عمر المسيح 50 سنة – هل قال إيريناؤس هذا؟ – الأخ إغريغوريوس
عمر المسيح 50 سنة – هل قال إيريناؤس هذا؟ – الأخ إغريغوريوس
النص الإنجليزي من كتاب ضد الهرطقات
“They, however, that they may establish their false opinion regarding that which is written, ‘To proclaim the acceptable year of the Lord,’ maintain that He preached for one year only, and then suffered in the twelfth month. They are deceived, not understanding the account of what took place. For the Lord came to be baptized, not when He was a child, but when He was already thirty years old, and then He came to Jerusalem, so that He might be properly acknowledged by all, and that He might fulfill the time of teaching, as the Gospel of Luke testifies. Now, Jesus was not only thirty years old when He fulfilled the office of a Teacher, but He was of the age between thirty and forty and even up to nearly fifty years of age, as He still taught, as the Gospel and all the elders testify…”
المرجع:
Against Heresies 2.22.6
الترجمة اللاتينية
“Non autem tantum triginta annorum erat Dominus, cum magistri haberet aetatem, sed et quadraginta annorum fere existens docebat, quemadmodum et omnes seniores testantur, qui in Asia apud Iohannem discipulum Domini convenerunt, testificantes quoniam Iohannes tradidit eis, haec enim causa Dominus multum maior triginta annis apparuit, ut magistri haberet aetatem, non autem ut qui nondum habet eam.”
الترجمة الإنجليزية (Robert M. Grant, public domain):
“But Jesus was not only thirty years old when He exercised the functions of a teacher, but He was also about forty years old, as the elders testify who were conversant with John the disciple of the Lord… the Lord appeared to them not as a young man, but as one advanced in years, as one who had attained the age of a teacher.”
يقول ايرناؤس:
“باختصار الكلام والحديث: لم يكن يسوع فقط ابن ثلاثين سنة عندما بدأ التعليم، بل كان في سن يتراوح بين الثلاثين إلى الأربعين، بل وحتى قريب من الخمسين، لأنه ظلّ يعلّم، كما يشهد الإنجيل وكل الشيوخ…”
فهذا اجتهاد غير ملزم وغير مبني علي موثوقية بل راي اجتهادي منه. إيريناؤس قال إنه ينقل من “شيوخ من آسيا الذين عرفوا يوحنا الرسول”، لكنه:
لا يذكر أسماءهم (مجرد “presbyters”)،
لا يوجد أي مصدر آبائي آخر يقول بعمر 50 سنة،
بينما التقليد الكنسي المبكر (يوستينوس، ترتليان، أوريجانوس…) يقولون إن المسيح مات بين 33–35 سنة.
من اين استنتج هذا الراي؟
استنتج هذا من النص الوارد في يوحنا 8: 57 “ليس لك خمسون سنة بعد، وقد رأيت إبراهيم؟ “
وهذا كان استهزاء من اليهود فهم لم يعلموا سنة بل قالوا ان ليس لك خمسون سنة بعد. استنتاج منهم ولكن انجيل لوقا 23: 3 يقول ان يسوع ابتدأ خدمته في سن الثلاثين. ولكنه استنتج هو من هذا النص ان مظهر يسوع لديهم قد يكون بالقرب من الخمسين. والباحثون اليوم يتفقون أن ما قاله إيريناؤس ليس تصريحًا تاريخيًا دقيقًا، بل تصريح رمزي دفاعي ضد الغنوصية. فيمكن اعتماد راية افتراض لاهوتي مبني على ظاهر نص، مش تقرير تاريخي دقيق فكان يريد ان يؤكد ان المسيح مر بالمراحل السنية من الطفولة الي النضوج أي انها مر بكل المراحل العمرية كرد علي الغنوصية التي قالت ان يسوع عاش سنة واحدة.
القديس يوستينوس الشهيد (Justinus Martyr)
المرجع: الحوار مع تريفو اليهودي (Dialogue with Trypho), فصل 100
“For He began to be a teacher when He was thirty years old, as Luke has declared; and He was crucified when He was thirty-three years old.”
الترجمة:
“لقد بدأ يسوع تعليمه عندما كان عمره ثلاثين عامًا، كما أعلن لوقا، وصُلب وهو في الثالثة والثلاثين.”
القديس إكليمندس الإسكندري (Clement of Alexandria)
المرجع: الستروماتا Stromata, Book I, Chapter 21
“Our Lord was born in the 28th year before the death of Augustus, and He suffered in the 15th year of Tiberius Caesar… so that He completed His life in the 33rd year.”
الترجمة:
“ولد ربنا قبل وفاة أوغسطس بـ 28 سنة، وتألم في السنة الخامسة عشرة لطِيباريوس قيصر… وبالتالي أكمل حياته في السنة الثالثة والثلاثين.”
أوريجانوس (Origen)
المرجع: ضد كلسس (Against Celsus), Book 2, Chapter 10
“Jesus taught for three years and was crucified in the thirty-third year of His life.”
الترجمة:
“علَّم يسوع لمدة ثلاث سنوات وصُلب في السنة الثالثة والثلاثين من عمره.”
هيبوليتوس الرومي (Hippolytus of Rome)
المرجع: عن دانيال (Commentary on Daniel), Book 4, Section 23
“For the Lord was born in the 42nd year of Augustus, and suffered in the 33rd year of His life.”
الترجمة:
“لقد وُلِد الرب في السنة الثانية والأربعين لأغسطس، وتألم في سن الثالثة والثلاثين من عمره.”
القديس أمبروسيوس (Ambrose of Milan)
المرجع: Exposition of the Gospel of Luke, Book 2, Section 56
“He began His work at thirty years of age, and accomplished the work of redemption by the time He was thirty-three.”
الترجمة:
“بدأ عمله في سن الثلاثين، وأكمل عمل الفداء عندما بلغ الثالثة والثلاثين.”
عمر المسيح 50 سنة – هل قال إيريناؤس هذا؟ – الأخ إغريغوريوس
يبدأ فضيلة الشيخ الفصل بعنوان الليتورجيا كمصدر من مصادر التقليد دون أن يُعرِّف كلمة ليتورجيا في الأصل وتطور استخدامها. فكلمة ليتورجيَّا λειτουργία تعني «عمل الشعب»، فالكلمة مُكونة من مقطعين هما «λαός أي شعب»، «έργον أي عمل»، وحرفيًّا هو العمل الذي يقوم به الشعب، أو شركة الشعب في العبادة، سواء ما يتعلق بالصلوات اليوميَّة أو المزامير، ودورة الاحتفالات وطقوس ومراسيم الأعياد المُتعلقة إمَّا بالله أو حياة الربّ يسوع أو القديسين.
ويذكر الشيخ أنَّ:
“الصلوات الطقسية مصدر من مصادر التقليد…. وهي قابلة للتطوير وفق ما يستجد من تعليم كشجب هرطقة أو تعداد مفاهيم“[1].
وفي هذ نقول إننا لا ننكر تطور الطقوس والصلوات الليتورجيا بحسب ظروف وحاجة الكنيسة ولكن هذه النصوص فُحصت على مر العصور واقتبلت إضافات أو حذف منذ نشأتها وحتَّى اليوم[2]، يبدو أنَّ القصّة الحقيقيَّة لتطوُّر العبادة المسيحيَّة هي الانتقال من الاختلافات الكبيرة حول عناصر أساسيَّة إلى دمج وتوحيد مُتزايد للتقاليد المحليَّة. ويمكن أن نرى بدايات هذا التوجُّه (نحو التوحيد) في القرن الثاني الميلادي، ولكن التطوُّر اكتسب زخمًا أكبر بكثير في القرن الرابع، حيث توسّعت الكنيسة، ومع تزايُد التواصل- وبالتالي الوعي بالاختلافات- بين مُختلف المراكز المحليَّة، وقبل كلّ شيءكما حاولت المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة تعريف نفسها ضدّ ما كان يُنظر إليها على أنّها حركات هرطوقيَّة؛ لأنه في مثل هذه الحالة، فإنَّ أيّ ميل للاستمرار فيما يبدو أنّه طقوس خاصّة قد فُسرت على الأرجح كعلامة على الهرطقة[3].
ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري
ولم يكلف الكاتب نفسه عناء البحث في الكتاب الذي يقتبس منه جزء مصادر الليتورجيا وينظر إلى نهاية الفصل الذي يسبقه ويقرأ كيف شرح الأسقف يوحنا يازجي تطور تاريخ الليتورجيا كفرع لاهوتيّ، أي نشأة هذا العلم وتطوره مع الزمن[4].
وعندما تحدث الكاتب عن مصادر الليتورجيا مقتبسًا من الأسقف يوحنا يازجي من فصل المصادر الليتورجيا ذكر مباشرة الكتاب المقدس ولم يذكر الديانات غير المسيحيَّة، لا أعلم السبب ولكنه أسقطها، إذ أنَّ المسيحيَّة لم تأت ماحية لما قبلها بل صارت مَسحنة كلّ ما حولها هو نوع من تجديد الخليقة بكلّ ما فيها من سياق إنسانيّ.
ثم ذكر الكاتب:
“المجموعات القانونية الليتورجية والتي تحمل أسماء الرسل ومنها التقليد الرسولي، وقوانين هيبوليتوس القبطية، والديداخي“[5].
وفي الحقيقة تُشكِّل قوانين الكنيسة القديمة واحدة من أروع أنواع الأدب المسيحيّ المُبكِّر، وتزعم أنها تُقدِّم قوانين «رسوليَّة» موثوقة بشأن مسائل السلوك الأخلاقيّ، والمُمارَسَة الليتورجية، والتهذيب والتنظيم الكنسيّ. فما تقوله هذه النصوص الرسوليَّة المنحولة فيما يتعلق بالعصر الرسوليّ نفسه قد لا يكون ذات أهمّيّة كبيرة، لكنها من المُحتمل أن تكون مصادر إرشاديَّة قديمة لفكر وممارسات الفترات التي تكونت فيها تلك النصوص.
وكما ذكر الكاتب في الحاشية يمكن النظر إلى الدراسة المنشورة في كتاب أصول العبادة المسيحيَّة[6]، لمعرفة أصول القوانين والدراسات التي جرت عليها وكيف يمكن التعامل معها والاستفادة منها.
ثم ينتقل الكاتب إلى ذكر الكتب الطقسيَّة المستخدمة في الكنيسة المصريَّة وبعد أن أنهاها كتب قائلًا:
“وبعيدًا عما تحويه هذه الكتب من تعاليم تتفق والكتاب المقدس أو تخالفه، وبعيدًا كذلك عن أصالة ما فيها من طقوس وثنية مُسّحت”[7].
ولكنه لم يذكر أيّ مثال من هذه الكتب ما يخالف تعاليم الكتاب المقدس، فكيف للخولاجي المقدس أن يخالف تعاليم الكتاب المقدس ونستطيع أن نقرأ في نسخة القمص عبد المسيح مسعودي الإشارات الكتابيَّة غالبًا لكلّ جملة من القداس. وهكذا أيضًا في الأبصلموديَّة المقدسة. وكيف نقول إنَّ كتب القطماروس بكلّ مواسمه يخالف تعاليم الكتاب المقدس وهو عبارة عن مقاطع من الأسفار الكتابيَّة؟
ويتعجب الكاتب من الطقوس والشعائر الوثنيَّة التي مُسِّحت، وأنا لا استغرب من ذلك لأنه لم يستوعب أنَّ المسيحيَّة لم تطمس أيّ هوية للبلاد التي انتشرت فيها بل كان تضفى صبغة مسيحيَّة على الطقوس هناك وتستوعب ما يمكن استيعابه، وذلك نراه واضح كلّ الوضوح عندما أشار بولس الرسول إلى مذبح لإله مجهول في (أع 17: 23) وجعله مدخلًا ليبشر باسم المسيح في هذه البلاد. وهكذا انتشرت المسيحيَّة في العالم وأحيانًا استُبدِلت مواعيد الاحتفالات الوثنيَّة باحتفالات وأعياد مسيحيَّة حتَّى لا يعود ويشترك المؤمنون مع الوثنيون.
قانون الإيمان
ويتسائل الكاتب:
“هل كانت الليتورجيا في وقت ما حاسمة خلافًا.. أوهل التجأ أحد إليها لتعضيد عقيدة أو دفع هرطقة؟ أم أنها تتطور بتطور الهرطقات.. وتُحدَّث بما تمليه عليها الوقائع والمستجدات“[8].
واعتقد أنَّ هذا السؤال استنكاري ليثبت حجته بأنَّ الليتوجيا تتطور فقط ولم تكن حاسمة في أيّ خلاف كنسيّ. ولكن الحقيقة غير ذلك إذ أنَّ الليتورجيا والتشريعات القانونيَّة المبكّرة كان حاسمة في بعض الخلافات.
عندما نناقش أوَّل مجمع كنسيّ وهو مجمع نيقية 325م يعتقد البعض أنَّ قانون الإيمان قد كُتب خلال المجمع ولكن الحقيقة غير ذلك، فقبل مجمع نيقية لم يكن تعبير “قاعدة الإيمان” يُستخدم بطريقة حرة ومقيدة بالعقيدة فحسب، بل بالطقس أيضًا ولذلك يقول بوليكراتس أسقف أفسس عندما تحدث عن عيد الفصح بأنَّه “حسب قاعدة الإيمان“[9]. ويخبرنا يوسابيوس القيصري عن قاعدة الإيمان عندما يتحدث عن مخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، فيقول:
“وطرحوا جانبًا قاعدة الإيمان القديم، ولم يعرفوا المسيح، وهم لا يحاولون معرفة ما تعلنه الأسفار الإلهيَّة”[10].
وفي الإسكندريَّة يعدد القديس كليمندس الإسكندريّ خواص قانون الإيمان: “إنَّ الإيمان له قاعدة، وإنَّ هذه القاعدة هي قانون الإيمان أو القانون الكنسيّ أو قاعدة الحقّ والتسليم”[11]. وعند ترتليان قاعدة الإيمان هي بنود الإيمان، وترتليان يؤكد على أنَّ قاعدة الإيمان هي “من الرسل وحتَّى بولس الرسول بعد اهتدائه صعد إلى أورشليم لكي يقارن قاعدة إنجيله، أي كرازته بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل”[12]، ويقول أيضًا: “وقاعدة الإيمان هي التي بموجبها يتم فرز الهرطقات والهراطقة”[13].
ومن المصادر الليتورجية المستخدمة في ليتورجية المعمودية في الكنيسة القبطيَّة والمعروف في علم الليتورجيات باسم قانون دير البلايزة، ونصه هو:
اعترف بإله واحد الله الآب ضابط الكلّ وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا وبالروح القدس المحيى وبقيامة الجسد وبالكنيسة الواحدة الجامعة الرسوليَّة.
حيث يقوم الكاهن بترديد هذا النصّ أمام الإشبين ثم يسأله ثلاث مرَّات قائلاً: “آمنت عن هذا الطفل؟” فيجاوبه ثلاث مرَّات قائلاً: “آمنت”[14].
وإذ بدأت الهرطقات في الانتشار، لم يعد قانون الإيمان خاصًا بطالبي العماد، إنما تم تأكيده في مجمع نيقية للاستخدام في العبادة الليتورجية. وبدأت المجامع تضع قانون الإيمان وتوحده لمواجهة الهرطقات. فكما رأينا أنَّ بذرة قانون أو قاعدة الإيمان موجودة قبل المجمع وقبل ظهور الهرطقة وتم تأكيده واستخدامه لمواجهة البدع والهرطقات.
إكرام العذراء مريم في الكنيسة المبكرة
إكرام العذراء مريم في الكنيسة المبكرة
وقد سأل الكاتب السؤال أعلاه لأنه اعتمد عليه في المطلب الثاني: الليتورجيا والعقيدة والتطور (الثيئوتوكيات ومجمع أفسس نموذجًا)[15]. وحاول أن يثبت أنَّ تكريم العذراء ظهر في الكنيسة بعد ظهور الهرطقة النسطوريَّة وبعد انعقاد مجمع أفسس وحاول الاستعانة بنصوص مقتطعة من سياقها من تفسيرات الآباء لأسفار الكتاب المقدس ليثبت أنهم لم يكرموا العذراء مريم، وأن تكريمها لم يظهر إلَّا بعد مجمع أفسس[16].
وقد أخذ الكاتب الثيؤطوكيات نموذجًا واستشهد بالدراسات الحديثة التي تثبت أنَّ الثيؤطوكيات قد صيغت في العقود التالية لمجمع أفسس، ولكن هل إكرام العذراء مريم لم يكن موجود في الكنيسة كما يدعي؟
إنَّ إكرام العذراء مريم في الكنيسة بدء مبكرًا جدًا منذ القرون الأولى، على سبيل المثال يظن البعض أنَّ مصطلح ثيؤطوكوس قد صِيغ في مجمع أفسس ولكن الحقيقة غير ذلك. “هذا المصطلح يظهر أول مرة في آباء ما قبل نيقية الذين كتبوا في القرن الرابع كلقب للسيدة العذراء القديسة مريم، ربما استخدمه كل من أوريجانوس، وديونيسيوس الأريوباغي في رسالة له إلي بولس الساموساطي لكن هذا النص ربما لا يكون نصًا أصليًا لديونيسيوس، وعند ثيؤدريت في تقليده الرسولي (436م)، أيضًا تشير يعض المراجع أن هيبوليتوس السكندري ربما استخدم هذا المصطلح، كما أن كل من غريغوريوس أسقف نيصص و يوستاسيوس الأنطاكي استخدموه، أما غريغوريوس النيزنزي فاعتبره جزء من الإيمان الأرثوكسي. لكن تحديده كمصطلح رسمي كان في مجمع أفسس عام 431م ردًا على إنكار نسطور ومهاجمته لهذا التعبير”[17].
ولرؤية إكرام العذراء في صورة أوضح أرشح للكاتب كتب صدر حديثًا من المركز الثقافي الفرنسسكاني، إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى السادس للميلاد، يمكن أن نقرأ فيه باستضافة عن نشأة وتطور إكرام العذراء سواء في الصلوات أو كتابات الآباء أو تشييد كنائس باسم العذراء مريم[18].
فهل بعد كلّ هذه الشهادات من القرون المبكرة نقول إنَّ آباء الكنيسة لم يكرموا العذراء مريم الَّإ بعد الهرطقة النسطوريَّة؟
ويخلص الكاتب في نهاية هذ المطلب إلى أنَّ “الليتورجيا ما هي إلا صدى للمجامع وما أخرجته من المقررات…” نعم نؤكد مرّة أخرى أنَّ الليتورجيا تتطور ويضاف عليها لكن بالأحرى تؤكد وتثبت ما هو موجود في الأساس، بالنسبة لمصطلح ثيؤطوكوس لم يظهر فقط في كتابات الأباء بل كان أيضًا مستخدمًا في الليتورجيات والصلوات المسيحيَّة قبل انعقاد مجمع أفسس، وأقدم مصدر لدينا لهذا المصطلح هو مخطوط سكندري من القرن الثالث (حوالي 250م) معروف باسم Sub tuum Praesidium، وهو يحوي نصّ ليتورجيّ مستخدم حتَّى الآن في الكنائس القبطيَّة والبيزنطيَّة والرومانيَّة. المخطوط مكتوب باليونانيَّة ونصه:
في ظلّ حمايتكِ، نلتجأ، يا والدة الإله (الثيؤتوكوس): لا تردي طلبتنا في وقت الشدة: لكن نجينا من الأخطار، أيتها النقية المباركة وحدكِ[19].
من كلّ ما سبق نجد أنَّ مجمع أفسس لا يشكل نقطة انطلاق فيما يتعلق بالإكرام المريميّ في مصر بل هو تأكيد على ما هو موجود بالفعل. فمنذ القرن الثاني حتَّى عهد البطريرك الأنبا ثاؤفيلوس (385-412م)، كانت قد أُجريت تحديدات لاهوتيَّة، وشُيدت الكنائس، ونُظمت صلوات، ورُسمت صور وأيقونات، وتأسست أعياد، وأُلقيت عظات، كلها إكرامًا لمريم[20].
إشكالية تناول يهوذا
إشكالية تناول يهوذا
ينتقل الكاتب إلى المطلب الثالث: الليتورجيا والبابا (تناول يهوذا أنموذجًا)، ويشرح الكاتب كيف “حذف البابا شنوده والأنبا بيشوي بعض ما في الكتب الطقسية”[21]، وفي الحقيقة لا أعلم لماذا يؤكد أنَّ البابا شنوده والأنبا بيشوي هما من قاما بذلك، رغم أنَّه يذكر في الفقرة نفسها أنَّ الحذف صدر عن توصيات من اللجنة المجمعيَّة للشئون الطقسيَّة تقدمت بها للمجمع المقدس وتم مناقشة الأمر “حيث أوصت اللجة بالتعديلات— في بعض عظات البصخة المقدّسة بحيث تتفق مع التسليم الرسولي في عدم مناولة غير التائبين؛ وذلك بحذف العبارات التي تشير إلى تناول يهوذا من جسد الربّ ودمه؛ وهو الشيء الذي يتعارض أيضًا مع تعليم الإنجيل!”[22].
ثم يورد الكاتب بعد ذلك اختلاف آراء الآباء حول تفسير فقرات الإنجيل الخاصّة بالعشاء الأخير، وأحب أن أوضح هنا أنَّ اختلاف التفسيرات أمرًا طبيعيًّا ويجب أن نفرق بين العقيدة والرأي[23]، فكلمة العقيدة δόγμα (دوجما) وردت في العهد الجديد خمس مرات تُرجمت فيها في الترجمة البيروتيَّة إلى أربع كلمات مختلفة، ومن هذه الآيات نفهم المعنى الأصلي لهذه الكلمة (لو 2: 1؛ أع 16: 4؛ 17: 7؛ أف 2: 15؛ كو 2: 14). وفي كتابات الآباء جاءت بمعنى رأي أو عقيدة أو إيمان، واقتداءً بسفر أعمال الرسل الذي أطلق الكلمة على الأوامر أو القضايا التي أصدرها مجمع أورشليم، وأُطلقت الكلمة على القوانين التي أصدرتها المجامع الكنسيَّة. ولا نستطيع أن نحصر العقيدة في العهد الجديد أو في كتابات الآباء تحت كلمة دوجما فقط، لأن هناك كلمات كانت أكثر استعمالاً للتعبير عن العقيدة مثل كلمات الإيمان πίστις (بيستيس) أو التعليم διδασκαλία أو διδαχή (ديداسكاليا أو ديداخي) كتعبيرات تعبر عن صيغ إيمانيَّة، مثل:
أمَّا الرأي γνώμη (جنومي) أو التفسير ἑρμηνεία (هرمينيا) فهي كلمات تعطي تفسيرًا للعقيدة، أو تعطي رأيًّا مختلفًا في بعض الأمور الكنسيَّة، لكنها لا ترقى لمستوى العقيدة ويمكننا أن نعرف معنى كلمة رأي حسبما وردت في كتاب العهد الجديد، خاصّة في كتابات القديس بولس الرسول (1كو 7: 25-27؛ 7: 40؛ 2كو 8: 10). وقد وردت كلمة رأي (جنومي) في كتابات الآباء بمعانٍ كثيرة، فهي تأتي بمعنى عقل، كما تأتي لتعبر عن الرأي أو العقيدة أو الإيمان أو وجهة النظر، كما تأتي بمعنى الإرادة، وأيضًا بمعنى القرارات والأحكام والقوانين والاستشارات. أمَّا الكلمة الثانية (هرمينيا) فهي تأتي بمعنى تفسير أو شرح أو ترجمة (يو 1: 38؛ 1كو 12: 10؛ 14: 26).
