يبدأ فضيلة الشيخ الفصل بعنوان الليتورجيا كمصدر من مصادر التقليد دون أن يُعرِّف كلمة ليتورجيا في الأصل وتطور استخدامها. فكلمة ليتورجيَّا λειτουργία تعني «عمل الشعب»، فالكلمة مُكونة من مقطعين هما «λαός أي شعب»، «έργον أي عمل»، وحرفيًّا هو العمل الذي يقوم به الشعب، أو شركة الشعب في العبادة، سواء ما يتعلق بالصلوات اليوميَّة أو المزامير، ودورة الاحتفالات وطقوس ومراسيم الأعياد المُتعلقة إمَّا بالله أو حياة الربّ يسوع أو القديسين.
ويذكر الشيخ أنَّ:
“الصلوات الطقسية مصدر من مصادر التقليد…. وهي قابلة للتطوير وفق ما يستجد من تعليم كشجب هرطقة أو تعداد مفاهيم“[1].
وفي هذ نقول إننا لا ننكر تطور الطقوس والصلوات الليتورجيا بحسب ظروف وحاجة الكنيسة ولكن هذه النصوص فُحصت على مر العصور واقتبلت إضافات أو حذف منذ نشأتها وحتَّى اليوم[2]، يبدو أنَّ القصّة الحقيقيَّة لتطوُّر العبادة المسيحيَّة هي الانتقال من الاختلافات الكبيرة حول عناصر أساسيَّة إلى دمج وتوحيد مُتزايد للتقاليد المحليَّة. ويمكن أن نرى بدايات هذا التوجُّه (نحو التوحيد) في القرن الثاني الميلادي، ولكن التطوُّر اكتسب زخمًا أكبر بكثير في القرن الرابع، حيث توسّعت الكنيسة، ومع تزايُد التواصل- وبالتالي الوعي بالاختلافات- بين مُختلف المراكز المحليَّة، وقبل كلّ شيءكما حاولت المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة تعريف نفسها ضدّ ما كان يُنظر إليها على أنّها حركات هرطوقيَّة؛ لأنه في مثل هذه الحالة، فإنَّ أيّ ميل للاستمرار فيما يبدو أنّه طقوس خاصّة قد فُسرت على الأرجح كعلامة على الهرطقة[3].
ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري
ولم يكلف الكاتب نفسه عناء البحث في الكتاب الذي يقتبس منه جزء مصادر الليتورجيا وينظر إلى نهاية الفصل الذي يسبقه ويقرأ كيف شرح الأسقف يوحنا يازجي تطور تاريخ الليتورجيا كفرع لاهوتيّ، أي نشأة هذا العلم وتطوره مع الزمن[4].
وعندما تحدث الكاتب عن مصادر الليتورجيا مقتبسًا من الأسقف يوحنا يازجي من فصل المصادر الليتورجيا ذكر مباشرة الكتاب المقدس ولم يذكر الديانات غير المسيحيَّة، لا أعلم السبب ولكنه أسقطها، إذ أنَّ المسيحيَّة لم تأت ماحية لما قبلها بل صارت مَسحنة كلّ ما حولها هو نوع من تجديد الخليقة بكلّ ما فيها من سياق إنسانيّ.
ثم ذكر الكاتب:
“المجموعات القانونية الليتورجية والتي تحمل أسماء الرسل ومنها التقليد الرسولي، وقوانين هيبوليتوس القبطية، والديداخي“[5].
وفي الحقيقة تُشكِّل قوانين الكنيسة القديمة واحدة من أروع أنواع الأدب المسيحيّ المُبكِّر، وتزعم أنها تُقدِّم قوانين «رسوليَّة» موثوقة بشأن مسائل السلوك الأخلاقيّ، والمُمارَسَة الليتورجية، والتهذيب والتنظيم الكنسيّ. فما تقوله هذه النصوص الرسوليَّة المنحولة فيما يتعلق بالعصر الرسوليّ نفسه قد لا يكون ذات أهمّيّة كبيرة، لكنها من المُحتمل أن تكون مصادر إرشاديَّة قديمة لفكر وممارسات الفترات التي تكونت فيها تلك النصوص.
وكما ذكر الكاتب في الحاشية يمكن النظر إلى الدراسة المنشورة في كتاب أصول العبادة المسيحيَّة[6]، لمعرفة أصول القوانين والدراسات التي جرت عليها وكيف يمكن التعامل معها والاستفادة منها.
ثم ينتقل الكاتب إلى ذكر الكتب الطقسيَّة المستخدمة في الكنيسة المصريَّة وبعد أن أنهاها كتب قائلًا:
“وبعيدًا عما تحويه هذه الكتب من تعاليم تتفق والكتاب المقدس أو تخالفه، وبعيدًا كذلك عن أصالة ما فيها من طقوس وثنية مُسّحت”[7].
ولكنه لم يذكر أيّ مثال من هذه الكتب ما يخالف تعاليم الكتاب المقدس، فكيف للخولاجي المقدس أن يخالف تعاليم الكتاب المقدس ونستطيع أن نقرأ في نسخة القمص عبد المسيح مسعودي الإشارات الكتابيَّة غالبًا لكلّ جملة من القداس. وهكذا أيضًا في الأبصلموديَّة المقدسة. وكيف نقول إنَّ كتب القطماروس بكلّ مواسمه يخالف تعاليم الكتاب المقدس وهو عبارة عن مقاطع من الأسفار الكتابيَّة؟
ويتعجب الكاتب من الطقوس والشعائر الوثنيَّة التي مُسِّحت، وأنا لا استغرب من ذلك لأنه لم يستوعب أنَّ المسيحيَّة لم تطمس أيّ هوية للبلاد التي انتشرت فيها بل كان تضفى صبغة مسيحيَّة على الطقوس هناك وتستوعب ما يمكن استيعابه، وذلك نراه واضح كلّ الوضوح عندما أشار بولس الرسول إلى مذبح لإله مجهول في (أع 17: 23) وجعله مدخلًا ليبشر باسم المسيح في هذه البلاد. وهكذا انتشرت المسيحيَّة في العالم وأحيانًا استُبدِلت مواعيد الاحتفالات الوثنيَّة باحتفالات وأعياد مسيحيَّة حتَّى لا يعود ويشترك المؤمنون مع الوثنيون.
قانون الإيمان
ويتسائل الكاتب:
“هل كانت الليتورجيا في وقت ما حاسمة خلافًا.. أوهل التجأ أحد إليها لتعضيد عقيدة أو دفع هرطقة؟ أم أنها تتطور بتطور الهرطقات.. وتُحدَّث بما تمليه عليها الوقائع والمستجدات“[8].
واعتقد أنَّ هذا السؤال استنكاري ليثبت حجته بأنَّ الليتوجيا تتطور فقط ولم تكن حاسمة في أيّ خلاف كنسيّ. ولكن الحقيقة غير ذلك إذ أنَّ الليتورجيا والتشريعات القانونيَّة المبكّرة كان حاسمة في بعض الخلافات.
عندما نناقش أوَّل مجمع كنسيّ وهو مجمع نيقية 325م يعتقد البعض أنَّ قانون الإيمان قد كُتب خلال المجمع ولكن الحقيقة غير ذلك، فقبل مجمع نيقية لم يكن تعبير “قاعدة الإيمان” يُستخدم بطريقة حرة ومقيدة بالعقيدة فحسب، بل بالطقس أيضًا ولذلك يقول بوليكراتس أسقف أفسس عندما تحدث عن عيد الفصح بأنَّه “حسب قاعدة الإيمان“[9]. ويخبرنا يوسابيوس القيصري عن قاعدة الإيمان عندما يتحدث عن مخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، فيقول:
“وطرحوا جانبًا قاعدة الإيمان القديم، ولم يعرفوا المسيح، وهم لا يحاولون معرفة ما تعلنه الأسفار الإلهيَّة”[10].
وفي الإسكندريَّة يعدد القديس كليمندس الإسكندريّ خواص قانون الإيمان: “إنَّ الإيمان له قاعدة، وإنَّ هذه القاعدة هي قانون الإيمان أو القانون الكنسيّ أو قاعدة الحقّ والتسليم”[11]. وعند ترتليان قاعدة الإيمان هي بنود الإيمان، وترتليان يؤكد على أنَّ قاعدة الإيمان هي “من الرسل وحتَّى بولس الرسول بعد اهتدائه صعد إلى أورشليم لكي يقارن قاعدة إنجيله، أي كرازته بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل”[12]، ويقول أيضًا: “وقاعدة الإيمان هي التي بموجبها يتم فرز الهرطقات والهراطقة”[13].
ومن المصادر الليتورجية المستخدمة في ليتورجية المعمودية في الكنيسة القبطيَّة والمعروف في علم الليتورجيات باسم قانون دير البلايزة، ونصه هو:
اعترف بإله واحد الله الآب ضابط الكلّ وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا وبالروح القدس المحيى وبقيامة الجسد وبالكنيسة الواحدة الجامعة الرسوليَّة.
حيث يقوم الكاهن بترديد هذا النصّ أمام الإشبين ثم يسأله ثلاث مرَّات قائلاً: “آمنت عن هذا الطفل؟” فيجاوبه ثلاث مرَّات قائلاً: “آمنت”[14].
وإذ بدأت الهرطقات في الانتشار، لم يعد قانون الإيمان خاصًا بطالبي العماد، إنما تم تأكيده في مجمع نيقية للاستخدام في العبادة الليتورجية. وبدأت المجامع تضع قانون الإيمان وتوحده لمواجهة الهرطقات. فكما رأينا أنَّ بذرة قانون أو قاعدة الإيمان موجودة قبل المجمع وقبل ظهور الهرطقة وتم تأكيده واستخدامه لمواجهة البدع والهرطقات.
إكرام العذراء مريم في الكنيسة المبكرة
إكرام العذراء مريم في الكنيسة المبكرة
وقد سأل الكاتب السؤال أعلاه لأنه اعتمد عليه في المطلب الثاني: الليتورجيا والعقيدة والتطور (الثيئوتوكيات ومجمع أفسس نموذجًا)[15]. وحاول أن يثبت أنَّ تكريم العذراء ظهر في الكنيسة بعد ظهور الهرطقة النسطوريَّة وبعد انعقاد مجمع أفسس وحاول الاستعانة بنصوص مقتطعة من سياقها من تفسيرات الآباء لأسفار الكتاب المقدس ليثبت أنهم لم يكرموا العذراء مريم، وأن تكريمها لم يظهر إلَّا بعد مجمع أفسس[16].
وقد أخذ الكاتب الثيؤطوكيات نموذجًا واستشهد بالدراسات الحديثة التي تثبت أنَّ الثيؤطوكيات قد صيغت في العقود التالية لمجمع أفسس، ولكن هل إكرام العذراء مريم لم يكن موجود في الكنيسة كما يدعي؟
إنَّ إكرام العذراء مريم في الكنيسة بدء مبكرًا جدًا منذ القرون الأولى، على سبيل المثال يظن البعض أنَّ مصطلح ثيؤطوكوس قد صِيغ في مجمع أفسس ولكن الحقيقة غير ذلك. “هذا المصطلح يظهر أول مرة في آباء ما قبل نيقية الذين كتبوا في القرن الرابع كلقب للسيدة العذراء القديسة مريم، ربما استخدمه كل من أوريجانوس، وديونيسيوس الأريوباغي في رسالة له إلي بولس الساموساطي لكن هذا النص ربما لا يكون نصًا أصليًا لديونيسيوس، وعند ثيؤدريت في تقليده الرسولي (436م)، أيضًا تشير يعض المراجع أن هيبوليتوس السكندري ربما استخدم هذا المصطلح، كما أن كل من غريغوريوس أسقف نيصص و يوستاسيوس الأنطاكي استخدموه، أما غريغوريوس النيزنزي فاعتبره جزء من الإيمان الأرثوكسي. لكن تحديده كمصطلح رسمي كان في مجمع أفسس عام 431م ردًا على إنكار نسطور ومهاجمته لهذا التعبير”[17].
ولرؤية إكرام العذراء في صورة أوضح أرشح للكاتب كتب صدر حديثًا من المركز الثقافي الفرنسسكاني، إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى السادس للميلاد، يمكن أن نقرأ فيه باستضافة عن نشأة وتطور إكرام العذراء سواء في الصلوات أو كتابات الآباء أو تشييد كنائس باسم العذراء مريم[18].
فهل بعد كلّ هذه الشهادات من القرون المبكرة نقول إنَّ آباء الكنيسة لم يكرموا العذراء مريم الَّإ بعد الهرطقة النسطوريَّة؟
ويخلص الكاتب في نهاية هذ المطلب إلى أنَّ “الليتورجيا ما هي إلا صدى للمجامع وما أخرجته من المقررات…” نعم نؤكد مرّة أخرى أنَّ الليتورجيا تتطور ويضاف عليها لكن بالأحرى تؤكد وتثبت ما هو موجود في الأساس، بالنسبة لمصطلح ثيؤطوكوس لم يظهر فقط في كتابات الأباء بل كان أيضًا مستخدمًا في الليتورجيات والصلوات المسيحيَّة قبل انعقاد مجمع أفسس، وأقدم مصدر لدينا لهذا المصطلح هو مخطوط سكندري من القرن الثالث (حوالي 250م) معروف باسم Sub tuum Praesidium، وهو يحوي نصّ ليتورجيّ مستخدم حتَّى الآن في الكنائس القبطيَّة والبيزنطيَّة والرومانيَّة. المخطوط مكتوب باليونانيَّة ونصه:
في ظلّ حمايتكِ، نلتجأ، يا والدة الإله (الثيؤتوكوس): لا تردي طلبتنا في وقت الشدة: لكن نجينا من الأخطار، أيتها النقية المباركة وحدكِ[19].
من كلّ ما سبق نجد أنَّ مجمع أفسس لا يشكل نقطة انطلاق فيما يتعلق بالإكرام المريميّ في مصر بل هو تأكيد على ما هو موجود بالفعل. فمنذ القرن الثاني حتَّى عهد البطريرك الأنبا ثاؤفيلوس (385-412م)، كانت قد أُجريت تحديدات لاهوتيَّة، وشُيدت الكنائس، ونُظمت صلوات، ورُسمت صور وأيقونات، وتأسست أعياد، وأُلقيت عظات، كلها إكرامًا لمريم[20].
إشكالية تناول يهوذا
إشكالية تناول يهوذا
ينتقل الكاتب إلى المطلب الثالث: الليتورجيا والبابا (تناول يهوذا أنموذجًا)، ويشرح الكاتب كيف “حذف البابا شنوده والأنبا بيشوي بعض ما في الكتب الطقسية”[21]، وفي الحقيقة لا أعلم لماذا يؤكد أنَّ البابا شنوده والأنبا بيشوي هما من قاما بذلك، رغم أنَّه يذكر في الفقرة نفسها أنَّ الحذف صدر عن توصيات من اللجنة المجمعيَّة للشئون الطقسيَّة تقدمت بها للمجمع المقدس وتم مناقشة الأمر “حيث أوصت اللجة بالتعديلات— في بعض عظات البصخة المقدّسة بحيث تتفق مع التسليم الرسولي في عدم مناولة غير التائبين؛ وذلك بحذف العبارات التي تشير إلى تناول يهوذا من جسد الربّ ودمه؛ وهو الشيء الذي يتعارض أيضًا مع تعليم الإنجيل!”[22].
ثم يورد الكاتب بعد ذلك اختلاف آراء الآباء حول تفسير فقرات الإنجيل الخاصّة بالعشاء الأخير، وأحب أن أوضح هنا أنَّ اختلاف التفسيرات أمرًا طبيعيًّا ويجب أن نفرق بين العقيدة والرأي[23]، فكلمة العقيدة δόγμα (دوجما) وردت في العهد الجديد خمس مرات تُرجمت فيها في الترجمة البيروتيَّة إلى أربع كلمات مختلفة، ومن هذه الآيات نفهم المعنى الأصلي لهذه الكلمة (لو 2: 1؛ أع 16: 4؛ 17: 7؛ أف 2: 15؛ كو 2: 14). وفي كتابات الآباء جاءت بمعنى رأي أو عقيدة أو إيمان، واقتداءً بسفر أعمال الرسل الذي أطلق الكلمة على الأوامر أو القضايا التي أصدرها مجمع أورشليم، وأُطلقت الكلمة على القوانين التي أصدرتها المجامع الكنسيَّة. ولا نستطيع أن نحصر العقيدة في العهد الجديد أو في كتابات الآباء تحت كلمة دوجما فقط، لأن هناك كلمات كانت أكثر استعمالاً للتعبير عن العقيدة مثل كلمات الإيمان πίστις (بيستيس) أو التعليم διδασκαλία أو διδαχή (ديداسكاليا أو ديداخي) كتعبيرات تعبر عن صيغ إيمانيَّة، مثل:
أمَّا الرأي γνώμη (جنومي) أو التفسير ἑρμηνεία (هرمينيا) فهي كلمات تعطي تفسيرًا للعقيدة، أو تعطي رأيًّا مختلفًا في بعض الأمور الكنسيَّة، لكنها لا ترقى لمستوى العقيدة ويمكننا أن نعرف معنى كلمة رأي حسبما وردت في كتاب العهد الجديد، خاصّة في كتابات القديس بولس الرسول (1كو 7: 25-27؛ 7: 40؛ 2كو 8: 10). وقد وردت كلمة رأي (جنومي) في كتابات الآباء بمعانٍ كثيرة، فهي تأتي بمعنى عقل، كما تأتي لتعبر عن الرأي أو العقيدة أو الإيمان أو وجهة النظر، كما تأتي بمعنى الإرادة، وأيضًا بمعنى القرارات والأحكام والقوانين والاستشارات. أمَّا الكلمة الثانية (هرمينيا) فهي تأتي بمعنى تفسير أو شرح أو ترجمة (يو 1: 38؛ 1كو 12: 10؛ 14: 26).
يتضح من هذه الآيات أنَّ العقيدة ملزمة للجميع للإيمان بها، والعمل بمقتضاها، أمَّا الرأي فهو تفسير لهذه العقيدة، والربّ يعطي لكلّ أحد أن يفسرها بحسب روح الله وبحسب إمكانيات المفسر والمتلقي، وبحسب ظروف الزمان والمكان، على ألا يتعارض هذا التفسير مع تعاليم وتقليد الكنيسة. لا يصح إطلاقًا الاختلاف في العقيدة، ولكن ليس هناك أيّ مشكلة في الاختلاف في الرأي أو التفسير.
بالنسبة لما ذكره الكاتب عن موضوع تناول يهوذا نرى أنَّ هذا اختلاف في الأراء وليس في العقيدة وقد رأى المجمع المقدس برئاسة البابا شنوده الثالث حذف تلك الأجزاء من العظات التي تُقرأ في البصخة، لحسم هذا الخلاف. ولنؤكد أنَّه اختلاف في الرأي، فضيلة الشيخ نفسه يورد مقولة للبابا شنوده الثالث ردًا على سؤال من أسئلة الشعب إذا كان يهوذا قد تناول أم لا، فيقول البابا شنوده:
“ومع أنَّ يهوذا لو كان قد تناول من الجسد والدم، كان يتناول بدون استحقاق، غير مميز جسد الربّ، ويتناول دينونة لنفسه (1كو 11: 27-29). إلَّا أنَّ الآباء يقولون إنَّه اشترك في الفصح فقط، وخرج ليكمل جريمته…”[24].
نجد إجابة البابا شنوده شارحة ومفسرة للأمر رغم أنَّه يميل إلى رأي محدد، ونؤكد أيضًا أنَّ الآباء أنفسهم انقسموا حول إجابة هذا السؤال، فمنهم من أيد تناول يهوذا ومنهم من نفاه.
وبعد أن أورد فضيلة الشيخ الإشارات والمراجع التي تشير إلى تناول يهوذا يقول “وأضف إلى هؤلاء السابقين متى المسكين العدو اللدود لهذه اللجنة…“[25].
من أين جاء الكاتب بهذا الوصف الشنيع؟ كيف يحكم على العلاقة بين الأب متى المسيكن وبين اللجنة بالعداوة؟ ألم يقرأ أيّ من كتابات الأب متى أو حتَّى من البابا شنوده؟ ألم يقرأ المقولة الشهيرة “الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية”؟ نرى فضيلة الشيخ يحكم عليهم بالعداوة رغم أنَّه عندما زار البابا شنوده دير أبو مقار في عام 1996م استقبله وقتها الأب متى المسكين ورهبان الدير بالاستقبال الواجب داخل الكنائس والأديرة في حال زيارة البابا وبتلاوة الألحان الكنسيَّة التي تقال في حضور البابا واستقباله.
وفي كلمة الترحيب قال الأب متى: “تعلمون أيها الأحباء وكلكم رهبان، أنَّ الرهبنة في الكنيسة، وخصوصًا القبطيَّة قوامها هو سندها الإلهيّ، وخزانة تراثها ومجدها تقليدها الحي الذي نستمد منه عصارة لاهوتنا وحياتنا، فكون أن يأتي بابا الإسكندريَّة ويتكلم بيننا بشكر وصلاة للمسيح، فهو شيء يرد نفوسنا، ويشدد قوتنا وعزيمتنا. أنًّه يومًا سعيدًا في أيام برية شهيت، صحيح أنَّه زارنا قبل الآن، ولكن زيارة هذا اليوم تأتي والكنيسة في أحوج ما يكون أن يلتف البابا حول الشعب، والشعب يلتف حول البابا، وأنَّه فعل حسن لأن الكنيسة تعيد اليوم باليوبيل الفضي برجاء يمتد إلى اليوبيل الذهبي والماسي، وإلى مائه سنة يا سيدنا أنبا شنوده وتتمتع بخدمة متسعة ترعاها برعاية الأب المتفتح القلب والذهن الذي لا يغمض له جفن…”[26].
وقال البابا شنوده ردًا على هذه الكلمة: “أشكر كلمة المحبّة التي ألقاها قدس القمص متى المسكين، أب رهبان هذا الدير في عاطفة عميقة وقوية، وأشكركم على حسن استقبالكم وأشكر محبتكم وأشكر البركة التي أخذتها بدخولي هذا الدير…”[27]. نعم كانت هناك خلافات فكريَّة بينهما لكنها لم تصل أبدًا إلى حد العداوة، وبمرور الزمن خفت حدة الاحتقان بينهما، حيث قام البابا شنوده بزيارته في أثناء مرضه، ونُشر خبر الزيارة في مجلة الكرازة التي يحرّرها البابا بنفسه، وقد وصفت الأب متى المسكين بـ«القُمص المكرّم»[28].
