الوسم: مار مرقس
كتاب شخصيات من الكتاب المقدس (1) القديس العظيم مار مرقس الرسول – الأنبا ابرام اسقف الفيوم
الأزهري وإشكالية الخلق ردًا على محمد هنداوي في “أوريجانوس وإشكالية الخلق”
الأزهري وإشكالية الخلق ردًا على محمد هنداوي في “أوريجانوس وإشكالية الخلق”
نقل (الازهري) ما لم يعقله في هذه المسألة بخصوص أوريجانوس في كتابه (ص 255 – 277) خصوصا السبع صفحات الأولى، فزعم ان “اوريجانوس لا قائل بأزلية الإبن فحسب بل بأزلية الخليقة” ص 261، أي أنه يقول إن أوريجانوس يؤمن بأن الابن والخليقة (المخلوقات) متساويان، وبالتالي فهو نفس كلام أريوس الذي كان يؤمن أن المسيح إله نعم ولكنه إله مخلوق، خلقه الله الآب ليخلق به بقية المخلوقات، وبهذا يكون التقليد لصالح أريوس لا الكنيسة!
الرد من اربعة اوجه
الوجه الأول: الفرق بين الله والمخلوقات عند (أوريجانوس)
يفرق (اوريجانوس) صراحة بين الأقانيم والمخلوقات، فينقل من رسالة الراعي لـهرماس مقرًا بما نقله:
“خلق كل شيء ورتبه، وأعطى الكون وجوده من العدم“[1]
وهنا يؤكد أوريجانوس بوضوح أن الكون موجود من العدم creatio ex nihilo، بينما يقول في نفس الصفحة عن الأقانيم الإلهية:
“يلد الآب الإبن وينفث الروح القدس، [لا كأنهما كائنان لم يوجدا من قبل]، ولكن من حيث أن الآب هو أصل الابن ومصدرهما مادمنا لا نقوى على الاعتقاد بان فيهما ما قبل وما بعد“
فينفي اوريجانوس بوضوح أيضا سبق العَدم على الابن والروح، أي أنه ينفي أن يكون للإبن عدمًا سابقًا أو لاحقًا لوجوده، وهكذا للروح القدس.
ومرة أخرى يتكلم عن المخلوقات في وجودها الذهني مسميا إياها “الطبائع العاقلة” فيقول:
“صُنِعَت فيما لم تكن في الوجود“[2]
ثم يستمر موضحا الفارق بين المخلوقات أي تلك “الطبائع العاقلة” وبين “الثالوث” فيقول:
“الحياة غير الجسمية امتياز الثالوث وحده“[3]
فهو هنا بوضوح ينص لفظيا بالتمايز بين:
“[الطبيعة] التي هي غير [طبيعة الآب والابن والروح القدس]”[4]
لذلك حقا يقول “سوزومين” عن أريوس:
“يعظ في الكنيسة بأي شيء لم يثيره أحد من قبله، أي أن ابن الله لم يكن له وجود سابق، انه كان هناك وقت لم يكن موجودا فيه“[5]
أي ان كون المسيح مخلوقا من العَدم لم يثره أي أحد قبل أريوس، وأوريجانوس طبعا قبل أريوس! فإذن، أوريجانوس لم يقل ما قال به أريوس بعده.
بل أن (الأزهري) نفسه يعترف بهذا بيقول:
“لا يأخذ الاخذون على آريوس شيئا في اعتماده على أوريجانوس إلا ما كان من قول أريوس ان الكلمة اوجدت من العدم” ص 257
وهذا الفارق أصلا يحسم المسألة، ولكن كيف لا يتشقلب (الازهري) كعادته ليخفي ذلك الفارق فيقول:
“الخلاف بين أريوس وأثناسيوس بشأن مذهب أوريجانوس، لا يفضي إلى مزية تعود على الابن، فهو عند أريوس مخلوق من العدم، وعند أوريجانوس أزلي والخليقة معه ازلية، فأي خصيصة له” ص 257
انظر الى هذه الشقلبة!
- يقول (أوريجانوس) بأزلية الابن.
- يقول (أريوس) بخلقه من العدم.
فيتساوى الاثنان في (عقل الأزهري)!!
وإن كُنّا قد أوضحنا مذهب أوريجانوس من كلامه عن الفرق بين الابن والمخلوقات فسقط صياح (الأزهري) بمساواة (أوريجانوس) بين الابن والمخلوقات فماذا قصد إذن حين تكلَّم عن أزليتها؟
هذا ما نوضحه في الأوجه التالية.
الوجه الثاني: أزلية فعل الخلق
يقول (الماتريدية)[6] من أهل السنة والجماعة أن الخلق أو التكوين قديم، أما المخلوقات فهي حادثة بعد العدم، فيقول (عبد الله الهرري) المعروف (بالحبشي) في شرح الطحاوية 28 – 29:
“لا يلزم من قِدم التكوين قِدم المُكَوَّن…التكوين أزلي والمكونات حادثة …. فِعل الله أزليٌ ومفعوله حادثٌ ….. فاذا قيل: أحيا الله كذا … فالمُحيا حادث أما إحياء الله [له] فهو أزليٌ ….. إشقاء الله [للذين] أشقاهم وإسعاد [الذين] أسعدهم أزلي، وهذا الاعتقاد كان هو اعتقاد السلف“
وقال في ص 31:
“انه تبارك وتعالى كان محيي الموتى في الازل [قبل حدوث الموتى] وحدوث الموتى لا ينافي [قِدم إماتته لهم]“
فعند الكل، المخلوقات نفسها جاءت من العدم بعد ان لم تكن، اما فعل الخلق نفسه فهو قديم.
وقال أيضا:
“ناقش الاشاعرة الماتريدية في هذه المسألة فقالوا: بانه يلزمكم على ما ذهبتم اليه جعل المكوَّن ازليا قديما” الهرري ص 30-31
ثم علق:
“هذا اختلاف لفظي، اختلاف في التعبير، وكلا الفريقين على هدى، إنما الضرر الأعظم والكفر والإلحاد هو أن يقول القائل: الله تعالى يقوم به صفة حادثة كابن تيمية” الهرري ص 31.
في الفقرة السابقة لا يُقدم الهرري ردا على الإلزام بقِدم المخلوقات، وعلى أي حال من هنا يُحمل كلام أوريجانوس على ازلية أفعال الله الذي لا تقوم به الحوادث، لا أزلية المخلوقات، وان كان بهذا يتوجه كلام أوريجانوس على مذهب أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، فماذا عن أهل الكفر والإلحاد كابن تيمية حسب وصف الهرري؟
الوجه الثالث: القدم النوعي للعالم (المخلوقات)
يزعم الوهابية ومن تابعهم أن الأزهر الأشعري وكل الفئات المشاركة في مؤتمر الشيشان سالف الذكر هم من أهل البدع أما أهل السنة فهم من يؤمنون بما يؤمن به ابن تيمية، وان تركنا أولئك ونظرنا في عقائد هؤلاء فنجد ابن تيمية يؤمن بـ “القِدم النوعي للعالم” وهو مشهور عنه، ويؤمن أيضا بـ “تسلسل الحوادث” وهذا كله معناه عند مخالفي “ابن تيمية” انه يساوي بين الله والمخلوقات – لاحظ أنها نفس تهمة الأزهري لأوريجانوس – ولكن هل يعني هذا عند شيعة (ابن تيمية المساواة بين الله والعالم فعلا؟
تنقل كاملة الكواري الاعتراض على ابن تيمية فتقول:
“القول بتسلسل الحوادث في جانب الازل بلا بداية معناه القول بقِدم العالَم“
وتقول إن الرد هو:
“لا يلزم من ذلك قِدم العالم“
وهي هنا لا توضح وجه عدم الالزام! بل تعقِّب بتعليل غير متعلِّق فتقول:
“لأن كل ما سوى الله محدث ممكن الوجود“[7] !
مرة أخرى هذا الرد لا ينفي الالزام، بل غايته توضيح ان هناك تناقضا في عقيدة القوم! ثم لا تكتفي كاملة الكواري بذلك ولكنها تزعم إلزامًا مضادا فتقول:
“القول بان الحوادث لها أول يلزم منه التعطيل قبل ذلك وان الله لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا“[8]
وردُّ الإلزام بإلزام مضاد ليس ردًا، انما مزيد من ابراز التناقض، فالقول بأن الحوادث لها أول هو أصلا عقيدة السلف التي نقلها الطحاوي بقوله في العقيدة الطحاوية.
الوجه الرابع: قِدم الخلق بالعِلم
ففي تاريخ 1 أغسطس 2021 نشر الأزهري صورته على الفيسبوك وكتب عليها “شرح مقدمة عقائد أهل السنة للشيخ محمد حياة السندي المدني- رحمه الله رحمة واسعة، وقد ختمناها في مجلس ما جاوز ساعتين” ولو كان (الأزهري) يعقل ما يقرأه فهذا الكُتيِّب نفسه يقول بنفس قول أوريجانوس وهو قِدم الخلق بالعلم!
فقد جاء في شرحه [9] أن “العلم” صفة أزلية لله، ثم قال عن المخلوق من العدم [الممكن] ما نصه:
“باعتبار النظر الى تعلُّق علم الله تعالى بوجود بعض الممكنات فلابد ان يوجد ذلك الممكن الذي تعلق علم الله بوجوده، لئلا ينقلب علمه جهلا، تعالى الله عن ذلك، فوجود ما وُجد او يوجد من الممكنات جائز من حيث ذاتها، لازم من حيث تعلق علم الله بوجودها في أوانه“[10]
ولا يحتاج الأمر إلى كثيرٍ من التفكير عندما تجمع النصين معًا، فتعلم أن العِلم الازلي تعلَّق بوجود المخلوقات [الممكنات] وبالتالي أصبح وجود تلك المخلوقات أزليا على الأقل في (العلم/اللوغوس).
وهذا هو نفس كلام أوريجانوس فهل يؤمن (الأزهري) أيضا بأزلية المخلوقات؟ أم عليه الآن ان يفرق بين ازلية المخلوقات في علم الله وبين (علم الله نفسه)؟
فان آمن بأزلية المخلوقات فقد أشرك وأخرج نفسه من دينه، وعليه، فليكتب كتابًا يدافع فيه إذن عن تقليده هو ويترك تقليد غيره، وان فرَّق بين الاثنين فليتراجع إذن عمَّا نسبه لأوريجانوس من عدم التفرقة بين (اللوغوس) و(المخلوقات) وليعتذر عن تكلمُه فيما لم يعقله!
على أن هذا لم يأت فقط عند (السندي) بل كل من فَقِه هذه القضية كتقرير (الهرري) في شرح الطحاوية:
“خلق الخلق على حسب علمه الأزلي وتقديره الأزلي…. فالمخلوقات التي خلقها فدخلت في الوجود، والتي ستخلق ولم تدخل في الوجود بعد كل بعلمه الازلي” [11]
وقال:
“يستحيل أن لا يعلم ما يكون من مخلوقاته قبل وجودهم إذ ذاك جهل والجهل في حق القديم محال، فثبت سبق علمه في الازل بما يكون من مخلوقاته“[12]
فظهر مما سبق ان عقائد القوم تدور في فَلَك اللوغوس القديم الذي لا يتغير والمُحيط بكل مخلوقاته، حتى وإن أنكروا لاهوته، حتى وإن زعموا مساواة أوريجانوس بينه وبين المخلوقات في أزلية ما، الا ان الحقيقة واضحة= هم مُجبرون على الاعتراف بصحة المسيحية هنا لا الأريوسية، وبأرثوذكسية أوريجانوس حتى وإن تمحكوا في الفاظ لا يعقلونها!
[1] المبادئ، منشورات المكتبة البولسية، ترجمة جورج خوام البولسي ص 160
[2] المبادئ ص 161
[3] السابق
[4] السابق
[5] التاريخ الكنسي لسوزومين،تعريب د.بولا ساويرس 1/ 15/ 3
[6] في مؤتمر (الشيشان) الذي حضره (الازهر) ممثلا بشيخه (أحمد الطيب) أعلنوا أن (أهل السنة) هم (الأشاعرة والماتريدية والصوفية) وعند عودته وبعد الضغوط التي تعرض لها أضاف (الطيب) فرقة (السلفية) الى اهل السنة
[7] كاملة الكواري، قدم العالم وتسلسل الحوادث بين شيخ الإسلام ابن تيمية والفلاسفة، ص 132
[8] شرح مقدمة عقائد أهل السنة ص 132
[9] ص 28
[10] ص 35
[11] ص 33
[12] ص 56
الأزهري وإشكالية الخلق ردًا على محمد هنداوي في “أوريجانوس وإشكالية الخلق”
ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري
ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري
(الرد على الفصل الثالث المبحث الأول من كتاب الأزهريّ)
إعداد: خادم بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية
الجزء الأول:
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد – الرد على كتاب الأزهري
الليتورجيا عمل الشعب
يبدأ فضيلة الشيخ الفصل بعنوان الليتورجيا كمصدر من مصادر التقليد دون أن يُعرِّف كلمة ليتورجيا في الأصل وتطور استخدامها. فكلمة ليتورجيَّا λειτουργία تعني «عمل الشعب»، فالكلمة مُكونة من مقطعين هما «λαός أي شعب»، «έργον أي عمل»، وحرفيًّا هو العمل الذي يقوم به الشعب، أو شركة الشعب في العبادة، سواء ما يتعلق بالصلوات اليوميَّة أو المزامير، ودورة الاحتفالات وطقوس ومراسيم الأعياد المُتعلقة إمَّا بالله أو حياة الربّ يسوع أو القديسين.
