فإنها تقود من خلال الغضب إلى القسوة. معظم الأعمال الوحشية التي تتم إثارتها وتخفيزها بواسطة روايات عن وحشية العدو والشفقة على الطبقات المقهورة، عندما تنفصل عن القانون الأخلاقي ككل، فإنها تقود بواسطة عملية طبيعية جداً إلى أعمال وحشية متواصلة لحكم الرعب والإرهاب.

سابعاً: يعترض بعض اللاهوتيين المعاصرين، وهم على حق تماماً في ذلك، على تفسير أخلاقي مفرط للمسيحية. إن قداسة الله هي شيء أكثر بل ويختلف عن الكمال الأخلاقي؛ فدعوة الله لنا هي شيء أكثر من ويختلف عن دعوتنا لواجب أخلاقي. إنني لا أنكر هذه الواجب؛ لكن هذا المفهوم، مثله مثل مفهوم الذنب الجماعي، يتم استخدامه بسهولة شديدة لتجنب القضية الحقيقة. قد يكون الله أكثر من مجرد صلاح أخلاقي؛ ولكنه ليس أقل. كما أن الطريق إلى أرض الموعد يمر عبر سيناء. لذلك فالقانون الأخلاقي قد يتواجد لكي يتم تخطيه والسمو عنه؛ لكن لا يوجد تسامي عنه بالنسبة لأولئك الذين لم يعترفوا أولاً بمتطلباته منهم، ثم يحاولوا بكل قوتهم تحقيق هذه المتطلبات، ويواجهوا بأمانة وشرف حقيقة فشلهم.

ثامناً: “لا يقل أحد إذا جرب أني أجرب من قبل الله”. كثير من المدارس الفكرية تشجعنا على أن نلقي بمسؤولية سلوكنا من على عاتقنا لكي نضعها على نوع من الضرورة الكامنة في طبيعية الحياة البشرية، وبالتالي، بطريقة غير مباشرة، على الخالق. من الصور الشائعة لهذه الفكرة المذهب التطوري Evolutionary Doctrine الذي يقول إن ما نطلق عليه شر هو تراث لا يمكن تجنبه إذ أنه ينحدر إلينا من سلفنا الحيواني، أو مذهب المثالية Idealistic Doctrine الذي يقول إن الشر هو مجرد نتيجة لكوننا محدودين.

لكن المسيحية، إذا كنت أفهم رسائل بولس بطريقة سليمة، تعترف بالفعل بأن الطاعة الكاملة للناموس الأخلاقي Moral Law، الذي نجده مكتوباً في قلوبنا وندرك أنه ضروري حتى على المستوى البيولوجي، ليست في الحقيقة ممكنة للبشر. يثير هذا صعوبة حقيقية تتعلق بمسؤوليتنا، لو كان للطاعة الكاملة أية علاقة عملية على الإطلاق بحياة معظمنا، فدرجة ما من الطاعة التي فشلنا انا وأنت في الوصول إليها خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة ممكنة بالتأكيد. لذلك يجب ألا يتم استغلال المعضلة المطلقة كوسيلة أخرى إضافية للتملص من تلك المسؤولية. معظمنا لا يهتم كثيراً بقضية بولس كما يهتم بالعبارة البسيطة لويليام لو William Law:

“إذا توقفتم هنا وسألتم أنفسكم لماذا لستم أتقياء مثلما كان المسيحيون الأوائل، فإن قلوبكم سوف تخبركم أن هذا لا يرجع إلى الجهل ولا إلى عدم القدرة، بل يرجع ببساطة إلى أنكم لم تنوا ذلك أبداً بكل قلوبكم”.

سيُساء فهم هذا الفصل إذا وصفه أي إنسان باعتباره إعادة صياغة لعقيدة الفساد الكلي Total Depravity. إنني أنكر هذه العقيدة، لأنه من الناحية المنطقية، إذا كان فسادنا كاملاً فإننا لن نعرف أننا فاسدون، ومن ناحية أخرى لأن التجربة تظهر لنا الكثير من الخير في الطبيعة البشرية. كما أنني لا أمدح الكآبة الشاملة العامة. فمشاعر الخزي يتم تقييمها ليس كمشاعر بل بسبب الرؤية والفهم الذي تقود إليه. فأنا أعتقد أن هذه الرؤية يجب أن تكون ثابتة ودائمة في فكر كل إنسان؛ لكن ما إذا كانت تلك المشاعر المؤلمة التي تتواجد فيها يجب أيضاً تشجيعها، فهذه مشكلة فنية ذات اتجاه روحي، والتي ليس لدي، كإنسان علماني، إلا القليل لكي أقوله بشأنها.

الفكرة الخاصة بي عن مدى قيمة هذه المشاعر، هي أن كل حزن لا ينتج عن التوبة عن خطية محددة ويسرع نحو إصلاح ملموس أو رد المسلوب، أو كل حزن لا ينتج عن الشفقة ويسرع نحو تقديم مساعدة إيجابية، هو ببساطة حزن سيء؛ وأنا أعتقد أننا كلنا نخطئ بدون داع عن طريق عدم طاعة الحث الرسولي لنا بأن “نفرح” كما نخطئ بارتكاب أية خطية أخرى.

فالاتضاع، بعد الصدمة الأولى لتواجهنا هو خطيتنا، هو فضيلة مفرحة؛ لكن غير المؤمن “نبيل المشاعر”، الذي يحاول باستماتة في مقاومة متكررة للتحرر من الأوهام أن يحافظ على “إيمانه بالطبيعة البشرية”، هو الذي يكون حزيناً حقاً. لقد كنت أسعى هنا نحو تأثير فكري، وليس عاطفي؛ فقد كنت أحاول أن أجعل القارئ يؤمن أننا بالفعل في الوقت الحاضر، مخلوقات لا يد أن تكون شخصياتها، من بعض النواحي، مصدر اشمئزاز لله، كما هي بالفعل، عندما نراها في حقيقتها، مثيرة لاشمئزازنا نحن أنفسنا. إنني أؤمن أن هذه حقيقة؛ وأنا ألاحظ أنه كلما كان الإنسان أكثر قداسة، كلما كان أكثر وعياً بتلك الحقيقة.

ربما تتخيل أن هذا الاتضاع الموجود في القديسين هو تظاهر بالتقوى يسخر منه الله. لكن هذا من أخطر الأخطاء. إنه خطير نظرياً، لأنه يجعلك تعرف فضيلة (أي الكمال) بأنها وهم وخداع (أي النقص وعدم الكمال)، ولا بد أن يكون هذا هراء. كما أنه خطير عملياً لأنه يشجع الإنسان على أن يخطئ فهم الأفكار التي أدركها في البداية عن فساده الشخصي، فيعتبرها البدايات الأولى لهالة من القداسة حول رأسه السخيف. لكن كلا، أعتمد على هذا، أنه عندما يقول القديسون أنهم – حتى هم أنفسهم – حقيرون أو جديرون بالازدراء فإنهم يسجلون حقيقة ذات دقة علمية.

لكن كيف حدث ذلك الوضع؟ في الفصل التالي سوف أقدم على قد ما أستطيع أن أفهم عن الإجابة المسيحية على ذلك السؤال.

 

الشر البشري – شر البشر – سي إس لويس

القدرة الكلية الإلهية – الله والإنسان والألم – سي إس لويس

القدرة الكلية الإلهية – الله والإنسان والألم – سي إس لويس

القدرة الكلية الإلهية – الله والإنسان والألم – سي إس لويس

القدرة الكلية الإلهية – الله والإنسان والألم – سي إس لويس

“لا شيء يتضمن تناقضاً يندرج تحت القدرة الكلية لله.”

توما الإكويني (Thomas Aquinas).

Summ. Theol., la Q, XXV, Art.4

“لو كان الله صالحاً. لكان سيرغب في أن يجعل مخلوقاته في أتم سعادة، ولو كان الله كلي القدرة والسلطان، كان سيتمكن من فعل ما يرغب فيه. لكن المخلوقات ليست سعيدة. لذلك فالله يفتقر إما إلى الصلاح أو إلى القدرة، أو إلى كليهما معاً.” هذه هي معضلة الألم، في أبسط صورها. إلا أن إمكانية حلها تعتمد على إظهار أن مصطلحي “صالح” و “كلي القدرة”؛ وربما كلمة مصطلح “سعيد”، هي مصطلحات ملتبسة وقد تشتمل على أكثر من معنى، لأننا لا بد أن نعترف منذ البداية أنه إذا كانت المعاني الشائعة المرتبطة بهذه الكلمات هي الأفضل. أو هي المعاني الوحيدة المحتملة لها، لكانت الحجة مفحمة. في هذا الفصل سأقدم بعض التعليقات على فكرة “القدرة الكلية لله” وفي الفصل الذي يليه على فكرة “صلاح الله”.