يتضح من هذه الآيات أنَّ العقيدة ملزمة للجميع للإيمان بها، والعمل بمقتضاها، أمَّا الرأي فهو تفسير لهذه العقيدة، والربّ يعطي لكلّ أحد أن يفسرها بحسب روح الله وبحسب إمكانيات المفسر والمتلقي، وبحسب ظروف الزمان والمكان، على ألا يتعارض هذا التفسير مع تعاليم وتقليد الكنيسة. لا يصح إطلاقًا الاختلاف في العقيدة، ولكن ليس هناك أيّ مشكلة في الاختلاف في الرأي أو التفسير.
بالنسبة لما ذكره الكاتب عن موضوع تناول يهوذا نرى أنَّ هذا اختلاف في الأراء وليس في العقيدة وقد رأى المجمع المقدس برئاسة البابا شنوده الثالث حذف تلك الأجزاء من العظات التي تُقرأ في البصخة، لحسم هذا الخلاف. ولنؤكد أنَّه اختلاف في الرأي، فضيلة الشيخ نفسه يورد مقولة للبابا شنوده الثالث ردًا على سؤال من أسئلة الشعب إذا كان يهوذا قد تناول أم لا، فيقول البابا شنوده:
“ومع أنَّ يهوذا لو كان قد تناول من الجسد والدم، كان يتناول بدون استحقاق، غير مميز جسد الربّ، ويتناول دينونة لنفسه (1كو 11: 27-29). إلَّا أنَّ الآباء يقولون إنَّه اشترك في الفصح فقط، وخرج ليكمل جريمته…”[24].
نجد إجابة البابا شنوده شارحة ومفسرة للأمر رغم أنَّه يميل إلى رأي محدد، ونؤكد أيضًا أنَّ الآباء أنفسهم انقسموا حول إجابة هذا السؤال، فمنهم من أيد تناول يهوذا ومنهم من نفاه.
وبعد أن أورد فضيلة الشيخ الإشارات والمراجع التي تشير إلى تناول يهوذا يقول “وأضف إلى هؤلاء السابقين متى المسكين العدو اللدود لهذه اللجنة…“[25].
من أين جاء الكاتب بهذا الوصف الشنيع؟ كيف يحكم على العلاقة بين الأب متى المسيكن وبين اللجنة بالعداوة؟ ألم يقرأ أيّ من كتابات الأب متى أو حتَّى من البابا شنوده؟ ألم يقرأ المقولة الشهيرة “الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية”؟ نرى فضيلة الشيخ يحكم عليهم بالعداوة رغم أنَّه عندما زار البابا شنوده دير أبو مقار في عام 1996م استقبله وقتها الأب متى المسكين ورهبان الدير بالاستقبال الواجب داخل الكنائس والأديرة في حال زيارة البابا وبتلاوة الألحان الكنسيَّة التي تقال في حضور البابا واستقباله.
وفي كلمة الترحيب قال الأب متى: “تعلمون أيها الأحباء وكلكم رهبان، أنَّ الرهبنة في الكنيسة، وخصوصًا القبطيَّة قوامها هو سندها الإلهيّ، وخزانة تراثها ومجدها تقليدها الحي الذي نستمد منه عصارة لاهوتنا وحياتنا، فكون أن يأتي بابا الإسكندريَّة ويتكلم بيننا بشكر وصلاة للمسيح، فهو شيء يرد نفوسنا، ويشدد قوتنا وعزيمتنا. أنًّه يومًا سعيدًا في أيام برية شهيت، صحيح أنَّه زارنا قبل الآن، ولكن زيارة هذا اليوم تأتي والكنيسة في أحوج ما يكون أن يلتف البابا حول الشعب، والشعب يلتف حول البابا، وأنَّه فعل حسن لأن الكنيسة تعيد اليوم باليوبيل الفضي برجاء يمتد إلى اليوبيل الذهبي والماسي، وإلى مائه سنة يا سيدنا أنبا شنوده وتتمتع بخدمة متسعة ترعاها برعاية الأب المتفتح القلب والذهن الذي لا يغمض له جفن…”[26].
وقال البابا شنوده ردًا على هذه الكلمة: “أشكر كلمة المحبّة التي ألقاها قدس القمص متى المسكين، أب رهبان هذا الدير في عاطفة عميقة وقوية، وأشكركم على حسن استقبالكم وأشكر محبتكم وأشكر البركة التي أخذتها بدخولي هذا الدير…”[27]. نعم كانت هناك خلافات فكريَّة بينهما لكنها لم تصل أبدًا إلى حد العداوة، وبمرور الزمن خفت حدة الاحتقان بينهما، حيث قام البابا شنوده بزيارته في أثناء مرضه، ونُشر خبر الزيارة في مجلة الكرازة التي يحرّرها البابا بنفسه، وقد وصفت الأب متى المسكين بـ«القُمص المكرّم»[28].
ويخلص الكاتب في مبحثه إلى: “إن الليتورجيا مذياع لما يقرره الآباء فليست مصدرًا ذا استقلال، فهي خاضعة قديمًا لما يثبت ويرفع من حوار مع الهراطقة، وحديثًا –على ما رأينا في مثالنا- لما يتبناه القائمون على الكنيسة، وإن خالفوا الآباء“[29]. فكما قلنا إنَّ الليتورجيا تتطور وتتشكل بالفعل بحسب الوضع الكنسيّ ولكن ليس كما يقول بحسب ما يتبناه القائمون على الكنيسة وإن خالفوا الآباء، لأنه كما رأينا مسألة تناول يهوذا من عدمه اختلف الآباء في تفسير الأمر ولم يُستقر عليه وهذا ليس من العقيدة في شيء لذلك يخضع الأمر لقواعد الرأي والتفسير التي يمكن الاختلاف فيها.
[1] محمد هنداوي الأزهريّ، نقد التقليد الكنسيّ، الكنيسة المصريَّة أنموذجًا، نشر دار اللؤلؤة، الطبعة الأولى 2021، صـ151.
[2] د. رشدي واصف بهمان، مدخل إلى علم الليتورجيات، مجلة الكرمة، العدد الأول، 2004م.
[3] بول ف. براد شو، البحث عن أصول العبادة المسيحية، مصادر وطرق دراسة الليتورجية المبكرة، مراجعة وتقديم الأنبا مكاري الأسقف العام، ترجمة القس مينا القمص إسحق، الكلية الإكليريكية اللاهوتية للأقباط الأرثوذكس بالأنبا رويس، 2020م، صـ 77.
[4] الأسقف يوحنا يازجي، المصادر الليتورجية، منشورات معهد القديس يوحنا الدمشقي الااهوتي، جامعة بلمند، طرابلس، لبنان، الطبعة الأولى، 2005، صـ 21-24.
[6] بول ف. برادشو، البحث عن أصول العبادة المسيحيةَّ، ترجمة: القس مينا القمص إسحق، نشر الكلية الإكليريكية، طبعة أولى 2021م، الفصل الرابع “قوانين الكنيسة القديمة: لُغز مُستمر”.
[16] أقدم ترنيمة محفوظة للقديسة العذراء مريم باسم ثيؤطوكوس، هو النشيد المعروف في العديد من البلدان الكاثوليكيّة الرومانيّة والأرثوذكسيّة، وقد عُثر على النصّ الأقدم لهذا النشيد في الليتورجيَّة القبطيّة لعيد الميلاد. ويسجل المخطوط الترنيمة باللغة اليونانيّة، ووفقًا للباحث Serafim Seppälä “لا توجد أسباب لاهوتيّة أو فلسفيّة محددة لرفض تأريخ النصّ في القرن الثالث”. وتستخدم الترنيمة حتّى يومنا هذا في شكل الترنيمة المعروفة الآن باسم (في ظل حمايتكِ)، وكذلك في الصلوات الأرمنيّة والبيزنطيّة والأمبروسيّة والطقوس الرومانيّة، وإلى جانب النصّ اليونانيّ، يمكن العثور على نسخ قديمة بالقبطيّة والسريانيّة والأرمنيّة واللاتينيّة، وسنتعرض لها لاحقًا، وترجمة الترنيمة هي:
في ظلّ حمايتكِ،
نلتجأ، يا والدة الإله (الثيؤتوكوس):
لا تردي طلبتنا في وقت الشدة:
لكن نجينا من الأخطار،
أيتها النقية المباركة وحدكِ.
للمزيد انظر:
مارك شريدن، من النيل إلى الرون وما بعد؛ دراسات في الأدب الرهبانيّ المبكّر والتفسير الكتابيّ، ترجمة: موريس وهيب، وبيشوي جرجس، نشر الكلية الإكليريكية، طبعة أولى نوفمبر 2019م، ص 283-298.
Frederica Matthewes-Green, The Lost Gospel of Mary: The Mother of Jesus in Three Ancient Texts, Brewster MA: Paraclete Press (2007), pp. 85–87; Michael O’Carroll, Theotokos: A Theological Encyclopedia of the Blessed Virgin Mary, Wilmington: Michael Glazier Inc (1982), p. 336; François Mercenier, L’Antienne mariale grecque la plus ancienne, Le Muséon 52 (1939), pp. 229–233; Serafim Seppälä, Elämän Äiti, Neitsyt Maria varhaiskristillisessä teologiassa, Helsinki: Maahenki (2010), p. 84.
[17] مينا فؤاد، الثيؤتوكوس: دراسة قصيرة وإعادة تقييم للمصطلح اللاهوتي، 2010، مدونة التنوير.
[18] جبرائيل جامبيرارديني الفرنسيسكانيّ (الأب)، إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى القرن السادس، تعريب عبد الملك سامي، نشر المركز الثقافي الفرنسيسكانيّ، طبعة أولى 2021م.
[19] الثيؤتوكوس: دراسة قصيرة وإعادة تقييم للمصطلح اللاهوتي، مرجع السابق.
[20] إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى القرن السادس، مرجع سابق، صـ244.
يمتد عمر الكنيسة المصريَّة بطول تاريخ المسيحيَّة منذ تجسد الابن الوحيد آخذًا جسدًا متأنسًا من العذراء مريم، وحتَّى وقتنا الحالي. الكنيسة في مصر لها اليد العليا في تاريخ الساكنين فيها، بل في بعض الأوقات صارت هي إحدى أسباب الحياة في بلدنا هذا. كان لهذه القيمة العالية ضريبة وثمن يجب أن يُدفع، والثمن كان ولا يزال هو الاضطهاد والتلسُّن والنعت والتقوّل على كنيسة الله. فما كان منا إلا ما عهدنا به منذ نشأة وعينا في حضنها الأموميّ أن نكون حافظين للعهد، مدافعين بالقلب، ناذرين الفكر والمداد والعتاد في رفعة شأنها وإجلال ومجد ربّها.
رأينا على سبيل المتلسنين والمتقولين هنداوي في كتابه المشار له سابقًا، فكان في تمهيده متندَّرًا بثقل اللسان والقلم، فتكلم أولًا عن تعريف الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة واعتقادها إجمالًا، فسرد- بقدر وعيه ونظره- ما وصل إليه من معنى مصطلح كنيسة لغويًّا كمجمع وإصطلاحًا كجماعة المؤمنين وما نعرفه عنها من بناء حجري شكلًا، وأشار أيضًا لتعريف كلمة الأرثوذكسيَّة فغفل نصّ الكلمة بلغته الأصل أي اليونانيَّة فأورد فراغًا بعد كلمة أرثودكسوس، وشرح المعنى بأنه الإيمان المستقيم الذي هو إيمان الكنيسة الجامعة، ولكن عند شرحه لمصطلح الكنيسة الأرثوذكسيَّة قال:
أمّا عن مصطلح الكنيسة الأرثوذكسيَّة: فإنَّه يطلق على إحدى الكناس الرئيسة في النصرانيَّة، وقد انفصلت عن الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة بشكل نهائي عام ألف وأربع وخمسين من الميلاد، وتمثلت في عدة كنائس مستقلة لا تعترف بسيادة بابا روما عليها، ويجمع هذه الكنائس الأرثوذكسية إيمانهم بانبثاق الروح القدس من الأب فقط، ومحل بحثنا كنيسة من هذه الكنائس الأرثوذكسيَّة وهي «الكنيسة القبطيَّة»[1].
يتضح من الاقتباس السابق تخبط الهنداوي في معرفة تصنيف الكنائس المسيحيَّة وتاريخها، فما يشير إليه من حدث انفصال الكنيسة الأرثوذكسيَّة عن الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة هو ما يُعرف بالانشقاق الكبير الذي حدث عام 1054م، وهو ما يقول عنه إيريل كيرينز في كتابه المسيحيَّة عبر العصور:
في سنة 1054، دار الجدل الأخير حول ما بدا أنه أمر ثانوي. فإنّ مايكل سيرولاريوس Michael Cerularius، بطريرك القسطنطينية فيما بين 1043 – 1059، أدان الكنيسة في الغرب لاستخدامها الخبز غير المخمر (الفطير) في الأفخارستيا. وكان مثل هذا الاستخدام للفطير شائعًا في الغرب منذ القرن التاسع. فأرسل البابا ليو التاسع الكاردنال همبرت Humbert واثنين مِن القانونيين إلى الشرق لحسم هذا النزاع، إلَّا إنَّ اختلاف وجهات النظر اتسع واستمرت المناقشات. وفي 16 يوليو 1054 وضع الوفد الروماني (الكاثوليكيّ) مرسومًا بحرمان البطريرك وتابعيه على مذبح كاتدرائية القديسة صوفيا. إلَّا إنَّ البطريرك لم ييأس، فعقد سنودسًا حيث أعلن خروج البابا وتابعيه عن الإيمان القويم ومن ثمّ قطعه مِن الكنيسة. كان هذا أوَّل انشقاق كبير Great Schism يحطم وحدة الكنيسة. ومن ذلك الوقت مضت كلّ مِن الكنيسة الكاثوليكيّة الغربية، والكنيسة اليونانيّة الارثوذكسية (الشرقية) كلّ في طريقها بعيدًا عن الأخرى. وظل حرمهما الواحد للآخر ساريًا حتّى أبطل في 7 ديسمبر 1965، بواسطة البابا بولس السادس والبطريرك أثيناجوراسAthenagoras [2]
وهي ما تعرف بالكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة الخلقيدونيَّة وليس للكنيسة المصريَّة علاقة بهذا الحدث، بل إنَّ استقلال الكنيسة المصريَّة وانفصالها عن كنيسة روما بدأ مع الصراع الخلقيدونيّ بالقرن الخامس وليس في القرن الحادي عشر كما يشير هنداوي مُصنفًا الكنيسة القبطيَّة من بين الكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة، وهي بالأساس تعد من بين الكنائس المشرقيَّة Oriental Orthodox Churches، وهو مصطلح يدلل به على العقيدة التي تؤمن بها كنائس مسيحيَّة أرثوذكسيَّة شرقيَّة، والتي لا تعترف إلا بشرعيَّة المجامع المسكونيَّة الثلاث الأولى (نيقية، قسطنطينيَّة، أفسس)، وتعرف برفضها القاطع للعقيدة التي أقرها مجمع خلقيدونيَّة.
يستمر هنداوي على هذا المنوال ويعدد في بعض النقاط اعتقاد الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة، فيقول:
1) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة إجمالًا مثل باقي الكنائس الأخرى بإله واحد مثلث الأقانيم: الآب، الابن، الروح القدس على حسب ما ورد في قانون الإيمان النيقاوي 325م.
2) كما تؤمن بربويَّة وألوهيَّة الربّ والمسيح في آن واحد على أنهما من جوهر واحد ومشيئة واحدة، ومتساويين في الأزلية، كما تؤمن بأنَّ الروح القدس منبثق من الآب فقط.
3) وتؤمن بتجسُّد الإله في السيد المسيح من أجل خلاص، البشرية فيعتقدون أنَّه ولد من مريم وصلب ومات فداءً لخطاياهم، ثم قام بعد ثلاثة أيام ليجلس على يمين الربّ ليحاسب الخلائق يوم الحشر.
4) الإيمان بأنَّ السيدة مريم العذراء والدة الإله، ودائمة البتوليَّة، وأنَّ لها شفاعة توسليَّة.
5) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة بالمجامع المسكونيَّة السابقة على مجمع خلقيدونيَّة المنعقد عام 451م[3].
من أكثر النقاط لفتًا للنظر هي النقطة الثاني التي يتحدث فيها هنداوي عن إيمان الكنيسة بربوبية وألوهيَّة الرب والمسيح!! لا أعلم ماذا يقصد بالربّ هنا، ولكن بكلّ الإحوال يتضح من تلك النقطة وجود التباس عند هنداوي في فهم إيمان الكنيسة المصريَّة بألوهيَّة السيد المسيح. فمصطلح الربّ هو مصطلح قديم للغاية ومتجذر في وعي الكنيسة بشكل عام، وقد وردت في العهد الجديد باليونانيَّة بكلمة كيريوس، وتترجم إلى الربّ أو السيد، وقد استخدمت في الترجمة السبعينيَّة للعهد القديم لترجمة اسم الله يهوه. وتستخدم أيضًا في العهد الجديد لتشير إلى الله الآب، إذ دعي بفم يسوع نفسه “رب السماء والأرض” مت 11: 25، كما تشير إلى يسوع المسيح ابن الله، وأشهر العبارات وأقدمها في ذلك هي عبارة “يسوع رب” 1كو 12: 3. وإجمالًا ينطبق مصطلح الربّ بحسب إيمان الكنيسة على الله الآب، والابن، والروح القدس[4].
فهل يعتقد هنداوي أنَّه يوجد شخصين في إيمان الكنيسة الربّ والمسيح ونحن نؤمن بألوهيتهما؟!
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد
وعند حديث هنداوي عن العبادات والشعائر الخاصة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية تكلم عن الرتب الكنسيَّة ويقول فيما يخص الرهبنة الآتي: “الرهبنة: وهي سبع مقامات روحيَّة، وتنقسم إلى نوعين: رهبنة فرديَّة، رهبنة ديريَّة”[5]. ويتضح أيضًا من مثل هذه العبارات مدى تخبط الكاتب وقصور معرفته بالشأن الداخلي لحياة ومعتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ لا يوجد ما يعرف بسبع مقامات روحيَّة للرهبنة، فقد عُرفت الرهبنة بصورتها المنتظمة منذ ظهور حركة الرهبنة على يدي القديس أنبا أنطونيوس الكبير، لذا دُعي “أب الرهبنة”؛ تقوم حركة الرهبنة على الأسس التالية: العفة، والطاعة، والفقر الاختياري. وقد ظهرت ثلاثة أنواع رئيسة للرهبنة:
أ) نظام الوحدة (المتوحدون): حيث يعيش الراهب في قلايته (حجرته) في عزلة داخل الدير أو في مغارة خارج الدير، يمارس حياة التأمل مع العبادة والعمل اليدوي.
ب) نظام الشركة: أقامه القديس أنبا باخوميوس أب الشركة، حيث يعيش جماعة الرهبان معًا داخل سور واحد، يشتركون في صلوات يوميَّة وأيضًا في الطعام، كلٍّ يمارس عملًا يناسب إمكانياته أو مواهبه في الدير حسبما يشير رئيس الدير.
ج) نظام الجماعات: أقامه القديس آمون وأيضًا القديس مقاريوس الكبير، حيث يعيش الرهبان في قلالي أو مغاير متقاربة، يجتمعون معًا في السبت والأحد، وهو نظام متوسط بين الوحدة والشركة[6].
مار مرقس الرسول كرازته وإنجيله
يتناول هنداوي شخص القديس مرقس الرسول في القسم الثاني من تمهيده لكتابه، ويشير في الجزء الخاص بتعريف القديس مرقس واسمه وأسرته، ويستهل بعبارة “لا تذكر المصادر التاريخية المسيحية عن مرقس سوى ما يفيد أن اسمه اليهودي يوحنا”[7]، هل تعطينا النتيجة قبل البرهنة عليها يا شيخ هنداوي؟!
على كلّ الأحوال دعونا نعرف من هو القديس مرقس بحسب تقليد الكنيسة. مع بدايات القرن الميلادي الأوّل وُلد الصبي مرقس لعائلة يهوديّة في قيرين. وكان اسم والده أرستوبولس، واسم أمه مريم، ينحدر أصلهم من سبط لاوي. وكانوا متمسكين تمامًا بالعادات اليهوديّة، ويعودون إلى أورشليم، إن أمكنهم هذا، عدة مرات في السنة لحضور الأعياد الموسميّة. أشار اسم الصبي إلى خلفية عائلته المتعددة الثقافات. وكان الاسم هو: يوحنا مرقس. جمع هذا الاسم بين اسم عبريّ (يوحنا) واسم لاتينيّ (مرقس، ماركوس، أو ماركو، أو مارك). وحدث عندما نشبت الحروب، وأعمال السلب والنهب والاضطرابات المدنيّة في قيرين في وقت باكر من القرن الأوّل، فأجبرت الجماعات التي تعيش على السلب والنهب عائلة هذا الصبي إلى مغادرة إفريقيا والذهاب إلى فلسطين[8].
بعد ذلك نسمع عن مرقس وهو في أورشليم، حيث تمكنت والدته من الحصول على مسكن رحب فسيح (أعمال 12: 12) ولعله يتمتع بغرفة علوية (عليّة) بحسب مفهوم الذاكرة الإفريقيّة[9]، وهي نفس العليّة التي ذُكرت في مرقس 14: 15؛ أعمال 1: 13. وبينما كان مرقس شابًا، انضم هو ووالدته إلى أتباع يسوع. صارا جزءًا من حركة مغيرة للثقافة داخل اليهوديّة. وفي وقت لاحق سيكون مرقس أوّل تلميذ للمسيح يكتب الأخبار السارة (إنجيل مرقس) عن مجيء هذا الشخص الذي لا يُقارن والذي غيّر حياته (أيّ حياة مرقس) بشكل تام، أصبحت قصة ق. مرقس عن يسوع أقدم كلّ الجهود المبذولة المتبقية التي كُتبت لتعريف غير اليهود بالأخبار السارة عن بداية المسيحيّة. وقد أصبح مرقس نموذجًا لكلّ مَنْ سطروا بعد ذلك تاريخ يسوع[10].
