تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

بدأ وعي الكنيسة بالحاجة إلى قائمة متفق عليها من الكتب يتشكّل تدريجيًا؛ وربما كان لظهور قانون ماركيون (Marcion’s canon) دورٌ متفاوت في تحفيز هذا الوعي. وبحلول نهاية القرن الثاني، أصبحت مسألة قانونية الكتب محل نقاش محتدم. (ويُقدَّم قانون موراتوري (Muratorian Canon)، الذي يُرجّح أنه يعود إلى هذه الفترة⁴، كدليل على هذا النقاش.)

في ذلك الوقت، لم يعد هناك شك في الجزء الأكبر من أسفار العهد الجديد: الأناجيل الأربعة، سفر الأعمال، رسائل القديس بولس الرسول، وبعض الرسائل الجامعة (Catholic Epistles). أما الشكوك فظلّت قائمة حول الكتب السبعة “المُختلَف عليها”، (وهي: الرسالة إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، رسالة بطرس الثانية، رسالتا يوحنا الثانية والثالثة، رسالة يهوذا، وسفر الرؤيا) حتى القرن الرابع، وحتى بعد ذلك في بعض المناطق.

ومن المهم التنبيه إلى أن هذا العرض لا يتعدى كونه إطارًا عامًا للفهم السائد بشأن تكوين قانون أسفار العهد الجديد، إذ تختلف تفاصيل الحجة من كاتب إلى آخر.”

 

لا يمكن لنا في مقال واحد أن نطمح إلى معالجة شاملة لكل ما يتعلّق بتاريخ قانون أسفار العهد الجديد، أو إلى مناقشة جميع الآراء والحجج التي طُرحت حول هذا الموضوع. ومع ذلك، من الممكن أن نطرح بعض التساؤلات حول الطريقة المعتادة التي يُتناوَل بها هذا الموضوع.

أدلة مبكرة على أن كتب العهد الجديد كان يُنظر إليها على أنها تتمتع بسلطة كتابية

ينبغي أن نلاحظ أولًا أن الأدلة المتوفرة لدينا من المسيحية الأولى لا تدعم دائمًا الافتراضات أو الاستنتاجات التي تم ذكرها أعلاه.

 

أما فيما يخص الادّعاء القائل بأن كتابات العهد الجديد لم تكن تُعتبَر ذات سلطان “كتابي” (scriptural authority) حتى أواخر القرن الثاني، فإن الأدلة، على أقل تقدير، مبهمة. وأي شخص يرغب في الأخذ بهذا الادّعاء عليه أن يُفسّر الحقائق التالية:

 

أ. في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 5:18، نرى مقطعًا من العهد القديم واقتباسًا من الإنجيل يُوضَعون جنبًا إلى جنب، ويُقدَّمون بنفس العبارة: “يقول الكتاب”. وحتى لو لم يكن الرسول بولس يشير إلى إنجيل مكتوب، إلا أنه من الواضح أنه يُساوي بين قول الرب وبين ما جاء في الكتاب المقدس للعهد القديم.

 

ب. في رسالة بطرس الثانية 3:16، يُشار إلى رسائل بولس، ويذكر أن البعض “يحرّفونها كما يفعلون أيضًا مع الكتب المقدسة الأخرى”، مما يعني أن رسائل بولس كانت تُعتبَر في نظر الكاتب مساوية لأسفار العهد القديم (من حيث السلطان).

 

ج. ينبغي الحذر عند استخلاص استنتاجات حاسمة من الديداخي (Didache)، بسبب الغموض الكبير حول تاريخ كتابته (ما بين سنة 70 إلى 150م تقريبًا) وطريقة تكوين هذه الوثيقة. لكن من الواضح في هذا أن الديداخي:

  1. يعتبر وصايا الرب ذات أعلى سلطان.
  2. يستشهد بإنجيل مكتوب (قارن: الديداخي 8:2 و15:3،4).
  3. يوصي قارئيه بشأن وصايا الرب قائلاً: “لا تُضِف عليها شيئًا ولا تُنقِص منها” (الديداخي 4:13، مقتبسًا من سفر التثنية 4:2 و12:32)، واضعًا بذلك وصايا الرب في مرتبة مساوية لشريعة موسى.

 

د. نفس الاقتباس من سفر التثنية نجده أيضًا في رسالة برنابا (Epistle of Barnabas) التي تعود إلى الربع الأول من القرن الثاني (برنابا 19:11).5 وفي نفس الرسالة نقرأ: “فلنحذر لئلا يُقال عنا كما هو مكتوب: «كَثِيرِونَ يُدْعَونَ، وَلَكِنْ قَلِيلِينَ فَقَطْ يُختَارُونَ.»” (برنابا 4:14). ويبدو أن الكاتب هنا يشير إلى إنجيل متى كمصدر كتابي (قارن متى 20:16 و22:14).

 

هـ. القديس إغناطيوس الأنطاكي (استُشهد بين عامي 98 و117م) يذكر في سياق واحد الإنجيل والرسل والأنبياء، وهو أسلوب معتاد للإشارة إلى أسفار العهد القديم.

 

و. الغنوصي باسيليدس (Basilides) (125–150م) يُقدِّم اقتباسات من رسائل بولس بهذه العبارات: «كما كُتِب» (ويليها رومية 8:19، 22)، وأيضًا: «والكتاب يقول في هذا الصدد…» (ويليها 1 كورنثوس 2:13). (راجع: هيبوليتس، Refutation of All Heresies، الكتاب السابع، الفصول 13 و14 – ANF).

 

ز. بوليكاربوس أسقف سميرنا (الذي استُشهد غالبًا حوالي عام 155م) يحضّ أهل فيلبي قائلاً: «كما قيل في هذه الكتب: “اغضبوا ولا تخطئوا” و”لا تغرب الشمس على غيظكم”» (رسالة بوليكاربوس إلى أهل فيلبي 12:1). وفي نفس الرسالة (6:3)، يضع المسيح والرسل والأنبياء معًا.

 

ح. ما يُعرَف بـ الرسالة الثانية للقديس كليمندس الروماني (2 Clement)، والتي كُتِبت ربما حوالي سنة 150م، يقتبس في الإصحاح 2:4 أولًا من إشعياء 54:1، ثم يقول: «وكتاب آخر يقول أيضًا: “لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة”» (مرقس 2:17 وما يوازيه).

 

وبالنظر إلى هذا النوع من الأدلة التي قدمناها، فإن الباحث ر. ب. س. هانسون R. P. C. Hanson6 جادل بأن هذه الشواهد لا تُثبت الأمر بشكل قاطع. فقد زعم أن التعبير الوحيد الذي يُعَدّ مؤشّرًا موثوقًا على المكانة التي منحها كتّاب القرن الثاني لأسفار العهد الجديد هو عبارة “الكتب المقدسة” (the Holy Scriptures). ويقول إننا لا نجد هذا التعبير مستخدمًا للإشارة إلى العهد الجديد حتى ما بعد منتصف القرن الثاني بفترة وجيزة، في دفاع أرستيدس (Aristides’ Apology، فقرة 16).

 

لكن التركيز على هذا التعبير بعينه غير مبرَّر، خصوصًا وأنه لا يُستخدم في العهد الجديد كله إلا مرة واحدة فقط (رومية 1:2)، ثم لا يظهر مجددًا إلا عند القديس يوستينوس الشهيد (الذي كتب حوالي سنة 160م)، حيث استخدمه مرتين فقط في أكثر من 70 إشارة إلى العهد القديم كـ”الكتب المقدسة”.

 

ما دام هناك مقاطع من أسفار العهد الجديد تُقدَّم بنفس الصيغ التي تُستخدم مع أسفار العهد القديم، فستظل هناك حاجة لإعطاء مبررات كافية إن أردنا التمييز في السلطان المنسوب لكل منهما.

 

عدم اعتبار التقليد الشفهي منافسًا للتقليد المكتوب

قضية أخرى يكتنفها الغموض في الأدلة هي مسألة التقليد الشفهي. لا شك في وجود تقليد شفهي في الكنيسة الأولى، ولكن يبدو أن مجرد حقيقة وجوده يُفهم أحيانًا وكأنه يُقلِّل من سلطان التقليد المكتوب.

 

ومن المؤسف أن كامبنهاوزن7 لا يزال يرى أن بابياس Papias (الذي كتب ما بين سنة 110–130م تقريبًا) كان يؤمن بـ”تفوق التقليد الشفهي”، مستندًا إلى قول بابياس:

«ما يأتي من الكتب لا يبدو لي نافعًا بقدر ما يأتي من الكلام الحي ويبقى كذلك» (تاريخ الكنيسة ليوسابيوس، الكتاب الثالث، الفصل 39، الفقرة 4 – ترجمة كامبنهاوزن).

 

ولكن كما أظهر جي. بي. لايتفوت J. B. Lightfoot8 في وقت سابق، وأعاد تأكيده باحثون آخرون لاحقًا (ذكرهم كامبنهاوزن نفسه)، فليس هذا هو الفهم الأوضح أو الأرجح للنص الوارد في كتاب يوسابيوس.

 

يبدو بالأحرى أن بابياس كان حقيقةً يعتمد على التقليد الشفهي فقط في تفسير أقوال الرب، لا في نقل مضمون تلك الأقوال نفسها. وقد يكون تعليقه المسيء على الكتب موجهًا في الواقع إلى الكتابات الهرطوقية التي كانت كما نعلم، في ذلك الوقت، تحاول تفسير أقوال الرب من منظورها الخاص، تمامًا كما كان يحاول بابياس أن يفسرها.

 

من خلال ما يقوله يوسابيوس Eusebius عنه، فإن الصورة التي تتكون لدينا عن بابياس هي صورة “أصولي” من القرن الثاني، يتمسك بعقيدة المُلك الألفي الحرفي (Pre-millennialism)، ويؤمن بـعصمة الأناجيل، حيث يجادل بقوة أن غياب الترتيب الزمني في إنجيل مرقس لا يعني وجود خطأ في هذا الإنجيل من قِبل الكاتب. (وهذا أمر غريب أن يصدر عن شخص يُفترض أنه يفضل التقليد الشفهي على المكتوب.)

 

ورغم أن هناك أدلة على استمرار وجود التقليد الشفهي، إلا أنه لا توجد أية أدلة على أن هذا التقليد كان يتنافس من حيث السلطان مع التقليد المكتوب.⁹

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

السؤال الجوهري هو السلطان، وليس مسألة الإدراج الكنسي

الأمر الأهم من مجرد النقاط المتعلقة باستخدام الأدلة من قِبَل الكُتّاب الذين تناولوا موضوع قانونية أسفار الكتاب المقدس، هو مسألة المنهجية التي يتّبعونها: هل يطرحون الأسئلة الصحيحة أصلًا عند بحثهم في تاريخ قانون العهد الجديد؟

 

السؤال الذي يُطرح عادةً هو: “متى نجد أوّل دليل على وجود قائمة متفق عليها من الأسفار ذات سلطان مُلزِم للكنيسة؟” الاقتباس الذي ذكرناه سابقًا عن كامبنهاوزن (Campenhausen) يعبّر عن هذا بوضوح: لا يمكن الحديث عن “قانون” إلّا عندما تُمنَح وثيقة (أو مجموعة وثائق) عن قصدٍ مكانةً معيارية خاصّة، تضعها في مرتبة واحدة مع الكتب المقدسة الموجودة للعهد القديم.

(والجدير بالذكر أن الافتراض بأن قانون العهد القديم كان قد اكتمل بشكل راسخ في الحقبة المعنيّة، هو أمر لا يتفق عليه جميع الباحثين).

 

هذا يعني فعليًا أننا ننطلق من مفهومنا الحالي لكلمة “قانون” (Canon)، ثم نحاول أن نجد دليلاً على وجود هذا المفهوم في الكنيسة الأولى. وبناء على هذا، ينصبّ اهتمامنا على إيجاد – أو إثبات عدم وجود – قوائم طويلة أو قصيرة من الأسفار المقبولة في فترات محدّدة من تاريخ الكنيسة المبكرة، وهو ما سعى إليه كامبنهاوزن10 مثلًا.

 

لكن، هل مسألة القوائم الرسمية هي في الحقيقة السؤال الأهم؟

صحيح أن كلمة “قانون” (canon) تعني في الأصل “قائمة”، ومن ثم، فإن “تقنين” الأسفار بالمعنى الدقيق للكلمة قد يكون قد تم في وقت متأخر نسبيًا. ولكن من المضلِّل جدًا أن نُوحي بأن لحظة إعداد القوائم هي المرحلة الأولى التي بدأت فيها أسفار العهد الجديد تُعتَبَر ذات سلطان [إلهي].

 

حينما يخبرنا كامبنهاوزن قائلاً: «في الكنيسة الأولى، كان المقصود بـ”الكتاب المقدس المسيحي” هو… ببساطة العهد القديم، الذي أُخذ من المجمع اليهودي وأُعيد تفسيره مسيحيًا. ولم تكن هناك بعد أية إشارة إلى قانون للعهد الجديد، لأن هذا نفسه لم يكن موجودًا…»،¹¹ فقد يكون محقًا من الناحية الفنية. لكن في الوقت نفسه، يكشف هذا عن قصور منهجيته بالكامل.

 

القضية الجوهرية هنا هي قضية السلطان (السلطة) Authority. فلو افترض كامبنهاوزن، مثلاً، أن العهد القديم كان هو السلطان الوحيد، أو حتى الأعلى، في الكنيسة الأولى، لبدا هذا الافتراض عبثياً على الفور. فلم يكن هناك وقت – منذ يوم الخمسين (العنصرة) – كانت فيه الكنيسة تعتبر أن العهد القديم وحده يُشكّل السلطان الوحيد أو حتى الأعلى.

 

يصف لوقا في أعمال الرسل 2 الكنيسة الأولى بأنها جماعة من المؤمنين «كانوا يواظبون على تعليم الرسل». فقد كان لسلطان الرسل وتعاليم المسيح التي نقلوها، مكانة أسمى من سلطان العهد القديم، إذ صار العهد القديم يُفهَم فقط في ضوء تعليم المسيح والرسل.

 

ونجد هذا الأمر جليًا أيضًا خارج أسفار العهد الجديد، كما في السجال الذي يرويه لنا القديس إغناطيوس (في رسالته إلى أهل فيلادلفيا 8:2)، حيث قال له بعض الأشخاص (غالبًا من المتهوّدين): «إن لم أجد هذا الشيء في كتبنا القديمة (يقصدون العهد القديم؟)، فلن أؤمن به عندما يرد في الإنجيل.» وحينما أكد لهم إغناطيوس أن الأمر مذكور فعلًا في الكتب المقدسة القديمة، أجابوا: «هذا يحتاج إلى إثبات.» فردّ إغناطيوس قائلاً: «أما أنا، فسجلاتي هي يسوع المسيح، وسجلاتي المقدسة هي صليبه وموته وقيامته، والإيمان الذي يأتي من خلاله.»

 

لا يمكن تقريباً التشكيك في أن المسيحيين الأوائل اعتبروا سلطان الرسل هو الأعلى، حتى أعلى من العهد القديم. ولا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد أن هذا السلطان كان يقتصر فقط على تعليمهم الشفهي؛ بل من المؤكَّد تقريبًا أنه امتد أيضًا إلى كتاباتهم، منذ بدايتها.

 

وعليه، يجب أن نعيد صياغة أسئلتنا بشأن تاريخ قانون العهد الجديد بطريقة مختلفة. ما ينبغي علينا تتبعه ليس مجرد وجود قوائم مبكرة للأسفار المقبولة، بل ما إذا كانت هذه الأسفار – التي أُدرِجت لاحقًا في القوائم – قد اعتُبرت في الأصل وقبل ذلك رسولية وذات سلطان. أي: هل تم قبولها كأسفار قانونية عمليًا، حتى إن لم تكن قد أُدرجت رسميًا بعد؟

هذا سؤال أصعب بطبيعته من مجرد تتبُّع القوائم، لكنه يقودنا إلى ملاحظات جديرة بالاهتمام.

  • السلطان الذي يتجلى في الاستخدام المبكر لكتابات العهد الجديد

لقد رأينا سابقًا بعض الأدلة المبكرة التي تشير إلى أن العهد الجديد كان يُعتبر ذا سلطان كتابي (انظر النقطة 1 أعلاه). ويمكننا هنا أن نضيف المزيد من الأدلة المتعلّقة بكيفية استخدام العهد الجديد في الكنيسة الأولى.

 

يُقرّ كامبنهاوزن بأن حقيقة تكرار أو استخدام أو الإشارة إلى كتابات العهد الجديد لا تعني “تقنينها”¹². وهذا صحيح إذا ما أخذنا مفهوم “التقنين” بحسب فهم كامبنهاوزن له. ولكن إن كان يقصد أن التكرارات أو  الإشارات أو الاقتباسات لا تعني شيئًا بخصوص سلطان الكتب المشار إليها، فتصريحه هذا يحتاج إلى تبرير، في ضوء بعض الاعتراضات الواضحة. لا يمكن أن يُعتبر هذا الادعاء سليمًا إلا إذا أمكن إثبات أن كتّاب المسيحية الأولى رددوا أو اقتبسوا أو أشاروا إلى نصوص نعلم يقينًا أنها لم تكن تُعتبر ذات سلطان بنفس الطريقة. أما الواقع، فإن استخدام كتابات العهد الجديد هذا يعكس تمامًا الطريقة التي بها يُستَشهَد بالعهد القديم داخل أسفار العهد الجديد نفسها، وفي كتابات الكنيسة الأولى عمومًا.

 

إن مثل هذه التلميحات والإشارات الضمنية تظهر بوتيرة أكبر بكثير من الاقتباسات الرسمية الصريحة. أفليس من المشروع أن ننظر إلى هذا الأسلوب في الإشارة إلى كتابات العهد الجديد بالطريقة التي نظر بها وستكوت Westcott، عندما قال عن آباء الكنيسة الرسوليين:

 

«إن كلمات الكتاب المقدس (ويقصد بها العهد الجديد) منسوجة في نسيج كتبهم، لا مجزأة كاقتباسات رسمية. فهي ليست منظّمة بغرض الجدل [أو الاستدلال]، بل تُستخدم كتعبير طبيعي عن الحقائق المسيحية. وهذا الاستخدام للأسفار المقدسة يُظهِر – على الأقل – أنها كانت معروفة على نطاق واسع في ذلك الوقت، وبالتالي محروسة بشهادة جمع غفير [من المؤمنين]؛ بحيث أن لغتهم قد انتقلت إلى لغة المؤمنين اليومية؛ وأنها كانت مألوفة لدى أولئك المسيحيين الأوائل بقدر ما هي مألوفة لنا اليوم، بحيث كانوا يستخدمونها بلا وعي في كتاباتهم وحديثهم»¹³.

 

حتى في محاولة التحقق من الأسفار التي كانت معروفة ومستخدمة من قِبل كتّاب الكنيسة بعد العصر الرسولي، لم يُجرَ بعدُ تحليل دقيق بالقدر الكافي للكشف عن هذه الاستشهادات والتلميحات والإشارات غير المباشرة التي قد تشير إلى تلك الأسفار. إذ انصبّ التركيز أثناء البحث غالبًا على الاقتباسات الصريحة والواضحة فحسب.