ويخلص الكاتب في مبحثه إلى: “إن الليتورجيا مذياع لما يقرره الآباء فليست مصدرًا ذا استقلال، فهي خاضعة قديمًا لما يثبت ويرفع من حوار مع الهراطقة، وحديثًا –على ما رأينا في مثالنا- لما يتبناه القائمون على الكنيسة، وإن خالفوا الآباء“[29]. فكما قلنا إنَّ الليتورجيا تتطور وتتشكل بالفعل بحسب الوضع الكنسيّ ولكن ليس كما يقول بحسب ما يتبناه القائمون على الكنيسة وإن خالفوا الآباء، لأنه كما رأينا مسألة تناول يهوذا من عدمه اختلف الآباء في تفسير الأمر ولم يُستقر عليه وهذا ليس من العقيدة في شيء لذلك يخضع الأمر لقواعد الرأي والتفسير التي يمكن الاختلاف فيها.
[1] محمد هنداوي الأزهريّ، نقد التقليد الكنسيّ، الكنيسة المصريَّة أنموذجًا، نشر دار اللؤلؤة، الطبعة الأولى 2021، صـ151.
[2] د. رشدي واصف بهمان، مدخل إلى علم الليتورجيات، مجلة الكرمة، العدد الأول، 2004م.
[3] بول ف. براد شو، البحث عن أصول العبادة المسيحية، مصادر وطرق دراسة الليتورجية المبكرة، مراجعة وتقديم الأنبا مكاري الأسقف العام، ترجمة القس مينا القمص إسحق، الكلية الإكليريكية اللاهوتية للأقباط الأرثوذكس بالأنبا رويس، 2020م، صـ 77.
[4] الأسقف يوحنا يازجي، المصادر الليتورجية، منشورات معهد القديس يوحنا الدمشقي الااهوتي، جامعة بلمند، طرابلس، لبنان، الطبعة الأولى، 2005، صـ 21-24.
[6] بول ف. برادشو، البحث عن أصول العبادة المسيحيةَّ، ترجمة: القس مينا القمص إسحق، نشر الكلية الإكليريكية، طبعة أولى 2021م، الفصل الرابع “قوانين الكنيسة القديمة: لُغز مُستمر”.
[16] أقدم ترنيمة محفوظة للقديسة العذراء مريم باسم ثيؤطوكوس، هو النشيد المعروف في العديد من البلدان الكاثوليكيّة الرومانيّة والأرثوذكسيّة، وقد عُثر على النصّ الأقدم لهذا النشيد في الليتورجيَّة القبطيّة لعيد الميلاد. ويسجل المخطوط الترنيمة باللغة اليونانيّة، ووفقًا للباحث Serafim Seppälä “لا توجد أسباب لاهوتيّة أو فلسفيّة محددة لرفض تأريخ النصّ في القرن الثالث”. وتستخدم الترنيمة حتّى يومنا هذا في شكل الترنيمة المعروفة الآن باسم (في ظل حمايتكِ)، وكذلك في الصلوات الأرمنيّة والبيزنطيّة والأمبروسيّة والطقوس الرومانيّة، وإلى جانب النصّ اليونانيّ، يمكن العثور على نسخ قديمة بالقبطيّة والسريانيّة والأرمنيّة واللاتينيّة، وسنتعرض لها لاحقًا، وترجمة الترنيمة هي:
في ظلّ حمايتكِ،
نلتجأ، يا والدة الإله (الثيؤتوكوس):
لا تردي طلبتنا في وقت الشدة:
لكن نجينا من الأخطار،
أيتها النقية المباركة وحدكِ.
للمزيد انظر:
مارك شريدن، من النيل إلى الرون وما بعد؛ دراسات في الأدب الرهبانيّ المبكّر والتفسير الكتابيّ، ترجمة: موريس وهيب، وبيشوي جرجس، نشر الكلية الإكليريكية، طبعة أولى نوفمبر 2019م، ص 283-298.
Frederica Matthewes-Green, The Lost Gospel of Mary: The Mother of Jesus in Three Ancient Texts, Brewster MA: Paraclete Press (2007), pp. 85–87; Michael O’Carroll, Theotokos: A Theological Encyclopedia of the Blessed Virgin Mary, Wilmington: Michael Glazier Inc (1982), p. 336; François Mercenier, L’Antienne mariale grecque la plus ancienne, Le Muséon 52 (1939), pp. 229–233; Serafim Seppälä, Elämän Äiti, Neitsyt Maria varhaiskristillisessä teologiassa, Helsinki: Maahenki (2010), p. 84.
[17] مينا فؤاد، الثيؤتوكوس: دراسة قصيرة وإعادة تقييم للمصطلح اللاهوتي، 2010، مدونة التنوير.
[18] جبرائيل جامبيرارديني الفرنسيسكانيّ (الأب)، إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى القرن السادس، تعريب عبد الملك سامي، نشر المركز الثقافي الفرنسيسكانيّ، طبعة أولى 2021م.
[19] الثيؤتوكوس: دراسة قصيرة وإعادة تقييم للمصطلح اللاهوتي، مرجع السابق.
[20] إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى القرن السادس، مرجع سابق، صـ244.
يمتد عمر الكنيسة المصريَّة بطول تاريخ المسيحيَّة منذ تجسد الابن الوحيد آخذًا جسدًا متأنسًا من العذراء مريم، وحتَّى وقتنا الحالي. الكنيسة في مصر لها اليد العليا في تاريخ الساكنين فيها، بل في بعض الأوقات صارت هي إحدى أسباب الحياة في بلدنا هذا. كان لهذه القيمة العالية ضريبة وثمن يجب أن يُدفع، والثمن كان ولا يزال هو الاضطهاد والتلسُّن والنعت والتقوّل على كنيسة الله. فما كان منا إلا ما عهدنا به منذ نشأة وعينا في حضنها الأموميّ أن نكون حافظين للعهد، مدافعين بالقلب، ناذرين الفكر والمداد والعتاد في رفعة شأنها وإجلال ومجد ربّها.
رأينا على سبيل المتلسنين والمتقولين هنداوي في كتابه المشار له سابقًا، فكان في تمهيده متندَّرًا بثقل اللسان والقلم، فتكلم أولًا عن تعريف الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة واعتقادها إجمالًا، فسرد- بقدر وعيه ونظره- ما وصل إليه من معنى مصطلح كنيسة لغويًّا كمجمع وإصطلاحًا كجماعة المؤمنين وما نعرفه عنها من بناء حجري شكلًا، وأشار أيضًا لتعريف كلمة الأرثوذكسيَّة فغفل نصّ الكلمة بلغته الأصل أي اليونانيَّة فأورد فراغًا بعد كلمة أرثودكسوس، وشرح المعنى بأنه الإيمان المستقيم الذي هو إيمان الكنيسة الجامعة، ولكن عند شرحه لمصطلح الكنيسة الأرثوذكسيَّة قال:
أمّا عن مصطلح الكنيسة الأرثوذكسيَّة: فإنَّه يطلق على إحدى الكناس الرئيسة في النصرانيَّة، وقد انفصلت عن الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة بشكل نهائي عام ألف وأربع وخمسين من الميلاد، وتمثلت في عدة كنائس مستقلة لا تعترف بسيادة بابا روما عليها، ويجمع هذه الكنائس الأرثوذكسية إيمانهم بانبثاق الروح القدس من الأب فقط، ومحل بحثنا كنيسة من هذه الكنائس الأرثوذكسيَّة وهي «الكنيسة القبطيَّة»[1].
يتضح من الاقتباس السابق تخبط الهنداوي في معرفة تصنيف الكنائس المسيحيَّة وتاريخها، فما يشير إليه من حدث انفصال الكنيسة الأرثوذكسيَّة عن الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة هو ما يُعرف بالانشقاق الكبير الذي حدث عام 1054م، وهو ما يقول عنه إيريل كيرينز في كتابه المسيحيَّة عبر العصور:
في سنة 1054، دار الجدل الأخير حول ما بدا أنه أمر ثانوي. فإنّ مايكل سيرولاريوس Michael Cerularius، بطريرك القسطنطينية فيما بين 1043 – 1059، أدان الكنيسة في الغرب لاستخدامها الخبز غير المخمر (الفطير) في الأفخارستيا. وكان مثل هذا الاستخدام للفطير شائعًا في الغرب منذ القرن التاسع. فأرسل البابا ليو التاسع الكاردنال همبرت Humbert واثنين مِن القانونيين إلى الشرق لحسم هذا النزاع، إلَّا إنَّ اختلاف وجهات النظر اتسع واستمرت المناقشات. وفي 16 يوليو 1054 وضع الوفد الروماني (الكاثوليكيّ) مرسومًا بحرمان البطريرك وتابعيه على مذبح كاتدرائية القديسة صوفيا. إلَّا إنَّ البطريرك لم ييأس، فعقد سنودسًا حيث أعلن خروج البابا وتابعيه عن الإيمان القويم ومن ثمّ قطعه مِن الكنيسة. كان هذا أوَّل انشقاق كبير Great Schism يحطم وحدة الكنيسة. ومن ذلك الوقت مضت كلّ مِن الكنيسة الكاثوليكيّة الغربية، والكنيسة اليونانيّة الارثوذكسية (الشرقية) كلّ في طريقها بعيدًا عن الأخرى. وظل حرمهما الواحد للآخر ساريًا حتّى أبطل في 7 ديسمبر 1965، بواسطة البابا بولس السادس والبطريرك أثيناجوراسAthenagoras [2]
وهي ما تعرف بالكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة الخلقيدونيَّة وليس للكنيسة المصريَّة علاقة بهذا الحدث، بل إنَّ استقلال الكنيسة المصريَّة وانفصالها عن كنيسة روما بدأ مع الصراع الخلقيدونيّ بالقرن الخامس وليس في القرن الحادي عشر كما يشير هنداوي مُصنفًا الكنيسة القبطيَّة من بين الكنائس الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة، وهي بالأساس تعد من بين الكنائس المشرقيَّة Oriental Orthodox Churches، وهو مصطلح يدلل به على العقيدة التي تؤمن بها كنائس مسيحيَّة أرثوذكسيَّة شرقيَّة، والتي لا تعترف إلا بشرعيَّة المجامع المسكونيَّة الثلاث الأولى (نيقية، قسطنطينيَّة، أفسس)، وتعرف برفضها القاطع للعقيدة التي أقرها مجمع خلقيدونيَّة.
يستمر هنداوي على هذا المنوال ويعدد في بعض النقاط اعتقاد الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة، فيقول:
1) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة إجمالًا مثل باقي الكنائس الأخرى بإله واحد مثلث الأقانيم: الآب، الابن، الروح القدس على حسب ما ورد في قانون الإيمان النيقاوي 325م.
2) كما تؤمن بربويَّة وألوهيَّة الربّ والمسيح في آن واحد على أنهما من جوهر واحد ومشيئة واحدة، ومتساويين في الأزلية، كما تؤمن بأنَّ الروح القدس منبثق من الآب فقط.
3) وتؤمن بتجسُّد الإله في السيد المسيح من أجل خلاص، البشرية فيعتقدون أنَّه ولد من مريم وصلب ومات فداءً لخطاياهم، ثم قام بعد ثلاثة أيام ليجلس على يمين الربّ ليحاسب الخلائق يوم الحشر.
4) الإيمان بأنَّ السيدة مريم العذراء والدة الإله، ودائمة البتوليَّة، وأنَّ لها شفاعة توسليَّة.
5) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصريَّة بالمجامع المسكونيَّة السابقة على مجمع خلقيدونيَّة المنعقد عام 451م[3].
من أكثر النقاط لفتًا للنظر هي النقطة الثاني التي يتحدث فيها هنداوي عن إيمان الكنيسة بربوبية وألوهيَّة الرب والمسيح!! لا أعلم ماذا يقصد بالربّ هنا، ولكن بكلّ الإحوال يتضح من تلك النقطة وجود التباس عند هنداوي في فهم إيمان الكنيسة المصريَّة بألوهيَّة السيد المسيح. فمصطلح الربّ هو مصطلح قديم للغاية ومتجذر في وعي الكنيسة بشكل عام، وقد وردت في العهد الجديد باليونانيَّة بكلمة كيريوس، وتترجم إلى الربّ أو السيد، وقد استخدمت في الترجمة السبعينيَّة للعهد القديم لترجمة اسم الله يهوه. وتستخدم أيضًا في العهد الجديد لتشير إلى الله الآب، إذ دعي بفم يسوع نفسه “رب السماء والأرض” مت 11: 25، كما تشير إلى يسوع المسيح ابن الله، وأشهر العبارات وأقدمها في ذلك هي عبارة “يسوع رب” 1كو 12: 3. وإجمالًا ينطبق مصطلح الربّ بحسب إيمان الكنيسة على الله الآب، والابن، والروح القدس[4].
فهل يعتقد هنداوي أنَّه يوجد شخصين في إيمان الكنيسة الربّ والمسيح ونحن نؤمن بألوهيتهما؟!
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد
وعند حديث هنداوي عن العبادات والشعائر الخاصة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية تكلم عن الرتب الكنسيَّة ويقول فيما يخص الرهبنة الآتي: “الرهبنة: وهي سبع مقامات روحيَّة، وتنقسم إلى نوعين: رهبنة فرديَّة، رهبنة ديريَّة”[5]. ويتضح أيضًا من مثل هذه العبارات مدى تخبط الكاتب وقصور معرفته بالشأن الداخلي لحياة ومعتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ لا يوجد ما يعرف بسبع مقامات روحيَّة للرهبنة، فقد عُرفت الرهبنة بصورتها المنتظمة منذ ظهور حركة الرهبنة على يدي القديس أنبا أنطونيوس الكبير، لذا دُعي “أب الرهبنة”؛ تقوم حركة الرهبنة على الأسس التالية: العفة، والطاعة، والفقر الاختياري. وقد ظهرت ثلاثة أنواع رئيسة للرهبنة:
أ) نظام الوحدة (المتوحدون): حيث يعيش الراهب في قلايته (حجرته) في عزلة داخل الدير أو في مغارة خارج الدير، يمارس حياة التأمل مع العبادة والعمل اليدوي.
ب) نظام الشركة: أقامه القديس أنبا باخوميوس أب الشركة، حيث يعيش جماعة الرهبان معًا داخل سور واحد، يشتركون في صلوات يوميَّة وأيضًا في الطعام، كلٍّ يمارس عملًا يناسب إمكانياته أو مواهبه في الدير حسبما يشير رئيس الدير.
ج) نظام الجماعات: أقامه القديس آمون وأيضًا القديس مقاريوس الكبير، حيث يعيش الرهبان في قلالي أو مغاير متقاربة، يجتمعون معًا في السبت والأحد، وهو نظام متوسط بين الوحدة والشركة[6].
مار مرقس الرسول كرازته وإنجيله
يتناول هنداوي شخص القديس مرقس الرسول في القسم الثاني من تمهيده لكتابه، ويشير في الجزء الخاص بتعريف القديس مرقس واسمه وأسرته، ويستهل بعبارة “لا تذكر المصادر التاريخية المسيحية عن مرقس سوى ما يفيد أن اسمه اليهودي يوحنا”[7]، هل تعطينا النتيجة قبل البرهنة عليها يا شيخ هنداوي؟!
على كلّ الأحوال دعونا نعرف من هو القديس مرقس بحسب تقليد الكنيسة. مع بدايات القرن الميلادي الأوّل وُلد الصبي مرقس لعائلة يهوديّة في قيرين. وكان اسم والده أرستوبولس، واسم أمه مريم، ينحدر أصلهم من سبط لاوي. وكانوا متمسكين تمامًا بالعادات اليهوديّة، ويعودون إلى أورشليم، إن أمكنهم هذا، عدة مرات في السنة لحضور الأعياد الموسميّة. أشار اسم الصبي إلى خلفية عائلته المتعددة الثقافات. وكان الاسم هو: يوحنا مرقس. جمع هذا الاسم بين اسم عبريّ (يوحنا) واسم لاتينيّ (مرقس، ماركوس، أو ماركو، أو مارك). وحدث عندما نشبت الحروب، وأعمال السلب والنهب والاضطرابات المدنيّة في قيرين في وقت باكر من القرن الأوّل، فأجبرت الجماعات التي تعيش على السلب والنهب عائلة هذا الصبي إلى مغادرة إفريقيا والذهاب إلى فلسطين[8].
بعد ذلك نسمع عن مرقس وهو في أورشليم، حيث تمكنت والدته من الحصول على مسكن رحب فسيح (أعمال 12: 12) ولعله يتمتع بغرفة علوية (عليّة) بحسب مفهوم الذاكرة الإفريقيّة[9]، وهي نفس العليّة التي ذُكرت في مرقس 14: 15؛ أعمال 1: 13. وبينما كان مرقس شابًا، انضم هو ووالدته إلى أتباع يسوع. صارا جزءًا من حركة مغيرة للثقافة داخل اليهوديّة. وفي وقت لاحق سيكون مرقس أوّل تلميذ للمسيح يكتب الأخبار السارة (إنجيل مرقس) عن مجيء هذا الشخص الذي لا يُقارن والذي غيّر حياته (أيّ حياة مرقس) بشكل تام، أصبحت قصة ق. مرقس عن يسوع أقدم كلّ الجهود المبذولة المتبقية التي كُتبت لتعريف غير اليهود بالأخبار السارة عن بداية المسيحيّة. وقد أصبح مرقس نموذجًا لكلّ مَنْ سطروا بعد ذلك تاريخ يسوع[10].
من المثير للدهشة هو ما أورده هنداوي في بحث نسبة إنجيل مرقس إلى هذا القديس، فيقول:
“غير أنه بالنظر الى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية في الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيدًا تمامًا عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا“[12].
وبالرجوع لنصّ الكتاب المُقتبس منه بحسب إشارة هنداوي في الحاشية نجد الاقتباس بعيد تمامًا عما أورده هنداوي في كتابه، فيقول جون درين الآتي:
“غير أنه بالنظر الى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية في الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيدًا تمامًا عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا“[12].
ما فعله هنداوي أمرين، الأول هو تحويل الجملة “فلربما لا يكون التقليد..” من النفي إلى الإثبات، مما يبعد الاقتباس عن حقيقته وفكرته الأساسية، وهي إثبات اتفاق التقليد مع شخص ق. مرقس بحسب العهد الجديد؛ الأمر الثاني هو اقتطاع الاقتباس، إذ ينتهي الاقتباس عند هنداوي بعبارة: “وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما”، بعكس النصّ الكتاب الأصلي إذ يقول: “وليس من نوعية الشخص الذي تعزى له كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلًا“، وشتان بين العبارتين، فالأولى تشير لعدم أهلية ق. مرقس لكتابة أي إنجيل على الإطلاق، والثانية تشير إلى وجود سبب قوي دعى لضرورة كتابة إنجيله الأول بين الأناجيل مما دفع الآخرين غيره لكتابة أناجيلهم. فما أغرب هذا الالتباس الذي وقع فيه هنداوي! هنا تظهر منهجية اقتطاع الاقتباسات من سياقها وتحويل معناها الأصلي من أجل إثبات نتيجة مسبقة، مما يشكك في نزاهة البحث الأكاديمي
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد
وفيما يخص موثوقية نسب إنجيل مرقس إلى القديس مرقس كاروز الديار المصرية، يمكننا الرجوع إلى أحد الباحثين المتخصصين المعتبرين في دراسات العهد الجديد، وهو الباحث الكبير Ben Witherington III، الذي أورد في كتابه (إنجيل مرقس، تعليق اجتماعي بلاغي)[13] قسمًا عن موثوقيَّة نسب إنجيل مرقس، وقد أشار بالفعل إلى عدم وجود إشارة مباشرة في نصّ الإنجيل لصاحبه ولكن أسرد عدة أمور رأينا وجوب إيرادها هنا للنفع.
يشير Witherington إلى وجود أدلة داخلية وخارجية التي تشير لكاتب الإنجيل، فيقول:
” أولاً، نعلم أنَّه كان مسيحيًّا. وهو يكتب هذه الوثيقة باعتباره شخصًا على قناعة ببشارة يسوع الناصري. فهو من مؤيديه، ويسعى لإقناع الآخرين بأن يصبحوا مؤيدين ليسوع. ثانيًا، من المحتمل جدًا أن يكون المؤلف يهوديًّا. وهذا ليس لأنه يعرف الكثير عن العادات والثقافة والطوائف اليهوديَّة فحسب، ولكن لأنه يبدو على معرفة قوية بالعهد القديم أيضًا، أو على الأقل بالترجمة السبعينيَّة، ويأخذ مثل هذه الوثائق كمصادر لإعلان حقّ الله، وكنبوءة حقيقيَّة أيضًا. كما أنَّ لديه معرفة بالأخرويات اليهوديَّة المبكّرة ونهاية العالم [في الفكر اليهوديّ]… فيما يتعلق باستخدام المؤلف للغة الآراميَّة، لم يعلق هينجل على استخدامه الصحيح لتلك اللغة فحسب، بل يضيف: “لا أعرف أيّ عمل آخر باللغة اليونانيَّة يحتوي على العديد من الكلمات والصيغ الآراميَّة أو العبريَّة في مساحة ضيقة جدًا مثل الإنجيل الثاني”. فترجمة المؤلف لكلماته وعباراته الآراميَّة يشير إلى أنَّه من المحتمل أن يكون جمهوره من أصل مختلف عنه. إنَّه بالتأكيد جمهور لا يعرف الآراميَّة”[14].
ويشير أيضًا إلى الوضع الثقافي لكاتب الإنجيل بين شعبه، إذ يُظهر معرفة قوية باليونانيَّة، إلى جانب ذلك يستخدم كاتب إنجيل مرقس العديد من الكلمات اللاتينيَّة، في 12: 42، وفي 15: 46، مما يشير إلى أنَّ الشعب الذي كُتب بينه الإنجيل يعرف المصطلح اللاتينيّ بعكس المصطلح اليونانيّ، وإلا لماذا الحاجة إلى تفسير الأمر بقوله قيمتهما ربع بحسب الآية 12: 42[15]. إلى جانب ذلك نرى العديد من التعبيرات اليهوديَّة الواردةفي حدث محاكمة الربّ يسوع في مر 14: 61-62 والتي أشار لها العالم Darrell L. Bock، في مقاله عن هذا الموضوع أيضًا ردًا على المشككين في موثوقيَّة هذا الجزء من الإنجيل[16].