من المثير للدهشة هو ما أورده هنداوي في بحث نسبة إنجيل مرقس إلى هذا القديس، فيقول:
“غير أنه بالنظر الى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية في الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيدًا تمامًا عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا“[12].
وبالرجوع لنصّ الكتاب المُقتبس منه بحسب إشارة هنداوي في الحاشية نجد الاقتباس بعيد تمامًا عما أورده هنداوي في كتابه، فيقول جون درين الآتي:
“غير أنه بالنظر الى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية في الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيدًا تمامًا عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا“[12].
ما فعله هنداوي أمرين، الأول هو تحويل الجملة “فلربما لا يكون التقليد..” من النفي إلى الإثبات، مما يبعد الاقتباس عن حقيقته وفكرته الأساسية، وهي إثبات اتفاق التقليد مع شخص ق. مرقس بحسب العهد الجديد؛ الأمر الثاني هو اقتطاع الاقتباس، إذ ينتهي الاقتباس عند هنداوي بعبارة: “وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما”، بعكس النصّ الكتاب الأصلي إذ يقول: “وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا“، وشتان بين العبارتين، فالأولى تشير لعدم أهلية ق. مرقس لكتابة أي إنجيل على الإطلاق، والثانية تشير إلى وجود سبب قوي دعى لضرورة كتابة إنجيله الأول بين الأناجيل مما دفع الآخرين غيره لكتابة أناجيلهم. فما أغرب هذا الالتباس الذي وقع فيه هنداوي! هنا تظهر منهجية اقتطاع الاقتباسات من سياقها وتحويل معناها الأصلي من أجل إثبات نتيجة مسبقة، مما يشكك في نزاهة البحث الأكاديمي
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد
وفيما يخص موثوقية نسب إنجيل مرقس إلى القديس مرقس كاروز الديار المصرية، يمكننا الرجوع إلى أحد الباحثين المتخصصين المعتبرين في دراسات العهد الجديد، وهو الباحث الكبير Ben Witherington III، الذي أورد في كتابه (إنجيل مرقس، تعليق اجتماعي بلاغي)[13] قسمًا عن موثوقيَّة نسب إنجيل مرقس، وقد أشار بالفعل إلى عدم وجود إشارة مباشرة في نصّ الإنجيل لصاحبه ولكن أسرد عدة أمور رأينا وجوب إيرادها هنا للنفع.
يشير Witherington إلى وجود أدلة داخلية وخارجية التي تشير لكاتب الإنجيل، فيقول:
” أولاً، نعلم أنَّه كان مسيحيًّا. وهو يكتب هذه الوثيقة باعتباره شخصًا على قناعة ببشارة يسوع الناصري. فهو من مؤيديه، ويسعى لإقناع الآخرين بأن يصبحوا مؤيدين ليسوع. ثانيًا، من المحتمل جدًا أن يكون المؤلف يهوديًّا. وهذا ليس لأنه يعرف الكثير عن العادات والثقافة والطوائف اليهوديَّة فحسب، ولكن لأنه يبدو على معرفة قوية بالعهد القديم أيضًا، أو على الأقل بالترجمة السبعينيَّة، ويأخذ مثل هذه الوثائق كمصادر لإعلان حقّ الله، وكنبوءة حقيقيَّة أيضًا. كما أنَّ لديه معرفة بالأخرويات اليهوديَّة المبكّرة ونهاية العالم [في الفكر اليهوديّ]… فيما يتعلق باستخدام المؤلف للغة الآراميَّة، لم يعلق هينجل على استخدامه الصحيح لتلك اللغة فحسب، بل يضيف: “لا أعرف أيّ عمل آخر باللغة اليونانيَّة يحتوي على العديد من الكلمات والصيغ الآراميَّة أو العبريَّة في مساحة ضيقة جدًا مثل الإنجيل الثاني”. فترجمة المؤلف لكلماته وعباراته الآراميَّة يشير إلى أنَّه من المحتمل أن يكون جمهوره من أصل مختلف عنه. إنَّه بالتأكيد جمهور لا يعرف الآراميَّة”[14].
ويشير أيضًا إلى الوضع الثقافي لكاتب الإنجيل بين شعبه، إذ يُظهر معرفة قوية باليونانيَّة، إلى جانب ذلك يستخدم كاتب إنجيل مرقس العديد من الكلمات اللاتينيَّة، في 12: 42، وفي 15: 46، مما يشير إلى أنَّ الشعب الذي كُتب بينه الإنجيل يعرف المصطلح اللاتينيّ بعكس المصطلح اليونانيّ، وإلا لماذا الحاجة إلى تفسير الأمر بقوله قيمتهما ربع بحسب الآية 12: 42[15]. إلى جانب ذلك نرى العديد من التعبيرات اليهوديَّة الواردةفي حدث محاكمة الربّ يسوع في مر 14: 61-62 والتي أشار لها العالم Darrell L. Bock، في مقاله عن هذا الموضوع أيضًا ردًا على المشككين في موثوقيَّة هذا الجزء من الإنجيل[16].
ما بين صور وصيدا
يتحدث فضيلة الشيخ في نقطة الدليل الداخلي أيضًا على عدم معرفة كاتب الإنجيل بجغرافيا المنطقة التي يتحدث عنها ويستدل على ذلك بالآية التي تقول: “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ” مر 7: 31، ويقتبس مما أورده الدكتور سامي العامري فيقول:
يخبرنا مرقس أنَّ المسيح قد ذهب من «صور» إلى «بحر الجليل» عبر «صيدا،» وهي رحلة ملتوية غير مبررة؛ جعلت النساخ يحرفون النص؛ ليبدو في المخطوطات المتأخرة أن المسيح قد غادر تخوم صيدا وصور معًا إلى بحر الجليل، وهو ما تبنته الترجمة الإنجليزية التقليدية «The King James Version» باختياره قراءة «وصيدا» بعد كلمة «صور»، رغم أن أقدم المخطوطات تقول: «غادر من منطقة صور (و) جاء عبر صيدا..»![17]
وهو بذلك يفترض على السيد المسيح السير على خط مستقيم بين نقطتين وإلا يكون كاتب الإنجيل غير مُلم بجغرفيا المنطقة![18] لننظر خريطة فلسطين في زمن السيد المسيح (شكل 1)، لنتتبع هذه الرحلة بحسب النصّ الإنجيلي لمرقس الرسول:
شكل رقم 1
“ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ… (حدث معجزة المرأة الكنعانيَّة وشفاء ابنتها) ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ (حدث شفاء الإنسان الأصم والأبكم)” مر 7: 24-31. رسالة السيد المسيح تقوم على خلاص الإنسان وشفائه وهذا من تدبيره الإلهيّ منذ البدء، وهذا أمر يدركه الإنسان المسيحيّ المدرك والواعي بإيمان الكنيسة، وهذا ما نراه في لقاء الرب يسوع مع السامريَّة بالإصحاح الرابع من إنجيل يوحنا، إذ سار لمدة 6 ساعات من أجل هذه المرأة وخلاصها. وبحسب نصّ إنجيل مرقس نرى ذهاب السيد المسيح إلى تخوم صور وصيدا أولًا من أجل شفاء ابنة الكنعانيَّة، ثم رجوعه إلى بحر الجليل وسط العشر مدن من أجل شفاء الإنسان الأصم والأبكم.
نأتي إلى جغرافيَّة الرحلة وهل بالفعل يتعارض النصّ مع الواقع الجغرافيّ للمكان أم لا؟! فيما يخص كلمة تخوم ὅρια الواردة بالنصّ من كلمة ὅριον والتي تعني حسب القاموس[19]: (حدود المكان، من تلك المنطقة: بمعنى المقاطعات والأقاليم)، وسواء ذكرت بعض المخطوطات تخوم صور أو تخوم صور وصيدا فهذا لا يغير في المعنى، فأيّ منطقة بين حدود المدينتين هي تخوم صور أو تخوم صور وصيدا أو تخوم صيدا.
إذًا سواء كانت رحلة السيد المسيح في المنطقة الواقعة بين المدينتين مباشرة أو صعد لأعلى صيدا ثم إلى بحر الجليل، هذا لا يغير من طبيعة الرحلة أو وقتها أو مسافتها.
ثم يورد فضيلة الشيخ اقتباس من بول ج. أكتماير ويقول:
“«ويزعم النص اليوناني أن «بحر الجليل»، يقع في وسط المدن العشر، في حين أنه في الحقيقة يقع في أقصى الشمال الغربي للمدن العشرة» ليخلص إلى أنه: «إما أن مرقس ما كان يعرف بجغرافية فلسطين، أو أنه ببساطة لم يكن يهتم إذا كانت جغرافيته صحيحة أم لا، في كلا الحالين؛ ليس بإمكاننا استعمال الإحالات الجغرافية التي قدمها لنا لتحديد رحلات يسوع»”[20].
ولكن لننظر لنصّ الإنجيل باليونانيَّة ونرى مدى صحة هذا الأمر، إذ نرى في عدة نسخ[21] من إنجيل مرقس باليونانيَّة تقول “تخوم صور مارًا بصيدا” وهي كالآتي:
ولزيادة التأكيد نقتبس بشكل مباشر من أحد أهم دارسي نصوص العهد الجديد وهو بروس متزجر الذي بالتأكيد يعرفه فضلية الشيخ حق المعرفة. فيقول:
“وفقًا للقراءة التي أيدتها أفضل النصوص السكندريَّة والغربيَّة، وكذلك بواسطة شهادات قيصريَّة جديرة بالملاحظة، سلك يسوع طريقًا غير مباشر، مرورًا شمالاً من صور عبر صيدا ومن ثمَّ إلى الجنوب الشرقي عبر نهر الليطاني، واستمر جنوبًا إلى قيصريَّة فيلبس. شرق نهر الأردن وبالتالي اقترب من بحيرة الجليل على جانبها الشرقي، ضمن أراضي المدن العشر”[22].
كورة الجدريين
يُكمل هنداوي حديثه ويسرد خطأ جغرافيًا آخر- حسب تعبيره- ورد في الإصحاح الخامس من إنجيل مرقس، وهو خاص بحدث شفاء مجنون كورة الجدريين. فيقول:
“وقد اختلفت الترجمات في اسم البلدة اختلافًا فاحشًا، ويكفي أن نلقي نظرة على الترجمات العربيَّة للنص كما هو موضح بالجدول، ونجد اضطراب الترجمات نفسه في النص الموازي لنص مرقس في متى 8/ 28 وهذا الاضطراب ما هو إلا ظلال لتحريف المخطوطات وتغييرها، وعلة ذلك على ما يذكره الأستاذ/ علي الريس: «أن الناسخ وآباء الكنيسة قد وجدوا أنفسهم في مأزق لا يحسدون عليه، فكاتب الإنجيل المنسوب إلى متى- كما يبدو- لا يعرف جغرافية فلسطين، فهو يذكر أن المسيح بمجرد أن عبر بحر الجليل وعلى الشاطىء الآخر في قرية الجدريين خرج له مجنونان فأخرج منهما الشياطين، وأدخل هذه الشياطين في قطيع من الخنازير، فهاجت الخنازير وانطلقت ملقية بنفسها في البحر، والمشكلة هنا هو أن قرية الجدريين تبعد حوالي ستة أميال عن بحر الجليل، مما يعني أن الخنازير قفزت حوالي ستة أميال في الهواء، وهذا أمر «ولا في الأحلام» فلم يجد آباء الكنيسة أمامهم من حل سوى أن يعدلوا في ما فشل فيه الروح القدس وقاموا بتصحيح النص إلى قرية الجرجسيين، وهي القرية الأقرب إلى بحر الجليل”[23].
تبدأ لهجة فضلية الشيخ بالتحول إلى الحدية والتندر بشكل مُجحف، ولكن دعونا ندرس هذا النصّ بشكل أكاديمي أكثر ونرى ما قال عنه الباحثون. يقترح الباحث J. Adna بنية ثلاثيَّة المشاهد لهذه الفقرة[24]:
1) مقدّمة، تتكون من العددين الرئيسيين، 1-2؛
2) المشهد الأوّل (3-9) لقاء بين الربّ يسوع والشيطان؛
3) المشهد الثاني (11-13) ما حدث مع قطيع الخنازير؛
4) المشهد الثالث (14-19) نتيجة طرد الأرواح الشريرة وتأثير هذا على الناس.
وهذه البنية تتوافق بشكل كبير مع نمط إنجيل مرقس الأدبيّ في قصص المعجزات. ويشير Adna أيضًا إلى ملاحظة هامة، وهي أنَّ بحلول زمن السيد المسيح صار الخنزير رمزًا للوثنيَّة، لذلك صار يتم تجنبه سواء كان من جهة تربيته أو استخدامه في الطعام، وكان هذا بالأكثر رد فعل عما فعله السلوقيين في زمن أنطيوخوس الرابع أحد ملوك السلوقيين (حكم 175-163 ق.م)، الذين حاولوا إجبار اليهود على التضحية وأكل الخنازير[25]. بحسب Michael Willett Newheart، أستاذ لغة وآداب العهد الجديد في كلية اللاهوت بجامعة هوارد، يربط مؤلف إنجيل مرقس قراءه باسم لجئون بالتشكيل العسكريّ الرومانيّ، الذي كان في المنطقة ذاتها في 70م تقريبًا[26]. وتاريخيًّا كان يُعد اللجئون (الفيلق) هو رمز للوجه القبيح للمحتل بالنسبة لكلّ فلسطينيّ، وقد كان يُرمز للجئون العاشر (Legio X Fretensis)[27] الذي تسبب في الكثير من التعب لشعب اليهود برمز الخنزير (شكل 2). هؤلاء الجنود
شكل رقم 2
الإمبراطوريون كانوا السبب الرئيس لما حدث في منطقة اليهوديَّة في تمرد عام 6م، ومرّة أخرى أثناء مكافحة التمرد في الفترة من 68 إلى 70م، وكانوا مسؤولين أيضًا عن حصار متسادا، وبعد ذلك تمركزوا في أورشليم. وما يرد بعد ذلك في رواية الإنجيل يكشف بوضوح عن هذه الصورة السياسيَّة، إذ يتبع النصّ مصطلحات عسكريَّة الأخرى، حيث يقول في عدد 11 “قطيع كبير من الخنازير” وكلمة قطيع هذه ترد باليونانيَّة ἀγέλη، وهو مصطلح يشير عادةً إلى مجموعة من المجندين العسكريين. الإسقاط هنا واضح للغاية: فمن ناحية، كانت عبادة الخنازير شائعة بين الجنود الرومان، ومن ناحية أخرى، الخنازير نجسة بالنسبة لليهود[28].
نأتي لنقطة كورة الجدريين أو الجرجسيين، وسنستعين هنا بما أورده الباحث والمتخصص في دراسات العهد الجديد Witherington، فيقول:
“في العدد 5: 1 لدينا مشكلة نصّيَّة تستحق الانتباه الشديد. هل اسم المكان الذي زاره يسوع جراسا أو جدارا أو جرجسة؟ كانت جراسا مدينة في منطقة المدن العشر، ومن المحتمل أن تكون مرتبطة بمدينة جرش الحديثة، التي تقع على بعد سبعة وثلاثين ميلاً جنوب شرق بحيرة طبريا. من المؤكد أنَّ الخنازير لم تستطع الركض إلى البحر من هناك! لكن هل يقصد مرقس أنَّ يسوع كان في منطقة جراسا وليس في المدينة نفسها أو بالقرب منها؟ من ناحية أخرى، تقع جدارا على بعد خمسة أميال فقط جنوب شرق بحيرة الجليل وتمتد أراضيها إلى البحر نفسه. فيما يتعلق بنقد النصّ، من الواضح أنَّ النصّ السائد في موازاة إنجيل متّى كان جدارا، لكن هذا أقل تأكيدًا في نصّ مرقس، حيث يبدو أنَّ جراسا هي القراءة الأصليَّة.
من ناحية أخرى، يظهر لو 8:26 و37 في أقدم وأفضل مخطوطاته مشيرًا إلى جرجسة. ومع ذلك، فقد أصبح الأمر أكثر تعقيدًا بسبب حقيقة أن جدارا كانت عاصمة مقاطعة، لذا فإنَّ ما قصده المبشر الأوَّل كان “في منطقة الجدريين”…. قد يكون مناسبًا تعريف المكان بالقرب من مدينة كرسي Kursi الحديثة حيث يوجد منحدر شديد الانحدار يمتد حتَّى أربعين ياردة من البحر، وعلى بعد ميلين من ذلك توجد بعض مقابر الكهوف التي ربما كانت تستخدم كمساكن في وقت ما. تم وصف هذا الموقع من قبل العديد من العلماء على أنَّه المكان الأصلي لهذا الحدث وهو ما يُشار إليه جرجسة.
إذا كنا نتعامل مع ترجمة لأصل آراميّ، فمن السهل أن نرى كيف يمكن لجرجسة وجراسا وربما حتَّى جدرا جميعهم كانوا محاولات للترجمة عن الأصل الساميّ، خاصةً إذا كان لديهم شيء جذري مشترك مثل KRS أو GRS. ويستحق أوريجانوس أن يقتبس منه هنا: “فيما يتعلق بأسماء الأماكن الفلسطينيَّة، غالبًا ما تكون النسخ اليونانيَّة غير دقيقة، وقد يضلل المرء بسببها”[29]. يبدو أنه يعرّف الموقع على أنَّه جرجسة، والذي قد يكون هو نفسه مدينة كرسي الحديثة”[30].
وبالفعل بحسب شهادة العالم Witherington، توجد مدينة كرسي عند هضبة الجولان، حيث نرى موقع أثري لأنقاض دير بيزنطي يرجع للقرن الخامس، حيث يعد هذا الموقع تقليديًا- ها هو التقليد يظهر مرّة أخرى- أنَّه الموقع الذي أقام الرب يسوع فيه معجزة الخنازير[31].
توجد ملاحظة جيدة فيما يخص الاقتباس الذي أورده فضيلة الشيخ فيما يخص أنّه لا توجد بلدات أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة، فيقول الآتي:
“وعلى أية حال فإنه: «لا توجد أي بلدات أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة (الذي تنسب إليه القصة) لأن المرتفعات القريبة من المياه على ارتفاع الآف الأقدام»”[32].
وقد أشار إلى أنَّ اقتباسه هذا من كتاب للعالم Rademacher، وبالرجوع للنصّ الإنجليزيّ الأصلي نجد الاقتباس كاملًا كالآتي:
“تقع بلاد الجدريين على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا. تستخدم جرجسيين في مت 8: 28-34 وجدريين في لو 8: 26، 27 وهنا [في مر 5]؛ جرجسيين هو مجرد مصطلح مختلف ولكنه يشير إلى المكان نفسه. لا توجد مدن أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة لأن المنحدرات التي يبلغ ارتفاعها عدة آلاف من الأقدام ترتفع بالقرب من حافة المياه. تكون المنحدرات شديدة الانحدار أقل وضوحًا كلما اتجه المرء جنوبًا نحو جدارا، الواقعة على مرتفعات عدة آلاف من الأقدام فوق وادي الأردن”[33].
ومع مقارنة الاقتباسين نجد اختلافًا كبيرًا، إلى لا توجد عبارة “الذي تنسب إليه القصة”، والأسوء هو اقتطاع فضيلة الشيخ- كالعادة دائمًا- هذه الفقرة دون إيراد ما قبلها وبعدها؛ إذ باقتباس كامل للفقرة نجد الكلام لصالح النصّ الإنجيليّ وليس العكس كما يُظهر فضلية الشيخ.
وفي ختام هذه النقطة يقتبس فضيلة الشيخ من كتاب ستيفن ميلر عن تاريخ الكتاب المقدس، فيقول:
“ويشايعه ميلر فيقول: «رغم كون اسم مرقس موجودًا في عنوان الإنجيل في أقدم المخطوطات التي وصلتنا، فليس هناك ما يدل على أي مرقس هو المقصود، فاسم مرقس كان اسمًا شائعًا في القرن الأول»”[34].
من الواضح أنَّ الالتباس والتخبط في الاقتباسات هو من شيمة فضيلة الشيخ، فمع الرجوع للمرجع الذي يشير إليه هنداوي لا نجد ما يقوله في صفحة 176 بل هو في صفحة 72 من الطبعة نفسها التي أشار إليها الشيخ، يبدو أنَّ التوثيق كان به سهوًا من الشيخ أو على غير علم! نورد الاقتباس كاملًا هنا للفائدة وإيضاح الصورة:
“ولا أحد يعرف على وجه اليقين من كتب هذا الإنجيل رغم أن اسم مرقس موجود في عنوان الإنجيل في أقدم المخطوطات التي وصلتنا. ولي هناك ما يدل على أنَّ مرقس هو المقصود، فاسم مرقس كان اسمًا شائعًا في القرن الأول وبناء على تقليد قديم، كان الكاتب هو يوحنا مرقس الذي رافق بولس وبرنابا بعض الوقت، ثم ارتبط بالرسول بطرس الذي دعاه “مرقس ابني” (1بط 5: 13) أي ابنه بالمعنى الروحي، وبناء على ما ذكره بابياس، أحد أساقفة القرن الثاني (الذي يقتبسه يوسابيوس في القرن الرابع في كتابه تاريخ الكنيسة) كتب مرقس إنجيله على أساس ما علمه إياه بطرس. ومع أن هذا قد يبدو مبالغة، فالأرجح أن مرقس استخدم بعضًا مما تعلمه من بطرس في كتابة إنجيله”[35].
على الرغم من تحفظي على بداية الاقتباس، إلَّا أنَّ الكاتب يشير للتقليد أيضًا ويلمح في نهاية الاقتباس إلى استقلالية إنجيل مرقس بالأكثر عما يظهر من شهادة بابياس، فلماذا هذا الاقتطاع يا فضيلة الشيخ، هذا ليس من شيمة الأكاديمية في البحث.
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد
بابياس وإنجيل مرقس
نأتي للأدلة الخارجيَّة، ولنا على فضيلة الشيخ هنداوي عتابٌ كبير سنأتي لذكره عند سرد شهادات الآباء. تأتي شهادات الآباء متنوعة، وكان أوَّل أب للكنيسة، بعد الرسل، يكتب عن مرقس هو ق. بابياس (60-130م)، أسقف هيرابوليس في فريجيا. فكتب يقول:
“وقال الشيخ (يوحنا): صار مرقس مترجمًا لبطرس كلما تذكر (بطرس) كتب (مرقس) بدقة كلّ ما قاله أو فعله الربّ وإن كان بغير ترتيب. كونه لم يسمع الربّ ولا تبعه لكنه جاء لاحقاً حيث قال (الشيخ) مشيرًا لبطرس الذي تعلم كلما دعت الحاجة. لكنه لم يكن يعلم وفقًا لترتيب أقوال الربّ. لذلك لم يخطئ مرقس عندما كتب ما تذكره. حيث حدد هدفًا واحدًا أن لا يترك شيئًا مما سمعه وإلا يشوه أيًّا من كلمات بطرس “[36].