ويذكر الشيخ أنَّ:
“الصلوات الطقسية مصدر من مصادر التقليد…. وهي قابلة للتطوير وفق ما يستجد من تعليم كشجب هرطقة أو تعداد مفاهيم“[1].
وفي هذ نقول إننا لا ننكر تطور الطقوس والصلوات الليتورجيا بحسب ظروف وحاجة الكنيسة ولكن هذه النصوص فُحصت على مر العصور واقتبلت إضافات أو حذف منذ نشأتها وحتَّى اليوم[2]، يبدو أنَّ القصّة الحقيقيَّة لتطوُّر العبادة المسيحيَّة هي الانتقال من الاختلافات الكبيرة حول عناصر أساسيَّة إلى دمج وتوحيد مُتزايد للتقاليد المحليَّة. ويمكن أن نرى بدايات هذا التوجُّه (نحو التوحيد) في القرن الثاني الميلادي، ولكن التطوُّر اكتسب زخمًا أكبر بكثير في القرن الرابع، حيث توسّعت الكنيسة، ومع تزايُد التواصل- وبالتالي الوعي بالاختلافات- بين مُختلف المراكز المحليَّة، وقبل كلّ شيءكما حاولت المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة تعريف نفسها ضدّ ما كان يُنظر إليها على أنّها حركات هرطوقيَّة؛ لأنه في مثل هذه الحالة، فإنَّ أيّ ميل للاستمرار فيما يبدو أنّه طقوس خاصّة قد فُسرت على الأرجح كعلامة على الهرطقة[3].
ولم يكلف الكاتب نفسه عناء البحث في الكتاب الذي يقتبس منه جزء مصادر الليتورجيا وينظر إلى نهاية الفصل الذي يسبقه ويقرأ كيف شرح الأسقف يوحنا يازجي تطور تاريخ الليتورجيا كفرع لاهوتيّ، أي نشأة هذا العلم وتطوره مع الزمن[4].
وعندما تحدث الكاتب عن مصادر الليتورجيا مقتبسًا من الأسقف يوحنا يازجي من فصل المصادر الليتورجيا ذكر مباشرة الكتاب المقدس ولم يذكر الديانات غير المسيحيَّة، لا أعلم السبب ولكنه أسقطها، إذ أنَّ المسيحيَّة لم تأت ماحية لما قبلها بل صارت مَسحنة كلّ ما حولها هو نوع من تجديد الخليقة بكلّ ما فيها من سياق إنسانيّ.
ثم ذكر الكاتب:
“المجموعات القانونية الليتورجية والتي تحمل أسماء الرسل ومنها التقليد الرسولي، وقوانين هيبوليتوس القبطية، والديداخي“[5].
وفي الحقيقة تُشكِّل قوانين الكنيسة القديمة واحدة من أروع أنواع الأدب المسيحيّ المُبكِّر، وتزعم أنها تُقدِّم قوانين «رسوليَّة» موثوقة بشأن مسائل السلوك الأخلاقيّ، والمُمارَسَة الليتورجية، والتهذيب والتنظيم الكنسيّ. فما تقوله هذه النصوص الرسوليَّة المنحولة فيما يتعلق بالعصر الرسوليّ نفسه قد لا يكون ذات أهمّيّة كبيرة، لكنها من المُحتمل أن تكون مصادر إرشاديَّة قديمة لفكر وممارسات الفترات التي تكونت فيها تلك النصوص.
وكما ذكر الكاتب في الحاشية يمكن النظر إلى الدراسة المنشورة في كتاب أصول العبادة المسيحيَّة[6]، لمعرفة أصول القوانين والدراسات التي جرت عليها وكيف يمكن التعامل معها والاستفادة منها.
ثم ينتقل الكاتب إلى ذكر الكتب الطقسيَّة المستخدمة في الكنيسة المصريَّة وبعد أن أنهاها كتب قائلًا:
“وبعيدًا عما تحويه هذه الكتب من تعاليم تتفق والكتاب المقدس أو تخالفه، وبعيدًا كذلك عن أصالة ما فيها من طقوس وثنية مُسّحت”[7].
ولكنه لم يذكر أيّ مثال من هذه الكتب ما يخالف تعاليم الكتاب المقدس، فكيف للخولاجي المقدس أن يخالف تعاليم الكتاب المقدس ونستطيع أن نقرأ في نسخة القمص عبد المسيح مسعودي الإشارات الكتابيَّة غالبًا لكلّ جملة من القداس. وهكذا أيضًا في الأبصلموديَّة المقدسة. وكيف نقول إنَّ كتب القطماروس بكلّ مواسمه يخالف تعاليم الكتاب المقدس وهو عبارة عن مقاطع من الأسفار الكتابيَّة؟
ويتعجب الكاتب من الطقوس والشعائر الوثنيَّة التي مُسِّحت، وأنا لا استغرب من ذلك لأنه لم يستوعب أنَّ المسيحيَّة لم تطمس أيّ هوية للبلاد التي انتشرت فيها بل كان تضفى صبغة مسيحيَّة على الطقوس هناك وتستوعب ما يمكن استيعابه، وذلك نراه واضح كلّ الوضوح عندما أشار بولس الرسول إلى مذبح لإله مجهول في (أع 17: 23) وجعله مدخلًا ليبشر باسم المسيح في هذه البلاد. وهكذا انتشرت المسيحيَّة في العالم وأحيانًا استُبدِلت مواعيد الاحتفالات الوثنيَّة باحتفالات وأعياد مسيحيَّة حتَّى لا يعود ويشترك المؤمنون مع الوثنيون.
قانون الإيمان
ويتسائل الكاتب:
“هل كانت الليتورجيا في وقت ما حاسمة خلافًا.. أوهل التجأ أحد إليها لتعضيد عقيدة أو دفع هرطقة؟ أم أنها تتطور بتطور الهرطقات.. وتُحدَّث بما تمليه عليها الوقائع والمستجدات“[8].
واعتقد أنَّ هذا السؤال استنكاري ليثبت حجته بأنَّ الليتوجيا تتطور فقط ولم تكن حاسمة في أيّ خلاف كنسيّ. ولكن الحقيقة غير ذلك إذ أنَّ الليتورجيا والتشريعات القانونيَّة المبكّرة كان حاسمة في بعض الخلافات.
عندما نناقش أوَّل مجمع كنسيّ وهو مجمع نيقية 325م يعتقد البعض أنَّ قانون الإيمان قد كُتب خلال المجمع ولكن الحقيقة غير ذلك، فقبل مجمع نيقية لم يكن تعبير “قاعدة الإيمان” يُستخدم بطريقة حرة ومقيدة بالعقيدة فحسب، بل بالطقس أيضًا ولذلك يقول بوليكراتس أسقف أفسس عندما تحدث عن عيد الفصح بأنَّه “حسب قاعدة الإيمان“[9]. ويخبرنا يوسابيوس القيصري عن قاعدة الإيمان عندما يتحدث عن مخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، فيقول:
“وطرحوا جانبًا قاعدة الإيمان القديم، ولم يعرفوا المسيح، وهم لا يحاولون معرفة ما تعلنه الأسفار الإلهيَّة”[10].
وفي الإسكندريَّة يعدد القديس كليمندس الإسكندريّ خواص قانون الإيمان: “إنَّ الإيمان له قاعدة، وإنَّ هذه القاعدة هي قانون الإيمان أو القانون الكنسيّ أو قاعدة الحقّ والتسليم”[11]. وعند ترتليان قاعدة الإيمان هي بنود الإيمان، وترتليان يؤكد على أنَّ قاعدة الإيمان هي “من الرسل وحتَّى بولس الرسول بعد اهتدائه صعد إلى أورشليم لكي يقارن قاعدة إنجيله، أي كرازته بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل”[12]، ويقول أيضًا: “وقاعدة الإيمان هي التي بموجبها يتم فرز الهرطقات والهراطقة”[13].
ومن المصادر الليتورجية المستخدمة في ليتورجية المعمودية في الكنيسة القبطيَّة والمعروف في علم الليتورجيات باسم قانون دير البلايزة، ونصه هو:
اعترف بإله واحد الله الآب ضابط الكلّ وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا وبالروح القدس المحيى وبقيامة الجسد وبالكنيسة الواحدة الجامعة الرسوليَّة.
حيث يقوم الكاهن بترديد هذا النصّ أمام الإشبين ثم يسأله ثلاث مرَّات قائلاً: “آمنت عن هذا الطفل؟” فيجاوبه ثلاث مرَّات قائلاً: “آمنت”[14].
وإذ بدأت الهرطقات في الانتشار، لم يعد قانون الإيمان خاصًا بطالبي العماد، إنما تم تأكيده في مجمع نيقية للاستخدام في العبادة الليتورجية. وبدأت المجامع تضع قانون الإيمان وتوحده لمواجهة الهرطقات. فكما رأينا أنَّ بذرة قانون أو قاعدة الإيمان موجودة قبل المجمع وقبل ظهور الهرطقة وتم تأكيده واستخدامه لمواجهة البدع والهرطقات.
إكرام العذراء مريم في الكنيسة المبكرة
وقد سأل الكاتب السؤال أعلاه لأنه اعتمد عليه في المطلب الثاني: الليتورجيا والعقيدة والتطور (الثيئوتوكيات ومجمع أفسس نموذجًا)[15]. وحاول أن يثبت أنَّ تكريم العذراء ظهر في الكنيسة بعد ظهور الهرطقة النسطوريَّة وبعد انعقاد مجمع أفسس وحاول الاستعانة بنصوص مقتطعة من سياقها من تفسيرات الآباء لأسفار الكتاب المقدس ليثبت أنهم لم يكرموا العذراء مريم، وأن تكريمها لم يظهر إلَّا بعد مجمع أفسس[16].
وقد أخذ الكاتب الثيؤطوكيات نموذجًا واستشهد بالدراسات الحديثة التي تثبت أنَّ الثيؤطوكيات قد صيغت في العقود التالية لمجمع أفسس، ولكن هل إكرام العذراء مريم لم يكن موجود في الكنيسة كما يدعي؟
إنَّ إكرام العذراء مريم في الكنيسة بدء مبكرًا جدًا منذ القرون الأولى، على سبيل المثال يظن البعض أنَّ مصطلح ثيؤطوكوس قد صِيغ في مجمع أفسس ولكن الحقيقة غير ذلك. “هذا المصطلح يظهر أول مرة في آباء ما قبل نيقية الذين كتبوا في القرن الرابع كلقب للسيدة العذراء القديسة مريم، ربما استخدمه كل من أوريجانوس، وديونيسيوس الأريوباغي في رسالة له إلي بولس الساموساطي لكن هذا النص ربما لا يكون نصًا أصليًا لديونيسيوس، وعند ثيؤدريت في تقليده الرسولي (436م)، أيضًا تشير يعض المراجع أن هيبوليتوس السكندري ربما استخدم هذا المصطلح، كما أن كل من غريغوريوس أسقف نيصص و يوستاسيوس الأنطاكي استخدموه، أما غريغوريوس النيزنزي فاعتبره جزء من الإيمان الأرثوكسي. لكن تحديده كمصطلح رسمي كان في مجمع أفسس عام 431م ردًا على إنكار نسطور ومهاجمته لهذا التعبير”[17].
ولرؤية إكرام العذراء في صورة أوضح أرشح للكاتب كتب صدر حديثًا من المركز الثقافي الفرنسسكاني، إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى السادس للميلاد، يمكن أن نقرأ فيه باستضافة عن نشأة وتطور إكرام العذراء سواء في الصلوات أو كتابات الآباء أو تشييد كنائس باسم العذراء مريم[18].