ما بين صور وصيدا
يتحدث فضيلة الشيخ في نقطة الدليل الداخلي أيضًا على عدم معرفة كاتب الإنجيل بجغرافيا المنطقة التي يتحدث عنها ويستدل على ذلك بالآية التي تقول: “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ” مر 7: 31، ويقتبس مما أورده الدكتور سامي العامري فيقول:
يخبرنا مرقس أنَّ المسيح قد ذهب من «صور» إلى «بحر الجليل» عبر «صيدا،» وهي رحلة ملتوية غير مبررة؛ جعلت النساخ يحرفون النص؛ ليبدو في المخطوطات المتأخرة أن المسيح قد غادر تخوم صيدا وصور معًا إلى بحر الجليل، وهو ما تبنته الترجمة الإنجليزية التقليدية «The King James Version» باختياره قراءة «وصيدا» بعد كلمة «صور»، رغم أن أقدم المخطوطات تقول: «غادر من منطقة صور (و) جاء عبر صيدا..»![17]
وهو بذلك يفترض على السيد المسيح السير على خط مستقيم بين نقطتين وإلا يكون كاتب الإنجيل غير مُلم بجغرفيا المنطقة![18] لننظر خريطة فلسطين في زمن السيد المسيح (شكل 1)، لنتتبع هذه الرحلة بحسب النصّ الإنجيلي لمرقس الرسول:
شكل رقم 1
“ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ… (حدث معجزة المرأة الكنعانيَّة وشفاء ابنتها) ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ (حدث شفاء الإنسان الأصم والأبكم)” مر 7: 24-31. رسالة السيد المسيح تقوم على خلاص الإنسان وشفائه وهذا من تدبيره الإلهيّ منذ البدء، وهذا أمر يدركه الإنسان المسيحيّ المدرك والواعي بإيمان الكنيسة، وهذا ما نراه في لقاء الرب يسوع مع السامريَّة بالإصحاح الرابع من إنجيل يوحنا، إذ سار لمدة 6 ساعات من أجل هذه المرأة وخلاصها. وبحسب نصّ إنجيل مرقس نرى ذهاب السيد المسيح إلى تخوم صور وصيدا أولًا من أجل شفاء ابنة الكنعانيَّة، ثم رجوعه إلى بحر الجليل وسط العشر مدن من أجل شفاء الإنسان الأصم والأبكم.
نأتي إلى جغرافيَّة الرحلة وهل بالفعل يتعارض النصّ مع الواقع الجغرافيّ للمكان أم لا؟! فيما يخص كلمة تخوم ὅρια الواردة بالنصّ من كلمة ὅριον والتي تعني حسب القاموس[19]: (حدود المكان، من تلك المنطقة: بمعنى المقاطعات والأقاليم)، وسواء ذكرت بعض المخطوطات تخوم صور أو تخوم صور وصيدا فهذا لا يغير في المعنى، فأيّ منطقة بين حدود المدينتين هي تخوم صور أو تخوم صور وصيدا أو تخوم صيدا.
إذًا سواء كانت رحلة السيد المسيح في المنطقة الواقعة بين المدينتين مباشرة أو صعد لأعلى صيدا ثم إلى بحر الجليل، هذا لا يغير من طبيعة الرحلة أو وقتها أو مسافتها.
ثم يورد فضيلة الشيخ اقتباس من بول ج. أكتماير ويقول:
“«ويزعم النص اليوناني أن «بحر الجليل»، يقع في وسط المدن العشر، في حين أنه في الحقيقة يقع في أقصى الشمال الغربي للمدن العشرة» ليخلص إلى أنه: «إما أن مرقس ما كان يعرف بجغرافية فلسطين، أو أنه ببساطة لم يكن يهتم إذا كانت جغرافيته صحيحة أم لا، في كلا الحالين؛ ليس بإمكاننا استعمال الإحالات الجغرافية التي قدمها لنا لتحديد رحلات يسوع»”[20].
ولكن لننظر لنصّ الإنجيل باليونانيَّة ونرى مدى صحة هذا الأمر، إذ نرى في عدة نسخ[21] من إنجيل مرقس باليونانيَّة تقول “تخوم صور مارًا بصيدا” وهي كالآتي:
ولزيادة التأكيد نقتبس بشكل مباشر من أحد أهم دارسي نصوص العهد الجديد وهو بروس متزجر الذي بالتأكيد يعرفه فضلية الشيخ حق المعرفة. فيقول:
“وفقًا للقراءة التي أيدتها أفضل النصوص السكندريَّة والغربيَّة، وكذلك بواسطة شهادات قيصريَّة جديرة بالملاحظة، سلك يسوع طريقًا غير مباشر، مرورًا شمالاً من صور عبر صيدا ومن ثمَّ إلى الجنوب الشرقي عبر نهر الليطاني، واستمر جنوبًا إلى قيصريَّة فيلبس. شرق نهر الأردن وبالتالي اقترب من بحيرة الجليل على جانبها الشرقي، ضمن أراضي المدن العشر”[22].
كورة الجدريين
يُكمل هنداوي حديثه ويسرد خطأ جغرافيًا آخر- حسب تعبيره- ورد في الإصحاح الخامس من إنجيل مرقس، وهو خاص بحدث شفاء مجنون كورة الجدريين. فيقول:
“وقد اختلفت الترجمات في اسم البلدة اختلافًا فاحشًا، ويكفي أن نلقي نظرة على الترجمات العربيَّة للنص كما هو موضح بالجدول، ونجد اضطراب الترجمات نفسه في النص الموازي لنص مرقس في متى 8/ 28 وهذا الاضطراب ما هو إلا ظلال لتحريف المخطوطات وتغييرها، وعلة ذلك على ما يذكره الأستاذ/ علي الريس: «أن الناسخ وآباء الكنيسة قد وجدوا أنفسهم في مأزق لا يحسدون عليه، فكاتب الإنجيل المنسوب إلى متى- كما يبدو- لا يعرف جغرافية فلسطين، فهو يذكر أن المسيح بمجرد أن عبر بحر الجليل وعلى الشاطىء الآخر في قرية الجدريين خرج له مجنونان فأخرج منهما الشياطين، وأدخل هذه الشياطين في قطيع من الخنازير، فهاجت الخنازير وانطلقت ملقية بنفسها في البحر، والمشكلة هنا هو أن قرية الجدريين تبعد حوالي ستة أميال عن بحر الجليل، مما يعني أن الخنازير قفزت حوالي ستة أميال في الهواء، وهذا أمر «ولا في الأحلام» فلم يجد آباء الكنيسة أمامهم من حل سوى أن يعدلوا في ما فشل فيه الروح القدس وقاموا بتصحيح النص إلى قرية الجرجسيين، وهي القرية الأقرب إلى بحر الجليل”[23].
تبدأ لهجة فضلية الشيخ بالتحول إلى الحدية والتندر بشكل مُجحف، ولكن دعونا ندرس هذا النصّ بشكل أكاديمي أكثر ونرى ما قال عنه الباحثون. يقترح الباحث J. Adna بنية ثلاثيَّة المشاهد لهذه الفقرة[24]:
1) مقدّمة، تتكون من العددين الرئيسيين، 1-2؛
2) المشهد الأوّل (3-9) لقاء بين الربّ يسوع والشيطان؛
3) المشهد الثاني (11-13) ما حدث مع قطيع الخنازير؛
4) المشهد الثالث (14-19) نتيجة طرد الأرواح الشريرة وتأثير هذا على الناس.
وهذه البنية تتوافق بشكل كبير مع نمط إنجيل مرقس الأدبيّ في قصص المعجزات. ويشير Adna أيضًا إلى ملاحظة هامة، وهي أنَّ بحلول زمن السيد المسيح صار الخنزير رمزًا للوثنيَّة، لذلك صار يتم تجنبه سواء كان من جهة تربيته أو استخدامه في الطعام، وكان هذا بالأكثر رد فعل عما فعله السلوقيين في زمن أنطيوخوس الرابع أحد ملوك السلوقيين (حكم 175-163 ق.م)، الذين حاولوا إجبار اليهود على التضحية وأكل الخنازير[25]. بحسب Michael Willett Newheart، أستاذ لغة وآداب العهد الجديد في كلية اللاهوت بجامعة هوارد، يربط مؤلف إنجيل مرقس قراءه باسم لجئون بالتشكيل العسكريّ الرومانيّ، الذي كان في المنطقة ذاتها في 70م تقريبًا[26]. وتاريخيًّا كان يُعد اللجئون (الفيلق) هو رمز للوجه القبيح للمحتل بالنسبة لكلّ فلسطينيّ، وقد كان يُرمز للجئون العاشر (Legio X Fretensis)[27] الذي تسبب في الكثير من التعب لشعب اليهود برمز الخنزير (شكل 2). هؤلاء الجنود
شكل رقم 2
الإمبراطوريون كانوا السبب الرئيس لما حدث في منطقة اليهوديَّة في تمرد عام 6م، ومرّة أخرى أثناء مكافحة التمرد في الفترة من 68 إلى 70م، وكانوا مسؤولين أيضًا عن حصار متسادا، وبعد ذلك تمركزوا في أورشليم. وما يرد بعد ذلك في رواية الإنجيل يكشف بوضوح عن هذه الصورة السياسيَّة، إذ يتبع النصّ مصطلحات عسكريَّة الأخرى، حيث يقول في عدد 11 “قطيع كبير من الخنازير” وكلمة قطيع هذه ترد باليونانيَّة ἀγέλη، وهو مصطلح يشير عادةً إلى مجموعة من المجندين العسكريين. الإسقاط هنا واضح للغاية: فمن ناحية، كانت عبادة الخنازير شائعة بين الجنود الرومان، ومن ناحية أخرى، الخنازير نجسة بالنسبة لليهود[28].
نأتي لنقطة كورة الجدريين أو الجرجسيين، وسنستعين هنا بما أورده الباحث والمتخصص في دراسات العهد الجديد Witherington، فيقول:
“في العدد 5: 1 لدينا مشكلة نصّيَّة تستحق الانتباه الشديد. هل اسم المكان الذي زاره يسوع جراسا أو جدارا أو جرجسة؟ كانت جراسا مدينة في منطقة المدن العشر، ومن المحتمل أن تكون مرتبطة بمدينة جرش الحديثة، التي تقع على بعد سبعة وثلاثين ميلاً جنوب شرق بحيرة طبريا. من المؤكد أنَّ الخنازير لم تستطع الركض إلى البحر من هناك! لكن هل يقصد مرقس أنَّ يسوع كان في منطقة جراسا وليس في المدينة نفسها أو بالقرب منها؟ من ناحية أخرى، تقع جدارا على بعد خمسة أميال فقط جنوب شرق بحيرة الجليل وتمتد أراضيها إلى البحر نفسه. فيما يتعلق بنقد النصّ، من الواضح أنَّ النصّ السائد في موازاة إنجيل متّى كان جدارا، لكن هذا أقل تأكيدًا في نصّ مرقس، حيث يبدو أنَّ جراسا هي القراءة الأصليَّة.
من ناحية أخرى، يظهر لو 8:26 و37 في أقدم وأفضل مخطوطاته مشيرًا إلى جرجسة. ومع ذلك، فقد أصبح الأمر أكثر تعقيدًا بسبب حقيقة أن جدارا كانت عاصمة مقاطعة، لذا فإنَّ ما قصده المبشر الأوَّل كان “في منطقة الجدريين”…. قد يكون مناسبًا تعريف المكان بالقرب من مدينة كرسي Kursi الحديثة حيث يوجد منحدر شديد الانحدار يمتد حتَّى أربعين ياردة من البحر، وعلى بعد ميلين من ذلك توجد بعض مقابر الكهوف التي ربما كانت تستخدم كمساكن في وقت ما. تم وصف هذا الموقع من قبل العديد من العلماء على أنَّه المكان الأصلي لهذا الحدث وهو ما يُشار إليه جرجسة.
إذا كنا نتعامل مع ترجمة لأصل آراميّ، فمن السهل أن نرى كيف يمكن لجرجسة وجراسا وربما حتَّى جدرا جميعهم كانوا محاولات للترجمة عن الأصل الساميّ، خاصةً إذا كان لديهم شيء جذري مشترك مثل KRS أو GRS. ويستحق أوريجانوس أن يقتبس منه هنا: “فيما يتعلق بأسماء الأماكن الفلسطينيَّة، غالبًا ما تكون النسخ اليونانيَّة غير دقيقة، وقد يضلل المرء بسببها”[29]. يبدو أنه يعرّف الموقع على أنَّه جرجسة، والذي قد يكون هو نفسه مدينة كرسي الحديثة”[30].
وبالفعل بحسب شهادة العالم Witherington، توجد مدينة كرسي عند هضبة الجولان، حيث نرى موقع أثري لأنقاض دير بيزنطي يرجع للقرن الخامس، حيث يعد هذا الموقع تقليديًا- ها هو التقليد يظهر مرّة أخرى- أنَّه الموقع الذي أقام الرب يسوع فيه معجزة الخنازير[31].
توجد ملاحظة جيدة فيما يخص الاقتباس الذي أورده فضيلة الشيخ فيما يخص أنّه لا توجد بلدات أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة، فيقول الآتي:
“وعلى أية حال فإنه: «لا توجد أي بلدات أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة (الذي تنسب إليه القصة) لأن المرتفعات القريبة من المياه على ارتفاع الآف الأقدام»”[32].
وقد أشار إلى أنَّ اقتباسه هذا من كتاب للعالم Rademacher، وبالرجوع للنصّ الإنجليزيّ الأصلي نجد الاقتباس كاملًا كالآتي:
“تقع بلاد الجدريين على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا. تستخدم جرجسيين في مت 8: 28-34 وجدريين في لو 8: 26، 27 وهنا [في مر 5]؛ جرجسيين هو مجرد مصطلح مختلف ولكنه يشير إلى المكان نفسه. لا توجد مدن أو قرى على طول الشاطئ الشرقي الضيق للبحيرة لأن المنحدرات التي يبلغ ارتفاعها عدة آلاف من الأقدام ترتفع بالقرب من حافة المياه. تكون المنحدرات شديدة الانحدار أقل وضوحًا كلما اتجه المرء جنوبًا نحو جدارا، الواقعة على مرتفعات عدة آلاف من الأقدام فوق وادي الأردن”[33].
ومع مقارنة الاقتباسين نجد اختلافًا كبيرًا، إلى لا توجد عبارة “الذي تنسب إليه القصة”، والأسوء هو اقتطاع فضيلة الشيخ- كالعادة دائمًا- هذه الفقرة دون إيراد ما قبلها وبعدها؛ إذ باقتباس كامل للفقرة نجد الكلام لصالح النصّ الإنجيليّ وليس العكس كما يُظهر فضلية الشيخ.
وفي ختام هذه النقطة يقتبس فضيلة الشيخ من كتاب ستيفن ميلر عن تاريخ الكتاب المقدس، فيقول:
“ويشايعه ميلر فيقول: «رغم كون اسم مرقس موجودًا في عنوان الإنجيل في أقدم المخطوطات التي وصلتنا، فليس هناك ما يدل على أي مرقس هو المقصود، فاسم مرقس كان اسمًا شائعًا في القرن الأول»”[34].
من الواضح أنَّ الالتباس والتخبط في الاقتباسات هو من شيمة فضيلة الشيخ، فمع الرجوع للمرجع الذي يشير إليه هنداوي لا نجد ما يقوله في صفحة 176 بل هو في صفحة 72 من الطبعة نفسها التي أشار إليها الشيخ، يبدو أنَّ التوثيق كان به سهوًا من الشيخ أو على غير علم! نورد الاقتباس كاملًا هنا للفائدة وإيضاح الصورة:
“ولا أحد يعرف على وجه اليقين من كتب هذا الإنجيل رغم أن اسم مرقس موجود في عنوان الإنجيل في أقدم المخطوطات التي وصلتنا. ولي هناك ما يدل على أنَّ مرقس هو المقصود، فاسم مرقس كان اسمًا شائعًا في القرن الأول وبناء على تقليد قديم، كان الكاتب هو يوحنا مرقس الذي رافق بولس وبرنابا بعض الوقت، ثم ارتبط بالرسول بطرس الذي دعاه “مرقس ابني” (1بط 5: 13) أي ابنه بالمعنى الروحي، وبناء على ما ذكره بابياس، أحد أساقفة القرن الثاني (الذي يقتبسه يوسابيوس في القرن الرابع في كتابه تاريخ الكنيسة) كتب مرقس إنجيله على أساس ما علمه إياه بطرس. ومع أن هذا قد يبدو مبالغة، فالأرجح أن مرقس استخدم بعضًا مما تعلمه من بطرس في كتابة إنجيله”[35].
على الرغم من تحفظي على بداية الاقتباس، إلَّا أنَّ الكاتب يشير للتقليد أيضًا ويلمح في نهاية الاقتباس إلى استقلالية إنجيل مرقس بالأكثر عما يظهر من شهادة بابياس، فلماذا هذا الاقتطاع يا فضيلة الشيخ، هذا ليس من شيمة الأكاديمية في البحث.
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد
بابياس وإنجيل مرقس
نأتي للأدلة الخارجيَّة، ولنا على فضيلة الشيخ هنداوي عتابٌ كبير سنأتي لذكره عند سرد شهادات الآباء. تأتي شهادات الآباء متنوعة، وكان أوَّل أب للكنيسة، بعد الرسل، يكتب عن مرقس هو ق. بابياس (60-130م)، أسقف هيرابوليس في فريجيا. فكتب يقول:
“وقال الشيخ (يوحنا): صار مرقس مترجمًا لبطرس كلما تذكر (بطرس) كتب (مرقس) بدقة كلّ ما قاله أو فعله الربّ وإن كان بغير ترتيب. كونه لم يسمع الربّ ولا تبعه لكنه جاء لاحقاً حيث قال (الشيخ) مشيرًا لبطرس الذي تعلم كلما دعت الحاجة. لكنه لم يكن يعلم وفقًا لترتيب أقوال الربّ. لذلك لم يخطئ مرقس عندما كتب ما تذكره. حيث حدد هدفًا واحدًا أن لا يترك شيئًا مما سمعه وإلا يشوه أيًّا من كلمات بطرس “[36].
και τούθ’ ό πρεσβύτερος ελεγεν Μάρκος μέν έρμηνεντής Πέτρον γενόμενος, όσα έμνημόνενσεν, ακριβώς εγραφεν, ού μέντοι τάζει, τά ύπό τού κνρίον ή λεχθέντα ή πραχθέντα ούτε γάρ ήκονσεν τού κνρίον ούτε παρηκολούθησεν αύτώ, ύστερον δέ, ώς έφην, Πέτρω, ός προς τάς χρείας έποιεΐτο τάς διδασκαλίας, άλλ’ ούχ ώσπερ σύνταξιν τών κνριακών ποιούμενος λογίων, ώστε ουδέν ήμαρτεν Μάρκος, ούτως ένια γράφας ώς άπεμνημόνενσεν ενός γάρ έποιήσατο πρόνοιαν, τού ρηδέν ών ήκονσεν παραλιπεΐν ή φεύσασθαί τι έν αύτοΐς.
يقول العالم Jülicher أنَّه “في جميع الدلائل على المكان والزمان والظروف القريبة لتكوين الإنجيل، يمكننا على الأرجح أن نلاحظ الفرضيات القديمة فقط”[37].
إنَّ تقييم شذرات بابياس أمر صعب للغاية، على الرغم من أنَّ عدم إدراك هذا الأمر والعيب الخطير أثناء فحص الكثير من الاستخدام العلمي لما قاله بابياس. ما هو جدير بالملاحظة أنَّ معظم الباحثين يتعاملون مع بابياس فيما يخص السؤال حول مصداقيته. من الناحية المنهجية، يجب علينا أن نسأل أولاً عمّا يقوله بابياس قبل محاولة التقييم التاريخيّ.
عند تفسير شذرات بابياس، يجب أن نكون مدركين تمامًا للعديد من أوجه عدم اليقين التي تتعلق به. فمن هو المقصود بالشيخ πρεσβύτερος الذي تحدث عن مرقس وبطرس؟ وما الذي تشير إليه كلمة ترتيب σύνταξιν؟ وماذا عن مترجم أو مُفسر έρμηνεντής؟ من هو مرقس؟ لم يخبرنا سواء بابياس ولا يوسابيوس عن تلك الأمور، وكانت الكنيسة الأولى تميل إلى تعريفهم مع الأشخاص الذين يحملون نفس الاسم بحسب تقليد الكنيسة. وما المقصود بتعاليم διδασκαλίας بطرس التي كتبها مرقس بحسب ما تذكر ένια γράφας ώς άπεμνημόνενσεν؟ نحن لا نجرؤ على إهمال الآثار المترتبة على العديد من الاختلافات المتعلقة بتفسير بابياس. تقييم اقتباس بابياس إمَّا كمصدر موثوق به أو كمصدر غير جدير بالثقة يتبين أنَّ الحجة المؤسسة عليه هي تخمين على أساس تخمين لا أكثر.
يجب أن نتذكر أنَّ يوسابيوس يقتبس من بابياس، ولا يمكن التحقق من مدى وموثوقيَّة استشهاده هذا. ربما لم يغير يوسابيوس موقفه تجاه بابياس فقط عندما اقتبس منه فحسب[38]، ولكنه أعاد صياغة ما ورد عن بابياس بأهداف محددة، إذ يقول بابياس ما يريده يوسابيوس أن يقوله فقط. في سياق التاريخ الكنسيّ ليوسابيوس، تعتبر ملاحظات بابياس جزءًا من النقاش حول الكتابات المعترف بها منذ القِدم (HE 3.3.3). الحافز المهم هو الخلافة الرسوليَّة (τας των ιερων απστολων διαδοχας، HE 1.1.1)، الخط المتواصل الذي يحرس تعاليم الرسل. كان لدى يوسابيوس آراء واضحة ومصلحة ذاتية قوية وجهت نتائج “تحقيقاته” حول هذه الأشياء. أو كما يقول العالم Orchard “بالنسبة للباحث المعاصر، من المدهش إلى حدٍ ما، وحتّى الصادم بعض الشيء، رؤية الطريقة التي يستخدم بها يوسابيوس تاريخه الكنسيّ كوسيلة للترويج لوجهة نظره الخاصّة”[39].