και τούθ’ ό πρεσβύτερος ελεγεν Μάρκος μέν έρμηνεντής Πέτρον γενόμενος, όσα έμνημόνενσεν, ακριβώς εγραφεν, ού μέντοι τάζει, τά ύπό τού κνρίον ή λεχθέντα ή πραχθέντα ούτε γάρ ήκονσεν τού κνρίον ούτε παρηκολούθησεν αύτώ, ύστερον δέ, ώς έφην, Πέτρω, ός προς τάς χρείας έποιεΐτο τάς διδασκαλίας, άλλ’ ούχ ώσπερ σύνταξιν τών κνριακών ποιούμενος λογίων, ώστε ουδέν ήμαρτεν Μάρκος, ούτως ένια γράφας ώς άπεμνημόνενσεν ενός γάρ έποιήσατο πρόνοιαν, τού ρηδέν ών ήκονσεν παραλιπεΐν ή φεύσασθαί τι έν αύτοΐς.
يقول العالم Jülicher أنَّه “في جميع الدلائل على المكان والزمان والظروف القريبة لتكوين الإنجيل، يمكننا على الأرجح أن نلاحظ الفرضيات القديمة فقط”[37].
إنَّ تقييم شذرات بابياس أمر صعب للغاية، على الرغم من أنَّ عدم إدراك هذا الأمر والعيب الخطير أثناء فحص الكثير من الاستخدام العلمي لما قاله بابياس. ما هو جدير بالملاحظة أنَّ معظم الباحثين يتعاملون مع بابياس فيما يخص السؤال حول مصداقيته. من الناحية المنهجية، يجب علينا أن نسأل أولاً عمّا يقوله بابياس قبل محاولة التقييم التاريخيّ.
عند تفسير شذرات بابياس، يجب أن نكون مدركين تمامًا للعديد من أوجه عدم اليقين التي تتعلق به. فمن هو المقصود بالشيخ πρεσβύτερος الذي تحدث عن مرقس وبطرس؟ وما الذي تشير إليه كلمة ترتيب σύνταξιν؟ وماذا عن مترجم أو مُفسر έρμηνεντής؟ من هو مرقس؟ لم يخبرنا سواء بابياس ولا يوسابيوس عن تلك الأمور، وكانت الكنيسة الأولى تميل إلى تعريفهم مع الأشخاص الذين يحملون نفس الاسم بحسب تقليد الكنيسة. وما المقصود بتعاليم διδασκαλίας بطرس التي كتبها مرقس بحسب ما تذكر ένια γράφας ώς άπεμνημόνενσεν؟ نحن لا نجرؤ على إهمال الآثار المترتبة على العديد من الاختلافات المتعلقة بتفسير بابياس. تقييم اقتباس بابياس إمَّا كمصدر موثوق به أو كمصدر غير جدير بالثقة يتبين أنَّ الحجة المؤسسة عليه هي تخمين على أساس تخمين لا أكثر.
يجب أن نتذكر أنَّ يوسابيوس يقتبس من بابياس، ولا يمكن التحقق من مدى وموثوقيَّة استشهاده هذا. ربما لم يغير يوسابيوس موقفه تجاه بابياس فقط عندما اقتبس منه فحسب[38]، ولكنه أعاد صياغة ما ورد عن بابياس بأهداف محددة، إذ يقول بابياس ما يريده يوسابيوس أن يقوله فقط. في سياق التاريخ الكنسيّ ليوسابيوس، تعتبر ملاحظات بابياس جزءًا من النقاش حول الكتابات المعترف بها منذ القِدم (HE 3.3.3). الحافز المهم هو الخلافة الرسوليَّة (τας των ιερων απστολων διαδοχας، HE 1.1.1)، الخط المتواصل الذي يحرس تعاليم الرسل. كان لدى يوسابيوس آراء واضحة ومصلحة ذاتية قوية وجهت نتائج “تحقيقاته” حول هذه الأشياء. أو كما يقول العالم Orchard “بالنسبة للباحث المعاصر، من المدهش إلى حدٍ ما، وحتّى الصادم بعض الشيء، رؤية الطريقة التي يستخدم بها يوسابيوس تاريخه الكنسيّ كوسيلة للترويج لوجهة نظره الخاصّة”[39].
فقد كتب بابياس كتبه في وقت مبكر، في السنة الأولى أو الثانية من القرن الثاني[40]، كواحد من قادة الكنيسة المهمين في ذلك الوقت. أشار بعض هؤلاء الأشخاص البارزين في الوسط الغربي إلى أنَّ بطرس هو المرجع الأساسي الذي يقف وراء إنجيل مرقس. ومع ذلك، يجب الاعتراف: “بدون ملاحظة بابياس، لم يكن أحد سيربط إنجيلنا بشكلٍ وثيق مع بطرس”[41].
إذًا شهادة بابياس لا يمكن إقامة حجة قوية عليها إذ هي تعبير عن فكر يوسابيوس القيصريّ وتاريخه الذي كتبه، وعلى رغم من فائدته إلَّا أنَّ أيّ باحث واعٍ يعرف أنَّه لا يمكن إقامة حجة قوية عليه إلَّا بشهادات أخرى.
شهادة يوستينوس الشهيد
نأتي للشهادة التالية بحسب فضيلة الشيخ وهي شهادة يوستينوس الشهيد حيث يقول:
“وكذلك الحال عينه مع يوستينوس الشهيد فقد ذكر هذا الإنجيل تحت عنوان «مذكرات بطرس» فقال: «قيل: إنه غير اسم أحد رسله إلى بطرس، وهذا الحدث مدون في مذكراته»”[42].
الغريب أن فضيلة الشيخ يورد اقتباسه هذا دون مرجع، مما يدعو إلى الشك في اقتباسه هذا، ولنرجع لنصّ القديس يوستينوس الذي ورد فيه هذا الأمر، وهو حواره مع تريفون اليهوديّ، إذ قد ورد في فصلين، فيقول:
“لأن [المسيح] دعا أحد تلاميذه- المعروف سابقًا سمعان- بطرس؛ عندما عرف أنَّه المسيح ابن الله، بإعلان أبيه، وبما أنه مكتوب في مذكرات رسله [أي الأناجيل] أنَّه هو ابن الله، وبما أننا ندعوه الابن، فإننا نفهم أنَّه هو بالحقيقة الذي خرج مِن عند الآب قبل كلّ الخليقة بقوته وإرادته..”.
“For [Christ] called one of His disciples— previously known by the name of Simon — Peter; since he recognised Him to be Christ the Son of God, by the revelation of His Father: and since we find it recorded in the memoirs of His apostles that He is the Son of God, and since we call Him the Son, we have understood that He proceeded before all creatures from the Father by His power and will…” (Chapter 100)[43].
“وعندما قيل إنَّه غيَّر اسم أحد الرسل إلى بطرس؛ وعندما ورد في مذكراته أنَّ هذا قد حدث، وكذلك أنَّه قام بتغيير اسم شقيقين آخرين، ابني زبدي، إلى بوانرجس الذي يعني ابني الرعد”.
“And when it is said that He changed the name of one of the apostles to Peter; and when it is written in the memoirs of Him (kaˆ gegr£fqai ™n to‹j ¢pomnhmoneÚmasin aÙtoà) that this so happened, as well as that He changed the names of other two brothers, the sons of Zebedee, to Boanerges which means sons of thunder” (Chapter 106)[44].
من خلال المقارنة بين الاقتباسين المشار للقديس بطرس فيهما، نستطيع فهم المقصود بما ورد في الفصل (106) من حواره مع تريفون، والذي ورد في النصّ الإنجليزيّ بعبارة “the memoirs of Him” وبالعربيَّة “في مذكراته” والضمير هنا يعود على السيد المسيح وليس على القديس بطرس، وما يثبت هذا هو الضمير الذي يقع في بداية الاقتباس إذ يقول: “عندما قيل إنَّه.. And when it is said that He” نلاحظ أنَّ النص الإنجليزي يكتب الضمير بالحرف الكبير وليس الصغير كما هو معتاد، وذلك إشارة إلى أنَّ الضمير يعود على الربّ يسوع، وبالمثل في عبارة “في مذكراته”، فكيف يفترض فضيلة الشيخ أنَّ هذا الكلام عن مذكرات بطرس!
شهادة القديس إيريناؤس
نأتي هنا للشهادة الأكثر غرابة وهي شهادة القديس إيريناؤس، والتي ينقلها لنا عن يوسابيوس القيصري فيقول:
“وشهادة إيريناؤس ينقلها لنا يوسابيوس القيصري كذلك فيقول: «أما مرقس فقد أصبح ناقلًا لبطرس، كتب بدقة كل ما كان يذكر، لكنه لم يرتب ما قاله الرب أو ما عمله، فهو لم يسمع من الرب ولم يتبعه، لكنه لاحقًا، كما يقول، تبع بطرس وتتلمذ على يديه دون أن يقصد بأن يجعل أحاديث يسوع مرتبطة ببعضها»”[45].
وقد أورد هنداوي في حاشيته بخصوص هذا الاقتباس مرجع: “يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة صـ146″، ويشير له في مسرد المراجع بنهاية الكتاب أنَّها نسخة القمص مرقس داود طبعة المحبة، ولكن رجعنا لهذا المرجع الهام وبحسب ترقيم الصفحة التي يشير لها فضيلة الشيخ، لم نجد ما ذكره ولكن وجدنا شهادة القديس إيريناؤس في الفصل الثامن من الكتاب الخامس بصفحة 253 بنسخة القمص مرقس داود طبعة المحبة، والتي يقول فيها:
“ولقد نشر متى انجيله بين العبرانيين بلغتهم، اذ كان بطرس وبولس يكرزان ويؤسسان الكنيسة في روما. وبعد ارتحالهما نقل إلينا مرقس- تلميذ بطرس ولسان حاله- كتابة تلك الأمور التي كرز بها بطرس. ودون لوقا- الذي كان ملازمًا لبولس- في كتابة الإنجيل الذي أعلنه بولس”[46].
وبحسب مرجع آخر أشار له فضيلة الشيخ لاحقًا وهو للعالم Grabe، حيث قال مقتبسًا عن تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصريّ[47]:
“ذهب متّى شرقًا إلى المنحدرين من أصل عبراني وكرز لهم بلغتهم، ووهي اللغة التي كتب بها الإنجيل، بينما اتجه بطرس وبولس غربًا وبشرا وأسسا الكنيسة في روما. ولكن بعد رحيلهما ([exodon]. وبحسب روفينوس “exitum”) مرقس، التلميذ والمفسر ([hermeneutes]) لبطرس، سلمنا الأشياء التي بشر بها بطرس مكتوبة”.
“Matthew went eastward to those of Hebrew descent and preached to them in their own tongue, in which language he also (had?) published a writing of the gospel, while Peter and Paul went westward and preached and founded the church in Rome. But after the departure ([exodon]. “exitum” in Rufinus) of them, Mark, the disciple and interpreter ([hermeneutes]) of Peter, even he has delivered to us in writing the things which were preached by Peter”.
وفي كلا الاقتباسين لا نرى ما أورده فضيلة الشيخ من كلمات “لكنه لم يرتب ما قاله الرب أو ما عمله، فهو لم يسمع من الرب ولم يتبعه“، فكيف هذا، هل يمكن أن تبني حجتك تلك على كلام لا أساس له من الصحة سواء فيما أشرت له من مرجع، أو ما أتينا به من اقتباس مباشر من أحد المراجع الأجنبيَّة التي أشرت لها لاحقًا في كتابك هذا، يا للعجب!
فحص النقاط الثلاث
نأتي لنقاطه الثلاث في التعليق على الشهادات التسعة، وسنعلق عليها نقطة نقطة، يقول فضيلة الشيخ في النقطة الأولى:
“في جميعها اتفاق على تبعية مرقس لبطرس وأنه مدون مذكراته، على خلاف فيها: هل كتبها بإذن بطرس في حياته أو بعد وفاته، وهل شجعه على الكتابة أم لا؟”[48].
يا فضيلة الشيخ تبعية القديس مرقس للقديس بطرس هي مثل تبعية للقديس بولس وكتبعيته لجميع تلاميذ الرب يسوع- حتَّى لو كان له علاقة خاصّة مع القديس بطرس- التبعية في فكر الكنيسة وتقليدها تأتي تحت مفهوم التلمذة، أي تلك العلاقة القائمة على رعاية وإرشاد من هم متقدمين في كنيسة الله، وليس بمعنى ولاء أعمى كعبد وسيد.
النقطة الثانية:
“في ثلاثة منها أن مرقس لم ير الرب (المسيح) ولا اتبعه، وهي شهادة كل من بابياس وإيريناؤس وجيروم، وشهادة (بابياس وإيريناؤس) هما أقدم شهادتين بحسب التقليد، ثم شهادة ثالثة متأخرة وهي شهادة جيروم ومن ثمَ فلا يتأتى أن يكون مرقس من الرسل السبعين الذين أرسلهم المسيح”[49].
من خلال فحصنا لتلك الشهادات تكلمنا عن عدم إمكانيَّة الأخذ بشهادة بابياس بتلك الدرجة من الثقة بشهادة العديد من العلماء والباحثين المتخصصين، وفيما يخص شهادة إيريناؤس أوردنا تلك الشهادة وعرفنا أنَّ تلك العبارة السلبيَّة عن أنَّ مرقس لم ير الرب ولا اتبعه لم ترد حقيقةً في كلٍّ من يوسابيوس القيصري أو نص القديس إيريناؤس مباشرة، نأتي إذًا لشهادة جيروم التي يقول عنها فضيلة الشيخ أنها شهادة متأخرة، وهي بذلك شهادة وحيدة لا يمكن الاعتداد بها، إذ لا دليل يقاس على برهان أحادي ومتأخر أيضًا!
النقطة الثالثة هي:
“والشهادات الستة الباقية لا ذكر فيها لرؤية مرقس للرب ولا لسماعه منه”[50].
يا فضيلة الشيخ أيمكن أن نقيم دليلًا على غياب الشهادات، وهي إحدى المغالطات المنطقيَّة والتي تسمى (الحجة بالصمت Argument from silence)، وهي طريقة عقيمة تدل على فقر الباحث وضعف حجته، بل بالأكثر تسترسل وتصف الكنيسة بأنَّ تقليدها عن مرقس هو بدون أب تتكئ عليه وترد الأمر إليه. يا فضيلة الشيخ تقليد الكنيسة ليس مجرد عبارات وكلمات مكتوبة مع إسناد العنعنة، تقليد الكنيسة يمتد في حياتها وتاريخها وروحها وصلواتها، وهو ما سنأتي على ذكره في الفصل الثاني الخاص بالتقليد.
[1] محمد هنداوي الأزهريّ، نقد التقليد الكنسيّ، الكنيسة المصريَّة أنموذجًا، نشر دار اللؤلؤة، الطبعة الأولى 2021، ص 8.
[2] إيريل كيرينز، المسيحية عبر العصور، تاريخ الكنيسة المسيحية في العشرين قرن، ترجمة عاطف سامي، نشر دار رسالتنا، طبعة أولى 2021، ص 214.
[8] توماس سي. أودين، القديس مرقس في الذاكرة الإفريقية: إعادة تأصيل تقليد الكنيسة المُبكر عن القديس مرقس، ترجمة: نيكلس نسيم سلامة – مينا فؤاد، نشر دار النشر الأسقفية، طبعة أولى 2017، ص 24.
[9] يشرح لنا توماس أودين معنى الذاكرة الأفريقية فيقول: “ما الذي أقصده بعبارة “الذاكرة الإفريقيّة”؟ إنَّها طريقة ذات طابع مميز من النظر إلى التاريخ من خلال أساس الخبرة والمنظور الخاصين بقارة إفريقيا. وكلمة ذاكرة لا تُشير هنا إلى الذاكرة الإفريقيّة “المعاصرة” وحدها، بل إلى أسلوب تَذَكُّر يعود تاريخه الطويل إلى ألفي سنة. وهو أسلوب لا ينسى لأنه يشتمل على تقليد طويل الأمد من الحيويّة الفكريّة. وقد أنجب هذا التقليد ثمارًا أدبيّة ممتدة على مدى قرون كثيرة”. للمزيد انظر
توماس سي. أودين، المرجع السابق، ص 31-44.
[10] من أجل مناقشات حديثة تتعلق بمسائل فنيات إنجيل مرقس، انظر كتاب
Ernest E. Best, The Gospel as Story (Edinburgh: T & T Clark, 1983); John R. Donahue and Daniel J. Harrington, The Gospel of Mark (Collegeville, Minn.: Liturgical, 2002); W. R. Telford, The Theology of the Gospel of Mark, New Testament Theology (Cambridge: Cambridge University Press, 1999); Ben Witherington III, The Gospel of Mark: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids: Eerdmans, 2001).
[11] هنداوي، مرجع سابق، ص 14-15. وبحسب استشهاد هنداوي يُحيل الاقتباس الوارد إلى جون درين، يسوع والأناجيل الأربعة ترجمة نكلس نسيم سلامة ص 249، ط. دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999م.
[12] جون درين، يسوع والأناجيل الأربعة، ترجمة نكلس نسيم سلامة، نشر دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999م، ص 249.
[13] B. Witherington III, The Gospel of Mark: A socio-rhetorical commentary, Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing 2001.
[16] Darrell L. Bock, Jewish Expressions in Mark 14. 61-62 and the Authenticity of the Jewish Examination of Jesus, Journal of the Study of Historical Jesus, 1.2 (2003), p. 147-159
وترجم المقال في: أندرو وهيب، موريس وهيب، التعبيرات اليهودية في إنجيل مرقس 61:14-62، مجلة مدرسة الإسكندرية، العدد السادس والعشرون، السنة الحادية عشر العدد الأول أبريل 2019م، ص 113-132.
[18] اعتمدنا الرد على هذه الإشكالية على ما أورده الراهب نوح الأنبا بيشوي في مقال أليكتروني بتاريخ 16 يوليو 2021، على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، رابط المقال:
https://tinyurl.com/4bb6f75j
[19] بحسب قاموس Strong، تحت كلمة horion أو ὅριον، انظر الرابط التالي:
[24] J. Adna, “The Encounter of Jesus with the Gerasene Demoniac,” in Authenticating the Activities of Jesus, ed. B. Chilton and C. A. Evans (Leiden: Brill, 1999), pp. 279–301.
[25] B. Witherington III, op. cit., for Mark 5:1-20.
[26] Michael Willett Newheart, My Name is Legion: The Story and Soul of the Gerasene Demoniac, Collegeville, MN: Liturgical Press 2004, p. 44-45.
[29] ورد على هذا في تعليق أوريجانوس على يوحنا 6: 24 كما هو مقتبس في
C. Oden and C. A. Hall, eds., Mark, vol. 2 of The Ancient Christian Commentary on Scripture (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 1998), p. 67.
يمضي أوريجانوس ليضيف رأيه بأنَّ النصّ الأصلي يشير إلى جرجسة، وهي قرية بالقرب من بحيرة طبريا وكان لها تلة مثل تلك الموصوفة في القصّة. ويشير إلى أنَّ اسم تلك القرية يعني “سكن الشخص الذي يخرج” ويقترح أنَّ المدينة ربما سميت بهذا الاسم نبويًّا، أو على الأرجح، أخذت مثل هذا الاسم بعد هذا الحادث، وفي هذه الحالة كان لها اسم آخر قبل ذلك الحين.
[30] B. Witherington III, op. cit., for Mark 5:1-20.
[33] Thomas Nelson, Earl D. Radmacher, Nelson’s New Illustrated Bible Commentary: Spreading the Light of God’s Word into Your Life, Thomas Nelson Publishers 1999, Mark 5:1.
R.M. Grant, ‘Papias in Eusebius’ Church History’, in A. Bareau (ed.), Melanges d’histoire des religions offerts a Henri-Charles Puech (Paris: Universitaires de France, 1974), pp. 209-13.
[39] J.B. Orchard, ’Some Guidelines for the Interpretation of Eusebius’ Hist. Eccl. 3.34-39’, in W.C. Weinrich (ed.), The New Testament Age: Essays in Honor of Bo Reicke (Macon, GA: Mercer University Press, 1984), pp. 393-403 (399).
R.W. Yarborough, ‘The Date of Papias: A Reassessment’, JETS 26 (1983), pp. 181-91; U.H.J. Kortner, Papias von Hierapolis: Ein Beitrag zur Geschichte des frühen Christentums (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1983), pp. 225-26.
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
الآباء المدافعون Apologists (القرن الثاني) الذين كتبوا دفاعًا عن المسيحيين، وقدموها للولاة الوثنيين الذين كانوا يتهمّون المسيحيين بقضايا أخلاقية، وبأنهم من آكلي لحوم البشر، وعدم ولائهم للحكام.
ومن أشهر الآباء المدافعين:
يوستينوس الشهيد (استشهد عام 165 م):
كرَّس يوستينوس ذاته لنشر الديانة المسيحيّة والدفاع عنها، فذهب إلى روما حيث فتح هناك مدرسة، وكان يتخذ الفلسفة وسيلة للتبشير بالمسيحيّة والدفاع عنها، وكان يعقد مقابلات متكرّرة مع اليهود والوثنيين حيثما التقى بهم وكذلك مع الهراطقة، وفي هذه المناقشات أظهر صبرًا وثباتًا عجيبين.
أهم أعماله التي قدَّمها للمسيحية في ذلك الوقت هو دفاعه عام 152 م، فدفاعه الأول (68 فصلاً) والثاني (25 فصلاً) قدمهما إلى الإمبراطور أنطونيوس بيوس وابنه الإمبراطور مرقس أوريليوس، وحواره مع تريفو Trypho اليهودي.
وكان دفاعه مليئًا بالشجاعة والكرامة والإنسانية، فقد كان اتجاهه في دفاعه هو عدم التوّسل أو الخوف من القوة الغاشمة، وحواره مع تريفو اليهوديّ (142 فصلاً) هو عبارة عن مناظرة مع يهوديّ معتدل طالب للمعرفة، التقى به في مدينة أفسس، وقد استغرقتْ هذه المناظرة يومين، ويلاحظ أن يوستينوس في دفاعه الذي قدَّمه يبدو كفيلسوف يحدث فلاسفة، أما في حواره مع تريفو فكمؤمن بالعهد القديم إلى ابن من أبناء إبراهيم.