 

لدينا مجال هنا لمزيد من الفحص الأدبي العميق، ليس فقط لاكتشاف التشابه في اللغة والمفردات والتراكيب النحوية، بل أيضًا لدراسة التشابه في الفكر اللاهوتي والمضمون العقائدي. إن السلطان الظاهري الذي تحظى به كتابات العهد الجديد لدى الكتّاب المسيحيين الأوائل، يتأكد بصورة لافتة من خلال استخدامها أيضًا من قِبل الهراطقة في القرن الثاني الميلادي.

 

لقد أشرنا أعلاه إلى أن الغنوصي باسيليدس (في النصف الأول من القرن الثاني) اقتبس من رسائل بولس على أنها «الكتاب المقدس». أما ماركيون، فعندما وضع «قانونًا» خاصًا به في ذات الفترة تقريبًا، لم يكن غرضه منح بعض الأسفار سلطانًا أعلى، بل على العكس: كان هدفه استبعاد سلطان باقي الأسفار الرسولية.

 

أما الغنوصي فالنتينوس (منتصف القرن الثاني)، فيقول عنه ترتليان14 Tertullian إنه لم يخترع “كتابات مقدسة” جديدة، بل حرّف معنى الكتابات المقبولة من خلال شروحه الخاصة. وقد دافع فان أونيك15 W.C. van Unnik بأن «إنجيل الحق» المنسوب إلى المدرسة الفالنتينية والموجود في مخطوطة نجع حمادي (Jung Codex) يؤكد هذا الرأي الذي أورده ترتليان. وفي موضع آخر، يقول ترتليان: «(الهراطقة) يتعاملون فعليًا مع الكتب المقدسة ويدعمون (آراءهم) منها. وبالطبع يفعلون ذلك؛ فمن أين يمكنهم أن يأتوا بحجج حول أمور الإيمان سوى من سجلات الإيمان؟»¹⁶

 

ويقول إيريناوس Irenaeus عن الأناجيل الأربعة ما يلي: «إن أساس هذه الأناجيل متين جدًا لدرجة أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها، وكل واحد منهم يحاول أن يُقيم عقيدته الخاصة انطلاقًا من هذه (الوثائق)»¹⁷.

 

  • الأسفار المختلف عليها: كانت أيضًا ذات سلطان منذ وقت مبكر

إن التركيز على مسألة السلطان والاستخدام العملي لكتابات العهد الجديد، بدلًا من حصر النظر في مسألة القوائم الرسمية للأسفار المعترف بها، قد يساعدنا أيضًا على إعادة النظر في مشكلة معينة تخص تاريخ تشكّل قانون العهد الجديد.

 

نعلم أن النقاشات التي دارت في القرنين الثالث والرابع بشأن حدود قانون العهد الجديد، انصبت على وضع سبعة أسفار تُعرف بـ الأسفار المختلف عليها (Antilegomena)، وهي: الرسالة إلى العبرانيين، يعقوب، ٢ بطرس، ٢ و٣ يوحنا، يهوذا، وسفر الرؤيا. وهذه الأسفار لم تكن مقبولة على نطاق كلي من الكنيسة.

غالبًا ما يُقال إن مكانة هذه الأسفار كانت محل شك حتى قررت الكنيسة في القرن الرابع إدراجها رسميًا ضمن أسفار العهد الجديد. غير أن الأدلة لا تدعم هذا الادعاء بالضرورة.

بل يبدو أن التلميحات والإشارات إلى هذه الأسفار موجودة حتى منتصف القرن الثاني، وأن التشكيك في سلطانها لم يظهر إلا مع نهاية القرن الثاني، وذلك عندما فرض سيل الكتابات الهرطوقية على الكنيسة أن تبدأ في تقييم الأسفار التي لها سلطان مقابل تلك التي لا سلطان لها.

تشير كل الأدلة إلى أن هذه الأسفار كانت مقبولة قبل نهاية القرن الثاني في المناطق التي كانت معروفة فيها (ومن المهم التأكيد على هذه النقطة، لأنها تفسّر الشكوك التي أثيرت لاحقًا بشأنها [في مناطق أخرى لم تصلها هذه الأسفار بالسرعة ذاتها]).

 

لا يسعنا هنا سوى الإشارة الموجزة إلى الحقائق التالية:

(أ) الرسالة إلى العبرانيين مقتبسة بشكل موسّع في رسالة أكليمندس الأولى Clement (بين عامي 90–110م)، كما استخدمها عدد من الكُتّاب الآخرين. ولم يظهر لنا أن كنيسة شمال إفريقيا لم تكن تتضمنها في قائمتها لأسفار العهد الجديد إلا في بداية القرن الثالث، بحسب ما نعلم من ترتليان.

(ب) رسالة يعقوب موثقة في رسالة كليمنت الأولى ورسالة هرنياس Hernias (منتصف القرن الثاني) وغيرهما.

(ج) أعتقد شخصيًا أن رسالة يهوذا 18 تقتبس من 2 بطرس 3:3، وهناك آثار من 2 بطرس يمكن تتبّعها في بعض آباء الكنيسة الرسوليين مثل (1 أكليمندس 9:3؛ 11:1؛ 23:3؛ رؤى هرماس IV 3:4؛ أمثال هرماس VIII 11:1). ومن المعروف عمومًا أن رسالة 2 بطرس هي الأقل توثيقًا بين الأسفار المُختلَف عليها Antilegomena.

(د) الرسالتان الثانية والثالثة من يوحنا تمثلان تحديًا خاصًا من نوعهما. فعلى الرغم من وجود بعض الآثار لهما في كتابات مسيحية مبكرة، يبدو من سجلات مجمع قرطاج السابع (سنة 256 م)، ومن موضعين في كتابات إيريناوس (ضد الهرطقات Adv. Haer I 16:3؛ III 16:8)¹⁸، أن رسالتي يوحنا الأولى والثانية على الأقل كانتا تُعرفان كرسالة واحدة، إذ نُقلت اقتباسات من 2 يوحنا تحت عنوان: “من رسالة يوحنا”. وطالما لا نعرف على وجه الدقة الشكل الذي كانت تُعرف به هذه الرسائل الثلاث في ذلك الوقت، ونظرًا لِغموض الأدلة، لا يمكننا إلا أن نقول إنه لم تظهر أية شكوك حول صحة هذه الرسائل حتى نهاية القرن الثاني.

(هـ) نجد آثارًا لرسالة يهوذا في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين، والطريقة التي يقتبس بها ترتليان من الرسالة (في كتابه حول زينة النساء De Cult. Fem.، القسم الثالث) توحي بأنها كانت مقبولة ومعترف بها منذ وقت طويل في كنيسة شمال إفريقيا.

 

سفر الرؤيا يبدو أنه كان مقبولًا على نطاق واسع حتى أواسط القرن الثالث. أما حقيقة أن صحة وسلطان هذه الأسفار قد أُثيرت حولها الشكوك عندما بدأت النقاشات حول مدى قانونية أسفار العهد الجديد في نهاية القرن الثاني، فتُفسَّر غالبًا بكون هذه الأسفار كانت معروفة في بعض المناطق دون غيرها، وكانت شبه مجهولة في مناطق أخرى.

 

السبب الآخر المحتمل لهذه الشكوك يعود إلى محاولة بعضهم في ذلك الزمان تضييق مفهوم “رسولي” ليعني فقط “من تأليف رسول مباشرة”. وبما أن كُتّاب هذه الأسفار –باستثناء 2 بطرس– لم يكونوا معروفين على وجه الدقة أو كان هناك غموض بشأن هويتهم، فقد كان من الطبيعي أن تُثار تساؤلات بشأنها. أما أسفار مثل مرقس ولوقا وأعمال الرسل، فقد كانت مكانتها قد ترسخت بما يكفي لئلا تثير أية إشكالات من هذا النوع.

 

الخلاصة

من الواضح أن كل ما سبق يشكّل رسمًا مبدئيًا فقط لكيفية تناول موضوع تاريخ قانون أسفار العهد الجديد. فبعض النقاط التي ذكرناها تُظهر ضعف بعض العروض المعيارية التقليدية حول هذا الموضوع.

 

ومن الواضح أيضًا أن أي نقاش حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة ما بعد الرسولية يجب أن يأخذ في الاعتبار السؤال الأوسع عن مفهوم السلطان داخل الكنيسة في تلك الفترة. كما لا ينبغي أن يقلل بحثنا عن قوائم قانونية رسمية من أهمية دراسة ظهور ‘قانون’ العهد الجديد تدريجيًا؛ بل إن هدفنا هو توسيع نطاق التحقيق ووضعه في إطاره الصحيح.

 

توحي رؤيتنا العامة – بنظرة شاملة – حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة الأولى إلى أنه ليس من غير الممكن، ولا من المستبعد منطقيًّا، أن جميع الكتابات الرسولية التي تشكّل اليوم العهد الجديد قد قُبِلت منذ البداية ككتب رسولية وبالتالي ذات سلطة من قبل الكنيسة ما بعد الرسولية، وأن الصحة أو الأصالة لبعض هذه الكتب لم يُشكَّك فيها إلا في وقت لاحق، لأسباب تاريخية واضحة لا تُنقص من قبولها كرسولية من قِبَل الكنيسة ما بعد الرسولية.

 

لكن، هذه ما هي إلا فرضية أولية بحاجة إلى تحليل أعمق وشامل لكل الأدلة المتاحة، للتحقق مما إذا كانت الأدلة فعلاً تدعم هذا الطرح. في حين لا يبدو أن تحليلاً من هذا النوع متوفر حتى الآن.

 

المراجع:

  1. H. V. Campenhausen، The Formation of the Christian Bible (توبنغن 1968؛ الترجمة الإنكليزية لندن 1972)، ص 103.

كان كامبنهاوزن (Campenhausen) أكثر دقة من ر. م. غرانت (R. M. Grant) في The Formation of the New Testament (لندن 1965). (للاطّلاع على بيان موجز عن موقف غرانت، انظر مقاله “The New Testament Canon” في Cambridge History of the Bible، الجزء الأول، ص 284 وما يليها).

يشير كلا من د. إ. غروه (D. E. Groh) في Interpretation 28 (1974، ص 331–343) وأ. س. سوندبرغ (A. C. Sundberg) في Interpretation 29 (1975، ص 352–371) إلى أن كامبنهاوزن لم يكن صارمًا بما فيه الكفاية وأنه يُحدّد تكوّن القانون في وقت مبكر جدًا. انظر أيضًا د. ل. دنغان (D. L. Dungan) في “The New Testament Canon in recent study”، Interpretation 29 (1975، ص 339–351).

أما الباحثون المحافظون، فيبدو أنهم نادرًا ما يتناولون الموضوع. ومن الاستثناءات إ. لايرد هاريس (E. Laird Harris) في Inspiration and Canonicity of the Bible (غراند رابيدز 1969)، إلا أن الكتاب يترك الكثير مما يُرغب بتناوله.

يمكن العثور على معالجة مختصرة للموضوع في مقدمات الشروحات العامة للعهد الجديد. يقدم د. غذري (D. Guthrie) بيانًا مختصرًا مفيدًا في New International Dictionary of the Christian Church، لكنه للأسف لم يتناول الموضوع بشكل شامل في New Testament Introduction.

 

  1. انظر Nicene and Post-Nicene Fathers، السلسلة الثانية، مجلد IV، ص 551 وما بعدها.
  2. E. Hennecke، New Testament Apocrypha (توبنغن 1959؛ ترجمة إنكليزية لندن 1963)، ص 29.
  3. A. C. Sundberg، “Canon Muratori: a 4th Century List”، Harvard Theological Review 66 (1973)، ص 1–41، يشكّك في تأريخ هذا القانون [أنه يعود إلى القرن الرابع].
  4. W. C. van Unnik، “De la règle mēte prostheinai mēte aphelein dans l’histoire du canon”، Vigiliae Christianae 3 (1949)، ص 10 وما بعدها، لا ينفي أن الصيغة الواردة في الديداخي وبرنابا تشير إلى الوصايا المكتوبة، بل يلاحظ فقط الفرق بينها وبين استخدامها في الكتابات الأحدث.
  5. Tradition in the Early Church (لندن 1962)، ص 205 وما بعدها.
  6. كامبنهاوزن، المذكور أعلاه، ص 130 وما بعدها. قارن أيضًا ر. م. غرانت (R. M. Grant) في Cambridge History of the Bible، ص 291.
  7. Essays on the work entitled Supernatural Religion (لندن 1893)، ص 156 وما بعدها.
  8. عمل مفيد جدًا عن العلاقة بين التقليد والكتاب المقدس في الكنيسة الأولى هو كتاب بهذا العنوان لـ إ. فليسمان-فان لير (E. Flesseman-Van Leer) (آسن 1953).
  9. كامبنهاوزن، المرجع السابق، ص 103.
  10. نفس المرجع.
  11. نفس المرجع.
  12. B. F. Westcott، A general survey of the history of the canon of the New Testament (لندن 1896)، ص 49.
  13. De Praescr. Haer.، الفصل 38 (في Ante‑Nicene Fathers).
  14. W. C. van Unnik، “The ‘Gospel of Truth’ and the New Testament” في F. L. Cross (محرِّر)، The Jung Codex (لندن 1955)، ص 79 وما بعدها.
  15. De Praescr. Haer.، الفصل 14 (في Ante‑Nicene Fathers).
  16. Adv. Haer. II 11:7 (في Ante‑Nicene Fathers). كما يخصص Westcott في نفس الكتاب جلستي بحث لنظرته حول شهادة الهراطقة على الأسفار القانونية (ص 278–279، 404 وما بعدها). انظر أيضًا بليز باسكال (Blaise Pascal) في Pensées (نسخة Livre de Poche، ص 260): «Les hérétiques au commencement de l’Église servent à prouver les canoniques.»
  17. انظر Westcott، المرجع الثالث عشر، ص 372، 380، 390.

 

كاتب المقال: ثيو دونر Theo Donner

رابط المقال:

https://www.thegospelcoalition.org/themelios/article/some-thoughts-on-the-history-of-the-new-testament-canon/

ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

 

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

 

الطريق إلى خلقيدونيّة

بعد انفضاض المجمع المسكوني الثالث ظهر أرشمندريت اسمه أوطيخا رئيس أحد أديار القسطنطينيّة، وكان من ألد اعداء نسطوريوس المبتدع. فلم يكتف بمـا حدّده المجمع في أفسّس ضد بدعته فتطرّف إلى القول بإنّ ربنا يسوع المسيح مؤلَّف من طبيعة واحدة وأنّ جسده غير مساوٍ لجسدنا في جوهره بما أنّه جسد إله وإنّ الطبيعة البشريّة ابتُلِعَت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة الإلهيّة.

ولإنّه كان رئيس دير أيوب في الربع (الحي) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عامًا، ومن خلال ابنه بالمعموديّة (الذي هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفي البلاط الملكي استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسيّ مُلبدًا بغيوم الخلاف بين الجانب السكندريّ ونظيره الأنطاكيّ، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضة من الأنطاكيّين لأنّه كان متعصبًا جدًّا للسكندريّين، وهكذا زاد من حدة التوتر.[1]

وفي سنة 448 قدّم يوسابيوس أسقف دوريلاوس (دوريلوم) في فريجيّة إلى القسطنطينيّة ورفع شكواه على أوطيخا إلى فلافيانوس البطريرك القسطنطينيّ. فجمع هذا مجمعًا من 31 أسقفًا و32 أرشمندريتًا وبعد محاولات عديدة حضر أوطيخا إلى المجمع وسُئِل عن إيمانه فصدر الحكم بضلاله وتجديفه وجُرّد من الكهنوت وقُطِع من الشركة وعُزِل من رئاسة الدير.

وقد زار يوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[2] في ديره بالقسطنطينيّة مرات عدّة واكتشف أنّ عقيدته غير أرثوذكسيّة، إذ يعتقد بالامتزاج.

وسعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير فكتب هذا إلى البابا ليو الأوّل يطعن بالبطريرك فلافيانوس ومجمعه. فكتب البابا مستفسرًا ورد عليه الجواب فوافق على الحكم الذي أصدره مجمع فلافيانوس.

وأمر ثيودوسيوس بعقد مجمع ثان في القسطنطينيّة فعقد في نيسان سنة 449 وأيّد حكم المجمع السابق

وكتب ليو رسالة مجمعيّة مسهبة تعرف باسم “طومس لاون” ثبت فيها تعليم فلافيانوس وضلال أوطيخا.

موقف كنيسة الإسكندريّة

شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها في الشرق، تلك التي تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندريّ. وكذلك انتشار تعاليم ثيودور الموبسويستيّ ونسطور في كثير من المناطق في المشرق. وأمام اعتراف أوطيخا الخطيّ المخادع بأنّه:

”يرفض هؤلاء الذين يقولون إنّ جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء… لأنّ ذاك الذي هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسّد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذي هو دومًا إله كامل قبل الدهور، صار أيضًا إنسانًا كاملًا في آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا“.[3]

شعر البابا ديسقوروس أنّ فلافيان بطريرك القسطنطينيّة، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطوريّ الموجود في الشرق حينما طُلِب من أوطيخا في مجمع القسطنطينيّة المكانيّ 448م حرم كلّ من لا ينادي بطبيعتين من بعد الاتحاد.

مجمع أفسّس الثاني 449م

 لم يرق لثيودوسيوس حكم المجمع، فأصدر أمره بعقد مجمع مسكونيّ في أفسّس في السنة نفسها 449، واستدعى ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة نصير أوطيخا ليتولى رئاسة المجمع. وكتب ثيودوسيوس كذلك للبابا ليو بشأن هذا المجمع فأجاب البابا بإرسال نوَّابه الأسقف يوليانوس والقس رينادوس والشماس إيلاريوس.

وبعد استعراض وقائع مجمع أفسّس الأوّل 431م، ومجمع القسطنطينيّة المكاني 448م، وقراءة اعتراف أوطيخا المكتوب بالإيمان الأرثوذكسيّ قدّمه إلى المجمع مخادعًا.

وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينيّة ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتيّة. كما حكم المجمع بحرم وعزل كلّ من هيباس أسقف الرها وثيودوريت أسقف قورش وآخرين.[4] وحدّد المجمع أنّ ديودور الطرسوسيّ نسطوريّ.[5] ولم تُقرأ رسالة البابا ليو الأوّل إلى المجمع وهيَ المعروفة بطومس لاون.

وفي سنة 450 توفي ثيودوسيوس الصغير فخلفته شقيقته الملكة بلخريا وتزوجت بقائد جيشها مركيانوس الحسن العبادة ليشاركها في إدارة المملكة. وأوّل عمل قامت به نقل جسد الشهيد فلافيانوس إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينيّة. واهتمّت بعقد مجمع مسكونيّ وكتبت في ذلك إلى البابا ليو فأجاب البابا مستحسنًا عملها وعيّن موفديه الأسقف يوليانوس والقس باسيليوس.

وجرت مكاتبات بين الملك مركيانوس والبابا ليو بهذا الشأن أسفرت عن صدور أمر الملك بعقد المجمع في مدينة نيقية التي عُقِد فيها المجمع الأوّل وبعث برسائل الدعوة إلى كلّ الأساقفة.