فقد كتب بابياس كتبه في وقت مبكر، في السنة الأولى أو الثانية من القرن الثاني[40]، كواحد من قادة الكنيسة المهمين في ذلك الوقت. أشار بعض هؤلاء الأشخاص البارزين في الوسط الغربي إلى أنَّ بطرس هو المرجع الأساسي الذي يقف وراء إنجيل مرقس. ومع ذلك، يجب الاعتراف: “بدون ملاحظة بابياس، لم يكن أحد سيربط إنجيلنا بشكلٍ وثيق مع بطرس”[41].
إذًا شهادة بابياس لا يمكن إقامة حجة قوية عليها إذ هي تعبير عن فكر يوسابيوس القيصريّ وتاريخه الذي كتبه، وعلى رغم من فائدته إلَّا أنَّ أيّ باحث واعٍ يعرف أنَّه لا يمكن إقامة حجة قوية عليه إلَّا بشهادات أخرى.
شهادة يوستينوس الشهيد
نأتي للشهادة التالية بحسب فضيلة الشيخ وهي شهادة يوستينوس الشهيد حيث يقول:
“وكذلك الحال عينه مع يوستينوس الشهيد فقد ذكر هذا الإنجيل تحت عنوان «مذكرات بطرس» فقال: «قيل: إنه غير اسم أحد رسله إلى بطرس، وهذا الحدث مدون في مذكراته»”[42].
الغريب أن فضيلة الشيخ يورد اقتباسه هذا دون مرجع، مما يدعو إلى الشك في اقتباسه هذا، ولنرجع لنصّ القديس يوستينوس الذي ورد فيه هذا الأمر، وهو حواره مع تريفون اليهوديّ، إذ قد ورد في فصلين، فيقول:
“لأن [المسيح] دعا أحد تلاميذه- المعروف سابقًا سمعان- بطرس؛ عندما عرف أنَّه المسيح ابن الله، بإعلان أبيه، وبما أنه مكتوب في مذكرات رسله [أي الأناجيل] أنَّه هو ابن الله، وبما أننا ندعوه الابن، فإننا نفهم أنَّه هو بالحقيقة الذي خرج مِن عند الآب قبل كلّ الخليقة بقوته وإرادته..”.
“For [Christ] called one of His disciples— previously known by the name of Simon — Peter; since he recognised Him to be Christ the Son of God, by the revelation of His Father: and since we find it recorded in the memoirs of His apostles that He is the Son of God, and since we call Him the Son, we have understood that He proceeded before all creatures from the Father by His power and will…” (Chapter 100)[43].
“وعندما قيل إنَّه غيَّر اسم أحد الرسل إلى بطرس؛ وعندما ورد في مذكراته أنَّ هذا قد حدث، وكذلك أنَّه قام بتغيير اسم شقيقين آخرين، ابني زبدي، إلى بوانرجس الذي يعني ابني الرعد”.
“And when it is said that He changed the name of one of the apostles to Peter; and when it is written in the memoirs of Him (kaˆ gegr£fqai ™n to‹j ¢pomnhmoneÚmasin aÙtoà) that this so happened, as well as that He changed the names of other two brothers, the sons of Zebedee, to Boanerges which means sons of thunder” (Chapter 106)[44].
من خلال المقارنة بين الاقتباسين المشار للقديس بطرس فيهما، نستطيع فهم المقصود بما ورد في الفصل (106) من حواره مع تريفون، والذي ورد في النصّ الإنجليزيّ بعبارة “the memoirs of Him” وبالعربيَّة “في مذكراته” والضمير هنا يعود على السيد المسيح وليس على القديس بطرس، وما يثبت هذا هو الضمير الذي يقع في بداية الاقتباس إذ يقول: “عندما قيل إنَّه.. And when it is said that He” نلاحظ أنَّ النص الإنجليزي يكتب الضمير بالحرف الكبير وليس الصغير كما هو معتاد، وذلك إشارة إلى أنَّ الضمير يعود على الربّ يسوع، وبالمثل في عبارة “في مذكراته”، فكيف يفترض فضيلة الشيخ أنَّ هذا الكلام عن مذكرات بطرس!
شهادة القديس إيريناؤس
نأتي هنا للشهادة الأكثر غرابة وهي شهادة القديس إيريناؤس، والتي ينقلها لنا عن يوسابيوس القيصري فيقول:
“وشهادة إيريناؤس ينقلها لنا يوسابيوس القيصري كذلك فيقول: «أما مرقس فقد أصبح ناقلًا لبطرس، كتب بدقة كل ما كان يذكر، لكنه لم يرتب ما قاله الرب أو ما عمله، فهو لم يسمع من الرب ولم يتبعه، لكنه لاحقًا، كما يقول، تبع بطرس وتتلمذ على يديه دون أن يقصد بأن يجعل أحاديث يسوع مرتبطة ببعضها»”[45].
وقد أورد هنداوي في حاشيته بخصوص هذا الاقتباس مرجع: “يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة صـ146″، ويشير له في مسرد المراجع بنهاية الكتاب أنَّها نسخة القمص مرقس داود طبعة المحبة، ولكن رجعنا لهذا المرجع الهام وبحسب ترقيم الصفحة التي يشير لها فضيلة الشيخ، لم نجد ما ذكره ولكن وجدنا شهادة القديس إيريناؤس في الفصل الثامن من الكتاب الخامس بصفحة 253 بنسخة القمص مرقس داود طبعة المحبة، والتي يقول فيها:
“ولقد نشر متى انجيله بين العبرانيين بلغتهم، اذ كان بطرس وبولس يكرزان ويؤسسان الكنيسة في روما. وبعد ارتحالهما نقل إلينا مرقس- تلميذ بطرس ولسان حاله- كتابة تلك الأمور التي كرز بها بطرس. ودون لوقا- الذي كان ملازمًا لبولس- في كتابة الإنجيل الذي أعلنه بولس”[46].
وبحسب مرجع آخر أشار له فضيلة الشيخ لاحقًا وهو للعالم Grabe، حيث قال مقتبسًا عن تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصريّ[47]:
“ذهب متّى شرقًا إلى المنحدرين من أصل عبراني وكرز لهم بلغتهم، ووهي اللغة التي كتب بها الإنجيل، بينما اتجه بطرس وبولس غربًا وبشرا وأسسا الكنيسة في روما. ولكن بعد رحيلهما ([exodon]. وبحسب روفينوس “exitum”) مرقس، التلميذ والمفسر ([hermeneutes]) لبطرس، سلمنا الأشياء التي بشر بها بطرس مكتوبة”.
“Matthew went eastward to those of Hebrew descent and preached to them in their own tongue, in which language he also (had?) published a writing of the gospel, while Peter and Paul went westward and preached and founded the church in Rome. But after the departure ([exodon]. “exitum” in Rufinus) of them, Mark, the disciple and interpreter ([hermeneutes]) of Peter, even he has delivered to us in writing the things which were preached by Peter”.
وفي كلا الاقتباسين لا نرى ما أورده فضيلة الشيخ من كلمات “لكنه لم يرتب ما قاله الرب أو ما عمله، فهو لم يسمع من الرب ولم يتبعه“، فكيف هذا، هل يمكن أن تبني حجتك تلك على كلام لا أساس له من الصحة سواء فيما أشرت له من مرجع، أو ما أتينا به من اقتباس مباشر من أحد المراجع الأجنبيَّة التي أشرت لها لاحقًا في كتابك هذا، يا للعجب!
فحص النقاط الثلاث
نأتي لنقاطه الثلاث في التعليق على الشهادات التسعة، وسنعلق عليها نقطة نقطة، يقول فضيلة الشيخ في النقطة الأولى:
“في جميعها اتفاق على تبعية مرقس لبطرس وأنه مدون مذكراته، على خلاف فيها: هل كتبها بإذن بطرس في حياته أو بعد وفاته، وهل شجعه على الكتابة أم لا؟”[48].
يا فضيلة الشيخ تبعية القديس مرقس للقديس بطرس هي مثل تبعية للقديس بولس وكتبعيته لجميع تلاميذ الرب يسوع- حتَّى لو كان له علاقة خاصّة مع القديس بطرس- التبعية في فكر الكنيسة وتقليدها تأتي تحت مفهوم التلمذة، أي تلك العلاقة القائمة على رعاية وإرشاد من هم متقدمين في كنيسة الله، وليس بمعنى ولاء أعمى كعبد وسيد.
النقطة الثانية:
“في ثلاثة منها أن مرقس لم ير الرب (المسيح) ولا اتبعه، وهي شهادة كل من بابياس وإيريناؤس وجيروم، وشهادة (بابياس وإيريناؤس) هما أقدم شهادتين بحسب التقليد، ثم شهادة ثالثة متأخرة وهي شهادة جيروم ومن ثمَ فلا يتأتى أن يكون مرقس من الرسل السبعين الذين أرسلهم المسيح”[49].
من خلال فحصنا لتلك الشهادات تكلمنا عن عدم إمكانيَّة الأخذ بشهادة بابياس بتلك الدرجة من الثقة بشهادة العديد من العلماء والباحثين المتخصصين، وفيما يخص شهادة إيريناؤس أوردنا تلك الشهادة وعرفنا أنَّ تلك العبارة السلبيَّة عن أنَّ مرقس لم ير الرب ولا اتبعه لم ترد حقيقةً في كلٍّ من يوسابيوس القيصري أو نص القديس إيريناؤس مباشرة، نأتي إذًا لشهادة جيروم التي يقول عنها فضيلة الشيخ أنها شهادة متأخرة، وهي بذلك شهادة وحيدة لا يمكن الاعتداد بها، إذ لا دليل يقاس على برهان أحادي ومتأخر أيضًا!
النقطة الثالثة هي:
“والشهادات الستة الباقية لا ذكر فيها لرؤية مرقس للرب ولا لسماعه منه”[50].
يا فضيلة الشيخ أيمكن أن نقيم دليلًا على غياب الشهادات، وهي إحدى المغالطات المنطقيَّة والتي تسمى (الحجة بالصمت Argument from silence)، وهي طريقة عقيمة تدل على فقر الباحث وضعف حجته، بل بالأكثر تسترسل وتصف الكنيسة بأنَّ تقليدها عن مرقس هو بدون أب تتكئ عليه وترد الأمر إليه. يا فضيلة الشيخ تقليد الكنيسة ليس مجرد عبارات وكلمات مكتوبة مع إسناد العنعنة، تقليد الكنيسة يمتد في حياتها وتاريخها وروحها وصلواتها، وهو ما سنأتي على ذكره في الفصل الثاني الخاص بالتقليد.
[1] محمد هنداوي الأزهريّ، نقد التقليد الكنسيّ، الكنيسة المصريَّة أنموذجًا، نشر دار اللؤلؤة، الطبعة الأولى 2021، ص 8.
[2] إيريل كيرينز، المسيحية عبر العصور، تاريخ الكنيسة المسيحية في العشرين قرن، ترجمة عاطف سامي، نشر دار رسالتنا، طبعة أولى 2021، ص 214.
[8] توماس سي. أودين، القديس مرقس في الذاكرة الإفريقية: إعادة تأصيل تقليد الكنيسة المُبكر عن القديس مرقس، ترجمة: نيكلس نسيم سلامة – مينا فؤاد، نشر دار النشر الأسقفية، طبعة أولى 2017، ص 24.
[9] يشرح لنا توماس أودين معنى الذاكرة الأفريقية فيقول: “ما الذي أقصده بعبارة “الذاكرة الإفريقيّة”؟ إنَّها طريقة ذات طابع مميز من النظر إلى التاريخ من خلال أساس الخبرة والمنظور الخاصين بقارة إفريقيا. وكلمة ذاكرة لا تُشير هنا إلى الذاكرة الإفريقيّة “المعاصرة” وحدها، بل إلى أسلوب تَذَكُّر يعود تاريخه الطويل إلى ألفي سنة. وهو أسلوب لا ينسى لأنه يشتمل على تقليد طويل الأمد من الحيويّة الفكريّة. وقد أنجب هذا التقليد ثمارًا أدبيّة ممتدة على مدى قرون كثيرة”. للمزيد انظر
توماس سي. أودين، المرجع السابق، ص 31-44.
[10] من أجل مناقشات حديثة تتعلق بمسائل فنيات إنجيل مرقس، انظر كتاب
Ernest E. Best, The Gospel as Story (Edinburgh: T & T Clark, 1983); John R. Donahue and Daniel J. Harrington, The Gospel of Mark (Collegeville, Minn.: Liturgical, 2002); W. R. Telford, The Theology of the Gospel of Mark, New Testament Theology (Cambridge: Cambridge University Press, 1999); Ben Witherington III, The Gospel of Mark: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids: Eerdmans, 2001).
[11] هنداوي، مرجع سابق، ص 14-15. وبحسب استشهاد هنداوي يُحيل الاقتباس الوارد إلى جون درين، يسوع والأناجيل الأربعة ترجمة نكلس نسيم سلامة ص 249، ط. دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999م.
[12] جون درين، يسوع والأناجيل الأربعة، ترجمة نكلس نسيم سلامة، نشر دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999م، ص 249.
[13] B. Witherington III, The Gospel of Mark: A socio-rhetorical commentary, Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing 2001.
[16] Darrell L. Bock, Jewish Expressions in Mark 14. 61-62 and the Authenticity of the Jewish Examination of Jesus, Journal of the Study of Historical Jesus, 1.2 (2003), p. 147-159
وترجم المقال في: أندرو وهيب، موريس وهيب، التعبيرات اليهودية في إنجيل مرقس 61:14-62، مجلة مدرسة الإسكندرية، العدد السادس والعشرون، السنة الحادية عشر العدد الأول أبريل 2019م، ص 113-132.
[18] اعتمدنا الرد على هذه الإشكالية على ما أورده الراهب نوح الأنبا بيشوي في مقال أليكتروني بتاريخ 16 يوليو 2021، على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، رابط المقال:
https://tinyurl.com/4bb6f75j
[19] بحسب قاموس Strong، تحت كلمة horion أو ὅριον، انظر الرابط التالي:
[24] J. Adna, “The Encounter of Jesus with the Gerasene Demoniac,” in Authenticating the Activities of Jesus, ed. B. Chilton and C. A. Evans (Leiden: Brill, 1999), pp. 279–301.
[25] B. Witherington III, op. cit., for Mark 5:1-20.
[26] Michael Willett Newheart, My Name is Legion: The Story and Soul of the Gerasene Demoniac, Collegeville, MN: Liturgical Press 2004, p. 44-45.
[29] ورد على هذا في تعليق أوريجانوس على يوحنا 6: 24 كما هو مقتبس في
C. Oden and C. A. Hall, eds., Mark, vol. 2 of The Ancient Christian Commentary on Scripture (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 1998), p. 67.
يمضي أوريجانوس ليضيف رأيه بأنَّ النصّ الأصلي يشير إلى جرجسة، وهي قرية بالقرب من بحيرة طبريا وكان لها تلة مثل تلك الموصوفة في القصّة. ويشير إلى أنَّ اسم تلك القرية يعني “سكن الشخص الذي يخرج” ويقترح أنَّ المدينة ربما سميت بهذا الاسم نبويًّا، أو على الأرجح، أخذت مثل هذا الاسم بعد هذا الحادث، وفي هذه الحالة كان لها اسم آخر قبل ذلك الحين.
[30] B. Witherington III, op. cit., for Mark 5:1-20.
[33] Thomas Nelson, Earl D. Radmacher, Nelson’s New Illustrated Bible Commentary: Spreading the Light of God’s Word into Your Life, Thomas Nelson Publishers 1999, Mark 5:1.
R.M. Grant, ‘Papias in Eusebius’ Church History’, in A. Bareau (ed.), Melanges d’histoire des religions offerts a Henri-Charles Puech (Paris: Universitaires de France, 1974), pp. 209-13.
[39] J.B. Orchard, ’Some Guidelines for the Interpretation of Eusebius’ Hist. Eccl. 3.34-39’, in W.C. Weinrich (ed.), The New Testament Age: Essays in Honor of Bo Reicke (Macon, GA: Mercer University Press, 1984), pp. 393-403 (399).
R.W. Yarborough, ‘The Date of Papias: A Reassessment’, JETS 26 (1983), pp. 181-91; U.H.J. Kortner, Papias von Hierapolis: Ein Beitrag zur Geschichte des frühen Christentums (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1983), pp. 225-26.
الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الثالث
الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية
الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الثالث
ميليتوس أسقف ساردس
لدينا عظة واحده متوفرة عن عيد الفصح للأسقف ميليتوس من ساردس حوالي عام 170 م. وقد أعلن ميليتوس ان يسوع المسيح هو انسان وهو الله. هذا هو يسوع المسيح الذي له المجد الي ابد الابدين آمين Passover8–10. (1)
وقال ان الله القادر صنع مسكناً بواسطة يسوع المسيح the Passover45
وان الآب خلق من خلال الابن الكون Passover104-5
فهو يدعوه: إله، كلمة، أب، ابن، بكر الله، سيد، ملك إسرائيل، ملكنا. والحقيقة إن استخدام لقب “أب” في الإشارة للمسيح هو استخدام غير معتاد، هو يأتي في فقرة مهمة تشرح وظائف المسيح المختلفة: “لأنه قد ولد كابن وسيق كحمل وقدم ذبيحة كشاة ودفن كإنسان، قام من الموت كإله، كونه بالطبيعة إنساناً وإلهاً. إنه هو كل شيء: هو القانون لأنه يحكم، هو الكلمة لأنه يعلم، هو النعمة لأنه يخلص، هو الأب لأنه يلد، هو الابن لأنه مولود، هو الحمل الذبيح لأنه قد تألم، هو إنسان لأنه دفن، هو إله لأنه قام. هذا هو يسوع المسيح الذي له كل المجد إلى دهر الدهور” (Bonner 8-10).
ويشرح ميليتوس وجود المسيح الأزلي السابق في شكل مدائح ترنيمية، كما في الفقرة التالية: “هذا هو بكر الله، الذي ولد قبل نجمة الصبح، الذي جعل النور يطلق، وجعل النهار يسطع، الذي جعل النور يطلع، وجعل النهار يسطع، الذي فصل الظلمة، وثبت أول علامات الخليقة، الذي علق الأرض في مكانها، وجفف لجج المياه، الذي بسط قبة السماء، ورتب العالم
ويوجد المزيد لكن نكتفي بهذا القدر
أثيناغورس
كان أثيناغورس يطلق على الابن انه الله وكان هذا من ضمن استخدام فهمه للثالوث في القرن الثاني علي الرغم من عدم تأسيس هذا المصطلح ووفقاً لأثيناغورس كان يؤمن بلاهوت الابن والآب وتميزهم Embassy10.
وعن التميز بين الروح والابن والآب Embassy2 وقد ذكر ان ايمان المسيحين بالله الواحد غير مخلوق أبدى غير مرئي. لا متناهي. الابن في الآب والآب في الابن في وحدانية وقوة الروح القدس Embassy 10.
“، وفي الفصل العاشر من دفاعه قال ” لكن إذا حدث وطلبتما ان تعرفا بذكائكما الفائق معنى “الابن”، فسوف اقول باختصار انه ناتج من الاب، ليس كمن أٌحضر الي الوجود لأنه من البدء كان الله، الذي هو العقل الازلي، لديه اللوغوس في نفسه، كونه منذ الازل مفعم باللوغوس “
“لقد ظهر بما يكفي اننا لسنا ملحدين كوننا نعبد إله واحد، فمن اذن لا يصيبه الذهول عندما يسمع ان الرجال يتكلمون عن الله الاب والله الابن والروح القدس معلنين اتحادهم في القوة وتمايزهم في الترتيب، يلقبون بالملحدين؟! “
ويوجد المزيد من الاقوال له عن لاهوت الابن.
. The translations of Melito’s works come from Stuart G. Hall, ed., Melito of Sardis: On Pascha and Fragments (Oxford: Oxford University Press, 1979).
. Adoptionism is the view that Jesus Christ was a mere human who was adopted as the Son of God, either at His baptism or after His resurrection.
. Some might prefer to be more precise and say it was the “God-man” (Gk. theanthropos) who was murdered, being able to die in His humanity and not His deity.
. This is the view that denies any permanent distinctions within the Godhead, believing that God has alternately revealed Himself through the temporary modes of Father, Son, and Spirit.
Campbell Bonner, The Homily on the Passion by Melito Bishop of Sardis and Some Fragments of the Apocryphal Ezekiel (London: Christophers, 1940), 27–28. See Hall, Melito of Sardis,xliii.
. Fragment 15 Hall; new fragment 2.4 Hall. Other fragments of Melito also refer to Jesus Christ as “God” (frag. 6, 14), but Hall contests their authenticity (Melito of Sardis,xxviii–xxxix).
. Hall, Melito of Sardis, xliii–xliv. See also Stuart G. Hall, “The Christology of Melito,” Studia Patristica 13 (1963):154–68.
Tertullian was the first writer to use the term Trinity (Latin trinitatis), around AD 212–13 (Against Praxeas3). Prior to this, Theophilus of Antioch had used the term triad (Gk. trias), around AD 180 (To Autolycus2.15). For examples of early tripartite formulas (outside the New Testament), see 1Clement46.6; 58.2; see also Ignatius, Ephesians9.1; Magnesians13.1.
الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الثالث
الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الثاني
الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية
الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الثاني
يوستينوس الشهيد
وصف يوستينوس الشهيد الابن بوضوح بكونه الله وذلك في حواره مع تريفو اليهودي الحوار الذي تم بين سنة 150 و160 م. وفي الحوار يصف يوستينوس المسيح يسوع بكونه رب واله (129) والابن يقابل الله في القوة والعبادة” تستطيع ان تعبد الله كما يسوع “(11)
وفي حواره Dialogue71. اثبت ان المصلوب هو الله والانسان أي الله المتجسد فقال انه ينبغي ان نعترف بالمسيح فهو الله الذي اتي الينا من فوق وهو الرجل الذي يعيش بين الناس (64)
وقال يوستينوس في وقت لاحق في الحوار مع تريفوا ” ان كنت قد فهمت ما كتب بواسطة الانبياء. فبالتالي لا تستطيع ان تقول انه ليس الله فهو الابن الوحيد الابدي الله الذي لا وصف له. (126)
يسوع المسيح هو الرب وهو الله وابن الله لان الكلمة النبوية تدعوه الله (128;60) وتريفوا اعترف بسهوله لفكر يوستينوس وقال انه لا مشكلة ان يكون المسيح الله (48;64;87;128).