القدرة الكلية تعني: “القدرة على فعل جميع الأشياء أو كل شيء” (ملاحظة: المعنى الأصلي في اللاتينية قد يكون: “السلطان على أو في جميع الأشياء”. فأنا أقدم ما أعتقده أنه المعنى الحالي.) كما يخبرنا الكتاب المقدس أنه “عند الله كل شيء مستطاع”. إنه أمر شائع بما فيه الكفاية في الجدل مع غير المؤمن بوجود الله. أن يخبرنا أن الله، لو كان موجوداً ولو كان صالحاً، كان سيفعل هذه أو ذاك؛ ثم إذا أشرنا إلى أن الفعل مستحيل، نسمع الرد بالحجة المعاكسة، “لكني كنت أعتقد أنه من المفترض بالنسبة لله أنه يستطيع أن يفعل أي شيء”. وهذا يثير مسألة الاستحالة بأكملها.

في الاستعمال العادي، تتضمن كلمة “مستحيل” عامة جملة مقيدة تبدأ بتعبير “إلا إذا”. وهكذا من المستحيل بالنسبة لي أن أرى الشارع من المكان الذي أجلس فيه وأنا أكتب في هذه اللحظة؛ بمعنى أنه من المستحيل أن أرى الشارع “إلا إذا” صعدت إلى الطابق الأعلى بحيث أكون مرتفعاً بما يكفي أن أتخطى المبنى الذي يعترض رؤيتي للشارع. وإذا كانت ساقي قد كسرت كنت سأقول، “لكنه من المستحيل أن أصعد إلى الطابق الأعلى” – إلا أن هذه يعني، أنه مستحيل “إلا إذا” قام بعض الأصدقاء بحملي.

دعونا الآن نتقدم إلى مستوى مختلف من الاستحالة، بأن نقول “إنه من المستحيل على أي حال أن أرى الشارع طالما ظللت حيث أنا ويقي المبنى الذي يعترض رؤيتي للشارع حيث هو. “ويضيف شخص آخر، “إلا إذا كانت طبيعة الفراغ Space، أو الرؤية Vision، مختلفة عما هي عليه”. إنني لا أعرف ما يمكن أن يقوله أفضل الفلاسفة والعلماء عن هذا، لكن سيكون عليّ أن أجيب، “إنني لا أعرف ما إذا كان الفراغ والرؤية يمكن بأي حال من الأحوال أن يكونا بمثل تلك الطبيعة كما تفترض” (يقصد الكاتب هنا أن طبيعة الفراغ والرؤية هما ثوابت لا يمكن تغييرهما – المحرر).

من الواضح الآن أن الكلمات “يمكن بأن حال من الأحوال” هنا يمكن أن تشير إلى نوع من الإمكانية أو الاستحالة المطلقة التي تختلف عن الإمكانيات أو الاستحالات النسبية التي كما نفكر فيها. لا يمكنني أن أقول ما إذا كان الرؤية حول الزوايا، بهذا المعنى الجديد، ممكنة أم غير ممكنة، لأنني لا أعرف ما إذا كان بها تناقض ذاتي أم لا. ولكني أعرف تماماً أنها إذا كانت متناقضة ذاتياً فإنها تكون مستحيلة بصورة مطلقة. الأمر المستحيل بصورة مطلقة يمكن أيضاً أن يُطلق عليه “مستحيل جوهرياً” Intrinsically Impossible لأنه يحمل استحالة داخل ذاته، بدلاً من أن يستعيرها من استحالات أخرى والتي بدورها تعتمد على غيرها. فهو لا يرتبط به عبارة “إلا إذا” لأنه مستحيل تحت كل الظروف وفي كل العوالم وبالنسبة لكل العوامل.

“كل العوامل” هنا تشمل الله نفسه. فقدرته الكلية تعني القدرة على فعل كل ما هو ممكن جوهرياً، وليس على فعل ما هو مستحيل جوهرياً. لذلك يمكنك أن تنسب له المعجزات، لكن ليس الهراء أو الحماقة. لا يعد هذا حد لقدرة الله. فإذا اخترت أن تقول “يستطيع الله أن يعطي لأحد المخلوقات إرادة حرة وفي نفس الوقت يحجز عنه الإرادة الحرة”. فأنت لم تنجح في أن تقول أي شيء مفهوم عن الله: فتركيبات الكلام الفارغة التي بلا معنى لا تحصل فجئا على معنى لمجرد أننا سبقناها بكلمتين أخريين هما “يستطيع الله”. وهكذا يظل صحيحاً أن “كل الأشياء” مستطاعة لدى الله: لأن الاستحالات الجوهرية لا تعتبر “أشياء” بل تفاهات لا وجود لها.

فليس ممكناً لدى الله، كما هو ليس ممكناً بالنسبة لأضعف مخلوقاته، أن يقوم بتنفيذ بديلين متناقضين يستبعد أحدهما الآخر؛ ليس بسبب عالق يحول دون قدرة الله، لكن لأن الهراء يظل هراء حتى عندما نتكلم عنه بالنسبة لله.

لذلك يجب أن نتذكر أن الذين يقومون بالمجادلات كثيراً ما يقعون في أخطاء، إما بالجدل من خلال بيانات مغلوطة أو بسبب سهو أو إهمال في الحجة نفسها. وهكذا يمكننا أن نذهب إلى التفكير في أمور معينة باعتبارها ممكنة لكنها تكون في الحقيقة مستحيلة. والعكس بالعكس. (ملحوظة: على سبيل المثال، كل خدعة سحرية متقنة تقوم بشيء يبدو لجمهور المشاهدين بحسب البيانات التي لديهم وقوة منطقهم، أنه متناقض ذاتياً.) لذلك يجب علينا أن نتحلى بقدر عظيم من الحذر في تعريف تلك الاستحالات الجوهرية، التي لا تستطيع حتى القدرة الكلية الإلهية أن تقوم بها (يقصد الكاتب أن الله يضع قوانين أساسية في الخلق والحياة يلتزم بها – المحرر). ما يتبع إذاً، يجب اعتباره ليس توكيداً ومصادقة على ماهية هذه الاستحالات بقدر ما هو عينة مما يمكن أن يكون عليه شكلها.

إن “قوانين الطبيعة” التي هي متصلة ويتعذر تغيرها Inexorable والتي تعمل في تحد للألم أو للاستحقاق البشري، والتي لا تمنعها أو تغيرها الصلاة، تبدو للوهلة الأولى أنها تدعم حجة قوية ضد صلاح الله وقدرته. لكني سأقوم بتوضيح أنه حتى القدرة الكلية الإلهية لا تستطيع أن تخلق مجتمعاً من النفوس الحرة بدون أن تخلق في نفس الوقت طبيعة “مستقلة ويتعذر تغييرها” نسبياً.

لا يوجد سبب لافتراض أن الوعي بالذات، أي إدراك المخلوق لنفسه كـ “ذات”، يكمن أن يوجد إلى في مقارنته “بآخر”. أي بشيء ليس هو الذات. فالوعي بنفسي لا يبرز إلا بالمقابلة مع بيئة ما، والأفضل أن تكون بيئة اجتماعية، أي بيئة من أنفس أخرى. يثير هذا صعوبة تتعلق بوعي الله بنفسه، لو كنا مجرد مؤمنين بوجود الله. لكن لكوننا مسيحيين، نحن نتعلم من عقيدة الثالوث المبارك أنه يوجد ما يشبه شركة “المجتمع” داخل الكيان الإلهي منذ الأزل. فكون الله محبة، لا يعني فقط كونه النوع الأفلاطوني من الحب، بل يرجع هذا إلى أنه توجد داخل الله المحبة التبادلية المتماسكة الموجودة قبل كل العوالم والتي، من ثم، تستمدها منه المخلوقات.

مرة أخرى، لا بد أن تعني حرية المخلوق حريته في أن يختار: والاختيار يتضمن وجود أشياء يتم الاختيار من بينها. لذلك فالمخلوق الذي ليست لديه “بيئة” لن تكون لديه خيارات يقوم بها: وهكذا فإن الحرية مرة أخرى، مثل الوعي بالنفس (إذا لم يكونا بالفعل هما نفس الشيء)، تتطلب وجود “ذات” إنسان آخر The Presence To The Self غير الذات.

الشرط الأدنى للوعي بالنفس والحرية إذاً، يكون بأن يعي المخلوق الله، وبالتالي، يعي نفسه كشخص متميز عن الله. من الممكن أن تتواجد مثل هذه المخلوقات، وأن تكون على وعي بالله وبأنفسها، لكن ليس بأية مخلوقات زميلة مشابهة. فإذا كان الحال كذلك، ستتمثل حريتها ببساطة في القيام باختيار وحيد مجرد، أن تحب الله أكثر من النفس أو النفس أكثر من الله. لكننا لا يمكن أن نتخيل حياة تتقلص إلى الأساسيات بمثل هذه الصورة. لذلك، بمجرد أن نحاول تقديم فكرة المعرفة المتبادلة للمخلوقات المشابهة فإننا نتجه بسرعة إلى ضرورة وجود “الطبيعة”.