ولكن الملك مركيانوس لم يتمكن من الذهاب إلى نيقية وأصيب بعض الأساقفة بأمراض، فصدر الأمر بنقل المجمع إلى خلقيدونيّة في جوار القسطنطينيّة. وبدأ اجتماعه هُناك يوم الأثنين في 8 تشرين الأوّل 451 في كنيسة القديسة أوفيمية المعظمة في الشهيدات. وحضر المجمع مركيانوس والملكة بلخريا زوجته وكثيرون من أمراء الدولة.

مجمع خلقيدونية 451م

لم يقبل البابا ليو الأوّل نتائج مجمع أفسّس الثاني 449م ومنح الحلّ الكنسيّ لثيودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة.[6]

وليقرّروا أنّه مورس عليهم ضغوط أو وقعوا على أوراق بيضاء أو أنّه قد تمّ التزوير في أوراق المجمع (ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην).

الأمر الهام أنّه خلال المناقشة اعترف الباب ديسقورس بإصرار بطبيعتين في المسيح قبل الاتحاد وطبيعة واحدة بعد الاتحاد ولكنها (متجسِّدة):

”لا يمكن أن نعقل طبيعتين ولكن واحدة للكلمة المتجسِّد…أنا أقبل من طبيعتين بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان“.

 “ού δεί νοείν δύο φύσεις،άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην…..τό έκ δύο δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι….Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί”.

 حينها شرح يوسابيوس أسقف دوريليم وباسيليوس سيليفكياس وميلوفثونجوس اليوبوليتون وآخرين بأنّ في المسيح الواحد يوجد طبيعتين (طبيعتين في شخص واحد، رّبّ واحد معروف في طبيعتين

 δύο φύσεις έν ένί προσώπω…ένας Κύριος…..έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος).

 فقال البابا ديسقورس إنّ هذه الأقوال (تمزيق وتشريح) καινοτομίας وذيوفيزيتية δυοφημίας، وأضاف أنّه بسبب هذه الأقوال تمّ حرمان -وعن حق- فلافيانوس في 449، بينما قرّر المجمع أنّ فلافيانوس يتفق مع كيرلس الإسكندريّ.

وبالرغم من ذلك فإنّ البابا ديسقورس أظهر استعدادًا كبيرًا في أن يحكم على أوطيخا إذا ما ثبت أنّه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές (άντιλήψεις وأراد أن يبتعد عن مونوفيزيتيّة أوطيخا وأعلن أنّه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرّبّ بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق

 όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν،λέγομεν ούτε τροπήν،ούτε τομήν…

وقد نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسّس الثاني 449م ؛ فقال:

”إذا كان أوطيخا يتمسّك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتّى النار (أي جهنم) أيضًا. ولكن اهتمامي إنّما هو بالإيمان الجامع الرسوليّ وليس بأي إنسان أيًا كان“.[7]

وقال أيضًا في نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونيّ:

”أنا أقبل عبارة من طبيعتين بعد الاتحاد“.[8]

وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة: “من طبيعتين بعد الاتحاد”، أراد أن يؤكِّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو اختلاطهما.

وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينيّة قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أنّ:

”ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنّه قد حرم لاون“.[9]

وقد وافق الثلاثة عشر أسقفًا المصريين الذين حضروا مجمع خلقيدونية على حرم أوطيخا لكنهم رفضوا التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية أو طومس ليو أو عزل البابا ديسقوروس.

“وقد أشاروا إلى أنهم لا يستطيعون التوقيع بدون التوافق مع رئيس أساقفتهم.. وأنهم لا يستطيعون التوقيع دون أن يكون رئيس أساقفتهم معهم…”.[10] 

وحدثت اضطرابات كبيرة في الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.

نص حكم عزل البابا ديسقوروس

” من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية… إلى ديسقوروس: بسبب ازدراء القوانين المُقدّسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حيث ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ قد رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقًا للقوانين الإلهية لكي ترد على التهم الموجهة إليك:

فلتعلم إذن، إنك في الاونم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر قد عُزلت بواسطة المجمع المسكوني والمقدس من أسقفيتك، وجُردت من كلّ رتبة كنسية“.

ومن كلمات أناطوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال إنّ السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمرًا متعلقًا بالإيمان وإنّما حقيقة “إنّه قد حرم السيد رئيس الأساقفة لاون”، ولم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[11]

وهكذا نجد أنّ البابا ديسقورس لم يُحكم عليه لأجل إيمانه، أو أنّ إيمانه كان مختلفًا عن إيمان الآباء، أو لكونه هرطوقيّ، بل فقط لأسباب إداريّة وسياسيّة بحتة.

 

[1] Cf. Samuel, V.C. pp. 14-15.

[2] Ibid p. 15.

[3] Ibid p. 30-31, see Mansi VI, p. 744, quoted in Bettenson, Documents, pp. 48-49..

[4] Cf. Samuel, V.C., pp. 29-35.

[5] Kelly, J.N.D., Early Christian Doctrines, Chapter XI Fourth Century Christology, A & C Black- London 1977, 5th Revised Edition, p. 302.

[6] Cf. Samuel, V.C., p. 69.

[7] Ibid., p. 51.

[8] Ibid., p. 55.

[9] Cf. Sellers, R.V. p. 119.

[10] Cf. Samuel, V.C., p. 75, see also Sellers, R.V., p. 114, and Hefele, C.J. p. 333, 334.

II, i, pp. 320: 14,.ACO [11]

 

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1

شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1

 

شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1

 

أهم الشخصيات في الصراع الخريستولوجي (من أبوليناريوس إلى نسطور)

 

أبوليناريوس

لقد حوّل أبوليناريوس Apollinarius تعليم ثلاثية تكوين الإنسان trichotomy من سيكولوجية أفلاطون إلى كريستولوجيّ. فقال:

”كما أنّ الإنسان العاديّ مكوَّن من جسد ونفس وروح، هكذا يسوع المسيح مكوّن من الجسد والنفس والكلمة (اللوغوس)“.

وفي رأيه أنّ الكلمة قد حلّ محل الروح pnuma (بنفما) واتحد بالجسد والنفس لتكوين الاتحاد.[1]

لم يتصوَّر أبوليناريوس إمكانية وجود نفس إنسانيّة عاقلة في المسيح في وجود الله الكلمة الذي هو روح والذي هو العقل الإلهيّ. رُبّما تصوّر أبوليناريوس أن النفس الإنسانيّة العاقلة تعني بالضرورة شخصًا بشريًّا متمايزًا عن شخص الله الكلمة. بمعنى أنّه خلط بين مفهوم الشخص الذي هو مالك الطبيعة، ومفهوم العقل الذي هو أحد خواص الطبيعة التي يملكها الشخص، أي أنّه قد اعتبر أنّ الشخص هو العقل.

وأراد بإلغاء الروح الإنسانيّة العاقلة أن يؤكِّد أنّ شخص كلمة الله هو الذي تجسّد وهو هو نفسه يسوع المسيح. بمعنى تأكيد الوحدة في شخص يسوع المسيح وأن كلمة الله لم يتخذ شخصًا من البشر بل اتخذ جسدًا ذا نفس بلا روح عاقلة. وبهذا يتحقق -فى نظره- وحدة الطبيعة في المسيح الكلمة المتجسد وعصمته من الخطيئة.

وقد تصوّر البعض أنّ القديس أثناسيوس الرسوليّ في القرن الرابع قد تأثر بفكر وتعليم أبوليناريوس في تعاليمه الكريستولوجية. ولكن القديس أثناسيوس قد شرح هذا الأمر باستقامته المعروفة في التعليم في رسالته إلى أبيكتيتوس، وقال إنّ عبارة القديس يوحنا الانجيليّ: ”الكلمة صار جسدًا“ (يو1: 14) تعني أنّ “الكلمة صار إنسانًا” وأنّ السيد المسيح قد اتخذ طبيعة بشرية كاملة من جسد وروح عاقلة. فقال القديس أثناسيوس:

”لإنّ القول “الكلمة صار جسدًا” هو مساو أيضًا للقول “الكلمة صار إنسانًا” حسب ما قيل في يوئيل النبيّ: “إنّي سأسكب من روحي على كلّ جسد”، لأنّ الوعد لم يكن ممتدًا إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرّبّ إنسانًا“.[2]

وقال أيضًا في نفس الرسالة:

”إلَّا إنّ خلاصنا، في واقع الأمر، لا يعتبر خيالًا، فليس الجسد وحده هو الذي حصل على الخلاص، بل الإنسان كلّه من نفس وجسد حقًا، قد صار له الخلاص في الكلمة ذاته“.[3]

ديودور الطرسوسيّ

ظهرت ردود الفعل ضد الأبوليناريّة في نفس منطقة أبوليناريوس (سوريا) في شخص ديودور أسقف طرسوس (394م) Diodore of Tarsus وثيودور الموبسويستيّ في كيليكيا (428م) Theodore of Mopsuestia in Cilicia.

إدّعى ديودور أنّ اللاهوت سوف ينتقص إذا كوّن الكلمة والجسد اتحادًا جوهريًّا substantial (أو أقنوميًّا) مشابهًا لذلك الذي ينتج عن اتحاد الجسد والنفس (العاقلة) في الإنسان.

 في رد فعله على ذلك (أي على فكرة تكوين الكلمة والجسد إتحادًا جوهريًّا) قادته نظريته الخاصة إلى الفصل بين اللاهوت والناسوت. وهذا أوصله إلى التمييز[4] بين ابن الله وابن داود. وقال:[5]

”إن الكتب المُقدّسة تضع حدًا فاصلًا بين أفعال الابنين… فلماذا يحصل من يجدفون على ابن الإنسان على الغفران، بينما من يجدفون على الروح (الروح القدس) لا يحصلون على الغفران“؟[6]

ثيودور الموبسويستيّ

أراد ثيودور الموبسويستيّ أن يؤكِّد الإنسانيّة الكاملة للمسيح واعتبر أن الإنسانيّة الكاملة لا تتحقق إلا إذا كان المسيح شخصًا إنسانيًا لأنه اعتقد أنه لا وجود كامل بلا شخصيّة. وبهذا لم يكتف بتأكيد وجود طبيعة إنسانيّة كاملة للسيد المسيح، ولكنه تمادى إلى تأكيد اتخاذ الله الكلمة لإنسان تام يستخدمه كأداة لخلاص البشريّة، واعتبر أن الله الكلمة قد سكن في هذا الإنسان بالإرادة الصالحة، وأنه قد اتحد به اتحادًا خارجيًا فقط. 

واستخدم عبارة اتصال conjoining sunafeia (سينافيا) بدلًا من كلمة اتحاد enwsiV union (إينوسيس). وبهذا فقد جعل في المسيح شخصين أحدهما إلهيّ والآخر إنسانيَّ وقد كونا معًا شخصًا واحدًا هو شخص الاتحاد (اتحاد خارجيَّ) مشبهًا إياه بإتحاد الرجل بالمرأة.

قال المؤرخ هيفليC.J. Hefele [7]:

”علاوة على ذلك، فقد نظر ثيودور الموبسويستيّ إلى اتحاد اللاهوت والناسوت في السيد المسيح فقط بمعنى enoikhsiV (إنيكيسيس) أي سكنى، لأن بالنسبة له فكرة التجسد كانت تبدو مطابقة لفكرة تحول اللوغوس (الكلمة) إلى إنسان، ولذلك رفضها كفكرة منافية للعقل. ومع ذلك هو يعتقد بأنه عندما يحل الله في أي شخص، فهو لا يسكن فيه بحسب طبيعته، وبالتالى ليس بالتعبير عن قوته، ولكن بمسرته eudokia (إفذوكيا) الصالحة.

هذه السكنى ليست متشابهة في جميع الأبرار، ولكن مقياسها يتقرّر بقياس مسرةeudokia  للاهوت. ولكنها لم تحدث أبدًا لأحد بنفس الدرجة العالية التي للسيد المسيح“.

لكن كما أنه لم يتجاهل حقيقة أن ضمير الكنيسة قد رفض هذا الازدواج في شخصية المسيح، إلا أنه سعى إلى التخلص من الصعوبة وكرّر القول صريحًا:

”إن الطبيعتين اللتين اتحدتا معًا كونتا شخصًا واحدًا فقط، كما أنّ الرجل والمرأة هما جسد واحد… فإذا أمعنا الفكر في الطبيعتين في تمايزهما يجب علينا أن نعرف طبيعة الكلمة على أنه كامل وتام، وكذلك شخصه. وأيضًا طبيعة وشخص الإنسان على أنها كاملة وتامة. وإذا -من ناحية أخرى- نظرنا إلى الاتصال sunafeia (سينافيا) نقول إنّه شخص واحد“.[8]

إنَّ نفس صورة الوحدة بين الرجل وزوجته تبيِّن أن ثيودور لم يفترض اتحادًا حقيقيًا لطبيعتين في المسيح، ولكن تصوره كان لصلة خارجية بين الاثنين. علاوة على ذلك فإن التعبير “إتصال” conjoining – sunafeia (سينافيا) الذي يختاره هنا بدلًا من كلمة “اتحاد” union – enwsiV (إنوسيس) التي يستعملها في مواضع أخرى، مشتقة من الفعل sunaptw (سينابتو) (الراقصين الممسكين بأيدي بعضهم البعض – أي يصل بعضهم بالبعض الآخر) تعبر فقط عن ارتباط خارجى، وتوطد معًا.

لذلك فهو مرفوض بوضوح.. بواسطة علماء الكنيسة.

كما أن ثيودور قد عيّن مجرد صلة خارجية في العبارة التي اقتبسناها الآن:

إنَّ الكلمة سكن في الإنسان المُتَخَذ كما في هيكل”. وكما أن الهيكل والتمثال القائم بداخله هما واحد في المظهر الخارجى هكذا فإن اللاهوت والناسوت في المسيح يظهران من الخارج فقط في حقيقتهما كشخص واحد، ولكنهما في جوهرهما يستمرا شخصين“.

نسطور

من مدرسة ثيودور جاء نسطور، الذي ارتبطت باسمه الحقبة الأولى للنزاع الكرستولوجى الكبير. ولد نسطور في جرمانيكيا وهيَ مدينة بسوريا، ثمّ أتى إلى أنطاكيا في سن مبكرة، أساسًا بغرض نيل قسطًا أكبر من التعليم العالمى.

وسريعًا ما تميز بالطلاقة العظمى في التحدث الارتجالى مع صوت قوى وشجى، وبعد ذلك بقليل إلتحق بدير Euprepius يوبريبيوس في أنطاكيا، ومن هناك عيّن شماسًا ثمّ قسيسًا في كاتدرائية أنطاكيا. ككاهن، وعظ كثيرًا وبقبول ملحوظ، مع تمتعه أيضًا بسمعة كونه ناسكًا صارمًا وكثيرًا ما أظهر حماسًا عظيمًا.. ورغبة في مدح الجموع له خاصة في عظاته.[9]

كنتيجة للشهرة التي نالها بعد موت الأسقف سيسينيوس أسقف القسطنطينيّة في 24 ديسمبر عام 427م فقد رُفع إلى هذا الكرسي الشهير، وترجّى شعبه أن ينالوا فيه خلفًا من أنطاكيا لذهبي الفم أسقف القسطنطينيّة. منذ وقت سيامته في 10 أبريل عام 428م أظهر إعجابًا عظيمًا بعمل الوعظ وحماسًا ضد الهرطقات. ففى عظته الأولى خاطب الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير بالكلمات التالية:

”أعطني أيها الإمبراطور الأرض نقية من الهراطقة وأنا سوف أعطيك السماء، ساعدني لأشن حربًا ضد الهرطقات وأنا سوف أساعدك في حربك ضد الفرس“.[10]

وبعد ذلك بأيام قليلة صمّم على حرم الآريوسيّين من الكنيسة الصغيرة التي كانوا لا يزالون يمتلكونها في القسطنطينيّة، حتّى أنهم اقتيدوا إلى إشعال النار فيها بأنفسهم، والتي بسببها نال نسطور من الهراطقة ومن كثير من الأرثوذكس لقب “حارق متعمّد”. 

بالإضافة إلى ذلك فقد هاجم النوفاتيين والأربعتعشرية والمكدونيين ونال من الإمبراطور عديدًا من الأحكام المشدّدة ضد الهرطقات.

وفي رسالة.. ليوحنا أسقف أنطاكية، يؤكِّد نسطور أنّه في وقت وصوله إلى القسطنطينيّة وجد خصومًا (متضادين) موجودين فعلًا. لقّب أحد أطرافهم القديسة العذراء بلقب “والدة الإله” وآخر بأنّها مجرد “والدة إنسان”. وحتّى يتمّ التوسط بينهما قال إنه اقترح عبارة “والدة المسيح” معتقدًا أن كلا الطرفين سوف يرضى بها[11]… من ناحية أخرى فإن سقراط يقص أن:

الكاهن أنسطاسيوس صديق نسطور، الذي أحضره معه إلى القسطنطينيّة قد حذَّر سامعيه يومًا ما، في عظة أنّه لا يجب أن يطلق أحد على مريم لقب والدة الإله qeotokoV (ثيئوتوكوس) لأن مريم كانت إنسانة والله لا يمكن أن يولد من إنسان“.[12]

هذا الهجوم على المعتقد القديم والمصطلح الكنسيّ المقبول حتّى ذلك الوقت، قد سبب هياجًا عظيمًا وإضطرابًا وسط الإكليروس والعلمانيين. وتقدّم نسطور نفسه ودافع عن خطاب صديقه في عدة عظات. وإتفق أحد الأطراف (المتضادة) معه، وعارضه الآخر…

وفقًا لهذا التقييم للأمر، فإنّ نسطور لم يجد النزاع قائمًا بالفعل في القسطنطينيّة، ولكنه مع صديقه أنسطاسيوس كانا أوّل من أثاره. ومع ذلك فإنّ العظات الموجودة لدينا، كما ذكرنا، والتي ألقاها في هذا الموضوع لا زالت محفوظة لنا جزئيًّا، وهيَ كافية بالتمام لدحض تأكيدات الكثيرين غير الدقيقة بأنّ نسطور في الواقع لم يعلِّم شيئًا ذا سمة هرطوقيّة.

ففي خطبته الأولى هتف بعاطفة:

”إنّهم يسألون إن كان من الممكن أن تدعى مريم والدة الإله. لكن هل لله أم إذًا؟ في هذه الحالة يجب أن نعذر الوثنية التي تكلمت عن أمهّات للآلهة، لكن بولس لم يكن كاذبًا حينما قال عن لاهوت المسيح (عب7: 3) أنه بلا أب، بلا أم، بلا نسب. لا يا أصدقائى لم تحمل مريم الله.. المخلوق لم يحمل الخالق إنما حملت الإنسان الذي هو أداة اللاهوت. لم يضع الروح القدس الكلمة، لكنه أمد له من العذراء المطوبة، بهيكل حتّى يمكنه سكناه..