أثيناغوراس الفيلسوف (القرن الثاني):
كان فيلسوفًا يرأس إحدى كراسيّ الأكاديمية “الموزيم Museum” بالإسكندرية، أكبر مدرسة فلسفية علّمية في الشرق في ذلك الحين، تنافس مدرسة أثينا، وكان يعتبر من أساطين الديانة الوثنية، بعد دخوله المسيحيّة صار مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة من رجال القرن الثاني الميلاديّ (177م)، كتب دفاعه أو التماسه أو شفاعته (إبريسفيا) عن المسيحيّة، وقدَّمه إلى الإمبراطور مرقس أوريليوس، تلمس في كتابَاته العقل الفلسفيّ الذي هذبته الثقافة اليونانية مع مَلَكَة رائعة في الكتابة[1].
القديس إيريناؤس أسقف ليون (140-202م):
أحد رجال الكنيسة العظام في القرن الثاني، وضع أساس علم اللاهوت المسيحيّ الغربيّ، فهو أول لاهوتي يُؤكّد على الدور اللاهوتيّ للكنيسة، وعلى دور قانون الكتاب المقدس، وعلى التقليد العقائديّ واللاهوتيّ، لذا دُعي “أب اللاهوت المسيحيّ”، “أب التقليد الكنسيّ”.
أظهر غيرة صادقة على الحفاظ على الإيمان المستقيم، مقاومًا الهرطقات خاصة الغنوسية والمونتانية، للأسف فُقدتْ أغلب كتاباته اليونانية، لكن عثر على الترجمة اللاتينية لخمسة كتب له باسم “ضد الهرطقات”، كما عثر أخيرًا على ترجمة أرمنية لكتابه “برهان الكرازة الرسوليّة”، يشرح فيه العقيدة المسيحية ثم يثبت صحتها من خلال العهد القديم هذان العملان نجد فيهما وحدهما عناصر النظام اللاهوتيّ المسيحيّ الكامل.
القديس هيبوليتوس الرومانيّ (170-235م):
وهو كاتب ماهر يستخدم اللغة اليونانية، صار لاهوتيًّا متميزًا في كنيسة روما، يرى البعض أن القديس هيبوليتس يماثل القديس إيريناؤس في العلوم اللاهوتية، والعلاَّمة أُوريجانوس كدارسٍ، وترتليان في رؤيته للأمور، لكنه أقلّهم جميعًا من جهة الأصالة وتقديم ما هو جديد، أهم عمل يُنسَب للقديس هيبوليتس هو “تفنيد كل الهرطقات Refutation of all heresies“ أي تلك التي وُجدتْ أصولها في المدارس الفلسفية اليونانية. كذلك كتب “ضد كل الهرطقات” يقاوم فيه 32 هرطقة.
القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة (200-258م):
كان كبريانوس رجل رعاية أكثر منه رجل علوم لاهوتية، فلم يكتب لأجل البحث في الأمور اللاهوتية، وإنما ليعالج مشاكل رعويّة وكنسيّة عمليّة تسد احتياجات الشعب حسب الظروف التي عاشت فيها الكنيسة في قرطاجنة، من أشهر مؤلفاته “وَحْدَة الكنيسة De ccelediae untate“، وله أيضًا مجموعة رسائل متنوعة، من بينها رسالة عنوانها “الرد على ديمتريانوس” يؤكد فيها أن المسيحييّن ليسوا مسئولين عما حلّ بالعالم من ويلات الحروب والأوبئة، فالعالم شاخ وانحطّ فقلّ خصبه ونتاجه..
والذنب في ذلك ليس ذنب المسيحييّن بل هو ذنب الوثنيين الذين أخطأوا وارتكبوا المُوبِقَات (كبائر المعاصي) واضطهدوا المسيحييّن، فأثاروا بذلك غضب الله واستحقوا القصاص، كما كتب مقالة عنوانها “حثَّ على الاستشهاد” موجّهة إلى فورتوناتوس Fortunatus من ثلاثة عشر فصلاً.
العلاّمة ترتليانوس (160-240م):
كاهن قرطاجنة، أب علم اللاهوت في الكنيسة اللاتينية، قدَّم مخزنًا غنيًّا من الكتابات الفلسفيّة والتاريخيّة والجدليّة الدفاعية والعمليّة، وكان في كتاباته معادًّا للفلسفة على خلاف أغلب آباء مدرسة الإسكندرية في عصره، الذين رأوا في الفلسفة وسيلة لكسب الفلاسفة واليونانيين للإيمان..
كما قدَّم مصطلحات لاهوتيه، ويُعتبَر أحد المدافعين المسيحييّن الأوائل، فيما يخص كتاباته الدفاعية كتب “رسالة إلى الأممين الوثنيين”، و”رسالة الدفاع أو الاحتجاج”، “والرَّد على اليهود”، وبه في الدفاع عن الاستشهاد رسالة دعاها “ترياق العقرب”، وحضّ على الاستشهاد والصبر على الاضطهاد في رسالة دعاها “إلى الشهداء”، يُعتبر من الهراطقة لانضمامه إلى المونتانيين للأسف، حيث سقط في بدعة المونتانيين Montanism ما بين سنتي 202، 205م..
إذ ادَّعى مونتانيوس أنه البارقليط الموعود به في الإنجيل، حيث يقول عنه جيروم “لا استطيع أن أقول عن ترتليانوس إلاَّ أنه لا ينتمي إلى الكنيسة”.
من آباء ومعلمين مدرسة الإسكندرية في القرنين الثاني والثالث:
أكلِمَنْضُس السكندريّ (150-215م):
أهم كتاباته ثلاثة كتب دُعيتْ “ثالوث أكْلِمَنْضُس” تمثل منهج مدرسة إسكندرية، وهي:
نصائح لليونانيين Perotrepticus: وهو دعوة لترك الوثنية وقبول الإيمان المسيحيّ بواسطة المسيح.
المعلِّم Paedagogas: وهو دعوة لتحويل الإيمان إلى عمل لنكون مشابهين لابن الله، وتحت قيادته إذ هو المعلِّم الوحيد.
المتفرقات Stromata: كتابات غايته التمتع بالمعرفة الروحيّة الفائقة، وهو غاية المسيحيّ؛ وذلك خلال اتحاده بالمسيح كعريس للنفس.
له كتب أخرى مثل: مَن هو الغني الذي يخلص؟ والمجمل، ورسالة عيد الفصح.
العلاّمة أوريجانوس (185-254م):
وضع مؤلفات كثيرة وكان لها شهرة جبارة، إذ يُقدِّر جيروم كتابات أوريجانوس بألفي (2000) مُجَلَّد، ويُعلِّق جيروم بقوله مَن منا يقدر أن يقرأ كل ما كتبه، بينما يذكر إبيفانيوس ستة آلاف مجلد، كتب أيضًا كتاب “عن المباديء De Prircipiis” الذي يعتبر أول منهج لاهوتيّ مسيحيّ، مناقشة مع هيراقليدس “ضد كالسس”…
البابا ديونيسيوس الرابع عشر (180-261م):
تتلمذ على يدي العلاَّمة أوريجانوس، وصار أحد كواكب مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة اللامعين، لقبه القديس أثناسيوس “معلِّم الكنيسة الجامعة”، تُعتَبر كتابات البابا ديونيسيوس حجة في اللاهوتيّات، له كتابات كثيرة لكن للأسف لم يبقَ منهت إلاَّ شذرات حُفظت خلال كتابات يوسابيوس وأثناسيوس وغيرهما، وكما يقول Neale: “فقدان كتابات ديونيسيوس هي إحدى الخسائر العظمى التي لحقت بالتاريخ الكنسيّ”، فله كتابات عن الطبيعة وعن المواعيد، تفنيدًا ودفاعًا كذلك له رسائل دفاعية، كما ساهم في الرد على سابيليوس.
ومن آباء القرن الرابع:
البابا أثناسيوس الرسوليّ (328-373م):
كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ عن “تجسّد الكلّمة”، كما كتب “شرح الإيمان” كما وضع كتابات دفاعية منها “ضد الوثنيين” دفاع عن الإيمان المسيحيّ ودحض للوثنية، كذلك له مؤلفات لمقاومة الأريوسية، فكتب “الرّد على الأريوسيين”، كما أن له ثلاث رسائل في الرد على الآريوسيين (356-358)، دفاع عن مجمع نيقية 325م، الدفاع المقدم للإمبراطور قسطنتيوس، تاريخ الآريوسية، ضد الآريوسية..
كما أن له كتاب دافع فيه عن هروبه من مضطهديه، كما كتب وعن ألوهة الروح القدس، وأرسل خطابات إلى أساقفة مصر وليبيا ولوسيفر أسقف كالاريس (كاجلياري بجزيرة سردينيا غرب إيطاليا) وإلى الرهبان المصرييّن، وخمس رسائل عقائدية للقديس سيرابيون أسقف طمويه (تمي)، وهي خطابات في ألوهية الروح القدس، من أهمية أقوال وكتابات القديس أثناسيوس كان هناك قولاً شائعًا “أنه إذا وجدت عبارة من أقوال القديس أثناسيوس ولم تجد ورقة لتكتبها، فأكتبها على قميصك في الحال”.
القديس هيلاري أسقف بواتيه (315-367م):
يُدعَى القديس هيلاري “أثناسيوس الغرب”، فقد كرز وكتب واحتمل النفي دفاعًا عن ألوهية السيد المسيح، كتب مؤلفه المشهور “عن الثالوث القدوس On the Trinity“، غالبًا ما كتب الفصول الثلاثة الأولى قبل عام 356م في منفاه، ويتضمن 12 كتابًا، تناول فيها التفسير السليم للآيات التي اعتمد عليها الأريوسيين، لدرجة أنه خصص الكتاب الثاني عشر كله عن آية واحدة وهي “الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم” (أم22:8).
وفي منفاه كتب أيضًا “عن المجامع” حيث أوضح شروحات قوانين الإيمان، كذلك من أهم أعماله كتاب “عن الإيمان De fide“، لقد أوضح أن وجود الله يمكن التعرّف عليه بالعقل، وأما طبيعة الله فلا يمكن إدراكها، كما أن معرفة الثالوث تتحقق بواسطة إعلان الابن، يقول الابن: “أنا فيك وأنت فيّ” (يو4:14)، ويعلّم هيلاري أن للروح القدس سمات الآب والابن ذاتها.
القديس مارِ أفرام السريانيّ (303-373م):
أغنى القديس مارِ أفرام السريانيّ المكتبة المسيحيّة بكتاباته المنظومة شعرًا وأيضًا المنثورة، وهي لا تقل عن ثلاثة ملايين من الأسطر، ضمتْ شرحًا للأسفار المقدسة كلها، كذلك موضوعات الجدل الدينيّ، وبعض مقالات ورسائل مع ميامر وتسابيح.
له كتابات في اللاهوت المقارن، كما كتب 56 مدراشًا (نشيدًا) ضد هرطقات برديصان[2] وماركيون وماني. كذلك كتب 87 نشيدًا في الإيمان ضد الآريوسيين، وهاجم في أربعة منها يوليانوس الجاحد.
كما كتب خطبة عن “سيدنا” تناول فيها ألوهية السيد المسيح وفدائه للبشر، وكتب أشعارًا كثيرة عن العذراء يتغنى ببتوليتها، وحقيقة كونها والدة الإله[3].
القديس باسيليوس الكبير (329-379م):
كتب كتابًا “ضد افنوميوس” تناول فيه 15 آية من التي يعتمد عليها الأريوسيون، كذلك كتب عن “ألوهة الروح القدس” في 30 فصلاً، وعن أيام الخليقة الستة.
القديس كيرلس أسقف أورشليم (315-386م):
تُعتَبر أهم كتابات القديس كيرلس الأورشليميّ “مقالات للموعوظين”، وهي 24 مقالاً، الأولى مقدمة و23 أخرى، ومن هذه المقالات 18 أُلقيت في فترة الصوم على المستعدين للعماد، ربما عام 350م في كنيسة القبر المقدس، أُلقيت شفاهًا وسجّلها أحد السامعين…
هذه المقالات لها أهميتها العظمى كشاهد لطقس المعمودية ومفهومها اللاهوتيّ في القرن الرابع، كذلك خمسة مقالات عن الأسرار، فقد أُلقيت على المعمّدين حديثًا خلال الأسبوع الأول من عيد القيامة، تشرح ليتورجية الأسرار الثلاثة التي تمتّعوا بها في ليلة العيد وهي: العماد والميرون والتناول[4].
القديس إغريغوريوس الناطق بالإلهيات (329-390م):
كتب مقالات ضد افنونيوس، وضد يوليانوس الجاحد، كذلك له خمس مقالات لاهوتية، في الأولى يتحدث عن أصول التعاليم اللاهوتية بطريقة سليمة، فيشدّد على الإيمان والطهارة وعجز المنهج الجدلي (dialctique)، وفي الثانية يشدد على أن في العالم نشاهد عظائم الله فقط، وفي الثالثة والرابعة يحارب تعاليم آريوس التي تنادي بأن الابن مخلوق، وفي المقالة الأخيرة يؤكد أن ألوهية الروح القدس، إذ هو سرمديّ مع الآب والابن.
القديس إغريغوريوس أسقف نيصص (330-395م):
كتب كتابًا “ضد افنوميوس” يشمل 12 فصلاً، كذلك كتب ردًا على الكتاب الثاني لأفنوميوس، كما كتب أيضًا ضد البيلاجيين، كما كتب مقال يوضح فيه هرطقة الابولينارية كطلب بابا الإسكندرية تاوفيلس 23، كما كتب “ضد الأبوليناريين”، وله كتابات عن الروح القدس، عن الأرواح، وعن الأسرار.
القديس أمبروسيوس (339-397م):
للقديس أمبروسيوس كتابات عقائدية، وتفسيرية، ونسكية وأخلاقية، وعظات، ورسائل. من كتاباته العقيدية كتاب عن الثالوث القدوس يشرح فيه عقيدة التثليث، ويؤكد ألوهية السيد للرد على الأريوسيين، وآخر عن الروح القدس، وعن سر التجسد الإلهيّ ضد الأريوسيين والأبوليناريين، وعن الأسرار، وعن التوبة ضد أتباع نوفاتيان ليؤكد سلطان الكنيسة في حل الخطايا وضرورة الاعتراف وأهمية الأعمال الصالحة، وكتاب يرثي فيه أخاه يحوي حديثًا عن عقيدة القيامة.
العلاَّمة القديس ديديموس الضرير (313-398م):
نالت كتابات القديس ديديموس مدير المدرسة مدير المدرسة اللاهوتيَّة في عهد البابا أثناسيوس شهرة واسعة، كتب عن الروح القدس ومن شهرته أنه عندما طلب الأنبا داماساس أسقف روما من جيروم أن يضع له كتابًا عن الروح القدس، لم يجد جيروم أفضل من أن يترجم له كتاب القديس ديديموس فترجمه إلى اللغة اللاتينية، كما استخدم القديس أمبروسيوس النص اليوناني كمصدر لكتابه عن الروح القدس[5]..
ويعد كتابه عن الروح القدس أفضل ما كُتب في القرن الرابع الميلاديّ عن الروح القدس وسُمِّيَ القديس ديديموس ب“لاهوتيّ الروح القدس”؛ كتب عن الثالوث: يقع هذا العمل في ثلاثة كتب، وضعها ما بين عام 381 و392، لا تزال موجودة، كتب أيضًا ضد أتباع ماني: يتكون هذا العمل من 18 فصلاً صغيرًا، وهو موجود باليونانية، كما كتب أيضًا “عن الفلسفة” وعن “التجسد”.
القديس إبيفانيوس أسقف قبرص (315-403م):
من أهم كتاباته: كتابَ “المرساة”، كما كتب “ضد جميع الهرطقات” وهو ما يُعرف “خزانة الأدوية” ذكر فيه 80 هرطقة، كما كتب “الرجل الثابت” ردًا على أسئلة بعض الكهنة بخصوص الثالوث والروح القدس[6].
القديس يوحنا ذهبيّ الفم (344-407م):
للقديس يوحنا ذهبيّ القم العديد من الكتابات، معظمها عظات ومقالات منها “في طبيعة الله التي لا يمكن إدراكها”، كذلك كتب في المعمودية للموعوظين، عظات ضد التهود، ضد الوثنيين، ضد يوليانوس، ضد يوليانوس والأمم، في عدم تكرار الزواج، في عناية الله، كما كتب عن الكهنوت، وعن الأسرار.
القديس أغسطينوس (354-430م):
كتب القديس أغسطينوس “في الثالوث” كتبه في 15 جزءًا، كما كتب “في البدع”، “والروح القدس”، كذلك وضع طتبًا في الرد على المانيين (3 كُتب)، والدونايين (17 كتاب)، والبيلاجيين (4 أجزاء)، ضد يوليانوس (6 أجزاء)، وتعرّض في كتاباته لموضوعات عن الله وطبيعته، الخير والشر، كذلك الطبيعة البشريّة وخصائصها، الخطيئة الأصلية، النعمة وعملها، المعمودية، النسك، الزواج.
بلغت كتاباته حوالي 232 كتابًا، كما أن له مقالات فلسفية مثل “الرد على الأكاديميين”، و”الحَيَاة السعيدة”، و”خلود النفس”، وأيضًا أعماله الجدلية ضد اليهود والوثنيين، وضد البيلاجيين وضد الأوريجانيين، كما كتب في النسكيات والأخلاقيّات والموسيقى. كتب أيضًا “مدينة الله” الذي يُعد من أهم كتب القديس أُغسطينوس الدفاعية ضد الوثنية.
القديس كيرلس عمود الدين (475-444م):
تُعتبَر كتابات القديس كيرلس من أعظم ما ورد في الأدب المسيحيّ المبكر، فهي تكشف عن عمق في الفكر، وغنى في الآراء، وتحمل براهين ثمينة وواضحة تؤكد ما للكاتب من قدرة على البصيرة والجدل، تجعل كتاباته من المصادر الأولى لتاريخ العقيدة والتعليم الكنسيّ.
كتب في شرح عقيدة الثالوث القدوس كتابين هما “الكنز في الثالوث القدوس المساوي في الجوهر”، والثاني يتكون من مجموعة كتب باسم “على الثالوث القدوس المساوي في الجوهر” وهو المعروف بـ”حوار حول الثالوث”، كما كتب القديس كيرلس عمود الدين ضد نسطور، فكتب “الحرومات الاثنى عشر ضد نسطور”، وكتب أيضًا “شرح تجسد الابن الوحيد”، “على الإيمان الحقيقيّ”، وكتب ضد سابليوس..
كما كتب ضد يوليانوس الجاحد الذي وضع ثلاثة كتب ضد المسيحيّة “ضد الجليليين”، طعن يوليانوس فيها في ألوهية السيد المسيح وشكّك في أقواله وتعاليمه ومعجزاته، فقام البابا كيرلس بالرّد على هذه الأقوال وفنّدها كلها، وذلك في ثلاثين كتابًا، ولم يكتفِ بذلك بل كتب للإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير يطلب منه جمع كل نسخ كتب يوليانوس وحرقها فكان له ما أراد.
[1] Schmid, Manual of Patrology, P. 97.
[2] غنوسيًّا اشتهر في نهاية القرن الثاني، ونشر عقائد خرافية في 150 مزمورًا.
[3] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 175.
[4] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ض-م) – 2001 – ص 290.
[5] فهرس كتابات آباء كنيسة الإسكندرية – الكتابات اليونانية – راهب من الكنيسة القبطية – الطبعة الأولى يناير 2003 – ص 308.
[6] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 232.
الكتاب المقدس هو حياة الكنيسة ودستورها يُفسَّر من خلال عظات آبائها وسيرهم، فنتعرف من خلالهم على السيد المسيح الذي هو رأس الكنيسة، فالآباء هم الذين أُعطوا أن يفسّروا لنا الكتاب المقدس بنعمة الروح القدس العامل فيهم، فآبؤنا هم الذين اقتنوا روح الرب القدّوس، الذي منحهم الاستنارة لكي يفسّروا كلمة الحق باستقامةٍ، يساعدنا على تحويل الكلام الإلهيّ إلى غذاء قابل للهضم يتغذى به كل واحد منا على قدر قامته.
فكما يقول القديس أُغسطينوس نحن لم نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة والآباء هم الكنيسة، فهم الذين جعلوا الكتب في متناول أيدينا، وأن الكلمة الإلهيّة لا تنفصل عن كلمة الآباء الذين يفسّرونها .. أن يقولوا: هذا حق وذلك باطل، صار بإمكانهم أن يَفصلوا، باستقامةٍ كلمة الحق.
الكتاب المقدّس هو كلمة الله، فمَن يستطيع أن يفسّره لنا غيره؟ فلما كان لا يعرف الله إلاَّ روح الله القدوس العامل في الآباء القديسين، لذا منحهم الاستنارة لتفسير الكتاب المقدس.
إن ما يُميّز الكنيسة الأرثوذكسية – سِرّ وحدتها – يرجع أن تفسيرها للكتاب المقدس مبنيُّ على أُسس آبائية، فلولا تفسيرات الآباء لكان لكل واحد تفسيره حسب رؤيته الشخصية كما يدعو البروتستانت إلى ذلك، وهذا هو سبب انقسامهم لطوائف عدة، لكن لكي نحافظ على “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، لابد أن يكون فهمنا للكتاب المقدّس مبنياً على تسليم آبائيّ فيكون لنا سقف فوق رؤوسنا لا نعلو عنه، وإطار نلتزم به حتى يكون لنا سياجاً واقياً.
فمع تعدد التأملات، هناك في الوقت نفسه وَحْدَة في الروح، وحدة في الكلمة، وحدة في عمل الله، وهذا ليس بغريب طالما الروح واحد، وهذا ما يرفضه بعض الدارسين اليوم، مما يقودهم إلى الضلال الذي إذا تمادوا فيه يؤدي بهم إلى سلسلة لا تنتهي من الهرطقات.
كتابنا لا ينفصل عن خبرات الآباء القديسين وتعاليمهم، وسيرهم لا تنفصل عن الكتاب المقدس معاشاً ومُشخَّصاً في حياتهم، إذاً نحن نقرأ ونفهم ونتعلم في إطار التعليم الآبائيّ الأصيل.
يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: [“الذين يبعثون بالهرطقات الباطلة فيستخدمون كلمات الكتاب المقدس، لكنهم لا يتمسكون بما تسلمناه من القديسين، ناظرين إلى أن ما يتسلموه من القديسين هو من تقاليد الناس، هذا خطأ إذ هم لا يعرفون مَن هم القديسين ولا ما هي قوتهم؟! لذلك مدح معلمنا القديس بولس الرسول أهل كورنثوس، لأن أفكارهم كانت متفقة مع التقاليد التي سلمهم إياها.