يتحدث الناس كثيراً كما لو أنه لم يكن هناك شيء أسهل من “تلاقي” عقلين مجردين، أو أن يصبحا واعيين بأحدهما الآخر. لكن لا أرى إمكانية لقيامهما بذلك إلا بوجود وسط أو مجال مشترك Common Medium يشكل “عالمهما الخارجي” أو بيئتهما. حتى محاولتنا المبهمة لتخيل مثل هذا التلاقي بين أرواح بلا جسد عادة ما تنزلق فيها خلسة فكرة، على الأقل، المكان المشترك والزمان المشترك، لكي تعطي للسمة “المشتركة” للتعايش: والمكان والزمان هما بالفعل “بيئة”. لكن لا يزال هناك احتياج لما هو أكثر من ذلك.

إذا كانت أفكارك وعواطفك معروضة بصورة مباشرة أمامي، تماماً مثل أفكاري وعواطفي الشخصية، بدون أية علامة على أنها “خارجية External” أو “غيرية Other”، فكيف يمكنني أن أميزها عن أفكاري ومشاعري؟ وما هي الأفكار أو العواطف التي يمكن أن نبدأ في تكوينها بدون وجود مواد للتفكير فيها أو الشعور بها؟ لا، بل هل كان يمكنني حتى أن أبداً في أن يكون لدي فهم لما هو “خارجي”، و “آخر” إلا إذا كان لدي تجربة وخبرة “بعالم خارجي”؟ ربما تجيبني، كمسيحي، أن الله (وابليس) يقومان بالفعل بالتأثير في وعيي بهذه الطريقة المباشرة بدون علامات لما هو “خارجي”. نعم؛ والنتيجة هي أن معظم الناس يظلون جاهلين بوجود الاثنين (الله وابليس).

لذلك يمكننا أن نفترض أنه إذا كانت النفوس البشرية قد أثرت في إحداها الأخرى بطريقة مباشرة ولا مادية، فإنه سيكون انتصاراً نادراً للإيمان والفهم بالنسبة لأي منها أن تؤمن بوجود الآخرين (وهنا يقصد الكاتب أن الله لم يشأ أن تكون العلاقات بين إنسان وآخر هي علاقة بين روحين. وإدراكهما لبعضهما البعض هو إدراك في الروح فقط. لقد خصص الله هذه النوعية من العلاقات في الروح، والتي تحتاج إلى الإيمان، لعلاقته هو مع الإنسان – المحرر).

في مثل هذه الظروف، سيكون من الأصعب بالنسبة لي الآن أن أعرف جاري عن أن أعرف الله؛ لأني بإدراك تأثير الله عليّ أحصل على المساعدة من خلال أشياء تصلني عبر العالم الخارجي، مثل تقليد الكنيسة، والكتب المقدسة، وأحاديث الأصدقاء المتدينين. لذلك ما نحتاج إليه للمجتمع البشري هو بالضبط ما لدينا، شيء محايد، ليس هو أنت ولا أنا، شيء يمكننا نحن الاثنان استغلاله لإرسال إشارات لأحدنا الآخر. لذلك يمكنني أن أتحدث إليك لأننا نستطيع نحن الاثنان أن نبث موجات صوتية في الهواء المشترك بيننا. كما أن المادة، التي تحفظ بالنفوس منفصلة، تقوم أيضاً بجمعها معاً. فهي تمكن كلاً منا من أن يكون عنصر “خارجي” وأيضاً “داخلي”، بحيث أن الأمور التي هي أفعال للإرادة والفكر بالنسبة لك تُعتبر ضوضاء وومضات بالنسبة لي؛ فقد تم تمكينك ليس فقط من أن “تكون”، بل أيضاً من أن “تظهر”؛ ومن هنا، يسرني أن أتعرف بك.

وهكذا يتضمن المجتمع مجالاً مشتركاً أو “عالماً” يلتقي فيه أعضاؤه. فإذا كان هناك مجتمعاً ملائكياً، كما يؤمن المسيحيون عادة، فإن الملائكة أيضاً لا بد أن يكون لديهم مثل هذا العالم أو المجال؛ شيء يعتبر بالنسبة لهم مثل “المادة” بالنسبة لنا.

لكن إذا كانت المادة يجب أن تعمل كمجال محايد فلا بد أن يكون لها طبيعة ثابتة خاصة بها. فإذا كان هناك “عالم” أو نظام مادي يسكنه فقط إنسان وحيد، فقد ينسجم في كل لحظة مع رغبات هذا الإنسان، “قد تتجمع الأشجار لأجله لكي تكون له مظلة”. لكن إذا تم دخولك أنت إلى عالم يتنوع ويختلف بحسب أهوائي ونزواتي، فإنك لن تتمكن أبداً من أن تعمل أو تؤدي دوراً فيه وبذلك تفقد ممارسة إرادتك الحرة.

كما أنه لن يتضح ما إذا كنت ستتمكن من أن تجعل وجودك معروفاً بالنسبة لي، فكل المادة التي كنت ستحاول بها أن ترسل لي إشارات، هي موجودة بالفعل تحت سيطرتي وبالتالي لا تستطيع أنت أن تستخدمها.

مرة أخرى، إذا كان للمادة طبيعة ثابتة وتطيع قوانين نظامية مستقرة، فلن تكون كل حالات المادة مناسبة لرغبات إنسان ما بطريقة متساوية. ولن تكون كلها مفيدة على حد سواء لتجمع تلك المادة المحددة التي يطلق عليها “جسده”. فإذا كانت النار تريح هذا الجسد على مسافة معينة، فإنها ستدمره عندما تتناقص هذه المسافة. وبالتالي، حتى في عالم مثالي كامل، تظل هناك ضرورة لإشارات الخطر التي صممت ألياف الألم الموجودة في أعصابنا ليك تنقلها لنا بوضوح.

هل هذا يعني وجود عنصر شر حتمي (في صورة ألم) في أي عالم محتمل؟ لا أعتقد ذلك؛ لأنه بينما قد يكون صحيحاً أن أقل خطية هي شر لا يحصى، إلا أن شر الألم يعتمد على درجة حدته. فالآلام التي يتم الشعور بها أدنى درجة حدة معينة لا يُخاف أو يُساء منها إطلاقاً. فلا أحد يمانع سير عملية “دافئ، ساخن بطريقة جميلة، شديد السخونة، يلسع” التي تحذره بأن يبعد يده عن التعرض للاحتراق. وإذا كان لي أن أثق في مشاعري الشخصية، فإنني أعتبر أن ألماً بسيطاً في الساقين وأنا أصعد على فراشي بعد يوم من السير الجيد، هو في الحقيقة أمر ممتع.

لكن مرة أخرى، إذا كانت الطبيعة الثابتة للمادة تمنعها من أن تكون دائماً، وفي كل صورها، مقبولة حتى بالنسبة لنفس واحدة بالتساوي، فكم أقل من ذلك بكثير يكون ممكناً لمادة الكون في أية لحظة من اللحظات أن يتم توزيعها بحيث تكون ملائمة وممتعة بصورة متساوية لكل عضو في مجتمع ما، إذا كان إنسان يسافر في اتجاه ما يتجه في رحلته إلى أسفل تل، فإن الإنسان الذي يذهب في اتجاه معاكس لا بد أن يكون متجهاً إلى أعلى التل. حت إذا كانت هناك حصاة موجودة حيث أرغب أنا في أن تكون، فهي لا يمكن، إلا بالمصادفة، أن تكون حيث تريدها أنت أن تكون.

وهذا أبعد ما يكون عن الشر: بل على العكس، إنه يمثل فرصة يعبر بها الحب والدعابة والتواضع عن أنفسهم، عن طريق كل تلك الأفعال من لطف، واحترام، وعدم أنانية. لكنه بالتأكيد يترك الطريق مفتوحاً لشر عظيم، يتمثل في المزاحمة والعداوة. فإذا كانت النفوس حرة، لا يمكن أن يتم منعها من التعامل مع المشكلة بالتزاحم والعداوة بدلاً من اللطف. وبمجرد أن تتجه النفوس نحو العداوة الفعلية، يمكنها عندئذ أن تستغل الطبيعة الثابتة للمادة لكي تؤذي إداها الأخرى. فالطبيعة الثابتة الدائمة للخشب التي تمكننا من أن نستخدمه كعارضة، تمكننا أيضاً من أن نستخدمه كعصا لضرب جارنا على رأسه. وهكذا فإن الطبيعة الثابتة للمادة تعني عامة أنه عندما يتشاجر البشر، فإن الفوز يكون عادة من نصيب أولئك الذين لديهم أسلحة ومهارة وإعداد أفضل، حتى لو كانت قضيتهم جائرة وغير عادلة.