فهل بعد كلّ هذه الشهادات من القرون المبكرة نقول إنَّ آباء الكنيسة لم يكرموا العذراء مريم الَّإ بعد الهرطقة النسطوريَّة؟
ويخلص الكاتب في نهاية هذ المطلب إلى أنَّ “الليتورجيا ما هي إلا صدى للمجامع وما أخرجته من المقررات…” نعم نؤكد مرّة أخرى أنَّ الليتورجيا تتطور ويضاف عليها لكن بالأحرى تؤكد وتثبت ما هو موجود في الأساس، بالنسبة لمصطلح ثيؤطوكوس لم يظهر فقط في كتابات الأباء بل كان أيضًا مستخدمًا في الليتورجيات والصلوات المسيحيَّة قبل انعقاد مجمع أفسس، وأقدم مصدر لدينا لهذا المصطلح هو مخطوط سكندري من القرن الثالث (حوالي 250م) معروف باسم Sub tuum Praesidium، وهو يحوي نصّ ليتورجيّ مستخدم حتَّى الآن في الكنائس القبطيَّة والبيزنطيَّة والرومانيَّة. المخطوط مكتوب باليونانيَّة ونصه:
Ὑπὸ τὴν σὴν εὐσπλαγχνίαν, καταφεύγομεν, Θεοτόκε. Τὰς ἡμῶν ἱκεσίας, μὴ παρίδῃς ἐν περιστάσει, ἀλλ᾽ ἐκ κινδύνων λύτρωσαι ἡμᾶς, μόνη Ἁγνή, μόνη εὐλογημένη.
في ظلّ حمايتكِ، نلتجأ، يا والدة الإله (الثيؤتوكوس): لا تردي طلبتنا في وقت الشدة: لكن نجينا من الأخطار، أيتها النقية المباركة وحدكِ[19].
من كلّ ما سبق نجد أنَّ مجمع أفسس لا يشكل نقطة انطلاق فيما يتعلق بالإكرام المريميّ في مصر بل هو تأكيد على ما هو موجود بالفعل. فمنذ القرن الثاني حتَّى عهد البطريرك الأنبا ثاؤفيلوس (385-412م)، كانت قد أُجريت تحديدات لاهوتيَّة، وشُيدت الكنائس، ونُظمت صلوات، ورُسمت صور وأيقونات، وتأسست أعياد، وأُلقيت عظات، كلها إكرامًا لمريم[20].
إشكالية تناول يهوذا
ينتقل الكاتب إلى المطلب الثالث: الليتورجيا والبابا (تناول يهوذا أنموذجًا)، ويشرح الكاتب كيف “حذف البابا شنوده والأنبا بيشوي بعض ما في الكتب الطقسية”[21]، وفي الحقيقة لا أعلم لماذا يؤكد أنَّ البابا شنوده والأنبا بيشوي هما من قاما بذلك، رغم أنَّه يذكر في الفقرة نفسها أنَّ الحذف صدر عن توصيات من اللجنة المجمعيَّة للشئون الطقسيَّة تقدمت بها للمجمع المقدس وتم مناقشة الأمر “حيث أوصت اللجة بالتعديلات— في بعض عظات البصخة المقدّسة بحيث تتفق مع التسليم الرسولي في عدم مناولة غير التائبين؛ وذلك بحذف العبارات التي تشير إلى تناول يهوذا من جسد الربّ ودمه؛ وهو الشيء الذي يتعارض أيضًا مع تعليم الإنجيل!”[22].
ثم يورد الكاتب بعد ذلك اختلاف آراء الآباء حول تفسير فقرات الإنجيل الخاصّة بالعشاء الأخير، وأحب أن أوضح هنا أنَّ اختلاف التفسيرات أمرًا طبيعيًّا ويجب أن نفرق بين العقيدة والرأي[23]، فكلمة العقيدة δόγμα (دوجما) وردت في العهد الجديد خمس مرات تُرجمت فيها في الترجمة البيروتيَّة إلى أربع كلمات مختلفة، ومن هذه الآيات نفهم المعنى الأصلي لهذه الكلمة (لو 2: 1؛ أع 16: 4؛ 17: 7؛ أف 2: 15؛ كو 2: 14). وفي كتابات الآباء جاءت بمعنى رأي أو عقيدة أو إيمان، واقتداءً بسفر أعمال الرسل الذي أطلق الكلمة على الأوامر أو القضايا التي أصدرها مجمع أورشليم، وأُطلقت الكلمة على القوانين التي أصدرتها المجامع الكنسيَّة. ولا نستطيع أن نحصر العقيدة في العهد الجديد أو في كتابات الآباء تحت كلمة دوجما فقط، لأن هناك كلمات كانت أكثر استعمالاً للتعبير عن العقيدة مثل كلمات الإيمان πίστις (بيستيس) أو التعليم διδασκαλία أو διδαχή (ديداسكاليا أو ديداخي) كتعبيرات تعبر عن صيغ إيمانيَّة، مثل:
“رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ،” (أف 4: 5).
“وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ (ديداخي) الرُّسُلِ وَالشَّرِكَةِ وَكَسْرِ الخْبْزِ وَالصَّلَوَاتِ” (أع 2: 42)
أمَّا الرأي γνώμη (جنومي) أو التفسير ἑρμηνεία (هرمينيا) فهي كلمات تعطي تفسيرًا للعقيدة، أو تعطي رأيًّا مختلفًا في بعض الأمور الكنسيَّة، لكنها لا ترقى لمستوى العقيدة ويمكننا أن نعرف معنى كلمة رأي حسبما وردت في كتاب العهد الجديد، خاصّة في كتابات القديس بولس الرسول (1كو 7: 25-27؛ 7: 40؛ 2كو 8: 10). وقد وردت كلمة رأي (جنومي) في كتابات الآباء بمعانٍ كثيرة، فهي تأتي بمعنى عقل، كما تأتي لتعبر عن الرأي أو العقيدة أو الإيمان أو وجهة النظر، كما تأتي بمعنى الإرادة، وأيضًا بمعنى القرارات والأحكام والقوانين والاستشارات. أمَّا الكلمة الثانية (هرمينيا) فهي تأتي بمعنى تفسير أو شرح أو ترجمة (يو 1: 38؛ 1كو 12: 10؛ 14: 26).
يتضح من هذه الآيات أنَّ العقيدة ملزمة للجميع للإيمان بها، والعمل بمقتضاها، أمَّا الرأي فهو تفسير لهذه العقيدة، والربّ يعطي لكلّ أحد أن يفسرها بحسب روح الله وبحسب إمكانيات المفسر والمتلقي، وبحسب ظروف الزمان والمكان، على ألا يتعارض هذا التفسير مع تعاليم وتقليد الكنيسة. لا يصح إطلاقًا الاختلاف في العقيدة، ولكن ليس هناك أيّ مشكلة في الاختلاف في الرأي أو التفسير.
بالنسبة لما ذكره الكاتب عن موضوع تناول يهوذا نرى أنَّ هذا اختلاف في الأراء وليس في العقيدة وقد رأى المجمع المقدس برئاسة البابا شنوده الثالث حذف تلك الأجزاء من العظات التي تُقرأ في البصخة، لحسم هذا الخلاف. ولنؤكد أنَّه اختلاف في الرأي، فضيلة الشيخ نفسه يورد مقولة للبابا شنوده الثالث ردًا على سؤال من أسئلة الشعب إذا كان يهوذا قد تناول أم لا، فيقول البابا شنوده:
“ومع أنَّ يهوذا لو كان قد تناول من الجسد والدم، كان يتناول بدون استحقاق، غير مميز جسد الربّ، ويتناول دينونة لنفسه (1كو 11: 27-29). إلَّا أنَّ الآباء يقولون إنَّه اشترك في الفصح فقط، وخرج ليكمل جريمته…”[24].
نجد إجابة البابا شنوده شارحة ومفسرة للأمر رغم أنَّه يميل إلى رأي محدد، ونؤكد أيضًا أنَّ الآباء أنفسهم انقسموا حول إجابة هذا السؤال، فمنهم من أيد تناول يهوذا ومنهم من نفاه.
وبعد أن أورد فضيلة الشيخ الإشارات والمراجع التي تشير إلى تناول يهوذا يقول “وأضف إلى هؤلاء السابقين متى المسكين العدو اللدود لهذه اللجنة…“[25].
من أين جاء الكاتب بهذا الوصف الشنيع؟ كيف يحكم على العلاقة بين الأب متى المسيكن وبين اللجنة بالعداوة؟ ألم يقرأ أيّ من كتابات الأب متى أو حتَّى من البابا شنوده؟ ألم يقرأ المقولة الشهيرة “الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية”؟ نرى فضيلة الشيخ يحكم عليهم بالعداوة رغم أنَّه عندما زار البابا شنوده دير أبو مقار في عام 1996م استقبله وقتها الأب متى المسكين ورهبان الدير بالاستقبال الواجب داخل الكنائس والأديرة في حال زيارة البابا وبتلاوة الألحان الكنسيَّة التي تقال في حضور البابا واستقباله.
وفي كلمة الترحيب قال الأب متى: “تعلمون أيها الأحباء وكلكم رهبان، أنَّ الرهبنة في الكنيسة، وخصوصًا القبطيَّة قوامها هو سندها الإلهيّ، وخزانة تراثها ومجدها تقليدها الحي الذي نستمد منه عصارة لاهوتنا وحياتنا، فكون أن يأتي بابا الإسكندريَّة ويتكلم بيننا بشكر وصلاة للمسيح، فهو شيء يرد نفوسنا، ويشدد قوتنا وعزيمتنا. أنًّه يومًا سعيدًا في أيام برية شهيت، صحيح أنَّه زارنا قبل الآن، ولكن زيارة هذا اليوم تأتي والكنيسة في أحوج ما يكون أن يلتف البابا حول الشعب، والشعب يلتف حول البابا، وأنَّه فعل حسن لأن الكنيسة تعيد اليوم باليوبيل الفضي برجاء يمتد إلى اليوبيل الذهبي والماسي، وإلى مائه سنة يا سيدنا أنبا شنوده وتتمتع بخدمة متسعة ترعاها برعاية الأب المتفتح القلب والذهن الذي لا يغمض له جفن…”[26].
وقال البابا شنوده ردًا على هذه الكلمة: “أشكر كلمة المحبّة التي ألقاها قدس القمص متى المسكين، أب رهبان هذا الدير في عاطفة عميقة وقوية، وأشكركم على حسن استقبالكم وأشكر محبتكم وأشكر البركة التي أخذتها بدخولي هذا الدير…”[27]. نعم كانت هناك خلافات فكريَّة بينهما لكنها لم تصل أبدًا إلى حد العداوة، وبمرور الزمن خفت حدة الاحتقان بينهما، حيث قام البابا شنوده بزيارته في أثناء مرضه، ونُشر خبر الزيارة في مجلة الكرازة التي يحرّرها البابا بنفسه، وقد وصفت الأب متى المسكين بـ«القُمص المكرّم»[28].
ويخلص الكاتب في مبحثه إلى: “إن الليتورجيا مذياع لما يقرره الآباء فليست مصدرًا ذا استقلال، فهي خاضعة قديمًا لما يثبت ويرفع من حوار مع الهراطقة، وحديثًا –على ما رأينا في مثالنا- لما يتبناه القائمون على الكنيسة، وإن خالفوا الآباء“[29]. فكما قلنا إنَّ الليتورجيا تتطور وتتشكل بالفعل بحسب الوضع الكنسيّ ولكن ليس كما يقول بحسب ما يتبناه القائمون على الكنيسة وإن خالفوا الآباء، لأنه كما رأينا مسألة تناول يهوذا من عدمه اختلف الآباء في تفسير الأمر ولم يُستقر عليه وهذا ليس من العقيدة في شيء لذلك يخضع الأمر لقواعد الرأي والتفسير التي يمكن الاختلاف فيها.
[1] محمد هنداوي الأزهريّ، نقد التقليد الكنسيّ، الكنيسة المصريَّة أنموذجًا، نشر دار اللؤلؤة، الطبعة الأولى 2021، صـ151.
[2] د. رشدي واصف بهمان، مدخل إلى علم الليتورجيات، مجلة الكرمة، العدد الأول، 2004م.
[3] بول ف. براد شو، البحث عن أصول العبادة المسيحية، مصادر وطرق دراسة الليتورجية المبكرة، مراجعة وتقديم الأنبا مكاري الأسقف العام، ترجمة القس مينا القمص إسحق، الكلية الإكليريكية اللاهوتية للأقباط الأرثوذكس بالأنبا رويس، 2020م، صـ 77.
[4] الأسقف يوحنا يازجي، المصادر الليتورجية، منشورات معهد القديس يوحنا الدمشقي الااهوتي، جامعة بلمند، طرابلس، لبنان، الطبعة الأولى، 2005، صـ 21-24.
[5] هنداوي، مرجع سابق، صـ 154-159.
[6] بول ف. برادشو، البحث عن أصول العبادة المسيحيةَّ، ترجمة: القس مينا القمص إسحق، نشر الكلية الإكليريكية، طبعة أولى 2021م، الفصل الرابع “قوانين الكنيسة القديمة: لُغز مُستمر”.
[7] هنداوي، مرجع سابق، صـ 161-162.
[8] هنداوي، مرجع سابق، صـ162-163.
[9] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة 5: 24، تعريب القمص مرقس داود،
[10] المرجع السابق 5: 28.