أنا أكرِّم هذه الحُلة التي استفاد منها من أجل ذاك الذي احتجب في داخلها ولم ينفصل عنها.. أنا أفرِّق الطبائع وأوحِّد التوقير. تبصَّر في معنى هذا الكلام. فإن ذاك الذي تشكّل في رحم مريم لم يكن الله نفسه لكن الله إتخذه.. وبسبب ذاك الذي إتَّخَذَ فإن المُتَّخَذْ أيضًا يدعى الله“.[13]

أمّا خطبته الثانية فتبدأ بتعبير لاذع ضد أسلافه، كما لو أنّه لم يكن لديهم الوقت لقيادة الناس نحو معرفة أعمق بالله. ومن هنا يتحوَّل ثانية إلى موضوعه الرئيسيّ أنّ المسيح له طبيعة مزدوجة وكرامة موحَّدة. فيقول:

”حينما تتكلم الأسفار المُقدّسة عن ميلاد المسيح أو موته فهيَ لا تدعوه الله أبدًا بل المسيح أو يسوع أو الرب… مريم إذًا يمكن أن تدعى خريستوتوكوس CristotokoV (والدة المسيح) وحملت ابن الله بقدر ما حملت الإنسان، الذي بسبب اتحاده بابن الله (بالمعنى الخاص) يمكن أن يدعى إبن الله (بالمعنى الأوسع). وبنفس الطريقة يمكن أن يقال أن إبن الله مات وليس أن الله مات..

إذن فلنحفظ اتصال الطبيعتين fusewn thrwmen sunafeian الغير مختلط ولنعترف بالله في الإنسان وبسبب هذا الإتصال الإلهى نوقر ونكرّم الإنسان المعبود مع الله الكلى القدرة“.[14]

فى خطابه الثالث يقول:

”إنَّ الآريوسيّين يضعون اللوغوس فقط تحت الآب لكن هؤلاء الناس (الذين يعلِّمون بالثيئوتوكوس qeotokoV ويتكلمون عن ميلاد الله) يضعونه تحت مريم أيضًا، مؤكّدين أنه أحدث منها، ومعطين اللاهوت خالق الكل، أمًا زمنية كأصل له.

إذًا لم يكن ذاك الذي حملته إنسانًا إنما الله الكلمة، إذًا لم تكن هيَ أم ذاك الذي ولد، لأنه كيف تكون هيَ أم ذاك الذي له طبيعة مختلفة عنها؟ لكن إن كانت تدعى أمه، إذًا فإن ذاك الذي ولد ليس ذو طبيعة إلهية، لكنه إنسان حيث أن كلّ أم تحمل من له نفس جوهرها (مادتها). لم يولد الله الكلمة إذًا من مريم، لكنه سكن في ذاك الذي ولد من مريم“.

وجد نسطور أنّه من اللازم إلقاء عظة ثانية للتو حتّى يحذّر، كما قال، من كانوا حاضرين ضد تقديم الإكرام الزائد لمريم، وضد الرأي الذي يقول إنّ كلمة الله (اللوغوس) يمكن أن يولد مرتين (مرة أزليًّا من الآب والمرة الثانية من مريم). فقال (نسطور) إنّ ذاك الذي يقول ببساطة أنّ الله مولود من مريم يجعل من العقيدة المسيحيّة سخرة للوثنيّين، لأن الوثنيّون سوف يجاوبون:

””لا استطيع أن أعبد إلهًا يولد ويموت ويدفن”… هل أقيم الكلمة من الأموات؟ وإذا كان معطي الحياة (اللوغوس) قد مات، من يمكنه أن يُعطي الحياة إذًا؟ إنَّ سرّ الإلوهة يجب أن يعبّر عنه بالأسلوب التالي: “إنَّ الكلمة الذي سكن في هيكل شكَّله (كوَّنه) الروح القدس هو شيء والهيكل نفسه المختلف عن الله الساكن فيه هو آخر“.[15]

[1]Cf. Hefele, C.J. A History of the Councils of the Church, Vol III, AMS Press 1972, p.2 reprinted from the edition of 1883 Edinburgh.

[2]St. Athanasius, Letter to Epictetus, par.8, N.&P.N. Fathers, Oct. 1987, Eerdmans, second series, vol. IV, p. 573.

[3]Ibid, par. 7, p. 572, 573.

[4]Cf. Kelly, J.N.D., Early Christian Doctrines, Chapter XI-Fourth Centry christology- Fifth Edition- A and C Black, London 1977, p. 303, quoting R. Abramowski, Z.N.T.W. 42 (1949), E.g. frg. 42.

[5]Cf. ibid., quoting. Abramowski, Z.N.T.W. 42 (1949), E.g. frg. 19: cf. frg. 42.

[6]Cf. ibid., p.303.

[7] Hefele, C.J., A History of the Councils of the Church, Vol III, p. 5 – AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh.

14Cf. Hefele, C.J., p. 6-7, quoting Hardouin and Mansi, ll. cc. § 29; Dorner, l.c. p.52.

[9]Cf. Hefele, C.J., quoting Socrat. Hist. Eccl. Lib, vii. C. 29; Theodoret. Haeret, Fabul. lib. iv. c. 12; Evargrius. Hist. Eccl. i. 7; Gennad. De Scrip. eccl. c. 53 Vincent. Lirin. c. 16.

[10]Cf. Hefele, C.J., quoting Socrat. Hist. Eccl. vii. 29.

[11]Cf. Hefele, C.J., quoting Mansi, t. v. p. 573; Hardouin, t.i.p. 1331.

[12]According to Cyril of Alexandria (Ep. vi. p. 30, Ep. ix. P.37, Opp.t.v.ed. Aubert; and in Mansi, t. iv. P. 1014).

[13]Cf. Hefele, C.J., pp. 12-13, quoting Marius Mercat. ed. Garnier-Migne, p. 757 sqq.

 يقصد اتحاد في الكرامة وليس في الطبيعة كما سبق أن ذكر في خطابه الأول.

[14]Cf. Hefele, C.J., quoting Loofs, Nestoriana, p. 249.

[15]Cf. Hefele, C.J., quoting Marins Mercator, l.c., p.782.

 

شخصيات في الصراع الخريستولوجي – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج1

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

 

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

 

بعض الهرطقات التي ظهرت بعد الآريوسية

(1) الإفنوميُّون

بدعة الإفنوميِّين، نسبة إلى زعيمهم إفنوميوس Eunomius (394+م) الذي كان كاتم سِّر مؤسِّس هذه البدعة، الذي يُدعى إيتيوس Aetius. وإيتيوس هذا كان أوفر المغامرين اللاهوتيين إنتاجاً[1]، أمَّا إفنوميوس فكان مشهوراً بجرأته وقُدرته على العمل المتواصل، وكان كثير التَّقلُّب.

أُقيم أسقفاً على كيزيكوس Cyzicus بواسطة إفدوكسيوس Eudoxius (300-370م) أسقف القسطنطينيَّة[2]، وسُرعان ما أتَّحد مع إيتيوس Aetius وانفصلا علناً عن إفدوكسيوس Eudoxius ووصماه بأنه رَجُل متلّون، مخادع، وانتهازي.

كان أتباع إفنوميوس Eunomius يقولون: إنَّ الابن يمكن أن يُدعى الله، ولكن بالاسم لا غير، ليبقى بينه وبين الله الرأس غير المخلوق، هوَّة لا يمكن اجتيازها. فحتى عبارة الأريوسيِّين عن الابن بأنه “شبيه في الجوهر” كانوا يعتبرونها تحفُّظاً غير الشريف، فكانوا إذاً أسوأ من الأريوسيِّين في اعتقادهم.

وكان إفنوميوس Eunomius يُعيد معمودية الذين ينضمُّون إلى مذهبه، مغطِّساً إياهم غطسة واحدة، ومنكِّساً رؤوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى فوق، وهو يقول: “يُعمَّد فلان باسم الآب غير المخلوق، والابن المخلوق، والرُّوح القُدُس المخلوق من الابن المخلوق”. وكان يُنكر العذاب الأخير، وجهنَّم.

 

(2) الإفدوكسيُّون

نسبة إلى إفدوكسيوس Eudoxius أسقف القسطنطينيَّة[3] في عهد الإمبراطور فالنس (364-378م). وهي فئة لم تكن أريوسيَّة بكلِّ معنى الكلمة، لكنَّها انحازت بصورة ظاهرة إلى اليسار في الأريوسيَّة، وادَّعت أنها  تمثِّل الأريوسيَّة الأصلية القديمة. وتمسَّك إفدوكسيوس Eudoxiusبالعبارة المبهمة التي اخترعها أكاكيوس Acacius (+366م) أسقف قيصريَّة[4] وهي “أنّ الابن شبيه بالآب”، بدون إشارة إلى أن هذه المشابهة تتخطّى الوجهة الأدبية.

فكانت النتيجة العملية، إعداد الطريق لأصحاب البدعة الإفنوميَّة.

(3) النِّصف أريوسيِّين

ويُسمَّون أيضاً “محاربي الروح”. وكان زعيمهم هو باسيليوس أسقف أنقرة Basil of Ancyra[5]. وكان حزب النِّصف أريوسيِّين هم أصل بدعة مقدونيوس Macedonius (+362) أسقف القسطنطينيَّة بقوَّة الملك قسطنديوس[6] (337-361م) بعد إنزال أسقُفه القانوني بولس. ثم خُلع من هذه الأسقفية في سنة 360م بواسطة الإفنوميِّين. وقد علَّم أن “الابن مشابه للآب في كل شيء، ولكنَّه لا يساويه في الجوهر. وأن الروح القدس مخلوق وخادم للابن، كأحد الملائكة”.

وقد سُمِّى مشايعوه “المقدونيِّين”. وكانوا قد تدرَّجوا في إيمانهم إلى إعلان عظمة الابن غير المخلوقة، إلا أنهم ظلُّوا يرفضون عبارة مجمع نيقية بأن الابن “مساو للآب في الجوهر”. وقال عنهم القديس أثناسيوس الرسولي (329-373م) وهو في منفاه الثاني:

[سمعتُ والأمل يحزُّ في نفسي، أن بعض الذين هجروا الأريوسِّين اشمئزازاً منهم لتجديفهم على الله، يدعون بعد ذلك الروح مخلوقاً ويقولون: إنه أحد الأرواح الخادمة، ولا يختلف عن الملائكة إلا بالرُّتبة][7].

وهو ما دفع مجمع القسطنطينيَّة إلى تثبيت تكملة قانون الإيمان النِّيقاوي بعد عبارة “نؤمن بالروح القدس”، بقوله: “الرَّب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو من الآب والابن مسجودٌ له وممجَّد”، وكانت هذه الإضافة جزءًا من دساتير الإيمان المحليَّة في الكنائس المختلفة في الشَّرق.

 (4) السَّابيليُّون

نسبة إلى سابيليوس  Sabellius[8] الذي اعتقد أن الثلاثة أقانيم هم أقنوم واحد مثلث الأسماء، ظهر تارة كآب، وتارة كابن، وأُخرى كروح قُدُس، بتغيُّر الصُّورة والشَّكل. وترجع بدعة السَّابيليِّين إلى تعاليم نوفاتوس الذي هو نوفاتيان[9] Novatian ومعه أيضاً براكسياس Praxeas في أواخر القرن الثاني الميلادي[10].

فيقول السَّابيليُّون: إن الابن والروح القدس إنما هما من الظُّهورات والأشكال أو الانبثاقات من شخص الآب الواحد. وقد أرسل البابا ديونيسيوس الكبير (248-265م) البطريرك الإسكندرية رسالة إلى زيستوس الثاني Sixtus II (257-258م) أسقف روما، يصف فيها هرطقة سابيليوس، بأنها مملوءة كُفراً وتجديفاً على الله الآب، وشكوكاً كثيرة بخصوص ابنه الوحيد بكرُ كلّ خليقة، الكلمة المتأنِّس، وقصوراً شديداً في معرفة الروح القدس، فيقول:

[قد كتبتُ بضع رسائل لمعالجة الموضوع، وضعتُ فيها بمساعدة الله، كثيراً من التَّعاليم على قدر استطاعتي، وها أنا أرسلُ إليك نُسخاً منها][11].

 (5) المركليُّون

نسبة إلى مركلُّوس Marcellus (+374م) أسقف أنقرة Ancyra في غلاطية. وكان اعتقاده قريباً من تعليم سابيليوس، ومناقضاً للإيمان الحقيقي بلاهوت الابن، وبالتَّجسُّد. ويُنسب إليه الرأي، بأن الكلمة كان قوَّة إلهيَّة غير شخصيَّة، كامنة في الآب منذ الأزل، ولكنَّها صادرة منه في عمل الخليقة، ودخلت أخيراً في علاقات مع شخص الإنساني، فصار بذلك ابن الله. على أن هذا الامتداد من الوحدة الإلهيَّة، يتبعه انكماش، عندما ينسحب الكلمة من يسوع، ويكون الله ثانية، الُكل في الكُل!

(6) القوتينيُّون

هم أتباع فوتينوس Photinus الذي صار أسقفاً على سيرميوم Sirmium سنة 344م[12] وهو تلميذ مركلُّوس Marcellus (+374م) أسقف أنقرة. وكان فوتينوس Photinus هذا متصلَّباً في رأيه، عنيداً، حاضر الذِّهن. وقد صدرت ضدَّه أحكام أربعة مجامع متتابعة قبل أن يضع السلطة المدنيَّة حدًّا لمشاغباته في سنة 351م. وقال في تعليمه عن شخص السيِّد المسيح له المجد “إن يسوع الذي استقرَّ فيه الكلمة استقراراً تاماً ممتازاً، كان إنساناً مجرَّداً بسيطاً”.

وهو رأيٌّ يشبه رأي بولس السَّاموساطي. ولم يكن يعترف بالثالوث القدُّوس، وكان يُسمِّي الله روحاً خالق الكُل، ويرى أن الكلمة ما هو إلا كلمة لفظيَّة، وأمرٌ إلهيٌ خادمٌ لله في إبداع الكون كأنَّه آله صناعيَّة، وأن المسيح إنسانٌ مجرَّد، اقتبل كلمة الله ولكنَّه لم يقتبل الجوهر، بل اللفظ فقط، وأن بدء وجوده كان في مريم”[13].

 (7) الأبوليناريُّون

هم أتباع أبوليناريوس Apollinarius (310-390م) أسقف اللاذقيّة في سوريا. ويقول عنه البابا أثناسيوس الرسولي:

[إنه اعتاد أن يقول: إن الكلمة أخذ جسداً بدون نفس. وإذ يشعر أحياناً بخجل لجهله، يعود فيقول: إن الجسد الذي اتَّخذه، كانت فيه نفس غير عاقلة، جارياً على رأي أفلاطون في التَّفريق بين النَّفس والعقل].

وفي تفسيره الخاطيء للآيتين (1 تسالونيكي 23:5، غلاطية 18:5) نسب للمسيح جسداً بشرياً ونفساً بشريَّة، ونفى أن يكون له روح عاقلة، وجعل الكلمة يحلُّ محلّ الرُّوح في شخص المسيح، فيجعل المسيح كائناً متوسِّطاً بين الله والإنسان، قائلاً: إن المسيح مزيجٌ من الله والإنسان. واندفع إلى القول: إنه لا يجوز أن نعبُد كائناً بشرياً متوشِّحاً بالله، أو نسجد له. فتصدَّى له القديس غريغوريوس اللاهوتي (329-389م) قائلاً:

[يجب أن نسجُد لإله متوشِّح بالنَّاسوت، وليس لجسد متوشِّح باللاهوت].

[1] أثناسيوس في المجامع (31)، وسقراط في تاريخ الكنيسة (45:2).

[2] شارك في كثير من المجامع الأريوسية في القرن الرَّابع الميلادي. ورُسم أسقفاً على أنطاكية سنة 358م، ثم صار أسقفاً للقسطنطينيَّة سنة 360م. ولم يتبق من كتاباته سوى شذرات بسيطة من مقالة له عن التَّجسُّد.

ODCC, 2nd edition, p. 479, 480.

[3] سبق الإشارة إليه منذ قليل.

[4] لاهوتي أريوسي، وهو تلميذ يوسابيوس Eusebius القيصري (360-340م)، وخليفته على كرسي قيصريَّة فلسطين.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 8.

[5] Cf. ODCC, 2nd edition, p. 141.

[6] وهو يُسمَّى أيضاً “قسطنطينوس”. والذي حكم الجزء الشَّرقي من الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة.

[7] الرسالة الأولى إلى القديس سرابيون عن الروح القدس.

[8] يُعرَف عنه القليل جداً. ويُظن أنَّه لاهوتي من بواكير القرن الثالث الميلادي، ومن أصل روماني. ورد ذكره في بعض كتابات الآباء اليونان في أواخر القرن الرَّابع أو الخامس الميلادي، حيث ينسبونه إلى ليبيا أو الخمس مُدُن الغربيَّة Pentapolis.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1218.

[9] نوفاتوس أو نوفاتيان، هو قس من كنيسة روما، له مؤلّف هام ومتكامل عن الثالوث. أما تفاصيل حياته، فهي مجهولة. وقد تعرَّض للاستشهاد في حُكم فالريان سنة 257م. ولم تقبل الكنيسة تعاليمه، كما رفضها البابا ديونيسيوس الكبير (248-265م).

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 984.

ويقول عنه يوسابيوس القيصري: نحن بحق نشعر بالكراهية نحو نوفاتوس الذي قسَّم الكنيسة، ودفع ببعض الإخوة إلى الكُفر والتَّجديف، وأدخل تعاليم كُفريَّة عن الله وأخرى عن ربنا يسوع المسيح الكُلي الرأفة، مدَّعياً بأنه غير رحيم. وعلاوة على كل هذا، فإنه يرفض المعمودية المقدسة، ويقلب الإيمان والاعتراف اللذين يسبقانها، ويمنع عنهم كُليَّة الروح القدس، إن كان هناك أيُّ رجاء أن يبقى معهم أو يعود إليهم.

انظر: يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس داود، الطبعة الثانية، القاهرة، 1979م، ص351.

[10] براكسياس هو هرطوقي، وصلتنا معلومات عن تاريخه وتعليمه من مقالة باليونانية بعنوان “ضدَّ براكسيان” Adversus Praxian كُتبت حوالي سنة 213م.

وقد اشار العلامة ترتليان (160-225م) إلى تعاليمه الخاطئة.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1115.

[11] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس دادود، مرجع سابق، (6:7)، ص 349.

[12] ظل فوتينوس أسقفاً على سيرميوم Sirmium حتى سنة 351م حين أُقصيّ عن منصبه، لتعاليمه الخاطئة، وبقرار من مجمع عُقد في سيرميوم بأمر الإمبراطور قنسطنطيوس Constantius. ولم يصلنا شيء من كتاباته. أما تعليمه، فعرفناه مما كتبه عنه مناوئوه.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1087.

[13] تاريخ الكنيسة لسوزومين (6:4).

 

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7

 

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7

 

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس

هذا الاصطلاح الذي يورده قانون الإيمان النيقاوي والذي يُعرف في اليونانية باسم όμοούσιος (هوموؤسيوس)، هو اصطلاح لاهوتي يختص بعلاقة الابن بالآب، والذي يعني أن الابن مساو للآب في الجوهر، أو من ذات جوهر الآب. وكان أول من استخدم هذا الاصطلاح هو القديس إيريناؤس (130-200م)، والعلاّمة المصري أوريجانوس (185-254م)، كما سبق أن أشرتُ.