ويتحدث يوستينوس الشهيد عن أن الابن هو “ملاك الرب ” الذي ظهر لإبراهيم في تكوين 18. وهذا الملاك في هذا النص هو الله Dialogue56;58;126.
ووفقاً لحديث يوستينوس أن من تكلم من العليقة المشتعلة باسم ملاك الرب وقال “انا إله ابراهيم واسحق واله ابائك هو الابن. (Apology 59;63;75).
ويستطرد ان الآب له ابن وهذا الابن هو الله (Apology631)
وفي Dialogue61 يذكر يوستينوس ان الله قبل خلق جميع المخلوقات اعطاها قوه عقلانية من ذاته. وكان يتسمى بإشكال مختلفة مثل مجد الرب الابن الحكمة ملاك الله الرب والسيد. (12)
وكان يوستينوس يستخدم بشكل متكرر كلمة اللوغوس للإشارة الي الابن. (13)
وغيرها من فقرات متعددة ويري المؤرخ JNDKelly ان فكر يوستينوس عن اللوغوس هو فكر الولادة قبل الخلق او هو العقل الازلي في utterance.16 Dialogue125 فالمسيح هو الله وهو الوسيط بين الله
المراجع
Dialogue with Trypho56;63;68;76;126; 1Apology6.1–2;13.3. Justin observes that Hebrews1:8 applies theos to the Son.
Cf. Dialogue with Trypho34.2;59.1;126.1.
Cf. John 1:1–3, 14–17.
الايمان بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – الجزء الثاني
“المسيح هو بكر الله، هو كلمته، الذي جعل جميع البشر ابناء الله بواسطته: هذا ما تعلمناه، وهذا ما نعلنه… وكل الذين عاشوا بوحي الكلمة هم مسيحيون، حتى ولو اعتبرهم كثيرون ملحدين، مثل سقراط وهيراقليطس وامثالهم عند اليونان”.
(الدفاع الأول، 1، 64)
2- المسيح بكر الخليقة ومخلصها.
“المسيح، الذي هو بكر الخليقة، أصبح، بمعنى جديد، رأس الجنس البشري الذي تجدد بواسطته في العماد بالماء، وفي الايمان بالله، وفي الموت على الصليب. وكما ان نوحاً قد خلص بواسطتة خشبة الفلك الذي حمله على المياه، كذلك البشرية جمعاء قد خلصت بواسطة خشبة الصليب الذي مات عليه المسيح”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 138)
3- المسيح، بكر الخليقة، هو الله.
“هذا هو معني اسم اسرائيل: انسان منتصر بقوة. “إسراً” تعني الانسان المنتصر، و”ايل” تعني القوة. والصراع الذي قام بين يعقوب والملاك كان اشاره الى أن المسيح، بكر الخليقة، هو الله، كما تنبأ عنه الأنبياء. إنه الكلمة الذي ظهر بمظهر الملاك. وعندما أصبح أنساناً، حاول الشيطان أن يقترب منه ليجربه… ولكنه أخضعه وأبعده… زياده على ذلك، فإن مسيحنا كان عليه أن يتالم ويتعذب ساعة صلبه ليخلصنا. ولقد أعطي أسم “أسرائيل” لأن كل الذين أتكلوا عليه اصبحوا اقوياء وغلبوا الشر. اما أنتم، أيها اليهود، فلم تفهموا شيئاً من ذلك لأنكم أبناء أسرائيل بالجسد، وليس بالروح”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 125)
4- حمل الفصح يمثل المسيح الذبيحة.
“إن حمل الفصح الذي أمركم الله بتقديمه ضحيه هو صورة عن المسيح الضحية والذبيحه. ولقد كنتم ترشون دمه عليكم وعلى بيوتكم لتطهروا. كذلك فإن جسد آدم قد اصبح هيكل الروح لأن الله مسحه بدم الكلمة.
وكذلك فإن فريضة طهي الحمل بلحمه وبعظمه كانت ترمز الى آلام المسيح، الحمل الألهي، على الصليب. فالحمل، عندما كان يطهى كان يوضع بشكل يشابه الصليب: فأحد السفود كان يخرقه من اعضائه السفلى الى رأسه، والآخر من ظهره الى الأمام، رابطين رجليه ويديه”.
(الحوار مع اليهودي تريفون ، 40)
5– شجرة الحياة في الفردوس رمز خشبة صليب المسيح.
“تعلمنا الكتب المقدسة ان المسيح، بعد صلبه، سيعود بمجده، أسمعوا كيف أن يسوع رمزت اليه شجرة الحياة فى الفردوس، وكذلك جميع الأحداث التى حصلت مع الصديقين. فموسى أرسله الله مع عصاه لخلاص شعب اسرائيل: لقد سار على رأس الشعب، والعصا فى يديه، وضرب مياة البحر فأنشق ومر بنو أسرائيل، وكذلك بواسطة العصا ضرب الصخر فتفجرت المياه. وأيضاً عندما عطش الشعب رمى بعصا فى مياه “مارا” المرة فأصبحت حلوه وشرب الشعب. وهكذا فأن خشبة الصليب أصبحت رمز الخلاص لجميع الشعوب”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 86)
6- الصليب رمز الخلاص والانتصار
“عندما كان شعب أسرائيل يحارب عماليق، كان موسى يصلي ويداه مفتوحتان من كل جهة. والذى كان ينصر بني أسرائيل هو الصليب. وليس ذلك لأن موسى كان يصلي كان الشعب ينتصر، ولكن لأن يسوع (يشوع) كان على رأس المقاتلين، ولأن موسى كان يصنع اشارة الصليب بفتحه ذراعيه”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 90)
7- خلاص البشر تم بواسطة فداء المسيح.
“الذين خلصوا في مصر، بينما كان كل بكر من أبناء المصريين يموت، لم يخلصوا إلآ بدم الفصح الذي حفظهم لأنه وضع على ساكف الأبواب وعتباتها. وذلك لأن الفصح كان المسيح الذي أصبح الضحية، كما يقول اشعيا: “وكالخروف سيق الى الذبح”. وهكذا فأنكم قدمتموه للصلب يوم الفصح، كما كتب، ولكن دمه سيخلص الذين آمنوا به من الموت. وهل كان الله سيخطئ في مصر لو لم تضعوا دم الحمل الفصحي على الأبواب؟ كلا. ولكنه بذلك كان يعلن مسبقاً عن خلاص الجنس البشري بواسطة دم المسيح الذي سيهرق عن جميعنا”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 111)
8- قيامة المسيح بعد ثلاثة ايام
“كان يجب ان يقوم من الموت بعد ثلاثة أيام… وكلمه بعض الكتبة والفريسيين فقالوا: يامعلم، نريد أن نرى منك آيه. فأجبهم: “جيل فاسد فاسق يطالب بآية، ولن يُعطى سوى آية النبى يونان. فكما بقى يونان فى بطن الحوت ثلاثة ايام وثلاث ليال، فكذلك يبقى ابن الانسان فى جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال”… هذه الآية اثبتت للسامعين أن المسيح، بعد صلبه، سيقوم من الموت، بعد ثلاثة ايام وثلاث ليال”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 107)
9- الكنيسة شعب الله المقدس
“يعد موت هذا الرجل الصديق أثمرنا شعباً جديداً ونبتنا سنابل وافرة الغلة. وكما يقول النبي زكريا: “فتنضم أمم كثيرة الى الرب في ذلك اليوم، وتكون لي شعباً، فأسكن في وسطك، فتعلمين أن رب القوات أرسلني إليك. ولسنا شعباً وحسب، بل نحن شعب مقدس…” وهذا الشعب المقدس هو الأمة التي وعد الله ابراهيم بها عندما قال له: سأجعلك أباً لأمم كثيرة.
وماذا أعطى المسيح لابراهيم زيادة على ذلك؟ إنه دعاه ليخرج من عشيرته كى يسكن أرضاً جديده. وهذه الدعوة كانت لنا جميعاً لنخرج من حياتنا الماضية، ونترك الشرور التي كنا نشارك فيها جميع سكان الارض. ومع ابراهيم نرث الارض المقدسه والحياة الأبديه لأننا أبناءه بالأيمان”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 119)
10- الاضطهاد يزيد في عدد المؤمنين بالمسيح
“بقدر ما نحن مضطهدون، بقدر ذلك يزيد عدد المؤمنين بالمسيح. فعندما تشحَل اغصان الكرمة التي تثمر، تزيد تفرعاً، وتزهر، وتثمر أكثر. وهكذا نحن، شعب المسيح، الكرمة التي زرعها ألهنا ومخلصنا يسوع”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 110)
11- يوستينوسيفتخر بانه مسيحي
“عندما رأيت الشياطين تبعد البشر عن العقيدة الالهية المسيحية، تأثرت كثيراً، وسخرت منهم ومن نميمتهم، ومن آراء الكثيرين الذين كانوا يميلون الى تعاليمهم. وانني اعترف هنا، واصلي في الوقت نفسه، وأسعى جاهدا لأبقى مسيحياً، وبكل معنى الكلمة، لأننى فخور بان اكون تلميذ المسيح”
(الدفاع الثاني، 113)
12- شهادة المسيحيين برهان على حقيقة ايمانهم
“عندما كنت تلميذاً لأفلاطون، وكنت أسمع الشكاوى والاتهامات العديدة التى توجه للمسيحيين، وأنظر كم كان هؤلاء يتحملون العذابات والموت بكبر وايمان، كنت أقول في نفسي إنه من المستحيل أن يكونوا قد عاشوا في الشر، بل هم على صواب في ايمانهم. وهذا ما جعلني اقتنع بعقيدتهم وبتعاليمهم”.
(الدفاع الثاني، 12، 1)
13- الفلاسفة الالهيون هم مسيحيون دون علمٍ منهم
“إن كل ما علموه من حقائق يخصنا نحن المسيحيين، وذلك لأن “اللوغس” الذي نعبده ونحبه بعد الله، والمولود من الآب، والمتجسد لأجلنا ولأجل شفائنا من آثامنا بتحمله العذابات والآلام، هو ذاته الذي أوحى لهم بتلك الحقائق. ولقد عرفوا الحقيقة لأن “اللوغس” نفسه وضع فيهم زرعه. ولكن هناك فرق كبير بين الحصول على الزرع، وبين المشاركة في هذا الزرع. لذلك فإن جميع المبادئ الصحيحة التي اكتشفها وعبر عنها الفلاسفه والمتشرعون تعود الى كونهم وجدوها وتأملوها جزئياً فى “اللوغس” وعندما كانوا يخطئون.
فذلك يعود الى أنهم لم يعرفوا “اللوغس” كلياً، الذي هو المسيح، والذي عرفناه نحن وأخذنا عنه الحقيقة كاملة. والذين عاشوا قبل المسيح، محاولين معرفة الحقيقة على نور العقل، سجنوا واعتبروا ملحدين وكافرين من قبل شعبهم. فسقراط، الذي حاول اكثر من غيره معرفة الحقيقة، إتُهم بالالحاد، ومات بالسم. وكانوا يقولون عنه إنه أدخل آلهة جديدة، ولم يعد يؤمن أحد بأن سقراط مات من اجل عقيدتة، بينما الجميع آمن بالمسيح، الذي عرفه سقراط بواسطة “اللوغس”، والذي حمل الخلاص للانسانية”.
(الدفاع الاول، 2، 10، 13)
14- العذراء ولدت المسيح بقبولها كلمة الله
“لقد اصبح انساناً بواسطة العذراء مريم. حواء، برفضها لكلمة الله حملت الى البشرية الهلاك، والعذراء بقبولها كلمة الله، حملت الخلاص. وحواء كانت عذراء، عندما حبلت بكلمة الحية (الشيطان) ولدت العصيان والموت. اما العذراء مريم، التى قبلت بفرح وايمان كلام الملاك جبرائيل، فقد حبلت من الروح القدس الذي نزل فيها، وقوة العلي ظلتها، والمولود منها هو قدوس، وابن الله دعي. إذن لقد ولد منها ذلك الذي هدم مملكة الحية ومملكة الملائكة والبشر الذين خضعوا للشيطان”.
(الحوار مع اليهودي تريفون، 100)
15- رتبة العماد هي رتبة التنوير
“سنعرض لكم الآن كيف نُكرس لله ونتجدد في المسيح، وذلك لأنه من الضروري ان تعرفوا هذا. فالذين يؤمنون بالحقيقة التي تعلمها عقيدتنا مفروض عليهم أن يعيشوا حسب تعاليم هذه العقيدة. ثم نعلمهم ان يصلوا لله، ويطلبوا منه، بواسطة الصيام، غفران الخطايا، ونحن نصلي ايضاً ونصوم علي نواياهم. ومن ثم. نأخذهم الى المكان الذي فيه الماء المقدس ليتطهروا ويتجددوا كما نحن تطهرنا وتجددنا بدورنا. فباسم الله، أب وسيد كل شئ، وباسم يسوع المسيح مخلصنا، وباسم الروح القدس، نعمدهم بالماء ونغسلهم…
اما المعنى الجوهري لهذه الرتبة، فانني أنقله إليكم كما علمنا أياه الرسل القديسون. فيوم تكويننا كونا بالمعرفة وبالشريعة الضرورية من زرع رطب بواسطة الاتحاد بين والدينا وأتينا الى العالم بعادات سيئة وبميول شاذة.
وحتى لا نبقى أبناء الضرورة والجهل، بل أبناء الاصطفاء والمعرفة، ولكي تغفر خطايانا الماضية، ندعو على المعمد في قلب الماء المقدس، اسم الله، أب وسيد الكون، ليتجدد بالروح، ولتغفر خطاياه جميعها. وهذا ما يعلنه خادم السر ساعة يقود طالب العماد الى حوض الماء لغسله بها. وهذا الغسل نسميه “التنوير” لأن الذين يحصلون عليه يحصلون على الروح القدس حسب عقيدتنا. وكذلك باسم يسوع المسيح الذي صلب على عهد بيلاطوس البنطي، وباسم الروح القدس الذي أوحى للانبياء عن تاريخ يسوع، يغسل طالب العمادالذي يدعى “المنور”.
(الدفاع الاول، 1، 61)
16- قداس المعمدين الجدد
“اما بالنسبه لنا، فبعد غسل الذي آمن وانضم إلينا نحن اخوته، نسير به الى المكان الذي تجتمع فيه الجماعة. ثم نرفع الصلاة معاً من اجلنا، ومن أجل الذي تنور، ومن اجل جميع اخواتنا أينما وجدوا في العالم، طالبين من الله ان يزيدنا معرفة للحقيقة، وان يعطينا النعمة لنمارس الفضيلة، ونحافظ على تعاليمه وفرائضه، وننال بعدئذٍ الخلاص الابدي.
وعندما ننتهي من الصلاة يعطي واحدنا الآخر قبلة السلام. ثم يقدم للرئيس المحتفل الخبز والكأس المملؤة بالخمر، فيأخذها ويرفع التمجيد والمديح لأب الكون باسم ابنه وباسم الروح القدس، ويحتفل بالافخارستيا وقتاً طويلاً. وعندما ينهي الصلوات والافخارستيا يهتف الشعب الحاضر: “أمين” وكلمة “أمين” هي عبرية وتعني: هو حق كذلك. وبعد الانتهاء من الأحتفال الافخارستي يوزع الشمامسة الخبز والخمر والماء المقدس على الشعب الحاضر، ثم يأخذوا جسد الرب الى الغائبين.
“هذا الغذاء نسميه افخارستيا، ولا أحد بأمكانه ان يشترك فيه اذا لم يؤمن بعقيدتنا، واذا لم يغتسل بالعماد لمغفرة الخطايا والتجدد، واذا لم يعمل بوصايا المسيح، لأننا لا نتناول هذا الغذاء كأنه خبر عادي ومشرب عادي.
وكما ان يسوع المسيح مخلصنا قد اتخذ له جسداً ودماً بقوة كلمة الله، كذلك فان الغذاء الذي اصبح افخارستيا بواسطة الكلام المقدس الذي أعلنه المسيح يغذينا من جراء تناول جسده ودمه الذي هو جسد ودم يسوع المتجسد. هذه هي عقيدتنا. والرسل القديسون قد علمونا فى الاناجيل ان يسوع أمرهم بالاحتفال بالافخارستيا عندما أخذ خبزاً وشكر أباه السماوي وقال: اصنعوا هذا لذكري، إنه جسدي. وكذلك على الكأس: هذا هو دمي. ثم ناولهم منه”.
(الدفاع الاول، 1، 65، 66)
17- قداس يوم الأحد
“في اليوم الذي يُدعى يوم الشمس، يجتمع المؤمنون في مكان واحد، آتين من المدن والقرى، ويبدأ الاحتفال بقراءات من اعمال الرسل، ومن الانبياء، ومن الانجيل، قدر ما يسمح الوقت بذلك. وعندما ينتهي القارئ، يتقدم الرئيس المحتفل ويلقي عظة ينبه فيها الجميع ويحثهم على العمل بالتعاليم التي سمعوها.
ثم نقف جميعاً ونصلي بصوت مرتفع. وكما قلنا سابقاً، عندما ننتهي من الصلاة، نقدم للرئيس المحتفل الخبز والخمر والماء. ثم يرفع المحتفل الافخارستيا عالياً، والشعب يهتف: آمين. وبعد ذلك توزع الافخارستيا على جميع الحضور لتناول جسد الرب، ثم يرسل ماتبقى للغائبين بواسطة الشمامسه.
“وبعد الذبيحة يقدم الميسرون المساعدات، فيقبلها الرئيس المحتفل، ويوزعها على اليتامى والأرامل، وعلى كل الذين هم فى عوز، اما لسبب مرض، او لسبب آخر. وكذلك يوزعها على المساجين، وعلى الغرباء، وبكلمة مختصرة، يوزعها على جميع الذين هم بحاجه الى ذلك.
“واننا نجتمع يوم الشمس لأنه تذكار اليوم الاول الذي أوجد فيه الله المادة من لاشئ، وخلق العالم، وتذكار قيامة مخلصنا يسوع المسيح”.
(الدفاع الاول، 1 ،67)
18- الذبيحة الحقيقية هي الافخارستيا
“الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده. فان كنت أنا أباً فأين كرامتي؟ وإن كنت سيداً فأين مهابتي، قال لكم رب القوات، ايها الكهنة المذدرون اسمي؟ وتقولون: “بم ازدرينا اسمك”؟ “بأنكم تقربون علي مذبحي طعاماً نجساً، وتقولون: بم نجسناك؟ بقولكم إن مائدة الرب حقيرة.
إذا قربتم بهيمه عمياء ذبيحة، أفليس ذلك شراً؟ قربها لحاكمك، أفيرضى عنك أو يكرم وجهك، قال رب القوات؟ فالآن استرضوا وجه الله ليرأف بنا (فان هذا قد كان من ايديكم) ألعله يكرم وجوهكم؟، قال رب القوات. من منكم يُغلق الأبواب لئلا توقدوا نار مذبحي عبثاً؟
ليس هواي فيكم، قال رب القوات، ولا أرضى تقدمة من أيديكم، لأنه من مشرق الشمس الى مغربها اسمي عظيم في الأمم، وفي كل مكان تحرق وتقرب لاسمي تقدمه طاهرة، لأن اسمي عظيم فى الأمم، قال رب القوات. اما أنتم فقد دنستموه بقولكم إن مائدة الرب منجسة وطعامها مُزدرى.
وقلتم: “أنظروا! ما أثقل ذلك!”، واحتقرتموه، قال رب القوات، وأتيتم بالبهيمة المسروقة، والعرجاء والسقيمة، وقربتموها تقدمة أفأرضى بهذا من أيديكم؟ قال الرب. ملعون الماكر الذي عنده في قطيعه ذكر، وهو ينذر ويذبح للسيد ما هو معيب، فاني ملك عظيم، قال رب القوات، واسمي مهيب في الأمم (ملاخي، 1:1 – 14).
“هذه ذبائحكم التي لم يرض عنها الله. اما نحن فان ذبيحتنا الحقيقية هي خبز الافخارستيا وكأسها التي تقدمها الأمم التي تكلم عنها الانبياء مسبقاً قائلين: نحن نمجد اسمه، اما أنتم فتدنسونه”.
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
الآباء المدافعون Apologists (القرن الثاني) الذين كتبوا دفاعًا عن المسيحيين، وقدموها للولاة الوثنيين الذين كانوا يتهمّون المسيحيين بقضايا أخلاقية، وبأنهم من آكلي لحوم البشر، وعدم ولائهم للحكام.
ومن أشهر الآباء المدافعين:
يوستينوس الشهيد (استشهد عام 165 م):
كرَّس يوستينوس ذاته لنشر الديانة المسيحيّة والدفاع عنها، فذهب إلى روما حيث فتح هناك مدرسة، وكان يتخذ الفلسفة وسيلة للتبشير بالمسيحيّة والدفاع عنها، وكان يعقد مقابلات متكرّرة مع اليهود والوثنيين حيثما التقى بهم وكذلك مع الهراطقة، وفي هذه المناقشات أظهر صبرًا وثباتًا عجيبين.
أهم أعماله التي قدَّمها للمسيحية في ذلك الوقت هو دفاعه عام 152 م، فدفاعه الأول (68 فصلاً) والثاني (25 فصلاً) قدمهما إلى الإمبراطور أنطونيوس بيوس وابنه الإمبراطور مرقس أوريليوس، وحواره مع تريفو Trypho اليهودي.
وكان دفاعه مليئًا بالشجاعة والكرامة والإنسانية، فقد كان اتجاهه في دفاعه هو عدم التوّسل أو الخوف من القوة الغاشمة، وحواره مع تريفو اليهوديّ (142 فصلاً) هو عبارة عن مناظرة مع يهوديّ معتدل طالب للمعرفة، التقى به في مدينة أفسس، وقد استغرقتْ هذه المناظرة يومين، ويلاحظ أن يوستينوس في دفاعه الذي قدَّمه يبدو كفيلسوف يحدث فلاسفة، أما في حواره مع تريفو فكمؤمن بالعهد القديم إلى ابن من أبناء إبراهيم.
أثيناغوراس الفيلسوف (القرن الثاني):
كان فيلسوفًا يرأس إحدى كراسيّ الأكاديمية “الموزيم Museum” بالإسكندرية، أكبر مدرسة فلسفية علّمية في الشرق في ذلك الحين، تنافس مدرسة أثينا، وكان يعتبر من أساطين الديانة الوثنية، بعد دخوله المسيحيّة صار مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة من رجال القرن الثاني الميلاديّ (177م)، كتب دفاعه أو التماسه أو شفاعته (إبريسفيا) عن المسيحيّة، وقدَّمه إلى الإمبراطور مرقس أوريليوس، تلمس في كتابَاته العقل الفلسفيّ الذي هذبته الثقافة اليونانية مع مَلَكَة رائعة في الكتابة[1].