[11] المتنوعات 7: 7، 6: 15، 6: 18.
[12] ضد ماركيون 5: 3، 1.
[13] ضد فالنتينوس 4: 1.
[14] د. جوزيف موريس فلتس، تعاليم لاهوتية في النصوص الليتورجية – الإيمان بابن الله ليتورجيًّا.
[15] هنداوي، مرجع سابق، صـ163
[16] أقدم ترنيمة محفوظة للقديسة العذراء مريم باسم ثيؤطوكوس، هو النشيد المعروف في العديد من البلدان الكاثوليكيّة الرومانيّة والأرثوذكسيّة، وقد عُثر على النصّ الأقدم لهذا النشيد في الليتورجيَّة القبطيّة لعيد الميلاد. ويسجل المخطوط الترنيمة باللغة اليونانيّة، ووفقًا للباحث Serafim Seppälä “لا توجد أسباب لاهوتيّة أو فلسفيّة محددة لرفض تأريخ النصّ في القرن الثالث”. وتستخدم الترنيمة حتّى يومنا هذا في شكل الترنيمة المعروفة الآن باسم (في ظل حمايتكِ)، وكذلك في الصلوات الأرمنيّة والبيزنطيّة والأمبروسيّة والطقوس الرومانيّة، وإلى جانب النصّ اليونانيّ، يمكن العثور على نسخ قديمة بالقبطيّة والسريانيّة والأرمنيّة واللاتينيّة، وسنتعرض لها لاحقًا، وترجمة الترنيمة هي:
في ظلّ حمايتكِ،
نلتجأ، يا والدة الإله (الثيؤتوكوس):
لا تردي طلبتنا في وقت الشدة:
لكن نجينا من الأخطار،
أيتها النقية المباركة وحدكِ.
للمزيد انظر:
مارك شريدن، من النيل إلى الرون وما بعد؛ دراسات في الأدب الرهبانيّ المبكّر والتفسير الكتابيّ، ترجمة: موريس وهيب، وبيشوي جرجس، نشر الكلية الإكليريكية، طبعة أولى نوفمبر 2019م، ص 283-298.
Frederica Matthewes-Green, The Lost Gospel of Mary: The Mother of Jesus in Three Ancient Texts, Brewster MA: Paraclete Press (2007), pp. 85–87; Michael O’Carroll, Theotokos: A Theological Encyclopedia of the Blessed Virgin Mary, Wilmington: Michael Glazier Inc (1982), p. 336; François Mercenier, L’Antienne mariale grecque la plus ancienne, Le Muséon 52 (1939), pp. 229–233; Serafim Seppälä, Elämän Äiti, Neitsyt Maria varhaiskristillisessä teologiassa, Helsinki: Maahenki (2010), p. 84.
[17] مينا فؤاد، الثيؤتوكوس: دراسة قصيرة وإعادة تقييم للمصطلح اللاهوتي، 2010، مدونة التنوير.
[18] جبرائيل جامبيرارديني الفرنسيسكانيّ (الأب)، إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى القرن السادس، تعريب عبد الملك سامي، نشر المركز الثقافي الفرنسيسكانيّ، طبعة أولى 2021م.
[19] الثيؤتوكوس: دراسة قصيرة وإعادة تقييم للمصطلح اللاهوتي، مرجع السابق.
[20] إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى القرن السادس، مرجع سابق، صـ244.
[21] هنداوي، مرجع سابق، صـ178.
[22] الأنبامتاؤس، أسقف ديرالسريان، القرارات المجمعية الخاصة بالطقوس الكنسية، تقديم الأنبا بيشوي، الناشر: دير السيدة العذراء السريان.
[23] الجزء التالي بتصرف عن الأنبا أبيفانيوس، في محاضرة عن التمييز بين الهرطقة والرأي والعقيدة، رابط المحاضرة:
[24] البابا شودة الثالث، سنوات مع أسئلة الناس الجزء الأول، الطبعة التاسعة 1996.
[25] هنداوي، مرجع سابق، صـ182.
[26] فيديو موثق لزيارة البابا شنوده لدير أنبا مقار يوم الأحد 3 نوفمبر 1996م.
[27] المرجع السابق.
[28] عبد الله الطحاوي، فتنة طائفية أم شرارة الصراع على الهوية، مكتبة الشروق الدولية، 2013، صـ 39.
[29] هنداوي، مرجع سابق، صـ 183.
ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد – الرد على كتاب الأزهري
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد – الرد على كتاب الأزهري
(ردًا على كتاب نقد التقليد الكنسي)
إعداد: خادم بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية
الجزء الثاني:
التعريف بالكنيسة المصرية
يمتد عمر الكنيسة المصريَّة بطول تاريخ المسيحيَّة منذ تجسد الابن الوحيد آخذًا جسدًا متأنسًا من العذراء مريم، وحتَّى وقتنا الحالي. الكنيسة في مصر لها اليد العليا في تاريخ الساكنين فيها، بل في بعض الأوقات صارت هي إحدى أسباب الحياة في بلدنا هذا. كان لهذه القيمة العالية ضريبة وثمن يجب أن يُدفع، والثمن كان ولا يزال هو الاضطهاد والتلسُّن والنعت والتقوّل على كنيسة الله. فما كان منا إلا ما عهدنا به منذ نشأة وعينا في حضنها الأموميّ أن نكون حافظين للعهد، مدافعين بالقلب، ناذرين الفكر والمداد والعتاد في رفعة شأنها وإجلال ومجد ربّها.
رأينا على سبيل المتلسنين والمتقولين هنداوي في كتابه المشار له سابقًا، فكان في تمهيده متندَّرًا بثقل اللسان والقلم، فتكلم أولًا عن تعريف الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة واعتقادها إجمالًا، فسرد- بقدر وعيه ونظره- ما وصل إليه من معنى مصطلح كنيسة لغويًّا كمجمع وإصطلاحًا كجماعة المؤمنين وما نعرفه عنها من بناء حجري شكلًا، وأشار أيضًا لتعريف كلمة الأرثوذكسيَّة فغفل نصّ الكلمة بلغته الأصل أي اليونانيَّة فأورد فراغًا بعد كلمة أرثودكسوس، وشرح المعنى بأنه الإيمان المستقيم الذي هو إيمان الكنيسة الجامعة، ولكن عند شرحه لمصطلح الكنيسة الأرثوذكسيَّة قال:
أمّا عن مصطلح الكنيسة الأرثوذكسيَّة: فإنَّه يطلق على إحدى الكناس الرئيسة في النصرانيَّة، وقد انفصلت عن الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة بشكل نهائي عام ألف وأربع وخمسين من الميلاد، وتمثلت في عدة كنائس مستقلة لا تعترف بسيادة بابا روما عليها، ويجمع هذه الكنائس الأرثوذكسية إيمانهم بانبثاق الروح القدس من الأب فقط، ومحل بحثنا كنيسة من هذه الكنائس الأرثوذكسيَّة وهي «الكنيسة القبطيَّة»[1].
يتضح من الاقتباس السابق تخبط الهنداوي في معرفة تصنيف الكنائس المسيحيَّة وتاريخها، فما يشير إليه من حدث انفصال الكنيسة الأرثوذكسيَّة عن الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة هو ما يُعرف بالانشقاق الكبير الذي حدث عام 1054م، وهو ما يقول عنه إيريل كيرينز في كتابه المسيحيَّة عبر العصور:
في سنة 1054، دار الجدل الأخير حول ما بدا أنه أمر ثانوي. فإنّ مايكل سيرولاريوس Michael Cerularius، بطريرك القسطنطينية فيما بين 1043 – 1059، أدان الكنيسة في الغرب لاستخدامها الخبز غير المخمر (الفطير) في الأفخارستيا. وكان مثل هذا الاستخدام للفطير شائعًا في الغرب منذ القرن التاسع. فأرسل البابا ليو التاسع الكاردنال همبرت Humbert واثنين مِن القانونيين إلى الشرق لحسم هذا النزاع، إلَّا إنَّ اختلاف وجهات النظر اتسع واستمرت المناقشات. وفي 16 يوليو 1054 وضع الوفد الروماني (الكاثوليكيّ) مرسومًا بحرمان البطريرك وتابعيه على مذبح كاتدرائية القديسة صوفيا. إلَّا إنَّ البطريرك لم ييأس، فعقد سنودسًا حيث أعلن خروج البابا وتابعيه عن الإيمان القويم ومن ثمّ قطعه مِن الكنيسة. كان هذا أوَّل انشقاق كبير Great Schism يحطم وحدة الكنيسة. ومن ذلك الوقت مضت كلّ مِن الكنيسة الكاثوليكيّة الغربية، والكنيسة اليونانيّة الارثوذكسية (الشرقية) كلّ في طريقها بعيدًا عن الأخرى. وظل حرمهما الواحد للآخر ساريًا حتّى أبطل في 7 ديسمبر 1965، بواسطة البابا بولس السادس والبطريرك أثيناجوراسAthenagoras [2]
وهي ما تعرف بالكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة الخلقيدونيَّة وليس للكنيسة المصريَّة علاقة بهذا الحدث، بل إنَّ استقلال الكنيسة المصريَّة وانفصالها عن كنيسة روما بدأ مع الصراع الخلقيدونيّ بالقرن الخامس وليس في القرن الحادي عشر كما يشير هنداوي مُصنفًا الكنيسة القبطيَّة من بين الكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة، وهي بالأساس تعد من بين الكنائس المشرقيَّة Oriental Orthodox Churches، وهو مصطلح يدلل به على العقيدة التي تؤمن بها كنائس مسيحيَّة أرثوذكسيَّة شرقيَّة، والتي لا تعترف إلا بشرعيَّة المجامع المسكونيَّة الثلاث الأولى (نيقية، قسطنطينيَّة، أفسس)، وتعرف برفضها القاطع للعقيدة التي أقرها مجمع خلقيدونيَّة.
يستمر هنداوي على هذا المنوال ويعدد في بعض النقاط اعتقاد الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة، فيقول:
1) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة إجمالًا مثل باقي الكنائس الأخرى بإله واحد مثلث الأقانيم: الآب، الابن، الروح القدس على حسب ما ورد في قانون الإيمان النيقاوي 325م.
2) كما تؤمن بربويَّة وألوهيَّة الربّ والمسيح في آن واحد على أنهما من جوهر واحد ومشيئة واحدة، ومتساويين في الأزلية، كما تؤمن بأنَّ الروح القدس منبثق من الآب فقط.
3) وتؤمن بتجسُّد الإله في السيد المسيح من أجل خلاص، البشرية فيعتقدون أنَّه ولد من مريم وصلب ومات فداءً لخطاياهم، ثم قام بعد ثلاثة أيام ليجلس على يمين الربّ ليحاسب الخلائق يوم الحشر.
4) الإيمان بأنَّ السيدة مريم العذراء والدة الإله، ودائمة البتوليَّة، وأنَّ لها شفاعة توسليَّة.
5) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة بالمجامع المسكونيَّة السابقة على مجمع خلقيدونيَّة المنعقد عام 451م[3].
من أكثر النقاط لفتًا للنظر هي النقطة الثاني التي يتحدث فيها هنداوي عن إيمان الكنيسة بربوبية وألوهيَّة الرب والمسيح!! لا أعلم ماذا يقصد بالربّ هنا، ولكن بكلّ الإحوال يتضح من تلك النقطة وجود التباس عند هنداوي في فهم إيمان الكنيسة المصريَّة بألوهيَّة السيد المسيح. فمصطلح الربّ هو مصطلح قديم للغاية ومتجذر في وعي الكنيسة بشكل عام، وقد وردت في العهد الجديد باليونانيَّة بكلمة كيريوس، وتترجم إلى الربّ أو السيد، وقد استخدمت في الترجمة السبعينيَّة للعهد القديم لترجمة اسم الله يهوه. وتستخدم أيضًا في العهد الجديد لتشير إلى الله الآب، إذ دعي بفم يسوع نفسه “رب السماء والأرض” مت 11: 25، كما تشير إلى يسوع المسيح ابن الله، وأشهر العبارات وأقدمها في ذلك هي عبارة “يسوع رب” 1كو 12: 3. وإجمالًا ينطبق مصطلح الربّ بحسب إيمان الكنيسة على الله الآب، والابن، والروح القدس[4].
فهل يعتقد هنداوي أنَّه يوجد شخصين في إيمان الكنيسة الربّ والمسيح ونحن نؤمن بألوهيتهما؟!