ربما يمكننا أن نتخيل عالماً يقوم فيه الله كل لحظة بتصحيح نتائج إساءة استخدام مخلوقاته لإرادتهم الحر؛ بحيث تصبح العارضة الخشبية لينة مثل العشب عندما يتم استخدامها كسلاح، ويرفض الهواء طاعتي إذا حاولت أن أبث فيه الموجات الصوتية التي تحمل الأكاذيب أو الشتائم. لكن مثل هذا العالم سيكون عالماً تصبح فيه الأفعال الخاطئة مستحيلة، وبالتالي تكون حرية الإرادة فيه باطلة وعقيمة؛ لا بل إنه إذا تم تطوير المبدأ إلى نتيجته المنطقية، ستكون الأفكار الشريرة مستحيلة، لأن المادة الدماغية التي نستخدمها للتفكير سترفض القيام بمهمتها في التفكير عندما نحاول أن نستنبط هذه الأفكار الشريرة.

في هذا الحالة، كل المادة الموجودة في الحي الذي يسكنه إنسان شرير ستكون معرضة لاجتياز تغيرات لا يمكن التنبؤ بها. كون أن الله يستطيع بل يقوم، في بعض الأحيان، بعمل تعديل لسلوك المادة وينتج ما نطلق عليه المعجزات، فهذا جزء من الإيمان المسيحي؛ لكن مجرد فكرة وجود عالم مشترك، وبالتالي مستقر، تتطلب أن تكون هذه الأحيان نادرة للغاية. في لعبة الشطرنج يمكنك أن تقوم بتنازلات تعسفية معينة لخصمك، تتفق مع القانون العادي للعبة كما تتفق المعجزات مع قوانين الطبيعة.

يمكنك أن تحرم نفسك من الرخ (الطابية)، أو أن تسمح لخصمك في بعض الأحيان أن يتراجع عن حركة قام بها عن غير قصد. لكنك إذا تنازلت عن كل شيء يحدث في أية لحظة لكي يلائمه – وإذا كانت كل تحركاته قابلة للتراجع، وإذا اختفت كل قطعك كلما كان موضعها على الرقعة لا يؤدي إلى قتله – لن تتمكن من أن يكون لديك لعبة على الإطلاق. هكذا الأمر في حياة النفوس في عالم ما: القوانين الثابتة، والنتائج التي تظهر وتتكشف بواسطة الضرورة السببية، والنظام الطبيعي بأكمله، هي في نفس ا لوقت الحدود التي تنحصر داخلها الحياة المشتركة وأيضاً الشرط الوحيد الذي يمكن بموجبه أن تكون أية حياة مثل هذه ممكنة. حاول أن تستبعد إمكانية الألم المتضمن في نظام الطبيعة ووجود الإرادات الحرة، وستجد أنك استبعدت الحياة نفسها.

كما قلت من قبل، هذه الرواية عن الضروريات الجوهرية لعالم ما يقصد بها مجرد مثال لما يمكن تكون عليه هذه الضروريات. أما ما هي عليه بالفعل، فالله كلي العلم والمعرفة وحده هو الذي لديه المعطيات والحكمة لكي يعرفها: ولكنها من غير المحتمل أن تكون أقل تعقيداً مما افترضته.

غني عن القول أن كلمة “تعقيد” هنا تشير فقط إلى الفهم البشري لما؛ فلا يجب علينا أن نعتقد ان الله يجادل، كما نقوم نحن، بدءً من نتيجة ما (التعايش المشترك للأرواح الحرة) ليصل إلى الشروط المشاركة فيها، بل أن نفكر بالأحرى في فعل خلق واحد (قام به الله) ومتفق ذاتياً تماماً، والذي يبدو لنا للوهلة الأولى، باعتباره خلق للكثير من الأشياء المستقلة، ثم بعد ذلك، باعتباره خلق للكثير من الأشياء الضرورية لبعضها البعض بطريقة متبادلة، بل إننا يمكن أن نرتفع قليلاً إلى ما هو أبعد من مفهوم الضروريات المتبادلة كما أوجزتها، فيمكنني أن أختزل المادة باعتبار أن المادة هي التي تفصل النفوس والمادة هي التي تجمعها معاً تحت المفهوم الواحد للتعددية، بحيث يكون “الانفصال” و “المعية” هما فقط مجرد مظهرين لشيء واحد.

وهكذا مع كل تطور في تفكيرنا، فإن وحدة الفعل الخلاق، واستحالة ترقيع الخليقة أو العبث بها كما لو أن هذه العنصر أو ذاك كان يمكن إزالته منها، سيصبحان أكثر وضوحاً.

(نحن أمام فكر عال جداً للكاتب، وبالتالي أمام فقرة صعبة الفهم. الكاتب يريد التأكيد على عدة حقائق متشابكة ومغزولة معاً:

أولاً: ما يبدو في الخلق وفي طبيعة المخلوقات أمراً معقداً جداً بالنسبة للإنسان، هو ليس معقداً على الإطلاق بالنسبة لله.

ثانياً: الله ليس “مسؤولاً” أمام الإنسان ليعطي حساباً له. وهو ليس تحت أي ضرورة ليفسر للإنسان أعماله وأفعاله وطرقه.

ثالثاً: الإنسان يبدأ المجادلة فيما يراه من تناقضات ظاهرية في الحياة من نقطة مختلفة تماماً عما قصده الله في الخلق. ومن الأساس، فالله لا يجادل مع نفسه لأنه لا يحتاج للمجادلة. لا توجد مجادلة داخل الله لأنه هو “أصل” كل شيء. الإنسان يجادل لأنه “شديد المحدودية”؛ الله لا يجادل لأنه “مطلق اللامحدودية”.

رابعاً: نحن البشر نرى المخلوقات كأشياء مختلفة وذو عناصر وعلاقات. الله عندما ينظر للخليقة، لا يراها كما نراها نحن، وقد لا يُعرف بالضبط كيف يراها هو. لا ينبغي أن نعتقد أن الله يرى الخليقة في عناصرها كما نراها نحن. نحن نرى تناقض في الخلق، ولكن الكاتب يقول عن الله في الخلق Utterly Self-Consistent Act Of Creation.

خامساً: كلما ارتفع الإنسان في فكره، سوف يجد وحدة وتوافق الخلق الإلهي. ولكن لا يمكن للإنسان أن يرتفع فوق قدر معين؛ بمعنى أنه لا يمكن أن يرتفع إلى قدر ومكانة الله (ولا حتى يقدر على الاقتراب من هذا القدر)، ولذلك فلن يتمكن الإنسان أبداً أن يرى وحدة الخلق والمخلوقات كما صممها وكما يراها الله، وعلى الإنسان أن يقبل محدوديته بالنسبة لله كأمر واقع – المحرر)

ربما لا يكون هذا هو “أفضل جميع العوالم الممكنة”، ولكنه العالم الوحيد الممكن (من وجهة نظر الله – المحرر). العوالم الممكنة يمكن أن تعني فقط “العوالم التي كان يمكن لله أن يصنعها، ولكنه لم يفعل”. لكن فكرة أن الله “كان يمكن أن يصنع” تتضمن مفهوماً شديد البشرية لحرية الله. فأياً كان ما تعنيه الحرية البشرية. لا يمكن للحرية الإلهية أن تعني تعيين بدائل واختيار واحد منها.

“فالصلاح التام” الكامل لا يمكن أن يجادل بشأن النتيجة التي يجب الوصول إليها، و”الحكمة الكاملة” لا يمكن أن تجادل بشأن أفضل الوسائل المناسبة لتحقيقها. تتمثل حرية الله في حقيقة أنه لا يوجد سبب آخر غير الله نفسه ينتج أفعاله ولا توجد عقبة خارجية تعوقها – وأن صلاحه الشخصي هو الجذر الذي منه تنمو جميع أفعاله، وقدرته الكلية الشخصية هي المناخ الذي تزهر وتنمو فيه جميع هذه الأفعال.

(صعب جداً على الإنسان استيعاب حقيقة أن السبب والمسبب الوحيد لوجود الله، ولكن أعماله، هو “ذات الله” نفسه. وذلك لأنه بالنسبة للإنسان هناك أسباب ومسببات “خارج ذاته” لوجوده ولأفعاله. كما أنه صعب على الإنسان أن يستوعب وجود كائن (وهو الله) يتمتع بحرية مطلقة لا نهائية، وبصلاح مُطلق لا محدود – المحرر).

وهذا يأتي بنا إلى موضوعنا التالي “الصلاح الإلهي”. لم يُقال شيء عن هذا حتى الآن، ولم نحاول الوصول إلى الإجابة على الاعتراض القائل إنه إذا كان لا بد للكون، منذ البداية، أن يعترف باحتمالية الألم، فإنه كان من الأفضل للصلاح المطلق أن يتركه دون أن يخلق: إلا إنني لا أعرف أية معايير بشرية يمكن بها أن يكون هناك وزناً أو قيمة لمثل هذا الخلاف الغريب غير المتجانس. يمكننا أن نقيم نوعاً من المقارنة بين حالة من الوجود وحالة أخرى، لكن المحاولة أن نقارن الوجود وعدم الوجود، تنتهي إلى مجرد كلام لا طائل من ورائه.