القديس إيريناؤس أسقف ليون (140-202م):
أحد رجال الكنيسة العظام في القرن الثاني، وضع أساس علم اللاهوت المسيحيّ الغربيّ، فهو أول لاهوتي يُؤكّد على الدور اللاهوتيّ للكنيسة، وعلى دور قانون الكتاب المقدس، وعلى التقليد العقائديّ واللاهوتيّ، لذا دُعي “أب اللاهوت المسيحيّ”، “أب التقليد الكنسيّ”.
أظهر غيرة صادقة على الحفاظ على الإيمان المستقيم، مقاومًا الهرطقات خاصة الغنوسية والمونتانية، للأسف فُقدتْ أغلب كتاباته اليونانية، لكن عثر على الترجمة اللاتينية لخمسة كتب له باسم “ضد الهرطقات”، كما عثر أخيرًا على ترجمة أرمنية لكتابه “برهان الكرازة الرسوليّة”، يشرح فيه العقيدة المسيحية ثم يثبت صحتها من خلال العهد القديم هذان العملان نجد فيهما وحدهما عناصر النظام اللاهوتيّ المسيحيّ الكامل.
القديس هيبوليتوس الرومانيّ (170-235م):
وهو كاتب ماهر يستخدم اللغة اليونانية، صار لاهوتيًّا متميزًا في كنيسة روما، يرى البعض أن القديس هيبوليتس يماثل القديس إيريناؤس في العلوم اللاهوتية، والعلاَّمة أُوريجانوس كدارسٍ، وترتليان في رؤيته للأمور، لكنه أقلّهم جميعًا من جهة الأصالة وتقديم ما هو جديد، أهم عمل يُنسَب للقديس هيبوليتس هو “تفنيد كل الهرطقات Refutation of all heresies“ أي تلك التي وُجدتْ أصولها في المدارس الفلسفية اليونانية. كذلك كتب “ضد كل الهرطقات” يقاوم فيه 32 هرطقة.
القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة (200-258م):
كان كبريانوس رجل رعاية أكثر منه رجل علوم لاهوتية، فلم يكتب لأجل البحث في الأمور اللاهوتية، وإنما ليعالج مشاكل رعويّة وكنسيّة عمليّة تسد احتياجات الشعب حسب الظروف التي عاشت فيها الكنيسة في قرطاجنة، من أشهر مؤلفاته “وَحْدَة الكنيسة De ccelediae untate“، وله أيضًا مجموعة رسائل متنوعة، من بينها رسالة عنوانها “الرد على ديمتريانوس” يؤكد فيها أن المسيحييّن ليسوا مسئولين عما حلّ بالعالم من ويلات الحروب والأوبئة، فالعالم شاخ وانحطّ فقلّ خصبه ونتاجه..
والذنب في ذلك ليس ذنب المسيحييّن بل هو ذنب الوثنيين الذين أخطأوا وارتكبوا المُوبِقَات (كبائر المعاصي) واضطهدوا المسيحييّن، فأثاروا بذلك غضب الله واستحقوا القصاص، كما كتب مقالة عنوانها “حثَّ على الاستشهاد” موجّهة إلى فورتوناتوس Fortunatus من ثلاثة عشر فصلاً.
العلاّمة ترتليانوس (160-240م):
كاهن قرطاجنة، أب علم اللاهوت في الكنيسة اللاتينية، قدَّم مخزنًا غنيًّا من الكتابات الفلسفيّة والتاريخيّة والجدليّة الدفاعية والعمليّة، وكان في كتاباته معادًّا للفلسفة على خلاف أغلب آباء مدرسة الإسكندرية في عصره، الذين رأوا في الفلسفة وسيلة لكسب الفلاسفة واليونانيين للإيمان..
كما قدَّم مصطلحات لاهوتيه، ويُعتبَر أحد المدافعين المسيحييّن الأوائل، فيما يخص كتاباته الدفاعية كتب “رسالة إلى الأممين الوثنيين”، و”رسالة الدفاع أو الاحتجاج”، “والرَّد على اليهود”، وبه في الدفاع عن الاستشهاد رسالة دعاها “ترياق العقرب”، وحضّ على الاستشهاد والصبر على الاضطهاد في رسالة دعاها “إلى الشهداء”، يُعتبر من الهراطقة لانضمامه إلى المونتانيين للأسف، حيث سقط في بدعة المونتانيين Montanism ما بين سنتي 202، 205م..
إذ ادَّعى مونتانيوس أنه البارقليط الموعود به في الإنجيل، حيث يقول عنه جيروم “لا استطيع أن أقول عن ترتليانوس إلاَّ أنه لا ينتمي إلى الكنيسة”.
من آباء ومعلمين مدرسة الإسكندرية في القرنين الثاني والثالث:
أكلِمَنْضُس السكندريّ (150-215م):
أهم كتاباته ثلاثة كتب دُعيتْ “ثالوث أكْلِمَنْضُس” تمثل منهج مدرسة إسكندرية، وهي:
نصائح لليونانيين Perotrepticus: وهو دعوة لترك الوثنية وقبول الإيمان المسيحيّ بواسطة المسيح.
المعلِّم Paedagogas: وهو دعوة لتحويل الإيمان إلى عمل لنكون مشابهين لابن الله، وتحت قيادته إذ هو المعلِّم الوحيد.
المتفرقات Stromata: كتابات غايته التمتع بالمعرفة الروحيّة الفائقة، وهو غاية المسيحيّ؛ وذلك خلال اتحاده بالمسيح كعريس للنفس.
له كتب أخرى مثل: مَن هو الغني الذي يخلص؟ والمجمل، ورسالة عيد الفصح.
العلاّمة أوريجانوس (185-254م):
وضع مؤلفات كثيرة وكان لها شهرة جبارة، إذ يُقدِّر جيروم كتابات أوريجانوس بألفي (2000) مُجَلَّد، ويُعلِّق جيروم بقوله مَن منا يقدر أن يقرأ كل ما كتبه، بينما يذكر إبيفانيوس ستة آلاف مجلد، كتب أيضًا كتاب “عن المباديء De Prircipiis” الذي يعتبر أول منهج لاهوتيّ مسيحيّ، مناقشة مع هيراقليدس “ضد كالسس”…
البابا ديونيسيوس الرابع عشر (180-261م):
تتلمذ على يدي العلاَّمة أوريجانوس، وصار أحد كواكب مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة اللامعين، لقبه القديس أثناسيوس “معلِّم الكنيسة الجامعة”، تُعتَبر كتابات البابا ديونيسيوس حجة في اللاهوتيّات، له كتابات كثيرة لكن للأسف لم يبقَ منهت إلاَّ شذرات حُفظت خلال كتابات يوسابيوس وأثناسيوس وغيرهما، وكما يقول Neale: “فقدان كتابات ديونيسيوس هي إحدى الخسائر العظمى التي لحقت بالتاريخ الكنسيّ”، فله كتابات عن الطبيعة وعن المواعيد، تفنيدًا ودفاعًا كذلك له رسائل دفاعية، كما ساهم في الرد على سابيليوس.
ومن آباء القرن الرابع:
البابا أثناسيوس الرسوليّ (328-373م):
كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ عن “تجسّد الكلّمة”، كما كتب “شرح الإيمان” كما وضع كتابات دفاعية منها “ضد الوثنيين” دفاع عن الإيمان المسيحيّ ودحض للوثنية، كذلك له مؤلفات لمقاومة الأريوسية، فكتب “الرّد على الأريوسيين”، كما أن له ثلاث رسائل في الرد على الآريوسيين (356-358)، دفاع عن مجمع نيقية 325م، الدفاع المقدم للإمبراطور قسطنتيوس، تاريخ الآريوسية، ضد الآريوسية..
كما أن له كتاب دافع فيه عن هروبه من مضطهديه، كما كتب وعن ألوهة الروح القدس، وأرسل خطابات إلى أساقفة مصر وليبيا ولوسيفر أسقف كالاريس (كاجلياري بجزيرة سردينيا غرب إيطاليا) وإلى الرهبان المصرييّن، وخمس رسائل عقائدية للقديس سيرابيون أسقف طمويه (تمي)، وهي خطابات في ألوهية الروح القدس، من أهمية أقوال وكتابات القديس أثناسيوس كان هناك قولاً شائعًا “أنه إذا وجدت عبارة من أقوال القديس أثناسيوس ولم تجد ورقة لتكتبها، فأكتبها على قميصك في الحال”.
القديس هيلاري أسقف بواتيه (315-367م):
يُدعَى القديس هيلاري “أثناسيوس الغرب”، فقد كرز وكتب واحتمل النفي دفاعًا عن ألوهية السيد المسيح، كتب مؤلفه المشهور “عن الثالوث القدوس On the Trinity“، غالبًا ما كتب الفصول الثلاثة الأولى قبل عام 356م في منفاه، ويتضمن 12 كتابًا، تناول فيها التفسير السليم للآيات التي اعتمد عليها الأريوسيين، لدرجة أنه خصص الكتاب الثاني عشر كله عن آية واحدة وهي “الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم” (أم22:8).
وفي منفاه كتب أيضًا “عن المجامع” حيث أوضح شروحات قوانين الإيمان، كذلك من أهم أعماله كتاب “عن الإيمان De fide“، لقد أوضح أن وجود الله يمكن التعرّف عليه بالعقل، وأما طبيعة الله فلا يمكن إدراكها، كما أن معرفة الثالوث تتحقق بواسطة إعلان الابن، يقول الابن: “أنا فيك وأنت فيّ” (يو4:14)، ويعلّم هيلاري أن للروح القدس سمات الآب والابن ذاتها.
القديس مارِ أفرام السريانيّ (303-373م):
أغنى القديس مارِ أفرام السريانيّ المكتبة المسيحيّة بكتاباته المنظومة شعرًا وأيضًا المنثورة، وهي لا تقل عن ثلاثة ملايين من الأسطر، ضمتْ شرحًا للأسفار المقدسة كلها، كذلك موضوعات الجدل الدينيّ، وبعض مقالات ورسائل مع ميامر وتسابيح.
له كتابات في اللاهوت المقارن، كما كتب 56 مدراشًا (نشيدًا) ضد هرطقات برديصان[2] وماركيون وماني. كذلك كتب 87 نشيدًا في الإيمان ضد الآريوسيين، وهاجم في أربعة منها يوليانوس الجاحد.
كما كتب خطبة عن “سيدنا” تناول فيها ألوهية السيد المسيح وفدائه للبشر، وكتب أشعارًا كثيرة عن العذراء يتغنى ببتوليتها، وحقيقة كونها والدة الإله[3].
القديس باسيليوس الكبير (329-379م):
كتب كتابًا “ضد افنوميوس” تناول فيه 15 آية من التي يعتمد عليها الأريوسيون، كذلك كتب عن “ألوهة الروح القدس” في 30 فصلاً، وعن أيام الخليقة الستة.
القديس كيرلس أسقف أورشليم (315-386م):
تُعتَبر أهم كتابات القديس كيرلس الأورشليميّ “مقالات للموعوظين”، وهي 24 مقالاً، الأولى مقدمة و23 أخرى، ومن هذه المقالات 18 أُلقيت في فترة الصوم على المستعدين للعماد، ربما عام 350م في كنيسة القبر المقدس، أُلقيت شفاهًا وسجّلها أحد السامعين…
هذه المقالات لها أهميتها العظمى كشاهد لطقس المعمودية ومفهومها اللاهوتيّ في القرن الرابع، كذلك خمسة مقالات عن الأسرار، فقد أُلقيت على المعمّدين حديثًا خلال الأسبوع الأول من عيد القيامة، تشرح ليتورجية الأسرار الثلاثة التي تمتّعوا بها في ليلة العيد وهي: العماد والميرون والتناول[4].
القديس إغريغوريوس الناطق بالإلهيات (329-390م):
كتب مقالات ضد افنونيوس، وضد يوليانوس الجاحد، كذلك له خمس مقالات لاهوتية، في الأولى يتحدث عن أصول التعاليم اللاهوتية بطريقة سليمة، فيشدّد على الإيمان والطهارة وعجز المنهج الجدلي (dialctique)، وفي الثانية يشدد على أن في العالم نشاهد عظائم الله فقط، وفي الثالثة والرابعة يحارب تعاليم آريوس التي تنادي بأن الابن مخلوق، وفي المقالة الأخيرة يؤكد أن ألوهية الروح القدس، إذ هو سرمديّ مع الآب والابن.
القديس إغريغوريوس أسقف نيصص (330-395م):
كتب كتابًا “ضد افنوميوس” يشمل 12 فصلاً، كذلك كتب ردًا على الكتاب الثاني لأفنوميوس، كما كتب أيضًا ضد البيلاجيين، كما كتب مقال يوضح فيه هرطقة الابولينارية كطلب بابا الإسكندرية تاوفيلس 23، كما كتب “ضد الأبوليناريين”، وله كتابات عن الروح القدس، عن الأرواح، وعن الأسرار.
القديس أمبروسيوس (339-397م):
للقديس أمبروسيوس كتابات عقائدية، وتفسيرية، ونسكية وأخلاقية، وعظات، ورسائل. من كتاباته العقيدية كتاب عن الثالوث القدوس يشرح فيه عقيدة التثليث، ويؤكد ألوهية السيد للرد على الأريوسيين، وآخر عن الروح القدس، وعن سر التجسد الإلهيّ ضد الأريوسيين والأبوليناريين، وعن الأسرار، وعن التوبة ضد أتباع نوفاتيان ليؤكد سلطان الكنيسة في حل الخطايا وضرورة الاعتراف وأهمية الأعمال الصالحة، وكتاب يرثي فيه أخاه يحوي حديثًا عن عقيدة القيامة.
العلاَّمة القديس ديديموس الضرير (313-398م):
نالت كتابات القديس ديديموس مدير المدرسة مدير المدرسة اللاهوتيَّة في عهد البابا أثناسيوس شهرة واسعة، كتب عن الروح القدس ومن شهرته أنه عندما طلب الأنبا داماساس أسقف روما من جيروم أن يضع له كتابًا عن الروح القدس، لم يجد جيروم أفضل من أن يترجم له كتاب القديس ديديموس فترجمه إلى اللغة اللاتينية، كما استخدم القديس أمبروسيوس النص اليوناني كمصدر لكتابه عن الروح القدس[5]..
ويعد كتابه عن الروح القدس أفضل ما كُتب في القرن الرابع الميلاديّ عن الروح القدس وسُمِّيَ القديس ديديموس ب“لاهوتيّ الروح القدس”؛ كتب عن الثالوث: يقع هذا العمل في ثلاثة كتب، وضعها ما بين عام 381 و392، لا تزال موجودة، كتب أيضًا ضد أتباع ماني: يتكون هذا العمل من 18 فصلاً صغيرًا، وهو موجود باليونانية، كما كتب أيضًا “عن الفلسفة” وعن “التجسد”.
القديس إبيفانيوس أسقف قبرص (315-403م):
من أهم كتاباته: كتابَ “المرساة”، كما كتب “ضد جميع الهرطقات” وهو ما يُعرف “خزانة الأدوية” ذكر فيه 80 هرطقة، كما كتب “الرجل الثابت” ردًا على أسئلة بعض الكهنة بخصوص الثالوث والروح القدس[6].
القديس يوحنا ذهبيّ الفم (344-407م):
للقديس يوحنا ذهبيّ القم العديد من الكتابات، معظمها عظات ومقالات منها “في طبيعة الله التي لا يمكن إدراكها”، كذلك كتب في المعمودية للموعوظين، عظات ضد التهود، ضد الوثنيين، ضد يوليانوس، ضد يوليانوس والأمم، في عدم تكرار الزواج، في عناية الله، كما كتب عن الكهنوت، وعن الأسرار.
القديس أغسطينوس (354-430م):
كتب القديس أغسطينوس “في الثالوث” كتبه في 15 جزءًا، كما كتب “في البدع”، “والروح القدس”، كذلك وضع طتبًا في الرد على المانيين (3 كُتب)، والدونايين (17 كتاب)، والبيلاجيين (4 أجزاء)، ضد يوليانوس (6 أجزاء)، وتعرّض في كتاباته لموضوعات عن الله وطبيعته، الخير والشر، كذلك الطبيعة البشريّة وخصائصها، الخطيئة الأصلية، النعمة وعملها، المعمودية، النسك، الزواج.
بلغت كتاباته حوالي 232 كتابًا، كما أن له مقالات فلسفية مثل “الرد على الأكاديميين”، و”الحَيَاة السعيدة”، و”خلود النفس”، وأيضًا أعماله الجدلية ضد اليهود والوثنيين، وضد البيلاجيين وضد الأوريجانيين، كما كتب في النسكيات والأخلاقيّات والموسيقى. كتب أيضًا “مدينة الله” الذي يُعد من أهم كتب القديس أُغسطينوس الدفاعية ضد الوثنية.
القديس كيرلس عمود الدين (475-444م):
تُعتبَر كتابات القديس كيرلس من أعظم ما ورد في الأدب المسيحيّ المبكر، فهي تكشف عن عمق في الفكر، وغنى في الآراء، وتحمل براهين ثمينة وواضحة تؤكد ما للكاتب من قدرة على البصيرة والجدل، تجعل كتاباته من المصادر الأولى لتاريخ العقيدة والتعليم الكنسيّ.
كتب في شرح عقيدة الثالوث القدوس كتابين هما “الكنز في الثالوث القدوس المساوي في الجوهر”، والثاني يتكون من مجموعة كتب باسم “على الثالوث القدوس المساوي في الجوهر” وهو المعروف بـ”حوار حول الثالوث”، كما كتب القديس كيرلس عمود الدين ضد نسطور، فكتب “الحرومات الاثنى عشر ضد نسطور”، وكتب أيضًا “شرح تجسد الابن الوحيد”، “على الإيمان الحقيقيّ”، وكتب ضد سابليوس..
كما كتب ضد يوليانوس الجاحد الذي وضع ثلاثة كتب ضد المسيحيّة “ضد الجليليين”، طعن يوليانوس فيها في ألوهية السيد المسيح وشكّك في أقواله وتعاليمه ومعجزاته، فقام البابا كيرلس بالرّد على هذه الأقوال وفنّدها كلها، وذلك في ثلاثين كتابًا، ولم يكتفِ بذلك بل كتب للإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير يطلب منه جمع كل نسخ كتب يوليانوس وحرقها فكان له ما أراد.
[1] Schmid, Manual of Patrology, P. 97.
[2] غنوسيًّا اشتهر في نهاية القرن الثاني، ونشر عقائد خرافية في 150 مزمورًا.
[3] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 175.
[4] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ض-م) – 2001 – ص 290.
[5] فهرس كتابات آباء كنيسة الإسكندرية – الكتابات اليونانية – راهب من الكنيسة القبطية – الطبعة الأولى يناير 2003 – ص 308.
[6] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 232.
في هذا الفصل الأخير، سنقوم بدراسة وثائق مسيحية تم كتابتها بعد العهد الجديد تشهد على يسوع التاريخي. أولاً، سنقوم بدراسة الأغرافا، وهي أقوال يسوع التي لم يتم “كتابتها” في الأناجيل الكنسية. ومن ثم سنقدم لمحة عامة عن كتابات نجع حمادي، كما سنقدم معالجة للوثيقة الأكثر أهمية بالنسبة لموضوعنا: إنجيل توما.
وبعد ذلك، سنقوم بدراسة الأسفار الدينية التي لم يشملها العهد الجديد، لا سيما وثيقتين تظهران في البحوث التي أجريت مؤخراً على يسوع التاريخي: إنجيل بطرس وإنجيل مرقص السري. أخيراً، سندرس وثيقة يهودية مسيحية من الاعترافات الكليمنتية الكاذبة، وصعود يعقوب الذي يحتوي على شهادة أكمل ليسوع.
الأغرافا: أقوال يسوع المتفرقة
لم يكن ممكناً للأناجيل الكنسية الأربعة جمع كل شيء قام به يسوع أو قاله خلال تأدية رسالته، أو حتى ما تذكره الكنيسة الأولى عنه. فهذه الأناجيل لا تحتوي إلا على مقتطفات من تقاليد يسوع، وعندما ينظر المرء إلى التداخل الواسع في المحتويات، سيجد أن هذه المحتويات ضئيلة. توضح الآية (21: 25) من إنجيل يوحنا هذه الانتقائية، وتفسرها على أنه تم تسجيل كل الأشياء الي قام بها يسوع، عندها لن يكون العالم قادراً على احتواء الكتب التي كانت ستكتب.
ويتفق الباحثون بصورة عامة: على أنه تم الحفاظ على تدفق كبير من التقاليد الشفوية، حيث تم إخضاعها للتنسيق والتنظيم. ويقول كثيرون: إنه تم تحديد أقوال يسوع وأفعاله ليتم استخدام كل ذلك في الكنيسة. ولم ينضب هذا التدفق عندما تمت كتابة الأناجيل الكنسية بين عامي 70 إلى 100م. بل استمر في التدفق خلال سنوات المسيحية الأولى، إلى جانب الكتابات المدونة والمستقلة عنها على حد سواء.
ورغم كل ذلك، قام يسوع بالتعليم من خلال “صوته الحي”، وحافظت الكنيسة الأولى واستخدمت تعاليمه على حد بعيد مع الصوت الحي، حيث فضل ذلك بعض قادة الكنيسة في القرن الثاني مثل بابياس. وقد كانت التقاليد الشفوية لأقوال يسوع بارزة في كل فترة من فترات العهد الجديد، وفي تاريخ الكنيسة التالية في القرن الرابع، وأحياناً ما كانت تجد طريقها إلى كتابات المسيحيين. فهم يقدمون لنا لمحة قد تكون كامل عن يسوع.
إن الكلمة اليونانية “أغرافا” تعني حرفيا: “أشياء غير مكتوبة”. فهي مصطلح غريب ومضلل إلى حد ما، لأنه إذا كانت هذه الأقوال فعلاً غير مكتوبة، لما تم الحفاظ عليها على مدى ألفي عام. تشير الأغرافا في دراسة الكتابات المسيحية الأولى بصورة أساسية إلى التقاليد التي تتحدث عن يسوع ولم يتم كتابتها في الأناجيل الكنسية، إلا أنها وجدت طريقها من خلال عمليات الاقتباس التي وردت في كتابات أخرى للمسيحيين الأوائل.