وقد وبخ الرب اليهود قائلاً لهم: “وأنتم أيضاً لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟!” وذلك لأنهم غيَّروا الوصايا التي استلموها من الله بحسب فهمهم مفضلين اتباع تقاليد الناس.
أما القديس بولس الرسول فقد أصدر توجيهاته إلى أهل غلاطية الذين كانوا في خطر من هذا، كاتباً لهم يقول: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»[1]].
معنى كلمة تفسير
كلمة تفسير مصطلح يونانيّ αίϵѵημρϵ҅، يعني: ترجمة من لغة أجنبية إلى لغة معروفة عند القاريء، أو عَرض جوهر الأمور بطريقة سهلة وواضحة.
ويرتبط هذا المصطلح بالأمور الدينية لدى اليونانيين، فهو مرتبط باسم الأله “هرمس ςημρϵ҅ ” إله المعرفة والكلام عند اليونايين القدماء، لذا نجد أهل لسترة يدعون بولس بـــ “هرمس”، “إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ” (أع 12:1)، وهرمس عند الغنوسيين هو الحامل للكلام الشفهيّ، والمكتوب أيضاً المساعد للبشر على المعرفة الصحيحة وفهم الأمور المعقدة، لذا كان هرمس المفسر لإرادة ومشيئة الإلهة[2].
هذا وقد كان اليونانيون في حاجة إلى التفسير الرمزيّ، لمساعدتهم في فهم الأعمال الدينية والأدبيّة للشعراء والكُتَّاب القُدامَى، أمثال هوميروس الذي كتب روايتين هامتين هما الإلياذة والأوديسيّة، وقد كان لهما تأثير على الفلسفة الهيلينية[3]، لقد كان هذا المنهج التفسيريّ لأعمال الأدباء وليد الاعتقاد بأن هناك حكمة سِريّة تختفي وراء النص اللغويّ، والكلمات ما هي إلاَّ ستار أو حجاب يُغطي الحقيقة المخفية والتي مصدرها إلهام إلهيّ[4].
في المدرسة الرواقية[5] قُسِّم المنهج التفسيريّ إلى نظامين وهما:
الرمزيّة الطبيعية: وهي التي تختص بالإلهة والعالم.
الرمزيّة الإخلاقيّة: وهي التي تختص بواجبات الإنسان.
انتقال أسلوب التفسير الرمزيّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية
انتقل المنهج التفسيريّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية، ولكننا نجد أن هناك فروقاً بينهما[6] كالآتي:-
1- الرمزيّة اليونانية ليس لها قواعد او قوانين تحدها إطلاقاً، بل للكاتب حرية مطلقة في تطبيق التفسير، بينما في اليهودية والمسيحية الرمزيّة لها إطار محدَّد تتحرك في داخله، وخليفية تاريخيّة، واتجاه محدد وهو خطة الله للخلاص.
2- التفسير في البيئة اليونانية عملية ثانوية قليلة الأهمية تُوضّحِ حقيقة فقط، بينما في اليهودية والمسيحية ليس فقط إعلان حقيقة مَعرفية، بل تمتد إلى أن تملأ الحياة والفكر من واقع الكتاب المقدس “اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ روُحٌ وَحَيَاةُ” (يو 63:6).
التفسير في اليهودية
في البيئة اليهودية كان الناموسيون والكتبة هم المفسرون للكتاب المقدس، فيما يختص بالناموس وتطبيقاته والحيَاة اليومية مستعيناً بتقليد الشيوخ، وتُعُد أهم كتب التفسير والتقليد في اليهودية هي:-
المدراش[7]:-
وهو يوضح التفسير والنتيجة، كما يتم تفسير الأدب المدراشيّ عن طريق قواعد تفسير محددة مثل السبعة قواعد التي صاغها الرّابي هليل (حوالي 30 ق.م)، وقد اتسعت بعد ذلك لتصل إلى 32 قاعدة تفسيرية في القرن الثاني الميلاديّ[8].
ويتناول المدراش تفسير الكتاب المقدس على النحو التالي:
1- التفسير الحرفيّ للنص أو (Peshat).
2- التفسير الرمزيّ للنص القانونيّ أو (Remez) وهو الأسلوب المتبع في الشروحات التي تتناول الشريعة أو الهَلَكا.
3- التفسير الرمزيّ للنصوص التاريخيّة والشعرية والنبوية (Darush)، وهو الأسلوب المتبع في الهَجَدة.
4- التفسير الصوفيّ للنص أو(Sod)، وقد انتشر بصورة خاصة بعد سقوط أورشليم في أيدي الرومان عام (71م)، عندما أسس الرابي “هلّيل Hillel ” مدرسة “الكابالا Cabala” خارج أسوار أورشليم، وقد وصلتنا هذه التفاسير الصوفية من خلال كتابات الآباء في القرون الأربعة الأولى.
5- علم التفسير الأرقام Gematria.
6- علم تفسير الألفاظ Notarikon، وهو يُبسط معاني بعض الألفاظ التي استخدمت في المدراش لتُلخص عبارة ما أو جملة بكاملها: والعبارة إخثيس ΥΣϴΧІ مثلاً، التي اُستخدمتْ في الكنيسة الأولى تلخيصاً للجملة: يسوع المسيح ابن الله المخلِّص،ρ ́ηԏωΣ σόʼɩΥ ϵόςϴ ςόԏσɩΧρ ς ̂ѵοσηІ وهذا مثال على اقتباس الآباء الأولين أسلوب النوتاريكون (علم تفسير الألفاظ).
7- علم تفسير الألفاظ الذي يقوم على استخدام كلمة واحدة ليضع الكلمة ذاتها في لفظة جديدة، (وهذا الأسلوب اُستخدم في زمن الاضطهاد منعاً لوقوع النصوص الكتابيّة وخاصة النبوية منها – كسفر الرؤيا – في أيدي غير المؤمنين، ومن ثمَّ إساءة تفسيرها واستغلالها سياسياً)، وهذا العلم يُسمَّى “التيمورا Temoorsh“، ومثال ذلك نجد سفر الرؤيا (رؤ 16:16) عدة ألفاظ، مثلاً: “فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعبرانية هرمجدون”، وهرمجدون= روما هجدول أي روما الكبيرة.
مثال على التفاسير اليهودية للربان هليل:
لو جاء الفصح اليهوديّ يوم سبت، فهل من تعارض بين الاحتفال بالفصح وعمل ما يستلزم لذلك، مع الاحتفاظ بوصية الراحة في السبت!!
هنا تُفسَّر على أساس تطبيق مبدأ من الأصغر إلى الأكبر، فراحة السبت وصية مقدسة، والفصح أمر مقدس أيضاً، حيث إن التقدمة الصباحية والمسائية تُقدم في الهيكل يوم السبت، ولا يمكن أن تُبطل تقدمة المساء والصباح بحجة احترام راحة يوم السبت، فكم بالأحرى يسري هذا الأمر على تقدمة حمل الفصح.
كذلك استخدم السيد المسيح القواعد التفسيرية للرابونيين، فمثلاً عندما كان يسير مع تلاميذه بين الزروع، يوم السبت، وكان التلاميذ يقطفون السنابل، قال له الفريسيون: “انْظُرْ لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي السَّبْتِ مَا لاَ يَحِلُّ؟” (مر 24:2)
أجابهم السيد المسيح مطبقاً قاعدة التفسير من الأصغر للأكبر “فَقَالَ لَهُمْ أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ” (مر 25:2)، فقد طبق هذا القانون الذي فعله داود حين جاء إلى أخيمالك الكاهن، هو والذين معه وكانوا جياع، ولم يكن هناك أكل، فأكلوا خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلاَّ للكهنة (1صم21: 1-6)، على ما فعله التلاميذ يوم السبت[9].
التلمود תּלּמּךּךּ[10]
التلمود هو مجموعة تفاسير الناموس والتوراة. يحتلّ التلمود مكانةً هامة داخل الديانة اليهودية، فهو يُعَدُّ من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسيّة للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة)، والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أي مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسِجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية والوعظية.
وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية السماعية، وقبلت إلى جانب الشرائع المدوّنة في أسفار موسى الخمسة،[11] وقد اُستخدمت الموسيقى كطريقة فعّالة في حفظ التلمود قاموا بتلحينه[12]. توجد نسحتان من التلمود وهما: التلمود الفلسطينيّ والتلمود البابليّ، وقد كتبتا في أوقات متباعدة، واختلفتا في المضمون وأسلوب العرض واللغة[13]:-
† التلمود الفلسطينيّ :-
وينسبه اليهود خطأ إلى أورشليم (القدس) فيقولون “الأورشليميّ، مع أن القدس كانت قد خلت من المدارس الدينيّة بعد هدم الهيكل الثاني، وهكذا فقد تمّ تجميعه في بلدة إريز Erez في إسرائيل وليس في أورشليم، وقد كانت لغته هي الأرامية الغربية[14]، وعمل الحاخامات على إنشاء مدارسهم في يفنه وصفورية وطبرية، كما أطلق يهود العراق على التلمود الفلسطينيّ اسم “تلمود أرض يسرائيل”، وأطلقوا عليه أحياناً اسم “تلمود أهل الغرب” نظراً لوقوع فلسطين إلى الغرب من العراق.
يرجع تاريخ التلمود الفلسطينيّ إلى منتصف القرن الرابع للميلاد، وكُتب على يد الربان يوحنان بن نبحة مؤسس أكاديمية طبرية، وهو يكتفي بالشرح أو التحاليل لنص المشنا مع سرد مناقشة غير مطوّلة بين الأحبار، ويعتبر المرجع الفصل في كلِّ نظرية فقهية ومعاملة تشريعية، وهو يتميّز بالاقتضاب.
† التلمود البابليّ:-
وهو نتاج الأكاديميات اليهودية في العراق، وتبلغ حجم مادته ثلاثة أضعاف التلمود الفلسطينيّ، مما جعله يحتل منزلةً رفيعةً ويغدو مرجعاً هاماً لا غنى عنه، ومن صفاته انه يفتح باب النقاش واسعاً، فلا تنتهي إلى قول مرجّح، لذا قال عنه الرابي ‘سحق “إن التلمود البابلي هو التلمود القانوني، لأنه اُستُكمِل بعد تلمود أورشليم بمائة وخمسين سنة”[15].
† أقسام التلمود[16] :-
يُقسَّم التلمود إلى قسمين رئيسيين وهما: المشنا والجمارا.
† المشنا Mishnah :-
وهي مجموعة قوانين اليهود السياسية والحقوقية والمدنية والدينية (التفاسير التشريعية للناموس)، التي تتضمّن القواعد والأحكام بغير نقاش غالباً، والمشنا أشبه ما تكون بالكتاب القانونيّ أو مصَّنف الأحكام الشرعية والفقهية التي تدعى “هالاغا” أي المذهب أو المسلك أو الطريق الذي يذكّر بالأحكام والفرائض والتشريعات الواردة في أسفار “الخروج واللاويين والتثنية والاشتراع”، ويوضح الحلال والحرام والطهارة والنجاسة وغيرها ممّا ورد ذكره في التوراة وفسّره الفقهاء اليهود، ووضعوا له حدوداً وقيوداً تلائم حاجة العصر الذي كانوا يعيشون فيه.
† الجمارا Gemara :-
الجمارا – أو الإضافات – مجموعة أخرى ضُمَتْ إلى المشنا واستقلتْ بهذا الاسم، وأصلها من عمل المعلّمين الذين كانوا في عصر الربانيّ يهوذا ولم يكونوا أعضاء في مجلسه، فقد عملوا من جانبهم على جمع روايات أقل شهرة، كما جمعوا الروايات التي استبعدها يهوذا من مشناه، ولكن هذه لم تكن قليلة الأهمية، ولم يمكن التخلي عنها، ومنها أقوال وروايات نَتَجَتْ عن مدرسة عقيبا وإسماعيل، ونُسِجَتْ حولها شروح وتفاسير في أقوال المعلمين Amoraim
فرأى الدارسون أن يجمعوا ذلك كله مع بعض الأحكام الشرعية Halachath، والإجابات عن المشاكل التي عرضت، كل ذلك جُمع أخيراً وكون الجمارا، وهي بمعنى الإنهاء والإنجاز، وهي، كما هو واضح، وسعت المشنا، أنها تحوي أحكاماً ومواداً ليست في المشنا، منها القديم الذي لم يأخذه يهوذا، ومنها المُستحدَث.
لم تُجمع الجمارا إلاَّ بعد 300 عام من اكتمال المشنا، وقد ثار جِدال طويل بين المفسرين حول المواد التي تكوّنت منها الجمارا، وبالرغم من كونها مُجمّعة من الروايات الشفوية والمشنا، كان يراد لها أن تكون معتمدة على نصوص التوراة، وقد كُتبت باللغة الآرامية.
من المشنا والجمارا معاً يتألف التلمود الذي هو نتيجة تفاعل الشريعة المكتوبة مع أوضاع الحيَاة المتغيرة والحاجات الطارئة، فهو يُعتبَر بمثابة سجل حافل يُبيِّن خلال المناقشات والشروحات والأمثلة والردود والروايات، كيف كان اليهود يحاولون تطبيق الوصايا والفرائض التوراتية في حياتهم اليومية، وحين يصطدم التطبيق العمليّ بالنصوص المقدسة تبدأ المشكلة بالظهور وتكثر الاجتهادات، بينما يتصاعد البحث عن الحلول والمخارج.
التفسير في المسيحية
استخدم الآباء في الكنيسة الأولى التفسير بمعنى شرح، يهتم بتوضيح نص أو صياغته بالنسبة لمشاكل عصرهم اللاهوتيّة أو السلوكيّة.
التفسير موهبة يذكرها معلمنا القديس بولس الرسول في موهبة ترجمة الألسنة “لآخر ترجمة السنة” (1كو 1″12)، “أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلّعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ ɩσѵοѵ́ϵѵμηρϵɩδ” (1كو 30:12).
وتتضح أهمية التفسير من خلال حديث فيلبس مع الخصيّ الحبشيّ “فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ يَقْرَأُ النبيّ إِشَعْيَاءَ فَسَأَلَهُ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَأَجَابَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ” (أع8 :30، 31)، والرب يسوع نفسه فسّر لتلاميذه بعض الأمثلة، وفسَّر لتلميذي عمواس “الأُمُورَ الْمُخْتصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24).
† دور الآباء في تفسير الكتاب المقدس:-
نحن لا نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة، لذلك يقول القديس أغسطينوس: “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل”[17]، كذلك يقول القديس باسيليوس: “إن الكنيسة هي صوت الإنجيل الحيّ”، فمن خلال الكنيسة نستلم الأسفار القانونية ونميّزها عن الأصفار المنحولة.
التعليم حُفظ لطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطى ذلك للآباء، والكنيسة كانت تُعلِّم “مشافهة” وأودعت كلمة الله ووطدتها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها، فيرى القديس إيريناؤس أن الرسل هم الذين حملوا ملء الحقيقة إلى الكنيسة: “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة”[18]
فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتنقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح يوجهها ويرشدها، ولذلك أكد العلاَّمة أوريجانوس وحدة الكنيسة والكتاب، وكانت مهمة المفسّر عنده هي الإعلان عن كلمة الروح فيقول: “يجب أن ننتبه عندما نُعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس”[19]، هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسوليّ المحفوظ في الكنيسة. فالعلاَّمة أوريجانوس شدّد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدّم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تُقدَّم على نحو جامع”[20]، أما الهراطقة فيتجاهلون “قصد” الكتاب الحقيقيّ، ويقول أيضاً: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يُقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً يحصدون شوكاً”[21].
يقول القديس كيرلس عمود الدين: “إنه من الصعب جداً أن نشرح الأسرارالإلهيّة، حيث إنها تنتمي إلى العالم الروحيّ، بينما الطبيعة البشرية الفاسدة والذهن المريض لا يسمحان بمعاينة المجد الإلهيّ معاينة كاملة”[22]، كما يؤكد على أن يكون المفسّر على وعي بالأساسيّات التي ستساعده على فهم الأسرار الإلهيّة، هذه الأساسيّات تتعلق بإيمان الكنيسة.
يرى القديس إيريناؤس أن تفسير الكتاب المقدس ينبغي أن يُشرَح على أساس الكتاب نفسه، حيث يقول في كتابه ضد الهرطقات: “تفسيرات نصوص الكتب المقدسة لا يمكن شرحها إلاَّ من الكتب المقدسة نفسها”[23]، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نأخذ آية ونشرحها منفصلة عن الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة لا تتجزأ.
كما يوضح القديس إيريناؤس ذلك في المثل الآتي: صورة جميلة لملك من الفسيفساء صنعها فنان ماهر ورصعها بأحجار كريمة، قام الهراطقة بتقطيع هذه الصورة الجميلة إلى قطع، ثم حاولوا إعادة تجميعها ولكن ليس إلى صورة الملك، بل إلى صورة كلب أو ثعبان، ثم زعموا أن هذه هي الصورة التي رسمها الفنان الأول، ويعللون ذلك بأن الحجارة المستخدمة، هي الحجارة عينها التي استخدمها الفنان الأول”[24]، حيث إنهم يبررون هرطقتهم بآيات كتابية، لكن ليس في المعنى السليم الذي اُستخدمت فيه بل يبترون عبارات تخدم هرطقتهم.
يقول القديس إيريناؤس أيضاً “هذه هي طريقتهم (أي الهراطقة) التي لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرّب علّم بها، ولا الرسل سلّموها لنا، فهم يفتخرون بصوت عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخَرين، وهم يستندون في هذا إلى مصادر خارج الكتاب المقدس”[25]، “أنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرّب أو أقوال الأنبياء أو كلمات الرسل، تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون مرجع، فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها، وبتجاهلهم لهذا الترابط الذي يكمن فيه أساس الحق، فإنهم يفككون أعضاء الحق”[26].
هذا هو عمل الهراطقة في الكتاب المقدس، يأخذون آية ويهملون باقي النصوص، أو يأخذون جملة من موضوع ما بما يخدم بدعتهم ويتفق مع رغباتهم الدنيئة، فالتقليد يهاجمونه تماماً لأنه يجمع النموذج “أي الوسيلة التي توصلنا إلى الهدف، أي الخلاص غاية إيمانكم هو خلاص نفوسكم”.
مدارس تفسير الكتاب المقدس:
هناك منهجان لتفسير الكتاب المقدس …
1- منهج مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة:
اشتهرت مدرسة الإسكندرية – التي كانت معقل العالم المسيحيّ الأول – بالتفسير الرمزيّ Allegorical، استخدم القديس أكْلِمَنْضُس هذا النوع من التفسير؛ إذ نرى أن التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس يشبه بتولية العذراء، حتى بعد أن ولدت المسيح، كذلك الكتاب المقدس يلد لنا الحق الذي نأخذ منه التأملات ولا يزال بتولاً[27].
نَظَّمَ أوريجانوس قواعد هذا التفسير، ومن القواعد التي وضعها أوريجانوس أننا نفهم الكتاب المقدس بثلاث طرق[28]:-
† التفسير الحرفيّ أو المعنى السطحي وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين.
† التفسير السلوكيّ “الأخلاقيّ” وهو للتهذيب ودرجة أعلى من التفسير الحرفيّ.
† التفسير الروحيّ Typologyويتهذّب به الكاملون.
كما يقول العلاَّمة أوريجانوس: “إن هناك علاقة بين المستويات الثلاثة وبين خلق الله للإنسان نفساً وجسداً وروحاً، فالمعنى الحرفيّ يقابل مستوى الجسد Body وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين، والتفسير السلوكيّ أو الأخلاقيّ يقابل مستوى النفس Soul ونستشفه من الأحداث ونعيش به، والتفسير الروحيّ يقابل مستوى الروح Spirit، وهو خاص بالكاملين الذين يكتشفون فيه المفاهيم الروحيّة العميقة ويتلاقون مع المسيح”[29].
التفسير الروحيّ يشير إلى الطبيعة الإلهيّة، بينما الحرفيّ والتاريخيّ إلى الطبيعة البشرية للكلمة المتجسد، وكل منهما يعملان بغير اختلاط ولا انفصال، وكل منهما يشير إلى الآخَر، فالتفسير الروحيّ يشير إلى اللاهوت، والتفسير الحرفيّ يشير إلى الناسوت الذي يقودنا إلى ألوهيته، ويُعطي مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد.
كما يرى العلاَّمة أوريجانوس أن التفسير أحياناً يكون على مرحلتين فقط وليس ثلاثة، فقد يخلو النص من التفسير الحرفيّ الذي يقابل الجسم، ويكون ذلك عندما يكون الكلام مجازياً، ويعتمد في ذلك على الستة أجاجين المستخدمة في التطهير كانت تسع لمطرين أو ثلاثة: “سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةً مَوْضُوعَةً هُنَاكَ حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَينِ أَوْ ثلاَثَةً” (يو 6:2) فيقول “الذين يدعوهم الرسول (يقصد معلّمنا القديس بولس الرسول) يهوداً في الباطن (راجع رو 29:2) أنهم تطهّروا بكلام الأسفار، لأنهم يسعون تارة مطرين أي يتقبلون فهم النفس والروح، وأحياناً ثلاثة حينما يمكن أن يحتمل النص … فالاجاجين الستة الذين تطهروا وهم في العالم، أننا نقرأ أن العالم وكلّ ما فيه قد اكتمل في ستة أيام”[30].
† التفسير الرمزي:-
يرى القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ أن الثوب الملون الذي أعطاه يعقوب أبو الآباء ليسوف الصديق إشارة إلى المعرفة المتنوعة[31]، كما يفسر قول السيد المسيح “وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتاً أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَباً أَوْ أُمَاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الحَيَاة الأَبَدِيَّةَ” (مت 29:19)، بأن الأب يعني ترك الحق المدنيّ، وترك الأم يشير إلى الموطن أو القوت[32].
ويفسّر عدد عبيد إبراهيم الذين أُسروا، وكان عددهم “318 عبداً”، بأنهم إشارة إلى صليب السيد المسيح فعدد 300 يُكتب T، وال 18 تكتب IH، ال318 تُكتب [IHT] صليب يسوعَ المسيح.
كذلك العلاَّمة أوريجانوس يرى أن ابنة فرعون التي انتشلت موسى بعد أن وضعتْه أمه في سفط مطليّ بالقار، تشير إلى كنيسة الأمم التي جاءت إلى النهر لتغتسل من خطاياها، فالنهر يشير إلى المعمودية، وموسى الموضوع في سفط مطلي بالقار، يشير إلى الناموس الذي وقع أسيراً في يد الأمة اليهودية، حتى تحرّر وجاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله فيقول إن ابنة فرعون: “بحضورها إلى مياه المعمودية تأخذ الكنيسة الناموس “موسى” الذي كان مختبئاً في صفط من البرديّ ومطليّ بالحمرة والقار”[33].