ففي عبارة، “كان من الأفضل بالنسبة لي ألا أوجد” – ماذا يعني “بالنسبة لي”؟ فكيف يمكن “لي” إن لك أكن قد وجدت أن أستفيد من عدم وجودي؟ إلا أن غرضنا أقل تعقيداً من ذلك؛ إنه يتمثل فقط في اكتشاف كيف، إذ نعي وجود عالم متألم، ونتأكد على أسس مختلفة تماماً أن الله صالح، كيف يكون علينا أن ندرك وجود هذه الصلاح وذلك الألم دون تناقض بينهما!

القدرة الكلية الإلهية – الله والإنسان والألم – سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

لقد تألم ابن الله حتى الموت. ليس لكيلا يتألم البشر، بل لتكون آلامهم مشابهة لآلامه.”

The Son Of God Suffered Unto Death,”

Not That Men Might Not Suffer, But

That Their Sufferings Might Be Like His”

جورج ماكدونالد

“أشعر أنني أبعد كثيراً عن الشعور الحقيقي بما أتكلم عنه. وأنني لا أستطيع سوى أن أصرخ طلباً للرحمة وأتوق إليها كما يجوز لي. عندما يكون من اللازم احتمال الألم، فإن قليلاً من الشجاعة تفيد أكثر من المعرفة الكثيرة، وقليلاً من التعاطف الإنساني أكثر من الشجاعة الكثيرة. وأقل لمحة من محبة الله تفيد أكثر من الكل.”

سي إس لويس S. Lewis

مقدمة

“إنني أتعجب من الوقاحة التي يقوم بها مثل هؤلاء الأشخاص بالحديث عن الله. ففي مقالة موجهة إلى الملحدين، بدأوا بفصل يثبت وجود الله من خلال أعمال الطبيعة Works of Nature… وقد أعطى هذا فقط أساساً لقرائهم للاعتقاد بأن براهين ديانتنا (المسيحية) ضعيفة للغالة… إنها حقيقة جديرة بالملاحظة أنه لا يوجد كاتب للوحي المقدس قد استخدم من قبل “الطبيعة” Nature   لكي يثبت وجود الله.”

باسكال Pascal , Pensees. IV 292. 293

منذ سنوات ليست بكثيرة عندما كنت ملحداً، لو كان أي إنسان قد سألني: “لماذا لا تؤمن بالله؟” لكانت إجابتي ستشبه التالي: “انظر إلى الكون الذي نعيش فيه. يتكون أكبر جزء فيه إلى حد بعيد من فضاء فارغ Empty Space، مظلم تماماً وبارد بصورة لا يمكن تخيلها. الأجسام Bodies التي تتحرك في هذا الفضاء قليلة وصغيرة للغاية بالمقارنة بالفضاء Space نفسه بحيث أنه حتى إذا عُرف عن كل واحد من هذه الأجسام أنه مكتظ بقدر ما يسع، بكائنات سعيدة تماماً، لكان لا يزال من الصعب تصديق أن الحياة والسعادة هما أكثر من مجرد منتج ثانوي للقوة التي صنعت الكون. لكن حيث أن الأمر كذلك، يعتقد العلماء أنه من المحتمل أن القليل جداً من شموس الفضاء – ربما ولا واحد فيها سوى شمسنا – لديها أية كواكب تابعة؛ وفي نظامنا الشمسي الخاص من غير المرجح أن يكون هناك أي كوكب آخر سوى الأرض يحوي حياة.

بل إن الأرض نفسها كانت موجودة بدون حياة على مدى ملايين السنين وقد توجد لملايين أخرى عندما تغادرها الحياة. فكيف يكون شكلها أثناء بقائها؟ إنها منظمة ومرتبة بحيث أن كل صورها تستطيع أن تعيش فقط عن طريق افتراسها لبعضها البعض. في الصور الأدنى للحياة، يستتبع هذه العملية فقط الموت، لكن في الصور العليا للحياة تظهر سمة جديدة يُطلق عليها ” الوعي” Consciousness والتي تمكنها من اختبار الألم. فالكائنات تسبب ألماً بأن تولد، وتعيش بأن توقع ألماً على آخرين.

كما أنها في ألم تموت في معظم الأحيان. أما في أكثر الكائنات تعقيداً على الإطلاق، الإنسان، فتظهر سمة أخرى، والتي نطلق عليها العقل أو المنطق Reason، حيث يتمكن الإنسان من أن يتوقع ألمه الشخصي الذي يتبعه منذ تلك اللحظة فصاعداً معاناة فكرية حادة، كما يستطيع أن يتوقع موته الشخصي رغم أنه يرغب بشدة في البقاء. هذه السمة تمكن البشر كذلك، عن طريق مئات الاختراعات البارعة، من أن يوقعوا قدراً كبيراً من الألم على أحدهم الآخر وعلى الكائنات غير العاقلة أكثر مما كان يمكنهم أن يفعلوا لولا وجود تلك السمة. وقد استغل البشر هذه القوة إلى أقصى درجة ممكنة. فتاريخهم يعد سجلاً ضخماً للجريمة، والحروب، والمرض، والإرهاب. مع وجود مجرد قد كاف من السعادة يتخلل كل هذا لكي يعطيهم، أثناء وجودها، ترقب وخوف من فقدها يعذبهم. وعندما يفقدون تلك السعادة يشعرون بالبؤس والتعاسة الشديدة بتذكرها.

إلا أنه من وقت إلى آخر، يقوم البشر بتحسين أحوالهم وظروفهم نوعاً ما، ويظهر ما نطلق عليه “حضارة”. لكن كل الحضارات تمضي وتنتهي، وحتى أثناء وجودها، تسبب آلاماً خاصة بها. قد تصل إلى درجة أنها تفوق التسكينات التي ربما تكون قد جلبتها إلى الآلام الطبيعية للبشر. لا يستطيع أحد أن يجادل في أن حضارتنا الخاصة قد فعلت هذا؛ أما إذا كانت سوف تمضي وتنتهي مثل جميع سابقاتها، فهذا أمر محتمل بالتأكيد. لكن حتى إذا كان لا يجب أن يحدث ذلك، ماذا بعد؟ الجنس البشري محكوم عليه بالفناء.

فكل سلالة تأتي إلى الوجود في أي جزء من الكون محكوم عليها بالفناء؛ لأن الكون، كما يقال لنا، يتهاوى، وفي وقت ما سوف يصبح لا نهائية موحدة Uniform Infinity من مادة متجانسة Homogeneous Matter عند درجة حرارة منخفضة. كل الروايات سوف تنتهي إلى لا شيء: كل حياة سيتضح في النهاية أنها كانت تجاعيد عابرة وزائلة بلا معنى على الوجه الأحمق للمادة اللانهائية Infinite Matter. فإذا طلبت مني أن أؤمن أن هذا هو عمل روح خيّر وكلي القدرة، سأرد بأن كل الدلائل تشير في الاتجاه المضاد لذلك. فإما أنه لا توجد روح وراء خلق الكون، أو أنها روح حيادية غير مبالية بالخير أو الشر، أو أنها روح شريرة.

هناك سؤال واحد لم أكن أحلم أن أطرحه. فأنا لم أكن قد لاحظت أن قوة وبراعة قضية المتشائمين نفسها تمثل لنا مشكلة مباشرة. وهذا السؤال هو: إذا كان الكون بمثل هذا السوء، أو حتى بمنتصف هذا السوء، كيف استطاع البشر في أي وقت مضى أن ينسبوه لنشاط خالق حكيم وصالح؟ ربما يكون البشر أغبياء؛ ولكنهم لن يصلوا إلى مثل هذا الغباء. إن الاستدلال المباشر من الأسود إلى الأبيض، من زهرة الشر إلى جذر الفضيلة.

من عمل أخرق إلى عمل حكيم بلا حدود، يزعزع هذا الاعتقاد. لذلك فرؤية الكون كما تكشفها الخبرة ما كان يمكن أبداً أن تكون أساساً للدين، بل لا بد من وجود سبب آخر غير رؤية الكون هو الذي رسخ الإيمان بالدين (يقصد الكاتب أن رؤية وتحليل الكون كما هو قائم لا يمكن في حد ذاته أن يقود إلى الوصول الفكري إلى وجود إله بار وصالح وعاقل خالق لهذا الكون. ولذلك فينبغي من وجود سبب آخر هو الذي جعل البشر عبر العصور يتيقنون من وجود إله خالق – المحرر).