وعلى الرغم من أن المصطلح يمكن أن يشير إلى الأعمال التي قام بها يسوع أو إلى الروايات السردية عنه، إلا أنه يبقى في الغالب يشير إلى الأقوال التي تم الاستشهاد بها والحفاظ عليها. إن تلخيص سبب ذلك ليس صعباً. الأقوال وحدها أو الأقوال التي تُسبق بمقدمة قصيرة لإغناء السياق الضروري، أسهل على الحفظ والاستشهاد من الروايات السردية. فعلى سبيل المثال: وُجدت كمية قليلة من الأغرافا في العهد الجديد، فالأصحاح (20: 35) يشير إلى قول ليسوع نقله بولس: “إنه لمن المبارك أن تعطي أكثر من أن تأخذ”.
ويشير بولس نفسه في مناسبة نادرة إشارة صريحة إلى أقوال يسوع (1كورنثوس 7: 10، 14: 9، 11: 24-25، كلمات قربانية)، وربما رسالة (تسالونيكي الأولى 4: 15-17). كذلك، تتكرر بعض الأغرافا في القراءات المختلفة لمخطوطات العهد الجديد، على سبيل المثال، هناك قراءة مختلفة للوقا (6: 5) في مخطوطة بزا في القرن الخامس، تقول:
في نفس اليوم، عندما رأى أحد الرجال يعمل في يوم السبت، قال له يسوع: “أيها الرجل، إذا كنت تعرف حقاً ما أنت فاعل، فأنت سعيد، لكن إذا لم تكن كذلك، فأنت رجيم وتنتهك القانون”. إن أفضل مثال معروف عن كتابات الأغرافا السردية هي قصة المرأة التي وقعت في الزنا، القصة المحفوظة في بعض مخطوطات (يوحنا 7: 53-8: 11)، وهي تقليد غير موجود في أفضل مخطوطات يوحنا.
وسننظر أثناء تناولنا للأغرافا في أقوال يسوع غير المكتوبة التي سجلها آباء الكنيسة، بالإضافة إلى تلك الأقوال الموجودة في الكتب القديمة للعهد الجديد. فتدعي عدة مقاطع جاءت عن آباء الكنيسة الأوائل، على سبيل المثال: بابياس، يوستينوس الشهيد، ترتوليان، إكليمندس الإسكندري، وآخرون، أنها تحتوي على أقوال يسوع التي ربما جاءت من تقليد شفهي موثوق. فبعض الاستشهادات جاءت في وقت أبكر من غيرها، إلا أن هذه الاستشهادات وحدها لا تتضمن الأصالة.
فقد كتب بابياس (60-130)، وهو أسقف هيرابوليس في فريجية، تفسيراً لكلمات الرب يقع في خمسة كتب أسماها: “الصوت الحي والباقي”، حيث كان الهدف منها جمع كل التقاليد الشفوية ليسوع، وهذا عمل غير موجود في الكتابات المسيحية. وهذا الكتاب مفقود حالياً، إلا أن إيريناوس اقتبسه في القرن الثاني، وكذلك الأمر بالنسبة ليوسبيوس في القرن الرابع.
وإذا أردنا الحكم عليه من خلال نوعية الاقتباسات القليلة التي بقيت، فقيمة الكتاب لا تذكر. وقيل الشيء ذاته على القسم الأكبر للأغرافا التي بقيت على قيد الحياة. ويمكننا الاطلاع على بعض العينات من الأقوال القليلة ليسوع المشكوك في صحتها من أجل إظهار الطابع العام لها:
ستأتي أيام عندما تحمل كل شجرة عنب 10000 غصن، وكل غصن يحمل 10000 غصين، وكل غصين يحمل 10000 عنقود، وكل عنقود يحمل 10000 حبة عنب، وكل حبة عنب عندما تُعصر ستنتج خمسة وعشرين مقداراً من الخمر. عندما يمسك أي قديس بأي عنقود، سيصرخ عنقود آخر: أنا أفضل عنقود، خذني! بارك الرب من خلالي! وبالمثل، فإن حبة ستنتج عشرة أرطال من الدقيق الفاخر النقي اللامع.
وستصبح غيرها من الفواكه والبذور والأعشاب مثمرة وفقاً لطبيعتها بصورة نسبية. وستعيش جميع الحيوانات التي تتغذى على منتجات هذه التربة بسلام وانسجام مع بعضها البعض، وستخضع خضوعاً كاملاً للبشر. (إرنايوس، ضد الهرطقات 5. 33. 3)
والد الرب وإخوته يقولون له: يوحنا المعمدان يُعمد لمغفرة الخطايا. دعنا نذهب ليعمدنا. لكنه قال لهم: هي ارتكب آثاماً. من أجل أن أذهب ليعمدني؟ إلا هذا الشيء الذي قلته للتو فهو خطيئة الجهل. (جيروم، حوار ضد البيلاجيين 3. 2، نقلاً عن إنجيل النصارى المفقود).
يشبه ملكوت الآب امراً يريد قتل صاحب السلطان، وبينما هو في بيته، امتشق سيفه وطعن الجدار ليتأكد من قوة ساعده، ثم قتل صاحب السلطان. (إنجيل توما 98).
إن إخوتي وورثتي هم أولئك الذين ينفذون رغبة والدي، وبالتالي لا تصيح لأحد والدي على الأرض، لأن هناك سادة على الأرض، لكن الآب في السماء، ومنه تنحدر جميع العائلات سواءً كانت في السماء أو على الأرض. (إكليمندس، قصيدة الأنبياء 20).
أنا البوابة الحقيقية. (هيبوليتوس، التفنيد 5. 8. 20).
هذه هي الأغرافا التي كانت تخضع للفحص في معظم الأحيان من أجل موثوقيتها الممكنة:
أطلب الأشياء العظيمة، وسيمنحك الله ما هو صغير. (إكليمندس الإسكندري، ستروماتا 1. 24. 158).
اطلب الأشياء العظيمة، وسيتم منحك الأشياء الصغيرة، اطلب الأشياء السماوية، وسيتم منحك الأشياء الدنيوية (أوريجانوس، في الصلاة 2).
القريب مني قريب من النار، والبعيد عني بعيد عن الملكوت. (أوريجانوس مواعظ عن إرميا 3. 3، إنجيل توما 82)
سيأتي الكثيرون باسمي مرتدين من الخارج ملابس من جلود الغنم، لكنهم من الداخل ذئاب خاطفة (يوستينوس، حوار مع تريفون 35: 3).
سيكون هناك انقسامات وهرطقات. (يوستينوس، حوار مع تريفون 35: 3).
إن تم تجميعكم معي في حضن ولم تحافظوا على وصاياي، فسوف أطردكم وأقول لكم: اذهبوا عني! لا أعرف من أين جئتم، أنتم مرتكبو الخطيئة. (2 كليمنت).
لا يمكن لأحد الحصول على ملكوت السماء إن لم يفتتن. (ترتليان، في المعمودية 20).
لقد اخترت لنفسي الأفضل، أفضل أولئك الذين أعطاني إياهم أبي في السماء. (أوسابيوس من قيصيرية، التجلي الإلهي 4. 12، نقلاً عن الإنجيل بحسب العبرانيين).
الذي يقف اليوم بعيداً سيكون غداً بالقرب مني. (أوكسيرينخوس بابيروس 1224).
وأخيراً يأتي هذا القول الذي يعد من أكثر أقوال الأغرفا إثارة والأكثر مناقشة:
كونوا صرافي نقود أكفاء! (أوريجانوس، تعليق على يوحنا 19. 7. 12، المواعظ 2. 51. 1، 3. 50. 2، 18. 20. 4، الكثير من آباء الكنيسة، بالمجمل نحو سبعين استشهاد أو تلميح).
كيف يمكن تقييم الأغرافا في مسيرة البحث عن يسوع التاريخي؟ فقد توصل معظم العلماء الذين عملوا على هذه التقييمات إلى استنتاج سلبي بالكامل فيما يتعلق بمصداقيتها. حتى أن العملية هي عملية سلبية ومستبعدة، وإن هذه الأقوال التي يمكن تفسيرها على أنها صدرت عن يسوع تلاشت قبل كل شيء.
إن المعايير المستخدمة في المقام الأول هي تلك التي تتعلق بالمحتوى، التي تتخلص من الأقوال التي تم تضمينها في القصص السردية الأسطورية فيما بعد، على سبيل المثال، والتي هي بكل وضوح غنوصية، أو مستمدة من جدليات القرن الثاني، ومن تلك المتعلقة بتاريخ التقليد، التي تستبعد، على سبيل المثال: الأقوال التي تعتمد من الناحية الأدبية على الأناجيل الكنسية، أو تلك التي نشأت بصورة واضحة في كتابات أخرى. إن المجموعة الأولى من الأغرافا التي ذكرت أعلاه تندرج في هاتين الفئتين.
يختلف العلماء في تطبيق هذه المعايير، فبعضهم يستبعد ببساطة قولاً مثل: “إنه لمن المبارك أن تعطي أكثر من أن تأخذ”. لأنه يعكس الحكمة اليهودية واليونانية الرومانية، حتى وإن كان القول يبدو أنه ينسجم شكلاً ومضموناً مع رسالة يسوع الحقيقية.
في الوقت الذي عادةً ما يظهر فيه أن أقوال الحكمة العامة قد تم إدراجها في التقليد المسيحي، لا يمكن أن يكون هذا هو الوضع دائماً. إذا تم استبعاد كل شيء يحمل توجه الحكمة الشائعة، سيكون ذلك بمثابة أن نفترض خطأ أن يسوع التاريخي لم يستخدم نهائياً الحكمة الشائعة حوله. وبعد تطبيق معياري المصداقية، يتم اختبار تلك الأقوال المتبقية وفق مواد يسوع المفترض أن تكون حقيقية في الأناجيل الكنسية.
في النهاية، قد يكون عدد من الأغرافا حقيقياً، وعلى الأرجح قلة مختارة من تلك الأغرافا، إلا أن الغالبية العظمى منها غير حقيقية نهائياً. ومع التيار الواسع للتقليد الشفوي والاهتمام بأقوال يسوع التاريخي في الكنيسة الأولى، نتوقع أن يكون الكثير من تلك الأقوال حقيقياً، إلا أن هناك عدة أسباب لا تجعل القضية كذلك.
أولاً، الحفاظ على هذه الأقوال يرجع إلى حد ما إلى المصادفة التاريخية. ويعود فضل الاستشهاد بتلك الأقوال في الكتابات المسيحية إلى قضايا لاهوتية في القرون الأربعة التالية، وليس نظراً للاهتمام بأقوال يسوع التاريخي في حد ذاتها. كما لم يتم الحفاظ على هذه الكتابات نظراً لأقوال يسوع التاريخي التي احتوت عليها. وبالتالي، ليس لدينا أي طريقة يمكننا من خلالها أن نعرف على وجه اليقين أن كانت تلك الأقوال التي بقيت على قيد الحياة تمثل تلك التي لم تعد موجودة.
ثانياً، عادة ما تأتي هذه الأقوال بسياق وجيز أو معدوم، وبالتالي يكون الأمر أكثر صعوبة إذا ما أردنا التأكد من صحة ادعاءات هذه الأقوال. أحياناً يشير الكتّاب الذين يقتبسون تلك الأقوال إلى مكانها في العهد الجديد، لكن ليس دائماً. فتلك الأقوال هي حقاً “أقوال معزولة” كما وصفها أوتفريد هوفياس، وعزلتها تلك تجعل تفسيرها صعباً.
ثالثاً، على الرغم من أنه تم نقل هذه الأقوال على أنها ممعنة في القدم، إلا أنه تم تسجيلها بعد يسوع بفترة زمنية لا بأس بها. لكن لا يشكل هذا الأمر ضربة تلقائية لمصداقيتها، لأنه يمكن للتقليد الشفوي أن يكون متوازناً ومطابقاً للأصل لفترة طويلة. ومع ذلك، تنطبق القاعدة التاريخية العامة: كلما كان التقليد أقرب، سواء كان مكتوباً أو شفوياً ولا يفتقد إلى أصله المزعوم، كلما كان أفضل.
رابعاً، كما مر سابقاً فأساس المقارنة هو أقوال يسوع التاريخي في الأناجيل الكنسية، وعادة ما تكون الأناجيل السينوبتية، وهذا يعني أن الأقوال التي تختلف اختلافاً كبيراً من حيث الشكل أو المضمون من المرجح أن تكون مستبعدة على الرغم من أنها قد تكون حقيقية. علاوة على ذلك، يعني ذلك أن إمكانية الحصول على أي مناظير جديدة وهامة تتعلق بيسوع من الأغرافا تصبح بعيدة المنال. باختصار، في حين أن الحكم على حقيقة أقوال الأناجيل الكنسية صعب بما فيه الكفاية، إلا أن الحكم على حقيقة الأغرافا يعد تحدياً أكبر بكثير.
عندما يطبق الباحثون الحاليون هذه المعايير الصارمة يكون هناك نتائج هزيلة. فقد حدد يواكيم جيريمياس ثماني عشرة أغرافا يمكن أن تكون أقوالاً حقيقية ليسوع، تم اقتباس معظمها أعلاه، إلا أن هوفياس قلص تلك القائمة إلى سبع. ووفقاً لأي عدد من هذه العددين، تمثل الأقوال التي يمكن أن تكون حقيقية قسماً صغيراً للغاية من إجمالي الأغرافا.
ويقول هوفياس إن الأقوال الوحيدة غير المشتقة فيما يتعلق بتاريخ التقليد، والتي يحق لها أن تكون حقيقية، هي تلك الأقوال الواردة في مخطوطة بزا، وقول “القريب مني/ البعيد عني” من أوريجانوس وإنجيل توما، والقول من بابيروس أوكسيرينخوس، والقول الوارد في إنجيل العبرانيين. وأفضل طريقة لتفسير الأقوال الأخرى هي أنها اختلافات أو اندماجات بين مقاطع العهد الجديد. ولهذه النتيجة الهزيلة معنيان.
الأول هو أن الجزء الأكبر من الأغرافا الذي لا يمكن له الادعاء بأنه حقيقي يصبح أكثر فائدة في فهم المجموعات المختلفة في بداية المسيحية التي قامت بإنتاجه. هذه هي المهمة الرئيسية للدراسة العلمية للأغرافا. أما المعنى الثاني فهو عندما يتم وزن هذه الأقوال السبعة أو الثمانية عشر، فإنها تضيف أقل القليل من حيث الكمية أو النوعية إلى التعاليم الكنسية ليسوع. وصحيح ما توصل إليه أحدث مسح قام به جون ماير أن تلك الأقوال لا تضيف شيئاً جديداً إلى تصورنا عن يسوع التاريخي.
تنوّعت الصور التي استخدمها الآباء في التعبير عن موضوع كتاباتهم على حسب الصورة التي تخدم المؤمنين؛ فلم يكن اهتمامهم يرجع للصورة الأدبيّة للنصوص المكتوبة بل استخدموا الرسائل، المواعظ، النصوص، الشعر كما يأتي:
الرسائل:
تركّزت أكبر صورة لكتابات الآباء على الرسائل، التي أخذت أكبر قدر من كتاباتهم، ونحن بصدد الحديث عن كتابات الآباء، نوضح أنها لم تكن بهدف الكتابة فقط، فقد كان لكل رسالة هدف واضح لأجل بناء الكنيسة ونفع المؤمنين، في إما تعالج مشكلة في الكنيسة، مثل رسالة القديس أكْلِمَنْضُس الروماني على كنيسة كورنثوس، والتي تعالج موضوع الانقسام الحادث عندهم، أو للرد على أسئلة صعبة سواء في التفسير أو في اللاهوت، أو بهدف التعليم، إذ أن رسائل الآباء مملوءة بالتعاليم النافعة.
ويمكن تصنيف الرسائل إلى الآتي:
رسائل موجّهة لحكام.
رسائل لتنظيم الكنيسة.
رسائل للرد على البدع والهرطقات.
رسائل لاهوتية.
رسائل تعليمية.
رسائل في تنظيم الحياة الاجتماعية.
رسائل فِصْحِيّة.
رسائل تعزية.
وقد كان هناك تقليد قديم استمر إلى عهد قريب، ألا وهو: أن يكتب الآباء أو الأب البطريرك رسالة في عيد القيامة “عيد الفصح” تُقرأ في الكنائس كلها، تحقيقاً لمبدأ الوحدانية الكنسية والتعليمية والرعويّة.
من أشهر الآباء الذين كتبوا رسائل:
† القديس أثناسيوس الرسوليّ (328 -373م):
كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ فصحية، كما كتب أربعة رسائل للقديس سيرابيون في ألوهية الروح القدس عام 359م، كما كتب رسائل عقائدية في تعاليم ديونيسيوس عام 352م، وفي قوانين مجمع نيقية عام 350، 351م، كما كتب رسالة عامة إلى الأساقفة 340م، كما كتب رسائل أخرى.
† القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):
وهو من أول مؤلف باليونانية ينشر رسائله، وذلك بناء على طلب نيكوبولس Nicobulus حفيد أخته جورجونيا، بغير قصد وضع نظرية “كتابة الرسائل”، إذ طلب أن تكون قصير وواضحة ولطيفة وبسيطة… (رسالة 51، 54).
وقد كتب غريغوريوس رسائل عديدة وصلنا منها (245) رسالة أكثرها شخصية، لذويه وأصدقائه لبعضها أهمية لاهوتية، خاصة الرسالتين إلى الكاهن كليدونيوس نحو 382م وفيها الرد على الأبوليناريين، اعتمد منهما مجمع أفسس 431م مقطعاً كبيراً. كذلك الرسالة إلى نكتاريوس الذي خلفه على كرسي القسطنطينية وكان سابقاً لذهبيّ الفم، لكي يحض الإمبراطور ثيودوسيوس على محاربة الهراطقة، فاستجاب الإمبراطور وحظر على الأريوسيين عقد الاجتماعات ورسامة الأساقفة[1]. قد تبادل الرسائل ليُعبر عن أفكاره ومواقفه، ولكي يُجيب أيضاً على أسئلة كنسية واجتماعية…
وتُعد هذه الرسائل صورة صادقة عن إنسان شريف لا يتردد في قول الحقيقة، وتتحلى رسائله بالإيجاز والتماسك والجمال[2].
† القديس باسيليوس الكبير (330 -379م):
كتب رسائل عددها (366) رسالة، في الفترة ما بين (357 -379م)، وهي توضح صوراً كثيرة، وتحتوي على مواضيع عديدة مختلفة حول الحياة النسكية والرهبانية والصداقة والمحبة[3].
تحمل رسائل القديس باسيليوس أهمية كبيرة إذ تنطوي على موضوعات لاهوتية وتاريخية ونسكية، وهي تكشف عن أخلاق وطباع كاتبها الذي وإن كان يقسو أحياناً لكنه لا يلبث أن يلين في فيض من الروحانية[4].
†القديس أغسطينوس (354 -430م):
كتب أكثر من 270 رسالة، من (386 إلى 429م)… لجهات مختلفة، بعضها يحوي أبحاثاً فلسفية ولاهوتية ورعوية عملية أهمها التي وجهها إلى جيروم[5]. ونذكر من بين هذه الرسائل:
حرية الإرادة (388 -395).
التعليم المسيحيّ (397 -426).
في المعمودية ضد الدونابيين (401).
في النعمة ضد بيلاجيوس (415).
في الثالوث (399 -419).
المواعظ:
العظة في القرن الثالث تميزت بالاتجاه إلى البحث عن التوازن والمنهجية، في تُشكل مرحلة انتقالية بين طابع العظة الخاريزماتيكي، والعفوي كما في عصر الرُسل وعصر الآباء الرسوليين، إلى القرن الثالث.
أخذ الوعظ في الكنسية وضعه في القرنين الرابع والخامس، مع انتشار المدارس الفلسفية وظهور مدرسة الإسكندرية بمُعلّميها، والحاجة إلى خطاب كنسي قوي لبنيان المؤمنين، ولمواجهة احتياجات الحوار مع المثقفين الوثنين من الخارج ودحض البدع والهرطقات من الداخل. ومن ثم ارتفع مستوى ثقافة الإكليروس والشعب[6]، إذ كان يركّز على التعاليم العقائدية لمواجهة الهرطقات.
وكانت العظات تشمل تفاسير للكتاب المقدس، مثل تفسير القديس أُغسطينوس للمزامير، الذي كان عبارة عن مجموعة عظات، كذلك تفاسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم، معظمها عظات في الأعياد…
كذلك القديس إغريغوريوس النزينزي له 45 عظة قدمها في أهم فترة في حياته من 379 -381م، حينما كان أسقفاً على القسطنطينية، جاذباً أنظار العالم إليه.
نصوص عقائدية وليتورجية:
في القرون الأولى للكنسية كانت هناك نصوص خاصة بكل كنيسة محليّة، تتضمن بنود الإيمان وصلوات الليتورجيات المختلفة… ورغم أنّها كانت خاصة بكل كنيسة، إلا أنها كان لها مضمون واحد ومحتوى عقيدي وروحي واحد.
بعد المجامع المسكونية وإقرار قانون الإيمان النيقاويّ القسطنطينيّ، أصبح هناك نصّ واحدٌ لإيمان الكنيسة الجامعة في كل مكان، وفيما يخص الليتورجية كان هناك ليتورجيات كثيرة، ولكن كل منها تشتمل على عناصر أساسية مشتركة؛ على مثال ما فعله السيد المسيح في تأسيس سر الإفخارستيا للتلاميذ، مثل: الشكر، التسبيح، الطلبات، التعليم…
وتُعدٌ أشهر الليتورجيات هي: ليتورجية القديس باسيليوس أسقف قيصرية كبادوكية في آسيا الصغرى (القرن الرابع)، وليتورجية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات النزينزيّ (القرن الرابع)، وليتورجية القديس كيرلس عمود الدين (القرن الخامس).
كما كانت هناك ليتورجيات المعمودية، وقد تحدّث ابن العسّال في “المجموع الصفوي” عن التعميد، من جهة أحكامه والقوانين المتعلّقة به والصلوات الخاصة به، ففصّل أحكامه وأورد القوانين المتعلّقة به، ثم قال: “قد وضع في البيعة القبطية كتاب خاص بالتعميد مشتق من القوانين، مُشتمل على كيفية التعميد وجميع الصلوات المخصوصة به والاعتماد عليه في ذلك. ويجب التحرُز العظيم فيه[7].