وفي ذلك يقول العلاّمة أوريجانوس في كتابه “المبادئ”:

[إن الابن مشترك مع الآب في الجوهر ούσία (أوسيَّا)، لأن ما ينبثق (أو يولد) من الجوهر، هو مساو له وواحد معه όμοούσιος (هوموؤسيوس) بكلِّ تأكيد][1].

والأوسيّا ούσία تعني الجوهر أو الكيان being أو الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود، وهي في الإنجليزية essence من الأصل اللاتيني essential وفي اللاتينية substantia[2]. والأوسيّا تحوي أيضاً في مضمونها الاصطلاح اللاهوتي Φύσις (فيسيس) الذي يعني “طبيعة” nature ولكنها لا تساويها تماماً. وبالرغم من ذلك، فقد كانت “الأوسيّا” تعتبر لدى لاهوتيي كنيسة الإسكندرية مساوية تماماً للـ “فيسيس”.

فجاءت عند البابا أثناسيوس الرسولي [طبيعة Φύσις إلهية واحدة One is the divine nature]. كما جاءت هكذا أيضاً عند القديس كيرلس الكبير (412-444م). ليس هذا فقط، بل كان البابا أثناسيوس الرسولي يستخدم اصطلاح “الأوسيّا” واصطلاح “الهيبوستاسيس” أي “الأقنوم” كمترادفين، يحلُّ أيهما محل الآخر، ويشاركه في ذلك القديس جيروم (342-420م).

فعن “الأوسيّا” يقول القديس أثناسيوس الرسولي:

[إن الله هو ذو جوهر ούσία غير مُدرَك، وفوق كلِّ إدراك][3].

ومن هذه “الأوسيّا” كان اصطلاح الـ “هوموؤسيوس”.

ونفس هذا الاصطلاح الذي قنَّنه مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، كان يهدف به آباء المجمع إلى إثبات أن الابن مع الآب هما واحد، وأن هذا الجوهر هو كيانٌ أساسي واحد. فأضافوا بعد قانون الإيمان –بسبب المحرومين- نصّاً قالوا فيه بأن الابن “ليس من هيبوستاسيس ύπόστασις آخر”، أي “ليس من جوهر آخر”[4].

ولازال هذا الاصطلاح مستخدماً في كافة كنائس المسكونة حتى اليوم، بعد أن جاز تاريخاً طويلاً من الصدام والصراع والقبول والرفض بين الاساقفة وبعضهم البعض، وبالتالي بين الكنائس المختلفة.

وترجمة الاصطلاح اليوناني όμοούσιος (هوموؤسيوس) في اللغة العربية إلى “مساو في الجوهر لـ”، لا تفيد بدقة ما يعنيه هذا الاصطلاح اليوناني عن علاقة الابن بالآب. لأن المساواة أو التساوي في اللغة العربية تعني حتماً التساوي بين شيئين أو شخصين، حتى لو كان تساوياً مُطلقاً.

ولكن الابن هو من نفس جوهر الآب، فهو والآب واحد. فمساواة الابن للآب في الجوهر، لا تعني أن جوهر الابن يساوي تماماً جوهر الآب، بمعنى وجود جوهران في الله. لأن الله جوهرٌ واحدٌ في ثلاثة أقانيم. وكون الابن هو صورة الآب ورسم جوهره، يعني أنه من ذات جوهره.

لقد استخدم البابا أثناسيوس الرسولي اصطلاح الـ “هوموؤسيوس” لكي يهدم به اصطلاح الأريوسيين وهو الـ “هوميؤسيوس” في شرحهم لعلاقة الابن بالآب. فالابن لا يمكن أن يكون مشابهاً للآب، لأنه غير مفترق عن طبيعة الآب، وهو وإن كان مساوياً للآب في الجوهر، فهو “تساوي الوحدانية”. لأن الذي هو من جوهر الله الآب ومتساوي معه، يتحتم أن يكون واحداً معه في ذات الجوهر.

[1] Origen., De Princip. 1. 2. 12.

[2] نظراً لعجز اللغة اللاتينية في تفسير المصطلحات اللاهوتية، كانت كلمة substantia تعني كلاً من (أوسيَّا)، (هيبوستاسيس). أي أن كلمة “طبيعة” في اللاتينية كانت تعني كلاً من الجوهر والأقنوم. وكان آباء نيقية يخشون لو أنهم اعترفوا باثنَين هيبوستاسيس (أي أُقنومَين)، أن يُتهموا بأنهم يقبلون الاعتراف بجوهرَين.

انظر: المقالة الأولى ضد الأريوسيين للقديس أثناسيوس الرسولي، مرجع سابق، ص 128

[3] Athanas., Contra gent., 2.

[4] القديس أثناسيوس الرسولي، ضد الأريوسيين، المقالة الأولى، مرجع سابق، ص 127

 

الصراع حول مصطلح الهوموأوسيوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج7

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

 

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

 

كان الإيمان بالمسيح المُخلّص هو مركز البشارة، حتّى صارت ”السمكة“ هيَ الرمز للإيمان المسيحيّ في العالم الهليني وذلك لأنها في اليونانيّة ”ἰχθύς – إكسوس“ تشمل الحروف الأولى من العبارة ”يسوع المسيح، ابن الله المخلّص“. وقد شهد العلَّامة ترتليان بذلك كما شهدت نقوش السراديب الرومانيّة. وردت هذه العبارة الرمزيّة في مؤلفات الكُتَّاب المسيحيّين في نطاق واسع كقانون إيمان يُعبّر عن المعتقد المسيحيّ.

هذا لم تستحدثه المسيحيّة، فقد سبقتها اليهوديّة إلى ذلك، من خلال ما يُسمى بـ”الشِمَع- שְׁמֵע“ والتي تعني ”اسمع“، المأخوذة من الآية: ”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرّبّ إِلهُنَا رّبّ وَاحِدٌ“ (تث6: 4).[1] يُعتبر هذا هو أقدم قانون إيمان عرفته البشريّة، فقد كان يُتلى يوميًا في الصلوات اليهوديّة. [2] وهو من أكثر اللحظات نشوة عند المُتعبد اليهوديّ، ففيه يرى أنّه يتقابل مع الله، وفيه يشهد لله، حتّى أنّه قد جاء في المدراش: ”إنّ الله عُرِف في العالم، بسبب أنّنا حملنا الشهادة له“، ويرون أنّ هذا القانون هو جوهر الإيمان اليهوديّ.[3]

بعد مجئ السيد له المجد، وإذ انطلقت الكنيسة في عصر الرسل تكرز وتبشر العالم بالخلاص كان لزامًا أن يعترف كلّ موعوظ بإيمانه جهرًا في صيغة مُختصرة قبلما يتقبّل العضويّة في جسد المسيح، أي قُبيل عماده مباشرة. وذلك كما فعل الخصي الأثيوبيّ (أع ٨: ٣٧) حين أعلن رغبته في العماد مُعترفًا ”أنا أومن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله“.

فلم تكن العقيدة آن ذاك مُجرّد تعبيرًا فرديًّا نظريًّا، بل كانت تعبيرًا عن واقع الكنيسة. ولقد تمت صياغة العقائد كردود أفعال ضد التأويلات الخاطئة التي للهراطقة، وقد كان هدفها الجوهريّ هو الحفاظ على جوهر رسالة الإنجيل.[4]

يتحدّث عن قانون الإيمان فيما قبل مجمع نيقية الكثير من آباء الكنيسة، لكنّ، لم يكن له مُسمّى واحد، فالبعض أطلق عليه اسم: ”قاعدة الإيمان“، ”κανν τη̂ς πίστεως,- regula fidei“، وفي أحيان أُخرى كان يُدعى بـ”قانون الحقّ“.

يخبرنا عن قاعدة الإيمان المؤرخ الأوّل للكنيسة يوسابيوس القيصريّ، عندما يتحدّث عن مُخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، نجده يكتب: ”لقد تركوا قاعدة الإيمان القديم، لذلك، هم لا يعرفون المسيح، ولا فحصوا الكتب كما ينبغي“.[5]

بينما يُخبرنا هيبوليتوس الرومانيّ عن ”قاعدة الحقّ“، قائلًا: ”لقد كتبنا كتبًا دفاعية عن الإيمان، بكفاية واسهاب، وشرحنا قاعدة الحقّ لكل من يرغب“.[6]

يُعدّد المُعلِّم إكليمندس السكندريّ أسماء قانون الإيمان على النحو التالي:

”إنَّ الإيمان له قاعدة، وأنّ هذه القاعدة هيَ قانون الإيمان، أو القانون الكنسيّ، أو قاعدة الحقّ والتسليم“.[7]

يخبرنا ترتليان إنّ قاعدة الإيمان هذه، هيَ المقياس، وهيَ التي يُقاس عليها التّعليم الأرثوذكسيّ، وتُفرز الهرطقات:

”هذه القاعدة هيَ من الرسل، وحتّى بولس الرسول بعد اهتدائه، صعد إلى أورشليم، كي يُقارن قاعدة إنجيله، بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل، وهذه القاعدة هيَ التي يتمّ بموجبها فرز الهرطقات والهراطقة“.[8]

أوريجانوس، وهو من هو، يقول إنّ قاعدة الحقّ هذه كانت مُنتشرة ومعروفة في كلّ الكنائس: ”إنّ كلّ ما يخص المسيح، قد حدّدته الكنائس، حسب القاعدة التي تقبلها كلّ الكنائس، وكلّ وعظ وكرازة يجب أن يتّبع هذه القاعدة“.[9]

فقد كان قانون الإيمان نصًا يشمل عناصر الإيمان الجوهريّة للمسيحيّة، مُرتبطة باللِّتورجيَّا والكتاب المُقدّس، وهو المقياس الذي يحكم ويُفسرّ ويعظ المُعلمون من خلاله، وهو ليس بالأمر المُستحدث، بل هو مُترسِّخ في تّعليم الكنيسة منذ نشأتها.

وقد كانت قوانين الإيمان هذه تعبيرًا فكريًّا عن الإيمان الحيّ في الكنيسة، أو هو تعبير جهاريّ يُعلن الإيمان الراسخ في الكنيسة. ونجد له هيئة أوليّة في بعض نصوص العهد الجديد، مثل:

–         في اعتراف الخصي الحبشيّ، قُبيل معموديته على يد فيلبس، نجد إحدى الأشكال الأولى لاعتراف الإيمان: ”فَقَالَ فِيلُبُّسُ:‘إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كلّ قَلْبِكَ يَجُوزُ’. فَأَجَابَ وَقَالَ: ‘أَنَا أُومِنُ أنّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ’“ (أع8: 37).

–         ”لإنّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرّبّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أنّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خلّصتَ.‏لأنّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ“ (رو10: 9، 10).

–         ”فَإنّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: إنّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وأنّهُ دُفِنَ، وَأنّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ“ (1كو15: 3، 4).

–         ”عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ. وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سرّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرّر فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ“ (1تي3: 15، 16).[10]

وبهذا نجد أنّ صيّغ قانون الإيمان، تعود بذرتها الأولى إلى الرسل أنفسهم، وقد ظهر في أقدم أشكاله، كصيغة خاصة بالمعموديّة، يعترف بها طالب العماد مُعلنًا قبوله الحقّ ودخوله ”الحياة في المسيح يسوع“. فقد كانت المعموديّة، إحدى الدوافع التي أدت إلى ظهور قانون الإيمان، حتّى تتأكد الكنيسة أنّ المُعمّد مؤمن ومعترف بالإيمان المسيحيّ بأكمله.

في الدوائر اليهوديّة كان يكفي لطالب العماد أن يُعلن هذا القانون الإيمانيّ البسيط؛ أنّ ”يسوع هو المسيّا“، أي هو المخلّص الذي انتظره الآباء وشهد عنه الأنبياء، فيه كملت الشريعة وتحقّقت مواعيد الله للبشريّة. أمّا بالنسبة للأمم، إذ لم تكن لهم الشريعة ولا عرفوا النبوات عن المسيّا يعبدون آلهةً كثيرةً وأربابًا كثيرة، كان لزامًا على طالب العماد أن يُعلن حقّيقة إيمانه بأكثر وضوح: إيمانه بالله الواحد المثلث الأقانيم، وعمل المسيح الخلاّصيّ.

إذ ظهرت غنوصيّات غير أرثوذكسيّة تنادي بالثنائيّة، وتُحقِر من المادة وتشوّه حقّيقة التجسد الإلهيّ، لم يعد ”قانون الإيمان“ في صورته الأولى كافيًا، أي لا يكفي إعلان أنّ ”المسيح ابن الله الحيّ“، إنما يلزم الاعتراف بـ ”الحبل به من الروح القدس، ولادته من العذراء مريم، تألمه في عهد بيلاطس البنطي وموته ودفنه (وليس كما علَّم الغنوصيّين أنّه اختُطِف إلى السماء من على الصليب أو قبيل صلبه)، وأنّ الروح القدس حال في الكنيسة… إلخ“.[11]

نجد أولى الصياغات المُعبرة عن قانون الإيمان، خارج العهد الجديد، عند القديس إغناطيوس الأنطاكيّ، حيث يكتب في رسالته إلى سميرنا:

”أُمَجِد يسوع المسيح الذي جعلكم حكماء, لقد أدركت أنّكم قد بُنيتم بأيمان لا يتزعزع، كأنّكم مُسمرُون على صليب يسوع المسيح بالجسد والروح، وثابتون بقوة في المحبة بدم المسيح، الذي هو حقّيقة ‘من نسل داود بالجسد’ (رو1:4), وولد حقّيقة من العذراء، واعتمد من يوحنا ‘لتتم به كلّ عدالة’ (متى3:15), وسُمِّر من أجلنا على عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الرُبع، وبثمرة صليبه وآلامه المُقدّسة وجدنا الحياة، وبقيامته ‘رفع رايته’ (إش 5:26) فوق العصور ليجمع قديسيه ومؤمنيه، في اليهوديّة والأمم، في جسد واحد أي في كنيسته“.[12]

في رسالته إلى تراليان نجد اعترافًا إيمانيًّا آخر، كالتالي:

صُمّوا آذانكم عندما تسمعون كلامًا لا يكون عن المسيح ابن داود من مريم العذراء, عن المسيح الذي وُلِد حقًّا، وأكل وشرب، واحتمل الآلام على عهد بيلاطس البنطي، ومات على الصليب أمام السماء والأرض وما تحت الأرض, وقام من بين الأموات.[13]

 عند إغناطيوس، نجد أنّ حقّيقة ميلاده من العذراء مريم تُمثل بُرهانًا على بشريّة يسوع، وهذا في سياق حربه ضد بدعة الخياليّين أو الديسوتيّين. فكلمات مثل: ”حقًّا أكل وشرب“، تؤكد على حقّيقة تجسد الكلمة، وكثيرًا ما استخدمتها الكنيسة لتُحارب هذه البدع.

بوليكاربوس، في رسالته الوحيدة التي تركها لنا، قُبيل استشهاده، يكتب فيها:

”آمنوا بمن أقام سيدنا يسوع المسيح من الأموات، وأعطاه مجدًا، وأجلسه عن يمين عرشه، وأخضع له كلّ ما في السماء وما على الأرض، والذي تعبده كلّ نسمة، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات“.[14]

يوستينوس الشهيد، عندما سأله الوالي ”ريستكس“، عن إيمانه. أجاب: ”الإيمان الذي نعتنقه بتقوى، إنه الإله صانع العالم بأسره منذ البدء، وأيضًا، بيسوع المسيح، ابن الله، والذي أخبر عنه الأنبياء بانه سوف ينزل للبشريّة كمُعلن للخلاص، ومُعلم للعقائد الحسنة“.[15]

في هذا الاعتراف الإيمانيّ المُختصر، نجد القديس يوستينوس يتحدث عن الله الخالق، وابنه يسوع الذي أخبر عنه الأنبياء. والنبوة في تعاليم آباء ما قبل نيقية مُرتبطة بشدة بالروح القدس مُعطي النبوة. ثُمَّ أنّ هذا الابن تجسد لكي يُعلمنا العقائد الإلهيّة السليمة ويقضي على التشوّهات التي كانت في مُخيلات البشر لدى الله، ثُمَّ يُعطينا الخلاص الذي منه.

أثيناغوراس، المُعلم السكندريّ الشهير، وأحد عُمداء مدرسة الإسكندريّة المسيحيّة، والذي سوف نتناول تعاليمه اللاهوتيّة في فصل خاص من هذا الكتاب، يقول في دفاعه عن المسيحيّين:

”لقد أشرت بما فيه الكفاية إلى أنّنا لسنا مُلحدين لأنّ إلهنا هو الإله الواحد غير المخلوق وأبديّ وغير مرئيّ ولا يُشبهه شيء مُدرك. يُمكن معرفته فقط بالعقل والمنطق، مُحاطٌ بنور وجمال، بالروح والقوة اللامُتناهية، الذي بكلمته خُلِقت المسكونة بترتيب وإحكام.

ونؤمن بابن الله، ودعونا نعترف أنّه لمن المُضحك أن يكون لله ابن! لكنّ، فيما يخص فكرنا عن الله الآب والابن، فهو مُختلف تمامًا عن أساطير الشُعراء التي تتضمن تعاليم عن آلهة لا يختلفون عن البشر! إنّ ابن الله هو كلمة الله (اللوغوس)، هو الفكر الذي يُبدع والقوة التي تخلق، الذي بموجب مشيئته كان كلّ شيء، فالآب والابن واحد، حيث إنّه من خلال قوة ووحدة الروح، فإنّ الآب في الابن والابن في الآب. إنّ ابن الله هو فكر وكلمة الآب.. وهو مولود من الآب، غير مخلوق، وإنّ الله كان لديه الكلمة في ذاته منذ البدء، لم يوجد وقت كان فيه الله بلا كلمة..

ونعلم أيضًا، أنّ الروح القدس الذي أظهر ذاته من خلال عمله في الأنبياء، مُنبثق من الله، فهو ينبع منه ويرجع إليه، مثل شعاع الشمس..

فنحن نعترف بإله واحد، آب وابن وروح قدس، لهم قوة واحدة“.[16]

في واحدة من رسائل الشهيد كبريانوس القرطاجنيّ، يكتب:

”بكل تأكيد، لا يؤمن ماركيون بنفس الإله الآب وخالق كلّ الأشياء، كما نُعلِّم نحن، هل هو يعترف بنفس الابن المسيح المولود من العذراء مريم الذي هو الكلمة المُتجسد، والذي حمل خطايانا وقهر الموت، وهو أوّل من أسّس قيامة الجسد في أقنومه، عندما أقام جسده، وأظهر لتلاميذه أنّه أقام نفس الجسد“.[17]

كبريانوس هُنا يتحدث عن الله الآب الخالق ضابط الكلّ، ويؤكد إنسانيّة المسيح المأخوذة من العذراء مريم، وأنّه حقًّا وُلِد ومات وقام.