سيكون من الخطأ أن نجيب بأن أسلافنا كانوا جهلة وبالتالي فقد استمتعوا بخيالات وأوهام مبهجة بشأن الطبيعة، التي بددها التقدم العلمي منذ الحين. فعلى مدى قرون، كان خلالها البشر جميعاً يؤمنون (بالله كخالق). كان حجم الخبرة المروعة بحماقة وبطل الكون معروف بالفعل. ستقرأ في بعض الكتب أن البشر في العصور الوسطى كانوا يعتقدون أن الأرض مسطحة وأن النجوم قريب، لكن هذه كذبة. لقد أخبرهم بطليموس Ptolemy أن الأرض هي نقطة رياضية بدون حجم بالنسبة للمسافة بينها وبين النجوم الثابتة، وهي مسافة كانت إحدى النصوص الشعبية في العصور الوسطى تقدرها بحوالي مائة وسبعة عشر مليون ميلاً. بل أنه في أزمنة أقدم من ذلك، حتى منذ بدايات التاريخ، لا بد أن البشر كان لديهم نفس هذا الإحساس بالضخامة غير المتناسبة من مصدر أكثر وضوحاً من ذلك.

بالنسبة لإنسان ما قبل التاريخ، لا بد أن الغابة المجاورة له كانت كبيرة بلا حصر بما يكفي، والأمور الغريبة والمزعجة تماماً التي يجب علينا الآن أن نجلبها من التفكير في الأشعة الكونية وشموس التبريد، قد أتت إليه تشمشم وتعوي ليلاً أمام أبوابه. الأمر الأكيد أنه في كل الحقب كان الألم وفقد الحياة البشرية أمراً واضحاً بالمثل. ديانتنا نفسها بدأت بين اليهود، وهم شعب تم اعتصاره بين امبراطوريتين عظيمتين مولعتين بالحرب، وكان يعرض باستمرار للهزيمة والسبي، وكان يألف، مثل بولندا أو أرمينيا، القصة المأساوية للشعوب المحتلة. لذلك يعد أمر لا معنى له أن نضع الألم من بين مكتشفات العلم. ضع هذا الكتاب جانباً وفكر لمدة خمس دقائق في حقيقة أن كل الديانات العظيمة كان يتم التبشير بها منذ البداية، وتتم ممارستها منذ أمد بعيد، في عالم بدون مادة الكلوروفورم (يقصد قبل اكتشاف مادة الكلوروفورم اليت يتم استخدمها في التخدير لتخفيف الألم – المترجم).

وهكذا في كل الأزمنة، يكون بالمثل الاستدلال من سير الأحداث في هذا العالم على صلاح وحكمة الخالق أمراً منافياً للعقل؛ كما أنه لم يحدث أبداً. (ملحوظة: لم يحدث أبداً في بدايات وجود دين. لكن بعد أن تم قبول الإيمان بالله فإن الدراسات اللاهوتية التي تقوم بتبرير صلاح الله وعدله في مقابل وجود الشر “Theodicies” والتي تشرح أو تفسر مآسي الحياة. كانت بالطبع ستظهر كثيراً بما يكفي فيما بعد.) الدين له أصل مختلف. لذلك، فيما يتبع لا بد من فهم أنني لا أبرهن في الأساس على الحق المسيحي بل أصف أصله ومنشأه، وهي مهمة، في رأيي، ضرورية إذا كنا نريد أن نضع معضلة الألم في إطارها الصحيح.

في كل الديانات التي تم تطويرها نجد ثلاث أفرع أو عناصر، أما في المسيحية فنجد عنصراً واحداً إضافياً. أول هذه العناصر هو ما يطلق عليه البروفيسور أوتو Otto خبر “الشعور بالرهبة لأمور إلهية أو فوق طبيعية”، “Numinous”. أولئك الذين لم يلتقوا بهذا المصطلح من قبل، ربما يمكن أن يتعرفوا عليه بالطريقة التالية. افترض أنك أخبرت أن هناك نمر في الغرفة المقابلة: فإنك ستعرف أنك في خطر وربما تشعر بالخوف. لكن إذا أخبرت أن هناك “شبح في الغرفة المجاورة”، وصدقت ذلك، فإنك ستشعر بالتأكيد بما يطلق عليه كثيراً خوف. لكنه من نوع مختلف. فهو لن يكون مبنياً على معرفة الخطر، لأنه لا أحد في الأساس يخاف مما يمكن لشبح أن يفعله به؛ بل من مجرد حقيقة أن هناك شبح. إنه شعور بشيء غريب “خارق للطبيعة” Uncanny، أكثر منه شعور بالخطر، وهذا النوع الخاص من الخوف الذي يثيره يمكن أن يطلق عليه “رهبة” أو فزع Dread.

بواسطة هذا الأمر الخارق للطبيعة يكون الفرد قد وصل إلى أطراف الشعور بالرهبة “Numinous”. والآن افترض أنك أخبرت ببساطة “أن هناك روحاً قديرة في الغرفة”، وصدقت ذلك. فإن مشاعرك عندها لن تكون مجرد شعور بالخوف من الخطر: بل أن اضطرابك وانزعاجك سيكون عميقاً. ستشعر بالتعجب وبنوع من الانقباض – شعور بعدم الأهلية للتعامل مع مثل هذا الزائر وبالدونية والحقارة والانبطاح أمامه – وهي مشاعر يمكن التعبير عنها بكلمات شكسبير Shakespeare، بأنه “تحت تأثيرها عبقريتي تُوبّخ”. يمكن وصف هذا الشعور “بالرهبة”، ووصف الشيء الذي يثير هذه الشعور بأنه “روحي أو خارق للطبيعة”.

لا شيء أكثر يقيناً من أن الإنسان، منذ حقبة مبكرة للغاية، بدأ في الاعتقاد بأن الكون مسكون بالأرواح. وربما يفترض البروفيسور أوتو Otto بسهولة شديدة أنه منذ البداية كان الإنسان ينظر إلى هذه الأرواح برهبة من حيث أنها خارقة للطبيعة. لكنه من المستحيل إثبات ذلك لسبب وجيه هو أن الكلمات التي تعبر عن الرهبة من الأمور الخارقة للطبيعة والكلمات التي تعبر عن مجرد الخوف المعتاد من الخطر قد تستخدم لغة وتعبيرات متماثلة، كما نستطيع نحن حتى الآن أن نقول إننا “خائفون” من شبح أو “خائفون” من حدوث ارتفاع في الأسعار. لذلك من الممكن نظرياُ أنه كان هناك وقت يعتبر البشر فيه ببساطة أن هذه الأرواح خطرة ويشعرون تجاهها كما يشعرون تجاه النمور. إلا أن الأمر الأكيد هو أنه الآن. على أي حال، توجد خبرة بالأمور الخارقة للطبيعة، وأننا إذا بدأنا من أنفسنا يمكننا أن نتتبعها حتى مدى طويل في الماضي.

يمكن العثور على نموذج حديث لهذا الشعور (إذا لم نكن شديدي الفخر بالبحث عنه في الماضي) في رواية The Wind In The Willows، حيث يقترب الفأر وحيوان الخلد من “بان” (الإله) على الجزيرة.

فيقول الخلد، وقد استجمع أنفاسه لكي يهمس مرتجفاً، “يا فأر، هل أنت خائف؟” فيتمتم الفأر، وعيناه تلمعان بحب لا يوصف: “خائف منه؟ كلا، أبداً، على الإطلاق، ومع ذلك، مع ذلك، آه يا خلد، إنني خائف.”

بالعودة إلى حوالي قرن مضى. نجد أمثلة وافرة على ذلك في كتابات ووردزوورث Wordswoth، ربما كان أفضلها ذلك المقطع الموجود في الفصل الأول من “The Prelude”، حيث يصف خبرته أثناء تجديفه في البحيرة في القارب المسروق. بالعودة إلى الوراء أكثر. نحصل على مثال شديد النقاء والقوة في مالوري Malory. عندما بدأ Galagad “في الارتجاف بشدة إذ بدأ الجسد المائت في رؤية الكائنات الروحية” (يشير الكاتب إلى كتب لا نألفها في الشرق الأوسط – المحرر).

أما في بداية عصرنا المسيحي فقد وجدت هذه الرهبة تعبيراً عن نفسها في سفر الرؤيا Apocalypse حيث سقط الكاتب “كميت” عند قدمي المسيح المقام. في الأدب الوثني نجد صورة أوفيد Ovid في البستان المظلم في أفنتين Aventine، والتي يمكن أن نقول عنها بلمحة سريعة Numen inest أن المكان مسكون، أو أن هناك كائن ما موجود فيه؛ ويقدم لنا فيرجيل Virgil لاتيناس Latinus باعتباره “مكان مفزع (Horrendum) وبه غابات وهيبة وورع الأيام القديمة”. وهناك نبذة يونانية نُسبت، لكن بصورة غير مرجحة. إلى أسخيليوس Awxchylus، تخبرنا عن أرض وبحر وحبل تهتز “العين المفزعة لسيدها” وفي ماض أبعد من ذلك نجد حزقيال يخبرنا في نبوته عن “بكرات”، بأن أطرها عالية ومخيفة”؛ ويعقوب، إذ قام من نومه قال: “ما أرهب هذه المكان!”