هناك أيضاً ليتورجيات خاصة بترتيب صلوات وطقوس رسامة وتكريس كل من الأب البطريرك والأسقف والمطران والقس والإيغومانس (القُمصّ) والشماس والرهبان والراهبات ورئيسة الراهبات…، وأيضاً تحوي شروط وكفاءات المتقدّم للرسامة في كل درجة من الدرجات كما تشرح وتفسر بعض القوانين وتدعم بعض التحديدات والتحريمات فيها[8].
كذلك ليتورجية خاصة بصلوات سر الزيجة، ثم كتب صلوات تدشين الكنائس، وعمل الميرون المقدس، وتبريك المنازل الجديدة، وقدّاس اللقان، وتقديس زيت مسحة المرضى، وباقي الأسرار الكنسيّة.
الشعر:
وقد كتب آباء كثيرون بطريقة شعرية، ويشمل ألحان الكنيسة بنغماتها الأصلي، وتُعد الإبصلمودية بما تحتويه، من وضع الآباء، ويُطلق عليها شعر ليتورجي، وقد وجد شعر كنوع آخر يسمّى “الشعر غير الليتورجي، وهو شعر تأمليّ روحي، بشرط أن تتفق هذه الأشعار مع العقيدة الأرثوذكسية.
من أشهر الآباء الذين كتبوا بلغة شعرية:
†القديس مار أفرام السرياني (203 – 273م):
كان القديس مار أفرام السرياني غزير الإنتاج فوق العادة حيث يذكر مؤلف “الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة”[9]، 12 ألف قصيدة، 550 مدراشاً، وغير ذلك الكثير من الصلوات والابتهالات[10].
يعد من أشهر مَن كتب شعراً كنسيّاً حيث دُعي قيثارة الروح، واستخدم أناشيد عقائدية قاوم بها الهرطقات، وإذ رأى أحد الهراطقة قد ألّف (150) نشيداً تحمل عقائد خاطئة يترنم بها الشعب، ألّف هو أيضاً (150) نشيداً بذات النغم مع استقامة الإيمان وعذوبة الأسلوب وقوته، فحلّت محل الأناشيد الأولى[11].
وتظهر كتاباته الشعرية فيما يعرف بالميامر: وهي مواعظ شعرية على بحر واحد، تتناول العقيدة والأخلاق المسيحية، وقد نشر قسماً كبيراً منها المستشرق أدموند بك في (مجموعة الكتبة المسيحيين الشرقيين CSCO)[12] في لوفان، ينصها السرياني مع ترجمة ألمانية أو لاتينية، وكان قد نشر ميامر عن الإيمان رقم 212/213 سنة 1961، وأخرى عن ربنا رقم 270/271 سنة 1966، وميامر عن أسبوع الآلام رقم 412/413 سنة 1979. كما نشر “كرافن” ميامر عن المائدة (الإفخارستيا) في الشرق السريان عدد 4 سنة 1959، وميمراً عن نيقوديموس نشره “ش. رينو” في الباترولوجيا الشرقية مجلد 37 جزء 2 سنة 1975.
وبجانب الميامر هناك المدرايش: وهي ترانيم منظومة على أوزان الشعر المختلفة، ومُلحّنة وتدور حول مواضيع كتابية وإيمانية وأخلاقية، وكانت جوقته الكنسيّة تنشد معظمها خلال الصلوات الدينية والاحتفالات.
† القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):
له قصائد شعرية كتبها في أواخر حياته، وفي خِلْوته بأرينز [13]Arianzum، ولم يبق منها سوى (400) قصيدة، في أحدها سجل لنا سبب اتجاهه للشعر في أواخر حياته، ألا وهو: ليعبر عن إحساسه وخبرته وليقدم للشباب ومحبي العلم والقراءة، لإظهار أن الثقافة المسيحيّة الجديدة ليست أقل من الثقافة الوثنية بأية حال، وليقاوم قرار يوليان، ولأن بعض الهرطقات كالأبولينارية تستخدم القصائد في نشر أفكارها، لهذا استخدم ذات السلاح للرد عليها.
وقد جاءت بعض قصائده لاهوتية، فقد كتب 38 قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات السيد المسيح، كما كتب 40 قصيدة أخلاقية و99 قصيدة تاريخية، وهناك قصائد تعبّر عن نفس دقيقة تطلب الراحة في أحضان الله، وأخرى كلاسيكية في لغتها، فقد استخدم لغة هوميروس، التي لسبب صعوبتها لم تحتل مكانة كبيرة لدى الشعب، وشعره مصدر مهم عن حياته[14].
†القديس أمبروسيوس (339 -397م):
يعتبر القديس أمبروسيوس “أبا الترنيم الكنسي اللاتيني” وهو أسقف ميلان وقد ترك تراثاً ثميناً، فمن جانبه اهتم بتنظيم العبادة الليتورجية العامة في ايبارشيته، حيث تحتل أناشيده جزءاً مهماً في صلوات السواعي في الكنيسة اللاتينية، فهي تخاطب القلب وتلائم ساعات النهار والأعياد، وتتسم بخفة الأوزان الشعرية[15]. فقدم تدبيراً ليتورجياً جميلاً يعتز بها أهل ميلان.
كما أدخل نوعاً من الموسيقى الكنسية دُعيت بالإمبروسية Ambrosian كلها ذات أوزان شعرية قصيرة ولها نغمة واحدة وهي غير مقفاة، ففيها تعبير هادئ ثابت وسلاسة ووضوح في الكلام، ولها خاصية الهيبة والوقار التي في لغة القانون والحرب، تختلف عن الكلام العامي للشعب، ويخُبرنا القديس أمبروسيوس والقديس أغسطينوس أن الشعب كان يترنم بها أثناء العمل وفي الطريق وفي المنزل، كما كانت تُنشدها مجموعات كبيرة في داخل الكنيسة[16].
†القديس أغسطينوس (354 -430م):
كتب القديس أُغسطينوس (6 كتب) عالج فيها الإيقاع، كما كتب “مزمور ضد الدوناتيين” في 30 مقطعاً، كما كتب منظومة سداسية في النفس[17].
†القديس ساويرُس بطريرك أنطاكية (459 -538م):
اهتم بالترنيم، كأب نزل إلى أبنائه الصغار ليضع لهم ترانيم بسيطة، وكان يؤلف الألحان ويرنمها وبهذا أحل الترانيم المقدسة عوض الأغاني المعثرة.
قيل إنه في أيامه كانت الميادين العامة تشبه الكنائس، إذ كان صوت الترانيم والتسابيح المقدسة يُسمع فيها عوض الأغاني العابثة[18].
التفاسير:
أسهب الآباء في شرح وتفسير آيات الكتاب القدس بمناهج مختلفة، فقد كتبوا ووعظوا بما لا يستطيع أحد أن يحصره. كما سنرى
تناولت كتابات الآباء أيضاً وضع قوانين، تعتمد أساساً على الكتاب المقدس وتعاليم الرسل، لتنظيم وضبط الحياة الكنسية، وأهم هذه الكتابات:
الدسقولية:
تحوي على تعاليم وقوانين الرسل، ويلحق بها الديداكي (تعاليم الرب كما سلمه للرسل الاثني عشر)، وتسمل الدسقولية (28) باباً تختص بعمل كل رتب الإكليروس، وبناء الكنائس، والقدس الإلهي، وخدمة الأرامل والأيتام والشمّاسات والعلمانيين، وفيها تعاليم عن الصوم والتناول والتسبيح وأوقات الصلاة.
أما قوانين الرسل فهي (127) قانوناً نشرتها Potrologia Orientalis في كتابين، ولخصها القديس Hippolytus في مجموعته التي تُسمّى بالعربية “قوانين أبوليدس”، كما أرسلت على يد أكلمنضس الروماني، وسُميت في بعض المجموعات قوانين أكلمنصس.
قوانين المجامع المسكونية والمحلية:
وتشمل قوانين مجمع نيقية المنعقد سنة (325م)، وهي عبارة عن (20) قانوناً، يضاف إليها قانون الإيمان، وقوانين مجمع القسطنطينية المنعقد سنة (381م) وهي (7) قوانين، يضاف إليها حروم القديس كيرلس عمود الدين ضد النساطرة وهي (12) حرماً.
قوانين المجامع المحلية والإقليمية:
وهي المجامع التي انعقدت في إقليم ما، واقتصرت على أساقفة هذا الإقليم أو عدة أقاليم مجاورة، ولكن دون أن تأخذ صفة المسكونية، ولكن قوانينها حازت قبولاً واعترافاً من الكنيسة الجامعة، وهذه المجامع انعقدت قبل مجمع خلقيدونية سنة 451م وتشمل:
† مجمع أنقرا (سنة 314م) وأصدر 25 قانوناً
† مجمع قيصرية الجديدة (سنة 315م) وقد أصدر 15 قانوناً.
وكلا المجمعين السابقين قبل مجمع نيقية، وهناك مجامع إقليمية بعد نيقية، منها:
مجمع غنغرا وأصدر 20 قانوناً.
مجمع أنطاكية وأصدر 25 قانوناً.
مجمع سرديقية وأصدر 20 قانوناً.
مجمع لاوديكية وأصدر 60 قانوناً.
† مجمع قرطاجنة الذي يُسمى مجمع أفريقيا الذي انعقد سنة 419م وأصدر 136 قانوناً، وقد حضره 217 أسقفاً برئاسة القديس أورويسيوس كما حضره القديس أغسطينوس.
قوانين الآباء الكبار:
وهي القوانين التي أصدرها الآباء القديسون، وغالبية هذه القوانين منشورة في الجزء الرابع عشر مجموعة Nicene & Post Nicene Fathers
قوانين وضعها البابا ديونيسيوس الإسكندري (تنيح سنة 265م): 4 قوانين.
قوانين وضعها البابا بطرس الإسكندري الملقب بخاتم الشهداء (استشهد 311م): 14 قانوناً.
قوانين وضعها البابا أثناسيوس الإسكندري الملّقب الرسولي (328-272م): 107 قانوناً.
القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة الكبادوك (329 -279م): 106 قانوناً (وفي بعض المراجع 92 قانوناً).
البابا تيموثاوس الإسكندري (تنيح سنة 355م): 17 قانوناً.
القديس غريغوريوس أسقف نيصص (355 -395م): 8 قوانين.
البابا ثاوفيلس الإسكندري (384 -412م): 14 قانوناً.
هيبوليتس أسقف روما الملقب أبوليدس (170 -235م): 38 قانوناً.
البابا كيرلس الإسكندري الكبير (412 -444م): 12 قانوناً.
القوانين التي صدرت في عصور متأخرة مثل قوانين البابا كيرلس بن لقلق، وقوانين البابا غبريال بن تريك، وقوانين وضعها بابوات كنيسة الإسكندرية (بعد مجمع خلقيدونية) وهي مُلزمة للكنسية القبطية فقط:
البابا قزمان الثالث (920 – 932م)، والذي وضع فصولاً في المواريث وأحكامها.
البابا خريستوذولوس (1047 -1077م).
البابا كيرلس الثاني (1078 -1092م).
البابا غبريال بين تريك (1131 -1145م).
البابا كيرلس الثالث الملقب ابن لقلق (1235 – 1243م).
وهناك مَنْ اهتم بجمع القوانين، ومن أهمهم ابن العسال في كتابه “المجموع الصفوي”، لكن عليه ملاحظات وانتقادات[20].
تصنيف كتابات الآباء
لدراسة كتابات الآباء بصورة منظمة، تطلّب ذلك تصنيف كتابات الآباء على أُسس محددة، وقد اتبع طرق مختلفة أهمها:
1 – الأساس الزمني:
الأساس الزمني لتقسيم كتابات الآباء وفيه يعتبر أول مجمع مسكوني (325م) خطاً فاصلاً بين نوعين من الآباء ومن جهة كتاباتهم وتراثهم وهما:
† مجموعة أباء ما قبل نيقية Ante Necene Faghers، ويشمل (24) مجلداً، وهي تتصف بالبساطة وتضم جميع كتابات آباء ما قبل القرن الثالث الميلادي.
† عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and Post Nicene Fathers وهي تتسم بالقوة، وتضم كتابات القديس أغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم، كما تضم كتابات آباء القرن الرابع مثل كتابات القديس أثناسيوس والقديس غريغوريوس النزينزي والقديس كيرلس الأورشليمي ويوسابيوس القيصري….
2 – اللغة التي كتبوا بها:
تُقسم كتابات الآباء على أساس اللغة التي كتبوا بها إلى: آباء يونانيون، آباء لاتينيون، آباء أقباط، آباء سريان، آباء أرمن، وقد قام العالم Migne بمجهود كبير في تقسيم كتابات الآباء لمجموعتين:
كتابات الآباء باللغة اليونانية (Patrologia Greece).
كتابات الآباء باللغة اللاتينية (Patrologia Latina).
هذا إلى جانب كتابات باللغات القومية مثل القبطية والسريانية والأرمنية، هذا وقد تُرجمت كتب كثيرة من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة.
3 – المكان:
يقسم البعض، الكتابات حسب المناطق:
كتابات آباء مصر، خاصة مدرسة الإسكندرية وآباء البرية.
الآباء الأنطاكيون.
الآباء الكبادوك.
الآباء اللاتين.
كل مجموعة تحمل فكراً خاصاً واهتمامات خاصة تُنسب للظروف المحيطة بها، لذا جاءت كتابات كل منها إلى حد ما بطابعها الخاص.
4 – مادة الكتابة:
أحياناً يقوم التقسيم حسب مادة الكتابة كالآتي:
كتابات دفاعية.
تفسير الكتاب المقدس.
عظات ومقالات.
رسائل.
ليتورجيات كنسية.
كتابات شعرية وتسابيح.
حوار.
نسكيات.
قوانين كنسية.
كتابات تاريخية.
5 – تقسيم عام يمثل مزيج للتصنيفات السابقة:
وهو الأكثر استخداماً عنج معظم الباحثين، وعليه يمكن تقسيم كتابات الآباء إلى:
†عصر بداية كتابات الآباء:
وتشمل كتابات الآباء الرسوليين والآباء المدافعين وآباء القرنين الثاني والثالث مثل:
رسائل أكلمنضس الروماني: الرسالة الأولى إلى الكورنثيين سنة 96م، الرسالة الثانية المسيوبة إلى أكلمنضس، رسالتان عن البتولية.
رسائل أغناطيوس الأنطاكي السبع إلى كنائس آسيا حتى سنة (107م)
رسالة القديس بوليكاريوس أسقف أزمير إلى كنيسة فيلبي حوالي سنة (156م).
كتاب الـ” ديداكي: تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثني عشر”.
كتابات الكُتاب المعاصرين للآباء الرسوليين: الرسالة المنسوبة لبرنابا حوالي سنة (100م)، بابياس سنة (130م)، كتاب الراعي لهرماس (القرن الثاني).
وترجع أهمية هذا العصر إلى:
كتابات الآباء الرسوليين في القرن الأول وبداية الثاني، بكونها بداية انطلاق للتراث خلال من تتلمذوا على يدي الرسل.
بدراسة كتابات آباء هذه العصر نعرف أن ما نعيشه الآن من عقيدة وطقس…هو من أيام الآباء الرسل، الذين سلموها لتلاميذهم وهكذا بالتتابع. فهو “الإيمان المسلم مرة للقديسين” (يه 3)، فهذا العصر هو عصر بدء القوانين الرسولية والشكل الليتورجي، حيث كانت الكنيسة تحتاج إلى هذا النظام لتمارس حياتها التعبدية ووجود دستور لسلوكها.
فرزت الكنيسة الكتب الأبوكريفا عن الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد القانونية.
كتب بعض أبنائها سير الشهداء، فظهرت أول أعمال الشهداء.
†كتابات الآباء المدافعين:
كتابات الآباء المدافعين Apologists ليست هي كتابات هجوم، ولكن في الحقيقة هدفها الأساسي جذب غير المؤمنين للتمتع بعمل الله، مثل دفاع أثيناغوراس الذي قدمه للإمبراطور وابنه، حيث ذكر فيه النقاط التي يتهمون بها المسيحيين، ثم قدم دفاعه عن هذه النقاط. أو ما جاء في الرسالة إلى ديوجينتيس: “إن رغبت أن يكون لك هذا الإيمان… فيا ليتك تُطهر عقلك من التعصّب الذي يمنعك من التفكير.
وأهم المدافعين هم:
أ – كودارتس (124م).
ب – أرستيدس من أثينا (125م).
ج – أرستو بيللا (140م).
د – يوستينوس الشهيد (165م).
ه – تاتيان السوري (172م).
و – أبوليناروس من هيرابوليس (172م).
ز – أثيناغوراس (177م).
ح – ثاؤفيلوس الأنطاكي (حوالي 180م).
ط – ميليتو أسقف ساردس (190م).
ي – ملتيادس (192م).
ك – مينوكيوس فيلكس (200م).
ل – هرمياس الفيلسوف (200م).
†آباء القرنين الثاني والثالث:
كانت الإسكندرية أكبر مركز للثقافة الهيلينية، تشتهر بمدارسها الفلسفية مثل الموزيم (المتحف)، ولهذا رأت الكنيسة منذ عهد القديس مارمرقص الرسول، أن تجابه هذه الثقافة الوثنية بإنشاء مدرسة مسيحية قادرة على مواجهة التيار الهيليني القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.
كما ظهر آباء في أسيا الصغرى وسوريا وفلسطين، ومن أشهر المدارس في الشرف كانت مدرسة أنطاكية، التي تبنت التفسير الحرفي للكتاب المقدس، كمقابل لمدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بالتفسير الرمزي، كما ظهرت مدرسة قيصرية.
بدأ الأدب اللاتيني المسيحي على يدي مينوسيوس فيلكس وهيبوليتس الروماني ونوفاتيان وسائر أساقفة روما.
ومن مشاهير هذا العصر كان: إيريناوس أسقف ليون (140 -202م)، أكْلِمَنْضُس الإسكندرية (150 -210م)، أوريجانوس (185 – 254)، ديونيسيوس الإسكندري (264م)، غرغوريوس العجائبي (213 – 270)، ميثوديوس الأولمبي (نهاية القرن الثالث)… من الشرق، وترتليان (220)، كبريانوس أسقف قرطجنة (200 -258)، هيبوليتوس الروماني (160 -235)، أرنوبيوس (280 -310) من الغرب.
†آباء القرنين الرابع والخامس:
تعتبر فترة ما بين نيقية سنة (325م) ومجمع خلقيدونية سنة (451م) هي العصر الذهبي للكتابات الآبائية الشرقية، ويسمونه عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and post Nicene Fathers، من سمات هذا العصر:
† ظهور كتابات البابا ألكسندروس الذي واجه أريوس المبتدع، والبابا أثناسيوس الرسولي، وسيرابيون أسقف تيمي، وديديموس الضرير، والبابا ثاوفيلس، والبابا كيرلس عامود الدين… في مصر.
† كما ظهرت كتابات مؤسسي الحركة الرهبانية في مصر، وكتابات من جاءوا إلى مصر ليمارسوا الحياة الرهبانية ويسجلوا أقوال آباء البرية في مصر، مثل أنبا أنطونيوس الكبير وأمونيوس باخوميوس أب الشركة وهوريسيوس وتادرس ومقاريوس المصري وأغريس من بنطس وبالاديوس وإيسيدورس الفرمي أو البلوزي والقديس الأنبا شنودة بأتريب.
† في أسيا الصغرى نجد يوسابيوس النيقوميدي وثيؤحنيس من نيقية وأوستيرس السوفسطائي ومارسيليوس بأنقرا وياسيليوس بأنقرا، وإبيفانيوس أسقف سلاميس…
† ظهر آباء الكبادوك العظام مثل القديس باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس أسقف نيصص وأمفيلوجيوس أسقف إيقونيم وأوستيروس من أماسي.
† في أنطاكية وسوريا أوستاثيوس الأنطاكي وأتبوس الأنطاكي وأونوميسوس من Cyzicus وجلاسيوس القيصري ويوسابيوس من أمسيا، ومار أفرام السرياني، ومار فليكسنوس أسقف منبج، وساويرُس الأنطاكي، مار إسحق السرياني، القديس يوحنا الدرجي.
† ظهر كيرلس الأورشليمي وأبوليناريوس من لادوكيا وإبيفانيوس أسقف سلاميس وديؤدور الطرسوسيّ وثيؤودور من المصيصة ويوحنا ذهبي الفم وأكاكيوس من Beroea وأنتيخوس من بتللاميس وسيرفيان من جبالة ومقاريوس ماجنيس وهستخيوس الأورشليمي ونيلس من أنقرا ومرقس الناسك وبروكليس من القسطنطينية وباسيليوس من سيليكا.
† وفي الغرب ظهر هيلاري أسقف بواتييه، وأمبروسيوس أسقف ميلان، وجيروم، وروفينوس، ويوحنا كاسيان، والبابا غريغوريوس الكبير.
† ظهر أيضاً المؤرخون الكنسيون مثل فيليب Philip Sidetes وسقراط وسوزومين وثيؤدورت أسقف قورش.
†كتابات ما بعد مجمع خلقيدونية:
إذ عزل مجمع خلقيدونية الشرق عن الغرب إلى حد ما، جعل الكنائس اللاخلقيدونية تهتم بالكتابة عن طبيعة السيد المسيح، وقد برز قادة عظماء في هذا المجال. يقول ميندورف: “خلال النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس، قد ساد اللاهوتيين (المونوفزيت) على المسرح، وهم ثيموثاوس أوليروس وفيلكسينوس أسقف منبج Manbbug، وعلى وجه الخصوص ساويرس الأنطاكي، ولم يكن لدى الخلقدونيين لاهوتي واحد بارز يقف أمامهم”[21].
بعد دخول العرب مصر والشرق الأوسط تحوّل اهتمام الكُتاب الشرقيين إلى الحوار مع المسلمين، وجاءت القرون من (11-13) غنية بالتراث المسيحي المصري في ذلك المجال، أما الكنائس الخلقيدونية فواجهت مشاكل مثل محاربة الأيقونات، وانبثاق الروح القدس….
[1] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة القرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 223.
[2] راجع تاريخ الكنيسة المسيحية، أفغراف سميرنوف، سنة 1964، مطرانية حمص، ص 302.
[3] الأب جوزيف زبارة – القديس باسيليوس الكبير، إصدار جمعية التعليم المسيحي بحلب.
[4] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 218.
[5] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 273، 274.