القديس إيرينيئوس من بدايات القرن الثاني، يشرح خلاصة الإيمان المسيحيّ بالثالوث القدوس، في ثلاثة بنود، أشبه بقانون إيمانيّ، وهي:

”إنّ البند الأوّل من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هيَ أنّ: ‘الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي، إله واحد خالق الجميع. والبند الثاني: هو أنّ كلمة الله ابن الله، يسوع المسيح رّبّنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كلّ شيء به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر (يو1: 14) وتراءى للكل لكي يُبطل الموت، ولكي يجمع كلّ شيء ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان. والبند الثالث هو أنّ: الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنّه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجدّدًا الإنسان لله“.[18]

في مؤلفه الشهير ”ضد الهرطقات“، يكتب:

”قد استلمت من الرسل، ومن تلامذتهم، الإيمان بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض والبحار، وكلّ ما فيها، والإيمان بيسوع المسيح الواحد، الذي هو ابن الله، الذي تجسد من أجل خلاصنا، والإيمان بالروح القدس الذي أعلن التدبير بواسطة الأنبياء، أي بمجئ المسيح، وميلاده العذراويّ، وآلامه، وقيامته من بين الأموات، وصعوده إلى السموات جسديًّا، وظهوره ثانية من السماء، في مجد الآب، لكي يجمع كلّ الأشياء في نفسه، ولكي يُقيم أجساد كلّ البشر إلى الحياة، لكي تجثو للمسيح يسوع، رّبّنا وإلهنا ومُخلّصنا، كلّ ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكي يعترف كلّ لسان له، ولكي يجري دينونة عادلة… هذه الكرازة، وهذا الإيمان، تحفظه الكنيسة، رغم تشتتها في كلّ العالم“.[19]

العلَّامة ترتليان، هو الآخر يتحدث أكثر من مرة عن قانون الإيمان المعروف في عصره، فيقول:

”قاعدة الإيمان، نعرفها جميعًا ونُكرّرها بروح واحد… نؤمن بإله واحد عظيم، صانع العالم، وابنه، يسوع المسيح، الذي وُلِد من العذراء، وتألم في عهد بيلاطس البنطي، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماوات، ويجلس الآن عن اليد اليُمنى للآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، كما سيُقيم الأجساد“.[20]

إذ بدأت الهرطقات والبدع تنتشر، لم يعد ”قانون الإيمان“ خاصًا بطالبي العماد، إنما صارت الحاجة مُلحة لاستعماله الكنسيّ في العبادة الليتورچيّة والعبادة الخاصة. بدأت المجامع المسكونيّة تضع قانون الإيمان، لأهداف دفاعيّة وتّعليميّة. ففي مجمع نيقية وُضِع قانون الإيمان ليُحارب الآريوسيّة.

فإنّه وإن اقترب من قانون الإيمان الأورشليميّ العماديّ القديم، لكنّه أضاف إلى الفقرة الثانية الخاصة بالسيد المسيح هذه الصيغة: ”نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الجوهر“. هذه الصيغة لا يستطيع الآريوسيّون أن ينطقوا بها، فتفرزهم عن المؤمنين. بهذا قدّم مجمع نيقية للكنيسة صيغة لاهوتيّة مُبسطة تعلن إيمان الكنيسة، ويعترف بها المسيحيّون ويترنمون بها ويُصلّونها، فلم تعد حكرًا على المُعمدين فقط.

في المجمع المسكونيّ الثاني بالقسطنطينيّة أُضيف إلى قانون الإيمان النيقيّ صيغة خاصة بالروح القدس: ”الرّبّ المحيّي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء…“.

 

[1] انظر أيضًا: تث4: 25؛ 2صم7: 22؛ 22: 32؛ 1مل8: 60؛ 1أخ17: 20؛ مز18: 31؛ إش43: 10؛ يوئيل2: 27؛ زك14: 9. هذه النصوص التي تتّبع قانون ”اسمع“، وتُشدّد على وحدانيّة الله ومُلكه. ولها مثيلاتها في العهد الجديد، انظر: مر12: 29؛ يو17: 3؛ 1كو8: 4؛ غلا3: 20؛ 1تي2: 5.

[2] للمزيد اقرأ: رافائيل البراموسي (الراهب القمص)، الرّبّ إلهنا رّبّ واحد (القاهرة: الكرمة، 2015).

[3] Sifri 346 on Deuteronomy 33: 5; Midrash Tehilim 123: 2; Pesikta 12: 102b; Yalkut 1: 275, 2: 317.

[4] Paul Tillich, A History of Christian Thought, XXXIX

[5] تاريخ الكنيسة 5: 28.

[6] Eleneshos, 10: 5: 1.

[7] المتنوعات 7: 7؛ 6: 15؛ 6: 18.

[8] ضد مركيون 5: 1، 3؛ ضد فالنتينوس 4: 1.

[9] تفسير يوحنا 13: 16؛ عظات على إرميا 5: 4.

[10] أغلب القراءات النقدّية الحديثة للنص، تقرأه ”الذي–ὅς ظهر في الجسد“، بدلًا من: ”الله-θεός ظهر في الجسد“. وهذا لا يُغير من معنى النص نهائيًا، فقد كان هذا تعبيرًا سرائريًا- μυστήριον عن الشخص (يسوع) الذي أعطى العالم المعرفة عن الله غير المُدرك، أو لنقل هو تعبير عن الله المُمجد، والذي لا يُمكن معرفته في مجده. فعدم نطق الاسم ”الله“، كان تعبيرًا عن هذا الإجلال السرائري للإله، حتّى في المفهوم اليهوديّ القديم (Philip Schaff, The Creeds of Christendom, With a History and Critical Notes, Volume II: The Greek and Latin Creeds, With Translations (New York: Harper & Brothers, 1890), 7.).

[11] منعًا للتكرار، يُمكن الرجوع إلى الفصل الخاص بالإيمان بالثالوث في المعموديّة، إذ جاء به الكثير من قوانين الإيمان الأولى، والتي آثرنا ألَّا نُعيد كتاباتها هُنا.

 [12]الرسالة إلى سميرنا، 1.

 [13]إلى تراليان، 9؛ انظر أيضًا: مغنسيا، 11.

[14] الرسالة إلى فيلبي، 2.

[15] سيرافيم البراموسي (الراهب)، الشهادة في نصوص العهد الجديد وحياة الكنيسة الأولى (القاهرة: مدرسة الإسكندريّ للدراست المسيحيّة، 2014)، ص 177.

[16] A Pela Regarding Christians, 10.

[17] رسالة 73: 5.

 [18]الكرازة الرسوليّة 6.

 [19] ضد الهرطقات، 1: 10: 1، 2.

[20] De Virginibus Velandis, cap. 1; Adv. Praxeam, cap. 2; De Præscript. Hæret. cap. 13.

 

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4

 

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4

 

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد

يؤرخ القديس يوحنا ذهبي الفم [347 – 407 م] لتاريخ البتولية في كتاباته فيقول:

“في العهد الجديد …خرج جمال البتولية جليًا إلى النور.”

  1. JOHN CHRYSOSTOM, Letter to a young window in N.P.N.F.IX. (Grand rapids, Michigan: WM.B.Eerdmans Publishing Company, 1956)

فحياة البتولية في العهد الجديد، عهد المسيا، جديدة تمامًا من جهة أصلها والدافع إليها وممارساتها … ويؤكد آباء الكنيسة هذه الحقيقة فيقول القديس أمبروسيوس [ 340- 397 ]:

     “فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن هذه الحياة

      العذراوية تستمد قوتها من السماء، تلك الحياة

      التي لم توجد على الأرض إلا عندما نزل رب

        المجد وأخذ جسدًا بشريًا؟!”

ST.AMBROSE, Concerning Virgins, book I in N.P.N.F, vol. X, P.365

وهذا مايشير إليه البابا أثناسيوس [ 311 – 323م ] في حديثه إلي بعض العذارى:

 “لو لم يتجسد الابن الكلمة كيف كان يمكن الارتباط به؟!

 ولكن عندما أخذ الرب جسدًا بشريًا من السيدة العذراء مريم،

 أصبحتن عذاري وعرائس للمسيح. فلقد زرع والداكن فيكن بذرة الاشتياق إلي حياة الفضيلة وقام برعايتها حسنًا، ثم نمٌاها الختن الذي ألقي بكلمته في قلوبكن فنمى فيكن الاشتياق لأن تصِـرن عذاري مكرسات له. فيجب عليكن أن تنظرن الي سيرة العذراء مريم كمثال وصورة للحياة السمائية.”

See ST. ATHANASIUS, First Letter to Virgins, P.288

ويرجع الحياة البتولية بعض آباء الكنيسة لحياة العذراء مريم ويسوع، زي ما بيُعلق القديس جيروم قائلًا:

 “لقد تقدست البتولية في شخص الرب يسوع وأمه العذراء القديسة مريم. إذ أن كليهما بتول.”

ST.Jerome, Letters to Eustochium, Letter XXII On the Preservation of Virginity in N.P.N.F., Series II, Vol. P.29

الدعوة لحياة البتولية من خلال نصوص العهد الجديد

العهد الجديد لم ينقل لنا التعليم النسكي في صيغ تعليمية، بل وجد التعليم النسكي مكانه وسط تعاليم أُخرى مُقدمة بشكل وعظي للجماعات المسيحية بحسب ما تطلبته الظروف.

التعليم النسكي كله مُلخص في كلمات يسوع: “إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني.. مت16: 24، مر8: 24”.

فالنسك في المسيحية له دعامتين أساسيتين هما:

 1- إنكار الذات، واللي بيدخل تحته مفهوم الفقر الإختياري.

2- التصميم القاطع باتباع يسوع والتمثل بيه.

إنكار الذات أو الفقر الإختياري كمان بيظهره يسوع في قصة الشاب الغني، اللي قال له المسيح: “إن أردت أن تكون كاملًا، فأذهب وبع كلّ أملاكك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني.. مت19: 16- مرقس10: 17- لو18: 18″.

هنا لازم ننوه إن الممتلكات الدنيوية في حد ذاتها شئ جيد، إلا أن التعالم معها بشكل مفرط، بمعنى أن تملكك هي وتسيطر عليك، بدلًا من أن تتسلط أنت عليها، فإنها في هذه الحالة تعد عائقًا ليس للحياة السماوية فقط، بل على مستوى الحياة العادية أيضًا، فبدلًا من أن نحيا لنستمتع بالحياة، نحن نحيا لنضخم ثروتنا ونحافظ عليها، أي أنه بدلًا من الحياة لأجل أنفسنا، أصبحنا نحيا لأجل أملاكنا..

مفهوم الترك ده بنلاقيه كمان عند ق. لوقا لم بيقول عن المسيح: “كذلك كلّ واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 33)

كمان بيقول: “إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته، حتّى نفسه أيضًا، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 25- مت10: 37)

كمان الترك في الأناجيل له مفهوم مختلف، فبطرس طلب منه يسوع بحسب إنجيل لوقا إنه يتبعه، وبيقول الكتاب فللوقت ترك كلّ شئ وتبعه، لكن من تسلسل الحداث فيما بعد بنعرف إن بطرس على أرض الواقع لم يتخلى عن أي شئ، بل على العكس عنده بيته وزوجته وأولاده وحماته وعايش معاهم وعزم يسوع عنده وسطهم، كمان بيمتلك مركبته وأدوات الصيد بتاعته وكل شئ. فماذا ترك إذن؟! لقد ترك التعبد لمثل هذه الأشياء، أصبح في حرية دون أن يتقيد بأي مما يملك، لم تعد تربطه الممتلكات بالأرض بل صار حرًا يتبع المسيح أينما ذهب.

بولس الرسول في كورنثوس الأولى الإصحاح السابع بيقول: “غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، أما المتزوج فيهتم فيما للعالم، كيف يرضي امرأته“. لكنه بيوضح إن ده مش وصية إلهية بقدر ما هو رؤية شخصية للقديس بولس بسبب الضيقة الموجودة على المؤمنين في عصره، ومفهومه عن قرب نهاية العالم، فيقول: “إنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أنه حسن بسبب الضيق الحاضر حسنٌ للإنسان أن يكون هكذا” (1كو7: 25، 26).

يعلق الكثيرون من أباء الكنيسة الأولي على كلمات معلمنا القديس بولس الرسول.. فيقول القديس جيروم في رسالته المكتوبة في عام 384م إلي تلميذته استوخيوم العذراء:

“لماذا يفضل القديس بولس الرسول البتولية؟ لأنه هو أيضًا كان بتولًا ليس رغمًا عنه بل بإرادته الحرة.”

ويتساءل جيروم لماذا لم يأخذ الرسول أمرًا من الرب بخصوص البتولية؟ ويجيب بأنه “مايُقدم بالإرادة الحرة وليس بالإجبار تكون له قيمة أعظم. فلو كان هناك أمر بالبتولية، لكان ذلك يعني تحريم أو منع ما قدسه الله أي الزواج..”

ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.30

وبتفضيل البتولية على الزواج يوضح القديس جيروم أنه:

 ” لايُنقص من شأن الزواج عندما يضع البتولية في مكانة متقدمة ولكنه يوضح للعذاري رفعة مكانتهن التي تسمو على كلّ ماهو أرضي.”

ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.29

طبعًا العهد الجديد ملئ بالتعاليم التي استقت منها الرهبنة منهجها، مثل إخضاع الجسد للروح، قمع شهوات الجسد، الصلاة الدائمة.. وغيرها.. لكن سنكتفي حاليًا بهذا القدر.

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

 

العلَّامة أوريجانوس

وُلِد أوريجانوس بالإسكندريّة عام 185م وصار عميدًا لمدرسة الإسكندريّة منذ العام 203 حتّى 231م. ثُمَّ ذهب إلى قيصريّة فلسطين، وأسّس مدرستها اللاهوتيّة، وعلَّم بها حتّى سنة 249م.

وكان أوريجانوس واسع العلم والمعرفة، ومع ذلك فالمعرفة والعلم الغزير لم يدفع بأوريجانوس إلى الكبرياء والتشامخ، بل على العكس، كان يدرك أن الكارز يلزمه أولًا وقبل كلّ شيء أن يكون رجل صلاة. وفي مرّات كثيرة حينما كان يقف أمام عبارة صعبة يتوقّف عن الكلام ويطلب من سامعيه الصلاة من أجله لينال فهمًا أفضل للنص.[1]

ويُعتبر أوريجانوس أحد مؤسّسيّ التعاليم النسكيّة، وبجانب حياته النسكيّة اهتمّ بممارسة الصلاة بكونها جزءًا لا يتجزأ من الحياة النسكيّة، تسنده في تحرير النفس ودخوله إلى الإتحاد مع الله بطريقة أعمق. يرى في الصلوات أمرًا ضروريًا لنوال نعمة خاصة من قِبَل الله لفهم النص الإلهيّ.[2] وقد رأى إنّ الإنسان يطلب الإتحاد مع الله خلال حفظ البتوليّة،[3] فينسحب عن العالم وهو بعد يعيش فيه،[4] مُقدّمًا تضحية في أمور الترف قدر ما يستطيع،[5] مُحتقرًا المجد البشريّ.[6]

لأوريجانوس مكانة عظيمة في وقته في ردّ الكثير من المرتدين أو مُنحرفيّ الفكر إلى الإيمان الأرثوذكسيّ. في الكثير من المناسبات، كانت تتمّ دعوته إلى العربية ليتناقش مع الأساقفة في أمور الإيمان والعقيدة،[7] وقد أشار المؤرّخ يوسابيوس إلى اثنين من هذه المناقشات، نذكر منها ذلك المجمع العربيّ الذي عُقد في عام 244م لمناقشة وجّهة نظر الأسقف بريلوس Barylius في شخص السيد المسيح.

انعقد هذا المجمع على مستوى واسع، وقد أدان الأسقف بسبب قوله إنّ الله أقنوم واحد، وقد حاولوا باطلًا إقناعه أن يعود إلى الإيمان المستقيم.[8] أسرع أوريجانوس إلى العربيّة ونجح في إقناع الأسقف الذي يبدو أنه بعث إليه برسالة شكر،[9] وصار من أكبر المُدافعين عنه.[10]

تعرّف أوريجانوس على صديق ثري، يُدعى أمبروسيوس،[11] كان يتّبع هرطقة فالنتينوس، وهو من عائلة طيبة ويشغل مركزًا ممتازًا، إذ إلتقى أوريجانوس بأمبروسيوس، جذبه إلى الإيمان المستقيم وأظهر له فساد هرطقة فالنتينوس التي سقط فيها. وإذ أعجب أمبروسيوس بصديقه، ضغط عليه أن يكتب، وأمدّه بأكثر من سبعة من الكتبة في دورات بجانب الكثير من النُسّاخ وبعض الفتيات اللواتي يجدن الكتابة.[12] وفيما بعد صار أمبروسيوس هذا أحد المعترفين[13] في أثناء اضطهاد مكسيميان.

عن الدور الذي قام به أوريجانوس في ردّ الكثير من مُشتتي الفكر إلى الإيمان، يكتب المؤرخ يوسابيوس: ”إذ جذبت سمعة أوريجانوس العلميّة أنظار الكثيرين… ورنّ صداها في كلّ موضع، جاءوا إليه يختبرون قدرة ذكائه في العلوم الدينيّة، فتتلمذ على يديه كثير من الهراطقة (الذين ردّهم للإيمان المُستقيم)، وعدّد ليس بقليل من أبرز الفلاسفة، وتلقّوا التّعليم على يديه لا في الأمور الدينيّة فحسب بل والفلسفة الدنيويّة…

لقد اشتهر كفيلسوف عظيم حتّى بين اليونانيّين أنفسهم… ويشهد لنبوغه في هذه العلوم فلاسفة عصره اليونانيّين، فكثيرًا ما أشاروا إليه في كتاباتهم، بل وأحيانًا كانوا يكتبون إهداءً إليه في مُقدّمة كتاباتهم، كما كان بعضهم يقدّمون له مؤلفاتهم ليبديّ رأيه فيها“.[14]

كما كان له دور بارز في أوقات الاضطهاد التي كانت تحلّ بالكنيسة، يصفه لنا شيخ مؤرخي الكنيسة، يوسابيوس القيصريّ على النحو التالي: ”برّز اسمه بين قادة الإيمان، وذلك بسبب اللطف والرعاية والرقّة التي أظهرها نحو الشهداء والقديسين، سواء كانوا معروفين لديه أو غرباء عنه. كان يرافقهم في السجن ويمكث معهم أثناء المُحاكمة، بل يبقى معهم حتّى لحظات الموت…

غالبًا عندما كان يذهب إلى الشهداء يهتمّ بهم ويُحيّيهم بقبلة دون أي اعتبار لما ينتج عن ذلك، فكان الوثنيّون المحيطون بهم يثورون عليه ويكادوا أن يهجموا عليه ليضعوا حدًّا لحياته“.[15] ويقول الأب والعالم الآبائيّ فرار Farrar: ”إنّ قديسين وشهداء اشتهوا الجلوس عند قدميه“.[16] 

ويروي لنا أبيفانيوس[17] قصة عن رعاع الوثنيّين الذين أمسكوه ذات يوم وهو سائر في الطريق وحملوه بضجيج شديد إلى هيكل سيرابيوم الشاهق، وحلقوا رأسه، ووضعوا عليها قلنسوة، وألبسوه حُلّة بيضاء على طريقة كهنتهم رغمًا عنه، ثُمَّ أخرجوه خارج الهيكل وأصعدوه على القمة الكبرى التي أعلى السلم، وأعطوه سعف النخل، وأمروه أن يقوم بتوزيعه على عبدة الأوثان المجتمعين حوله، وكانوا يسخرون به مصفقين. 