إننا لا نعرف إلى أي مدى في تاريخ البشرية ترجع هذه الأحاسيس. كان البشر الأوائل يعتقدون فيما يشبه التأكيد بأشياء كان ستثير المشاعر فينا لو كنا قد آمنا بها، ولذلك يبدو من المرجح أن الرهبة تجاه الأمور الخارقة للطبيعة هي في مثل قدم البشر نفسها. لكن اهتمامنا الأساسي هنا ليس بتاريخ تواجدها وتوقيته. فالأمر المهم هو أنه بطريقة أو بأخرى قد جاءت هذه المشاعر إلى الوجود، وأنها واسعة الانتشار، ولا تختفي من العقل بنمو المعرفة والحضارة.

هذه الرهبة ليست نتيجة استدلال من الكون المرئي. فلا توجد إمكانية للجدال من مجرد الشعور بالخطر حتى الوصول إلى الشعور الغريب بالرهبة، والذي لا يزال أقل من الشعور الكامل بالرهبة لشيء روحي خارق للطبيعة. قد نقول إنه يبدو لك أمر طبيعي للغاية أن الإنسان الأول، حيث أنه كان محاطاً بأخطار حقيقية، وبالتالي كان خائفاً، كان يجب أن يخترع الأمر الخارق للطبيعة والشعور بالرهبة تجاهه. من ناحية ما هذا صحيح، لكن دعونا نفهم ما أقصده، أنت تشعر أن هذا طبيعي لأنه حيث أنك تشارك الطبيعة البشرية مع أسلافك البعيدين في الماضي، تستطيع أن تتخيل نفسك وأنت تستجيب إلى عزلة محفوفة بالمخاطر بنفس الطريقة؛ وهذه الاستجابة في الحقيقة “طبيعية” من ناحية كونها تتفق مع الطبيعة الإنسانية.

ولكنها ليست في أقل تقدير “طبيعية” من ناحية أن فكرة الشيء الغريب أو الخارق للطبيعة محتواة بالفعل في فكرة الأمور الخطيرة، أو أن أي فهم للخطر أو أي نفوز من الجروح والموت الذي يمكن أن يستتبعه يمكن أن يعطي أقل إدراك للفزع من الأشباح أو مما هو روحي وخارق للطبيعة بالنسبة لعقل لم يفهم هذه الأمور بالفعل. عندما يجتاز الإنسان من الخوف المادي Physical إلى الفزع والرهبة، فإنه يقوم بقفزة كاملة، ويعي شيئاً ما كان يمكن أبداً أن يتم افتراضه، مثل الخطر، عن طريق الحقائق المادية والاستدلالات المنطقية منها.

معظم المحاولات المبذولة لشرح الرهبة تجاه الأمور الخارقة للطبيعة تفترض مسبقاً أن يتم تفسير هذه الرهبة أولاً. كما يحدث عندما يقوم علماء الأنثروبولوجيا باستنتاج أن هذه الرهبة تنبع من الخوف من الموتى، بدون أن يفسروا لماذا يجب أن يثير الموتى (وهم بالتأكيد أقل البشر خطورة) مثل هذه المشاعر الغريبة. تجاه كل مثل هذه المحاولات لا بد أن نصر على أن الفزع والرهبة يمثلان بعداً مختلفاً من الخوف.

لأنهما يكمنان في طبيعة التفسير الذي يعطيه الإنسان للكون، أو الانطباع الذي يحصل عليه منه؛ وكما أنه لا يمكن أبداً أن يوجد في سرد السمات المادية لشيء جميل سمة جماله، أو أن نقدم أقل تلميح عما نعنيه بالجمال لكائن بدون تجربة وخبرة جمالية مسبقة، هكذا أيضاً لا يوجد وصف فعلي لأية بيئة بشرية يمكن أن تحوي ما هو خارق للطبيعة وللرهبة التي تصحبه، أو حتى أي تلميح عنهما (يقصد الكاتب أن الإنسان لا يمكنه أن يدرك ما هو خارق للطبيعة إلا إذا كان قد اختبره من قبل في أعماق كيانه الفكري والروحي. وهذا يشبه معرفة الإنسان بالجمال وذلك لأنه يدرك في أعماق كيانه ما هو الجمال – المحرر)

يبدو في الحقيقة، أن هناك نظرتان فقط يمكننا أن نعتنقهما بشأن تلك الرهبة. فإما أن تكون مجرد انحراف في العقل البشري، لا يتفق مع أي شيء موضوعي ولا يخدم أية وظيفة بيولوجية، ومع ذلك لا يُظهر اتجاهاً لأن يختفي من ذلك العقل في أكمل تطوره، لدى الشاعر، أو الفيلسوف، أو القديس: وإما أن تكون خبرة مباشرة بشيء بالفعل خارق للطبيعة، والذي يمكن أن نطلق عليه بصورة صحيحة اسم إلهام أو كشف أو وحي Revelation.

(هذه العبارة تعتبر نتيجة تلخيصية لما حاول الكاتب إثباته في الفقرات السابقة – المحرر).

الأمر الخارق للطبيعة لي هو نفسه الشيء الجيد أخلاقياً، والإنسان الذي تغمره الرهبة من المرجح، إذا ترك لنفسه، أن يفكر أن الشيء الخارق للطبيعة “يتجاوز أو أبعد مما هو خير وشر. هذا يأتي بنا إلى الفرع أو العنصر الثاني في الدين. كل البشر الذين عرفهم التاريخ يقرون بنوع من الأخلاق؛ بمعنى، إنهم يشعرون تجاه أفعال افتراضية معينة بخبرات يعبرون عنها بالكلمات، “يجب عليّ” و “لا يجب عليّ”. هذه الخبرات تشبه الرهبة من ناحية واحدة فقط، وهي أنها لا يمكن استنتاجها منطقياً من البيئة والخبرات المادية للإنسان الذي يجتاز فيها.

يمكنك أن تخلط بين “أنا أريد” و”أنا مجبر”، وبين “من المستصوب أن أفعل ذلك” و “لا أجرؤ على القيام بذلك” على قدر ما ترغب، بدون أن تفهم من هذه التعبيرات أقل تلميح بما “يجب” وما “لا يجب”. ومرة أخرى. فإن المحاولات التي تبذل لتحليل التجربة الأخلاقية إلى شيء آخر تفترض مسبقاً دائماً نفس الشيء الذي تحاول أن تفسره، كما يحدث عندما يقوم محلل نفسي شهير باستنتاج ما من خلال قتل الأب أو الأم (Parricide) في عصور ما قبل التاريخ. فيستنتج انه إذا كان قتل الأب أو الأم قد أنتج شعوراً بالذنب. فهذا لأن البشر شعروا أنه ما كان يجب عليهم أن يرتكبوا ذلك؛ أما إذا لم يشعروا هكذا، فلا يمكن أن ينتج ذلك فيهم شعوراً بالذنب.

وهكذا فالأخلاق، مثل الرهبة من الأمور الخارقة للطبيعة، هي قفزة؛ فيها يذهب الإنسان إلى ما هو أبعد من أي شيء يمكن “إعطاؤه” (كمعطيات) أو افتراضه في حقائق التجربة الاختبار. كما أن بها خاصية واحدة ملحوظة جداً بحيث لا يمكن تجاهلها. الأخلاقيات المقبولة بين البشر قد تختلف – رغم أنها لا تختلف في أساسها بطريقة شديدة الاتساع كما يزعم كثيراً – ولكنها تتفق جميعاً في تحديد سلوك يفشل معتنقوها في ممارسته.

وهكذا كل البشر على حد سواء يقفون مدانين، ليس بواسطة قواعد أخلاقية غيرية عنهم، بل بواسطة قواعدهم هم أنفسهم الأخلاقية، ولذلك فكل البشر يدركون ويعون الشعور بالذنب.

العنصر الثاني في الدين: هو الوعي ليس فقط بقانون أخلاقي، بل بقانون أخلاقي تم تأييده وعصيانه في آن واحد. هذا الوعي لا هو استدلال منطقي ولا استدلال غير منطقي من حقائق الاختبار؛ فإننا لو لم نكن قد أتينا به إلى تجربتنا لم نكن قد استطعنا أن نجده هناك. فهو إما إن يكون وهماً لا يمكن تفسيره، أو أن يكون كشفاً أو وحياً Revelation.

التجربة الأخلاقية والتجربة الخارقة للطبيعة يبعدان كثيراً عن أن يكونا هما نفس الشيء حتى أنهما ربما يتواجدان لفترات طويلة بدون إقامة اتصال متبادل بينهما. في الكثير من أشكال الوثنية Paganism، لا يكون هناك علاقة إلا ضئيلة للغاية بين عبادة الآلهة والمناقشات الأخلاقية للفلاسفة.

ومن هنا تنشأ المرحلة الثالثة في التطور الديني عندما يتطابق الأمران معاً، أي عندما تصبح القوة الخارقة للطبيعية التي يشعرون إزاءها بالرهبة هي الوصي للأخلاق التي يشعرون أنهم ملتزمون بها.