وعند حديث هنداوي عن العبادات والشعائر الخاصة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية تكلم عن الرتب الكنسيَّة ويقول فيما يخص الرهبنة الآتي: “الرهبنة: وهي سبع مقامات روحيَّة، وتنقسم إلى نوعين: رهبنة فرديَّة، رهبنة ديريَّة”[5]. ويتضح أيضًا من مثل هذه العبارات مدى تخبط الكاتب وقصور معرفته بالشأن الداخلي لحياة ومعتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ لا يوجد ما يعرف بسبع مقامات روحيَّة للرهبنة، فقد عُرفت الرهبنة بصورتها المنتظمة منذ ظهور حركة الرهبنة على يدي القديس أنبا أنطونيوس الكبير، لذا دُعي “أب الرهبنة”؛ تقوم حركة الرهبنة على الأسس التالية: العفة، والطاعة، والفقر الاختياري. وقد ظهرت ثلاثة أنواع رئيسة للرهبنة:
أ) نظام الوحدة (المتوحدون): حيث يعيش الراهب في قلايته (حجرته) في عزلة داخل الدير أو في مغارة خارج الدير، يمارس حياة التأمل مع العبادة والعمل اليدوي.
ب) نظام الشركة: أقامه القديس أنبا باخوميوس أب الشركة، حيث يعيش جماعة الرهبان معًا داخل سور واحد، يشتركون في صلوات يوميَّة وأيضًا في الطعام، كلٍّ يمارس عملًا يناسب إمكانياته أو مواهبه في الدير حسبما يشير رئيس الدير.
ج) نظام الجماعات: أقامه القديس آمون وأيضًا القديس مقاريوس الكبير، حيث يعيش الرهبان في قلالي أو مغاير متقاربة، يجتمعون معًا في السبت والأحد، وهو نظام متوسط بين الوحدة والشركة[6].
مار مرقس الرسول كرازته وإنجيله
يتناول هنداوي شخص القديس مرقس الرسول في القسم الثاني من تمهيده لكتابه، ويشير في الجزء الخاص بتعريف القديس مرقس واسمه وأسرته، ويستهل بعبارة “لا تذكر المصادر التاريخية المسيحية عن مرقس سوى ما يفيد أن اسمه اليهودي يوحنا”[7]، هل تعطينا النتيجة قبل البرهنة عليها يا شيخ هنداوي؟!
على كلّ الأحوال دعونا نعرف من هو القديس مرقس بحسب تقليد الكنيسة. مع بدايات القرن الميلادي الأوّل وُلد الصبي مرقس لعائلة يهوديّة في قيرين. وكان اسم والده أرستوبولس، واسم أمه مريم، ينحدر أصلهم من سبط لاوي. وكانوا متمسكين تمامًا بالعادات اليهوديّة، ويعودون إلى أورشليم، إن أمكنهم هذا، عدة مرات في السنة لحضور الأعياد الموسميّة. أشار اسم الصبي إلى خلفية عائلته المتعددة الثقافات. وكان الاسم هو: يوحنا مرقس. جمع هذا الاسم بين اسم عبريّ (يوحنا) واسم لاتينيّ (مرقس، ماركوس، أو ماركو، أو مارك). وحدث عندما نشبت الحروب، وأعمال السلب والنهب والاضطرابات المدنيّة في قيرين في وقت باكر من القرن الأوّل، فأجبرت الجماعات التي تعيش على السلب والنهب عائلة هذا الصبي إلى مغادرة إفريقيا والذهاب إلى فلسطين[8].
بعد ذلك نسمع عن مرقس وهو في أورشليم، حيث تمكنت والدته من الحصول على مسكن رحب فسيح (أعمال 12: 12) ولعله يتمتع بغرفة علوية (عليّة) بحسب مفهوم الذاكرة الإفريقيّة[9]، وهي نفس العليّة التي ذُكرت في مرقس 14: 15؛ أعمال 1: 13. وبينما كان مرقس شابًا، انضم هو ووالدته إلى أتباع يسوع. صارا جزءًا من حركة مغيرة للثقافة داخل اليهوديّة. وفي وقت لاحق سيكون مرقس أوّل تلميذ للمسيح يكتب الأخبار السارة (إنجيل مرقس) عن مجيء هذا الشخص الذي لا يُقارن والذي غيّر حياته (أيّ حياة مرقس) بشكل تام، أصبحت قصة ق. مرقس عن يسوع أقدم كلّ الجهود المبذولة المتبقية التي كُتبت لتعريف غير اليهود بالأخبار السارة عن بداية المسيحيّة. وقد أصبح مرقس نموذجًا لكلّ مَنْ سطروا بعد ذلك تاريخ يسوع[10].
من المثير للدهشة هو ما أورده هنداوي في بحث نسبة إنجيل مرقس إلى هذا القديس، فيقول:
“غير أنه بالنظر الى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية في الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيدًا تمامًا عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا “[12].
وبالرجوع لنصّ الكتاب المُقتبس منه بحسب إشارة هنداوي في الحاشية نجد الاقتباس بعيد تمامًا عما أورده هنداوي في كتابه، فيقول جون درين الآتي:
“غير أنه بالنظر الى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية في الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيدًا تمامًا عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا “[12].
ما فعله هنداوي أمرين، الأول هو تحويل الجملة “فلربما لا يكون التقليد..” من النفي إلى الإثبات، مما يبعد الاقتباس عن حقيقته وفكرته الأساسية، وهي إثبات اتفاق التقليد مع شخص ق. مرقس بحسب العهد الجديد؛ الأمر الثاني هو اقتطاع الاقتباس، إذ ينتهي الاقتباس عند هنداوي بعبارة: “وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما”، بعكس النصّ الكتاب الأصلي إذ يقول: “وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا“، وشتان بين العبارتين، فالأولى تشير لعدم أهلية ق. مرقس لكتابة أي إنجيل على الإطلاق، والثانية تشير إلى وجود سبب قوي دعى لضرورة كتابة إنجيله الأول بين الأناجيل مما دفع الآخرين غيره لكتابة أناجيلهم. فما أغرب هذا الالتباس الذي وقع فيه هنداوي! هنا تظهر منهجية اقتطاع الاقتباسات من سياقها وتحويل معناها الأصلي من أجل إثبات نتيجة مسبقة، مما يشكك في نزاهة البحث الأكاديمي
وفيما يخص موثوقية نسب إنجيل مرقس إلى القديس مرقس كاروز الديار المصرية، يمكننا الرجوع إلى أحد الباحثين المتخصصين المعتبرين في دراسات العهد الجديد، وهو الباحث الكبير Ben Witherington III، الذي أورد في كتابه (إنجيل مرقس، تعليق اجتماعي بلاغي)[13] قسمًا عن موثوقيَّة نسب إنجيل مرقس، وقد أشار بالفعل إلى عدم وجود إشارة مباشرة في نصّ الإنجيل لصاحبه ولكن أسرد عدة أمور رأينا وجوب إيرادها هنا للنفع.
يشير Witherington إلى وجود أدلة داخلية وخارجية التي تشير لكاتب الإنجيل، فيقول:
” أولاً، نعلم أنَّه كان مسيحيًّا. وهو يكتب هذه الوثيقة باعتباره شخصًا على قناعة ببشارة يسوع الناصري. فهو من مؤيديه، ويسعى لإقناع الآخرين بأن يصبحوا مؤيدين ليسوع. ثانيًا، من المحتمل جدًا أن يكون المؤلف يهوديًّا. وهذا ليس لأنه يعرف الكثير عن العادات والثقافة والطوائف اليهوديَّة فحسب، ولكن لأنه يبدو على معرفة قوية بالعهد القديم أيضًا، أو على الأقل بالترجمة السبعينيَّة، ويأخذ مثل هذه الوثائق كمصادر لإعلان حقّ الله، وكنبوءة حقيقيَّة أيضًا. كما أنَّ لديه معرفة بالأخرويات اليهوديَّة المبكّرة ونهاية العالم [في الفكر اليهوديّ]… فيما يتعلق باستخدام المؤلف للغة الآراميَّة، لم يعلق هينجل على استخدامه الصحيح لتلك اللغة فحسب، بل يضيف: “لا أعرف أيّ عمل آخر باللغة اليونانيَّة يحتوي على العديد من الكلمات والصيغ الآراميَّة أو العبريَّة في مساحة ضيقة جدًا مثل الإنجيل الثاني”. فترجمة المؤلف لكلماته وعباراته الآراميَّة يشير إلى أنَّه من المحتمل أن يكون جمهوره من أصل مختلف عنه. إنَّه بالتأكيد جمهور لا يعرف الآراميَّة”[14].
ويشير أيضًا إلى الوضع الثقافي لكاتب الإنجيل بين شعبه، إذ يُظهر معرفة قوية باليونانيَّة، إلى جانب ذلك يستخدم كاتب إنجيل مرقس العديد من الكلمات اللاتينيَّة، في 12: 42، وفي 15: 46، مما يشير إلى أنَّ الشعب الذي كُتب بينه الإنجيل يعرف المصطلح اللاتينيّ بعكس المصطلح اليونانيّ، وإلا لماذا الحاجة إلى تفسير الأمر بقوله قيمتهما ربع بحسب الآية 12: 42[15]. إلى جانب ذلك نرى العديد من التعبيرات اليهوديَّة الواردةفي حدث محاكمة الربّ يسوع في مر 14: 61-62 والتي أشار لها العالم Darrell L. Bock، في مقاله عن هذا الموضوع أيضًا ردًا على المشككين في موثوقيَّة هذا الجزء من الإنجيل[16].
ما بين صور وصيدا
يتحدث فضيلة الشيخ في نقطة الدليل الداخلي أيضًا على عدم معرفة كاتب الإنجيل بجغرافيا المنطقة التي يتحدث عنها ويستدل على ذلك بالآية التي تقول: “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ” مر 7: 31، ويقتبس مما أورده الدكتور سامي العامري فيقول:
يخبرنا مرقس أنَّ المسيح قد ذهب من «صور» إلى «بحر الجليل» عبر «صيدا،» وهي رحلة ملتوية غير مبررة؛ جعلت النساخ يحرفون النص؛ ليبدو في المخطوطات المتأخرة أن المسيح قد غادر تخوم صيدا وصور معًا إلى بحر الجليل، وهو ما تبنته الترجمة الإنجليزية التقليدية «The King James Version» باختياره قراءة «وصيدا» بعد كلمة «صور»، رغم أن أقدم المخطوطات تقول: «غادر من منطقة صور (و) جاء عبر صيدا..»![17]
وهو بذلك يفترض على السيد المسيح السير على خط مستقيم بين نقطتين وإلا يكون كاتب الإنجيل غير مُلم بجغرفيا المنطقة![18] لننظر خريطة فلسطين في زمن السيد المسيح (شكل 1)، لنتتبع هذه الرحلة بحسب النصّ الإنجيلي لمرقس الرسول:
“ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ… (حدث معجزة المرأة الكنعانيَّة وشفاء ابنتها) ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ (حدث شفاء الإنسان الأصم والأبكم)” مر 7: 24-31. رسالة السيد المسيح تقوم على خلاص الإنسان وشفائه وهذا من تدبيره الإلهيّ منذ البدء، وهذا أمر يدركه الإنسان المسيحيّ المدرك والواعي بإيمان الكنيسة، وهذا ما نراه في لقاء الرب يسوع مع السامريَّة بالإصحاح الرابع من إنجيل يوحنا، إذ سار لمدة 6 ساعات من أجل هذه المرأة وخلاصها. وبحسب نصّ إنجيل مرقس نرى ذهاب السيد المسيح إلى تخوم صور وصيدا أولًا من أجل شفاء ابنة الكنعانيَّة، ثم رجوعه إلى بحر الجليل وسط العشر مدن من أجل شفاء الإنسان الأصم والأبكم.
نأتي إلى جغرافيَّة الرحلة وهل بالفعل يتعارض النصّ مع الواقع الجغرافيّ للمكان أم لا؟! فيما يخص كلمة تخوم ὅρια الواردة بالنصّ من كلمة ὅριον والتي تعني حسب القاموس[19]: (حدود المكان، من تلك المنطقة: بمعنى المقاطعات والأقاليم)، وسواء ذكرت بعض المخطوطات تخوم صور أو تخوم صور وصيدا فهذا لا يغير في المعنى، فأيّ منطقة بين حدود المدينتين هي تخوم صور أو تخوم صور وصيدا أو تخوم صيدا.
إذًا سواء كانت رحلة السيد المسيح في المنطقة الواقعة بين المدينتين مباشرة أو صعد لأعلى صيدا ثم إلى بحر الجليل، هذا لا يغير من طبيعة الرحلة أو وقتها أو مسافتها.
ثم يورد فضيلة الشيخ اقتباس من بول ج. أكتماير ويقول:
“«ويزعم النص اليوناني أن «بحر الجليل»، يقع في وسط المدن العشر، في حين أنه في الحقيقة يقع في أقصى الشمال الغربي للمدن العشرة» ليخلص إلى أنه: «إما أن مرقس ما كان يعرف بجغرافية فلسطين، أو أنه ببساطة لم يكن يهتم إذا كانت جغرافيته صحيحة أم لا، في كلا الحالين؛ ليس بإمكاننا استعمال الإحالات الجغرافية التي قدمها لنا لتحديد رحلات يسوع»”[20].