فأسرع أوريجانوس يلوح بالأغصان وينثرها على المتجمهرين وهو يقول بصوت عظيم: ”هلمّوا خذوا هذه الأغصان لا برسم الأوثان بل باسم يسوع المسيح خالق الإنسان“، فصَرّوا بأسنانهم عليه وأرادوا قتله، لكنّ الرّبّ أنقذه من أيديهم.

الصراع مع البابا ديمتريوس

حواليّ عام 216م إذ نهب الإمبراطور كاركلا Caracalla مدينة الإسكندريّة وأغلق مدارسها واضطهد مُعلّميها وذبحهم، قرّر أوريجانوس أن يذهب إلى فلسطين. هناك رحبّ به صديقه القديم الإسكندر أسقف أورشليم كما رحبّ به ثيؤكتستوس Theoctistus أسقف فلسطين، الذين دعاه أن يشرح الكتاب المُقدّس في اجتماعات المسيحيّين، وفي حضرتهما.

غضب البابا ديمتريوس السكندريّ جدًّا، لأنّه حسب عادة الكنيسة السكندريّة آن إذ أنّ العلمانيّ لا يستطيع أن يعظ في حضرة الأسقف، فأمر بعودته إلى الإسكندريّة سريعًا. وبالفعل أطاع أوريجانوس بطريركه في خضوع، وبدت الأمور تسير كما كانت عليه قبلًا، لكنّ هذا الحديث صار مُقدّمة لصراع أوشك أن يحدث بعد عدة سنوات (واستمر حواليّ 15 عامًا).

قد أورد المؤرّخ يوسابيوس دفاع الأسقفين الإسكندر وثيؤكتستوس عن نفسيّهما، والذي جاء فيه: ”جاء في رسالته، أنّه لم يسمع عن أمر كهذا من قبل، ولا حدث إلى الآن أن وعظ علمانيّون في حضرة أساقفة! ولست أدري كيف يقرّر أمرًا غير صحيح، لأنّه متى وُجِد أناس قادرون على تّعليم الإخوة يحثّهم الأساقفة القديسون على وعظ الشعب.

هذا ما حدث في لاراندا عندما طلب ذلك نيون من يولبس، وفي أيقونيّة عندما أمر كلسّس بولينوس… والأرجح أنّ هذا حدث في أماكن أُخرى لا نعلمها“.[18]

أُرسِل العلَّامة أوريجانوس إلى اليونان لضرورة مُلحة تتعلق ببعض الشئون الكنسيّة، وبقيَّ عامين غائبًا عن الإسكندريّة. ذهب إلى آخائية ليعمل صُلحًا، وكان يحمل تفويضًا كتابيًّا من بطريركه. وفي طريقه عبّر بفلسطين، وفي قيصريّة سُيّم قسًا بواسطة أسقفها.[19]

 فقد بدى للأساقفة أنّه لا يليق بمرشد روحيّ مثل أوريجانوس بلغ أعلى المستويات الروحيّة والدراسيّة أن يبقى علمانيًّا. هذا وقد أرادوا أن يتجنّبوا المخاطر التي يثيرها البابا ديمتريوس بسماحهم له أن يعظ وهو علمانيّ في حضرتهم.

وقد اعتبر البابا هذه السيامة أكثر خطئًا من التصرف السابق، حاسبًا إيّاها سيامة باطلة لسببين:

1- إنّ أوريجانوس قد قَبِل السيامة من أسقف آخر غير أسقفه، دون أخذ تصريح من الأسقف التابع له.

2- إذ كان أوريجانوس قد خصى نفسه، فهذا يحرمه من نوال درجة كهنوتيّة، فإنّه حتّى اليوم لا يجوز سيامة من يخصي نفسه.

وإخصائه لنفسه هذا، يرجع إلى حضور النسوة كي يستمعن لمحاضراته، ولكي لا تحدث عثرة رأى أن ينفذ حرفيًّا ما ورد في الإنجيل أن أناسًا خصوا أنفسهم من أجل ملكوت الله (مت 19:12)، لكنّ يبدو أنّه قدّم توبة على هذا الفعل، حيث نجده في تفسيره لهذا النص من إنجيل متى، فسرّه تفسيرًا رمزيًّا لا حرفيًّا.[20]

إدانته

لم يحتمل البابا ديمتريوس هذا الموقف فدعى لانعقاد مجمع من الأساقفة والكهنة بالإسكندريّة. رفض المجمع القرار السابق مكتفيًّا باستبعاده عن الإسكندريّة.[21]

لم يكن هذا القرار كافيًا لإرضاء البابا، فدعى مجمعًا من الأساقفة وحدهم عام 232م، قام بإعلان بطلان كهنوت أوريجانوس واعتباره لا يصلح بعد للتّعليم، كما أعلن عن وجود بعض الأخطاء اللاهوتيّة في كتاباته.

بالرغم من أنّ أوريجانوس رُبّما قد أخطأ في قبول الدرجة الكهنوتية من غير أسقفه، إلَّا إنّه الرجل النبيل الذي أطاع القرار مُتحاشيًا كلّ انقسام، أطاع بروح مسيحيّة لا تحمل شيئًا من الأنانيّة، معتبرًا استبعاده عن الأرض -الغالية عليه جدًّا أكثر من أيّة بقعة أُخرى على الأرض- ليست بالتضحية الكُبرى من أجل حفظ وحدة الكنيسة. فبالرغم من وجود أصدقاء لهم سلطانهم في الإسكندريّة وفي الخارج، وكان يمكنه أن يقود حركة مضادة للبابا، لكنّه أبى أن يفعل شيئًا من هذا.

في هدوء، ترك الإسكندريّة شاعرًا أنّه لن يوجد من يقدر أن يفصله عن كنيسته المحبوبة، إذ يقول: ”يحدث أحيانًا أنّ إنسانًا يُطرد خارجًا، ويكون بالحقّ لا يزال في الداخل، والبعض يبدو كما لو كانوا في الداخل مع أنّهم في الحقّيقة هم في الخارج“.[22]

كانت هذه العاصفة التي ثارت ضدّ أوريجانوس بلا شك صفعة مرعبة، ومع ذلك فإنّنا نراه وهو يتحدّث عنها يتكلّم بإتزان، إذ يقول في مُقدّمة الكتاب السادس لإنجيل يوحنا:[23]

”بالرغم من العاصفة التي هبّت ضدّنا في الإسكندريّة أكملت المجلّد الخامس (من تفسير إنجيل القديس يوحنا) لأنّ يسوع أمر الرياح والأمواج أن تهدأ. لقد بدأت فعلًا في المجلّد السادس حين طُردت من أرض مصر. منذ ذلك الحين والعدوّ يضاعف عنفه، فينشر رسائله الجديدة، التي هيَ بالحقّ غريبة عن الإنجيل، هكذا يطلق علينا الرياح الشرّيرة قادمة علينا من مصر.

وكان للعقل أن يشير علينا أن نستعد للمعركة. لكنّ، لا يمس هذا الأمر سلامنا إلى حد كبير فيعود الهدوء إلى ذهننا حتّى نقدر أن نكمل أعمالنا السابقة الخاصة بدراسة الكتاب المُقدّس“.

نياحته

في أيام داكيوس Decius (249-251)، ثار الاضطهاد مرّة أُخرى، وألقيَّ القبض على أوريجانوس. تعذّب جسده، ووُضِع في طوق حديدي ثقيل وألقيَّ في السجن الداخليّ، وربطت قدماه في المقطرة أيامًا كثيرة، وهُدّد بالإعدام حرقًا.[24]

احتمل أوريجانوس هذه العذابات بشجاعة، وإن كان لم يمت أثناءها، لكنّه مات بعد فترة قصيرة، رُبّما كان متأثّرًا بالآلام التي لحقت به.

قبل أن يموت أرسل إليه البابا الإسكندريّ ديونسيوس، الذي كان تلميذًا لأوريجانوس في مدرسة الإسكندريّة، وقد خلف هيراقليس في الباباويّة وزعامة المدرسة أيضًا، رسالة ”عن الاستشهاد“، لعلّه بذلك أراد أن يُجدّد العلاقة بين العلَّامة السكندريّ أوريجانوس وكنيسة الإسكندريّة.

في عام 254م رقد أوريجانوس في مدينة صور بفلسطين وكان عمره في ذلك الحين 69عامًا،[25] وقد اهتّمّ مسيحيّو صور بجسده اهتمّامًا عظيمًا، فدفنوه إزاء المذبح، وغطّوا قبره ببوابة من الرخام، نقشوا عليها:”هُنا يرقد العظيم أوريجانوس“.

 وقد شاهد الكاتب غيليوم الصوري هذا القبر والباب الرخاميّ في أواخر القرن الثاني عشر.[26]

آراء العلماء وآباء الكنيسة عنه

ألكسندروس أسقف أورشليم الذي كان يتطلّع إلى أوريجانوس كمعلّمه وصديقه، خليفة الاستاذين المُبجّلين بنتينوس وإكليمندس، بل وأعظم منهما. ففي اليوم التالي لنياحة القديس إكليمندس، كتب ألكسندر لأوريجانوس هكذا:

”إنّنا نعرف جيدًا الأبوين الطوباويّين اللذين سلكا الطريق قبلنا وسنلحق بهما سريعًا: ”بنتينوس الطوباويّ والمعلّم القدير، وإكليمندس المبجّل معلّمي ومعيني، وأيضًا آخرين مثلهما، وقد تعرّفت خلالهما عليك، إذ أنت هو ممتاز معهما، يا معلّمي وأخي“.[27]

فهو المُعلّم والباحث الممتاز في الكنيسة الأولى، شخصيّته لا يشوبها عيب، يحمل في تّعليمه دائرة معارف موسوعيّة، ويعتبر أحد المفكرين الأصليين الذين شاهدهم العالم“.[28] ”يرى البعض في العلَّامة أوريجانوس أعظم فكر يحمل عمقًا ظهر في تاريخ الكنيسة“.[29]

وصفه القديس ديديموس الضرير هكذا: ”أعظم معلّم للكنيسة بعد الرسل“، نقلها لنا القديس جيروم، وقد وضعها في مُقدّمة ترجمة ”عظات حزقيال“ لمعلّمه العظيم.[30]

لُقِب العلَّامة أوريجانوس بـ”أدمانتيوس“ أي ”الرجل الفولاذي“، إشارة إلى قوّة حجّته التي لا تقاوم وإلى مثابرته.[31]

كتب بروفيسور كواستن استاذ علم الباترولوجي الشهير في بداية دراسته عن أوريجانوس ما يلي:

”بلغت مدرسة الإسكندريّة (اللاهوتيّة) أهميتها العُظمى بقيادة أوريجانوس، المعلم والعالم البارز للكنيسة الأولى، إنسان بلا لوم في أخلاقه، وذو معرفة موسوعيّة، وأحد أكثر مفكري العالم أصالة في العصور كلها“.[32] ويكمل في حديثه عنه، قائلًا: ”رغم أنّ أوريجانوس أعطى اهتمامًا عظيمًا بدراسة الكتاب المُقدّس، واعتبر الفلسفة مُجرّد خادمة للمسيحيّة، إذ نجده يؤكد على أهمّيّة الكتاب المُقدّس أكثر من معلّمه كليمندس الإسكندريّ“.[33]

ويذكر كواستن، أنّ أوريجانوس بالغ في استعمال الطريقة الرمزيّة في تفسير الكتاب المُقدّس مما نتج عنه بعض الأخطاء.

ولهذا السبب حدث خلاف في الرأي بين الآباء منذ القرن الرابع حول ما ورد في كتابات أوريجانوس من بعض الأفكار إلى أن انتهى الأمر في القرن السادس بإدانة الأفكار الخاطئة الشائعة عنه، في مجمع عقده الإمبراطور جوستنيانوس الأوّل بالقسطنطينيّة سنة 543، وهو المجمع المسكونيّ الخامس عند الروم، والذي لم تشترك فيه الكنيسة القبطية الأرثوذكسيّة طبعًا لأنّه بعد انشقاق مجمع خلقيدونية تاريخيًّا.

ويضيف كواستن:

”كان مصير أوريجانوس أن يكون علامة اختلاف وتعارض، أثناء حياته، كما بعد وفاته أيضًا. ويندر أن نجد شخصًا مثله له أصدقاء كثيرون جدًّا وأعداء كثيرون جدًّا. صحيح أنّه ارتكب بعض الأخطاء، لكنّ لا يُمكن أن يشكّ أحد أنّه كان تواقًا وراغبًا بشدة أن يكون مسيحيًّا على الدوام، مستقيم الإيمان، عميقًا في إيمانه وثقته بالله.

فهو يسجل في بداية كتابه اللاهوتيّ الرئيسيّ ”المبادئ“: ”إنّ ما يجب أن يكون مقبولًا على أنّه هو وحده الحقّيقة والحقّ، هو ما لا يختلف من أي جهة من الجهات مع التقليد الكنسيّ والرسوليّ“.[34] ولقد جاهد أوريجانوس بكل قواه لكي يتّبع هذه القاعدة وختم جهاده هذا بدمه في نهاية حياته“.

قال عنه العالم واللاهوتيّ جان دانيلو:

”يمكن القول بإنّ كتابات أوريجانوس تشير إلى فترة حاسمة في كلّ ميادين الفكر المسيحيّ. فقد بحث في تاريخ نسخ الكتاب المُقدّس المتنوّعة، كما أنّ تعليقاته على المعاني الحرفيّة والروحيّة للعهد القديم والجديد، جعلته مؤسّسًا للدراسة العلميّة للكتاب. هو أوّل من وضع النظرة اللاهوتيّة العظيمة، وأوّل من حاول تقديم تفاسير منهجيّة للأسرار المسيحيّة.

إنّه أوّل من وصف الطريق الذي تسلكه النفس في رجوعها لله، وبهذا يكون أوّل مؤسّس للاهوت الحياة الروحيّة. كذلك نتساءل: إن كان يعتبر هو السلف -إلى حد ما- لظهور الحركة الرهبانيّة الكبرى في القرن الرابع“.[35]

مدحه أيضًا الأب فنسنت الليرنزيّ Vincent of Lerins، قائلًا:

”إن كان من جهة الحياة فعظيمة هيَ صناعته! عظيمة هيَ نقاوته وصبره واحتماله! من جهة النبل فأيّ شرف أعظم من أن يولد في بيت يتجمد بالاستشهاد؟! إن كان من جهة الفصاحة والحكمة والفلسفة فقد فاق الجميع. تخرّج من أحضانه معلّمون بلا حصر وكهنة ومعترفون. أي مسيحيّ لا يكرمه كنبي أو فيلسوف ومُعلّم؟! فإنّه حتّى الأمراء كرّموه. لا يكفيني اليوم كله أن أخبرك عن عظمته أو حتّى تحسّست نصيبًا منها!“.[36]

تلاميذ أوريجانوس والمعجبون به

في الإسكندريّة تتلمذ (البابا) ديونسيوس على يديه، وحينما بدأ العالم ينقلب عليه بقيَّ البابا يشعر أنه مدين بالجميل له، فأرسل إليه رسالة عن الاستشهاد عام 259م.

وقد مدحه القديس ديديموس الضرير مدير مدرسة الإسكندريّة وأكمل عمله في حقل التفسير واللاهوت الرمزيّ.

ودافع عنه البابا أثناسيوس الرسوليّ ولقّبه بألقاب جميلة مثل: ”العجيب“ و”العامل بالحب“.

أمّا الآباء الكبادوك فقد أحبّوه وورثوا تعاليمه،[37] تلك التي نُقِلت إليهم بواسطة تلميذه القديس غريغوريوس صانع العجائب الذي تتلمذ هو وأخوه ثيودورس على يديه بسبب اهتمامهما بالعلوم اليونانيّة وحبّهما للفلسفة، لكنّه استبدل غيرتهما القديمة في الفلسفة والعلوم اليونانيّة، بدراسة اللاهوت، وإذ لبثا في الدراسة خمس سنوات، أظهرا تقدّما عظيمًا في الروحيًّات حتّى سُيَّم كلاهما أسقفًا في كنائس بنطس رغم حداثة سنهما.[38]

فالقديسين غريغوريوس النزينزيّ وباسيليوس الكبير، وإن كانا لم يقبلا نظامه اللاهوتيّ بكليّته، لكنّهما رأيَّ فيه الشكل الوحيد الكافي للفكر العلميّ المسيحيّ المعروف في ذلك الحين، فتتلمذا على منهجه، كما ضمَّا بعض أقواله في كتاب ”الفيلوكاليا“ شهادة لاعتقادهما أنّ فكر أوريجانوس يحوي الأسّس التي بواسطتها يُمكن تقديم الإيمان في لاهوت عقليّ. في محاولتهما أرادوا تحقيق هذا الحُلم: ”تحالف الإيمان مع العلم“، والذي وجدوا بذرته الأولى عند أوريجانوس.[39] 

كما تأثر به القديس باسيليوس تأثرًا كبيرًا في مُعالجته لموضوع العالمين المنظور وغير المنظور، من خلال كتابه عن الروح القدس.[40]

لَقَب القديس غريغوريوس النيصي العلَّامة أوريجانوس بـ ”زعيم الفلاسفة المسيحيّين“،[41] وقد شارك القديسان السابقان اعتقادهما تجاه العلَّامة أوريجانوس ومنهجه، وإن كان قد تشرّب بروحه أكثر منهما، يظهر ذلك بوضوح في مقاله Oratio Catechelica الذي يقترب جدًّا من روح كتاب ”المبادئ“ لأوريجانوس أكثر من أي عمل آخر في القرن الرابع.[42] 

لقد حفظ القديس الكثير من مقالاته، وأدرك بفهم منهجه، وإن كان قد رفض مبالغاته. لقد أخذ عنه بعض أفكاره وتفسيره الرمزيّ وتّعليمه في حريّة الإنسانيّة، واعتقاده في الصلاح المُطلق لكل الأشياء.. لكنّه لم يكن مُجرّد ناقل.

ويعتبر القديس أوغريس من بنطس هو المسئول عن نشر تعاليمه بين رهبان مصر، فقد اعتمد على كتاباته وكان ينشرها أثناء وجوده في مصر. ومن خلاله أيضًا تسلّم القديس يوحنا كاسيان تعاليمه وبهذا انتقلت إلى الرهبنة الغربية.[43]

ونسخ بمفيليوس البيروتي تلميذ بيروس مدير مدرسة الإسكندريّة معظم مؤلفات أوريجانوس بيده وشغف بقراءتها.

تأثّر الأب مكسيموس المعترف بأوريجانوس تأثيرًا مُطلقًا.[44]

عُرِفت أعماله في الغرب بواسطة روفينوس الإكويلي، الذي أعُجِب به جدًّا، ودافع عنه بشدّة.

ويعتبر القديسان هيلاري وأمبروسيوس مدينان لتفاسيره بالكثير.

أمَّا القديس جيروم فقد كان منذ صباه المُبكّر مُعجبًا به جدًّا، دعاه ”أعظم مُعلمي الكنيسة بعد الرسل“،[45] دفع الكثير ليقتني كلّ كتبه، وترجم الكثير من مقالاته إلى اللاتينيّة، وجعل اسمه مشهورًا في الغرب. معرفته للتفسير جائت عن رجال أوريجانوسيّين مثل ديديموس الضرير وغريغوريوس النزينزيّ. لكنّه، فيما بعد، انقلب إلى عدوّ لدود ضد أوريجانوس.