مرة أخرى، قد يبدو هذا بالنسبة لك أمراً “طبيعياً” جداً. ماذا يمكن ان يكون أكثر طبيعية بالنسبة لإنسان همجي يطارده في آن واحد الشعور بالرهبة والشعور بالذنب. من أن يفكر أن القوة التي ترهبه هي أيضاً السلطة التي تدين ذنبه؟ وهذا بالتأكيد طبيعي بالنسبة للبشرية. ولكنه في أقل تقدير ليس واضحاً. فالسلوك الفعلي لذلك الكون الذي تطارده الرهبة من الأشياء الخارقة للطبيعة لا يحمل أي شبه بالسلوك الذي تطالبنا به الأخلاق. يبدو أحدهما مدمراً، قاسياً، وغير عادل؛ بينما يوعز إلينا الآخر بسمات مضادة.

كما أنه لا يمكن أن يتم تفسير التطابق بين الاثنين بأنه تحقيق لرغبة، حيث أنه لا يحقق رغبات أي إنسان. إننا لا نرغب في أقل من أن نرى ذلك القانون الذي لا يمكن بالفعل دعم سلطته المجردة، مدعوماً بالمطالب التي لا تحصى لما هو خارق للطبيعة. لذلك، من بين كل القفزات التب تقوم بها البشرية في تاريخها الديني، تعتبر هذه بالتأكيد القفزة الأكثر غرابة.

وهكذا ليس من غير الطبيعي أن قطاعات كثيرة من الجنس البشري رفضتها. فالديانة غير الأخلاقية Nonmoral Religion، والأخلاقية غير الدينية Non Religious Morality، كانا ولا يزالان موجودين. ربما شعب وحيد فقط، كشعب، هو الذي أخذ تلك الخطوة الجديدة بتصميم كامل – أعني اليهود؛ لكن أفراداً عظماء في كل الأزمنة والأماكن قد أخذوها أيضاً. وفقط أولئك الذين يأخذونها يكونون في أمان من مجون ووحشية العبادة غير الأخلاقية، أو من برودة وشقاء البر الذاتي للنزعة الأخلاقية Moralism المحضة. وحيث أنها تعرف من ثمارها، فإن هذه الخطوة هي خطوة نحو صحة متنامية. ورغم أن المنطق لا يجبرنا على أخذها، فإن من الصعب للغاية أن نقاومها – فحتى في الوثنية Paganism ومذهب وحدة الوجود Pantheism نجد الأخلاق تقتحم المشهد. بل وحتى الرواقية Stoicism.

تجد نفسها طوعاً أو كرهاً تحني الركبة لله. مرة أخرى. قد يكون هذا جنوناً – جنوناً فطرياً في الإنسان وذو نتائج حسنة الحظ على نحو غريب – أو قد يكون كشفاً أو وحياً. وإذا كان وحياً. فإنه حقاً وبالحقيقة في إبراهيم ستتبارك كل الأمم، لأن اليهود هم الذين تعرفوا بالكامل وبصورة لا لبس فيها على الحضور الرهيب الذي حل على قمم الجبال السوداء والغيوم الرعدية “للرب البار” الذي “يحب البر”.

أما الفرع أو العنصر الرابع فهو حدث تاريخي. “فهناك رجل ولد بين هؤلاء اليهود يزعم أنه “أو هو بالفعل ابن، أو “واحد مع”، “الكيان” الذي هو في نفس الوقت الساكن الرهيب للطبيعة ومعطي القانون الأخلاقي. هذا الزعم صادم للغاية – إنها مفارقة، بل أنه رعب، والذي قد ننخدع بسهولة بالحديث عنه باستخفاف شديد – وهو أن هناك وجهتي نظر فقط يمكن بهما التفكير في هذا الرجل. فهو إما أنه كان مجنوناً من نوع مكروه بطريقة غير عادية يهذي، او أنه كان بالفعل، بالتحديد ما قاله عن نفسه. لا يوجد شيء في المنتصف. فإذا كان السجلات تجعل الفرضية الأولى غير مقبولة، فلا بد لك من أن تخضع للفرضية الثانية. وإذا فعلت ذلك، فإن كل شيء آخر يزعمه المسيحيون يصبح ذا مصداقية. إن هذا الرجل، رغم أنه قتل، إلا أنه حي، وأن موته، بطريقة ما غير مفهومة للفكر البشري، قد أحدث تغييراً حقيقياً في علاقاتنا بذلك الرب “الرهيب” و”البار”، وهذا التغيير لصالحنا.

أن نسأل ما إذا كان الكون كما نراه يبدو أكثر أنه عمل لخالق حكيم وصالح، أو أنه من عمل الصدفة، أو العبث، أو الشر، فهذا معناه أن نلغي من البداية جميع العوامل ذات الصلة في المعضلة الدينية.

فالمسيحية ليست نتيجة لمجادلة فلسفية عن أصول الكون: بل هي حدث جوهري تاريخي هائل جاء بعد الإعداد الروحي الطويل للبشرية، الذي وصفته من قبل. فالمسيحية ليس نظاماً يجب أن نجعله يتفق مع الحقيقة المربكة للألم؛ بل هي في حد ذاتها واحدة من الحقائق المربكة التي يجب أن يتم توفيقها مع أي نظام نصنعه. من ناحية ما، إنها تخلق، أكثر منها تحل، معضلة الألم، لأن الألم لم يكن ليصبح مشكلة لولا أننا، جنباً إلى جنب مع تجربتنا اليومية في هذا العالم المؤلم، قد تلقينا ما نعتقد أنه قناعة مؤكدة بأن الواقع الحقيقي المطلق Ultimate Reality هو بار ومحب.

لماذا تبدو لي هذه القناعة جيدة ومؤكدة. لقد أوضحت ذلك بصورة أو بأخرى. لا يرقى الأمر إلى الإلزام المنطقي. ففي كل مراحل التطور الديني قد يتمرد الإنسان. إن لم يكن بدون تشويه لطبيعته الخاصة، لكن بدون عبثية. يمكنه أن يغلق عينيه الروحية ضد ما هو خارق للطبيعة. إذا كان على استعداد لمفارقة نصف الشعراء والأنبياء العظام في جنسه، بل لمفارقته طفولته نفسها، بثراء وعمق التجربة المتفردة المتحررة من التقاليد الاجتماعية. يمكنه أن ينظر إلى القانون الأخلاقي باعتباره وهم، وبالتالي يفصل ويقطع نفسه من الأساس المشترك للإنسانية.

يمكنه أن يرفض أن يطابق ما هو خارق للطبيعة بالأبرار، ويظل همجياً، يعبد الجنس، أو الموتى، أو قوة الحياة، أو المستقبل. لكن التكلفة ستكون باهظة. لكننا عندما نأتي إلى الخطوة النهائية الأخيرة، التجسد التاريخي The Historical Incarnation، يكون لدينا أقوى قناعة على الإطلاق، تشبه القصة بشكل غريب الكثير من الأساطير التي سكنت الدين منذ البداية، ومع ذلك فهي ليست مثلها، إنها لا تعبر بشفافية عن العقل؛ فلا يمكن أن نكون قد ابتدعناها من أنفسنا. فهي لا تحوي وضوح البداهة a Priori Lucidity المشبوه مثل الذي يوجد في مبدأ وحدة الوجود Pantheism أو الفيزياء النيوتونية Newtonian Physics.

بل أن بها السمة البادية للتميز النوعي العشوائي Arbitrary والغرابة والخصوصية Idiosyncratic الذي يعلمنا العلم الحديث ببطء أن نحتملها في هذا الكون، حيث تتكون الطاقة Energy   في أجزاء صغيرة من الكمية Quantity لا يمكن لأحد أن ينبأ بها، وحيث السرعة ليس غير محدودة، وحيث الأنتروبيا التي لا رجعة فيها Irreversible Entropy (هذه وحدة طاقة في علم الفيزياء تقيس نظام طاقة حراري غير منتظم وغير مفهوم الأبعاد – المحرر) تعطي الزمن اتجاهاً حقيقاً، والكون Cosmos، الذي لم يعد ثابتاًStatic   أو دورياً Cyclic، يتحرك مثل الدراما من بداية حقيقة إلى نهاية حقيقية.

إن كان يمكن لأية رسالة على الإطلاق أن تصل إلينا من قلب الواقع، فإننا يجب أن نتوقع أن نجد فيها مثل هذا الشيء الفجائي الرائع. ذلك التعقيد Anfractuosity الدارمي الجامح الذي نجده في الإيمان المسيحي. ففيه اللمسة السيادية الأصيلة، مذاق الحقيقة القوي والشجاع، الذي لم يُصنع بواسطتنا، او في الواقع، لأجلنا، ولكنه يصدمنا في وجوهنا.

إذا كنا على مثل هذه الأسس، أو على أسس أفضل، نتبع المسار الذي تم اقتياد البشرية فيه. ونصبح مسيحيين، عندها سيكون لدينا “معضلة” الألم.

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

Exit mobile version