ولكن لننظر لنصّ الإنجيل باليونانيَّة ونرى مدى صحة هذا الأمر، إذ نرى في عدة نسخ[21] من إنجيل مرقس باليونانيَّة تقول “تخوم صور مارًا بصيدا” وهي كالآتي:
ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 7:31 Greek NT: Nestle 1904 “Καὶ πάλιν ἐξελθὼν ἐκ τῶν ὁρίων Τύρου ἦλθεν διὰ Σιδῶνος εἰς τὴν θάλασσαν τῆς Γαλιλαίας ἀνὰ μέσον τῶν ὁρίων Δεκαπόλεως”.
ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 7:31 Greek NT: Westcott and Hort 1881 “Καὶ πάλιν ἐξελθὼν ἐκ τῶν ὁρίων Τύρου ἦλθεν διὰ Σιδῶνος εἰς τὴν θάλασσαν τῆς Γαλιλαίας ἀνὰ μέσον τῶν ὁρίων Δεκαπόλεως”.
ΚΑΤΑ ΜΑΡΚΟΝ 7:31 Greek NT: Westcott and Hort / [NA27 and UBS4 variants] “Καὶ πάλιν ἐξελθὼν ἐκ τῶν ὁρίων Τύρου ἦλθεν διὰ Σιδῶνος εἰς τὴν θάλασσαν τῆς Γαλιλαίας ἀνὰ μέσον τῶν ὁρίων Δεκαπόλεως”.
ولزيادة التأكيد نقتبس بشكل مباشر من أحد أهم دارسي نصوص العهد الجديد وهو بروس متزجر الذي بالتأكيد يعرفه فضلية الشيخ حق المعرفة. فيقول:
“وفقًا للقراءة التي أيدتها أفضل النصوص السكندريَّة والغربيَّة، وكذلك بواسطة شهادات قيصريَّة جديرة بالملاحظة، سلك يسوع طريقًا غير مباشر، مرورًا شمالاً من صور عبر صيدا ومن ثمَّ إلى الجنوب الشرقي عبر نهر الليطاني، واستمر جنوبًا إلى قيصريَّة فيلبس. شرق نهر الأردن وبالتالي اقترب من بحيرة الجليل على جانبها الشرقي، ضمن أراضي المدن العشر”[22].
كورة الجدريين
يُكمل هنداوي حديثه ويسرد خطأ جغرافيًا آخر- حسب تعبيره- ورد في الإصحاح الخامس من إنجيل مرقس، وهو خاص بحدث شفاء مجنون كورة الجدريين. فيقول:
“وقد اختلفت الترجمات في اسم البلدة اختلافًا فاحشًا، ويكفي أن نلقي نظرة على الترجمات العربيَّة للنص كما هو موضح بالجدول، ونجد اضطراب الترجمات نفسه في النص الموازي لنص مرقس في متى 8/ 28 وهذا الاضطراب ما هو إلا ظلال لتحريف المخطوطات وتغييرها، وعلة ذلك على ما يذكره الأستاذ/ علي الريس: «أن الناسخ وآباء الكنيسة قد وجدوا أنفسهم في مأزق لا يحسدون عليه، فكاتب الإنجيل المنسوب إلى متى- كما يبدو- لا يعرف جغرافية فلسطين، فهو يذكر أن المسيح بمجرد أن عبر بحر الجليل وعلى الشاطىء الآخر في قرية الجدريين خرج له مجنونان فأخرج منهما الشياطين، وأدخل هذه الشياطين في قطيع من الخنازير، فهاجت الخنازير وانطلقت ملقية بنفسها في البحر، والمشكلة هنا هو أن قرية الجدريين تبعد حوالي ستة أميال عن بحر الجليل، مما يعني أن الخنازير قفزت حوالي ستة أميال في الهواء، وهذا أمر «ولا في الأحلام» فلم يجد آباء الكنيسة أمامهم من حل سوى أن يعدلوا في ما فشل فيه الروح القدس وقاموا بتصحيح النص إلى قرية الجرجسيين، وهي القرية الأقرب إلى بحر الجليل”[23].
تبدأ لهجة فضلية الشيخ بالتحول إلى الحدية والتندر بشكل مُجحف، ولكن دعونا ندرس هذا النصّ بشكل أكاديمي أكثر ونرى ما قال عنه الباحثون. يقترح الباحث J. Adna بنية ثلاثيَّة المشاهد لهذه الفقرة[24]:
1) مقدّمة، تتكون من العددين الرئيسيين، 1-2؛
2) المشهد الأوّل (3-9) لقاء بين الربّ يسوع والشيطان؛
3) المشهد الثاني (11-13) ما حدث مع قطيع الخنازير؛
4) المشهد الثالث (14-19) نتيجة طرد الأرواح الشريرة وتأثير هذا على الناس.
وهذه البنية تتوافق بشكل كبير مع نمط إنجيل مرقس الأدبيّ في قصص المعجزات. ويشير Adna أيضًا إلى ملاحظة هامة، وهي أنَّ بحلول زمن السيد المسيح صار الخنزير رمزًا للوثنيَّة، لذلك صار يتم تجنبه سواء كان من جهة تربيته أو استخدامه في الطعام، وكان هذا بالأكثر رد فعل عما فعله السلوقيين في زمن أنطيوخوس الرابع أحد ملوك السلوقيين (حكم 175-163 ق.م)، الذين حاولوا إجبار اليهود على التضحية وأكل الخنازير[25]. بحسب Michael Willett Newheart، أستاذ لغة وآداب العهد الجديد في كلية اللاهوت بجامعة هوارد، يربط مؤلف إنجيل مرقس قراءه باسم لجئون بالتشكيل العسكريّ الرومانيّ، الذي كان في المنطقة ذاتها في 70م تقريبًا[26]. وتاريخيًّا كان يُعد اللجئون (الفيلق) هو رمز للوجه القبيح للمحتل بالنسبة لكلّ فلسطينيّ، وقد كان يُرمز للجئون العاشر (Legio X Fretensis)[27] الذي تسبب في الكثير من التعب لشعب اليهود برمز الخنزير (شكل 2). هؤلاء الجنود
الإمبراطوريون كانوا السبب الرئيس لما حدث في منطقة اليهوديَّة في تمرد عام 6م، ومرّة أخرى أثناء مكافحة التمرد في الفترة من 68 إلى 70م، وكانوا مسؤولين أيضًا عن حصار متسادا، وبعد ذلك تمركزوا في أورشليم. وما يرد بعد ذلك في رواية الإنجيل يكشف بوضوح عن هذه الصورة السياسيَّة، إذ يتبع النصّ مصطلحات عسكريَّة الأخرى، حيث يقول في عدد 11 “قطيع كبير من الخنازير” وكلمة قطيع هذه ترد باليونانيَّة ἀγέλη، وهو مصطلح يشير عادةً إلى مجموعة من المجندين العسكريين. الإسقاط هنا واضح للغاية: فمن ناحية، كانت عبادة الخنازير شائعة بين الجنود الرومان، ومن ناحية أخرى، الخنازير نجسة بالنسبة لليهود[28].
نأتي لنقطة كورة الجدريين أو الجرجسيين، وسنستعين هنا بما أورده الباحث والمتخصص في دراسات العهد الجديد Witherington، فيقول:
“في العدد 5: 1 لدينا مشكلة نصّيَّة تستحق الانتباه الشديد. هل اسم المكان الذي زاره يسوع جراسا أو جدارا أو جرجسة؟ كانت جراسا مدينة في منطقة المدن العشر، ومن المحتمل أن تكون مرتبطة بمدينة جرش الحديثة، التي تقع على بعد سبعة وثلاثين ميلاً جنوب شرق بحيرة طبريا. من المؤكد أنَّ الخنازير لم تستطع الركض إلى البحر من هناك! لكن هل يقصد مرقس أنَّ يسوع كان في منطقة جراسا وليس في المدينة نفسها أو بالقرب منها؟ من ناحية أخرى، تقع جدارا على بعد خمسة أميال فقط جنوب شرق بحيرة الجليل وتمتد أراضيها إلى البحر نفسه. فيما يتعلق بنقد النصّ، من الواضح أنَّ النصّ السائد في موازاة إنجيل متّى كان جدارا، لكن هذا أقل تأكيدًا في نصّ مرقس، حيث يبدو أنَّ جراسا هي القراءة الأصليَّة.
من ناحية أخرى، يظهر لو 8:26 و37 في أقدم وأفضل مخطوطاته مشيرًا إلى جرجسة. ومع ذلك، فقد أصبح الأمر أكثر تعقيدًا بسبب حقيقة أن جدارا كانت عاصمة مقاطعة، لذا فإنَّ ما قصده المبشر الأوَّل كان “في منطقة الجدريين”…. قد يكون مناسبًا تعريف المكان بالقرب من مدينة كرسي Kursi الحديثة حيث يوجد منحدر شديد الانحدار يمتد حتَّى أربعين ياردة من البحر، وعلى بعد ميلين من ذلك توجد بعض مقابر الكهوف التي ربما كانت تستخدم كمساكن في وقت ما. تم وصف هذا الموقع من قبل العديد من العلماء على أنَّه المكان الأصلي لهذا الحدث وهو ما يُشار إليه جرجسة.
إذا كنا نتعامل مع ترجمة لأصل آراميّ، فمن السهل أن نرى كيف يمكن لجرجسة وجراسا وربما حتَّى جدرا جميعهم كانوا محاولات للترجمة عن الأصل الساميّ، خاصةً إذا كان لديهم شيء جذري مشترك مثل KRS أو GRS. ويستحق أوريجانوس أن يقتبس منه هنا: “فيما يتعلق بأسماء الأماكن الفلسطينيَّة، غالبًا ما تكون النسخ اليونانيَّة غير دقيقة، وقد يضلل المرء بسببها”[29]. يبدو أنه يعرّف الموقع على أنَّه جرجسة، والذي قد يكون هو نفسه مدينة كرسي الحديثة”[30].
وبالفعل بحسب شهادة العالم Witherington، توجد مدينة كرسي عند هضبة الجولان، حيث نرى موقع أثري لأنقاض دير بيزنطي يرجع للقرن الخامس، حيث يعد هذا الموقع تقليديًا- ها هو التقليد يظهر مرّة أخرى- أنَّه الموقع الذي أقام الرب يسوع فيه معجزة الخنازير[31].
توجد ملاحظة جيدة فيما يخص الاقتباس الذي أورده فضيلة الشيخ فيما يخص أنّه لا توجد بلدات أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة، فيقول الآتي:
“وعلى أية حال فإنه: «لا توجد أي بلدات أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة (الذي تنسب إليه القصة) لأن المرتفعات القريبة من المياه على ارتفاع الآف الأقدام»”[32].
وقد أشار إلى أنَّ اقتباسه هذا من كتاب للعالم Rademacher، وبالرجوع للنصّ الإنجليزيّ الأصلي نجد الاقتباس كاملًا كالآتي:
“تقع بلاد الجدريين على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا. تستخدم جرجسيين في مت 8: 28-34 وجدريين في لو 8: 26، 27 وهنا [في مر 5]؛ جرجسيين هو مجرد مصطلح مختلف ولكنه يشير إلى المكان نفسه. لا توجد مدن أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة لأن المنحدرات التي يبلغ ارتفاعها عدة آلاف من الأقدام ترتفع بالقرب من حافة المياه. تكون المنحدرات شديدة الانحدار أقل وضوحًا كلما اتجه المرء جنوبًا نحو جدارا، الواقعة على مرتفعات عدة آلاف من الأقدام فوق وادي الأردن”[33].
ومع مقارنة الاقتباسين نجد اختلافًا كبيرًا، إلى لا توجد عبارة “الذي تنسب إليه القصة”، والأسوء هو اقتطاع فضيلة الشيخ- كالعادة دائمًا- هذه الفقرة دون إيراد ما قبلها وبعدها؛ إذ باقتباس كامل للفقرة نجد الكلام لصالح النصّ الإنجيليّ وليس العكس كما يُظهر فضلية الشيخ.
وفي ختام هذه النقطة يقتبس فضيلة الشيخ من كتاب ستيفن ميلر عن تاريخ الكتاب المقدس، فيقول:
“ويشايعه ميلر فيقول: «رغم كون اسم مرقس موجودًا في عنوان الإنجيل في أقدم المخطوطات التي وصلتنا، فليس هناك ما يدل على أي مرقس هو المقصود، فاسم مرقس كان اسمًا شائعًا في القرن الأول»”[34].