كما مدحه القديس أغسطينوس.

بين المؤرخين الأوّلين مدحه يوسابيوس وسقراط جدًّا.

أخيرًا أتذكّر مُجرّد أسماء لتلاميذه والمُعجبين به: القديس يوحنا أسقف أورشليم، ويوسابيوس أسقف Vercellae، والإخوة الطوال القامة،[46] الذين بسببهم تعرّض ذهبي الفم لكثير من المتاعب. والقديس بلاديوس، وتوتيم أسقف سيتي الذي اعترض على أبيفانيوس عدوّ أوريجانوس.

شهادة القديس أثناسيوس لتعاليم أوريجانوس

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ كتابًا للدفاع عن صيغة إيمان مجمع نيقية المسكونيّ الأوّل المنعقد سنة 325 De Decretis

وفي الفصل (6) من هذا الدفاع يستشهد القديس أثناسيوس بأربعة آباء ومعلّمين استلم منهم آباء مجمع نيقية الإيمان المُستقيم بأن ابن الله من نفس جوهر الآب. وقد كان أوريجانوس هو أحد هؤلاء الآباء الذين استشهد بهم.

وننقل هنا ما كتبه القديس أثناسيوس عن إيمان أوريجانوس:

 ”وفيما يخص الوجود الأزليّ للكلمة مع الآب، وأن الكلمة ليس من جوهر آخر بل هو من الآب ذاته، كما قال الأساقفة في المجمع، يمكنكم أن تسمعوا أيضًا من أوريجانوس؛ محب الأتعاب،[47] 

لأنّ ما كتبه من باب البحث والتدريب، لا ينبغي لأى أحد أن يعتبره مُجرّد مشاعره الشخصيّة، بل هى أفكار الفرق المتصارعة في البحث، أمّا ما يعلنه بصورة مؤكدة ومحدّدة، فهذا هو فكر هذا الإنسان المحب للأتعاب… فهو يقدّم اعتقاده الشخصيّ هكذا:

صورة الإله غير المنظور هى صورة غير منظورة، بل أتجاسرّ وأقول بما أنه صورة الآب فهو كان موجودًا دائمًا. لأنّه متى كان الله -الذي بحسب يوحنا يدعى النور (لأن ”الله نور“)- متى كان بدون بهاء لمجده الذاتي، حتّى يتجرأ أي إنسان أن يؤكد أن أصل وجود الابن كأنه لم يكن موجودًا قبلًا؟ لكنّ متى كان صورة الآب التي لا يعبر عنها، والجوهر الذي لا يسمى ولا ينطق به، ذلك التعبير والكلمة، والذي يعرف الآب، متى كان غير موجود. بل دع ذلك الذي يتجاسرّ أن يقول:

 ”كان الابن غير موجود في وقت ما“، دعه يفهم جيدًا أنه بهذا هو يقول إنّ الحكمة لم تكن موجودة في وقت ما، والكلمة لم يكن موجودًا، والحياة لم تكن موجودة“.

 

العلامة أوريجانوس (185م -203م) – دكتور سامح فاروق حنين

 

[1] In Gen Hom.2: 3.

[2] Hom. Jer. 6: 3

[3] In Num. hom. 11: 3

[4] In Levit. hom.11: 1.

[5] Ibid 15: 2.

[6] In Joan.28: 23.

[7] C. Knetschmar: Origens Und dei Arber, Zeilsch. Theolo. Kirsh 50 (1953) P 258 – 280.

[8] Fairweather, P. 60.

[9] Jerome: Cata c. 60; Socrate 6:39.

[10] آباء مدرسة الإسكندريّة الأولون، ص 85.

[11] ليس هو القديس أمبرسيوس أسقف ميلان، فقد كان أمبرسيوس صديقًا لأوريجانوس، وكان علمانيًّا، وثريًا، ينفق من ماله الخاص لخدمة التعاليم التي يقوم بها أوريجانوس.

[12] Eus. H. E. 3: 23: 2, 3.

[13] المُعترف: هو من تعذَّب على اسم المسيح، ولأجل إيمانه به، وظلّ ثابتًا في إيمانه، لكنّه لم ينل إكليل الشهادة.

[14] Euseb. H. E 6: 18: 2-4; 6: 19: 1.

[15] Eus. H. E. 6:3:3-7.

[16] Farrar, vol 1, P 426.

[17] تاريخ الكنّيسه، للقس منسّى يوحنا، ص 34.

[18] Eus. H. E. 6:19:17, 18.

[19] Eus. H. E. 6:23:4.

[20] On. Matt. 19: 12.

[21] H. M. Gwatkin: Early Church History, London 1909, vol 2, P. 192.

[22] Hom Levit 14:3.

[23] In Joan 6:1, 8-11.

[24] Eus. H. E. 6:39:5.

[25] Eus. H.E. 7:1

[26] رئيس أساقفة صور، ولد حواليّ عام 1130م وتنيح عام 1183م.

[27] Eus. H.E. 6:14:8-9.

[28] Quasten: Patrology, vol 2, P 37

[29] Carl S. Meyer: The Church, P 32.

[30] Jerome: Praef. in Hom. Orig. in Exech

[31] آباء مدرسة الإسكندريّة الأولون، ص 81.

[32] Quasten Vol.II, p.37.

[33] Quasten, Patrology, Vol.II.p.42.

ويُعد هذا أحد الأخطاء الحقيقيّة التي وقع فيها العلاّمة أوريجانوس، بعكس بقية الأخطاء العقيدية المُنسوبة بالخطأ إليه.

[34] حول المبادئ، Deprinc. Praef. 2

[35] J. Danièlou: Origen, N.Y 1955, P, VII.

[36] Adv Haer 23.

[37] Stanley M. Burgess, The Spirit and the Church, 1984. P. 132.

[38] Euseb. H. E 6: 30.

[39] J. H Strawley: The Catechtical Oration of Gregory of Nyssa, Cambridge 1905. PX.

[40] تادرس يعقوب ملطي (القمص)، القديس باسليوس الكبير، الجزء الثالث (الإسكندريّة: كنيسة مارجرجس إسبورتينج، 2014)، ص 218.

[41] راجع منسى يوحنا ص 48؛ مختصر تاريخ الأمة القبطيّة، ص384-390.

[42] Harnak: History of Dogma, vol 4, P 334.

[43] Dom Marsili Giovanni: Cassiano ed Evagris Pontics, Rome 1936.

[44] FR. Von Balthassi: Kosmische Liturgie, Freiburg in Breisgau 1941.

[45] Praef in Quaest in Gen.

[46] راجع: القديس يوحنا ذهبي الفم، للأب تادرس يعقوب، الإسكندريّة 1975م.

[47] φιλοπόνου = Labour – Loving.

أورد القديس أثناسيوس هذا الوصف بمدح أوريجانوس مرة أُخرى في الرسالة الرابعة إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس (انظر الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون 9:4) الترجمة العربية.

 

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4

الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4

الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4

 

فرضّت الظروف على المسيحيّين في القرنين الثاني والثالث أن يواجهوا حربًا على جبهتين، فقد كانت تواجه الدولة الرومانيّة التي أعدت جيوشها، وشحذّ فلاسفتها أقلامهم لمُحاربة المسيحيّة، ومن جهة أُخرى، كانت تُواجه اليهوديّة التي تغلغلت تعاليمها إلى بعض المسيحيّين الأوائل. وبين هذا وذاك، كانت الكنيسة تُجاهد للحفاظ على نقاوة وطهارة عقيدتها.

فالداخليّن الجُدّد إلى الإيمان المسيحيّ كانوا أمّا من خلفية يهوديّة، أو من بيئة فلسفيّة تنجذب للفكر أكثر من الإيمان. وجاء هؤلاء وأولئك مُحملين بأفكار قديمة، ترسخت معهم، ولم يستطيعوا التخلي عنها بسهولة حين دخلوا المسيحيّة. فحاول الفريق الأوّل أن يرتدّ بالمسيحيّة من النعمة إلى الناموسيّة، وهم الأبيونيون أو المتهودون. وحاول الفريق الآخر تحويل المسيحيّة إلى ديانة أفلاطونيّة بحتة، مثل الغنوصيّون بفرقهم المُختلفة.[1]

فكان لزامًا أن يظهر داخل الكنيسة، إنتاج أدبي من نوع جديد، وهو كتابات المُدافعون Apologists، وقد حاول هؤلاء المدافعين دفع التهم عن المسيحيّة، وفي نفس الوقت، ربح الحكومة والاِمبراطوريّة إلى جانب المسيحيّة، ودفع الأفكار الخاطئة التي كانت تُشاع عن المسيحيّين.

من هذه الاتهامات التي سجلها لنا التاريخ غير المسيحيّ، ما كتبه سويتونيوس المؤرخ الوثنيّ، واصفًا المسيحيّة بأنها:

”خرافة جديدة، سحرية ومؤذية، تُعلنها جماعة من الناس يدعون مسيحيّين“.[2]

فوصفها بالخرافة يعني أنها تشوّه الديانة الرومانيّة الرسمية، وتُعرّضها للخطر. بينما وصفها بالـ ”جديدة“ يعني أنها تُهدّد استقرار الدولة ونظامها.

صفات مُشابهة نجدها عند المؤرخ الرومانيّ الشهير ”تاسيتوس“، حيث يصف المسيحيّة هُنا كالتالي:

”بعد أن قُمِعت تلك الخرافة المشؤومة في مهدها، على يد الإمبراطور طيبآريوس، عادت فظهرت، لا في اليهوديّة وحسب، حيث نشأ الشر، بل في روما أيضًا، إلى حيث يفد كلّ ما هو قبيح ومُشين في العالم، ويجد اتباع كثيرين“.[3]

كما وُصِفت بالـ”ديانة ذات الطقوس الغامضة“، وذلك بسبب سرّيّة التعاليم المسيحيّة في مهدها، خوفًا من الاضطهاد من جهة، ومن جهة أُخرى حفاظًا على قدّسية التعاليم. جاء هذا الوصف في الأحكام الشرعية ليوليوس باولوس، كالتالي:

”هؤلاء من يُنادون بأديان جديدة، تُعلن طقوسًا غامضة وعادات غريبة، تشوش على عقول الناس، إن كانوا من أصحاب الطبقات العُليّا سوف يتمّ نفيهم، وإن كانوا من الطبقات الدُنيا، سوف يُعاقبون بالإعدام“.[4]

من الأمثلة الصارخة على التعنت والأحكام الجائرة ضد المسيحيّين، نجد في واحدة من رسائل بيليني، نجده يكتب:

”هذه هيَ القاعدة التي اتّبعتها في مُعاملة أولئك الذين أحيلوا على لأنهم مسيحيّون. لقد سألتهم إن كانوا مسيحيّين، والذين اعترفوا بذلك، سألتهم ثانية وثالثة مُهدّدًا إياهم بالتعذيب. والذين أصرّوا على جوابهم أعدمتهم. فأيًا كان معنى اعترافهم، كنت مُقتنعًا بأنه لابد من أن أُعاقب –على الأقل- ذلك العنادو التعنت. وهُناك آخرون مِن مَن يتمتعون بالمواطنية الرومانيّة، يتملكهم الجنون نفسه، فكتبت في حقهم كيما يتمّ إرسالهم إلى روما.

أمّا الذين أنكروا انهم مسيحيّون، وكانوا مسيحيّين قبلًا، فإنّ رفعوا الصلوات للألهة في الصيغة التي أُلقيها عليهم، وقربوا النبيذ والبخور أمام صورتك التي أُحضرها إليهم (الإمبراطور)، مع تماثيل الآلهة، وجدّفوا على المسيح، وهيَ أمور يُُقال إنّها لا يُمكن أن تصدر عن أي مسيحيّ حقّيقيّ، فقد رأيت من واجبي أن أُطلق سراحهم“.[5]

فكان عمل المُدافعين كالمُحامين، يُدافعون عن قضية المسيحيّين أمام بطش الدولة الغاشم والجائر بحقّهم. فنجد يوستينوس الشهيد يُشدّد على أنه لا يجب الحكم على الاسم، لكنّ على الأعمال، وإن كان المسيحيّون لا يسلكون طريق الجُرم، فيجب على الدولة أن ترفع الأحكام عنهم.[6] وترتليان كان يُطالب بألاّ يُحكم عليهم حكم مُسبق.[7] وإنّ ديانتنا لا يوجد بها تعاليم سرّيّة.[8]

ويوضح المُدافعون أيضًا للعالم الوثنيّ، أن الاعتراف بتفوق الله على الإمبراطور ليس ذنبًا،[9] وبأننا لا نهرّب من الحياة، ولا نرفضها، بل نرفض التسليات المُخلة،[10] وأن المسيحيّون إن كانوا مُلحدين، فهم مُلحدون من جهة آلهة روما الباطلة فقط.[11]

[1] إيريل كيرنز، المسيحيّة عبر العصور، ترجمة عاطف سامي (قبرص: نيقوسيا، 1992)، ص 119.

[2] حياة نيرون، 16: 2.

[3] الحوليات، 15: 44.

[4] Collected Sentences, V. 21; Origen, Against Celsus, VIII: 17, III: 14.

[5] الرسالة، 10: 96: 2- 5.

[6] الدفاع 1: 4؛ أثيناغوراس، الدفاع 1؛ ترتليان، الدفاع 1: 4، 5، 3: 1؛ ثيوفيلس، إلى أوتوليكس 1: 12.

[7] الدفاع 2: 10، 11؛ يوستينوس، الدفاع 1: 7.

[8] الرد على كلسوس، 1: 7.

[9] ترتليان، الدفاع 30: 1- 3؛ أثيناغوراس، الدفاع، 7، 13.

[10] ترتليان، الدفاع 42: 3؛ 38: 3- 4.

[11] يوستينوس، الدفاع 1: 6.

 

الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4

الاباء الرسوليون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج3

الاباء الرسوليون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج3

 

الاباء الرسوليون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج3

 

هذا الاسم ”الآباء الرسوليّون“ يُطلق على مجموعة من الكُتَّاب والكتابات التي تلت أخر أسفار العهد الجديد، أي هيَ أقدم كتابات وصلت إلينا بعد نصوص العهد الجديد.[1] هذه النصوص بالرغم من كونها كتابات غير قانونيّة، إلَّا إنّها تُعتبر كنزًا ثمينًا للمُهتمين بدراسة المسيحيّة المُبكرة.[2]

الآباء الرسوليّون هُم سبعة كُتَّاب كنسيّين: (كليمندس الرومانيّ، أغناطيوس الأنطاكيّ، بوليكاربوس أسقف سميرنا، هرماس، بابياس، ديوجينوس، ورسالة برنابا). رسالة الراعي لهرماس ورسالة برنابا ينتميان من حيث الشكل والموضوع إلى الأدب الرؤيويّ، بينما رسالة ديوجينتوس يغلب عليها الطابع الدفاعي وهيَ أقرب لكتابات الآباء المُدافعين، (يوستينوس، وأثيناغوراس، أرستيدس الأثيني، تاتيان السوري… وغيرهم).

بينما نجد رسائل ”كليمندس وأغناطيوس وبوليكاربوس“ أقرب ما يكون للرسائل الرعوية الرسوليّة في العهد الجديد من حيث الأسلوب. وقد أُضيف إلى هذه اللائحة مؤخرًا كتابيّ الديداخي، وتسابيح سُليمان.

من السمات الغالبة على هذه الكتابات هو اهتمّامها بأحوال الكنيسة وشئونها الداخليّة، والتأكيد على الوحدة تحت ظِلّ الإفخارستيّا التي يقودها إمام (الأسقف) ذاك الذي هو بمثابة الرأس للرعيّة ويجب أن يتحدوا معه. وقد كانت لهذه الكتابات تقديرًا كبيرًا في الكنيسة الأولى، حتّى أنّ مخطوطات الكتاب المُقدّس كانت تُلحق بها هذه الكتابات، رُبّما لقراءتها في الخدمات الليتورجيّة.

فتتسم كتابات الآباء الرسوليّين بسمات الرعاية، أمّا من جهة أسلوبها ومحتوياتها فإنّها تشبه كثيرًا كتابات العهد الجديد وخاصة رسائل الرسل. لذلك، يُمكن اعتبارها نقطة الوصل بين زمن الرؤيا وزمن التقليد، وشاهدًا هامًا للإيمان المسيحيّ الأوّل. وينتمي المؤلفون إلى بقاع خاصة، ومع ذلك فإنّهم يُمثلون عالمًا موحدًا في الآراء التي تعطينا صورة للعقيدة المسيحيّة خلال هذه الحقبة.

وتتشابه كلّ هذه الكتابات في سماها الإسخاتولوجيّة، فمجيء المسيح وشيك الوقوع. ومن الناحية الأُخرى، مازال شخص المسيح يُذكر في جلال وبهاء بسبب العلاقة المُباشرة التي كانت بين الكُتَّاب والرسل.

لم يقصد الآباء الرسوليّين أن يُقدّموا أي شرح علميّ للإيمان المسيحيّ، فكتاباتهم كانت تتضمن منطوقات مألوفة أكثر من كونها تحديدات لاهوتيّة عقائديّة. لكنّ، الكتابات عمومًا تُقدّم عقيدة واحدة عن طبيعة شخص المسيح، فالمسيح بالنسبة لهم هو ابن الله الذي هو موجود قبل الدهور والذي تجسد من أجل خلاصنا، وهو من اشترك مع الأقنومين الأخرين وفي خلقة العالم.

يؤثر على كتابات الآباء الرسوليّين قربهم الشديد من الرسل ومن عصر المسيح، والبُعد الإسخاتولوجيّ أو الأخرويّ هو الطابع المميز لتلك الكتابات، إذ كانت اشتياقاتهم تُحرِّك فكرهم وكيانهم نحو مجيء المسيح، ذلك الذي كانوا ينتظرونه أن يحدث وشيكًا جدًّا في أيامهم.

وهذه الكتابات ليست شرحًا نظاميًّا للعقيدة المسيحيّة، لكنّ، في ذات الوقت، فإنّنا نجد الإيمان المسيحيّ مُثبتًا داخلها من خلال تلك التعبيرات العرضيّة التي كتبوها بعفويّة غير مُتكلِّفة بمقاييس ومُصطلحات العقيدة التي صيغت مُصطلحاتها بعدهم بعدة قرون في مجمع نيقية.

لكنّ، برغم أنّ تعبيراتهم غير مُتخصّصة في تقديم التعاليم الثالوثيّة، رُبّما يرجع ذلك إلى أنّ الهرطقات ضد الثالوث القدّوس لم تكن قد ظهرت في حيز الوجود بعد في أيامهم. إلَّا إنّهم قد أوضحوا بجلاء أنّ إيمانهم ورجاؤهم وحبّهم مؤسّس على الآب والابن والروح القدس.

[1] Tony Lane, A Concise History of Christian Thought, Rev. Ed. of: Harper’s Concise Book of Christian Faith., Completely Revised and Expanded Edition (Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2006), 8.

[2] Bart D. Eherman, ed., tran., The Apostolic Fathers (London: Harvard University Press, 2003), I.

 

الاباء الرسوليون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج3

Exit mobile version