كما يفسرّ قول السيد المسيح عندما سأله تلميذه يوحنا: “رَبِّي أَيْنَ تَمْكُثُ؟ فَقَالَ لَهُمَا تَعَالَيَا وَانْظُرَا. فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ (يو1 38 ،39)، فيقول العلاَّمة أوريجانوس (تعاليا) دعوة للعمل، (انظرا) دعوة للتأمل؛ فالسيد المسيح يدعو البشريّة للحياتين معاً العملّية والتأملية[34].
كذلك فسَّر قول يوحنا المعمدان عن السيد المسيح “هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقِّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَحِذَائِهِ” (يو 27:1)، يقول أوريجانوس: “إن هذا الحذاء هو سر التجسد؛ حيث ظهر الله في اللحم والدم بإنسانية كاملة، وأن يوحنا المعمدان حسب نفسه غير أهلٍ لإدراك هذا السر”.
في تفسير أوريجانوس لقول موسى النبيّ لفرعون “فنذهب ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا” (خر 3:5)، إن الطريق الذي يقطعونه في مسيرة ثلاثة أيام هو طريق الرب الذي قال عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحّيّاة”، فهذه الثلاثة أيام كما جاءت في رومية “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبَّ يَسُوعَ وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ خَلَصْتَ” (رو 9:10)، لذلك يرى أن فرعون الذي قال لموسى لا تذهبوا بعيداً؛ كان كالشيطان يريد أن يعطل المؤمنين عن طريق الخلاص، وعلى نفس المنوال سار إبراهيم ثلاثة أيام لكي يقدّم ابنه إسحق[35].
كما يرى في قضيب اللوز مثال قويّ لنظريته، فالغلاف الخارجيّ المر الذي يسقط عند نضوج اللوزة، يمثل المستوى الحرفيّ الذي عاق اليهود عن بلوغ المعرفة الحقيقية، والغلاف الداخليّ السميك الذي لابد أن نكسره لكي نصل إلى الثمرة الحقيقية، يشير هذا الغلاف إلى التفسير الأخلاقيّ أو السلوكيّ، الثمرة الداخلية التي تؤكل، تشير إلى التفسير الروحيّ الذي هو غذاء الحيَاة الأبدية[36].
كما فسّر معجزة شفاء ابنة خادم الملك (يو4 : 36-53)، فخادم الملك هو إبراهيم الذي تضرّع إلى السيد المسيح، لكي يشفي ابنه إسرائيل المريض بمرض عضال.
كذلك فسّر إقامة لعازر من الأموات، بأن لعازر هو المسيحيّ الذي يريد أن يرجع إلى الحيَاة الأممية، والذي يُشار إليها في المعجزة بالقبر، بينما الأقمطة واللفائف التي رُبط بهما يشيران إلى الخطايا، وبالتوبة يمكن للإنسان أن يخرج من القبر، أما مسألة بقائه مربوطاً حتى بعد أن يخرج من القبر تشير إلى مهمة الكنيسة في أن تحل المربوطين.
† التفسير الرمزي وخطورته:-
اعتمدت مدرسة التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على آية “لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيي” (2كو 6:3)، لهذا بَاَلَغَ أوريجانوس في التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على أساس أن حرّفية الناموس قاتلة بسبب عصيان الكلّ له، أما روح الإنجيل فهو واهب الحيّاة.
كما كان أوريجانوس مغالياً في استخدام المعنى الرمزيّ للأسماء والأعداد لدرجة أنه أهمل التفسير الحرفيّ بعد ذلك حيث قال: (أن التفسير الحرفيّ يقابل الجسد وأن الكتاب المقدس ليس له جسد)، وصل لدرجة أنه أنكر بعض الحقائق مثل وجود حروب دموية، أو فلك نوح، أو كذب إبراهيم بقوله عن ساراي أنها أخته؛ مظهراً أن هذه الحقائق لها تدابير باطنية تحمل رموزاً روحية، لم تقبل الكنيسة هذه الطريقة الرمزيّة بهذا الشكل المتطرف، ومع ذلك ينبغي الإقرار بالتأثير القويّ لــ “فيلو اليهودي” على كل المقالات في القرون الأولى.
وأيضاً التلاميذ بسبب رغبتهم في أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب، توسلوا إليه قائلين “قل لنا متى ستكون هذه الأمور، وما هي علامة مجيئك؟” (مت 3:24)، أرادوا أيضاً أن يعرفوا زمنها (مت 36:24)، وذلك لكي لا يضلوا، وأيضاً لكي يتمكنوا من تعليم الآخَرين، فإنهم بعد أن عرفوا، فقد صححوا أفكار الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكي[37]”.
والقديس كيراس عمود الدين من بين الذين أشادوا بهذه المدرسة، كذلك القديس ديديموس الضرير الذي له ثلاث طرق متلازمة في تفاسير الكتاب المقدس، ألا وهي التفسير الحرفيّ ويعقبه التفسير التاريخيّ ثم التفسير الرمزيّ، فكان يقرأ فقرة ثم يفسرها تفسيراً حرفياً ثم تاريخياً ثم روحياً، وفي أغلب الأحيان كان يتحاشى التفسير التاريخيّ فهو لا يرى أن يعمل عمل مؤرخ.
كذلك خارج الإسكندرية نجد أن كلّ من القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس النزينزيّ قد اتخذا العلاَّمة أوريجانوس مُعلماً لهما[38]، وسارا على مدرسته التفسيرية، كما كان هيسيخيوس الأورشليميّ أيضاً يتبع نفس المدرسة.
2- منهج مدرسة انطاكية:
تبنّت مدرسة التفسير الحرفيّ Literalist Interpretation ، وقد قام به لوكيانوس في النصف الثاني من القرن الثالث، كرد فعل للمبالغة في التفسير الرمزيّ.
وقد كانت مدرسة أنطاكية مشابهة لمدرسة الإسكندرية، إذ كانت تقوم على الجهود الفردية للمعلمين، ولم يكن لها منهج أو تخطيط علميّ، ولكنها لم تكن مستديمة يتعاقب عليها المدرسون على التوالي كمدرسة الإسكندرية، لكنها كانت تتبنى اتجاهاً لاهوتياً، وبالأخص تتميز بنمط مُعَّين في تفسير الكتاب المقدس[39].
قاومتِ المدرسة الأنطاكية التفسير الرمزيّ لمدرسة الإسكندرية، معتمدة فقط على التفسير الحرفيّ (حقيقيّ أو مجازيّ) وهو المنهج اللغويّ أو الحرفيّ، التاريخيّ. يقوم هذا المنهج على التفسير البسيط حسبما تشرحه اللغة، لذا دعي “المنهج اللغوي أو الحرفيّ”. كما قام على تأكيد الحقائق التاريخيّة كما وردتْ في الكتاب المقدس كحقائق واقعية وليست أعمالاً مجازية رمزية، لذا سمى أيضاً بالمنهج التاريخيّ، مستبعدة تماماً المعنى الروحيّ الذي استبدلوه بالتعليم الأخلاقيّ.
ومن مشاهير المدرسة، نسطور الهرطوقيّ الذي أُدين في مجمع أفسس سنة (431م)، وديؤدور أسقف طرسوس، وثيؤدور أسقف موبسويست، وأهم عظماء هذه المدرسة مارِ أفرام السريانيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم، العلاّمة ترتليانوس.. ويقول المستشرق الفرنسيّ L.Le Camus: إنَّ تيودور ويوحنا فم الذهب وتيودوريت ساروا على طريقة مار أفرام في شرح الكتاب، وهو يأخذ الحقائق الواردة في الكتاب المقدس خاصة العهد القديم كحقائق واقعية فهي ترفض الرمزيّة .Allegorism
ومع ذلك ظهر لدى آباء أنطاكية ما يُعرَف بالثيؤريا Theoria، وهو نوع من الرمزيّة والتأمل، يقوم على أساس ما يُسمى بالنمطية Tipology بشرط ألاَّ تكون الرمزيّة اجتهاداً شخصياً، ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية:-
يفسر مارِ افرام السريانيّ ما جاء في نبوءة إشعياء “لأُنشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ. كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ. فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ وَبَنَى بُرْجاً فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضاً مِعْصَرَةً فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَباً فَصَنَعَ عِنَباً رَدِيئاً. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضاً لِكَرْمِي” (إش5 :1-4)، حيث يشبّه إشعياء إسرائيل بكرم نصبه الله وسيَّجه وبنى في وسطه برجاً وحفر فيه معصرة، ولكن عوض أن يُعطي الكرم أعطى حصرماً، فرذله صاحب الكرم،
يقول مارِ أفرام: “كان لله حبيبي كرم في رابية خصبة، حرثه بالخيرات والآداب، وحوَّطه بسياج شريعته وغرس فيه أغصان كرمه وهم الصدّيقون والنسّاك، وبنى برجاً في وسطه أعني مملكة ومحكمة، وحفر فيه معصرة أعني كهنوتاً وذبيحةً، وانتظر أن يُثمر عنباً أعني أعمالاً صالحة، فأثمر حصرماً برياً وخرنوباً أعني أعمالاً رديئةً… ولهذا يقول الرّب إنّي أقوّض برجه فيكون معرضّاً للنهب والسلب.. وأخرق جدار شريعته فيصبح مدوساً تطأه الشهوات التي كلف بها..”.
كما يُفسِّر هذه الآية “وَأَجْعَلُهُ خَرَاباً لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ” (إش 6:5) بهذه العبارة: “فمعناه أنّه تعالى يتخلّى عن الاهتمام به. وقوله اوصي السحاب لا يمطر عليه مطراً معناه أنَّه يمنع الأنبياء عن أن يتنّبؤا له…”[40].
في هذا النموذج نرى جليّاً طريقة مارِ أفرام في التقيّد بالنصّ الكتابيّ، وتفسيره بالمعنى الحرفيّ الذي ينسجم أكثر مع الواقع والحقيقة.
فسَّر القديس مارِ أفرام السريانيّ معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، بقوله “إن في الخمر دخول عجيب للطبيعة البشرية في رحم العذراء (دون زرع بشر)”، كما يرى أن مريض بركة بيت حسدا لم يُشفَ لعدم الكفاية الخلاصية للناموس، وأن المولود أعمى الذي اغتسل في بركة سلوام إشارة إلى المعمودية المقدسة التي نحصل منها على الخلاص[41].
يعتمد منهج الثيؤريا على أن معاني عبارات الكتاب المقدس لها معنى حرفيّ؛ وتقبل التفسير بالثيؤريا دون أن يكون لها معنى رمزيّ فقط، وجود ثاؤريا لحدث أو بعض آيات الكتاب المقدس يكون فيه شيء من التطابق وليس اجتهادياً، مثل وجود نص صريح عن الحيّة النحاسية “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الحيّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ. هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإنسان” (يو 14:3)، ومن الأمثلة على ذلك منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم …
† منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم:-
على الرغم من أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يتبع مدرسة أنطاكية، حيث لم يستخدم الرمزيّة خاصة في العهد القديم، وفي نفس الوقت لم يهاجم مدرسة الإسكندرية، إلاَّ أنه يرى[42]:-
1- توجد عبارات في الكتاب المقدس لا تُفسَّر إلاَّ بتفسير رمزيّ مثل سفر نشيد الأناشيد، أو عبارات مثل يد الرب، عينا الرب، يمين الرب، نزل الرب …
2- عبارات تقبل الاثنين معاً الحرفيّ والثاؤريا، فيؤكد ذهبيّ الفم على أن ذبح إسحق حقيقة تاريخية، وفي نفس الوقت فيه رمز للصليب[43]، كما أن نهر الأردن يُشير إلى المعمودية؛ ولكنه في نفس الوقت حقيقة، وعبور شعب بني إسرائيل فيه، قصة واقعية وليست رمزية فقط.
في تفسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم للمزمور 150 “سبحوا الله بالطبل والمزمار”، يشرحها بطريقة روحية، فيشير إلى إماتة الجسد، حيث إن الطُّبول تُصنَع من جلود الحيّوانات الميّتة، والمزمار إلى التأمل في السماء، ولكنه لا يتغاضى عن التفسير الحرفيّ فيرجع ويقول: “أما أنا فأعتقد أن النص يعني تنازل الله لقبولنا بضعفنا البشريّ فيجب أن نُسبح مجده بفرح مستخدمين هاتين الآلتين”[44].
3- عبارات آخرى لا تقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ فقط، مثل عبارة “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، إذ يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أنها لا تُفسَّر إلاَّ حرفياً، فالله يقدّم وصية لأُناس لهم جسد، وهذا الجسد له احتياجات[45]، وهو بذلك على العكس مِن العلاَّمة أوريجانوس الذي يرى أن الخبز هو خبز الطعام الباقي وليس الماديّ.
في تفسير ذهبيّ الفم لقول السيد المسيح في الموعظة على الجبل “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (مت 5:5)، نجد أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يرفض أيَّ تفسير رمزيّ لها، ولا يقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ، فيقول: “أخبروني عن إيِّ أرض يتكلّم الرّب؟
يقول البعض إنها أرض رمزية، كلا ليس الأمر كذلك، لأننا لا نجد في الكتاب المقدس كله أيَّ ذكر لأرض رمزية، فما معنى القول إذن؟ إن الرب يعد لنا مكافأة حسيّة، مثلما يقول معلّمنا القديس بولس الرسول أيضاً “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِي أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ” (أف 2:6)، ويُضيف: “لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَار عَلَى الأَرْضِ” (أف 3:6)، والرّب نفسه يقول للص اليمين “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 43:23)، فهو لا يعدنا بالبركات العتيدة فقط، بل وبالحاضرة أيضاً، لأجل الذين يسعون إليها من سامعيه ذوي الطبيعة الأرضية جداً”[46].
كذلك قول السيد المسيح أيضاً: “كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيق لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ” (مت 25:5)، يفسرها القديس يوحنا ذهبيّ الفم قائلاً: “يبدو لي أنه يتحدّث عن قضاة هذا العالم، والطريق إلى محكمة العدل، وعن هذا السجن”[47].
الآباء والربط بين العهدين:
يقول السيد المسيح في حديثه في الموعظة على الجبل “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْيِيَاءَ مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأَكَمِّلَ” (مت 17:5) والكنيسة تقرأ العهد القديم بجانب العهد الجديد: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ والتَّوْبِيخِ لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3).
لقد شهد السيد المسيح للعهد القديم بقوله “لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ” (يو 35:10)، وقال للفريسيين “وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟” (مت 3:15)، يقصد بوصية الله الناموس، كما قال أيضاً “فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَو نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (مت 18:5)، لقد ربط المسيح بين ضلال اليهود وابتعادهم عن كلمة الله – العهد القديم في ذلك الوقت
حين قال “تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللَّهِ… أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ” (مت22 :29 ،31)، “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّنونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو 39:5)، كما استشهد به السيد المسيح في التجربة على الجبل “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ” (مت 4:4)، “مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ” (مت 7:4)، مَكْتُوبٌ: لِلرَّبَّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 10:4).
السيد المسيح طبّق الناموس في حياته على الأرض، فاُختتن في اليوم الثامن، وقدّموا عنه زوجي يمام أو فرخي حمام بعد أربعين يوماً من ميلاده تتميماً لشريعة التطهير، كذلك كان يدخل المجامع اليهودية، وقال للأبرص بعد شفائه بأن يذهب “أّرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهِادَةً لَهُمْ” (مر 44:1).
† العهد القديم يحوي رموزاً ونبوات عن المخلِّص؛ ولهذا يخلُص معلّمنا القديس بولس الرسول إلى الحقيقة العظيمة “إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإيمان” (غل 24:3)، كذلك حديث السيد المسيح مع تلميذي عمواس “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24)، وفي حديثه مع التلاميذ في العلية بعد القيامة “قَاَلَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وِأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أُنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَاَلأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لو 44:24)، “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو24 : 44 ،45).
ويتحدّث السيد المسيح عن ألوهيته وموته وقيامته على أنها أمور مذكورة في الكتب، أي العهد القديم، وقد أشار إلى ذلك السيد المسيح مرّات عديدة، منها نبؤة معلمنا داود النبيّ في (مز 1:110) بأنه ربه، قال “كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالروُّحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مِوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبّاً. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟” (مر12 :35-37)،
† ولكننا في نفس الوقت نجد أن السيد المسيح صَحَّحَ مفاهيم اليهود حول الناموس:
اليهود فهموا الناموس فهماً حرفياً، مثال ذلك الختان، الذي لم يُفهَم سوى على أنه مجرّد عمليّة ظاهرية، تمس الجسد فقط دون الروح، عاشوا حرف الوصية بدون روحها “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيّاً وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَاناً بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ وَخِتانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ” (رو 2: 28 ،29)،
فماذا ينفعك الختان في حالة عدم عملك بالناموس: “فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّياً النَّامُوسَ فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً!” (رو 25:2)، فحين أن الأمميّ الذي يعمل بالناموس الطبيعيّ، غرلته تصبح ختاناً “إِذاً إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ أَفَمَا اُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَاناً؟” (رو 26:2).
السيد المسيح صحّح مفهوم الوصيّة، أوضح لهم أهميّة الروح لا الحرف، حيث اقتصرت معرفة اليهوديّ بالناموس على العلم والمعرفة الحرفيّة به، والافتخار بأن لهم ناموس وأنهم أولاد إبراهيم “أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمِ!” (يو39:8)،
فمثلاً السيد المسيح أوضح في كلامه عن السبت المفهوم الصحيح للوصية “ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإنسان لاَ الإنسان لأَجْلِ السَّبْتَ إِذاً ابْنُ الإنسان هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً” (مر2: 27 ،28)، “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ” (رو 6:7)، تحرّرنا ليس من الناموس، بل من الفهم الخاطيء للناموس.
السيد المسيح لم ينقض وصايا العهد القديم بل عمق الوصية، نقل حدودها، كانت الوصية في العهد القديم تُناسب حالة الشعب اليهوديّ الذي أفرّزه الرب من وسط أمم تعبد الأوثان…
† منذ وقت مبكر استشهد الآباء بنصوص من العهد القديم ومن أمثلة ذلك:
† يُورد القدّيس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ في رسالته إلى كورنثوس الكثير من الاستشهادات الكتابيّة من العهدين القديم والجديد[48]، كذلك في الرسالة الثانية إلى المتبتلين: (المنسوبة إليه) يقول: “… لنبحث ونختبر ذلك الناموس (العهد القديم) والعهد الجديد” (7:2)، فهُنا كاتب الرسالة يحثنا على قراءة الكتب المقدسة العهدين معاً.
† يقتبس القديس بوليكاربوس من الأسفار القانونية: “لا تتأخروا عن عمل الرحمة لأن الصدقة تخلّص من الموت” (الرسالة إلى فيلبي10) الواردة في (طوبيا 11:4).
† الرسالة المنسوبة لبرناباس (القرن الثاني) توضح أن المسيحيّين هم الورثة الحقيقيون للعهد القديم؛ لأن اليهود لم يفهموه، كما أنهم فسروه حرفياً لا روحياً، واهتموا بشكليته فقط، أما المسيحيّون فهم الذين فهموه فهماً روحياً، كما أنه يَذكرُ عن العهد القديم “إنه كتاَبنا، أما هم ففقدوه إلى الأبد” (6:4 ،7)
كما يقول أيضاً: “لم يكن الناموس لليهود، فقد تلقاه موسى ولكنهم لم يستحقوه وإنما أُعد للمسيحيين منذ البدء، وإذا كان موسى قد تلقاه فإنه لم يكن إلاَّ خادماً، أما نحن فتسلَّمناه من السيد نفسه أننا أهل الميراث ولأن السيد تألم لأجلنا” (4:14).
† العلاَّمة القديس بنتينوس، يذكر عنه تلميذه القديس أكْلِمَنْضُس الإسكندريّ “كان كالنحلة الحقيقية التي تجمع رحيق الأزهار، من المروج النبوية والرسوليّة (أي أسفار العهد القديم والجديد) ليغرس في نفوس سامعيه ذخيرة معرفة غير فاسدة”[49].
† القديس أكْلِمَنْضُس السكندريَ يتناول في كتاب (المتفرقات الكتاب السادس ف 125:25) الاتفاق بين شريعة العهد القديم وشريعة العهد الجديد.
† ذكر بلاديوس في كتاب مشاهير الرجال عن القديس ديديموس الضرير: “لقد فهم ديديموس كل نصوص العهد القديم والجديد، وكان راسخاً بدرجة كبيرة في شرح الإيمان، وأنه بالبراهين القاطعة وبالدراسة العميقة تجاوز السابقين عليه جميعاً.
† محاولة الماركيونيين قطع العهد الجديد عن جذوره في القديم، فقُوبلتْ هذه المحاولة بمقاومة نشيطة وأٌدينت من الكنيسة العظمى.
† يروي يوستين الشهيد في دفاعه أنه انجذب للمسيحية بقراءة العهد القديم، وقد حاول في حواره مع تريفو أن يُثبت حقيقة المسيحية من العهد القديم، كما يرفض الاقتراح بأن العهد القديم هو فقط صلة ربط بين الكنيسة والهيكل اليهوديّ، بالنسبة له العكس صحيح تماماً، حيث إنه لم يعد العهد القديم ينتمي لليهود بل هو يخص الكنيسة وحدها.
وبالتالي كنيسة المسيح هي إسرائيل الجديدة الحقيقية الوحيدة، لم تكن إسرائيل القديمة سوى كنيسة غير نامية، بحسب استعمالها في كنيسة الفترة الأولى، كلمة “الكتب” ذاتها عنَت قبل كل شيء العهد القديم، وبهذا المعنى تُستعمَل بشكل جليّ في قانون الإيمان “كما في الكتب“
أي بحسب نبوءات الشريعة القديمة ووعودها، كما يذكر لنا أيضاً قراءة العهد القديم في الليتورجيات فيقول “إنه في اليوم الذي يُدعى يوم الرب ( ̑ηκαɩρѵK) يجتمع الشعب كله وتُقرأ أسفار العهد القديم، والرسل (كتابات العهد الجديد)، بحسب ما يسمح الوقت، وحينمت ينتهي المعلِّم من الكلام يُعطى رئيس الاجتماع (رئيس الكهنة) الإفخاريستيّ عظة يحثنا فيها على الاقتداء بسير أولئك القديسين”[50].