من الواضح أنَّ الالتباس والتخبط في الاقتباسات هو من شيمة فضيلة الشيخ، فمع الرجوع للمرجع الذي يشير إليه هنداوي لا نجد ما يقوله في صفحة 176 بل هو في صفحة 72 من الطبعة نفسها التي أشار إليها الشيخ، يبدو أنَّ التوثيق كان به سهوًا من الشيخ أو على غير علم! نورد الاقتباس كاملًا هنا للفائدة وإيضاح الصورة:
“ولا أحد يعرف على وجه اليقين من كتب هذا الإنجيل رغم أن اسم مرقس موجود في عنوان الإنجيل في أقدم المخطوطات التي وصلتنا. ولي هناك ما يدل على أنَّ مرقس هو المقصود، فاسم مرقس كان اسمًا شائعًا في القرن الأول وبناء على تقليد قديم، كان الكاتب هو يوحنا مرقس الذي رافق بولس وبرنابا بعض الوقت، ثم ارتبط بالرسول بطرس الذي دعاه “مرقس ابني” (1بط 5: 13) أي ابنه بالمعنى الروحي، وبناء على ما ذكره بابياس، أحد أساقفة القرن الثاني (الذي يقتبسه يوسابيوس في القرن الرابع في كتابه تاريخ الكنيسة) كتب مرقس إنجيله على أساس ما علمه إياه بطرس. ومع أن هذا قد يبدو مبالغة، فالأرجح أن مرقس استخدم بعضًا مما تعلمه من بطرس في كتابة إنجيله”[35].
على الرغم من تحفظي على بداية الاقتباس، إلَّا أنَّ الكاتب يشير للتقليد أيضًا ويلمح في نهاية الاقتباس إلى استقلالية إنجيل مرقس بالأكثر عما يظهر من شهادة بابياس، فلماذا هذا الاقتطاع يا فضيلة الشيخ، هذا ليس من شيمة الأكاديمية في البحث.
بابياس وإنجيل مرقس
نأتي للأدلة الخارجيَّة، ولنا على فضيلة الشيخ هنداوي عتابٌ كبير سنأتي لذكره عند سرد شهادات الآباء. تأتي شهادات الآباء متنوعة، وكان أوَّل أب للكنيسة، بعد الرسل، يكتب عن مرقس هو ق. بابياس (60-130م)، أسقف هيرابوليس في فريجيا. فكتب يقول:
|
“وقال الشيخ (يوحنا): صار مرقس مترجمًا لبطرس كلما تذكر (بطرس) كتب (مرقس) بدقة كلّ ما قاله أو فعله الربّ وإن كان بغير ترتيب. كونه لم يسمع الربّ ولا تبعه لكنه جاء لاحقاً حيث قال (الشيخ) مشيرًا لبطرس الذي تعلم كلما دعت الحاجة. لكنه لم يكن يعلم وفقًا لترتيب أقوال الربّ. لذلك لم يخطئ مرقس عندما كتب ما تذكره. حيث حدد هدفًا واحدًا أن لا يترك شيئًا مما سمعه وإلا يشوه أيًّا من كلمات بطرس “[36]. |
και τούθ’ ό πρεσβύτερος ελεγεν Μάρκος μέν έρμηνεντής Πέτρον γενόμενος, όσα έμνημόνενσεν, ακριβώς εγραφεν, ού μέντοι τάζει, τά ύπό τού κνρίον ή λεχθέντα ή πραχθέντα ούτε γάρ ήκονσεν τού κνρίον ούτε παρηκολούθησεν αύτώ, ύστερον δέ, ώς έφην, Πέτρω, ός προς τάς χρείας έποιεΐτο τάς διδασκαλίας, άλλ’ ούχ ώσπερ σύνταξιν τών κνριακών ποιούμενος λογίων, ώστε ουδέν ήμαρτεν Μάρκος, ούτως ένια γράφας ώς άπεμνημόνενσεν ενός γάρ έποιήσατο πρόνοιαν, τού ρηδέν ών ήκονσεν παραλιπεΐν ή φεύσασθαί τι έν αύτοΐς. |
يقول العالم Jülicher أنَّه “في جميع الدلائل على المكان والزمان والظروف القريبة لتكوين الإنجيل، يمكننا على الأرجح أن نلاحظ الفرضيات القديمة فقط”[37].
إنَّ تقييم شذرات بابياس أمر صعب للغاية، على الرغم من أنَّ عدم إدراك هذا الأمر والعيب الخطير أثناء فحص الكثير من الاستخدام العلمي لما قاله بابياس. ما هو جدير بالملاحظة أنَّ معظم الباحثين يتعاملون مع بابياس فيما يخص السؤال حول مصداقيته. من الناحية المنهجية، يجب علينا أن نسأل أولاً عمّا يقوله بابياس قبل محاولة التقييم التاريخيّ.
عند تفسير شذرات بابياس، يجب أن نكون مدركين تمامًا للعديد من أوجه عدم اليقين التي تتعلق به. فمن هو المقصود بالشيخ πρεσβύτερος الذي تحدث عن مرقس وبطرس؟ وما الذي تشير إليه كلمة ترتيب σύνταξιν؟ وماذا عن مترجم أو مُفسر έρμηνεντής؟ من هو مرقس؟ لم يخبرنا سواء بابياس ولا يوسابيوس عن تلك الأمور، وكانت الكنيسة الأولى تميل إلى تعريفهم مع الأشخاص الذين يحملون نفس الاسم بحسب تقليد الكنيسة. وما المقصود بتعاليم διδασκαλίας بطرس التي كتبها مرقس بحسب ما تذكر ένια γράφας ώς άπεμνημόνενσεν؟ نحن لا نجرؤ على إهمال الآثار المترتبة على العديد من الاختلافات المتعلقة بتفسير بابياس. تقييم اقتباس بابياس إمَّا كمصدر موثوق به أو كمصدر غير جدير بالثقة يتبين أنَّ الحجة المؤسسة عليه هي تخمين على أساس تخمين لا أكثر.
يجب أن نتذكر أنَّ يوسابيوس يقتبس من بابياس، ولا يمكن التحقق من مدى وموثوقيَّة استشهاده هذا. ربما لم يغير يوسابيوس موقفه تجاه بابياس فقط عندما اقتبس منه فحسب[38]، ولكنه أعاد صياغة ما ورد عن بابياس بأهداف محددة، إذ يقول بابياس ما يريده يوسابيوس أن يقوله فقط. في سياق التاريخ الكنسيّ ليوسابيوس، تعتبر ملاحظات بابياس جزءًا من النقاش حول الكتابات المعترف بها منذ القِدم (HE 3.3.3). الحافز المهم هو الخلافة الرسوليَّة (τας των ιερων απστολων διαδοχας، HE 1.1.1)، الخط المتواصل الذي يحرس تعاليم الرسل. كان لدى يوسابيوس آراء واضحة ومصلحة ذاتية قوية وجهت نتائج “تحقيقاته” حول هذه الأشياء. أو كما يقول العالم Orchard “بالنسبة للباحث المعاصر، من المدهش إلى حدٍ ما، وحتّى الصادم بعض الشيء، رؤية الطريقة التي يستخدم بها يوسابيوس تاريخه الكنسيّ كوسيلة للترويج لوجهة نظره الخاصّة”[39].
فقد كتب بابياس كتبه في وقت مبكر، في السنة الأولى أو الثانية من القرن الثاني[40]، كواحد من قادة الكنيسة المهمين في ذلك الوقت. أشار بعض هؤلاء الأشخاص البارزين في الوسط الغربي إلى أنَّ بطرس هو المرجع الأساسي الذي يقف وراء إنجيل مرقس. ومع ذلك، يجب الاعتراف: “بدون ملاحظة بابياس، لم يكن أحد سيربط إنجيلنا بشكلٍ وثيق مع بطرس”[41].
إذًا شهادة بابياس لا يمكن إقامة حجة قوية عليها إذ هي تعبير عن فكر يوسابيوس القيصريّ وتاريخه الذي كتبه، وعلى رغم من فائدته إلَّا أنَّ أيّ باحث واعٍ يعرف أنَّه لا يمكن إقامة حجة قوية عليه إلَّا بشهادات أخرى.
شهادة يوستينوس الشهيد
نأتي للشهادة التالية بحسب فضيلة الشيخ وهي شهادة يوستينوس الشهيد حيث يقول:
“وكذلك الحال عينه مع يوستينوس الشهيد فقد ذكر هذا الإنجيل تحت عنوان «مذكرات بطرس» فقال: «قيل: إنه غير اسم أحد رسله إلى بطرس، وهذا الحدث مدون في مذكراته»”[42].
الغريب أن فضيلة الشيخ يورد اقتباسه هذا دون مرجع، مما يدعو إلى الشك في اقتباسه هذا، ولنرجع لنصّ القديس يوستينوس الذي ورد فيه هذا الأمر، وهو حواره مع تريفون اليهوديّ، إذ قد ورد في فصلين، فيقول:
|
“لأن [المسيح] دعا أحد تلاميذه- المعروف سابقًا سمعان- بطرس؛ عندما عرف أنَّه المسيح ابن الله، بإعلان أبيه، وبما أنه مكتوب في مذكرات رسله [أي الأناجيل] أنَّه هو ابن الله، وبما أننا ندعوه الابن، فإننا نفهم أنَّه هو بالحقيقة الذي خرج مِن عند الآب قبل كلّ الخليقة بقوته وإرادته..”. |
“For [Christ] called one of His disciples— previously known by the name of Simon — Peter; since he recognised Him to be Christ the Son of God, by the revelation of His Father: and since we find it recorded in the memoirs of His apostles that He is the Son of God, and since we call Him the Son, we have understood that He proceeded before all creatures from the Father by His power and will…” (Chapter 100)[43]. |
|
“وعندما قيل إنَّه غيَّر اسم أحد الرسل إلى بطرس؛ وعندما ورد في مذكراته أنَّ هذا قد حدث، وكذلك أنَّه قام بتغيير اسم شقيقين آخرين، ابني زبدي، إلى بوانرجس الذي يعني ابني الرعد”. |
“And when it is said that He changed the name of one of the apostles to Peter; and when it is written in the memoirs of Him (kaˆ gegr£fqai ™n to‹j ¢pomnhmoneÚmasin aÙtoà) that this so happened, as well as that He changed the names of other two brothers, the sons of Zebedee, to Boanerges which means sons of thunder” (Chapter 106)[44]. |
من خلال المقارنة بين الاقتباسين المشار للقديس بطرس فيهما، نستطيع فهم المقصود بما ورد في الفصل (106) من حواره مع تريفون، والذي ورد في النصّ الإنجليزيّ بعبارة “the memoirs of Him” وبالعربيَّة “في مذكراته” والضمير هنا يعود على السيد المسيح وليس على القديس بطرس، وما يثبت هذا هو الضمير الذي يقع في بداية الاقتباس إذ يقول: “عندما قيل إنَّه.. And when it is said that He” نلاحظ أنَّ النص الإنجليزي يكتب الضمير بالحرف الكبير وليس الصغير كما هو معتاد، وذلك إشارة إلى أنَّ الضمير يعود على الربّ يسوع، وبالمثل في عبارة “في مذكراته”، فكيف يفترض فضيلة الشيخ أنَّ هذا الكلام عن مذكرات بطرس!
شهادة القديس إيريناؤس
نأتي هنا للشهادة الأكثر غرابة وهي شهادة القديس إيريناؤس، والتي ينقلها لنا عن يوسابيوس القيصري فيقول:
“وشهادة إيريناؤس ينقلها لنا يوسابيوس القيصري كذلك فيقول: «أما مرقس فقد أصبح ناقلًا لبطرس، كتب بدقة كل ما كان يذكر، لكنه لم يرتب ما قاله الرب أو ما عمله، فهو لم يسمع من الرب ولم يتبعه، لكنه لاحقًا، كما يقول، تبع بطرس وتتلمذ على يديه دون أن يقصد بأن يجعل أحاديث يسوع مرتبطة ببعضها»”[45].
وقد أورد هنداوي في حاشيته بخصوص هذا الاقتباس مرجع: “يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة صـ146″، ويشير له في مسرد المراجع بنهاية الكتاب أنَّها نسخة القمص مرقس داود طبعة المحبة، ولكن رجعنا لهذا المرجع الهام وبحسب ترقيم الصفحة التي يشير لها فضيلة الشيخ، لم نجد ما ذكره ولكن وجدنا شهادة القديس إيريناؤس في الفصل الثامن من الكتاب الخامس بصفحة 253 بنسخة القمص مرقس داود طبعة المحبة، والتي يقول فيها:
“ولقد نشر متى انجيله بين العبرانيين بلغتهم، اذ كان بطرس وبولس يكرزان ويؤسسان الكنيسة في روما. وبعد ارتحالهما نقل إلينا مرقس- تلميذ بطرس ولسان حاله- كتابة تلك الأمور التي كرز بها بطرس. ودون لوقا- الذي كان ملازمًا لبولس- في كتابة الإنجيل الذي أعلنه بولس”[46].
وبحسب مرجع آخر أشار له فضيلة الشيخ لاحقًا وهو للعالم Grabe، حيث قال مقتبسًا عن تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصريّ[47]:
|
“ذهب متّى شرقًا إلى المنحدرين من أصل عبراني وكرز لهم بلغتهم، ووهي اللغة التي كتب بها الإنجيل، بينما اتجه بطرس وبولس غربًا وبشرا وأسسا الكنيسة في روما. ولكن بعد رحيلهما ([exodon]. وبحسب روفينوس “exitum”) مرقس، التلميذ والمفسر ([hermeneutes]) لبطرس، سلمنا الأشياء التي بشر بها بطرس مكتوبة”. |
“Matthew went eastward to those of Hebrew descent and preached to them in their own tongue, in which language he also (had?) published a writing of the gospel, while Peter and Paul went westward and preached and founded the church in Rome. But after the departure ([exodon]. “exitum” in Rufinus) of them, Mark, the disciple and interpreter ([hermeneutes]) of Peter, even he has delivered to us in writing the things which were preached by Peter”. |
وفي كلا الاقتباسين لا نرى ما أورده فضيلة الشيخ من كلمات “لكنه لم يرتب ما قاله الرب أو ما عمله، فهو لم يسمع من الرب ولم يتبعه“، فكيف هذا، هل يمكن أن تبني حجتك تلك على كلام لا أساس له من الصحة سواء فيما أشرت له من مرجع، أو ما أتينا به من اقتباس مباشر من أحد المراجع الأجنبيَّة التي أشرت لها لاحقًا في كتابك هذا، يا للعجب!
فحص النقاط الثلاث
نأتي لنقاطه الثلاث في التعليق على الشهادات التسعة، وسنعلق عليها نقطة نقطة، يقول فضيلة الشيخ في النقطة الأولى:
“في جميعها اتفاق على تبعية مرقس لبطرس وأنه مدون مذكراته، على خلاف فيها: هل كتبها بإذن بطرس في حياته أو بعد وفاته، وهل شجعه على الكتابة أم لا؟”[48].
يا فضيلة الشيخ تبعية القديس مرقس للقديس بطرس هي مثل تبعية للقديس بولس وكتبعيته لجميع تلاميذ الرب يسوع- حتَّى لو كان له علاقة خاصّة مع القديس بطرس- التبعية في فكر الكنيسة وتقليدها تأتي تحت مفهوم التلمذة، أي تلك العلاقة القائمة على رعاية وإرشاد من هم متقدمين في كنيسة الله، وليس بمعنى ولاء أعمى كعبد وسيد.
النقطة الثانية:
“في ثلاثة منها أن مرقس لم ير الرب (المسيح) ولا اتبعه، وهي شهادة كل من بابياس وإيريناؤس وجيروم، وشهادة (بابياس وإيريناؤس) هما أقدم شهادتين بحسب التقليد، ثم شهادة ثالثة متأخرة وهي شهادة جيروم ومن ثمَ فلا يتأتى أن يكون مرقس من الرسل السبعين الذين أرسلهم المسيح”[49].
من خلال فحصنا لتلك الشهادات تكلمنا عن عدم إمكانيَّة الأخذ بشهادة بابياس بتلك الدرجة من الثقة بشهادة العديد من العلماء والباحثين المتخصصين، وفيما يخص شهادة إيريناؤس أوردنا تلك الشهادة وعرفنا أنَّ تلك العبارة السلبيَّة عن أنَّ مرقس لم ير الرب ولا اتبعه لم ترد حقيقةً في كلٍّ من يوسابيوس القيصري أو نص القديس إيريناؤس مباشرة، نأتي إذًا لشهادة جيروم التي يقول عنها فضيلة الشيخ أنها شهادة متأخرة، وهي بذلك شهادة وحيدة لا يمكن الاعتداد بها، إذ لا دليل يقاس على برهان أحادي ومتأخر أيضًا!
النقطة الثالثة هي:
“والشهادات الستة الباقية لا ذكر فيها لرؤية مرقس للرب ولا لسماعه منه”[50].
يا فضيلة الشيخ أيمكن أن نقيم دليلًا على غياب الشهادات، وهي إحدى المغالطات المنطقيَّة والتي تسمى (الحجة بالصمت Argument from silence)، وهي طريقة عقيمة تدل على فقر الباحث وضعف حجته، بل بالأكثر تسترسل وتصف الكنيسة بأنَّ تقليدها عن مرقس هو بدون أب تتكئ عليه وترد الأمر إليه. يا فضيلة الشيخ تقليد الكنيسة ليس مجرد عبارات وكلمات مكتوبة مع إسناد العنعنة، تقليد الكنيسة يمتد في حياتها وتاريخها وروحها وصلواتها، وهو ما سنأتي على ذكره في الفصل الثاني الخاص بالتقليد.
[1] محمد هنداوي الأزهريّ، نقد التقليد الكنسيّ، الكنيسة المصريَّة أنموذجًا، نشر دار اللؤلؤة، الطبعة الأولى 2021، ص 8.
[2] إيريل كيرينز، المسيحية عبر العصور، تاريخ الكنيسة المسيحية في العشرين قرن، ترجمة عاطف سامي، نشر دار رسالتنا، طبعة أولى 2021، ص 214.
[3] هنداوي، مرجع سابق، ص 8-9.
[4] للمزيد انظر أثناسيوس المقاريّ (الراهب)، معجم المصطلحات الكنسيّة الجزء الثاني، طبعة أولى يوليو 2002، ص 108-110.
[5] هنداوي، مرجع سابق، ص 10.
[6] تادرس يعقوب ملطي (القمص)، قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسيَّة، نسخة أليكتورنيَّة.
[7] هنداوي، مرجع سابق، ص 11.
[8] توماس سي. أودين، القديس مرقس في الذاكرة الإفريقية: إعادة تأصيل تقليد الكنيسة المُبكر عن القديس مرقس، ترجمة: نيكلس نسيم سلامة – مينا فؤاد، نشر دار النشر الأسقفية، طبعة أولى 2017، ص 24.
[9] يشرح لنا توماس أودين معنى الذاكرة الأفريقية فيقول: “ما الذي أقصده بعبارة “الذاكرة الإفريقيّة”؟ إنَّها طريقة ذات طابع مميز من النظر إلى التاريخ من خلال أساس الخبرة والمنظور الخاصين بقارة إفريقيا. وكلمة ذاكرة لا تُشير هنا إلى الذاكرة الإفريقيّة “المعاصرة” وحدها، بل إلى أسلوب تَذَكُّر يعود تاريخه الطويل إلى ألفي سنة. وهو أسلوب لا ينسى لأنه يشتمل على تقليد طويل الأمد من الحيويّة الفكريّة. وقد أنجب هذا التقليد ثمارًا أدبيّة ممتدة على مدى قرون كثيرة”. للمزيد انظر
توماس سي. أودين، المرجع السابق، ص 31-44.
[10] من أجل مناقشات حديثة تتعلق بمسائل فنيات إنجيل مرقس، انظر كتاب
Ernest E. Best, The Gospel as Story (Edinburgh: T & T Clark, 1983); John R. Donahue and Daniel J. Harrington, The Gospel of Mark (Collegeville, Minn.: Liturgical, 2002); W. R. Telford, The Theology of the Gospel of Mark, New Testament Theology (Cambridge: Cambridge University Press, 1999); Ben Witherington III, The Gospel of Mark: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids: Eerdmans, 2001).
[11] هنداوي، مرجع سابق، ص 14-15. وبحسب استشهاد هنداوي يُحيل الاقتباس الوارد إلى جون درين، يسوع والأناجيل الأربعة ترجمة نكلس نسيم سلامة ص 249، ط. دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999م.
[12] جون درين، يسوع والأناجيل الأربعة، ترجمة نكلس نسيم سلامة، نشر دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999م، ص 249.
[13] B. Witherington III, The Gospel of Mark: A socio-rhetorical commentary, Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing 2001.
[14] Ibid.
[15] “فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ، قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ”.
[16] Darrell L. Bock, Jewish Expressions in Mark 14. 61-62 and the Authenticity of the Jewish Examination of Jesus, Journal of the Study of Historical Jesus, 1.2 (2003), p. 147-159
وترجم المقال في: أندرو وهيب، موريس وهيب، التعبيرات اليهودية في إنجيل مرقس 61:14-62، مجلة مدرسة الإسكندرية، العدد السادس والعشرون، السنة الحادية عشر العدد الأول أبريل 2019م، ص 113-132.
[17] هنداوي، مرجع سابق، 17.
[18] اعتمدنا الرد على هذه الإشكالية على ما أورده الراهب نوح الأنبا بيشوي في مقال أليكتروني بتاريخ 16 يوليو 2021، على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، رابط المقال:
https://tinyurl.com/4bb6f75j
[19] بحسب قاموس Strong، تحت كلمة horion أو ὅριον، انظر الرابط التالي:
https://biblehub.com/greek/3725.htm
[20] هنداوي، مرجع سابق، ص 18.
[21] اعتمدنا بشكل أساسي على موقع https://biblehub.com.
[22] Bruce M Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament (Ancient Greek Edition), United Bible Societies (third edition), p. 95-96.
[23] هنداوي، مرجع سابق، 18-19.
[24] J. Adna, “The Encounter of Jesus with the Gerasene Demoniac,” in Authenticating the Activities of Jesus, ed. B. Chilton and C. A. Evans (Leiden: Brill, 1999), pp. 279–301.
[25] B. Witherington III, op. cit., for Mark 5:1-20.
[26] Michael Willett Newheart, My Name is Legion: The Story and Soul of the Gerasene Demoniac, Collegeville, MN: Liturgical Press 2004, p. 44-45.
[27] فيما يخص هذا الفيلق انظر:
https://www.livius.org/articles/legion/legio-x-fretensis/?
[28] فيما يخص المزيد عن هذا الأمر انظر
Michael Willett Newheart, op. cit.
[29] ورد على هذا في تعليق أوريجانوس على يوحنا 6: 24 كما هو مقتبس في
-
C. Oden and C. A. Hall, eds., Mark, vol. 2 of The Ancient Christian Commentary on Scripture (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 1998), p. 67.
يمضي أوريجانوس ليضيف رأيه بأنَّ النصّ الأصلي يشير إلى جرجسة، وهي قرية بالقرب من بحيرة طبريا وكان لها تلة مثل تلك الموصوفة في القصّة. ويشير إلى أنَّ اسم تلك القرية يعني “سكن الشخص الذي يخرج” ويقترح أنَّ المدينة ربما سميت بهذا الاسم نبويًّا، أو على الأرجح، أخذت مثل هذا الاسم بعد هذا الحادث، وفي هذه الحالة كان لها اسم آخر قبل ذلك الحين.
[30] B. Witherington III, op. cit., for Mark 5:1-20.
[31] للمزيد انظر
https://en.wikipedia.org/wiki/Kursi,_Sea_of_Galilee
[32] هنداوي، مرجع سابق، ص 20.
[33] Thomas Nelson, Earl D. Radmacher, Nelson’s New Illustrated Bible Commentary: Spreading the Light of God’s Word into Your Life, Thomas Nelson Publishers 1999, Mark 5:1.
[34] هنداوي، مرجع سابق، ص 21.
[35] ستيفن م. ميلر، تاريخ الكتاب المقدس منذ عهد التكوين وحتى اليوم، ترجمة وليم وهبه، وجدي وهبه، نشر دار الثقافة، طبعة أولى 2008، ص 72.
[36] Fragments of Papias, from Eusebius CH 3.39.
[37] A. Jülicher, ’Marcus im NT’, in RE, XII, pp. 288-97 (290).
[38] للمزيد انظر
R.M. Grant, ‘Papias in Eusebius’ Church History’, in A. Bareau (ed.), Melanges d’histoire des religions offerts a Henri-Charles Puech (Paris: Universitaires de France, 1974), pp. 209-13.
[39] J.B. Orchard, ’Some Guidelines for the Interpretation of Eusebius’ Hist. Eccl. 3.34-39’, in W.C. Weinrich (ed.), The New Testament Age: Essays in Honor of Bo Reicke (Macon, GA: Mercer University Press, 1984), pp. 393-403 (399).
[40] وهو ما كان محقًا فيه يوسابيوس، للمزيد انظر
R.W. Yarborough, ‘The Date of Papias: A Reassessment’, JETS 26 (1983), pp. 181-91; U.H.J. Kortner, Papias von Hierapolis: Ein Beitrag zur Geschichte des frühen Christentums (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1983), pp. 225-26.
[41] Julicher, ’Marcus’, p. 294.
[42] هنداوي، مرجع سابق، ص 26.
[43] https://www.newadvent.org/fathers/01287.htm
[44] Ibid.
[45] هنداوي، مرجع سابق، ص 26.
[46] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، تعريب القمص مرقس داود، نشر مكتبة المحبة، ص 253.
[47] James Orr General, The International Standard Bible Encyclopedia, Vol 7, the Gospel according to Mark, 5.1.
[48] هنداوي، مرجع سابق، ص 28.
[49] المرجع السابق.
[50] المرجع السابق.