† يُوصي آباء الكنيسة بضرورة قراءة العهد القديم، فيقول ذهبيّ الفم “كل الكتاب يهب تعزية للذين يُصغون إليه، كما يرى أن مسيحياً بغير معرفة الكتب المقدسة (العهدين) كعامل بغير أدوات”[51]، كما يقول “العهدان مرتبطان معاً، ومتضافران كل منهما مع الآخر”[52]، كما يقول “نستطيع أن ننال تعزية وفيرة ليست في العهد الجديد وحده، إنما في العهد القديم أيضاً”[53].
كذلك يرى أن الذي ليس على دراية بالكتب المقدسة يشبه “مَن يعمل في منجم بغير خبرة في هذا الفن، فإنه يخلط بين الأشياء النفيس والتراب، بل ويضيع عمله هباءاً …هكذا الذين لا يفهمون الكتاب المقدس، ولا يراعون خصوصياته وقوانينه، بل يسيرون في كل نقطة من محتوياته بإهمال من غير حكمةـ يمزجون الذهب مع التراب، ولا يكتشفون الكنز المخفى داخله”[54].
وفي رده على المانويين يعارض إدّعائهم في وجود فرق شاسع بين العهد القديم والعهد الجديد، حيث أنهم يقولون أن إله التدبير (العهد) القديم صارم وعادل، في حين أن إله العهد الجديد هو إله الحُب. فيؤكد القديس يوحنا على إن المُشرع في الاثنين (العهدين) هو مُشرع واحد، فالعهد القديم هو ممهد ومسبق للعهد الجديد، فوصايا السيد المسيح تُكمل الشريعة اليهودية[55].
† يُعبِر القديس أُغسطينوس عن موقف الآباء من العهد القديم بقوله “العهد الجديد هو إتمام العهد القديم”، يسوع المسيح هو المسيّا الذي تكلَم عنه الأنبياء، فيه تحققت كل الوعود والنبوات. فالناموس والإنجيل متلائمان، فمن هنا نرى أن الكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة، فالسيد المسيح هو محور نبوات العهد القديم.
ويقول أيضاً “إن العهدين القديم والجديد يمثلان وحدة لا انفصال فيها، إذ يُعبِّران عن خطة العناية الإلهيّة، ويقودان إلى المسيح“، وكان في تفسيره لأحداث الكتاب المقدس يربط بين العهدين، فيبرهن على سمو العهد الجديد في علاقته بالعهد القديم، فعندما فسّر معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، أظهر أن النبوة في العهد القديم لها طعم المياه لو فُهمت مستقلة، ولها طعم الخمر لو فُهمت ونُسبت إلى المسيح.
كذلك عندما فسّر معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا، فسرها على أن البركة تُشير إلى الشعب اليهوديّ، والأعمدة الخمسة هم أسفار موسى الخمسة التي ليست لها إمكانية لشفاء البشر، “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية” (رو 20:3)، ولكن الخلاص والتبرير تم بالسيد المسيح الذي جاء وشفى المريض بدون الناموس دون الماء والبركة.
كما يُفسِّر معجزة إقامة لعازر من الأموات بأن لعازر الميت هو الإنسان الخاطيء، وأن الحجر الذي كان على القبر هو الناموس، وقول السيد المسيح “ارفعوا الحجر” (يو 39:11) تعني “أكرزوا بالنعمة”، كما أن قول السيد المسيح لتلاميذه “حلوه ودعوه يذهب” (يو 39:11)، هو منح لسلطان حل الخطايا على الأرض[56].
يقول القديس كيرلس الأورشليميّ “الكتب المقدسة الإلهيّة المُوحى بها: كل العهد القديم والعهد الجديد، هي التي تُعلّمنا، فإن إله العهدين هو واحد، فقد أُخبرنا في العهد القديم عن المسيح الذي يظهر في العهد الجديد، والذي قادنا من خلال الشريعة وأنبياء إلى مدرسة المسيح، إذ “كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ” (غل 24:3)، إذا سمعتَ أحد الهراطقة ينطق بشر على الناموس والأنبياء أجبْه بكلمات المخلِّص، إذ جاء يسوع لا لينقض الناموس بَلْ ليكمله (مت 17:5)”[57].
[1] – القديس أثناسيوس الرسوليّ الرسالة الفصحية الثانية. N & P .N . F .ser. 2,vol. 4 – Festal Letters:2.
[2] – د. جوزيف موريس فلتس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة كتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل وأحاد السنة التوتية – مؤسسة القديس باسيليوس – ص 20.
[3] – رشدي حنا عبد السيد – الفلسفة اليونانية القديمة – مقدمة عامة ص 5.
[4] – جورج عوض ابراهيم – تفسيرات الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى – دورية مركز دراسات الآباء – السنة التاسعة العدد17، يناير 2007، ص81.
[5] – الفيلسوف زينو Zeno مؤسس المدرسة الرواقية في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد.
[6] – جورج عوض ابراهيم – نفس المرجع السابق ص 82.
[7] – Midrash اسم عبريّ من الفعل العبريّ “دَرَش” ويعني “درس وبحث وفحص بدقة تامة”، وكان شائعاً في القرن الأول الميلاديّ، وهو شرح للمنهج التفسيري المتبع في التليمود، ويختص فيه بالنصوص التفسيرية العقائدية، وهي تتناول شرحِ الأحداث التاريخية والنبوات والكتب الشعرية في العهد القديم، ولم يكن للمدراش شكل تفسيريّ يشرح النصّ الكتابيّ آية آية، إلا أنه في أغلب الأحيان توسيع وإسهاب لهذا النصّ في طريقة تقويّة تبني المومنين.
[8] – القاموس الموسوعيّ للعهد الجديد – فيرلين د. فيربروج – الناشر دار الكلمة 2006 ص 241.
[9] – جورج عوض ابراهيم – تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى 2 – دورية مركز الدراسات الآباء – يوليو 2006 – ص73.
[10] – التلمود كلمة مشتقة من الجذر العبريّ الذي يعني الدراسة والتعلّم، كما في عبارة«دراسة الشريعة»، وتعود كل من كلمة «تلمود» العبرية وكلمة «تلميذ» العربية إلى أصل سامي واحد.
[11] – روجيه غارودي “فلسطين أرض الرسالات السماوية” – ترجمة قصي أتاسي – ميشيل واكيم – الطبعة الأولى 1988 دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
[12] – راهب من دير البراموس – التلمود نشأته وتاريخه – الطبعة الثانية 2002 – ص18.
[13] – قصة الحضارة – و.ل.دبوراتت – 1975، ج3، المجلد الرابع، ص 10-39.
[14] – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 70.
[15] – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 62.
[16] – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص36-38، التلمود كتاب اليهود المقدس، دار قتيبة، دمشق 2006.
[17] – V.f.epistolum fundaminti 6.
[18] – ضد الهراطقة 3، 4، 1
[19] – تفسير رومية 1، 3، 1.
[20] – في تفسير اللاويين، العظة 4، 5
[21] – في تفسير إرميا العظة 7، 3
[22] – شرح إنجيل يوحنا11 – ترجمة مركز دراسات الآباء PG74. 646AB
[23] – ضد الهرطقات 12:9:AH3
[24] – ضد الهرطقات 9:1: AH1
[25] – على نفس هذا المنوال مَن يترجمون كتابات غريبة دون إفراز أو من يتأثرون بفكر فلسفي غريب أو تعاليم هرطوقية داخل ثوب مزيف
[26] – ضد الهرطقات 1:8: AH1
[27] – Strom. 7:16.
[28] – العلاَّمة أوريجانوس – في المباديء 4-2-4 – ترجمة الاب جورج خوام البوليسي – منشورات المكتبة البوليسية – 2002 –ص 387.
[29] – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 387.
[30] – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 389.
[31] – Strom. 4.5
[32] – Strom. 4.4
[33] – In Exod. Hom, 2.4.
[34] – In Joan. t2, c29.
[35] – In Exod. Hom, 3.3.
[36] – القمص تادرس يعقوب ملطي – آباء مدرسة الإسكندرية الأولون 2001 – ص 153.
[37] – ضد الأريوسيين 54:1.
[38] – دياكون مجدي وهبة – آباء الكنيسة والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء – يناير 1998 .ص 55.
[39] – P Schaff , History of chrision church,1910, vol. 2,p.816.
[40] – مُعرَّباً من مخطوطة في مكتبة دير الشرفة ترجع إلى القرن الثاني عشر.
[41] – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص26
[42] – عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 141 .. In Ps. , hom 9:4
[43] – In Psalm . PG55 :209.
[44] – In thes. , hom3. عن القمص تادرس يعقوب ملطي- القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 138.
[45] – In Mat. , hom 19:8.
[46] – In Mat. , hom 15:5.
[47] – In Mat. , hom 16:13.
[48] مشكاة الطلاب في حل مكشلات الكتاب – طبعة 1929 ص168.
[49] – Clem. Stromata 1:1.
[50] – الدفاع 67:1.
[51] – القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص
[52] – In Mat, home 47:7.
[53] – De Paralyt. عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص 135.
بدون هذا الموت لصار سرّ التدبير بالجسد بلا منفعة لنا.
القديس كيرلس السكندري[1]
لم يمت المسيح لأنه كان مضطراً أن يموت. لقد فعل كل شيءباختياره طِوعاً. موت المسيح وقيامته أدَّيا إلي: 1 – غفران الخطايا والمصالحة مع الله؛ 2 – التحرر من سلطان الموت؛3 – الوعد بتجديد العالم كله؛ 4 – القيامة العامة؛ 5 – النُصرة علي الشيطان وكل أسلحته؛ 6 – سحق الجحيم.
د / عدنان طرابلسي[2]
لو لم يكن قد وُضع المسيح للموت، ما كان يُمكن للموت أن يموت. لقد انهزم الشيطان بذات نصرته، لأن الشيطان فرح عندما خدع الإنسان الأول فطرحه في الموت. بخداعة الإنسان الأول قتله. وبقتله الإنسان (آدم) الأخير فقد الأول الذي في شباكه.
القديس أغسطينوس[3]
طبيعتنا البشرية منذ السقوط دخل إليها الموت وانتشر في كل طبيعتنا كسلطان وسلاح الخطية، فيقول الكتاب (النفس التي تخطئ هي تموت.. حزقيال 18: 4) ويقول القديس باسيليوس: إن الطبيعة البشرية هي حائط وقد هزته صدمة الخطية، فمال إلي السقوط، ولا يمكن إعادة بنائه إلا بهدم ونقض بنيانه، لذلك سمح الله أن يكون الموت الحسي ناقضاً للحائط المُزعزع ليُعيد بناءه بالقيامة العامة إعادة وثيقه ومؤيده[4].
ولكي يرفع الله حكم الموت هذا عن البشرية -التي حكمت به علي نفسها– فبتجسده وكابن الله جمع البشرية في ذاته، كما سبق وقلنا، فقد ترك جسده هكذا بحيث يمكنه أن يعاني الآلام البريئة والموت، لأنه كما قلنا أراد أن يحسم أمر هزيمتنا بعدل، وكأول يبدأ بقيامته بالجسد الذي وحده بعدم التألم وعدم الموت وعدم القابلية للفساد، من أجل الجنس البشري كله هذا الذي صار هو باكورته،كما يقول ساويرس الانطاكي[5] .
ويُضيف أثناسيوس الرسولي: وهكذا إذ اتخذ جسداً مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل نفسه للموت عوضاً عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر، أولاً: لكى إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفد في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانياً: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذى جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم، كما تبيد النار القش[6].
ويقول إيريناؤس: ولأن الجميع اقتيدوا إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم، كان مناسباً وضرورياً أن يَبُطل نير الموت بواسطة طاعة ذاك، الذي صار إنساناً من أجلنا. وبسبب أن الموت ساد على الجسد، كان من الضروري أن يُهزم الموت بواسطة الجسد ويَخلُّص الإنسان من سطوته. وهكذا صار الكلمة جسداً لكى بواسطة الجسد الذى استعبدته الخطية، يُخلّصنا (المسيح) من الخطية كي لا نعود نُستعبد من الخطية. لذلك أخذ ربنا جسداً شبيهاًبجسد أبينا الأول، لكى بجهاده –عوضاً عن أبوينا الأولين – ينتصر على ذاك الذي في آدم جرحنا جرحاً مُميتاً[7]. [8]
فدخول الرب إلي جسد وموته بهذا الجسد أصبح فخاً للموت به هزم الرب الموت وسلب كل قوته، ويقول كيرلس الأورشليمي: الرب تألم من أجلنا، وما كان الشيطان ليتجرأ أن يظهر له لو كان قد عرفه انه ابن الله. لذلك فالجسد صار الصنارة التي اصطاد بها الموت، حتي أن الحيه التي كانت تُريد أن تبتلع هذا الجسد، تقيأت ما سبق أن ابتلعته (أي الناس الذين ماتوا قبل مجيء المخلص وانتهاء سلطان الموت )[9].
ويضيف أمبروسيوس: (إذ تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً في نفس الشيء لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت .. عبرانيين 2: 14)… وكيف يكون ذلك إلا بواسطة الجسد الذي به قد صار مشاركاً لنا؟، وبماذا شاركنا إلا بالموت الجسدي؟، إنه كسر سلاسل الموت لأنه باحتمال المسيح للموت حدث موت للموت[10].
وهذا أيضاً ما قاله أغسطينوس: لقد هُزم الشيطان بذات نصرته… بخداعة الإنسان الأول ذبحه، وبذبحه للإنسان الأخير فقد الإنسان الأول من شبكته![11].
ويُضيف القديس يوحنا فم الذهب: “جرد الرئاسات والقوات بنفسه”، معناه أنه جرد قوات الشيطان، لأن الطبيعة البشرية كانت قد خضعت لها، أو إن صح التعبير كان مفروضًا عليها دَين (صك)، فعندما صار إنساناً لم يكن مديناً بهذا الصك – لكن ما معنى “شَّهر بهم”؟ معناه أنه حقا قد شُهر بالشيطان الذي جعل من نفسه هُزءً وخزياً. لأنه إذ توقع أن يظفر بالرب، خسر حتى ما كان لديه، وحينما سُمِّر الجسد (المقدس) على الصليب، قام الموتى. هكذا تلقى الموت نفسه ضربة قاصمة من جسد ميت. وكبطلٍ مقدام، وحينما عرف أنه طرح عدوه أرضاً، وأمسك به بقبضة مميتة، (مات الموت) هكذا كان موت المسيح إنما هو خزي للشيطان.
لم يختبر الملائكة شيئا من هذا القبيل، فقد قام هو بكل شيء لأجل هذا القصد، مُظهِراً أن لموته إنجاز عظيم وقدير – وكان إن صح التعبير – ثمة صراع واحد: فقد جرحَ الموتُ المسيحَ – لكن المسيح المجروح أمات الموت[12].
ويقول القديس مارإفرام: لقد جعل نفسه خاضعًا للموت حسب الجسد، محتملاً إيَّاه بإرادته، حتى يكسر سلطان الموت بغير إرادته (أي إرادة الموت)! حمل صليبه وسلك هكذاكما يريد الموت، وعلى الصليب إذ صرخ أحضر الموت بغير إرادته من الجحيم! حمل النصرة على الموت، في نفس اللحظة التي فيها قتل الموت الرب، وبنفس الوسيلة (الصليب)![13]…
هذه هي الثمرة التي حطمت الموت، فإذ اِبتلعها مزقته، وقدمت حياة لمن أُرسلت إليهم!. وكما أنه متى اِضطربت معدة إنسان، تقيَّأ ما بها من حلو ومرّ، هكذا إذ اِضطربت معدة الموت، تقيأ “دواء الحياة” الذي اِشمئز الموت منه، كما خرج معه أولئك الذين تلذذ الجحيم بوجودهم فيه![14].
وبموت المُخَلِّص بالجسد أعطانا عربون القيامة في قيامته أيضاً من الموت وهي العلامة الصارخة علي موت الموت وانقضاء سلطانه علي البشرية،
ويقول أغسطينوس:نتمتع في آلام الرب وقيامته بالعبور من هذه الحياة القابلة للموت إلى الحياة الأخرى الخالدة، أي من الموت إلى الحياة[15].
ويضيف القديس كيرلس السكندري: إن موت المسيح قلب الأمور بصورة غير متوقعه. لأن آلامه قد أُعدت كفخ لاصطياد الموت، وموت الرب صار مصدر تجديد الجنس البشري إلي عدم الفساد وجدة الحياة[16].
ولأن الموت كان هو سلاح الخطية الفتاك، فبموته بطل سلطان الخطية – نعم نخطئ– لكن لم نعد نموت بخطايانا بل بمجرد العودة إلي الله المُعلن في وجه يسوع يُمحي كل أثر لخطايانا، كما يقول القديس كيرلس السكندري: ماذا كان الأمر المملوء بالحكمة بالنسبة لنا وماذا كانت مشيئة الآب المُخلصة؟ كان هذا الآمر وتلك المشيئةأن يموت الموت بموت المسيح عنا، وهكذا تبطل الخطية ويهلك كل من تسبب فيها منذ خلقة الإنسان، أي الشيطان، ويصير الخلاص الكل بواسطة دم المسيح الكريم. ولهذا نجد أن الرسول يضيف قائلاً عن الابن: (وَلأَجْلِ هَذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُّوُونَ – إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ – يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ. لأَنَّهُ حَيْثُ تُوجَدُ وَصِيَّةٌ يَلْزَمُ بَيَانُ مَوْتِ الْمُوصِي. لأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَوْتَى، إِذْ لاَ قُوَّةَ لَهَا الْبَتَّةَ مَا دَامَ الْمُوصِي حَيّاً.)[17].
و يضيف القديس إكليمندس السكندري: الإنسان كان حراً ببساطته، أصبح مقيداً بالخطايا. لذلك أراد الرب أن يحرره من القيود (رباطات الظلم). وبالتحافه بالجسد… هزم الحيه وأسر الموت المستبد، و أروع شيء عمله هو فك أسر الإنسان وتحريره بعد أن كان أسيراً للفساد. ياللسرّالعظيم! لقد تنازل الرب وارتفع الإنسان، الذي سقط من الفردوس يربح مكافأة أعظم، إنها السماء عينها !! [18].
ويكتب القديس أثناسيوس: وحينما صارت مشيئة الآب السمائي أن تُدفع الفدية – الكفارة – عن الجميع، لكي تُمنح النعمة للجميع، لذلك أخذ الكلمة بالحق… جسداً ترابياً… لكي كرئيس كهنة يستطيع أن يقدِّم نفسه (بجسده) إلى الآب ويطهِّرنا من الخطايا جميعاً في دمه[19].
ويكمل قائلاً: فالعالم كان في ما سبق مُداناً، وكان تحت القضاء والدينونة من قِبَل الناموس، وأمَّا الآن فقد وضع “الكلمة” على نفسه عقاب الدينونة هذه، وإذ تألَّم في الجسد من أجل الجميع منح الخلاص للجميع[20].
وأخيراً فقد تساءل البعض قائلين: كيف يُمكن لجسد بشري أن يهب لنا كل هذه الخيرات أو يغلب الموت؟ ويجيب ق. كيرلس عمود الدين قائلاً: يا أحبائي لتعلموا أن لجسم المسيح تأثير في خلاص الإنسان، لأن جسد الكلمة، المسيح العظيم، هو جسم الحياة المتسربل بالقوّة والسلطان، وكما أن الحديد إذا ما لمس النار بدت فيه مظاهر الناروقام بوظائف النار، كذلك جسد الكلمة المسيح تجلَّت فيه الحياة، وكان له السلطان على محو الموت والفساد[21].
لقد صلب الموت بإعطاء الحياه، وجذب بذلك الإنسان بعيداً عن الدمار ورفعه إلي السموات.
القديس إكليمندس السكندري[22]
[1]sur la l aux cor ., xv , 12 , pg . 74 , 897 . دراسات في آباء الكنيسة للراهب باسيليوس المقاري . ص 611
[2]سألتني فأجبتك ج1 ص 547
[3]The Ascension, 263 الحب الإلهي. للأب تادرس يعقوب . ص 689
[4]M. A.Orphanos; creation and salvation according to st. basil of caesarea , Athens 1957
[5] مجمع خلقيدونيةإعادة فحص، مرجع سابق. ص 413 . lapolemique …. I , p. 70
[6] تجسد الكلمة 4:8 ترجمة د/ جوزيف موريس فلتس؛ إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ص22
[7] في هذه الفقرة لخص إيريناؤس جوهر تعليمه عن المسيح والخلاص. فتجسد المسيح له المجد كان ضرورياً لكى ينقل عدم الفساد إلى البشر ولكى يَبطُل الشر الآتي من عصيان آدم. وهذا الأمر قد شرحه فيما بعد القديس أثناسيوس في كتابه “تجسد الكلمة”: [ لأن المخلّص تمّم بتأنسه عمليتي المحبة: (أولاً): أنه أباد الموت من داخلنا وجدّدنا ثانية. (ثانيًا): أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدّبر وملك الكون ] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 5:16. والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان يصف لنا المسيح بأوصاف توضح نتائج التجسد بالنسبة لنا: [ المسيح هو لنا كل شيء… إذا أردت أن تبرئ جرحك، فهو الطبيب الشافي؛ إذا أردت أن تروى عطشك الشديد، فهو ينبوع الماء الحي؛ إذا كنت في حاجة إلى معونة، فهو القوة الحية الفعّالة؛ إذا كنت ترهب الموت، فهو الحياة القاهرة للموت؛ إذا كنت تخشى الظلام، فهو “النور الحقيقي”؛ إذا كنت جوعانًا، فهو قوت الحياة ] (PL16, 305).
[8]الكرازة الرسولية. ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد؛ د/ جورج عوض ابراهيم. فقره 31
[9] دراسات في آباء الكنيسة. للراهب باسيليوس المقاري . ص 313
[10] القديس أمبروسيوس أسقف ميلان شرح الإيمان المسيحي مترجم عن: N & PN Fathers 2 sertes vol. 10 p199. ج2 . 3 : 85 . ص 46
[11]Sermon 261:1.
[12]Homilies on Colossians, homily 6.
[13]الحب الالهي. للأب تادرس يعقوب مالطي ص 689
[14]المرجع السابق. ص 690
[15]Letters, 55
[16]شرح انجيل يوحنا ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد، د/ جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ج2 ص 467
[17]حوار حول الثالوث. الجزء الرابع الحوار الخامس. ترجمة د/ جوزيف موريس فلتس. مترجم عن EIIE ., VOL .8 , P. 402 : 505 . إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ص 10، 11
[18]grenstead , A short history of the doctrine of the atonement . p 28
[19]حقبه مضيئه في تاريخ الكنيسة، مرجع سابق، ص 656 .. Athanas., C. Ar., II, 7.
[20]المرجع السابقص 658 .. Athanas.,C. Ar., I, 60.
[21] عظه 36.
[22]grenstead , A short history of the doctrine of the atonement . p 27